حوارات عامة
عبد الله المتقي يحاور المبدع التونسي نور الدين بن بوبكر
أكتب عن الطفل الذي بداخلي
نورالدين بن بوبكر خريج كلية الآداب والعلوم الانسانية بالقيروان، ومدير نادي "أقلام" لأدب الطفل بدار الثقافة بالرديف مدرس لغة فرنسية وعضو اتحاد الكتاب التونسيين، يكتب القصة والرواية والمسرحية باللغتين العربية والفرنسية صدرت له مسرحيات وروايات لليافعين وقصص للأطفال. حاصل على الجائزة العربية مصطفى عزوز لأدب الطفل (2018) وجائزة الوطنية للقصّة القصيرة بمساكن (2019) والجائزة الجهوية لأفضل نص مسرحي (2019) وجائزة كتارا للرواية العربية فئة روايات الفتيان (2019)، حول تجربته الإبداعية كان لنا معه هذا الحوار:
أوّلًا: من أين جاءت الكتابة للأطفال واليافعين؟ وهل تكتب معهم أم عنهم؟
- الكتابة للأطفال واليافعين اختيار أملاه عليّ ذلك الطفل الذي ينام في زاوية دافئة من قلبي وينتظر من يغازله ويدغدغ مشاعره ويثير دهشته. هي عودةٌ غير معلنة إلى نفسي الأولى. حين بدأتُ أكتب، اكتشفت أن اللغة التي تطاوعني أكثر، والصور التي تلحّ عليّ، والأسئلة التي لا تكفّ عن الطرق، تنتمي كلّها إلى عالم الطفولة: الدهشة، الخوف، الفضول، الرغبة في الفهم، والبحث عن معنى الأشياء الكبيرة بعيون صغيرة.
أنا لا أكتب عن الأطفال من علٍ، ولا أضعهم موضوعًا للخطاب، بل أكتب معهم، أجلس إلى مستواهم، أستمع إلى أسئلتهم، وأتخلّى – قدر الإمكان – عن يقين الراشد. الطفل في نصوصي ليس متلقيًا سلبيًا، بل شريكٌ في بناء المعنى، قارئٌ ذكيّ قادر على التأويل والمساءلة، لا يحتاج إلى وصاية لغوية أو فكرية.
ثانيًا: ما جدوى الكتابة لهذه الفئة في عصر الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية؟
- الكتابة للطفل اليوم لم تعد ترفًا ثقافيًا، بل أصبحت ضرورة مقاومة. في عالمٍ تسرق فيه الشاشات الزمن والانتباه، تصبح الكلمة المكتوبة فعلَ إنقاذٍ بطيئًا، لكنه عميق الأثر. الكتاب لا ينافس الهاتف في الإبهار، لكنه يتفوّق عليه في شيء أخطر وأجمل: فهو يُدرّب الخيال بدل استهلاكه، ويعلّم الصّبر بدل التلقّي السريع، ويبني علاقة حميمة بين القارئ وذاته.
تكمن جدوى الكتابة للطفل اليوم في كونها تُعيد للطفل حقّه في التفكير الحرّ، وفي اكتشاف العالم دون وساطة الخوارزميات. وحين يقرأ الطفل يجنّح بخياله ويحوّل النصّ إلى فيلم يخرجه ويضع له الأضواء والموسيقى التصويرية والممثلين والديكور. ليست المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، بل في غياب التوازن، والكتاب هو أحد أدوات استعادة هذا التوازن.
ثالثًا: هل تكتب عن الطفل الذي بداخلك أم للطفل الذي يريده المجتمع؟
- أكتب أوّلًا عن الطفل الذي بداخلي، ذاك الذي لم يتصالح تمامًا مع العالم، والذي ما زال يسأل: لماذا؟ وكيف؟ وإلى متى؟
هذا الطفل الداخلي هو بوصلتي الأخلاقية والجمالية، وهو الذي يمنعني من السقوط في الوعظ أو التلقين.
لكنني في الوقت نفسه لا أتجاهل الطفل الذي يريده المجتمع: طفل حرّ، قَلِق، يفكّر، يطرح الأسئلة وقد يخطئ. أؤمن أن الأدب يمكن أن يصنع لنا طفلا قادرا على التغيير.
رابعًا: كيف أرى واقع النشر التونسي في أدب الطفل واليافع؟ ومن خلال تجربتك الشخصية؟
- واقع النشر التونسي في أدب الأطفال واليافعين واقعٌ متناقض. من جهة، هناك وعيٌ متزايد بأهمية هذا الأدب، وهناك مبادرات جادّة، وكتّاب يشتغلون بضمير. ومن جهة أخرى، لا يزال هذا المجال يُعامل – في كثير من الأحيان – بوصفه أدبًا ثانويًا أو مدرسيًا، وبالتّالي لا يحظى بالأهميّة اللازمة.
من خلال تجربتي الشخصية، اصطدمتُ بـضعف المغامرة لدى بعض دور النشر، وفي كثير من الأحيان من هيمنة النظرة التجارية السّريعة، وكذلك من الخلط بين أدب الطفل والكتاب التعليمي.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود فسحات أمل، خصوصًا حين يلتقي الكاتب بناشر يؤمن بالنص لا بعدد نسخه فقط. المشكلة ليست في الطفل القارئ، بل في المنظومة التي لم تحسم بعدُ موقفها من هذا الأدب: هل هو فنّ أم وسيلة؟
خامسًا: حضور المنجم وعمّال المناجم في رواياتك… ما الحكاية؟
- الكاتب هو ابن بيئته منها ينطلق وإليها يعود، يعيش فيها وتعيش فيه. أنا ابن منطقة منجميّة وأرى أنّ المنجم ليس مجرّد مكان، بل رمز كثيف. هو العمق، الظلمة، الخطر، والعمل الصامت الذي لا يراه أحد. عمّال المناجم هم الوجوه المنسيّة للتاريخ، أولئك الذين يبنون العالم بأجسادهم دون أن تُكتب أسماؤهم.
حضور المنجم في رواياتي مرتبط بطفولتي، وبالذاكرة الجماعية، وبسؤالي الدائم عن العدالة والكرامة. أردتُ أن أعرّف الطفل على عالمٍ غالبًا ما يُقصى عن الأدب الموجّه له، وأن أقول له: العالم ليس فقط حدائقَ وألعابًا، بل تعبٌ ونضال، وأناس يعملون في العتمة كي نعيش نحن في الضوء. المنجم في النهاية صورة للإنسان نفسه: نحمل في داخلنا نورًا، لكن الوصول إليه يمرّ أحيانًا عبر الظلمة.
كما أنّ هذا المكان هو منجم للأفكار. يكفي فقط أن نحفر في وجع الأرض كي نستخرج الصّوت القابع في الأتربة المتراكمة ونحوّله إلى صرخة إبداع.
سادسًا: من يكون حسّان، الشخصية الرئيسية والدائمة في ثلاثيتك الروائية؟
- حسّان ليس مجرّد بطلٍ سرديّ يتحرّك داخل الحكاية، بل هو جسرٌ يصل بيني وعالم الطفولة بوصفها موقفًا من الحياة لا مرحلةً عُمريّة فحسب. حسّان فتى شغوف بالمعرفة، لا تمرّ أمامه فكرةٌ دون أن يتوقّف عندها، ولا سؤالٌ دون أن يحاول اقتفاء أثره. ينهل من معين العلم كلّما سنحت له الفرصة بدافع دهشةٍ أصيلة ورغبةٍ صادقة في الفهم. المعرفة عنده رحلةٌ تفتح له نوافذ جديدة على عالم تتداخل فيه الحقيقة بالغرابة، والواقع بالحلم، والبراءة بالوعي المبكّر. حسّان يطرح السؤال، ويفتح الاحتمال ويكتشف العالم عبر التجربة لا عبر الوصايا، فتتحوّل المعرفة في مساره السردي إلى فعل اكتشاف ومقاومة للجهل، لا إلى درسٍ مدرسيّ مُعلّب.
اخترتُ أن يكون حسّان حاضرًا عبر الثلاثية لأنني أؤمن بأن الشخصية التي تنمو مع القارئ تُشبهه أكثر.
سابعًا: تعليقك على قول بدر الدين هوشاتي (عوالمك يمتزج فيها الواقع بالخيال، ضمن مشهدية كرنفاليّة ممتعة)، ما تعليقك؟
- أجد في هذا الوصف دقّةً جميلة. أنا لا أؤمن بحدود صارمة بين الواقع والخيال، خصوصًا في الكتابة للطفل. الواقع، كما يراه الطفل، ليس صلبًا ولا نهائيًا، إنه قابل للتّحوّل، وللتّشخيص، وللدّهشة.
أما المشهدية الكرنفالية، فهي خيار جمالي مقصود: لأنّني أؤمن أنّ الأدب فعل إبداعي جمالي يعاد فيه تخييل الواقع ومنحه عمقًا إنسانيّا يجعل القارئ اليافع يرى العالم بعيون أخرى. هذا الامتزاج ليس للزينة، بل ليقول للطفل إن الواقع يمكن مساءلته، وإن الخيال ليس هروبًا بل أداة فهم.
ثامنًا: ماذا تعني هذه الرحلات العجائبية التي تحتفل بها كتاباتك؟
- الرّحلة العجائبية هي، في جوهرها، رحلة وعي. إنها انتقال من الجهل إلى السؤال، ومن الخوف إلى التّجربة، ومن السّكون إلى الحركة. أنا أحتفي بهذه الرحلات لأن الطفل يتعلّم عبرها دون أن يشعر بأنه يتعلّم.
العجائبي يمنحني حرية كسر المألوف، وتجاوز المباشر، والاقتراب من القضايا الكبرى – كالعدالة، والحرية، والهوية – بلغة رمزية قادرة على حماية حساسية الطفل دون تفريغ المعنى من عمقه.
تاسعًا: ما الذي منحتك كتاباتك الموجّهة للطفل؟ وما الذي أعطيتها؟
- منحتني هذه الكتابة تواضع اللغة، وصدق السؤال، والعودة الدائمة إلى جوهر الأشياء. جعلتني أكتب بوعيٍ أخلاقي أعلى، لأن الطفل قارئ لا يغفر الزيف ولا يتسامح مع الادّعاء ولا يقبل الازدراء أو الاستنقاص من قدرته على الفهم.
أما أنا فقد أعطيتُها تجربتي الإنسانية، وقلقي وأسئلتي، وإيماني بأن الأدب يمكن أن يكون جميلًا ومُربكًا في آن
عاشرًا وختامًا: ما رسالتك لكل من يهتم بأدب الأطفال واليافعين؟
- رسالتي بسيطة في ظاهرها: احترموا عقل الطفل واكتبوا له بعمقٍ لا بتعقيد، وبجمالٍ لا بتسطيح. لا تجعلوا من أدب الطفل أداة ترويض، بل مساحة حريّة. ولا تخافوا من القضايا الكبرى، فالطفل قادر على فهمها بطريقته الخاصة. وأخيرًا، تذكّروا أنّ الطفل الذي نكتب له اليوم، هو القارئ، والمواطن، والإنسان الذي سيُعيد كتابة العالم غدًا.
***
حاوره: عبد الله المتقي







