عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

خيوط الشمس الذهبية تنتشر في كل زاوية من أركان المدرسة، تلمع على الطاولات وعلى وجوه الأطفال البراعم الصغيرة..

 معلمة الرسم مبتسمة، تراقب أصابع الأطفال التي تتحرك بين الفرشاة والألوان، وكأنها تعزف سيمفونية صغيرة على لوحة بيضاء..

جائزة اليوم ستذهب لأفضل رسام، يمزج الألوان بطريقة تعكس روح الحياة..

في ذلك اليوم، لم تكن المسابقة مجرد مزج ألوان؛ كانت نافذة للحياة، نوافذ صغيرة تُطل منها أحلام الأطفال، حيث تُكتب الفرحة على جدار المدرسة.. ثم تضيع، كما ضاعت الدار التي حلموا بها حين كبروا ولم يجدوها..

أنهى صابر لوحته ورفعها بفخر للمعلمة ولزملائه.. وطنه، المساحات الخضراء غابت، وألعاب الطفولة تبدّدت، وبقيت فقط مساحات الصغار.

كانت لوحة مختلفة، صامتة لكنها صادقة، تحمل ألم الوطن وشح الحياة فيه، لكنها في الوقت نفسه تعكس رؤية الطفل لعالمه ببراءة وصدق.

لم تكن المسابقة مجرد مزج ألوان، بل كانت نافذة لعيون الأطفال على الحياة، لكل حلم صغير، لكل فرحة ضائعة، لكل ذكرى ودار كتبناها على جدار المدرسة ولم نجدها بعد أن كبرنا.

رسم صابر لوحة مقابر.. بلون بني قاتم.

***

د. نسرين إبراهيم الشمري

 

كان الليلُ يُطبِقُ على الجهاتِ كلِّها كجدارٍ بلا أبواب،

والأرضُ ممدودةٌ مثل صفحةٍ من غبارٍ قديمٍ، لا يَجرؤ أحدٌ على الكتابة عليها .

غير أنّ في العظمِ صوتاً خفياً بدأ يَرتجُّ،

كأنه سحابة مرعدة لم تجد ارضها بعد،

صوتٌ يريدُ أن يتجسَّد،

أن يصيرَ خطواتٍ على الحصى،

أن يُثبت أنّ الحكايةَ تبدأ حين يُصرُّ إنسانٌ على أن يَصنعَ مقامَهُ بنفسه.

*

مشى… والظلالُ تَطوفُ حوله كذئابٍ من دخان،

والأحجارُ ترتفعُ أمامهُ كسؤالٍ يتجدّد عند كلِّ خطوة.

لم يحملْ خريطةً، لم يسألِ الغيمَ عن وجهة،

يريد إسترجاع الطريقِ القديم ،

وتطويعَ الأرضِ لتُقرَّ بوجوده.

*

وفي العراء، لمحَ كائناً صغيراً،

طفلاً يتيمَ الملامح،

يجلسُ على هامشِ الريحِ كأنّهُ ينتظرُ من يعترفُ به.

اقتربَ، فرآهُ مكسوراً، مطعوناً ،

طفلاً اغتيل إسمه بالصمت .

فعلم أنّهُ الشرف،

ذلك اليتيمُ الذي أهملهُ الجميع،

المطروحُ على العتبات،

الذي لا يُرفَعُ إلا بيدٍ تؤمنُ أنّ الاحتضانَ امتحانٌ للنار،

وأنّ النارَ لا تُحرقُ مَن وُلدَ ليصيرَ وقودَها.

*

مدّ ذراعيه وحملهُ إلى صدره،

فاشتعلَ الدمُ في عروقهِ،

صار أثقلَ، لكنّهُ أكثرُ امتلاءً،

وصارَ الجسدُ حجراً جديداً

وانقلبَ الطريقُ إلى ملحمة،

صارَ كلُّ حجرٍ كلمة،

كلُّ غبارٍ جملة،

كلُّ ارتطامٍ بياناً يكتبهُ بصوتٍ لا يَعرفُ التردّد.

*

لم يعدْ يسيرُ وحده،

كان يجرُّ خلفهُ ذاكرةً بأكملها،

ذاكرةَ السقوطِ والصعود،

ذاكرةَ الذين انحنوا،

والذين قاوموا،

والذين ناموا على أرصفةِ الانتظار.

كلُّ ارتعاشةٍ في جسده كانت صفحةً جديدةً

في كتابٍ لا يريدُ أن يُغلق،

وكلُّ صمتٍ حوله كان يشهدُ أنّ المكانَ يُولدُ الآن،

من خطى إنسانٍ يرفضُ أن يكونَ ظلّاً لغيره.

*

وفي الليل، حين تخلّت النجومُ عن الحراسة،

ظلَّ يسمعُ في داخلهِ صوتاً يُذكّرهُ ،

أنّ المكانَ ليس حدوداً مرسومةً بالحبر،

بل قَدَرٌ يُنتزعُ بالدمّ،

أنّ الشرفَ ليس وشاحاً يُعلَّقُ على كتفٍ،

بل جمرةٌ تُحتضنُ حتى لو أحرقتِ الجلد،

أنّ الكرامةَ ليست امتيازاً،

بل هواءً يساومُ عليه.

*

ومضى،

لا يتوكّأُ على وعودٍ،

ولا يستظلُّ بذاكرةٍ واهنة،

بل يصنعُ بنفسه سُلّماً من صوتهِ،

ويصعدُ بهِ نحوَ فجرٍ لا يُشبهُ ما عرفناه.

وعند الحافة،

حين ابتلعت السماءُ سوادَها وبدأت تُخرجُ لوناً جديداً،

وقفَ هناكَ كمن صارَ المكانَ نفسَه،

لا ضيفاً، ولا عابراً،

بل جذراً يُمسكُ الأرضَ،

وقصيدةً مفتوحةً على الدوام.

*

لقد أدركَ أنّ المسألةَ لم تكن رحلةً في الطريق،

بل رحلةً في ذاته،

أنّ كلَّ جدارٍ في الخارجِ ما هو إلّا صدى لجدارٍ في الداخل،

وأنّ الكرامةَ لا تُكتشفُ في الساحات،

بل في غرفةٍ سرّيةٍ بين الضلوع.

وأنّ من يحتضنُ الشرفَ لا يعودُ إنساناً فرداً،

بل يُصبحُ أمّةً تمشي على قدمين،

وفكرةً تتنفّس،

وأغنيةً لا تسكتُ حتى لو صمتَتْ الأرض.

*

و حين فتحَ الفجرُ نوافذَهُ،

كان واقفاً على العتبة،

ممتلئاً بالمعنى،

مُحتضناً ذلك الطفلَ الذي صارَ قلبَه،

مُمسكاً بمكانٍ لم يمنحهُ أحد،

بل انتزعهُ كما تُنتزعُ الحياةُ من بين فكّي الموت.

***

مجيدة محمدي – شاعرة تونسية

أحببتها والحب يعصفه النوى

فغدا بقلبي جنة وجحيما

*

تأتي إليّ، وكل درب حينها

يغدو ربيعًا باهياً ونسيما

*

ما بين نبضي والهوى ميعادنا

ويفوح من همس اللقاء نعيما

*

وأظل أنظر في عيون حبيبتي

حتى أرى في عينها تسنيما

*

وأرى الوجود بحسنها متجملا

وعلى فؤادي حاكماً وحكيما

*

يسري الهوى في مهجتي تسبيحة

فتصير أنجم ليلنا ترنيما

*

أهوى سهاد الليل إن سهرت معي

وبدونها قلبي يصير كليما

*

كل الحروف أمام سحر حديثها

صارت نشيدًا، عزفة، تنغيما

***

فيصل النائب الهاشمي

قدمت أوراقها أمام القاضي ووقفت تنتظر حكمه العادل بقضيتها. عدّل القاضي نظارته وقرأ طلبها بهدوء وروية شديدة دون ان تظهر على وجهه أي تأثيرات سلبية أو ايجابية فقد تمر عليه الاف القضايا المشابهة لحالتها

وأخيرا التفت اليها قائلا:ـ

دعيني اسمع أسبابك المقنعة لطلب الطلاق من هذا الرجل الماثل أمامنا

بثقة عالية وقفت وهي تبتسم ابتسامة متفائلة ثم تمالكت نفسها وبدأت تروي قصتها. قائلة

سيدي القاضي: حين يشعر المرء بحمى تصيب عظامه يبادر الى أخذ مسكنات علاجية ليريح جسده المتعب ثم ينام بهدوء. ولكن ما عساه ان يفعل من أصيب بوجع روحه وطعنة كرامته. دعني أحدثك سيدي القاضي بما ابتليت به من هذا الرجل فقد عشت معه عمرا مديدا وغدا أبنائنا اليوم بعمر الشباب والحمد لله.

كنت أشعر بضنك العيش فتصيبني كآبة مقيتة كان هو من يخفف عني بقوله: ان غدا يوم آخر. كنت أصدقه بثقة عالية لأني أعتبره الجدار الذي يسند ظهري. وربما تسألني هل أحببته. ؟؟

أجيبكم نعم بالتأكيد ولكن قبل ارتدائه معطف أبي ريغال. والذي خان بيته كمن خان وطنه وقومه. واليوم ها انا أقف أمامكم وأقولها كل ذلك كان كذبة كبيرة وهباء مزقته المواقف وقد تأكدتُ من خيانته واكتشفت مدى براعته بفن التمثيل طيلة تلك السنين التي عشتها معه وكان يدعي انه المخلص العتيد وفي ختام جملتها كانت تتمتم بكلمة غبي وكررتها عدة مرات مما جعل القاضي يرفع يده اشارة منه لإسكاتها وبدا مستاء منها.

اما زوجها فاخذ يردد بخجل وقلق واضحين ان هذا غير صحيح انها ليست خيانة بل كانت لعبة للتسلية.

القاضي:ـ ما قولك أنتِ.

أجابته على الفور: سيدي القاضي يبدو انه تفاجأ كيف عرفت هذه المرأة التي يعتبرها برأيه مسكينة ومغفلة..

وكيف خانه ذكائه هذه المرة ولا يعرف كيف ينسج لها قصة أو اكذوبة جديدة تنقذه من هذا الموقف المخزي بحق نفسه قبل الآخرين فادعى انها لعبة..

سيدي القاضي لم أخبره بمعرفتي بهذا الموضوع الا أمامكم لذلك بهت وظل يتأبط أعذاره الباهتة..

الزوج:ـ أخذ يسعل سعالا شديدا احمر وجهه وبانت على جبينه حبيبات تعرقه وكأنه تعرض لأزمة قلبية فتوقف عن الكلام ثم جلس على أقرب أريكة.

ما زالت هي واقفة والدموع تنهمر فوق خديها مثل المطر حتى جعلت كل من في قاعة المحكمة يتماهى مع قصتها ويتعاطف معها في محنتها.

كأنها تحكي ما تعانيه بملامح وجهها ودون ان تطأطأ رأسها.قابلته حين وقف أمامها وهو في غاية الخجل..

 سيدي القاضي تأكدتُ من خيانته في أمور كثيرة يندى لها الجبين. أضمرتُ ذلك في نفسي وحافظتُ على هدوئي. الخيانة يا سادتي لا تعني أني ضبطته مع امرأة أخرى فقط بل هناك أمور كثيرة أسمها الخيانة مثل سرد القصص الوهمية لتبرير مواقفه والقسم الكاذب بكل مقدساته وبرؤوس أولاده...

ما الفائدة من الكلام وقد وقع المحظور وربما كان يقنع نفسه ليتبع قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) وان كانت بكل بشاعات الدنيا. غدت حياتي معه مسرحية هزيلة..

وبكل ثقة وطمأنينة وجهت سؤالها للقاضي الذي يصغي لها باهتمام بالغ لما تحمله كلماتها من وجع..

سيدي القاضي: بماذا تحكم لامرأة تكتشف مؤخرا ان سنوات عمرها قد ضاعت هباء مع رجل لا يستحقها أساسا انه أمر مثير للشفقة. اليس كذلك..؟؟

انتقلت لتحدثهم عن حادثة مجنون المدينة والذي تهجم على امرأة اجنبية في أحد المباني في (الكرفانات) التي ابتنتها الدولة لإكمال احد مشاريعها. ولولا تواجد بعض الحراس في موقع الشركة لنالت منه الكثير من الأذى ثم ليخبرهم هذا المجنون انها كانت لعبة.

وبسخرية تتساءل ، فهل تقادم السنين تجعل المرء أحمقا أو قريبا من حافة الجنون ليغدو مثل مجنون المدينة مثلا.؟؟؟.

وبالتأكيد يا سيدي القاضي انه نوّر بصيرتي وجعل مني امرأة أخرى وبصوت يتكسر وجعا قالت سأخبرك سيدي إنه تعرض في الماضي الى جلسات استجواب من قبل أمن النظام السابق ويدعي انهم اشبعوه ضربا وركلا وتحمل جسده اثار عصيهم وتعذيبهم بشتى أنواع التعذيب وشتموه بكل أنواع قذاراتهم التي تدربوا عليها. من اجل ان يتراجع عما امن به من مبادئ أو افكار سياسية. والتي كان يتبجح بها هنا وهناك

ان الرجل الذي امامي يا سادتي (وأشارت بيدها نحوه اشارة تدل على غضبها) هو صورة ممسوخة من ذلك الرجل الذي عرفته قبل عدة اعوام فربما اصيب بنوع من الخرف...

ساد صمت حزين. ودون ان ينطق هو بكلمة واحدة للدفاع عن نفسه لم يجد جوابا مقنعا يستعيد به ماء وجهه الذي أريق. فهرع الى خارج القاعة وروحه تئن ندما..

تابعت هي كلامها. اذن لا فائدة من الكلام وعليه سأطلب من سيادتكم الحكم العادل وان كان على حساب راحتي والدفء الذي من المفترض ان تتمتع به اي امرأة تعيش في كنف رجل محب ويرتدي ثوب الخجل من اي نقيصة تخدش كرامته بنظر زوجه التي شاركته عبء اشرس السنين واقساها ضراوة. لذلك كان قراري صائبا. ان أتركه والى الابد وأتحمل ثرثرة الاخرين وأسئلتهم..

ظل هو مضطربا بقميصه المتهدل وينفث دخان سيجارته.

وأخيرا. صدر حكم القاضي بالموافقة على قرار طلاقهما...

***

سنية عبد عون رشو

لمن يعانق الفراغ بالفراغ

تبقى فيه الكلمات صدى وجود

***

1. نوم المدينة

حين تنام المدينة في كفّي،

أحيا مرّتين في عيون القمر،

وأرحل إلى الفناء مع فجر كلّ يوم،

وأعود من رمادي طائرًا بلا جناحين.

**

2. الغياب

أبحث عن ظلّي بين أنفاس الطرقات،

وأكتب أسماء الغياب على جدران الصمت.

عائدٌ من المجهول أعلن عودة الخريف،

وعلى أعتاب الشتاء تمرّ الرياح من نوافذي

وتذرّ أوراقَ أيامي في الممرات القديمة.

**

3. الحنين

يحملني الحنينُ إلى صيفٍ لم يأتِ،

وأزرع في العتمةِ شتلاتِ ضوء

علّ صباحي يولدُ من بين أنقاض الغياب،

ويرجع الأمل من غبار الرماد

يمسح التعب عن الوجود، تتحطم الحدود والقيود.

**

4. الولادة الجديدة

فأتنفّس حرّيتي كما لو أنّي وُلدتُ الآن،

وأمشي نحو الأفق المبلّل بالندى.

أحمل في يدي شظايا حلمٍ قديم،

وأعيد تشكيله سماءً جديدة

تسكنها نجومٌ لا تعرف الأفول.

**

5. الفجر

ويعود صوتي من أعماق الصمت

يكتب البداية بعد النهاية،

ويزرع في جسد الليل فجري

الناهض من حنايا الغياب.

***

عبد العزيز قريش

فاس في:11/09/2025

أحبُّ انتصاري على النفسِ إلّا

إذا كنتِ نفسي أيا خيرَ نفسي

*

وليسَ انتصاري على خيرِ نفسي

سوى ذلّةٍ وانكسارٍ ونكْسِ

*

وإنّ انْكساري على يدِها و هْيَ

أنتِ انتصارٌ على جندِ يأسي

*

ويأسي أنا- شرُّ نفسي- وجُندي

هَواني وشكّي وخوفي وتَعْسي

*

فيا خيرَ نفسي اهْزمينيْ ولا

تترُكيني لأجنادِ يأسي وبأسي

*

فكم من حروبٍ خسرنا وكم من

بلادٍ وفيها جدودي وقدسي

*

وكم من ربوبٍ صنعنا وكم من

رؤوسٍ حملنا تبيعُ ببخسِ

*

و كم من حدودٍ عبرنا وكم من

بلادٍ لأجل رغيفٍ وفلسِ

*

ويا خيرَ نفسي اضربيني بنعليْ

ابتداء وليس انتهاء برأسي

*

ولا ترحميْ فيَّ ضعفًا بُعيْدَ

انكسارٍ ولا رفقَ بي أو بحسِّي

*

فحسّي بليدٌ أراهُ بهذي

البلادة يكفيكِ حتّى لكنْسِي

*

فلو كان يقْظا لما باعني حين

نام ليأسي مقابل كأسِ

*

مُضيفًا بذا النومِ بأسا ليأسي

لذا فهْو مثلي جديرٌ بطمْسِ

*

كأنّي بذا الخيرِ أنساك حتّى

طقوسَ الوغى بين دجْنٍ وشمْسِ

*

فما بعد هزم وكسر وضربٍ

بنعلٍ على أرؤُسٍ غير حبسِ

*

ولا تأبهيْ بقوانينَ جاءتْ

لإعلاءِ طقسٍ وإخضاعِ طقْسِ

*

وإغناءِ جنسٍ وإفقار جنسٍ

وإكرام لبسٍ و توبيخ لبسِ

*

وذاك دمُ الجوعِ يجريْ وقانو

نُهمْ خانسٌ خلفَهم فوقَ كُرسي

*

فإن متُّ قهرًا فقولي لقد ما

تَ من قبلِ هذا على يدِ يأسِ

*

وإذْ ذاكَ لا تدفنيني كما يُد

فَنُ الإنسُ ميتًا على يدِ إنسِ

*

بلِ اسْتَقْبلي وادفنيني بعيدا

عن الإنس دفن الحُبورِ لنحسِ

***

أسامة محمد صالح زامل

منذ أن رحل ساعي البريد، رحلت معه تلك اللمسة الدافئة، التي كانت تُطرّز الورق بالحياة. لم يعد هناك من يطرق الباب بخجلٍ، ولا من يسلّم القلب في مظروفٍ أنيق.

*

الرسائل الآن بلا رائحة، بلا دمعةٍ جافة على زاوية الورق، بلا أثر شفاهٍ قبّلت السطر الأخير. أصبح الحنين مجرّد إشعارٍ إلكتروني، والشوقُ... مجرّد نصٍّ يُقرأ ويُنسى.

*

ذلك الساعي، كان آخر الشعراء الذين يمشون على قدمين، يحمل في حقيبته قلوبنا ويضعها في صناديق باردة، ثم يغادر بلا ضجيج، كما يغادر الضوء آخر الغرف.

*

أين ذهبت تلك الأوراق التي كانت ترتعش بين أيدينا؟ كانت الرسالة تنام في الجيب ككائنٍ حي، تُخفيها تحت الوسادة، تشمّها كما يُشمّ الحنين في معطفٍ قديم، وتبكي، تبكي لأنك تلمس أثر اليد التي كتبتها.

*

الآن... الرسائل تكتبها أصابع باردة على شاشات لا تحفظ الذاكرة، تُرسلها الآلة، وتستقبلها العادة.

*

لقد تغيّر العالم، لم تعد المسافات طويلة بما يكفي لتولد اللهفة، ولا الأيام قاسية بما يكفي لتبرر الانتظار، أصبح اللقاء أسرع من الاشتياق، والكلمات أسرع من النبض.

*

أشتاق لرسالة تصل بعد عشرة أيام ويكون فيها خربشة قلب، وبقايا عطر، وغيمة من حنين.

*

يا ساعي البريد، عد إلينا ولو مرة، أحضر لنا رسالة واحدة فقط، رسالة لم تكتبها آلة، بل قلب.

*

رسالة تخبرني أن الحبيبة لا تزال تتعطّر بالحروف، وأن الانتظار لا يزال حيّاً في ركن من هذا العالم البارد.

*

عد... قبل أن يُصاب الشوق بالخرس، وقبل أن يتحوّل الحب إلى مجرّد تنبيه في شاشة الهاتف.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

عالمي الصوفي لا يعترف إلاّ بالمنطق..

حاولتُ أن أخضع هواك لقوانينٍ واضحةٍ..

أن أثبت وجودك ضمن معادلاتٍ تتقبّل الحلّ..

كان اشتياقي دالةً يمكن قياسها، ونبض قلبي نتيجةً لمسلمةٍ يؤمن بها العاشق. انتهى الأمر ودونتك مبرهنةً على جدارِ قلبي.. لكنّ العشقَ — أيها السّيد العاشق يرفضُ الفرضياتِ المنطقيةَ، لا يُختزلُ في نظريّاتٍ، كلّما شيّدتُ برهاناً، تفلت من بين الرموزِ، وتسيل من بين العوارض، فصِرتَ خارجَ قوانينِ البرهنةِ، وكنتَ الحُكمَ والعلةَ..

قانونَ العشقِ الوحيدَ الذي لا يُفسَّرُ

بل يؤمَنُ به كأجملِ استثناء.

***

د. نسرين ابراهيم الشمري

مثنويات ورباعيات عربية

ستبتلع الأرض افعى

يقولُ المنجمُ في نوبةٍ للبكاءْ

ويرفعُ عينيهِ نحوَ السماءْ

ويتركُ في الأرضِ افعى المقولةِ بالفعل تسعى

**

على ضفةِ النهر خيالةٌ يهزجونْ

تقابلهمْ ضفةٌ يحرقُ الجندُ فيها رفاتَ أهالي السجونْ

**

لميزانِ هذا الزمانْ

لغتانِ، لأنَّ منازلَهُ كوكبانْ

**

جبالاً أرى، أَمْ ركامُ الحضارات هذا

يقولُ الى المرءِ: ما أخيبَكْ!

تُرَتَبُ، ثم تدمرُ مَنْ رتبَكْ

وتعودُ لتسألَ كيفَ، متى، ولماذا!!!

***

شعر: كريم الأسدي

سَكَـبَتْ حُرُوفي خَمْرَةَ الأقْـلَامِ،

واسْتَمْرَأَتْ فَوْقَ البَيَاضِ مُدَامِي.

**

شَهْدُ المَعَانِي في رَحِيقِ مِدَادِهَا،

وزُلَالُهَا الألفَاظُ نَهْرُ كَلامِي.

**

لُغَتِي عَرُوسٌ لِلبَدِيعِ تَبَرَّجَتْ،

وتَمَنَّعَتْ حِينَ اسْتَبَدَّ غَرَامِي.

**

مِنْ أَيْنَ لِي أَلَّا أَهِيمَ بِعِشْقِهَا،

بِالعَاشِقِينَ لِضَادِهَا وَاللَّامِ؟

**

وَطَّنْتُ نَفْسِي وامْتَطَيْتُ قَصَائِدِي،

جِسْرَ العُبُورِ لِسَالِفِ الأقْوَامِ.

**

فَوَجَدْتُنِي بَيْنَ الأَحِبَّةِ عَاشِقًا،

لِلشِّعْرِ، لِلشُّعَرَاءِ، لِلْخَيَّامِ.

**

وَرَأَيْتُنِي مِثْلَ الخَلِيلِ مُوَلَّهًا،

وَرَأَيْتُهَا خَفَّاقَةً أَعْلَامِي.

**

فَكَتَبْتُنِي، وَالقَلْبُ يَعْلَمُ أَنَّنِي

دُونَ الكِتَابَةِ يَسْتَحِيلُ مَقَامِي.

**

في ظِلِّ أَرْضٍ لا تَرُوقُ لِخَاطِرِي،

أَوْ قَدْ تَضِيقُ بِلَحْظَةِ الإِلْهَامِ.

**

فَاخْتَرْتُ "عَبْقَرَ" مَوْطِنًا لِمَشَاعِرِي،

أَرْضًا لِشِعْرِي، رَوْضَةً لِهُيَامِي.

**

عَلِّي أَرَى العَذْرَاءَ تُـمْطِرُ دَاخِلِي،

وأَرَى القَصِيدَ مُوَلَّهًا بِغَمَامِي.

**

وَسَلَكْتُ ما بَيْنَ الدُّرُوبِ جَمِيعِهَا،

مَا كَانَ مِنْهَا مُذْكِيًا أَحْلَامِي.

**

عَلِّي أُذِيبُ اللَّيْلَ في قَبَسِ الرُّؤَى،

وأُرِيحُ نَفْسِي مِنْ صَدَى آلامِي.

**

فَأَنَا الَّذِي وُلِّهْتُ بِالكَلِمِ الَّذِي

أُرْضِعْتُهُ مِنْ قَبْلُ، قَبْلَ فِطَامِي.

**

فَكَأَنَّهُ مُنْذُ المُخَاضِ تَمِيمَتِي،

وكَأَنَّنِي المِحْرَابُ، وهْوَ إِمَامِي.

**

وأَنَا الَّذِي ما زِلْتُ أُبْحِرُ نَاشِدًا

رَسْمَ الحُرُوفِ بِرِيشَةِ الرَّسَّامِ.

**

وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّتِي سَكَنَتْ دَمِي،

ضَمَّتْ خَيَالِي، وَاصْطَفَتْ أَنْغَامِي.

**

فَتَفَتَّحَتْ فيَّ البَرَاعِمُ، أَوْرَقَتْ،

وارْتَاحَتِ الأَزْهَارُ لِلأَنْسَامِ.

**

فَوَجَدْتُنِي بَيْنَ اخْضِرَارِ فُرُوعِهَا،

كَمْ أَرْتَوِي مِنْ ثَغْرِهَا البَسَّامِ.

**

نُطَفُ الرُّؤَى مِنْ سَلْسَبِيلِ مَجَازِهَا،

خَصَّبْتُهَا في غُصْنِهَا المُتَرَامِي.

**

فَانْسَابَ نَهْرُ الشِّعْرِ لَفَّ جَوَانِحِي،

وبِدَاخِلِي لَفَّ الحَرِيقُ رُخَامِي.

**

إِنْ عِشْتُ دَهْرًا لَنْ أَعِيشَ بِدُونِهَا،

مَا دَامَ نَبْضُ الفِكْرِ رَبْعُ خِيَامِي.

**

فَهْيَ الحَيَاةُ، ومَا احْتَفَيْتُ بِغَيْرِهَا،

وهْيَ انْبِعَاثِي مِنْ رَمِيمِ عِظَامِي.

***

بقلمك سليمان بن تملّيست

جربة الجمهورية التونسية

 

إلهٌ أنتَ يا فراتُ في نظري

وعُرْفي

في قاعِكَ أرى اللؤلؤ والمرجان يتجلّى

سلاماً أبعثُ لأرضِكَ أرضِ المروجِ

فالشوقُ كالموجِ يحتضنُ أضلعي

سلاماً لوردٍ أنيقٍ في الجرفِ

يعطرُ أعناقَ بنات الجنوب

لكَ في صميمِ الفؤادِ قيثارةٌ

تنبثقُ بالحاني وتعزف على أوتار ودادي

يندمُ "ندامة الكسعي" من يهجرُهُ

وينعمُ من يقطن قرب النهر

"الاسمر المعسول" يامن لا

أفارقُهُ طرفةَ عين فهو المعتصم

منذ مبعثي

ولستُ من أهل الرقاد

وأنما الإعجاب بالنهر الاسمر يجذبني لدوام التملّي

كيف غازلتكَ دجلة يافرات

حتى كونتما شطّاً من الذهب؟!

زاد البدرُ وميضاً والنجمُ سطوعاً

من جمال انبساطِ "موجكَ الثوري"

يانهرُ

قد طالت بقربك مناجاتي

وكم أنشدتُ أبياتاً من حزن أشواقي

وكم زار عيني السهرُ والسهادُ

حتى هب النسيم وأوقد صباباتي

كم من جائعٍ أكرمتةُ سمكاً

وكم أحييت من نخيل الفلاحين المتعبين

ولدتُ قربَ ضفتكَ حتى

طهُرت روحي وجسدي بمائك المقدس الكريم

***

باقر طه الموسوي

الشمس تسحب آخر خيط أحمر لها من فوق أسقف الموقف القديم، البحث عن سيارة تحملك الي قلب المدينة البعيدة أصبح الآن هو شاغلك الأهم حتي يمكن اللحاق بآخر ربع من جلسة العزاء المنصوبة علي حدود المدينة.

عرفته منذ سنوات بعيدة، كان يأتيني مع المريدين من رواد الليل، نعتلي سطح البيت القديم المجاور للصهريج ولضريح الشيخ الجليل.. نحتضن الكلمات ونلهث كالفراشات خلف مفردات النوروفي آخر السهرة كان يدندن بأغنيات كارم وفوزى ورشدى حتي يأتينا صوت الشيخ الأتربى من المسجد القريب مناشدا بأن الصلاة خير من النوم.

حين أريد الموت سوف أترك الزحام وآتى اليك لأموت كأوزوريس في أحراش الدلتا.. يضحك.. تنساب كلمات العتاب كنهر من الأحزان أمام الشارع المظلم الذي اختاره علي حدود المدينة منفى الى حين.. لم تكن تؤلمه غير ابتسامة أمانى التي ستفارقه كل صباح قبل أن يأخذ الطريق الى مبناه الحكومى الكئيب

عدد الركاب يكتمل، الرحله طويله والنسمات القليله الآتيه مع سقوط أوراق آخر أيام الخريف تخترق الأنف والصدر المتعب مع طائر الذكريات الأليمة

فى آخر لقاء على باب صيدلية الشفاء والغروب كطائر خرافى يفرد علي المدينة التي سكنتها الوطاويط أجنحته الداميه يسألنى: بتشوف جمال.. لم يعد يأتي الينا

أجيبه: الدنيا مشاغل.. الخط مقفول طول الوقت

تعاودنا الذكريات.. كان ثالثنا حين حاصرتنا الكلاب وأوحال الشتاء وعربة الدورية الزرقاء وأوراق الجريدة المطبوعة فى أيادينا تنتظر الصباح

يهز رأسه في أسى وهو يشاهد عمال الهدم يأتون على الجدران الباقية من المبنى الذى احتضن ثورة المدينة منذ مائة عام بينما كانت اجراس الكنيسة القريبة تدق لتشييع متنيح جديد

الصمت والسكون هو التابوت الذى نسكنه حين تطول بنا المسافات ويمتد بنا الطريق، لاشئ غير صوت العجلات فوق الأسفلت واختفاء النجوم خلف سحابات الأفق

فى أيامه الأخيرة أكدوا لي بأنه رغم ألمه الشديد كان يمسك العود ويغنى.. واستمر يسأل عنى وعن أمانى وجمال ويغنى.. والسيارة على حدود المدينة لاح وجهه من بعيد يعاتبنى.. مع اقترابى كان نفر قليل من ذويه يرفعون ماتبقى من كراسى ويطفؤن الانوار

***

قصة قصيرة

أيمن الخراط

 

ملامح وجه مأساوية.. تعابير جبين مكفهرة.. عينان غائرتان بنظرات غامضة متوقدة.. تجاعيد ناصية بائنة.. لم تفلح حلاقة الوجه للتو.. ولا تصفيف الشعر الأشيب من إخفاء مزاجه المتعب.. فابتسامته الباهتة مصطنعة.. كأنه يتجشأ من خلالها أوجاعا مزمنة.. راكمتها في ذاكرته تراجيديا الزمن.. فتركت ملامحها واضحة على محياه.. ماذا لو كان هذا الوجه المتعب يا ترى شاخصا أمام فكتور هيجو يوم أبدع البؤساء.. أو كان موديلا امام دافنشي للرسم بريشته يوم أبدع الموناليزا.. لكن صورة بعدسة جامدة لا تفرق في لقطتها بين الحس المرهف والبلادة.. أعطت ذلك الوجه الشاحب مع ذلك كله، ملامحه الحقيقية حقاً...

***

قصة قصيرة / نايف عبوش

سُميّة العربية

يا آلَ (ياسِرَ) أفدي البنتَ والوَلَدا

بالشعرِ عَلّي أفي الزيتونَ والبلَدا

*

نِعْمَ الذين بُغاةُ الأرض تحذَرُهمْ

لا سِيّما الوالدُ الأتقى وَمَنْ وَلَدا

*

زيتونةٌ لم تزلْ في الأرضِ ماكثةً

وظلَّ شانِئُها في بحرها زَبَدا

*

تمخّضتْ قابسُ التاريخ عن قَبَسٍ

ومِثْلُهُ (راشداً) هيهاتَ لمْ تَلِدا

*

عاشَ المحابِسَ والمنفى كَراهِيَةً

ورغمَ قسوتها لم يفقدِ الرَشَدا

*

أهدى الرعيّةَ من وجدانه حُلُماً

ساءَ الفلولَ فخاضوا في العماءِ سُدى

*

صالت عليهِ ذئابُ الليلِ عاويةً

فكيفَ في سَنَةٍ يستوفي ما وَعَدا

*

كانوا سُكارى بمالِ السُحْتِ من عَرَبٍ

كادَ الربيعُ هُنا يودي بهم كَمَدا

*

لم تُمهلوا رجلاً قاسى الأذى زمناً

وقد صبرتم على طاغوتكم أمَدا

*

لمّا رأى داءَها في الجذرِ منتشراً

داواهُ لكنّما داواهُ مُتَّئدا

*

فسارعت من رمالِ الشرقِ عاصفةٌ

وَبدّدتْ أمَلاً لمّا يَحِنْ بَدَدا

*

وقيسُ تونسَ منصوبٌ بها صَنَماً

واحسرتاهُ على عَبْدٍ لَهُ سَجَدا

*

بُشراكِ يا خيمةَ الأعرابِ حاملةً

سِكّينَ حارسةِ الأشياخَ والوتدا

*

وَأْدُ الربيعِ جرى قُدّامَ أعينِنا

هل يدري موْؤودها عنوانَ من وَأَدا ؟

*

أجلْ وحقِّكَ يدري كلَّ مَنْ غدروا

عندَ الظلامِ وبثّوا السُمَّ والمَددا

*

جاءوا به من فلولِ الجوْرِ مُسْتَتِراً

يحوكُ من لُؤمِهِا للثائرِ الصَفَدا

*

يرمي (سُميّةَ) بالبهتانِ يَحْسَبُها

تُسلّمُ السيفَ والقرطاسَ والزَرَدا

*

ألقى أباها بقعرِ الجُبِّ مُعتقداً

غيابةَ الجبِّ تطوي عنهما الجَلَدا

*

إذْ روحُ طاغوتها التمثالِ من خَشَبٍ

ما كانَ قيساً ولن يهْوى الديارَ غَدا

*

بلْ طارئاً جاءَ للساحاتِ من عدمٍ

أو مارِداً من حَشا التلمودِ قد مَرَدا

*

طفلُ الإمارَةِ إيّاها وَ دُمْيَتُها

وبا الدراهِمَ والأفيونِ قد صَعَدا

*

(سُميّةَ) القلبِ يا ترياقَ محنتنا

صوتاً يزخُّ رُؤىً للتائهينَ هُدى

***

د. مصطفى علي

1-  التمثال

ماذا افعلُ

لو كان التمثالْ

يتحدث عن سيرة صاحبه

أأقولُ لكم

ماذا قالْ ................؟

**

2- وجع

مازالتْ جيكور

تتذكر صورته الأولى

كان البدرُ .. بدشداشته البيضاء

يمشي

بين (بويب) وبين البيتْ

مثل حكاية حبّ

عن حزنٍ... مسرورْ

يمشي

ويدور... يدورْ

يتعثر في خطوتهِ

فيمدّ يداً

يتحسّس بعض الآلام

ويصيح بأعلى صوتْ

ماما ...ماما

فتهبّ الجّدة مذعورة

ولدي

ولدي

يسمعُ جدّته

يا ولدي: لا تخف الآنْ

أنت صغير ...ولطيفْ

لن تأتي في دربكَ

خضرة (أم الليف)

هي نائمة في البستان

وتخافُ تراتيلي

لا تخف الآن

لا تسقط ْ في النهْر

أنت الأجمل

أنت الكنز الشعرْ

- تأخذه بالرأفة

بين رفيف الأغصانْ

وتعود الى البيتْ

-    نم يا ولدي نمْ

يا بدر هنا. ..نمْ

أحلمْ.

يا ولدي...

لا تحلمْ الا في اجمل عمرْ

أو أسعد وقتْ ....!-

**

3- أحزان باب سليمان

مازال السيابْ

بالضوء الطالع

من باب سليمانْ

يحمل بين يديه سلالاً

من التمر

ورزمة اوراق (شبه كتاب)

منتظراً صاحبه سعدي

سيطلّ عليه

ويقرأ مرثية

لقرى ،

كل حدائقها

ومباهجها

غارقة

في بئر النسيانْ

**

4- هامش ضائع

مازال السيابْ

يمشي في طرقات تنبع ذاكرة

ويغني للفقراء

و وراء الليل النائمِ

كان على هامشهِ

يغلق باباً

يفتح شباكاً في بابْ

– يتذكر ..

ينسى .. يتذكر ثانية

ويغيب

وراء ظلال الماضي الملتفّ

بأزهار ذابلة

وتهاويل اساطير العشق الممنوع

في عبء الدرب الممتدّ وحيداً

– يتلّفتُ –

كم سنة سقطت ..؟

يتماسك ..ينطقُ باللغة العربية

سأطلّ على الزمن القادم

في شكل آخر

لا يدري الشعراءْ-

يستبدل وقفته

بالسير بأمطار .. وغيومْ

يدرك صوتاً عن بُعدٍ..

(تصفعه الريح إلى الريح):

سترى وجهك في قطرة

يدرك صوتاً ثانية

جيكور هي المأوى

بين مرافئ وحدته

يعرف سرّ المشي على القدمين

المشية بصمات العينين

كانت تمريناً

لكتاب لم يفتحْ

ينشر عطراً بخشوع، لقصائد غربته

في كل مكان

**

5 - وفيقة

مازال السيابُ

حزيناً

في جيكورْ

يجلسُ في الدرب

وحيداً ..في وهج الرؤيا

ورذاذ الشعر على الشفتين

يسأل أين ..؟

يتذكرّ وجه وفيقة

ينظر للشباك

- لابد لها ...!-

يتذكر..

يرسم كل ملامحها

يتأوّه

يبكي

ويضلّ طريقه ..!

**

6- اخت السياب

كان اسمها حياة

حديثها جميل

وقلبها

يشعّ بالحبّ النبيل

في زرقة الأفقِ

تصلّي للسماءْ

وتقرأ الفاتحة

لشاعر عبر مسافات الأسى

قد نضجت ثماره

وانتشرتْ زكية

من قلبه الرائحة

*

كان أسمها حياة

لكنها

على مشارف الرحيل ..!

تحلم بانبلاجة الصباح

شوقاً

الى البدر الذي

يلمّ اشتات المنى

في صحفٍ هناك

وقد ترنّ في خلايا

روحه قصيدة

فوق تراب المقبرة

في لغة جديدة ....

.....!

كان اسمها حياة

تمشي بلا ارتباك

لكنها

تبحث عن رماد حلم

قد مضى

وظلّ في الف صدى

يفتح في صمت الحزانى العاشقين

توهّج الضياء

*

حياة .. يا حياة

سيابنا مات

كوني كما شئتِ

وباركي الرحيلْ

مازال في الأصلابْ

سرّ الهوى

يولد ...  لا يموتْ

لا تحزني حياة  ... يا حياة

ها أنت ترحلين

نحو ذرى المجهول

في ليلة

تزحف للسراب

والريح في كل الجهات

تئنّ في أبعادها:

قد ماتتِ الحياة ...!

***

شعر: حامد عبد الصمد البصري

 

شَهقَاتُ الثَّلْجِ تَتَوسَّلُ نَافذَتي

ورُوحُكَ أَمَانَةٌ تَلْتَجِئُ بِخُلُودي

ما زال اللَّيلُ طَوِيلاً

سَأَرْسُمُكَ فَارِسَ حُلمِي

وأَعْزِفُكَ لَحْنِي الأَخير

أُطْرِّزُنِي عَباءةَ حنين

أُدَثِّرْكَ طوال العُمْرِ

لتَكُونَ عمْري وما بعده

عَبَقُ صِباكَ يُثِيرُ جُنُونِي

هَلُمَّ اِكْسِرْ بللَّورِي

اخْتَرِقْ تفَاصِيلِي

سأهربُ منكَ .. إليك

اجْرحْ بَحرِي بالغمام

واشْربْنِي حَسرةً حَسْرهْ

تَدحْرَجْ على نقائي

لا تغفُ حَبيبِي

لأرْتَشِفَ من عَينيْكَ السَّماءْ

وأشْتَمُّ فردَوْسَكْ

يا قِبلَةَ عشقي

دعْنِي أُمَارسْ طُقُوسِي كما أَشَاءْ

شَارِكْنِي عُنقُودَ الخُلُودْ

إنَّهُ يَسْتَعْذِبُ شَفَتَيْكْ

إليك رقَائقُ قَلْبِي

مُغمَّسَةً بِالنَّبِيذْ

إليكَ نَبْضُ اليَاسَمين

أنفَاسِي تَراتِيلُ الصَّدى

شَهَقَاتِي حُبْلَى

سَكْرَى في الدُّجَى

هلْ لذَاكِرتكَ سواحلُ

لأودعَ نوارِسِي علَى رمالها.

***

سلوى فرح - كنـدا

 

- صباح الخير.. كيف الحال عمي العزيز أبا خضير.. أراك مبكرا اليوم؟

قالها الرجل الذي اعتاد أن يبدأ كل صباح بتحية أبي خضير في نفس الوقت تقريبًا. قبل أن يفتح محلاً له لبيع الخضروات على الطرف الآخر من السوق.

- صباح النور، لو تترك عمك وشأنه لكان أفضل

- على رسلك عمي أبا خضير، أراك لا تتحمل مني كلمة؟

وبابتسامة تشي بتقبله للمزاح الثقيل الذي أدمن سماعه من صديقه العجوز

- لو كان أبو فراس هو من ألقى عليك تحية الصباح، هل كنت ستجيبه بهذه الحدة؟؟

- وهل ترى أنك وهو سيان، من مهازل الدهر أن تقارن نفسك به

أجاب "أبو خضير" وهو يخفي إبتسامة رضا خفيفة من ذلك التناغم المعتاد بينه وجاره العتيد..

ككل صباح، وضع علبته الكارتونية التي تحوي قناني صغيرة جدا من العطر على الطاولة، وأخذ يرصها بشكل يتيح للزبائن قراءة الملصقات التي تشير إلى أسماء العلامات الشهيرة في عالم الروائح الطيبة.

أراد جاره أن يشاكسه أكثر استدرارا لردوده اللاذعة

- تمنيت فقط أن أعرف ما الذي يفعله أبو فراس ليحتل كل هذه المكانة في قلبك، هل يحمل حجابا للمحبة مثلا؟؟

- أرأيت.. هل استوعبت الآن لماذا كنت أقول لك أنه من العار أن تقارن نفسك به، انظر يا هذا، أولا.. أبو فراس صديقي.. والأهم أنه عندما يمر علي لا يبدأ كلامه بالترهات التي تتحفني بها كل يوم، فعندما نتبادل الأحاديث، تكون عن أمور جادة، ومهمة، أكثر تعسراً من مستوى تفكيرك، عن أيام وذكريات عشناها وخبرناها وما زالت محفورةً في قلوبنا منذ سنين، أيام جميلة لم يقدر لها أن تستمر.. عدا هذا، يكفي أن عطره تكاد تتنسمه من أول الشارع.. هل تعلم.. وأشك أنك تعلم، كلما شممت العطر الذي يضعه أبو فراس تنتابني كل الذكريات التي تعيدني لتلك الأيام.

- ما هذا الكلام عمي العزيز.. (ضاحكا) كيف اختلقت كل هذا؟؟

- لك كل الحق والله.. أنى لك أن تفهم هذه الأمور، وأنت على ما أنت عليه.. ولكن مع هذا.. اقترب مني قليلا، لا تخف.. (ضاحكا) لن أضربك.

رغم أنه كان يعلم ان أبو خضير قد يفعلها، ولكنه تقدم نحوه معتمدا على ما كان عليه صديقه العجوز من مزاج رائق..

فتح أبو خضير قنينة صغيرة من العطر.. وبمرود زجاجي صغير اخذ بعضا منها وقربها من أنف صاحبه

- ماذا تشم؟

- هذا عطر "الـزيارة"

- الحمد لله هناك شيء ما تعرفه في هذه الحياة.. فعلا.. هذا عطر يدعى بالحضروي.. و الآن، ماذا مر بخاطرك؟؟

- بصراحة

- نعم.. تكلم

- تذكرت أيام كان والدي ووالدتي يصطحبوني معهم لزيارة المراقد المقدسة وأنا صغير.

- الله يرحمهما.. أرايت.. العطر ليس هواماً طافيةً في الهواء، العطر مخزن للذكريات.. وسجل للحياة.. ولكن ليس الكل من يعي هذا، عمك أبو فراس عندما يمر علي، عطره يعيدني إلى وقت كان فيه الكثير من الجمال والقليل من أمثالك

عاد الرجل مبتسماً إلى دكانه، فهو يعرف تماما ما يحمله أبو خضير من مودة له، بل للجميع.. وأن كلامه كله لا يعدو أن يكون مزاحا.. وإن كان من النوع الثقيل الذي تعود سماعه كل يوم.

أعاد أبو خضير رص قنانيه مرة أخرى، وغير في مواقعها عدة مرات، وهو الأمر الذي لم يفعله منذ أن أحتل زاويته المعروفة في مدخل شارع الرشيد قرب جامع الحيدر خانة، في دُكانه الصغير، الذي لا تتجاوز مساحته طاولة خشبية صغيرة، يضع عليها، إلى جانب الكثير من أعواد البخور، العطور التي يصنعها بيديه المعروقتين من خلال تخفيف عطور مركزة مقلدة بدورها من علامات تجارية معروفة.. كان يكدح كل يوم في بيع هذه الأشياء البسيطة، قانعا بالنزر الشحيح الذي يتحصل عليه منها، وما الذي يتوجب عليه أن يفعل غير هذا، فهو قد اعتاد الوقوف كل يوم في نفس المكان، يجتر ما تجود به العطور من ذكريات للكثير من الوجوه التي مرت من خلال أيامه المكرورة التي عاشها، وإن كان معظمها لم تعد تحمل له الكثير من السعادة، إن لم تكن تغرقه بالهموم

وحده من يبهجه بمروره وبعطره الذي يفوح من بعيد كعصافير من ضوء تتراقص حول المكان، أبو فراس.. التاجر الميسور الذي اعتاد المرور كل يوم من أمام طاولة أبي خضير بعد أن يركن سيارته في الكراج الملفق في آخر ساحة الميدان، وأدمن الوقوف قليلاً معه لتبادل الحديث.. أو لشرب الشاي الصباحي في بعض الأحيان، كان يحرص على شراء نفس النوع من العطر تاركا لأبو خضير متعة الشعور بصداقته وامتياز التبجح بأصالة عطوره رغم أنه يعرف بأنفه الحساس الفرق بين عطر أبي فراس الأصلي والغالي الثمين وعطره الباهت خفيف الثبات الذي يبيعه لكل من لا يقوى على ثمن العطر الذي يدوم.

كان الرجلان من عمر متقارب نوعا ما.. ويضعان العطر نفسه، مع اختلاف النسخ طبعاً، ويحتفظان بالنوع نفسه من الذكريات، وعاشا ذات الزمن، وكان أكثر ما يسعد أبا خضير هو عندما يتفوق على أبي فراس في تذكر حادثة ما أو نتيجة مباراة أو كلمات أغنية كانت رائجة في ذلك الزمن، فتلك الانتصارات الصغيرة تجعله ينسى لهنيهات معدودة الفوارق بينه وبين صديقه الذي يحب، والذي يذكره بما كان من الممكن ان يكون عليه لولا جور الزمان ووفاة والده واضطراره لترك الدراسة وخوض كل تلك الحروب التي جرته من تلابيبه نحو الوقوف في الزاوية نفسها طوال هذه السنين..

السوق مزدحمًا كالمعتاد، ولكن هناك شيء ما في الأجواء بدا مختلفًا. كان الناس يمرون مسرعين، وجوههم محملة بالملل، يملؤهم الأرق من رحلة الحياة التي لا تنتهي.. كثير منهم زبائنه الذين كانوا في الأغلب الوجوه نفسها التي يراها كل يوم، ولكن أبا خضير كان يرنو إلى الطريق الذي اعتاد أن يسلكه صاحبه، وأنفه كان يفتقد شيئا ما في الهواء الذي يحيطه.

- كيف الحال أبا خضير؟ أرجو أن يكون يومك طيبا؟

سأل أحد المارة وهو يقترب منه مسرعًا كي لا يتأخر عن عمله. كان وجهه يفيض بالتعب، وعيناه مليئتان، ككل الشغيلة، بالقلق من نهاية يوم قد لا تأتي كما يشتهي.

- الحمد لله ولدي العزير، الأمور طيبة، مثل كل يوم

أجاب "أبو خضير" بصوت هاديء، ولكنه لم يكن مقتنعا تماما بما قاله، فالحياة لم تكن "طيبة" كالمعتاد، هناك شيء ما أوقف روتينها الممل، روائح عديدة تجمعت بالهواء ذكرت أبو خضير بعطر الخشب المحترق في الليالي الباردة في تلك الحدود البعيدة، وروائح الأسفلت المشوي بنار الصيف أعادت إليه ذكريات الحروب التي استهلكت شبابه وقوته ورمته على هذا الرصيف

- ذكريات سيئة اليوم.. أين أنت يا أبا فراس؟

همسها أبا خضير لنفسه، وهو ينظر حوله في السوق، باحثًا عن ذلك الوجه الذي كان يحمل دومًا بعض الكلمات الطيبة.. تطير لسبب ما من قولها بصوت عال، ولسبب اخر لا يعلمه أيضاً تحاشى السؤال عن صاحبه الذي تأخر عن موعد مروره اليومي وهو ما كان يندر حدوثه

كانت الحياة في السوق -شأنها كل يوم- لا جديد فيها، ولكن "أبو خضير" كان مختلفًا. اليوم، فكر أكثر من المعتاد في الماضي الذي مرّ، وفي الوجوه التي مرت في خياله لأناس عبرت السوق بأحلام بسيطة، وبطون خاوية، وقلوب مليئة بالحكايات التي لم يَسمح لهم الزمان بسردها..، فيهم من بقي قابعا في مكان ما، وفيهم من اختفى للأبد..

فالسوق كان دوما محيطاً للأوجاع الصامتة..

- عافاك الله يا أبا خضير، أراك ساهما اليوم.. أين كنت؟؟

قالها أحد الزبائن الذين يترددون على السوق بشكل شبه يومي.

- بل أين كنت أنت؟

أجابه أبو خضير وهو يبتسم في وجهه، ولكن ابتسامته كانت باهتة بلا روح..

كان أبو خضير يراقب الوجوه التي تلمحها عيناه، يذكر بعضهم، ويستعيد معهم بعض الأسماء القديمة التي رحلت، والأحلام التي لم تتحقق.. وفي أغلب الأحيان، في خضم تأمله الطويل، كانت يده تمتد تلقائيًا إلى قناني العطر المرصوصة أمامه وكأنها تضغط على ذكرياته التي يبيعها للآخرين. العطر بالنسبة له أشبه بشذا الذكريات، يعيد رائحة الأوقات الجميلة التي ضاعت، والحكايات التي انتهت.

- الحياة لا تتوقف على أحد

أسرها في نفسه.. الناس مثل العطر، يمرون بسرعة، والريح تمسح آثارهم.

لكن ليس كل الناس تمحي الأيام صدى خطواتهم، وتبدد الريح عطرهم، كان أبو خضير يفتقد صديقه المقرب، الذي اعتاد أن يمر عليه كل يوم، يتحدث معه، ويذكره بالأيام الماضية، حين كان كل شيء أسهل، أو على الأقل، كانت الأمور تبدو كذلك. لكن اليوم، كان "أبو فراس" غائبًا.

***

لم يمر الكثير من الوقت حتى شاع الخبر، وأخذ الناس يتناقلونه بنوع من الأسى

- سبحان الله.. بالأمس كان واقفا هنا يشرب الشاي ويضحك

- يقال إنها جلطة لم تمهله الا ساعات

- لم يكن يبدو عليه المرض، إنا لله وإنا إليه راجعون

***

في الأيام التالية، كان السوق كئيبًا قليلاً أكثر من المعتاد.. ولكن الحياة كانت مستمرة، وحده "أبو خضير" كان يشعر أن السوق فقد شيئًا من روحه.. كانت رائحة العطور التي يبيعها تشبه رائحة الفقد، ممسوحة الذاكرة، مجرد روائح متنافرة تختلط بالذكريات الغائمة التي رحلت.. ولم يعد هناك طعم يميزها عن رائحة عوادم السيارات التي يضج بها المكان.. ولا شيء يمكن أن يعيد الزمان إلى الوراء

***

وكأنه قدر محتم، قرر "أبو خضير" بعد أيام أن يترك المكان الذي كان يراه هو وكل الناس منزلاً صغيرًا له. فالأمر كان بالنسبة له لا يطاق، رائحة السوق قد اختفت عن روحه إلى الأبد، وكان يراها الآن أشبه بمكان فارغ من جميع الألوان..

في صباح اليوم التالي، أخذ آخر قناني العطر التي صنعها، وأغلق زاويته، وسار مبتعدًا. قد يكون قراره مفاجئًا، لكنه كان يعلم أن الذكريات، مهما كانت جميلة، لا تستطيع أن تكون أكثر من عبير زائل.

- أبا خضير، لماذا؟ أين ستحط رحلك؟

سأله أحدهم وهو يراه يسير مبتعدًا.

- حان الوقت يا ولدي.. السوق فقد ذاكرته.. صار بلا روح..

أجاب "أبو خضير" وهو يبتسم بخفوت، وكأن الابتسامة هي آخر ما تبقى له من كل شيء.

قبل أن يترك السوق، كان عليه أن يأخذ معه ما تبقى من ذكرياته، ويترك خلفه قصة قد تروى لبعض الوقت، قصة رجل باع العطر ليشتري لحظات من الزمن الجميل، ولكن الزمن لم يمنحه فرصة لإعادتها.

***

جمال الهنداوي

إهداء

إلى بغداد…

يا سرَّ الحكمة في الجراح،

ويا أثر الغياب في الوجدان،

ويا روحًا تُبعث من الرماد نورًا سرمديًا.

***

في بغداد، يتكلّم القلب وتتوارى المشاعر خلف ارتعاشة النظر. في الفراغ الممتد بين السؤال والجواب، وفي صمت عام 2003، كان الصدق هو اللغة السرية التي تحمل ما تعجز الحروف عن حمله. ومن رحم ذلك الصمت أطلت فاطمة من صالات كلية الآداب. كانت شريكة في الحروف قبل أن تكون شريكة في الحب. نسجنا وعدًا بريئًا على الورق، كأن الكلمات بيت نعلّقه فوق الخراب.

لكن البلاد كانت تمضي عكسنا. الخرائط تمحو نفسها، والخوف يقطن العناوين ويطالب بولاء الأرواح. أحببنا كما يحب من لا يضمن الغد. وربما لهذا كان حبنا أجمل ما عرفته في عنفوان شبابي. لا لأنه اكتمل، بل لأنه ظل حيًا وسط الركام، مثل طريقة المدينة نفسها في البقاء.

كان والدها من أولئك الذين رفضوا أن يعلّقوا على باب بيته الرايات، مكتفيًا بالأسفار التي رآها مرايا للثقافة وذاكرة للروح. في الأعظمية ارتفع سقف بيتهم كدعاء معلّق، وتشبّعت جدرانه بعطر الخشب العباسي. أما فاطمة، فلم تكن تسكن بغداد، بل كانت بغداد تسكنها. تمر في شوارعها كقصيدة في وعي شاعر نائم، غامضة، مألوفة، وأصيلة. وكلما نظرت إليها، تردّد داخلي صوت نزار قباني:

أين وجه في الأعظمية حلو

لو رأته تغار منه السماء؟

لكن المدينة التي أنجبتها بدأت تنكّرها. غياب قريب لها، تهديد صريح لعائلتها، وصار الاسم الذي كان يفتح الأبواب إعلانًا للموت.

في مساء رمادي، جاءت فاطمة إلى عتبة شقتي. لم تحمل حقيبة ولا تفسيرًا.

"فاطمة!" نطقت اسمها كأنني أستعيده بعد دهر.

"أحمد..." همست، وكان صوتها مثقّلًا بصمت بغداد كلّه. "لم يعد في وسعنا البقاء."

"لكن... أين ستذهبين؟" سألت، وكان الارتباك يضيق بكلماتي.

نظرت إليّ بعينيها المرتعشتين وقالت "لم يعد هناك أين يا أحمد."

ثم أضافت بمرارة "اسم عائلتي صار إعلانًا للموت."

لم تنظر إلى عيني، بل إلى ما وراءهما، إلى أرض تكتب فناؤها بيدها. قالت أخيرًا

"يجب أن أذهب... هذه الحياة هنا لم تعد لنا."

وعرفت عندها أن الباب الذي تغلقه سطوة المكان، لا يُفتح بالحب.

منذ رحيلها، غرق كل شيء في سكون مهيب. الضوء خفت حتى صار كنداء بعيد، والهواء ظل محتفظًا بأثرها. لم تكن ذكراها فصولًا تمتد، بل ومضات خاطفة، ظل ورائحة ولمسة. كنت ألملمها كما يلملم المرء شظايا مرآة عساه يرى فيها ملامح نفسه من جديد.

في صباح بارد، جلست في مقهى رضا علوان في الكرادة، ذلك المكان الذي يجمع الكتب بالشناشيل والذاكرة. الزجاج الملوّن يحبس الضوء الشاحب كأنه يخشى أن يتسرّب، والجدران تهمس بظل المثقفين الذين مرّوا هنا. فجأة اهتز هاتفي برقم غريب. أجبت.

«أحمد؟»

لم يكن الصوت صوتًا، بل ندى الصباح ونفَس النهر وكل ما يذكّرني بها.

«فاطمة؟!» همست باسمها كمن يجيب على سؤال قديم.

قالت «لا تُغلق باب قلبك يا أحمد. الأمل باقٍ، حتى لو غابت شمسها. فرحيلي ثمن بسيط مقابل أننا لم نصبح مثلهم. كتبت لك رسالة ستجدها بلا اسم ولا توقيع، في كتاب الأدب الذي كنا نقرؤه معًا في كلية الآداب ونتبادله بين الحين والآخر. افتح صفحة ثلاثمئة وسبع وستين، وستجدها هناك. فالأسماء ثقيلة في زمن كهذا، وما يهم أن يبقى الأثر».

ارتجف صوتي «لكنني لا أرى سوى النهاية... لماذا؟ لماذا اخترتم هذا الطريق؟»

أجابت بصلابة هادئة «لم نختر الطريق يا أحمد... اخترنا فقط ألا نتبعهم.»

ثم صمتت. انقطع الخط. لم تكن مجرد كلمات، بل يد غائبة امتدت لتوقظني من سكوني.

بقي صدى صوتها يتردّد داخلي. مددت يدي إلى ذلك الكتاب الأدبي العتيق الذي يجاور نبضي، كتاب تقاسمناه قراءةً في مقاعد كلية الآداب وأروقتها. فتحته على الصفحة ثلاثمئة وسبع وستين، فإذا بورقة صغيرة تنتظرني. لم تحمل اسمًا ولا توقيعًا، لكنها بخطها:

«يا أحمد، لا تُغلق باب قلبك. الأمل في بغداد، حتى لو غابت شمسها. ستجدني في كل ما نجا من الرماد، في التفاصيل التي تُعيد لبغداد روحها كلما احترقت».

لم تكن مجرد رسالة. كانت يدًا غائبة امتدّت لتوقظني من رمادي. ومنذ ذلك الصباح، صار وجودها القاسم المشترك بيني وبين هذه الأرض. أسمعها في نبرة بائع، أراها في شجرة تعبُرها الريح، ألمحها في صمت عجوز يحدّق في دجلة كما لو ينتظر من لن يعود.

وذات مساء شتوي، مشيت بمحاذاة النهر. كانت قد تحوّلت إلى وشم داخلي يخفق، ثم إلى رؤيا. رفعت بصري، فإذا نجم يتكوّن على مهل، يخط اسمها بخفة الهمس. عندها فقط فهمت أن جرحها يسكنني كما تسكن المدينة جرحها.

فاطمة هناك، لا جسدًا، بل حضور ينثر الندى من كفها، ويضحك كما لو أنه يعيد الحياة لشيء انطفأ في داخلي. غيابها صار طقسًا يحمل وعدًا بأن الحب حين يصفو يُبعث في المعنى والمجاز.

وفي كل لحظة يخفت فيها الضوء، أصغي. وما زالت تُناديني من عمق الروح. وما زلت أجيب بقلب لا يعرف السكون.

***

عبد الله محمد شريف أحمد الزعبي

كاتب وباحث ومترجم من الأردن

مهداة "للذي يشبه الإنسان ولا يشبهني"

كنت احتسي قهوة المساء في شرفة شقتي القابعة في الطابق الرابع من عمارة " نور الهدى"؛ اسم خلد به المنعش العقاري ابنته الصغيرة الغالية عليه حد الهوس. وهو اسم محفظ بموجب القانون، لا يملك أحد نزعه عن هذه العمارة التي بدت عليها بعض الشقوق، لأن العادة جرت على طمس الجودة بمساحين الوجه. أجلس على أريكة هزاز أقرأ رواية "الكلام والصمت" التي لا تناسب عقلي ولا وجداني، لأنها كتخاريف شيوخ عصري، ولا تتماشى مع طموحاتي ولا تستجيب لتأملاتي وطموحاتي، فارغة من كل معنى، أوراقها تتراكم حبات رمل ساعة تروي ما كان وما لم يكن، أو، إن شئت، ما سيكون من علامات استفهام، وملامح حيرة في إمساك المعنى. بينما تغوص مقلتاي في مياه تلك الصفحات الذابلة المتعفنة، راودني غبش سبات، أسكن رموش عيني حيث وجدت نفسي:

أمشي الآن في دهاليز نفسي ومسارب روحي، وأقبية أعماق دواخلي أتعثر بظلي الذي لا يفارقني كاسمي وهويتي، أتهجّى أسماءً رحلت عني ومعجم لساني، وأحاديث لم تكتمل بعد أو لم تبدأ بعد بيني وبين وجودي. كل شيء حولي صارخ بالدلالة وعمق إشاراتها: الحياة لا تحتمل الطيبين والطاهرين والشرفاء، ولا تتسع للمفكرين والنقاد والمبدعين؛ حيث التفاهة والسخافة والسذاجة رائدة زماني. والصمت يبقى الملاذ الأخير لي ولمن رفض أن يتحول، في سياق التخلف والتردي الإنساني، إلى ذئب أو ثعلب أو أسد؛ أي لمن رفض أن يكون رمز الهيمنة والافتراس والتوحش والتغول أو يتحول إلى أكياس رمل في نادي الأسياد.

هل أنا شيخ حقًا؟ أم مجرد بقايا صرخة، أنين، أو احتجاج في زمن بلا آذان، زمن صنعه الجهل والفقر والعته؟ سؤال حارق يلاحقني كظلي، يمشي حيث أمشي، وربما يسبقني، وفي فمي صمت يثقل الكلمات، يحوّل المعاني إلى حروف بلا دلالة أو قوة أو قاموس.

أجلس أمام المرآة التي لم تعد تعكس سوى أشباحي وذكرياتي المحزنة. أبحث في التجاعيد التي حفرها إزميل الحياة على خريطة طريق بلا نهاية، كنفق الفناء، فلا أجد سوى تضاريس الخيبة في أطلس الأحداث، وبقايا خطواتها نحو المجهول، وهمهمات سكون يمسح أفواه المتعبين.

كل صوت في أعماقي يوشوش لي: "اصمت… فالكلام صار لغوًا، وعلامة فارغة، لا قيمة له إلا في سوق الوهم أو في متاجر السفالة والحقارة".

سؤال يلح عليّ حين أبحث عن ذاتيتي في الوجود: من أكون أنا؟ وأما أنتَ، فمن تكون؟ حتمًا لستَ أنا، ولا أنا أنا مهما كنتَ أنا أو أنتَ. نحن أشباهٌ متفرقة، أو نظائر صُنعت من الوجود بلا وجود، نازعة منه المعنى كلما آمنّا باستغراقه لنا، أو اعتقدنا أن الوجود مختزل في وجودنا …

أغمض عينيّ، ثم أهدأ، أتنفس صمتاً أثقل من الرصاص، وصدى كلام لم ينطق بعد، همسات فكر مدفونة في بقايا كتابات هامشية، لم تجمع بعد. ويداي ترتجفان فوق الورقة التي طال انتظارها لكتابة ما، لم تعد لها علامة ولا قيمة ولا تداول. أدير وجهي عن العالم الكئيب، وأغلق الباب خلفي بشدة. آخر ما أسمع منه ليس أصواتاً فحسب، بل رموزاً تحطم كل شيء فيكون خرابا وفناء في العدم: نباح كلاب غاب أو حراسة، يعلن عن افتراس الصغار، ضحكات ثعالب تحكي قصة الخديعة المستترة والمضمرة تحت رصيف اللباقة والمجاملة، وزئير أسود يقود إلى سلطة بلا رقيب ولا حسيب، واستبداد طاغ على الوجود، طاف على سطح العسس والعسكر وعدسات عيون الرقابة … أما أنا، فقد صرت ظلّاً يتجول بين علامات الفراغ والاستفهام، وحطام الكلمات، وبقايا تقارير المخابرات.

هل سأرحل الليلة من كل حرف وكلمة لأستوطن الجنون؟ أم سأبقى هنا صنماً بلا جسد، ولا روح، ولا معنى، حتى يتحول الصمت نصا نهائيا، شهادة على انكسار كل معنى؟ وانشطار الكتابة إلى شظايا وجود؛ لا أحد يعرف الحقيقة … حتى أنا لست كائنًا. أنا سؤال يتيم، يتخبط في متاهة المجهول، معلق بخمائل السقوط.

لكن ما أعلمه الآن أني أجلس في عزلتي ووحدتي ووحشتي، أراقب الليل يزحف على نافذتي، يحارب ظلال أشيائي وموجوداتي، يعيدها إلى الغياب في انتظار الشروق. فأشعر بشيء في أعماقي يرفض الموت والفناء، ويأبى إلا أن يحيا في رواق ذاتي.

كلما حاول الصمت أن يخنقني، أن يقتلني، سمعت في عمق روحي صدى صوت باهت، خافت، لكنه ناطق: "اكتب… لا تصمت. لا تترك بياضًا على صفحات الأيام الباقية. أعد بناء الوجود بالكتابة، مهما استغرق البياض العقول، واستوطن الوجود، وارتقى في الهبوط".

أنا وحدي الذي ينطق الصمت بأسمائي التي ليست أسمائي، لكنها استعارات من أسمائي، ويحكي قصتي ودلالة أوراق دفاتري، مفكرتي التي توقفت عن كتابتها منذ خلوت بنفسي، وانطويت على ذاتي، وهجرت كياني. أبحث عن قلم قديم في درج مكتبي، أفتحه، فيسيل منه حبر لم أعرف أنه مازال حيّاً منعشا، يعيد من جديد قدرة اللغة على مقاومة الوهم والسراب، وصراع الفوضى والعبث، وإحياء الموتى، بل إحياء ما هو أبعد من الموتى. فتخط يدي ما لم يخطر لعقلي، لكنه استقر في خلدي بهدوء: لن أكون ذئبًا ولا ثعلبًا ولا أسدًا ولا وحشًا مثلهم… سأكون أنا كما أنا: شاهدًا يدوّن ما كان وما هو كائن وما سيكون، حتى آخر نفس في جسدي المتعب، المثقل بهموم بلادي".

دلالة حريتي الفردية، واستقلال كياني، وصدق هويتي، تكمن في قدرتي على الاحتفاظ بإنسانيتي وسط غابةٍ من الرموز الكثيفة، المكدسة بالافتراس والتوحش، والمخنوقة بالطغيان وصلب الحرية والصلبان.

فجأةً شعرت أني أتنفس اللغة من جديد. ليست أي لغة، بل لغتي وحدي، عنواني المقيم في ثنايا روحي، وجوهر وجودي. العالم لم يتغير كما توهمت، لكنه انكشف نصًا مفتوحًا أقرأه بعين النقد، وأهدم أصنامه التي ابتلعته. صارت الكلمة سلاحي الوحيد في وجه ما يُملى ويُتلى، بها وحدها أبقى إنسانًا حراً مستقلاً، في زمن فقد الإنسان ذاته ومعناه ودلالاته، وصار شبه إنسان بلا عنوان.

ومع ذلك، يظل السؤال الحارق عالقًا في ذهني، كعلامة استفهام تتأرجح بين كل معنى ضائع وكل فرصة للكتابة، يذكّرني بأن الكلمة وحدها قادرة على إعادة ترتيب العالم والمعنى، وعلى طرح السؤال. سؤال الكينونة والهوية الذي يلازمني كلما فتحت دفتري أو مفكرتي، وينبعث من رماد الإلحاح:

يا ترى؛ من أكون؟ ومن تكون؟

أنا أنا، وأنتَ لستَ أنا. لكن، قد تكون أنا، لأننا أشباه توائم متقاربة، صيغنا وفق هياكل وركائز واحدة، متشابهة في الوجود، مختلفة في السراب، وهم يسري فينا باسم الوجود، محاصرٌ بخطوط حمراء تسلبنا المعنى. كلما أصبحنا جذور كلمات، أو بذور استنبات، أو شتائل مهجنة.

فهل وجودنا حقًا وجود، أم مجرد مجاز؟ أم أننا استعارات من أصل واحد، مصنوعون من طينة واحدة، سقَتها تربة التربية وكتب المدارس ومراجع القراءات؟ كلٌّ منا مصنعٌ حسب الطلب، موضوع في قارورة مختبر، أو قفص منتدى، أو علامة تجارية مسجّلة لدى محاكم الوهم الكبرى. هكذا يكون سؤال الوجود؛ بل، قل: سؤال الفناء.

***

عبد العزيز قريش

فاس في: 05/09/2025

وأطفأ الحب مصباحه

لم يعد هناك صدى في الربى

ولا طيف، ولا قبس

كأنه ظل ليل تلاشى في الدّجى

وما بقي في الصدر سوى ألم متخم

*

أين الوصال؟ وأين البوح الذي كان مزدهرًا؟

صار صمتًا والأنين ينهمر

ما عاد في القلب إلا وجع

والريح تتغنّج فيه

والحنين يختبئ خجلاً

*

يا سائلي عن هوى ضاعت معالمه

مات الغزل

فهل هناك متسع في الموت لهذا الألم؟

قد قيل إن قيسا ذهب للحج معتصمًا

يرجو الشفاء

وفي الكعبة له ولع جديد

*

لكنه عاد والدنيا تكابدُه

تلتهمه نار الوجد

رأى الجموع تفيض

والقلب يسأله

كيف يُمحى الغزل؟

*

قالوا تداوى

فقلت العشق مقتله

ومن يبتغي البعد يلتهمه الحزن

يغربه أو يشرقه

أقسمت

ما رأيت الأركان تحمل جرح فتى

إلا إذا كان فيها ذكر للحب أو مطلبه

*

يا ليت ليلى تعالج جرح عاشقها

فتواسيه القبل

لكنها غابت

والأرواح تغترب

ويا ليتني ألتقي من يقاسمني قربًا

وفي الأحلام نلتحم

***

د. آمال بوحرب

 

إهداء الى رفيقة عمري

منى "أمّ محمد"

***

تعَبُ الحياةِ حبيبتي لو لمْ تكُنْ

عيناكِ مبْلغَ رحلتي قتّالُ

*

لولاهُما ما رمتُ شيئًا من دنىً

عنْها الهَوا لوْلا الهوىْ رحّالُ

*

لولاهُما لم أنجُ من موتٍ لهُ

تعَبُ الخطى فوقَ الثّرى ميّالُ

*

عيناكِ وجهةُ جائلٍ لولاهُما

اسْتَبْقاهُ عُمْرَ الرّحلةِ التّرحالُ

*

كانَ انْطوى عُمرًا بغُربتهِ وما

كانت لِتشْحذَ صبرَها الآمالُ

*

وهيَ التي في صبرِهِ طلعَتْ ومِن

عينيكِ يُسقى عُمرُها الطُّوّالُ

*

كانَ انْقضى حُلُمًا بعُزلتِهِ وما

كانتْ لتُبطلَ حُكمَها الأغلالُ

*

تلكَ التي لما التقَتْ عينيكِ في

حلُمي ارْتأَتْ أن تُكسَرَ الأقفالُ

*

ما يبتغي منْ رحلةٍ لا تبتغي

عينينِ مُهْجَتُهُ هُما الصّلصالُ

*

وهُما الهوى فمُهُ الدّوا لفمٍ بلثـ

مكِ تسْترِدُّ به النُّهَىْ الأقوالُ

*

وهما الرّجا يدُهُ النّجاةُ لمن به

تتزاحمُ الأنفاسُ و الأحمالُ

*

وهما الهُدى يُهدي الطّريقَ لعاثرٍ

شغلَتْ جميعَ دروبهِ الأهوالُ

*

أهٍ لوِ اسْتكشفْتِ قلبيْ كُلّما

قَرُبَ اللّقا وتوازتِ الأميالُ

*

كنت التقيتِ به عيونَكِ حولَها

عِشقُ العيونِ كأنّه طبّالُ

*

كنت التقيتِ بمُهجتي ميّالةً

قد هزّها في وصفكِ الموّالُ

*

كنت التقيتِ بلهفةٍ أمسى بها

الدمُ بي كما لوْ هاجَهُ شلّالُ

*

عيناكِ رجفةُ راجفٍ لولاهُما

ماانفكّ من صِفَةٍ لهُ التمثالُ

*

لقّنتهِ درسَ الهوى فهَوى ومما

اسْتوقفَ المُتَعلّمَ الزّلزالُ

*

زلزالهُ حينَ اللّقا جراءَه

تبْدو الدُّنى وكأنّها أطلالُ

*** 

أسامة محمد صالح زامل

مع فنجان قهوة مقعر

شربت مرارة كهولتي

ومضيت أعدُّ بغضب

سلاسل انكساراتي

وكل ما ترتّب عن ذلك من سوء تقدير

وانفلات لا يقاس إلا بركام حيرتي

للمرة الألف ..

أسقط

أصرخ

بلا صوت

أشرب

من نبع الكآبة

أعلن

موت حلمي السريري

أفترش

الألوان والظلال

أستعير

بدلة  "TERGAL" القديمة

أنزل

لشوارع المدينة

أصافح

المساء المهادن

وأسأل

عن مقالة كتبتها بجريدة " المحرر "

الممنوعة

ودفعت ثمنها نقدا في ميزان الحسنات

2

عندما عدت إلى مسقط رأسي أخر مرة

مستني أوجاع الذكرى

وارتعشت روحي خجلى

تنسمت عبير الشوق الوردي

وأنا أعبر شارع " الأيام الخوالي"

غابة الكاليتوس هادئة

وأشجار العرعر تعانق المغاني

حبيبتي كانت تبزغ في الليالي المقمرة

نتقاسم الخطى ونحتفي برومانسية

الزمن والمكان

نشرب من ماء الحب الكِفاية

ونوزع همساتنا على عصافير المدينة

3

مدينتي تبرأت من خطواتي

أعلنتني متمردا وسلمتني

لمحاكم التفتيش

قيل في محضر التسليم

"مشاغب يقرأ الشعر في وقت السحر

يبحث عن الزمن الضائع تحت سقيفة بني ساعدة

ويسأل عن معطف غوغول  ومسخ كافكا

ويحرض على قراءة الثالوث المحرم

وينصت لكشك في أوقات الفراغ

وأحيانا يقرأ الروض العاطر في نزهة الخاطر

ويعَرّج على صحيح البخاري

ثم يختم برأس مال  ماركس "

4

في كل زقاق جاسوس يترصدني

وفتية يوزعون صُوّري

وشاهد زورٍ يقول:

" إنَّه يُعلّم الصبية لغة العصيان"

ويقرض الناس قرضاً غير حسن

أستطيع أن أقول أنني أمارس لعبة

الظهور والاختفاء

أكلم نفسي

أستعير قناعا

لإخفاء ملامح هزيمتي

وتمويه شخصيتي

أتوارى خلف خيال أحلامي

أرسم زهرة للنسيان

أرسم طريقا للغياب

ثم أختفي بهدوء

***

محمد محضار 1 شتنبر 2025

 

نَـصْـرُ الـعَـدالَةِ لَـمْ يَـكُنْ مَـجَّانَا

قَـطَـرُ الـعُـروبَةِ تَـدْفَـعُ الأَثْـمَـانَا

*

يــا عُــرْبُ هُـبّـوا لِـلـلِّقاءِ كَـأُمَّةٍ

كَـيْ تَـرْدَعُوا الـعُدْوَانَ وَالطُّغْيانَا

*

الـنَّصْرُ فـي ذي قارَ باتَ حَقيقَةً

حِـيـنَ الـقَبائِلُ نـاصَرَتْ شَـيْبَانَا

*

لَـبّـى الـمُثَنّى وَالـقَبائِلُ حَـوْلَهُ

وَسُـيُـوفُ بَـكْـرٍ تَـمْـلَأُ الـمَـيْدانَا

*

فـــازُوا بِـنَـصْـرٍ كــامـلٍ ومُـــؤَزَّرٍ

وَلجَيْشِ كِسْرَى أَطْفَأُوا النِّيرانَا

*

يـا عُـرْبُ عودُوا فَالمَصيرُ مُعَلَّقٌ

كَــيْ نَـصْـنَعَ الـتَّـارِيخَ وَالأَزْمَـانَا

*

يـا أَيُّـهَا الـعَرَبِيُّ قُـمْ نَـحْوَ العُلا

إِنَّ الـــعَــدُوَّ يُــهَــدِّدُ الأَوْطَــانَــا

*

فَانْهَضْ، بِلَادُ العُرْبِ تَنْتَظِرُ الفِدا

وَاصْرَخْ: كَفى ذُلًّا، كَفى خُذْلانَا

*

قَـدْ آنَ وَقْـتُ الـعِزِّ يُكْتَبُ صَادِقًا

وَنَــذُبُّ كُــلَّ مُـنـافِقٍ قَــدْ خَـانَا

*

إِنَّ الـعُروبَةَ لَنْ تَموتَ وَإِنْ غَفَتْ

فَـالْـفَـجْـرُ آتٍ يَــمْــلَأُ الأَكْــوانَــا

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

تُطلُّ الكَلِماتْ

مِن نافِذَةِ المَعْنَى...

مَحْفوفَةً بِغُرْبَتِها!!!

في واقِعٍ...

يَحْتَفِي باغْتِيالِها!!!

*

تَتَعثَّرُ في أفواهِنا...

متَوارية في صَدى القَولِ،

مبتلّة بالحِبْرِ،

لكنْ لا تُفَسِّرُها العُيونُ،

وتكتمُ بوحها الجُدْرانْ!!!

*

تَصِيحُ،

ولا صَدى...

تَنزِفُ،

ولا شَفَقٌ يُضَمِّدُ نُطقَها!!!

*

فَمَنْ يُعيدُ لِحُرُوفِها المعنَى؟

ومَنْ يَفُكُّ قُيودَها...

ويُهديها الزَّمانَ... كما تَشاءْ؟!

***

بقلمك سليمان بن تملّيست

جربة - الجمهورية التونسية

 

للغربِ أُعاكسُ مسرى شمس النبراسِ

لأُلاقي حبّاتِ الماسِ بقلبِ عروقِ تضاريسِ القِرطاسِ

في الغربِ الوجدُ المدُّ حنينُ

ونداءُ الضربِ على نقشِ الأوتارِ الخرساءِ

لا أملٌ لا ضوءٌ لا ماءُ

لا رمشةَ لا غمزةَ وصلٍ تُطفئُ وجدَ الخسرانِ

ناديتُ فلا ردَّ الماسُ ولا نبراسُ الردِّ القاسي

سأعودُ بخفقِ خفوفِ الطينةِ أدراجي

لأوالي رسمَ حروفِ الخيبةِ في لوحِ زمانِ النسيانِ

إني لا ذاكَ ولا أسعى فالوعدُ جبالٌ من خرقِ الأوهامِ

واللقيا حبّةُ قمحِ عِجافِ سنيِّ الطوُفانِ

أعرفُ موعودي وزمانَ الدقِّ على ساعاتِ الجُدرانِ

النوءُ الغضبانُ مصابي

لا شرقَ بدينِ الحقِّ الراقي لا غربُ

الخطُّ الواصلُ حدُّ البرزخِ نحو التوكيدِ

الحانةُ أرقى من قلبِ الصبِّ زمانا

لا تغربُ شمسٌ فيها إلاّ والنجمةُ في المشرقِ تجتاحُ البلدانا

صوتٌ أزليٌّ يسعى ليُبشّرَ بالنغمةِ في قانونِ الأوتارِ

ونداءٌ إنْ أنصفنا لا يُخفى

يحدونا أنْ نبلغَ بالشكوى أطرافَ الجدوى

هذي الرُقعةُ عنوانُ رموزِ الإيماءِ

أطبقتُ الأسنانَ على جذرِ الحُمّى

فانطلقَ الكوكبُ في أرجاءِ الكينونةِ مُشتقّاً ضوءا

يحلمُ أنَّ الآتي يأتي ليُغطي باقي الأشواطِ

أين الصرخةُ والنادي والمَندى؟

لا شئَ سوى ما يبقى من توقِ الهاري للعاري

ونِداءِ الصيرورةِ نحوَ قطوفِ الأعناقِ

فهَلُمَّ نُصَعّدُ ما في الخيبةِ من أنداءِ الأصداءِ

حُكمُ النادي قبضةُ ما يندى في سوقِ الأغيارِ

الناجي لا يندى .. يستحلبُ لُبَّ فقاعاتِ الضوضاءِ

غربٌ؟ تغريبٌ أمْ جُهدُ الفاتحِ للفوضى آفاقا

عَبثُ أوقفَ إقلاعا

مُهَجٌ تترصّدُ أخبارَ سخيِّ الأنواءِ

نادتْ فتصدّتْ ...

الصوتُ العالي نِدُّ الودِّ

صنوُ الرِحلةِ صوبَ أمازيغِ طروقِ مضيقِ زيادِ.

***

د. عدنان الظاهر

آب (أغسطس) 2025

لا شيء في العراق

يفرحنا بيوم

حتى الجسور قد غدت

ترعبنا بنوم

الناس في قلق

جسورنا ورق

و الف روحٍ تحتها بلحظة زهق!

لا شيء في العراق

سوى الذي نفاق

تزاحم الجميع للكراسي

و أشعلوا الأماسي

و حشّدوا الأصوات باللسان

لكي يكون واحدٌ

عضواً من البرلمان!!!

***

رعد الدخيلي

روحها في كل ليلة،

كانت تشتعل كشجرة ميلاد تحوَّلت غضاً ..

وأبصركما معا ً...

أنت والطيار الأمريكيّ الذي أحرقها ذات ظلم:

هو مبتهج بألسنة اللهب،

بينما تذبلُ كفاك منكفئةً بإشعال الحريق.

**

أظلّها بغيمةٍ ورديةٍ،

وأدار حولها الأنهارْ

فرشَ لها الأضواء والألوانَ

فضاءَ رقصةٍ مجنونةْ

لكنه هرب قبل اكتشافها أنه بلا ساعدين

**

وعدها بثوبٍ أخضرَ، ونزهةٍ نهرية

لكنه جرّها من يدها

وقذفها بحلة بيضاءَ في رابية.

**

كان منهمكاً بتصفية البلابل في غصون أشجاره،

وكانت الطلقةُ الأخيرةُ من نصيبها ..

كانت وهي تحتضر،

يعذبها حزنٌ غامضٌ في عينيهْ

**

قال لها .. إنهما في هدنة

ابتسمت في داخلها .

فهو لا يعرفُ أنها لم تخضْ حرباً قط

ولذلك تقوّس قلبُها في رحلة الرمان .

**

هو لا يعرفُ أمكنة نشوزها

إنها منهمكةٌ بهديل الينابيعِ

وشجى الرند والميسِ والعرارْ

ومأخوذة ٌبخطوط " ماتيس "

وأحصنة " كندانسكي"

بأجنحتها الهائمة في أروقة السماءْ

مهووسة بتباريح " تشايكوفسكي " وشمسه الهاربة

بغُصةٍ مجهولة

ونازفة في تنقيطات حزن "جورج سيرا"

ومرابع "جواد سليم "

وأجنة براعته التي انتُزعت في ظلِّ شجرٍ عاقر

وهم يشعلون ليلها باشتباك الوجد والوجع والحمى

حيث تدخل الحدائقُ صالة أساها

كي تضمدها بجروح القداحِ، وحنوِّ الملاذات.

ميلودي، ميلودي، ميلودي

في غفوة الرمان بظل نخلةٍ على ساعد شط العرب

هل بقي للعرب من شطٍّ يا سيدتي ...!

في اندغام الفرات بدجلةَ في لحظة كونية

على خاصرة الجرح

لحظةٍ تفتحُ ذراعيها لمطلع خلاصٍ لا يخلّص

ورسلٍ تخونْ

وأروقةٍ معتمةْ

**

دجلة يتطيَّر من غروبٍ يحتويها

يضمُّ شجراً دامياً يلوبُ في ضوء عينيها

يتفقّد عوزَها المسائيَّ لنشوةٍ ترتدي رقصة نجومها

وهي تتساقط عطشى

حول غزلانٍ عارمةٍ بفوضى المتاهاتْ

وأجنحةِ فراشاتٍ تبحث عن جحيم ينتشلُ عريها

من حفرِ الجليدِ ووديانِ المنافي

وأجنحة راقصاتِ " دوجا "

الصاعداتِ للسماء في شهقة باليه

من رحلة السواد في غسق " المعري وتيسان "

المخضبِ بدم "السهرورديِّ" المغدورِ بضربة حبْ

مرٌّ وجعُ الغيوم الهائمةِ في لؤلؤة روحها

دجلة خيمةٌ

دجلة قنديلْ

دجلة جمرةْ

دجلةُ نخيلْ

وتلاوينُ ربيع الموصلْ

دجلة شهقة أبي الخصيبْ

ولواعجُ ابنِ الفارضِ وإشاراتُ التوحيدي

وزنارٌ بغداديْ

**

تتسعُ ثقوبُ الروح أكبرَ فأكبر

تبتعدُ السماءُ، أكثرَ فأكثر

تبتعدُ عن مسلة الجروح نائيةً بأجنحة العطش

ومنتشلة سفن الحلم من أكفِّ الرياح

تمتدُّ الفضاءاتُ أبعدَ فأبعدْ

وتنثالُ التراتيل ..

دجلة مشهدُ حبٍّ خجولْ

دجلة أرجوانْ

دجلة انفتاحُ التفاح على بهاء السماءْ

دجلة حيرة المرايا

ولوعة الصدورِ

لاقتحام المحظورْ

دجلة ينتزعها من شِباك الوحشةِ

ليخبئها في زهرة رمانْ

وزهرةُ الرمان ملاذي

فنائي هي وقبري وحشري

وضالتي،

إن قبلتني فحسبي

مذهولةٌ شجرةُ الرمانِ عن عطرها بوجدها

وعن فتنتها بحزنها

ومنهمكةٌ بتغييباتِ " سيزانْ "

وإشراقاتِ "الجنيد " ولواعج " الحلاج ".

كان يشبك ساعديه فجراً على صدره ليصلي

لكنهم قطعوها.

سألتني أمي وخضرة عينيها مخضبةٌ بالدموعِ.

لماذا ..؟

بكيتُ، ولم أجد من يمسحُ الدموع.

ملتاعةٌ أنا بتأويلية " غني حكمت

ورافع الناصري وراكان دبدوب "

وموجعة بفضاءات " الرحّال "

وهو يختار فردوسَهُ تحت قبعةِ مجهولٍ

يوجعني وجعهُ

لكنه ظلَّ هائماً في أروقة السماءْ

لأن النجومَ طوقتْ قامته بنايات ماسها الأبديةْ

**

متأرجحةً على سلالم الحلم في رحلة سيزيفيةْ

بين " منيف وجبرا ".

ومقتولةً بلواعج "هايدن" وأنين "عمر خيرت"

وهما يحولانِ الحزنَ لسلالمَ .

وأجنحةٍ من عبيرْ

**

دجلة شجرةُ لوز تختبئ في ظلها الشقائقْ

تُسقى بكؤوسٍ مترعةٍ

من أوراد "ابن عربيٍّ وأبي يزيدْ"

لكنها تظلُّ تلوبُ بنايات حزنٍ يغورُ في ليلَك أساها

دجلة هديلُ سنبلةٍ عطشى

ووجعُ الهديلْ

دجلة ليلةُ سفرجلْ

شُرَفٌ وأروقةٌ وشناشيلْ

وإشاراتٌ ترقى،

تطلب الكلّ، وترفض شتات الأجزاء

تطالبُ،

وتأبى الوقوفَ على باب الرجاءْ

دجلة بيتُ الوجود

قال لها. مرفأٌ أنا، ومطلعٌ ومُرادْ

ووقفةٌ إن وقفتِها نجوتِ

سألته، كيف، وسلطةُ " الكاف " طاغوتٌ يجتاح الملكوت

قال .. لأني زيتُ السراجِ

وعسلُ سورةِ المائدةْ.

وغربة التين وجمرُ زيتونة

لم تبخل بنورها

صدقيني

شهامةُ المنفى أنا . قال لها،

ولوعة الأسئلة ولهفة الصيادينْ.

والتهلكة نجاةٌ معي

إن دخلتِها فتَحَتِ الحصونُ أبوابها

واشتعلت الأنهارُ وفار التنور

لكنه كان مذعورا بلبلاب يلفُّ عنقه،

ولذلك لم تصدق.

سألها بأسى الأطفال: لماذا ...؟؟

(في الطفولة يرتدي حلة ياسمينٍ

ويفوح بشذاها

في الطفولة تأخذه لصدرها ويتسعُ الكون

وهو في الطفولة ... تصمت،

كي تظلَّ محفوفةً بملائكة العرشْ)

**

لم تقل له: إنه لم يكن وطنا لأمنه،

ولا صديقا لحلمه،

و لا حميما لأسئلة الصيد والمنافي ...

ولذلك لم تصدق.

وكان السكون للحركةُ بالمرصادْ.

وكان العطبُ حليفَ صحاريه

ولأنه يحبُّ رملاً بلا أثرٍ ولا ذاكرة

ولا خطوطٍ تؤسس رهافة المعنى

رفض أن يشكل مروقَ لحظتها

حيث يشتبك الموتُ بالحبِّ بالميلادِ،

بزهرة رمانْ آبقة

وكانت الزهرة تمتلك قرارها

كانت تدرك أن التهلكة معه هلاكٌ طافحٌ بالهلاك.

رملاً متحركا يأخذها لهاوية غاربةْ

وموتاً بلا موت ...

**

دجلة يأخذها إليه من تهافت الحافاتْ

من صراخ الورد المشتعل في عينيها

من وجع الملائكة التي تشهقُ في بروقِ ماسها

من ذئابٍ تستيقظُ مبكرةً في جذوع شجرها.

من غزلانٍ تعدو في سرابٍ

يفصل بين التفاح والصحارى

في متاهات عبيرها.

من عبوةٍ ناسفة تندسُّ في يواقيت روحها

من سلالم الوجد وأروقة العذابِ التي

تلوب في مياه محنتها

كانت تصرخ وهي على حبال البرزخ

إلهي، من لي بأحذيةٍ لكل هؤلاء الحفاةْ..!!

**

تتساءلُ كيف انهمر الثلجُ من عيون شمس آب

ليستقرَّ زمهريراً في دمها.

مُحرقاً حقولَ القمح

وشجى النرجس وهمس الياسمينْ

باحثة عن جيمات الوجد في:

جور، جود، ووجعٍ وجوى،

وفي موجٍ،

وحتى مواجد الجحيمْ

تصمتْ ...

يقول دجلةُ .. أكملي.

وتقول جاء دورك كي تعتنقَ عقيدة

زهرِ الرمانْ.

خالصة من عناد الدم ومكابرة الوجدْ

وفاتحةً ذراعيها لأفقٍ يصلُ الأرضَ

بسماءٍ عاشرة

كي تُسلم في حومة الشهادة المفاتيحْ

فاليقينُ يَهديكَ إلى الحق،

والحقُّ هو الحب

والحبُّ هو المنتهى ...

فأيَّ قلاع الأرض تتسلقُ بصركَ

وهو في الجب

معلقٌ على حبال المكيدة

تقول له الناياتُ .. حاذرْ.!

لكنه لا يصدقْ.

يصمتُ دجلة الضائعُ بينَ

المنابع الغريبة والخلجان

دجلة موجعٌ بالصمت

مرهَقٌ بوَجَل الكلام

ترعبه البلابلُ المفتونة بالتحليق فيهربْ

دجلة لا يرفع أعلاما زائفةَ الهوية.

دجلة يقول لها .. تعبتُ من الأقنعة

لا تدرسوني في محاضرة النقدِ بها

بل من تلك المنابع القصية المرهونة لدى الطغاة

تتساءل في داخلها.

أليست الهويةُ من الهوى ...أم هي في القصدْ...!

تنصرفُ عن حوار الجذور لتقعَ في المحذور

يهوي رأسها في عصف ريحٍ تبعثرُ أوزارهْ

إقرأي له سورة النخيلِ كي يهدأ. قال لها.

لكنها قرأت سورة الرملْ،

سكتت السورة، ثم قالت: لا مفر

ما تزال العاصفة دائرةً في التيه .

والحقولُ شتاتْ.

ولزهرة الرمان أرقامٌ وآجالْ

الأولى تعبتْ بما عرفتْ

الثانية تهربُ مما تعرفْ

الثالثة ما تزالُ تشتبك في عدْوها خطوطُ السرابِ

بأقواس قزحْ

خذني لتموجاتِ قوسِ قزحٍ بعيدٍ

يلوب بمواجدكْ

قوسٍ ما زال يجمع شتاتَ ما تريد أن تعرفَ

لتتعلمَ من شيخها النفريِّ ..

كيف تحرقُ المعرفةُ المحبةْ،

ومن البسطاميِّ كيف تحييها ..

و" الجنة جنتان:

جنةُ النعيم وجنةُ المعرفةْ،

أما جنةُ النعيم فزائلة،

وخالدةٌ جنانُ المعرفة " يا مُريدْ.

ولذلك ظلت تسكنُ معرفةً لا تعطي الريحَ أعنتها

حين هربت من الساكن وصادقت الرياحْ.

كي يظل " تموزُ " العظيمُ راعيها

**

قالت له ذاتَ عذاب:

سأذهبُ إلى الجنة بدونكْ .

وعادت أصابعُ اللبلاب .

لكن المشهد لن ينتهيَ عند عروجه الكتوم

فألسنةُ اللهب ظلت تراود أصابعَ حزنه النحيلْ

المتخفي في نبيذ محنتها

والعارم بعطر ليلٍ يرتديها

لا وصية تهديها إليه غير الدخول في زهرة رمانْ ..

وأن يتلفتَ دوما

ليوقنَ أنَّ ثمة شيئاً يتوهجُ

ولذلك تعلمتْ ألا تصدقَ من قال لها: غادري

لم يعد في الوردة رحيق.

**

دجلة الهادي إلى صراط الحب

دجلة الزلالُ كحريره الموصلي

دجلة المشتعلةُ أمواجُه بزنابق الرحمة

دجلة يتحولُ على حين غرة لزوبعة من نارْ

تتصاعد أمواجه مراجلَ من لهبْ

تتضورُ أسماكه، وتضيع بالأضدادْ

دجلة شوكُ البراري

صهيلُ الجحيم في ليل اخرس

دجلة بشراسةٍ يبتلع قرصَ الشمس

يكسِّرُ قناديلَ الزوارق المرتمية في أحضانهْ

يغتصب بدر نيسان من جلال بهائهْ

يضحكُ من الكلمات المعجزات

يطلقها ملونةً كعصافير الجنة

ثم يرميها بالحجارة ..

ينتزع النجوم من أفلاكها

يشظيها بأصابع "جاك دريدا"،

حيث تندحر الينابيع

يبحث عن الثغرات ليفجرها،

ساخرا من حوارية "باختين" ونوافذ "جادامير"

ومن عنفوان "هيدجر"

وهو يتوّج الكلمة تاريخاً للوجود

الكلمة: تاريخ كن

الكلمة: شجرةُ الكينونة

بكلمة وكلمة وأخرى

مزخرفة على ورقة... "ابن نوفل"

و"القديس أوغسطين"

ومفتونة بماسة هولدرلين

" مايبقى يؤسسه الشعراء"

لا زمنَ يحتوي عريَ الجوع والعطش

لا زمنَ يحتويني

والجوعُ والعطشُ قدسُ الأقداس

إذ نحتويهما تسقط المحنُ في كفّيْ خلاص.

لا زمنَ يحتوي امرأةً ماردة ً تشتعلُ وتنهضْ

يصطادها دجلةُ ويرميها في القاع وتنهضْ ..

لا زمنَ يحتويني

أنا من يحتوي الزمن وعنجهية جبروته... أنا

أنا من تلفُّهُ بأنامل القلم وسطوة الظلالِ

الظلالُ التي ظل رقصها الليليُّ يغريني وأتبعه

بشهقةِ الروح ولوعة الملاذاتْ

وبجبروت كلمةٍ واحدة هي ... كنْ.

حيث تنهضُ لغتي

باذخةً من جذور الصحارى

ومعرشةً في مشاتل الكلام

باذخة تداري بحنوها ارتباك أصابع اللبلابْ

والكلمةُ وحدها غلالةُ الزمن،

مطرقتهُ التي تلعب به إذ تشاء

الكلمة التي تعرف حدود الفصلِ

بين المغامرة والمقامرةْ

والوصل بين الجرح والسكين

وتأبى الانصياعَ لحوارٍ مقطوع

يُكسّرها "دريدا" بالاختلاف،

يُرديها قتيلة الإرجاء

ورهينة نسيان لا يؤمن برِهانِ المهادنة

بلا أثرٍ هذه المرة ...

كأنها ما كانت أولَ الضياء فوق عتامة الغمر

قبل أن نبتكر حزن الشقائق وجرحَ الشيحِ

وخيانةَ البنفسج،

وقبيلَ حلول يأس الياسمين.

الكلمة التي يشرق بنورها شجرُ الكونِ

ويهفو بها الموج شاهقا من ساحلٍ لآخرْ

تسكرُ بها رقصة الظلالِ وتقفل عليها الروح شغافها

تلوبُ المراكبُ

وترتبك الشاراتْ:

أ،

حاء،

باء،

كِ

حروفٌ لا تأتلفُ.

ليس في شُرفة الاختلاف حسبْ،

بل في صليل التناقض.

تصطرعُ بين فتح الكاف وكسرها،

والكسرُ أقوى فقد كسر الطغاة والجبابرةَ

وأنزلهم عن عروش المنى..!

وجرّ الأملَ والألمَ وما حولهما،

وجرَّنا في الغاوين.

كسَرتنا الكسرةُ في مخاض التشكيل

حيث لا ضمةَ تؤوينا.

وتلك الحروفُ .... قدسُ الأقداس.

صارت كرةً تتدحرج على سُلمٍ

يصلُ عذابنا باردان الحقيقة

وحيث لا حقيقة إلا معكْ.

**

يلوي عنقَ الغزلان، دجلة

يرميها في غياهب جحيمه

يطوي الضفافْ

يجزُّ ضفائرَ الأرض التي أرهقها الطوفان،

يهدم منائرها

يقذفها في مراجلَ زئبقيةْ

يقتلعُ شجرَ الحلم، يُشعلُ حدائقَ الحكمةِ

يسحقُ بالزوبعة براءة الورد الناعم

على الضفتين

**

سورة " القارعة " تلاحقني

لا ضوءَ فوق زندي

لا غلائلَ وردٍ تلفّ نداء روحي

لا نشيدَ في الأعالي

قلائدُ الليل تنفرط ْ

أهي النجومُ قلائد الليلِ أم أقراطه

أم غصونُ الحكمة المصلوبة على الشناشيلْ

لا قمحَ في خوابي الشتاءْ

والبحرُ وحيدٌ في الليل ومنكفئٌ بين الخلجان

لكنَّ الصخرة بجلالٍ تغادرُ مرساها

باذخةً،

وعصيةً على السكوتْ

ولذلك ظلتْ تروي لليالي الشتاءِ

أسرارَ شجر الرمان.

آهِ .... أموتُ، لكن لا غرابَ يواريني.

لا أحدَ، لا أحدْ.

**

وأسألكَ، ما للخيانات مولعةٌ بالهجاء.

ومالي معرضةٌ عن هجائها

مادامت تمنحنا كلَّ هذا الوعيَ الفادح بالخساراتْ.

علليني إذنْ،

أيتها الرؤى الطالعة من صميم الخطيئةِ،

علليني

وكوني رؤوفة بخيباتهم.

ما دام الخلدُ لكِ، وليَ المجدْ

ودعيني أقتسم معك العذابَ وكواهلَ الاصطبارِ

ودقةَ الأسباب.

علليني ...

فمجدُ الميلاد لي ... أنا مريمُ السرِّ

ولهم الخطيئةْ.

لا احتاجُ من يواسيني

مادامت المعجزةُ ملءَ دمي

وبين ذراعيْ.

وفي دمه وعلى شفتيه بلابلُ تحتضر.

قلتُ له:

لم أمتْ لأنه رحلْ،

فرحيلهُ عقوبة شراسة الرمان في ليلةٍ موحشة

بل لأنَّ الألوان والأضواء غابتْ

ومال غيمٌ لعوبٌ وعدَ بعنبٍ وأفلاكٍ جديدة.

وبقمرٍ يلوّح بمناديلَ خضرٍ

في ليلٍ داكنْ ...

**

رحيله كان عقوبة انتظار لوز المنى

في شرفة مساءٍ جامح.

قلتُ له: ابتكرني،

كن غصوناً لمهارة وحشتي

فقال: رتبيني

لكنَّ الرعبَ ابتكره قبل شروق المياه.

ولم أعجبْ لان الغابة كانت تتسعُ للأضداد

فخرج ولم يَعُدْ.

**

ودجلةُ، دجلة ..

**

دجلةُ ليس ساعداً حريرياً يخاصر وجد البساتينْ

دجلة هاويةٌ تعتلي زبَدَ العذاب

وتتفرّجُ على خراب المدن

في الأصيل يعاود الاختناق بأصابع اللبلاب.

يذوي، ويهبط لقاعه الموجْ.

تنطفئ نيرانهُ.

ويغيبْ.

يترك على الضفة أرديةً تفوح بعطر دمي

**

" شانيل " ..

يا أجنحةً تطلقُ رسائلَ وغلائل ومناديل

لماذا يرحل هو وترتضين المساءلة

ذكريهِ إذن ...فما بين شهقة ورقصة

تنهض المدنُ مرة أخرى

مكللةً بأقواس قزحِ ما بعدَ الطوفان

تنتظرُ في ظل رمانةٍ جديدة

أغصانَ زلالٍ طالع ٍ من عروق دجلة الجديد ...

***

ا. د. بشرى البستاني

قصيدة قديمة

نوارِسٌ قَبْلَها طاروا بأجْنِحةٍ

وَخَلّفوني جَريحَ القلبِ والرِئةِ

*

نصبْتُ قلبي لهم بل مهجتي شَرَكاً

فرّوا وقد سرقوا ريشي وأجنحتي

*

حَطّوا على سِدْرَةِ الفِرْدوسِ وانتبذوا

خَفّاقَ ناطورهم في جَمْرِ موقِدَةِ

*

شدّوا شراعَ النوى للغيبِ إذ تركوا

سفائني بعدهم من دونِ أشرعةِ

*

رُويْدَكُمْ قالها دمعي مُناشَدةً

فقد بنيتُ لكم عُشّاً بموْجدتي

*

لكنهم غادروا الناطورَ وارتحلوا

كأنهم بِرُبى الأخرى على صِلَةِ

*

مهْلاً رسولَ الردى واعتقْ نوارِسَنا

عَلّي أرى نورساً يرسو على ضفتي

*

ياكاسرينَ مَرايا الروحِ لا تَسَلوا

وخْزَ الشضايا بها من أيّما جِهَةِ ؟

*

ودّعْتموني مجازاً قَبْلَ رؤيتكم

وطيفُ أمّي أتى فجراً لِتعزيتي

*

وَ بُرْعُمٌ بعدها لاحتْ ملامحُهُ

فأعلنتْ صَوْمها للهِ مُؤْنِستي

*

قالت : عَصاكَ التي ترجو مَآرِبَها

لكنَّ حادي الردى أودى بِمِنْسَأتي

*

فاحْتجَّ قلبي على المنّانِ مُعترضاً

وَشَكَّ في حِكْمَةٍ ضيزى وفلسفةِ

*

لولا بَقايا يَقينٍ راسِخٍ بِدَمي

لارْتابَ عقلي بهِ واستنْفَدتْ ثقتي

*

رَبّاهُ عَفواً إذا ما إشتطَّ بي وَجَعي

وَرُحْتُ أرمي كما المكلوم أسئلتي

*

أنتَ الكريمُ الذي أهْديتَني هِبَةً

مِنْ بَعْدِ لأْيٍ فلا تَمْنُنْ على هِبَةِ

*

هل ذا سؤالٌ الى باريكَ أم عَتَبٌ؟

صاحتْ جروحي وشلَّ الرَيْبُ معرفتي

*

يا مُسْتَرِدّاً بِلا إذْنٍ أمانَتَهُ

وَمُستعيداً ذُرى جودٍ ومَكْرُمَةِ

*

سامحْ جريحاً أصابَ الفقْدُ مُهْجَتَهُ

لكنّهُ طامِعٌ في بعضِ مغفرةِ

*

أكرمْ فؤادي الذي يصبو إلى حُلُمٍ

يقتاتُ من دمعتي الحَرّى وأوردتي

*

لا تجزعي من قضاء الله سيدتي

قومي وَلَبّي على رَحْبٍ على سِعَةِ

*

صُبّي دموعاً على المدفونِ في كَبِدي

عَلّي أرى طيْفَهُ في النومِ والسِنَةِ

*

هبّتْ نُلَبّي بِلا سُخْطٍ مَشيئَتَهُ

وأثلجت صدرها في دمعِ تَلْبِيَةِ

*

وَحَسْبُنا أنّنا فُزْنا بقافِيَةٍ

وحيدةٍ إنّما في ألفِ أغْنِيَةِ

***

د. مصطفى علي

 

سومريٌّ انا

إبنُ الطينِ وصديقُ السمكِ النهريّ

نسبح سويّاً

في أعماق

جزائر المدينة المدينة المنفية

جنة الله في الأرض القصية

أهوار بصرياثا المدهشة

هناك فقط

تزهو سومرُ بسحر البساتين

وتتعالى خيراتها في اعالي الفلك

أنفاس الحوريات تصير نجوما وشهباً

بسمة حبيبتي

تضيء الطبيعة فتصير فجراً ترفرف بأجنحتها

لتنثر الضياء في الأنحاء

فتسكر العنادلُ

وترسلُ ألحاناً

عِذاباً

في الفضاء

اه منكِ

ومن أخضرار عينيكِ

ومن بلورة خدَّيكِ

أنيقة أنت ايتها الطالبةُ

الطالعة من وسط القصب والبردي

تراودني نشوةُ

عِناقٍ لاهبة..

عاشقٌ يحتضن حبيبته بين الاحراش

ولمَ لا أحبكِ

وانتِ الحورية المجهولة

أحلمُ في اليقظة والمنام

انْ ألمسَ تفاحتيكِ

بلهفةِ

طفلٍ يلتهمُ

حلمات الكروم

وأصيح من هناك

من اعلى نخلة عيطاء

-يا أنكيدو

صلِّ معي بجوار

الفرات

ياجلجامش

مازلنا نحلم مثلك بالخلود

ونحمدُ نعيمَ

العراق

أيها الطائرَ

أن ضللتَ السَبيلَ

فالنخيلُ

والتمرُ

والزوارق

والمجدافُ

دليلُ التائهين

***

باقر طه الموسوي / العراق

بعد كل هذه القصائد

يخونني قلبي

ويتركني

أبتاع الهواء

لعلّي أكمل القصيدة.

*

يتركني في منتصف النفس،

يجعلني أجمع بقايا شهيقٍ

كي أرمم بيتاً مكسوراً،

ويضحك مثل طفلٍ عابث

يرفض أن يكون وفيا

*

قلبي قصيدة ناقصة،

كلّ نبضة بيت،

كلّ شريان سطر.

إذا تلعثم،

انكسرت تفعيلة،

وإذا توقف،

بقيت على الكيبورد

علامة حمراء

تفضحني.

*

يقولون:

ستصلُ أنابيبهم إلى دهاليز الصدر،

وسيعرف المبضعُ كيف يفتح الطريق.

لكنني أعرف

أن الطريق إليكِ

لا يفتحه إلا دفء يديك.

*

بين برودة الأجهزة

وحرارة حضورك،

بين يد الجراح

ونظرتك،

يختار قلبي الرجاء.

*

ينزف قلبي

كما ينزف قلمٌ جريح،

دم على الورق،

حروف حمراء

تسأل عنك.

*

كل محاولة للبقاء

قصيدة جديدة،

وكل سقوطٍ

بيت ناقص

أبحث له عن قافية

في عينيك.

*

فلا تتركي قلبي

على مائدة الأطبّاء،

ولا على برودة الأجهزة.

*

أمسكيه كما لو كان بيتَ شعر،

قصيدةً لا تكتمل إلّا بك،

أو كطفلٍ يرتجف

يطلب حضناً.

*

إن عاد،

سيكتبكِ بيتاً جديدا

وإن رحل،

ستكون يدك

آخر قافية.

***

د. جاسم الخالدي

في نصوص اليوم