(الدوّاية) قرية مرمية في أطراف أهوار الناصرية، لا زرع ولا شجر، سوى نبات القصب والبردي يحيط ببيوتها الطينية، مسكونة بالطيور والأسماك، في الليل تغطّ بالظلام، يلفّ بيوتها أبخرة دخان، لو تطلعت إليها، إلى سحنتها عند النهار لانتابك شعور بالاختناق، وأنت تتنفس السخام الذي أحال الجدران إلى كتل سوداء متناثرة.
شهدت أربعينيات القرن الماضي افتتاح أول مدرسة ابتدائية في تلك القرية القصية، مجموعة من الأكواخ، تبدو من بعيد كالمقابر، تناثرت على تربة لزجة، كل ما يحيط بالمكان يكاد يوحي بالأسى. تشاء الصدف أن ينسب إليها نخبة من خريجي دار المعلمين الريفية التي كانت معهداً فريداً في إعداد معلمين بمهارات تربوية متميزة، ومع أن النظرة العابرة لا يمكن أن تستقصي أبعاد التجربة كلها، كما أنها لا تستطيع أن تقع على حرارة الإخلاص التي تشعّ منها. هؤلاء وجدوا في تلك البقعة عالماً يتسع لأحلامهم الكبيرة، وعدالة قضيتهم، ويقين بأفكارهم اليسارية. اعتقدوا انها أسلوب الحياة الوحيد، والطريق الأمثل للتطور. كان من بينهم المعلم عبد جياد العبودي.
دخل عبد چياد إلى الصف الثالث الابتدائي، يحمل طباشيره كما يحمل القديس وصاياه الصغيرة.
تفقد وجوه التلاميذ واحداً واحداً، ثم توقف فجأة:
ـ أين فضيل؟ لماذا لم يلتحق بالدرس يا أولاد؟
ساد الصمت لحظة، ثم أجابه أحد التلاميذ بخجل:
(أستاد)… فضيل يستحي يدخل الصف…أمس تبوّل على نفسه أمام التلاميذ، ولن يعود بعد اليوم!.
سكت عبد طويلاً.
لم يغضب، لم يوبّخ، لم يلقِ محاضرة عن الصحة والنظافة، بل تطلع إلى وجوه تلاميذه، ثم مدّ بصره من باب كوخ الصف نحو البعيد، كأنه كان يرى طفولة العراق كلها وهي ترتجف من الخجل والفاقة.
ثم قال بهدوء:
ـ بلّغوه أن يأتي غداً… فقط أخبروه أن يعود.
في صباح اليوم التالي، جاء فضيل.
دخل الصف مطأطئ الرأس، كمن يحمل عاره الصغير فوق كتفيه الهزيلتين. جلس في آخر مقعد، يتجنب العيون، ويتمنى لو تبتلعه جدران الطين.
أما المعلم عبد، فقد بدأ الدرس كأن شيئاً لم يحدث.
كان يشرح للتلاميذ بحماسة، يكتب على السبورة، يتحرك بين المقاعد، وفجأة… ظهر البلل على بدلته الرصاصية اللون.
انتبه الأطفال.
تهامسوا بدهشة وابتساماتٍ خفية:
كيف يمكن لمعلمهم، ذلك الرجل الوقور، أن يتبول على نفسه؟
التفت إليهم معلمهم بهدوء الأب الرحيم، وقال:
ـ أبنائي… حين يشعر الإنسان بالضيق، لا ينبغي أن يحبس بوله في داخله. لا تدعوا الألم يؤذي أجسادكم، فالبول سموم، وخروجها رحمة للإنسان.
قالها ببساطة، دون ارتباك، دون محاولة للدفاع عن نفسه.
لم يكن عبد في تلك اللحظة يشرح درساً في الصحة، بل كان ينقذ روح طفل.
رفع فضيل رأسه للمرة الأولى.
لم يعد يشعر أنه موضع سخرية، ولا هو الكائن الوحيد الذي خانه جسده أمام الآخرين.
ها هو معلمه، الرجل الكبير، قد شاركه ضعفه عمداً كي يعيد إليه ثقته بنفسه.
ذلك اليوم، لم يتعلم التلاميذ القراءة ولا الحساب فقط، بل تعلموا المعنى الحقيقي للتربية. فهي ليست كتاباً، ولا عصاً، ولا أوامر تُلقى من خلف مكتب، بل إحساس مرهف، وتعلّق حميم بأطفال المدرسة. أليس التعليم فعل محبّة؟ ولذلك فهو فعل شجاعة. كما ينسب إلى فلاسفة التربية".
أيُّ رجل كنت يا عبد؟ لكي تعلّم الناس، عليك أولاً أن تحبهم، كما يقول تولستوي.
وأي معلم هذا الذي غسل خوف طفل بكرامته الشخصية؟
كنت بفعلك هذا أيها النبيل قد كتبت درساً ينبغي أن يُدرّس في معاهد التربية وعلم النفس في العالم كله، كنت تختصر جوهر التربية، لا تثقل الصغار بسلطتك، بل تهبهم الطمأنينة، ولو دفعت من هيبتك ثمناً.
***
جمال العتّابي








