عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

غدير الزبون: القراءة بين زمنين

قارئ يبحث عن كتابٍ…وكتبٌ تبحث عن قارىء"

عندما يُسأل المرء عن بداياته الأولى مع القراءة يستحضر الأمكنة والوجوه والروائح والتفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع تلك اللحظة السحرية بين الطفل والكتاب. وفي زمنٍ لم تكن فيه المكتبات العامة متاحة على نطاق واسع، ولم تكن الشاشات قد اقتحمت البيوت والعقول كانت رحلة الحصول على كتاب حدثاً قائماً بذاته يسبق متعة القراءة وربما يوازيها.

أتذكّر أنّ أوّل كتاب قرأته كان كتاباً مترجماً بعنوان "الصحة والحياة"، اقتناه عمّي الراحل الحكيم خليل، رحمه الله. وكان مما شدّني إلى الكتاب ذلك العالم الذي كان يحيط به.

فقد كان عمّي يحتفظ به في صندوقٍ خاصّ يضمّ مقتنياته العزيزة، وكأنّه خزانة أسرار صغيرة.

وكان يتصدّر الصندوق مجسّم مصوّر ودقيق لأعضاء جسم الإنسان، بألوانه وتفاصيله المدهشة، فكنت أتأمّله طويلاً قبل أن أتناول الكتاب.

وربّما كانت دهشتي الأولى بالمعرفة قد بدأت هناك عند ذلك التلاقي البريء بين الصورة والكلمة، وبين فضول الطفل وغموض العالم.

لم أكن أدرك ببراءتي الطفولية يومها أنّني كنت أفتح نافذة على عوالم جديدة لم أعرفها من قبل.

كانت صفحات "الصحة والحياة" تحمل لي أسرار الجسد الإنساني ووظائف أعضائه، لكنّها كانت من حيث لا أدري، تعلّمني أيضاً أنّ المعرفة باب لا يُغلق، وأنّ السؤال الجميل أهمّ من الجواب الجاهز.

وفي كلّ عطلة صيفية كانت تنتظرني متعة أخرى، فقد كان عمّي يعمل في مكتب إلياس نصّار لتعليم السياقة في زاوية تجاور مخيم العزة، وهناك كان يمرّ بين الحين والآخر بائع كتب متجوّل يحمل معه حقائب أو رزم كتب صغيرة. لم يكن الرجل يعلم على الأرجح أنّه كان يؤدي دوراً ثقافياً يتجاوز البيع والشراء، فقد كان بالنسبة إلى أطفال تلك المرحلة رسولاً يأتي من عالم الحكايات. وكان عمّي يحرص على أن يشتري لي من ذلك البائع مجموعات قصصية للأطفال، فأنتظر عودته كما ينتظر الأطفال الأعياد والمفاجآت.

كانت تلك المجموعات تتفاوت في موضوعاتها وألوانها، فمنها القصص الاجتماعية التي تعرّفنا إلى الناس وأخلاقهم وتجاربهم، ومنها القصص الدينية التي تغرس القيم والمعاني النبيلة، ومنها الحكايات التعليمية والتربوية التي تقدّم المعرفة في ثوبٍ مشوّق.

وكان أكثر ما يستوقفني آنذاك القصص التي تجري أحداثها على ألسنة الحيوانات، فتتكلّم الطيور والوحوش والكائنات الصغيرة بحكمة البشر وأخطائهم، فتقدّم دروساً في الصداقة والشجاعة والصدق والرحمة دون وعظٍ مباشر أو تلقين ثقيل.

وكان للقراءة في الصيف طقسها الخاص. فالوقت أكثر اتساعاً، والنهارات أطول، والخيال أكثر استعداداً للتحليق.

كنت أتنقّل بين تلك الكتب كما يتنقّل المسافر بين مدنٍ متجاورة، أعيش مع شخصياتها وأحزن لأحزانها وأفرح لانتصاراتها حتى غدت القصص جزءاً من تكويني النفسي واللغوي.

كانت القراءة آنذاك نافذتي الأولى لفهم العالم وتوسيع حدود المخيّلة.

وإذا كانت الأجيال الجديدة تعيش اليوم في زمن الوفرة الرقمية، حيث يمكن الوصول إلى آلاف الكتب بضغطة واحدة، فإنّ جيلي عرف القراءة في زمنٍ كانت فيه الكتب تصل إلينا عبر طرقٍ أكثر تواضعاً وأكثر دفئاً أيضاً، من مكتبة صديق، أو هدية قريب، أو بائع متجوّل، أو صندوق قديم يحتفظ به أحد أفراد العائلة.

لذلك كانت قيمة الكتاب تتجاوز ثمنه المادي، لأنّ وراء كلّ كتاب حكاية وصول، ووراء كلّ صفحة يدٌ امتدّت بمحبة لتضع المعرفة في متناول طفلٍ يحلم.

لهذا كلّه لا أستطيع أن أفصل ذكرياتي عن القراءة عن صورة عمّي الراحل الحكيم خليل، ولا عن ذلك البائع المتجوّل الذي كان يطرق باب الصيف محمّلاً بالحكايات.

فقد كانت الكتب تصل إلينا ببطء، لكنها كانت تستقرّ في أرواحنا طويلاً، وربّما لهذا السبب بقي أثرها حيّاً في الذاكرة حتى اليوم رغم كلّ ما تغيّر من وسائل القراءة وأشكالها.

والآن وقد أصبحت في سنّ الحكمة على حدّ تعبير الفلاسفة لم يخطر في ذهني أنّ شهراً كاملاً من التجوال بين باعة الكتب في شارع النبي دانيال بالإسكندرية سيعيدني إلى طفلة صغيرة كانت تحمل دفتراً وقلماً وتظنّ أنّ تلخيص كتاب واحد عملٌ يشبه اكتشاف قارة جديدة.

غير أنّ الكتب كما أدركت لاحقاً تسكن الرفوف وتسكن الأزمنة أيضاً، وكلّ كتاب نشتريه يحمل في داخله طريقاً سرياً يقودنا إلى كتاب سابق، وإلى قارئ سابق كنّاه يوماً ثم ابتعدنا عنه.

حينما طُلب مني أنْ أكتب عن عادات القراءة في الصيف وجدت نفسي أفكّر في الأمكنة، فالقراءة في عالمنا العربي لم تكن فعلاً معزولاً عن الجغرافيا، لأنّ لكل قارئ مكانه الأول الذي تعلّم فيه الإصغاء إلى الكلمات.

وكان مكاني في الصيف الأخير هو شارع النبي دانيال، ذلك الشارع الذي يبدو كأنه فصلٌ كامل من تاريخ الثقافة العربية لا مجرد شارع في مدينة.

على مدار شهر كامل كنت أتردد إليه بصورة شبه يومية.

أمشي بين دكاكين الكتب القديمة، أتأمل العناوين المكدسة فوق الأرصفة، وأراقب وجوه الباحثين عن كتاب نادر أو رواية مفقودة أو طبعة قديمة لم يعد لها أثر في المكتبات الحديثة.

وما شدّ انتباهي منذ الأيام الأولى أنّ أصحاب تلك الدكاكين لا يمكن وصفهم بالباعة إلا على سبيل التجوّز.

فقد كانوا أقرب إلى أمناء مكتبات شعبية مفتوحة، أو إلى حراس لذاكرة ثقافية ممتدة.

كنت أمدّ يدي نحو كتاب في الفلسفة، فيبادرني أحدهم بالحديث عن مؤلفه وسياقه التاريخي، ثم ينتقل إلى كتاب آخر يشبهه أو يناقضه.

وأقف أمام رواية لنجيب محفوظ، فإذا به يفتح نقاشاً حول تطور السرد العربي الحديث، أو يقارن بين محفوظ وعبد الرحمن منيف، أو يحدّثني عن أثر الترجمة في تشكيل الذائقة العربية. عندها كنت أشعر أنّ عملية شراء الكتاب أقرب ما تكون إلى حوار ثقافي طويل يبدأ من الغلاف ولا ينتهي عند الصفحة الأخيرة بعيدا عن الصفقات التجارية.

وفي إحدى الأمسيات امتد النقاش بيني وبين أحد أصحاب المكتبات الصغيرة إلى أكثر من ساعة.

بدأ الحديث عن الرواية التاريخية، ثم قادنا إلى أمين معلوف، ومنها إلى دوستويفسكي، ثم إلى سؤال قديم لا يزال يلاحق الثقافة العربية مفاده:

هل نقرأ لكي نعرف أم نقرأ لكي نفهم أنفسنا؟ وعندما غادرت المكان كان معي ثلاثة كتب جديدة، لكنني كنت أشعر أنني عدت محملة بأفكار أكثر من الكتب نفسها.

وهنا تذكرت أنّ القراءة في طفولتنا لم تكن تشبه ما هي عليه اليوم.

فلم تكن الكتب متاحة بضغطة زر، ولم تكن المكتبات الرقمية قد اجتاحت العالم.

كان الحصول على الكتاب مغامرة بحدّ ذاتها.

وربما لهذا السبب كان الكتاب أكثر قيمة، وكانت العلاقة معه أكثر حميمية.

أعود بذاكرتي إلى سنوات بعيدة، إلى تلك المكتبة الوحيدة في منطقتنا وهي مكتبة البعثة البابوية التابعة لجامعة بيت لحم.

هناك بدأت الحكاية الحقيقية.

لم تكن مكتبة كبيرة بالمعايير الحديثة، لكنها كانت بالنسبة لي عالماً لا حدود له.

كنت أدخلها بشعور يشبه دخول المسافر إلى مدينة مجهولة، وأقف طويلاً أمام الرفوف، أختار كتاباً واحداً بعد تردد طويل، وكأنني أختار رفيق رحلة لا مجرد مادة للقراءة.

أتذكر جيداً كيف كنت أعود إلى البيت حاملة الكتاب بكل ما في القلب من فرح، ثم أشرع في قراءته بشغف لا يعرف الاستعجال.

ولم أكن أكتفي بالقراءة، فقد صنعت لنفسي منهجية خاصة منذ الصغر.

كنت ألخّص ما أقرأه بخط يدي في دفاتر صغيرة.

أدوّن الأفكار الرئيسة، وأقتبس العبارات التي تدهشني، وأعيد صياغة ما فهمته بلغتي الخاصة.

وكثيراً ما كان القلم يتعب في يدي قبل أن أتعب أنا من الكتابة.

اليوم، عندما أفكر في تلك الدفاتر القديمة أدرك أنها كانت تمارين مبكرة على التفكير.

فالقراءة الحقيقية لا تبدأ عند نهاية الكتاب، وإنما تبدأ عندما يحاول القارئ أنْ يحاور ما قرأه وأنْ يعيد إنتاجه في ذهنه ووجدانه.

ولعلّ الصيف كان الفصل المثالي لكل ذلك، ففي الصيف كانت الساعات أكثر اتساعاً، وكانت الأيام أقلّ ازدحاماً بالواجبات المدرسية.

كان الصيف موعداً سنوياً غير معلن بيني وبين الكتب، إذْ كنت أضع قائمة ذهنية لما أريد قراءته، وأتعامل مع العطلة كما لو كانت مشروعاً معرفياً مؤقتاً.

لم أكن أدرك وقتها أنّ آلاف الأطفال والشباب في العالم يفعلون الأمر ذاته بطرق مختلفة، وأنّ الصيف ظل في ثقافات كثيرة موسماً للقراءة واكتشاف الذات.

غير أنّ ما يلفت النظر اليوم هو أنّ عادات القراءة تغيّرت، كما تغيّرت وسائل الوصول إلى المعرفة. فالتكنولوجيا جعلت الكتاب أقرب من أي وقت مضى، لكنها في الوقت نفسه جعلت المنافسة على انتباه القارئ أكثر شراسة، وصار بإمكاننا تحميل آلاف الكتب في دقائق معدودة، لكنّ الوفرة لا تعني دائماً القراءة.

فالكتاب الذي كنا ننتظر أسابيع للحصول عليه كان يحظى غالباً بقدر أكبر من العناية والإنصات، ومع ذلك لا أتعامل مع التكنولوجيا على أنها خصم للقراءة.

لقد فتحت أبواباً واسعة أمام المعرفة، وأعادت إحياء كتب نادرة، وقرّبت المسافات بين القارئ والمكتبات العالمية.

لكنني ما زلت أعتقد أنّ جوهر القراءة لم يتغير، فما يزال القارئ الحقيقي يبحث عن تلك اللحظة السحرية التي يعثر فيها على كتاب يبدّل شيئاً في نظرته إلى العالم.

وأنا أتجول في شارع النبي دانيال هذا الصيف كنت أرى نماذج متعددة من القرّاء، رأيت طالباً جامعياً يبحث عن مراجع أكاديمية، وشاباً يفتش عن رواية أثارت ضجة على وسائل التواصل، ورجلاً تجاوز الستين يفتش عن كتاب قرأه قبل أربعين عاماً ويريد أن يلتقيه من جديد. وكانت تلك المشاهد تؤكد لي أنّ الكتاب رغم كل التحولات ما يزال قادراً على جمع أجيال مختلفة حول شغف واحد.

لذلك فإنّ الحديث عن عادات القراءة في الصيف ليس حديثاً عن فصل من فصول السنة بقدر ما هو حديث عن زمن داخلي خاص، زمن تتباطأ فيه الحياة قليلاً لكي نصغي إلى أصوات الكتب.

وحينما أستعيد رحلتي بين مكتبات النبي دانيال، ثم أعود أبعد إلى مكتبة البعثة البابوية ودفاتر التلخيص القديمة أشعر أنّ ثمة خيطاً واحداً يصل بين كل تلك المحطات.

ذلك الخيط هو الإيمان بأنّ القراءة طريقة لفهم العالم وفهم الذات.

وأنّ الكتاب الذي نعثر عليه في صيف بعيد قد يظل يرافقنا طوال العمر، مثل صديق قديم لا يغادر الذاكرة مهما ابتعدت السنوات.

ولعلّ أجمل ما تعلّمتُه من رحلتي الطويلة مع الكتب أنّ القارئ يشتري احتمالاً جديداً للحياة، ونافذة أخرى يطل منها على نفسه والعالم.

ولهذا ظل الصيف في ذاكرتي على الأقل الفصل الذي تتفتح فيه الأشجار والكتب معاً.

ولعلّ ما يدعونا إلى التأمّل اليوم ليس تغيّر وسائل القراءة بقدر ما يدعونا إلى التفكير في طبيعة علاقتنا بالمعرفة.

فقد انتقلنا من زمن كان فيه الكتاب ضيفاً عزيزاً ننتظره بشغف، إلى زمن أصبح فيه كل شيء متاحاً دفعة واحدة، حتى كادت الوفرة تتحوّل إلى نوع من الندرة الجديدة، ندرة التركيز، وندرة التأمّل، وندرة القدرة على الإصغاء الطويل لفكرة واحدة حتى تنضج في العقل والوجدان.

إنّ الأمم تُقاس بقدرتها على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى سلوك، والسلوك إلى حضارة.

والكتاب ظلّ عبر القرون الأداة الأكثر قدرة على إنجاز هذه الرحلة العميقة. فالمعلومة العابرة قد تملأ الذاكرة لساعات، أمّا الكتاب الجيد فيعيد تشكيل الإنسان لسنوات وربما لعمر كامل.

ومن هنا فإنّ الدفاع عن القراءة بات دفاعاً عن هواية ثقافية، ودفاعا عن العقل في مواجهة التشتت، وعن التأمل في مواجهة الاستعجال، وعن العمق في مواجهة السطحية.

لقد أثبت التاريخ أنّ الحضارات الكبرى تُبنَى في ظلال الكتب، وما من نهضة علمية أو فكرية أو أدبية إلا وكانت المكتبة أحد أركانها الأساسية.

فالكتاب لا يمنح قارئه أجوبة جاهزة بقدر ما يعلّمه كيف يطرح الأسئلة الصحيحة، ولا يلقّنه ما يفكر به بقدر ما يدرّبه على كيفية التفكير.

ولذلك يبقى الكتاب شريكاً في صناعة الإنسان الحرّ القادر على التمييز والنقد والمراجعة واختيار مواقفه عن بصيرة.

ومن هنا فإنّ العودة إلى الكتاب ضرورة إنسانية وحضارية.

إنّ الطفل الذي ينشأ على القراءة يمتلك فرصة أكبر لتوسيع خياله، والشاب الذي يصادق الكتب يمتلك قدرة أعمق على فهم العالم، والمجتمع الذي يحافظ على علاقته بالمعرفة يمتلك مناعة أقوى في مواجهة الجهل والتعصب والتضليل.

وما أحوجنا اليوم في زمن التدفق الهائل للمحتوى السريع إلى أنْ نستعيد تلك العلاقة الهادئة مع الصفحة، وذلك الحوار الصامت بين القارئ والمؤلف كي تنمو الأفكار بعيداً عن صخب الاستهلاك اليومي للمعلومات.

ولعلّ أولى الوصايا أنْ نعيد للكتاب مكانته داخل الأسرة، فالأطفال لا يتعلمون حب القراءة بالمواعظ بقدر ما يتعلمونه بالقدوة.

والبيت الذي يرى فيه الأبناء كتباً تُقرأ أكثر من الكتب التي تُزيّن الرفوف يزرع في نفوسهم احترام المعرفة قبل أنْ يطلب منهم طلبها.

والوصية الثانية أنْ نجعل من القراءة فعلاً يومياً ولو لوقت يسير، فالعقول تُبنى بالتراكم الهادئ والمستمر.

أمّا الوصية الثالثة فهي أنْ نحرّر القراءة من منطق الامتحان والواجب، وأن نعيدها إلى فضائها الطبيعي بوصفها متعة واكتشافاً ومغامرة روحية وفكرية. والوصية الرابعة أن نُحسن اختيار ما نقرأ، لأنّ العمر أقصر من أنْ يُهدر في الكتب الرديئة، ولأنّ الكتاب الجيد قد يختصر على الإنسان سنوات من الحيرة والتجربة.

كما أنّ من الضروري أنْ نُعيد إحياء المبادرات التي تقرّب الكتاب من الناس، ومن المكتبات العامة، ومعارض الكتب، ونوادي القراءة، وتبادل الكتب بين الأصدقاء، وتشجيع الأطفال واليافعين على اقتناء كتبهم الخاصة.

فالقراءة تحتاج إلى بيئة ثقافية ترى في الكتاب ضرورة اجتماعية لا سلعة موسمية.

وعندما أسترجع اليوم رحلتي الأولى مع القراءة، من ذلك الكتاب المترجم "الصحة والحياة"، إلى المجموعات القصصية التي كان يجلبها البائع المتجوّل إلى مكان عمل عمّي، أدرك أنّ ما بقي في الذاكرة هو ذلك الشغف الذي رافق قراءتي لها.

لقد كانت الكتب قليلة، لكنها كانت واسعة الأثر، وكانت الإمكانات محدودة، لكنّ الرغبة في المعرفة كانت كبيرة. وربما تكمن المفارقة المؤلمة في أنّنا نعيش اليوم زمن الوفرة غير المسبوقة، فيما يتراجع نصيب الكتاب من حياتنا شيئاً فشيئاً.

لذلك فإنّ العودة إلى الكتاب هي عودة إلى أنفسنا، وإلى قدرتنا على التأمل، وعلى الإنصات، وعلى بناء أفكارنا بعيداً عن الاستهلاك السريع للمعرفة.

فالكتاب هو خبرات بشرية متراكمة، وأرواح تتحدّث عبر الزمن، وعقول تمدّ جسوراً بين الأجيال.

وما دام الإنسان يبحث عن معنى لحياته، وعن فهم أعمق للعالم من حوله، فسيظلّ الكتاب واحداً من أنبل الرفاق وأصدقهم، وسيبقى رغم كلّ التحولات المصباح الذي لا تنطفئ حاجتنا إلى نوره.

***

غدير حميدان الزبون

فلسطين

في المثقف اليوم