عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

حيدر عبد السادة: السلام العالمي وآليات الهيمنة الغربية

أعلنت الحداثة الغربية فصل الدين عن السياسة، وأسست بذلك لمفهوم "العلمانية"، لكن الحقيقة لم يكن ذلك بصدد تحرير الإنـسان بقدر ما كانت تريد اعادة توزيع أدوات الهيمنة، فالدين لم يُقصَ، بل أُعيد تدويره، وما إن تفجّرت الصراعات ذات الجذور الدينية في العالم، حتى عاد الغرب ليستحضر المقدّس من جديد، لا بوصفه إيماناً، بل كحلٍّ تقني للصراع، تحت لافتة زائفة تُدعى "دين السلام العالمي".

إنّ نشأة أي دين، في معناها الفلسفي العميق، ليست حدثاً عابراً ولا تركيباً خطابياً يمكن هندسته في غرف السياسة، بل هي لحظة انفجار وجودي تتأسس على الدعوة، وعلى الصدمة الأولى للمعنى، وعلى سلطة الوحي بوصفه اقتحاماً للواقع لا تفاوضاً معه. ومن هنا تتبدّى فرادة الرسالة الإسلامية، التي لم تبدأ كمشروع علني، ولا كأيديولوجيا جاهزة، بل كدعوة سرّية، سرعان ما تحوّلت إلى إعلان كوني، مسنود بثلاثية لا تقبل الاختزال: الوحي، والكتاب، والرسول، ثلاثية صنعت ديناً، لا خطاباً، ووجوداً، لا تسوية.

وعلى الضدّ من ذلك، تشكّلت الديانات الأخرى ضمن مسارات تاريخيّة أكثر تعقيداً؛ فاليهودية، وقد ارتبطت بالألواح، لم تتبلور نصياً إلا بعد صدمة السبي البابلي، حيث تحوّل المقدّس إلى ذاكرة جمعية، وإلى نصٍّ يعيد إنتاج الهوية تحت وطأة الهزيمة. أما المسيحية، فقد تشكّل نصّها لاحقاً بوصفه تدويناً لتجربة إيمانية روحية، لا بوصفه نصاً منزَّلاً بالمعنى الصارم للوحي.

ومع الزمن، استقرّ العالم على وهم التعايش الديني، وعلى القبول بتعدّد الشرائع والمناهج، فانفتح الباب أمام خطاب "حوار الأديان"، الذي بدا في ظاهره دعوة للتقارب، لكنه في عمقه كان تمريناً ناعماً على تفريغ الدين من حدّته، وتحويله إلى لغة أخلاقية عامة بلا جذور صدامية. غير أنّ هذا المسار لم يقف عند حدود الحوار، بل انزلق، مع تراكم القبول، إلى أطروحات أكثر خطورة، ترفع شعار توحيد الأديان في دينٍ واحد، يستند إلى "المشترك الإبـراهيمي" بوصفه أصلاً جامعاً، ويُعرف اليوم بما يُسمّى بـ"الدين الإبـراهيمي الجديد".

وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: فهذا الدين المزعوم لا يولد من رحم المقدّس، بل من بطن السياسة، دين بلا وحي، بلا كتاب، وبلا رسول؛ دين يُبقي من النشأة الدينية عنصراً واحداً فقط، هو الاسم الرمزي لإبـراهيم، بعد أن يُجرّد من سياقه النبوي، ويُعاد تشكيله كأيقونة تصالحية تخدم مشروعاً كونياً مُسبق التصميم، إننا لسنا أمام دين، بل أمام هندسة رمزية للمقدّس، تُوظَّف لتسوية صراعات، وتبرير هيمنات، وتمرير مشاريع استيطانية واستعمارية تحت قناع التسامح.

من هنا، لا ينطلق هذا المقال من سؤال لاهوتي بريء، بل من فعل تمرّد معرفي على هذا التزييف المنظّم، تمرّد يرفض اختزال الدين إلى أداة سياسية، ويرفض تحويل إبـراهيم (ع) من نبيٍّ إلى علامة تجارية عابرة للأديان، ويسعى إلى تفكيك الاستراتيجيات الخطابية التي تُسوّق لهذا الدين الجديد، والكشف عن المسكوت عنه في سرديته، وردّ هذه النشأة المزعومة إلى أصولها السياسية والاستيطانية، لا إلى جذورها الروحية. ففي زمن تُعاد فيه صناعة المقدّس على مقاس القوة، يصبح الـتمرّد فعلاً أخلاقياً قبل أن يكون موقفاً فكرياً، وتغدو الفـلسفة آخر خطوط الدفاع عن المعنى في مواجهة دينٍ بلا وحي، وسلامٍ بلا عدالة.

إنّ ما يجري تنفيذه على الأرض يومياً لا يمكن قراءته بوصفه أحداثاً منفصلة أو تسويات سياسية عابرة، بل هو جزء عضوي من مخطط أشمل للتحوّل الثقافي، العقدي، السياسي، في المنطقة العربية، مخططٍ يسعى إلى إعادة هندسة الـوعي قبل إعادة رسم الجغرافيا، وصولاً إلى ما يمكن تسميته بـ"كيان الولايات المتحدة الإبـراهيمية"، الممتد رمزياً من المحيط إلى الخليج، مشروعٌ لا يمرّ عبر التنمية ولا عبر العدالة، بل يعبر، من بوابة تصفية القضية الفلسطينية، لا بوصفها أزمة سياسية قابلة للحل، بل بوصفها عائقاً وجودياً يجب إزالته من طريق المشروع.

ومن هذا الأفق يمكن فهم التطبيقات العملية للخطاب الإبـراهيمي التي ترافقت مع موجة التطبيع العربي مع إسرائيل، فالتطبيع هنا لا يُقدَّم كخيار سياسي فحسب، بل يُغلَّف بسردية دينية–أخلاقية ناعمة، تُفرغ الصراع من جذوره الاستعمارية، وتعيد تقديمه كخلاف ثقافي قابل للتسوية تحت مظلة السلام والأخوّة الإنـسانية. ومن هذا المنطلق أيضا، يمكن قراءة الاتفاق الذي أُطلق عليه اسم "أبراهام"، والذي رعاه الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب)، وتمخّض عملياً عن تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2020.

فالتسمية لم تكن بريئة ولا محايدة؛ إذ أوضح السفير الأمريكي لدى إسرائيل أنّ اختيار اسم "أبراهام" يعود إلى كون إبـراهيم أباً للديانات الثلاث الكبرى: يُدعى "أبراهام" في المسيحية، و"إبـراهيم" في الإسلام، و"أبرام" في اليهودية، باعتباره، بحسب الخطاب الرسمي، الرمز الأمثل لإمكانية الوحدة بين هذه الأديان. غير أنّ هذا التفسير، في عمقه، لا يعبّر عن رغبة في الوحدة بقدر ما يكشف عن محاولة اختطاف الرمز الديني الأعلى، وتجريده من سياقه النبوي، وإعادة توظيفه بوصفه أداة سياسية عابرة للعقائد.

إنّ تسمية اتفاقيات التطبيع بين الإمارات والبحرين وإسرائيل بـ"الاتفاقات الإبـراهيمية" أثارت، ولا تزال، أسئلة جوهرية حول دلالات هذه التسمية، وخلفياتها الفـكرية، وغاياتها الفعلية، إذ لا يمكن فصل هذه التسمية عن جذورها الدينية العميقة، ولا عن استدعائها الانتقائي للتاريخ المقدّس، بما يكشف بوضوح حجم التوظيف السياسي للأبعاد الدينية والحضارية، وتطويعها لخدمة أجندات جيوسياسية محددة. وهنا يتجلّى جوهر الإشكال: فالدين، بدل أن يكون مجالاً للمعنى والتحرّر، يُعاد إنتاجه كأداة للهيمنة، وبدل أن يكون النبي رمزاً للعدالة والقطيعة مع الظلم، يتحوّل إلى جسرٍ لتطبيع الاحتلال. وتحت غطاء مفاهيم إنسانية كالسلام العالمي، والأخوّة الكونية، والتسامح بين الأديان، يُراد تمرير مشروع سياسي يستبطن نفي المظلومية الفلسطينية، وإعادة تعريف الظالم والضحية داخل سردية واحدة مصالِحة، لا مكان فيها للعدالة ولا للاعتراف بالجريمة.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

في المثقف اليوم