عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

دخلت استوديو التصوير سيدة فارعة الطول ناعسة العينين تقترب من الخمسين عاما رشيقة القوام شديدة الاناقة. رفعت عباءتها وعلقتها خلف الباب الخشبي داخل غرفة مخصصة لتصوير زبائن المحل

متشحة بملابسها السود من رأسها حتى أخمص قدميها. نظرت في المرآة التي عكست صورة كاملة لجسدها. انتابها احساسان أولهما انها مازالت شابة ومتمسكة بأذيال الحياة تحب الموسيقى والرسم والتنزه في المروج الخضر أما روحها الثانية فهي مهمومة ومنكسرة بداخلها فقط. دون ان تبدي ذلك للناس وحتى لزوجها الذي هو بحاجة لمن يسنده ايضا

لكنها أدركت فجأة ان عليها أن تجهز نفسها ولا تظهرها اضحوكة للآخرين

الحياة تناديها والقمر ما انفك يغازل جفنيها.. واليأس يسحبها وأجنحتها المتكسرة تؤلم روحها... لديها حلم طويل تنتظره الى الأبد. تتناثر أمانيها مع أحلامها كل يوم ثم تبدأ في اليوم الثاني لترسم أحلاما جديدة

كان الجو يبدو ربيعيا وقد منح روحها شيئا من انتعاشه وعليها ان لا تبدو قلقة رغم شعورها ان قلبها منقبض. العواصف لا تهدأ داخل روحها رغم محاولاتها كي تتأقلم مع وضعها الذي أجبرت ان تتعايش معه

انفتح الباب الخشبي وظهرت عاملة الاستوديو. هل جهزت نفسها سيدتي أو تحتاج لمساعدة ما..؟

بأدب شديد اللهجة طلبت منها السيدة ان تقوم بمساعدتها في ترتيب وأناقة شالها الحريري. بذلت العاملة مجهودا لإقناعها بوضع حجابها مرتفعا قليلا عن عينيها الواسعتين الجميلتين كي تظهران بشكل أجمل في

إلا انها قطبت ما بين حاجبيها وأظهرت انزعاجها. مع شعورها ان العاملة ليست مخطئة لكنها لا تعرفها ولا تعرف شيئا عن مصدر حزنها ولكن. عليها ان تتحاشى من شفقة أي انسان

فتذكرت وجهه الأسمر وهو يبتسم لها وكأنه يقول لها. حذاري من الضعف... لاح لها وجهه في المرآة...فلوحت له وهي مبتسمة ثم أغمضت عينيها

احترمت العاملة صمتها وشرود أفكارها وكان عليها ان تنزوي جانبا واكتفت بالنظر اليها من طرف عينيها وهي مندهشة لتصرفها الغريب

أخرجت المرأة الخمسينية من حقيبتها اليدوية خوذة عسكرية مرقطة ووضعتها فوق شالها الأسود وهي تنظر للمرآة ثم طلبت النصيحة من العاملة ان كان وضعها مائلا لجهة اليمين أو ان تتوسط رأسها. فإيهما هو الوضع الأفضل. ازدادت دهشة العاملة لهذه المرأة ولغرابة تصرفاتها التي لا تليق بعمرها فحاولت ان تخبرها ان الخوذة المرقطة ستجعل الصورة غير لائقة ومنظرها غير مناسب للصورة البتة

الا ان المرأة أصرت ان تظهر الخوذة فوق شالها. مما أثار في نفس العاملة طرافة حكايتها. وربما شككت بعدم اتزان عقلها

حاولت العاملة ان تخنق نوبة ضحكتها بصوتها المسموع فهربت خارجة من غرفة التصوير الى واجهة المحل وطلبت من صاحبتها التي حضرت توا ان تحل محلها. كي لا تسبب للمرأة احراجا أو ربما تثير غضبها ثانية

دخلت صاحبتها وقد أصيبت بالدهشة عند رؤيتها للمرأة. نعم اتضح انها تعرفها وتعرف حكايتها فهي احدى قريبات أمها فأخبرت السيدة ان القبعة المرقطة منحت الصورة اشراقة وجمالا فما كان من السيدة الا ان تطبع قبلة على خدها. ومضت بعد استلامها وصل المراجعة في يوم آخر لاستلام صورتها

غادرت السيدة محل التصوير وما زالت تردد هامسة مع نفسها لن أنساك أبدا من الغسق وحتى آخر نهار في عمري ستبقى حبيبي الى الأبد ولن يفرقنا سوى الرمس

انزوت العاملة مع صاحبتها وأخبرتها على الفور حكاية هذه السيدة. ان هذه الخوذة المرقطة طالما ارتدتها في مناسبات عديدة وحتى في دارها أحيانا. وانها تعود لأبنها الوحيد الشاب الذي اختفى قبل عدة أشهر ولم يحصلوا حتى على جثته في معسكر (سبايكر). كما يسمونه

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

2/ 10 / 2014

كل شــــيءٍ في بلادي

تَصطفيــــــهِ أحـــرُفي

*

تكشف المستـــور فيهِ

تُخْـــــرِج الحق الخفي

*

تَملـــؤ الأزهار عِطـــرًا

بربيـــــــــعٍ تَحتـــــفي

*

كل شــيءٍ في حُروفي

في اتِصــــــالٍ بيْ يَفي

*

كــل إبــــــداعٍ أتــــاكمْ

سَطَّــــــــــرَتْهُ أحـــرُفى

*

غير أَنَّي في اعْتِــــرافٍ

أنَّ حــــــــــــقي مُنتفي

*

بين كَبْتٍ فى الصحافةِ

وحِصــــــــاري المعرفي!

*

كيف غاب الوعي عنكمْ

مَنّ تُرَى لــي مُنصفي؟!

*

بين عَقْــــــلٍ للصحيفةِ

واعتِقــــــال الصحفي

*

أيهــــا الســـادة عفــــوًا:

لا.. لِـــــحَبْس الصحفي!

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

٢٠٠٧م

 

تتبدّلُ الأشياءُ كما لو أنَّها تجرِّبُ وجوهَها على مهلٍ،

تستبدلُ ألوانَها كما تستبدلُ الغيومُ رغبتَها في المطر.

كأنَّها لا تثقُ بالثباتِ،

ولا بالإنسانِ الذي يُراودُها عن أسرارِها.

*

الأكوابُ التي شربتَ فيها نسيانَك،

صارتْ تنظرُ إليكَ بشكٍّ،

كأنّها تشكُّ في صدقِ عطشِكَ،

وجهُكَ الذي تعرّفُه في الصباحِ

يُصبحُ غريبًا مع المساءِ،

عينُكَ تكذّبُ مقلتها،

والمرآةُ تصيرُ نصًّا آخرَ عنك،

نصًّا كتبهُ الغيابُ بالحبرِ المعكوس.

*

كم مرّةً خُلِقتَ من رمادٍ لم يكنْ رمادَك؟

كم مرّةً انقلبتَ على ذاتِك كما ينقلبُ البحرُ

على نبوءةِ الريح؟

كم مرّةً أعدتَ ترتيبَ خرائطِ قلبِك

لتكتشفَ أنَّ الجهاتَ استقالتْ من مجالها ؟

*

الأشياءُ لا تموتُ...

إنّها فقط تُبدّلُ عاداتِها في الحياة.

الكرسيُّ الذي شهدَ انهيارَك الأوّل،

يُصافحُ الآنَ ضحكتَكَ ببرودٍ،

والبابُ الذي صدّكَ عن الدّاخلِ،

يستضيفُ اليومَ حضورك الباهت.

*

كلُّ شيءٍ يختبرُك.

حتى الريحُ التي مرّتْ على كتفِك،

كانتْ تُجرّبُ معنى اللمس.

كلُّ شعورٍ يشيخُ حينَ يُسمّى،

وكلُّ رغبةٍ تُصبحُ حذرةً حينَ تُقال.

*

في دورةِ الأهواءِ،

تتبدّلُ المسافاتُ بينَ الحنينِ والعزوف،

بينَ الاحتراقِ والبرود،

كأنَّك صرتَ مقيمًا في منفى الأضداد،

لا أنتَ فيك،

ولا ما حولكَ حولَكَ.

***

مجيدة محمدي

أتى زمنٌ فيه المقابرُ أصبحتْ

جنانًا يُباري كي يطاها الغِنى الفقْرا

*

فإمّا بموتٍ فيه راحٌ لأنفسٍ

تغالبُ في قبرٍ يُنغّصُها القهْرا

*

وإمّا بعيشٍ للطّريد الذي غدا

يرى كلّ قبرٍ مُبتنى في العرا قصْرا

*

ألا إنّها الدُّنيا تناديْ الهوى بنا

فيُتبعُها رغْبًا بما عِندها العُمْرا

*

يقومُ لها بل للذي عندها الضُّحى

ومن بعدهِ الظهرَ الذي يسحبُ العَصْرا

*

ويحرِمُ محرومًا هو الرّاحُ ما لَهُ

لِتملكَهُ دُنيا يُمَلِّكُها الفِكْرا

*

وما أنْ يُنادي الفجرُ حتّى يهبَّ كي

يُصّلي لربّ الكونِ من أجلِها الفجْرا

*

وما بين إصباحٍ وآخرَ ينزعُ الـ

الحيا علّها تُعطي فتَسْتَحْضِرُ الصّبرا

*

يبيعُ لِترضَى عنْه أهلًا وصُحبةً

ويزدادُ كبرًا لو نما ظلُّهُ شِبرا

*

وتُسكِرُهُ بالأُمنياتِ كؤُوسها

وعودٌ إذا ما اسْتُحْسِنَتْ أورثتْ حَقْرا

*

وخمْرُ الأمانيْ في كؤوس الوعودِ في

رهانِ الكؤوسِ لا مثيلَ لهُ خَمْرا

*

يمرُّ الصّبا سكرى لياليهِ بالهوى

الذي أسْكَرتْهُ أمنياتٌ روَتْ كِبْرا

*

وما أكذبَ الدُّنيا وما أسذجَ الهوى

إذا وعَدَتْهُ واحتفى بالهُرا صَدْرا

*

كحالِ شروقٍ يحتفيْ الغربَ كلّما

افترىْ قائلًا أنْ في غدٍ يُطلِقُ الفجْرا

*

فلا الغربُ يُوفي بالوعودِ ولا الأخُ الـ

غريرُ اهْتدى والعُذرُ يَسْتَخلِفُ العُذرا

*

مُضيَّ الصِّبا يمضيْ الشّبابُ وكاسُه

هوىً كاسُه المُثلى فِرىً تُفترى جَهرا

*

كحالِ بلادٍ أنكَرَتْها دِماؤُها

ولمّا تزلْ مِنْ ذي الدِّما ترقُبُ النّهْرا!

*

فلا النّهرُ جارٍ في سبيلِ خلاصِها

ولا دَمُهَا فيهِ دمٌ يبْلُغُ البَحْرا

*

يُشيبُ الهوى عمرُ الأماني وكاسُه

تصيرُ كما لو أنّها قُدِّمتْ صُفْرا

*

ونجهلُ لو يومًا عزونا مشيبَه

لشيبِ سنينٍ لا تشُدُّ له أَزْرا

*

ونصْحو ولا يصْحو هوىً راحَ عهدُهُ

فنحفرُ في بَرِّ الصّدورِ له حفْرا

*

وحين تبيتُ الأمنياتُ بلا هوىً

تخيرُ الدِّما فينا لتحْيا بِها جمْرا

*

ونمضيْ وتبقىْ الأمنياتُ وجمرُها

بهِ يكتويْ من بعدِنا ذكرُنا دهْرا

*

أكانَ سَيُرْضيْ ما انطوى من هوىً لها

بِنا أنْ تظلَّ الأمنياتُ به سِرّا؟

*

أكانَ علينا قهرُهُ قبل وأدِنا الـ

أمانيْ وحفرِ المسْتحيلِ لها قبْرا؟

*

أكانَ عليْنا أنْ نصلّيْ وندعوَ الـ

سماءَ فلا تُبقيْ لنا بعدَنا ذِكْرا؟

*

دروسٌ أمانينا لآتينَ خلْفنا

ولولا الهوىْ ما كانَ للدّرسِ أنْ يَطْرا

*

ومن يُبتلى من قلّةٍ قرأَتْ بما

اقْتراهُ فلا تثريبَ إنْ حصَّل الصِّفْرا

*

فإنّ هوىْ دُنياهُ مُنسيهِ ما رآ

هُ إلّا إذا بذَّ الهوى مُسْتنصِرًا صَبرا

*

ألا إنّها الدُّنيا وهذي فِعالُها

و نظلِمُ إذْ نعزو لأزمانِنا الشَّرّا

*

ألا إنّها أهْواؤُنا وفعالُها

ونظلِمُ إذْ نعزو لغيرِ الهوى الخُسْرا

*

ألا إنّها الصُّغرى وهذا لهيبُها

وجهلًا نُساويهِ بما أخْفَتِ الكُبْرى

***

أسامة محمد صالح زامل

اطمئني، يا نجمةً فارهةً بحمرةِ الشفق،

ما عاد الهدهدُ بأحاديثِ الرسل

ليُخضّب يدَ القدرِ بحناءِ أوزاركِ

وانشقي عن مزاجِ العشيرة

وأنتِ تؤدين صلاة العودةِ بتأويلِ الخاتمة

*

مرحى!

اشتعلتِ الظلاماتُ في نهاراتِ الأزهار،

وللمؤجل من شرابكِ

ترنّحت الكؤوسُ سهوًا،

وإن أفرطتْ،

ستعبرُ البيولوجيا،

وإن توقفتْ،

ستعدو النجومُ فرادى وهي تحمل

أوزارَها بنكهةِ الكون

*

مرحى!

سرق الغصنُ ما تبقى من البحر،

والزورقُ هناك، في أسى الكناري،

يَتهنى بالشبق

فعلامَ تُخضّبين الأيدي بتأويلِ الخاتمة؟

كي توغلي في الضياعِ بثمنٍ بخس،

أم لتفوحِي بالتراجيديا انتظارًا للوحي؟

*

أعذريني، يا السابحةَ في شبابيكِ البلاغة،

البنفسجُ في شفاهكِ

شاطئٌ تاه منه نهرُه،

وثلوجُ قلبكِ

بحرٌ وأفقٌ للنوارسِ المغتسلةِ بالشعر.

المطاراتُ ما زالتْ

تمارسُ آثارَ الثمالةِ بتروٍّ،

فهل ستسمحين لعصافيري بالهبوطِ عندكِ؟

*

بوسعنا الآن

أن نمزق القميصَ الزيتونيَّ للحزن،

ونحظى بعُريه وهو يتأوه،

ونُمارس بالمُكحلِ من اللحظات... سَفرَنا،

ونحن نُهلل بالصافراتِ

للساقطين عشقًا،

وإن صاح الإمامُ "يا للهول... يا للهول!"

*

وبوسعِ المحظوظين

استساغةُ اللحظةِ،

سيقولون: إنها خمرٌ مُجترَح،

وربما صلصالٌ احترق في يدِ الرب

ثانيةً وسنةً ضوئية

ومن لم تُؤاتهِ الفرصة

سيقول: كويكبٌ عنابيٌ

أفرطَ في الشرب!

*

اهديني هذه المجراتِ الساهبة،

بمقدورِ النارِ التشيعُ

في الكؤوسِ المُترنحة،

وأنا مسافرٌ في كُحلكِ الأسود... للمؤجَّل،

أتأملُ الفائتَ مُزدانًا بعُرسِ النجوم،

أتأملُ انشطارَ النارِ

احتفالًا بالمَولدِ الشبقي

أقسم إنها التفاتةٌ أخيرة،

ومن بعدها، إنِ التفتُ

سأقطعُ رقبتي!

***

حسين محمد خاطر - كاتب روائي وشاعر من السودان

 

مَا كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهَا

تَدْرِي بِمَا يَصْبُو لَهُ

أَوْ أَنَّهَا

اِنْكَشَفَتْ لَهَا

أَسْرَارَهُ

مُنْذُ اِلْتَقَاهَا صُدْفَةً

فِي مَسْرَحٍ يَرْتَادُهُ

مَشَيَا مَعًا

وَمَضَتْ سَرِيعًا رِحْلَةُ اَلْأَيَّامِ،

وَهْوَ  يُمَوِّهُ

وَيَظُنُّ دَوْمًا أَنَّهُ

لَا تَكْشِفُ اَلْأَيَّامُ يَوْمًا سِرَّهُ

حَتَّى أَتَى وَقْتٌ غَدَتْ أَيَّامُهُ

غَرْقَى بِحُزْنٍ يَسْتَبِيحُ كِيَانَهُ

جَاءَتْ إِلَيْهِ تَحُثُّهُ

أَنْ يَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا

أَنْ لَا تُفَارِقَ ظِلَّهُ

**

كَشَفَتْ لَهُ أَوْرَاقَهَا، لَكِنَّهُ

مَا كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُ

قَدْ خَبَّأَتْ أَيَّامُهُ

لُغْزًا لَهُ

وَبِأَنَّ وَسْوَاسًا لَحُوحًا

صَارَ يَحْكُمُ خَطْوَهُ

فَتَخَاصَمَا

وَتَلَاسَنَا وَتَبَرَّمَا

كُلٌّ يُعَيِّرُ خِلَّهُ

فَمَضَى وَحِيدًا دُوُنَهَا

وَمَضَتْ بَعِيدًا دُوُنَهُ

وَاَللُّغْز ضَاعَ وَضَيَّعَا

مَاذَا اِحْتَوَتْ أَسْرَارَهُ

**

شعر: خالد الحلّي

 

نزلتُ ساحتَها،

أبغي الرِّهانَ إذا

غابَ الحُداةُ،

وناءتْ بالهوى الإبلُ

*

يا حاديَ العشق،

مَنْ يُغنيكَ هائمُهُ

عنْ هائمٍ غابَ؟

فاشتدَّتْ بنا العِلَلُ

*

إنَّ الغرامَ الَّذي

قد ضَلَّ مُغرَمُهُ

طريقَهُ

تاهَ،

والهُيَّامُ قد أفلوا

*

فأرَّقتْني

بناتُ النَّعْشِ

قافلةً

مرَّتْ عليَّ،

ونارُ الشَّوقِ

يشتعلُ

*

أمستْ حروفيَ

نُدمانيْ؛

ليُسكرَني

طيفُ الخيالِ،

أساقيهِ،

وأنتهلُ

***

عبد الستار نورعلي

لثقل ما أحملُ من الطموحات

كنتُ أسيرُ واقفاً

فهي أثقلُ من قدرة ظهري على التحمّل

ومخافة أن تنخسفَ الأرضُ تحتَ قدميّ

كنتُ أوزّعها بالمجان على هواة جمع الطموحات

شعاري: (طموحاتي في خدمتكم)

أينما كنتم تنزلْ بالمظلة على رؤوسكم

لا حذرَ من حَملها في الجيوب

او على الظهر

فهيَ غيرُ معرّضة للكسر

وما دامتْ لا تؤكل

فهي لا تتسببُ بزيادة الوزن

طموحاتٌ بمختلف القياسات والألوان

تصلحُ لكلّ الحالات

من دون أعراضٍ جانبية

**

وعلى الرغم مما استهلكتُ من طموحاتي

فالباقياتُ منها فاضتْ عن حاجتي

ولم تعد تستوعبُها أقفاصي

فقد كانتْ لا تكفّ عن التكاثر

لذلك فتحتُ لها الأبواب

وأطلقتُ فراخَها

تتعلمُ الطيرانَ خارجَ الأقفاص

**

أليومَ صارتْ أوهى نسمةٍ تحملني للبعيد

فلم أعد مُثقلاً بطموحاتي

لقد أفزعتها نيرانُ الحروب

فطارتْ بعيداً

وكمن استيقظ فجأة من النوم في قطار مُسرع

فتذكّرَ أنه نسيَ نفسه داخلَ حقيبته في المحطة

رحتُ أبحث في صندوق العاديات

عن ما أبقته ليَ العثّة من الطموحات

لأعيد ترميمها

على أمل أن أمكّنها من الطيران

ولكن عبثاً

فترميمُ الأجنحة الكسيرة

لا يضمنُ للطيور الميتةِ الطيران

***

شعر: ليث الصندوق

.........................

اللوحة برشية الشاعر

حُـــثّوا خطاكم وعيشوا وحدةَ الوطنِ

فــفي التـآلفِ، تـكـبو شِــدةُ المِـحَــنِ

*

صَـفّــوا الـنّـوايـا، فللـتاريــخ قـولـتُـه

في صفحة الدُّرِ أو في صفحة الدَّرَنِ

*

لا للتـطـرُّفِ والـتهـريـج، فـي خَـوَر

فَـساعـةُ الحَـسْم تـدعـوكم الى الفِطنِ

*

تأبـى الأصالــةُ إلاّ أن يــكـون لـهـا

كفٌّ تصولُ بها في المَركِب الخَشِن

*

(فرّقْ تسُدْ) فعّـلوها فـي صفـوفِـكم

حتى سَـقوْكـم بها كأسـا من الوَهَـن

*

إلامَ  يـبقى الخلافُ المُـرُّ مُنـتجَعـا

تـسقـيـه سِرّا افاعي الغَـدْر بالفِـتن

*

لو لم يرَ الطرفُ الغازي تَـفـرّقَكم

مـا كان فكّـرَ فـي غَـزْوٍ، ولم يكُنِ

*

تَـعْـدو الذئـابُ اذا الأسوارُ غائـبة

والعينُ في غفلة تشكو من الوَسَن

*

إنّ التخلفَ في التسْـييس مَنقصَةٌ

تُجَرِّئ النّذلَ في سِـرٍّ وفي عَـلن

**

(على وزن البسيط)

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

كتبت في 2015

(عَينٌ مُسَهَّدَةٌ وَقَلبٌ خافِقٌ)

نَبكي عَلى الدُنيا ،

وَما مِن مَعشَرٍ

جَمَعَتهُمُ الدُنيا فَلَم

يَتَفَرَّقوا

"المتنبي"

1.

كَأَنَّنِي فِي مَجَازِ الكَوْنِ: أُغْنِيَةٌ تُرَقِّصُ اللَّيْلَ، تَسْرِي فِي كُلِّ مُنْفَلَقِ

مَا زِلْتُ أَزْرَعُ فِي أَحْلَامِنَا؛ وَطَنًا يَزْهُو بِالحُبِّ، يُرْوَى بِرِيْقِ الحَبَقِ

تَعْبَثُ الرِّيَاحُ بِآمَالِنَا؛ سُدَفًا تُغَطِّي المَدَى خَشْيَةً مِن زَحْفِ مُنْزَلَقِ

نَحْنُ: الَّذِينَ نَسِيرُ فِي سُهُولِهِ عَلَى الرِّيَاحِ: الَّتِي تَحْتَقِنُ بِالوَسَقِ

2.

نَبْغِي السَّلَامَ، وَلَكِنَّ الخُطَى وَهَنَتْ كَأَنَّهَا فِي دُجَى الأيَّامِ لَمْ تَثِقِ

كَأَنَّ فِي كُلِّ أَلَمٍ: ظِلَّ أُغْنِيَةٍ تُعِيدُ لِلْعُمْرِ: حُلْمَ الوَصْلِ وَالرَّوْنَقِ

3.

تُنَاجِي النُّجُومُ إِلَى لَيْلِ الهَوَى: أَرَقًا كَأَنَّهَا تَتَهَاوَى فَوْقَ مُنْطَلَقِ

وَالذِّكْرَى بَيْنَ أَحْضَانِي: تُنَادِينِي كَأَنَّهَا نَايُ شَوْقٍ يَسْبِي المُحْتَرِقِ

4.

مَا زِلْتُ أَمْضِي عَلَى دَرْبٍ: أَرَاهُ ضِيَاءً يَرْوِي حُكَايَاتِنَا فِي صَفْحَةِ الخَرِقِ

"لَارَا"! كَأَنَّكِ نَبْضٌ فِي مَرَافِئِنَا يَلْمَعُ كَضَوْءٍ بَعِيدٍ، دُونَ مُرْتَفَقِ

أَرَاكِ نَجْمًا تَهَاوَى فِي مَدَارَاتِهِ يُرْوِي الرَّوَايَا، لِبَحْرٍ ضَاقَ بِالغَرَقِ

يَا مَن كَتَبْتُكِ عِطْرًا فَوْقَ أَوْرِدَتِي كَأَنَّكِ النَّدَى: فِي نَهْرٍ مِنَ العَبَقِ

نَقَشْتُكِ ضَوْءًا فَوْقَ مَفْرِقِي كَأَنَّكِ الشَّمْسُ: فِي لَيْلٍ مِنَ الشَّرَقِ

نَقَشْتُكِ حُلْمًا فَوْقَ أَضْلُعِي كَأَنَّكِ الشَّوْقُ: فِي أَنْفَاسِ مُحْتَرِقِ

5.

كَيْفَ الفِرَاقُ، إِذَا طَافَتْ بِنَا صُوَرٌ تُعِيدُ العِنَاقَ: بِدَمْعٍ لَاذَ بِالقَلَقِ

"لَارَا"! قَدْ تَرَكَنَا الوَقْتُ: مُنْهَزِمًا وَالذِّكْرَيَاتُ تُرَاوِدُ المَيْنَ: بِالشَّفَقِ

لَهْفِي عَلَيْكِ، إِذَا بِقِيتِ تَسْأَلِينَنِي وَالنَّاسُ بَيْنَ فِرَاقٍ زَاحِفٍ، وَرَقِ

يَا "لَارَا"! قَدْ تَرَكَنِي الدَّهْرُ غَارِقًا فِي ظِلِّ نَايٍ يُعِيدُ النَّوْحَ بِالطَّرَقِ

"لَارَا"، أَنْتِ مَسْكُ القَصَائِدِ الَّتِي سَكَنَتْ فِي قَلْبِ شَاعِرِهَا، كَالتَّوْقِ فِي الحُرَقِ

يَا "لَارَا"، إِنَّ قَلْبِي فِي وِدَاعِكِ مُتْعَبٌ كَأَنَّهُ لَيْلُ الهَوَى يَشْكُو مِنَ الأَرَقِ

وَأَنْتِ نَبْضٌ عَلَى أَوْتَارِ قَافِيَتِي كَأَنَّكِ النُّورُ فِي ظُلْمَاتِ مُنْسَلَقِ

كَأَنَّ كُلَّ جِدَارٍ كُنْتُ أَلْمَسُهُ يُعِيدُ صَدًى مِنْ رُؤَاكِ فِي الأَبْرَقِ

هَلْ لَكِ أَنْ تُعِيدِي الوَصْلَ، يَا نَغَمِي، يَا مَنْ عَلَى جَفْنِ رَوْقِي زَهْرُكِ الشَّبِقِ

أُعِيدُ نَسْجَ أَيَّامِي، لِأَسْكُنَهَا كَأَنَّنِي طَيْفُ وَجْدٍ: نَازِفِ النَّزَقِ

6. 

وَفِي دَمِي مِنْ عَبِيرِ الفَقْدِ: قَافِيَةٌ تَشُدُّ أَوْتَارَ شَوْطِي، فَنَحُو مُنْطَلَقٍ

وَفِي دَمِي قِصَصٌ مِنْ زَمْنِنَا ارْتَسَمَتْ تُدِيلُ حُلْمَ اللِّقَا، وَصَوْتًا لِمُخْتَنِقٍ

وَفِي فَمِي غُصَصٌ مِنْ زَمْنِنَا انْحَسَمَتْ تُعِيدُ حُلْمَ اللِّقَا، فَنَبْغًا مِنَ الخَرِقِ

وَفِي دَمِي حُلُمٌ نَازَفْتُ مَطْلَعَهُ يُشْعِلُ الأَحْرُفَ، فَأَطْيَارًا مِنَ الخُرُقِ

7.

وَ"العِرَاقُ"! الَّذِي فِي القَلْبِ أُغْنِيَتِي، عَلَى الجِرَاحِ يُنَادِي، فَصَوْتَ مُعْتَنِقٍ

وَ"العِرَاقُ" فِي قَلْبِي، مَا سَامِعُهُ تَشْكُو جِرَاحًا بِصَمْتٍ، يَنْبَعُ الشَّرْقِ

وَ"العِرَاقُ"! ذَاكَ الَّذِي أَرْبَى بِجُرْحِهِ، يُغَالِبُ القَهْرَ، فَالنَّاسُ فَتَشَقُّقٍ

وَ"العِرَاقُ" يَبْكِي؛ دَمَ العُمْرِ مُنْهَمِرًا عَلَى جِرَاحٍ، فَطَيْفَ مُفْتَرَقٍ

8.

مَا زِلْتُ أَمْضِي إِلَى دَرْبٍ: يُكَلِّلُنِي بِالحُلْمِ تَحْتَ نَجْمٍ، فَطَارِقٍ أَلِقٍ

9.

وَفِي "الأَنْدَلُسِ" قِصَصٌ تَحْكِي مَآسَاتَنَا وَ"المُعْتَمَدُ"! يُعَانِي النَّفْيَ، إِلَى زَنَقٍ

وَفِي دُرُوبِ الأَنَاةِ: "الأَنْدَلُسِ" مَضَتْ أَيَّامُ مَعْمُورَةٍ، فَتَشْكُو لِمُنْفَرِقٍ

10. 

تَحْكِي يَدِي فِي دُرُوبِ النَّوْءِ؛ قِصَّتَهَا كَأَنَّهَا الرُّوحُ فِي بَحْرٍ مِنَ الفَرَقِ

11.

وَ"غَزَّةُ"! تَبْكِي فِي جِرَاحِ مَرَائِيهَا وَالدَّمْعُ شَلَّالٌ، وَالأَحْزَانُ فِي الْمَزَقِ

12.

أَنَا الرَّفِيقُ؛ الَّذِي يُصْغِي لِأُمْنِيَةٍ مِنَ الغِيَابِ، تُرَدِّدُ البَوْحَ لِلشَّفَقِ

13.

وَفِي دَمِي مِنْ نَسِيمِ "الأندَلُسِ" ارْتَحَلَتْ أَحْلَامُ عِشْقٍ تَوَارَتْ، فَعِنْدَ مَفَارِقِ

14.كودا

( إيقاع حرّ / نثري مموسق)

هَا قَدْ تَشَظَّى هَوَايَ فِي غَمَامِهِ، وَالقَلْبُ يَسْكُنُ: أَحْدَاقًا مِنَ الزَّرَقِ

هَا قَدْ تَنَاهَى جَوَابُ العُمْرِ، يَنْظُرُنَا، وَالرُّوحُ تَسْبَحُ فِي عَالٍ مِنَ الأُفُقِ...

***

د. سعد محمد مهدي غلام

في عمق الصمت يولد المعنى وحيث يولد المعنى يُكتب الوجود ذاته

لَمْ أَكْتُبْكَ كما يَكْتُبُ العاشقونَ اعترافاً

بَلْ كما يَكْتُبُ النبيُّ دهشتَهُ الأولى

حينَ يكتشفُ أنّ النورَ امرأةٌ تُنصتُ للصلاةِ بعينينِ من طينٍ وماءٍ

لم تكن سريراً

كنتَ مئذنةً من شهقةٍ وجَسَدٍ

كنتَ الوردَ الذي تَعلّمتُ على نصلِهِ

أنَّ الجمالَ ليسَ رِقَّةً بل امتحاناً للدمِ

لم أكن شاعرةً تتكسّبُ بالقصيدةِ

كنتُ مجنونةً تُرمِّمُ جراحَها بالحبرِ

وتؤمنُ أنّ القصيدةَ أُنثى تُقيمُ في دمِها

تأكلُ من صمتِها وتشربُ من حنينِها

ولا تموتُ إلّا إذا نَسِيَت اسمَها

كتبتُكَ لا لأمتلككَ

بل لأخلُصَ من نفسي إليكَ

كنتَ خلاصي من اللغةِ

ومأوايَ من الرمادِ

ومعنى النورِ حينَ يضيعُ في الظلالِ

كلُّ ما فيكَ كانَ ميتافيزيقيا للحُبِّ

يدٌ تُنقِذُني من اليقينِ

وصوتٌ يُعيدُ صياغةَ الكونِ في أُذُني

كلُّ حرفٍ منك كانَ كوناً مُصغَّراً

وكلُّ لحظةٍ قربَكَ كانتْ خلقاً جديداً للعالمِ

الرِّجالُ يَكتُبونَني

وأنتَ وحدَكَ كنتَ مَن تُملِي علَيَّ نفسي

أنتَ الجملةُ التي لم تُكتَبْ في التوراةِ

والآيةُ التي نزلتْ على قلبي دونَ نبيٍّ

وفيكَ اكتملتُ

امرأةً تُؤمنُ أنَّ الخَلقَ يبدأُ من قلبٍ يُحبُّ

وأنَّ اللهَ حينَ يبتسمُ

يكتُبُها

***

مرشدة جاويش

 

مُتَعلّقاً بِعُرى الطُغاةِ وَيَدّعي

شَرَفَ المسيرِ مع الأُباةِ طَريقا

*

لَبِسَ القِناعَ تَنَكُّراً لكنّما

نَسَجَ الرِباطَ مع الفلولِ وَثيقا

*

وَيُبشّرُ الطاغوتَ جَنّةَ رَبِّهِ

إذ رامَ للبلدِ السعيدِ حَريقا

*

أَفَهَلْ يرى الطاغوتُ غيرَ جهنّمٍ

كم جائرٍ طلبَ الجِنانَ فَعيقا

*

عَجَباً لِمَنْ مَنَحَ الخؤونَ ولاءَهُ

أيَصيرُ للجبَلِ العنيدِ صديقا

*

مُتَناسِياً أنَّ المُسَمّى سادِرٌ

لَمْ يَتّخِذْ غيرَ اللعينِ رَفيقا

*

بِهُتافِ إمّعَةٍ وراءَ مُخادِعٍ

غَرِقَ الهَبَنّقُ في الخِداعِ عَميقا

*

كَمُهَرْوِلٍ جَهلاً وراءَ رُوَيْبِضةْ

شَدّتْ على عُنُقِ الهَبَنّقِ زيقا

*

حتى تهافتَ غفلةً وسذاجةً

عَبَثاً أعاتُبُ ساذجاً وغريقا

*

وبها غدا كالببّغاءِ مُحاكياً

وَيَهُزُّ ذيْلَ التابعينَ رَشيقا

*

يَجْتَرُّ من دَجَلِ الحَداثَةِ زيْفَها

وَيُعيدُ دوراً في الرياءِ عَريقا

*

لَعَنَ الخيولَ الصاهلاتِ مُفضّلاً

نَزَقَ الضفادِعِ قَفْزَةً ونَقيقا

*

ماذا أحدّثُ يابلقيسُ عن سَبَأٍ

قد أسكرَ القاتُ الرخيصُ صفيقا

*

لَيَشُمَّ من رِئةِ الكَذوبِ زفيرها

ويهابُ من رِئةِ الصدوقِ شَهيقا

*

يَرِثُ الضغينةَ للكرامِ قساوةً

ويدورُ في فَلَكِ القُساةِ رَقيقا

*

كَرِهَ الأُلى رَفضوا الهَوانَ لِأنّهم

عَشقوا الفِداءَ حقيقةً وَحقيقا

*

زَعَمَ الخلائقَ بالسجونِ خَليقةً

وَنَزيلَها بالمُهْلِكاتِ خَليقا

*

وَكَذا زنازينُ الأسى قَدَرُ الورى

لِجَحيمِها زُجَّ الأنامُ وَسيقا

*

وَرأى طَواغيتَ العُروشِ على هُدىً

وَ دَمَ الرَعيّةِ ساءَها فَأُريقا

*

أفتى : خنوعُ الجائعينَ فَريضةٌ

وَلَإِن بِها طحنوا التُرابَ دقيقا

*

وكذا السكوتُ عن المظالمِ حِكْمةٌ

فَحَذارِ أنْ يَعِيَ الورى وَ يَفيقا

*

قد صار من خَدَمِ الطغاةِ مُردّداً

نَغَمِ البِطانةِ جوْقةً وَ فَريقا

*

مُذْ ضيّقوا حولَ الجياعِ منافذاً

متوسّلينَ مع المجاعةِ ضيقا

*

هَدَموا على خيرِ الطيورِ منازلاً

فَلَكمْ تُواري ياغُرابُ خَنيقا

*

نشقَ الغبارَ مع الرَمادِ على الطِوى

وَزَعيمُهُ حَلَبَ الزُهورَ رَحيقا

*

أَيَظُنُّ مَنْ تحتَ الرُكامِ صغارُهُ

سَيَعيشُ حُرّاً طائراً وَ طَليقا

*

أَتَغُضُّ سمعَكَ عن هديرِ دمائهم

لِتَزيدَ من هَذَرِ الدَعيِّ زعيقا

*

وتعضُّ شاهِدِةَ الشهيدِ ولَحْمَهُ

وتخافُ من دَمِهِ الزَكيِّ بَريقا

*

مُسْتجْدِياً عندَ الأنامِ مَدائحاً

لِتَبُلَّ في دَبَقِ المدائحِ ريقا

***

د. مصطفى علي

 

1 ـ يَلُفُّ الصَّمْتُ أَبْعادي ظَلامَا

  وَيَزْرَعُ فِي مَسافاتي سِهامَا

*

2 ـ وَتَحْمِلُني هُبُوبُ الرِّيحِ ذِكْرَى

  وَتَسْكُبُ فِي مَآقِيَّ الْهُلامَا

*

3 ـ تُواجِهُني الْمَرايا بِانكِساري

  فَأَفْتَقِدُ الْأمَاكِنَ وَالْمَقَامَا

*

4 ـ وَأُطْرِقُ صامِتًا، وَالصَّمْتُ جُرْحٌ

  كَسَابِقِ عَهْدِهِ كَانَ الخِتَامَا

*

5 ـ أَأَهْرُبُ مِنْ يَدَيَّ لِكَيْ أراها

  تُشَيِّدُ حَوْلَ خُطْواتي الْخِيامَا؟

*

6 ـ وَأَرْجِعُ لِلْبِداياتِ اضْطِرارًا

  كَمَنْ فَرَضُوا عَلَى الرَّفْضِ الْتِزامَا

*

7 ـ أَنَا الْوَجَعُ الَّذِي يَمْتَدُّ سِرًّا

  كَجَذْرٍ يَشْتَهِي الْمَوْتَ الزُّؤامَا

*

8 ـ أَنَا الطِّفْلُ الَّذِي ضَلَّتْ خُطاهُ

  فَأَلْفَى الْعُمْرَ مَنْفًى وَاصْطِدامَا

*

9 ـ يُصادِقُ ظِلَّهُ فِي كُلِّ دَرْبٍ

  وَيَحْسَبُ صَمْتَهُ الْعالي اهْتِمَامَا

*

10 ـ أَنَا الصَّوْتُ الَّذِي قَدْ جَفَّ لَحْنًا

  كَصَخْرٍ بَاتَ يَنْشَقُّ انْقِسَامَا

*

11 ـ تَكَسَّرَ فِي حَناجِرَ مُغْلَقاتٍ

  فَمَا أَفْضَى إِلَى الدُّنْيا كَلامَا

*

12 ـ أَنَا النَّهْرُ الَّذِي تَاهَتْ خُطاهُ

  فَأَهْدَى لِلصَّحَارَى الاغْتِرامَا

*

13 ـ أُخَبِّئُ فِي التَّجاعِيدِ انْهِزامِي

  كَمَنْ قَدْ دَسَّ فِي ثَلْجٍ ضِرَامَا

*

14 ـ وَأَكْتُبُ فَوْقَ جُدْرانِ التَّجَلِّي

  حُرُوفًا لا ترى فيها انْسِجَامَا

*

15 ـ فَإِنْ ضَحِكَتْ شِفَاهِي دُونَ قَصْدٍ

  يَسِحُّ الدَّمْعُ شَلَّالًا مُدَامَا

*

16 ـ فَتُبْصِرُني الْعُيُونُ وَلَا تَراني

  سِوَى طَيْفٍ يَزِيدُ بِهَا الْقَتَامَا

*

17 ـ أَنَا الْمَنْفِيُّ سِرْتُ إِلَى بِلادٍ

  أُقاسِمُ شَعْبَها خُبْزًا حَرَامَا

*

18 ـ شَوَارِعُها تُراقِبُني اشْتِباهًا

  وَتَرْمُقُني بِعَيْنَيْها اتِّهَامَا

*

19 ـ أَنَا الْجُرْحُ الْمُقَيَّدُ فِي كِياني

  حِصَانٌ قَدْ أَعَدُّوا لَهُ لِجَامَا

*

20 ـ إِذَا حَرَّكْتُ أَطْرافي قَلِيلًا

  أَحُسُّ الْقَيْدَ يَزْدادُ اضْطِرَامَا

*

21 ـ أَنَا الشَّوْقُ الَّذِي أَضْحَى رَمَادًا

  وَكُلُّ مَلامِحي أَضْحَتْ رُكَامَا

*

22 ـ أَرَى فِي الْيَقَظَةِ الْأَحْلامَ وَهْمًا

  وَكُلُّ مَطامِحِي أَمْسَتْ مَنَامَا

*

23 ـ وأَهْرُبُ مِنْ مَنَامِي نَحْوَ صَحْوٍ

  فَأَلْقَى الصَّحْوَ أَغْلَالًا عِظَامَا

*

24 ـ أُسافِرُ فِي الْخَرابِ كَأَنَّ ظِلِّي

  تَجَسَّدَ مِنْ رَمادٍ لَا عِظَامَا

*

25 ـ وَأَسْأَلُ كُلَّ بَابٍ عَنْ مَفَازٍ

  فَيُغْلِقُ دُونَ تَنْهِيدِي اعْتِصَامَا

*

26 ـ أَنَا النَّايُ الَّذِي قَدْ شَاخَ يَوْمًا

  فَأَخْفَى عَنْ كَواهِلِهِ السَّقَامَا

*

27 ـ تَهاوَى فِي ثُقُوبِ الصَّمْتِ لَحْنًا

  وَصَارَ أَنِينُهُ الْعالي اتِّهَامَا

*

28 ـ أَنَا الْمِفْتاحُ ضَاعَ بِغَيْرِ بابٍ

  أَنَا الْمَهْدُ الَّذِي أَمْسَى حُطَامَا

*

29 ـ أَنَا الْمَشْنُوقُ مِنْ حَبْلِ التَّمَنِّي

  يَرَى فِي كُلِّ تَنْهِيدٍ حِمَامَا

*

30 ـ أَنَا الْعِطْرُ الْمُسَافِرُ فِي رِياحٍ

  يُفَتِّشُ عَنْ دَوَارِقهِ هُيامَا

*

31 ـ فَلَا قَلْبٌ يَضُمُّ شَذَاهُ يَوْمًا

  وَلَا أُفُقٌ يُحَدِدُهُ خِتَامَا

*

32 ـ أَنَا الْعَطْشانُ فِي صَحْراءِ رُوحِي

  أُقايِضُ ماءَ أَيَّامِي سَلامَا

*

33 ـ وَمَا نِلْتُ السَّلامَ أَوِ ارْتِواءً

  فَزِدْتُ بِهِ عَلَى ظَمَئِيَ أُوامَا

*

34 ـ أَنَا الصَّوْتُ الْغَرِيبُ بِأَرْضِ تِيهٍ

  يُنَادِي: مَنْ لِهذَا النَّبْضِ رَامَا؟

*

35 ـ فَلَا يَأْتِيهِ غَيْرُ صَدًى شَحِيبٍ

  عَلَى أَشْلَاءِ ذاتِ الصَّوْتِ حَامَا

*

36 ـ سَكَنْتُ الصَّمْتَ حَتَّى صَارَ بَيْتِي

  فَأَوْرَثَنِي عَلَى صَمْتِي وِسَامَا

*

37 ـ أَنَا الْجُرْحُ الْعَمِيقُ بِلَا ضِمَادٍ

  تَعَايَشَ لَمْ يَعُدْ يَرْجُو الْتِئَامَا

*

38 ـ أَنَا الْمَطَرُ الْخَجُولُ أَتَى لِأَرْضٍ

  يُوَاسِي الْجُرْحَ شُحًّا مُسْتَدَامًا

*

39 ـ يُبَلِّلُ وَجْهَها الدَّامِي وَيَمْضِي

فيُوقِظُ مَنْ بِهَذَا الْكَوْنِ نَاما

*

40-عسى يأتي الربيع بُعَيد لأي

  فتزهر كُلُّ أَزْهَارِ الْخُزامَى

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

 

يا حلوة َالقدِّ والعينينِ وا عجبا

أرى الصدود ولا أدري لهُ سببا

*

يا حلوةَ القَدِّ والعينين ذا ولهي

هو الدليلُ أعيشُ الوجدَ والنَصَبا

*

كفى ظنونًا فما قد قيلَ أرهقني

وزادني فوق ما عانيتُهُ وصَبا*

*

أما تذكرتِ ما قد قالَ عاذلنا

وما تَقولَهُ مِن خُبثهِ حطبا

*

فبانَ عندكِ أنَّ القولَ مُختلقٌ

لكاشحٍ قد بغى مِن خَلفهِ أربا

*

أما تذكرتِ ما قد قاله زمنًا

فجاءَ بالقول مبتورًا ومُنقَلِبا

*

أرادَ أنْ يَدَّري حُبًّا صفا وسما

ليزرعَ الشكَّ والاوهامَ والريبا**

*

لو انطلى بعضُهُ أو كاد ساعتها

لَكان حقّقَ ما يبغي بما حَلبا

*

لكنْ وَعَيتُ وإنّ الله ألهمني

ما كان يرمي له في قولهِ فكبا

*

فعاودي البسمةَ الزهراءَ تمنحني

روحًا جديدًا وقلبًا مُفعمًا صَخَبا

*

ولا تكوني كطفلٍ غرّهُ لهبٌ

وغايةُ الطفلِ أنْ يلهو به لَعِبا

*

حتّى إذا ما رمى في كفّهِ حُرقًا

بكى وسبَّ لِما قد نالَهُ اللهبا

*

وعاهديني جزاكِ الله صالحةً

لا تسمعي الافكَ كَمْ مُصغٍ لهُ نُكِبا

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

العراق/ الكوت - شتاء 1967

.........................

* صبا يصبو أي تشوّقَ بلهفة

** يَدّري: أي يغتال

 

أجلسُ على مقعدٍ من غيمٍ متشظٍّ،

أمامي غابةُ قصائدِ ناعسةٌ،

تغفو تحتَ ضوءٍ مُترفٍ،

كأنّها لا تسمعُ أنينَ الأرضِ،

ولا تلمحُ القهرَ يتدلّى من جفونِ الفقراءِ،

ولا تشمُّ دخانَ الجوعِ

حين يتصاعدُ من قدورٍ فارغةٍ.

*

الشعراءُ هناك،

يطرّزون أكمامَهم بألوانِ الطيفِ،

يُغنّون لعصافيرَ من زجاجٍ،

يُعلّقون أوتارَ القيثارةِ

على جدرانٍ لا تعرفُ صرخةَ السجينِ،

ولا زفرةَ المنفيِّ،

ولا عرقَ الأيّامِ على جباهِ العمالِ.

*

أمدُّ يدي إلى دفاتري،

أجدُها مثلَ عشٍّ مهجورٍ،

بيضُ المعاني فيه قد تعفّنَ

لأنّ الأجنحةَ تأبّت عن الحضانة.

أسألُ نفسي،

ما قيمة بيتٍ شعريٍّ

إن لم يضمدْ جرحًا،

أو يزرعْ قمحًا في حقلٍ يتيمٍ،

أو يُضيءَ نافذةً صغيرةً

في بيتٍ مبلّلٍ بالقهر؟

*

أيّها الشعراء،

تجرّدتم من دموعكم كأنّها أثقالٌ،

وركضتم وراءَ مرايا تلمعُ بالوهم،

لكنّكم نسيتم أنّ القصيدةَ بلا جرحٍ

إنّما هي غصنٌ مزيّفٌ،

لا ظلَّ له،

ولا عصفورَ يأتيه ليبني حياةً.

*

الكلماتُ.....

إن لم تتلوّنْ بماء الحقيقةِ،

فهي طير بلا ريش،

وتر بلا موسيقى،

وسطرٌ يتيهُ

في فراغٍ من زينةٍ باردةٍ.

***

مجيدة محمدي

في الليلِ

لمَّا خلِيَتِ الدَّارُ،

منَ اللفِّ والدَّوَرانِ

حولَ مركز ثِقَلِ الأحلامِ

ومصباحِ علاءِ الدِّين السِّحريّ،

وقفَ الشَّبَحُ بعيداً...

- بعينينِ مفتوحتين..

على الآخِر-

يترصَّدُ....

الظلَّ الَّذي..

خرجَ عنْ طورِهِ،

والألفَ ألفِ حراميٍّ..

وقاتلْ،

فأغلقُوا بابَ الهواءِ..

بمغاليقَ

مِنْ صُنعِ الحدَّاد الَّذي

أفسدَهُ الدَّهرُ؛

ليمنعَ المزاميرَ..

منَ الخروجِ

مِنْ خُرْمِ الإبرةِ

في مضاربِ الخارجينَ

عنْ خطِّ الاستواءِ

في وادي الاستقواءِ

بالأئِمةِ السَّاهينَ..

عنْ صَلاتِهِمْ،

وصِلاتِهِمْ،

الَّذينَ في بالي..

وفي بالِك؟

النَّائمين في حُضْنِ:

"إيَّاكِ أعني واسمعي يا...؟"

إنَّ الإبَرَ تشَّابهُ علينا،

فعلى أشكالِها تقعُ

بينَ الخيوطِ الَّتي

توصلُ بينَ الصُّدوعِ

في جُدارِ صُداعِ الرَّأسِ،

ونزيفِ الذَّاكرةِ،

والفكرةِ،

الفكرةِ الَّتي أوصلَتْ..

عَبيدَها

إلى مستنقع المُنقَلِبِ..

على عقبيهِ

بعد خرابِ البصرةِ،

بصرةِ (نعوذُ باللهِ..

منْ شرِّ الشَّياطينِ..

والحيتانِ)،

لا بصرةِ الحسنِ البصريِّ،

والفراهيديِّ،

وكاظم الحجّاج...

***

عبد الستار نورعلي

تشرين الأول/أُكتوبر 2025

(تأمُّلاتُ الكائِنِ فِي ضَوْءِ العَدَمِ)

لَمْ أَكُنْ أَسْكُنُ الرِّيحَ،

لَكِنَّ خُطَايَ تُقَيِّدُها حَصَاةٌ لَمْ تُولَدْ

هَلْ أُقِيمُ فِي مَدًى أَخْفَاهُ ظِلٌّ،

أَمْ أُسَافِرُ في هَواءٍ؟

كَيْفَ يَلْمَسُ جَسَدٌ: مَا لَا يُرَى؟

وَكَيْفَ أَعْرِفُني إِذَا نَامَ وَجْهِي في يَدِ الْمَاءِ؟

II

هُنَاكَ عِنْدَ غُصونٍ تُجيدُ النِّسْيانَ،

جَلَسَ الزَّمَنُ عَلَى كُرْسيٍّ مِنْ غُبارٍ

وجْهُهُ يَبْكي، وَلَكِنَّهُ يُشْبِهُني

في هُدْنةِ الوَجْعِ وتَمْرينِ الرُّؤْيا

أُقَنِّعُ نَفْسي أَنَّ الحَجرَ يُقْنِعُ الزَّهْرَةَ أَنْ تَكُونَ حُلْمًا،

وَأَنَّ الْأَثيرَ يَتَسلَّلُ مِنْ شَقِّ الكَلِماتِ

III

أَيَّتُهَا السَّمَاءُ، مَاذَا تُرِيدينَ؟

كَيْفَ تَتْرُكينَ جَسَدي يَنْهارُ فِي نَعْنَعِ الرِّيحِ؟

أَنَا خُطُوطٌ مَمْحُوَّةٌ فِي أَسَافِلِ الْخَرَائِطِ،

أُجَرِّبُ الْأَجْنِحَةَ، ولَا أَصِلُ

IV

هَلْ أَنَا الْأَوَّلُ، أَمْ صَدًى لِمَا لَا يَبْدَأُ؟

كَيْفَ يُقَبِّلُ الْمَوْتُ العِطْرَ في شَعْرِ الْأَصَابِعِ؟

كَيْفَ تَلْبَسُ نَبْتَةُ البُنِّ جَسَدًا يَفُورُ بِالخَفَقَانِ

ولَا تَبْلُغُ البُرْعُمَ؟

كودا: مِرْآةُ الغِيَابِ

أَبْحَثُ عَنْ وَجْهِكِ فِي وَقْتٍ لَا يُجِيدُ السُّؤَالَ،

أُغَنِّي لِأَسْرِقَ نَبْضَ اللُّغَةِ،

أَتَوَغَّلُ في أَرْضٍ لَا تَتَنَفَّسُ.

في خَريفِ المَاءِ تَنْبُتُ عَيْنَايَ كَسَرَابٍ،

وكُلَّمَا اقْتَرَبْتُ، سَقَطْتُ كَنَجْمَةٍ في طِفْلِ الغَيابِ،

وأَسْتَيْقِظُ فِي مِرْآةٍ تَتَشَقَّقُ فِي الرِّيحِ،

لِأَرَى وجْهِي يَخْرُجُ مِنِّي كَضَوْءٍ يَبْكي على نَفْسِهِ

تَوْقيع

كُلُّ مِرْآةٍ تَكْسِرُني تُريني نِصْفَ نَجْمَةٍ يَحْتَرِقُ فِيّ

***

سعد محمد مهدي غلام

لا للقاءِ البَنفسجِ في عينيك

أخْشَى أن تَتَبَخَّر أحلامِـي

مللتُ ترتيلةَ السَّفر

أطفِئْ لَهيبَ شَفتيك

وارْحَلْ مع تَهلِيلةِ القَمر

عناقيدُ غَيمَتِي لَمْ تَكتَمِل

وصحراؤُكَ عَطْشى...

هاكَ كلماتِ رَحيلِكَ لِتَقرأَها ..

وبعض َ قطراتٍ نَديَّةٍ تَلثُمها

عندما يَجِفُّ القلب

و يَكِفُّ الماءُ

لم أنتهِ بعد مِنْ رَسم

مَلامِحِك, إيحاءاتِكَ, ضُوئِك

الذي تخلد  إليه فراشاتي

وتَتكِئ عليه تنهيداتي

ولم أنتق ِ الوردَ الذي..

ألِفُّ عِطري عَلى أغْصانِه

ولا النَّسائمَ التي سَأرفُّ

على شَغافِها

تَمهَّلْ ... تمهَّلْ سَيِّدي...

أرجوك لا تقتَحِم

أسوارَ الكُحل

هِيَ رِحلةٌ إلى

أهدابِ الخُلود

إذا لم تـكُنْ

شَهيـدَ الشَّقائـق

فكُـنِ النَّـارَ التـي

أُبـحرُ فيـها..

***

سلوى فرح - كندا

 

حين تنساب مدامع مشاعري غيمةٍ شاردة، أتوسد هجير ظلي أضغاث شكوى، يتهافت ودق الوجع هذيان شعور ينابز رحيق أمسي، تنتابني لَسعَات كبرياء، تتوشح همسي عناء قنوط، سهوا، تختلط أنفاس بوحي غلالة صمت، أهرب إلى هزار نفسي بارتداد صحوي، معتكفة ذوات مفري، كنحلة أبت أن تفقد ظلها حتى تداعت من مهب رحيقها الى غرة الريح على حين وخزة، فأُصيبت بقاع ألشهقة، وأنَفَة طنين الانكسار، فاغرة احداق خيبتها بكل ما أوتيت من ضعف حميم، ما زال حلمها يرسم لها جناحا، أظنني أشبه ظلها!!، أم تشبَه أناي!!، حتى أقدُ شمل الأنين، أحتضن شتات حواسي من أشلاء ذهولي، أسند وهن تفقدي لنشوة قوتي بفرط آآآه تتكسر، أتكئ على طيف أوجاعٍ تربت على يد كاهلي نشوة ساخرة، تنفض غبار غيض من كتف الحسرات، أبوح لارتجاف الألم كتمان آآآه في مأتم التصدي، يتسامى خضاب همومي إلى سحابة خيبات ضروس، لتمطر رمق أحزاني بعيدا عن مرافئ العيون، أذرفُ زجل تنهداتي بتيه الزفرات، تعاتبني مرآة روحي: كفكفي ريق عينيك!، مزقي صفحات الآه برمق تجلي، وأمحي شجونك الواهية برياح فأل عاتية، شيء ما ينتظر برهان ذاكرتك!، تنتفض بقايا حولي، فما أرى إلا بصيص حلم ينتظر شهيق صحوة، ربما يشذب شجن اليأس بكف زوال القدر، لذا أرزم حرير روحي ريع تجربة غافلة، ووو أواصل سذاجة التقدير بجزء مني خذلته!!، تركته يلهث زفير التصدع!!، وآخرتغلغل في أمس نسيجي نبض عالق، وهرولة شعوري تهمس: موجة ألوجع ترمم نشيج الخيبة في قفار الروح.

***

إنعام كمونة

22/9/2025

 

طَلَّتْ على عَجَلٍ تُريدُ زيارَتــي

ورَنَتْ بطَرفٍ زادَ في آلامــي

*

ألقتْ علَيَّ سَلامَها بتدلُّلٍ

فاهتزَّ قلبي وازدهَت أيّــامي

*

قالتْ: سَمِعتُ بأنَّ قلبَك راعِفٌ

يبكي الجِراحَ ويستغيثُ هيامي

*

فأجبتُها: ما كنتُ أرجو غيرَها

يا بهجَةَ القلبِ الحزينِ الضامــي

*

إنّي سقيتُ الحبَّ من أنفاسِها

كي يُزهَرَ العُمرُ الكئيبُ أمامــي

*

يا زهرةً أهدَت لروحيَ نسمةً

فتفتَّحَت بربيعِها أحلامــي

*

إن غِبتِ عن عيني فحبُّك حاضرٌ

يسقي فؤادي من ندى الإلهامِ

*

لو تعلمينَ كم انتظرتُ قدومَكِ

لجعلتِ وصلي أُمنيةَ الأيّــامِ

*

لكنَّها شمسُ الصِّبا في مطلعٍ

وأنا أُلاقي في المسيرِ ظلامِي

*

هيَ في ربيعِ العمرِ تورقُ زهرةً

وأنا غريبُ الدربِ بينَ رُكامــي

*

تمضي خُطاها كالنسيمِ مُدلَّلًا

وأنا أجرُّ خطايَ نحوَ حِطامــي

*

يا ليتَني ألقي الشبابَ بوجهِها

كي أستعيدَ بضحكةٍ أيّــامي

*

لكنَّ حبًّا في الفؤادِ يضمنا

فغدوتُ أُزهرَ في ظلالِ غرامــي

***

د. جاسم الخالدي

أيّها الشعراء،

ما جدوى أن تلمع حروفكم في المجرّة

كأقمارٍ مصقولة،

إن لم تهبط على التُّراب،

فتعفّر جبهتها بعرق الوطن؟

*

ما جدوى أن تُرنّموا بالأوزان

وتُزخرفوا المعاني بأصداف البحر،

إن بقيت قواربكم

تطفو على سطح الوهم،

ولا ترسو في مرافئ الجراح؟

*

أيّها الشعراء،

الكلمات ليست مرايا للزهو،

إنّما مطارق تكسر جدران العتمة.

القصيدة ليست غيمة عابرة،

إنّما غيثٌ يطفئ نار الحصار.

*

أيعقل أن تغنّوا للنجوم

والأرض تئنّ تحت ثقل الدم؟

أيعقل أن تفرشوا للقصائد أجنحةً من بلّور،

بينما أطفال الوطن

ينامون على شوك الخيام؟

*

أيتها الكلمات،

عودي إلى حقيقتك الأولى،

إلى كونك سيفاً يشرع في وجه الظلم،

إلى كونك مرآةً تمسح دمعة أمّ

وتحتضن كفن شهيد.

*

أيّها الشعراء،

لا معنى لكم بلا وطن،

ولا وطن بلا صراخ الحروف

حين تُنشد العدالة،

ولا عدالة بلا دمعة تجفّ

على جبين القصيدة.

*

فلتكن الكلمة جذراً،

والقصيدة نهرَ ملحٍ ودمع،

وليمشِ الشعر عارياً،

حافياً،

حتى يلمس وحل الأرض،

ويصير تراباً،

ويصير صرخةً،

ويصير خلاصاً

***

 مجيدة محمدي

يقلبُ الوُدُّ موازينَ القُوى

وبه تُزهقُ أو تُحيا نفوسُ

*

عُدَّ كمْ مُنتصرٍ ذُلَّ به

بعدَ أنْ كانتْ لهُ تُحنى الرؤوسُ

*

عدَّ كم مُنهزمٍ عزَّ به

فغدا في بابهِ يحْلو الجُلوسُ

*

تقهرُ الدُّنيا به من لم يُودَّ

ومنْ وُدَّ به الدُّنيا تَسوسُ

*

وتُردُّ الكاسُ ممّن لم يُودَّ

ومن وُدَّ له مُدّتْ كؤوسُ

*

وتفرُّ الجنُّ ممّن لم يُودَّ

ومنْ وُدَّ له الإنسُ أنيسُ

*

ويقاسُ العيشُ بالعامِ ومنْ

وُدَّ بالدّهرِ وقد لانَ يقيسُ

*

والذي وُدَّ به الدُّنيا سلا مٌ

وبالغير الدّنى حربٌ ضروسُ

*

والفَنا يُدنيْ امرَأً ما وُدَّ لـ

ــــكنّه من وُدِّ من وُدَّ يؤوسُ

*

فلتَوَدُّوا كي تُوَدُّوا واعلموا:

ما اتّقى ودَّ الورى إلّا التعيسُ

*

وحياةٌ دونَ وُدٍّ للرّدى

- وإنِ امتدّتْ لأدهارٍ- طقوسُ

***

أسامة محمد زامل

 

إذا لم أكنْ معكمْ في البحارْ

فأنا معكمْ في البحورْ

ولكنني سوف أُبحرُ يوماً مِن الفاوِ

رغمَ ضبابِ الخليجِ وغدرِ الخليجْ

شراعيَ في زورقِ القصبِ السومريِّ فؤادٌ لشاعرْ

وأمتعتي حنطةٌ وتمورْ

لا اتاجرْ

ولكنَّها في متاعي هباتٌ لأطفالِكمْ من بلادي

ومعي اذْ اسافرْ

رياحٌ تعالجُ هذا الزمانَ الذي أمعنَ في السيرِ في وجهةِ الجور

كيما يدورْ

***

شعر: كريم الأسدي ..

............................

ملاحظة: زمان ومكان كتابة هذه القصيدة في الثاني من تشرين الأول 2025 ، العراق.

1 - (ألمدونة الأولى):

بعدَ ثلاثين عاماً من الصمت

قالتْ صورتُكِ الفوتوغرافية: إنكِ تشبهينني

أنفكِ يُشبهُ أنفي

إذ يضيق على حريتي هواء العالم

عيناكِ تُشبهان عينيّ

إذ تتكدّسُ تحت جَفنيّ

أحلامٌ عسيرة على التحقق

حتى عِنادُكِ إذ تعجزين عن إنطاقِ ما ترسمين

فتشطبينهُ، أو تمزقينه

يُشبهُ عنادي

إذ أحجبُ أسناني الغاضبة وراءَ ابتسامة

كي لا آكلَ نفسي

*

كيف لم أتنبّه

بأنكِ كنتِ أنا

وبأني عندما أحببتُكِ

إنما كنتُ أحبّ نفسي

**

2 - (ألمدونة الثانية):

كثيراً ما التقينا صامتين

يغوصُ كلّ منا في عين الآخر

كاتماً استغاثته في أعماقه: (النجدة ... أنني أغرق)

لكنّ الكلمات التي كتمناها لم تمت

ظلتْ تتنفس ، وتنبض داخل أفواهنا

تتأرجح

وتقفز كالأرانب فوق أسناننا

كأنها تتوسّلنا

أن نحوّلها إلى قبلات

**

3 - (ألمدونة الثالثة):

يأتي صوتها نابضاً عبر الهاتف

كأنّ قلبَها بين شفتيها

أصغيتُ إليها بصمتْ

فقد أردتُ أنْ أرتوي من هذا العطر المسموع

وأسقي به جسدي وذاكرتي

لعلّ خلاياي تتحوّلُ إلى أواني زهور

*

عندما صمتتْ

توقفتْ أمطارُ الموسيقى

فبدأتُ ألهثُ من العطش

وبدأ جلدي يتشقق من اليباس

***

شعر / ليث الصندوق

لو مشيتَ ما شئتَ

وحلمتَ ما شئتَ

وسافرتَ ما شئتَ

فلن يتبدَّلَ شيءٌ

سوى أَنَّ أَصابعكَ ستتذوَّقُ ملحَ الحياةِ،

ونبيذَ انكساراتكَ

قلبُك سيكون حُرّا بما يجعل منفاك بيتا

*

أَنتَ الآن وحيدٌ في غرفةٍ تجمعُكَ بهذا الكونِ

لا تريدُ أَن تضحكَ لأنكَ نجوتَ

فقد مرَّتْ ببابكَ المواربِ آلَافُ الطَّعناتِ

التصقَ بكَ الشَّكُّ

وتمثَّلَ لكَ السَّبيلُ على أَنَّهُ مفتاحُ القفرِ

ثم غمزَ لك النَّجمُ

غامرتَ، قبلَ أَن تُفصحَ السَّاحراتُ عن أَسرارهنَّ

حسبتَ أن تتبدى في الأفق وحشتك.

*

أنتَ أيضا ابنُ السَّواقي

صدَّقتَ أنَّ الشُّموعَ تحتاجُ إلى ليلٍ

والينابيعُ إلى سماءٍ مُترفةٍ

والبحرُ إلى موجةٍ ناعسةٍ

يتَّكئُ عليها فجرُكَ

*

مررتَ بأيلولَ شاحبًا

وظننتَ ألَّا يعودَ

حتى يطردَ هذا السَّأمَ.

***

زياد كامل السامرائي

تَرَكْتُ قلبي طِفْلًا

يَحْبو على سَفْحِكَ،

وغادرتُ صَوْمَعَتي…

*

هُناك، خَلْفَ الغوطة،

تُوَدِّعُني أشجارُ حَوْر،

وعَرائشُ كَرْمٍ،

وزَهْرُ ياسمين،

*

أَحْمِلُ على كَتِفي

حُلْمًا عَمَّدْتُهُ بالدموع،

و تعويذات عَفَّرْتُهُا بثرى الحوراء ..

***

غُرْبَتي تَفْتَرِشُني خلف أسوارها،

بِساطًا من شَوكٍ،

وأوراقِ صَبّار.

وبيوتًا تُحْرِسُها

شياطينُ نار،

*

والفَجْرُ فيها مَحكومٌ بالإعدام.

نهاري يَئِنُّ…

وليلي تَسَمَّرَ بالظُّلْمَة،

تَسَلَّحَ بالخوف.

*

وشَراييني يَسري بها دمٌ،

في قلبٍ أَقام خَيْمَتَهُ

عندَ أعتابِ رُباك…

*

يَعُبُّ مع النَّسمةِ الأولى

كَأسًا مِزاجُهُ

من سُوسَنٍ

تَعَتَّقَ شَذاك…

***

قاسيون…

لَيْتَكَ تُرْسِلُ لي معَ العصافير

نَسائِمَ تُداعِبُ وَجْهي،

وتَرانيمَ تُداعِبُ مَسامعي.

فأُغَنّي معها:

*

تَرَفَّقْ بعِشقي،

ولا تُسْرِجْ خُيولَكَ…

*

فإنَّ زمانَكَ،

ذلكَ الذي يَتَمَنّى النِّهاية،

لَم يَنْعَقِدْ بَعدُ..!

*

كيفَ أَغْفو؟

وقَلبي عندَكَ أَضْناهُ السُّهاد؟

*

هاتْ عَيْنَيْكَ بُحَيْرَةَ حُبٍّ

كَيْما أَرى..!

*

الغُرْبَةُ خَطَفَتْ ظِلّي،

وأَحْرَقَ جُفوني طُولُ البِعاد،

*

تَجَمَّدَ الدَّمُ في عُروقي،

فما عادَ يَجري فيها

سِوى صَهيلِ حُبّكَ،

واشْتِعالِ أشواقٍ لشآمِكَ،

مَعْجونةٍ بالثَّرى…

*

يا لَيْتَني سَحائبُ أُمْنِيات،

أُمْطِرُ على سُفوحِكَ،

وأُحَدِّثُكَ عن بَلْوى فِراقِكَ…

وما جَرى..!

***

جواد المدني

ألحَقَني بالعهدِ المُتبقّي من سالفِ أزمانِ

يوري أولاعي قَدْحا

ويُصيخُ السمعَ لآذانِ عريقِ النسيانِ

هلْ اُوقفُ هذا المجرى وأَصُدُّ السيلَ بأنماطِ الحِرمانِ؟

البُعدُ النائي حقٌّ لا يقبلُ شكّا

ويُحوِّلُ سيرَ الركبِ من الأوّلِ للثاني

شتّانَ وإنْ كلَّ المتنُ وشقَّ عصاةَ الطغيانِ

فتحمّلْ عفوَ الخاطرِ والمغزى

نأيٌ أفضلُ من لؤمِ الكائنِ في الإمكانِ

يُطفئُ لا يُشفي لا يُجدي نَفْعا

فتأقّلمْ والحسرةَ في دقِّ المسمارِ

هَدفٌ أبعدُ من حَسَراتِ النفسِ ومن صدِّ المطرودِ

لا شَغفٌ يتنقّلُ بينَ العينِ اليُمنى واليُسرى

كسرابِ الدورةِ في دُولابِ طواحينِ الأهواءِ

أبعِدْ عنّي عِبء الضغطِ على بابِ الأحيانِ

الشمعُ الأحمرُ أجزاءٌ تتفاوتُ شتّى

الردُّ القاسي في جردِ المردودِ وقوفٌ أقسى

مالي والشمعةُ في عينِ الباكي قنديلٌ أعمى

أخشى تمزيقَ عهودٍ مرّتْ سهوا

لا أدري فرَّ الجسرُ وخانَ النهرَ وبَدَلَ معنى المجرى !

أسرعَ من قرعِ سقوطِ الشمسِ على أثوابِ الطقسِ

هيهاتَ وهيهاتا

النأيُ مسافةُ شبرينِ فهَبْني ساعةَ ترويضِ الشمِّ

حتَى تطغى أوداجُ الملحِ وتصفّرَ الشطآنُ

اللوحةُ في العَتمةِ صفراءُ

لا ظلٌّ فيها لا أثرٌ للوجهِ الثاني

لا تفتحُ للبابِ المسدودِ جوانحَ قلبٍ خفّاقِ

كشفُ الآفاقِ السودِ مصيرٌ مجهولُ

إرفعْ عُمُداً فالقاني كالنائي

وطبولُ السفرةِ شوقٌ موجيُّ العَبَراتِ

واحمِلْ لوحوشِ البحرِ الضاري قنديلا ...

الكوكبُ تدليسُ

الموجُ يئنُّ أنينَ خريفِ الحيتانِ

إذْ تمخرُ عِبءَ الماءِ وتستجلي سِرَّ فصولِ الطُوفانِ

وسلاسلَ من غيمِ الضيمِ

قالوا لا تُشرِعْ صاري الإقلاعِ

البحرُ عجيبٌ إنْ شقَّ عصاةَ الإبحارِ

الكوكبُ تدليسٌ والدُنيا دولابُ خريفٍ دوّارُ

يخبطُ أحلامَ الرؤيا خَبْطاً عَشوائيّا

ويُصفّي فصلَ الماضي بسقوطِ الأوراقِ الصْفرِ

دارتْ أو لا حَلْقاتُ الدرسِ القاسي ونوءٌ يجتازُ العامَ فصولا

لا مِنْ حدٍّ يحدوها لا مِنْ ساعٍ يُحصي دقّاتِ الأنفاسِ

ظِلٌّ يبقى مهما طالَ جلوسُ الجُلاّسِ.

***

عدنان الظاهر

أيلول 2025

الليلة الأولى بعد الألف – الحسناء ذات الضفائر المضيئة

لمّا انقضت الألف ليلة وليلة، التفت شهريار إلى شهرزاد وقال:

يا شهرزاد، لقد أحييتِ قلبي بحكاياتك، وفتحتِ لي أبواب عالم الخيال بعد أن كنتُ أسير الدماء والظنون، فحدثيني عن تلك الحسناء الجميلة، التي أسرت قلوب الملوك والأمراء، وبأنها فاقتك بالحكايات، والحكمة والدهاء...

ابتسمت شهرزاد بعينين تحملان سرًّا، وقالت:

يُحكى – أيها الملك السعيد، ذو الرأي الرشيد – الحسناء جميلة الجميلات، تروي من القصص ما يفوق ليالينا. يا مولاي، هذه الحسناء ليست كغيرها من النساء، لها ضفائر طويلة تتدلى كالأنهار المضيئة في الليل، تشع نورًا يملأ الأزقة والحدائق، كأن السماء نفسها تهبط إلى الأرض وتشعها نورًا.

في تلك الضفائر، سرّ الخلود مخبوء… ومن يجرؤ على أخذ خصلة قبل طلوع الفجر، يُمنح حياة أطول وذكاءً وحكمة وقوة تفوق الوصف، لكن حين يطلع ضوء الشمس، يذوب السحر، وتصبح الضفائر عادية، ويزول أثر الخلود.

تابعت شهرزاد:

كانت هذه الفتاة تعيش في مدينة عظيمة، رجالها يحرسونها ويحافظون عليها، يعلمون أن خير مدينتهم يتدفق من ضفائرها المضيئة، وعندما تخرج بين الأزقة، يرون نورها يتلوّن على الأرصفة، فيشعر كل قلب بالفرح والأمل، ويعرف الجميع أن الخير قد تجسّد في شكلها.

ثم قالت شهرزاد بخفّة وحزن خفي:

إن الملوك يتقدمون لخطبتها، لا لجمالها، ولا لحكمتها ولا لنسبها… بل ليأخذوا خصلة من ضفائرها قبل طلوع الفجر، فلا يسمعوا حكمتها، ولا يستمعوا لحكاياتها، ويذهب سر الخلود معهم، وكل محاولة من هذا النوع تؤذيها، وتنطفئ معها ضفائرها المضيئة، وينحسر الخير عن المدينة، عندها يحزن رجال المدينة لحزنها، ويحزن كل من يعرفها، لأن حال المدينة مرآة لقلبها، وكل سعادة كانت تمنحها تُفقد.

ثم أمالت شهرزاد رأسها وقالت:

وهكذا يا مولاي، كل ليلة تصبح اختبارًا: من يحمي سرّها ويقدّر نورها، ومن يطمع فيه…

ضحكت شهرزاد بخفّة، وقالت:

يا مولاي، هذه الفتاة تحمل بين ضفائرها مملكة كاملة، لكن سرها العظيم، لم يسمعه أحد بعد…

فقال شهريار بدهشة:

ويحهم من الملوك! أيكون في الأرض ما يفوق جبروتي، عجبًا؟ إذن احكي يا شهرزاد، فما زلتُ عطشانًا إلى الكلام.

وهكذا ابتدأت شهرزاد لياليها المضيئة…

***

د. نسرين ابراهيم الشمري

 

أربع قصص قصيرة جدًا

1. قشة الحياة

حين يصبح الأمل خيطًا يتشبث به القلب وسط العواصف.

كانت العواصف المتوارية تجتاح مدينة أفكاره دون استئذان، فتغرق قصائد آماله بمياه الحزن، مهدّمًا جدران أفقه، حاجبًا عنه مديات رؤيته، كأن ضباب الليل يخفي حقيقة زيارة الريح؛ وفي غمرة الفوضى المفتعلة، تنتفض التعاسة من جوف الذكريات، فتطفو آنيّها على هامات القدر، ممسكًا بقشة الحياة كي لا تهوي في هاوية النسيان.

**

2. عتمة وردية

بقايا الحب حين يخفت النور ولا تنطفئ الذكرى.

تلاشت هالة الشوق تدريجيًا، حتى ابتلعتها دوامة النسيان؛ وفي الأفق، بدأت عتمة وردية تتسلل بخفة، تشوش صفاء السماء دون أن تطفئه. لم تكن تلك العتمة وليدة فراغ، بل امتدادًا لخبو نورٍ كان يومًا ساطعًا، ذلك النور، الذي حمل مكامن الشوق والعاطفة، أبى أن ينطفئ بالكامل. فترك خلفه توهجًا خافتًا، لم يكن سوى ظلال ذكرى تتشبث بما تبقى من الضوء.

**

3. الصفعة الأخيرة

حين تُصفع الحقيقة، لا الوجه

حدث هذا في الخيال، والطائرة ما زالت جاثمة على أرض المطار.

صفعتها المضيفة، فاهتزت الكاميرا. لا صراخ، فقط نظرات تتبادل الاتهام، والأغرب: لم يعترض أحد.

ثم قيل إنها قصة حقيقية، وأن الراكبة تملك الطائرة.

لكن أحدًا لم يسأل:

كيف صعدت بلا تذكرة؟

كيف جلست بلا إذن؟

كيف صمت الكابتن؟

وكيف بقيت المضيفة في وظيفتها.

الصفعة لم تكن على الوجه، بل على المنطق.

وفي زمن القصص المفبركة، كل شيء ممكن…

إلا الحقيقة.

**

4- غروب الوطن المحترق

في قيلولة الشفق، رأيت الحرائق تمتد بلا نهاية. الذكريات طفت على بحرٍ من الألم، والحلم تسلّق كتفي كالشبح.  ناداني صوتٌ من جوف الفراغ: "هل نسيتهم؟"

نظرت إلى قدمي المغروستين في الأرض، كأنهما ترفضان الرحيل. الصدى يخجلني.

نعم ــــ تضحياتهم ذهبت هباءً، واللصوص يتربعون على العدالة.

حينها فقط، أدركت أن الوطن لا ينزف… بل يُدفن.

***

كفاح الزهاوي

..........................

* في زمنٍ تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، وتُروى القصص كما تُفبرك، يبقى للكتابة دورها في كشف ما وراء الصورة. هذه أربع ومضات، لا تطلب من القارئ تصديقها، بل تأملها. فيها من الشجن ما يلامس الحب حين يخفت، ومن السخرية ما يفضح الزيف، ومن الرجاء ما يتشبث بالحياة ولو بقشة، ومن الألم ما يفضح خيانة الوطن حين يُباع ويُدفن. ليست هذه القصص إجابات، بل إشارات. وميض في عتمة الواقع، حيث لا ينطفئ الضوء تمامًا، لكنه لا يُنقذ أحدًا من الظلام.

مَا زِلْتُ أَقْرَأُ فِي عَيْنَيْكِ لِي أَمَلًا

يَسْرِي بِقَلْبِي غِنَاءً بَاتَ يُطْرِبُهُ

*

وَفِي مَلَامِحِكِ الْإِشْرَاقُ يَأْسِرُنِي

أَضَاءَ بِالْعِشْقِ مَا قَدْ كَانَ يَحْجُبُهُ

*

فِيكِ السُّكُونُ وَفِيكِ الْبَوْحُ مُكْتَمِلٌ

وَفِي دَمِي مِنْ شَذَاكِ الشِّعْرُ أَكْتُبُهُ

*

إِنِّي حَفِظْتُكِ عِشْقًا فِي الْفُؤَادِ أَوَى

فَلَا الزَّمَانُ وَلَا الْأَفْلَاكُ تَسْلُبُهُ

*

فَالْعَيْنُ مِنْكِ وَإِنْ أَغْمَضْتِ تَرْشُدُنِي

وَالنَّبْضُ فِيكِ حَنِينٌ لَا أُكَذِّبُهُ

*

لَا تَسْأَلِي كَيْفَ أَهْوَى، فَالْهَوَى شَغَفٌ

وَالْحُبُّ لَا يَعْرِفُ التَّفْسِيرَ مَذْهَبُهُ

*

تَبْقَيْنَ وَهْجَ اشْتِيَاقِي كُلَّمَا افْتَرَقَتْ

خُطَايَ عَنْكِ، فَعَيْنِي لَا تُغَيِّبُهُ

*

أَشْتَاقُ حَتَّى كَأَنَّ الدَّمْعَ يَسْأَلُنِي

مَتَى اللِّقَاءُ؟ وَوَجْدُ الْقَلْبِ يَصْحَبُهُ

*

إِذَا تَنَاثَرَتِ الْأَيَّامُ فِي خَلَدِيْ

أَرَاكِ طَيفًا، وَفِي صَدْرِي أُقَلِّبُهُ

*

يَمْضِي الزَّمَانُ وَيَبْقَى الْحُبُّ أُغْنِيَةً

تَشْدُو بِهَا مُهْجَتِي شَوْقًا وَتَسْكُبُهُ

*

أَمْضِي إِلَيْكِ اشْتِيَاقًا بَاتَ يَسْكُنُنِي

حُلْمًا جَمِيلًا، وَفِي الْأَعْمَاقِ أَعْذَبُهُ

*

مَا زِلْتُ أَرْكُضُ فِي عَيْنَيْكِ مِنْ وَلَهٍ

وَالشَّوْقُ يَحْمِلُنِي، وَالْتَّوْقُ مَوْكِبُهُ

*

فَلْتَمْنَحِينِي يَقِينَ الْقَلْبِ وَاحْتَضِنِي

نَبْضِي إِلَيْكِ، وَلَيْلُ الشَّوْقِ مَرْكِبُهُ

*

فِيكِ ابْتَدَأْتُ، وَفِيكِ اللهُ يَكْتُبُ لِي

مِيلَادَ حُبٍّ، عَلَى رُوحِي سَأَكْتُبُهُ

***

للشاعر فيصل النائب الهاشمي

في نصوص اليوم