عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

قاسم المحبشي: حين تُعلِّمنا الحياة ما تعجز الكلمات عن تعليمه

أمس خضت للمرة الثانية تجربة التجديف النهري في إحدى ضواحي مدينة بورن القريبة من هينغلو الهولندية. وقد بدت لي هذه الرحلة، منذ لحظتها الأولى، أكثر من مجرد نشاط رياضي أو نزهة صيفية؛ كانت درسًا صغيرًا من دروس الحياة، ذلك النوع من الدروس الذي لا تمنحه الكتب، ولا يستطيع أبلغ المعلمين أن ينقله إلى تلاميذه بالكلمات وحدها.

لقد أدركت منذ زمن بعيد أن الحياة لا تُعلِّم بالطريقة التي نقرأ بها الكتب، بل بالطريقة التي نصطدم بها بالواقع. فهناك معرفة لا يمكن استعارتها، ولا توريثها، ولا تلقينها. إنها معرفة التجربة؛ تلك التي تُولد من الاحتكاك المباشر بالعالم، ومن مواجهة الذات في لحظات النجاح والإخفاق، والخوف والطمأنينة، والانكسار والانتصار.

يمكن لأي إنسان أن يحدثك ساعات طويلة عن الصبر أو الشجاعة أو الخسارة أو الأمل، لكن تلك الكلمات ستظل معلقة في فضاء اللغة حتى تتحول إلى تجربة شخصية. وحدها المعايشة تمنح الكلمات لحمها ودمها، وتجعل الحكمة جزءًا من تكوين الإنسان لا مجرد معلومة يحتفظ بها في ذاكرته.

ولعل هذا ما قصده أرسطو حين جعل الفضيلة عادة تُكتسب بالممارسة، وما أكده جون ديوي عندما اعتبر أن التربية ليست إعدادًا للحياة، بل هي الحياة نفسها. أما الفيلسوف الألماني هيغل فقد رأى أن الوعي لا يبلغ نضجه إلا عبر التجربة التي تهدم يقيناته القديمة لتبني يقينًا جديدًا أكثر عمقًا. فالحياة لا تضيف إلينا المعلومات فقط، وإنما تعيد تشكيلنا من الداخل.

انطلقت رحلتنا قرابة الواحدة ظهرًا. كنا نحو أربعين شخصًا من جنسيات وثقافات متعددة، تجمعنا رغبة واحدة في خوض تجربة جديدة. لم نكن نعرف وجهتنا بدقة، ولذلك كان الطريق نفسه جزءًا من المغامرة.

من خلف النوافذ الزجاجية للحافلة كانت الطبيعة الهولندية تمر أمام أعيننا كلوحة زيتية متحركة. مروج خضراء تمتد حتى الأفق، وقطعان الأبقار والأغنام والخيول والغزلان ترعى في هدوء نادر، وقرى صغيرة تتناثر بين الأنهار والغابات، ومزارع تبدو وكأنها خرجت لتوها من يد رسام شديد العناية بالتفاصيل.

كان المشهد يعيد إلى ذاكرتي صور الطفولة، ومسلسلات الرسوم المتحركة الأوروبية التي كنا نشاهدها ونحن نظن أنها تنتمي إلى عالم الخيال. فإذا بها اليوم واقع حي أمشي فيه بعيني لا بخيالي.

وأكثر ما شد انتباهي هو تلك النظافة المدهشة التي تكاد تجعل المكان يبدو وكأنه قد خرج للتو من حمام طويل. لا غبار يعكر الرؤية، ولا أكوام نفايات، ولا فوضى بصرية تسرق جمال الطبيعة. هنا تشعر أن الإنسان لم ينتصر على الطبيعة، بل تعلّم كيف يعيش معها في علاقة احترام متبادل.

لاحظت في هولندا النباتات نفسها التي عرفتها في العالم العربي : الليمون، والبرتقال، والتفاح، والريحان، والخس، والجرجير، والطماطم، والبطاطس، والبصل، والثوم، والذرة وغيرها. كما وجدت الحيوانات ذاتها تقريبًا؛ الأبقار والماعز والأغنام والغزلان والأرانب والقطط والكلاب.

أما الإنسان، فقد وجدته هو الآخر الإنسان نفسه. يمشي على قدمين، يفرح ويحزن، يحب ويكره، يأكل ويعمل ويحلم، ولا يختلف في تكوينه البيولوجي عن أي إنسان آخر على وجه الأرض.

لكن ما يختلف حقًا هو الثقافة التي تشكل السلوك، والمؤسسات التي تحمي القانون، والقيم التي تُترجم إلى ممارسة يومية.

وهنا راودني سؤال قديم يتجدد كلما ازددت احتكاكًا بالعالم: من أين جاءت أوهام التفوق التي تعيشها بعض الجماعات؟ وبأي معيار يتوهم قوم أنهم أفضل من سائر البشر؟

لو كان التفاضل بالشكل أو اللون أو اللغة أو النسب لكان ذلك ظاهرًا للعيان، لكنه ليس كذلك. ولو كان بالذكاء وحده لما احتكرت أمة واحدة الإبداع عبر التاريخ. أما إذا كان التفاضل الأخلاقي هو المعيار، فإنه لا يُورث بالولادة، وإنما يُكتسب بالعمل والسلوك.

إن القرآن نفسه يضع معيارًا مختلفًا حين يجعل قيمة الإنسان مرتبطة بالفعل الأخلاقي لا بالانتماء، ولذلك فإن كل ادعاء بالتفوق المسبق على الآخرين هو في جوهره وهم تاريخي أكثر منه حقيقة إنسانية.

وصلنا إلى ضفة النهر في الثانية تقريبًا. وهناك تلقينا تدريبًا سريعًا حول أدوات التجديف، وقواعد السلامة، وكيفية التعامل مع مجرى الماء. ثم بدأت التجربة.

هذه المرة كنت أجلس في مقدمة الزورق مع مجدف هولندي متمرس، بينما شاركنا في الخلف زميل من سريلانكا. وعلى امتداد ساعة ونصف قطعنا فيها مسافة النهر المخصصة للتجديف المتواصل بين ضفتي محاطة بالأشجار والصيادين بما فيهم الأطفال .

وأنا أقود الزورق تذكرت الفواجع التي تعرضنا لها في المرة السابقة التي كان معي فيها سيد سوري اسمه يونس يخاف الماء ولا يعرف يجدف أبدا وطلبت منه أن يتراجع إلى الخلف ويترك القيادي لأنني اجيد السباحة كما تعلمون ولكنك للأسف الشديد ابي واستكبر كعادة العرب دائما في التمسك بالقيادة حتى الكارثة!

ربما كانت التجربة أكثر نجاحًا من المرة الأولى، لأن الخبرة الصغيرة التي اكتسبتها في المحاولة السابقة منحتني ثقة أكبر، وربما لأن قيادة الزورق تحتاج، مثل قيادة الحياة، إلى هدوء أكثر مما تحتاج إلى القوة.

أدركت أن الماء لا يقاوم من ينسجم مع حركته، بل يقاوم من يتحداه بعناد. أدرك الهولنديون أن الطبيعة لا يمكن قهرها بشكل كامل، فابتكروا فلسفة جديدة تُعرف بـ "مساحة للنهر" (Room for the River). تقوم هذه الفلسفة على إعطاء الماء مساحات آمنة ليفيض فيها بدلاً من حبسه خلف الجدران، واستخدام البنية التحتية المرنة مثل البيوفلوتنج (البيوت العائمة) والحدائق الماصة للأمطار. لقد تحول الماء في الوعي الهولندي من "عدو دائم" يهدد البقاء إلى "شريك ومورد طبيعي" يُشكل الهوية الوطنية والابتكار الهندسي.

ولذلك استطاع زورقنا أن يتجنب الاصطدامات والانقلابات التي تعرض لها بعض الزوارق الأخرى بسبب التسرع أو غياب التنسيق بين أفرادها.

وفي تلك اللحظة خطر ببالي أن التجديف ليس مجرد رياضة، بل استعارة بليغة للحياة كلها.

فالزورق يشبه المجتمع، والمجاديف تشبه الإرادات الفردية، والنهر يشبه التاريخ؛ لا يتوقف من أجل أحد، ولا يغير مجراه لأننا نرغب في ذلك. وكل ما نستطيع فعله هو أن نفهم اتجاه التيار، ونحسن استخدام قوانين الحركة، فنصل إلى غايتنا بأقل قدر من الخسائر.

وهذا ما ذكرني بعلاقة السياسة بالسباحة فكما إن الإنسان لا يستطيع تعلم السباحة وهو واقف على اليابسة، كذلك لا يستطيع شعب أن يتعلم السياسة دون أن يمارسها.

فالسياسة ليست معلومات تحفظ، ولا شعارات تردد، ولا خطبًا حماسية تملأ الساحات. إنها خبرة عملية، مثل السباحة والتجديف وقيادة السفن.

يمكنك أن تقرأ ألف كتاب في السباحة، لكنك ستغرق إذا نزلت إلى الماء لأول مرة دون تدريب.

وكذلك تستطيع أن تحفظ مؤلفات أفلاطون وأرسطو وميكيافيللي وهوبز وحنة آرنت عن ظهر قلب، لكن ذلك لا يجعلك سياسيًا، لأن السياسة لا تُولد في المكتبات، بل في الفضاء العام، حيث يتعلم الناس إدارة اختلافاتهم، وتنظيم مصالحهم، وتحمل نتائج قراراتهم.

ولهذا فإن المجتمعات الديمقراطية لا تكتفي بتعليم القراءة والكتابة، بل تتيح للمواطنين ممارسة السياسة منذ وقت مبكر عبر الأحزاب والنقابات والبلديات والجامعات ومنظمات المجتمع المدني. فالممارسة هي المدرسة الحقيقية للمواطنة.

أما حين يُحرم الناس من هذا الحق، ويُغلق المجال العام، وتتحول الدولة إلى سلطة وصاية، فإن المجتمع يفقد تدريجيًا قدرته على إدارة شؤونه بنفسه، تمامًا كما يفقد الإنسان قدرته على السباحة إذا مُنع من الاقتراب من الماء.

لقد علّمنا التاريخ أن الاستبداد لا يمنع الحرية فقط، بل يمنع التعلم أيضًا.

فالأجيال التي لم يُسمح لها بالمشاركة السياسية لا يمكن مطالبتها فجأة بإدارة الدولة بكفاءة، كما لا يمكن مطالبة شخص لم يدخل الماء طوال حياته بأن يعبر نهرًا هائجًا.

ولهذا تبدو كثير من الانفجارات السياسية في العالم العربي أشبه بمحاولات سباحة جماعية داخل مسبح جرى تجفيفه منذ عقود.

الناس يريدون الحركة، لكن شروط الحركة غائبة.

يريدون المنافسة، لكن قواعد اللعبة مفقودة.

ويريدون الديمقراطية، دون أن تتاح لهم فرصة تعلمها بالممارسة اليومية.

وأنا أغادر النهر مساء أمس، شعرت أنني لم أتعلم التجديف فقط، بل تعلمت درسًا جديدًا في فلسفة الحياة.

فالحياة نهر متحرك، لا يسمح لأحد بأن يبقى ثابتًا.

ومن يكتف بالوقوف على الضفة سيظل خبيرًا في الكلام، جاهلًا بالفعل.

أما من ينزل إلى الماء، فقد يبتل، وقد يتعب، وقد يسقط، لكنه وحده من يكتشف قوانين التيار، ويتعلم كيف يقود زورقه وسط الأمواج.

وهكذا هي الحضارة أيضًا؛ ليست تراكمًا للنظريات، بل تراكم للتجارب. وليست انتصارًا لمن يعرف أكثر، بل لمن يمارس أكثر، ويتعلم من أخطائه أكثر، ويملك شجاعة العودة إلى النهر كلما دعته الحياة إلى تجربة جديدة.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

في المثقف اليوم