عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

عدي البلداوي: الجيل الجديد.. بين وهم ثقافة الشاشة ووهن ثقافة النخبة

مشكلة الثقافة العربية اليوم في عصر التقنية الرقمية وتكنلوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، اكبر من قدرات الكتابة والنشر والطبع والتوزيع، انها مشكلة متعلقة بالتفاعل إذ لم يعد جيل اليوم - بسبب ظروفه الحياتية غير المستقرة - يحظى بدرجات عالية من التفاعل مع المصادر الموثوقة وان كان يدري ويعرف جيداً مدى موثوقيتها، ذلك ان أدوات العصر الجديد لم تعد قادرة على التعامل مع الأفكار العميقة والأهداف البعيدة، لكن هذا لم يكن ليعني ان جيل اليوم يتعالى على عطاءات المفكرين والكتاب من جيل الآباء، بل هو يتفاعل معهم على أساس التقدير فقط، لا أساس التقدير والتقرير. هذا ما يجعل وجود المفكرين والفلاسفة غير فاعل في واقع حياة الناس برغم كثرتهم في زماننا، خلا تلك المناسبات التي تعدّ متنفساً لا يبعث على التغيير كالملتقيات والمنتديات والمؤتمرات والمحاضرات والمهرجانات.

فالكتّاب والمفكرون في زماننا لا يزالون يكتبون، ولا تزال كتاباتهم تشكّل صرخات واضحة، لكنها غير مسموعة، ليس لخلل في آذان المجتمع، بل لأنها لم تعد آذاناً واعية. لذا هناك فجوة بين قيمة الفكر العميق في الكتب، وبين الفهم التلقائي في الثقافة الشعبية، وهو ما يحمل المثقف النخبوي على الانزواء او التقاعد بالمفهوم الوظيفي للخدمة، وربما يقتصر دوره على الدعوة للعودة الى طبيعة الثقافة في مجالس ثقافية ومنتديات تجمعه بأقرانه، يبدد فيها شعوره بالغربة أو الوحشة جرّاء التغييرات التي طالت كل مفاصل الحياة الجديدة في القرن الواحد والعشرين، فهناك عدد غير قليل من الكتّاب والمفكرين لا يجدون من أبنائهم من يشاركهم همومهم الثقافية. لأن هناك مشكلة جديدة تكمن في ان كثيراً من المؤسسات التربوية والتعليمية التي يتدرج فيها أبناء المجتمع، لن يكتب لها الإستمرار في مستقبل عصر العولمة والحوسبة والأتمتة والذكاء الإصطناعي، ما لم تقم بتخريب الهدف الذي قامت لأجله وهو التعليم التثقيفي. إذ لم تعد المدرسة في القرن الواحد والعشرين معنية بتربية الأولاد قدر انغماسها في فرض مناهج دراسية هدفها اجتياز الطالب الامتحان من اجل المرور الى مرحلة دراسية لاحقة تكرّس ابتعاد الطالب عن التفكير وعن قيم التربية العلمية والثقافية، ليصل الى الجامعة حيث عليه ان يتخصص في مجال يضمن له وظيفة حكومية او فرصة عمل مناسبة في القطاع الخاص، هكذا تدرّج وتخرّج كثيرون، حيث رسالة التعليم لم تصل الى الطالب خلال سنوات دراسته في المدرسة والجامعة، وحيث اصبح الهدف من الدراسة هو المؤهل العلمي فقط، أما ما يحصل عليه الطالب في البيت من توجيه وتقويم وتقييم، فهو يسهم في اعداد طبيب مؤدب، ومهندس مهذب، لكنه ليس مثقفاً. خطورة ذلك تكمن في ان قوة تأثير ظروف التغيير الإجتماعي ستكون كبيرة على الذين لم يحظوا بقدر كافٍ من الرعاية الثقافية الأسرية يعوّضون به النقص في المؤسسة التعليمية الرسمية، بحيث يخرج من بين حملة الشهادات طبيباً بلا أخلاق، ومعلّماً بلا مبادئ ومهندساً بلا ضمير، وقد كثرت نوعاً ما هكذا نماذج في أيامنا هذه. هكذا يصبح التعليم المجّاني تكليفاً مادياً بالنسبة للحكومة وليس ثقافياً، لذا كثرت المدارس والكليات الأهلية وفاقت بخدماتها الترفيهية مدارس وكليات الحكومة، مما دفع بالمعلّم والمدرّس الى الإنتقال من العمل على رسالة المعرفة الى العمل في تجارة المعرفة، فظهر التقصير في الأداء التعليمي والإداري في مدارس الدولة ونشطت معاهد الدروس الخصوصية ودورات التقوية لتشمل حتى الأطفال الصغار في مراحل الدراسة الأولية.

وحدة الثقافة

دعم هذا التراجع في البلاد وجود سلطات سياسية وقيادية لا تفهم معنى وحدة الثقافة ولا ترى في تقطيع أجزاء الثقافة ضرراً بقدر ما تراه مقتضى حال واقع البلاد التي أصبحت بشكل وبآخر خاضعة لقوة النظام العالمي التي تدير مشاريع استثمار اقتصادية وسياسية هدفها دفع المجتمعات بعيداً عن مراكزها الطبيعية، اعتماداً على تسويق الحرية كمفهوم شخصي غير مرتبط بالمجتمع بقدر ارتباطه بالفردانية الثقافية عبر تقنية رقمية متطورة تتيح للشباب الانتقال والتنقل بين الثقافات طلباً لمزيد من النمو الاقتصادي والترفيه والتسوق، خصوصاً بعد تراجع في قدرات المجتمعات على دعم البيئة المحلية لإعداد جيل قادر على فهم الواقع فهماً يعبر بالجميع الى الجانب الآمن ـ ويوفر حلولاً صحيحة لا حلولاً ترقيعية . هذا الحال يسمح بظهور بيئات جديدة داخل البيئة الطبيعية للمجتمع. تسمح هذه البيئات الجديدة للشاب بأن يستنسخ مشهداً من ثقافة جيل آخر في مجتمع آخر ويلصقه في شريط ثقافته الشخصية دون الحاجة الى تقييم مدى مطابقة مكونات ذلك المشهد مع طبيعة ثقافة المجتمع، يساعد هذا الحال على إزاحة الثقافة العامة للمجتمع بعيداً عن نقطة ارتكازها، فيصبح مقبولاً ممارسة سلوك جديد وان بدا غريباً أو شاذاً مثل قصّات الشعر وازياء الملابس وانماط السلوك وطرق التفكير وأساليب التعبير.

هدم التراث الثقافي

تواجه الثقافة العربية المعاصرة من بين ما تواجهه من مشاكل وهموم، مشروع هدم التراث الثقافي بإسلوب ثقافي يتمثل بملئ الفراغ الثقافي للمجتمع بنقد يثير طبقة الثقافة الشعبية، فيؤتى بأشخاص لا يتمتعون بأرصدة كافية من الثقافة تؤهلهم لممارسة النقد، بقدر ما يتمتعون برصيد وافر من ممارسة حرية التعبير، تلك الحرية التي تعمل مشاريع التطور التقني اليوم على منحها ظروفاً عابرة للمألوف، فبدل ان نفتقد في أيامنا هذه وجود باحث اجتماعي مثل الدكتور علي الوردي، ننتقد اعمال علي الوردي فنصف بحوثه وكتبه التي شغلت الناس وملأت المكتبات، بانها حكايات مقاهي وبحوث عامية غير علمية ..

وبدل ان نفتقد وجود خطيب بمستوى الدكتور احمد الوائلي، ننتقد الوائلي ونصف محاضراته التي لا تزال حاضرة مؤثرة في الثقافة الشعبية والنخبوية، بأن الجزء الأكبر منها لم يكن من بنات أفكار الدكتور الوائلي بل كان مستعاراً من كتب أخرى..

قيل في الشيخ محمد متولي الشعراوي انه لم يكن يحمل شهادة دكتوراه، وقيل في نزار قبّاني انه ليس شاعراً، وقيل في عبد الرزاق عبد الواحد انه ليس شاعراً كبيراً بل هو مجرد شاعر.. هذا ما جاء على السنة شباب هيأ لهم الفراغ الثقافي وغياب النقد الموضوعي، كما هيأت لهم قاعات التصوير والكاميرات والمونتاج والإضاءة، أجواء الجرأة الأدبية..

 تشترك الشخصيات التي نالت منها ثقافة بعض شباب الجيل الجديد بعاملين : العامل الأول انها كانت شخصيات لها شعبية واسعة، والعامل الثاني ان شعبية تلك الشخصيات لم تقف عند حدود الفترة الزمنية التي عاشوا فيها، بل امتدت الى عصر اللهاث وراء الشهرة (الطشّة)، عصر الظمأ الثقافي للابداع الطبيعي، ولعل هذا يكشف لنا الدافع وراء نقد أي شخصية من تلك الشخصيات، ذلك النقد الذي لم يكن يستهدف شخصية بعينها، بل هو يستهدف الوصول الى اكبر عدد من القرّاء والمشاهدين للفت انتباههم من اجل مزيد من المتابعات والاعجابات التي أصبحت معياراً لتبيان ثقافة الشخص، فكلما كانت اعداد المتابعين كبيرة دلّ ذلك على أهمية ثقافته، ودلّت أهمية ثقافته على اهليته لدخول كتاب الأرقام القياسية للشخصيات المؤثرة في المجتمع، وان لم يحقق أدنى المتطلبات الموضوعية للشخصية المؤثرة.

***

عدي عدنان البلداوي

 

في المثقف اليوم