عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

صبيح الكعبي: هل يجعلنا الذكاء الاصطناعي أذكى أم أكسل؟

مقالات فكرية في البحث عن ميزانٍ بين العقل والآلة

رسالة تأمّلية: أعطى نجّارٌ عجوز تلميذه منشارًا كهربائيًا حديثًا، فقطع به الألواح في دقائق. لكن حين جمع القطع وجد حوافّها مائلة لا تتطابق. نظر التلميذ إلى معلّمه محرَجًا، فقال له: «الآلة تُسرّع اليد، لكنها لا تُبصر عنك. كان عليك أن تتعلّم قراءة الخشب أولًا، ثم تستعين بها».

هذه الحكاية متخيَّلة، لكنها تلخّص ما نتساءل عنه اليوم: ما الذي نتركه للآلة، وما الذي لا ينبغي أن نتركه؟

مشهد

كان طالبٌ يسأل برنامج الذكاء الاصطناعي عن كل شيء: لخّص لي هذا الدرس، واكتب لي هذه الفقرة، وأجب عن هذا السؤال. وكانت النتائج سريعة ومرتّبة، فأعجبه ذلك وزادت ثقته. وفي حصةٍ طُلب منه أن يشرح الدرس بكلماته، فوجد نفسه صامتًا؛ لم تكن الفكرة قد استقرّت في ذهنه، لأنه لم يُعمل عقله فيها قط.

فهل الأداة هي التي أضعفته، أم طريقة استعماله لها؟

مخاوف قديمة

ليس هذا القلق جديدًا. ففي محاورة «فايدروس» لأفلاطون، يروي سقراط حكايةً قديمة عن الملك المصري ثاموس، الذي خشي أن تُنتج الكتابة نسيانًا في نفوس المتعلمين، لأنهم سيعتمدون على علاماتٍ خارجية بدل أن يتذكّروا من الداخل. ومع أن الكتابة صارت من أعظم أدوات العقل في التاريخ، فإن المخاوف لم تكن باطلةً كلها؛ فما لا نمارسه نفقده تدريجيًا.

ونرى ذلك في حياتنا اليومية. فقد أشارت دراساتٌ حديثة إلى أن الاعتماد الدائم على أجهزة الملاحة قد يرتبط بضعف الذاكرة المكانية لدى بعض الناس، فمن اعتاد أن تقوده الخريطة قلّت قدرته على أن يعرف طريقه بنفسه. والمعنى أن الأداة تخدمنا ما دمنا نحن السائقين.

لكن الصورة ليست قاتمة، فللأداة وجهٌ آخر.

ما الذي نكسبه

للذكاء الاصطناعي فضائل لا تُنكر. فهو يتيح لمن لا يجد معلّمًا قريبًا أن يسأل ويفهم، ويختصر ساعاتٍ من البحث والترجمة والصياغة، ويفتح لأصحاب الأعمال الصغيرة أبوابًا كانت مغلقةً دون المال الكثير. وصاحب المتجر الصغير الذي يصوغ رسالةً إلى عميلٍ أجنبي، أو الطالب الذي يطلب شرحًا مبسّطًا لفكرةٍ صعبة، ينتفعان انتفاعًا حقيقيًا.

وإذا وُظّفت هذه الأداة في توفير الوقت، فبوسعنا أن ننفق ما وفّرناه في التفكير والإبداع والعلاقات. غير أن هذا يشترط أن نستعملها في الاتجاه الصحيح.

ما الذي قد نخسره

فالخطر ليس في الأداة، بل في أن نُسلِّمها ما ينبغي أن يبقى لنا. وأول ما نخسره حين نُفرط هو الجهد الذي يبني الفهم؛ فالفكرة التي لم نتعب في بلوغها لا تثبت. وثانيه أن الأداة قد تخطئ، وقد تقدّم الخطأ بثقةٍ وطلاقة تُوهم بالصواب، فمن لم يتحقق وقع في ما لا يعلمه. وثالثه أن صوتنا الخاص قد يضعف، فتتشابه كتاباتنا وأفكارنا حتى لا يُعرف أحدنا من غيره.

وهنا يتبيّن أن السؤال الصحيح ليس: هل نستعمل الأداة؟ بل: كيف نستعملها؟

الميزان

ثلاث عاداتٍ هادئة تعين على ذلك:

- أن نفكّر أولًا ثم نسأل: نكتب فكرتنا أو جوابنا الأوّلي بأنفسنا، ثم نستعين بالأداة لتوسيعه أو نقده، فيبقى العقل هو الذي يبدأ.

- أن نطلب الشرح لا الجواب فقط: فنسأل: لماذا؟ وما الدليل؟ وما الاعتراض المحتمل؟ فتتحول الأداة من بديلٍ عن التفكير إلى معلّمٍ يحاورنا.

- أن نتحقق وأن تبقى الكلمة الأخيرة لنا: فنراجع ما ورد إلى مصدر موثوق، ونصوغ نصّنا النهائي بصوتنا، لأن ما نوقّع عليه نحن مسؤولون عنه.

وبهذا نحافظ على حرية العقل دون أن نحرم أنفسنا من نفع الأداة.

خاتمة

نعود إلى الطالب الذي صمت أمام معلّمه. تذكّر منشار النجّار، وقرّر في اليوم التالي أن يقرأ الدرس بنفسه أولًا، ثم يسأل الأداة عمّا غمض عليه، ويطلب منها أن تبيّن له أسباب الجواب لا الجواب وحده. وبعد أسابيع، حين طُلب منه أن يشرح الدرس، تحدّث بكلماته، وكانت الأداة قد صارت عونًا له لا عبئًا عليه. وكما قال الأقدمون: «خير الأمور أوسطها»؛ لا نرفض الجديد خوفًا، ولا نسلّمه أنفسنا انبهارًا، بل نمسك بالميزان.

***

بقلم صبيح الكعبي

في المثقف اليوم