عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

حوارات عامة

ياس الركابي يحاور الروائية بشرى الهلالي

عندما تكون الكاتبة الروائية واثقةً الخطى رصينةً الأدوات.. هكذا تكون الإجابات

حيث التقيتها إثر صدور روايتها الثانية (توقيت آخر للحياة) عن دار الحكمة- لندن- 2026، وبعد صدور روايتها الاولى (المواطنة ٢٤٧) في العام 2023، فكان لنا هذا اللقاء:

- لو افترضنا أن روايتيكِ.. المواطنة ٢٤٧ والتي اعدت كتجربة تجاوزتِ من خلالها ما نحن عليه من زمن مالوف.. وانت تعيدين مديات الوجود ولكن عبر منظور مختلف.. وروايتك الاخيرة.. توقيت آخر للحياة.. اقول: وعلى فرض انهنّ.. ليستا نصين منفصلين.. . بل رواية واحدة انشطرت إلى كتابين.. فأين يقع الجرح الذي سبّب هذا الانشطار؟

بشرى الهلالي: ربما آلمني موت آمنة.. آلمني كفاحها لتجد مكانا في فوضى المكان والزمان فولدت ملك لتكمل الرحلة.

- ما الشخصية التي تعتقدين أنها كتبتكِ أنتِ من الداخل أكثر مما كتبتِها أنتِ على الورق؟

بشرى الهلالي: آمنة في الموطنة 247 رسمت ملامحها رغما عني.. لم أتدخّل كي لا أضعها في قالب يلغي براءتها.

- هل تنظرين إلى الرواية بناءً للمعنى أم تخريباً للمعاني الجاهزة التي يحملها القارئ معه؟

بشرى الهلالي: ما فائدة الكتابة أصلا إن كانت استمرارًا للمعاني الجاهزة! الكتابة فعل.. والفعل تحريك للسكون.

- في زمن الذكاء الاصطناعي وتضخم السرديات الرقمية.. ما الذي ما زال يجعل الرواية قادرة على إنتاج دهشة لا تستطيع الشاشة إنتاجها؟

بشرى الهلالي: قد تختصر الصورة حوارا وقد تجسد حالة انسانية، لكنها ستظل قاصرة عن التحليل النفسي للحدث، والوصول الى أدق المشاعر الانسانية.

- لو حُذفت الحبكة بالكامل من إحدى روايتيكِ.. ما العنصر الذي سيبقي النص حياً.. هل هو اللغة أم الذاكرة أم الصوت السردي؟

بشرى الهلالي: كلها مجتمعة.. اللغة وسيلة، والذاكرة مفتاح، والصوت السردي بناء هرمي.

- ما الفكرة التي كنتِ تؤمنين بها أثناء كتابة الرواية الأولى ثم خانتكِ الرواية الثانية وأجبرتكِ على مراجعتها؟

بشرى الهلالي: البطولة.. مفهوم البطولة التقليدي لدى آمنة لم يسعفها، وفهم الواقع والذات أسعفا ملك، فألغت مفهوم البطولة.

- هل شعرتِ في لحظة ما بأن شخصياتكِ تبحث عن الحرية داخل النص.. أم أنها تبحث عن مؤلفٍ أقل سلطة عليها؟

بشرى الهلالي: لو لم أمنحها الحرية لتحولت الى نسخ مني، يجب أن يخرج الكاتب من الخاص الى العام، لذا أظنها كانت راضية.

- لو أتيح لكِ أن تضيفي فصلاً ثالثاً غير مكتوب يربط الروايتين معاً.. فهل سيكون خاتمة لهما أم محاكمة ؟

بشرى الهلالي: سيكون بداية لرواية ثالثة لا علاقة لها بهما، وأرى أن كل منهما مستقلة بذاتها، ماقد كتبته.. قد كتبته كما قال بيلاطس البنطي.

وبعد جولة الأسئلة القصيرة هذه، أضافت:

بشرى الهلالي: في هذا الوطن، كتبتُ (لن تشفى مني)، لا لأُجمّل الألم، بل لأعترف به، لأدوّنه كأثرٍ من روحي، وأمنحه صوتاً حين يخنقنا الصمت وحين تتكسّر المدن تحت أقدام الحرب. ربما كنتُ أكتب لأتذكّر، وربما لأنسى. وربما فقط.. لأقول: إننا نستحق الحياة، حتى في قلب الدمار.

- وكتبت إشارة حمراء أشبه ببانوراما للحياة العراقية في أقسى فترة عبرها الإنسان العراقي وقد تهدّلت أكتافه وجحظت عيناه لكثرة ما تحمّل ورأى من فضائع الحرب الأهلية والانفجارات والحياة المشحونة بالقلق.

- إستدعتني (المواطنة 247) واستجبت للغة الإشارات التي يرسلها الله فكتبتها محض الهام. خمس سنوات، كنت كلما حاولت إكمالها تمنّعت، حتى اختارت أن تخرج الى النور بعد خمس سنوات. في المواطنة 247، كان البحث عن الخلاص أكبر من أن تسعه الكتابة، ولم تكن الصورة قد اتضحت بعد، حيث خرج البلد من مخاض حروب عسير. كنت أثير السؤال حول القادم، فآمنة التي عبرت الحصار وحرب الاحتلال او السقوط، وهنت قواها، وغزاها المرض والوهن، فلم تعد قادرة على اكمال المسيرة، وربما تموت دون أن تشهد زمن السلام الذي غادر مع حبيبها سلام.

- رواية (توقيت آخر للحياة) أشبه بمحاكمة لكل مايحيطنا، الوطن، الثورة، الحب، الماضي، المستقبل، التقاليد والأعراف، المسميات التي تقنّن الحرية وتعيق الوعي. كأنني كنت أريد أن أقول كل شئ دفعة واحدة، أرهقتني أكثر مما يجب، حتى أني أِعر بأني سآخذ وقتا طويلا قبل أن أتجاوزها وأكتب رواية أخرى.

- الكتابة ولدت لدي كموهبة لم أدركها مبكرا، وحين تلقفت خيوطها الأولى عملت بجد واستثمرتها في كتابة الدراما التلفزيونية ثم في عالم الصحافة. ومن ضغط العمل الصحفي ومشاهدات الحياة اليومية المضمخّة بالدم والقلق، ولد الشعر كاستراحة محارب، مساحة راحة واسترخاء، واجتمع في كتاب في العام 2017 تحت عنوان (لن تشفى مني).

- أؤمن بالانسان، والانسانية رسالتي في الكتابة والحياة، وأحترم من يمتلكها فهي مقياسي في الحكم على الناس والحياة والعلاقات. لذا لم أؤمن بالمساواة بين الناس، إمرأة ورجل، غني وفقير، عبد وسيد. ربما هذه النظرة كانت السبب في أنني لم أقتنع يوما بأن على المرأة أن تتبنى قضية المساواة مع الرجل، فمجرد المطالبة بالمساواة كما أرى، هو اعتراف ضمني بأنها أٌقل منزلة من الرجل. وأرى أن قضية المرأة مع نفسها، ففي اليوم الذي تعرف فيه ما تمتلكه من امكانيات وما تستطيع فعله، ستكون قادرة على قيادة مصيرها وبذلك لن تحتاج الى المساواة ولن تشعر بالتهميش. العلاقة بين الر جل والمرأة يجب أن تبنى على التكامل والدعم المتبادل.

***

حاورها: ياس الركابي / بغداد

في المثقف اليوم