مقاربات فنية وحضارية
كاظم شمهود: الفن الحديث وكسر القيم الجمالية والاخلاقية
يذكر المؤرخون ان المذاهب القائمة على نظرية الفن للفن والذي شق طريقه الاباحي منذ عهد بودلير وغوتيه حيث تاثر به عدد غير قليل من الشعراء والفنانين وكان يضم تحت لوائه كل الشعارات الانحدارية والرمزية والدادائية وفن المفاجئة والابهار والمفاهيمية والدانديزم (فن اناقة التعبير المنحرف). تلك التيارات الاباحية التي قضت على معظم القيم الاخلاقية والجمالية ورفضوا كل ماهو كلاسيكي وقديم ولكنهم احتفظوا بالقيم الميتافيزيقيةو ذلك في سبيال اعطاء العمل الفني بعدا لا يوجد في غيره من الاعمال الفنية الكلاسيكية والاكاديمية وذلك هو البعد الروحي الذي يعبر عن مضامين الاشياء.
في اواخر القرن التاسع عشر كانت هناك نهضة تمرد وثورة وتشتت في الاراء وتباين في الافكار وكان هؤلاء المتمردين عندهم عزم واصرار على الوصول الى عالم افضل وتحول اسمى. وكانت التطورات السابقة التي تشكل فيها صور الفن الاتباعي الذي يطلق عليه فن المطابقة قد وجد امامه الطريق مسدودا عند حدود الحركة الانطباعية.
و قد ظهرت هذه الموجة الثورية في بنية الفكر الاجتماعي من التحطيم والهدم في العشرة الاخيرة من القرن التاسع عشر حيث ادت الى ولادة نهضة اصلاحية جديدة عامة من فكرية وعلمية وفنية. وقد اشار نيتشة بان كل تجديد لا بد ان يسبقه هدم وتحطيم وحالة من التشويش والقلق. وقد اكد بعض المؤرخين ان هذه الانحرافات والتمردات على القيم السائدة تحمل في عمقها بذرات منافع للمجتمع. ويذكر الدكتور عفيف بهنسي 1928 بان ظاهرة التمرد والانحراف الاخلاقي بين الشباب في نهاية القرن التاسع عشر في باريس ادت الى ظهورهم في الحانات والمقاهي وهم يتجاهرون بالمخدرات والانحراف ويلعنون التقاليد والعادات. وقد بدأت هذه الحركة على يد الاديب الفرنسي تيوفيل غوتيه 1811 وشارل بودلير 1821 وكان تحركهم هذا تحولا من الرومانسية التي قادها فكتور هيجو 1802 الى رومانسية المنحدرين.
وقد اقام بعض هؤلاء الفتانين المتمردين معرضا فنيا يتكون من مجموعة من اللوحات البيضاء الفارغة (كانفاس) ذات طابع مفاهيمي واطلقوا عليه اسم – لمن لا يعرف الرسم – وقد رفعوا في نفس الوقت شعار الصدام مع الطبقة البرجوازية واول من رفع هذا الشعار الكاتب الفرنسي جوستاف فلوبير 1821 واشتهر في روايته المشهورة – مدام بوفاري – وفيها كان يسخر من الطبقة البرجوازية. وقد يبدو لنا بوضوح ذلك التناقض القائم بين ما تقوم به هذه الفئة من الادباء والفنانين من حيث مهاجمتهم للطبقة البرجوازية من جانب وبين ما ينطوي عليه سلوكهم الاخلاقي من جانب اخر. واذ يعد هذا التصادم مع هذه الطبقة عمل اصلاحي الا ان سلوكهم المنحرف نحو الاباحية والجنس والاثارة والاغراء يتنافى مع هذا الاصلاخ الذي يهدفون اليه.
و رغم هذا الانحدار الاخلاقي وتلك المئالب الي وقعت فيها هذه الجماعات الفنية والادبية فان الانتاج كان يحمل بذور التجديد والابتكار التي اينعت ونضجت ثمارها فيما بعد. حيث امتزجت العناصر الابداعية مع العناصر المنحدرة. ولهذا لم تكن هذه الجماعات انحدارية بشكل مطلق ورغم سلوكها المرفوض اجتماعيا. الا انها قد ساهمت في استيقاض العقل الاجتماعي بعد قرون من الجمود كما اسهمت في الحركة التقدمية وظهور المذاهب الفنية الحديثة في كل من الادب والفن.
في هذا الوقت ظهر الكاتب الانكليزي برناردشو 1856 ونظريته الفن للمجتمع حيث شق لافكاره واراءه وتصوراته اتجاها مضادا لمذهب الفن للفن وقد اوضح وظائف الفن الاجتماعية في صورتها الاشتراكية وتحدى التيارات المنحرفة (بيد انهم مع ذلك يرون الحياة من جوانبها الصارمة العنيفة ومن اتجاهاتها الفردية بينما يعني الفن في سبيل الحياة شمول الغاية التي تكتنف الانسانية في اتساعها الرحيب).
***
د. كاظم شمهود







