يتغيّر الإنسان أحياناً قبل أن تتغير اللغة التي تصفه. يمضي في الحياة، تتسع خبرتُه، وتتبدل نظرتُه إلى الأشياء، بينما تظلُّ حوله خطابات تكرر المفردات نفسها، وتستدعي الصور القديمة نفسها، وكأنَّ الزمنَ توقف عند اللحظة التي وُلدت فيها. والمفارقة أن الإنسان قد يكون قد غادر تلك اللحظة نفسياً ومعرفياً واجتماعياً، بينما يظل الخطاب يخاطبه كما لو أنه لا يزال يقيم فيها.
هذه الفجوة بين سرعة الإنسان وبطء الخطاب أصبحت واحدةً من سمات عصرنا. فنحن نعيش زمناً تتسارع فيه المعرفة والتقنية وأنماط العيش بصورة تجعل التحول جزءاً من الحياة اليومية، لا حادثة استثنائية فيها. وما كان يحتاج إلى جيلٍ كاملٍ حتى يستقر في الوعي، قد يحدث اليوم خلال سنوات قليلة، وربما خلال أشهر. ولم يعُد التغيير يطرق الأبواب من الخارج فحسب، بل أصبح يتسلل إلى تفاصيل الحياة، وإلى طرائق التعلم والعمل والتواصل، وإلى الكيفية التي يرى بها الإنسانُ ذاتَه والعالمَ من حوله. الإنسانُ نفسُه أصبح أكثر تركيباً. يحمل ذاكرتَه ولا يريد أن يسكن فيها، يعتز بهويته دون أن يغلق نوافذَه على العالم، ويتمسك بقيمه وفي الوقت نفسه يبحث عن حياة أكثر جودة وكفاءة وطمأنينة. لقد أصبح قادراً على الجمع بين أشياء كان التفكير القديم يضعها في حالة تناقض دائم: الأصالة والتجديد، الخصوصية والانفتاح، الثبات والتغيير. فالهوية الناضجة لم تعُد تعني الانغلاق، والانفتاح لم يعُد يعني بالضرورة الذوبان.
وهنا يظهر الفارق بين الفكرة التي تعيش في الزمن والفكرة التي يعيش الزمن من دونها. الفكرة الحيّة لا تخاف من التحول، لأنها تدرك أن الثبات على المبادئ لا يعني تجميد طرائق التفكير. وهي لا تستمد قوتها من تكرار نفسها، بل من قدرتها على قراءة الواقع المتجدّد، واستيعاب تحولاته، وإعادة ترتيب أدواتها كلما تغيّرت حياة الإنسان. فالقوة الحقيقية للأفكار لا تقاس بقدرتها على مقاومة الزمن، وإنما بقدرتها على العبور فيه دون أن تفقد جوهرها.
وفي تراثنا الفكري والأصولي وعي مبكر بهذه الحقيقة. فقد ارتبط النظر الرشيد بالواقع والمآلات، وبالتمييز بين الثابت والمتغير، وبين المقصد والوسيلة. وهذا الإدراك يكشف عن فلسفة عميقة للحركة داخل الزمن، فالحفاظ على الأصول لا يتحقق بتحويل التاريخ إلى نموذج مغلق، وإنما بامتلاك القدرة على تنزيلها في واقع يتجدّد باستمرار. ولذا لم يكن الاجتهاد في جوهره خروجاً عن الأصول، بل كان إحدى الوسائل التي تضمن استمرارَ فاعليتها في أحوال متغيرة.
وقد ضاعفت الثورة الرقمية سرعة هذا التحول. فالإنسان اليومَ يعيش محلياً ويرى عالمياً. يحمل هاتفاً صغيراً، لكنه يطلُّ من خلاله على تجارب البشر ومدنِهم وجامعاتهم واقتصاداتهم وأنماط حياتهم. أصبح يقارن بنفسَه، ويتعلم بنفسِه، ويعيد النظرَ في كثير من مسلماته بنفسه. وهكذا انتقلت المعرفةُ من فضاء محدود إلى مجال مفتوح، تتجاور فيه التجارب وتتسابق، ولم يعُد من الممكن إدارة وعي جديد بأدوات خطاب تشكّلت لعالم مختلف.
لذلك يحتاج عصر السرعة إلى فضيلة فكرية جديدة: المرونة دون سيولة، والثبات دون جمود. فالمرونة التي تُفقد الإنسانَ مرجعيتَه تجعله تابعاً لكل موجة عابرة، والثبات الذي يمنعه من رؤية التحولات يحوله إلى شاهد على زمن يغادره. وبين الاثنين تتشكَّل الحكمة: أن نمتلك جذوراً عميقة، وفي الوقت ذاته قدرة دائمة على التجدد، وأن نعرف ما الذي يجب أن يبقى، وما الذي ينبغي أن يتغير، وما الذي يمكن إعادة بنائه بلغة أكثر اتصالًا بحياة الإنسان.
الحضارات لا تتقدم لأنها تتخلى عن ذاكرتها، ولا تبقى لأنها تحتمي بها، وإنما تتقدم حين تجعل من ذاكرتها طاقة للمستقبل، وحين تحول ميراثها من عبء يستدعى للدفاع عن الماضي إلى مورد فكري يشارك في صناعة القادم.
الزمن يمضي، والوعي يتحرك معه، والفكرة التي تريد البقاءَ مطالبةٌ بأن تعرف كيف تسير دون أن تفقد بوصلتَها. لأن أخطر ما يصيب الأفكار ليس أن تتغير، بل إن يتغير العالم من حولها وتظل هي تتحدث كما لو أن شيئاً لم يحدث.
***
د. محمد البشاري
عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 29 سبتمبر 2026 21:35








