عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

سامي البدري: صناعة الطبقية المضادة

بعد ظهر التاسع من نيسان، من عام 2003 ، وكأن الجميع قد اندفع بصرخة موحدة (ما الذي وحدها؟).. سقطت حقبة الهيمنة على كل شيء.. إذن لنفعل كل شيء، وكان أول (الكل شيء هذا) هو صناعة طبقية أرستقراطية الهيمنة على كل شيء وبورجوازية أرصدة المليار دولار.

التاسع من نيسان الذي أتحدث عنه هو يوم دخول القوات الأمريكية إلى بغداد، العاصمة العراقية، وإعلانها إسقاط نظام صدام حسين واحتلال العراق.. وتغيير شكل الدولة والنظام معاً.

ولأن الولايات المتحدة ليست دولة مجتمعية (أي ببناء اجتماعي تاريخي أصيل)، بل دولة (طبقية المال أو أرستقراطيته)، وأيضاً لأن ساستها وصانعي قرارها السياسي والعسكري، لا يقرؤون التاريخ، فإنهم لم يهتموا، بل ولم يفكروا من الأساس، بأمر من سيسلموه السلطة ومن أي طبقة يجب أن يكون. وهذا يعني أن صانع القرار الأمريكي، لم يفكر بالتاريخ الاجتماعي لبناء المجتمع والدولة العراقية، بل كل ما فكر به هو (نحن نزيل نظام فردي دكتاتوري متخلف ومحتكر للسلطة، فكيف ما يكون البديل عنه سيكون أفضل للشعب).

الطبقية والطبقة الاجتماعية التي أسست الدولة العراقية الحديثة..

ولو كان صانع القرار الأمريكي يقرأ التاريخ لكان فهم واستوعب، أن من أسس دولة العراق الحديثة هي طبقة أرستقراطية أصيلة يقودها ملك، من أصل وتاريخ نبيلين، وليس مجموعة العسكر، ذوي الأصول الطبقية الدنيا من المجتمع، الذين انقلبوا على تلك الدولة الأصيلة وحولوا البلد إلى جمهورية موز ورعب، يتبادلون حكمها بالانقلابات الدموية وقتل كل منهم الآخر.

وهذا يعني أن حكم العسكر للعراق (بدأ بإبادة العائلة المالكة وإبعاد الطبقة الأرستقراطية وتهميشها، في انقلاب 14 تموز|يوليو عام 1958) كان خطأً وفعلاً طارئاً وغريباً على العراق ودولته، وبنيته الاجتماعية، قبل السياسية. وعليه فإن عملية إعادة شكل ونظام الحكم إلى سويته الأولى وسابق عهده المرموق، كان يجب تسليمه إلى الطبقة المؤهلة للحكم، لا لمجموعة من شذاذ الآفاق (وأتمنى أن يفهم مقصد تعبيري اللاحق في سياقه) من الطبقات الدنيا من المجتمع.

الطبقية في المجتمعات الإنسانية، ومنذ فجر التاريخ، حقيقة واقعة وبناء اجتماعي أصيل، لا ينكره إلا جاهل أو مفتون بالدعاوى والمصطلحات السياسية – المؤدلجة الجاهزة.

وبعيداً عن التوصيفات السياسية والسياسية المؤدلجة (ذات الدوافع الايديولوجية) فإن الطبقية نظام اجتماعي – ثقافي وليس نظاماً اقتصادياً (تحدده العوامل والظروف الاقتصادية للفئات الاجتماعية) كما طرحت شارلوت نيكرسون، إضافة لجميع الأطروحات التي استقت فهمها من الفهم والتصنيف الماركسي لمفاعيل العملية والبنية الاجتماعيتين. وهذا يعني أن أسباب حدوث الفوارق الاجتماعية وطبقيتها، ليس سببه الفوارق الاقتصادية بل سببها مجموعة العوامل الثقافية التي تؤسس لتاريخ وبنى أي مجموعة من المجاميع السكانية – الاجتماعية. وهذا يعني، من ضمن ما يعنيه، أن الطبقة الاجتماعية تمثل الهوية الثقافية والأخلاقية وبعدهما التاريخي (أصالة القيمة الاجتماعية الاعتبارية أو غير المادية)، للمجموعات الاجتماعية، قبل البعد أو الثقل الاقتصادي أو السياسي المكتسبين، لأن هذين البعدين مكتسبين بالعمل والرغبة.

وعلى عكس السرديات التي يروجها جزء من علماء الاجتماع والساسة المنطلقين من خلفيات مؤدلجة، فإن الطبقية ليست عارضاً (سياسياً) مفروضاً من الخارج، بل هي هوية ثقافية وأخلاقية يولد بها الناس، كجزء من البناء الفطري لشخصية الفرد والمجموعة الاجتماعية التي ينتمي إليها، قبل أن ترفدها، كمصدر تدعيم وتحصين، الثروة والقدرات الاقتصادية والنفوذ السياسي.

وخير مثال على ما نقول هي تجربة حكم الأحزاب الشيوعية، في منظومة الدول الاشتراكية السابقة، تلك الأحزاب التي حاربت الطبقية بكل جهدها، كما تردد في أدبياتها السياسية وجهدها الإعلامي التعبوي. ونتيجة ذلك الجهد المصطنع لم تزد على أكثر من تكريس روح تلك الطبقية، في أفراد الطبقات المسحوقة التي كانت تنادي بتحريرها، طبقتيّ العمال والفلاحين، عبر زيادة فقرهم وحرمانهم الاقتصادي بالذات. في مقابل تحول قيادات ومتنفذي تلك الأحزاب وعوائلهم إلى برجوازيات مصطنعة، ترتع بالرفاه المادي والسلطوي المنهوبين من حقوق الطبقتين المسحوقتين، العمال والفلاحين بالذات.

وفي مثال العراق، موضع بحثنا هنا، فإن الطبقة الأرستقراطية (وهي غير الطبقة البورجوازية التي عناها ماركس في تصنيفه للرأسمالية، من حيث كونها مالكة للثروات ووسائل الإنتاج) فهي كانت الطبقة المثقفة والمتمتعة بأصالة المحتد فعلاً، لكونها كانت تمثل البيوتات الأصيلة العروق، قبل امتلاك بعضها للثروات. ويهمني أن أؤكد هنا على أن ليس أغلب هذه البيوتات أو رجالها كانوا من أصحاب الثروات الكبيرة، بل إن أغلبهم كانوا من الموظفين المتعلمين وضباط كبار في عهد الاحتلال العثماني، قبل أن ينتظموا في عمل مؤسسات الدولة التي أسسها جلالة الملك فيصل الأول عام 1921 .

لعبة المصالح السياسية.. وصناعة الأوهام..

وكما أسلفنا، فإن الأمريكان كانوا يجهلون كل شيء عن العراق، باستثناء صدام حسين، الذي كان قد تمرد عليهم وأتعبهم وأضر بمصالحهم، وبالتالي (أجبرهم!!!) على اجتياح العراق وإزاحته عن السلطة.. ولكن ماذا بعد ذلك؟

إنشاء نظام حكم جديد.. هكذا وبكل بساطة!.. وسيكون ديمقراطياً.. للمرة الأولى!

والغريب أن (أحفاد الملكة اليزابيث وونستون تشرشل) الذين قاسموا الأمريكان في غزوهم، يتضح أنهم لم يدققوا تاريخهم الاستعماري (القديم) بعناية، لذا فإنهم لم يشيروا على الأمريكان، بأن في فترة احتلال القوات البريطانية للعراق، كان ملك العراق، فيصل الأول، قد أنشأ نظام حكم مدني وديمقراطي في العراق، على خلاف رغبة، بل رغم أنف ونستون تشرشل ومندوبه السامي برسي كوكس، مستعيناً برجالات الطبقة الأرستقراطية العراقية الأصيلة.. والآن، بل ومنذ انقلاب عبدالكريم قاسم، لم يعد هناك طبقة أرستقراطية في العراق، ببساطة لأن العسكر قتلوا من قتلوا منهم وأجبروا البقية على ترك العراق، فلمن ستسلمون الحكم يا أمريكان؟

ويبدو إن الرؤية الأمريكية كانت تقوم على فكرة (أن رفاه المال والسلطة يصنع طبقة حاكمة) أي صناعة طبقة جديدة أو طبقية وطبقة مضادة!

سلم بول بريمر (المندوب السامي الخاص لجورج دبليو بوش) مقاليد السلطة لمجموعة من شراذم المنافي، ممن نعجز عن تصنيفهم في طبقة وحتى لو كانت في قاع الحضيض، وممن عجزت وجاهة السلطة والمال الوفير، عن تعليمهم حتى آداب السلوك مع أنفسهم قبل الآخرين!

الطبقات الاجتماعية لا تصنع كي يكون بإمكان آيديولوجيا أو قرار سياسي إزالتها. الطبقية أنساق ثقافية تترسخ، كبناء لشخصية الفرد، وبالتالي المجموعة الاجتماعية التي ينتمي إليها، عبر دورات زمنية تراكم وترسخ إرثها الثقافي والمفاهيمي والأخلاقي والاعتباري والسلوكي.

إذن الوضع الطبقي للفرد أو للمجموعة التي ينتمي إليها، لا يمكن رسمه أو فرضه من الخارج، بشرطيّ المال والسلطة، وإلا لكانت الشراذم التي سلمها بول بريمر قد تحولت إلى طبقة أرستقراطية كبيرة، لكون هذه الشراذم كانت من بين أجرأ مجاميع حكم العراق، في العهد الجمهوري، على المال العام واستخدام امتيازات السلطة. بل، وعلى العكس من هذا التصور تماما، فإنهم أثبتوا أن الطبقية الاجتماعية، ومثلما يستحيل تفتيتها أو محوها بقرار سياسي أو آيديولوجي، يستحيل بنائها بقرار أيضاً.. ولكن يمكن تكوينها كبناء مضاد (طبقة أرستقراطية مضادة مثلاً) بقصد تشويه البناء الاجتماعي والنظام القيمي والسلوكي للمجتمع، بقصد تفكيكه و(قتل روحه، ثقافته وبناءه القيمي) عن طريق سيادة الرعاع فيه وفرضهم لرؤى حضيضهم على بنيته القيمية والثقافية والأخلاقية. 

وهذا ما فعلوه بمباركة من ساسة أمريكا ونجحوا في ترويج صورته للعالم، حتى ظهر العراق وكأنه (بلد لقيط) بلا تاريخ، بلا إرث حضاري وثقافي، بل وبلا رجال راشدين يجيدون إدارة الدولة ومؤسساتها.

***

د. سامي البدري