قضايا

فارس حامد عبد الكريم: مفهوم الظلم في الفقه والشريعة والقضاء

يرى بعض الفلاسفة وفقهاء القانون أن الظلم مفهوم أساسي يمكن إدراكه بسهولة على عكس العدالة التي قد تكون أصعب تعريفًا وإدراكاً، فلا يصلح كل الناس للقضاء.

وأن القوانين غير المدرسة او التي جاءت من غير بيئتها بنية اقرار العدالة قد تعطي نتائج معكوسة.

فالظلم هو شعور في النفس البشرية تدركه العقول والضمائر وتستنكره سواء كان المظلوم عالماً او جاهلاً، طفلاً او كبيراً.

وتعد الشرائع القانونية قديمها وحديثها من أهم مظاهر استنكار الظلم، تهدف الى رفع الظلم وردع الظالمين.

اولاً؛ تعريف الظلم:

أ: الظلم لغة: هو وضع الشيء في غير موضعه الصحيح، أو هو انحراف عن القصد أو التعدي عن الحق إلى الباطل، وهو جور وانحراف عن العدل.

ب: الظلم في الاصطلاح الشرعي: هو التعدي عن الحق إلى الباطل، وهو انحراف عن العدل.

ج: الظلم في الفقه القانوني: في سياق قانوني أو اجتماعي،  يعرف الظلم بأنه غياب العدالة ويشمل مخالفة القوانين والأنظمة، وإلحاق الضرر بالغير دون وجه حق، ويشمل أخذ حقوق الآخرين، والتصرف في ملك الغير بغير حق، ومماطلة المدين

ويشمل إساءة المعاملة، التعسف، الإهمال، أو ارتكاب جرم دون تصحيح أو عقاب، ويُعتبر "الإجحاف البين" أو عدم تطبيق العدالة بشكل صحيح، حتى لو كان نتيجة خطأ بشري في النظام ظلماً

ثانياً: بيئة الظلم: لايتشأ الظلم إلا في بيئة تحتضنه وتكون سبباً له مثل؛ جور الحكام وولاة الأمور، وانعدام القيم وانحدارها بين ابناء المجتمع، والفساد المالي والاداري اذ يُعدّ الظلم أساسًا لارتكاب الجرائم والفساد في الأنظمة.

ومن مجالات الظلم خرق قواعد المساواة وتعطيل الحقوق في نطاق الوظيفة العامة

فضلاً عن الظلم في الأسر غير المتماسكة او التي تتمسك بقيم واباطيل جاهلية كالتفرقة بين الولد والبنت او الإكراه على الزواج وغير ذلك

ثالثاً: انواع الظلم وصوره

ويمكن تصنيف الظلم حسب مجالاته (اجتماعي، سياسي، اقتصادي).

او حسب وسيلته (قولي، فعلي، سكوتي)

أ: صور الظلم حسب مجالاته

* الظلم الإجتماعي: ويتمثل بالمعاملة غير العادلة أو التمييزية التي يتعرض لها أفراد أو جماعات داخل المجتمع، مما يؤدي إلى حرمانهم من حقوقهم وفرصهم المتساوية في مجالات كالتعليم والصحة والعمل والسكن، ويترسخ عبر أنظمة وقوانين وتحيزات راسخة تُعمق الفوارق وتُديم التهميش، وتخلق حاجزًا أمام تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص للجميع.

** الظلم السياسي: هو استخدام السلطة بشكل تعسفي او غير عادل أو مفرط لممارسة القمع والتمييز ضد الأفراد أو الجماعات، وانتهاك حقوقهم الأساسية وحرياتهم، ويظهر في صور مثل: الاستبداد، الفساد، إدارة الانتخابات بطرق غير نزيهة، تجويع الشعوب، استخدام القوة المفرطة، وتشويه الحقائق، بهدف الحفاظ على السلطة وتحقيق مصالح شخصية أو فئوية على حساب العدالة والشرع والقيم الإنسانية. ومن اهم مظاهر الظلم السياسي هي الدكتاتورية وإنكار الديمقراطية او التحايل عليها.

*** الظلم الاقتصادي: ويتمثل بالتوزيع غير العادل للثروات والموارد والفرص في المجتمع، مما يؤدي إلى فجوات كبيرة بين الأغنياء والفقراء، ويُعرقل الحراك الاجتماعي، ويُرسّخ الفقر، ويتجلى في صور مثل عدم تكافؤ الفرص، والفساد، والقوانين المجحفة، واستغلال العمال، وضمان عدم وصول الشرائح المهمشة للتعليم والرعاية.

ب: صور الظلم حسب مصدره:

وتشمل الظلم القولي والظلم الفعلي والظلم السكوتي.

* الظلم القولي: كالكذب، الغيبة، السب

الكذب والبهتان: اختلاق الأكاذيب عن الناس.

الغيبة والنميمة: ذكر الناس بما يكرهون في غيابهم، ونقل الكلام بينهم بقصد الإفساد.

السب والشتم: الإهانة والتنابز بالألقاب والسخرية.

القذف والاتهام: رمي الناس بالباطل.

فضح الأسرار: إفشاء ما يستر به الناس أسرارهم.

** الظلم الفعلي: كأكل أموال الناس بالباطل، منع الحقوق وغصب عقارات الغير، الظلم في العمل، الاعتداءات.

أكل أموال الناس بالباطل، مثل أكل مال اليتيم، تأخير سداد الديون، الرشوة، الربا، أو الغش في المعاملات.

الفساد المالي والإداري هو ظلم كبير، فهو استغلال غير قانوني للسلطة والموارد العامة لتحقيق مكاسب شخصية، مما يضر بالمجتمع عبر إعاقة التنمية، إهدار المال العام، تقويض العدالة، زيادة الفوارق الطبقية، ويعيق تحقيق المساواة ويحرم المواطنين من حقوقهم، وهو ما يعتبر ظلماً يتجاوز مجرد مخالفة قانونية ليصبح فعلاً يهدد استقرار الدول وتنمية الشعوب

تفضيل شخص على آخر في الترقيات أو المكافآت، أو التقصير في أداء الواجب الوظيفي.

ومن ذلك ايضاً، ظلم الخدم والعمال، أو التسبب في الأذى برمي المخلفات في الشوارع.

الظلم بين الأزواج: الإساءة للزوج أو الزوجة.

الاعتداءات: الزنا واللواط والاعتداء على الأعراض.

*** الظلم السكوتي: كالتخاذل عن نصرة المظلوم ومن صور الظلم السكوتي

التخاذل: السكوت عن المنكر والقدرة على تغييره، أو عدم نصرة المظلوم ومنعه من الظلم.

رابعاً: رد الظلم وردع الظالمين

الردع قد يكون دنيوي وقد يكون اخروي

ويتمثل بالقضاء وحكم الشريعة الاسلامية

أ: دور القضاء: دور القضاء هو حماية الحقوق والحريات وإرساء العدالة عبر فض النزاعات وتطبيق القانون بنزاهة واستقلالية، أما أخلاقياته فتتمحور حول النزاهة، الاستقلال، الحياد، والقدوة الحسنة، متطلبة من القاضي التزاماً بأعلى المعايير الشخصية والمهنية داخل وخارج المحكمة لضمان الثقة العامة في العدالة،

أخلاقيات القضاء.

لايجوز ويحرم شرعاً تولية من لم يكن صالحاً للقضاء، أو تولية من هو غير أهل له.

ومن يتولى القضاء يحب ان يتصف بما يلي من صفات:

النزاهة والاستقلال: يجب أن يكون القاضي مستقلاً عن أي تأثيرات خارجية (سياسية أو مالية) وأن يتصرف بنزاهة مطلقة.

الحياد والموضوعية: تفسير القانون دون تحيز أو محاباة، وتجنب أي مصلحة شخصية في القضايا.

الاجتهاد والتحلي بالعلم: السعي المستمر لطلب العلم وتطوير المعرفة.

القدوة الحسنة: التصرف بما يتناسب مع شرف الرسالة القضائية، داخل المحكمة وخارجها، والالتزام بمظهر لائق.

السرية والكتمان: المحافظة على أسرار المتقاضين وأعراضهم.

اللباقة والاحترام: التعامل بلباقة مع الزملاء والمتقاضين وإظهار الاحترام المتبادل.

تجنب تضارب المصالح: التنحي عن القضايا التي قد يكون للقاضي فيها مصلحة شخصية.

الالتزام بالصمت الإعلامي: التواصل مع الإعلام يكون عبر مسؤولين محددين لتنوير الرأي العام بشكل رسمي.

باختصار، يمثل القضاء ركيزة أساسية لدولة القانون، وتُعد أخلاقياته بوصلة توجه القاضي ليكون حاملاً للعدل، متصفاً بالنزاهة والاستقلال، وملتزماً بالقيم التي .تحفظ هيبة العدالة وثقة الجمهور،

ب: دور الشريعة الإسلامية:دور الشريعة في ردع الظلم أساسي وجوهري، حيث تضع قواعد للعدل وتُحذر بشدة من الظلم، وتوجب نصرة المظلوم وردعه بالقانون والترغيب والترهيب، وتُحمل الظالم عواقب وخيمة دنيوية وأخروية، وتؤكد على أن الظلم يُقوّض أسس المجتمع ويُفضي إلى دمار، فتدعو إلى العدل بين الناس وتُعلي من قيم المساواة والإنصاف، وتُحارب الظلم بشتى أشكاله من شرك، وظلم الحاكم، واعتداء على الحقوق، وفقًا لـمبادئها ومقاصدها.

خامساً: التحذير من الظلم

دعوة المظلوم مستجابة: لا حجاب بينها وبين الله، والمظلوم منصور ولو بعد حين.

الظلم ظلمات يوم القيامة: لا يهتدي الظالم في ذلك اليوم.

الظالم يعذب في الدنيا: إن الله يعذب من يعذب الناس في الدنيا.

الظلم عاقبته وخيمة، فقد حرّمه الله تعالى في جميع أشكاله (بيكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"

خطب النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- يوم النحر في حجة الوداع في مجمع عظيم شهده أكثر من مئة ألف مسلم، فقال: «أتدرون أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسمّيه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى. قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسمّيه بغير اسمه، فقال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى. قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسمّيه بغير اسمه، قال: أليست بالبلدة الحرام؟ قلنا: بلى. قال: فإن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد! فليبلغ الشاهد الغائب، فرُبَّ مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»

. وقال عليه الصلاة وآله وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه».

***

فارس حامد عبد الكريم

في المثقف اليوم