قضايا
محمد سيف: الدماغ وحرية اتخاذ القرارات!!
ماذا تقول أدمغتنا عن حرية قراراتنا؟! سؤال لطالما حيَّرني كثيرا - وما زال - من حيث الحدود الواقعية لحريتنا فيما نتخذه من قرارات شخصية، وبالنظر إلى ما توصلت إليه التجارب العلمية، نجد تجربة علمية صادمة(1) أجراها عالم الأعصاب Libet عام 1983م حيث انتهى إلى أنّ تَشُكّل القرارات الشخصية يولد قبل أن يتفطّن وعينا لوجودها!! إذْ لاحظ نشاطا عصبيا بالدماغ أطلق عليه (Readiness Potential) وهو جهد الاستعداد، واختصاره (RP)، إذْ يسبق هذا النشاطُ الإحساسَ بالقرار بحوالي 350 ملي ثانية! لكن، هل هذا يعني أن وعينا لا يلعب دورا؟ ممايعني أنّ ثمة لاعبًا آخر يدفع بالقرارات إلى منطقتنا؟
في حقيقة الأمر وُجِّه استشكال جوهري لهذه التجربة مفادُه أنها كانت تعتمد على قرارات تافهة مثل تحريك معصم اليد، أي أنها قرارات عشوائية لا تترتب عليها أية تبعات جادة أو أهمية بالغة، وبعد حوالي ثلاثة عقود، وتحديدا في عام 2012م استنتج Aaron Schurger في تجربته(2) أن الـ (RP) ما هو إلا ضوضاء عصبية عشوائية تتراكم حتى تصل إلى عتبة الانطلاق، وليس القرار نفسه.
وبعد ذلك بسبع سنوات، أي في عام 2019 قام Maoz et al بقلب المعادلة بالكامل حين فرَّق بين مستويين من القرارات: قرار عشوائي (Arbitrary) مثل: ضغط الزر! وقرار متعمد (Deliberate) مثل: أي مؤسسة تستحق تبرّع بـ1000 دولار؟ حيث أثبتت تجربته(3) أنه رغم أنّ (RP) ظهر جليا في القرارات العادية جدا، إلا أنه تلاشى تقريبا في القرارات المهمة! وهذا يشي بأنّ الدماغ لا يقرر بدلا عنّا حينما يكون القرار على قدر من الأهمية.
مهما يكن من أمر، فما زال تصوّرنا حول حقيقة ما يجري فعلا في أروقة أدمغتنا قبل اتخاذ القرار ساحة خصبة للإضافات العلمية، التي تبني على ما سبق، وتنقضه إنْ وجدت من الدلائل ما يطعن في دقته، وهذه مَزِيّة جليلة للتجارب العلمية التي تقدّس الموضوعية قدر الإمكان ولا تنظر للنتائج إلا من باب أنها أفضل الموجود حتى الآن، فمستوى دقة النتائج النهائية للتجارب العلمية منوطة بحزمة واسعة من المتغيرات كحداثة التقنيات المستعملة في التحربة ومدى حيادية العيّنة من المشاركين، وكمّ العوامل التي تجاوزها الاعتبار، وغيرها، خصوصا في منطقة ما زالت طريّة في الاكتشاف والأبحاث كعلوم الدماغ.
ماسبق ما هو إلا توطئة ارتأيت مناسبتها ونحن نلِج إلى الدور الفعلي الذي تضطلع به أدمغتنا فيما يتصل بقراراتنا الشخصية، وهو تمهيد يُعنى باللحظات قبيل لحظة اتخاذ القرار، ولكني أريد أن أركز على المدة الزمنية الممتدة إلى ما يصل إلى سنين قبل اتخاذ القرار!
لعله من الصادم جدا أننا لا نتخذ القرارات دفعة واحدة، بل تنسلّ إلى وعينا ببطء في تراكمات متفاوتة بالغة التعقيد في ترابطها طوال مدة قد تصل لسنين عديدة، إلا أنه لخفاء ما يحدث تحت السطح من معالجات معقدة في أدمغتنا فنحن نظن أن قراراتنا وليدة الحاضر واللحظة، حتى تلك المرتجلة منها.
إن التجارب الشخصية السابقة بكل حمولتها المبهجة والمؤلمة والحيادية إن كانت هناك تجربة حيادية أصلا - على سبيل التصنيف والتنظير ليس إلا - مهما كان جانبها من حياتنا، تُضاف لسلسة تراكماتنا، في عملية متشعّبة يُطلق عليها (Ripple Effect) التأثير المتتابع، وهو سلسلة التغييرات التي تطال نواحيَ عدة بسبب تغير حدث في ناحية ما، ، فالتجربة المالية المريرة على سبيل المثال قد تلقي بظلالها على علاقتنا العاطفية على نحو ما، والخطير في هذا التسلسل غير المدرَك إلى حدٍ كبير أن التغير الذي يُحدِث كل هذا التتابع ليس بالضرورة أن يكون قرارا كبيرا، إذْ يكفي أن يكون قرارا عابرا! فالتفاصيل الدقيقة (Nuances) من شأنها أن تقلب المعادلة وتغيّر وجه المشهد، وهذا له تطبيقات واسعة وخصوصا في عالم التسويق، ناهيك عن أنّ كل تغير من سلسلة التغيرات التي يحدثها (Ripple Effect) هو الآخر بحد ذاته يكون نقطة بداية لسلسلة مختلفة من التغيرات، وهكذا دواليك، فلك أن تتخيّل حجم التشابك الذي نعيشه في كل لحظة!
إنْ كنّا نستشِفّ مما سبق قاعدةً عريضة فيمكننا أن نختار القاعدة الآتية: ألّا نتهاون أبدا في القرارات التي نتخذها مهما بدت لا طائل من ورائها، وألّا نحطّ من قَدْرها بالاستعجال أو إهمال مختلف العوامل التي تحفُّ بها، وألّا نستهين بمدى تأثيرها في مختلف جوانب حياتنا.
كنتُ مضطرا للاستطراد السالف حتى نضبط إيقاع شبكة التأثيرات المترابطة التي نتعاطى الحياة فيها، وأن عناصر حياتنا بكل تعقيداتها وانفصال بعضها عن بعض ظاهريا، ما هي سوى كتلة متصلة تماما وبدرجة مخيفة، فإذا كان ذلك كذلك، فنحن حين نعمد إلى اختيارٍ ما، فإننا لا نقوم بذلك انطلاقا من صفحة بيضاء فارغة خالية من الانحياز والمَيل، بل نتلطّخ بكومة هائلة من التراكمات التي توجّهنا صوب قرار ما، مهما بدا أنه وحي اللحظة.
إن العلاقة التكافئية بين مخرجات الأجهزة الذكية وتطبيقاتها وبين مدخلاتها، ولتكن النماذج اللغوية الذكية مثل (Grok) و(ChatGPT) ليست بعيدة تماما عما يحدث في طبيعتنا الدماغية - أقصد من حيث المبدأ طبعا - فمعالجة AI المعطيات المزوّد بها هي ما تمنح ردودَه إطارَها العام، وهذا ما يحصل لنا بالضبط، فالقرارات هي مُخرجات (Outputs) لِما مَرّ بنا من مدخلات بأدق تفاصيلها (Inputs) وهذا يذكرني بقصة نتداولها في أدبنا العربي، حين أنشد ابن الجهم أمام المتوكل في العهد العباسي:
أنت كالكلب في حفاظك للودّ
وكالتيس في قراع الخطوبِ
*
أنت كالدلو لا عدمناك دلـــــوا
من كبار الدلا كثير الذَّنوبِ
ولِفطنة المتوكل عرف أن ابن الجهم لديه مَلَكة شعرية جامحة لولا جفاء البيئة التي نشأ فيها، والتي انعكست على ألفاظه وتراكيبه، فوَجّه أن يُصحب الشاعر للإقامة في حي الرصافة على شاطئ دجلة، وهناك حيث لم يعهده من جمال بغداد عمرانا وبشرا، فأثّرت في طبيعته الشعرية أيَّما تأثير، وكانت منعطفا جذريا في شاعريته، من جلافة الطباع إلى الذوق والكياسة، وحين قدم ابن الجهم إلى المتوكل للمرة الثانية، بعد قضائه مدة في الرصافة أنشد قصيدة عصماء مطلعُها:
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلَبْنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري
*
أعدنَ لي الشوق القديم ولم أكــنْ
سَلَوتُ ولكن زِدْنَ جمرًا على جمـــرِ
إننا بحق بحاجة مُلحّة لِأنْ نكون شرسين جدا حينما يتعلق الأمر باختيار مدخلاتنا؛ لأنها حتما ستولّد مخرجات من سِنْخِها ذاتِه، فما هي إلا امتداد طبيعي لها، فمن البلاهة أن نعتقد ولو للحظة أن الصنبور الذي يصب منه قطران في الخزان، يمكن أن نرتجي منه إخراج عصير رمان!
ولعل الآفة التي تمثل عقبةً كؤودًا في التعاطي مع مدخلاتنا هي يقيننا الذي نتلّبس به على الدوام بأننا نعرفنا! وبالتالي نُسقِط حِذْرَنا من التفتيش بطريقة حازمة مع ملابسات ما يسبق اتخاذ قراراتنا، فنعتقد أننا أشبعنا الأمر تمحيصا، إلا أنه بخلاف ذلك، وفي هذا السياق يستعرض Warren Berger في كتابه المدهش (سؤال أكثر جمالا) هذه الظاهرة مع التلميح لكيفية تجاوزها: "يؤكد اختصاصي علم الأعصاب، روبرت بيرتون، مؤلف كتاب بشأن كون المرء متيقنًا (On Being Certain) أننا نعاني جميعًا من حالة بشرية شائعة من الاعتقاد بأننا نعرف أكثر مما نعرف حقا. ومنذ سنوات يتصارع بيرتون مع سؤال ماذا يعني أن تكون مقتنعًا؟ قال لي إنه خَلُص، استنادًا إلى أبحاث مستفيضة، إلى أن الشعور بـ (أن المرء يعرف) إنما هو مجرد شعور أو إحساس. إلا أن الشعور يكون قويًا جدًا إلى درجة أنه يُوجِد ما يسميه بيرتون وباء اليقين، حيث يقوم كثير من الناس بالمبالغة في تقدير معرفتهم، ويثقون أكثر مما يجب بحدسهم، ويتنقلون في كل مكان مقتنعين بأن لديهم إجابات أكثر مما يملكون فعلًا، إذا كنت تشعر بهذه الطريقة، فمن المرجح بدرجة أقل أن تطرح أسئلة"(4)
وختاما، إن كان المقصود بالحرية هو اتخاذ قرار بلا مقدمات طويلة، وعتمة لا مُوجّه فيها، وعدم لا شيء فيه، فهذا محض وهم، إذْ إننا أُسارى لطبقات كثيفة من التراكمات التي تدفعنا لاختيار دون آخر، غالبها غير مرئي وغير ملحوظ، والبداية الحقيقية في غربلة الموجّهات لقراراتنا لا تبدأ بفحص حيثيات القرار نفسه، وبمعزل عن بقية عناصر حياتنا، بل بإيلاء العناية البالغة كلَّ ما نرتبط به ونحن نمخُر عُباب الحياة من مواقف وأشخاص ومشاعر وأفكار، فالمُخْرَجُ الواحد هو حصيلة مدخلات كثيرة وقديمة! والمُدخلات ومُخرجاتها صنوان لا يفترقان، وتوأمان متطابقان، وقبل اتخاذ أي قرار يندسّ في دهاليز أدمغتنا خزان من التراكمات يهمس لنا بالخيار الذي نتخذه وربما يتعدى مجرد الهمس إلى إصدار الأمر! من يدري؟
***
محمـــد سيـــف – باحث من سلطنة عمان
.......................
روابط الدراسات العلمية المذكورة في المقال:
(1) رابط الدراسة:
https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/6640273/
(2) رابط الدراسة:
https://www.pnas.org/doi/10.1073/pnas.1210467109
(3) رابط الدراسة:
https://elifesciences.org/articles/39787
(4) سؤال أكثر جمالا، وارين بيرغر، ت: عماد إبراهيم عبده، ص 105، الأهلية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2018م.
Member of the Society for the Neurobiology of Language (SNL)






