عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

بشرى الهلالي: ما الذي يبقينا معًا؟

"كنا نظن أن الآخرين يظلون معًا لأنهم سعداء.. يظل الآخرون معًا بسبب تعاستهم."

لا أذكر أين قرأت هذه الجملة، لكنها علقت في ذهني، لا لغرابتها فحسب، بل لأنها بدت كأنها تكشف وجهًا خفيًا للعلاقات، وجهًا نادرًا ما نتأمله.

المتعارف عليه أن البشر يعيشون معًا طمعًا في السعادة، وبحثًا عن الدفء والطمأنينة التي يمنحها الآخر. لكن ماذا لو كانت الوحدة أكثر احتمالًا من الشقاء الناتج عن الشراكة في الحياة؟ ماذا لو كنا نتمسك ببعضنا لا لأننا نمنح الفرح لبعضنا، بل لأننا لا نعرف كيف نحيا من دون الآخر، حتى وإن كان وجوده سببًا لألمنا؟

علاقة الزواج مثال صارخ على هذه المعضلة. نحلم منذ الصغر بـ"النصف الآخر"، بمن يكملنا. نتخيله كما نريد، ثم نفيق يومًا لنجد أن الواقع ليس كما حلمنا. ومع ذلك نمضي، لأن الزواج، في نظر كثيرين، ضرورة اجتماعية، أو ربما "شر لا بد منه".

في شهوره وسنواته الأولى، يكون الزواج غالبًا مليئًا بالفرح والوعود. ثم يعتاد الطرفان وجود بعضهما، ومع مرور السنوات، وخصوصًا بعد إنجاب الأطفال، قد يتحولان إلى كيان واحد في تفاصيل الحياة اليومية، فيصبح غياب أحدهما فراغًا في حياة الآخر. وقد يكون هذا الغياب مؤلمًا حتى حين تكون العلاقة نفسها قد فقدت انسجامها، أو حين يصبح الطلاق هو الحل الوحيد الممكن.

فالانفصال لا يعني دائمًا أن الإنسان أصبح قادرًا على العيش وحيدًا. أحيانًا يحتاج المرء إلى وقت طويل حتى يعتاد غياب شخص كان حاضرًا في تفاصيل حياته اليومية لسنوات. وقد يكون الخوف من هذه الوحدة، أكثر من الحب نفسه، أحد أسباب التردد في إنهاء علاقة لم تعد تمنح أصحابها السعادة.

وهكذا، لا يجمع الحب دائمًا بين الناس. أحيانًا يربطهم الاعتياد، أو الأولاد، أو الخوف من المجهول، أو الظروف التي تعيق الاستقلال، وربما فقط لأنهم لا يعرفون كيف يبدأون من جديد.

أتذكر إحدى الصديقات التي كانت تعاني الأمرّين في علاقتها مع زوجها، حتى قررت طلب الطلاق بعد زواج دام سنوات طويلة، أنجبا خلالها أولادًا شبّوا على صوت الخلافات والمشاكل.

في الفترة التي سبقت الإجراءات الرسمية للطلاق، عاشت صديقتي وحدها مع أولادها لبضعة أشهر، بينما كانت تتواصل مع المحامي لإنهاء إجراءات الطلاق في المحكمة. كانت قد اتخذت قرارها، أو هكذا بدا لي.

لكن قبل أن يصبح الأمر رسميًا، عادت إلى زوجها.

ما زالت معه حتى الآن، رغم أن شيئًا جوهريًا لم يتغير في حياتهما، وظلت علاقتهما مشحونة بالمشاكل والتعاسة.

حين سألتها آنذاك: لماذا عدتِ، ما دمتِ لا تشعرين نحوه بالحب ولم تتحسن علاقتكما؟

أجابت ببساطة: "لم أتعلم كيف أعيش وحدي بعيدًا عنه. تعودت وجوده، وصرنا كيانًا واحدًا مهما كان الأمر."

ربما لم تكن تبحث عن السعادة حين عادت. وربما لم تعد تؤمن أصلًا بإمكانية العثور عليها معه. كانت، ببساطة، تخاف من حياة لم تعرفها من قبل.

وهذا ما يجعل عبارة "يظلون معًا بسبب تعاستهم" أكثر قسوة مما تبدو عليه للوهلة الأولى.

فأحيانًا لا يكون ما يجمع شخصين هو الحب، ولا حتى الأمل في أن يتغير شيء، بل الخوف من أن تكون الوحدة أصعب من التعاسة التي اعتاداها.

ربما لهذا يظل بعض الناس معًا. ليس لأنهم سعداء، بل لأن تعاستهم المشتركة تبدو، بطريقة ما، أهون من وحدتهم المنفردة.

***

بشرى الهلالي

 

في المثقف اليوم