عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

"أكثر ما يعذب الإنسان أن يحلم في زمن تلاشت فيه الأحلام".

ترتفع الشمس قليلاً في تلك الساعات الصباحية، متفقّدة كلّ زوايا مسارها المظلم. تلقي أشعتها لترى أدقّ الأشياء والتفاصيل وما تحتاجه من نور منها. كان الباب مغلقاً، وجمهرة من البشر تقف أمامه تحت لهيب الشمس. وآخرون استضلوا منها بشجرة يتسلّل منها ضوء النهار بخيوط ذهبية، أحسن صانعها الطرق عليها، فلمعت متماوجة تفزع سكون الظلّ. قادتها خطواتها نحو الكرسي، جلست ونظرها مشدود للأماكن حتى أغمضت عينيها، توزّع وقتها في الليلة السابقة بين المطبخ والصالة وترتيب خزانتها، سرقها ذلك المسلسل أيضا لوقت متأخّر من الليل. أخيراً رأته، كانت تقف في مؤخّرة حافلة النقل، حين تسمّر بطوله النحيف، وشاربه الخفيف، وشعره المتدلّي للخلف كذيل حصان باسترخاء غطى أذنيه، لم تشعر في تلك اللحظة ماذا حصل حين لمعت عيناه، إلّا أنها رمت بنفسها نحوه وقبّلته، اعتصرا بعضهما بعناق حميم، كان جسدها مرفوعا على رؤوس الركّاب الآخرين، وكلما شدّها له هبط جزء منه نحو أرضية الحافلة، تعلقت برقبته بكل ما استطاعت، فيما الحافلة تتمرجّح في سيرها بسبب الحفر التي ملأت الشارع، إلّا أن قفزة العجوز التي تتوكأ على عصاها أمام الحافلة بشكل مفاجئ دفع سائق الحافلة أن يتوقف بكلّ قوة، فسقطت هي أرضاً، تحسّست جبينها وأدنت بيدها كأس الماء الذي وضعته على الطاولة المجاورة للسرير، شربت قليلا منه، ثم انطلق أنين نفس متعب، لكنها سرعان ما وقفت أمام المرآة لترتّب مكياجها الخفيف، مرتدية ثوباً شفافاً أسود اللون، لا يفصله عن جسدها إلا حمالات الصدر وثوبها الداخلي، مدّت يدها نحو قنينة العطر ورشت جسدها من الأعلى حتى وسطها تقريباً، وحملت بعد ذلك حقيبتها المليئة بالأوراق النقدية وانطلقت صوب مكتب العقارات وهي تحدّث نفسها كم جميلاً موقع ذلك المنزل، خصوصاً إطلالته على البحر، سيكون صيفاً يدعو للجنون أقضيه مع البحر والشمس وطيور البحر وصوت الأمواج والمراكب الشراعية وصفير البواخر التي تجوب البحر شمالاً وجنوبا، حتما سأشتريه…ولكن عليّ أن أتناول قهوتي في ذلك المقهى، مازال هناك بعض الوقت على موعد فتح المكتب لأبوابه، دنت من إحدى الطاولات خارج المقهى والتي تطلّ على طرف الشارع المزيّن بالورود وجلست، طلبت قهوتها وتناولت من حقيبتها قطعة شكولاتة وعادت تحدّث نفسها مرة أخرى، امض أيّها الوقت سأشتريه، آه من هذا الزمن ووحدته، تُرى هل سيجلب لي هذا المنزل الحظّ وألتقي حبيب أحلامي وأعوّض ما مضى.. تعشق بخار فنجان القهوة مع الهواء الذي تنفسته، فيما زفيرها فرّق البخار على جوانب الفنجان، نهضت أخيراً لتتابع مسيرها صوب المكتب، وما إن وصلت الباب حتى أصابها مغص حادّ لم تستطع بسببه مواصلة السير لدخول المكتب، هوّت على الأرض، لتصحو بعد ساعات طويلة في غرفة جدرانها بيض، وعلى سرير تحيطه أجهزة الفحص الطبي وخراطيم مختلفة، ويد طبيب تمتدّ نحو ركبتها بمشرط حاد فزعت واستدارت بجسدها للجهة الأخرى، أمسكت بكأس الماء وشربت منه، ثم أعادته إلى الطاولة وعيناها تحلقان في أجواء الغرفة سحبت الغطاء حتى رأسها وهربت بأفكارها أمام واجهة عرض كبيرة لفساتين العرائس وبأنواع مختلفة توقّفت، فمها مفتوح قليلاً، وشفتاها مسترخيتان، فيما تحاول بين اللحظة والأخرى ترتيب خصلة الشعر التي تسقط سريعاً أمام عينها فتحجب عنها الرؤيا أطلقت نفَسَاً طويلاً وحدّثت نفسها كم أتمنى أن ألبس ذلك الفستان، حتى لو ليلة واحدة أينك؟ ماذا فعلت كي تختفي عن حياتي؟ "شماله حظي" ردّدت تلوَّت يميناً ويساراً، سقط الغطاء عن جسدها، مدت يدها مرة أخرى صوب كأس الماء من دون أن تفتح جفنيها، سحبت الكأس نحوها، كان فارغا إلا من قطرات تمسكّت بجدرانه بخّرتها حرارة كفها التي ظلّت متمسكة في كأس الماء الفارغة حتى وقت آخر…

 ***

 كريم شنشل

من مجموعة نثار الروح

عبد الستار نورعلي: العنقاء

(بمناسبة عيد المرأة)

حين تكون المرأةُ الأحلامْ

تنسدلُ الستائرُ الحريرْ،

فلا نرى أبعدَ من أنوفنا،

وخافقٌ يضربُ في صدورنا،

فكلّ نبض امرأةٍ هديرْ

والمطر الغزيرْ،

*

نفتحُ حينها عقولَنا

أم نسرجُ الخيولْ

والسيفَ والرمحَ

وصوتَ الحلمِ الغريرْ؟

*

في حلمٍ

يُبرعمُ الربيعُ فوقَ صدرِها،

ينتظر اللحظةَ كي يدخلَ في الفؤادْ،

يُعطّرُ الروحَ بدفء روحها،

يقتطفُ العشقَ

ويبدأ الحصادْ،

*

في كتبِ الروايةِ الأولى:

غزالةٌ تسلَقتْ تفاحةَ البقاءْ،

وانتزعتْ تفاحةً لتقضمَ الغرامَ

واللعنةَ، والدهاءْ،

*

امرأةُ العزيزِ راودَتْ فتاها

عنْ نفسهِ

في حضرةِ العشقِ،

وفي أمّارةِ الرغبةِ

في مملكةِ الأهواءْ،

*

فانفجرتْ دماءُ صالةِ النساءْ،

صرخْنَ: هيتَ لكْ!

يا أيها الأبدعُ خلقِ اللهِ

في البقاءْ،

*

خُلِقتَ، أيها الأبدعُ، في أحسنِ تقويمٍ،

فكنْتَ لعبةَ المقدودِ من دُبٌرٍ،

وتجريح النساءْ،

**

إنّ ضلعي يتوارى اليومَ خلفَ الظهرِ

يسقيني بساتينَ الهواءْ،

وأناشيدَ خريرِ الماءِ صوبَ جنةِ البهاءْ،

*

السلسبيلُ هُنَّ،

قيلَ: رفقاً بالقواريرِ، انكسرنا نحنُ،

والقارورةُ الزجاجُ في مكانِها

في حانةِ الصدرِ،

وفي أحسنِ تقويمٍ،

وفي أجملِ تنظيمٍ،

وأشهى منْ دمِ الغزالْ،

*

أبي وأمي أرضعاني مَثَلاً،

أختي التي ربّتني أحيا مثلاً،

أكملتُ منْ تحت يديها؛

كي تراني مثلاً،

مُدرِّساً صرْتُ،

وصارَ السينُ والصادُ مثالاً ساطعاً:

مهندساً، محامياً، مُطبِّباً،

أو عاملاً مناضلاً

أو قائداً مثقفاً

أو ناشرَ الهواءِ في الأرجاءْ،

*

أختي التي ربّتني أحيا مَثَلاً

ظلّتْ جوارَ الحائطِ المصدوعِ

تحيا مَثَلاً،

كانتْ تصوغٌ الثوبَ بالخضرةِ، بالماءِ،

بتغريدِ الحمامْ

وحبِّ مَنْ يغزلُ مِنْ غنائهِ

حلاوةَ الأحلامْ

ورايةَ السلامْ،

*

في مرضي

كانتْ هي الضمادَ والدواءَ والحنانْ.

في الامتحانْ

تجلسُ في فُوّهةِ البابِ وفي لسانِها

زغرودةُ النجاحْ،

*

في السجنِ زارتني

وفي العينين كبرياءْ،

لا تعبٌ مرٌّ ، ولا إعياءْ،

وقلبُها صُلْبٌ منَ الصمودْ

والأملِ الموعودْ،

*

وحينَ لفّوا الحبلَ حولَ الرقبةْ

أو فجّروني ارتفعتْ برأسِها،

صاحتْ:

سيبقى مثلاً ، وخالداً،

مادمْتُ  في الأحياءْ،

ما دامتِ العنقاءُ والرمادْ والبقاءْ....

***

عبد الستار نورعلي

..................

* ألقيت القصيدة في الاحتفال الذي أقامته (شبكة مانويل السويدية منْ أجلِ الحرية والسلام والاتصال بين اللغات)، وذلك في استوكهولم، وبالتعاون مع رابطة المرأة العراقية في السويد، وبحضور عدد من المنظمات والأحزاب العراقية والسويدية، بتاريخ الأحد 7 آذار 2010 وقد كرّمتني الشبكةُ بمنحي درعَها.

لمّـــــا كتبتُ حروفَ إسـ

ـمـكِ راحَ يرمقني القمــرْ

*

متعجبــــا ً ويقــــــولُ لي

كُــنْ يـا جميـلُ على حَذرْ

*

أنــــا كنتُ حارسها الأميـ

ــنَ سميرهــا حتّى السَحَـرْ

*

شعّـتْ بنـــــوري فَهْيَ توْ

أمـــيَ الذي منّـي انشطـــرْ

*

سمّيتُــــــها غيـــــرَ الذي

قدْ شاع َ عنهــا وانتشــــــرْ

*

بالصمتِ لذتُ لدهشتـــي

لكنّـــــما قلمــــي اعتــــــذرْ

*

لمْلمتُ أوراقـــــي وسـر

تُ، وقلتُ أستفتي الزهــــرْ

*

همـسَ البنفســـجُ ضاحكاً

لا تخفِ سـرّكَ، قـدْ ظهــــرْ

*

وأفـــــاقَ زهْرُ الياسميـــ

ــن مرددا ً ذاع َ الخبــــــرْ

*

هـــيَ زَهْــرةٌ مِـنْ نسلنـا

دعْ عنــــكَ تسمية َ البشــرْ

*

احتــــرتُ ممّــا قدْ سمعـ

ـ ـتُ وضجَّ ذهنــــي بالفِكرْ

*

لمْ يبقَ غيرُ البحْــرِ أسْـــ

ـــألهُ لأعرفَ ما استتـــــرْ

*

أطلقتُ فيــــــــهِ زورقي

والموجُ مِنْ حـولي هَــــدَرْ

*

نــاديتـــــهُ يا بحْــرُ هــلْ

صحَّ الذي قــــــالَ القَــمَرْ

*

هـــلْ يا تُرى هـيَ زهرةٌ

وِلدتْ كمـــا زعـمَ الزَهَــرْ

*

فأجــــــابني... حوريـّــة ً

كانتْ هنـــــا منذ ُ الصِغَرْ

*

سببٌ هنـــــــالكَ واحـــدٌ

سأقــــــــولهُ بالمُخْتَصَــــرْ

*

إنّــــــي ختمتُ قصيدتي

وحجبتُ اسمكِ بالصــــورْ

*

كــــــيْ لا أغيظ َ البحْرَ و

الأزهــارَ والقمرَ الأغــرْ

***
1297 jamil

* فكرتُ طويلا ماذا سوف أهديك بمناسبة عيد الفطر هذا العام، فلم أجد أغلى وأجمل من هذه القصيدة، التي كتبتها من أجلك ولم أذكر اسمك نزولا عند رغبة القمر والبحر والزهر، أنلا أذكر اسمك، لكن سأكتفي بتلك الصورة الجميلة ذات اللون الأزرق، التي زينتِ بها في زمن ٍ ما قصيدة لي في يوم عيد ونشرتها تعبيرا عن إعجابك وكرمك. 

جميل حسين الســـــاعدي

وسط أنقاض الحياة وخيامٍ تتنازعها الريح، كانت هبة، ذات الأعوام الستة، مسجاةً إلى جوار والدتها المصابة وأختها الصمّاء، مقيدةً إليهما بحبلٍ يلف خاصرتها الصغيرة، وكأنّ الخوف نفسه قد شدّ وثاقها إلى هذا القدر الموجع. لم يُسعفها النعاس، فرغم الجوع الذي ينهش أمعاءها والقلق الذي يستبد بروحها، ظلت عيناها الواسعتان تحدقان في شقٍّ بأعلى الخيمة، شقٍّ نسيَت والدتها أن تسدّه بخرقة. كان ذلك الفُتات من السماء بوصلتها إلى الفجر، اللحظة التي انتظرتها طوال الليل لتنفيذ ما اعتملت به أفكارها الصغيرة.

في ظلمة الخيمة، تحركت بحذر، تلمّست أنفاس والدتها، تفقّدت الحبل المربوط بها، وعقدةً تقيّد حريتها. بأصابعها النحيلة، راحت تفكّها بصمت، حتى إذا انفلتت، غمرها شعور أشبه بنشوة الانتصار، إحساس لم تعرفه منذ ذلك اليوم الذي خُطفت فيه طفولتها على وقع القصف. كان يومًا أطفأ نور والدها وأخاها الرضيع، يومٌ خرجت فيه برفقة أمها وأختها لجلب الماء من آخر ما تبقى من الحياة، من حنفية الجامع التي ما زالت تقطر قطراتٍ يتنازعها العطشى في ملحمةٍ للبقاء، بينما عادوا ليجدوا منزلهم قد تلاشى في العدم، كل ما كانوا، كل ما يمثلهم، صار رمادًا وركامًا.

استعادت المشهد كأنه يُعرض أمام عينيها الآن، ارتجفت أصابعها، وأحكمت قبضتيها الصغيرتين المرتعشتين على فمها، تخشى أن تفلت منها عبرة فتوقظ والدتها، فتنهار خطتها قبل أن تبدأ.

جمعت ما تبقّى من شجاعتها، ومسحت دموعها بكمّ ثوبها، كأنّها تطرد بها الحزن العالق في مقلتيها. ربطت ضفائرها بخرقة انتزعتها من كمّها الآخر، مشدودةً كحلقات أملٍ واهنة، ثم انتعلت نعليها المهترئين وجلست تنتظر ميلاد الفجر، علّه يحمل لها بارقة رجاء، علّها تصل إلى ما ترجوه وتتمناه ولا يخيب ظنّها.

راودها طيف العيد، فتذكّرت بيتهم الدافئ، غرفتها التي كانت تمتلئ بهجةً في صباحات العيد، وفرحة ارتداء الثياب الجديدة، وتذوّق الحلوى التي أحبّوها، والهدايا التي كانت تُخبَّأ لهم بحبّ ليجدوا فيها مفاجأةً من والديهم. شعرت بمرارة الفقد، لكنّها سرعان ما طوّقت وجعها بقرارها الصامت.

ما إن بزغت ساعة الفجر الأولى حتى نهضت هبة، وتسلّلت خارج الخيمة، تسابق الريح بخطواتها الصغيرة نحو ما تبقّى من بيتهم. راحت تنبش في الركام بصبرٍ يليق بمن يفتّش عن كنزٍ، عازمةً أن تجد هدايا العيد لأمها وأختها.

ها هي الصغيرة، بين أنقاض منزلها، تسير كما لو أن خطواتها تبحث عن شيء يعيد إليها شعور الانتماء وسط هذا الخراب. غاب عن إحساسها الجوع، والخوف، وحتى الحذر، فلم يعد لشيء في هذا العالم وزن أمام ثقل ما تحمله في قلبها الصغير.

انحنت ترفع حجرًا، بحجم نبضها المرتجف، كان ملطخًا بلونين من الحمرة، كأنما احتضن آخر ما تبقى من حياة من كانوا هنا. نفخت عليه، أزاحت عنه الرماد والتراب بأطراف أصابعها المرتعشة، ثم شهقت بالبكاء، تهمس بحرقة تقطع نياط القلب: "بابا... هذا دمك ودم أخي... أنتما معي الآن!"

جففت دموعها بيد ثابتة، كما لو أنها ترفض أن تنهار. لم يكن الوقت وقت بكاء، بل وقت استعادة الذكريات المنثورة تحت هذا الركام. واصلت الحفر بأصابع صغيرة أرهقها البرد والتعب، حتى لامست شيئًا معدنيًا بارزًا. سحبته ببطء، وإذا به دبوس معدني، كان يربط لفافة أخيها الرضيع. تأملت لمعانه الخافت تحت ضوء الشمس الحزينة، ثم احتضنته وقبّلته، كأنها تلملم شيئًا من دفء الأيام الغائبة، من ضحكة أخيها التي لم تعد تسمعها، ومن حضن والدها الذي صار ذكرى.

نهضت، نفضت الغبار عن ثوبها المثقل بالبقايا والحنين، وحين همّت بالمضي، أحسّت بشيءٍ صلبٍ تحت قدميها. انحنت لتلتقطه، فإذا به بقايا إبزيم حزام والدها الجلديّ الجميل المحترق، الذي كان يشده حول خصره كل يوم قبل أن يغادر. تلمسته بأناملها، وكأنها تبحث عن نبضه فيه، وكأنها تستجدي رائحة الأمان التي تلاشت بين الجدران المنهارة.

فجأة، شعرت بعيون غريبة تراقبها. التفتت، فرأت كاميرا مصوبة نحوها، وعينين تتابعانها بفضول. كان مراسل إحدى القنوات يقف هناك، يراقب هذا المشهد، يحاول فهمه. اقترب منها، وانحنى قليلًا ليكون في مستوى نظراتها، ثم سألها بصوت خافت لكنه محمّل بالدهشة:

"ما اسمكِ؟ وماذا تفعلين هنا بين الركام؟"

ارتبكت لوهلة، ثم عدّلت من وقفتها، كأنها تستعد لإعلان شيء جلل، وقالت بصوت ثابت رغم كل ما يسكنه من وجع:

"اسمي هبة... كان هنا بيتنا... وأنا أبحث عن هدايا لأمي وأختي، لأن اليوم عيد، وأتمنى أن يفرحوا بها."

تبادل المراسل والمصور نظرات متفاجئة، ثم عاد ليسألها، وكأنه لم يستوعب بعد:

"هل يمكن أن ترينا هداياك؟"

فتحت يديها الصغيرتين، وقدّمت لهما كنزها الغالي. تأمل الرجل ما بداخل راحتيها، لكن معاني الأشياء لم تصله بعد. نظر إليها بحيرة، ثم سأل مجددًا:

"هدايا؟"

تابعت بعينيها الكاميرا التي اقتربت لتلتقط تفاصيل كنزها الثمين، ثم قالت بثبات يشبه الحكمة التي لا تليق بعمرها:

"أريدها أن تكون مفاجأة لأمي وأختي... هذا الحجر ملطّخ بدم أبي وأخي اللذين دُفنا هنا، بين أحجار بيتنا، وهذا دبوس لفافة أخي الصغير، الذي كان أبي يحمله دومًا، ملفوفًا بإحكام حول صدره، أما هذا..."

رفعت آخر قطعة بين يديها، وكأنها تضع بينهما وصية رجل رحل ولم يترك خلفه سوى الحب والألم، وقالت بصوت مبحوح:

"هذا الإبزيم لبقايا حزام أبي الجميل... ينقصني فقط ورق نظيف لأغلفها."

صمت المكان. لم يعد هناك سوى صوت الريح التي تداعب الغبار العالق في الهواء. المراسل لم يجد ما يقوله، والمصور خفض كاميرته قليلًا، كأن الصورة لم تعد تحتاج إلى تعليق. أما هبة، فوقفت بثباتها الصغير، تحدق في كنوزها، وكأنها تدرك أكثر من الجميع معنى هذه الأشياء.

ففي عالمٍ تحطّم أمامها، لم تكن تبحث عن أنقاض بيت... بل عن بقايا حياة.

تدور عدسة الكامرة، تبحث عن صورة تصوغ الحقيقة، فتستقر على وجه المراسل المذعور، الذي يحاول جاهدًا أن يستعيد توازنه. يمسح بقايا دموعه بسرعة، فلا مجال لانكسار المشاعر أمام الكاميرا، فالمهنية تفرض عليه أن يكون محايدًا، ولو أن قلبه يضج بالأسى.

يتنفس بعمق، محاولًا ضبط صوته المرتعش، ثم يمضي في حديثه:

"هؤلاء هم أطفال غزة... يولدون رجالًا من رحم المعاناة، يشتدّ عودهم بالصبر، ويستمدون صمودهم من الألم، ويتحملون مسؤولية الحياة التي تنهب أعمارهم يومًا بعد يوم. أنظر إلى هذه الطفلة، فتتراءى لي بائعة الكبريت الصغيرة، تلك التي أشعلت عيدانها في عتمة البرد واليأس، تمامًا كما يشعل أطفال غزة عيدان الأمل بين الركام، علّ الحياة تضيء ولو للحظات وسط الظلام الذي لا ينقشع."

ينتقل نظره إلى يديها الصغيرتين اللتين تمسكان بحجر، وكأنهما تقبضان على آخر ما تبقى لها من وطن. يبتلع غصّته قبل أن يقول بصوت خافت لكنه جازم:

"حجارتها تذكرني بحجارة جدار برلين، ذاك الجدار الذي أسقطوه منذ أكثر من خمسة وثلاثين عامًا، فصار أنقاضه تباع كتذكارات للسياح، أما غزة... فتباع كلها، بأهلها، لسماسرة الحروب."

قبل أن يكمل كلماته، يشق أزيز الطائرات سماء المشهد، يشتد الضجيج، فيرتبك التصوير، وفي لحظة خاطفة، يمسك بيد هبة الصغيرة، ويهرول بها بعيدًا... بينما خلفهم، تستمر الحكاية ذاتها، تتكرر يومًا بعد يوم، كأنها لعنة لا تنتهي.

**

سعاد الراعي

لم يتسن لأبي أن يمتلك سيارة، فاستبدلها بدراجة هوائية.. ليس لأن ثمنها لم يتوفر له، بل لأنها رغبة، بل سطوة أمي، وأنا أعذرها الآن، لا عندما كنت في ذلك العمر، فأبي كان يضع نظارة طبية سميكة الزجاج وراءها تتخايل عيناه بطيبتهما وناعسيتهما.. أمي التي عشقت أبي كما حين تعشق النساء عادة رفضت أن يسوق سيارة، ولعلها رأت أن الدراجة الهوائية أخف وطأ، هو رأي العاشقة المستبدة..

ولم يكن رأس أبي محميا بخوذة يستعملها العالم المتحضر الذي أراه حولي، فحكومتنا طغت مطامعها على سلامة أفرادها، وبالطبع لن يستحثها سحق رأس أحدهم أمام شاحنة أو سيارة بأربع عجلات، أو صاروخ روسي!

أبي في طقوسه اليومية وبعد عودته من عمله كمعلم، خاصة عندما يصادف دوامه بعد الظهر، يستقل تلك الهوائية، وبها يعدو إلى بيت أختيه اللتين كانت حالهما أبسط ما يمكن أن يوصف، فيمر بالكبيرة، ويقرع نافذة بيتها التي تشهد للطريق مباشرة بحضورها الوارف، ينقرها بإصبعيه ليطل وجه عمتي الناعم منها، تبتسم، وتهش لاستقباله سريعا، وعندما يطمئن إلى حالها يذهب إلى الصغرى، عمتي التي قدر لها أن تظل في وضع مادي أبسط من أختها التي أسعدها الدهر بعد سنوات، لم يتغير أبي معهما، وعندها يجلس بين أطفالها في مزاح وتسامر يشاركه إياه زوجها الطيب، وأبناؤها الذين ما تزال وجوههم تطل من نافذة روحي، وبين زوجي عمتيّ اللتين حظتا بحب زوجيهما، وحظ أبي باحترامهم وتقديرهم جميعا.

ليس شرطا هنا أن ينطبق المثل" خذ البنات من صدور العمات"..

فاتني أن أذكر أني كنت أرافق أبي فوق دراجته، وأتنشق معه هواء الوصال وصلة الرحم، وحرصا على جمع أفراد عائلتي بحب ما أزال به حتى اليوم أثرى.

أما في العيد، فيتبدل الأمر، إذ نستقل معه جميعنا سيارة أجرة تتصدرها أمي برضى وقناعة ألا سوءا سيصيبنا ما دام أبي ليس الذي يقودها..

لو خيرت، فلن أستبدل بدراجة أبي الهوائية أعظم سيارة، فلن يكون لها ظهرها الذي أتمسك به واثقة وأغمض عيني بعيدا عن هموم الدنيا وتقلباتها..

***

أمان السيد

أول أيام الفطر المبارك 2025-03-31

وَلَمحْتُ من بينِ الجبالِ إماما

لَيَلِدْنَ أرحامُ الجِبالِ كِراما

*

سَقَطتْ على اليمنِ السعيدِ وأهْلِهِ

حِمَماً فَكُنَّ قيامةً وَ قياما

*

فَتَسابقَ الأنصارُ خَلْفَ إمامهم

مُتَزَنّرينَ مع الجهادِ صياما

*

تَرَكوا مَلَذّاتِ الحياةِ وآزَروا

بِدِروبِ غَزّةَ عُزّلاً وَيَتامى

*

هَجَروا أدلّاءَ الغُزاةِ وهاجروا

للأكرمينَ مَودّةً وَغَراما

*

عَرفوا الحياةَ رسالةً وشهادةً

وَكَذا الطريقةَ كوثراً وَمُداما

*

مُتَأزِّراً بِإزارِ زاهِدِ عصرِنا

يرضى كَفافَ مَعيشَةٍ وَلَماما

*

وأرى أعاريبَ الفلاةِ وراءهم

مُتَسوّرينَ مع الغُزاةِ خِياما

*

عرباً تثاقلَ ركْبُها عن نُصرةٍ

فَسَبى الدخيلُ حرائراً وأيامى

*

عَتَبي على زمن الخنا فَمُلوكُهُ

زرعوا الوَنا بشعوبهم فتنامى

*

وَعَجِبتُ كم زُمَرُ الخيانةِ والخَنا

عَبَرتْ بِذاكِرةِ الزَمانِ سُخاما

*

أسفاً سُليْمى لا عُروبَةَ إنّما

عربٌ وَصاروا عالةً ورُكاما

*

عَرَبٌ أطاعوا رومَهم فَمَليكُهم

عبداً يصيرُ أمامَهمْ وَغُلاما

*

وأرى جياعَ الشعبِ راقدةً على

ألَمِ الطِوى كي يُسْكِتوهُ نِياما

*

أيَسُرُّ سُكّانُ الخليجِ إذا رَأوْا

مُدُنَ الجوارِ خرائباً وَحُطاما

*

فَخُذوا الى صنعاءَ ماءَ قريحتي

مَطَراً يعالجُ نارَها وَغَماما

*

وَذَروا مَآقي الروحِ تنثُرُ دمعَها

بِسَماءِ أحبابِ الرسولِ خَزامى

*

فَهَداهِدي حَمَلتْ لنا نَبَأَ التي

قَدَحَتْ أَواراً في دمي وَأُواما

*

سَبَأٌ بِها بَلْقيسُ حاصَرَها العِدى

وَقبائلٌ من قومِها تَتَعامى

*

ياساكناً  يَمَنَ  الجنوبِ ، كتابُنا

وَصَفَ  التثاقلَ في النفيرِ  حَراما

*

يانارُ أعداءِ الطُفولَةِ والصِبا

كوني على يَمَنِ الأُباةِ سَلاما

*

أَوَ نَصْلِبَنْ زيداً ونخذله كما

كُنّا مع الجَدِّ الأصيلِ لِئاما

*

أنَخونُ زيدَ الخيلِ ثانيةً بها

وَنَخطُّ شاهدةَ السعيدِ خِتاما؟

*

زيدٌ يصارعُ كلَّ شُذّاذِ الورى

هو لا يُقاتلُ في العراقِ هِشاما

*

فَتَرَفّعوا عن تُرّهاتِ تُراثِنا

فَزَعيمُنا رغمَ الأسى يَتَسامى

*

بعواطفي صنعاءُ جئتُكِ ناصراً

وأصوغُ أوجاعَ الفُؤادِ (كَلاما)

*

سأصبُّ أدمُعَ مقلتي بقصائدي

فعسى أداوي بالقصيدِ (كِلاما)

***

د. مصطفى علي

 

لم يبقَ في الليلِ إلّا ثلثُهُ الآخِرْ

وأنتَ مستيقظٌ يا أيُّها الشاعِرْ

هل أنتَ منتظرٌ شمساً تُواعِدُها

أم أنتَ مكتئبٌ من حُلمِكَ الماطِرْ

كأنَّما النّجْمُ أرواحُ الأُلى رحلوا

لكنْ تلوحُ لنا من عالمٍ ساحِرْ

إيماضُ أضوائِها طَرْفُ العيونِ وقد

يُرامُ قصدٌ من الإيماءِ يا ساهرْ

***

يقولونَ: ماتَ الشِّعرُ وانقطعَ الوحيُ

فما للهوى أمرٌ عليهِ ولا نَهْيُ

يقولونَ: قد تابَتْ شياطينُ شِعرِهِ

وخيلُ قوافيهِ تدارَكَها الجَّرْيُ

ولكنّني إن قلتُ يوماً قصيدةً

لقامَتْ لها الدنيا وضجَّ بها الرأيُ

قرأتُ على النجماتِ شِعري فأصبحَتْ

بغيرِ سمائي ليسَ يُعجبُها السَّعْيُ

***

ليسوا بريئينَ، كلٌّ فيكَ مُتَّهَمُ

يداكَ عيناكَ والأوراقُ والقلمُ

وذلكَ القلبَ كم أدماكَ بُغيَةَ أنْ

ترضى القصيدةُ حتّى كِدْتَ تنهدِمُ

الليلُ عندَ جميعِ الناسِ مأمنةٌ

والليلُ عندَكَ وحيٌ أدمعٌ ودَمُ

مرَّ الأناسُ على الأزهارِ وانصرفوا

وأنتَ تصغي إليها فالتُّوَيْجُ فَمُ

***

عبد الله سرمد الجميل - شاعر وطبيب من العراق

تأتي الرياح محمّلةً برائحة الأعشاب الطرية،

والشمس تعزف على شُرفات الصباح لحنًا شاحبًا،

لكنني أعرفُ هذا الفصل جيدًا،

هذا الذي يجيءُ مثل عاشقٍ متأخر،

يطرقُ البابَ بأصابعٍ من زهرٍ،

ثم يسرقُ المفتاح ويهرب.

*

الربيعُ كذبةٌ أُخرى،

كذبةٌ نُصدقها كلَّ عام،

كأننا لم نرَ أوراقَ الوعودِ وهي تتساقطُ قبل الأوان،

كأننا لم نعرف مذاقَ الخيباتِ التي يتركها في أفواهنا،

حين يخضرُّ القلبُ قليلًا، ثم يأتي الصيفُ ليحرقه.

*

أرى الأرضَ تتنفسُ من رئاتٍ مستعارة،

تنموُ فيها الأزهارُ مثل حكاياتٍ ناقصة،

يُطلقُ العشبُ ساقَهُ نحو الأعلى،

كمن يرفعُ رايةً بيضاء،

لكنه يعرفُ أن السكاكينَ لا تفرّقُ بين الاستسلامِ والمقاومة.

*

في وطن الحربِ،

حيث النوافذُ تصرخُ بلا صوت،

والأبوابُ تعوي مثل ذئابٍ جائعة،

يأتي الربيعُ مرتديًا قناعَ البهجة،

يزرعُ في الأزقةِ براعمَ مُلونة،

ثم يضحكُ،

ويعودُ أدراجه،

قبل أن يبدأ القتلُ من جديد.

*

الربيعُ خائنٌ قديم،

يعدُ الأرضَ بأنها ستُنجبُ ألفَ سنبلة،

ثم يتركها وحيدةً في مهبِّ الجفاف،

يملأُ الطرقاتِ بأحلامٍ خضراء،

ثم يسلّمها للعاصفة.

*

أعرفُ جيدًا هذا الفصل،

هذا الذي يتقنُ دورَ العاشقِ ثم يختفي،

هذا الذي يبيعُ الوطنَ بسعرِ حفنةِ زهور،

هذا الذي يُلقّنُ الأرضَ دروسَ الحبِّ،

ثم يسحبُ منها ضوءَ الحياة.

*

لكنني لا أُصدّقه بعد الآن،

فالخيانةُ التي تتكررُ، تصيرُ عادة،

والأملُ الذي يُقتلُ كلَّ مرة،

لا يعودُ أملًا،

بل جرحًا مفتوحًا،

ينبتُ فيه الربيعُ من جديد،

ليسقي الأرضَ بالخديعة.

***

مجيدة محمدي

 

الأطفالُ القتلى

وأَعْني: ...

الملائكةَ المغدورينَ

العصافيرَ الذبيحةَ

والفراشاتِ المُحترقة

في لهيبِ حروبِ الآخرين ~

انَّهم الآنَ ليسوا بحاجةٍ إلى عويلٍ

ودموعٍ وصيحاتِ غضبٍ

ولا الى توابيتَ صدئة

محمولةٍ على اكتافِ الآباءِ المُنكسرين

أَو في أَحضانِ الأُمّهاتِ المسبيات

ولا تعنيهم المقابرَ الموحشة

والقبورَ المهجورة

حيثُ انَّهم كُلَّما يُحاصرُهم

الوحوشُ والقَتَلَةْ

الطغاةُ والجنرالاتُ السّفِلةْ

وتجّارُ الدمِ والحروبِ العبثية

فأنَّهم يهجرونَ الأرضَ

ويهربونَ - مذعورينَ

الى أَعالي النورِ والخلاص

حيثُ فراديسُ اللهِ

الذي ينتظرُهم دائماً

حتى يغمرَهم بالدفءِ

والمحبَّةِ والمسرات

ويمنحَهم أجملَ الألعابِ

والحلوى والثمارَ اللذيذةَ

ثمَّ يُرسلُ لهم أُمهاتٍ سماوياتٍ

ومعلماتٍ عارفاتٍ ومعلمينَ حكماءَ

ومربيّات طيّبات ومرحاتٍ وحنوناتٍ

مثلَ امهاتِهم الأرضياتِ

اللواتي هُنَّ على يقينٍ كاملٍ

أَنَّهم بين يديْ ربٍ كريمٍ

وطيِّبٍ وحنونٍ عليهم

وعلى كلِّ الناسِ النبلاءِ

وليسَ على الذينَ قاموا

بسرقةِ طفولتِهم الناصعة

وكركراتِهم الحلوة

ومن ثُمَّ قتلوهم بلا معنى

وبلا أَيِّ ذنبٍ

كانوا قد اقترفوهُ

في هذهِ الحياةِ المحتشدةِ

بالأخطاءِ والخطايا

والفتنِ والكراهيةِ

التي يندى لها قلبُ اللهِ

على ما أَصبحَ عليهِ

مصيرُ الوجودِ والخليقةِ

والعالمِ الآيلِ للخرابِ

والغيابِ والفناءِ الأَخيرْ

***

سعد جاسم

كندا-2025-3-24

1 ــ الحانةُ والكفُّ

يجتازُ وينقضُ ــ والنومُ عزيزٌ ــ عهدا

لاحقني إذْ طاحتْ من خوفٍ أسناني

فنهضتُ أُجرجرُ ليلي ذيلاً حتّى

بانَ الفجرُ وفجّرَ آياتٍ في النورِ

طفحَ الكيلُ وزادتني الحُمّى خمرا

فتجنّبْ خوضَ الضاربِ في رأسٍ شقّا

يسألُ ما قالَ القارئُ كفّاً

نادى فتصدّى محروقاً يحتثُ الرملا

يبصرُ خطّاً يقطعُ خطّا

وبروجاً قامتْ خُضْرا

هذا تأويلُ عروقِ الأحداق السودِ

يحكمُها طاغٍ جبّارُ

**

2 ــ زورَقُها في الماءِ

مَنْ يفتحُ آفاقَ الكوكبِ في كفٍّ ممدودِ

للدُنيا ومراراتٍ خالدةٍ صمّاءِ

فيها أمرٌ مُرٌّ أشجاني

لا أغلقُ في الشرفةِ باباً للحانِ

هل تأتي ؟ قد تأتي في الرؤيا لأرُشَّ العمرَ عطورا

وأُوزِّعَ شمعَ الزينةِ نِدّاً في عودِ

قارَبُها في دجلةَ من خلفِ الجسرِ صَدودُ

الريحُ تشدُّ البردَ جنونا

والماءُ يضيقُ بآفاقِ الودِ الخسرانِ

يطفو فينا يطغى مدّا

نطفو جَزْرا

ماسٌ فيها ليداريها ويبدِّلُ حالاتِ اللونِ بعينيها

يغرقُ فيها مَن يسعى لعبورِ أساطينِ التسخينِ بجفنيها

دوّارُ المِرجلِ في موقد نارِ الثغرِ السرّي

شَررٌ يتطايرُ من بؤبؤِ سٍرٍّ في عين النجمِ

عينٌ لا تُشبهُ أُخرى

لا في اللحظِ ولا في طورِ اللونِ المُغري

قرّبتُ الضوءَ فصدَّ ومن ثُمَّ استرخى مشلولا

غيبٌ يتنبّأُ عمّا في جوفِ الآتي

أني لا أندمُ إنْ فَقَأتْ عينَ الدُنيا أظفاري.

***

الدكتور عدنان الظاهر

كانون الثاني 2025

أيّ حرب خاسرة يخوضها الانسان؟
أي شتات خلق منه هذا الكائن المختنق المتخبّط في رماد ثوبه المقدس وكم ستخدعنا أنفسنا بعد؟
سخرية مقيتة أن يسكن المرء مع عدوّه في ذات الجسد
أن يحمل نقيضه في داخله كجنين يأبى أن يُجهض..
نمت وأنا أجترّ أفكاري بمرارة..
في تلك الليلة راودني حلم أنّني أعمى أو ربّما كنت محبوسا في باطن الأرض. تجمدت أطرافي وتسلل برد جارح الى داخلي يضغط على أحشائي ويمزقها ثم صعد كالسهم نحو رأسي حيث يكمن ذاك المرض الخبيث الذي عانيت منه منذ طفولتي،
عقلي.
كنت مذعورا من الظلمة الحالكة التي تداعب وجهي وتغرقه في أحضانها كعاشقة متملّكة. خطر لي أن أقوم بحركات عشوائية كي أعرف ما اذا بقي شيء من الحياة في هذا الجسد لكنني تفاجأت أنني أتحرك حركة عشوائية غير تلك التي اعتزمت القيام بها..
حاولت الاستناد الى المنطق كعادتي دائما غير أنني شعرت أن كل فكرة اجمّعها بعناء تهوي مدوّية كأنها قارورة زجاجيّة.. أمسكت برأسي كي أحد من الضجيج الذي سببه هذا السقوط..كم أتمنى أن يصالحني يوما هذا العقل كم عانيت كي نتّحد وكم أهلكني..
هدأ روعي بعد صمت ساد طويلا بيني وبين نفسي. كنت أثبت نظري في الفراغ محاولا تجزيئه علّني أخفًف من شموليّته المخيفة. "على الأقل لا نور هنا" قلت في نفسي قبل أن أنتبه الى غرابة ما صرّحت به.
اه، نعم لا نور ينبعث فجأة من قلب هذا السّواد ليتلاعب بأملي ويسخر منه. كنت غارقا في الظّلام حتى اعتقدت أنني متماهٍ معه تماما..جميل هذا التناغم بل رائع أن أحظى ببعض السّكينة دون أن تتداخل الأشياء وتتعقّد من تلقاء نفسها..فقط أنا وظلام دامس، كلانا فارغ وكلانا مستعدّ لعناق سرمديّ تنتهي فيه الأشكال ومسمّياتها..
شعرت أن هذه الظّلمة قد حرّرت بصيرتي وجعلتني اشفق على رجل الدين وأنا أراه يغرق في كرسيّه الذّهبي تدريجيّا وأغفر لذلك الدّاعية السّياسي وأنا أشاهد لسانه يطلق فحيحا خافتا قبل أن يلتفّ بعنف حول عنقه كما لبثت بعضا من الزّمن أراقب أرضا كريمة جادت بكلّ ما تملك من خيرات بها قوم يحملون أوعيتهم الفارغة وهم يربطون أحزمة جلديّة على بطونهم الخاوية وكلّما امتدّت يد أحدهم الى الطّعام هاج القوم وشرعوا بتكسير الأوعية على رؤوس بعضهم حتى لتظنّهم قردة أو صنفا غريبا لا يمكن ان يكون بشريّا..
عادت المشاهد تتغيّر بسرعة حتّى توقفت عند طفل لا يتعدّى السّادسة. كان يقبع وحيدا في زاوية لا تكاد تتّسع له. بدا مضطربا وخائفا وكانت كلماته تختنق رعبا في حلقه.. وجدتني فجأة أرتعش غضبا امام بكائه الصّامت ثم سلّمت نفسي لنحيب هستيري طويل، نحيب شعرت معه أن قلبي قد ينشقّ في اي لحظة من شدّة الانفعال. انصهرت بجميع جوارحي في ذلك البكاء الأليم حتى شعرت أنّني أنسلخ بشدّة وأرتطم ارتطاما عنيفا بسطح الأرض وصوت عميق يصيح بي" حرّر هذا الطفل من معاناته وستتحرّر بدورك، لن تغفر وانت لازلت تغتسل بدموعه"
استيقظت فزعا من هذا الحلم الغريب وقد تبين لي أنني كنت ابكي بكاء حارقا لفترة طويلة. بعد قليل كنت أستعيد مشاهدا ممّا رأيته في الحلم وأنا اجلس في مكتبي الذي بدا لي فجأة أشبه بقبر أدفن فيه سنوات عمري، غير أنّه قبر مضيء ومرفّه الى درجة ما.
***
بقلم: مريم عبد الجواد

أليوم سأستقيل من العمل لدى الحُزن

لم أعدْ أقنعُ بمنصبٍ

لا يُناسب ما يدسّهُ تحت جلدي من الأنقاض

عملتُ لديه مديراً لمبيعات الألم

ومأموراً لضرائب النوم الهانيء

أجبيها من أسِرّة المشفى التي لا تُصدر صريراً

وبالرغم مما لعقته جراؤه من دمي

تركني محبوساً داخل فمي

حتى أوشكتْ أن تذوبَ بمقلاته

آخرُ ما أخفيته تحت لساني من الإبتسامات

**

لقد طفح الكيل

لن أعمل لدى من يغسل جوربه بدموع عامليه

يتركهم يستغيثون داخل فقاعاته

ليُفجّرها

مستمتعاً برؤيتهم يتلاشون في بخار استغاثاتهم

سأكتبُ استقالتي بحروف قابلةٍ للنمو

لعلها تُنبتُ جدراناً

تصدّ الراكضين وراء ظلالهم

سأعلقها على قفا من ينامون تحتَ الماء

ليحلموا بأنّ لهم زعانف وخياشيم

لقد تعبتُ كثيراً

وربما يقصم ظهري

ثقلُ قرصٍ واحد من الأسبرين

**

سأقدّم استقالتي للحزن

ثمّ أتقدم بطلب عمل لدى السعادة

لكنّ ما يُخيفني

أن أهدرَ سنواتِ عمرٍ أخرى أطير بجناحيها

ثمّ أكتشف أنهما جناحا بعوضة

عندئذ سأقضي ما تبقى لي من العمر

سجيناً في سجن بلا أبواب

فعدا عن بابَيّ الحزن والسعادة

ليس للحياة من باب ثالث

***

شعر / ليث الصندوق

لا الدارُ داري بعدَ عينيها

ولا

سَكَنَ الفؤادُ إلى سواكِ

وَقيَّلا...

يا أمَّ زهرا:

لا شذا في زهرةٍ

إلا جرى معناكِ فيها مُوْغِلا...

يا أمَّ زهرا:

لا حلا في وردةٍ

إلا اقتنى من ثغرِ مبسمكِ الحَلا...

يا حسرةً!

أ بشهرِ آذار الوداعُ؟

بشهرِ (آذارٍ):

رأيتُك أولا!

آذارُ:

هل تدري:

شهورًا أرقبُ

الميعادَ والتذكارَ فيكَ تَسَلسُلا ...

مِنْ قَبْلَما إحدى (ثلاثينٍ) سنينًا

يا أمَّ دربِيَ المُتْعِبِ المُتَهَدِّلا ...

يا أمَّ بيتي

يا هلالَ العيد

يا قمرَ النساءِ وخاتونتي:

عَظُم البلا !

*

الفوطةُ البيضاءُ ما زالتْ تراثُك ماثلًا...

يُزري بقانون (الِبلا)

يا للغزاليات* حيثُ تبغددتْ

أ ولستِ كنتِ بها غزالتَها؟

بلى!

يا بنْتَ عمِّي:

ها وقد هُزِمَتْ جيادي كلُّها

مازلتِ تعتقدينَ بيْ:

فرسَ الفلا!

*

يا سائرين إلى الغريِّ أمانةً

قولوا لحيدرَ مِنْ على أُفُقِ الملا:

أمُّونَةٌ مأمونةٌ بجوارهِ

حامي الحمى وأبي زينبَ العُلا...

ما خاب من أمسى بحصنكَ سيِّدي

لا والذي رفع السماءَ بـ (كن) بِلا

عَمَدٍ...

سبحانك العالي وما من شافعٍ

من دون أمركَ

شافعًا مهما علا ...

***

لطيف القصاب

..................

* إشارة لحيّ الغزالية غرب بغداد

السماء تمطر..
نعم تمطر..
ليس المطر الذي نعرفه، أحيانا لعنات، أحيانا أشكال خرافية، وأحيانا صحن ورق دوالي، وفي لبّ الأوقات رصاصا!
ذات يوم في إحدى جلسات ذلك البائد، كان هناك رجل عنتري، أتعرف كيف يكون الرجل عنتريا؟
سترد سريعا، هو قبضاي مثل عنترة بن شداد، وسأهز رأسي نافيا، وستكمل إذا هو عاشق مثله أيضا، وعندما تراني أسخر من إجابتك بأن أمطمط شفتي.. انتبه، أنا لم أخرج لساني، اكتفيت فقط بأن زممت شفتي، وحركتهما في كل اتجاه، كما تفعل أم أربع وأربعين..
لن أقول لك ماذا قصدت بالأخيرة، سأترك لك محرك البحث في شاهد رمضان، أثق أنك ستكتشفها!
لكن..
إن لم يكن عنترة الشاعر الأسود، فمن هو؟
الأسود.. ولا تنابزوا بالألقاب، نحن في رمضان!
ها ها لقد أمسكنا بطرف الخيط
هو أبيض، ووسيم وينتمي إلى فئة تطلق الرصاص متى رغبت، وحتى لو كان السبب لا سبب..
وماذا بعد؟
حلا لذاك العنتري..
على فكرة.. لديه مكتب فخم تزينه لوحة محفورة بحرفية وبراعة تحمل ألقابا انتقاها بنفسه، وخطها له أهم الخطاطين في المدينة، وعندما حاول أن يعترض..
من؟
الخطاط.. المسكين حلا له أن يعترض على واحد من الألقاب فقط، لشكله ليس غير..
لعلك تريد أن تخبرني؟!
نعم.. هي رصاصة في جبهته، لقد جلبها لنفسه..
كيف يفكر أمثاله بالاعتراض، وهل حصل ذلك قبل أن ينهي اللوحة أم بعدها؟
ما أسخف استنتاجك!
بعدها بالطبع..
ماذا إذا حين نصل إلى صحن الورق دوالي؟
ستكون بمنتهى الغباء كما أراك!
في ذلك المكتب كل وسائل الراحة، ومنها ثلاجة فارهة طولا وعرضا، وفي ذلك اليوم كان يزينها صحن ورق دوالي جلبه العنتري من بيته بعد أن قامت طباخته الماهرة بطبخه، وأسالت عليه الدهن، وأشبعته بالحامض، ووكأته فخذ خروف ورؤوسا من الثوم.. هكذا يطبخونها في مدينتي..
ثم ماذا؟
بعد أن أكل بضعة أمشاط منه......
لن أبتعد في الوصف إن قلت إن أصابع ورق الدوالي لا تختلف عن أمشاط الرصاص شكلا، وتأثيرا، خلّى الباقي ليمزمز به في السهرة برفقة كأس عرق صك/ أعني صافيا لم يمزج بالماء/ اسأل عنه سكارى مدينتي أيضا/ وخرج لبعض شأنه محذرا حراسه من الاقتراب من الصحن، أو حتى محاولة شم رائحته..
لكن عندما جاعوا نبحت بطونهم تطلب الطعام، ففقئ الاحتراز بعد أن تغلغلت رائحة ورق العنب/ هنا لمن ما يزال يجهل مسمى الطبخة/.... وهممم.... همممم... التهموا الأمشاط ماسحين المحظور على بكرة أبيه!
يا للهول..
وماذا بعدما رجع؟
لم يعترف أحد منهم بذنبه، فخطرت له فكرة جهنمية لن تخطر إلا لأمثاله.. قرر أن يقوم بتحليل لبرازهم..
ماذااا؟
ألم تُجر تحليلا لبرازك من قبل؟!
بلى، ولكن أيعقل..
وما الذي يمنع؟ّ
ألم أقل لك إنك ساذج جدا!
سرعان ما صار موظف المخبر الذي يعمل عند الطبيبة في الطابق الذي يعلوه بين يديه، وسحب عينات البراز بنفسه.. لا تستغرب، فالبودي غاردز الذين يخصونه تخضخضت سراويلهم من الخوف، وعملوهااا.. تحتهم/ هي بعض المصطلحات من مدينتي أيضا/ فألتمس عفوك إن سقطت من لساني بحكم التداول، أو إن عبثت بمنخارك..
السماء التي بدأت تتوشح بغروب يسحب قفطانه فوق البحر القريب في ذلك الوقت وقفت تراقب مشهدا اعتادته..
تعالت أصوات ركلات، ورفس تدحرجت على أثرها العضلات المنفوخة فوق السلم ترافقها قذائف، وشتائم الدكتور ذو الألقاب المتسلسلة.
***
أمان السيد - أستراليا
18-3-2025

الحوت والقرش.. اسمان ترددا في حياتنا نحن ابناء الحارة الشرقية، وكثيرا ما كان موضوعا اثيرا لدينا، فطالما سهرنا الليالي نتناقل اخبارهما، وكان كل منا يصُف في جانب احدهما، بل انني اتذكر اننا كثيرا ما تعالقنا بالأيدي وكسّر بعضُنا بعضا، لولا تدخل مَن وقف جانبا مفضلا الامان والسلام من ابناء الحارة.. في فض الاشتباكات بيننا. مما اتذكره اننا انقسمنا ذات ليلة مُقمرة الى فريقين، كل منهما يدّعي ان احد الجدعين اقوى من الآخر، وانتهت الليلة بان حطّم بعضُنا بعضًا.. وكاد يستنجد بمن وقف في صفّه وتغنى بأعماله العظام وشجاعته الخارقة.
بعدها انفضّ كلٌ منا الى طريق، وعاد مفكرا فيما يمكنه ان يفعله من اجل معبوده البطل، وكان ان حمل كل منا، نحن رئيسي الفريقين، انا وصديق لي، فكرةً ما فتئ ان طرحها في القعدة الحاراتية في المساء التالي، وكان مفادها انه يفترض فينا ان نتوجه، هو الى قرشه وانا الى حوتي، سائلين كلا منهما عمن هو الاقوى والاشجع بينهما. ما ان طرحت هذا السؤال على محبوبي الحوت، حتى ربّت على كتفي، انا الفتى الصغير قائلا انه لم يفكر في هذا الموضوع من قبل، وانه سيبلغني بما يمكن ان يتوصل اليه خلال يوم او بعض يوم. ما ان نطق بهذه الكلمات حتى ارتاحت اساريري، وتوجّهت الى رئيس الفريق الآخر المنافس. وقفت امامه وقفة من يتحدّى خصما قويا شرسا، واخبرته انني انتظر اجابة الحوت، وانه وعدني بان يقدم الي اجابته خلال فترة قصيرة. ضحك الفتى الواقف قبالتي.. بعدها انفجر في ضحك متواصل، ما اضطرني لأن اطلب منه ان يُطوّل روحَه وان يخبرني بما اضحكه كل ذاك الضحك، فما كان منه الا ان ركض في عدة اتجاهات، معبرا عن حيرته وقال لي، انه سمع من قرشه نفس ما سمعه مني، وانه ينتظر الاجابة بعد يوم او بعض يوم.
توجّهنا، رئيس فريق القرش وانا رئيس فريق الحوت، في الموعد المحدد لنا مع شجاعينا العظيمين، وكان ان جرى بيننا الحديث التالي:
انا: هل توصّلت الى اجابة.. مَن هو الاقوى بينكما انت والقرش؟
هو: وهل هذا سؤال؟ انا بالطبع الاقوى.
فكّرتُ فيما يمكنني ان اقوله لفريق الحوت، فريقي، والقرش، فريق ابن حارتي وخصمي، وتوصّلت بعد امعان في التفكير وسباحة مضنية في بحوره، الى ان اجابته هذه قد توقعني في حيرة اكبر من سابقتها، كونها لم تضف جديدا، فعدت اسأله:
-وكيف يمكنني ان أتأكد من انك انت الاقوى؟
عندها غرس الحوت عينيه في:
-هل تريدني ان اواجه القرش.
انطلق لساني رغما عني:
-وهل هناك حلٌّ آخر.. لمعرفة من الاقوى بينكما؟
خلافا لكل ما توقعته.. ربّت الحوت على كتفي وهو يقول:
-لا تخف.. في قول كلمة الحق.. صحيح انني معتزٌّ بقوتي وشجاعتي،، الا انني اخضع لكلمة الحق مهما كانت قاسية.. لا تخف يا ولد.
واضاف يقول: انت في حماية الحوت.
تشجّعت اكثر فقلت له اختصارا للحديث والوقت:
-هل انت على استعداد لمنازلةٍ.. تُرينا أيًا الاقوى بينكما؟
ضحك الحوت حتى استلقى على ظهره:
-معك حق. حدّد موعدًا للمنازلة..
عندما عدنا، ابن حارتي رفيق القرش وانا- رفيق الحوت، الى جلستنا المسائية في اليوم التالي، اخبرني رئيس فريق القرش، انه اتفق مع قرشه على منازلة بين الجدعين، تُقام مساء يوم الجمعة القريب.. في مركز البلد، قرب الدوار العمومي وعلى مشهد من الناس.
التقينا في الموعد المُحدّد من مساء الجمعة، كان الجو متوترا مشحونا، وكل منا يتمعّن فيمن يؤيده. وقف الحوت منتصب القامة ووقف قبالته القرش مثلما وقف هو، واخذ كل منهما يدفع الآخر بصدره الى الوراء، سائلا اياه: انت متأكد انك اقوى مني؟، اما نحن الوقفين حولهما من ابناء الحارة الشرقية، فقد كانت قلوبنا تدقّ على ايقاع حركة كل من محبوبينا، هم كانوا يرسلون النظرات الموّلهة السكرى في قرشهم ونحن كنا نرسل نظراتنا المتأكدة من قوة حوتنا وقدرته على ان يدحر القرش الواقف قبالته.
دفعة بالصدر من هذا الطرف واخرى من ذاك، والنتيجة معركة شرسة بين عملاقين وليس بين رجلين. الطريف اننا كنّا نرى كلما اشتبكا اكبر واضخم في الجثة والوزن، لقد كبرا حتى اننا لم نعد نراهما، لقد تركزت عيوننا المنبهرة المُتحسّبة لكل حركةٍ ونأمةٍ، في اليد التي توجّه اللكمة الاشد والاعنف، وكنا كلما وجّه الحوتُ لكمةً الى القرش، نحبس انفاسنا بانتظار اللكمة التالية وبعدها الضربة القاضية، وعندما ابتدأنا في وضع انتصار الحوت في جيوبنا، اخذنا نصفّق له مهللين مكبّرين، وهو ما استفز مؤيدي القرش، فراحوا يشجعونه ويصفّقون له، الامر الذي فعل فعله في استنهاض جرأة القرش واستثارة حميته، فتوقف عن ترنحه، وشرع بتوجيه اللكمة تلو الأخرى الى الحوت قبالته.
عندما شعرنا ان تشجيع فريق القرش، ادى دورا مُهمّا في توجيه دفة الفوز، اخذنا نهلل ونكبر داعين الحوت لتوجيه اللكمات الى خصمه القرش، الغريب انه استجاب لنا وراح ينفخ جسده انتفاخة مارد خرج للتو من الف ليلة وليلة، فاستعاد عافيته وراح يكيل الضربات لخصمه بمكيال من قوة وشجاعة.
عندما رأينا ان التشجيع يؤدي دوره الكبير هذا في التحفيز.. والتسديد اللكماتي، ارسلنا مَن يستدّعي المزيد من اولاد الحارة، ممن فضلوا الوقوف جانبًا وعدم الانضمام الى هذا الفريق او ذاك، وعندما فهمنا انهم غير معنيين، وعدناهم بان نتقاسم معهم طعامنا وشرابنا خلال ثلاثة الايام التالية. عندها اخذ هؤلاء، ومعظمهم - اذا لم يكن كلهم من ابناء المهجّرين الجدد، ابتدأت الكفّة تميل الى من يزداد مؤيدوه، فهي حينا تميل نحو الحوت وآخر نحو القرش، وجاءت اخيرًا.. المفاجأة غير المتوقعة..
عندما تساوى عدد المؤيدين المشجعين لكل من طرفيّ الصراع القتّال، كان كل من المتنازلين قد اوشك على السقوط واعلان الهزيمة.
توقف الاثنان، للمفاجأة الصاعقة.. توقفا عن القتال. نظرا كل في اتجاه، وبصقا معا علينا، ولحق كل منهما بفريقه مسددا اليه الضربة تلو الاخرى.. كانت تلك علقة غير متوقعة من جدعي البلد، وكثيرا ما قضينا الليالي متضاحكين.. ومتذاكرين تفاصيل تلك العلقة.
***
قصة: ناجي ظاهر

يا ليتني حجرٌ في أرضِ أندَلُسِ

حيثُ الهواءُ نديٌّ طيّبُ النفَسِ

*

وكفُّ سائحةٍ ترنو لتلمِسَني

فتستحيلُ إلى وردٍ بلا يَبَسِ

*

كم من حكايا بأحجارٍ إذا لُمِسَتْ

لأنبأتْكَ بصدقِ القولِ لا الغَلَسِ

*

نافورةُ القصرِ في الحمراءِ تجعلُ من

ماءِ التغرُّبِ شرقيّاً بلا دَنَسِ

*

مجدٌ مُضاعٌ كمُهرِ الصبحِ يَخطَفُه

من أمِّه الشمسِ ليلٌ أبيضُ العسَسِ

*

كأنّما جنّةُ الفردوسِ قد سألتْ

مِرآتَها في تجلّي الضوءِ والقبَسِ

*

هل ثَمَّ في الكونِ من فاقت محاسنُها

حُسني أنا؟ فأجابتْ: أرضُ أندلسِ

***

عبد الله سرمد الجميل - شاعر وطبيب من العراق

أبكم صوت حنيني

وعناق الشهقة الحرّى على دفءِ يقيني

وذهولي عاريًا يخلع من برق ارتباكي

غيم ظلي وبراكين انيني

فامطري ان شئت صحوًا او جنونا

فانا غزوك يسبيني بمدح

وامتداحي لك قد جاز فنوني

فاتركيني

يقظة اسقي بها وشل السنين

يا ربيع الروح يا ارض الحنين

يا هزار الله في حقل ظنوني

إنكِ الخاتمة المثلى لشكي ويقيني

***

طارق الحلفي

كان فينا نورٌ، أو هكذا قيل.

كان لنا وجوهٌ لا تخجلُ من انعكاسها في الماء،

وأيدٍ لا تخافُ أن تمتدَّ إلى يدٍ مرتجفة،

وقلوبٌ تشبهُ العصافيرَ إذا ارتعشت الأرضُ من البرد.

*

متى انطفأنا؟

في أيِّ ليلةٍ نامت ضمائرُنا ولم تستيقظ؟

في أيِّ صباحٍ شربنا القهوةَ بدمٍ باردٍ،

ونظرنا من النوافذِ إلى الظلمِ كما لو كان مشهداً عابراً في فيلمٍ رديء؟

*

متى تغيرنا؟

أحين ابتلعنا صرخاتِ الآخرين حتى لا تفسد مذاقَ طعامنا؟

وخفَّنا من حملِ الحقيقةِ لأنها كانت ثقيلةً كجثةِ حلمٍ قُتل في وضحِ النهار؟

أو حين صرنا نرى الجثثَ كأرقام، والدماءَ كإحصائياتٍ، والوجعَ كخبرٍ عابرٍ في شريطِ الأخبار؟

*

لِمَ تغيرنا؟

هل تعبنا من الحزنِ حتى اخترعنا اللامبالاةَ كدرعٍ نحتمي به؟

هل بعنا أرواحَنا مقابلَ أشياءٍ تلمعُ لكنها فارغة؟

هل خدعنا أنفسَنا بأنَّ هذا العالمَ ليس مسؤوليتَنا،

وبأن العدلَ عبءٌ لا طاقةَ لنا بحمله؟

*

صرنا نصمتُ لأنَّ الصوتَ صار خطراً،

ونشيحُ بوجوهِنا لأنَّ النظرَ إلى الألمِ يُقلقُ نومَنا،

ونغلقُ أبوابَنا لأنَّ الضميرَ إن عادَ سيطرقُ بشراسةٍ كدائنٍ غاضب.

*

لكن هل انتهى الأمر؟

هل سنظلُّ أشباحاً تمشي فوق الخرابِ ولا تصرخ ؟

هل سنبقى غرباءَ عن أنفسِنا، نخافُ أن ننظرَ في عيونِ المرآةِ فتفضحَنا؟

*

ربما، وربما لا.

ربما، في ليلةٍ لا تشبهُ غيرَها،

يعودُ إلينا وجهُنا الأول،

ذلك الذي كان يشبهُ إنساناً.

***

مجيدة محمدي - تونس

لا أحب الوجوهَ المتشابهةَ

التي تعبرُ الشارعَ كلَّ صباحٍ

بخطىً رتيبةٍ

ونظراتٍ زجاجيةٍ

لا ترى سوى الفراغ

*

كلّ يوم..

تمرّ بجواري حكاياتٌ مكررةٌ

بلا دهشةٍ

بلا صوتٍ

تمضي كأنها لم تكن

*

أحاول أن ألتقط منها ظلًّا مختلفًا

بقايا نبضٍ يوقظ المعنى

لكنها تمضي كما جاءت

بلا لون

بلا رائحة

كأن الحياةَ تكرارٌ باهتٌ

لمشهد لا يتغير

*

لا أحب الرسائل الجاهزة

التي تهطل عليك كل يوم،

تتشابه في اللغة والمعنى،

الموسيقى نفسها،

والإيقاع نفسه.

*

كل يوم

تستقبل كلمات بلا عاطفة،

تخرج من فم معلّب،

ولا تصل القلب.

*

حروف باهتة

تمرّ كظل عابر،

لا تترك أثرًا،

ولا توقظ إحساسًا.

*

أبحث عن كلمة

تشبه الفجر حين يتنفس،

عن جملة

تنبض بالحياة،

لكنها تضيع

في زحام الكلام المكرّر.

*

أحتاج إلى رسالةٍ تولد من دهشة،

تنمو في حقل المعنى،

وتصل إليّ

كما تصل النبضةُ إلى القلب،

حيةً، دافئةً، بلا أقنعة.

***

د. جاسم الخالدي

لم يكن شط العشار مجرد مجرى مائي يمر بهدوء في أطراف المحلة، بل كان نداءً خفياً يدغدغ أرواح الأطفال المتعطشة للمغامرة والتحرر من قيود الواقع. كان يقع على بُعد بضع دقائق فقط من بيت العائلة، ان قربه هذا لم يكن سوى إغراء إضافيًا يدفع الصغار إلى تحدي الممنوع.
في أوقات العطلات المدرسية، وتحت لهيب تموز الذي يشتد على مدينة البصرة حتى يغدو الهواء نفسه كأنه نارٌ تلفح الوجوه. كانت مجموعات الأطفال تجتمع عند الشط، حيث يفضلون السباحة في المناطق الضحلة التي عُرفت بينهم باسم "منطقة الڰياش"، تجنبًا للموت الذي كان يبتلع أرواحًا غضة في تلك المياه العميقة كل عام.
عادل وأخوه، في الثامنة والسادسة من العمر، كانا ضمن أولئك المغامرين الصغار، رغم تحذيرات الأهل المتكررة ومنعهم الصارم لهما من السباحة، لم يكن الخوف من الغرق وحده ما يطاردهم، بل أيضًا شبح الأمراض المتفشية في المياه، وعلى رأسها مرض البلهارسيا، الذي تنقله ديدان مستوطنة في قواقع الشط.
لكن الطفولة لا تعترف بالتحذيرات، فكانت براعتهم في الاحتيال تفوق قدرتهم على الالتزام.
ينزعون ثيابهم خوفًا من بللها، يسبحون بملابسهم الداخلية، بعد ان يؤمنون ثيابهم عند صديق يجلس على الرمل حارسًا أمينًا. وعندما تنتهي مغامرتهم، يغسلون أجسادهم، يجففونها ويلبسون ثيابهم، ثم يبدؤون بتجفيف ملابسهم الداخلية بوسيلة عجيبة طالما اعتقدوا بفاعليتها.
كانت تلك اللحظات التي ينتظر فيها الأطفال مرور سيارات الحمل ذات العجلات الكبيرة على الطريق المحاذي للشط، بمثابة طقوس سرية لمغامرتهم الطفولية. كان المشهد يبدو كلعبة مثيرة تتحدى قوانين الزمان والمكان؛ يُلقون ملابسهم الداخلية على الإسفلت الحارق، لتسحقها عجلات السيارات وتعيدها إليهم جافة بسرعة تكاد تكون سحرية.
ولكن المغامرات لا تكون كاملة دون تلك المفاجآت التي تحمل طعم الخيبة المرير. فعندما تعلق الملابس بالعجلات، وتنطلق السيارة دون أدنى اكتراث لصراخهم البائس وركضهم المحموم خلفها، تتجسد المأساة الصغيرة في قلوبهم اليانعة كطعنة مؤلمة. المغامر التعيس الذي يخسر ملابسه الداخلية في تلك اللعبة الخطرة، لا يجد أمامه سوى العودة إلى البيت دون "لباس" تحت "الدشداشة"، محاولًا أن يخفي أثر فشله في عينيه البريئتين.
لكن الفضيحة لا تلبث أن تنكشف. الضحكات الساخرة من أقرانه تلاحقه كأشباح تتراقص حوله، وقصته تتحول إلى مادة للتندر والتسلية في مجالس الصغار. أما الأهل، فغضبهم لا يعرف الهدوء، وعقابهم يُكتب بصرامة لا تقبل المساومة.
ومع ذلك، لم يكن لأي عقاب أن يُخمد في قلوبهم جذوة التمرد على المألوف، ولا رغبتهم الملتهبة في اكتشاف العالم بطريقتهم الخاصة. كانت مغامراتهم تلك صرخة طفولية تتحدى كل شيء، كأنها محاولة مستمرة لإثبات الوجود في عالم لم يعرفوا منه سوى الحرمان والخوف والأحلام المعلقة على ضفة شط العشّار.
في وهج ظهيرة ثقيلة، حين عاد الأب إلى البيت متعبًا من عناء العمل، غابت أصوات أبنائه المعتادة، تلك الضوضاء الطفولية التي كانت تملأ أركان المنزل حياة. سأل الأم بلهفة مكبوتة: "أين هم؟" فأجابته بتردد: "لا أدري، لعلهم يلعبون في الخارج."
زمجر بصوت يحمل قلقًا أكثر مما يحمل غضبًا: "في الخارج؟ ومن يطيق اللعب تحت هذا الحر اللافح؟" ردت الأم محاولة تبرير غيابهم: "ربما ذهبوا إلى الشط..."
"الشط؟!" كرر الأب كمن اكتشف فجأة مصدر هواجسه القاتمة. هرع خارج البيت مستشيطًا بالغضب، يكاد يشتعل كاللهب من قمة رأسه حتى أخمص قدميه. وما إن لمحه صديقهم الحارس، حتى أطلق نداءه المرتعد: "عادل! أبوكم قادم!".
وصل الأب إلى الحارس وانتزع منه ثياب الولدين بعينين تقدحان شررًا. على الفور، اندفع الصبيّان مذعوران، يركضان بكل ما أوتيا من قوة نحو الشارع، يقطعان الطريق بأقدامهما الحافية وكأنهما يهربان من قدر محتوم. اختارا ملاذًا مألوفًا: بناية المكتبة العامة بسورها الواطئ المكشوف والذي لا يصلح للاختباء، وبناية الإدارة المحلية بسورها الحجري العالي الذي توهما أنه قادر على حمايتهما من بطش أبيهما.
رآهما حارس البناية يتقافزان كطيرين جريحين، والذعر يكسو وجهيهما المحترقين من الشمس، وأجسادهما العارية المشبعة بملوحة النهر. هرعا إليه متوسلين، يتعلقان بسرواله كما يتعلق الغريق بخشبة خلاص. "أنقذنا يا عم ... أبونا سيقتلنا!".
نظر إليهما الحارس بحنان الأب الذي لم يُرزق أبناء بعد، وقال: "لماذا يريد معاقبتكما؟" لكنه أدرك سريعًا حقيقة الأمر حين استنشق رائحة النهر تفوح منهما. "آه، فهمت. لم يسمح لكما بالسباحة خوفًا عليكما، وهذا العقاب الذي تفران منه."
تشبث الولدان به كملاذ أخير، بكاؤهما ينساب كأنهار صغيرة من رجاء ويأس. وفي تلك اللحظة، اقتحم الأب المكان متقدًا غضبًا، يهدر بصوت يكاد يهدم السور نفسه: "ويلكما! إلى أين تهربان مني؟ تعالا فورًا!"
هنا تقدم الحارس بخطوات هادئة، وبصوت ملؤه الرجاء والاحترام، قال للأب: "يا اخي، أرجوك، لا تضربهما. لقد طلبا حمايتي، ووعدتهما بالأمان. أريد منك كلمة شرف، وعدًا من رجل لرجل، ألا تمسسهما بسوء."
تجمد الأب مكانه، وكأن كلمات الحارس لامست شيئًا عميقًا في روحه. أطرق برأسه هنيهة، ثم مد يده مصافحًا الحارس، وقال بصوت خافت: "وعدًا... لن أؤذيهما."
وما إن التقط الولدان همسات الوعد بين الرجلين، حتى انطلقا كطائرين أفلتا من شباك الخوف، يعدوان نحو البيت وأعينهما تلمع ببريق النجاة.
**
سعاد الراعي

 

العاطلونَ عن الأملْ

فقدوا العملْ!

*

والقارئون الكَف

والفنجان - لا -

ليس لهم وزنٌ

لدى كفّ زُحلْ!

*

واللاجئونَ بِدَرْبِهِمْ حاروا

فلا بلدٌ (تَنَفَّسَهُمْ)

ولا حَلّ مَحَلْ!

*

والغارقون بِدِينِهِمْ

من ذَقْنِهِمْ حتى الرصاص

تَصَفَّحُوا وجه الحياةِ

وأعملوا (تَصحيفهُمْ)...!

*

والناجحون وحْدَهُمْ

من يشتري تَعَب الحياةِ

ليملأوا الدنيا حُلَلْ!

*

والمالِحُونَ

المالحون

المالحون

على جِراحكَ يا وطن!!!

***

محمد ثابت السميعي - اليمن

من كتاب: (رِمال القلق )

حمل الورقة بين أصابعه كأنها جمرة، وكأن الحروف المنحوتة عليها لا تزال تنبض بحرارة ذلك الزمن، بل وكأنها تهمس له بأصوات دفنها في أعمق زوايا الذاكرة، كانت الورقة قديمة، حوافها متآكلة، وحبرها باهت بالكاد يُقرأ، لكنها كانت كافية لبعث ارتجافةٍ في أطرافه، ولبعث ذلك الألم القديم الذي ظنَّ أنه نجح في وأده، ارتجفت أنفاسه وهو يقرأ الاسم المنحوت عليها، الاسم الذي كان يوما مرادفا للأمل، للحياة، ثم أصبح مرادفا للخديعة، لطالما كان يخشى هذه اللحظة، لحظة المواجهة مع ما كان يهرب منه، مع حقيقة أنه لم يكن سوى ظلّ يتبع وهما، قلب تآكلته الخديعة حتى أصبح صدى باهتا لنبض كان يوما ممتلئا بالحياة.
عاد به الزمن إلى تلك الأيام التي كان يسير فيها خلفها كالتائه في صحراء عطشى، يلتقط من كلماتها قوارير ماء تروي ظمأ روحه، لم يكن يدرك حينها أن ما يرتشفه لم يكن سوى سراب، كل ضحكة، كل وعد، كل لمحة حنان، لم تكن سوى قناع زائف يخفي خلفه حقيقة أكثر قسوة مما تخيل.
كانت الورقة رسالة، رسالة أخيرة منها، لم يفتحها حينها، مزقها بيدين مرتجفتين وقلب يتشظى، لكنه الآن، يعيد جمع شظاياها، يعيد قراءتها وكأنها مرآة تعكس ما تبقى منه: "رجاءً، يكفي كلاما يصدر عنك لا أفهم مغزاه، قلتُ: إن كنتَ تريد أن تعتبرني صديقة، فبابي مفتوح، رجاءً، تفهّمني، تحياتي".
ضحك بمرارة، أيكون للأسف وزن بعد أن أصبح القلب خرابة مهجورة؟ أيكون للاعتذار معنى حين لا يبقى من الحب سوى رماده؟ ألقى الورقة جانبا، تنهيدة طويلة انسلت من بين شفتيه، ثم نهض، لا جدوى من النبش في رماد الماضي، فقد حان وقت المضي قدما، ولو بأقدام أنهكها الطريق، ولكنه ليس ذاك الذي يهرب من امرأة كانت وطنا لروحه، ظلّا لخطواته، وصدى لصوته حين كان يناجي الليل باسمها، أحبها بكلّ رعشات القلب، بكلّ ارتعاش الأصابع وهي تكتب لها، بكلّ الدمع الذي كان يفضحه حين يمرّ طيفها في خاطره.
لكنه كان مخدوعا، مخدوعا في بريق عينيها الذي كان يظنُّه شوقا، فكان محض وهم عالق بين سراب الأماني، مخدوعا في كلماتها التي كان يحفظها كآيات نجاة، فإذا بها طلاسم لا تفتح أبواب الرحمة بل تسجنه خلف قضبان الخديعة، حتى اهتمامها، كان قيدا من حرير، يشدُّه إليها بينما كانت تبحث عن درب آخر تهرب إليه.
كانت الحب الأخير بالنسبة له، والأقسى، لم تكن هي الوطن، بل كان هو الوطن الذي ضاع فيه حلمه، كان المساحة التي خطت عليها خطواتها حتى سئمت، حتى نظرت بعيدا بحثا عن أرض أخرى تغرس فيها جذور رغباتها، لم يرَ ذلك، أو ربما رآه وأغمض عينيه، كما يُغمض العاشق عينيه عن كل ما يهدد فردوسه المزعوم، كان يظنها الشوق، فإذا بها السراب، كان يراها الأمان، فإذا بها عاصفة، وكان يصدق كلماتها، فإذا بها مفاتيح أبواب لم تُفتح له قط.
لكن الحقيقة لم تكن بهذه البساطة، كان هناك سرٌ دفين، أكبر من مجرد حبٍّ قديم، وأكبر حتى من خيانتها له، عثر عليه بالصدفة، عندما تلقى رسالةً مجهولة المصدر، كانت عبارة عن سلسلة من الصور والمحادثات، رأى فيها وجهها، لكنه لم يكن وجهه من ينعكس في عينيها، بل وجه رجلٍ آخر، لم يكن ذلك العاشق القديم بل شخصا نافذا في عالم السياسة، رجلٌ كان ظهوره كفيلا بربط الخيوط المبعثرة.
كانت تحمل في قلبها جرحا قديما، حبا لم ينطفئ رغم المسافات، لم يكن سوى محطة، استراحة تأخذ منها أنفاسها حتى يعود إليها عاشقها الأول، لم يلحظ ذلك في البداية، فقد كانت بارعة في التمثيل، ماهرة في ارتداء القناع المناسب لكل لحظة، فكان غارقا في وهمها حتى نسي نفسه، وأصبح أسير كلماتها، سجينا لوعودها التي لم تتحقق أبدا.
وحين عاد ذلك الغائب، انقلبت موازينها، تبدّلت، صارت أخرى، باردة كحجر، بعيدة كأنها لم تكن يوما بين يديه، حاول أن يتجاهل الإشارات، أن يبحث عن أعذارٍ تبرر فتورها، لكن الحقيقة كانت واضحة، صارخة كجرح مفتوح: لم يكن سوى عابرٍ في قلبها، لم يكن سوى ظلٍّ ينتظر أن يُمحى، ولم تكن هي سوى مجرد امرأة خائنة، إذ كانت جزءا من لعبةٍ أكبر، السياسة، الخداع، المصالح المتشابكة، كل شيء كان يدور حولها دون أن يدرك، إنه كان ورقةً استُخدمت في مرحلةٍ ما، وكان لا بد من التخلص منها حين انتهى دوره.
اليوم، لا يهرب منها، بل يهرب من نفسه، يهرب من ذلك الرجل الذي تقمص دوره، الرجل الذي صدّق الكذبة حتى أصبحت جزءا منه، لكن كيف يُقنع القلب بأنه كان أعمى؟ كيف يقنع الروح بأنها اختارت من أطفأها بدلا من أن يشعلها حياةً؟ كيف يقنع الذكريات بأنها لم تكن سوى خدعة، وأن كل لحظة دفء كانت مجرّد طقسٍ زائف في صقيع الخيانة؟
فأسوأ مراحل الاستغفال في الحب ليست تلك التي يُخدع فيها القلب، بل التي يُقنع فيها نفسه بالخديعة، أن ترى الحقيقة واضحة كالشمس، لكنك تغمض عينيك متذرعا بالخوف من الظلام، أن تلمح الغياب في كل حضور، والبرود في كل دفء، ثم تقول: ربما أتوهم.
إنها المرحلة التي تصبح فيها أكاذيب الحبيب أكثر ألفة من صدق الآخرين، وحبال الأمل المتهالكة أكثر راحة من أرض الواقع الصلبة، حينما تتحول كلمات "أنا بخير" إلى درع زائف تخفي وراءه انهيارك البطيء، وحين يصبح الصمت لغةً جديدة لتبرير ما لا يُبرَّر، فأسوأ مراحل الاستغفال في الحب، هي أن تكون آخر من يعلم، ليس لأن الحقيقة كانت غائبة، بل لأنك كنت من دفنها بيديك.
في أحد الأيام، وبينما كان يبحث عن مخرج من متاهة الندم التي تلاحقه كظلّ ثقيل، وجد نفسه وسط عاصفة سياسية تعصف بالمدينة، كانت السماء ملبدة بالغيوم، والشوارع غارقة في زخم من الاحتجاجات، الهتافات تعلو، والأصوات تزداد قوة كأمواج البحر الهائجة، وكأنها تطلب العدالة التي طالما تم تجاهلها، اللافتات ترفع في كل مكان، مليئة بشعاراتٍ تلامس قلبه، كأنها كانت قد كُتبت خصيصًا له: "الخيانة لا تُغتفر"، "الوعود الزائفة لا تصنع وطناً".
كان يرى في عيون المتظاهرين ما كان يشعر به من قبل، نفس الوجوه التي تحمل عبء الخيبة، نفس القلوب التي تمزقها خيانة الأمل، وعيناه تتنقلان بين اللافتات، فتُذكره بكل ما عاشه من تجارب مشابهة في حياته الخاصة، حيث كانت الوعود الوردية تتحول إلى سراب، والأحلام تُسحق تحت وطأة الواقع القاسي، كانت تلك الهتافات، رغم عنفها، هي الصدى الحقيقي لندمه.
بينما كانت العاصفة السياسية تضرب المدينة، كان هو يقف في وسطها، عاجزا عن الهروب من مرآة ماضيه، كل صرخة كانت تذكره بكل لحظة ضاعت فيه، وكل خطوة اتخذها دون أن يدرك أنه كان يسير في طريق مليء بالفخاخ، مثلهم تماما، شعر بأن الخيانة لا يمكن أن تُغتفر، وأن الوعود الزائفة لا يمكن أن تبني شيئا سوى الخراب.
أدرك حينها أن الخداع ليس حكرا على العلاقات العاطفية، بل هو جزءٌ من نسيج الحياة بأكملها، رأى في السياسة ذات الوجوه التي عرفها في حبّه الماضي، ذات الابتسامات المخادعة، ذات العهود التي تُكسر عند أول فرصة، كان يراقب المشهد ويتساءل: هل نحن محكومون بالخداع، أم أننا ببساطة نختار ألا نرى الحقيقة حتى تصفعنا؟
ثم جاءته فكرة مفاجئة: هل من الممكن أن يبدأ من جديد، بعيدا عن وعود لا تُسمن ولا تغني من جوع؟ هل يمكنه أن يعيد بناء ما تهدم في داخله، كما يطمح هؤلاء المتظاهرون لبناء وطن جديد؟ ربما العاصفة التي تجتاح المدينة هي في النهاية فرصة للمطالبة بتغيير حقيقي، لا مجرد كلام فارغ، كما كان يردد في نفسه: "إذا لم يكن لدينا خيار آخر، لعلنا نبدأ من الآن."
لذلك كرهها بكل ما أوتي من وجع، وأقسم أن لا يراها مجددا، بل كان يرتجف خوفا من أن تطل عليه من زاوية قدر عابث، كان يشعر أنه يحدق في عين الشيطان كلما التقت نظراتهما، ويتحسس ذلك الخنجر المغروس في ظهره، وذلك الآخر الذي يعبث بقلبه كأنه لا يكتفي بإيذائه بل يستلذ بتمزيقه ببطء.
ولكنه حين يغمض عينيه، لا يرى سواها، وحين يخاصمه النوم، يسمع صوتها يهمس له كتعويذة لا فكاك منها، كيف له أن يكرهها وهي تتسلل إلى روحه كعطر لا يزول؟ كيف له أن ينساها وهو لا يزال يتنفسها في كل شهقة ألم؟
ربما هو مجنون، بل يكاد يكون مهووسا بها، لكن أي عقل يتجرأ على محاكمة القلب حين يصرّ على عشق من طعنه؟
فالحب رغم خيانته، لا يموت بسهولة، يظل كالندبة على الروح، يترك أثرا لا يُمحى، لكنه في النهاية، يصبح مجرد ذكرى، والأهم أنه لا يمنعنا من أن نجد حبا آخر، حبا نقيا، نابعا من روحٍ لم تلوثها الأكاذيب، لم يكن سقوطها من قلبه نهاية، بل كان بدايةً لحياة جديدة.
مرت الأيام، وبدأ يرى العالم بنظرة جديدة، لم يكن الأمر سهلا، فالخذلان يترك أثره كما تفعل الحروب، ولكنه يترك لنا درسا قاسيا عن طبيعة البشر، السياسة والحب يتشابهان، فكلاهما لعبة مصالح، وكلاهما يعج بالأقنعة.
أحيانا، لا يكفي أن نقف في العتمة وننتظر الصباح، فبعض الليالي لا تنقضي إلا إذا مزّقنا ستائرها بأيدينا، كان لا بد من هذا الشرخ، من تلك الكسور التي ظنناها نهايات، لكنها لم تكن سوى نوافذ جديدة فتحها القدر في جدران أرواحنا المتعبة.
حين سقطت أولى الشقوق، شعر بالبرد، بالخوف، بذلك الفراغ الذي يبتلع كل شيء، لكنه لم يدرك أن النور لا يطرق الأبواب، بل يبحث عن صدوعٍ يتسلل منها، وحين اشتد الكسر واتسع، رأى ما لم يره من قبل: أحلاما كانت مخنوقة، ألوانا لم تدركها عيناه، وطريقا جديدا كان يبحث عنه دون أن يدري أنه كان خلف ذلك الجدار المتهالك.
في إحدى الأمسيات، وبينما كان جالسا في أحد المقاهي يتابع أخبار المدينة الملتهبة، جلس إلى طاولته امرأة لم تكن تشبهها في شيء، نظراتها كانت حقيقية، صوتها لم يكن مغلفا بالخداع، تحدث معها طويلا عن كل شيء، عن الأمل والخسارات، عن الخيبات التي تصنعنا، عن الوعود التي لا نصدقها بعد الآن، لم يكن حبا من النظرة الأولى، لكنه كان بداية شيء مختلف، شيء لم يكن يحمل طعم الخداع.
وفجأة، تأتيك الجرأة كريحٍ هوجاء، تقتلع جذور الخوف من روحك، تعبث بأوراقك المتناثرة كأنها تذكّرك بأنها مجرد حبرٍ على ورق، لا أكثر، تهتزّ جدران ذلك الركن العتيق في قلبك، حيث خبأتَ الذكريات بحذرٍ يشبه الرهبة، كأنك كنت تؤجل المواجهة مع أشباحها.
الآن، ها هي الصفحة أمامه، الصفحة التي خشي حتى لمسها، كأنها تملك سلطانا عليه، طالما كان يراها نافذةً على وجعٍ لا يُغلق، قيدا لا يُكسر، لكنه اليوم، ولأول مرة، لا يكتفي بطيّها… بل يمسكها بثباتٍ غريب، يقرّبها من النار، يرى ألسنة اللهب تتراقص على حوافها، تلتهم الكلمات كما لو أنها لم تكن يوما حقيقة، لتتبدد ذكرياتها من روحه، كما يتبدد الرماد في الريح، تاركةً خلفها دروسا لا تُنسى، وحين التقى بعينين جديدتين، بعالم آخر لم يخنقه السراب، أدرك أن الحب لا ينتهي، بل يتجدد… وأن سقوط حبٍ زائف قد يكون أعظم انتصارٍ نحصل عليه في الحياة.
وفي النهاية، يتلاشى الحبر، يتصاعد الدخان، يتهاوى الرماد في صمت، ومعه يسقط آخر خيطٍ كان يربطه بماضٍ لم يعد يعنيه، لا ندم، لا تردد، فقط حريةٌ أخيرا… حريةٌ بطعم الرماد.
***
جليل إبراهيم المندلاوي

حينَ جئتُ اليكِ

حاملاً روحي على لهفَةِ اللّقاء

أراقصُ نَبضي بلا احتِراس

كالساعي الى موعدِهِ الأوّل

لم أعرفْ

أنني سأعودُ ..

الى حَتفي

**

أربعونَ عاما

بينَ دمعةٍ وأُخرى

أنتَ لن تجدَ عُمرا آخر

يجودُ بالبُكاء

فاسقِ إن استَطَعت ..

تجاعيدَ خَدّيك

واحرقْ بناضبِ الدَمعِ..

جُرحَك

**

بَسطتُ كالمَجنونِ كلتا يدَيّ

مُبتهجاً

بكِ .. بي

ليُسقِطَ في غفلَتي

ما أدّخَرَ من دِفئكِ

ذلكَ الأحمقُ..

قلبي

**

لمّا ارتحلتِ

أفقتُ كسيرا

كصَقرٍ طوتهُ الشِباك

كسرتُ أجنحَتي

صرتُ في السَبعينَ يتيما

أحملُ زلّاتي

**

أمقُتُ بَعدكِ الذكريات

جَمالُها المُميتُ ..

كالسَوط

مزّقَ ما بقيَ منّي

كبائسٍ ..

لم يقتُلهُ الإنتحار

**

أنتَ..

أسرفتَ في الشُربِ بذاكَ الكأس

الذي أصلَحتَ كَسرَه

منذُ عُقود

لا تَعي

أنّكَ لن تثمل.. مرّتين

بذاتِ الكأس ..

وتَنجو

**

لا عذرَ أخمدُ به حُزني

حينَ فقَدتُكِ

بلا وَعي

يا لَلجَهل

تركتُ الريحَ يينَنا

ترفعُ أستارَالفردَوس

**

كيفَ للدَقائقِ أن تَمضي

بَعدَكِ

يأبى قلبي اجتيازَ الزمَن

منتظراً .. بلا يأس

أن تدُبَّ أحرُفٌ منكِ

الى هاتفي

**

لستِ امرأةً أخرى

بلّلَتْ شوقي كأمطارِ صَيف

عشتارٌ أنتِ

في ملَكوتِها

شبَكتُ كفَيَّ

جثَوتُ أدعو

الّا يطلَّ الصَباح

**

إعذريني

أتيتُك لا أجيدُ التماسَ الطَريق

كما الأعمى بلا عصا

وليس عندي فراسةُ شاعر

فكانت عثرَتي

بوّابةَ الآخرة

**

عادل الحنظل

توشحَ بحاستهِ السادسةِ وهرولَ

بين ألوانِ الفجرِ

يناغي بواعثَ أخرى تناهضُ عضلاتَ النهارِ

يلتقطُ صوراً منسيةً، مغايرة ً شهيةً كخبزِ الصباحِ

يلونُها الأملُ بلحيتهِ البيضاء.

هرولَ بعيداً،

تركَ الغابةَ لوحدها تتوارى خلفه

كلَّ شجرةٍ تنوءُ بإرثها

كلَّ طيرٍ يتعثرُ بهوائهِ

كلَّ دمعةٍ تنتظرُ ضربةَ شمس الله لتجفَ من على وجهِ الذاكرةِ

تركَ الشوارعَ تحتفلُ بإشاراتِ المرورِ،

تركَ الماضي، الماضي الجالسُ على نارٍ هادئةٍ

في متناولِ كلِ مغرفٍ،

مثلُ كيس ِ رحيلٍ ساهياً بزاويةِ النسيانِ

بينما المدينةَ، الإسفلتُ الأسودُ، الحجرُ الشاهقُ، بمصاعدهِ الكهربائيةِ

النظاراتُ الطبيةِ  وعجائزُ التلفونات في نميمةِ النهارِ

بينما المدنُ البومُ صورٍ لا تسعفه مسامرات الوقت الزائدِ

علقَ حاسَته السادسة على صدرهِ وهرولَ

يسألُ:

كأسُ الأيامِ الناقصةِ

بماذا نملأها؟

كأسُ الأيامَ الجريحةِ بماذا نسعفها؟

وقرنُ العواصفِ

. يهشم ُبقارورةِ الأحلام

***

رضا كريم

أنا أشباهي الأربعون الذين قتلوا برصّاص

الاحتمال

لا أخوة لي بأجنحة وهيضة

ولا بيت ينكسرُ به الغصن

*

وحدي أرمي نفسي في الجُّب

وانتظرُ وهم القافلة

لا خيار لي للفرح العجول

والموت يحاصرني

*

لقد تركتُ خلفي في كلّ مكان كتابًا

وصبيًا ومسودّة

لقد تركتُ جزءاً منّي في المستنقع

*

الآن من يمسح دموع قلبي

بمنديل اعتذار

ويطعم قططي الجوعى

*

من يسقي ورداتي

من يستعير منّي الأخيلة

ويخرج بأقدامي في المظاهرة

تأكل اللّغة عقلي

وينزُّ الحبر من تحت جلدي

أنمو بأطراف لزجة كأخطبوط

مصاب بالكُساح

*

يتلبّسني درن الكتابة، تلك التي لم

أجني منها شيئًا

غير أرواح طيّبة أكلها الصّدأ

وامرأة تموع على كتفي

*

أنا الّذي افتعل الحبّ بدافع القلق

وابتكر الموت لقلّة الصّنيعة

*

أنا الوحيد في الصّلاة

وطابور الخبز

*

المنتظر في المحطّة والهارع خلف القطار

أنا المورق، الضّحل ، الضّار، اليابس

الرّقراق أنا والعُكر

*

أنا الشّلال وأوّزة البحيرة، انا سلحفاة

الطّين، حزن البلاد وشوارب جنرالاتها

من يقرأ زُعر الحنطة في ملامح

وجهي

*

وجهي كلّ اللّوحات التي انتهى فيها الباستيل.

***

يعقوب عبد العزيز

أنا لا أكتب، أنا أطرقُ الزجاجَ بأطرافِ أصابعي،

أختبرُ هشاشةَ الفكرةِ تحتَ الضوءِ الباردِ للشاشة،

أقلبُ اللغةَ بين كفّي كما يُقلِّبُ الصائغ قطعةَ الذهب،

أبحثُ عن الشقوقِ الخفيّةِ في النصِّ، حيثُ يختبئُ الضوءُ مثلَ عيني فهدٍ في العتمة.

*

أكتبُ كما يسيرُ العميانُ على الحوافِّ الحادّةِ للعالم،

أتلمّسُ الكلماتِ بأطرافِ قلبي،

أزيحُ الستائرَ الثقيلةَ عن الجملةِ المستحيلة،

أركضُ خلفَ الاستعاراتِ كما يركضُ صيّادٌ في ضبابِ الأحلام.

*

كلُّ شيءٍ هنا مُنحرفٌ قليلًا عن مكانهِ الصحيح،

الكرسيُّ أقصرُ بسنتيمتر،

الجدارُ يميلُ بضعَ درجاتٍ نحوَ الصمت،

والأفكارُ تذوبُ كأنها شموعٌ لا تصدّقُ الزمن.

*

أنا لا أكتب، أنا أنحتُ الهواءَ بأصابعِ الغياب،

أخلقُ زوايا جديدةً للعالم، حيثُ تنزلقُ الجاذبيةُ نحوَ احتمالاتٍ أخرى،

حيثُ الشمسُ ليست برتقالة، بل ثقبٌ في السماءِ يراقبُ بصمت،

حيثُ الطريقُ ليست مستقيمة، بل طيّةٌ في الورقِ الأبيضِ للواقع.

*

أكتبُ من الزوايا التي تخشاها العيون،

من الخطوطِ التي لم تُرسَم بعد،

من الفراغِ الذي بينَ الحرفِ والحرف،

حيثُ المعاني تُولدُ وهي تهربُ من أيدي النسيان.

*

أنا لا أبحثُ عن الكلماتِ الصحيحة، بل عن الكلماتِ المضيئة،

عن الفوضى التي تصنعُ اتساقها الخاص،

عن الضبابِ الذي يشفُّ عن سرٍّ لم يُقل،

عن الكتابةِ التي لا تُشبهُ الكتابة.

***

مجيدة محمدي / تونس

إلى أمي "رحمها الله تعالى"

***

غابتْ فأظلمَ في عينيَّ نورُ غدِي

وأسدلَ الحزنُ أستاراً على كبِدي

*

قد كنتُ أحيا بنبضِ الحبِّ يغمرُني

واليومَ أضحتْ بقايا الروحِ في خَلَدِي

*

كم كنتُ أشعرُ أنَّ الكونَ مُتسعٌ

واليومَ أضْحى كضيقِ القبرِ في المَدَدِ

*

يا مَن رحلتِ وقلبي في هواكِ غوى

هل تعلمينَ جراحَ الروحِ في الجسدِ؟

*

كم لي أحنُّ إلى عطرٍ يُحيطُ بنا

وهمسةٍ منكِ تطفي نار متقدِ

*

ما كنتُ أدري بأنَّ الحُبَّ مؤلمنا

حتى ارتحلتِ ودمع العين بلَّ يدي

*

إني أعيشُ على ذكرى ملامحِكِ

كأنَّ روحَكِ لا زالتْ على بُعدِ

*

عُودي فإني ضعيفٌ دونَ رؤيتِكِ

كغصنِ وردٍ ذوى في بُعدِ مُفتقِدِ

*

إنَّ الحياةَ إذا ما غبتِ باهتةٌ

لا لونَ فيها سوى الأشجانِ والكمد

*

غابتْ وضاعتْ مع الأيامِ بهجتُها

وغابَ عن دربيَ الموصودِ معتقدي

*

كانتْ لقلبيَ سلوى في مصائبهِ

واليومَ صارتْ لظىً في كفِّ مُتَّقدِ

*

كم كنتُ أرجو دوامَ الوصلِ مرتقبًا

لكنْ جفاني حبيبٌ غابَ عن سُجُدي

*

يا امّتي، يا حياةَ القلبِ، يا أملي

هل تسمعين نداءَ الشوقِ في الكبدِ؟

*

كلُّ الزمانِ حزينٌ بعدَ غيبتِكِ

كأنَّهُ باتَ أطلالاً بلا عَمَدِ

*

إني لأدعو إلهَ الكونِ منكسِرًا

أن يجمعَ الشملَ بعدَ البُعدِ في سَعَدِ

*

هذي الحياةُ بلا عينيكِ موحشةٌ

ليلٌ ثقيلٌ يُغشِّي الروحَ في كمدِ

*

إنْ كانَ للفقدِ نارٌ في جوانِحِهِ

فالحُبُّ نورٌ يضيءُ الدربَ للأبدِ

*

قد كنتِ سرَّ ابتهاجي في ابتسامتِكِ

واليومَ أبحثُ عن أنسٍ ولم أجدِ

*

ما للنجومِ التي كانتْ تُضيءُ لنا

قد أرختِ الأُفْقَ في أثوابِها الرَّمَد.ِ

*

أحيا كطيرٍ غريبٍ، ضاعَ مَوطنُهُ

يبكي على فرحةٍ غابتْ ولم تعدِ

*

ذكراكِ تسكنُ في أرجاءِ ذاكرتي

كأنَّها تَسمعُ الآهاتِ من صَدَدي

*

ما زلتُ أحفظُ في قلبي ملامحَها

وكلَّ حرفٍ جرى منها على خَلَدي

*

فكيف أشفى وذاك الدهر يؤلمني

من الودادِ الذي أحييتِهُ بيدي؟

*

عُودي فإني أسيرُ البعدِ في ألمٍ

لا ينتهي غيرَ أن ألقاكِ في الأبدِ

*

إني لا سمع في روحي صدى ألمي

حتى أراكِ وأُحيي الوصلَ بالرغد

***

د. جاسم الخالدي

في اليوم العالمي للشّعر

مرثية حلّاج البلاد الشاعر علالة الحوّاشي1275 alhawashy

رحل الحلاج

من يرتدي جبّة الله !!

ها قد نزعتّ الجبّة

و ملصتَ عن كفّيك أعنّتك

و تلحّفت الخلود

خبّرني حلاّجَ البلاد

كيف عبَرتَ الرّحلة

هل هدوء وسلاما

ام ضرّك كسرُ القيود

رأيتك حين تدثّرتَ

و الفصل صِبًا بهيّا

كنت تزرع حبّاتِ المعاني

فتزهر قبل ميعاد الورود

و في كفّيك تطعمُ الطّير

تسقيه من المجد العتيد

و رأيت جبّة الله

حثيثة الخطوِ إليك

كانت كساءَ النّور

لتسابيحِ الوجود

*

خبّرني حلاجَ البلاد

لم استعجلت الرّحيل

لو تمهّلت قليلا

نمشي بالدّرب قليلا

فلم نسر إلّا قليلا ...

*

أبِكَ الجبّةُ ضاقت

ام ترى باتتْ هباء ً

أم هو زيْف الرّفاق

و انتكاسات الآماني

بعد نُكثان الوعود

لمَ أودعتَ الرّسائل

في متاهات الصّدى

في كهوف تتلاغى

بأعاصير الجُحود ....

*

ها مآقيّ تجود

اغرقت ماء السّبيل

سأل الصٌحب أحقّا؟

أمزاحٌ أم رحيل !

قلت بل أغسلُ عيني

من قذى رمل دخيل

ههنا بين ضلوعي

صرحُ حلّاجي الجميل

دونه خفقانُ قلبي

إذ  بِنبضِه مستقيل

يمرحُ كالطّفل يرنو

لرُبى شمس الأصيل

يتهادى في ابتسام

يزرع الودّ الأثيل

شامخ الهاامة شمسا

بات يخشاها الأُفول

حالما حلم إلاهٍ

عاشقٍ ليلى البتول

يذرو من طيبِه ريحا

و بَخورا لا يزول

يملأ كأس الشّهيد

برواءٍ سلسبيل

و يطوفُ الليل نجما

ساطعاا شهما أصيل

حاملا زيْن الهدايا

تبهجُ القلب العليل

من قطوف قد سقاها

لجّة العينِ الأسيل

*

أي حبيبي يا ابنَ أمّي

طبْ مقاما ومناما

أوَ تمحو لحظاتٌ

رحلةَ العُمر الطّويل!

***

زهرة حواشي

الإربعا 01 سبتمبر 2021

تقلب فوق فراشه الرث، وتمدد مرة على ظهره المنحني، ثم على جنبه الأيمن وعاد يحدق في سقف الغرفة المأكول بالرطوبة والتي تفوح منها رائحة غريبة.
ترك جسده مسجاً فوق الفراش وحلق يفتش عن منفذ للخلاص من تلك الرائحة التي تبعث على التقيؤ ولكن دون جدوى سوى اطلالة من نافذته الصغيرة على الساحة الخلفية لعمارات إسمنتية تشع حرارة في فصل الصيف وبرودة قاتلة في الشتاء، وبدلا من ان يشم هواء نقيا دخلت انفاسه رائحة المخلفات التي تفوح من نوافذ صغيرة تعج بها شقق العمارات.. اقفل النافذه بسرعة فائقة قبل ان ينتهي به الأمر الى التقيؤ.
حدق في السقف والجدران المنهكة الفاقعة إلا من لون نزيز المياه الهابطة الى الأسفل.. عاد الى فراشه النتن وتمدد ثانية على ظهره المعوج وتأمل لوحة السقف السوريالية وفضل أن يترك جسده لحاله، هذا الجسد لا فائدة منه أبداً إنه عبأ عليه ولا فكاك منه طالما كان ملتصقا به منذ ان كان جنيناً.
تركه ممدداً تعيسا وأدرك انه قد انفصل عن جسده، فقرر ان يعوفه مسجياً ويحلق هو فوق تلك الهضاب والمنحدرات الخضراء، عالم كان غائبا عنه منذ أن ادرك وجوده.
نظر إليه من الأعلى مسجياً دونما حراك وطاف حوله وتأمل كيف كان يتحرك وكيف كان يتكلم ويضحك كيف يشحن ويفرغ غريزته،
عندها شعر بشيء من الخجل، حين تذكر كيف غضب من ذبابة افقدته صوابه بعنادها المزعج وهي لا تكف عن الدوران حول رأسه حتى إنها حاولت الدخول في فمه ومنخاره.. وكيف إنه خرج عن طوره كإنسان طاردها وهو يبحث عنها في كل زوايا الغرفة وكيف كان عقله قد تقلص بموازاتها في الحجم والحركة.. حتى إنه لم يعد هناك ما يفكر به سواها وجردته من وجوده تماما وهي تطن في بحر من الصمت الذي يسود الغرفة ولا يدري أين تختبئ. وحين جلس ليستريح من جراء المطاردة العبثية، شعر بأن جسده لا حاجة له فيه وربما لم يعد له وجود طالما ان تفكيره قد انسلخ إلى عالم آخر، ظل تفكيره محشوراً في زاوية واحدة يرى من خلالها جسده كتلة هامدة لا حراك فيها، عندئذٍ تمتم مع نفسه:
(ما دامت محلقاً في عالم آخر، فهذا يعني إني انسلخت عن جسدي، وهذا يشعرني بشيء من الحرية، التي لم تعد تشعرني بالمسؤولة عن تلك الكتلة المسجية من اللحم، إنها عبأ ثقيل من المسؤولية.. افكاري مازالت تحلق في فضاء جميل أما تلك الكتلة من اللحم فلم يعد لها من معنى).
ولكن كيف تتشكل هذه التصورات..؟
فكرً يحلقْ - كتلة من اللحم لا معنى لها - الشعور بالحرية مسؤولية - الوجود الذي يخلو من المعنى.. كيف يمكن جمع هذه المفردات في سلة واحدة تخضع لمنهج التحليل الوجودي؟
لما كان الوجود يخلو من المعنى، فلماذا اتحمل مسؤولية كتلة مسجية من اللحم؟
كان هذا السؤال موجه إلى احد الاشخاص في قضية محكمة كافكا.. بيد أن الرد جاءه من وراء الستارة المعتمة:
اسكت، ما دمت ترى ان كتلة اللحم المسجية هناك تخلو من المعنى عليك نسيانها، ومع ذلك فانت لا تستطيع أن تلغي وجودها، إنها موجودة شئت أم أبيت.
أطبق شفتيه وزمها بإستغراب:
نعم، لماذا الإكتراث بوجودها؟
ولكن، لولا تفكيري بوجودها لما وجدت.. وإن تفكيري بها يثبت وجودها.
تمهل أيها المفكر.. إنها موجودة كحقيقة شاخصة تسبق التفكير فيها.. إنها جثتك وإن ابتعدت عنها وحلقت وأنكرت وجودها.
ولكن ما نفع وجودها إذا لم أفكر بها.. ألم يخلقها تفكيري.. من يعلم بوجودها لولا تفكيري الذي خلقها؟
أردف يقول مع نفسه:
ولكن، ألم تكن هي موجودة قبل أن أفكر بها؟
يا إلاهي، ألم تكن هذه كلها مماحكات فكرية مجردة خالية من المعنى؟
مَنْ يسبق مَنْ، الفكر أم الوجود؟
ولكن، لماذا الفصل أساساً بين الفكر والوجود؟
كلاهما متلازمان في وحدة الوجود الكلية، ولا حاجة لوهم إسمه الإنسلاخ.؟ (*)
***
د. جودت صالح
23/ آذار 2025
(*) جون بول سارتر- باريس/ من وحي فلسفة الوجود والعدم

الدكتور المحترم
ابتدأت قصتي عندما كنت في الثامنة عشرة من عمري، في الصف الثاني عشر الثانوي. كان ذلك عندما شاركت ابناء صفي في رحلة مدرسية طويلة نسبيا، يومين الى مدينة البشارة.. الناصرة. قمنا في اليوم الاول بالتجوال في المدينة وكان من المفترض ان تنتهي زيارتنا هذه مثلما تنتهي مثيلاتها من الرحلات، يمضي يوماها، ونعود الى بلدتنا سالمين غانمين، لولا تلك الحادثة التي قلبت حياتي راسا على عقب، وادخلت اليها تشويشا كثيرا.. اعتقد انه استوجب منذ سنوات طلب المساعدة النفسية.. هذا التشويش تواصل خلال اكثر من عشرين عاما. كما هو واضح.. انا اليوم في الثامنة والثلاثين.
كنا لحظة وقوع الحادثة، نشارف على انهاء رحلتنا، فراح كل منا نحن الطلاب المشاركين في الرحلة يشتري الهدايا لأهله ومحبيه، وكان ان سألنا خلال انطلاقنا العفوي في احد الشوارع، شابًا عابرَ طريق عن محل يبيع الاثريات، فارشدنا قائلا انه بإمكاننا ان نصل اليه خلال سيرنا في الشارع ذاته مباشرة، الا انه يوجد هناك شارع اخر اقرب اليه، لكنه عادة ما يكون خاليا من المارة، تشاورت مع مرافقتي عما اذا كانت تود ان نمضي في الشارع ذاته، وتوصلنا بعد نقاش قصير، الى انها تفضل المضي في الشارع الاقرب، على اعتبار انه شارع خلفي، واننا قد نرى فيه الناصرة القديمة.. بتاريخها الحضاري العريق، وزواياها غير المرئية، سرنا في الشارع الاقرب، وراحت كل منا، نحن الصديقتين، تحاول ان ترى الاعماق النصراوية عبر الحجارة والاسوار والورود المسترخية عليها بمحبة وحنو، الامر الذي فصل بيننا، وجعل كلا منا تنطلق في زقاق ضيق. بحثت عن صديقتي عبر ارسالي النظر في اتجاه آخر اعتقدت انها سارت فيه الا انني لم ارها، انتابتني حالة من القلق، فرفعت صوتي اناديها، وما ان عاد الصمت الهيب يهيمن على المكان، حتى شعرت بنفسي بين احضان شاب، يحاول النيل مني، عندما تبين لي ما انا فيه من خطر، قاومت بكل ما لدي من قوة، الا انه تمكن مني، وقبل ان ينال مأربه مني، شعرت بوقع اقدام تندفع من اول الشارع، وبيد من شفاعة وخلاص تمتد اليه وترفعه عني، لتقذف به بعيدا.. بعيدا.. في فضاء الزقاق وضبابه. خلال ثانية او اكثر رأيتني اقف وجها لوجه امام ذلك الشاب الذي ارشدنا، صديقتي وانا، الى حانوت الاثريات، وقبل ان اشكره توجه الى زقاق جانبي آخر، وعاد بسرعة وبرفقته صديقتي الضائعة، ارسل نظرة حافلة بالحنان نحونا، واشار لنا بيده ان نغذ السير، وهو ما قال لنا انه لم يتبق لنا حتى نصل الى حانوت الاثريات.. الا مسافة قصيرة، وما زلت اتذكر انه رافقنا بنظراته الحادبة الراعية حتى وصلنا الى الحانوت المقصود. بعدها اختفى اختفاء تاما، كأنما هو تداخل في احجار الاسوار او ورودها المتدلية عليها بحنو.
حاولت ان اعود الى الوراء، ان ابحث عنه لأشكره على شهامته تلك، الا انني لم اتمكن، وقد ندمت كل الندم لأنني لم اساله عن اسمه او عنوانه لأرسل اليه اشكره، او لأرد له بعضا من جميله علي وعلى صديقتي. كان ذلك الشاب وديع المحيا.. اكثر ما يلفت النظر فيه عيناه عميقتا الغور، وشعره المسترسل على كتفيه، كما كان ذا قوام متوسط، لا هو بالطويل ولا هو بالقصير، واعتقد انه كان يومها في مثل عمري اصغر مني بسنة او اكبر بسنة.
عندما روينا لمعلمنا المرافق، صديقتي وانا، ما حصل لنا وكيف ان ذلك الشاب خلصنا، انا خاصة، من خطر محتم، عاد معلمنا معنا.. رغم ضيق الوقت المتبقي للرحلة، الى الشارع ذاته، وعبثا بحث عن ذلك الناصري الشهم.. فقد اختفى.. كما تختفي النسمة في عبق التاريخ.
انتهت رحلتنا تلك، وعدنا الى بلدتنا، لتلح علي صورة ذلك الشاب، فما ان انسى صورته او احاول ان اتناساها، حتى تعود لتلح علي مجددا، إما بعد ان ارى شابا يشبهه، او عندما يظهر لي طيف يشبهه في هذه السماء او ذلك المكان التاريخي العريق، ولا اعرف لماذا شعرت انني قد ارتبطت روحيا بذلك الشاب، علما انه لم يفه بأية كلمة ولم يدل بأية معلومة تقود اليه، وتعرف به، وقد بقيت صورته تلح علي مُدّة قاربت العشرة اعوام، واذكر انه كلما كان شاب يتقدم لطلب يدي وخطبتي، كنت اقارنه به، عبر اختبارات خاصة برعت في حبكها، فأجد الفارق الكبير بين الاثنين، لتأتي النتيجة في مصلحة ذاك الغائب في اعماق الناصرة.. ازقتها وضبابها المقدس، وهو ما يعني انني كنت ارفض الارتباط بمن تقدم الي من الشباب. خلال هذه الاعوام المقاربة للعشرة، جرت مياه كثيرة في نهر حياة بلدتنا وتزوجت معظم صديقاتي، بنين بيوتا وملأنها بالأبناء. وكان لا بد ان اجد حلًا لوضعي مع ذلك الشاب المقيم الساكن في اعماق اعماقي.
ذات يوم من ذات عام، حملت نفسي واستقللت الباص المنطلق من بلدتي الى الناصرة، وصلت في ساعات الضحى، وحرصت اول ما حرصت على ان ازور ذلك الشارع الخلفي، لعلي التقي بذلك الشاب، غير انني لم اعثر له على اثر، قضيت يوما كاملا هناك ابحث عنه وانقب.. غير انني لم افز بالعثور على بغيتي. اصابتني حالة من الهوس، عدت الى بلدتي توجهت الى بيت زميلتي، يوم الرحلة الى الناصرة، ومتاهتنا فيها، وطلبت منه ان تحضّر نفسها لنزور مدينة البشارة. في اليوم التالي استقللنا الباص.. وصلنا الى الناصرة وشرعنا بالتجوال في شوارعها، وكنت طوال الوقت انقب بعيني قلبي عن ذلك الشاب، حتى وقع نظري عليه في احدى الزوايا المعتمة من منطقة السوق- البلدة القديمة. اقتربت من صديقتي وهمست في اذنها عما اذا كانت ترى ما ارى؟ وعندما ارسلت نظرها الى حيث اسدد نظري، قالت لي من فورها.. انه هو. الا انها ما ان رأتني اتوجه نحوه حتى عادت تشدني الى الوراء.. لا اعتقد انه هو. بين هو وليس هو قضينا لحظات لفتت نظر الشاب الواقف في تلك الزاوية المعتمة، الامر الذي دفعه لأرسال ابتسامة شبيهة بابتسامة ذلك الناصري المخلّص. اقترب الشاب منا. وحصل التعارف. وبدون كثير شرح، تقاربت العيون وبعدها القلوب، وارتبط كل منا بالآخر. للحقيقة اقول انني اكتشفت في ليلة الدخلة ذاتها، انه ليس هو، لذا رفضت ان امكنه مني وحافظت على عذريتي لا اسلمه اياها. ومضى على هذا النحو عام، ولم يكن امامي من مفر سوى ان اطلب الطلاق، فكان لي ما اردت، رغم ان "زوجي" رفض في البداية، كونه كان متعلقا بي تعلقا شديدا، وانا لا اخفي عليك ان وجهى الاسمر البسام وجمالي في الشكل والقوام، قد اثرا عليه في الاصرار على البقاء معي تحت سقف واحد. رفض زوجي هذا انتهى بقبوله طلبي الطلاق منه، وكان ان دفعت الثمن مقابل مواصلتي حلمي في العثور على فتى الاحلام الغائب الحاضر، وهو التنازل عن كل حق لي عنده.
ومضت سنوات وسنوات، وانا اتردد على الناصرة، لعلي احقق حلمي في العثور على ذلك الشاب الشهم الاصيل، الا انني ما زلت ابحث، واعتقد انني الآن.. وانا اقارب الثامنة والثلاثين من عمري.. قد التقي به.. فقد رأيت امس، خلال زيارتي الدورية للناصرة، ظله يمر من نفس الشارع و.. يمضي في نفس الزقاق.
***
قصة: ناجي ظاهر

في نصوص اليوم