قراءة في كتاب

قراءة في كتاب

قراءة الكتاب بمثابة السّفر فهي رحلة ممتعة ومفيدة خاصة إذا كان بيراع أديبة تملك ناصية اللغة بمختلف مفرداتها وأساليبها وتضميناتها مثل الأديبة - صفية قم بن عبد الجليل - صاحبة كتاب - بوكاب... خربصات في أدب الرحلة - وهو كتاب في نيّف ومئتي صفحة من الحجم المتوسط وفي طبعة حسنة ويبدو العنوان يثير التساؤل حول كلمتي بوكاب وخربصات ممّا حدا بالكاتبة أن تشرحهما حيث أوردت في الصفحة الأولى من التقديم قائلة إن خربص يخربص خربصة كما أورد القاموس بمعنى ميّز الأشياء بعضها من بعض وخربص المال أخذه وذهب واشتقت كلمة خربصات بعدما صاغتها في جمع المؤنث السالم بدلا عن كلمة خربشات تلك التي لم تجد في نفسها قبولا ولا هوى...
ـ 2 ـ
أما كلمة بوكاب
فينبغي أن نصل بالقراءة إلى الفقرة الأخيرة من الكتاب حيث تصرّح أنها كانت مترددة في اختيار عنوان الكتاب ثم قرّ قرارها على أن يكون - بُوكاب - وذلك من باب دلالة الجزء على الكل فبوكاب ليس إلا حيا من مدينة - كيب تاون - في بلاد جنوب إفريقيا وهو الحي الذي يسكنه المسلمون بنسبة كبيرة وقد وجد بنفس الكاتبة هوى بتميزه عن الأحياء العصرية بهندسته المعمارية الفريدة ببيوته الملونة جدرانها تلوينا بديعا وبكثرة مساجده وبتاريخه ونضال أهله وأظن أن صورة غلاف الكتاب تمثل شارعا من هذا الحي المتميز528 bokab
ـ 3 ـ
تُبارح الأديبة هذا الشارع لتجد نفسها في التاكسي تسير بها برفقة زوجها الحفيّ بها البروفوسور ـ المنصف عبد الجليل ـ الذي دعاها إلى مرافقته في هذه الرحلة إنّه على قدر كبير من المعرفة وصاحب رحلات وأسفار شرقا وغربا في أنحاء عديدة من العالم وهاهو يحدثنا عن ألوان الجدران الزاهية في كثير من المدن التي زارها مثل بعض المدن في البرتغال والمغرب وأمريكا اللاتينية وبينما السيارة تطوي الشارع الكبير طيا تتأمل الكاتبة الجمال الوارف على جانبية فهو أكبر شارع في المدينة ومنه وإليه تتفرع كل الشوارع...إنه شارع نلسن منديلا الرجل العظيم الذي خرت له عروش الطغاة وزلزلت به قواعد العنصرية وظلت تسائل نفسها أين صورته أو أين تمثاله فلم تجد لهما أثرا فكان الجواب لدى المرافق قائلا إن النضال الحق عقيدة راسخة والمناضل الصادق لا يطلب جزاء ولا شكورا وهنا أحست الكاتبة بقرعات على أم رأسها وبسياط تجلد ذاكرتها فتذكرت ما في بلادها وغيرها من البلدان العربية حيث التي يعني النضال فيها الكرسي اللاصق إلى الأبد وتهريب الأموال وتمكين العشيرة وذوي القربى والأبواق المأجورة أن تسبّح بفضلهم آناء الليل و أثناء النهار
ـ 4 ـ
الكتاب مُمتع القراءة بما فيه من وصف دقيق لشتّى الأماكن والأحياء وبما نقلته الأديبة من تفاعلاتها الوجدانية والفكرية خلال زياراتها للمعالم والفضاءات المختلفة فكأنها تنقل لنا عبر الكلميرا مشاهد حية ومباشرة لجولاتها وجلساتها وما كان يدور فيها من حوارات مفيدة فصوّرت مُشاهداتها بدقة مختلف تفاصيل رحلتها باليوم والساعة ومُبدية إعجابها حينا ونقدها حينا آخر وقد تحدثت بإلمام عن الحياة الثقافية والأدبية في تونس بمناسبة محاضرة ألقتها في إحدى الجامعات التي تختلف أجواء الدراسة فيها عن عادات ونظام التدريس لدينا .
كتاب خربصات في أدب الرحلة للأديبة ـ صفية قم بن عبد الجليل ـ يندرج ضمن أدب الرحلة ولا شك ولكنه كتاب سيرة ذاتية من ناحية وهو من ناحية أخرى كتاب يوميات أيضا لأنه تضمن التأريخ وتسجيل الوقائع في كل يوم وفي كل ساعة أحيانا وهو كتاب مقسّم إلى عشر بوايات وكل بوابة تتضمن عددا من المحطات فلا عجب في هذا فالكتاب رحلة ممتعة ومفيدة بما في صفحاته من معلومات متنوعة أوردتها الأديبة بأسلوب على قدر كبير من الإتقان ...هو حقا كتاب أدب في معناه الشامل.
***
سُوف عبيد ـ تونس

 

في رحاب السيرة الفكرية لعبد الجبار الرفاعي

يواصل نادي أبعاد، بدار الحي، بالبلدة الطيبة (المزار الشريف)، في أكادير بالمغرب، رحلته في القبض على الجمر الفكري، وفي التشبث بالكتاب خير جليس، وبالكتابة تعبيرا وجوديا مؤلما وممتعا. قضينا في هذا النادي أكثر من عشر سنوات (ومازالت الرحلة متواصلة)، متعلمين ومعلمين، محاضرين ومستفيدين، في جلسات مسائية لقراءة الكتب وتدارسها والحوار حولها، مرة في قر الصيف وأخرى في برد الشتاء. يجتمع في جلسات القراءة المعلم والتلميذ، والأستاذ والطالب، والموظف، والتاجر، والفلاح، والمتعلم وغير المتعلم، ننصت للنقاش، مرة بالإعداد، ومرة بالعصف والتعليق والسؤال. ويكون محور النقاش كتاب محدد، تعلن عنه إدارة نادي أبعاد بوقت كاف، وترسل نسخا منه لرواده ولضيوفه. لا تتجاوز الحصة القرائية الجماعية الساعة والنصف، وإذا طالت تكمل الساعتين. قرأت في هذه الحلقات كتبا كثيرة، واستمعت إلى نقاش مستفيض حول أخرى لم أقرأها، ولكن كونت عنها صورة من خلال النقاش، ومن خلال الحاضرين المحضرين والمطلعين، سواء كانت كتبا في الفكر، أو في الدين، أو في التحقيق، أوفي التاريخ، أو كانت روايات، أو سيرا ذاتية...
كانت جلسة هذا السبت2نونبر2024، حول كتاب: (مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب) للمفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي. وهو كما يذكر في عنوانه جزء من سيرة ذاتية شاملة لم تصدر بعد. وعبد الجبار الرفاعي مفكر وفيلسوف عراقي معاصر، متخصص في فلسفة الدين والكلام الجديد، ويقدم أطروحة جديدة في التفكير الديني وفي فلسفة الدين وتجديد الخطاب الديني. اشتهرت خماسيته الفكرية: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، و: الدين والظمأ الأنطولوجي، و: الدين والنزعة الإنسانية، و: الدين والكرامة الإنسانية، و: مقدمة في علم الكلام الجديد. وهو مدير أشهر المجلات الفكرية الإسلامية، وأكثرها انتظاما في الصدور، ومازالت، منذ قرابة ثلاثين سنة، وهي: مجلة قضايا إسلامية معاصرة، بلغت الآن العدد80، وتصدر عن مركز فلسفة الدين ببغداد.
قدمت في القراءة الجماعية بنادي أبعاد مداخلة حول كتاب: (مسرات القراءة ومخاض الكتابة)، بعنوان: سوسيولوجيا القراءة وسيكولوجيا الكتابة. واستعملت مصطلحي سوسيولوجيا وسيكولوجيا باعتبار القراءة فعل قادم من الخارج إلى الذات، وأما الكتابة فهي فعل نابع من الذات ومنبثق عنها، ثم إن القراءة سرور ومسرات تبرز ملامحهما علينا، وأما الكتابة فألم ومخاض لايحس بهما إلا الكاتب، لذلك قال بعض الكتاب: أنا لا أكتب ولكن أنكتب، وقال شاعر: أنا لا أقول الشعر ولكن الشعر (يقولني).
يقع الكتاب في 182صفحة من القطع المتوسط، ويتضمن 24 فصلا، سبعة في القراءة، وستة عشر في الكتابة. يقدم الكتاب خلاصة تجربة الرفاعي ورحلته الطويلة مع القراءة وممارسة الكتابة، من خلال تقنيات: التذكر، والحكي، والسرد، والوصف، والنقد، والسجال. وهو يقر في البداية أن الكتابة تتعلم بالكتابة، ولا يتكون الكاتب بالتوصيات الساذجة والجاهزة، ولا يعرف كاتب عظيم تخرج من مدارس التدريب على الكتابة. الكتابة مسبوقة بالقراءة، لذا فتجربة القراءة، وتجربة العلاقة بالمقروء، والكتاب أبرزه، هي تجربة حياة، لذا مازال الرفاعي يتذكر نصوصه القرائية المبكرة، من خلال قصص: المياسة والمقداد، والسندباد البحري، وعنترة بن شداد... ويذكر أن أول قصة قرأها أشعرته بسحر غريب للقراءة يسري في كيانه، وأغرقت ذهنه برحلة خيالية مدهشة بمعية بطل الحكاية. وهيمنت القراءة على مشاعره منذ تلك الفترة المبكرة. تشكلت مكتبته الأولى من قصص الأطفال ومن الكراسات. كان يحفظها، وكانت قليلة بالمناسبة، ويتقمص شخصية الحكواتي ليحدث بها أفراد أسرته وأصدقاءه. وكانت مدينته (الرفاعي) في الستينيات تفتقر إلى مكان لبيع الكتب. وعندما انتقل في تعلميه الثانوي إلى مدينة (الشطرة، جنوب العراق) بدأت ولادته الثقافية الفعلية الأولى، إذ كانت تتوفر على مكتبة عامة. وكان أول كتاب احتك به مباشرة هو: (لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث- ج1) لعالم الاجتماع العراقي علي الوردي، ولم يكن قد سمع به من قبل، وهو في مستوى الثانوي. ولكن ستتوطد علاقة الرفاعي طوال حياته العلمية بالمتن الفكري لعلي الوردي على أكثر من مستوى، وسيكون من أكثر المفكرين الذين استلهم منهم النقد والانفتاح على العلوم الاجتماعية، والرفاعي ابن المدارس الدينية (الحوزة). وبعد اطلاع الرفاعي على كتاب الوري بسنة سيصطدم بكتاب آخر هو (معالم في الطريق) لسيد قطب، فأخذه، وهو التلميذ، إلى وجهة أخرى ستطبع حياة الرفاعي لسنوات، وستترك آثارا وندوبا عليها، لذلك يقول الرفاعي عن كتاب معالم في الطريق: (أدركت متأخرا أن "معالم في الطريق" كان نفقا مظلما ومتاهة خطيرة. ضعت في تلك المتاهة مدة، وضاعت قبلي وبعدي أجيال في متاهات مخيفة، لم يستطع بعضهم الخروج منها كل حياته ". لذلك كان الرفاعي قاسيا على كتابات سيد قطب، فهي بنظره، مسرفة بالأدلجة، وتغوي بشعاراتها. فنصوص (معالم في الطريق) بارعة في رسم صورة جذابة، للرغبات والمتمنيات والأوهام، تصورها كأنها واقع مجسد في متخيل المراهقين، وتخدعهم بضرورة العمل على استئناف مجتمع الصحابة، ولو بالعنف. (ص115). وانتقد الرفاعي المفهوم التفسيري الذي اشتقه سيد قطب من صلب محنته ومواجهته لديكتاتورية جمال عبد الناصر، وهو (الجيل القرآني الفريد). فهذا المفهوم، بنظر الرفاعي، ليس إلا محصلة متخيل ديني تضخم خارج الزمان والمكان والواقع الذي عاش فيه الصحابة، بوصفهم بشرا اختصموا وتقاتلوا في مرحلة لاحقة. وتشبت قسم من المتدينين بمفهومه سيد قطب هو تشبث بصورة وهمية نحتتها متمنيات فرضها حلم الإنسان الأبدي بصناعة فردوس أرضي. لذلك انغرس المفهوم في ضمير الشباب المتدين، من خلال مقولات اعتقادية مغلقة، أصبح اعتناقها عنده وعندهم شرط الإسلام الصحيح الذي يحلمون به. هذا نوع من النقد الذي يتخلل السيرة الفكرية للرفاعي، في نقد كتاب وقع الرفاعي نفسه في فتنته وغوايته. وفي سيرة الرفاعي أمثلة كثيرة لوقوعه في أسر الكتب، ولكنه أسر إيجابي، لأن وجود الكتاب في حياة الرفاعي، كما يحكي، مازال يشعره بالأمن النفسي، ويؤنسه حين يشعر بوحشة الوجود. (ص22).
ويحكي الرفاعي علاقته الأولى بالكتاب عندما يشتريه أو يهدى إليه، فيقرأ مقدمته ومحتوياته، ويتعرف عليه بالتدريج كما يتعرف على أصدقائه، فإن لم تكن فيه فائدة، يشعر بعبئه في مكتبته كما لو أنه يحمله على أكتافه، ثم يطرده من المكتبه في أول فرصة مواتية. وكم ورط الشغف بالكتب الرفاعي في مواقف محرجة ذكر بعضها في سيرته الفكرية. وحذر من (القراءة العشوائية) لأنها تنتج قارئا عشوائيا، يمضي كل وقته في التهام الكتب بشغف، ويسهر الليالي من أجل ذلك، لكنه يفتقد إلى ناظم فكري أو نموذج معرفي، ولذلك يتحول ذهنه إلى مخزن واسع مكتظ بمعلومات مكدسة، كأنها مطمورات تحت ركام معتم، لا تنتظم بسياق منطقي، ولا ينبثق منها ضوء يبدد عتمتها، بل يتحول القارئ الفوضوي إلى وحش كاسر، فكلما ازداد قراءة ازدادا انغلاقا وتشددا ومعاندة واحتقارا للآخرين. يتمركز حول ما كدسه في ذهنه من معلومات لا رابط بينها، بل يطور كفاءة إماتة بذرة أي سؤال، ويسكت أي صوت غير مألوف في قراءاته، ويغلق النوافذ أمام كل ما يمكن أن يزلزل شيئا من أحكامه النهائية وقناعاته الصارمة. وعندها لا تغير القراءة الواسعة طرق تفكيره، ولا تنقله من طور أدنى إلى طور أعلى في النضج والإبداع، بل تتحول إلى شاهد على البنية اللاواعية لتفكيره، وآفاق انتظاراته ومتمنياته وأحلامه ورغباته، فتنشأ من قراءاته الواسعة هوية مغلقة ومتجذرة في أعماقه، تحصن ذهنه بأسوار منيعة، وبقوة رهيبة قادرة على إجهاض أية محاولة لإيقاظه، أو التصدي لغريب يمكن أن يخترقه، وهو في كل الأحوال يشعر بالأمان في التشبث بكل يقينياته. (ص30-31).
وانتقد الرفاعي ظاهرة الكتبة المتكلمون، أو المثقفون الشفويون، فهم، بنظره، يتحدثون كثيرا بثقة عن كل شيء يعرفونه ولا يعرفونه، وحين تتراكم تحت أيديهم أموال لم يبذلوا جهدا في اكتسابها، يجندون طلاب العلم المحتاجين إلى قوت يومهم، لينتجوا لهم كتبا من ركام كلامهم الشفوي، فيباغتون القراء بعد سنوات قليلة بعشرات الكتب والمجلدات بأسمائهم، وهم الذين لم يعرفوا كتابا ولا باحثين، ولكن عرفوا وعاظا ومتكلمين. (ص32). كما حذر الرفاعي من كتب النصب الفكري التي تسمى: (التنمية البشرية)، و(تطوير الذات)، و(علم الطاقة النفسية). فأغلب مضامينها أوهام وأساطير ومفاهيم غير علمية، وعبارات مستعجلة، وشعارات مبسطة، وتلاعب بمشاعر الناس، وخاصة المحبطين، والكسالى، والحيارى ...
وقدم الرفاعي وصفا نفيسا لمكتباتنا بما يحيي وعينا بها، وبما يجعلها جزءا من نسيجنا العاطفي والعائلي، وليست عبئا على فضاء البيت. فمكتباتنا أرشيف ذكرياتنا، فكل كتاب يحمل معه قصة، ويؤرخ لمناسبة. ومكتبتنا إحدى مكونات هويتنا الشخصية، وهي أرشيف ذاكرة وذكريات من أنشأها، لا يشعر بقوة حضورها إلا صاحبها. فمن خلال تشبع الكاتب بمناخات مكتبته، ومكوثه الكثير بين كتبه، تحدث صلة عاطفية حية بينه وبينها، وعند موته تكتئب مكتبته ولا تطيق الحياة بدونه، وتلتحق به لفرط صدمتها بفراقه، وقد يكون موتها انتحارا، أو اعتداء من الورثة الذين يتخلصون منها في أول مناسبة، ويبيعونها بثمن بخس دراهم معدودات، لينطفئ شيء كثير من نور البيت، ولكن أكثر الورثة لا يعقلون ولا يعلمون. لذلك نصح الرفاعي الكتّاب بتدبير أمور مكتباتهم قبل موتهم، بتوقيفها أو إهدائها، للجامعات والمؤسسات التعليمية ودور الشباب والخزانات البلدية، قبل أن تسقط في يد ورثة جشعين لا صلة لهم بالعلم والمعرفة ولا جليس لهم إلا الدينار والدرهم. وللرفاعي قصص طريفة مع مكتبته، فقد باع ستة آلاف كتاب منها للحاجة لتغطية مصاريف إصدار مجلة (قضايا إسلامية معاصرة، سنة1997)، وقد حكى لحظة خروج الكتب من بيته، وكيف ودعتها زوجته أم محمد، وهي تجهش بالبكاء، بل اكتأبت بسبب ذلك، وقد قالت عن تلك اللحظة: شعرت كأن روحي انتزعت مني، وهرولت بعيدا عسى أن أدرك المكتبة. كنت أقتر على نفسي بكل شيء غير أساسي، لفرط شغفي حد الهوس بالكتب، كنت أغفل فأقدم شراء الكتاب على تسوق الفاكهة لأولادي. (ص54).
وبرغم هذا الحدث المؤلم، أي الاضطرار إلى بيع المكتبة، وإلى أمثاله، فقد استمر الرفاعي وأهله في شراء الكتب، لتتكون مكتبة أخرى أضخم، فقد باع ستة آلاف، وضاعت منه 800كتاب عند إقامته في الكويت، لكن مكتبته وصلت اليوم إلى أكثر من 30000 كتاب. وكان الرفاعي واعيا بأزمة الكتاب اليوم في زمن الصورة ومواقع التواصل الاجتماعي، إذ لم تعد الحاجة للكتاب اليوم، كما نتصور، كما كانت من قبل. ولكن ظل الكتاب صديقه الأبدي الذي مكث معه بعد مغادرة أحبته وأصدقاءه إلى الدار الآخرة، أو هاجروا إلى بلاد بعيدة.
الكتابة عند الرفاعي مران متواصل، ابتدأ بالشعر ثم لما لم يتطاوعا افترقا بعنف بعد أن مزق ما نظمه من قصائد. وبقيت، برغم ذلك، روح الشعر ورهافة أحاسيس الشاعر، تظلل كتابات الرفاعي الفكرية والفلسفية، مما لا تخطئه عين المتتبع الحصيف لمتن الرفاعي وللغته. ويحكي الرفاعي أنه تعلم من الكتابة ما تعلمه من القراءة وأكثر. ويحكي عن فعل الكتابة أنه يتهيبه، ويتهرب منه، ويتذرع بمبررات شتى، ويحصل له وجع عند الرغبة في الكتابة. وكان ارنست همنغواي صريحا وقاسيا عندما سأله سائل كيف يتدرب من يريد أن يصبح كاتبا، فقال له: عليه أن يذهب ويشنق نفسه، ثم ينزل عن المشقة، ويفرض هو على نفسه أن يكتب على أفضل ما يستطيع للبقية من عمره. عندها ستكون لديه قصة شنقه كبداية. (ص67).
كتابة الرفاعي منهكة، كما يحكي، تعذبه وتنهكه، وقد تنقله إلى منطقة الخطر. تشكلت لغته بمشقة بعد تمارين متواصلة ومملة. ثم امتزجت بنمط تفكيره. وهي خلاصات مطالعاته من مراحله المبكرة الأولى ومازالت مستمرة. هي علامات على عواصفه الذهنية وتأملاته العقلية، وما ترسب في أعماقه من جراح محطات الحياة المتنوعة. لذلك فالكتابة عنده داء ودواء، يقلق قبل الكتابة، ويهدأ حين يفرغ منها، ويسكن عند النشر. النشر هو الذي ينقذه مما كتب، وإلا فهو ينشغل به ولا يغادره، ويعود إليه بضغط نفسي مالم ينشر، لانه يظل يحلم بكمال يعانده الاكتمال. كما ترهقه اللغة أكثر من الفكرة، لذلك يعيد التحرير أكثر من مرة. وهو ميال إلى الايجاز في التعبير، ويعتبر الكتابة فن الحذف والاختزال. ثم إن الكتابة عند الرفاعي ليست عملا بحثيا، وليست منهجا أكاديميا معقدا ومثقلا بالقيود، قيود الإحالة والتوثيق، وهي في المحصلة ليست عملا فرديا، إنها ممارسة تختزل، بنظر الرفاعي، سلسلة طويلة من قراءة كتب متنوعة، وكل ما تشبع به وتمثله وعي الكاتب، وترسب في لاوعيه. فالكاتب لا يتكون إلا بعد أن يقرأ كل شيء وينسى معظم ما قرأ. فالكتابة، عند الرفاعي، منجز مشترك، تنصهر فيه عناصر مختلفة لأعمال طالعها الكاتب فتولدت منها مادة مركبة تتكلم بلغته، وتعبر عن تمثله لها وتفاعلاته معها، ويتعرف عليها القارئ من صورته الصوتية(ص72). النص الذي يكتبه الكاتب هو طبقات من النصوص يرقد بعضها في أحشاء بعض. وفي كل نص تتكلم نصوص متنوعة تحيل إلى معجم الكاتب اللغوي وإلى مرجعياته وإلى رؤيته للعالم، وتتكشف فيه ثقافته، وما أنتجته قراءاته وتفكيره وتأملاته. في كل نص نستمع لألحان عدة وكأنها نغم واحد، أو ما سمّاه إدوارد سعيد بالقراءة الطباقية للنصوص. ويخلص الرفاعي لمعالجة التنوع والكثرة في الكتابة بالقول إن كل كاتب يكتب، في الحقيقة، كتابا أساسيا، واحدا، ما قبله تمارين وما بعده تنويعات. والكتابة، من منظور سيكولوجي عند الرفاعي، تمارين على وعي الحياة، عبر اكتشاف أسرار الذات، وما يخفيه الإنسان، والهروب من الهوس وصخب الحياة، والغطس في بحر السلام الداخلي للإنسان. لذلك يعتبر الرفاعي الكتابة علمته أكثر من القراءة، ولكنه يحب القراءة أكثر منها، لأن ألم الكتابة أشد على النفس وعلى دواخلها، برغم أنها تجربة وجودية تتحق أطوارها بأفقها وتجيب عن أسئلتها. ومادامت الكتابة ممارسة حالة وجودية فإن الرفاعي لا يتقيد بأية خطة في الكتابة، ولا يقيد طلابه في الماجستير والدكتوراه.
ويتحدث الرفاعي عن الكاتب الصادق، وهو الذي ترتسم سيرته الفكرية والأخلاقية في كتاباته، تختزل إيقاع صوته. ولا تتحقق الكتابة الصادقة إلا بيقظة الضمير الأخلاقي للكاتب، فالكتابة في إحدى مقاصدها هي امتحان للضمير الأخلاقي، وهي مسؤولية أخلاقية تجاه القراء. ولا مكان في هذا السياق الأخلاقي للكاتب المرتزق، والكاتب تحت الطلب، وكاتب السوق، يكتب لمن يدفع أكثر. والكتابة تجربة فريدة، نمارس بها اختلافنا، ولا وجود لكتابة مستنسخة، فكل كاتب عليه أن يشتق لغته وأسلوبه من تجربته الخاصة، وتجربة الكتابة لا تورث ولا توهب ولا تقلد. فالكتابة مطالعة مكثفة وتجربة خاصة مكثفة أيضا ومؤلمة كثيرا. والكتابة بلا قراءة عملية عبثية واجتراح لمستحيل.
حذّر الرفاعي من الكتابة عندما تتحول إلى سلطة وتمنح الشرعية لمن لا يستحقها، سواء باسم السماء أو باسم الأرض. وحذر من التهام الكتابات الأيديولوجية لأنها تقود إلى الاغتراب، وتحكم قبضتها على قراء دراويش في زنازن من الغضب والسخط والاكتئاب الوجودي. إن الكتابة الأيديولوجية تتقن ايقاد مشاعر المعذبين المستضعفين، لكنها تعذبهم في وجودهم وفي حياتهم، وتحرق دواخلهم.
يقدم كتاب الرفاعي: (مسرات القراءة ومخاض الكتابة) فرصة لكل كاتب أو عازم على الكتابة أو متردد متخوف منها، لاقتحام عالمها من خلال هذا الحكي والسرد والتذاكر والسجال، من خلال تجربة غنية ومؤلمة لكاتب لم يعرف إلا بالقراءة والكتابة، ومنذ صغره وهو يحترق بها وتحرقه، ولكنه يظل ممعنا وعنيدا بالغطس في نارها، بحثا عن قبس من روحه وموجوده، وبحثا عن أجوبة عن أسئتله المحرقة التي لاتنتهي.
***
د. محمد همام - كلية الآداب والعلوم الإنسانية
أكادير – المغرب / المزار الشريف
السبت2نونبر2024.

للكاتبة الأمريكية لورين غوتليب

تلقيتُ صباح يوم الأثنين 14-10-2024 رسالة مقتضبة من صديق مثقف متابع ثقافي جيد يقيم في أمريكا ، طالبا مني: بحلاوة لسان: {الأستاذ الكاتب الكريم راجيا قراءة المنجزالأدبي الجديد في مكتبات أمريكا " كتاب ربما عليك أن تكلم أحداً " للكاتبة والمعالجة النفسية الأمريكية (لورين غوتليب) ترجمة نادين نصرالله بيروت 2024، بأسلوبك الأدبي الشيق والممتع كما تعودنا على مطالعتها في مدوناتك السابقة وخاصة طريقة نقدك لرواية " الشيخ والبحر" لأرنست همنغواي بسيميائية فنية}.

الأشكالية أيها العزيز كيف أجد نسخة من الكتاب؟ فهو والمنشور حديثا وأنا في المملكة السويدية؟

نعم سوف أجدهُ – بعد جهيد مضني- حتما في المكتبات الكبيرة أو المتاجر الألكترونية وقد يكون متاحا بدور النشر في بيروت – ونحن نعيش مواسم الحروب والجنائز - أوعبرمواقع مهرجانات عرض الكتب على الأنترنيت وسوف ألجأ إلى النت بيد أني لاأضمن للمقالة بعضا من التراتيبية المنهجية الموضوعية الواقعية، وإن الكتاب يفرض نفسهُ حتما يكون حضورهُ خيرًمن غيابهِ.

من هي المؤلفة؟ وما هو منهجها الفكري في المعالجة النفسية؟

بصراحة شديدة عندما أطلعتُ على مقتطفات من الكتاب عبرالأنترنيت تشوقتُ جداً لقراءتهِ للنهاية، وجدتُ فيهِ أفكاراً عميقة وأنبعاثاتً جميلة بزخات رذاذ حلوة تداعب الروح بشفافية سيمياء عنوان المنجز الحداثوي " للورين غوتليب " عليك أن تكلم أحداً " فيها من القيم الروحية النبيلة المترعة بالأنسنة والروح الرياضية والفنية وثراء في الرأي وشفافية مرهفة في عرض صور ذهنية متعددة الجوانب، ولجرأة الكاتبة للكشف عن عقدة غريبة غير مسبوقة حين تسرد تجربتها كمعالجة نفسية تخضع (نفسها) للعلاج مع المريض في آنٍ واحد، وأعجبتُ بشجاعة أنثى أقتحامية بغوصها لأعماق الذات ا لبشرية وبدون واقيات أمان لأعتقادها إن الحوار والْمصارحة والمكاشفة بين المعالج والمريض وخصوصا كتمان وسرية الأضطرابات النفسية لتعلقها بالموازين الشخصية وحيثيات المستقبل، لذا لجأتْ المعالجة للكتابة السرية النقدية أشعرتنا إنها من مدرسة (نقد النقد) ببراعة وحنكة الكاتبة المعالجة الملتزمة ب(ثيمة) الأنسنة وهي تستنزف وقتها ومنافعها المادية في متابعة المريض أينما يرحل ويحل وبأصرار وجدية للوصول لخط النهاية

تجربة لورين الشخصية: 

-ولابد من عرض تجربة " لورين " أثناء العلاج إنها كانت تعاني من أزمة عاطفية بعد أنفصالها عن حبيبها مما دفعها عن البحث عن معالج نفسي يدعى (ويندل) الذي كان سببا في شفائها فوجدتْ حينها فرصة أن تخدم الأنسانية بأن تكون معالجة نفسية بالأضافة لكونها موظفة صحية وبنفس الوقت كاتبة بارعة.

- الكاتبة "لورين" وهي الأخرى تعاقر الخمرة بيد إنها ليست مدمنة مع هذا وذاك بدأت أرهاصاتها النفسية بمعافبة نفسها بالجلد الذاتي بتأنيبٍ قاسي مع شيءٍ من الخجل وخاصة عند موعد ألتقائها بالمريضة (شارلوت) ومشاهدتها وجاهة تشرذمها وعزلتها وكآبتها توصلت بالحال إلى العلاج الذي هو (المصالحة الشخصية مع الذات) أولا، ثم توسيع الدائرة الأيجابية السايكولوجية وبنفس الوقت تقليص الدائرة السلبية في التعاملات السوسيولوجية الأجتماعية بالأندماج الجماهيري الشعبي.

يوميات المرضى؟!

-جون: هو كاتب تلفزيوني ناجح بل مبهر بشكلهِ وهندامهِ وأناقتهِ ووسامتهِ، ولكنهُ يعاني من مشاكل في التعامل مع الآخرين، وبفطنة وحنكة وانتباه المعالجة لورين أكتشفتْ: بعبر ثلاثة جلسات علاجية إن جون شخصية متعجرفة تبدو عليه الفوقية بعامل غير أرادي جراء معاناتهِ من جروح نفسية عميقة لعهد الطفولة، وهنا يأتي الدور للمعالجة النفسية لورين التي تكتشف بأنها هي الأخرى تعاني من نفس هلوسة المريض ربما غرورها بمنصبها ومركزها الأجتماعي ورصانة كتاباتها، تقتنع بأنها لوثات شائعة وعادية يمكن الخلاص منها بالأندماج الأجتماعي الطوعي والحصول على (رضا النفس) وأحترام رأي الآخرين بالحوار السلمي.

- شارلوت: هي شابة جميلة ذات حيوية مفعمة بالتأمل الواعد لمستقبلها الجامعي بيد إنها تعاني ألأدمان على الكحول وبمراحلهِ الأولى، شاكية للمعالجة بأنها تعاني صعوبة بالغة في التعامل مع الآخرين بحصولها على علاقات صحية مرضية للجميع، من خلال العلاج تتعلم شارلوت كيفية التعامل مع مشاعرها أولا أي المصالحة مع الذات واللجوء إلى الطاقة الأيجابية والرياضة والأبتعاد عن أصدقاء السوء وتفهم ثقافة مساويء معاقرة الكحول، وحتى تحصل على نسبة عالية من الكاريزما في المقبولية الأجتماعية .

هيكلية الكتاب وحيثياته

يتألف الكتاب من عدة فصول في كل فصل تسرد حكاية مريض معين أو تجربة شخصية للكاتبة ويتنوع السرد في تناصها البحثي النثري الأدبي تظهر فيها التراجيدية المؤلمة أحياناً مؤثرة مبكية ومضحكة أحياناً وهنا تفرض الكاتبة الحذر والحذر بالحفاظ على ما ألتقطتهُ من حدث وحديث شخصي مخبأ في نقطة (الصفر) أعماق الذات الآدمية، ربما تحمل الحكاية من خجل البوح وفوبيا النشر، وهنا بيت القصد في الرواية بتبني المعالجة النفسية مسؤولية الكتمان بأنسنة مرهفة وجادة لكونها مصابة بنفس المطب النفسي بواقعية وليست أفتراضية.

أهمية الكتاب

- يؤكد الكتاب عن أهمية الحديث عن مشكلاتنا النفسية التي تتزايد بتقدم زمن العصرنة الرقمية الحداثُوية، بصخبها وأرهاصاتها ومتاهاتها، وهنا يجب توفر (الثقة) المتبادلة بين المريض والمعالج، والفضفضة عنها يعني تحرير المشاعر المكبوتة التي تتحول إلى تفهم المشكلة بمنظور صديق تأملي ومتعاون.

- الكتاب هو مزيج من المذكرات والعلاجات النفسية حيث يطرح الكتاب العديد من الأفكار العميقة حول الأنسان وعلاقاته مع الآخرين وأكتشاف أسرار مخزونة عمدا في الذات البشرية وهوالأنسان الذي وُصف عبر التأريخ بأنهُ الصندوق المغلق.

- يعدُ الكتاب من الكتب البارزة في مجال العلاج النفسي والنمو الشخصي، وهي تسير بسرديات حكايتها العلاجية في رحلة مشوقة خلف كواليس عالم العلاج النفسي أي خلف الكامرة الخفية لتنفرد في محاكاة الأسرار الخفية في أعماق الذات الآدمية المظلمة بتجارب واقعية حقيقية مرَتْ بها المعالجة مع مرضاها وبنفسها شخصياً.

- مصالحة مع الذات يؤكد الكتاب تفهم المعالجة النفسية في ظروف الزمكنة المتعلقة بصاحب العقدة النفسية وقبولها وما تخزن من صفات ربما تظهر (نسبية) وليس من الضرورة أن تكون (مطلقة) المهم هنا الرضا عن الذات ويتحقق التوافق عند مواجهة المخاوف والمشاعر السلبية.

- التغيير: يتحدث الكتاب بأن التغيير إلى الأفضل بمقبولية مهمة جداً والتي تبدأ أولا من كينونة الذات البشرية ُ ثم الأفصاح عنها بشخصهِ وبكامل قواه العقلية لكونها مشكلة عادية تحدث في كل مكان وزمان.

- يتحدث الكتاب عن أهمية تفهم مشاركة المعالج النفسي للمصاب بالمرض، وهذه الحقيقة أعتبرها الرافعة المركزية للسرد التناصي للكاتبة، وحينها يفتح المعالج تأملات واعدة بمستقبل مفعم بالرفاهية وخالي من الأحاسيس والمشاعر السوداوية بتقزيم ونحجيم المشكلة بأنها عادية تصيب أغلب الناس وحتى المعالج.

- تعزيز النمو الشخصي أي التطور الذاتي في تشجيع الكتاب من خلال مواجهة المشكلة والبحث عنها والتحدث بها أمام الجميع تساعد على بناء شخصية رصينة محصنة ترفض الوهمية في التشخيص تميل كليا للواقعية والحقيقية.

- والكتاب من النوع المفتوح الواعد بالتفاؤل بتحقيق كيان بشري قوي ذاتيا في تحقيق فرصة للنمو الشخصي والتغيير،

أخيراً: لا تغضب إذا أنفجر البالون في وجهك فأنت من نفخهُ وأعطاه أكبر من حجمهِ وكذلك بعض البشر (مارك توين).

***

عبد الجبار نوري - أبورفاه

كاتب وناقد أدب عراقي مغترب

في نوفمبر – تشرين ثاني 2024

الكاتب والباحث الاجتماعي الدكتور علي الوردي كان مثيراً للجدل والإثارة التي تتعايش معها الأجيال تحت طاولة البحث والنقد، وما استجد من ادوات ومناهج علمية مبتكرة في تقييم الأفكار وخاصة أفكار الوردي رحمه الله، سيما أفكار المتابعين المتعددة الفهم.

صدر عن دار لندن للطباعة والنشر عام 2023م الطبعة الثانية للكاتب والباحث صادق جعفر الروازق، كتابه الموسوم (علي الوردي... مقاربات إصلاحية في فهم الدين والذات)، والكتاب من القطع الوزيري الذي احتوى على (292) صفحة، وزين الغلاف بصورة الراحل الوردي.

كُسرَ الكتاب إلى مقدمة للطبعة الأولى والثانية وثلاثة عشر موضوعاً وخاتمة، وقراءات حول الطبعة الأولى من قبل الكُتّاب منهم: (الأديب قاسم شاتي، د. صلاح كاظم جابر، الشيخ عيسى الخاقاني، د. عدنان يوسف، الناقد ثامر أمين).

تناول الروازق في كتابه موضوع (الوردي في دائرة التعريف)، في ص15 تناول سيرته الذاتية والجامعية ونشأته وكتاباته في عقد الثلاثينيات أديباً مثابراً، ثم تخصصه في علم الاجتماع واصداره أول مؤلف عام 1951م تحت عنوان (شخصية الفرد العراقي)، ومن ثم كتابه (خوارق اللاشعور)، و(وعاظ السلاطين)، و(مهزلة العقل البشري)، و(اسطورة الأدب الرفيق)، و(الأحلام بين العلم والعقيدة)، و(منطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته)، و(دراسة في طبيعة المجتمع العراقي)، و(لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) بأجزائه الستة.

ويذكر الكاتب في ص16 من الكتاب؛ ما اشار إليه الوردي من اشتغالاته بكتاب تحت عنوان (تاريخ الصراع الطائفي في العراق)، وكتاب آخر (حول طبيعة البشر)، والأخير كان وفق وصف الوردي أنه كتاب العمر الذي وضع فيه حصيلة دراساته وتجاربه. كما أن هناك عنوان مشروع لكتاب الوردي (الحقيقة الضائعة في الإسلام)، يتحدث فيه عن موضوع الخلافة وخلافة الإمام علي خاصةً. إلا أن جميع تلك المؤلفات الثلاثة الأخيرة؛ لم ترَ النور.

في هذا السياق، سنحاول استعرض نظرية الإصلاح الاجتماعي عند عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، باعتباره مفكراً كبيراً ومصلحا متميزاً في الدراسات السوسيولوجية ذات الطابع النقدي، وبالأخص فيما يتعلق بحركة الإصلاح الاجتماعي حول المجتمعات العربية والإسلامية لمعرفة أسباب التخلف والجمود فيها وسُبل الخروج من هذه الحلقة المفرغة.

وقد عرفت مؤلفات الوردي بنقدها الصارخ للفكر الديني وبعض رجالات وعاظ السلاطين، فضلاً عن نقده للعادات والتقاليد الشعبية السائدة والمعروفة في المجتمع العراقي، فكان المعروف عنه وفق ما طرحه الاستاذ الروازق في ص17 إن الوردي في جميع كتاباته، كتابات (مقنعة وترضي كل شرائح المجتمع العراقي... لا سيما نقده الصارخ لأشياء لم يكن نقدها مألوفاً، تكاد تكون بمنزلة الثابت المقدس من قبيل بعض أدبيات الفكر الديني وبعض رجالاته من وعاظ السلاطين).

ومن السمات التي تميزت بها طروحات الدكتور الوردي، يطرح الكاتب الروازق في ص19 وما بعدها خمسة عشر سمة يتمتع بها الوردي منه: (التواضع، الجدلية، الديمقراطية، الوطنية العراقية، تبنيه للتيار الليبرالي، تحديده معالم اعمدة الشخصية العراقية، إيمانه بالموروث الفكري، اعتماده في كتاباته على المصادر التاريخية، نقده للعلل الاجتماعية، اسلوبه الحكواتي في الكتابة، حواره المؤدب ونقده الشجاع، لم يعرف تحامله على الدين، يرى الوردي صعوبة تحرير الدين من الفكر العشائري، لم يكن سياسياً، وأخيراً تمسكه بالقيم الأخلاقية).479 ali alwardy

كما يطالعنا الكاتب في ص22 إلى مصادر مؤلفات الوردي مشيراً إلى (الكتب والمقالات والبحوث والنشرات، ملاحظاته الشخصية)، ثم يدرج الكاتب أهم اعمال من كتب عن الراحل الوردي، وقد تجاوز عددهم الـ(19) كاتباً وباحثاً.

أما الموضوع الآخر من الكتاب فقد تطرق حول موضوع ازدواجية الشخصية في الفرد العراقي، في ص27، سلط الضوء، قائلاً: (حقيقة هذه الظاهرة تكمن في القراءة الخاطئة من خلط المفاهيم، فالدكتور الوردي ومن خلال ادواته البحثية في علم الاجتماع استطاع أن يوضح هذا الخلط من خلال حالة التمييز بين ازدواج الشخصية كمرض وبين ازدواج الشخصية كظاهرة اجتماعية تحصل في اغلب المجتمعات، وحتى المجتمعات الراقية منها).

فالأزدواج يعتبر من الناحية النفسية مرضاً نادراً يعتري بعض الأفراد من جراء عوامل وظروف خاصة بهم. أما ازدواج الشخصية وفق منظور علم الاجتماع فهي لم تكن مرضاً نفسياً وإنما ظاهرة اجتماعية بسبب ثنائية الصراع بين القيّم والصراع الثقافي، لذلك نجد الفرد العراقي من خلال حياته اليومية متقمصاً لشخصيتين مختلفتين.

ويعقب الكاتب في ص34 حول ما تركه الوردي من نظريات وآراء، قائلاً: (العجيب الغريب المحبب في نفس الوقت، أن يترك الوردي نتائج نظرياته وآرائه بأعلى درجات الصراحة والصدق، ولن يأخذ اعتبارات الرد والنقدية لرجال الدين وطبيعة قيم المجتمع العراقي، ولم يخشَ من غضب عوام الناس).

كما طرح الكاتب في ص35 موضوع الدوافع القهرية في الإنسان وفق توجهات الوردي وفق وجه المقارنة بين فرد وآخر، وهي (الحسد، الوسوسة، المشاكسة، دوافع السرقة، دوافع المماطلة، دوافع الحرص، دوافع الإيذاء، دافع الاستهزاء، دافع الكذب، دافع الاغتياب، دافع الكلام، دافع الخصام، دافع العصبية)، وهناك دوافع قهرية أخرى لا يستحسن ذكرها لارتباطها بالجنس. ولا ننسى الأمراض التي اصابت الفرد العراقي من عقدة النقص والجدال البيزنطي والتفرد.

ويعتبر الوردي أحد الكُتّاب الذي كان لهُ موقف من معالجة ازدواج الشخصية العراقية المتأصلة جذورها بسبب التمسك بالمثل العليا وصراعها مع القيم الاجتماعية والدينية والعشائرية، فقد برزت بعض الظواهر الاجتماعية في الفرد العراقي في عهد الدكتاتورية البعثية؛ بين النفاق والوشاية، وهذا بسبب اساليب الترهيب والترغيب الاجباري وقسوة الحروب وأزمنة الحصار. وقد طرح الكاتب في كتابه، من أن الوردي فاته (أن يدرس ظاهرة الغلو عند الفرق الإسلامية، ومدى ارتباطها بظاهرة ازدواج الشخصية عند الفرد العراقي).

أما حول موقف الوردي من موضوع الخلافة، ففي ص55 يطرح الكاتب حول موضوع الخلافة وخطورتها في المجتمع العراقي تاريخياً وحاضراً ومستقبلاً؛ وفق آراء الوردي في كتبه المتعددة. ويقف الوردي كثيراً من طبيعة النزاع التاريخي بين اصحاب علي واصحاب عمر، وحول ذلك يتساءل (ما هو السبب الذي جعل "علي وعمر" متباعدين بعد موتهما، بينما كانا في حياتهما متقاربين تقارباً واضحاً)، ومن يرغب في التوسع في هذا الموضوع مراجعة كتاب الوردي (مهزلة العقل البشري ص200 وما بعدها). فضلاً عن أن الكثير من الكُتّاب يعتقد إن الإمام علي (ع) لم يكن له ميل كبير لاستلام منصب الخلافة بعد وفاة الرسول (ص)، ومنهم: ابن أبي الحديد في كتاب شرح نهج البلاغة، ج6، ص11-13، والسيد أحمد القبانجي في كتابه (خلافة الإمام على بالنص أم النصب)، أما الشيخ محمد مهدي شمس الدين فيطرح رأيه الاستاذ الروازق وفق ما جاء في مؤتمر الوحدة الإسلامية في لندن، وقد نشرته مجلة الموسم في عددها السابع – المجلد الثاني لعام 1990: (إن الإمامة ليست بالضرورة قيادة سياسية، وإنها بالدرجة الأولى إمامة تشريع وليست حكومة كما استقر مؤخراً في الوعي الشيعي العام، هو أيضاً ممن يقولون بولاية الأمة، إلى غير ذلك من الآراء المهمة والمثيرة للجدل).

أما ما طرحه الوردي كما ورد في ص59 من كتاب الروازق (يقول الوردي: كان علي (ع) يرى أنه أولى بها من غيره، بينما كان عمر يريد الخلافة لأبي بكر يتولاها من بعده... إن هذا الأمر طبيعي لا داعي للعجب منه، فمن حق كل إنسان أن يطمح إلى الرئاسة إذا وجد في نفسه الكفاءة لها، وعلى هذا قام نظام الديمقراطية أو نظام الشورى كما سماه الإسلام)، ومن يرغب بالتوسع والاطلاع مراجعة كتاب الوردي (مهزلة العقل البشري ص200).

لذلك نجد الوردي يأسف على وعاظ السلاطين الذين يأخذون من الدين ظاهرة بعيداً عن الغور في مبادئه ومضامينه، فيفضلون خليفة على آخر. ويؤكد الروازق في ص73 من الكتاب قائلاً: (مما يؤسف له ونحن بصدد بيان منهج علي ودفاعه عن الشيخين صدور مؤلفات عديدة لمؤلفين بعضهم ممن شهد لهم الوسط الشيعي بشيء من العلمية والباع في التحقيق، ورسمت مساراً خلاف منهج أمير المؤمنين تضمنت الكثير من سب وشتم الصحابة).

لذلك نجد الدكتور الوردي قد درس موضوع الخلافة وما ترتب عليها من صراع وتنازع وخلاف بين فقهاء وعلماء الفرق الإسلامية، وكانت الدراسة وفق ادواته البحثية وما يتطلبه منهج علم الاجتماع. ويطرح الروازق رأيه حول الأحتراب والمحاصصة الطائفية في ص79 من الكتاب، قائلاً: (لا شك أن عملية المحاصصة الطائفية هي عملية احتراب يبدأ بها من جنس آخر. وما أحرى بعلماء الطائفتين التحلي بالشجاعة الرافضة لهذه الفرقة وهذا التمزق التاريخي الذي نخر جسد الأمة الإسلامية وجعلها أمة خاوية لا تفقه إلا مسائل الخلاف والتفاضل بين هذا الخليفة وذاك مع ما عندها من ثقافة السب واللعن والإلغاء).

ثم يطرح الكاتب في كتابه عن الديمقراطية والاستبداد في الإسلام ورأي الدكتور الوردي فيها، والتشريع الإسلامي ورأيه في الارتداد وحكم المرتد وفق مفاهيم مشاهير المفكرين امثال: السيد محمد باقر الصدر والسيد ابو القاسم الخوئي والزمخشري والسيد قطب والسيد محمد حسين الطباطبائي والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين والدكتور عبد الكريم سروش.

لا ننسى أن طبيعة الإنسان قد يمر بمراحل فكرية وعقائدية عديدة وفق الظروف الموضوعية والاجتماعية والاقتصادية التي يكون لها أثر كبير في تغير معتقده، فمن الصعوبة أن تحكم على الإنسان بجريرة ما أقدم عليه، لكن قد تتغير افكاره وسلوكه وفق اطلاعه على افكار وعقائد الآخرين.

إلا أننا نجد الدكتور الوردي أحد المتتبعين والمنصف للاصلاح الاجتماعي ودعوته إلى العدالة الاجتماعية في كتاباته مع ما طرحته النظرية الماركسية لا كما يطمح له الشيوعيون. والدين لدى الوردي هو ثورة العدالة الاجتماعية ورمز هذه الثورة الامام علي بن أبي طالب وصاحبيه أبي ذر وعمار بن ياسر، والدين الإسلامي يختلف عن دين الشعائر والطقوس، فهو دين العدل والمساواة وتقليص الفوارق الطبقية.

ولهذا لم يكن للوردي موقف سلبي من الدين كما يعتقد البعض، لكن الدين وفق مفهومه وظيفة التغيير النابعة من الإسلام نفسه، حيث هدفه الأسمى الإنسان. ويرى الروازق حول معتقد الوردي في موضوعات الدين كما ورد في ص178، قائلاً: (يعتقد الوردي أن بعض موضوعات الدين ما يجب أن تكون ذات حركة واسعة في المجتمع، والأدق أن في بعضها ما يدفع إلى تعبئة الأمة نحو تغيير واقعها سواء كان عن طريق الثورة أم عن طريق المطالبة السياسية).

أما موضوعة (المرأة في القراءات الإسلامية) فيرى الروازق حول موقف الوردي في هذا الموضوع كما ذكر في ص187، قائلاً: (وما دفاعات الوردي عن المرأة وبعض شطحاته بهذا الخصوص فهي مثلما جاءت أشبه بردود فعل قوية للقراءات والتفسيرات التي اوردها علماء المسلمين).

أما موضوعة الشعائر والطقوس التي وصفها الوردي في دائرة النقد، يذكر الكاتب الروازق في ص209 حول ذلك ما يلي: (الدكتور الوردي يرى في ممارسة بعض الشعائر، دخول الخرافة والأساطير في الدين الإسلامي، وكما عرف عن الوردي أنه ينظر إلى الدين كوسيلة للتحرر من الانعتاق والعبودية. وينظر له على أنه ثورة على كل ما ينافي الإنسانية، والذوق الإنساني وفق ما يتقبله العقل). ويعتمد الروازق على طروحات الوردي وفق مؤلفاته واهمها مهزلة العقل البشري.

أما موضوعة (الغلو عند المذاهب)، فقد اتفق معظم علماء الشيعة على الوقوف ضد الغلو والغلاة ومنهم: الشيخ الصدوق والشيخ المفيد والشيخ محمد الخالصي والدكتور كامل مصطفى الشيبي والدكتور أحمد الوائلي، ويذكر الروازق في كتابه ص229 رأي الدكتور الوردي، معلقاً على كلمات الشيخ محمد جواد مغنية في رد الأخير على الدكتور طه حسين (وإذا كان مذهب التشيع يقوم على اساس الثورة على الظلم والاستبداد فهل نحن شيعة حقاً! وهل نحب علياً وبنيه!)، وكان يطلق الوردي على هذا الرد قائلاً: (إن هذه كلمة رائعة حقاً، يجدر أن توضع في بيت كل مسلم يدعي حب علي بن أبي طالب أو التشيع له). ثم يطرح الكاتب في كتابه ص235 حول الشعر الجاهلي وثورة طه حسين.

ومن خلال هذا الموجز للكتاب نجد الكاتب والباحث الأستاذ صادق جعفر الروازق قد سلط الضوء على مواقف وأفكار الدكتور علي الوردي في مجال الدين والذات وفق قراءة تنويرية لأفكار وآراء الراحل الوردي رحمه الله.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

ميزوبوتاميا... بلادُ ما بين النهرين، أرضُ الرافدين، الماضي العريق والحاضر الملتبس..  هي التي تنسب إليها كل الأشياء، وكل شيء فيها اليوم بحاجة إلى إثبات النسب..

وهي:

"وطن مدَّ على الأفق جناحًا 

 وارتدى مجد الحضارات وشاحًا"

كما وصفها شفيق الكمالي في لحظة تجلٍ وليس في ساعة رثاثةٍ.. تلك التي خاطب فيها صدام قائلًا: لولاكَ ما كان العراقيون معدودين في جنس البشر...!

فالشعراء مثلما الملوك يوم سعد ويوم نحس، لهم أيضًا ساعات سموٍ وساعات رثاثة.

أسماها الإغريق في سالف الأزمان ميزوبوتاميا؛ نسبة إلى وجود نهري دجلة والفرات، لكن الإعجاز ليس في هذا، فوجود الأنهار محض صدفة تنحتها منابع المياه في تضاريس الأرض، وأيضًا ليس الإعجاز في نزول الأنانوكي[1] المزعوم من كويكبات الفضاء البعيدة، فتلك أمور صنعها مخيّال بعض المُحْدَثين ليس إلا، لكن الإعجاز كل الإعجاز في منجزات شعب ميزوبوتاميا العظيم، والتي لم تأتِ إلينا عبر الحكايات والأساطير والتخاريف وروايات "كان أبي", بل من خلال ما خلّفوه لنا من آثار شاخصة، ورُقم طينية، ومسلات حجرية دوّنت عليها العديد من النصوص، إلى جانب مختلف المخلفات الأثرية من منحوتات ورسوم على الفخاريات وأدوات العمل والزينة التي تمّ العثور عليها في ربوع أرض الرافدين الفسيحة وبين شطآنه الفارهة، وتمّ نقل أغلبها للخارج لتفتخر بها اليوم كبريات المتاحف في العالم المعاصر، وهي أدلة يقينية لا يرقى إليها الشك، فقد رأيناها بالعين المجردة، ولمسناها بأصابعنا العارية، وقرأناها مترجمة من قبل طه باقر، وبهنام أبو الصّوف، وعلماء أجانب، ومن خلالها بتنا والعالم المتمدن على يقينٍ بأنَّ الأسلاف من شعب ميزوبوتاميا العظيم هم الذين فتحوا المغاليق كلها للبشرية كلها:

- فَهُم أول مَن أنف حياة الصيد، وجَمْع الطعام كالبهائم منذ مطلع الألف العاشر قبل الميلاد بإقامة التّجمعات السّكانية، التي أفضت إلى قيام المدن التي تشكل أهم إنجازاتهم، فلم تكن هذه الفكرة الشائعة اليوم موجودة قبلهم.

- وأيضًا، هُم أول مَن اخترع العجلة عام 3200 قبل الميلاد.

- واستخدموا الأختام الأسطوانية في كيش، وغيرها من حواضرهم.

- وهُم مَن أوجد أول كتابة عرفتها البشرية قبل عام 3000 ق.م، والتي تعرف بالكتابة المسمارية بلغة اليوم.

-وفي ميزوبوتاميا أُقيمت أول مدرسة في تاريخ البشرية لتنتشر المدارس لاحقًا في مدنها وقصباتها.

- ولم يكن التعليم مقتصرًا على الذكور؛ بل شمل الإناث كذلك.

- وفيها اخترعوا الأدب، وخُطت ملحمة كَلكَامش الشهيرة التي كُتبت نحو 2150-1400 ق.م؛ لتحكي قصة رحلته في البحث عن معنى الحياة مجابهًا الموت المحتوم.

- وفي أوروك بالذات، كانت أول حانة لبيع البيرة بعد أنْ اكتشفوا صناعتها وسموها شراب الآلهة، وجعلوا من الآلهة نينكاسي مسؤولة عن عملية التخمير.

- ومن أور انتشرت الموسيقى والعزف والغناء لتعم بطاح ميزوبوتاميا.

-وفي مجال التشريعات القانونية كانت شريعة لِبْت عشتار أو قانون مملكة أشنونة، وشريعة أوركاجينا، وشريعة أورنمو، وأخيرًا شريعة حمورابي الشهيرة والذائعة الصيت في كل أنحاء العالم اليوم، والتي شكّلت الأساس لشريعة موسى التي استقت منها نصوصها الميّالة للقسوة ومنهج العين بالعين والسن بالسن.

- ومن ميزوبوتاميا نشأت أول إمبراطورية متعددة الأعراق في التاريخ البشري، وهي الإمبراطورية الآكدية التي أسسها سرجون الآكدي "نحو 2334 -2279 ق.م"، والتي امتدت من الخليج العربي حتى جزيرة قبرص، وقد حافظ سرجون على سلامة إمبراطوريته بتعيينه الموظفين المؤتمنين والموظفات المؤتمنات "النزيهين بلغة اليوم"، والذين جاء ذكرهم تحت تسمية "مواطنو آكد" في النصوص البابلية اللاحقة.

وفي ميزوبوتاميا بالذات، بدأت كل الأشياء، ففيها: أول سلطة تشريعية بمجلسين؛ شيوخ وعموم، وأول سابقة قانونية، وأول دستور للأدوية (أقرباذين)، وأول تقويم للفلاح (روزنامة زراعية)، وأول رمزية جنسية، وأول أُمٍّ محزونة، وأول تهويدة للأطفال، وأول مرثية، وأول أغنية حُب، وأول فهرس للمكتبات، وأول نظرية في نشأة الكون، وأول مُثُل عُليا أخلاقية، وأول أقوال وأمثال... وأول.. وأول.. وأول..

لكن منجزات شعب ميزوبوتاميا بوصفها ممارسات بشرية لا تخلو من عيوب أيضًا إذا حاكمناها وفق اشتراطات زماننا وليس زمانهم، وعلى وجه الخصوص في قضيتين اثنتين:

الأولى: أنَّ شريعة حمورابي اعتمدت الطبقية في إيقاعها للعقوبات، فرغم أنَّ قوانين حمورابي قد اتّخذت من قاعدة العين بالعين والسن بالسن نقطة ارتكاز في بنائها، لكنها في الوقت نفسه ميّزت بين الناس في العقوبة تبعًا لهوية الخارق للقانون، وهوية الضحية، فقد نصّت على أنه إذا كسر رجل من طبقة أعلى أسنان رجل من طبقة أدنى تكون العقوبة غرامة فقط، وليس كسر أسنان الفاعل، كما أنَّ الرجل إذا قتل امرأة أَمَه يعاقب بالغرامة المالية، أما لو قتل امرأة حرة تُقتل ابنته كعقاب.

الثانية: أنهم كانوا مجتمعًا ذكوريًا حتى أنَّ إحدى مواد شريعة أوركاجينا نصّت على الآتي: "إذا تكلّمت المرأة إلى رجل من غير احترام، فإنَّ فم تلك المرأة يُسحق بآجرة مفخورة، وتُعرض الآجرةِ المفخورة عند باب المدينة[2]...".

ويقول المثل السومري: "الزوجة المبذرة التي تعيش في بيت هي أسوأ من جميع الأشرار"[3]، وأيضًا كانت المرأة عندهم أَمَة تُعامل كسلعةٍ تجارية، يُمكن بيعها وشراؤها وإيجارها واستئجارها ومقايضتها ورهنها، وحتى وراثتها وإهدائها، ولم يكن لها شخصية تُعرف بها؛ بل كان السومري عندما يريد ذكر عددهن يقول: "5 أو 10 رأس أنثى"، كما لو كنَّ من الماشية والأغنام[4].

المصافحة بالأيدي واختراع الخازوق...!

أمران متناقضان حقًا.. لكنهما في غاية الابتكار والصّنعة، فسكان ميزوبوتاميا الأصليين هم أول مَن اخترع المصافحة بالأيدي في تاريخ البشرية، لتنتشر لاحقًا في معظم دول العالم المتمدن خلافًا لشعوب أخرى في المنطقة والعالم من بينها:

دولة الإمارات، ومعظم دول الخليج العربي، فمصافحتهم تسمى "قُبلة الأنف"، وتكون بحك أرنبة الأنف بنظيرتها عند الآخر، وكلما استمرّ احتكاك أرانب الأنوف ببعضها أكثر كلّما كان التعبير عن المودة أكثر.. أما عن أهل التبت وما حولها، فإنَّ التّحية عندهم تكون بإخراج الشخص لسانه فيرد عليه الآخر بالمثل، في حين أنَّ التّحية في بعض مناطق الهند تكون بقيام الشخص بشد أذن الآخر، وكلّما كان الشّد قويًا كان ذلك تعبيرًا عن المودة والحفاوة بشكل أكثر عمقًا.. وفي جبال الهملايا، فإنَّ التّحية عند الناس تكون بأنْ يحك كل منهما ظهره بظهر الآخر.. أما إذا تقابل صديقان بعد طول غياب عن بعضهما في بعض مناطق الهند فإنهما يتبادلان التّحية بأنْ يقبض كل منهما على لحية الآخر، وكلّما كان الشد أقوى كان ذلك أعمق تعبيرًا عن الود والتقدير..

إلّا في ميزوبوتاميا العريقة المتحضرة، فإنَّ تحيتهم المصافحة بالأيدي، وكما يظهر من رُقيم آثاري يظهر فيه الملك الآشوري شلمنصر الثالث يصافح الملك البابلي مردوخ زاكير في القرن التاسع ق.م بالأيدي، ومنذ ذلك اللقاء فقد باتت المصافحة بالأيدي هي الطريقة المعتادة عندهم لتنتشر على جهات العالم الأربع، وهي اليوم التّحية الرّسمية عند مختلف شعوب الأرض..

ولكن ليت الأمر قد توقف عند هذا، فأجدادك أيُّها الميسوبوتامي العريق قد سبقوا الجميع أيضًا في ابتكار الخازوق..! وليس كما يدعي الأتراك بأنه اختراع لهم وصدّعوا رؤوسنا منذ عقود بأنَّ الخازوق ابتكار عثماني تركي ..!، فقد ظهر في الصّورة الجدارية التي تعود لتلك الحقبة الملك سنحاريب الآشوري، وهو يخوزق أسرى (يهود) من لخيش 701 قبل الميلاد، وذلك عندما تمرّد اليهود على الإمبراطورية الآشورية العظمى.

ووفقًا لبعض التّرجمات، فقد جاءت لفظة خـازوق تحديدًا في الفقرة 152 من قانون حمورابي، حيث نصّت على أنْ لو تسببت امرأة في مقتل زوجها بسبب رجل آخر تُوضع على الخازوق[5].

وتنص المواد في قوانين حمورابي من الرقم 153 – 158، على جملة احتمالات لعقوبة القاتل، والعلاقات الجنسية بين الأب وابنته، والحمو وكنته، والأم وابنها المتبنى، ومن هذه العقوبات النفي والإعدام غرقًا أو حرقًا أو الموت على الخـازوق أو غرامات مالية أيضًا[6].

وقد باتت اليوم مفردة خازوق كلمة شائعة الاستعمال في جميع أنحاء الوطن العربي، فيقال: إنَّ فلانًا "أكل خازوق أو تخوزق"، إذا أصابته مصيبة من جرّاء أفعال النصب والاحتيال، أو إذا سلّم أمره لغيره فوقع في بئر مظلم لا قرار له جرّاء الغفلة والتخلف.

وقبل أنْ أمضي قدمًا، فإنَّه من المستحسن أنْ أصف لكم الخازوق، فهو: عمود أو عصى طويلة يدخلونها من شرج الشخص لتخرج من كتفه من دون أنْ تتلف أعضاءه الأساسية، خصوصًا القلب أو الكبد؛ كي يبقى يعاني لأطول فترة ممكنة، وجرت العادة أنْ يكافئ الجلاد الحاذق على تمكنه من إدامة تعذيب المخوزق/المخوزقين لفترة طويلة، وقد يعاقب عند فشله في تحقيق هذه الغاية.

ولكن أوسع عملية تخوزق أو خوزقة جماعية بالتاريخ هي التي حصلت لكم أنتم أبناء ميزوبوتاميا في زمانكم هذا وفي مكانكم هذا.. ربما لأنَّ أصحاب الابتكار أولى به وبمخرجاته من غيرهم، فقد أعدَّ لكم حكامكم خوازيقَ لا قِبل لكم فيها، أتت على أموالكم فباتت يبابًا، وعلى الضروع فباتت يبوسًا، وعلى ثقافتكم فاستحالت طلاسم، وعلى حاضركم فبات كوميديا مدافةً في تراجيديا، وعلى مستقبلكم فأضحى على كفِ عفريت هائج.

فقد أعدَّ لكم حكامكم خوازيقَ: الفساد والمحاصصة والمكوناتية، الفوضى والتبعية وفشل الأداء، المحسوبية والمنسوبية والحزبوية والعشائرية والمناطقية.. وبتُّم مقيمون دائميون على أجيال من الخوازيق، تتجدد أجيالها بالسرعة اللازمة نفسها لتجدد أجهزة الهاتف النقال، منذ عشرين عامًا ونيّف، وبالتراكم ومن جرّاء تمسككم بالقول الذي اصطنعتموه لأنفسكم واتخذتموه شعارًا ترفعونه بوجه كل مَن حاول النهوض من على خازوقه: "لا حياة لمن تنادي..."، بات كل شيء في ربوع ميزوبوتاميا العليلة بحاجة إلى إثبات النسب..!

الوطنية ودولة المواطنة والولاء، النزاهة والثقافة ومنظومة القيم الأخلاقية، اليوم الوطني والعلم الوطني والنشيد الوطني، الدولة والدستور والمال العام، الجيش والسيادة والدبلوماسية، نظام الحكم والوظيفة الحكومية والقانون، الفيدرالية والكونفدرالية وغير المرتبطة بإقليم، التعليم وسانت ليغو وصناديق الانتخابات، المعتقدات والإعلام والتعليم العالي، أنت وأنا وهو وأنتم وأنتنّ.. كل شيء في ميزوبوتاميانا المغلوبة على أمرها، بات اليوم يلزمه إثبات نسب..!

هذا وغيره هو ما يسعى هذا الكتاب لبحثة واستجلاء أمره لبلوغ غايته في تحريك الماء الراكد في البركة الآسنة، وإثارة السؤال الوجودي والأخلاقي الكبير:

أين كنّا وكيف أمسينا..؟ معذرة ميزوبوتاميا..!

***

د. موسى فرج

مقدمة كتاب تحت الطبع

.........................

[1] تعني السلالة الملكية أو الدم الملكي نسبة الى آنو رب الآلهة، وهم مجموعة من الآلهة ظهرت في الأساطير السومرية والأكدية والآشورية والبالبلية، ورد ذكرهم في  نشر عنهم الكثير في كتابات معاصرة مثل نظريات ديفيد أيك على انهم كائنات غير بشرية جاؤوا من الفضاء وبالتحديد من كوكب اسمه نيبيرو.

2. لدى افتتاحه مطار الناصرية قال وزير النقل العراقي كاظم فنجان الحمامي إن أول مطار في التاريخ أنشئ قبل خمسة آلاف عام قبل الميلاد، وإن مركبات فضائية كانت تقلع منه وأضاف الحمامي في مؤتمر صحفي أن المطار أنشأه السومريون، وتحدث عن مركبات فضائية سومرية كانت تقلع من المطار باتجاه كواكب أخرى، الجزيرة الفضائية 1/ 10/ 2016

3. استند بعض اصحاب تلك النظريات من الأجانب في اعتبار الأنانوكي مخلوقات فضائية الى أطوالهم المبالغ فيها قياساً بأطوال قامات معاصريهم التي تظهر في المنحوتات التي عثر عليها ولكن فاتهم إن من صنع تلك المنحوتات استند في عمله لما يقال وينقل وليس الى ما رآه بنفسه فتلقفها منه وزير ميزوبوتاميا في العصر الراهن.

[2] دور المرأة وحقوقها في بلاد الرافدين، د. لمياء محمد علي كاظم جامعة المثنى – كلية التربية للعلوم الإنسانية  2021

[4] دور المرأة وحقوقها في بلاد الرافدين، د. لمياء محمد علي كاظم جامعة المثنى – كلية التربية للعلوم الإنسانية  2021[5]

شريعة حمورابي واصل التشريع في الشرق القديم / مجموعة من المؤلفين / ترجمة أسامة سراس ص116 / دار علاء الدين دمشق 1993،المصدر : الخازوق عبر التاريخ طريف

[6] حمورابي البابلي وعصره / د هورست كلينكل ترجمة محمد وحيد خياطة ص 225 / طـ دار المنارة للدراسات والترجمة والنشر سوريا 1990.

 

عنوان الكتاب: فوكو في السينما بالنسخة الإنجليزية -  Foucault at the movies .. وميشيل فوكو يذهب إلى السينما -  Michel Foucault va au Cinéma في النسخة الفرنسية.

أما أنا فسأعطيه عنوان فوكو والسينما:  Foucault et le cinéma - Michel Foucault va au Cinéma

باتريس مانيجلير - Patrice Maniglier

دورك زبونيان - Dork Zabunyan

مقدمة المترجم

   ميشيل فوكو وجيل دولوز يذهبان إلى السينما

دراستان حول علاقة مفكري القرن العشرين بالفن السابع. النظرية النقدية للحدث التاريخي لأحدهما، فك التشفير المفاهيمي للصور للآخر. يذهب فوكو إلى السينما، بقلم باتريس مانيلييه ودورك زابونيان، إصدار بايارد، 2011، 170 صفحة، دولوز في السينما لسيرج كاردينال. مطابع جامعة لافال في كيبيك، 2011، 236 صفحة.

الفلسفة، بحسب جورج كانغويلهم، هي نشاط العقل الذي يتغذى على كل ما هو غريب عنه. نريد أن نضيف: بشرط ألا تفقد المعنى بالمفهوم أبدًا. كيف إذن لا نشك في الموضة الحديثة التي، تحت عنوان ضبابي إلى حد ما "الفلسفة السينمائية"، تدعي توضيح القضايا النظرية بمساعدة الصور التي ترقى لهذه المناسبة إلى مرتبة الفلاسفة الجاهزين؟ للعمل؟ من المؤكد أن الفن السينمائي، في المرتبة السابعة على اسمه، يستحق مصيرًا أفضل من مخزون الأفكار المفعمة بالحيوية للمستمعين والمتفرجين المتلهفين للقراءة.

في هذه اللعبة الصغيرة في الوقت الحاضر، لم نكن لنقتصر على فلاسفة مثل ميشيل فوكو وجيل دولوز. تحليل دراستان حديثتان عن فيلسوفين معاصرين وعلاقتهما الفريدة بالسينما. الأول ليس بالمعنى الدقيق للكلمة معروفًا بارتباطه بفن لم يكرس له أي عمل. على الأكثر، لدينا بعض النصوص والمقابلات التي أجراها فوكو حول أفلام تتعلق بعمله كفيلسوف ومؤرخ. يقدم باتريس مانيلييه ودورك زابونيان عينة تتراوح من بيير ريفيير إلى مارغريت دوراس، بما في ذلك آلان رينيه. من خلال السينما، اكتشف فوكو طريقة أخرى لصنع تاريخ المعرفة والتصور المفاهيمي، ومنهجًا للأحداث يفتح باب النقد لبعده الميتافيزيقي التقليدي. رحب فوكو بالسينما على أنها ما يغير مفهومنا عن الجسد البشري والقصص التي يمكن إنتاجها عنه.

مع جيل دولوز، الأمور مختلفة للغاية. يعتبر دولوز متحمسًا للفيلم ومنظراً أكاديميًا وانتقائيًا، وهو مؤلف واحد من أعظم الكلاسيكيات في الأدب الفلسفي عن السينما. نعم، ولكن إليكم الأمر: هذا العمل، الذي يُستشهد به على نطاق واسع ومسهب في كثير من الأحيان، كثيف، مثل كل أعمال مؤلفه. لا يدخل هذه الغابة المفاهيمية من يريد. يجب أن يكون مستعدًا لذلك، وليس فقط من خلال معرفة السينما. لابد أنك قرأت برجسون واستوعبت نصف قرن من النقد السينمائي. للتخفيف من قسوة هذه القراءة الأساسية، يسعدنا أن يكون لدينا الآن أداة من الدرجة الأولى مع عمل سيرج كاردينال. باستعادة أدنى دقة لطريقة دولوز ومقاربته، وفك رموز أذواقه وهواجسه، يجعل الكاردينال في متناول القارئ النقطة المركزية في مقاربة أو نهج دولوز: النقطة التي يكشف فيها الفكر إلى أي مدى يمكن أن تنحرف الصورة، الخيط الإرشادي لكل هذه الدراسة. في المفهوم وحتى تطارده في حركته غير المتوقعة في كل مرة. بعد ذلك تصبح السينما تتحدث حقًا.

أما ميشال فوكو والسينما: فلهذا قصة كاملة:

بين ميشيل فوكو والسينما، كان هناك تاريخ منقط. وكتاب يجمع هذه الأجزاء المتناثرة.

تعتبر الفلسفة السينمائية من المواضيع المألوفة وموضة هذه الحقبة، حتى لو كنا نبحث في كثير من الأحيان عن التوضيح البسيط للأفكار التي تم إنشاؤها بالفعل. إذا كان لقاء ميشيل فوكو مع السينما قد أسيء فهمه، فربما يكون ذلك لأنه لا يسمح بمثل هذا الموقف. لم يؤلف فوكو كتابًا عن السينما أبدًا. لكنه ترك عشرات النصوص والمقابلات مبعثرة في Dits et Ecrits. تم جمع مقتطفات واسعة النطاق هنا لتقدم فكرة أفضل عن لقاء هذا الفيلسوف بالفن السابع. لا يظهر الفيلسوف هناك على أنه صاحب حقيقة متداولة؛ لكنه وجد، في أفلام معينة، طريقة للتعامل مع المشكلات التي يعمل عليها كفيلسوف ومؤرخ. هذا الكتاب هو المحاولة الأولى لتقييم هذه المواجهة غير المعروفة. نرى هناك أن السينما تجعل من الممكن بلورة مفهوم جديد للحدث؛ لاستكشاف جسم خالٍ من عضويته؛ لالتقاط قصة بدون ضحايا أو أبطال، بناءً على الإجراءات الدقيقة التي لا ندركها بالضرورة والتي مع ذلك تقرر إجراء تغييرات عميقة في الفهم الذي قد يكون لدينا عن أنفسنا. التفكير على نحو مختلف لنرى بشكل مختلف، وننظر بشكل مختلف لنفكر بشكل مختلف.

على عكس دولوز Deleuze أو رانسيير Rancière أو مؤخرًا آلان باديو Alain Badiou، لم ينشر ميشيل فوكو Michel Foucault كتابًا عن السينما. ومع ذلك، فقد عبرت حياته المهنية، بطريقة دقيقة ولكن حاسمة، تاريخ الفن السابع، حيث تتعقبه العديد من النصوص والمقابلات، المنشورة والمبعثرة " أقوال وكتابات Dits et écrits"

من مقابلة أساسية مع مجلة كراسات السينما – كاييه دي سينما Cahiers du Cinema حول "الموضة الرجعية mode rétro» إلى حوار مع هيلين سيكسيوس Hélène Cixous حول مارغريت دوراس Marguerite Duras، مروراً بتحليل مفصل للغاية لفيلم من إخراج Pasolini  بازوليني، تحقيق حول الجنس Enquête sur la sexualité، لم ينقطع فكر فوكو، في الواقع، عن الانغماس في الصالات المظلمة .

مقاربة شاملة لعلاقة الفيلسوف بالسينما:

كان لدى كل من دورك زابونيان Dork Zabunyan وباتريس مانغليه Patrice Maniglier فكرة حكيمة تتمثل في جمع بعض هذه الأجزاء معًا في مجلد واحد. وحتى لو شعر المرء بالأسف لأن يجد في عملهم مجموعة مختارة فقط من النصوص والمقابلات التي كرسها الفيلسوف للسينما، فإن مقالاتهم التمهيدية المفيدة للغاية تجعل من الممكن، لأول مرة، الحصول على مقاربة لعلاقات فوكو مع الصور المتحركة.

وبالتالي، فإن هذه النظرة العامة تكتسح الفكرة التي تم تلقيها والتي بموجبها يمكن تلخيص تاريخ فوكو والسينما في مفترق طرق فريد: إعداد المخرج رينيه أليو René Allio، للسينما في عام 1976، للشهادة التي نشرها المؤلف، قبل ثلاث سنوات، أنا، بيير. ريفيير، بعد أن ذبحت والدتي وأختي وأخي. Moi, Pierre Rivière, ayant égorgé ma mère, ma soeur et mon frère.. أو، بشكل أكثر تحديدًا، يوفر إمكانية فهم ما كان من الممكن، في فكر فوكو، أن يولد مثل هذا التقاطع والتلاقي: بين انتباه الفيلسوف إلى "الحبوب الصغيرة" من التاريخ grain minuscule de l’histoire  "(الذي وصفه بنفسه بأنه متأثر بطريقة فيلم أنطونيوني " الانفجار Blow up  ") والفن السابع، وكان لا بد من عقد لقاء.

هذا العنوان المبهج والجذاب مضلل. في الواقع، يتساءل اثنان من الفلاسفة على التوالي عن مفهوم "التاريخ العام" فيما يتعلق بالحدث كما ذكر فوكو والطريقة التي يمكن للسينما أن تستخدمه، "تأثير السينما على ميتافيزيقيا" الحدث ". يبدو فيلم رينيه أليو، "أنا، بيير ريفيير ...»، الذي يتناول خبرًا مؤرشفاً حلله فوكو، نموذجيًا تمامًا. استطاع أليو صانع الأفلام الذي يتسم بالرصانة والحنكة، أن يعطي صوتًا لأولئك الذين أسكتتهم قوى التاريخ والمعرفة؛ يعيد العناصر الدقيقة التي تعطي جوهرًا لكتلة الحياة اليومية. يتم اقتباس أعمال سبيربيرغ Syberberg (هتلر، فيلم من ألمانيا)، Resnais (Nuit et Brouillard) وليل وضباب للآن رينيه، وفيريه Féret (حكاية دي بول) وعدد قليل من الأعمال الأخرى في رسوم توضيحية موجزة لسينما تفلت من إغراءات الجماليات. عمليات البطولات المعتادة أو إحياء الذكرى، وتتجاهل "الرجعية" المؤسفة. تختتم بعض نصوص فوكو هذه التأملات، مقتطفات من منشورات أو مقالات أو مقابلات.  الأسلوب، والتكنيك، والمفاهيم، صعبة، لا تشجع على القراءة.

فهناك أولاً حساسية تجاه الفن السابع أكثر مما هي حساسية تجاه نظرية منهجية:

نجد هذا الشغف الدقيق نفسه في الصفحات الثمينة التي يكرسها فوكو للأفلام التي يحبها، وقبل كل شيء في أوصافه الرائعة لـلعبقرية السينمائية cinégénie " لــ " الممثلين. سواء كان ميكائيل لانسدال Michael Lonsdale ("كثيف وضخم مثل ضباب بلا شكل") أو بطلات أفلام شروتر Schroeter ("في موت ماريا ماليبران La Mort de Maria Malibran، الطريقة التي تتبادل بها المرأتان القبل la manière dont les deux femmes s’embrassent, qu’est-ce que c’est ?، أليس كذلك؟ الكثبان Des dunes، قافلة في الصحراء une caravane dans le désert، زهرة شرهة تتقدم une fleur vorace qui s’avance، فك الحشرات des mandibules d’insecte، شق مستوى العشب une anfractuosité au ras de l’herbe  ").

وها هي هنا المفاجأة الرئيسية: إذا ذهب فوكو إلى السينما، فليس لاستخراج أسس نظام نظري أكثر مما هو ممارسة هذه الحساسية الخاصة أولاً وقبل كل شيء للطريقة التي تخترع بها العدسة جسمًا جديدًا. ابلاستيكياً تماماً entièrement plastique   أي تشكيلياً محض "، وكأنه يهرب من نفسه.

تُجمع هنا لأول مرة نصوص ميشيل فوكو عن السينما بفضل Dork Zabunyan و Patrice Maniglier الذين يعرضونها ويحللونها. من المثير للدهشة أن هذا الجانب من عمل ميشيل فوكو لم يكن أبدًا موضوعًا لكتاب حتى الآن، حيث يتم التعليق على أعماله ومناقشتها اليوم. كانعكاس غير مسبوق لعلاقته بالسينما.

التفكير في السينما بشكل مختلف:  Penser autrement le cinéma

استجابت أبحاثه حول السجن والمستشفى والجنس، لرغبته في "التفكير على نحو مختلف" وعلى وجه الخصوص في صنع التاريخ بشكل مختلف، من خلال التركيز على كل هذه الإجراءات الدقيقة التي لا ندركها ولكنها تحدد بعض التغييرات الأكثر عمقًا . عولى وجه التحديد، وهذا ما يوضحه هنا المؤلفان الفيلسوفان دورك زبونيان وباتريس مانيلييه Dork Zabunyan et Patrice Maniglier، السينما مكان يمكن فيه رؤية هذه التغييرات الدقيقة اللاواعية. وبالتالي، فإن علاقة فكر فوكو بالسينما بعيدة كل البعد عن كونها هامشية، مثل مساهمة هذا العمل في استقبال آثاره وأبحاثه ومؤلفاته.

Dork

إصدار كتاب يجادل فكر الفيلسوف في ضوء الفن السابع:

"فوكو يذهب إلى السينما". الفلسفة هي الموضة، في مجال السينما، تم تكييف العديد من المفكرين بالفعل مع صلصة الفن السابعة لمدة عشر سنوات. بالطبع، هذا ليس شيئًا جديدًا أيضًا: بالفعل في السبعينيات، أجرت مجلة مشهورة سلسلة من المقابلات تحت رعاية أحد أعظم النقاد في التاريخ - سيرج داني Serge Daney - مع طلاب مدرسة نورمال سوبريور Normale Sup السابقين، بما في ذلك الفلاسفة المعروفون الآن بكتاباتهم في السينما.

دولوز Deleuze على وجه الخصوص مع الأعمال الشهيرة بعنوان "السينما" والتي تزين معظم مكتبات عشاق السينما. أو حتى جاك دريدا Derrida، مخترع "التفكيك déconstruction «، فقد سلطت مقابلات مختلفة الضوء عليه غنبثقت منها فكرته القوية عن السينما وحول السينما، من بين أمور أخرى، فكرة أو مفهوم "الأشباح على الشاشة fantômes à l’écran ". بالنسبة لفوكو، الذي يثير اهتمام الأكاديميين باتريس مانيلييه ودورك زابونيان، فإن القضية أقل وضوحًا. يعتبر مؤلف كتاب "الكلمات والأشياء Des mots et des choses "، كما نعلم، أحد أشهر الفلاسفة في السبعينيات، والذين لا تزال أعمالهم حول تاريخ الجنون والجنس مستخدمة ومنتشرة على نطاق واسع. يكمن رهان الأكاديميين في المقام الأول في تجميعهما معًا ومحاولة تحليلهما لاستخراج فكرة مشتركة عن الفن السابع. تتكون معظم تصريحات الفيلسوف حول السينما من مقابلات أجريت مع فريق كراسات السينما Cahiers du Cinéma، ولا سيما حول أحد أشهر أعماله، أنا، بيير ريفيير، بعد أن ذبحت والدتي وأختي وأخي. تم أيضًا نشر معظم النصوص المتعلقة بالسينما في مسيرة فوكو في مختاراته من أقوال وكتابات.

يذهب الكتاب أحيانًا إلى أبعد مدى لفرض فكرة أن الفيلسوف فكر في السينما جيدًا من خلال تجربته كمفكر للفنون، من خلال كثرة جمل الأمثلة، ولكن أيضًا من تحليلات ما كان يمكن أن يكون فكرًا فوكويًا تم تكييفه مع فيلم. كتاب فوكو يذهب إلى السينما مقسم إلى ثلاثة أجزاء. في البداية، يسعى المؤلفان جاهدين لفهم ما يمكن أن يجلبه فكر الالفيلسوف، وخاصة التاريخ، إلى نظرية الفيلم. المحاولة الثانية لتعكس ميتافيزيقيا الفيلسوف على الأعمال التي ميزته، مثل فيلم لويس مال Louis Malle، لاكومب لوسيان Lacombe Lucien، أو فيلم  هتلر، فيلم من ألمانيا Hitler, une film d’Allemagne لسيبربيرغ Syberberg، والذي يتعامل بالنسبة له حقًا مع ما أسماه ضد صيغة الماضي الرجعية "أنتي ريترو l’Anti-Rétro "، وهي قصة في الماضي يمكن تسجيلها في الوقت الحاضر . وأخيرًا، في الجزء الثالث، يجمع المؤلفان كل نصوص فوكو معًا، وبالتالي يعرضونها ببساطة كما على القارئ.

إذا هتفنا بإصدار نصوص هذا الفيلسوف الذي تكون كتاباته معاصرة دائمًا، فلا بد أن نأسف للإفراط في الإضافة sur-ajout المقحمة وضجيج عدد الأفكار. من خلال هذا الانغماس في كتابات المؤلف، يبدو أن الأكاديميين يفقدان تفكيرهما الخاص، وتحليلهما الشخصي للأعمال السينمائية والمكتوبة، ويقدمان فقط ما يسمى بتحليل النصوص المكافئة لتلك التي يمكن إجراؤها في المدارس الثانوية الفرنسية. على وجه الخصوص، أخذ الأمثلة التي لا تتناسب دائمًا مع الموضوع. من المؤسف أن نرى أفكار فوكو تغرق في سيل من الاقتباسات وإعادة الصياغة، حيث يستحق هذا المفكر، على سبيل المثال، مزيدًا من الاهتمام بعمله حول الجسم في السينما.

ميشيل فوكو المفكر بامتياز في الخطابات والسلطات. يمكن حصرها في جملة واحدة، فإن الفيلسوف هو الذي أعاد، في أعقاب نيتشه Nietzsche وفي السياق الثقافي الحيوي للغاية في الستينيات / الثمانينيات في فرنسا، بناء الجوانب المتعددة للتاريخ السياسي لحقائقنا. هل هو مفكر سينمائي؟ لا يبدو هذا الارتباط واضحًا للوهلة الأولى. على عكس الفلاسفة الآخرين في عصره، مثل جيل دولوز، على سبيل المثال، لم يخصص فوكو أبدًا كتابًا أو سلسلة من النصوص العضوية للسينما. يجد المرء في مقابلاته ومقالاته، المنشورة بالفرنسية في أقوال وكتابات Dits et Écrits، عددًا معينًا من المراجع، غير المتجانسة والمشتتة وغير المنتظمة، وغالبًا ما تكون نتاج لقاء مع المخرجين والنقاد والمثقفين الذين يعملون من خلال السينما ومعها . إن كتاب فوكو يذهب إلى السينما أو فوكو في السينما

يفترض الرهان على حوار ممكن ومثمر بين الممارسة السينمائية وفلسفة فوكو. هذا الرهان كبير، لأنه يجب أن يتغلب على عقبتين رئيسيتين: من جهة، كما أشرنا للتو، غياب خطاب منظم من قبل فوكو حول السينما، الطابع العارض والعرضي دائمًا لملاحظاته حول السينما. من ناحية أخرى، فإن المخاطرة التي أكدها المؤلفان في مقدمتهما، تتمثل في جعل هذا اللقاء بين فوكو والسينما مجرد تأثير أزياء، يصلح للدخول في عنوان "فلسفة الفيلم" الرائج اليوم ومن سيقنع نفسه مع البحث في الأفلام عن رسوم توضيحية بسيطة لأطروحات فوكو. ومع ذلك، نجح عمل المؤلفان في تجنب هاتين الخطوتين، ويرجع الفضل في ذلك بشكل خاص إلى العمل الذكي المتمثل في "التحرير" على مستوى كل من المحتوى وشكل النص. يتألف الكتاب بالفعل من مقالتين، كتبها المؤلفان، تعكسان فورًا ثراء وتعدد نهج  ومقاربة للممارسة السينمائية من خلال فوكو: يقترح دورك زبونيان، أستاذ الدراسات السينمائية بجامعة باريس 8، التفكير في "علم الوجود" للفيلم الذي يمكن أن يلهم الحوار مع فوكو، حول الخصائص المحددة لهذه "المعرفة" المحددة، بالمعنى الفوكوي للمصطلح، التي تنتجها وسيلة السينما ؛ باتريس مانيجلييه، محاضر في الفلسفة في جامعة باريس نانتير، يفحص عن كثب التداخل النظري والفلسفي بين العمل السينمائي وكتابات فوكو: ما يمكن للسينما أن تلقي الضوء على "ميتافيزيقيا" فوكو"métaphysique" foucaldienne.

تمت إضافة إلى هاتين المقالتين، في النسخة الفرنسية من العمل، مقاطع من النصوص والمقابلات التي خصصها فوكو للسينما، والتي نُشرت في Dits et writings، ومقتطف من برنامج دورة من الإسقاطات التي عقدت في La Villa Arson في نيس بين فبراير وأبريل 2011، تحت رعاية ECLAT (مكان الخبرات للسينما والآداب والفنون والتقنيات). اقترح هذا الحدث مناقشة سلسلة من الأفلام التي تدخل في حوار مباشر أو غير مباشر مع فلسفة فوكو، كنوع من الرحلة السينمائية في القوة "السياسية المصغرة" للصور والأرشيف السمعي البصري. ومع ذلك، فإن النسخة الإنجليزية من العمل، بفضل العمل المهم للمترجم، تزيد من إثراء هذه الفسيفساء من الخطابات: يتم نشر النسخة الكاملة لنصوص فوكو عن السينما وإتاحتها للجمهور الناطق باللغة الإنجليزية. أضاف المترجم أيضًا المراجع والملاحظات لتوضيح بعض النقاط للقارئ غير الفرنسي، واستخدم العناوين الإنجليزية (عند وجودها) للأعمال والأفلام المذكورة. تشكل الترجمة الإنجليزية لكتاب Maniglier و Zabunyan ain إذا كانت لحظة مهمة لاستقبال فوكو في العالم الناطق باللغة الإنجليزية وفرصة للحوار بين النقد الفوكوي foucaldienne la critique  في فرنسا وداخل الثقافة الأنجلو سكسونية.

يبدأ مؤلفا العمل من الفرضية التي بموجبها يجد المرء في المواجهة بين فوكو والسينما أكثر بكثير من مجرد مصلحة متبادلة أو تقارب سطحي للموضوعات. من الواضح أن الأمر لا يتعلق بالكشف عن نوع من السينما المثالية الفوكوية (الأفلام التي أحبها فوكو)، ولا الاكتفاء بتتبع المناقشات وعمل صانعي الأفلام حول فكر فوكو (حتى لو كان الكتاب يخصص حقًا مكانًا مهمًا للعنوان). المقابلة التي أجراها فوكو مع محرري كراسات السنينما "Cahiers de cinema" في عام 1974، [4] وإلى تصوير فيلم "بيير ريفيير" إخراج رينيه أليو، 5 استنادًا إلى العمل الأرشيفي المهيب الذي نفذه الفيلسوف ومعاونيه في وقت مبكر. السبعينيات). يتمثل التحدي في عمل مانيجلير وزابونيان في إظهار أن الفلسفة والسينما الفوكودية تلتقيان على نفس البعد النظري والعملي: يمكن أن يشكل الاثنان قوة خبرة، بالمعنى الذي أعطاه فوكو لهذا المصطلح، أي ديناميكية قادرة على تغيير من نحن وكيف نرى ونتصرف في العالم. أكد فوكو في عام 1978 في مقابلة شهيرة مع دوتشيو ترومبادوري Duccio Trombadori أن التجربة هي "شيء يخرج منه المرء متحولًا". تعد السينما والفلسفة إذن شكلين، وإن كانا مختلفين، للحركة التجريبية: وهكذا يمكن للسينما أن تواجه، من خلال هذه الوسائل، القوة النقدية في قلب فلسفة فوكو كبادرة ملموسة للفكر، كديناميكية للتحول للذات وللإنسان والآخرين. السينما تجعلنا "ننظر بشكل مختلف" ما تسمح به الفلسفة "بالتفكير على نحو مختلف".

على وجه الخصوص، تجعل السينما من الممكن إعادة التفكير في سؤال يقع في صميم أعمال فوكو: هل يمكننا تخيل طريقة أخرى للتفكير وصنع التاريخ؟ يستكشف الفصل الذي كتبه Dork Zabunyan هذه المشكلة من خلال انعكاس، نظري بالتأكيد ولكنه يعتمد على عدد من الأمثلة الملموسة " هانس يورغن،سبيربيغ،لوي مال،رينيه فيريه،بيير باولو بازوليني،، ويرنر شرويتير ليليان كافاني، ميكائيل لانسدال، (Hans-Jürgen Syberberg، Louis Malle، René Féret، Werner Schroeter، Michael Lonsdale، Liliana Cavani، Pier-Paolo Pasolini، إلخ. .)، المتعلقة بشكل المعرفة الخاصة ببعد الفيلم. عند التساؤل من منظور المشروع الأثري الفوكوي، من الواضح أن السينما لا يمكن أن تقع في جانب الخطاب البحت، مثل رواية أو مخطوطة أرشيفية، ولا في جانب غير الخطابي، مثل الرسم. على سبيل المثال، فهي نفسها رمزية في أعمال فوكو (فقط فكر في تحليل Las Meninas من قبل فيلاسكيز Vélasquez الافتتاحي الكلمات والأشياء). بين الصورة والخطاب، المرئي والقابل للقول، يسمح الفيلم في الواقع على مستوى إعادة البناء التاريخي بينما يشكل شكلاً "الخروج" من أي مفهوم أكاديمي وثابت للتاريخ وكذلك من الذوق "الرجعي" البسيط للماضي. يمكن للفيلم أن يصبح عنصرًا من ممارسات واستراتيجيات "الهجوم المضاد" 8 التي يصفها فوكو، في كتابه عام 1976  إرادة المعرفة La volonté de savoir ، باعتباره الإمكانية الوحيدة للمقاومة الفعالة لأجهزة القوة والجنس التي تشكلنا. يتضح هذا بشكل خاص إذا أخذنا في الاعتبار بُعد الجسد في السينما. فوكو نفسه، بالإشارة إلى أفلام فيرنير شروتير Werner Schroeter أو مارغريت دوراس Marguerite Duras، على سبيل المثال، يعترف بالقوة المناسبة للوسيط السينمائي للعرض على خشبة المسرح لجسد يهرب في تعدده من الإدراك العضوي للسلطة ومن الوضوح الوحيد لسلطة ما. الرغبة الجنسية: 9 "جسد بلا أعضاء"، لاستخدام مفهوم أساسي لأنطونين أرتو Antonin Artaud، والذي يكشف في تجزئه وتشتت القوة (كم مثير للشهوة الجنسية) للتأليف الجسدي الذي يفجر منطق التفرد وتصنيف القوى المعاصرة . عندئذٍ بالضبط، من خلال قدرتها على التفكك والتشتت، يمكن للسينما أن تنضم مجددًا إلى هذا الطابع من الانقطاع الخاص بممارسة فوكو التاريخية. السينما هي "فن الفقر والافتقاد art de la pauvreté "، كما قالت هيلين سيكسوس عن مارغريت دوراس في مقابلة مع فوكو من عام 1975: 10، وهو تمرين يتكرر باستمرار في تجريد أغلال التقاليد والأيديولوجيات ووسائل الراحة. هذا الفقر، علاوة على ذلك، له الكثير ليفعله، كما أشار المؤلف بحق، مع متطلبات "الزهد" و "أسلوب الذات" التي ستكون في صميم فكر فوكو، لا سيما في الثمانينيات - ونحن نأسف أن انعكاسات دورك زابونيانDork Zabunyan تشير إلى هذه النقطة، فإن الفتحات نحو السينما في المرحلة الأخيرة من العمل الفوكوي لم يتم استكشافها كثيرًا. على أي حال، فإن غياب السينما عن الأرشيفات التي استخدمها فوكو في أعماله الكبرى لا ينبغي أن يكون مفاجئًا. ربما يكون الوسيط السينمائي قريبًا جدًا في منطقتنا أن يكون تاريخًا حديثًا حتى يتمكن مؤرخ "الحاضر" من جعله موضوع نظره. لكن هذا لا يعني أنه لا يمثل افتراضيًا مهمًا للتفكير في هذا الحاضر بالتحديد الذي نحن فيه ونعيشه: إنه على العكس من ذلك، وفقًا للمؤلف، مكانًا رئيسيًا للنقاش حول أشكال "المقاومة" .. والتحول الملموس للذات في واقعنا.

يبدأ المقال الثاني في الكتاب، الذي كتبه باتريس مانيغيليه، من ملاحظة أن اللقاء بين فوكو والسينما، مهما كان عرضيًا، ليس بالأمر الهين لأن هناك تقاربًا جوهريًا بين المشكلات المثارة، ومعرفة المجالات المفتوحة لـ التساؤل، عما هو مبهم ومعقد بالنسبة لنا بسبب حقيقة أن هناك شيئًا من النضال الأساسي يحدث هناك: الجنس، القوة، الجنون، علاقتنا بالماضي، بالذاكرة الجماعية، إلخ. مرة أخرى، تكمن المشكلة الرئيسية حيث يلتقي الفيلم والفلسفة ويتصادمان بالنسبة للمؤلف في مسألة التاريخ: لقد أدرك كل من السينما وفوكو انهيار علاقة تقليدية معينة بالزمن والذاكرة ومتطلب إعادة التفكير في معاصرتنا بالطريقة التي نعيشها. التي نبني هويتنا التاريخية. لا يتردد باتريس مانيغلييه في استدعاء العديد من الأمثلة السينمائية لهذه "الثورة" في مقاربة التاريخ، بدءًا من رينيه أليو René Allio إلى آلان رينيه Alain Resnais وإريك رومر Éric Rohmer وكوينتين تارانتينو Quentin Tarantino وروبرتو روسيليني Roberto Rossellini وغيرهم. لكنه يرغب في ترسيخ هذا التأمل في التاريخ في السينما، من خلال فوكو، من خلال تحليل فلسفي مناسب، وميتافيزيقي بشكل أفضل، لبعد يقع في قلب فكر فوكو، وعلى وجه الخصوص مفهومه للتاريخ: مفهوم الحدث. قد يبدو الاستخدام المفترض لمصطلح ميتافيزيقا فيما يتعلق بمفكر مثل فوكو في غير محله. على الرغم من أن المؤلف أوضح أن استخدامه لهذا المفهوم لا يحتفظ بأي شيء من الهدف المتعالي للميتافيزيقا التقليدية، إلا أنه لا يزال هناك شعور بأنها صورة لفوكو في جيل دولوز تظهر في هذه الصفحات. ومع ذلك، فإن عملية مانغلييه Maniglier لا تخلو من الاهتمام: من خلال مسألة الحدث، ينزل إلى القلب النقدي لفلسفة فوكوية philosophie foucaldienne وعلاقتها بالتاريخ. ما هو التاريخ المتقطع إن لم يكن سلسلة من الأحداث مثل التفردات التي تحدث في مساحة فارغة، بعيدًا عن السلسلة التي حددتنا في الأيديولوجيات التقليدية العظيمة والتليولوجيات téléologies للتاريخ؟ ولكن بعد ذلك، كيف نفكر حقًا في ظهور وتسلسل وإنتاج الوضوح والقيم من هذا الوقت الحافل بالأحداث والمتقطع والمشتت؟ ما الذي يجعل التاريخ في هذه الصيرورة بلا زمن؟ كيف يمكن التفكير في أن تصبح بدون مادة، وموضوعات بدون هويات سابقة، وابتسامات بدون قطط، كما في فيلم أليس في بلاد العجائب Alice aux pays des merveilles من إخراج لويس كارول Lewis Carrol (رسم توضيحي للحدث وفقًا لجيل دولوز في الاختلاف والتكرار)؟ 11 هذه أسئلة فلسفية كثيفة، ولكن لا يستطيع فوكو الهروب منها، في بحثه عن فكر نقدي، أي: الذي لا يكشف لنا حقيقة الأشياء ولكنه يسمح لنا دائمًا بالاعتقاد بأن الحقيقة موجودة في مكان آخر، ويمكننا أن نتحول ونصبح آخرين، عن طريق تغيير رؤيتنا للواقع. إجابة فوكو، من وجهة نظرنا، دائمًا ما تكون تاريخية أكثر منها ميتافيزيقية: فبدلاً من أن يسأل نفسه مباشرة "ما هو الحدث؟»، يبحث، على وجه الخصوص من أعمال السبعينيات، عن أمثلة تاريخية تظهر التفرد الزمني يصنع حدثًا، وينتج كسر في الوقت المناسب. بعد قولي هذا، من المثير للاهتمام أن نلاحظ، كما يفعل المؤلف، التقارب حول هذه الأسئلة الخاصة بالفلسفة الفوكوية والسينما، والتي يمكن أن تصبح مكانًا للتفكير أو حتى لإنشاء الأحداث بفضل عملياتها، قوتها في الحركة خارج زمان وفضاء الوجود اليومي. يمثل الفيلم إذن أداة نقدية بالمعنى الفوكوي للمصطلح: لحظة اختراع أشكال جديدة للعلاقة بالزمانية والهوية التاريخية؛ فتح فضاءات جديدة للعمل والفكر.

في الختام، في ثراء الموضوعات والنهج، يشكل كتاب باتريس مانيجلييه ودورك زابونيان قراءة مهمة لتعميق أحد أبعاد العمل الفوكوي (العلاقة بالسينما) التي تم التقليل من شأنها لفترة طويلة أو حتى تجاهلها. من المسلم به أن تأثيرات التفسير المتحيز ممكنة دائمًا، بمجرد أن تكون مسألة إعادة تتبع بأي ثمن خيطًا مشتركًا في الكتابات التي تظل غير متجانسة من حيث تاريخ تكوينها، ومناسبة إنتاجها، والمواضيع التي يتم تناولها. ومع ذلك، يدرك المؤلفان هذا التنوع الأساسي للمواد التي يتعاملون معها، ويقومون بعمل ملف نقطة الشدة، التي يجب أن نلعب عليها من أجل استكشاف ليس تماسك الرؤية في فكر فوكو، بل بالأحرى مكان الإشكالية المتكرر باستمرار: مسألة علاقة الحاضر بتاريخه، من خلال المحفوظات - تلك الخاصة بالتاريخ ونظرية السينما - الوقوف على الحد الفاصل بين أبعاد الخطابي والبصري، بين الكلمات والصور وواقع الأجساد. من خلال قبول العمل بدلاً من ذلك على الحدس المتشتت والنصوص الصغيرة لفوكو (بقدر ما يمكن تطبيق هذه الفكرة على إنتاجه)، تفتح سلسلة جديدة كاملة من الأسئلة واللقاءات المحتملة بين الفكر الفوكوي والسينما، وبشكل أعم لا يزال فوكو والفنون المسرحية بحاجة إلى استكشاف إلى حد كبير: نقد التمثيل والعلاقة بين اللغة والإشارة والواقع ؛ الإدراك بأن مرحلة معينة من تاريخنا قد انتهت نهائيًا، وبالتالي فإن هناك حاجة إلى تفكيك المفاهيم النقدية وهو في نفس الوقت إعادة ترميز وإعادة كتابة للذات ؛ التفكير في ذاتية الممثل والمشاهد ؛ إشكالية الجسد وإمكانياته في التعبير والتهجين ؛ مطلب سياسي بحت لانتقاد أنظمة السلطة وتسلسلها الهرمي من أجل تخيل وابتكار طريقة مختلفة للوجود.

يبدو أن ما أصبح واضحًا أكثر فأكثر في هذه السنوات الثلاثين الأخيرة من النقد الفوكوي، منذ وفاته في عام 1984، هو أن ميشيل فوكو ليس فقط فيلسوفًا لخطابات علم الآثار، وسلسلة نسب القوى، وأنماط الذاتية، وألعاب حقيقة. وهو أيضًا مفكر استخدم الفنون في كثير من الأحيان كرموز بلاستيكية لنماذج من المعرفة، واستعارات فنية وجمالية لتصميم مساحة عمله الفلسفي - الحياة كـ "عمل فني" ؛ العين الحاسمة "لرسم" الحياة العصرية ؛ "مسارح" الحقائق والأجساد التي تشكل سلاسل الأنساب المتعددة لعلاقات القوة. فتح فوكو خطابه الفلسفي أمام تلوث حقيقي ونشط من خلال تعددية الممارسات الفنية، والتي غالبًا ما يتم إنزالها إلى حدود الفكر التقليدي. الأدب، والمسرح، والسينما، والموسيقى، والتصوير الفوتوغرافي، و "عروض" الكلام: هناك أبعاد عديدة لا تعتبر بالنسبة لفوكو ترفيهًا جماليًا بأي حال من الأحوال، وتوغلات بسيطة في مجالات الممارسة والفكر بعيدة كل البعد عن الخطاب الفلسفي الكلاسيكي، ولكنها تشارك بشكل مباشر من بناء فلسفة فوكوية وتعبئة قوتها النظرية السياسية. ليس من قبيل المصادفة أن السينما، من بين الفنون الأخرى، تواصل اكتشاف فوكو، لتعبئته أو لاستنفاره، ولاستجوابه.

يجب أن ينقلب أفلاطون في قبره: دروس الفلسفة تجري في هذه الكهوف التي هي صالات العرض المظلمة! الغرباء منذ زمن بعيد عن بعضهم البعض، السينما والفلسفة يسيران جنبًا إلى جنب اليوم. حتى أن الكلمة العصرية جدًا تشهد على هذا الاتحاد الجديد: "الفلسفة السينمائية cinéphilosophie ". لكن لماذا وكيف يستحوذ الفلاسفة على السينما؟ في نظر المشكك الأمريكي ستانلي كافيل Stanley Cavell، ليس هناك شك: السينما تعكس علاقتنا بالعالم. الفن السابع هو عالم الظلال. ظاهرة الإسقاط تجعل العالم الغائب يظهر. إنها تعكس الخطوط العريضة بالأبيض والأسود لهذا العالم الموجود وغير الموجود، والذي لن أتمكن من معرفته أبدًا. السينما إذن هي "صورة مؤثرة" للشك، كما عبر عنها المؤلف بلطف. إنه يضعني في قلب "جدلية خيبة الأمل والرغبة"، المعرضة للخطر في كل أفكار كافيل Cavell.

السينما مكان الاخلاق. نتيجة للدورات التي قام الفيلسوف بتدريسها في جامعة هارفارد، والتي تربط بين المفكرين والأفلام، تقدم فلسفة الصالات المظلمة رحلة عبر تاريخ الفلسفة الأخلاقية، من أفلاطون Platon إلى راولز Rawls، عبر نيتشه وإيمرسون Nietzsche et Emerson، بالإضافة إلى توضيح حول الكمالية الاتقائية perfectionnisme (انظر أيضا ص 82). كيف تصبح نفسك؟ كيف تصبح أفضل؟ هذه الأسئلة هي في صميم الأفلام التي جمعها كافيل تحت نوع واحد: كوميديا الزواج. فيلم قلب محاصر Un cœur pris au piège إخراج ستورجس Sturges ؛ سيدة الجمعة La Dame du vendredi لهوكس Hawks. أو حتى فيلم الطيش من إخراج كيكور Indiscrétions de Cukor يعبرها نفس االنابض الدرامي: ينفصل الزوجان للعثور على بعضهما البعض بشكل أفضل. ويعيشان سعادة جديدة ...

بالنسبة إلى ميشيل فوكو Michel Foucault، الذي لم ينجذب كثيرًا إلى نظرات كاثرين هيبورن Katharine Hepburn وكاري غرانت Cary Grant، فإن الاهتمام هو عدم معرفة ما إذا كانت السينما تجعلنا أفضل. إنها مرآة التاريخ التي شاهدها، من جانبه، على الشاشات، وهذا "الارتباط بين السينما وأرشيف العصر"، كما كتب Dork Zabunyan في فوكو يذهب إلى السينما، التي تحتل النصوص القليلة والمقابلات التي كرسها المفكر للفن السابع. إذا كان أحد الفلاسفة النادرين الذين تم تكييفهم للعرض على الشاشة – نصه العظيم " أنا بيير ريفيير بعد أن ذبحت والدتي وأختي وأخي" ... الذي أصبح فيلمًا من إخراج أليو -، فإن فوكو، على عكس كافيل أو دولوز، لم يطور أبدًا فكراً شاملاً منظماً في السينما. من خلال أفلام فيريه، أوشرويتير،أو ودوراس، أوبازوليني،Pasolini أو Duras أو Schroeter أو Ferret، يستحضر آثار علاقة بالماضي أو بالسياسة أو بالجنون أو بالجسد أو بالجنس. هل يمكننا، على سبيل المثال، أن نصنع فيلمًا بدون إضفاء الإثارة الجنسية أو البطولات؟ عندما يتحول إلى بطل للفلسفة، لا تتوقف السينما عن إبهاره بجمالها المظلم.

يقدم باتريس مانيغلييه ودورك زابونيان مقالتين طويلتين مجمعتين معًا في كتاب، مصحوبة بمجموعة مختارة من نصوص ميشيل فوكو، دراسة مفتوحة رائعة، لقاء سياسي بين الفيلسوف والسينما. كتاب له اهتمامات متعددة، تحركه حركات فكرية رائعة.

السينما، في نفس الوقت باعتبارها فناً غير نقياً أو صافياً art impur، ربما توجد أيضًا، كما قال غودار Godard، بين التلسكوب والميكروسكوب: أداة علمية مخصصة للمقياس البشري. هذان السببان يمكن أن يفسرا الحماس الفردي لما يسمى بـ "العلوم الإنسانية" للذهاب ومشاهدة جانب السينما، خاصة أنه يبدو بداهة أنه الفن الأقل إثارة للخوف. إن هذه الخاصية الديمقراطية (بكل معاني المصطلح) هي التي تبدد سراب الشرعية أو اللاشرعية في الحديث عنها، وتفتح السينما على أي نوع من الفكر. هذه الفرصة لتكون قادرًا على فهم السينما بعدة طرق هي أيضًا فرصة للسينما نفسها: التفكير فيها بشكل مختلف هو تتابع لصنعها على نحو مغاير ومختلف مختلف.

كان باتريس مانغيلييه قد شارك بالفعل في العمل الرائع عن فيلم ماتريكس (ماتريكس، ماكنة فلسفية Matrix, machine philosophique [1]) الذي قصد التفكير في السينما والفلسفة بشكل مشترك، وفتح فكر كليهما. نادرًا ما لم تأت الفلسفة لتلتقط المصفوفة لترفعها إلى سماء يفترض أنها أكثر نبلاً أو ثراءً؛ على العكس من ذلك: هذه المحاولة (التجريبية) لم تستدعي التوضيح ولا السخرية ولا حتى هذه النية الحسنة لإعادة التأهيل والتي غالبًا ما تنطوي على لهجات متداخلة، حتى من الكراهية المخفية بشكل سيئ للسينما التي لن تكون "سائدة". ". قدمت لنا آلة ماتريكس الفلسفية بسعادة (تركت كل الادعاءات في الخزانة) للتفكير مع ماتريكس، لإرشادنا لتقدير جميع الأحاسيس المسكرة لتجربة المشاعر الفلسفية في نفس الوقت مثل السينما.

إذا سمحت لنا المصفوفة Matrix، وهي آلة فلسفية، أن نشعر بذكاء وإبداع الفيلم بشكل فعال، يذهب فوكو إلى السينما التي يقترحها لدراسة العلاقة بين السينما والتاريخ، مثل أنهما كانا قادرين على الظهور بشكل مشترك مع ميشيل فوكو طوال عمله، وفي السبعينيات من القرن الماضي للنقاد (باسكال بونيتزر Pascal Bonitzer، سيرج داني Serge Daney، سيرج توبيانا Serge Toubiana) وصانعي الأفلام المخرجين(رينيه أليو René Allio وآلان رينيه Alain Resnais). هذه العلاقات بين السينما والتاريخ مدعومة بالسياسة، أو بالأحرى سياسة العرض والتمثيل la représentation.

بعد مقدمة واضحة جدًا حول موضوعهم، موقفهم ("فكرة في العمل" الرغبة في السعي إلى "التفكير بشكل مختلف"، تمامًا مثل فوكو، الذي كان تعبيره، يهدف إلى إيجاد طريقة جديدة لممارسة التاريخ)، ومشروعهم (لمواجهة الممارسات الفلسفية والسينمائية والتأمل في التاريخ)، يتعامل المؤلفان معه من زوايا انطلاق مختلفة تنتهي بالالتقاء في خطوط رحلتهم: إمكانيات فيلم لدورك زابونيان، مفهوم الحدث، لباتريس أكثر ذكاء.

ماذا يمكن أن يفعل الفيلم؟

بهذا السؤال، بالتوازي مع سؤال سبينوزا Spinoza الذي أعاد دولوز قراءته، افتتح دورك زابونيان مقالته. يبدأ المؤلف بتحليل تأثير الفكر الفوكوي la pensée foucaldienne كما عرض في مجلات كراسات السينما Cahiers du Cinéma في منتصف السبعينيات، في خضم موجة نضالية متشددة [2]، ومقابلة "Anti-Retro" الشهيرة (CC رقم 251-252 Juillet - أغسطس 1974) التي أجراها باسكال بونيتزر وسيرج داني وسيرج توبيانا ضد موجة من الأفلام "الرجعية  rétros "، وتحويل الماضي إلى لوحة جدارية زخرفية. باتريس مانيغلييه (انظر أدناه) يكمل تحليل فيلم رينيه أليو (أنا، بيير ريفيير، بعد أن ذبحت والدتي وأختي وأخي ...) بدأ هنا. لكن زبونيان أكثر اهتمامًا هنا بما جذب انتباه فوكو في السينما، أي جمالية الفقر، وغياب اللياقة أو التأثيرات. يمكن للآثار فقط أن تقلل من التأثير السياسي أو تصرف الانتباه عن قضايا التمثيل. "إذا كانت هناك خصوصية إيجابية للسينما في فوكو، [...] فهي مسألة تصور فن سينمائي خالٍ من أي مقاربة جمالية [3]: (" رجعي "أم لا) [...] فن حيث يؤدي الزهد المرئي والصوتي في كل شكل من أشكاله إلى الغوص في التعرجات القاحلة للأرشيف، أو قسوة علاقتنا بالسلطة، أو تحريك الجسد المجهول. (ص 32) يحلل زبونيان العلاقة البعيدة بين الفيلسوف والسينما من خلال المسافة التي يمكن أن يتخذها المؤرشف فيما يتعلق بالحقائق الحديثة جدًا، حيث يظل الوقت المنقضي قريبًا جدًا وغامضًا للغاية.

قضية مشروعة:

على الرغم من أن فوكو عاشق للسينما، إلا أنه لم يؤلف كتابًا عن السينما كما قلنا أعلاه، ولم يعترف بأنه مؤهل للتحدث عن الجماليات السينمائية. مداخلاته مشتتة في عدد قليل من المقالات والمقابلات، والتي يجب أن تفعل بالضبط، في فئة خطابها، مع الواقع والصراعات الملموسة. كما قال باتريس مانيغلييه بلطف، "من الصعب تخيل الميتافيزيقيين في توغاس وهم يتظاهرون مع مجموعة معلومات السجن. من الصعب أن نتخيل المفكر التأملي يقول مع فوكو إنه لا ينبغي للمرء أن يتردد في لكم الشرطة، لأن رجال الشرطة مصممون لذلك، أي لممارسة العنف الجسدي. يمكن لأخصائي المحفوظات و "الناشط" أن يتعايشا، ولكن ربما ليس بالضبط في نفس الوقت. على الرغم من هذا الاحتجاج على اللاشرعية، فقد يكون حدث ما بين فوكو والسينما مثل "علاقة غرامية" (للتلاعب بالكلمات)، تبادل متبادل على شكل استجواب.

بادئ ذي بدء، وهذا هو الجزء الأول من مداخلة باتريس مانيلييه (التي تضيف إلى انعكاسات دورك زابونيان، يرى فوكو في السينما إمكانية غير مسبوقة لعرض قصة "جزيئية". يطور فوكو مفهومًا جديدًا جذريًا للتاريخ، وهو مفهوم سياسي يمكن تلخيصه بالفعل بهذه العبارة من الفيلسوف: "شخص ما يتكلم دون امتلاكه"؛ إما: شخص (مثل بيير ريفيير، ومثل "رجال سيئو السمعة hommes infâmes " الذين أراد فوكو جعل تاريخهم) غير شرعي [4 يأخذ على عاتقه تاريخه الفريد، معارضة القوات الشرعية (الشرطة، الأطباء، المحامون، إلخ). بالنسبة للتاريخ الرسمي البطولي لأي كيان (رجل عظيم، أمة، طبقة) يعارض فوكو الذاكرة الشعبية، "عملية بلا موضوع" (كما عرّفها ألتوسير Althusser). الشعب ليس الفلاحين أو العمال، إنهم ليسوا طبقات، إنهم "خونة: إنهم في التاريخ، لكنهم مثل الفيروس. إنهم يطاردون تاريخنا، لكن تاريخنا ليس تاريخهم. (ص 63) لا تزال ذاكرة هذه الأقلية موجودة في الوقت الحاضر، حتى لو كان عمرها عدة قرون، لأنها مرتبطة بدقة بالحدث (تم شرحها بالتفصيل وبشكل جيد جدًا بواسطة مانغلييهr لاحقًا).

مفاصل أو تمفصلات: Disjonctions

الذاكرة الشعبية هي تاريخ لا يدمج وجهة نظر متدلية (فوق تاريخية)، ولكن أين الحدث، ليقول بسرعة ما يظهر في الفجوة التي أحدثتها الطفرة وتلاقي العديد من القوى التاريخية، المعرفية، يمكن أن يأتي على وجه التحديد للإضاءة من خلال إمكانيات انفصال الوسيط السينمائي: بين الكلام والصوت والصورة، بين اللقطات - تأثير كوليشوف effet Koulechov. بهذا المعنى، فإن فيلم رينيه أليو Moi، بيير ريفيير ... (تم تحليله ببراعة من قبل Maniglier) مانغلييه، يتكيف مع حرف النص الأصلي الذي اكتشفه فوكو، يلعب على مفارقات الكلام لإظهار مجموعة كاملة من القوى الخطابية التي تتعايش وتتعارض، يمكن أن تعارضها مراجعات نصوص مجلة كراسات السينما Cahiers du Cinéma بأسلوب رجعي (حيث يكون فيلم عتال الليل Portier de nuit [5] ولوسيان لاكومب Lacombe Lucien [6] جزءًا، وفي نهاية الثمانينيات ولكن بالمثل، أورانوس Uranus لكلود بيري Claude Berri الذي سينتقده بشدة سيرج داني).

يتدخل مانغلييه بعد ذلك بشكل أعمق في مفاهيم الحدث، المتسلسلة (ربما في قراءة أكثر دولوزية  deleuzienne  لفوكو)، لينتهي به الأمر في نهاية المقال بمجموعة من المقترحات النظرية والتحليلات الفيلمية المبهرة، والتي تكاد تكون مقبولة: رؤى وطرق تصور للتحدث عن الأفلام، ذات قوة كبيرة، أسلوبية ونظرية. دعونا نقتبس، على سبيل المثال، هذا التأكيد والعرض في غاية الجمال: "ليس قطارًا يدخل المحطة، لكن المحطة كلها كما هي تتحقق في قطعة قطار. (ص 87) أو هذا المقطع: "وهكذا، لن تظهر لنا السينما أياديًا متوترة، بل توترات تنشأ في وسط قوى أخرى، وليست عيونًا تثبت شيئًا ما، بل نظرات تشغل وجهًا، وليس خطافات منقولة التي تقطع الحناجر، لكنها قطع الحلق التي تعبر الزمن ... "(ص 102) هذه الصفحات المذهلة وغيرها، والتي ا أستطيع مقاومة إغراء اقتباسها، تذكرنا بمداخلة دولوز في إحدى محاضراته عن الوجه في سينما:

"ما يفعله الوجه شيئان: الوجه يشعر، والوجه يفكر بــ [...] يعود الزوج إلى المنزل في المساء منهكا من عمل طويل. يفتح الباب، يجر رجليه، وتنظر إليه زوجته. فيقول لها عابساً نكد المزاج وعلى نحو عدواني تقريباً، مشاكس ومتذمر: ما رأيك بماذا تفكرين؟ وأجابت: ما خطبك؟ - "فيم تفكر"؟ وهذا يعني: ما هي الجودة التي تنبع من وجهك؟ والإجابات الأخرى "ما بك؟»، ما هذه السلسلة الغريبة والمكثفة التي تخترقك صعودًا وهبوطًا.»

هذه القدرة الرائعة للابتكار، للعرض والتفكير في نفس الوقت، للتوفيق بين الاثنين في جملة واحدة، تشوه من خلال الأسلوب أي محاولة لإفساد الفلسفة في السينما: يوجد هنا أيضًا لقاء حقيقي، شيء رائع تمامًا يحدث، وهو ما يتوازى بشكل مباشر مع محاولات فوكو القليلة للتفكير في السينما كوسيلة للتجربة. والاقتباسات من إبشتاين Epstein، وهو نفسه صاحب نظرية أو منظُر وممارس للسينما، متطابقة (أو ينبغي أن أقول "متسلسلة").

لأن المؤلفين يصرّان على علاقة الجسد المعاد تشكيله بالسينما والسينما نفسها كجسم جزيئي كبير: الطريقة التي يرى بها فوكو في أفلام فيرنر شروتر Werner Schroeter "نشأة الجسد"، أو في أفلام مارغريت دوراس " ضباب بلا شكل (انظر حول هذا الموضوع النصف الثاني من مقالة زبونيان، بالإضافة إلى تحليلاته لتمثيل السلطة). ومع ذلك، فإنه من خلال ممارسة هذه الملكات المشتتة يمكن تطوير كل من سينما التاريخ وفقًا لفوكو، ولكن أيضًا طريقة جديدة لفهم السينما والتعاطي معها بقوة كامنة، في الإمكانات.

لأنه (وهذا بالتحديد الجزء الأخير من مقالة مانغلييهr) يعود الفضل في ذلك إلى ملكة التخوف، هذا النمط من الرؤية الذي يمكن لسينما الذاكرة إعادة الاتصال بالحاضر. إذا كانت كتب فوكو مهتمة بالعصور البعيدة عنا، فإن مقالاته ومقابلاته كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأحداث الجارية، ومع ذلك فإن السينما تقوم بتحديث الذاكرة (وهذه هي نظرية مانغلييه) من خلال التساؤل الدائم عن صوره. الشاشة كقناع (حسب أندريه بازان) تعرض الصورة من الخارج، أي صورة سينمائية غير مكتملة من قبل في تحليل مذهل وعما لا يُصدق في فيلم ليلي وضباب Nuit et Brouillard إخراج ألان رينيه Alain Resnais، يصف مانغلييه قوى الصورة وتمثيل الصيحات، التي تتشكل بين المفارقات (الزمنية، المكانية، الجمالية) التي ينتجها الفيلم. يمكننا أن نرى بوضوح ما تقدمه هذه التحليلات أيضًا للخطاب حول السينما، وطريقته في الحديث عنها، ووصفها، وهي ملكات ملموسة وخيالية في نفس الوقت.

في الختام، يوضح مانغلليهr بالتفصيل عددًا آخر من الأفلام التي قد يكون من المثير للاهتمام دراستها، موضحًا أن هذا الكتاب ليس سوى مثال واحد ممكن لما يمكن أن تجلبه المواجهات بين فوكو والسينما. يقول باتريس مانغلييه، في اندفاع رائع من التواضع ("أنا لست مؤرخًا ولا صانع أفلام ولا ناقدًا سينمائيًا"، ص 53 – هل هو جبن اللاشرعية، مرة أخرى؟)، ينفي تقديم نماذج عملية للسينما. لكن إذا لم يفعل ذلك بشكل مباشر، فإنه يفعل ذلك بطريقته في التعامل مع الأفلام، وما يحدث لنا من خلال الكتابة.

سيكون من المستحيل ومن الحماقة تكرار الرسالة، باستثناء أن تصبح نوعًا من بيير مينارد Pierre Ménard، كل ما يحتويه هذان النصان مثير، ومفتوح بشكل خاص، كإمكانية للدراسات. ما هو مؤثر بشكل خاص، وما يكمن وراء المشروع، هو هذه الرغبة في أن تصبح، هذه الرغبة في شيء جديد، يشبه العالم المجنون أو الساحرة، والتي تتشكل في كل من الرغبة في رؤية "شيء آخر"، ووضعه بطريقة أخرى بطريقة مشتركة في التخصصين. هذا هو السبب في أن قائمة البداية (الخاطئة) التي وضعها المؤلفون في المقدمة (التأثيرات الأربعة التي يقصدها هذا الكتاب: على النقاد، والمنظرين، وصانعي الأفلام، والفلسفة نفسها) يمكن فقط تفريقها وتقسيمها إلى العديد من النقاط الفردية، غير قابلة للتوحيد. ضد توحيد، المسلمات: المتعدد، المفتوح. يسلم المؤلفون إلينا النص: الأمر متروك لنا لتولي المسؤولية منهم، من فوكو أو غيره، للعب السينما بمعرفة أخرى، ولعب دور الكيميائي الصغير أو الساحر، التسرع في زج الوسيط.

***

د. جواد بشارة

 

محمد السعديسيرة ذاتية للصديق والقاضي زهير عبود كاظم عنوان كتابه ”الأرض والسلاح والإنسان ” الصادر عن دار نشر 4D في مدينة النجف الاشرف ” الذي أهدانياه مشكوراً، والذي لفتني عنوانه بتلك المفردات الثلاثة تعبيراً عن الإنسان ومحطات حياته النضالية في حقبة مهمة من تاريخ العمل الفدائي (الفلسطيني) عشية هزيمة ٥ حزيران عام ١٩٦٧ . في مقدمة كتابه، الذي يحوي ١٢٦ صفحة من الحجم الكبير عرض موجز ومكثف عن بدايات إعلان الثورة الفلسطينية وإنطلاق منظمة التحرير ” فتح ” بقيادة ميدانية من رئيسها الراحل ياسر عرفات، وتداعيات الموقف العربي الرسمي والشعبي في الدعم والمساندة المعنوية والمادية والاعلامية والوجستية بإتجاه تحرير الارض الفلسطينية المغتصبة من قبل الكيان الصهيوني ودوائره الامبريالية، فضلا عن هذا الدعم والتأيد الكبيرين للقضية الفلسطينية ومنظمة التحرير ممثلها الشرعي في التمثيل والنضال، لكن تناسلت عنها عدة تنظيمات ومنظمات بداً من الجبهة الشعبية مروراً بالجبهة العربية لتحرير فلسطين الى منظمة حماس بعد أن أصبحت قراراتها ووجودها بيد قرارات وأمزجة الانظمة والدولة التي أحتوتها وبمرور الاعوام تحولت من مشاريع نضال وتحرير وعمليات فدائية الى سياسة تطبيع وإستسلام والتخلي عن شعارات الدولة القيطة والخنجر المغروس في قلب الوطن العربي . كان خطاب الاعلام العربي تأثيره النفسي والوطني بإتجاه تعبئة الشارع العربي نحو تحرير فلسطين فلبى هذا النداء الآف من الشباب العربي باتجاه التطوع في العمل الفدائي من أجل تحرير فلسطين ولم يغب عن بال الآخرين هناك دوافع وعوامل ثانية وثالثة دفعت هؤلاء الشباب بالتضحية بحياتهم ومستقبلهم .

زهير إبراهيم خالد .. من أهالي صفد / منطقة الصفصاف، هذه هي هويته الجديدة من مكتب الجبهة الشعبية القيادة العامة في العاصمة بغداد ليحملها بصفة مقاتل فدائي بين عمان ودمشق لمدة تسعة شهور وتسعة أيام  يسردها بتفاصيل المدن والشخصيات والوقائع والاحداث والمفاجأت وروح التجربة، في بداية حياته بمدينة مسقط رأسه ”الديوانية” أحدى معاقل الشيوعيين في الفرات الأوسط أنتمى الى خلية حزبية ولضنك العيش وصعوبة وضع أهله المعيشي تطوع نائب ضابط في الجيش العراقي، وظل مجاهداً متمسكاً في خليته الحزبية الشيوعية، وفي موجة حملة مداهمات وإعتقلات قبل إنقلاب البعثيين عام ١٩٦٨، أدت الى اعتقاله وطرده من الجيش وراح يبحث عن وعاء جديد يرى به نفسه ويلبي طموحه ويحقق رغباته في النضال والعنفوان فقادته تلك الهمم الى مكتب الجبهة الشعبية / القيادة العامة ”أحمد جبريل في العاصمة بغداد ليسجل نفسه فدائياً عربياً. تجربة غزيرة يرويها القاضي زهير عبود كاظم في إستذكار سيرته الفدائية وتتبع أدق تفاصيل مجرياتها بحرارة ذلك الزمن من المقاومة والنضال ووقعها التاريخي والوطني .

بعد تسعة سنوات وتسعة شهور يرجع الى وطنه العراق عبر بوابة ”دمشق عاصمة الامويين الذي يصف مدنها وأزقتها وشوارعها بالرشاقة والوسامة ونهر ”بردى الذي يضيء تاريخ وجه المدينة وعنفوانها . بغداد .. التي تركها منذ شهور الى العاصمة عمان التي يراها مدينة صغيرة وقديمة وتاريخية ويتوسط شارعها الرئيسي فندقها الوحيد . عاد الى مطرحه الأول مدينته ”الديوانية”وجيبه ممتليء بالافكار والطموحات قد تفوق عمره في ذلك الزمن . ومرة أخرى بين صفوف تنظيمات الحزب الشيوعي في مدينته تحت ظروف معيشية صعبة للغاية، وكان يتطلع كأي شاب بعمره وطموحه الى مستوى دراسي قد يرفع به مستوى عائلته المعيشي والمادي، وكان يأمل أن يمنح زمالة دراسية عن طريق الحزب الشيوعي العراقي الى أحدى الدولة الاشتراكية، لكنه أزداد أحباط وخيبة، عندما شاهد بأم عينيه طريقة منح الزمالات الدراسية الى أولاد القادة الحزبيين وذيولهم، هنا وقفني أمام تجربة شخصية سابقة  أيام الجبل وحرب الانصار، كانوا يأتون لنا شباب من المدن ولا أحد يعرف ربهم ولا ممكن حتى الاختلاط معهم ومعرفة أساسياتهم وطيلة وجودهم في مقراتنا عيونهم تربوا الى الطريق المؤدي الى  إيران ومن هناك الى دول الزمالات والدراسات على حساب رفاق ومناضلين ومقاتلين أشداء ؟.

في ١٥ شباط ١٩٧١ يترك مدينته والعراق مرة ثانية بحزن بعد أن خابت ظنونه وأهتزت قناعاته وسيطرة البعثيين على السلطة ودفة الدولة واللعب بمقدرات الناس فلم يجد أمامه سبيلاً الا العاصمة دمشق حيث هناك النشاط والعمل السياسي (الفدائي)، ليجد نفسه مجدداً مقاتلاً وسط تنظيمات منظمة الصاعقة واسمها الرسمي " طلائع حرب التحرير الشعبية - قوات الصاعقة ", هي منظمة فلسطينية قومية موالية للبعث السوري (على عكس جبهة التحرير العربية الموالية للبعث العراقي . ولخبرته السابقة في العمل الفدائي وفي الجندية العراقية يرحل الى جنوب لبنان مسؤول أحدى الفصائل المسلحة في منطقة (جبيل) الحدودية مع العدو الصهيوني . 

الذي لفتني في كتاب القاضي زهير عبود كاظم (أبو علي)، ذاكرته في ذكر التفاصيل التفاصيل اليومية لكل يوم من خلال تجربته، الاشخاص، المواقع، التعرضات، المفاجأت، الشهداء، القادة، الامكنة، حمدونه، التموين، تفاصيل الطبخ، القرى، السلاح . حرب أكتوبر عام ١٩٧٣ كانت ومازالت تداعياتها تلقي بظلالها على الشارع العربي والموقف الرسمي للحكومات وتحديداً التي خاضت الحرب أي دول المحور والتصدي العراق، جمهورية مصر، سوريا . وقد خاض المصريون الحرب مع الكيان الصهيوني على أمتداد جبهة واسعة تجاوزت  عبور خط ”بارليف المنيع ” الى قناة السويس .  سوريا وجيشها العربي والفصائل الفدائية لقد تعرضت الى ضغوطات كبيرة، وكان لوقفة الجيش العراقي من خلال مشاركته في الدفاع غير مجرى المعركة بإتجاه آخر . نتيجة الحرب وتداعياته تركت أثارها على الفصائل الجهادية في خطط عمل جديدة وسيناريوهات مختلفة . يذكر القاضي زهير في ختام كتابه بعد تلك الاحداث وجد له كرسياً في جامعة دمشق ليكمل مشواره العلمي والاكاديمي وليتخذ من القلم والقانون وسيلة نضالية في خدمة مشاريع الوطن والانسان . 

 

محمد السعدي

مالمو/كانون الأول ٢٠٢١

 

 

 

محمود محمد عليواهم من يعتقد الأطماع الإسرائيلية بالتوسع والاستعمار تقف عند حدود المسجد الأقصى وفلسطين، فالحلم اليهودي المزعوم يمتد أبعد من ذلك بكثير، إذ ترنو أنظار الإسرائيليين نحو قبلة المسلمين والأرض التي احتضنت تاريخ الرسالة الإسلامية .

وهذا ما يجسده لنا هذا الكتاب الذي بين أيدينا وهو بعنوان "العودة إلى مكّة" والذي ألّفه المؤرخ اليهودي “دنيس آفي ليبكن” Dennis Avi Lipkin، وهذا الكتاب يدور حول فكرة مفادها أن بني إسرائيل استوطنوا قديما في جزيرة العرب، ليبرهن أنه من حق اليهود العودة إلى مكة .. أرض الميعاد، ويعتمد الطرح الدي يقدمه " ليبكن" على بحث تاريخي، يزعم أن بني إسرائيل لما تاهوا لأربعين عاما في البلاد كانوا في منطقة شبه الجزيرة العربية، مضيفا إلى أن جبل الطور الذي كلم الله موسي فيه، إنما هو جبل اللوز في تبوك السعودية، وليس جبل موسي المعروف في سيناء

والكتاب يمثّل تطوّرا لافتا في الأحلام الصّهيونيّة التي تراود صهاينة اليهود ومتديّنيهم، وتغريهم بالاستحواذ على أرض الميعاد التي تحدّثت عنها نصوص التّوراة المحرّفة، ويسمّيها الصّهاينة “مملكة إسرائيل الكبرى” أو “مملكة داود”، وتضمّ بزعمهم فلسطين وأجزاء كبيرة من مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق والسعودية.

يأتي هذا الكتاب القنبلة في وقت كشف العرب العاربة والمستعربة على حد سواء،عن عوراتهم وأسقطوا حتى ورقة التوت التي كانت تستر عوراتهم، بخصوص العلاقة الخفية بينهم وبين مستدمرة إسرائيل الخزرية، بإعلانهم التحالف الاستراتيجي معها،تحت ستار الخوف من إيران ؛ يقول ليبكن “… أصرّح يا إخواني المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بأنّ مكّة المكرّمة حرم الله الآمن يحتلها شرذمة أشدّ من اليهود، لأنّهم في هذا البلد الحرام وفي هذا الشّهر الحرام ذي القعدة الماضي هجموا على التكارنة السّود المسلمين رجالا ونساءً وأطفالا حتى يسفروهم ويخرجوهم عن مكّة المكرّمة”، كما نشرت مجلة الشهيد الإيراني (لسان حال علماء الشيعة في قم بإيران) في عددها 46 الصادر في 16 شوال 1400هـ صورة للكعبة المشرفة وإلى جانبها صورة للمسجد الأقصى المبارك وبينهما يد قابضة على بندقية وتحتها تعليق “سنحرّر القبلتين”!

وأرض الميعاد التي يسميها الصهاينة مملكة إسرائيل أو مملكة داوود،تحدثت عنها التوراة المزيفة،وهذا ما خاض فيه المؤرخ الصهيوني الإنجيلي ليبكين،،وحمل غلافه صورة المسجد النبوي الشريف يتوسطه "التيفلين اليهودي" مكان الكعبة المشرفة،وهو مكعب أسود يشبه الكعبة المشرفة مربوط بخيط أو حزام يضعه متدينو اليهود على جباههم.

هذا الكتاب يرسم حدودًا جديدة للدولة اليهودية وفق “ليبكن”، انطلاقًا من مبدأ “استعادة أرض بني اسرائيل الذين يعتبرون انفسهم السكان الاصليين لجزيرة العرب”، فتصبح بزعمه “العودة إلى مكة، أرض الميعاد”، حقًا لهم.

وأكد " ليبكن " بنبرة تشي بأطماع اليهود: إن السعودية والجزيرة العربية ما هي إلا جزء من الأرض الموعودة لبني اسرائيل”، مستشهداً بما تقوله التوراة المزعومة لدى اليهود:" أن الله يقول أنه سيمدد حدود أراضيكم الموعودة من لبنان إلى أرض العرب ولكن الله لم يقل أرض العرب بل قال الصحراء ومن البحر الأبيض المتوسط إلى الفرات".

والجدير بالذكر أن غلاف كتاب “العودة إلى مكة” تضمن صورة للكعبة المشرفة -قبلة المسلمين- وحولها انشوطتان سوداويتان وعلى جانبها وضع الشمعدان اليهودي، وفي وسطه “التفيلين” اليهوديّ مكان الكعبة المشرّفة، والتّفيلين مكعّب أسود يشبه في شكله الكعبة، مربوط بخيط أو حزام، يضعه متديّنو اليهود على جباههم.

ويدعي مؤلف كتاب العودة إلى مكة أن الله لم يكلم موسى عليه السلام في جبل طور سيناء،بل تم ذلك في جبل اللوز الواقع بمحافظة تبوك السعودية،ويدعو لتحالف مسيحي – صهيوني لتحريره من المسلمين، كما يدعي أن أرض الميعاد تمتد إلى مكة المكرمة،ويدعو أيضا إلى تشكيل حلف مسيحي- صهيوني لتقسيم السعودية واحتلال الكعبة ومنع المسلمين منها.

واللاّفت في أمر هذا الكتاب أنّ مؤلّفه لا يكتفي في مقابلاته الصحفية بزعمه أنّ جبل الطّور الحقيقيّ الذي كلّم الله فيه نبيّه موسى عليه السّلام وأنزل عليه الوصايا العشر هو جبل اللّوز الموجود في محافظة تبوك على الأراضي السّعوديّة مقابل أرض سيناء، وليس هو جبل موسى المعروف في سيناء مصر! وأنّ فيه الكهف الذي استقرّ فيه إيليا (إلياس)، وبدعوته اليهود والنّصارى لأن يتّحدوا لتحريره من المسلمين؛ لا يكتفي هذا الصّهيونيّ بهذا الزّعم، بل يذهب بعيدا ليدّعي أنّ أرض الميعاد تصل إلى مكّة المكرّمة وفق ما فهمه من نصوص التّوراة التي تتحدّث عن صحراء العرب ولا تتحدّث عن أرض العرب فحسب!

وأضاف ليبكن بأن على المسيحيين واليهود أن يتّحدوا ليحرروا جبل اللوز" جبل سيناء"، وينتزعوه من حوزة المسلمين، متابعاً أن "الجوف وتبوك الواردة في اقتباس بن لادن لا تبعد سوى 100 أو 200 كم من إيلات على الحدود الجنوبية لإسرائيل".

وأشار "ليكن" إلى أن أطماع ايران مرتبطة بوقوع مكة في منطقة قريبة جداً من الساحل، ومن يتمكن من السيطرة على مكة سيمتلك زمام الحرب بين الشيعة والسنة"، مستدركاً أن "الأيام القادمة ستشهد مواجهة حاسمة" معرباً عن اعتقاده بأن "الحوثيين والإيرانيين سيقومون باحتلال السعودية من الجنوب والغرب".

وأردف ليبكن أن “السعودية ستطلب العون من مصر وربما من إسرائيل ولكن داعش ستأتيهم من الشمال أيضاً”، مستطرداً أن “حرب السنة والشيعة المستمرة منذ 1400 سنة ستنتهي عندما يسيطر أحد الطرفين على مكة”. وبذلك يدعو “ليبكن”، معتمدًا على نُبوءات “الكتاب المقدس”، المسيحيين واليهود للتوحد من أجل استعادة مكة، التي تعد أرضًا مقدسة للديانتين معًا.

الكاتب "ليبكن" الذي دأب على الظّهور في كثير من الفضائيات الدينية التابعة للمسيحية الصهيونية في أمريكا، داعيا إلى تشكيل حلف مسيحي صهيوني لتقسيم السعودية واحتلال الكعبة، يوصي بالاستفادة من الحركة الحوثية التي تستهدف الأراضي السّعوديّة، وتضع عينها على مكّة والمدينة، وإلى توظيف العقائد الشيعيّة التي تغري أتباعها بضرورة استعادة مكّة والمدينة من أهل السنّة، وهو الحلم الذي لا يزال بعض المسلمين يتجاهلونه رغم توارد دلائل كثيرة تشي بأنّ الشّيعة يسعون سعيا حثيثا لتحويله إلى واقع؛ دلائل كثيرة ربّما لن يكون آخرها تصريحات بعض معمّمي الشّيعة وقادة مليشياتهم بأنّ انتصار حلب سيمهّد لتحرير مكّة والمدينة!

ويدعي ليبكن أن الله لم يكلم موسى عليه السلام في جبل طور سيناء، بل تم ذلك في جبل اللوز الواقع بمحافظة تبوك السعودية،ويدعو لتحالف مسيحي – صهيوني لتحريره من المسلمين، كما يدعي أن أرض الميعاد تمتد إلى مكة المكرمة، ويدعو أيضا إلى تشكيل حلف مسيحي- صهيوني لتقسيم السعودية واحتلال الكعبة ومنع المسلمين منها.

يعترف ليبكن ذاته علانية بنية مستدمرة إسرائيل الخزرية احتلال مكة المكرمة،ويؤكد أن الصهيونية ما تزال قائمة على الأساطير التي وضعها حاخامات السبي البابلي، ويعرب عن أمله بأن يصل الربيع العربي إلى السعودية،كي تطلب النجدة من أمريكا وإسرائيل،وبالتالي يصبح احتلال مكة المكرمة تحصيل حاصل، وهذا ما يفسر تزيين الصهاينة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان جرائمه بحق المواطنين السعوديين من ناشطين وعلماء وأثرياء حتى أن أذاه شمل أبناء عمومته الأثرياء والأقوياء.

ويأتي الهدف من هذا التزيين تسريع الإنفجار في السعودية، ليتسنى لأمريكا ومستدمرة إسرائيل إحتلال مكة رسميا وبطلب سعودي،بحجة أن الشيعة يدعون للهيمنة على مكة والمدينة،ويبدو أن المخطط الصهيو-مسيحي"الإنجليي " سينجح بسبب غباء البعض أو إتقانهم لدورهم وتفانيهم في خدمة أصولهم .

ويعتبر “ليبكن” أنّ التحركات المعارضة داخل السعودية تعدّ من الأمور التي على “اسرائيل” استغلالها في سبيل تحقيق هدفها. ويوضّح كلامه في أكثر من مقابلة، إذ يؤكد أن الربيع العربي لا بدّ أن يصل إلى السعودية التي ستطلب الحماية من الولايات المتحدة و”اسرائيل”، ما يقدم لليهود فرصة للسيطرة على مكة. في حين يظهر الكيان نفسه بصورة البطل الذي أنقذ آل سعود.

وفي سياق طرحه يدعو " ليبكن" المسيحيين واليهود للتوحد من أجل استعادة مكة، على اعتبارها أرضا مقدسة للديانتين معا مستشهدا بأقوال من الإنجيل والتوراة، وزاعما أن العهد الجديد حدد مكتن جبل سيناء على اعتباره في جزيرة العرب، وقد أكد ليبكن مرارا خلال مقابلات عدة له أن ما عرف بالربيع العربي لا بد سيصل يوما إلى السعودية، التي ستطلب بدورها الحماية من الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يوفر لليهود فرصة عظيمة للاستيلاء على مكة، بعد تقديم الكيان الغاضب نفسه على أنه المنقذ لآل سعود بعد إشاعة الفوضى، فهل ستنبه قادة العرب والمسلمون إلى هذا المخطط، أم أنهم أكلوا يوم أكل الثور الأبيض

واختتم ليبكن كتابه داعياً إلى اتحاد «المسيحيين واليهود» لاحتلال السعودية والإستيلاء على مكة موظفاً نصوص التوراة والأسفار المحرفة كما في كتبه، وزاعماً أن “نهاية مجد الإسلام باتت قريبة جداً” وهي النغمة النشاز التي دأب الكثير من قساوسة الدين المسيحي وحاخامات اليهود على ترديدها في كل المحافل.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

جاسب المرسومياصدارات تتجدد في طياتها روح التكوين والمدارس الأدبية المفعمة بالانطلاقة والتحرر من قيود الإفراط في النمط المتبع في كل لون أدبي له أساسيات بني عليه ذلك اللون الذي يحاكي الحب والوطن .

في القراءات الجديدة التي أصدرها الشاعر عباس باني في كتابه الأخير  (قراءات في دفتر الجنون) نرى صورة لمجموعة مدارس ربطت بين الحاضر والماضي لنمط شجاع تحرر من قيوده فانطلق نحو مدرسة كان قد وضع لها قداسا جديدا جامع بين الحداثة والقدم .

في جسد الشاعر شخصيتين، الأولى المستقرة اجتماعيا حسب ما يظهر والمتكيفة في ضلال عدم الحاجة، والتي لها القدرة في الوصول الى ما تبغي لكنها لا تنعكس ماديا مترفة على ضلال الأخرى المتعلقة في الجسد ذاته، وهي الشخصية ذات الجوف الدامي والأنا الباكية لجروح ذاكرتها القديمة والعميقة التكوين تلك التي تنزف الكلمات بإيقاعات مبنية على ذاكرة الزمكان المتفاوتان في آنيهما .

(حين تكون الطفولة مازالت عالقة بالحبل السري للزوال

.. المطر يبكي فراقه لعلو الغيوم).

ولم تتمكن الروح في الشخصية الأولى القضاء على القلق الدائم المبيت أرقه في حصارات على شبابيك الأنا المزدوجة والمزدحمة والتي لطالما استسلمت رغم محاولات الانفلات والهروب من غربتها كأنها تعشق ما تكنه الذاكرة المبطنة لتعيدها في منظور يتطور في صوره كلما كثرت كتابات عباس.

(متعلق بغرقي بكف المجهول الذي استطال الى همس الجنون).

وهنا في (قراءات في دفتر الجنون) يبحث عباس عن مخرج لانطلاقة يحاول فيها إدراك كل الكينونات المقيدة في كتاباته المختزلة لتلك الكينونات التي وضعت الإشراط والجزم والتجزر كأنها تشبه حصار أناته الذي ما انفك قائما، محاولا إدراك ذواته تماما في حرية مطلقة وصل فيها الى إرضاء كامل لما حبلت به الذاكرة النشطة للزمكان المنقرضان، والذي ولد جديدا بصياغة حديثة مبنية على قدسية الأنا المنصهرة في بودقة التحديث لعولمة الكاتب والذي يتحدث عن حاضر غائب في ضمير الأنتظار لحلم قد لا يتجاوز جملا على ورق أرادها أن تكون طويلة تعطي كل تصوراته مشبعة في انتظار الغائب .

(كي ارتقي سلالم النور على جسدي الباحث عن حرية الاختيار

ارمي صمتي بزجاج النوافذ لأرسم صورتك بكل الألوان

تضوع روحي بأنفاسك واسقط بين كفيك بريئا في صلاة الأسفار

أعرف انك لن تعودي وبانك ستأتين قبل موعد الانطفاء

سأنتظر ... سأنتظر).

وفي حافات أخرى للنصوص المفعمة بالتأله

(أصادق الأنبياء والمجانين والعشاق والثوار).

فهذه الفئات الأربعة تشكل عند عباس باني رموز إلاهية، هي تلك التي تتصف بكل صفات المنطق الذي لا يشبه الآخر، وهي الحقيقة في واقعها تماما لصناعة الحياة التي وضع هؤلاء أساسياتها في فلسفة الروحانيات والتجدد، وهي الروح التي تلامس ذاته بكل تفاصيلها الثورية، وأنا في الحقيقة أرى أن النصوص التي تصنع الحياة لا تأتي من فم عاقل أو سوي طبيعي لم يتصف بصفة من تلك الصفات الأربعة والتي تلازم نصوصه ومن حدا حدو جنونياته .

في دفتر الجنون حضورا متميزا لجملة مجانين صنعوا للحياة مزارات منها ما عبد ومنها ما استقام على أساسه الفكر فانبثقت منها السونيتات وينابيع العزف الروحاني في سيمفونيات مطولة، حضورا أنيقا لطاغور بفلسفة الحاضر ولجبران بصناعة الوجود المثالي للقصيدة ونيتشه المفعم بالحقيقة والوجود وكأنني أمام عالم من مدرسة لاهوتية تقتحم عالم الحداثة في إبداع عولمي متجدد أو انه يصنع جمهوريته ليطير بها متمردا ينعم بلحن متخصص في قراءات متجددة لإسفار التوراة والإنجيل وبعض من مفردات قرآنية.

(لان الحكماء دائما يصلبون على جذع الضوء الخارج من أرواحهم

لأنهم تعلموا كيف تتجاذب أرواحهم مع المعنى

دون أن يغلق بصيرتهم الضوء الساقط من حافة اللامعقول

لان شريعة المعنى فضيلة الغرباء).

وحين أتنقل بين أوراق القراءات في دفتر الجنون أرى أنني أعيش خاطرة الفلسفة الكونية في أحجية تهمس في أناتي لتوقظ فيها ذاكرة حاولت أن تجعل في إحساسها أسلوبا له ذات الانطلاق في تحضيرات عباس باني،إذ لم تزل الخطوط الأولى التي رسمت كتاباتي تنقش في خط الأسلوب ذاته لكنه تعثر في زحمة الأساليب فأصبح غير مستساغا ولم يرى منه النور سوى بعض مخطوطات صغيرة في كتيب اسمه (صور قيد التظهير) الذي انتهى متعثرا في أروقة الأرق والانتظار .

هنا وضع عباس كل ما حلم به وما أراد أن يوصله للقراء في صورة أدبية شجاعة وما أراد أن يوصله للحبيب المفقود في جنونياته والذي ما انفك منتظرا إياه رغم كونه متأكدا من أنه لن يأتي وضل يقول

(آتيك .. آتيك)

بعد يأس من كلمة

(تعالي .. تعالي)

ولم يزل يبحث عنها في كل قراءاته الى النفس الأخير مترجما أحزانه في البحث عنها لتشكل في قاموسه حياة أبدية وحلما من أجمل ما يكون

(بعد أن غسل النهار جنوني بحد ضياع ولادتي بين كفيك في كل حين

تعالي .. كل روحي اليك مهبطا

تعالي قبل أن تضيع براري الهوس بشرائع خرافة الألم في جبين العصور

تعالي)

هذا الحلم المفقود بنيت عليه تلك القراءات الكبيرة في جسد جنونياتها،، هذا الجنون الطفولي المكتشف في ذاته لذاكرة تدارست، لكنها لم تنقطع أحلامها ولهذا لم تزل تنتظر أملا يأتي وحلم عبر المواسم والأعوام رغم هروبها وهرمها .. هذا التاريخ الكوني الذي كتب في صفحاته المتدثرة بصفائح الروح لامرأة لا تشبهها ثانية، تعني كل أشياءه فهي التأريخ في كل المواسم وهي الفردوس والأسفار والوطن

(عيناها جدولة الكون حين ينهزم التأريخ من أوراقه، عيناها صديقة كل المواسم التي تنثر بساتين روحي بكل أزهار الفردوس، كانت امرأة خارج النساء حين ينبت ضلع الطين على أجسادهن، كانت وطن دون جدران المدن

كانت وكانت

افترقنا دون عنوان الروح بالمسير إلى وطن

دون وطن)

وللأماكن والمسارات التي قطع شوطها من الحزن الم ينشره على تلك الطرقات والقطارات والمطارات ورمل الشواطئ والمدن التي تقاذفته، والمواسم التي مر بها كمسافر دائم الأسفار حقيقة وتصور

(أنا ضيعت وجهي في زحمة المطارات التي ترتقي فوق تنفس الهواء الممزوج بالغيم أبحث عنه

ابحث في مرايا عابري السبيل باتجاه نقطة هوس البحر وقت ازدحامه على صخرة الرب

انتزع وجهي من المرايا وأعبر الشوارع دون انعكاس الضوء على عيون المكان)

وهو يحمل في حقيبة صغيرة بين أضلعه رمزا لحياة رغم كونه يعلم أنها أضحت خسارة وضلت حلما لم تأته حقائقها البتة، سوى أنها تشكل حاضرا بنيت على أساسه خاتمة التصور فأنتجت تلك الفلسفة الصوفية  وهذا العبور إلى مرحلة التيه والتوحد مع الذات التي ما انعس الحاضر ليأخذ أحلام الطفولة كأنه يضع الوجود الحقيقي لجمهورية القلب والروح كحقيقة يتلمس وجودها بين أضلع لم تزل تنظر خارج حدود الزمن.

(أصبح القلب خيط الأمس يمتد باتجاه وجوهنا التي كانت تؤشر الفرح في لقائنا

ما عادت هكذا وذبلنا من أجل لقاء قد لا يأتي أبدا الى دروبنا

وتقطعت علامات الحنين في كوابيس ارقنا

نما فقدان الذاكرة دون إشارة إني عشت أمسنا)

أما أنا فلم أزل أتيه بين الدفاتر الجنونية لعباس باني لعلي أصل الى حقيقة ما يريد رغم كونه أعط بجلية كل تصوراته لكنه لم يعط الحق بتصريح يجاز به القارئ ليصل الى كيفية التوحد بين المفترقات التي تزيح في دائرتها الثورية لعقلية الأديب المتفحص لعلة المنشور، ورغم استخدام كل أجهزتي الحديثة التكوين لكنني لم استطع تشخيص علَاته الكثر، وما زلت اعشق هذا التيه بين سطور هذه الصفحات المجنونة . ورغم ذاك فأنا لم أعط حق ما أعطيته أو يعطيه أي كاتب يقرأ (قراءات في دفتر الجنون) حقها،، فهي عمق كبير وشرخ واسع في ذاكرة الزمان والمكان والحداثة، فانا لم اعد أدرك منها سوى القليل كوني أراني أمام هرم كبير له قداسه وطقوسه .

 

الكاتب: جاسب المرسومي – العراق

 

 

الصفحة 6 من 6

في المثقف اليوم