عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

ثامر الحاج أمين: دعوة إلى التعقّل

بقدر ما وفّرت لنا وسائل التواصل الاجتماعي من فسحة للتعارف وتبادل الآراء، وسرعة الوصول إلى المعلومة، فإنها في الوقت نفسه أظهرت لنا العديد من السلوكيات السلبية التي ينتهجها بعض المراهقين الذين جعلوا من هذه المساحة المهمة منبراً للشتائم، وإخراج ما في جوفهم من قيء يعكس دواخلهم المريضة ، حيث تتعرض بعض المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي لتعليقات مسيئة لا تقتصر على الألفاظ النابية والتجريح، بل تتجاوز ذلك أحياناً إلى الطعن بالأعراض والتخوين والاتهام بالعمالة، لمجرد أن أصحابها اختلفوا مع مضمون المنشور أو مع رأي كاتبه.

وإيماناً مني بأهمية النقاش البنّاء والحوار، الذي يرى فيه المعلم "سقراط " أفضل وسيلة للتوصل إلى الحقيقة، دعوت مراراً إلى تبادل الأفكار وبلوغ التفاهم المشترك، عبر الإنصات واختيار الألفاظ المناسبة. وكتبت على صفحتي أن التعليق على المنشور يعكس ثقافة وتربية صاحبه ومرجعيته الأخلاقية والفكرية، وعلى كاتب التعليق أن يترفع عن البذاءات، ويتعلم كيف يحاور المختلف معه بهدوء واحترام، ويقابل الحجة بالحجة، والرأي بالرأي، بعيداً عن الانفعال والتجريح والتجاوز على الآخرين.

فالحوار المهذب، حين يخلو من الإساءة والتشنج، قد يكون أكثر تأثيراً من الشتيمة والتخوين؛ إذ ربما تقود كلمة هادئة وحجة مقنعة صاحب المنشور إلى مراجعة موقفه، والاعتراف بخطئه والعدول عنه. وبذلك نكون قد أصلحنا إنساناً كان غافلاً عن حقيقة ما، بدلاً من أن نخسره بالإساءة والتجريح.

فالاختلاف في الرأي أمر طبيعي، وسُنّة كونية، وجزء من التفاعل البشري، وعليه ينبغي للاختلاف ألّا يفسد للود قضية. أما الإساءة إلى المختلف فليست دليلاً على قوة الحجة، وإنما هي دليل على ضعفها، وغالباً ما تختبئ وراءها الأحقاد والنزعات العدوانية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: متى ندرك أن الحقيقة ليست ملكاً حصرياً لأحد، وأن إثراء الحوار يساعد على فهم المشكلات وإيجاد الحلول لها ؟ ومتى تسود مجالسنا الحوارات الهادئة البنّاءة، البعيدة عن إثارة الأحقاد وإشاعة الضغينة في النفوس، التي هي بالأساس متعبة نتيجة الضغوط النفسية التي ولّدتها تعقيدات الحياة وعبث السياسيين؟

متى نغادر التعصب، ونؤسس، من خلال الحوار، قاعدة أخلاقية وإنسانية للوصول إلى الحقيقة، تكون مفتاحاً لفك العديد من مشكلاتنا؟

إننا لا نحتاج إلى مزيد من الصراخ، بقدر حاجتنا إلى قدر أكبر من التعقّل؛ ولا نحتاج إلى أن ينتصر أحدنا على الآخر، بقدر حاجتنا إلى أن تنتصر الحقيقة على الجهل، والحجة على الشتيمة، والحوار على الكراهية.

فربما كان أول طريق إصلاح مجتمعنا أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتحول إلى أعداء.

***

ثامر الحاج أمين

في المثقف اليوم