قبل أن أولد، كان الحب قد سبقني إلى العائلة.
لا أعرف إن كانت العائلات تورّث الحب كما تورّث لون العينين، لكنني وُلدت في بيتٍ كان الحب فيه يُعامل كقدر، لا كاختيار.
كان جدي يعشق جدتي. كان يصعد الجبال ليقطف لها الزهور البرية ويعود بها إليها، كأن الطريق كله لم يكن سوى ذريعة لوردة.
وجدتي، التي كانت تعمل في فرنسا، وتعيش حياةً أكثر رفاهية، تركت هناك الملابس الجميلة والعطور والعمل، وعادت إلى قريتها لتتزوج رجلًا فقيرًا، لأنها ببساطة... أحبته.
حتى اسمي لم يسلم من ذلك العشق.
حين ولدت سمّتني أمي "وفاء"، لكن جدي كان يناديني "صفوة". كان اسم جدتي صفية، ويبدو أنه أراد أن يعيش معها مرتين؛ مرةً في زوجته، ومرةً في حفيدته، ليصبح في البيت صفية... وصفوة.
وأذكر أن جدتي كانت، كلما خرج جدي من المنزل، تدس في يدي قطعة حلوى، وتطلب مني أن أمشي خلفه خطوات قليلة، لأرى أي طريق سلك. لم أكن أفهم شيئًا. كنت أظنها لعبة، ولم أعرف إلا بعد سنوات أنها كانت تغار من امرأة في القرية قيل إنها جميلة ويقصدها الرجال. كانت تريد أن تطمئن فقط أن رجلها لم يكن في طريقه إليها.
كبرت...
واكتشفت أن الحب عندنا لا يمر بأحد مرورًا عاديًا.
خالة أمي أحبّت زوجها حبًا جعلها ترى العالم كله فيه. وحين طلّقها لأنها لم تنجب، لم تفقد زوجًا فقط؛ فقدت عقلها أيضًا. صارت تطوف الشوارع طوال النهار، وتبيت أحيانًا في أروقة مستشفى الأمراض العقلية، كأنها ما زالت تبحث عن شيء تركته معه ورحل.
وخالتي الأخرى أحبت ابن خالتها حتى قررا الزواج. لكن، في اللحظة الأخيرة، أخبرتهما أمه أنهما قد رضعا من امرأة واحدة، وأنهما أخوان من الرضاعة. في لحظة واحدة، تحوّل الحلم إلى محرّم. لم تتزوج خالتي بعد ذلك أبدًا. غادرت إلى إيطاليا، وكأنها لم تكن تهاجر من بلد... بل من حياة كاملة.
ثم جئت أنا...
الوريثة الأخيرة لهذه السلالة.
لم أرث بيتًا، ولا أرضًا، ولا مالًا.
ورثت رجلًا يحمل الزهور من الجبال، وامرأةً تخبئ غيرتها في قطعة حلوى، وامرأةً فقدت عقلها لأنها فقدت حبها، وأخرى حملت قلبها إلى المنفى لأنها لم تستطع أن تدفن حبها في المكان الذي وُلد فيه.
ورثت كل هذا...
حتى صرت أخاف من نفسي.
أحيانًا أسأل: هل انا فقط من يحب؟
أم أن كل هؤلاء يحبّون داخلي؟
هل سأمشي يومًا في الشوارع كما مشت خالتي، أبحث عن رجل أخذ معه عقلي؟
أم سأغادر البلاد كلها، لأن مدينة واحدة أصبحت تضيق باسم شخص؟
أم أنني سأجد نهاية أخرى، لم يجرّبها أحد قبلي؟
لا أعرف.
كل ما أعرفه...
أنني لم أولد معتدلة.
ولدت في عائلة كانت تؤمن أن الحب لا يُعاش نصفه.
ولذلك...
كلما أحببت، أشعر أنني لا أدخل علاقة وحدي.
تدخل معي عائلة كاملة... بزهورها، وغيرتها، وجنونها، ومنافيها.
وأخاف...
أن أكون الوريثة الشرعية التي ستُكمل الحكاية.
***
وفاء كريم الفرشيشي








