عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

سعيف علي: شهادات تُجرِّح نفسها (2)

تأمّل ذاتي في زمن الشّاعر وزمن القاص

حاولتُ منذ البداية في «أرشيف الرّماد» أن أوزّع وعيي بتعدّد الأزمنة التي تشكّل نسيج مجموعتي القصصية. لأنني نظرت إلى الزمن بوصفه طريقة لتوزيع الوعي داخل النص لا لتوزيع الاحداث فقط. لذلك تداخلت فيها أزمنة متعددة. زمن السارد، وزمن الشاعر، وزمن المثقف، والزمن السياسي والاجتماعي المبثوث بطريقة غير مباشرة.

زمن السارد زمنٌ مكسور ودائري تعيشه شخصياتي. وزمن الصدمة الذي لا يمضي. ثابت يتكرّر كرنين الناقوس في «الهادي ناقوس»، أو يعود كل عشرين سنة في «قاعدة فرنسية»، أو يتحول إلى طقس يومي في انتظار «ريح الشمال». بهذا المعنى، يصبح زمن السارد زمنا تعيشه الشخصيات أكثر مما ترويه. أمّا زمن الشاعر فهو زمن الكتابة الخارجي، زمن الرجاء بعد الحريق في دار الثقافة. زمن الشهادة الذي يسعى إلى حفظ ما يوشك أن يحترق مرة أخرى. ويضيف زمن المثقف طبقةً تأملية نقدية، كما في «عطلة رسمية»، حيث يصبح الزمن منتجا لمسؤولية تأويلية لدى القارئ، ويكشف تناقض الزمن المؤسسي مع الزمن الإنساني المعلّق.

يضل الزمن السياسي والزمن الاجتماعي حاضرين ضمناًف ي نسيج القصص كلها. مع تكرار الكارثة، واستمرار السلطة، والصمت الرسمي في «قاعدة فرنسية» (لم تُغلق القاعدة، طبعاً، فالموضوع معقّد كما قالوا دائماً)، وفي طريقة تعايش المجتمع مع الجرح.كمثل القرية التي تعتاد صوت الناقوس، والناس الذين يبنون سوراً جديداً حول قاعدة لم تُغلق، والأطفال الذين يجمعون الرماد بدلاً من حرقه.

بوعيي ككاتب — وأعتذر عن هذا، وإن كان وهما — حاولتُ أن أصدّ الشاعر عن الاستيلاء الكامل على العالم القصصي. إذ يميل الشاعر بطبيعته إلى اللغة المتدفقة والاستعارة الغنية، بينما كانت الصدمة، في تصوري، تحتاج إلى قدر من التقشف والانضباط كي لا تفقد صدقها. لذلك سعيتُ إلى فرض انضباط سردي صارم من خلال جمل قصيرة مقتضبة، وصمت كثيف بين اللقطات. «عدتُ إلى القرية ظهر يوم حار، يلتصق الغبار بثيابي، لم أدخل بيت أبي». كلمات قليلة تكفي لتختصر عودةً، وفقداً، وجرحاً.

حاولتُ أن تكون هذه الجمل حاجزا يحمي زمن السارد من أن يذوب في جماليات زمن الشاعر، ويمنع زمن المثقف أو الزمن السياسي من التحول إلى خطاب مباشر أو تأمل فلسفي مجرد. سمحتُ للشاعر بالظهور في لحظات قصوى: «أصابع عمي الهادي تنبت في الأرض وتشرب من وجهي»، ثم سحبتُه فورا بجملة حادة تعيد النص إلى قسوة الواقع السردي، محاولا المحافظة على توازن دقيق بين الشعرية والشهادة.

ومن الأمثلة الدالة الأخرى على هذا التوازن قصة «متتالية الصحو والهذيان»، حيث يتداخل صوتا عثمان وأحمد الراوي حتى يصيرا صوتاً واحداً: «نحن الصحو ونحن الهذيان. أنا أحمد سالم ومعي عثمان.» هذه الحالة ليست شعرية تماما. على العكس هي حالة حافة بين الصحو والجنون، وبين الهوية والتفكك، وبين الواقع والوهم. تلامس اللغة الشعرية في إيقاعها المتكرر، وفي قدرتها على التعبير عن الانهيار الداخلي. لكنها لا تستسلم لنسق الشعر. لا تتحول إلى غنائية مفتوحة أو استعارات مزخرفة. لكن تبقى مشدودة إلى قسوة الحالة النفسية والوجودية. الجمل قصيرة وحادة، والتداخل بين الصوتين يخلق توتراً سردياً أكثر منه جماليا. حاولتُ أن أجعل الشعرية خادمة للصدمة، دون أن تغمرها أو تُحلّيها، فتبقى الحالة على حافتها مؤلمة، وغير قابلة للتلميع الشعري الكامل.

لم يكن الزمن غير الخطي، في هذا السياق. مجرد تقنية سردية. كان نتيجة طبيعية لهذا الوعي بتعدد الأزمنة. حاولتُ أن أوزّعه بقصدٍ ليخلق الحيرة، وربما شيئاً من الصعوبة التي أسميها «لذيذة». حين انكسر الزمن الخطي في «الزيتوني» و«قاعدة فرنسية» و«الدّمية»، أو حين أصبح دائرياًفي «الهادي ناقوس» و«صندوق عم علي» و«أرشيف الرّماد» و«ريح الشمال»، أو متداخلاً في «متتالية الصحو والهذيان» و«جرح في اللوحة» و«تلفزة»، فإنني لم أفعل ذلك لمجرد التنويع التقني. اردت أن يشعر القارئ بشيء من الضياع الذي تعيشه الشخصيات نفسها، فيعيد القراءة ويبحث عن الروابط الخفية بين الأزمنة.

من الأمثلة التفصيلية على هذا الانكسار قصة «الزيتوني»، حيث ينكسر الزمن الخطي تماما بفعل صدمة الخيانة، فتتشوش الحدود بين الذات والآخر، وبين من يحكي ومن يُحكى له؛ فلا يُعرف بوضوح تسلسل الأحداث، ولا تتحدد هوية الراوي بدقة، لأن الصدمة شوشت الزمن والهوية معاً. وفي قصة «الدّمية» يتكرر هذا الانكسار مع صدمة الخيانة، التي تجعل الزمن يتداخل بين الواقع والوهم. أمّا في «جرح في اللوحة»، فيذوب الزمن بين اللوحة المعلقة والواقع الحي، ينتقل الجرح أو الندبة من عالم التمثيل الفني إلى وجه الغريب، من غير حدود زمنية واضحة. في «دائرة» يخلق الغياب المتعمد للسياق زمنا غامضا يجبر القارئ على أن يدرك أنه لا يعيد ترتيب الأحداث فحسب، بل يعيد بناء الحكاية نفسها. تماما كمن يلاعب الكرة.

لسست هذه الصعوبة اللذيذة عقبة، في رأيي. هي دعوة إلى المشاركة في بناء النص، ليصبح القارئ شريكا في إعادة ترتيب الأزمنة وملء الفراغات التي يتركها السرد. وحين تتشظى الأزمنة بهذا الشكل، يصبح الميتاسرد امتدادا طبيعيا لها، لا تقنية منفصلة عنها. لذلك أربط هذه الأزمنة والأنساق بالميتاسرد وملاءمة الشخصيات. فالميتاسرد، في تصوري، خطاب متعال يجعل السرد يتحدث عن نفسه، ويفضح آلياته، ويكسر الوهم السردي التقليدي. اتخذ في الكتاب أشكالا متعددة؛ من تمرد الخياط في «مانيفستو الخياط» الذي يعلن أن «الرواية الآن ملكي وملك كل من قرأها»، إلى مخاطبة القارئ مباشرة في «تلفزة»: «حاذر، أنت جزء من هذا.» ولم تكن هذه التقنيات زينة شكلية. كانت ضرورة عضوية فرضتها طبيعة الصدمة نفسها. لأنها ترفض الحكاية المستقيمة. وتحتاج إلى تداخل الأزمنة، والفراغات، والتكرار حتى تعبر عن حضور الماضي واستمرار أثره، وعن هوية لم تعد مستقرة كما كانت.

إذا كان الميتاسرد يضبط بناء النص من الخارج، فإن ملاءمة الشخصيات تضبطه من الداخل. فقد ساعدتني تلك البساطة الصادقة في تعايش شخصياتي مع الجرح على حماية العالم القصصي من تغوّل أي زمن أو نسق؛ فيكتفي الهادي بالنوم في المربط وقرع الناقوس يوميا. ويكتفي عبد العظيم بفتح الصندوق كل سنة والبكاء. وتضع ليلى زهرة تحت الوسادة كل ليلة. أطفال «أرشيف الرماد» أيضا لا يحرقوا المدينة لقد جمعوا رمادها وأصغوا إليه. هذه الملاءمة المتواضعة ساعدتني على تجنب تحويل النص إلى قصيدة نثرية مجمّلة، أو إلى خطاب مثقف سياسي مباشر، وحافظت، في محاولتي، على صدق الجرح داخل زمن السارد.

 سعيتُ إلى أن يكون الميتاسرد، كما ضبط نسق الشعرية، ضرورة تحمي توازن هذه الأزمنة والأنساق، لا حيلةً تقنية تُضاف إلى النص من خارجه. وأردتُ للقارئ أن يكون شاهدا لا متفرجا، وشريكاً في إعادة بناء الذاكرة، لا متلقيا يكتفي بتتبع الحكاية. لذلك لم يكن الزمن عندي مجرد تقنية سردية. كان الشكل الوحيد الذي استطاع الجرح او الندبة أن تجد لها صوتا داخل الحكاية.

أقف في هذا التأمل الذاتي امام نفسي وأمام اقترافاتها ولولبتها وانبساطها وارتفاعها وانخفاضها وعلوها ودنوّها. لا أقف أمام المرآة فهذا أمر لم أقصده هنا. كل ما قصدته هو سرقت ما يقوله الكاتب عن نفسه في صخبه وفي صمته. ألم أقل أنها شهادات تجرّح نفسها.

***

سعيف علي

 

في المثقف اليوم