كن رفيقا لأهل الله ففي سفينة نوح
تراب لا يساويه الطوفان بكل مياهه
حافظ الشيرازي - غزليات. الغزل رقم ٩
***
يختصر حافظ الشيرازي في هذين البيتين معنى النجاة الذي لا يتحقق بالقوة ولا بالمال ولا بالمكانة بل بالقرب من أهل الصدق والإيمان. فالسفينة هنا ليست مجرد خشب يطفو فوق الماء بل رمز للطريق الذي يحفظ الإنسان حين تضطرب الدنيا من حوله. حتى التراب العالق بسفينة نوح حسب حافظ يكتسب قيمة لا يملكها الطوفان نفسه. لأن النجاة ليست فيما يغمر الأرض من قوة عاتية بل فيما يحمل الإنسان إلى بر الأمان من هداية وثبات. ومن هذا المعنى الروحي تنطلق اللوحة؛ فهي لا تصور حدثا تاريخيا فحسب بل تجسد لحظة انتصار الرجاء على الخوف والإيمان على الفناء... على الخصوص في مشهد دقيق يصوره الرسام حيث تعود الحمامة بغصن الزيتون لتعلن أن زمن الغرق يوشك أن ينقضي.
في قلب المشهد يقف نوح شيخا وقورا تغمره هالة من الضوء كأنه محور السكينة وسط عالم ما زال يخرج من ظلمة الكارثة. تمتد يده نحو المرأة التي تستقبل بشارة النجاة بينما تتجمع حوله الناس في أوضاع مختلفة توحي بالإرهاق والترقب والامتنان. لكن ما يشد العين قبل المعنى هو كيفية بنائه. يعتمد ريابوشكين توزيعا هرميا للشخصيات. هذا التوزيع قاعدته نوح ومن حوله وقمته الحمامة العائدة في الأعلى فيخلق صعودا بصريا من الثقل البشري نحو الخفة والوعد. ينساب الضوء من أعلى اللوحة فيخترق عتمة السفينة ويقود نظر المشاهد من غصن الزيتون المضيء إلى يد نوح الممتدة ثم إلى وجوه الناس المصفوفة في نصف دائرة تحيط به. هذا المسار البصري المرسوم بعناية يحول الضوء من عنصر جوي إلى بنية سردية. نحن لا نرى النجاة فحسب بل نتتبع وصولها عبر النظرات والأيدي. وفي الخلفية تظهر الطيور محلقة داخل الفضاء الخافت فيما تنتشر الحيوانات في أركان السفينة لتذكر بالمهمة الكونية التي حملتها هذه الرحلة. ويمنح التباين بين الظلال الكثيفة في أسفل اللوحة والبقع المضيئة في أعلاها إحساسا دراميا متدرجا ينقلهما الحوار الصامت بين الكتلة البشرية الهابطة والنور الصاعد.
أنجز هذه اللوحة الفنان الروسي أندريه ريابوشكين سنة ١٨٨٢ وهو من الرسامين الذين اهتموا بالمشاهد التاريخية والدينية وبالحياة الروسية التقليدية. ورغم ارتباط اسمه بالواقعية الروسية فإن هذه اللوحة تحمل أيضا حسب فهمي ملامح رومانسية واضحة في معالجتها للضوء والعاطفة والجو النفسي العام. كان القرن التاسع عشر زمنا انشغل فيه الفنانون الروس بالبحث عن الجذور الروحية والقومية ولذلك وجد ريابوشكين في قصة نوح موضوعا يجمع بين الدلالة الدينية والبعد الإنساني الشامل. وربما رسمها لأنها تقدم صورة مكثفة عن الصبر في مواجهة المحنة وعن الأمل الذي يولد من قلب الكوارث. فالحمامة العائدة بغصن الزيتون ليست مجرد تفصيل من رواية مقدسة بل رمز خالد يؤكد أن الرحمة تأتي بعد الشدة وأن الإنسان مهما أحاطت به مياه الطوفان يظل قادرا على انتظار فجر جديد.
هنا، تضيء جملة من رواية الأخوة كارامازوف لكاتبها ديستويفسكي بعدا آخر في اللوحة. يقول الأب زوسيما متأملا...
كل شيء كالمحيط، كل شيء يتدفق ويتماس؛ تضطرب في موضع فتحدث ارتجاجا في الطرف الآخر من العالم.
الاقتباس لا يصف سفينة ولا طوفانا لكنه يرسم صورة العالم بوصفه نسيجا واحدا تتصل فيه الأطراف البعيدة. وهذا ما تفعله اللوحة بصريا. نوح لا يتحرك من مركزه لكن يده الممتدة باتجاه اليمين تحدث ارتجاجا في كامل البنية فتتكسر الحلقة البشرية وتتحول الأنظار صوب الحمامة. الأب زوسيما يتحدث عن قانون روحي خفي عن فكرة أن الخلاص الفردي وهم وأن النجاة لا تكتمل إلا حين يلتفت المرء إلى الآخر. اللوحة تترجم ذلك بالتشكيل... يد نوح لا تشير إلى السماء وحدها بل تمتد بالضبط نحو امرأة تستقبل الغصن وكأن فعل التسليم والإصغاء هو لحظة الخلاص الحقيقية.
أما بول أوستر فيكتب في روايته اختراع العزلة جملة تصلح مفتاحا لقراءة الشخصيات المحيطة بنوح.
كان يعرف أن ثمة ما ينبغي قوله لكنه لم يكن يعرف كيف ينطق به. فظل صامتا ينتظر آملا أن تأتي الكلمات إليه بدلا من أن يضطر للذهاب إليها.
نقرأ هذه الجملة فتلتفت العين فورا إلى الأفواه المطبقة في اللوحة إلى النظرات المعلقة، إلى الأيدي التي تشير وتنتظر دون أن تمسك شيئا. شخصيات ريابوشكين لا تصرخ فرحا، لا تركض نحو الحمامة، بل تتجمد في وضع الترقب الذي يصفه أوستر تماما. إنهم ينتظرون أن تأتي إليهم كلمة النجاة بدلا من أن يذهبوا إليها. هذا الصمت الجمعي هو الثقل الذي يجعل بصرخة صغيرة واحدة قادرة على كسر اللوحة؛ لكن شيئا من هذا لا يحدث، فتبقى اللوحة كلها معلقة في ذلك الفراغ بين الوعد ووقوعه بين غصن الزيتون واليد التي لم تمسكه بعد.
وهكذا نعود إلى حافظ الشيرازي. تراب السفينة في هذين البيتين لا يشترى بمياه الطوفان كلها. لم يقل حافظ خشب السفينة، ولا شراعها، ولا وجهتها. قال.. ترابها.
التراب هو ما يعلق بالشيء عرضا... ما لا يحسب له حساب... ما ليس جزءا من البناء ولا من أدوات الإبحار. ومع ذلك هو الشيء الذي يكتسب قداسة لا تنالها عناصر السفينة نفسها. اللوحة من جانبها لا ترسم التراب. ترسم النور، ترسم الأيدي، ترسم الانتظار. لكن لعلها ترسم أثر التراب: ذلك الصمت الثقيل... ذلك الترقب... ذلك الشيء الذي لا يرى لكنه يجعل كل ما يرى ممكنا. وهنا ينفتح سؤال يخص اللوحة بقدر ما يخص النجاة نفسها...
حين ينقشع الطوفان وترسو السفينة ويخرج الركاب إلى الأرض الجافة حاملين ذكرياتهم ومواشيهم وأغصان زيتونهم... هل يبقى من السفينة شيء؟ أم أن السفينة لا تخلد إلا بما علق بها من تراب... أي بما ترك فيها لا مما صنعت منه؟
***
د احمد عابر







