شهادات ومذكرات
علي حسين: في ذكرى اعدام سقراط.. أن نعيش الحياة بكل معانيها
في مثل هذا اليوم عام 399 ق.م، صدور حكم الإعدام على الفيلسوف اليوناني سقراط، في واحدة من أشهر المحاكمات في التاريخ القديم، التي لم تكن مجرد محاكمة لرجل، بل كانت مواجهة مفتوحة بين السلطة والفكر.عام 2012 اعادت اثينا محاكمة سقراط، وجاء الحكم ببراءته. ففي العام 399 قبل الميلاد، تولى سقراط شخصيا الدفاع عن نفسه أمام حضور مؤلف من 500 من سكان أثينا من الذكور فقط، وكانوا مواطنين وقضاة ومحلفين. وفي غيابه وبعد 2500 عام مثله محاميان أمام عشرة قضاة دوليين. وقد مال خمسة منهم إلى أن الفيلسوف مذنب، وقال خمسة آخرون عكس ذلك.
وأكد باتريك سايمون، احد محاميي الدفاع أن: "التعبير عن رأي ليس بجرم. سقراط كان يسعى إلى الحقيقة". وقال وهو يفيض بالكلام أمام القضاة ونحو 800 من الحضور: "موكلي كان لديه عيب، فهو كان يحب أن يهزأ ويستخدم سخرية شرسة. إلا أني أرجوكم ألا تقعوا في فخ تشويه الديمقراطية. فمن خلال تبرئته ستثبتون صلابة الديمقراطية وإمكانية الوثوق بها".
وكان البعض يعتبر سقراط خائنا، والبعض الآخر اعتبره مرشدا روحيا، كما كانت تعاليمه، تشكك بمفاهيم حساسة، مثل السياسة والأخلاق، ما أوجد له أعداء كثر.
لعل أهم رواية عن محاكمة سقراط، تركها لنا أفلاطون في محاورة الدفاع، يخبرنا إفلاطون أن تلامذة سقراط كانوا يذهبون إليه كل يوم في سجنه، وقبل يوم إصدار الحكم:"ذلك اليوم ذهبنا مبكرين. دخلنا وإذا زوجته وابنهما الصغير، هناك. كانت تبكي وتردد ذلك النوع من الكلام الذي هو عادة النساء: آه يا سقراط، هذه آخر مرة تتحدث إلى أصدقائك ويتحدثون إليك! وتطلع سقراط إلى كريتو وقال: كريتو، فليُعِدها أحدكم إلى المنزل. وقام بعض رجال كريتو بشدها بعيدًا وهي تنتحب. أما سقراط فجلس على المقعد وطوى ساقه وأخذ يفركها. وراح يعلم عن الفارق بين الألم واللذة ".
يمضي أفلاطون في الرواية: بعد أن انتهى من الكلام قال له كريتو: هل هناك أية توجيهات لنا في خصوص أولادك؟ هل هناك شيء نستطيع أن نخدمك به؟ قال لهم: "انتبهوا إلى أنفسكم"، ثم سأله كريتو: كيف تفضل أن ندفنك؟: "آه، كما تشاءون، إذا لم أتمكن من الإفلات منك". ثم ضحك بهدوء، وقال: أيها الأصدقاء، إن كريتو يخاطب الجثة التي سوف أصيرها ويسألها كيف سيدفنها. كن شجاعًا يا كريتو. ادفنها بالطريقة المناسبة.
قال ذلك ثم ذهب إلى غرفة ليستحم، فتبعه كريتو وطلب منا أن ننتظر في الخارج. وأخذنا نتحادث كم سيكون الفقد كبيرًا وأننا سوف نصبح أيتامًا. وبعدما استحم، أُحضر إليه أبناءه الثلاثة، ثم حضرت نساء العائلة.
ويواصل افلاطون:" كان الغياب قد حل. ولم يكن بعد ذلك كلام كثير. ثم جاء الحارس الذي كُلف بأن يعطيه السم الذي عليه أن يتجرَّعه، وقال له: يا سيدي، أنت تعرف ما الذي عليك أن تفعله، أما أنا فلم أعرف في هذا المكان رجلاً أنبل منك. ثم انفجر بالبكاء ومضى. وودعه سقراط قائلاً: حظًّا سعيدًا. وسوف أفعل ما تقول."كم هو لطيف هذا الإنسان. منذ أن وُضعت في السجن وهو يقوم بزيارتي كل يوم ويحادثني. والآن، ها هو يبكي من أجلي. هلم يا كريتو، أعطني السم إذا كان جاهزًا أو اطلب من الرجل أن يعدّه". لكن كريتو قال: إن الشمس لم تغرب تمامًا بعد، تمتع بمزيد من الوقت. فقال سقراط: سوف أحتقر نفسي يا كريتو إن أنا تعلَّقت ببضع لحظات إضافية. هات، أعطني السم، ثم رفع الكأس بهدوء وتجرَّع منه .
لم يكن سقراط سياسياً، فقد راى انه لايمكن اداء دوره عن طريق مجادلة الافراد فردا او جماعات صغيرة وعن ذلك يقول:"اعرف كيف اصنع شاهدا واحدا على حقيقة ما اقول وهو الرجل الذي اجادله، اما الاخرون فأتجاهلهم، كما اعرف كيف احصل على تاييد رجل واحد ولكن في الجماعة لا ادخل في المناقشة". وعلى مر العصور اخذ تأييد سقراط يتزايد نتيجة احتفاظ محاورات افلاطون بمجادلاته، وثمة شيء واحد قاله سقراط للقضاة في محاكمته:"إذا حكمتم عليّ بالموت، فلن تجدوا من يحل محلي بسهولة".
يرينا سقراط طريق النجاة من وهمين شديدين: ان ننصت دوما، او لاننصت إلى املاءات الرأي السائد، لكن المهم جدا ان الإنصات دوما الى املاءات العقل.
كان نيتشه يرى ان سقراط أوّل من تفلسف حول الحياة، وأن جميع الفلسفات التي انبثقت عنه هي فلسفات للحياة؛ الحياة السعيدة والنزيهة، التي هي الهدف لدى سقراط، ويضيف نيتشه أن الفلسفة السقراطية تُناصب العداء لكل معرفة لا تقترن بالإنسان. ويكتب الفيلسوف الوجوديّ الألماني كارل ياسبرز: " ربما كان أنقى وجه في طريق من جازفوا بأنفسهم ليطيعوا مطلباً مطلقاً هو وجه سقراط، هو من كان يعيش في ضياء عقله، بشمولية عقله (لا أعرف شيئاً)، فقد تابع طريقه دون أن تبلبله أو تضلّه عن سبيله الأهواء العنيفة للناس الذين يغتاظون ويكرهون ويريدون بأي ثمن أن يكون الحق معهم، ولم يقدم أي تنازل، ولم ينتهز فرصة الهرب التي كانت متاحة له، ومات في صفاء وسكينة، متحملاً تلك المجازفة باسم معتقداته التي يؤمن بها- كارل ياسبرز مدخل الى الفلسفة ترجمة محمد فتحي الشنيطي -، في حوار مع سيمون دي بوفوار يقول سارتر إنّه تعلم من سقراط كيف يمكن للفيلسوف أن ينزل الفلسفة من السماء إلى الارض، ويُدخلها إلى الأسواق والبيوت. ومثلما ارتبطت الوجوديّة بالمقاهي الباريسية والنوادي الثقافية الألمانية ومدرجات الطلبة، ارتبطت فلسفة سقراط ومعه السفسطائيين بالناس الذين كانوا يقابلونهم في الأسواق والشوارع، حيث كانت عادته أن يتوجه كل صباح إلى الأسواق حيث يتجمع الناس ليلقون عليهم اسئئلتهم، والخلاف الوحيد بين سقراط والسفسطائيين، انه لم يكن يتقاضى مالاً مقابل أحاديثه ودروسه، حيث اعتبر نفسه منشغلاً برسالة مفروضة عليه، فلا يكاد إنسان يلقي عليه السلام حتى يسأله عن معنى كلمة الشرّ، ولماذا علينا أن نختار الخير. وتدور المناقشات ساعات وساعات، مثلما كانت تدور في المقاهي الفرنسية التي كان من أشهرها مقهى اسمه (لي دو ماغو) حيث كان جان بول سارتر ومعه سيمون دي بوفوار ومجموعة من أصدقائهم يدخلونه صباحاً ويجلسون فيه على موائد صغيرة متجاورة ويدخلون في نقاشات لا تتوقف وهم يحرقون السجائر. تكتب سيمون دي بوفوار: " كنتُ أشعر أن المقهى أصبح جزءاً من العائلة" – قوة الاشياء ترجمة محمد فطومي - .وفي أثينا القديمة كان يمكن أن تصادف رجلاً يتجوّل في الشوارع يحادث المارة، وإن كان ثمة شخص لا يعرفه فلسوف يسأله:
* من تكون يا هذا؟
- سقراط بن سوفرونيسكوس.
* ما هي اهتماماتك؟
-ان أتحدّث مع الذين يودّون ذلك.
* ولأيّ هدف؟
- لكي أساعد العقول على أن تولّد الحقيقة.
وليس غريباً أن تكون لدى كلٍّ من كيركغارد ونيتشه، مواقف متضاربة تجاه فلسفة سقراط؛ فمن ناحية، كان يُنظر إلى سقراط كمدافع عن نوع من العقلانية يتخطى القيم التقليدية والشخصية الخالصة إلى معايير أخلاقية عالمية، وهو ما أشاد به كيركغارد نفسه وانتقده نيتشه. لكن كليهما أدرك أن سقراط خاطر بتجاوز حدود المعقول كي يعيش الحياة بكلّ معانيها. وكما علق كيركغارد حول أهمية القناعة الشخصية التي يكون فيها الشخص مستعدّاً للتضحية بحياته من أجلها مثلما فعل سقراط وهو يتجرع السمّ.
هكذا نجد أن الأساس في فلسفة سقراط وبرتاغوراس هو معرفة الإنسان لنفسه. إن موضوع الفلسفة ودورها الأساسي وهدفها الرئيس، يكمن في معرفة طبيعة الإنسان للمصدر الأول لأعماله وسلوكه، لطريقته في العيش والتفكير، وان المعرفة المعرفة لا تتحقق إلّا من خلال معرفة النفس، وأن الفيلسوف الحقّ هو من يمارس فلسفة الحياة، وأن يكون منهجه الحقيقي هو الحوار والمحادثة الحية، ودراسة المسائل التي تنشأ من السؤال والجواب.
في محاورة المادبة يصف ألقيبيادس ما فهلته في نفسه حواراته مع سقراط:" تركني في حالة ذهنية شعرت فيها انني، ببساطة، لا استطيع أن امضي في العيش بالطريقة التي كنت عليها .. جعلني اعترف انني بينما اقضي وقتي في السياسة فأنا اهمل كل الاشياء التي تهيب بي ان انتبه اليها في نفسي " – افلاطون محاورة المأدبة ترجمة وليم الميري –
ربما يكون سقراط اليوم أكثر أهمية مما كان عليه في مجتمع أثينا عام 399 ق.م. ففي ظل الازمات التي تمر بها البشرية، تبرز الحاجة الماسة إلى موقف فلسفي يتمحور حول إعطاء الأولوية لتنمية الفضيلة الإنسانية، والابتعاد عن أنماط الحياة التي حولت الانسان الى سلعة . علينا اليوم أن نؤكد على اهميةالتغيير السقراطي في القيم، والتزامه المبدئي الراسخ بفعل الصواب، حتى وإن ادى ذلك الى الموت. علينا ان نتذكر لحظة اعدام سقراط، فقد كانت لحظة ثورية أطلقها رجل في السبعين اراد منا ان نعيش الحياة بكل معانيها.
***
علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية







