عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

حيدر كرار: الإصلاحات تحت الصيانة

في العراق قد يضطر المواطن إلى تغيير خططه بسبب انقطاع الكهرباء أو ارتفاع الأسعار أو تأخر الراتب لكنه نادرا ما يسمع أن مسؤولا غيّر خطته بسبب انقطاع ثقة الناس. فالمواطن مطالب دائما بالتكيف مع الظروف أما الظروف نفسها فتبدو وكأنها لا تقبل التعديل.

حين ترتفع الأسعار يُطلب من الناس الصبر. وحين تتراجع الخدمات يُطلب منهم تفهم التحديات. وحين يسأل الشباب عن فرص العمل تأتي الإجابات محملة بالخطط والدراسات والوعود التي تحتاج بدورها إلى وقت طويل حتى تتحول إلى شيء ملموس.

وبمرور الوقت أصبح الصبر أشبه بواجب يومي على المواطن فيما بقي السؤال عن النتائج مؤجلا إلى إشعار آخر.

المفارقة أن الأزمات في حياة الناس لا تنتظر اكتمال الخطط. فالعائلة التي ترتفع مصاريفها لا تستطيع تأجيل احتياجاتها إلى حين انتهاء الاجتماعات والخريج الذي يبحث عن وظيفة لا يستطيع دفع إيجار بيته ببيان رسمي وصاحب الدخل المحدود لا يمكنه إقناع صاحب المحل بأن الحكومة وعدت بتحسين الوضع الاقتصادي.

الحياة اليومية لا تتعامل مع التصريحات بوصفها إنجازات بل مع ما يتبقى في الجيب بعد التسوق وما يصل إلى البيت من كهرباء وماء وما إذا كان المستشفى قادرا على تقديم العلاج وما إذا كان الشاب يستطيع بناء مستقبل دون أن تتحول سنوات الانتظار إلى جزء ثابت من عمره.

وفي المقابل تبدو السياسة أحيانا منشغلة بإدارة صورة الواقع أكثر من الانشغال بتفاصيله. يُعلن عن نجاحات وتُستعرض الأرقام وتُفتتح المشاريع لكن المواطن يريد أن يعرف أين يقع نصيبه من كل ذلك. لا يكفي أن يسمع أن الاقتصاد يتحرك إذا كانت قدرته الشرائية تتراجع ولا يكفي أن يسمع عن تطوير الخدمات إذا كان مضطرا إلى البحث عن بدائل من ماله الخاص.

ولا يعني هذا أن جميع المشكلات يمكن حلها بقرار سريع أو أن كل تأخير سببه تقصير متعمد. فالدولة تواجه تحديات مالية وإدارية حقيقية لكن الاعتراف بالصعوبات يجب أن يكون بداية للمصارحة ووضع الحلول لا نهاية للنقاش ولا مبررا دائما لتأجيل المحاسبة.

المشكلة تبدأ حين يصبح المواطن هو الطرف الوحيد المطالب بتقديم التنازلات. يتكيف مع الأسعار ويتحمل ضعف الخدمات ويؤجل أحلامه بينما تظل الوعود مفتوحة بلا مواعيد واضحة أو نتائج يمكن قياسها. عندها لا يعود السؤال عن قدرة الناس على الصبر بل عن حدود ما يُطلب منهم تحمله.

فالسياسة ليست فن إقناع الناس بأن الأمور تسير على ما يرام بل مسؤولية في توضيح ما يسير فعلا وما يتعثر وكيف يمكن إصلاحه. ومن حق المواطن أن يسمع إجابة واضحة بدلا من أن يُترك بين وعد جديد وأزمة قديمة.

يبدو أن المواطن العراقي لا يحتاج إلى مزيد من الدعوات للصبر بقدر ما يحتاج إلى سبب حقيقي يجعله يطمئن إلى أن صبره لن يتحول إلى سياسة دائمة لإدارة الأزمات.

***

حيدر كرار

 

في المثقف اليوم