حياة قصيرة أشبه بقصيدة
- حسين مردان يدعو سارتر لزيارة بغداد في مرسم جواد!!
بدعوة من رئيس تحرير جريدة الأهرام المصرية محمد حسنين هيكل، قام الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر بزيارة مصر، برفقة زوجته سيمون دي بوفار، في مطلع شهر آذار 1967، التقى خلالها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. أثناء ذلك وجّه له اتحاد الأدباء في العراق دعوة للزيارة، يومها تحمّس الشاعر حسين مردان لهذه الزيارة بوصفه "رائد الوجودية في العراق"، فضلاً عن أنه التقى سارتر في موسكو خلال انعقاد المؤتمر العالمي للكتّاب والفنانين من أجل السلام. ارتأى شاعرنا الراحل مردان في واحدة من تخيلاته، أن يستضيف سارتر على طريقته الخاصة، لكن أين؟
في مرسم الفنان يحيى جواد. وكما عُرف عن حسين مردان، أنه شخصية ظريفة، طيب القلب، نقي السريرة، فأبلغ صديقه الفنان التشكيلي والقاص والخطاط يحيى جواد، بدعوة صديقه سارتر لزيارة بغداد، "الذي قبل الدعوة بسعادة".
كان على جواد أن يتهيأ لاستقبال سارتر بما يليق ومكانة ضيفه، في مكتبه، ويعدّ العدّة لتوفير ما يشتهي سارتر من شراب وأكل.
كان المرسم يشغل شقة في الصالحية قريباً من سينما ريجنت، تطلّ على الشارع المؤدي إلى عبور جسر الأحرار نحو الرصافة، بدءاً من تقاطع الإذاعة حتى مقتربات الجسر، لا يبلغ بالطول أكثر من مئة متر، غير أنه كان مليئاً بالأضواء والعطور، كان مكتب الفنان يحيى أشبه بمرصد صغير يطلّ على روح المدينة، يوم كانت الصالحية أشبه بفتاة فاتنة.
في مرسم يحيى جواد تلتقي نخبة من الشعراء والكتّاب والفنانين، حسين مردان، رشدي العامل، نزار عبّاس، كاظم جواد، عبد المجيد الونداوي، عليّ الشوك، عبد الملك نوري، جيان، التكرلي، وآخرون.
كان يحيى يمتلك خصوصيته الذاتية المتفرّدة، في أحيان يبدو سلوكه وشكله الخارجي لا ينمّان عن جوهره الداخلي، سرعان ما يكشف عن روح شفافة ورقّة متناهية، وتعاطف حميم، وهذا أحد أسرار الحبّ العميق والاحترام الذي حمله له كل أصدقائه ومعارفه. لقد انصرف كلية لمواهبه الرائعة، حتى أن مرسمه كان صومعة حقيقية تطمئن له حاجاته الجسدية وتوقه الروحي. قسّم المرسم إلى واجهة للعمل تضمّ لوحاته ومنحوتاته ومكتبته، وترك الجزء الخلفي مكاناً لتهيئة طعامه بنفسه، وكان يجيد طهي أشكال شتّى من الطعام.. راهب حقيقي، لكنه راهب عصري، متفتح المدارك، واسع المعرفة، غني الذهن، كان مرسمه مزاراً رائعاً، من دون تعاويذ لتلك النخبة من المثقفين.
أروع ما تكشف عنه مواهب يحيى، ذلك التلاحم الفذ بين مختلف الأنواع الأدبية والفنون التشكيلية إلى جانب اهتمام عميق بالموسيقى، وذلك عطاء لا تصنعه إلا موهبة غير عادية، كان خطاطاً مجدداً، صمم غلاف مجلة المثقف بطريقة مذهلة، وخارج المألوف، كان ذهنه تلك بوتقة عجيبة احتوت المواهب. لقد امتلك حساسية الفنان الأصيل والكاتب الواعي ضد الظلم والعبودية والاستعمار والاستغلال وضد الفقر والألم والشقاء والقهر.
دلف حسين مردان إلى مرسم يحيى منفعلاً لاهثاً، جلس ووضع على الطاولة قنينة عرق، سأله يحيى: ما هذا أبو علي؟
ـ ألا ترى؟ هيا تهيأ.
ـ خير أبوعلي؟
ـ سارتر سيكون في بغداد الليلة.
ـ طيب، وما شأني أنا؟
هزّ أبو علي رأسه وبدا عليه الحنق:
ـ بابا حيّاوي تبقى هكذا! اسمع! سأذهب إلى المطار وأجيئ بسارتر معي إلى هنا رأساً، هل فهمت؟
ـ ولكن، لم يدعني أكمل:
ـ عليك أن تطبخ لنا (تشريب عجماني)، وأريد أن "نسطر" سارتر بالعرق والتشريب العراقي.
أخذ حسين يفيض بقناعاته وخيالاته، بين مصدّق ومكذّب، استهوته الفكرة التي خضع لها يحيى فترك مردان في المرسم، وراح يشتري اللحم الطازج من قصّاب قريب في الشوّاكة، وكل ما يحتاجه التشريب من بصل وطماطة ونومي بصرة.
يضحك يحيى بعمق ويواصل:
نفضت كل ما لدي من عمل، واستنفرت قواي في إعداد التشريب، وأبو عليّ يراوح بين باب المرسم والمطبخ ليطمئن على المراحل النهائية للطبخة.
بعد الساعة السابعة مساءً كان كل شيئ جاهزاً: الأقداح نظيفة، والصحون كذلك، والفواكه والمقبّلات. ما على مردان إلا أن يتصل باتحاد الأدباء للتأكد من موعد وصول سارتر، أدار قرص التلفون، ثم أمسك بسمّاعته، وبدأ يتكلم، بدا مرتبكاً وهو يواصل أسئلته: معقول؟ متأكد؟ ثم رمى سماعة التلفون بغضب، متمتماً بلهجته العذبة:
سوّاها بينه سارتر!!
ـ خير أبوعليّ؟
ـ سارتر أرسل برقية اعتذار عن الزيارة، عجيب حتى الفلاسفة يكذبون!!
ضحك الحضور طويلاً..طويلاً حتى أدمعت أعينهم.
ولا يهمّك أبو علي، التشريب باق، والعرق لنا.. هيا!
كان حسين مردان يأكل بشهية انتقامية وهو يردد:
ـ فاتك هذا التشريب يا بول سارتر.. تستاهل..روووح!
كان يحيى جواد إنساناً يتدفق منه الفرح الصادق، اما الحزن، فحزن داخلي عميق، هو حزن العارفين الذين يرقبون بأسى ومرارة شقاء العالم بحروبه، وتناقضاته، وشراهة مستغليه. لقد امتلك جواد حساسية الفنان الأصيل، والكاتب الواعي. قامة فارعة متينة البنيان، فيه إرادة لا تقهر، بينما يصاب بالشلل، لكنه لم يستطع الركون إلى اليأس، فالموهبة تمضي في عروقه، بدأ يمرّن يده اليسرى حتى استجابت، كان مصمماً على النجاح في هذا الامتحان العسير. عاد إلى الكتابة ومزاولة النحت بأدوات كان يبتكرها أو يكيفها لتستجيب ليده المشلولة.
في آخر أيام عمره، كانت اليد التي أتعبته في التمرين، قد دبّ فيها الشلل هي الأخرى. ثم رحل يحيى عام 1984.. مسالماً وديعاً طيباً، بعد أن عاش حياة قصيرة أشبه بقصيدة لم تكتمل بعد، حاملاً معه قصّة فنان انتهت نهاية أشبه بالأسطورة، كان من جيل وجد ضالّته المنشودة في ساحة الإبداع العراقي، وعرف على أي أرض يقف، وأي جمال يجذبه إلى أحضانه.
***
ولد يحيى في بغداد محلة باب السيف عام 1928.نشر أول قصة قصيرة له عام 1946، في جريدة الكرخ، بعنوان " أحياء وأموات" صدرت له "الرعب والرجال" مجموعة قصصية، عام 1978 عن دار الشؤون الثقافية. كتب القاص محمد خضير عن غلافها، قائلاً: الغلاف مصمم بفضاء ضيق من المحددات الخطية، يتخللها كائن ضيق محدد بشاشة زرقاء يشير إلى كائن مبهم لكفّ يده المقطوع الأصابع.
***
جمال العتّابي
.....................
* تخطيط بورتريت يحيى جواد للفنان وائل المرعب وتخطيط حسين مردان للفنان فيصل لعيبي








