قضايا

ابتهال عبد الوهاب: الذات المتسائلة والآخر الجماعي صراع الوعي والاطمئنان الزائف

في لحظة ما، يطرق الوعي أبوابنا بلا استئذان، ويتركنا أمام الحقيقة عراة. لا يسأل عما إذا كنا مستعدين، ولا يمنحنا راحة الجهل، بل يفرض علينا رؤية ما لا تطيقه الجموع، في هذه اللحظة، ندرك أن السؤال لم يعد ترفا، بل موقف وجودي، وأن التمرد ليس اختيارا، بل ضرورة للحفاظ على ما تبقى من الذات.

لم أستيقظ على الوعى ولكني عانيت كثيرا، فجاءني كصدمة باردة، كعين ثالثة فتحت قسرا، فرأيت ما كان ينبغي ألا يرى. منذ تلك اللحظة، لم أعد صالحة للانتماء، ولا قادرة على الذوبان في دفء الجموع. لم يكن الوعي لحظة إشراق، بل لحظة قطيعة. قطيعة مع البديهيات التي تسلم بلا مساءلة، ومع الطمأنينة التي تمنح لمن يتنازل عن حقه في السؤال. في التفكير. وفي التأويل والتأمل والشك. منذ تلك اللحظة، لم أعد أسكن العالم كما يسكنه الآخرون، بل صرت أقف على مسافة منه، أراقبه بعين لا تطمئن، وعقل لا يقبل الاكتمال.

أن تكون واعيا، فذلك معناه أن تنفصل بصمت عن الدفء الزائف للجماعة، أن تكتشف أن ما يسمى بالانتماء ليس دائما سوى حيلة نفسية للهروب من عبء السؤال.  الوعي لا يمنحك الطمأنينة، بل يسلبك لذة الذوبان في القطيع، تلك اللذة السهلة التي تعفي الإنسان من التفكير، وتريحه من قلق الاختيار، وتمنحه شعورا مؤقتا بالأمان.

الواعي يرى ما لا يراد له أن يرى. يلمح الثقوب الصغيرة في الأثواب التي تتزين بشعار الكمال، ويدرك أن ما يلمع ليس بالضرورة نقيا، وأن ما يصفق له الجميع قد يكون أكثر الأشياء خواء. لذلك يصبح الوعي عزلة راقية، عزلة لا تقوم على احتقار الآخرين، بل على الشك، وعلى رغبة صادقة في ألا يعيش الإنسان مستعارا داخل أفكار لا ينتمي اليها.

أدرك الآن ما كان يقصده نيتشه حين تحدث عن القطيع؛ لم يكن يهاجم الناس بقدر ما كان يحذر من الراحة المميتة التي تمنحها الجماعة.  أنا دفعت ثمن هذه الراحة مرفوضة، واخترت قلق السؤال على طمأنينة التقليد، فكان نصيبي اغترابا لا يراه إلا من جرب أن يفكر وحيدا.

أعيش اغترابا لا يراه أحد. ليس اغتراب مكان، بل اغتراب عقل. كما لو أنني وضعت خطأ في زمن لا يحتمل الأسئلة. ديكارت علمني الشك، لكن أحدا لم يخبرني أن الشك يحرق أصحابه، وأن من يهدم المسلمات لا يجد مأوى بعدها. اغترابي ليس مكانيا، بل وجودي. كما قال سارتر، الإنسان محكوم بالحرية، وأنا محكومة بوعي لا يسمح لي بالهرب. أعرف أن بإمكاني أن أعود إلى القطيع، أن أغلق عيني وأعيش بسلام، لكنني فقدت هذه القدرة إلى الأبد. الوعي لا يمنح تذكرة رجوع. اغترابي ليس شعورا، بل موقف. أنا غريبة لأنني لا أقدس ما لا أفهمه، ولا أحترم ما لا يمر على عقلي. سارتر قال إن الإنسان مسؤول عن حريته، لكن أحدا لم يقل لنا إن المجتمع سيعاقبك كلما تحملت هذه المسؤولية بجدية.

نيتشه ايضا لم يكن متطرفا حين جلد أخلاق العبيد، كان دقيقا. هذه المجتمعات لا تريد قيما، بل قيودا. لا تريد إنسانا حرا، بل كائنا مطيعا يتقن ترديد ما لقن له. وأنا رفضت هذا الدور، فصرت نشازا، وصار وجودي نفسه استفزازا. أحيانا أشتهي بساطة الذين لا يسألون، أولئك الذين يعيشون داخل إجابات جاهزة، لكنني حين أحاول، أشعر أنني أخون نفسي. فكما قال كامو، التمرد ليس صراخا، بل موقف داخلي، وأنا متمردة فقط لأنني أرفض أن أعيش حياة لم أخترها. كل اختيار أتحمله وحدي، وكل قلق أدفع ثمنه من احتراق روحي.

أما كامو، فقد فهم العبث جيدا. هذا العالم لا يكافئ الوعي، بل يعاقبه. ومع ذلك، أتمرد. لا لأنني أؤمن بالنجاة، بل لأن الانصياع أقبح من الهزيمة.  تمردي صامت، لكنه عنيد، يشبه الوقوف منتصبة في وجه معنى لا يريد أن يولد.

 كامو فهم أن العبث ليس في العالم فقط، بل في البشر الذين يدافعون عن عبثهم بعنف. وأنا أتمرد، لا لأغيرهم، فقد فات الأوان، بل لأحافظ على ما تبقى مني. تمردي هو آخر خطوط الدفاع عن ذات ترفض أن تتحول إلى رقم..

في القطيع، الحقيقة جاهزة، والرأي موروث، واليقين معلب. أما الوعي فيعيد كل شيء إلى محكمة السؤال، ويجعل من الإنسان خصما دائما للمسلمات. هنا لا يعود الخطأ مخجلا، بل يصبح فضيلة، لأن الخطأ الناتج عن التفكير أكرم من صواب ناتج عن التقليد.

أن تكون واعيا يعني أن تتخلى عن راحة التصفيق الجماعي، وأن تتحمل ثقل الوقوف وحيدا حين يجلس الجميع. أن تدفع ثمن الرؤية وضوحا مؤلما، وأن تكتشف أن الكمال الذي يروج له ليس سوى قناع يخفي تحته خوفا عميقا من الاختلاف.

أنا لا أبحث عن الخلاص، ولا أطلب الفهم. كل ما أريده هو ألا أعود. ألا أرجع تلك المرأة التي كانت تصدق بسهولة، وتبتلع الأكاذيب كي تنام.  الوعي أخذ مني السلام، لكنه منحني نفسي.

وهذا، رغم كل شيء، ثمن أدفعه وأنا واقفة على قدماي وفي قمة اتزاني. أنا لا أدعي امتلاك الحقيقة، كل ما أملكه هو هذا القلق النبيل، وهذه المسافة بيني وبين العالم. مسافة موجعة، لكنها صادقة. ففي عالم يقدس الذوبان، يصبح الوعي شكلا من أشكال الشجاعة، ويغدو الاغتراب ثمنا لا مفر منه لمن قرر أن يرى بعينيه، لا أن يساق.

ما أريده فقط هو ألا أُستدرج مرة أخرى إلى يقين لا أفهمه، ولا أُقايض وعيي براحة زائفة. لقد تعلمت أن السلام الذي يشترى بإلغاء العقل ليس سلاما، وأن الانتماء الذي يبنى على الصمت ليس سوى شكل مهذب من العبودية.. أنا لا أنتمي إلا لهذا الوعي الذي أبقاني انسانه.

سأبقى في هذه المسافة، حيث لا دفء القطيع ولا عزلة الجهل، بل مواجهة عارية مع الذات والعالم. مواجهة موجعة، لكنها الوحيدة التي لا تخونني.  فالوعي، مهما بدا قاسيا، هو الشكل الأخير من الكرامة الإنسانية، والتمرد، وإن بدا بلا أفق، هو الاعتراف الصادق بأنني أرفض أن أعيش أقل مما أنا انا عليه الآن من وعي بنفسي والعالم.

***

ابتهال عبد الوهاب

في المثقف اليوم