عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

في البيتِ الابيضِ يا سـادَهْ

شــيـطانٌ يـجــمعُ عُــبّـادَهْ

*

لـيَقولَ الصِـدْقَ وفي خَـجَلٍ

ذا الـوعـدُ الـصادقُ قــدْ آدَهْ

*

والـمُضحِكُ هـذا والـمُـبكي

صيـدٌ قـد أفـلتَ فـاصـطادَهْ

*

والـحــالُ بأنّـا قـد صِـرنـا

سِــمـسـارًا يـتـبـعُ قَـــــوّادَهْ

*

والــوعـدُ الـصـادقُ عَرّانـا

لا جــدوى مَـنْ كِــدنـا كـادَهْ

*

مــا نِـلـــنـا إلّا خُـســرانًـا

وبـهــذا عُــدنـــا كـالــعـادَهْ

*

نـسعى والـمَسعى في فـشلٍ

لـلـباري فـي الامــــرِ إرادَهْ

*

وعـلـيـنا نـرفَــعُ رايـتـنـا

للـوعـدِ الصادقِ يـا قـادَه

*

شـيطانُ البيتِ حـكى هـذا

لـيـقي مـن ســـوءٍ أولادَهْ

*

أحلامُ الـماضي قـد صارتْ

كابــوسًا والـبــؤسى زادَه

*

مَـكّـارٌ يـحــيـا في حُــلـمٍ

قــد عــبّـأ مـنـهُ مِـنـطــــادَهْ

*

فـأتــاهُ الــوعــدُ فَـصَـيّــرَهُ

والاســدَ الـصـاعِـدَ سِــجّـادَهْ

*

صـهـيونـي مـاسـوني عـادا

لـلـمَـبكى يـشـتِـمُ مَـنْ شــادَهْ

*

والـمــولى قــــال وأكـدَهُ

إنْ عُـــدتُـمْ عُــدنا بـزيـادَهْ

*

إنْ عُـدتُـمْ عُــدنـا بـاقـيـةٌ

مـا شــاءَ اللهُ لِـمَـنْ كـــادَه

*

لـنْ يـبـقى الـبـغيُ ودولـتُهُ

مـــا دامَ الـحـــــقُّ جَـــلّاده

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور - الدنمارك / كوبنهاجن

الأربعاء في 25 حزيران 2025

تـقـلّبتُ فــي جـمر اشـتياقِيَ مُـولَعا

وقـلـبي بـصبرٍ لـيس يـسلو ولـو دعـا

*

كــأنّـي بـــلا عـيـنـيك أفـقـد وجـهـتي

فـلـسـت أرى دربـــا ولا قــطّ مـربـعا

*

فــيـا لـــه لــيـلٌ قـــد تــوقّـد جـمـرُهُ

وإن كـــان خـــزّاً بـالـنـجومِ مُـرصّـعـا

*

جــمـالٌ سـبـانـي مــن بــلادٍ حـبـيبةٍ

عـلى الـقلب فـيها كـلّ حُـسنٍ تربّعا

*

فـدجـلـة فـيـهـا والــفـرات قـصـيـدةٌ

وصوت الأغاني طاب معنىً ومسمعا

*

لـبـغداد تـسـري مــن فــؤادِيَ أنـهـرٌ

بـها الـدفء مـن حـبّي تـسوّر أضـلعا

*

أحـــــسُّ وربّـــــيْ أنّ قــلــبِـيَ طــائــرٌ

يُـرفـرف عـشـقا لـلحبيبة قـد سـعى

*

يــغــرّد فـــي الآفـــاقِ لــحـنَ مـتـيّـمٍ

شــذاهُ الـهـوى مـن طـيبِها فـتضوّعا

*

فــمـا لـــي بـلـيـلٍ لا تــقـرّ جـوانـحي

ومــا لــي أرانــي الـنـوم عـنّـي تـمنّعا

*

أحـــدّث نـجـما فــي سـمـاء بـعـيدةٍ

يقول: "فمن عهد الصبابة ما رعا؟!"

*

كــلانـا نـديـمـي عـــن يـقـينٍ وفــاؤهُ

ولـكـنّ نــأي الأرض والـوقـت قـطّعا

*

ســأغـمـض عــيـنـي راغــبـا مـتـمـنّيا

لـــعــلّ بــأحــلامـي تـــــزورُ لأهـجعـا

*

تــضـمُّ رؤى الأحـــلام كــفـي بـكـفها

نـنـام ونـسـقى كــأس عـشـق مـنوّعا

*

هـواها عـلى صـدري كـنهرٍ جـرى به

فـأحـيـا يـبـاس الــروح حـبـا وأتـرعـا

*

أحـاسيسُ مـن فيض الحبيبة ترتوي

ووجــدٌ بـمـاء الـشـوق مـنّـي تـرعرعا

*

سـرى فـي دفـيءٍ لانَ مـنها لخافقي

جـرى سـلسبيلا فـي الـفؤاد فـأمرعا

*

ومـا زلـت عـن يـمنايَ ألـثم مـبسما

وأرشــــف مــنــه؛ لا يــضِــنُّ لأقـنـعـا

*

يــزيـد عــطـاءً مــثـل عـيـنٍ نـضـوحةٍ

تـسبّح مـن أهـدى الـجمال وأبـدعا

*

تــحــلّـق أحـــــلامٌ ويــبـعـدُ ســربـهـا

وحـلمي بـمن أهـوى يُـرفرِفُ مُقلِعا

*

فـلـيت الـمـنام الـحـلوَ عُـمـرِيَ كـلّـهُ

إذا كــــان يـبـقـيـنا ويـجـمـعـنا مــعـا

***

صلاح بن راشد الغريـبي

 

غَابَةٌ مِنْ أَسْئِلَةْ

بَدَتْ اَلْأَشْجَارُ فِيهَا ذَاهِلَةْ

وَهِيَ تَسْأَلْ

كُلَّ مِنْ يَعْبُرُهَا

لِمَ لَا يَسْأَلُهَا

عَنْ حُقُولٍ وَسُهُولٍ،

هِيَ أَدْرِى مَا بِهَا؟

لَمْ يُجِبْ مِنْهُمْ أَحَدْ

كُلُّهُمْ مَرُّوا سَرِيعًا

دُونَ أَنْ يُصْغُوا لَهَا

وتَنَاءَوْا. . .

لَمْ يَظَلُّوا قُرْبُهَا

فَارَقُوهَا لِلْأَبَدْ

- 2-

غَابَةٌ مِنْ أُمْنِيَاتْ

سَكَبَتْ فِيهَا عُيُونٌ ثَاكِلَاتْ

دَمْعَهَا

وَهْيَ تَسْأَلْ

هَلْ يَعُودُ اَلْرَاحِلُونْ

ذَات يَوْمٍ يَضْحَكُونْ

دُونَ أَخْطَاءٍ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونْ

فَنَرَى اَلْعَالَمَ أَجْمَلْ؟

وَالْمَكَانْ

يَخْتَفِي فِيهِ اَلَّذِي كَانَ يَخُونْ

وَ اَلَّذِي كَانَ يُخَانْ؟

- 3-

غَابَةٌ تَكْبُرُ فِيهَا اَلْخُطُوَاتْ

حَدَّقَتْ فِيهَا عُيُونٌ عَاشِقَاتْ

سَاهِمَاتٌ ذَاهِلَاتْ

أَنْكَرَتْنِي

سِرْتُ وَحْدِي

وَأَنَا تَسْأَلُ وَقْتِي اَلطُّرُقَاتْ:

لِمَ تَمْشِيَ أَنْتَ وَحْدَكَ؟

مَنْ هُوَ اَلسَّائِرُ جَنْبَكَ؟

مَنْ هُوَ اَلرَّاكِضُ قَبِلَكَ؟

مَنْ هُوَ اَلْمُرْتَدُّ خَلَفُكَ؟

يَا لِهَوْلِكَ. . .!

لَسْتَ تَدْرِي...؟

لِمَ أَرْجُوكُ أَجِبْنِي

لِمَ خَلَّفَتَ خَوَاءَ اَلْكَلِمَاتْ

وَدُمُوعَ اَلْأَسْئِلَةْ

فِي مِيَاهِ اَلْوَهْمِ تَجْرِي؟

لِمَ خَلَّفَتَ دُمُوعَ اَلذِّكْرَيَاتْ

فَوْقَ شُبَّاكِ اَلْأَمَانِي هَاطِلَةْ؟

لِمَ يَا سَيِّد عُمْرِي؟

وَأَنَا سَلَّمَتُ أَمْرِي

لَكَ يَا كَاتِم سِرِّي

***

شعر: خالد الحلّي

أنا الإسكافيُّ،

ليس لي وطنٌ سوى الطرقات،

ولا نَسَبٌ سوى ما خلّفته الأقدامُ من أثرٍ على العتبات.

*

أعْرفُ الأحذية كما تعرفُ الأمُّ نبضَ الجنين،

ألمسُها

فأسمع صدى الشوارعِ البعيدة،

وأشمُّ العَرَقَ الغافي على جلدها الميت.

*

لكلِّ حذاءٍ قصة،

بعضُها نَزَفَ في المعارك،

وبعضُها رقصَ في أعراسٍ لم تكتمل،

وبعضُها هربَ من موتٍ،

فصار الموتُ يلاحقه على الأسفلت

*

أعرفُ من ضَرْبِ النعلِ جنسَ صاحبه،

أميزُ خطواتِ المترددين من نَفَسِ الشجعان،

أقرأ خرائطَ المدنِ في الحوافِّ المهترئة،

وأُحدِّدُ اتجاهات الهزيمة من انحناء الجلود.

*

في دكاني

ينام الزمنُ بين المطارقِ والشكائم،

وتحلم الجلودُ بأقدامٍ عادلة،

لم تدس بها ظلًّا،

ولم تطأ بها وطنًا غريبًا.

*

أنا الإسكافي،

أُخيط وجع العابرين بخيطٍ من تأمل،

وأختم نعلَ الطغاةِ

بكلمةٍ ،

"ستُهزَمون..."

*

أُدركُ أن ليس كلّ مَن يملك حذاءً يسير،

ولا كلّ مَن يسير،

يعرف إلى أين...

وحين أمسك حذاءكَ،

أعرفُ أيُّ حلمٍ تهشَّم في الطريق.

***

مجيدة محمدي - تونس

حينَ شَهَقْتُ في فَلَكِكَ

انفَلَقَتْ صُفْرَةُ المَلَكوتِ على جَبيني

واْستَعَادَتِ الملائكةُ أجنحتَها المفقودةَ

في ساعةٍ

كانَتْ قِياساً لِنَشيجِ الآلهةِ وهي تُخفي وَجْهَها

يا ظِلَّ الكَلِمَةِ قبلَ نُطْقِها

وسُلالةَ (الطّوْطَمِ) حينَ تَغَيَّرَتْ أنسابُ النَّار

أنا المَرايا الَّتي سَقَطَتْ من يَدِ الغَيْب

أنا الغُصْنُ المُؤَنَّثُ في تَناسُخِ الجَذْر

لِرُوحيَ إيمانُها المُرتابُ

تُطْفِئُ قَناديلَ الوَحْيِ لِتُبصِرَكَ

وتَصُومُ عنِ الشَّكِّ حينَ تَرَاكَ

لِماذا لَفَحَتْكَ نُبُوءَاتُ دُخَاني؟

أكنتَ أوَّلَ مَنْ خَرَجَ من نُقْطَةِ الفَوْضى

وعادَ مُتَّكِئاً على مِحْرَقَةِ (الماموث)؟

يا مِدْيَةَ اللهِ في غَلالةِ البَدءِ

يا غَصَّةَ النّاي في فَمِ الزَّمَكان

تَمَدَّدْتَ في عُرُوقِ الصَّدَى

وأَنْطَقْتَنِي بلُغَةٍ لَمْ تُفْتَحْ لها سُورَةٌ

أنا...

أنا الَّتي كُتِبَتْ بِنُقْطَةٍ لا تَسْتَقِرُّ

أَنْزِفُ في مَجَازِكَ

كَأنِّي الوَحْيُ الضَّالُّ في كِتَابٍ مَنْسِيٍّ

وكأنِّي فِكْرَةٌ بَكْرٌ في دِمَاءِ النُّبُوَّةِ

أفَكُنْتَ حَقِيقِيّاً؟

أمْ كُنْتَ رَجْفَةً في حُلْمٍ تَأَخَّرَ أنْ يَفِيق

***

مرشدة جاويش

 

الصّخور المُدبّبة تملأ المكانَ حتى ليتعذّر على المرء المشي بمحاذاة السّاحل الذي يمتدّ عبر المدىَ البعيد إلاّ بحَذرٍ شديد، الأمواج الهادرة غاضبة مُزبدة، تتلاطمُ على الصّخور الكبيرةَ التي تواجهها في صمودٍ حادٍّ عنيف، يتطاير رذاذها المتناثر في كلّ إتجاه . أخذ مجموعة من الصيّادين أمكنتهم المعتادة بين النتوءات الصّخرية الحادّة، وهم يرفعون قصبات الصيّد الطويلة إلى أعلى، ينظرون إلى ثبج البّحر ولججه العالية في صبر، وإصرار، وأناة، حتى ليخيّل للناظر إليهم أنّهم تماثيل حجرية منصوبة على أشكال مُجسّمات أدمية متباينة الأحجام منذ أقدم العصور .

عند مدخل مغارةٍ مظلمة، بالقرب من “جرف صخريّ” وعر التضاريس، غير بعيدٍ عن مكان مقدّس لدى المتاجرين بعقائد الجهال والدّين يُسمّى الوليّة “لالة عيشة مولات لكاف” أو كما يطلق عليها بعض المجاذيب ب ” ضريح الشريفة” يتكوّمُ زُمرة من السّكارى والمتسكّعين، وهم يحتسون فى لا مبالاة أردأ أنواع النبيذ الرّخيص، يحدّقون في البّحر، يلتفتون بين الفينة والأخرى صوبَ ناحيةٍ من نواحي الشاطئ المترامي الأطراف مخافة أن تداهمهم سيّارة دوريّة لشرطة الآداب، على مقربةٍ منهم تمتدّ طريق طويلة أخرى تؤدّي إلى سوق الخُضر، وإلى ضريحٍ عتيق تعلوه قبّة ناصعة البياض، يقع على بُعد بضعة أمتار من الشاطئ، أكثرُ روّاده أو زوّاره ممّن هم واقعون تحت وطأة الخرافات، والأضاليل، والشعوذة، والخزعبلات، والشّرك، أو ممّن بهم جنون، أو مسّ، أو مروق، أو من الإناث اللاّئي يبحثنَ عن فارسٍ من فوارس الأحلام، بعد أن خانهنّ الحظّ في العثور على شريك العمر، إذ في إعتقاد السكّان القاطنين بالقرب من الضّريح أنّ مَنْ قصدته منهنّ لا يحولُ عليها الحَوْلُ حتى تصبحَ في عِداد المتزوّجات..! في هذا المكان تُقام ما يُعرف عندهم بالحضرة، وعلى أنغام موسيقى الكناوة الشعبية الصّاخبة تهتزّ، وتتمايل معها أجساد النساء من العجائز، والصّبايا، قبل أن يتبرّكن بدماء الذبائح والقرابين لطرد أعمال السّحر، أو إبطال مفعول الثقاف المعقود على أجساد الضحايا البريئات.

على الجانب الأيسر من الشاطئ تنتشر دور الصّفيح، وأكواخ الخشب المختلفة الأشكال والأحجام، وقد وُضعت أحجار ثقيلة على أسطحها، وبعض عجلات المطّاط العتيقة المهترئة تبدو للناظر إليها وكأنها آيلة للسّقوط بفعل هبوب الريّاح القويّة التي تأتي من ناحية البحر، وغيرُ بعيدٍ عن هذه الأكواخ يوجد الحيّ الشعبي الذي يحمل إسمَ دفين الضّريح الوليِّ الصّالحِ “سيدي موسىَ”. عند كلّ مساء يخرجُ السكّان، قبيل غروب الشّمس إلى أبواب أكواخهم ليهيّئوا بعضَ الطعام، وقبالة كلِّ بيتٍ من هذه البيوت القصديرية تتجمّع مجموعات من الأطفال الصّغارشبه حفاة وعراة إلاّ من سترات رثّة، وأردية بسيطة تقيهم لفحاتُ البّحر القارصة، كلّهم تبدو عليهم الفاقة في أحلك وأحطّ صورها، مُعظمهم يصرخ لأسبابٍ أو بدونها، وقبالة هذه البيوت المتواضعة نُشرت بعض الألحفة المهترئة، والملاءات، والحُصُر البالية منذ الصّباح الباكر لتُبعِد عنها أشعّةُ الشمس آثارَ رطوبة اللّيل، وبلله، وبرودته التي تحوِّلُ ليلَ السكّان إلى عذابٍ مقيم .

بعيداً عن البحر تمتدّ بعض المراعي والحقول، التي ظلّت جرداءَ، قاحلةً، يابسة على الرّغم من أنّ الفصل كان ربيعاً..! في بعض جوانبها يرعى قطيع من الحيوانات من معز، وأغنام، ودوابّ بقايا الكلإ، والحشائش الجافة، تبدو هزيلة، نحيلة ومُرهَقة.. وحول جدران أطلال بناءاتٍ بالية مهدّمة تنتشر أسراب من الدجاج، والديوك تنقر الثرىَ بدون انقطاع بحثاً عن حبوب أو ديدان قبل أن تهرع الى اصطبلاتها داخل الأكواخ، من بعيد تبدو بعض الكلاب السّوقية الضّالة تتسكّع، تشمّ الأرضَ، وتحشرُ أنوفَها أسفلَ أجداعَ الأشجار بدون إنقطاع، في عصبيّة وتوتّر وهلع، وعبر الطريق الطويلة الممتدّة نحو السّوق والضريح تمرّ بين الفينة والأخرى بعض العَرَبات المُحمَّلة بأنواعٍ مختلفةٍ من الخُضر، والفواكه الموسميّة، وبعضُ السيّارات، والدرّاجات النارية، والعَجَلات، وبعض المارّة .

هذه الصّورة المتداخلة والمتعدّدة المشاهد، لا يمكنك أن تظفر بها في مختلف أرجاء هذه المدينة البيضاء العتيقة، مدينة الأولياء والصّالحين المحاذية لوادي أبي رقراق إلاّ إذا جلستَ عند مقهى الحاج علاّل، الذي كان محظوظاً في إختيار هذا الموقع حيث نصبَ بعضَ الأخشاب المهترئة ليقيم بها شبهَ مقهى متواضعة يؤمّها بعض المارّة، وعشّاق البّحر، ولكنهم قليلون بالقياس إلى الأكوام البشرية الهائلة التي تقطع الطريقَ الطويلة كلّ يوم بدون إنقطاع منذ شفق الفجر، حتى غسق آخر النهار.

أخذتُ مكاني كالعادة على مقعدٍ مُنحنٍ من المقاعد الخشبيّة القديمة الموجودة عند مدخل المقهى التي غيّرَ أشكالَها البللُ، وكستها رطوبةُ البحرلوناً رماديّاً باهتاً، وأضفتْ عليها شكلاً دامغاً بالياً مهترئاً، فإذا بالحاجّ علاّل يُهرول نحوي هاشّاً باشّاً فى صببٍ يجرّ خطاه فى تثاقل وهو يقول بصوتٍ مبحوح:

– أهلاً بالأستاذ ديالنا. مَرْحْبَا بك فين هاد الغْبُور..شْحَالْ هَادِي مَا شُفناك ..؟

شكرته على ترحيبه بطريقته الخاصّة، وملاطفته، وطلبتُ منه كوباً من القهوة المُرّة الخالية من السكّر أو السّكارين..عاد إلى داخل المقهى يجرّ الخطىَ بتؤدةٍ . الحاج علاّل لم يزر الدّيار المقدّسة، بل إنّه لم يبرح مدينته أو بالأحرى قريته قطّ فى حياته ومع ذلك فإنّ جميع روّاد مقهاه ينادونه ب ” الحاج”، كان رجلاً بديناً، ضخمَ الجسم، يرتدي سروالاً مغربياً تقليدياً أصيلاً ” فضفاضاً يزيد من بدانته، يطلق عليه أهلُ البلد “القندريسة”، وقميصاً مزركشاً سميكاً بالياً رثّاً لا ترتاح العينُ لرؤيته من نسيج المَلف تتوسّطه أعقاد تُسمّيه العامّة ” البدعيّة”، لم أكلّف نفسي عناءَ إقتفاء أصل، أو أثل، أو جِذر هاتيْن الكلمتيْن، فى وجهه بقايا بثور برص قديم، وحول خصره يلتوي شالٌ أحمرُ اللون قانٍ بدأ البلىَ يدبّ فيه يشدّ به فتاقاً يعاني منه منذ زمن بعيد، وتغطّي فروة رأسه قلنسوة في لون شاله تلفّها عمامة بيضاء اللّون يشبك حواشيها بدبّوس عند أعلى القلنسوة، على طريقة لبس أهل الشّام . وأوّل ما تصيب العينُ من هذا الرّجل البدين هو شاربه المعقوف الكثيف الأشيب الذي يحجبُ فمَه الصّغير، كما أنّ حاجبيْه كانا كثّيْن أشيبيْن يكادان يغطّيان عينيْه لولا أنّه يرفعهما نحو الأعلى عندما يتحدّث، ويصعبُ عليك إدراك إذا ما كان الحاج علاّل سعيداً أم حزينا إلاّ من جرّاء حركات رأسه أو ضحكه أو وجومه .

عاد إلى داخل المقهى، وسرواله الفضفاض يجعله يبعد قدميْه عن بعضهما عند المشي وهو يهزّ رأسَه فرحاً جذلاً بمقدمي. لقد تعوّدتُ زيارة هذا المكان لكونه كان دائماً مرتعَ صباي وطفولتي، ومربع سنوات دراستي فى المدرسة الإعدادية الحكومية المجّانية التي لا تبعد عن هذا المكان، ويصعبُ على المرء أن يطرد من ذاكرته بقايَا الماضي، ورواسبَ الطفولة البعيدة، وأشلاءَ الزّمن الغابرالتي تظلُّ عالقةً، لصيقة بأهداب عقله الباطن وماثلةً نصبَ عينيْه إلى أن يُوارىَ التراب.

إنّني لست أحسن حالاً ممّا كنتُ عليه من قبل. حتى ولو أصبحتُ أحمل لقباً أمقته لأنّه لا يمنحني صفتي الحقيقية، ولا يزيد في فتات مرتّبي الشّهري المتواضع حبّة خردل، فأينما حللتُ أو إرتحلتُ أو أقمتُ أجده أمامي، فأنا أستاذ عند الجزّار، أستاذ عند البقّال، أستاذ عند الخُضري، أستاذ عند الحدّاد، أستاذ عند الإسكافي، وأستاذ عند الحاج علاّل، جميع أهل مدينتي الصغيرة يلحقون بي هذه الصّفة، وإن أنا في الواقع إلاّ “مدرّس” بسيط يلّقّنُ الأطفالَ الصّغارَ أبسطَ المبادئ الأولى للكتابة والهجاء.

كان والدي صيّاداً ماهراً، كان ذا قوّةٍ وصبرٍ عجيبين فقدهما مع مرور الزّمن، وتقدّم العمر، وبتأثير رطوبة البّحر، وصقيع الليل، وطول السّهر، وتلك السّجاير الرّخيصة اللعينة القاتلة التي كان يملأ بسمومها رئتيْه بدون انقطاع، ولكنّه، مع ذلك، كان يوفّر لأسرتنا معيشة أكثرَ رخاءً ممّا أوفّره لها أنا اليوم..!

منذ أن توفّيّ والدي أصبحتُ العائل الوحيد لأخواتي الصّبايا الثلاث اللاّئي فاتهنّ قطارالزّواج، ولوالدتي العجوز، ولزوجتي وولدي الوحيد، وحتى ولو إنتقلنا للعيش في مدينة مجاورة لهذا المكان، فإنّه كثيراً ما يحلو لي أن أزوره بين المرّة والمرّة.

حضرَ الحاج علاّل وقطعَ عليّ حبلَ تفكيري بسُعاله الجريح المُحشرج المستمرّ الذي يخيّل لسامعه وكأنّه يُخفي مرضاً فاتكاً بين ثنايا ضلوعه. وضع الفنجانَ على الخشبة المتآكلة الموضوعة أمامي، وهزّ رأسَه معتذراً عن نوبة السّعال التي عاودته وانصرف دون أن ينبس ببنت شفة .

أحسَسْتُ بنوعٍ من الإشمئزاز من القهوة التي حملها إليّ، وتخيّلتُ أنّه أصابها برضاب فمه أثناء السّعال، ولكنّي مع ذلك لم أجد بدّاً من شربها، فصرتُ أحسوها ببطء، وأشعلت سيجارة من نفس الصّنف الرّديئ الذي كان يدخّنه بشراهة والدي، وطفقتُ أسرح بنظري، وفكري، وخيالي هنا وهناك حول تلك الصّخور المُدبّبة، التي حفرها تحاتّ البّحر، ومرور الزّمن بالثقوب، وملأها بالتجاويف والندوب، و تمتدّ على يساري المراعي البئيسة التي كانت يوماً مّا مسرحاً لطفولتي البعيدة، وملاذاً لسعادتي وأفراحي الصغيرة. ودارت بمخيّلتي أشرطة الذكريات، وأنا أهزّ رأسي أسفاً وحسرةً على فقدان تلك الأوقات التي ولّتْ، ومضتْ، وإنقضتْ وليس لها إيّاب. وعلى النقيض من ذلك تولّدتْ في نفسي فجأة سعادة غامرة عابرة دبّت كدبيب النمل في كلّ جسمي، فتناسيتُ قليلاً البيتَ ومشاكلَه، وزوجتي، وولدي، وأخَوَاتي الثلاث، ووالدتي العجوز، ونسيتُ الدّنيا وكلّ ما فوقها وحولها وسرح فكري .

– آه يا والدي العزيز كيف خلّفتَ وراءك ولداً وثلاثَ بنات ؟ ألم تفكّر في المستقبل ..ولكن أنَّىَ لك ذلك..؟ ثمّ إنّ الذنب ليس ذنبك، فليس أقسى عليّ أن أرى هؤلاء البائسات القعيدات، وهنّ يسرعن الخُطىَ كلّ يوم إثنين مُهرولاتٍ لملاحقة عربة من العربات التي تجري حاملة فوقها أكواماً من النساء، والذبائح، والقرابين، من خرفان، وتيُوس، ودواجن، وسوى ذلك من الزّاد والمُؤن إلى هذا الضريح العتيق، لعلّ الحظّ يسهّل عليهنّ أمرَ الزّواج .!

مذ كنتُ صغيراً وأنا أرى ذلك المنظر الذي كنت فيما مضى أومن به إيماناً راسخاً من أعماقي. غير أنّ إيماني به اليوم إندثر وتلاشى كما تتلاشى الرّغاوي المُزبدة للأمواج الهادرة عند انكسارها على الشطّ، حدث ذلك تماماً عندما عايشتُ تجربة أخَوَاتي الثلاث عن كثب اللاّئي أخفقنَ جميعُهنّ في العثور على زوجٍ صالحٍ أو طالحٍ، وهنّ من أكثر الصّبايا إرتياداً لهذا المكان.!.

كانت الأفراح بهذه المنطقة تكتسي صبغة غريبة من الحزن والكآبة، فقد كان محظوراً على السكّان أن يَضحكوا بأصوات عالية مُجلجلة، أو أن يُغنّوا، أو يزغردوا، أو يَرقصوا بتبرّج إحتراماً لقدسية هذا المكان الذي تُقام فيه طقوس غريبة من السّحر، والشعوذة، والدّجل، والخرافات، والغيبيّات، لذا قلّتِ البّسمات فيما بينهم، وملأت الكآبةُ والحزنُ، والوجومُ والشّجنُ والترقّبُ وجوهَ الجميع .

كانت الشمس آيلة نحو المغيب، وبدأ قرصُها الأحمر الذهبيّ يدنو من الأفق البعيد رويداً رويداً، وصار يختفي بين السّحب الداكنة، والغيوم الملبّدة شيئاً فشيئاً، وطفقت بعض البيوت تغلق أبوابَها الصّغيرة، وبدأ عدد الأطفال يقلّ تدريجياً، كما أنّ الأبقار، والمواشي، والدوابّ والدواجن تستعدّ هي الأخرى للعودة إلى إصطبلاتها من حيث أتت.

الكلُّ في حركةٍ دائبةٍ، وفى هرولةٍ وعجلةٍ من أمره، إلاّ أنا فقد خيّل لي في تلك الهنيهة أنّني كنت أستمتعُ بأسعد لحظات عمري. بينما أنا على تلك الحال إذا بموكبٍ لجموعٍ من البشر يتراءى لي من بعيد، فَخِلتُه بحكم العادة أنّه موكبُ إحتفالٍ إمّا بعقيقة، أو إعذار، أوعرس أنهى مراسيمَ التبرّك بأعتاب الضريح الصّالح وهو عائد من حيث أتى. فتسمّرتْ عيناي محدّقتين في ذلك الحشد البشري الهائل القادم نحوي، وجالت الذكريات من جديد بخاطري، فتمثّلت أمامي أيّام الطفولة البريئة، وهنيهات الصّبا الأغرّ، أيّام مَا كنتُ صغيراً أركضُ وراء هذه الجموع الغفيرة لعلّي أظفر في الأخير ببعض الحلوى أو الأكل الذي غالباً ما كان “الكُسكُس”، وصرتُ أرقب الحشدَ عن كثب، وهو يدنو منّي رويداً رويداً، والبسملة لا تفارق شفتيّ . كانت أصواتُ الموكب تنتهي إليّ من بعيد متداخلة، لم يتبيّن لي مدلولها بعد، ووجدتُ نفسي في حالةٍ من الذّهول، لهذه الصّدفة الغريبة التي سأزداد بها متعة لا شكّ، وَاصَلَ الحشدُ مسيرتَه البطيئة في إتّجاهي، وما أن اقترب منّي حتى داهمني صوتٌ جهوريٌّ رهيب أحال إبتسامتي إلى وجوم، وجَذلي إلى خشوع:

– لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله.

كان الجميع يردّدها هذه في رتابة، وفى آلية، ولا مبالاة غريبيْن، كان النعش يتوسّط عربة حصان، وكان الحصان ذميماً هزيلاً، ونحيلاً تعلو عنقه الكدمات، لابدّ أنّه كان حصاناً مريضاً أو عجوزاً، كان يمشي الهُوينى، ويهزّ رأسَه من أعلى إلى أسفل بدون إنقطاع، حول النعش إلتفّ جمعٌ غفير من المُشيّعين، والمقرئيين وقد إتكأوا بلا إكتراث على المَحمل وهم ينظرون إلى الغادي والرّائح مردّدين بشكلٍ آلي ومتوالٍ رتيب نفسَ الكلمة المُرَخّمة المألوفة:

– لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله.

كان الناظر إليهم يحار فيما إذا كانوا حقّا حزانىَ أم لا.. !

تابع الموكبُ طريقه في لامبالاة، ولم يلتفت أحد إلى الموكب الجنائزي، ظلّ الصيّادون في وضعهم السّابق، أصوات السّكارى لم تنقطع عن الوشوشة والعربدة والصياح، ضجيج الأطفال بقي كما كان عليه من الصّراخ والصيّاح، نباح الكلاب لم يهدأ.. حتى الحاج علاّل لم يكفّ عن السّعال وعدم الإكتراث، كنت الوحيد المتتبّع للموكب الذي سيطر على مجامعي، ظللتُ أرمقه بنظري برهةً حتى أصبح بعيداً عنّي، وخفّت أصوات الحشد . ثم غاب عن الأنظار.

لم أفق من سباتي أو غفوتي، إلاّ عندما رَبَتَ الحاج علاّل بيده على كتفي بلطف وهو يقول:

– الأستاذ.، الأستاذ، واشْ نعانستي ولاّ ؟

أدرتُ رأسي نحوه ببطء، فإذا به يبتسمُ لي وهو ينتظر الحساب، ولم أدرِ على وجه التحديد هل كنتُ نائماً حقّاً، أم كنت في حالةِ غفوةٍ، أم صحوةٍ، أم منهمكاً فى أضغاث أحلامٍ، أو سبات، فى ذهول وذعر، إرتبكتُ قليلاً، نهضتُ من مكاني، دفعتُ له الحساب، ثمّ حيّيته وإنصرفت .

في طريق العودة إلى البيت، إلتقيتُ بجموع النّساء الغفيرة العائدات من الضّريح الصّالح إلى بيوتهنّ، وعلامات الغِبطة والجَذل، والإنشراح تملأ وجوهَهنّ بالبِشْر، و الأمَل، والحُبور، بعد أن قمنَ بجميع الطقوس اللاّزمة للغاية التي قَدِمنَ من أجلها إلى هذا المكان، وكلّهنّ شوقٌ، وتطلّعٌ، وترقّبٌ، ورغبة، وإنتظارٌ لما سوف يأتي به الغدُ القريب من أخبار سارّة قد تنبئهنّ بقدوم فوارس الأحلام، وشركاء العمر، وهم يمتطون صَهوات جِيادهم المُسوّمة البيضاء..! عندئذٍ تذكّرتُ أخَواتي البنات الصّبايا الثلاث الحسيرات، الكسيرات، الكسيفات، وأسِفتُ لعدم قدومهنّ اليوم كذلك ليجرّبنَ حَظّهنّ، هنّ الأخريات مرّة أخرى من جديد، بعد أن سبق أن قَدِمْنَ إلى هذا المكان مرّاتٍ، ومرّاتٍ عديدة من قبل دون جدوى…!

الآن، تذكّرتُ، وأيقنتُ أنّه عندما رَبَتَ الحاج علاّل بيده على كتفي، وصحوتُ من غفوتي خُيِّل لي أنني رأيتُ في منامي فيما يراه النائم وقت الظهيرة، أنّ الحشد الجنائزي الهائل المَهيب الذي مرّ أمامي قبل قليل، والذي ذهبَ بدون رِجعة، وإختفى عن الأنظار، لابدّ ولا جَرَمَ أنّه كان يحملُ معه داخلَ النعش كومة التقاليد البالية السّائدة، أو رزمة العوائد المتوارثة العتيقة لتُوارىَ التراب .؟! ..كانت بقايا أصداء أصواته الرّهيبة، المُبهمة، والغامضة ما زالت تزدحمُ، وتتفاقمُ، وتتلاطمُ بداخلي في عنفٍ وزخمٍ، وتملأ أسماعي وأعماقي بنفس تلك النّبرة الحزينة، القويّة، الحادّة، المؤثّرة، والمتواترة، والرتيبة الرّهيبة إيّاها.

***

د. محمّد محمّد الخطّابي - أدييب مغربي

 

لو كان الحبُّ بحجم الوَعدْ

وكحجم هداياكِ

والوردْ

وكجَرْيِ الدّمعِ

وعُمر اللّيلِ

وسرِّ الغَيمِ

ونارِ البُعدْ

لو كانَ الحبُّ بحجمِ الوَعدْ...

**

لو كانَ الحبُّ بحجمِ الوَعدْ

وكَطَعمِ القُبلةِ فوق الخَدْ

وكَلمعِ البَرقِ

وَجَرفِ الشَّوقِ

ودفءَ الضّمّةِ لحظةَ بردْ

لو كانَ الحبُّ بحجمِ الوَعدْ

وَكجمر اللّوعةِ لحظةَ حُبْ

كَهَمسِ الرّوحِ وخَفْقِ القلبْ

لو كان كما عند لقاءٍ

يضربُنا الرّعدْ

ما كنتِ بَكَيتِ الأيّامَا

واللّيلُ طواها الأحلامَا

مِنْ قَبلِ الغَدْ...

ما كان سَيَكوينا نَدَمٌ

وَسَتَحْرِقُنا نيرانُ الوَجْدْ

لو كانَ الحبُّ بحجمِ الوَعدْ...

**

لو كانَ الحبُّ بحجمِ الوَعدْ

وَكَسِحرِ الرّمشِ

وَبَوحِ النّهدْ

وَكَرحْلَةِ حُبٍّ تمشيها

ما فوقَ الجَسَدِ الملهوفِ

شَفَتي واليَدْ

آهٍ يا قاتلتي منكِ

لو كانَ الحبُّ بحجمِ الوَعدْ

***

د. نسيم عاطف الأسديّ

في كل صباح، تصل نسرين الى موقف الحافلات قبل الجميع، لا لأنها على عجل، بل لأنها اعتادت أن تسبق الزمن بخطوة، وكأنها تبحث عن لحظة صافية قبل زحام اليوم.

تركب الحافلة رقم 18، وتتجه مباشرة الى مقعدها الثابت، قرب النافذة. من هناك تراقب الحياة وهي تمضي خارج الزجاج، مشاهد صامتة تتكرر دون ان تصيبها بالملل. بل كانت ترتاح لذلك التكرار.

خمسة أعوام مرت على غياب زوجها، دون موت مؤكد، ولا خبر. حرب أخذته ولم تعده.

في البداية، كانت تتشبث بالأمل، ثم صارت تتشبث بالصمت، ومن ثم اعتادت على انتظار لا يحمل رجعة.

ذات صباح بارد، حين كانت تتابع بعينها ما وراء زجاج النافذة، صعد رجل في خريف العمر الى الحافلة. مظهره بسيط، كان يحمل ملامح رجل أنهكته الحياة دون أن تهزمه.

جلس امامها، لم ينظر اليها، بل الى الخارج.

في البداية لم تنتبه اليه الا كغريب جديد، لكنها لاحظت وبدافع الفضول انه لا ينظر الى الركاب، ولا مهتماَ بما يجري داخل الحافلة، بل ينظر بصمت الى خارج الحافلة.

مر اسبوع، ثم آخر، والرجل يظهر دائماَ في التوقيت ذاته .

لم يتكلما، ولكن لم يعد بالنسبة اليها غريباَ كما كان. كان هناك شيء بينهما، شيء لا يُرى ولا يفسر.

و ذات يوم، حين توقفت الحافلة فجأة، تمايل جسداهما في اتجاه واحد، وتلاقى نظرهما في ومضة خاطفة. نظرة واحدة فقط، لكنها كانت مثل نسمة ناعمة مرت على صفحة ماء راكد.

كانا يتحدثان بين حين وآخر وفي كل يوم بلغة تفهما القلوب، دون كلمات.

حل الشتاء، وتحولت الأحاديث من العيون الى صمت مشترك له مذاق غريب، صمت يقال فيه ما لا يقال.

صارت الحافلة بالنسبة لها موعداَ يومياَ، مع احتمال جديد، مع شخص يعيد ترتيب أنفاسها.

في أحد الصباحات، صعدت لتجده جالساَ يسبقها. حين جلست التفت نحوها وقال لاول مرة بصوت خفيض: - " الحافلة بدونك تصبح باردة ".

كانت جملة عادية، لكنها أربكت نبضها، وأحست بشيء يتحرك في صدرها، شيء يشبه الحياة.

في صباح آخر، أخرج من معطفه ورقة صغيرة، طويت بعناية، ومدها اليها بصمت.

فتحتها بتردد وقرأت: " أنا لا أعرفك، لكن قلبي يذكرك ".

ارتبكت، لم ترد. لكنها احتفظت بالورقة، كمن يخفي شيئاَ ممنوعاَ.

مضت الأيام، وبدأت الأبتسامة تزور عينيها في الصباح،  وأصبح للأيام نكهة أخرى.

صار يحمل غصن ياسمين أحياناَ ويضعه قرب مقعدها دون أن يتكلم. وصارت حين تنزل من الحافلة، تشعر بأن شيئاَ خفيفاَ يتبعها.. كالحنين، أو الود دون موعد.

 غاب عن الحافلة يوماَ. شعرت بأرتجافة باردة، كأن الغياب يعيد نفسه من جديد. جلست مكانها، لكن العالم بات باهتاَ، شيء ما قد فُقد.

في اليوم التالي، انتظرته، ولم يأت. وفي الثالث، صعد فجأة من باب الحافلة الخلفي، اقترب منها وهمس: " اردتُ أن أراك حين لا تتوقعينني، لأتأكد أنك تنتظرينني فعلاَ ".

كانت الكلمات مثل الدفء يفكك طبقات الجليد. ابتسمت. لم تتكلم.

مرت أيام، وذات صباح، كانت الحافلة تقترب من محطتها الأخيرة، كان هو واقفاَ عند الباب، يحمل غصن ياسمين، مده نحوها بهدوء، بلا وعود، ولكن بشيء من الأطمئنان.

شعرت أن قلبها يطرق صدرها. نهظت ببطء وسارت نحوه، وخرجت معه. لم يكن ذلك نزولاَ من الحافلة، بل صعوداَ الى شيء جديد، ربما الى بداية تأخرت. وادركت ان الحب لا يعود كما كان، بل يعود أجمل مما كان.

***

قصة قصيرة: د. مامند محمد قادر

شاعر وقاص عراقي كوردي

 

تعانق نسيمات الصباح خصلات شعرها الأشيب الذي يحمل قصصا من ماضيها الذي لا تود ان تبوح به لأقرب الناس اليها.

كعادتها تجلس قبالة باب الدار فربما يزورها أحدهم تنتظر دون ملل مرتمية فوق كرسيها الخشبي المتهالك تحت شجيرة الياسمين. وبعد ان يخذلها الانتظار تعود الى غرفتها صامتة تجر أطراف شالها الأخضر بلون أمانيها.. وهمسات الحنين تسكن أضلاعها.

تمسك ست وداد قلما ودفترا وتكتب بسرية تامة دون ان تسمح لأحداهن ان تعرف شيئا عن مذكراتها أو ربما تكتب قصة حياتها في دفتر كأنه سجل مدرسي لونه يميل للرمادي الغامق انه يذكرها بسجلاتها المدرسية قبل احالتها على التقاعد.

عشرون عاما واسمها يتصدر لوائح مديرية التربية كأفضل مديرة مدرسة في تلك المدينة اضافة لكونها ربة أسرة وأم لثلاثة أبناء ذكور. وها هم اليوم رجال ملتحون.

أستشهد زوجها في حرب الثمان سنوات. ولن يثنيها هذا عن دورها كأم مكافحة في بيتها ومربية ناجحة في مدرستها.

متوسطة القامة ومكتنزة قليلا لكن ملامحها تنبؤ بما كانت تتمتع به من جمال في سالف أيامها. وما زالت شديدة الاهتمام بملبسها واناقتها التي عرفت عنها دائما الست وداد.

الظروف وضعتها هنا رغما عنها. وهي تتأبط سجلها وصندوق يحمل كل ذكرياتها وسرها الذي لا يعرفه سواها. كانت تكتب رسائلها التي لا ترسل، ولا زالت تتذكر صوته حين قال لها: ان ضاعت الأيام فلا تدعي الحب ان يضيع.. انتظريني سأعود، لكنه لم يعد وبقيت هي كما وعدته تنتظر.. وكل ما تملكه هو صوته في آخر لقاء ونظرة طويلة بدرت منه قالت كل شيء وكأنه تنبأ لفراقهم الأبدي. لم تنسَ ذلك اليوم ولكن عقلها الباطن يرفض مسألة موته في جبهة القتال وضياع جثته بين الوديان. ولتبقى تنتظر من لا يعود.

كان الجميع يحترمون رغبتها في الانعزال والصمت الذي ينهش عزلتها.. وحنينها الجارف لأبنائها الثلاثة الذين ربتهم بدور الأم والأب. لقد انشغلوا عنها تماما. لم يزرها أحدهم منذ أمد بعيد وكل ما تبقى منهم ورقة معلقة فوق جدار سريرها: اتصلي بنا عند الضرورة.

اثنتان كن يشاطرنها سكن غرفتها في دار المسنين

كانت احداهن مولعة بمتابعة المسلسلات من خلال جهاز التلفاز في قاعة الدار.وكانت تتفاعل بشدة مع احداث القصص وتذرف دموعها من اجل البطل أو البطلة.. لذا يكون تواجدها نادرا.

اما السيدة الثانية فكانت تشغل جلّ وقتها بقراءة الكف لبقية النزيلات وهي شديدة التعلق بهذه الهواية. لكنها ثرثارة قليلا

سألتها ذات مساء لماذا لم تتزوجي بعده.. ؟؟ تضحك الست وداد بهدوء وهي تقول: انا متزوجة من الانتظار.. وفاء لزوجي فربما يعود لي ذات يوم.

اذن وماذا تكتبين ولمن.. ؟؟

أخذت الست وداد شهيقا طويلا ثم الزفير بعده وببطء ايضا.

ثم قالت: أكتب له.. ربما يقرأه ان عاد ويشعر انني كنت هنا وكنت اتذكره ولن انساه يوما واني بقيت أحبه رغم كل هذا الغياب. انه لا يكذب حين قال لي انتظريني..

كانت الأيام في دار المسنين تمر ببطء ولوعة. والوقت لا يقاس هناك بالساعات والأيام بل بعدد مرات شهيقها وزفيرها وبعدد زيارات ابناءها التي لم تتحقق أبدا.

وذات ليلة تموزية شديدة الحرارة شعرت الست وداد بدوار شديد مع ارتفاع درجة حرارة جسدها وعدم تقبلها لوجبة العشاء وكذلك لوجبة فطورها الصباحي في اليوم التالي. وهذه الحالة لا تشبه نشاطها اليومي المعتاد، نقلت على أثرها للمشفى.

طلب منها الطبيب ان لا تغادر المشفى تحسبا لأي عارض.

ولكن في اليوم الثاني ازدادت حالتها سوء وأخذت تهذي مع ارتفاع شديد بدرجة حرارة جسدها.وقبل ان تغمض عينيها طلبت من الممرضة ان تحتفظ بدفترها وتعطيه لولدها البكر ان حضر.

اتصلت مسؤولة الدار على رقم ولدها البكر. وقد تأخر كثيرا في الحضور للمشفى لكنه جاء أخيرا ليستلم جثتها مسجاة داخل ثلاجة المشفى.

بقي المقعد الخشبي خاليا في دار المسنين والدفتر بين يدي ولدها البكر والياسمين مازال يتساقط بصمت فوق شاهدة قبرها كأنه يعرف تماما ان هنا يرقد قلب أحب بصمت ورحل بصمت.

تنقل ولدها البكر بين صفحات الدفتر ليجد رسائلها الموجهة له ولأخويه. كتبتها بحنان الأم ولوعة المشتاق.

.. أثارت شجونه هذه العبارة في أول ورقة بالدفتر وأول سطر فيها أولادي: سامحوني ان أثقلت عليكم في طفولتكم فقد كنت أما وحيدة ومرتبكة ومسؤوليتكم كانت ثقيلة فوق أكتافي.. ربما كنتم تكرهون عصبيتي أحيانا. لكنني أحبكم يا أغلى الناس.

تساقطت دموعه فوق السطور.. لكنها تساقطت في الوقت الخطأ

***

قصة قصيرة: سنية عبد عون رشو

1 / 6 / 2025

 

مُـسـتَـنـفِـرًا شـوقَ الـضـريـرِ الـى الـضـيـاءِ:

نـهـضـتُ قـبـلَ صـيـاحِ دِيـكِ الـفـجـرِ

يَـمَّـمـتُ الـخـطـى نـحـو الـرصـافـةِ

حـيـثُ مِـعـراجـي الـى مـقـهـى "رضـا عـلـوانَ"(1)

أسـرى بـيْ فـؤادٌ نـبـضُـهُ مـاءٌ ونـارْ

**

شَـمَّـرتُ عـن مُـقـلـي أفـتـشُ فـي الـوجـوهِ

الـوقـتُ مـن حَـجَـرٍ

أحَـشِّـمُ سـاعـتـي أنْ تـسـتـحِـثَّ خـطـى عـقـاربِـهـا

لِـيَـنـتَـصِـفَ الـنـهـارْ

**

فـأريـحَ ظـهـري

مـن صـخـورِ الانتظار

**

بـمـجـيء "إيـنـانـا"(2)

لِـتـنـسـجَ لـيْ

قـمـيـصـاً مـن زهـورِ الـجـلّـنـارْ

**

لِـيـعـودَ ثـانـيـةً كـمـا فـي الأمـسِ " أنـكـيـدو "..

يـعـودُ فـتـىً يُـسـامِـرُ فـي الـدجـى الـبـدرَ الـتـمـامَ

ويـقـتـفـي أثـرَ الـغـزالـةِ فـي الـنـهـارْ

**

الـوقـتُ مـن جـمـرٍ

ومـا بـيـنـي وبـيـن الـنـهـرِ وادٍ غـيـر ذي زرعٍ(3)

أحَـشِّـمُ وردةَ الـكـرَزِ الـخـرافـيِّ الـنـدى

أنْ تـسـتـقـي لـلـسـومـريِّ الـجـائِـعِ الـعـطـشـانِ

كـأسـًا مـن زفـيـرِ الـزعـفـرانِ

وصـحـنَ ريـحـانٍ

وظِـلّاً لـلـغـريـب الـسـومـريِّ الـجـائـعِ الـعـطـشـانِ

يـبـحـثُ عـن مـلاذٍ فـي الـقـفـارْ

**

ويُـطـيـلُ تـحـديـقـًا بـنـهـر أنـوثـةٍ

فـي لـوحـةٍ زيـتـيَّـةٍ قُـزَحـيَّـةِ الألـوانِ

فـي وسَـطَ الـجِـدارْ

**

الـوقـتُ مـن صـابٍ (4)

ومـا بـيـنـي وبـيـن الـشـهـدِ بـعـضُ خُـطـىً

أقـلُّ مـن الـمـسـافـةِ بـيـن خـاتـمـهـا وزيـقِ قـمـيـصِـهـا (5)

أو

بـيـن مِـعـصـمِـهـا الـطـريِّ كـمـا الـسـفـرجَـلُ

والـسـوارْ

**

الـوقـتُ مـن ٍ شــوكٍ كـبـاديـةِ الـسـمـاوةِ

قـائـظٌ..

وأنـا حـبـيـسُ الـوجـدِ

شـيـخٌ طـاعـنٌ فـي الـعـشـقِ

فـي مقـهـى " رضـا عـلـوانَ "

يـرقـبُ هـدهـدَ الـبـشـرى يُـطِـلُّ عـلـيـهِ بـالـنـبـإ الـيـقـيـنِ

لـيـدخُـلَ الـفـردوسَ طِـفـلاً جـاوزَ الـسـبـعـيـنَ

فـي كـهـفِ الـصـبـابـةِ لا يـزورُ

ولا يُـزارْ

**

لِـتُـعـيـدَ تـرتـيـبَ الـحـكـايـا " شـهـرزادُ "

فـيـسـتـحـيـلُ الـسـومـريُّ الـى الـمـؤرَّقِ

" شـهـريـارْ "

**

جــاء الـضـحـى

والـمـوعـدُ الـورديُّ مُـنـتـصـفَ الـنـهـارْ

**

الـوقـتُ مـن سَـمـكٍ وخُـبـزٍ عـنـدَ دجـلـةَ

كـيـفَ مَـرَّ الـوقـتُ عـصـفـورًا رأى نـسـرًا

فـطـارْ ؟

**

يـمَّـمـتُ وجـهـي نـحـو بـيـتـي فـي الـسـمـاوةِ

عـدتُ شـيـخـًا جـاوز الـسـبـعـيـنَ

مُـنـطـفـئ الـخـطـى

وحـدي

أُنـادِمُ ذكـريـاتـي

لا أزورُ ولا أُزارْ

***

يحيى السماوي

بغداد / الجمعة 20/6/2025

.........................

(1) مقهى رضا علوان: إحدى مقاهي بغداد الشهيرة، تشتهر بتقديم أنواع القهوة، غالبية مرتاديها من الأدباء والفنانين.

(2) أينانا: إلهة الحب والجمال والخصوبة والجنس والحرب والعدالة في ملحمة كلكامش

(2) (3) إشارة الى قوله تعالى في سورة إبراهيم: ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم..)

(4) الصاب: نوع من النباتات المزهرة عصيرها شديد المرارة.

(5) الزيق: ياقة القميص أو ما يحيط العنق من الثوب.

ما زِلْتَ تَهوي

كَأَنَّكَ تَعتَنِقُ فَراغاً يُشبِهُكَ

تُرَبِّتُ على لَهفَةٍ

خانَهَا الضَّوءُ

فَأَورَقَتْ في حَطَبِ العارِ

هَل أَنتَ

مَن جَرَّدَ المَجازَ مِن أَقمِشَتِهِ!

وَرَاقَصَ الحُرُوفَ على مَائِدَةٍ مِن زَيفٍ؟

هَل وَثِقتَ بِوَجهِ اللُّغَةِ

حَتَّى غَدَرَتْ بِكَ

في مُنتَصَفِ الاِنكِشَافِ؟

أَنا الَّتي

لَم تَنعَطِفْ في رِيحِكَ

لَم تَستَجْدِ ظِلاً

أَنا الَّتي تُحاكِي السَّمَاءَ

وَلا تُبَالِي بِمَا يُقَالُ

مِن أَينَ لَكَ

أَن تَمسَّ الجِهَاتِ كُلَّهَا

وَلا تَسقُطَ؟

مِن أَينَ لِفَمِكَ هَذَا

أَن يَقطُرَ صِدقاً

في قَفَصٍ لا يَرَى غَيرَ ذَاتِهِ؟

حِينَ جِئتَ

كُنتَ تَحمِلُ صَدىً

نَسِيتَ أَن تَخلُقَ لَهُ صَوتاً

كُنتُ أَنا:

الَّتي نَفَضَت الرَّملَ عَن صَمِيمِ المَعنَى

وَلَم تَكتُبْكَ

كَفَى

فَأَنا الحَرفُ الَّذي لا يُعَادُ

صَوتِي كَسرٌ لا يُرَدُّ

وَجَمرٌ مُشتَعِلٌ

لَهِيبِي لا يَنحَنِي أَمَامَ ظِلٍّ لا يُرَى

وَيَحمِلُ مِنَ الصَّمتِ رَنِينَ الأَبَدِ

مَا عَلَا فِيَّ

لَهَبٌ لا يُسأَلُ عَن وَجعِهِ

وَلا يُروَى بِحَكَايا الوَدَاعِ

أَمَّا اللِّقَاءُ

فَهُوَ طَيفٌ رَحَلَ قَبلَ أَن يُولَدَ

***

مرشدة جاويش

 

قالتْ: تَأخَّر، قلتُ: يأتي

لا تَقلقي، يا أُمَّ بيتي

*

قالتْ: أما زالَ الرجاءُ؟

أما سمعتَ نَشيجَ صَوت

*

قالتْ: أما آنَ الرُّجوعُ؟

أما أتى في لَيلِ صمتي؟

*

قالتْ: مضى، والريحُ تُطفئ

شمعةً في ركنِ كبتِ

*

قلتُ: الغيابُ وإن تطاول

لا يُغيِّرُ لون سمتي

*

قالتْ: أراهُ إذا جلسنا

فوقَ رَحلِ الحزنِ يأتي

*

قلتُ: العيونُ تراهُ شوقًا

في المدى، في كلِّ لفتِ

*

قالتْ: أُداري الدمعَ لكنْ

يُنذرُ الآهاتِ صمتي

*

قلتُ: المعادُ يضمنا

في دهشةٍ قد تُحي سكتي

*

قالتْ: ولكنّي فقَدتُ

النبضَ من صمتي ولفتي

*

قلتُ: الحبيبُ، وإن تَوارى

لم يَغب عن فجر سبت

*

قالتْ: دَعوتُ اللهَ لَيلًا

أن يَرد الموت موتي

*

قلتُ: اصبري، فالرُّوحُ لا

تَفنى،ستنبضُ بعد صَّمتِ

*

قالتْ: أحنُّ إلى خُطاهُ

كأنَّهُ في باب بيتي

*

قالتْ: فقل لي هل ترى

ام في ليالي الصبر عنتي

*

قلتُ: "الخُطى، إن طالَ دربٌ،

يَبلغُ الوادي بثَبتِ

***

د. جاسم الخالدي

في الساعة الخامسة صباحاً رنٌ الهاتف، كان رقماً لا يعرفه، وصوتاً بلا ملامح.

- السيد كريم؟

- نعم، من المتحدث؟

- تم اختيارك، انت البديل.

- عن من؟

- ستعرف حين تبدأ.

ثم انقطع الخط.

في الساعة السابعة وُضعت امام باب شقته حقيبة، بداخلها /

* مفتاح

* بطاقة هوية باسم (رائد كمال)

* ورقة كُتب عليها:

برنامج اليوم /

06:47 - الاستيقاظ

07:15 - فنجان قهوة

08:00 - الخروج بصمت

08:35 - الجلوس على المقعد السادس في الحديقة العامة

09:00 - الأبتسام للكلب رقم 4

لم يفهم، لكنه نفذ.

في اليوم الاول، مشى كما طُلب منه، لم يحدث شيء.

في اليوم الثاني، تكرر كل شيء بنفس الطريقة، بنفس الاشخاص، ونفس الكلب.

كلب بني صغير، يعبر الحديقة، يقترب من المقعد السادس، ثم ينظر اليه لثانية ويمضي.

في اليوم الثالث، سمع رجلين يتحدثان خلفه:

- هل هذا هو البديل الجديد؟

- يبدو انه التزم جيداً.

- أفضل من الذي قبله، ذلك الذي كان يسأل كثيراً.

اراد ان يلتفت اليهما، لكن جسده لم يتحرك. لم يعرف لماذا.

مرت الايام...

الورقة تجدد كل صباح، الجدول يصبح اطول:

* زيارة قصيرة لمحل النظارات دون شراء شيء.

* ترك مظروف فارغ على مقعد خشبي.

* النظر الى المرآة لمدة 40 دقيقة.

في احد الايام، حاول ان يسأل المرأة في مقهى صغير عن شيء، فأبتسمت وقالت:

البديل لا يتحدث الُا اذا طُلب منه.

ثم في صباح احد الايام، جلس على المقعد السادس كعادته، فوجد رجلاً يجلس هناك قبله. يشبهه كثيراً، يرتدي نفس المعطف، ويحمل نفس الورقة.

قال الرجل دون ان ينظر اليه:

- لقد كنتَ جيداً.

- من انت؟

- انا البديل الجديد.

و قبل ان يرد، رن هاتفه، نفس الرقم، نفس الصوت:

- شكراً. لقد تم استبدالك.

- لكن، من كنتُ؟

- لا احد، فقط بديل.

عاد الى شقته، فوجد الباب لا يُفتح بالمفتاح. والبطاقة لا تطابق صورته. وجهه في المرآة بدا غريباً.

حاول الاتصال باي شخص، فلم يجد رقمه مسجلاً في أي مكان.

و في المساء، جلس في الحديقة، على المقعد السادس، راقب مرور الكلاب، دون ان يعرف ايها كان رقم 4.

***

قصة قصيرة: د. مامند محمد قادر

 شاعر وقاص عراقي كوردي

 

هذه أول سطوري أكتبها لك بعد صيامي الكتابي منذ قرابة ثلاثين يوماً منذ آخر رسالة بعثتها لك.. لا تتخيل من أين أحدثك الآن؟ أحاول أن أرسل لك أكثر من الكلمات وأعمق من أبجدية اللغة.. أحاول أن أجعلك تسير معي في هذه الطريق الفاصل بين الشمال والجنوب، وأن أنقل لك بمداد قلم كيف تكتب هذه الأفواج العائدة ملحمة تاريخية لا تتسع لوصفها سطور... أنا الآن أسير مع الألف العائدين من منتصف قطاع غزة وجنوبه إلى الشمال عبر شارع صلاح الدين لا تتصور هذا النهر العائد من الناس أحاول أن ألصق تعابير وجوههم ونبض حديثهم على شفافية الورق الأبيض، وأرسله لك.. سوف أسرد لك هذه التفاصيل الكثيرة التي أعيشها مع هذه الجموع في رسالتي التالية، ورغم كل شيء لا تزال متشبثة بالأرض والتراب والضوء....

أعلم ما الذي ترغب أن تسألني عنه الآن، وأكاد أجزم بأنك أمطرت رسائلك به، وهو ماذا بقي لي هنا؟، وهل سوف ألملم ما بقي لي من أشلاء نفسي، وأبحث لي عن وطن؟

لن أنتظر حتى أصل إلى بيتي إن كان لا يزال هناك حتى أجيبك فأنا الآن أكتب لك، ونحن نسير منذ الشروق الأول للشمس، وحتى الآن...

كل شيء يقول لي: ماذا بقي لك هنا بعد أن سكت صوت الحياة؟! بعد أن شاخت ملامح وجهي تحت سماء مدينة مندثرة ماذا بقي لي هنا؟! ماذا سوف أفعل في وطن بعد أن إنطفئ فيه كل شيء، وإنحنى ظهري بين جدرانه..

حتى إنني سمعت طنين من خلف المحيط يقول لي: سوف أجد لك وطن آخر فقط أحمل حقيبتك وغادر....

من أين لي بحقيبة تتسع لجواز سفري وذكرياتي وبيتي وسنوات عمري؟! إنني لا أريد أرض برفاهية عيش لا تشبه أرضي ولا سماء صافية زرقاء غير سماء مدينتي الملبدة بغيم ودخان كما يعتقد الآخرون، وإنما أريد أن أكمل ما بقي لي من عمر في وطن يعكس ملامحي، وهويتي، ودمي...

أتوسد بيتي وعطري برائحة تراب.

***

مريم الشكيلية / سلطنة عمان.....

في ليلة شتوية باردة، حيث تتلألأ أضواء سوق عيد الميلاد وسط صقيع الزمن، قرأت آنّا في أحد مواقع التواصل الاجتماعي خبراً مفجعاً: "وفاة عازف الكمان الذي وُجد متجمّداً تحت ضوء القمر والثلوج. كان اسمه أورلوف مولر، خريج جامعة برلين للفنون عام ١٩٦٢، وعازف كمان موهوب في ألمانيا الشرقية. تألّق في فرقة الإذاعة، ثم في أوركسترا الفلهارموني الوطنية. عندما عُيّن في عمر الخامسة والأربعين مدرّساً للموسيقى في قرية قرب ليبزغ، التقى بآنّا هوفمان…".

كانت آنّا فتاةً رقيقة، بشرتها بيضاء وعيناها زرقاوان تحملان براءةً تخفي روحاً متمرّدة. كان صوتها ساحراً، والغناء شغفها الحقيقي، فُتِن بها أورلوف، فشجّعها ووضع بين يديها ألحانه الرقيقة... "هناك صدقٌ في صوتكِ، آنّا، صدقٌ لا يُعلّم؛ لكنه حقيقي كضوء الفجر. هل تعرفين أن الصوت أحيانا يكون أبلغ من أيّ فكرةٍ نحاول التعبير عنها؟"، قال أورلوف وهو ينظر إليها بعينين تحملان ثقل سنوات من الإبداع المكبوت. أجابت آنّا بخجل، "لكنني ما زلت أتعلم، وأخطئ كثيراً.". ابتسم أورلوف بحنان وقال: "الأخطاء هي التي تمنح النغمة صدقها. الصوت الذي يفتنّ بكماله يُنسى، أما الصوت الذي يلامس القلب فيبقى."

كان يرى فيها أكثر من مغنيةٍ؛ كانت ملهمته وحبيبته. "آنّا، عندما تغنين، يخرج لحنٌ يتسلل إلى أعماق الروح؛ لا تدعي أحداً يسرق منكِ هذا النور... الفنّ هو نافذة الروح على الحرية".  في تلك اللحظة، لم يكونا مجرّد معلّم وتلميذة؛ كان هناك شيءٌ يشبه الوعد بأن شيئاً جميلًا سيولد من هذا اللقاء.

صار اسم آنّا مرتبطاً باسم أورلوف في المهرجانات والإذاعات المحلية، بل أصبح اسمها مشهوراً، واكتفى أورلوف بنجاحها الذي يحمل صدى ألحانه. في مهرجانٍ وطنيٍّ بتمويلٍ حزبيّ، طُلب من موسيقيي الدولة تلحين نشيد الافتتاح. رآها أورلوف فرصةً لآنّا، فصنع لحناً أوركسترالياً مهيباً، غنّته آنّا ببراعة، انتشر النشيد في الإذاعات والمقاطعات الأخرى؛ لكن في تلك الأيام الرمادية، حيث كانت السلطة تراقب كلّ شيء، جاء مندوبٌ حكوميٌّ ليأخذ الأغنية. "اللحن اختير ليُعزف في مؤتمر الحزب أمام قادة الدول الصديقة، والأغنية ستُصبح جزءاً من الأوركسترا الوطنية؛ سيتمّ تسجيلها رسمياً، لكن بصوت مغنّيةٍ أخرى. إنه أمرٌ مهمٌّ للوطن.". الكلمات كانت جافةً كرمادٍ يتساقط بلا وزن؛ لكنها تركت أثراً ثقيلاً على أورلوف. شعر بخيبةٍ مريرة: “لحني صار شعاراً لهم، دعايةً للحزب. أما أنا، فلست سوى شبح".  قالت له بهمساتٍ ممزوجةٍ بالمرارة والألم: "كيف يُمكن لقلوبنا أن تخفق في زمنٍ يخضع فيه الإبداع للأوامر؟"، ابتلع أورلوف مرارته: “هذا نظامهم، آنّا. نحن مجرّد أدوات، لا أسماء.” ردّت آنّا بحدة: “كيف يأخذون لحنك ويتركوننا في الظل؟ صوتي هو الذي جعل النشيد يعيش!”.  تلك اللحظات كانت بمثابة بذرة تمرّدٍ في قلب آنّا، بذرة طالما نادت بالحقّ في الوجود والتعبير... " لن أبقى أداةً! سأغنّي للعالم، سأكون آنّا التي يعرفها الجميع!". لم تجد آنّا مفرّاً من قيود النظام حين بدأت أنفاس الحرية تهمس بطرق الخروج إلى العالم. "الغرب ليس كما تظنين. سيأخذون صوتك؛ لكنّهم لن يروا آنّا، الإنسانة... التي أحبّها." قال لها أورلوف حين صارحته بقرا رها. "أفضل أن أخسر صوتي وأنا أحاول، على أن أبقى سجينةً هنا. سأجعل العالم يسمعني"، ردّت آنّا بعناد.

 سلكت طرقاً خطرةً نحو ألمانيا الغربية، تأمل في عالمٍ يتغنى بالحرية ويزداد فيه بريق الإبداع. رافقها أورلوف مقهوراً، تركا وراءهما كلّ ما يعرفانه، حاملين القليل من المال والكثير من الأحلام المثقلة بالوجع. كان الانتقال إلى ألمانيا الغربية أشبه بالقفز في هاويةٍ مجهولةٍ، أخطرها هو الخوف من إعادتهما إلى ألمانيا الشرقية، وتسليمهما لجهاز الشرطة السرية؛ لكنّ الحلم كان أكثر توهّجاً من كل الحسابات الأخرى.

في الأشهر الأولى، عملا ما بوسعهما للبقاء واقفين على أقدامهما؛ كان أورلوف يعزف في الشوارع وفي زوايا الأسواق، يأمل أن يلتفت أحدٌ ما إلى موهبته. أما آنّا، فقد حاولت الحصول على فرصٍ لأداء أغانيها، لكنها لم تكن تملك سوى صوتها ونغماته النقيّة، في عالمٍ يبحث عن الأسماء الكبيرة والإبهار.

بعد أشهرٍ من الرفض والإحباط، تلقّت عرضاً من أحد المتعهدين الصاعدين لتوقيع عقدٍ يتيح لها تسجيل أغنيةٍ جديدة؛ لكنّ الشروط كانت ثقيلة؛ كلمات الأغنية اختيرت بعناية لتكون "رائجة"، ولحنها كان بعيداً عن الألحان التي اعتادت عليها. في الشقّة الصغيرة المليئة بالنوتات المبعثرة، ينظر إليها أورلوف بصمت للحظات، ثم يتحدث بصوت هادئ: "آنا، العالم سيطلب منكِ دائماً أن تغيّري لونكِ. إذا كنتِ تؤمنين أن هذا هو المدخل للطريق، فلا بأس... لكن لا تنسي من أين بدأنا."

لاقت الأغنية رواجاً.  وقّعت آنّا عقداً، مع المتعهد، للغناء في مطعمٍ شهير. توقيع العقد كان لحظةً مزدوجة؛ بدا وكأنه انتصارٌ بعد شهورٍ من الفقر والتهميش، لكنه، أيضاً، كان بدايةً لفصلٍ جديدٍ من التحديات الداخلية. كان أورلوف وآنّا يعتمدان على بعضهما في مواجهة عالمٍ يبدو لامعاً من الخارج؛ لكن، بدآ يشعران بأنه، في داخله، باردٌ، ومزدحمٌ بالأضواء التي تحجب الدفء الإنساني؛ آنّا تغني تحت دائرة الضوء، بينما جلس أورلوف في الخلفية، يرافقها على كمانه؛ يضع لها ألحاناً لأغنياتٍ جديدة، ويراقب، بصمتٍ، وهي تزداد شهرةً، متسائلًا عما إذا كانت هذه هي الحرية التي سعيا إليها. كانت ألحانه تناسب الأمسيات الهادئة في نهاية الأسبوع، بعد أن يكون (الزبائن) قد ارتاحوا وشبعوا وانتشوا. حقّقا نجاحاً جيداً، وصار للمطعم روادٌ جدد، يأتون من أجل عشاءٍ هادئٍ على أنغام أغنياتهما.

بدأت آنّا تنال الشهرة، وبدأت الصحافة تكتب عن "المطربة الهاربة من قيود الاستبداد الشيوعي"، والعقود تتوالى عليها. غير أن الشهرة لم تكن بالبساطة التي تخيلتها؛ فقد تحوّلت موهبتها، التي كانت تمثّل رمزاً للحرية، إلى سلعة تُستنزف لملاحقة الأرباح؛ زخم الجدول المرهق وفقدانها السيطرة على اختياراتها الموسيقية جعلاها تشعر وكأنها تُستهلك يوماً بعد يوم

أما أورلوف، الذي رأى آنّا تتغير أمام عينيه، فقد اختلطت مشاعره بين الفخر بما حققته والحزن لما فقدته. لقد تحوّل صوتها العذب، الذي أسر قلبه يوماً، إلى أداةٍ لتحقيق مكاسب مادية، بينما ألحانه القديمة بدأت تضيع وسط ضجيج الإيقاعات الحديثة والآلات الإلكترونية. بدا له أنّ الزمن قد تجاوزه هو وكمانه القديم، وهما مجمّدان على كرسيهما خلف آنّا، وأصبح وجودهما نشازاً وسط صالات المطاعم الفاخرة وقاعات الحفلات المزدحمة. صارحها ذات ليلة، بينما كانا يجلسان بعد حفلٍ كبير: "ألحاني كتبتها لروحك، آنّا، لا لتُغنّى في الملاهي وأمام السكارى؛ هذا ليس فننا الحقيقي.”. ردّت عليه، غير منتبهةٍ لرعشة التعب التي تسلّلت إلى صوته: “الفنّ يتغير، أورلوف. ألحانك رائعة، لكنها جزء من الماضي. العالم اليوم يبحث عن الحيوية، عن الإيقاع!”. تملّكته موجةٌ من الحزن واليأس، وقال بصوتٍ يحمل مرارةً خفية: "كنتُ أؤمن أنّ الفنّ هو النور الذي يُبقي الإنسان صامداً في وجه هذا العالم القاسي؛ لكنك أصبحت تلهثين وراء الأضواء، بدل أن تصنعيها... متى أصبحتِ جزءاً من هذا السوق؟". رمى سؤاله ولم ينتظر إجابةً. عمّ صمتٌ ثقيل للحظة، آنّا تدرك عمق سؤاله وصدق المشاعر التي تنبثق عنه؛ لكنها، بين مشاعرها وطموح الشهرة المُغري، اختارت طريقها؛ ردّت، دون أن تلتفت إليه: "كيف نحافظ على صدق صوتنا في زمنٍ لا يُقدّر الإبداع إلا بمقاييس الربح؟". هدوء صوتها وملامح وجهها أثار في أورلوف رعشة قلقٍ غامضة، كأنه أدرك فجأةً أنها أصبحت بعيدةً تماماً، امرأةً ناضجةً في عالمٍ لا يعرفه. وبينما كان يراقبها بصمت، تساءل في نفسه: "متى تغيّرت كلّ هذا التغيير؟". كان هذا آخر ما فكّر فيه، تحت مظلّةٍ من صمتٍ ثقيل، وسكونٍ طاغٍ.

تبدّلت الأحوال مع سقوط جدار برلين وتوحيد ألمانيا، مما فتح المجال لاستقطاب الفرق والمغنيات من الشرق. أسّست آنّا فرقةً صغيرةً ضمّت عازف جيتار كهربائي وعازف إيقاعات، بالإضافة إلى عازف كيبورد شاب يحمل وشماً كبيراً على ذراعه وحلقاً في أذنه اليسرى، شخصية ذات حضورٍ قويّ بين جيل الشباب. سرعان ما أصبح له تأثيرٌ كبيرٌ على اختيارات آنّا وقراراتها، حيث تولّى إدارة عقودٍ مربحةٍ لها مع ملاهٍ فاخرة، دون اكتراثٍ لاعتراضات أورلوف وتحذيراته.

في إحدى الليالي، بينما كان أورلوف يجلس على كرسيٍّ خشبيٍّ قديم، قرب النافذة، يعزف بهدوءٍ على كمانه، جاءت آنّا مبكّراً لتخبره أنها ستنتقل للعيش في شقّةٍ أوسع، وأنها ستترك له الشقة ليعيش فيها، مؤكّدةً أنها ستتكفل بدفع الإيجار وتكاليف المرافق، كنوعٍ من الشكر والامتنان للشخص الذي كان ركيزة نجاحها.

توقف أورلوف عن العزف، ونظر إليها طويلاً، سألها، وهو يضع الكمان على ذراعه كأنه يحتضنه: "هل تشعرين أنكِ ما زلتِ أنتِ، آنّا؟"، جلست آنّا بصمت لثوانٍ طويلة، وقد صدمها سؤاله المفاجئ، قالت وهي تنظر إلى يديه على الكمان: "لا أعرف. أحيانا أشعر وكأنني أعيش حياةً ليست لي؛ لكنني أملك شيئاً على الأقل.". اقترب منها، يتحدث بنبرة أكثر دفئاً: "لكن ما تملكينه ليس حقيقيّاً، آنّا؛ إنه وهم... أتعلمين، عندما كنا في الشرق، كنتُ أرى نفسي جزءاً من شيءٍ أكبر. ربما لم يكن مثاليّاً؛ لكنني كنت أشعر أن الموسيقى كانت تخدم الناس، تمنحهم شيئاً يتشبثون به وسط كل ذلك البؤس."

خلعت آنّا حلقها ووضعته على الطاولة، قالت بشرود: "تخدم الناس؟ كلّ لحنٍ عزفته هناك كان يُستخدم لتجميل صورة نظامٍ لا يهتمّ إلا بالبقاء. لم يكن هناك مكان للفرد، أورلوف. كنتَ مجرّد ترسٍ في آلة ضخمة.". نظرت إليه بهدوء، وسألته: "هل تفضّل أن يعو ذلك الزمان؟". تنهّد أورلوف، وهو ينظر إلى الكمان: "لا، لا أريد أن يعود؛ لكنني أريد أن أجد مكاناً لا أضطر فيه للاختيار بين أن أكون ترساً في آلة، أو سلعةً في سوق. أريد أن أكون إنسانًا، فقط إنسانًا."

كانت كلماته الأخيرة كأنها جدار سميك، وضع حدّاً لكل كلماتٍ بعدها. صمتت آنّا، بين الضحك والبكاء. طالت برهة الصمت، وصار الكلام عصيّاً. أيقن أنه فقد آنّا للأبد. "استثمري في روحكِ آنّا، لا في زخم الأضواء الزائفة!"، قال دو ن أن ينظر إليها، حمَل كمانه وغادر بهدوء.

عاد يجول الشوارع، يعزف للمارة، يكتفي بما يُلقونه في وعائه. كان يعزف حبه القديم، وخيبته المزدوجة.  كان كمانه يبكي جحود دولةٍ وجحود امرأة.

أما آنّا، فقد أصبحت مطربة بوب شهيرة برفقة عازف الكيبورد الذي جرّه طموحه إلى أرض الشهرة والفرص. رحلت آنّا إلى أمريكا مع عازف الكيبورد؛ لكن سرعان ما تحطّمت أحلامها، ولم يجد صوتها مكاناً وسط مؤسسات الشهرة المتوحّشة، فانتهت تغني في باراتٍ رخيصة، وتحوّلت إلى مدمنة كحول ومدخّنة شرهة، بعد أن تخلى عنها عازف الكيبورد الشاب..

في ليلته الأخيرة، عزف أورلوف في ساحة بيتهوفن حتى سكنت الشوارع. لم يتوقف كمانه، يروي قصة موهبةٍ سُرقت، وحبٍ ضاع؛ غطاه الثلج، وصمت قلبه، تاركاً لحنه الأخير يتردد في الصقيع.

عندما قرأت آنّا الخبر في الصحيفة، شعرت بأن شيئًا ثميناً انكسر داخلها؛ قالت وكأنها تخاطب صورة وجهه، "لقد كنت دائمًا تقول إن الفن مثل الكمان، أوتاره حساسة، إذا لم تُشدّ بالشكل الصحيح، فقد تتقطّع… وأظنني شددت عليك أكثر مما تحتمله روحك الحساسة."

وقفت تحت ضوء القمر الذي كان ينعكس على الجدران المتجمدة، وغنّت اللحن كما غنّته أول مرة؛ بلا إضافات، بلا زخرفة، فقط صوتها وروحها. لم تُغنِ لجمهورٍ أو من أجل الشهرة، بل غنّت لذكرى أورلوف ولتُعيد لنفسها حريتها؛ وبينما كان صوتها يعلو وسط الهدوء البارد، أدركت أنّ الحرّية ليست مكاناً أو وعداً خارجياً؛ إنها فهم عميق للنغمة التي تسكن قلب الإنسان.

***

قصة: منذر فالح الغزالي

Wachtberg, 20.06.2025

أنت تُقصيهِ وهْوَ يُقصيكَ حتّى

جاءَ من يُقصيْ الشّعبَ والأحزابا

*

كم فريقٍ أقصى أخاهُ وأقصا

هُ بقُدسٍ أقصاهُ للكونِ طابا

*

فأتى منْ أقصى البلادِ قصِيٌّ

معْهُ أمسَوا في دارِهمْ أغْرابا

*

يسكنونَ النّسيانَ والدّهرُ أيدٍ

لا تُمدُّ إنْ تُنسَ إلا حِرابا

*

ما لهُم ْمن أمواهِهم غيرُ كدْرٍ

يدفعونَ الشّقا لقاهُ شرابا

*

ومن الأرضِ أينَما ذهَبوا غيـ

ر قبورٍ إنْ تبْدُ نالوا عِقابا

*

ما لهمْ من عهدٍ مضى غيرُ رسمٍ

لا يَزيدُ الغريبَ إلا اغْترابا

*

و مِنَ الآتِ لو أتى غير شكٍّ

مستحيلٍ قبلَ الوقوعِ تُرابا

*

ما لهُمْ في ما قدّسوا غير ركْعا

تٍ بظهرٍ إنْ يعبُروا الأبوابا

*

و مِنَ الذّكرِ والهُدى غير شرحٍ

معْهُ يُمسي الفرعونُ للدّينِ بابا

*

ما لهُمْ من أيّامهِمْ غير سبتٍ

ورجاهُمْ ألّا يطيلَ الغِيابا

*

و مِنَ الصوتِ صمتُهُ دون واهٍ

منهُ يُجري عند القصيِّ اللُّعابا

*

و مِنَ الصّمتِ صوْتهُ شرطَ ألّا

يَسْتفزَّ عندَ القصيِّ ارتِيابا

*

فتقبَّلْ أخاكَ في القدسِ يا ابن الـ

القدسِ في قدسٍ بالتّشَرذُمِ شابا

*

وتَفَهَّمْهُ من يمينٍ أتى أمْ

منْ شمالٍ ما دامَ يرْجو الصَّوابا

*

وتَوَدَّدْهُ مائلًا لعليٍ

كانَ أم للصدّيقِ والْجُمْ عِتابا

*

إنّ قدسًا تزورهُ اليوم ماءً

إنْ توانيْتَ قد تجِدْهُ سَرابا

*

إنّ قدسًا أمسى بلا أُمّةٍ يحـ

تاجُ ذا اليومِ منكَ حتّى التُّرابا

*

إنّ قدسًا من دونهِ أنتَ لن تُصـ

ـبحَ أنتَ يحتاجُ منكَ الجَوابا

***

أسامة محمد صالح زامل

لَا لَمْ يَجِئْ أَحَدْ

لَمْ يَجِئْ اَلْوَالِدُ وَالْأُمُّ،

أَوْ اَلْبِنْتُ أَوْ اَلْوَلَدْ

فِي اَلْبَرِّ،

أَوْ فِي اَلْبَحْرِ،

أَوْ فِي اَلْجَوِّ

أَوْ فِي اَلنَّوْمِ، أَوْ فِي اَلصَّحْوِ

لَا. . .،

لَا لَمْ يَجِئْ أَحَدْ

فَهَلْ يَظَلُّونَ إِلَى اَلْأَبَدْ

مُذَوَّبِينَ فِي اَلزِّحَامِ،

غَائِبِينَ، لَا نَرَى

لِأَيِّ وَاحِدٍ مِنْ بَيْنِهِمْ جَسَدْ

يُثِيرُنَا مَشْهَدُهُمْ

وَكُلُّهُمْ

سَلَاسِلٌ تَرْبُطُهُمْ

يَسْتَبْدِلُونَ سِلْسِلَةْ بِسِلْسِلَةْ

وَكُلُّهَا سَلَاسِلٌ مُجَلْجِلَةْ

**

لَا لَمْ يَصِلْ أَحَدْ

لَمْ يَصِلُوا

وَنَحْنُ نَسْأَلُ

هَلْ يَصِلُونَ اَلْيَوْمَ، أَوْ غَدًا

أَوْ بَعْدَ غَدْ

هَلْ تَبْلُغُ اَلْعَائِلَةُ اَلْمُكَبَّلَةْ

أَحْلَامَهَا اَلْمُؤَجَّلَةْ؟

أَمْ أَنَّهَا

ضَاعَتْ وَضَاعَ ذِكْرُهَا

وَلَمْ تُعَدْ هُنَاكَ مَسْأَلَةْ

تَشْغَلُهَا

مُذْ غَدَتْ اَلسِّنِينُ قَاحِلَةْ؟

**

لَا لَمْ يَجِئْ أَحَدْ

لَا لَمْ يَجِئْ

مَا يُفْرِحُ اَلرُّوحَ أَوْ اَلْجَسَدْ

فَهَلْ سَتَأْتِي وَحْدهَا

كَاشِفَةً لَعَمْرِي اَلْحَزِينِ سِرَّهَا

فَتَعْبَقُ اَلْوُرُودُ لِلْأَبَدْ؟

***

خالد الحلي

 

للكلاب حقّهُم في النُباح

إذا أكرهتموهُم على الصمتِ لم يعودوا كلاباً

بل سلاحفَ مسخّرةً للحراسة الليلية

ما داموا قد وِلِدوا بسبطانات في حناجرهم

فمن حقّهم أن ينقلوا حروبهم إلى مهاجِعكُم

لماذا تُهدّدونهم

بجعل أفواههم مخازن للكراسي المحطّمة

والأحذية العتيقة

هل تُريدونهم أن يُهدهدوا أطفالَكُم ليناموا؟

إذا كنتم تكرهون الكلاب

لماذا تتحوّلون إلى أشباههم

عندما تختصمون بينكم؟

ما دمتم تنامون في خزّانات الملابس

فلا تتذمروا من رائحة النفثالين

**

للكلاب حقهم في النباح

فلا تجعلوا الميكرفونات حِكراً على البلابل

لو كانت البلابلُ أهلاً للميكرفونات دون الكلاب

لماذا إذن لا تُطلقون البلابلَ من أقفاصها؟

وتُزودونها ببنادقَ لحراسة بيوتكم؟

أرجوكم

ألزمنُ ليس في صالحكم

لن يمرّ وقتٌ طويلٌ

حتى تجدوا أحفادَكم خدَماً في أوجار الكلاب

فتحوّطوا لأيام الذل

لا تجرحوا كرامتَهم بالنظر إليهم من الأعلى

متذرعين بعدم تزييتِ مفاصلكم

أرفعوهم إلى مستوى عيونكم

ودعوا مياهَ نظراتِكم تمتزجْ بوحولِ نظراتِهم

أنقلوا أهاليكم للنوم في الخرائب

واسمحوا للكلاب النوم في أسِرّتهم

أطعموا أطفالكم من القمامة

وأرضعوا الجِراء من حليب رضّاعاتهم

فالكلابُ مثلكم

يتبوّلون

ويتغوّطون

ويُطفئونَ شموعَ القمر بدِلاءٍ ملآى بالدموع

إذا لم تمنحوهم اليومَ حقّ النباح

فغداً سيحرمونكم من حق الإنجاب

وإذا ما اتخذتم الصداع ذريعة

لحرمانهم من الميكرفونات

فغداً، حين يجتاح قرادُهُم الحدائقَ العامة

وتَستبدلُ الأنهارُ مياهَها العذبة بلعابِهم الدبق

سيحوّلون ثقوبَ أجسادكم إلى ميكرفونات

***

شعر / ليث الصندوق

 

لا شيء يثنيني عن النسيان

ما زال يسكن مقلتي وجناني

*

ما زال يسكن بيننا بمحبة

وينام منتشيًا بظلّ حناني

*

وعلى شغاف الباب تجلس أمه

ويفور قدر الشوق في الهجران

*

وتعود غرفته وتسال هل أتى

ام أنه في مجلس الجيران

*

ويطلّ من طيفِ المساءِ ملوّحًا

كالعطرِ يسري في دمي وكياني

*

وأنا أُخبّئ خيبتي في صمتهِ

وأمدّ أشواقي إلى عنواني

*

فكأنّ قلبي كلّما ناديته

عاد الغيابُ يردّهُ بثوانِ

*

يا شوق قلبي كيف حالك بعده

نار على نار على نيران

*

وتمرّ بي ذكراه في وجعي كما

مرت على قلب الظمي أحزاني

*

في كلّ ركنٍ كنتُ أسمع خطوَهُ

وأراهُ بين دفاتري وبياني

*

ويلومني صحبي على فرط الأسى

وانا اداري الفقد بالكتمان

*

وإذا بكيتُ، بكيتُ من وجع الحوى

لا من وداعٍ أو جفاء زمانِ

*

لكنّهُ ظلّ الحضورِ بمهجتي

يأبى الغيابَ، كأنّهُ عنواني

***

د. جاسم الخالدي

هرطقةٌ،

تلك التي تسللت من بين ضلوعي ذات مساء،

حين كنت أُقلّبُ في الكتب القديمة

وأبحث عن اسمي في هوامش الأنبياء.

*

هرطقةٌ،

حين قلتُ،

السماء ليست دائمًا زرقاء،

وأنَّ اللغة العربية تنصلت من جناحيها، الضاد والظاء .

*

كنتُ طفلة حين ارتكبت أولى خطايا الوعي،

حين سألت أبي،

لماذا لا يصلي الصخر؟

ولماذا يموت الضوء في نهاية كل مغيب؟

*

ضحك، وقال،

تلك مجرد هرطقة.

فصمتُّ،

لكنني كتبتُ السؤال في نخاعي الشوكي،

وتركتُه ينمو مثل وردةٍ مبللةٍ في زمن الجفاف.

*

كبرتُ،

وصار في داخلي مسرح من أصوات متعارضة،

كل فكرةٍ لها لسانان،

وكل إيمانٍ له ظلٌ مرتجف،

وكل "يقين" له أبوابٌ خلفية،

تنفذ منها رياح الشك.

*

قلتُ لليل:

لستَ ظلامًا… أنت مرآة الضوء الخائف.

فصفق لي الليل،

وصار صديقي.

*

قالوا: تلك هرطقة.

قلتُ،

بل فُسحة بين التفسير والسكوت،

بين السجود والوقوف منتصبًا في وجه الحكاية.

*

تلك التي سميتموها هرطقة،

هي التي علمتني أن أسمع الموسيقى في بكاء النافذة،

وأن أقرأ الحروف في طيران النمل،

وأن أرى وجهي الحقيقي في عيون الغيم.

*

تلك التي نفيتموها خارج مدينة المعنى،

هي التي أنقذتني من الغرق في بحيرة التكرار،

وجعلت من لساني شجرةً تنبت فصولًا جديدة

و لا تخضع لمواقيت الفقهاء.

*

في كل ليلة،

أفتح كتابًا لم يُكتب بعد،

أقرأ بصوت مبحوح،

"وكان الإنسان فكرةً مشتبهًا بها"،

فترتعش النجوم،

وتنطفئ شموع المنطق.

*

أكتب على جدران الوقت،

أن الهاربين من القطيع

ليسوا ذئابًا،

بل أحيانًا… قديسين تعبوا من الرتابة.

*

هرطقة؟

نعم.

لكنها ليست خيانةً للحق،

بل حُبٌّ للبحث عنه،

ولو تحت حطام المسلمات.

*

أنا ابنةُ الريح،

وصديقة النار،

وتلميذة الظلال،

أتهجى الخلق من جديد،

وأعيد ترتيب الأبجدية كي تنطقني كما أشاء.

وإن أحرقوني بنيران الفتوى،

سأقوم رمادًا ناطقًا،

وأُلقّن الرمادَ كيف يصير نجمًا.

*

فلتلعنني المجامع،

ولتُقصني الكتب،

ولتغلق في وجهي المعابد،

لكنني،

سأظلّ أكتب،

وأكتب،

وأكتب…

أن تلك التي سموها هرطقة،

هي ببساطة، حقيقةٌ خجولة… تنتظر أن يُؤمن بها أحد.

***

مجيدة محمدي - تونس

في الميدانْ

لستُ أريدُكِ في الميدانْ

أكثرَ من حُزمةِ ألوانْ

أكثرَ من تغريدةِ شَوقٍ

تتلوّى ما بين ضلوعي

تحرقُني شَبَقًا يتمنّى

أنْ يعصِفَ فينا الطّوفانْ

في الميدانْ

لستُ أريدُكِ في الميدانْ

أكثرَ من أنثى إنسانْ

تأكُلُني

تشربُ إحساسي

تُمطرني

مطرًا عطشانْ

تزرعُني زَهْرًا لا ينسى

رَغمَ جمالِهِ

واستسلامِهِ لحظةَ وُدٍّ

واستبسالهِ لحظةَ صدٍّ

أنّي.. أنّكِ..

في الميدانْ.

**

في الميدانْ

كوني خيلًا تصهلُ حُبًّا

كوني أخذًا كوني رَدًّا

كوني فوقَ بلادي جُندًا

احتلّي أرضي وسمائي

كوني البدرَ يشقُّ مَسائي

خلِّ خريفي زهْرَ ربيعٍ

صُبّي صيفَكِ فوقَ شتائي

كوني شيئًا لن يتكرّرْ

شَفَةً تحرقُ.. نهدًا يزأرْ...

في الميدانْ

هُبّي نارًا

تطلعُ من جوفِ الحِرمانْ

ثوري شوقًا

موجي شَبَقًا

كوني امرأةً كالبركانْ.

**

في الميدان

لا يبقى منّا إلّانا

يبحث كلٌّ منّا فينا

عن عاصفةٍ

تضرب أعماقَ الوجدانْ

لا يبقى منّا إلّانا

فينا يكتملُ الإثنانْ

**

في الميدانْ

بوحُ الصّدقِ

ودفقُ العشقِ

نسيانٌ يمحو نسيانْ

في الميدانْ

كوني أَلَقًا

كوني حُلمًا

يُزهرُ من عُمقِ الوجدانْ.

***

د. نسيم عاطف الأسديّ

روحُــكَ تَلاشـتْ عن مَهـدِ مائـي

وتَبخَّـرت بُحيـرَةُ ذاكِـرَتي...

يا مَنْ كُنتَ أميرَ فاكهتي

لقـد حـلَّ الخَريـفُ برحيلِ الجلنار

خَفَـتَ فانـوسُ العِشـق

وأَطفأتُ قَمرَ أيلول

حتى نَبضُـكَ تَجمَّـدَ في عُنُقِـي

وخَبـا بَخـورُ أَنفاسِـي..

الشَّـوقُ غادرَ شُـرفَةَ أَحلامِـي

فَلا سِحـرُكَ يَغْوينـي وكرزُ شَفتيـكَ

دون حَلاوَة..

صَنـوبَرُكَ باهِـتٌ أصفرُ

سئمتُ الـدُّروبَ إلى صـدرِكَ

وفي القِفـار دَفَنـتُ أَشعـارَكَ

وأَضعـتُ مَفاتيـحَ قَلبكَ

بَصماتُـكَ تائهةٌ إلى ساقِيـةِ الريـح ِ

أَتـدري.. هَمَساتُكَ الباردةُ

التَهمَتـها نِيرانُ صَحوَتي؟

ألمَـحُ  طيفَـكَ

عنـد أَعتـابِ مَساماتِي

لن تَعبُـرَ ضِفـافَ البَنَفسَـج

أَكاليـلُ النـورِ لا تُزهِـرُ إلاَّ في الضَّـوء

لَمْلِمْ أوراقَكَ العاريَة وارْحَلْ

أنا لا أُتقِـنُ دَورَ الجـاريةِ

وأنتَ فنَّـانٌ في تَقليـدِ السَلاطيـنِ...

ماذا لو أَهدَيتَنـي القَصـائدَ المُطـرَّزةَ بالحَريرِ

وذاتـي تَنتَـحِرْ؟

ماذا لو طَوّقتَنـيْ بالَلآلـئ وشَهقاتِـيَ تُحتَضَـر؟

سأدعُكَ حتَّى آخرِ عهدي

وتراً يَتيماً في سيمفونِيَّـةِ المـوتِ

أَنت لا تُحسـنُ العَـومَ في بحـرِ المُستَحيـل

ولا التَّحليـقَ فوق الثُلـوجِ

فَلتَبـقَ أَسيـرَ الجَليـدِ

***

سلوى فرح - كندا

 

يسير الأعمى بخطىً سليمةٍ

متأبطاً عصاه

التي لا يذكر كيف أصبحت رفيقته

هي صولجان حكمه الضائع

مازال يسير وفق حدسه الغريب…

نحو حانة النسيان

واثقًا بخطوات صديقته

بوصلةٌ عصاه

مطرزة بضوابط

التوقيت مثل مطلع الفجر

مقبضها خصر امرأة خيالية

شده الشوق إليها

مازالت تؤرق همهمته

التي تشبه نوح الحمائم في المساء

وكأن خيطاً من بصيص يتلمس من خلاله

نعومة شعرها بيديه الذابلتين

يتأرجح كالبندول بين عقله والجنون

استقام عود ذاكرته وانحنى عود ظهره

فتاه عن سبل المرسى المأمول

سيغلق النادل ابواب الحانة

ويجف ما تبقى من كأسه الفارغة

كأخر قبلة تغلغلت في ثغرها

يبحث في بحبوحة البدايات

التي انتهت قبيل اكتمال الأغنيات

تثاقلت قدماه في وحشة المجهول

من يبصر اسير العيون

من يزيل الغبار عن عزلته القاسية

من يزيل اشواك الماضي وأحجار المأساة

التي تهيمن على درب ضالته

يرحل النهار يجيء الليل

وينسج عتمته بشرايين

الظلام المتدفق في الأقاصي

آآآه أين تتجة سهام العاشق الأعمى

لا إمرأةً يأوي إلى كهفها

لا حانةً تفتح أبوابها

في نهاية المطاف

يبقى السؤال المعلق دائمًا

في عنق الدروب

إلى أين يسير هذا العاشق الأعمى!!!

***

باقر الموسوي

في ظهيرة احد أيام أواخر شهر أيار، جلس الطفل على تلة خالية من الاشجار تغطيها بقايا حشائش الربيع المتيبسة، مديراً ظهره الى المدينة الميتة التي يتكرر فيها كل شيء بلا حياة. شرع بيديه الصغيرتين بصنع طائرة ورقية من ورقة كبيرة، وقام برسم خارطة وطن على جناحي الطائرة، وطناً لم يعش فيه قط، ولكن احتفظ بتفاصيله الدقيقة التي تمنَاها في مخيلته، رسم فيها قرية تنام مبكرا في أرجوحة من الهدوء وتصحو على زقزقة العصافير، ورسم فيها بيوتاً، ودروبا، وجداولا، ووزَع عليها الواناً تشبه حنينه وأحلامه الطفولية، لوَن التراب، لوَن السماء الصافية التي طالما حلم بها في ليالي الغربة. لم تكن الطائرة مجرد لعبة، بل كانت له سفينة تحمل في أشرعتها صفقات أجنحة الطيور ووشوشة فراشات مهاجرة وخفقات قلبه الصغير. رفع الطائرة نحو السماء والرياح تلعب برفق بأوراقها الرقيقة. بدأت الطائرة تصعد، تصعد في عمق السماء اللامتناهية، ومع كل ارتفاع كانت خطوط الخارطة تتلاشى وتتبدد بين الغيوم. كان يتابعها بعينيه المبللتين وهي تختفي عن الأنظار، شعر وكأنً وطنه يغادره. ظل واقفاً في صمت عميق، تتلاطم في ذهنه موجات الذكريات، وجه الجد المليء بالحكايات، ابتسامة الأم التي كانت تشبه دفء الشمس، ضحكات وصيحات الاصدقاء وهم يركضون في الأزقة الضيقة التي لم تعد موجودة. كانت الوجوه ترتسم أمامه كلوحات محاطة بضباب الفقدان والغياب. في تلك اللحظة شعر بثقل الغربة يعصر كيانه. وطن لم يُفقد من الأرض فحسب، بل من الذاكرة ومن الروح. حدَق صامتاً في السماء متمنياً أن تعود الطائرة يوماً ما حاملة وطنه، وطن لا تتغيب عن أرضه الشمس ولا تتلاشى فيه الوجوه.

***

قصة قصيرة: د. مامند محمد قادر

* شاعر وقاص عراقي كوردي

 

أَبَىَ (الــــدولارُ) إلا أنْ يَـدُورا

على مَنْ شاءَ مِنْهُــــنَّ الفُجُورا

*

ثَـــــلاثٌ ليس يَطهُــــرْنَ بحالٍ

وإنْ قَـــــــــدَّمْنَ للـــه النُّـذُورا

*

ثـــــلاثٌ خَــصَّـــهُنَّ بالتِفَــــاتٍ

ونَـــــادَاهُنَّ بالعربيّ: (بُـــورَا)!

*

فَرَشنَ لهُ (المَصَارِفَ) و(الخفايا)

وأَصْلَحّــنَ الأسِــرَّةَ والبَخُــورا

*

وأَشْرَعْنَ الصُّـــدور لتحتـــويهِ

ويَحْــــلُبُهنَّ(ثَيْـبًا) أو (بُكُـورا)!

*

وحَضَّرْنَ (الإباحـَ  ـةَ) دون (يـاءِ)

لِيُظْهِرْنْ المكـــارِمَ... والسُرُورا!

*

وأمْكَـرَهُــــنَّ أهْــدَتْـهُ (فَضَـــاءً)

فـــأعْــرَبَ عن سَفَالَـتِها كَفُورا!

*

وأَفْرَطْـــــنَ بنِخْبِ العارِ صرْفًا

وفَـــــرَّطْــــنَ بأَنْفَسِهَا حُضُـورا

*

بِعَيْنيْ مـــارَأَتْ رُخْصًـــا كهــذا

ولن تَذْرِفَ على (سَــقَطٍ) دُهُورا!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي - اليمن

 

دعوا المفاخِرَ يا أعرابُ للعَجَمِ

فقد تفشّى بكم شوقٌ الى الصَنَمِ

*

شوقٌ قديمٌ طغى فيكم وأرجعَكم

للجاهليّةِ رغْمَ البونِ والقِدَمِ

*

كأنَّ إيمانَكم رملٌ بقاحلةٍ

والريحُ تذرو رمالَ القَفْرِ للعَدَمِ

*

قُلْ للصديقِ الذي ساءَتْهُ قافِيتي

لو كانَ أنصفَ لَمْ يَعْذلْ وَلَمْ يَلُمِ

*

شاهتْ هُوِيّتُنا ياصاحبي وَبَدا

صوتُ العُروبةِ جُرْحاً غائراً بِدَمي

*

قد أستعيرُ بذيءَ القولِ من لُغتي

لكنّما خَصْلةُ الإنصافِ من شِيَمي

*

لسْتُ الغَشومَ ولكنْ جاشَ بي غضبٌ

خوفاً على أمّتي من لُعْبةِ الأمَمِ

*

حيثُ الركونُ الى سفّاحِ غزّتنا

ياصاحِ منقصةٌ مذمومةُ الذّمَمِ

*

والشامتونَ بِقتْلى أهْلِ قِبْلَتِنا

يُلْقونَ أرواحَهُمْ في حالِكِ الظُلَمِ

*

هَبْ أنّهم أخطأوا يوماً سياسَتَهمْ

فاغفرْ كما غَفَروا بالفِعْلِ والكَلِمِ

*

واشْكُرْ فقد بذلوا أزكى الدماءِ فِدىً

كُرْمى لِغزّةَ والأيتامِ والحَرَمِ

*

قد نامَ قادَتُنا عن شَرِّ مذبَحةٍ

وباتَ مُرشدُهمْ سهرانَ لم يَنَمِ

*

هل ذا جزاءُ الذي يفدي قضيّتَنا

بالنفسِ أُضْحِيةً من دونما نَدَمِ ؟

*

ياناكرينَ جميلَ القومِ ويلكموا

مِمّا تخطُّ يَدُ التاريخِ بالقلمِ

*

فَذَرْ خصومةَ مَنْ هَبّوا لِنَجْدَتِنا

واحْذرْ فجوراً وَحاذرْ زَلّةَ القَدَمِ

*

وادعوا لَهُمْ ربّكَ الأعلى مُؤازَرَةً

وأن يُسدّدَ صاروخاً غداةَ رُمي

*

ياصادقَ الوعدِ شِعري صادقٌ ويَدي

تومي تفسّرُ ما معنى دعاءِ فمي

*

عَظّوا النواجِذَ يا أعرابُ واختبئوا

بينَ الجحورِ بلا توقٍ إلى القِمَمِ

*

عبادةُ البُرْجِ في دُنيا الخليجِ هوىً

وفي الكِنانَةِ يعلو عابِدُ الهَرَمِ

*

لا تزعجوا عربَ الأقطارِ إذ رَقدوا

فالنفطُ ينبعُ من خمّارةِ الرِمَمِ

*

قد صامَ حاضرهم عن كلِّ منقبةٍ

صومَ الصحارى عَنِ الأمطارِ والدِيَمِ

*

داستْ مناقِبَكمْ أقدامُ قاتِلِكُمْ

حتى تَشوّهَ معنى الجودِ والكَرَمِ

*

فالمالُ يُغْدَقُ للخنزيرِ مكرُمةً

والجوعُ يُرْدي صِغاراً من ذوي الرَحِمِ

***

مصطفى علي

 

في محطاتنا الأخيرة

نجلس على ركام كلماتٍ لم تُقتل

نرتّق نسيج الندم بخيوط من دموعٍ جفّت

رسائلُ بلا توقيع

وصمتٌ يشلّ ذاكرتنا

أرجوحة معلّقة بين شبح الشكّ وهم اليقين.

*

كم قصيدة تئنّ

معلقة على حافة سطرٍ غادر

تسكن دفاتر مهترئة

تنتظر قارئاً صار بعيداً كأفقٍ احترق

*

نفتح نوافذ القلب على هزيمة حكاية

نسرق عبيرها من بقايا زمنٍ نسيناه:

زهرة ماتت قبل أن تُقطف

وفنجان يحترق بدفء غياب لم يُودّع

وصوتٌ تألم في دهاليز الغياب

لم يُكتب له الوصول.

*

رهانٌ على حب بلا أفق

عُلق في عنق الزمن كتعويذة باهتة

فانكسر بين أصابعنا

كما تنكسر المرآة على وجه لم يعد لنا.

*

لم نخسرهم

بل خسرنا ذواتنا التي كانت تكتبهم بلهفةٍ لا نعرفها الآن

لم يخدعنا أحد

بل صدقنا وهم الخلود في علاقاتٍ

رُسِمت بحبرٍ سري، ثم محيت بيد القدر العابثة.

*

أنا التي عبرت الأزمنة على أقدام الرسائل

وتسلّقت طرقاً موصدة بأملٍ أبكم .

أعود اليوم

لا لأبكي صفحاتٍ انهارت

بل لأعطيها اسماً أخيراً:

"الحكمة المؤجلة".

*

الخسارة، يا صديقي

لا تُشفى إلا حين نصيرها

حين نتحول إلى مرآتها

ونمضي… لا عودة.

***

بقلم فاطمة عبد الله

ينتظرني كل يوم

يخبئ حبات من ضوء

في جيب المعطف

يبتاع لي وردة

يهمس لبتلاتها

بتميمة الأبد

يقطع المسافة

على عجل المشتاق

فتلبيه كل الطرقات

لا تشغله مدائن أخرى

أو حسناوات

يترفع عن غزل النجمات

هو لا يتأخر

يعرفني

أحن إليه

وأن القلب

محتاج لحفنة ضوء

وأن الروح

عالقة في عطر الوردة

يعرفني حبيبته

يعرفني

كيف أطرز من أشواقي

قصيدة

وأحرر من لفتات حنيني

أسراب فراش

وأعلق شالًا من شغف الخدين

على خصر الوقت

وأنا أحدثه عن فرح آتي

يعرفني

من ليلة ميلادي

وحتى وقت مماتي

حبيبي الليل ...

***

أريج محمد

15/06/2025

ربما كنتَ تظنني نهرًا،

مجرد نهرٍ يجري،

يتبع الشمس بقلبه،

ويغازل القمر عند البلوغ،

ينساب طوعًا،

يسقي الأرض،

ثم يعود كل ليلةٍ

إلى ضفتيه كطفلٍ مطيع.

*

لكني تعبتُ من العطاء بلا وجهة،

من الجريان الأبدي،

من أن أكون مرآةً

تعكس بريق السماء

دون أن تدرك عمق ظلمتها.

*

لن أكون نهرًا،

فالنهر مقيدٌ بمساره،

وأنا أريد أن أختار طريقي،

أن أتحرر،

أن أعيد تشكيل ذاتي،

سأصبح غيمةً

تحلق فوق الجبال،

ترسم ظلها على السهول،

وتهطل حيثما أريد،

لا حيث يُملَى عليّ.

*

سأكون غيمةً

لكن الغيم هشٌّ،

يتلاشى عند أول شعاع،

وأنا أريد أن أبقى،

ثابتةً رغم الرياح.

*

ربما أكون شجرة،

رغم أن جذورها عميقة،

لا تسير نحو أحلامها.

ثابتة تراقب مرور الفصول،

وأنا أريد أن أتغير،

أن أغني للريح،

أن أرقص مع السنابل،

أن أكون حرةً،

كأول قطرةٍ

تحررت من حضن النبع.

*

سأكون شمسًا،

تبعث الدفء في القلوب،

لكنها بعيدة، وحيدة،

تحترق لتضيء.

أريد أن أضيء دون أن أفنى.

لا، لستُ شمسًا،

ولا نجمةً،

تزين الليل وتلهم العشاق،

قد تسقط عندما تُرهقها السماء.

وأنا لا أريد أن أسقط،

بل أريد أن أرتفع كما السماء.

ولا حتى ظلًا،

يتبع النور،

يعيش في حضوره،

ولا يملك ذاته.

أنا أرفض أن أكون تابعًا،

أريد أن أكون النور.

*

لن أكون أرضًا،

تحمل أثقال العالم،

وتنبت الحياة من أحشائها،

لكنها تُداس كل يوم،

دون أن تُسأل عن وجعها.

*

أريد أن أكون سماءً،

عاليةً وحرة،

تُرى ولا تُمس،

تمنح فقط عندما تختار.

*

أريد أن أكون إنسانًا،

يخطئ وينهض،

يحمل روحه بيديه،

يتعلم كيف يكون شمسًا لنفسه،

وظلًا لذاته،

يزرع في قلبه شجرةً،

وينام تحتها عندما يتعب.

*

لن أكون نهرًا،

ولا غيمةً،

ولا شمسًا،

ولا نجمةً،

ولا شجرةً،

ولا ظلًا،

ولا أرضًا.

*

سأكون امرأةً تُعيد صياغة الحكاية،

امرأةً اختارت أن تكون البداية والنهاية.

سأكون الحياة ذاتها،

بدون قيدٍ،

وبدون نهاياتٍ متفق عليها.

***

ريما آل كلزلي

 

في قلب ارض منسية، تمتد بلدة صغيرة، ملتفة حول محطة قطا عظيمة مشيدة من الحجارة وصمت عتيق، منذ أجيال والناس في البلدة ينتظرون القطار، لا احد رآه، ولا احد سمع هديره، ومع ذلك، لم يفقدوا الأيمان بأنه سيأتي ذات صباح، أو ربما ذات مساء، ليأخذهم الى حيث الحياة كما يجب أن تكون، لا كما أجبروا على عيشها،كل شيء في البلدة يدور حول هذه الفكرة:

ألحلاق يسأل زبائنه متى تظنون انَ القطار سيصل؟

المدرسون يعلمون الاطفال كيف يحزمون حقائبهم استعدادا للرحيل،

و الشيوخ يتحدثون عنه كما يتحدث المتدينون عن يوم الخلاص،

و في كل فجر يعلو صوت العم احمد، مدير المحطة، عبر مكبر الصوت المهتريء:

" السادة المسافرين،. القطار القادم الى بلدتنا سيصل في اي لحظة، الرجاء الوقوف خلف الخط الأصفر "

فيبتسم الناس، ويقفون للحظات، ثم يعودون الى حياتهم مثلما ييئس المرء من أمنية لم تتحقق لها،

لكن ذات يوم جاء شاب غريب الى البلدة، كان اسمه رشيد، بعينين مليئتين بالشك وخطى لا تعرف الرهبة، سأل رجلاَ مسناَ عند المحطة:

- " منذ متى تنتظرون القطار؟"

أجابه العجوز، وهوينظر نحو الأفق:

- منذ ولادة الصمت، ومنذ ان وعدونا أن ننقل،

قال رشيد بحدة:

- " وهل جاء؟"

اجابه العجوز بأبتسامة راضية:

- " ليس بعد، لكنه سيأتي، الأمر مسألة وقت،"

لكن الوقت في البلدة لم يكن يقاس بالساعات، بل بالأمل،

لم يكن رشيد مؤمنا بالموضوع، راح ينبش في السجلات القديمة، يتقضى الأحاديث النفسية، يحلل الخرائط والاصوات والأوهام، فلم يجد أثرا لحركة القطار، فصرخ في الساحة الرئيسية:

-" ايها الناس! انتم لا تنتظرون قطارا، بل تهربون من مواجهة وجودكم هنا، بلا جهة، بلا نهاية، بلا بداية، القطار لن يجيء، لكن لم يرد عليه احد. لم يكن في أعينهم غضب، بل شفقة،

في اليوم التالي، وجد نفسه وحيدا في المحطة، لا مارة، لا الاطفال، فحمل حقيبته ومشى، سار على القضبان الصامتة، قضبان لا تفضي الى شيء سوى البعيد، السماء فوقه كانت بلا لون، والريح لا تحمل سوى صدى قديم، لكن ظل يسير، وفي ليلة لا قمر فيها، بينما هو في منتصف صحراء الزمن، سمع شيئا،

صفارة بعيدة وضعيفة، غائمة كالحلم، لكنها كانت هناك،

توقف، هل هذا هو القطار؟! أم انَ قلبه بعد طول انكار، بدأ يشتاق للأيمان بشيء، بأي شيء؟ لم يعرف، لكنه ابتسم، وواصل السير نحو الصوت.

***

قصة قصيرة

د. مامند محمد قادر - شاعر وقاص عراقي كوردي

 

في نصوص اليوم