تتوالى الدعوات إلى تجديد الفكر الديني منذ أكثر من قرن، واتخذت مسارات ومناهج متنوعة. فمنذ انطلاق مشروع الإصلاح الإسلامي الحديث في القرن التاسع عشر، برزت أسماء جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وغيرهم من المصلحين الذين سعوا إلى التوفيق بين الإسلام والحداثة، وإحياء الاجتهاد، وتحرير العقل الإسلامي من الجمود الفقهي والانغلاق المعرفي. غير أن هذه المشاريع لم تكن متجانسة في رؤاها ومناهجها وغاياتها؛ فقد انشغل بعضها بإصلاح التعليم والمؤسسات الدينية، واهتم بعضها بإعادة تفسير النصوص، فيما سعى بعضها الآخر إلى بناء وعي ديني يستجيب لتحولات العصر وأسئلته. ومع تنوع هذه المحاولات، ظل التجديد مهمة مفتوحة، تتطلب مراجعة مناهج فهم الدين، والكشف عن تاريخية المعرفة الدينية، وإعادة النظر في صلتها بالإنسان والعالم المتغير.
ثم شهد النصف الثاني من القرن العشرين مرحلة جديدة اتسمت بالنقد المعرفي والمنهجي، برز فيها مفكرون أمثال محمد أركون، وحسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد، وعبدالمجيد الشرفي، وغيرهم. اتجه هؤلاء، على اختلاف مرجعياتهم ومناهجهم، إلى مساءلة التراث الإسلامي، وتحليل آليات إنتاج المعرفة فيه، وإعادة النظر في مناهج قراءته وتأويل نصوصه، مستعينين بمناهج الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية. وهكذا انتقل سؤال التجديد من الدعوة إلى الإصلاح وإحياء الاجتهاد إلى نقد بنية العقل التراثي، والكشف عن سياقاته التاريخية والثقافية، وفحص أثرها في تشكيل الوعي الديني.
أما المرحلة المعاصرة، الممتدة من أواخر القرن العشرين إلى اليوم، فقد برز فيها عبد الجبار الرفاعي بوصفه احد المفكرين المنشغلين بإعادة بناء الفكر الديني، عبر استرداد الأبعاد الروحية والأخلاقية والجمالية للدين، وإعادة تعريف مفاهيمه الأساسية في ضوء مركزية الإنسان وكرامته وحاجته الوجودية إلى المعنى. وإلى جانب الرفاعي، يواصل عدد من المفكرين اشتغالهم على فلسفة الدين، والهرمنيوطيقا، ونقد الخطاب الديني، للكشف عن تعدد دلالات النصوص، وتاريخية المعرفة الدينية، وتجديد مناهج فهم الدين وآليات التفكير فيه.
غير أن تجديد الفكر الديني، على أهميته، مشروع شديد القابلية للتشويه والاستغلال؛ إذ غدا كل خروج عن المألوف في قراءة النصوص أو التراث يقدم، لدى بعض القراء والمهتمين، على أنه تجديد، حتى وإن لم يتجاوز إعادة إنتاج البنى الفكرية القديمة بصيغ ومصطلحات جديدة. من هنا تبرز ضرورة التمييز بين نمطين من التجديد: الأول مراجعة جذرية للتراث، ولبنية العقل الإسلامي، ولمناهج فهم النصوص وآليات إنتاج المعرفة الدينية، بما يفضي إلى إعادة بناء المفاهيم وتغيير طرائق التفكير، أما الثاني فلا يتجاوز الإحياء أو الإصلاح الجزئي، وقد يتخفى وراء شعارات التجديد، فيما ينتهي إلى ترميم المنظومة الموروثة وإعادة إنتاجها، أو تضخيم الخطابات الأيديولوجية المفتقرة إلى الحس النقدي والعمق الفلسفي. التجديد الحقيقي لا يقاس بحداثة المصطلحات وجرأة الشعارات، وإنما بقدرته على إحداث تحول عميق في بنية التفكير الديني، وتحرير العقل من أنماطه المغلقة، وفتح آفاق جديدة لفهم الدين ووظيفته في حياة الإنسان.
في ضوء هذا التمييز بين التجديد والإحياء والإصلاح، يمكن النظر في مشروعي حسن حنفي وعبد الجبار الرفاعي، للكشف عن اختلاف منطلقاتهما ومناهجهما وغاياتهما، وتحديد المسافة الفاصلة بين التجديد والإحياء والإصلاح. التجديد في الفكر الديني عملية معرفية خلاقة، تقوم على النقد والابتكار، وتستند إلى رؤية فلسفية عميقة. لا تكتفي بإعادة قراءة التراث أو تحديث لغته، وإنما تسائل المنظومة الدينية ومفاهيمها ومناهجها وآليات إنتاج المعرفة فيها. تبدأ بتحليل التراث وتفكيك بنيته والكشف عن سياقاته التاريخية، ثم تبتكر مناهج جديدة لقراءته، وصولًا إلى بناء فهم للدين يستجيب لهموم الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية والأخلاقية. التجديد الحقيقي لا يبدأ بالتراث لينتهي إليه، وإنما يتخذه نقطة انطلاق، ثم يغادر آفاقه المغلقة نحو فضاءات معرفية جديدة.
يعني التجديد إعادة النظر في المفاهيم الدينية والمناهج والموضوعات والبنى الفكرية والاجتماعية والثقافية، ومساءلة البداهات والمسلمات التي ترسخت عبر التاريخ واكتسبت سلطة تحول دون نقدها. لا يكتفي المجدد باستعادة الأفكار الموروثة أو إعادة صياغتها، وإنما يعيد بناءها ويبتكر طرائق جديدة لتوظيفها في أفق علمي وفلسفي مغاير. ينطلق التجديد من نقطة معرفية، لكنه لا يعود إليها، بل يتجاوزها إلى نتائج جديدة تولدها رؤية مختلفة ومناهج أكثر قدرة على استيعاب تحولات المعرفة وأسئلة الإنسان. ومن ثم فإن كل مشروع يبدأ بالتراث وينتهي إليه، من دون أن يتجاوزه إلى إعادة بناء المعرفة الدينية ومفاهيمها، يظل مشروع إحياء، مهما استعار من لغة التجديد ومصطلحاته.
أما الإحياء في الفكر الديني، فيقوم على استعادة القديم وإعادة إنتاجه؛ تراثًا وفكرًا ورؤية للعالم. لا ينطلق من نقد المنظومة الدينية وتحليل بنيتها وتفكيك آلياتها، ولا يثير الأسئلة القادرة على إحداث تحول عميق في الفكر الديني، وإنما يتلقى القوالب التراثية الجاهزة، بأفكارها ومفاهيمها وشعاراتها، ويعيد توظيفها في الواقع المعاصر حفاظًا على الفكر الديني الموروث واستمرارًا لفاعليته.
في ضوء هذا التمييز، يبدو مشروع حسن حنفي أقرب إلى الإحياء منه إلى التجديد؛ فهو يبدأ بالتراث ويظل مشدودًا إلى مرجعياته، ولا ينجز تحولًا معرفيًا يتجاوز بنيته العميقة. كما يستمد رؤيته من منبع أيديولوجي تعبوي، يجعل التراث مركزًا تدور حوله حركة الفكر، ويعيد بناء الحاضر بأدوات الماضي ومفاهيمه، حتى حين يعيد تأويلها بلغة ثورية معاصرة.
من أبرز الإشكالات التي وجدتها في كتابات حسن حنفي محاولته الجمع بين الأيديولوجيا والفلسفة، مع أن بنيتيهما ووظيفتيهما متغايرتان. يقول حنفي: "لقد أصبح الإسلام أيديولوجية شاملة تعطي تصورًا فلسفيًا للعالم". غير أن الأيديولوجيا، في صورتها المغلقة، نظام لاحتكار المعنى؛ تقدم تصورات جاهزة وأجوبة نهائية، وتصوغ قوالب فكرية جامدة تنفر من السؤال المعرفي والتعددية الفكرية والدينية والاجتماعية. أما الفلسفة فتمنح الإنسان رؤية للعالم لا تستقر في يقين مغلق، وتفتح أمامه أفق السؤال والنقد والمراجعة المستمرة. الإنسان الذي يفكر فلسفيًا يسأل ويبتكر ويطور، ويمارس النقد المعرفي والفكري والثقافي والاجتماعي، فيما يظل الإنسان الأيديولوجي أسير رؤية دينية وسياسية وعقدية وفقهية مغلقة، تحول دون مراجعة المسلمات وطرح الأسئلة الكبرى المتصلة بالمفاهيم الدينية الأساسية، ولا تتيح له تنقيح أفكاره وإعادة بناء ذاته في أفق تساؤلي مفتوح. من هنا يصعب الجمع بين الأيديولوجيا والفلسفة؛ فالأولى تسعى إلى تثبيت اليقين وحشد الناس حوله، والثانية تخضعه للمساءلة والاختبار. تعمل الأيديولوجيا على حجب الرؤية الفلسفية عن الإنسان، وتمنحه أجوبة عاطفية جاهزة، وتبقيه داخل بنية مغلقة تقاوم النقد والتجديد.
نقد الفكر الديني أحد أبرز ثمار فلسفة الدين؛ ففلسفة الدين ليست منظومة من الأجوبة الجاهزة، وإنما أفق مفتوح للتساؤل لا يعرف الاكتمال. لا تغلق ملفًا من ملفات الفكر الديني، ولا تخضع للتبرير أو التوظيف الأيديولوجي، وتواصل مساءلة المفاهيم والتصورات والمعتقدات الدينية في ضوء العقل النقدي والخبرة الإنسانية، من دون أن تتعامل مع الفهم البشري للدين على أنه حقيقة نهائية أو دلالة جزمية مغلقة.
في هذا السياق، يمثل مشروع عبد الجبار الرفاعي مشروعًا شاملًا لتجديد الفكر الديني؛ فهو يبدأ بإعادة تعريف المفاهيم الدينية الكبرى، مثل: الإنسان، والدين، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف. يعتمد الرفاعي على الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان والمجتمع، ويستعين بمناهج بحث تتجاوز المناهج التقليدية، سعيًا إلى بناء أفق جديد للمعنى، يعيد اكتشاف الإنسان كائنًا أخلاقيًا وروحيًا وجماليًا، ويجعل كرامته محورًا لفهم الدين وتأويل نصوصه وتحديد وظيفته في الحياة.
وعلى الرغم من التشابه الظاهري بين المشروعين، لا سيما حين يقرآن قراءة سطحية عابرة، تكتفي بالمصطلحات والشعارات، إلا أن القراءة المتأنية تكشف عن تباين جوهري في منطلقاتهما ومناهجهما وغاياتهما. ينتمي مشروع عبد الجبار الرفاعي إلى التجديد بمعناه المعرفي والفلسفي؛ إذ يتجاوز استعادة التراث إلى إعادة بناء المعرفة الدينية وتعريف مفاهيمها الكبرى في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع. أما مشروع حسن حنفي فيظل أقرب إلى الإحياء بصيغته الأيديولوجية، حيث يستعيد التراث ويعيد توظيفه في مشروع تعبوي جماهيري. ومن ثم فإن إدراج المشروعين تحت عنوان واحد هو "التجديد الديني" يحجب الفوارق المنهجية والمعرفية العميقة بينهما، ويساوي بين مشروع يغادر التراث إلى أفق جديد، ومشروع يعيد إنتاجه بلغة حديثة.
***
بهاء سوادي
طالب في المرحلة السادسة بكلية طب جامعة البصرة.








