عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

نهاد الحديثي: عام دراسي وتحديات جديدة

ينطلق العام الدراسي الجديد في العراق (2026-2027) يوم الأحد الموافق 20 أيلول 2026 للطلبة، بينما تباشر الهيئات التعليمية والتدريسية في 1 أيلول 2026 ويوجه القطاع تحديات مستمرة تتمثل في نقص الأبنية المدرسية، والضغط الناتج عن زيادة أعداد الطلبة، إلى جانب القرارات التنظيمية الجديدة السؤال عن إمكانية إيجاد حلول ليس سؤالًا إجرائيًا، بل سؤال وجودي يتعلق بقدرة التعليم نفسه على البقاء.. فالتقنيات الجديدة لا تمنحنا الوقت الكافي للتكيّف، بل تفرض واقعًا يتغير أسرع من قدرتنا على فهمه.. ولهذا يشعر كثير من العاملين في التعليم أنهم أمام موجة لا يمكن اللحاق بها، وأن الأدوات التي اعتادوا استخدامها لم تعد صالحة تستعد وزارة التربية العراقية لإجراء تحديث جديد في المناهج الدراسية، يشمل مادتي القراءة للصف الأول الابتدائي والرياضيات للصف الرابع الإعدادي العام، على أن يبدأ اعتماد المناهج المحدثة رسمياً اعتباراً من العام الدراسي 2026–2027وتأتي الخطوة ضمن خطة الوزارة لتطوير المحتوى التعليمي ومواكبة الأساليب الحديثة في التدريس، خصوصاً في المراحل التي تمثل أساساً مهماً في بناء مهارات الطلبة وقدراتهم العلمية واللغوية, حسب ما أعلنته وزارة التربية، فإن تحديث مادة القراءة للصف الأول الابتدائي يهدف إلى تقديم منهج أكثر قدرة على تنمية المهارات اللغوية والفكرية لدى التلاميذ، من خلال اعتماد أساليب تعليمية حديثة تتجاوز الطرق التقليدية في تعليم القراءة والكتابة, في المرحلة الإعدادية، فقد شمل التحديث مادة الرياضيات للصف الرابع الإعدادي العام، في خطوة تستهدف تطوير المحتوى العلمي وتحسين قدرة الطلبة على التعامل مع المفاهيم الرياضية بطريقة أكثر انسجاماً مع متطلبات التعليم الحديث ,وفي المقابل، أكدت الوزارة عدم وجود تغييرات أخرى في بقية المناهج المشمولة بالعام الدراسي المقبل، ما يعني أن التحديث الحالي يتركز على مواد وصفوف محددة، وليس تغييراً شاملاً للمناهج الدراسية وتبقى عملية طباعة الكتب وتوفيرها للمدارس أحد التحديات العملية أمام الوزارة، إذ إن نجاح أي تحديث للمناهج لا يتوقف على إعداد المحتوى فقط، بل يحتاج إلى توفير الكتب في الوقت المناسب، وتدريب الكوادر التعليمية على المنهج الجديد، وضمان امتلاك المعلمين الأدوات اللازمة لتطبيق الأساليب التعليمية الحديثة ,, ويواجه النظام التعليمي العراقي تحديات متعددة، من بينها كثافة الصفوف، وتفاوت مستوى المدارس، ونقص بعض الموارد التعليمية، فضلاً عن الفجوة بين التعليم التقليدي والوسائل التعليمية الحديثة, كل عام دراسي نفكر في التحديات الجديدة التي يمكن ان تواجهنا، في الاعوام السابقة كانت التحديات يمكن استيعابها وتصور حدودها وربما تدور حول الطلاب والامكانات المتاحة وفرص توفر مصادر المعلومات، لكن فجأة بدأت تتصاعد التحديات بشكل متسارع حتى أنه لم يعد في الامكان تعريف هذه التحديات لأنها تتركز في تحد واحد وهو الذكاء الاصطناعي. أحد الاسئلة المباشرة تمثلت في تعريف العملية التعليمية برمتها، فهل مازالت تعني نقل المعرفة من الاستاذ الى الطالب؟ وهل مازال الطالب يحتاج الى مثل هذا النقل؟ كيف إذا سنعرف التعليم اذا كانت التقاليد القديمة تكسّرت وانهارت فهي في طريقها الى الزوال، بينما لم يظهر في الافق تقاليد جديدة واضحة يمكن ان نقول انها ستحدد مفهوم التعليم في السنوات القادمة هذا العام سألنا انفسنا: هل نستطيع ان نضع حلولا أو نطور آليات للتكيف مع كل هذه الضغوط التي يبدو أنها فاجأت المنشغلين بالتعليم؟ ربما لم يجدوا أدوات أخرى تنقذهم من هذا المأزق، وبعضهم ربما لا يريد أن يفكر فيما سيحدث السنوات القادمة، فسرعة التغيّر التقني أعلى بكثير من القدرة على التكيّف. كنت اعتقد في السابق انه عندما يكون الطالب مكان المعلم ليقود المادة المعرفية في قاعة المحاضرات هو الحل، لكن الآن بدأت أشكك في هذا الحل لان الذكاء الاصطناعي صار يفكر عن الطالب وانتقلت عملية التلقين بدلا من المعلم الى الطالب لتصبح من الذكاء الاصطناعي الى الطالب، فإلى اين سيتجه التعليم في السنوات القليلة القادمة هذا السؤال عن إمكانية إيجاد حلول ليس سؤالاً إجرائياً، بل سؤال وجودي يتعلق بقدرة التعليم نفسه على البقاء. فالتقنيات الجديدة لا تمنحنا الوقت الكافي للتكيّف، بل تفرض واقعاً يتغير أسرع من قدرتنا على فهمه. ولهذا يشعر كثير من العاملين في التعليم أنهم أمام موجة لا يمكن اللحاق بها، وأن الأدوات التي اعتادوا استخدامها لم تعد صالحة. الفكرة التي كانت تبدو حلاً، أن يقود الطالب المادة المعرفية، كانت منطقية في زمن كان فيه الطالب يبحث ويقرأ ويحلل، لكن حين يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على التفكير نيابة عنه، فإن هذا النموذج يفقد معناه. لم يعد الطالب يقود المعرفة، بل أصبح يتلقى معرفة جاهزة من آلة تفكر عنه، وهنا يحدث التحوّل الأخطر: انتقال التلقين من المعلم إلى الذكاء الاصطناعي، بينما يبقى الطالب مجرد وسيط بين الأداة والورقة. وهذا يضع التعليم أمام سؤال صعب: ما الذي يبقى من "التعلّم" حين تختفي التجربة ويضعف الجهد ويتراجع دور العقل البشري في إنتاج المعرفة؟ السنوات القادمة قد تشهد إعادة تعريف كاملة لدور الطالب والمعلم، وربما إعادة صياغة مفهوم المدرسة نفسها، لأن الذكاء الاصطناعي لا يغير الأدوات فقط، بل يغير طبيعة العلاقة بين الإنسان والمعرفة هذا التحوّل الذي جعل الذكاء الاصطناعي يتصدر المشهد ليس مجرد تطور تقني، بل هو زلزال يعيد تعريف العملية التعليمية من جذورها. فالتعليم، كما عرفناه لعقود، كان يقوم على انتقال المعرفة من عقل إلى عقل، ومن خبرة إلى أخرى، ومن تجربة إلى أخرى. لكن حين يصبح الطالب قادراً على الوصول إلى المعرفة بضغطة زر، وحين يصبح قادراً على توليد الإجابات وتحليل النصوص وصياغة الأفكار عبر أدوات ذكية، فإن السؤال لم يعد: ماذا نعلّم؟ بل: لماذا نعلّم؟ وما الذي تبقى للمعلم في عالم لم يعد فيه امتلاك المعلومة ميزة؟ إن التحدي اليوم ليس في حجم المعرفة، بل في طبيعتها، لأن الذكاء الاصطناعي لا يقدم معلومة فقط، بل يقدم طريقة جديدة للتفكير، ويعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعرفة. وهكذا تصبح العملية التعليمية أمام اختبار وجودي، بينما نقف في منطقة انتقالية ضبابية لا يمكن فيها الدفاع عن الماضي ولا التنبؤ بالمستقبل. هل فعلا الذكاء الاصطناعي يخلق تحديات أمام التعليم أم أنه يخلق له فرصا جديدة؟ ، ولا يعني ذلك انها تعكس حقيقة العلاقة المشدودة بينهما، فمنذ ان ظهر محرك "غوغل" للبحث بدأت تتطور ظاهرة ارتبطت بالبحث العلمي وجدية الطلاب في عملية التعامل مع مصادر المعرفة. ملاحظتي انصبت حول قدرة الطلاب على الاستيعاب فسهولة الوصول للمعرفة قللت من جدية التعامل معها، حتى ان كثيرا من طلاب الدكتوراه صاروا يتعاملون مع الملخصات بدلا من القراءة الجادة ولم يعد لديهم قدرة عميقة على الربط. ما اقصده هو أن بناء الشبكة المعرفية الذهنية التي يمكن ان تكوّن البحث اصابها بعض الخلل. حتى هذه اللحظة كنت اعتقد ان الخلل يمكن تداركه لكن مع الذكاء الاصطناعي أصبح من الصعوبة بمكان قياس جهد الطالب الحقيقي، وهذا يعني أن العملية التعليمية القائمة على التقييم والقياس اصابها خلل واضح. هذا السؤال، هل الذكاء الاصطناعي تهديد أم فرصة؟ هو في جوهره سؤال عن طبيعة المعرفة نفسها، وعن قدرة الإنسان على التعامل معها حين تصبح متاحة بلا جهد. فالتحدي الذي بدأ مع "غوغل" لم يكن في وفرة المعلومات، بل في تراجع قيمة السعي إليها. حين تصبح المعرفة سهلة، يصبح التعامل معها سطحياً، ويضعف ذلك القدرة على الربط والتحليل وبناء الشبكات الذهنية التي تجعل الطالب قادراً على إنتاج معرفة جديدة لا مجرد استهلاكها. ومع الوقت، بدأت تتشكل ظاهرة جديدة: الاعتماد على الملخصات والقراءات السريعة والاقتباسات الجاهزة، وهو ما أثر على جودة البحث العلمي وعلى قدرة الطالب على بناء العمق المعرفي. لكن الذكاء الاصطناعي نقل هذا التحدي إلى مستوى آخر، إذ لم يعد الأمر يتعلق بسهولة الوصول إلى المعلومة، بل بإمكانية إنتاجها آلياً، مما يجعل من الصعب قياس جهد الطالب الحقيقي داية العام الدراسي فرصة للأسرة لتستأنف المهمّة العظيمة المتمثلة في العناية ‏بدراسة الأبناء والبنات، ومعلوم أن الدولة قامت بما يلزمها من ذلك، ويبقى ثغر المتابعة ‏والعناية حكرًا على الأسرة، وحسن القيام على هذا الثغر حقّ أكيد على الأسرة، فكما ‏يستحق كل من الابن والبنت أن ينفق عليه وأن تراعى متطلباته الماديّة يستحق أن يعلّم وأن ‏يكوّن، وأن تراعى احتياجاته المعرفية.. بداية العام الدراسي ليست مجرّد موعد لاستئناف مهمة حيويّة، بل هي فوق هذا ‏فرصة لأن نستذكر مركزيّة القراءة والكتابة والتعلم في ديننا، فأول ما أنزل على ‏نبينا صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: (اقرأ باسم ربّك الّذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ ‏وربُّك الأكرم، الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم)، فما أعظم ما حملته هذه الآيات ‏الكريمة من تنويه بالعلم، وبأسبابه، حيث افتتحت بالأمر بالقراءة، ومعلوم أنّ تعلُّم القراءة ‏بوّابة إلى اكتساب المعارف العلمية، وتكرر هذا الأمر تأكيداً وتحريضاً، ثمّ ذكرت نعمتان ‏أساسيتان من نعم الله تعالى على الإنسان، الأولى إنعامه عليه بخلقه وإخراجه من العدم، ‏والثانية إنعامه عليه بتعليمه بالقلم الذي هو آلة الكتابة والتدوين والتوثيق، ومن مميزات ‏الإنسان على ما حوله من الكائنات اختصاصه باستعمال الكتابة وحفظه لحقوقه بواسطتها، ‏وعن طريقها تمكن الناس من تناقل المعلومات عبر القرون، وفي مضمون هذه الآيات تلويح ‏إلى ما ينتظر هذه الأمة من خصائص في مجال التدوين والتوثيق، فكان الواقع كذلك، فقد ‏أعانها الله تعالى على الإبداع غير المسبوق في فنون التوثيق والضبط والرواية، وفي ذلك تطبيق ‏وامتثال لأول أمر توجّه إليها -بواسطة توجهه إلى نبيها صلى الله عليه وسلم-وهو: (اقرأ)، ‏ولي مع بداية العام الدراسي وقفات:‏ الأولى: هذه المهمة النبيلة جمعت أطياف المجتمع فالمعنيّ بتنظيمها والسهر على ‏التخطيط لها منسوبو التعليم على رأسهم معالي وزير التعليم، وبقية موظفي الوازرة من إداريين ‏ومعلمين، والمعنيّ بالتعاطي مع هؤلاء ولاة أمور الطلبة من الآباء والأمهات، والمتلقي أبناؤنا ‏وبناتُنا، وهذه الفئات كلها تستحق أن تُوجّه إليهم التهاني العطرة؛ لما هيّأ الله تعالى لهم من ‏الارتباط بالعلم؛ فالعلم شرف عظيم، وهو من أهمّ أسباب الرفعة، كما قال تعالى: (يرفع الله ‏الذين آمنُوا منكم والذين أُوتُوا العلم درجات)، والرفعة التي يحظى بها العالمُ منشؤها بعد توفيق ‏الله تعالى جهود من تولى تربيته، من المخططين والمشرفين والمعلمين والأسرة التي سهرت على ‏ذلك، فلهم الشرف والفخر، وقبل ذلك لهم الأجر الجزيل على ما انتشر على أيديهم من ‏العلم، وفي الاشتغال به أجر عظيم لمن أخلص النية، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة ‏جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، أخرجه مسلم، والعلم النافع هنا يشمل ‏جميع الإنجازات المتعلقة بالعلم من تعليم وتصنيف ونحوهما، فأيُّ فضل أعظم من أن من كانوا ‏يعلّمون الناس قبل مئات السنين لم يزالوا تصلهم الأجور مقابل الأثر ‏المتناقل لتعليمهم عبر الأجيال، وهذا الأجر المترتّب على خدمة العلم والتعليم كما يناله معلم ‏العلوم الشرعية من فقه وغيره، يناله معلم سائر العلوم التي يحتاج إليها الناس من رياضيات ‏وطب ونحوها، فيثاب عليها وتكون له ذخراً إذا نوى بتعليمها والإشراف على تعليمها أنّه ‏يشتغل بما يجلب للأمة المصالح، ويدرأ عنها المفاسد.‏ الثانية: بداية كل عام دراسيّ فرصة لتجديدنا الشكر لله تعالى على أن منّ علينا بهذه الدولة ‏المباركة المملكة العربية السعودية، فمن محاسن هذه الدولة الميمونة -وفضائلها لا تحصى- اهتمامها ‏بالتعليم، ومعاملته له على حسب ما يقتضيه كونُها قلب وقبلة أمة "اقرأ"، فمنذ توحيد هذا ‏الوطن لم يزل التعليم يخطو إلى الإمام خطوةً مباركةً، وقد كان للتعليم وتطويره حظّ وافر من ‏الرؤية الميمونة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-، وها هي تؤتي ثماراً طيبةً من التطور والتنظيم، وتسهم في جودة التعليم وانضباط سيره، ‏وكما هو الحال في المهمات الحيوية التي ترصد لها الإمكانات المادية والمعرفية فتنظيم التعليم ‏وتطويره في دولتنا لا سقف له، فكل عام نتلمّس إجراءات جديدةً تسهم في جودة التعليم، ‏وهي إنجازات تنعكسُ إيجاباً على حياة الفرد وعلى المجتمع.‏ الثالثة: بداية العام الدراسي فرصة للأسرة لتستأنف المهمّة العظيمة المتمثلة في العناية ‏بدراسة الأبناء والبنات، ومعلوم أن الدولة قامت بما يلزمها من ذلك، ويبقى ثغر المتابعة ‏والعناية حكراً على الأسرة، وحسن القيام على هذا الثغر حقّ أكيد على الأسرة، فكما ‏يستحق كلّ من الابن والبنت أن ينفق عليه وأن تراعى متطلباته الماديّة يستحق أن يعلّم وأن ‏يكوّن، وأن تراعى احتياجاته المعرفية؛ إذ هي مستقبله، فعلى الأسرة عونه على ذلك، وغرسُ ‏محبّة العلم في قلبه، وتربيته على الأخلاق السامية الفاضلة، ومنها حب الوطن وقيادته ‏وإخلاص الولاء لولاة أمرنا، واحترام المعلمين والمعلمات، وحسن التعامل مع زملائه في ‏المدرسة؛ فإنّ تهذيب الأخلاق من أهم متطلبات الحياة، وهو من أسس التعايش الهنيء

***

نهاد الحديثي

في المثقف اليوم