فيما يشبه الوداع الأخير للراحل جوزيبي سكاتولين الذي أهداني ديوان ابن الفارض
ليست كل الندوات العلمية مجرد مناسبة لتبادل الأوراق البحثية، فبعضها يتحول إلى تجربة فكرية حقيقية، يخرج منها المرء وهو يشعر أنه لم يكتسب معرفة جديدة فحسب، بل أعاد ترتيب أسئلته القديمة أيضاً. وهذا ما عشته في الأمسية التي احتضنتها ساقية الصاوي بالقاهرة، وأدارها الأستاذ الدكتور الصاوي الصاوي أحمد، أستاذ الفلسفة بجامعة بنها ورئيس المنتدى الفلسفي، بمشاركة الدكتور أحمد حسن نور، الباحث في الفلسفة والتصوف الإسلامي، وبحضور المستشرق الإيطالي الأب الدكتور جوزيبي سكاتولين، أحد أبرز الباحثين العالميين في التصوف الإسلامي الذي وافته المنية في إيطاليا يوم الاثنين، 27 أبريل 2026م لروحه السلام والطمأنينة.
في تلك الأمسية القاهرية التقينا بدعوة كريمة من الدكتور الصاوي الصاوي أحمد الصاوي، رئيس المنتدى الفلسفي في الساقية وذلك بتاريخ 20 فبراير 2021م زمن جائحة كورونا.كانت الأمسية ثرية بالحوار، لا لأنها دارت حول التصوف فحسب، وإنما لأنها فتحت باباً واسعاً لإعادة التفكير في تاريخ الاستشراق، وحدود العلاقة بين الشرق والغرب، وبين المعرفة والسلطة، وبين النص الديني والتجربة الروحية وبين الثقافة الإنسانية والذكاء الاصطناعي وكان من أجمل لحظات تلك الأمسية أن تشرفت بلقاء الأب جوزيبي سكاتولين، الذي طالما تابعت أعماله العلمية بإعجاب، فأهداني آخر تحقيقاته النفيسة: «ديوان ابن الفارض: قراءات لنصه عبر التاريخ»، مشفوعاً بإهداء شخصي وتوقيعه الكريم. وقد رأيت في تلك الهدية أكثر من كتاب؛ رأيت فيها رمزاً لانتصار المعرفة على الأحكام المسبقة، ودليلاً على أن الحوار الصادق بين الحضارات لا يزال ممكناً، وأن الباحث الحقيقي لا تحده هوية قومية أو دينية بقدر ما تحركه المعرفة والحكمة والحلم.
ولعل أكثر ما أثار النقاش في تلك الندوة ما عرضه الدكتور أحمد حسن نور من قراءة نقدية جريئة لكتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد، حين وصفه بأنه أحدث أزمة معرفية لا تزال آثارها ممتدة في الدراسات الإنسانية، مستعرضاً المراسلات التي دارت بين إدوارد سعيد وصادق جلال العظم حول الكتاب قبل صدوره وبعده، وهي مراسلات تكشف أن النقاش حول الاستشراق كان أكثر تعقيداً مما شاع لاحقاً.
وقد دفعتني تلك المناقشات إلى طرح وجهة نظري التي أرى أنها أصبحت أكثر إلحاحاً في زمن العولمة والثورة الرقمية: نحن اليوم نعيش مرحلة ما بعد الاستشراق. فالعالم الذي كانت تحدده الجغرافيا والاستعمار والقنصليات لم يعد هو العالم الذي تصنعه اليوم الشبكات الرقمية والذكاء الاصطناعي. لم تعد العلاقة بين الشرق والغرب تُختزل في ثنائية الاستشراق والاستغراب بحسب تعبير حسن حنفي بل أصبحت المعرفة نفسها عابرة للحدود، وأصبح الجميع موضوعاً للمراقبة والتحليل وإنتاج المعرفة في آن واحد.
استمعنا وناقشنا واستفدنا وكانت مداخلتي
نحن في مرحلة ما بعد الاستشراق ولم تعد هناك قيمة ومعنى للجهات بعد العولمة والكورونا ويمكن تمييز ثلاث مراحل أساس لتطور الاستشراق التقليدي هي:
أولى هذه المراحل هي الاستشراق اليوناني؛ حين كان الشرق مركز العالم الحضاري، وكانت مصر وبلاد الرافدين والشام والهند مدارس الإنسانية الكبرى، بينما كان اليونانيون يشدون الرحال إليها طلباً للعلم والحكمة. وتروي محاورة «طيماوس» لأفلاطون كيف ذهب صولون إلى مصر يبحث عن تاريخ اليونان، فأجابه الكاهن المصري بقوله الشهير: «يا صولون، إنكم معشر اليونان أطفال دائماً.» كان ذلك استشراقاً معرفياً خالصاً، لا تحركه جيوش ولا قناصل ولا أجهزة استخبارات، بل يحركه شغف الإنسان بالحكمة.
ثم جاءت المرحلة اللاهوتية مع صعود الحضارة الإسلامية، حين تحول الإسلام إلى موضوع للدراسة بوصفه تحدياً دينياً وثقافياً. وفي هذه المرحلة اختلط البحث العلمي بالدفاع اللاهوتي، كما اختلطت الترجمة بالجدل، حتى غدت المعرفة أحياناً أداة من أدوات الصراع الحضاري. ومع ذلك، فإن هذه المرحلة نفسها شهدت انتقال كنوز الفلسفة والطب والرياضيات والعلوم الإسلامية إلى أوروبا، وأسهمت، من حيث لا تريد، في ولادة النهضة الأوروبية.
أما الاستشراق الحديث فقد ارتبط مباشرة بالمشروع الاستعماري، منذ الكشوف الجغرافية الكبرى وحتى الحملة الفرنسية على مصر، حين أصبحت المعرفة بالشرق جزءاً من آليات السيطرة عليه. لقد وصف إدوارد سعيد هذا النمط من الاستشراق بوصفه مؤسسة تنتج المعرفة من أجل السلطة، وكان محقاً في جانب مهم من تشخيصه، لكنه ــ في تقديري ــ لم يستوعب كل تعقيدات الظاهرة، ولم يميز دائماً بين الباحث الذي يخدم السلطة، والباحث الذي يخدم الحقيقة.
وهنا يبرز نموذج الأب جوزيبي سكاتولين بوصفه أحد أهم الأمثلة المعاصرة على المستشرق الذي تجاوز هذا الإرث الثقيل. فقد كرّس أكثر من أربعة عقود لدراسة التجربة الصوفية الإسلامية، وجاب مكتبات العالم بحثاً عن مخطوطات ابن الفارض، حتى عثر في مدينة قونية التركية على أقدم نسخة معروفة من ديوانه، يعود تاريخها إلى ثماني سنوات فقط بعد وفاة الشاعر. ومن خلال هذا الجهد العلمي الدقيق قدّم تحقيقاً يُعد اليوم المرجع الأوثق لديوان سلطان العاشقين.
غير أن أهمية سكاتولين لا تكمن في تحقيق النص وحده، بل في طريقته في قراءته. فقد أدرك أن لغة التصوف ليست لغة تقريرية، بل لغة رمزية، وأن التجربة الصوفية لا تُقرأ بمنطق الفقه وحده، ولا بمناهج النقد الأدبي وحدها، وإنما تحتاج إلى حس فلسفي وروحي معاً. ولهذا رفض اختزال ابن الفارض في شاعر الغزل الإلهي، ورأى فيه شاعراً للإنسان الكوني، الذي يخوض رحلة من التفرقة إلى الوحدة، ومن الذات إلى الحقيقة، ثم يعود إلى العالم وقد تغيرت رؤيته لكل شيء.
ولعل هذه الفكرة أعادتني إلى سؤال طالما شغلني في فلسفة التاريخ: ما الفرق بين المعرفة العقلية والمعرفة الوجودية؟
إن الفلسفة تبحث عن الحقيقة عبر البرهان، أما الصوفية فتبحث عنها عبر الذوق. الأولى تبني الجسور بين العقل والعالم، والثانية تهدم المسافات بين الإنسان والحقيقة. ولهذا تبدو اللغة الصوفية عصية على الترجمة الكاملة، لأنها لا تصف التجربة، بل تلمح إليها، ولا تقدم الحقيقة جاهزة، بل تدعو القارئ إلى أن يعيشها بنفسه.
وفي تلك اللحظة أدركت أن التصوف لا يمثل هروباً من العالم كما يتوهم البعض، بل يمثل نزولاً إلى أعماق الإنسان، حيث تتجاوز الذات حدودها الضيقة لتكتشف أن الحقيقة لا تُفرض من الخارج، بل تُولد من الداخل، من التجربة الحية، ومن الحب، ومن ذلك الشوق الأبدي إلى الوحدة.
غير أن العالم الذي نعيش فيه اليوم يضع هذه التجربة الإنسانية أمام تحديات غير مسبوقة. فمنذ الثورة الرقمية، لم يعد الإنسان يعيش داخل حدود وطنه أو ثقافته، بل داخل فضاء معلوماتي عالمي، أعاد تشكيل علاقتنا بالزمان والمكان، وبالهوية والمعرفة والسلطة. لقد وصف لوتشيانو فلوريدي هذا التحول بأنه «الثورة الرابعة»، بينما رأى ألفين توفلر أننا دخلنا حضارة جديدة بكل معنى الكلمة.
إننا نشهد أكبر تحول في تاريخ الإنسان منذ اكتشاف الكتابة، وربما منذ ظهور اللغة نفسها. فالذكاء الاصطناعي، والإعلام الجديد، والشبكات الرقمية، لم تغير أدواتنا فحسب، بل أعادت تشكيل وعينا بالعالم. ولم تعد الأديان، والهويات، والثقافات، معزولة عن بعضها كما كانت، بل أصبحت تتجاور يومياً داخل الفضاء الرقمي، بكل ما يحمله ذلك من فرص للحوار، ومخاطر للصدام.
ومن هنا فإن سؤال التعايش لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح سؤال البقاء ذاته.
لقد وحدت العولمة العالم، لكنها وحدت أزماته أيضاً. فالإرهاب، والتطرف، وخطابات الكراهية، والحروب الثقافية، كلها وجدت في الإعلام الرقمي بيئة جديدة للانتشار. وفي المقابل، أوجدت التكنولوجيا إمكانات غير مسبوقة للحوار، والتعلم، والتقارب بين الشعوب.
لهذا أعتقد أن البشرية تحتاج اليوم إلى ما يمكن تسميته لاهوت التعايش؛ لاهوت لا ينطلق من الدفاع عن هوية ضد أخرى، بل من الدفاع عن الإنسان نفسه، وعن حقه في الاختلاف، وفي الكرامة، وفي البحث الحر عن الحقيقة. لاهوت يعيد الدين إلى رسالته الأولى: أن يكون طاقة للرحمة لا وقوداً للصراع، وجسراً بين البشر لا متراساً يفصل بينهم.
ولعل الأب جوزيبي سكاتولين يجسد، بسيرته العلمية، هذا النموذج النادر؛ فقد أثبت أن الباحث يستطيع أن يكون وفياً لعقيدته، ومنصفاً لعقيدة غيره في الوقت نفسه، وأن المعرفة لا تزدهر إلا حين تتحرر من أوهام الهيمنة ومنطق الإقصاء.
خرجت من تلك الأمسية وأنا أحمل كتاباً موقّعاً، لكنني حملت معه ما هو أثمن من الورق والحبر؛ حملت يقيناً متجدداً بأن الحوار بين الحضارات لا يصنعه السياسيون وحدهم، بل يصنعه أيضاً العلماء، والفلاسفة، والمترجمون، والمحققون، وكل من يؤمن أن الحقيقة أكبر من أن يحتكرها أحد.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تتغير الحضارة بسرعة غير مسبوقة، ربما يصبح هذا اليقين هو أكثر ما يحتاجه الإنسان: أن يتعلم كيف يعيش مع المختلف، لا لأنه يشبهه، بل لأنه يشاركه المصير ذاته. فإما أن نتقن فن التعايش في هذا العالم المنكمش، وإما أن نتقن فن الفناء معه.
***
ا. د. قاسم المحبشي








