قضايا
علي حسين: هابرماس يرحل بعد أن تلعثم في سنواته الأخيرة
مات الفيلسوف الألماني يوهان هابرماس بعد أن ترك لنا فلسفة تدافع عن العقل واهمية الرأي العام في ديمومة الديمقراطية، عاش 96 عاما كان فيها ايرز الفلاسفة الذين جمعوا يجمع بين التحليل الفلسفي الدقيق والانخراط النقدي في الشأن العام، حيث تحولت مؤلفاته الى جزء اساسي من الحوار حول العقل والديمقراطية والحداثة في سنوات اتسمت بثورات سياسية وحروب، إلا أن هذه الفلسفة تعرضت لسقطة اخلاقية كبيرة عندما اتخذ هابرماس موقفاً مؤيداً لاسرائيل في حرب الابادة التي شنتها على غزة.
رحل يوهان هابرماس في نفس اليوم الذي رحل فيه كارل ماركس قبل 143، كانت الصحافة الالمانية تصفه بأنه آخر ديناصورات اليسار، ويقول عن نفسه: " أشعر شعوراً غلاباً بأنني آخر الماركسيين "، أرتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية واسعة للماركسية التقليدية، فبينما كان ماركس يركز على " قوى الإنتاج " باعتبارها محرك اساسي للتاريخ، رأى هابرماس أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية، بل عبر تحرير التواصل الإنساني من الزيف والإكراه، فهو يعتبر نفسه ماركسياً من حيث الدعوة الى تحرر الإنسان، والوقوف بوجه مخططات الرأسمالية، ولكنه في المقابل كان يرفض الحتمية التاريخية والاقتصادية، ويفضل عليها ما اسماه " الحتمية التواصلية "، ورغم انه استخدم بعض المفاهيم الماركسية في نظريته " التواصلية "، لكنه بنى عمارته الفلسفية بمعاونة افكار كانط وهيجل وفرويد وماكس فيبر وجون ديوي ولوكاتش ودوركهايم وغيرهم، لكن رغم ذلك علينا ان لا ننسى ان هابرماس ظل طوال مسيرته الفلسفية ينطلق من بعض الاسئلة الاساسية المستوحاة من الماركسية، وهي كيف يُكَّونُ النوع البشري، وكيف يتكاثر مادياً ومنطقياً، وكيف ينبغي ان يكون ذلك. في كتابه " بعد ماركس " – ترجمه الى العربية محمد ميلاد – بعلن هابرماس عن طموحه لإعادة بناء المادية التاريخية حيث يقول: " يقصد باعادة البناء تفكيك نظرية ما وإعادة بنائها مجددا في شكل جديد، بغية تحقيق الهدف الذي رسمته هذه النظرية "، لقد كان غرض ماركس في نظر هابرماس تحقيق العدالة الاجتماعية وإزالة العبودية الاقتصادية، وضمن هذا المنظور صاغ هابرماس نظريته للديمقراطية المتجددة، التي تشكل الوطنية الدستورية نقطة الارتكاز فيها.
يورغن هابرماس الذي رحل عن عامنا يوم السبت الماضي، ظل يواصل اصدار الكتب وكان آخرها كتاب صدر العام الماضي بعنوان " "الأمور التي يجب أن تتحسن"، وفيه، يرفض "الاستسلام لليأس"، مؤكداً أنه من الممكن "مواجهة أزمات الحاضر بقوة والتغلب عليها في نهاية المطاف".
، قال عن جمهوره من القراء، انه كان حتى سنوات مضت يعتقد ان قراء كتبه في الغالب هم زملاءه من الاكاديميين أو الطلبة، لكنه لاحظ في السنوات الأخيرة انه امام جمهور آخر من القراء يثقون في الفلسفة التي للاسف اراد لها البعض ان تفرط في التخصص، مما اضر بها على حد قوله، ويضيف ان التاريخ " المزعج " للفلسفة وحده الذي يُمكنها من ان تبلغ الكمال.
يعترف هابرماس ان كل قارئ مراهق معرض للغرام بنيتشه وقراءة: " هكذا تكلم زرادشت " بصوت عال، لكن مع مرور الزمن والتجارب فإن القارئ الجيد سيجد لقاحا ضد النثر التحريضي الذي يبثه نيتشه في ثنايا كتبه وستعيش معه فقط، الافكار المعرفية التي اثارها نيتشه.
هابرماس الذي يؤمن ان الفلسفة مسعى الى الحكمة ومهمتها ان تكون لنا دليلاً هادياً في علاقتنا بانفسنا، وبرفاقنا من البشر، ظل حتى الشهور الأخيرة من حياته يجلس قبالة الكومبيوتر بشعره أبيض، ونظره الذي اتعبته الكتب، وتلك اللمعة الطفولية التي يقول انه استمد ملامحها من امه، منذ ان نشر في الثالثة والثلاثين من عمره اول كتبه: " تحول بنية الرأي العام " وهو رسالة الدكتوراه الثانية التي أراد ان يقدمها تحت اشراف تيودور أدورنو احد ابرز فلاسفة مدرسة فرانكفورت، وفيه يقدم رصداً شاملاً لمسار الدعاية من القرن السابع عشر الى التاسع عشر وتطور فكرة الرأي العام وتكوين الإرادة الديمقراطية التي نشأت مع الراسمالية، بحيث تم صياغة فكرة الديمقراطية الليبرالية على نموذج العلاقة بين البائع والمشتري في السوق، حتى ادت الدعاية في العصر الحاضر إلى الاحتواء الكلي للراي العام وافراغ الوعي الفردي والجمعي من وظيفته النقدية الفعالة
بعدها سيواصل اصدار كتبه، سواء في الشأن الفلسفي الاكاديمي او من خلال حضوره المكثف في الفضاء الفكري والسياسي، حيث يتدخل مرارا للادلاء برأيه في قضايا الشأن الالماني والاروربي ومحاربة الارهاب ونقده للسياسة الاميركية التي يراها متغطرسة، لكنع اخفق وتلعثم عندما تحدث عن الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.
في معظم كتاباته تميز هابرماس بكونه فيلسوفا ينتج المعرفة ومثقفا فاعلاً في المجتمع، كان همه الاول كما يقول هو العودة بالفلسفة لأن تصبح ناقدة لما يجري حولها.
ولد يورغن هابرماس في مدينة دوسلدورف عام ١٩٢٩، وقد عانى في طفولته من اعاقة في الفم حيث كان فكه العلوي يعاني من شق، جعله يجد صعوبه في الكلام ويعاني من " التلعثم "، مما دفعه فيما بعد إلى الاهتمام بمسألة التواصل بين البشر ليقدم دراسات مهمة عن التواصل. عاش مع اسرته متوسطة الحال حياة بسيطة لكنها طموحة، فالام متدينة كانت تتمنى ان يصبح ابنها محاميا، فيما الاب تنقل بعدة مهن محاسب، مدير مخازن، نشأ وسط مصاعب الأزمة السياسية التي عاشتها المانيا بعد الحرب العالمية الاولى وظهور الحركة النازية وتفوّق في الدراسة مع اهتمامه الكبير بقراءة الادب. في السادسة عشر من عمره سيخدم في الجيش او ما سمي بحركة شباب هتلر، في ذلك الوقت كانت عائلته فخورة بخطب هتلر.. لم يستمر طويلا في حركة الشباب تركها ليعود الى دراسة الفلسفة في جامعة بون وزيورخ، وستشغله فلسفة هيدغر التي تحمس لها في بداية شبابه، لكنه فيما بعد ادان افكار هيدغر التي كان يرى في البعض منها مسايرة لفكرة النازية حول تفوق العرق الآري، وسيكتب مقالا بعنوان " هيدغر ضد هيدغر " يناقش فيه كيف سمح هيدغر الفيلسوف الكبير لنفسه بالنزول الى مستوى الفكر البدائي الذي كانت تنادي به النازية.
في العام ١٩٥٤، يحصل على درجة دكتوراه التي خصصها للفيلسوف الالماني شيلنغ. في بداية الخمسينيات يعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو ومنه تعلم كيف يتميز " بروح ناقدة للذات "، إلا ان هذه العلاقة لم تستمر طويلا، فقد كانت ماركسية هابرماس الصريحة تزعج هوركهايمر مدير المعهد،، فيقرر عام ١٩٥٨مغادرة جامعة فرانكفورت قاصدًا جامعة ماربورغ ليعمل استاذا للفلسفة، وسيعود عام ١٩٦٤ الى جامعة فرانكفورت ليشغل منصب أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع حيث بدأ منذ تلك السنوات كواحد من ابرز منظري علم الاجتماع، بالاضافة الى مكانته كفيلسوف نقدي يحظى باحترام وتقدير اليسار الالماني.. وسيستمر بالعمل حتى عام 1994 ليحيل نفسه الى التقاعد، يتفرغ لمشروعه الفلسفي، واصل الكتابة في موضوعات متنوعة مثل تاثير التكنلوجيا، والارهاب، حيث يؤكد هابرماس على التزامه بالمنهج النقدي وبتحرر البشر، فالسلطة المتزايدة للتكنوقراطية ولاقتصاد السوق تجعل من التحرر امرا صعب المنال، كما ان اعلان الانتماء لاي مشروع نقدي او تحرري، صار ينظر اليه باعتباره نابعا من التزام اخلاقي وشعور بالايثار، لقد كانت مهمة هابرماس هي الدفاع عن ضرورة النقد، وكان عليه ان يبحث لنظرية النقدية عن مبرر للوجود وعن اساس معرفي.. وسيشكل كتابه " المعرفة والمصلحة " – ترجمه الى العربية حسن صقر - الصادر عام 1968 والذي انتقد فيه النموذج السائد للمعرفة، وبيّن انه يمثل احد نماذج المعرفة البشرية القائمة على تحقيق المصلحة، وهو يؤكد على وجود علاقة جدلية بين المعرفة العلمية والتقنية من جهة، وبين المصالح من جهة اخرى،، ولهذا فالمعرفة في المجتمع ليست بريئة الى هذا الحد الذي يتوهمه الجميع.
ومع شهرة هابرماس العالمية كواحد من ابرز فلاسفة العصر الحديث، فإنه كان عالم اجتماع وباحث في الشان السياسي حاول من خلال رؤية فلسفية تحليلية دمج التحليل الفلسفي بعلم الاجتماع مع الاهتمام بنظرية المعرفة - الابستمولوجيا – ولهذا نجده يطرح بشكل دائم السؤال عن موفهوم "الحياة العادلة"، فهو يؤكد ان حقوق الإنسان وسيادة الشعب متزامنان ومتبادلان، أي إنه لا يسبق أي منهما الآخر، وكل منهما يعتمد على الآخر. وفي الوقت نفسه، يربط هذا المفهوم بين مفهومي الاستقلال الخاص والعام ويعطي كلًّا منهما ثقلًا مكافئًا. فالسياسة بحسب هابرماس هي التعبير عن " الحرية التي تنبع في آن واحد من ذاتية الفرد وسيادة الشعب"، ويدعم هابرماس نسخة حداثية من فكرة سيادة الشعب نُزعت منها وجهة النظر القديمة القائلة إن الأفراد يشكلون شخصية مُسلطة عليها الأضواء. " سيادة الشعب لا تتجسد في ذات جمعية، أو في كيان سياسي على غرار تجمع لكل المواطنين"، بل تكمن في أشكال " غير موضوعية" من التواصل والخطاب متداولة في المنتديات والهيئات التشريعية.
عندما تُذكر مدرسة فرنكفورت يُذكر هابرماس كواحد من ابرز فلاسفتها برغم اختلافه مع منهج مؤسسيها، فقد حاول اخضاع مدرسة فرانكفورت للتعديل، لإقامة نظرية نقدية توجه الاهتمام الى نوعية العلاقات والاتصالات وتوضيح اهمية القوى الخارجية الضاغطة والسلطة التي تمارسها التكنولوجيا على الانسان، من طريق الكشف عن وعي جديد يتخذ في نهاية الامر صورة"عقلانية تكنولوجية". ولهذا نجده في كتابه"التقنية والعلم كأيديولوجيا" - ترجمه الى العربية حسن صقر - يحاول الانتقال بفلسفته النقدية الى مرحلة متقدمة تدور حول دور العلم والتقنية في مجتمع ما بعد الحداثة، كما يكشف عن العلاقة بين العلم والتقنية بصفتها إيديولوجيا، والطابع الإيديولوجي النفعي للعلم والتقنية في المجتمع الأوروبي.
من اهم الفصول في هذا الكتاب المناقشة التي يطرحها هابرماس حول العلم وموقف المتدينين الذين يعتبرون ان العلم تمادى واخذ ينقلب على الانسان، بحيث لم يعد العلم في خدمة الإنسان بقدر ما أصبح الإنسان في خدمة العلم.. وهو يرى ان على المتديننين، ان يدركوا أن دور الدين مقبول في الحياة العامة، شرط ان يبذلوا مجهودا لتجاوز التفاوت المعرفي مع المجتمعات العربية والديانات الاخرى، وان يعترفوا بسلطة العلوم التي تحتفظ بالاحتكار الاجتماعي للمعرفة على العالم. واخيرا لابد ان يفهم المتدينين ان أولويات دولة الحق الدستوري، تستند إلى أخلاق وقيم دنيوية،اكثر منها دينية.
في كتابه الضخم " نظرية الفعل التواصلي " – ترجمه الى العربية فتحي المسكيني، نجده يسعى لحل الصراع السياسي والعنف من خلال لعبة المنظومات المالية والمؤسسات الادارية والنقاش العمومي، فهم يتناول التواصل من منظور علم الاجتماع إذ يقول: " إن تحول المنظور الذي انتقل من الفعل الغائي إلى الفعل التواصلي بدأ مع ميد ودوركهايم فهؤلاء إلى جانب ماكس فيبر ينتمون إلى جيل المؤسسين للسسيولوجيا الحديثة"، والإجابة على السؤال كيف يكون الفعل الاجتماعي التواصلى ممكناً؟ يقول هابرماس ان " صياغة نظرية التواصل وبلورة القوانين التي تتحكم فيه، وهذا التواصل عبارة عن علاقة موازية حرة بين فئات المجتمع المتعددة ومتباينة العلاقة، تتوخى بناء وعي حر لا تحكمه المؤسسات أو الأيدولوجيات المفروضة من قبل الأنظمة السياسية ".
رحل هابرماس بعد تعثره امام مأساة غزة، لكنه يبقى مفكراً لا يُمكن تجاهله، فقد سعي لتطبيق قيمه الفكرية على حياته ونظرته الى العالم، وعمل بجد ليكون دقيقًا وواضحاً في كتاباته، لقد ادرك عابرماس منذ بداياته أن مهمة الفيلسوف، ليست أن يتحول الى مصلح او داعية، بل ان يكون صاحب رؤية أو حتى صوتاً لمن لا صوت لهم، وأن يبذل ما في وسعه لإعادة الصوت لمن لا صوت لهم، حتى نتمكن من بناء عالم مشترك، لكنه فاجأنا في بعض المواقف انه لم يرتقِ دائماً إلى هذا المثال، وهكذا على الرغم من نبحر هابرماس في الفلسفة والعلوم تبحراً لا شك فيه، ورغم تقدمه الفكري الذي لا يمكن لأحد أن ينكره، وحثه المجتمعات على التطلع إلى امام، فإننا حين ننظر لموقفه السياسي الأخير نجد ما يبدو لنا غريبا وغير مألوف، ولا ينتمي الى الافكار التي بشر بها. ورغم هفوته الأخيرة إلا انه سعى حتى النهاية من أجل تحسين الأفكار والرؤى في هذا العالم.
***
علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية






