قراءة في كتاب

قراءة في كتاب

تعدّ كتابات المفكّر الباحث "سعيد ناشيد" إبداعات فكرية وفلسفية تجديدية براغماتية، تصبّ في النهاية في مصبّ واحد غايته الأسمى: كيف نجعل من الفلسفة علاجا وشفاء لأسقام البشر؟ يقدّم لنا ناشيد في مؤلّفه القيّم الجديد "العقل والحنان" بعنوانه الفرعي "محاكمة فلسفية للحبّ" ـــــ تجربة فكرية متفرّدة، تجمع بين التأمّل الفلسفي والكتابة الأدبية والمحاكمة الرمزية، في محاولة لإعادة تعريف الحبّ خارج الصور الرومانسية المتداولة وخارج المقاربات النفسية السطحية. إنّه كتاب يضع الحبّ في قلب سؤال المعنى، ويعيد إليه مكانته الأخلاقية والكونية، من خلال المزج بين العقل الذي يمنح الوضوح، والحنان الذي يمنح الجذور. ومنذ الصفحة الأولى، يفتتح كتابه بتحديد إطار الفلسفة بوصفها فلسفة إصغاء للألم الإنساني قبل أن تكون بحثا في التجريدات، فيزحزحها من مجال الميتافيزيقا إلى مجال العناية، التي ستعود لاحقا كمفهوم محوري. لتصبح الفلسفة بهذا ملاذا ومنهجا للحنان والرفق، بسلاسة العارف يضع القارئ مباشرة في قلب أطروحته من خلال تسليط الضوء على الحبّ كمجال اختبار إنساني للفكر ذاته، وأكثر الجدليات الإنسانية طرحا وأقواها ديمومة، فيقول: "الحب ليس ترفا وجدانيا، بل فنّ عملي يقلّل قسوة العالم".

يعلن المؤلف انحيازه الواضح إلى الفلسفة بما هي إصغاء إلى الألم الإنساني قبل أن تكون بحثا في التجريدات. " الفلسفة ليست بحثا عن الحقيقة… بل هي الإصغاء إلى النداء الذي يتردّد في هذه العبارة: هناك إنسان يتألم ". فيبرز منذ الوهلة الأولى كيف تتحدد مهمّتا الفكر والعاطفة، ليس لينتزعا من العالم أسراره، بل ليخفّفا شيئا من قسوته.

يبدأ ناشيد الفصل الأوّل بمشهد مسرحي فلسفي ذكيّ، يخنزل الاتهام كفضح للأسطورة التي انحصرت مزاعمها بأنّ الحب قوة مقدّسة وعمياء، فيظهر فيه الحبّ متَّهَم بمحكمة المشاعر، وتصبّ عليه اتهامات النيابة العامة، بكونه مخدّر قوي يقود الناس إلى الوهم بدل الفهم، فتتّهمه بالجرائم الأخلاقية والوجدانية التي تسبب بها عبر التاريخ من قلق، توتر، جراح نفسية، انتحار، جنون عاطفي وخيبات متراكمة. وهو بهذا الإطار لا يرمي إلى مجرد حبكة فنيّة، بقدر ما يرمي إلى مهمّة فلسفية يريد من خلالها زعزعة التصورات الساذجة عن الحب، ويعيد بناءه كقيمة إنسانية ناضجة.

يتقدّم الحبّ إلى منصة الاتهام. ليس لأنّه مذنب، بل لأنّ البشر حمّلوه ما لا يحتمل. فيذكّرنا ناشيد بأنّنا غالبا ما نتّهم الحبّ بأنّه سبب شقائنا، بينما الحقيقة أنّنا نستخدمه للهروب من شقائنا الداخلي. فيورد اعترافا صريحا: "كم تستخدمون الحبّ للهروب من شقاء أنفسكم ثم تتّهمونه بأنّه سبب بؤسكم"، لينقلب منظور القراءة، على أنّ الحب ليس خلاصا جاهزا، وليس وعدا بالسعادة، بل امتحان للحرية الداخلية. وهو إذ يقحم عبارات الشقاء والبؤس والاتهام، إنّما يرمى بكلامه بأنّ الخوف من الحب لا يعود إلى الحب ذاته، بل إلى خوفنا من أن نكون مسؤولين عن مشاعرنا وقابلين للانكسار. ويبلغ الفصل ذروته حين يقول: "معنى أن تحب أن تتخلى عن أمانك… أن تمشي كالمسرنم لأنّك رأيت نورا لم يره سواك ". كأنّه بقوله يستجلي مغامرة الحبّ، باعتبارها مخاطرة وجودية لا يُقدم عليها إلا من يملك شجاعة خلع درعه الداخلي. فينتصر إذا أدرك بأنّ الحبّ حدث وجودي مفصلي ضدّ التفاهة واختزال العلاقات، وثورة ناعمة ضد القسوة، إعلان حرب فلسفية على الحب الساذج، ومرافعة عقلانية ضد الابتذال العاطفي، وتأسيس لفكرة أن الحب أخلاق ومسؤولية وعناية، كما أنّه فضح للوهم الرومانسي الذي يحكم حياتنا الحديثة، وعودة إلى جوهر إنساني عميق يعيش بمدأ الحنان، ويؤمن بأنّ "الحب يوجع حين يكون خرافة / ويشفي حين يصبح فضيلة ".

أما الفصل الثاني " مرافعات الدفاع "، حيث تستدعى شخصيات فلسفية وروحية من عصور مختلفة للدفاع عن الحبّ، بعد أن وُجّهت له اتهامات ثقيلة الفصل الأوّل، تصل المرافعات إلى أنّ الحبّ ليس مذنبا، بل البشر هم الذين يمارسونه بطريقة سيّئة، وإذا وقفنا عند عتبة تاريخ الفكر البشري، وجدنا الفلاسفة يبرّئونه، فالحبّ الافلاطوني ارتقاء، والرواقي تهذيب، ويراه ابن عربي نور، ويعتبره سبينوزا قوّة، ويصنّفه كانط ضمن الأخلاق، أمّا كيركارد فيعدّه حرية، كما يراه هيجل وحدة خلاّقة، لنخلص مع الكاتب إلى أنّ الحب هو تلك التوليفة التي نبنيها بوعي، فنجعل منها فضيلة نصنعها بالعقل، ونهذّبها بالحنان ونطوّرها بالحرية، في ذات الفصل يدافع العلم عن نفسه أمام قلق العصر. يطرح المؤلف سؤالا جديدا، ماذا لو صارت الآلات قادرة على محاكاة الحنان؟ هل سيبقى الإنسان محتاجا إلى الحب؟. يقرّ ناشيد بصرامة غير مسبوقة: "عندما تصبح الروبوتات قادرة على تقديم المتعة دون شروط… فإنها تهدّد الحق الحميمي للإنسان في أن يحب بوصفه كائنا ناقصا ". هنا يقدّم الكاتب واحدة من أهم أطروحاته تجعل عظمة الحب تكمن في عيوبه، في هشاشته، في كونه لقاء بين كائنين غير مكتملين. وإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا على تقليد كل شيء تقريبا، فإنّه أعجز عن تقليد النقص البشري، هذا النقص الذي يجعل الحب ضروريا وغير قابل للاستبدال.

يحضر الفلاسفة إلى قاعة المحكمة ــــ كفصل ثالث ــــ يدخلون بلا صخب، وتمثلهم شخصية مجازية اسمها "محبّة الحكمة". تتقدّم الفلسفة لتقول إنّ الحبّ لا يمكن أن يفهم دون العقل، وإن العاطفة وحدها لا تبني علاقة صلبة. هنا يقدّم ناشيد الصورة التشبيهية الأقوى في الكتاب، حين يشبّه الحب بشجرة جذورها في الحنان وأغصانها في العقل. فيقول: " الحنان هو التربة التي تمنح الحب جذوره… أما العقل فهو الهواء الذي يمد الشجرة بأفقها ". عبارة تفضي إلى القول بأنّ حبّا بلا جذور يذبل سريعا، وحبّا بلا عقل يشتعل كالنار وينطفئ، أما الحب الناضج فهو ذاك الذي يجمع بين لغة الأمومة الكونية ولغة التبصّر. فينتفي مفهوم الحبّ الذي يوصف بأنّه حالة وجدانية فورية، ويتأسّس مفهومه الصحيح بأنّه بناء يتطلّب يقظة، وتهذيبا للمشاعر، وحماية من فوضى اللاوعي.

في الفصل الرابع، يتكلم الحب نفسه. يتحدّث لا كمنتصر ولا كضحية، بل ككائن هشّ أنهكته توقعات البشر. يقول: "ذنبي الوحيد أنّني لم أستطع أن أدفع عنكم العذاب كما كنتم تتوقعون ". فالحبّ لا يعد بالأمان، ولا يملك عصا سحرية لإلغاء الفقد والموت، لكنّه يمنح معنى للعالم. وهو، رغم هشاشته، مرن بما يكفي ليحمل البشر إلى الأعالي حين ينضجون ويكونون قادرين على احتماله. هنا يتجلىّ الكتاب في أعمق لحظاته، حين يضع الحب أمام القارئ كمسؤولية، لا كحلم. يتوسع الكتاب في ترويض البشر على الحب. ليصفه ناشيد بأنّه " فنّ يحتاج إلى تدريب، وأنّه لا يُولد مكتملا، بل ينمو في التفاصيل اليومية، في الاعتذار، في الصبر، في الإصغاء: "الحبّ ليس حدثا انفعاليا، بل تمارين روحية ". تمتدّ أفكار الكاتب إلى الطفولة، البذور الأول لميلاد مشاعر الحبّ، فيسند مهمّة التهذيب إلى تربية الطفل باللّعب، إذ يعتبر هو مختبر الحب الأول، والحكاية هي مجال زرع الرحمة، فتربية الأطفال على الحنان والحب، ليست رفاهية تربويّة، بل تأسيس لعالم أقل قسوة.

وفي الصفحات الأخيرة، يفتح ناشيد الكتاب على أفق كوني، حين يربط الحب بالسؤال الوجودي الأعمق: لماذا نحن هنا في هذا الكون اللامتناهي؟ يكتب: "عزلتنا ليست نقصا في ضجيج الكون، بل فائضا في المسؤولية" . وبمنطق الحكمة والغاية الأسمى، يصبح الحب ليس مجرد علاقة بين شخصين، بل موقفا إتيقيا في الحياة نفسها، ضمن هشاشة البشر، وتجاه الكائنات التي نتقاسم معها المصير.

هكذا يقدّم كتاب"العقل والحنان" رؤية فلسفية متكاملة تضبط مفهوم الحبّ على أنّه ليس تملّكا ولا اندفاعا رومانسيا، ولا مجرّد رغبة، بل مقام أخلاقي وروحي يجمع بين عمق الحنان وصفاء العقل، بين الأرض والهواء، بين الحاجة إلى الآخر والحفاظ على حرية. إنه كتاب يذكّر القارئ بالآلية والغائية من الحبّ كقيمة كونية عالية، تعلّمنا كيف نعيش ولماذا نعيش.

***

ليلى تبّاني ــــ الجزائر

 

يُعَدُّ الشِّعْرُ الجاهليُّ أحدَ أهَمِّ مَصادرِ مَعرفةِ تاريخِ العَرَبِ قَبْلَ الإسلام، فَهُوَ سِجِلٌّ للبيئةِ والثقافةِ والقِيَمِ والمِخْيَالِ الجَمْعِيِّ في تِلْكَ الحِقْبَة. وهَذا الشِّعْرُ كانَ ومَا يَزَالُ مِحْوَرَ جَدَلٍ بَيْنَ الباحثين، خَاصَّةً بَعْدَ صُدورِ كتاب " في الشِّعْرِ الجاهليِّ " (1926) للدُّكتورِ المِصْرِيِّ طه حُسَيْن (1889 - 1973)، ومَا تَلاه مِنْ رُدودٍ عِلْمِيَّة، أبرزُها كِتاب " مصادر الشِّعْرِ الجاهليِّ وقيمتها التاريخية " (1956) للدُّكتورِ الأُرْدُنِيِّ ناصر الدِّين الأسد (1922- 2015). وَقَدْ مَثَّلَ الكِتابُ مُوَاجَهَةً عِلْمِيَّة مَنْهجية لأُطْرُوحاتِ طه حُسَيْن. وَمِنْ خِلالِ هَذا السِّجَالِ يُمكِن مُقارَبة رُؤيَتَيْن مُخْتَلِفَتَيْن في التعاملِ معَ النَّصِّ الشِّعْرِيِّ الجاهليِّ، رُؤية تُشكِّك في أصالته، وأُخْرَى تُدافِع عَنْها بِمَنْهَجٍ نَقْدِيٍّ صارم.

أثارَ طه حُسَيْن جَدَلًا واسعًا حِينَ أعْلَنَ أنَّ مُعْظَمَ الشِّعْرِ الجاهليِّ مَنْحولٌ، وأنَّه صُنِعَ في صَدْرِ الإسلامِ والقُرونِ اللاحقةِ لأغراضٍ دِينية وسِياسية وَقَبَلِيَّة. وَقَدْ بَنى استنتاجَه على مَنْهَجٍ تأثَّرَ بالشَّكِّ الدِّيكارتيِّ، وفِكْرَةِ إخضاعِ التُّراثِ للاختبارِ العَقْليِّ، فَذَهَبَ إلى أنَّ البيئة التي يُصورِّها الشِّعْرُ لا تَنسجِم دائمًا معَ الصُّورةِ التاريخيةِ للعَرَبِ الجَاهِلِيِّين، وأنَّ اللغة التي نُقِلَ بِها الشِّعْر مُتماسكة أكثرَ مِنَ اللازمِ لِتَكُونَ نِتاجًا لِقُرونٍ شَفَوِيَّة طويلة. كما رَأى أنَّ نَشْأةَ عُلومِ اللغةِ والبَلاغةِ والنَّحْوِ في العَصْرِ العَبَّاسِيِّ قَدْ أوجدتْ بِيئةً خِصْبَةً لاختلاقِ أشعارٍ تُسنَد إلى الجَاهِلِيِّين، لِتأكيدِ صِحَّةِ قواعدِ اللغةِ، أوْ خِدْمَةِ العَصَبِيَّاتِ القَبَلِيَّةِ والأغراضِ السِّياسية.

لَمْ يَكُنْ هَدَفُ طَه حُسَيْن هَدْمَ التُّراثِ بِقَدْرِ ما كانَ مُحاولة لإعادةِ قِراءته، لكنَّه صاغَ فَرَضياته بطريقةٍ قَطْعية أثارتْ حَفيظةَ العُلَماءِ واللغويين وأهلِ الأدبِ، الذينَ رَأَوْا أنَّ مَنْهَجَه تَسَرَّعَ في الحُكْمِ دُون الاعتمادِ الكافي على أدواتِ النَّقْدِ اللغويِّ والتطبيقي.

مَثَّلَ ناصر الدِّين الأسد في كِتابه " مَصادر الشِّعْرِ الجاهليِّ وقيمتها التاريخية " نَمُوذَجًا للمَنْهَجِ العِلْمِيِّ الذي يَجْمَعُ بَيْنَ احترامِ التُّراثِ والنَّقْدِ المَوضوعيِّ، فَقَدْ تناولَ أُطْرُوحاتِ طه حُسَيْن بالتحليل، مُعْتَمِدًا على دِراسةِ الوثائقِ اللغوية، والرِّواياتِ القديمة، ومُقَارَنَةِ الأساليبِ الشِّعْرية، واسْتِقْرَاءِ تاريخِ التَّدْوينِ الشَّفَوِيِّ والكِتابيِّ عِنْدَ العَرَبِ.

ورأى الأسدُ أنَّ وُجود رِوايات مُتعددة للشِّعْرِ الجاهليِّ، وَتَفَاوُت الصِّيَغ، واختلاف الرِّواية بَيْنَ قَبيلةٍ وأُخْرَى، كُلُّ ذلك لا يَنْهَضُ دَليلًا على الانتحالِ، بَلْ هُوَ سِمَة طبيعية للتقاليدِ الشَّفَوِيَّةِ في الثقافات القديمة. كما أكَّدَ على أنَّ خَصائصَ اللغةِ الجاهليَّة في النُّقُوشِ العربيةِ الشَّماليةِ والجَنوبيةِ تتوافق إلى حَدٍّ كبير معَ ما نَجِدُه في الشِّعْرِ الجاهليِّ، مِمَّا يُقَوِّي فِكْرَةَ أصالته. كذلك رَفَضَ الأسدُ فِكْرَةَ الانتحالِ الواسعِ، مُبَيِّنًا أنَّ دَوافعَ الوَضْعِ، إنْ وُجِدَتْ، لا يُمكِن أنْ تُنْتِجَ هَذا الكَمَّ الضَّخْمَ مِنَ الشِّعْرِ المُتَمَاسِكِ فَنِّيًّا وَلُغَوِيًّا، والمُتَنَوِّعِ مَوضوعًا وزمانًا ومكانًا.

طه حُسَيْن اعتمدَ مَنْهَجَ الشَّكِّ الدِّيكارتيِّ، وبدأ مِنْ فَرَضِيَّةِ التَّشكيكِ في صِحَّةِ نِسْبَةِ جُزْء كبير مِنَ الشِّعْرِ الجاهليِّ للجاهليين، مُعْتَبِرًا أنَّ الشَّكَّ هُوَ الطريقُ للوُصولِ إلى اليقين. والأسدُ اعتمدَ مَنْهَجًا تَقْليديًّا عِلْمِيًّا يَقُوم على الدِّراسةِ اللغويةِ والتاريخيةِ والمُقَارَنَةِ النَّصِّيةِ، معَ إعطاءِ وَزْنٍ أكبر لِجُهودِ النُّقَّادِ واللغويين العَرَبِ القُدَمَاءِ.

طه حُسَيْن شَكَّكَ في مَوْثوقيةِ الرِّوايةِ الشَّفَوِيَّةِ، واعتمدَ سِياسةَ التَّشكيكِ تُجَاه الرُّواةِ. والأسدُ اعتبرَ الرِّوايةَ الشَّفَوِيَّةَ العَرَبية ذات مِصْداقية، خاصَّة معَ وُجودِ طَبَقَاتٍ مِنَ الرُّواةِ والنُّقَّادِ الذينَ اشتغَلُوا على التَّمْحِيص.

طه حُسَيْن تأثَّرَ بالمَناهجِ الغَرْبيةِ الحديثة في النَّقْدِ الأدبيِّ والبحثِ التاريخيِّ تأثُّرًا مُبَاشِرًا. والأسدُ، وإنْ كانَ مُطَّلِعًا على المَناهجِ الحديثة، فإنَّه بَقِيَ أوثقَ صِلَةً بالمَناهجِ العَرَبيةِ التقليديةِ وبأُصولها العِلْمِيَّة.

طه حُسَيْن رأى أنَّ تجانسَ لُغَةِ الشِّعْرِ الجاهليِّ دليلٌ على صَنْعَةِ الرُّوَاةِ، وتَدَخُّلِهِم في تَوْحيدِ اللغةِ. والأسدُ عَدَّ هَذا التجانسَ نَتيجةَ وَحْدَةِ اللهجةِ الأدبيةِ عِندَ العَرَبِ، ولَيْسَ دَليلًا على الانتحال.

هَذا السِّجالُ أثَّرَ بِعُمْقٍ في الدِّراساتِ الأدبية العربية، إذْ فَتَحَ البابَ أمامَ مناهج جديدة في فَحْصِ النُّصُوص، وفي الوقتِ نَفْسِه دَفَعَ الباحثين إلى تَطويرِ عِلْمِ التَّحقيقِ والتَّنقيبِ عَن الوثائقِ والآثارِ التي تُثْبِتُ أوْ تَنْفي الفَرَضِيَّات.

يَظَلُّ الجَدَلُ بَيْنَ طه حُسَيْن وناصر الدِّين الأسد مِنْ أبرزِ المَحَطَّاتِ في تاريخِ النَّقْدِ العَرَبيِّ الحديثِ، فَهُوَ سِجَالٌ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى الدِّفاعِ أو الهُجومِ، بَلْ صَاغَ اتِّجَاهَيْن مَنْهَجِيَّيْن أثرَيَا حَقْلَ دِراسةِ الأدبِ العَرَبيِّ القديم.

وإذا كانَ طه حُسَيْن قَدْ هَزَّ الثوابتَ، وَلَفَتَ الأنظارَ إلى ضَرورةِ إعادةِ قِراءةِ التُّراثِ، فإنَّ ناصر الدِّين الأسد أعادَ التوازنَ بِمَنْهَجٍ عِلْمِيٍّ دقيق يُثْبِتُ أنَّ النَّقْدَ لا يَعْني الهَدْمَ، بَلْ الفَهْم العَميق للنُّصُوص. ومَا بَيْنَ الشَّكِّ والدِّفاعِ تَتشكَّل رُؤيةٌ أكثرُ نُضْجًا للشِّعْرِ الجاهليِّ، قائمة على التَّحقيقِ والتَّوثيقِ والانفتاحِ على المَناهجِ الحديثةِ دُون التَّفْريطِ في الثَّرْوَةِ التُّرَاثيةِ ذات القِيمة الثقافية والحَضَارية.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

غالبا ما تتقلّص حظوظ التوافق بين الدارسين بشأن موضوعيْ الهوية الدينية والشخصية الحضارية، حين يطغى الطابع المجرّد على التناول، بدل المعالجة الرصينة التي تدنو من المقاربة العلمية. وهذا ما ينطبق على دراسة وقائع اليهودية أيضا. إذ ليس من السهل اليوم التنبؤ بالاتجاهات الديمغرافية والاجتماعية والثقافية التي تتحكّم بمسارات اليهودية في مستهلّ القرن الحادي والعشرين، ومن ثَمّ رصد آثارها على المستوى البعيد. ولذا بات التعويل على المنهج العلمي، ولا سيما منه الديمغرافي والإحصائي، الأوفر حظّا بالقبول عند معالجة قضايا ذات صلة بالحضور الفاعل للجموع الدينية. على هذا النهج سار خبير الديمغرافيا اليهودية سرجيو ديللا بِرغولا في معالجة قضايا متشعّبة على صلة بالهوية الدينية اليهودية في الزمن المعاصر، وبتكتّل بشري يدين بدين الذين هادوا، قُدّرت أعداده خلال العام الفائت (2023) بـ 15.7 مليون نسمة.

في كتابه الصادر باللغة الإيطالية (2024) تحت عنوان "في معنى اليهودي اليوم.. ثبات الهويّة وتحوّلاتها" -ونودّ أن نشير في مستهلّ حديثنا إلى أنّ الكتاب صيغ قبل أحداث السابع من أكتوبر 2023 في غزّة، وما لها من تداعيات كبرى على المشهد اليهودي العالمي- يوزّع المؤلف سرجيو ديللا بِرغولا بحثه على تسعة محاور تأتي معنونةً في قالب تساؤلات، على غرار ما معنى اليهودي اليوم؟ وما الذي نريد معرفته؟ وما هو جوهر اليهودية؟ وعبر أي مضامين تتجلى الهوية اليهودية؟ وكيف تتجلى الهوية بشكليها الفردي والجماعي؟ وكيف نحصي اليهود ونصنّفهم؟ وغيرها، ويحاول تناول القضايا من منظور ديمغرافي إحصائي، معتمدا الجداول والرسوم، مع ردف ذلك بتحليلات معمّقة وموثّقة.

يستند ديللا بِرغولا في قراءته على الاستبيانات والمعطيات الإحصائية، ويستحضر جملة من الأسئلة الجوهرية التي يحاول الإجابة عنها بلغة الأرقام، مثل هل اليهود في العالم وفي كثير من البلدان هم في تزايد أم في تراجع؟ وعبر الزمن هل أصبح اليهود أكثر تديّنا أم جرفهم التراجع؟ وهل هم متآزرون أم موزَّعون بحسب الأهواء الأيديولوجية والسياسية والعقدية؟ وهل هم أكثر اندماجا في المجتمعات الحاضنة أم هم أكثر التفافا حول بعضهم البعض؟ وهل هم أكثر تقبّلا في المجتمعات الحاضنة أم هم أكثر دحرا وعزلا؟ هذه الأسئلة وغيرها يطرحها خبير الديمغرافيا سرجيو ديللا بِرغولا، الإيطالي المنشأ والمختصّ في الشتات اليهودي وفي التجمع اليهودي في دولة إسرائيل. نشير إلى أن ديللا بِرغولا قد غادر إيطاليا نحو القدس سنة 1966، مع ذلك ظلّ محافظا على تواصله مع الساحة العلمية. سبق له أن تولى مهام رئاسة "معهد أفراهام هارمان" للدراسات العبرية المعاصرة في الجامعة العبرية بالقدس. وقد أصدر مجموعة من المؤلفات منها "إسرائيل وفلسطين وقوة الأرقام: صراع الشرق الأوسط بين الديمغرافيا والسياسة" (2007)، "التحولات الديمغرافية للشتات اليهودي" (1983).

يطرح خبير الديمغرافيا ديللا بِرغولا منذ مطلع كتابه جملة من التساؤلات، مثل معنى أن يكون المرء يهوديا اليوم؟ ومَن بوسعه أن يعرّف نفسه أنه يهودي؟ وكيف تتجلى الهوية اليهودية على مستوى فردي وعلى مستوى جماعي وعبر أي مضامين؟ ومن ثَمّ يجيب رأسا عن تلك القضايا المثارة قائلا: ضمن السياق التاريخي الأوروبي، أي ما قبل الانعتاق، كان الشخص يُعَدّ عبريا من خلال الدين، ومن خلال العرق، ومن خلال اللّغة، ومن خلال موطن الإقامة، وكذلك من خلال الشغل الذي يتعاطاه، وما شابه ذلك. وهذا ما يدعم الفصل بين اليهودي وغير اليهودي ويعزّزه. في حين اليوم تغيرت المعطيات وهي بصدد مزيد من التحوّل. فقد ظهرت هوية يهودية معاصرة يلعب فيها الدين دورًا مهمّا، ولكن ليس الغالب. ويلُوح ذلك خصوصا في إسرائيل، حيث يستبطن الشبّان المتحدّرون من أرومة أمريكية مواقف جريئة نقدية إزاء الحكومة الإسرائيلية. واعتمادا على ثلاثة استطلاعات موسعة (الأول يعود إلى العام 2013، وقد قام به "مركز بيو" للأبحاث الدينية في واشنطن، الولايات المتحدة؛ والثاني يعود إلى العام 2015، وهو من إعداد "مركز بيو" للأبحاث الدينية أيضا؛ والثالث أُنجز خلال العام 2018، وهو من إعداد وكالة الحقوق الأساسية في الاتحاد الأوروبي المعروفة بـ "فرا" "Fundamental Rights Agency"). يحاول ديللا بِرغولا مقاربة الموضوع من منظور نتائج سبر الآراء، بما يساعد على تفهم الظاهرة التي نتابعها.

وضمن رصد التموجات الديمغرافية اليهودية وتفاعلاتها يذهب ديللا بِرغولا، إلى غياب الإجماع بين الخبراء المعاصرين إن كانت الجموع اليهودية اليوم في تمدّد أو انكماش، وإن كان ثمة عودة للدين أو هجران له نحو العلمانية. وبالمثل ليس هناك اتّفاق حول ما إذا كانت دولة إسرائيل تلعب دورا رئيسا في بناء الهوية اليهودية، أم هي في سياق يعزّز التباعد بين الشتات اليهودي وإسرائيل. وبالنهاية إذا ما كان اليهودي المعاصر هو نسبيا في مأمن مقارنة بما سبق في المجتمعات غير اليهودية، أم أنه يظلّ ضحية الأحكام المسبقة والأشكال العدائية.

ويقول ديللا بِرغولا في خضمّ رصد هذا الحراك الديمغرافي، من الطبيعي أيضا تبيّن كيف يتمثّل اليهودُ اليهوديةَ وكيف يعي أعضاء الجماعات اليهودية انتماءهم الجماعي؟ وما هي الخيارات الشخصية التي تعكس أنماط التفكير والسلوكات المفضلة وشبكة العلاقات المختارة من الأفراد للحضور أمام الآخرين داخل الجموع العامة وخارجها؟ ذلك أن الإجابات المتاحة تُشكلُ سلسلة من التمثلات تتغاير بحسب الانتماء إلى "الحريديم" (الذين يخشون الله)، أو إلى "الأرثوذكس"، أو إلى "الإصلاحيين"، أو إلى "التقدميين"، أو إلى "اليهود بكل بساطة"، أو إلى "الهجناء" (أي المتحدّرون من آباء مختلفي الانتماء). وفي محاولة لإيجاد إجابة شافية لتلك الأسئلة السالفة، يستحضر الكاتب مراعاة تعاليم (الميزفوت)، أي جملة الأوامر والنواهي الشرعية الـ 613، التي من ضمنها الوصايا العشر والتي تمثّل جوهرَ مراعاة الدين. حيث تكشف نتائج التحقيق الذي سهرت عليه "وكالة الحقوق الأساسية في الاتحاد الأوروبي" (فرا) أنّ المشاركة في عيد "السدر"، ذكرى الخروج من مصر، وما يشمله من أداء الطقوس وإقامة الصلوات يبلغ (74 بالمئة)؛ وأما صوم كيبور (يوم الغفران) فهو يفوز بـ (62 بالمئة)، في حين تبلغ نسبة المواظبين على إشعال الشموع عشية الجمعة التي تعلن بداية السبت (47 بالمئة)؛ وأما تناول الكاشير، أي الحلال اليهودي، في البيت فهو في حدود (34 بالمئة)؛ في حين يفوز التردد على البيعة لمرة واحدة على الأقل أسبوعيا من قبل الأفراد نسبة (23 بالمئة)؛ وأما الامتناع عن إشعال النور الكهربائي ليلة السبت فيبلغ (15 بالمئة)؛ في حين تحصد نسبة (17 بالمئة) عدم مراعاة أي من تلك التعاليم.

ولا يمكن أن يغيب عن الجدل بشأن الهوية اليهودية الحديث عن اختبار الحمض النووي المتعلق بالأسلاف. يبرز ديللا بِرغولا أنّ العديد من الدراسات الحديثة قد حاولت اعتماد الدراسات الجينية بشأن أصول اليهود. حيث أفصحت الأبحاث أن التحدّر من جذر نسوي يفوز بنسبة أقل، وهو يلوح أكثر تعقيدا من التحدر من جذر ذكوري، يُقدَّر تاريخه بـ 3500 سنة فائتة. ولكن في خضمّ الجدل الجيني المثار بدا أن المتحدّرين من طبقة الكهنة، ممن يعودون إلى قبيلة لاوي، الأقدم منشأ، تجمعهم بعض السمات المميزة، وهو ما يرجَّح تحدّرهم من أصل إبراهيمي.

وأثناء الحديث عن أعداد اليهود وتطوراتهم، يقول ديللا بِرغولا: ظلّت أعداد اليهود على مدى خمسة قرون، أي خلال الفترة الممتدّة بين القرن الثاني عشر والقرن السابع عشر الميلاديين، متراوحة بين المليون ونصف المليون وبين المليون. وبحلول العام 1900 قُدّرت أعداد اليهود بـ 10.6 مليون، بتزايد أربع مرات مقارنة بالعام 1800. وبعد اندلاع الحرب العالمية شهدت أعداد اليهود شيئا من التباطؤ، لكن التزايد العام ظلّ ملاحَظا. ومع عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية بلغت أعداد اليهود أوجها التاريخي لتبلغ 16.5 مليون نسمة. ولا يجد التزايد المتسارع للجموع اليهودية في أوروبا الشرقية، إبان الفترة المتراوحة بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين، من تفسير سوى جراء الهجرات الجماعية، والاهتداءات الموسعة لليهودية من الأهليين، وهو ما لم نشهد له مثيلا في الحقبة المعاصرة. وعلى العموم، كما يخلص ديللا بِرغولا، ثمة عوامل لطالما أثّرت على أعداد اليهود، مثل انتشار الأوبئة، واقتراف المذابح، والاهتداء القسري للجماعات اليهودية.

هذا وقد خلّفت الأحداث الكبرى التي شهدها القرن العشرون آثارا غير مسبوقة على التجمعات اليهودية، بما ألحقته من تأثيرات مباشرة على الديمغرافيا اليهودية. فقد مثّل مقتل جموع هائلة من اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية فقدانَ 36 بالمئة من مجموع يهود العالم، وبما يزيد عن 60 بالمئة من يهود أوروبا، فضلا عن تدمير شبه تام للطوائف اليهودية وسط أوروبا وشرقها، تلك الطوائف التي شكلت العمود الفقري للتزايد اليهودي خلال القرن التاسع عشر. والملاحظ أن تراجع الأعداد لا يعود إلى عوامل الإبادة فحسب، بل إلى التزايد البطيء أيضا داخل الجماعات اليهودية كما يرصد ديللا بِرغولا.

صحيح تختلف معدلات التزايد بين الجماعات اليهودية في العالم، ولكن الملمح الأبرز الحاصل بين 1970 و2023 ألا وهو استبدال الموقع بين الجماعتين اليهوديتين الأكبر عددا بين الولايات المتحدة الأمريكية (1970) وإسرائيل (2023) بعد أن كان التكتل الأكبر في أمريكا. وبحلول العام 2023 أضحت الولايات المتحدة وإسرائيل تضمّان 85 بالمئة من يهود العالم. ومن بين 24 بلدا يضمّ أكبر الجماعات اليهودية، نجد اثنين في أمريكا الشمالية (كندا والولايات المتحدة)، وستة في أمريكا اللاتينية (الأرجنتين، والبرازيل، والمكسيك، والأوراغواي، وتشيلي، وبنما) وعشرة بلدان في أوروبا الغربية (فرنسا، والمملكة المتحدة، وألمانيا، وهولندا، وبلجيكا، وإيطاليا، وسويسرا، والسويد، وإسبانيا، والنمسا)، واثنين في شرق أوروبا (روسيا وأكرانيا)، وبلدا واحدا في كلّ من أرض البلقان (تركيا)، والأقيانوس (أستراليا)، وإفريقيا (جنوب إفريقيا).

تميَّز تاريخ الشعب اليهودي بطابع الهجرات العالمية بشكل دائم، وكذلك الهجرات على المستوى القاري أيضا، وذلك منذ أزمنة بعيدة. وقد ترافقت التحولات الديمغرافية الكبرى في أوساط اليهود مع التحولات الجيوسياسية العالمية، ولا سيما مع تحلّل الإمبراطوريات الكبرى وظهور أنظمة عالمية جديدة. تمخّض أفول الإمبراطورية البريطانية عن ظهور إسرائيل على الساحة الدولية سنة 1948 وانطلاق موجات "العاليا" (الهجرات) الكثيفة باتجاه إسرائيل. وتكشّف انتهاء الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية وانطلاق موجة تصفية الاستعمار في شمال إفريقيا، في خمسينيات وستينيات القرن الفائت، على نزوح طوائف يهودية محلية بأسرها، من تونس، والجزائر، والمغرب، وليبيا، ولم يبق منها سوى النزر القليل.

البيّن كما يعاين ديللا بِرغولا أنّ حركة التوزيع الديمغرافي لليهود، قد ظلّ تأثيرها كبيرا على المستويين الثقافي والاقتصادي في مختلف العصور. وهو ما انعكس بشكل لافت على القيم الاجتماعية والسلوكية، وعلى التنظيمات الداخلية للطوائف اليهودية في العالم. وقد تحول مركز الثقل اليهودي هذا، عبر التاريخ، من المشرق العربي إلى الأندلس، ليتركز في مرحلة لاحقة في الإمبراطورية الروسية، ثم اتجه خلال القرن العشرين صوب الولايات المتحدة، وليتحوّل منذ العام 1948 نحو دولة إسرائيل. ومن زاوية الثقافة الأكثر تأثيرا في الحاضر، نجد جموع اليهود التي تتركز بشكل غالب في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، وهي بنسبة تعادل 45.7 بالمئة من المجموع العام، وفي البلدان الناطقة بالإنجليزية (المملكة المتحدة، وإيرلندا، والولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا) بـ 44.6 بالمئة. أم باقي النسبة 9.7 بالمئة من يهود العالم، فهي تتوزع بين أوروبا الكاثوليكية (3.5 بالمئة)، وأمريكا اللاتينية (2.4 بالمئة)، وأوروبا البروتستانتية (1.6 بالمئة)، والبلدان الشيوعية سابقا (1.6 بالمئة)، وإفريقيا (0.4 بالمئة)، والبلدان التي تدين بالكنفشيوسية وآسيا الجنوبية (0.2 بالمئة معا).

وبالتالي تلوح نسبة توزيع اليهود على الألف ساكن متفاوتة جدا: تبلغ حوالي النصف في إسرائيل (من ضمنها سائر الجموع العربية في الأراضي الفلسطينية)، وهي تقترب من 14 بالألف في البلدان الناطقة بالإنجليزية، وتتراوح بين 2.5 و 1.5 بالألف في أوروبا بشقيها الكاثوليكي والبروتستانتي، وتبقى النسبة أقلّ من واحد بالألف في أمريكا اللاتينية وفي البلدان الشيوعية سابقا، وهي تتنازل إلى قرابة الصفر في كل من آسيا وإفريقيا. بعبارة أخرى غدا الحضور اليهودي مع تحولات الحقبة المعاصرة، ولا سيما في الخمسين سنة الأخيرة، ميزة البلدان التي تشهد تطورا لافتا على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبشرية.

غالبا ما هيمنت على الدراسات السوسيولوجية والدينية، أثناء صياغة تعريف اليهودي ثلاثة عناصر: الدين، والتحدّر/ الأصل، والثقافة، وهي عناصر مهمّة كما تبين الإحصاءات في الشأن، ولكنها متغيرة من حيث الأولوية. حيث يذهب 31 بالمئة من الإسرائيليين إلى اعتبار مسألة التحدّر هي الأساسية والجوهرية، يلحقهم 26 بالمئة يعتبرون الدين هو العنصر الأساس، ليليهما 9 بالمئة يعتبرون الثقافة هي العنصر الأهمّ؛ في حيث يذهب 26 بالمئة من اليهود الأمريكان إلى أنّ اعتبار المرء يهوديا يتلخّص في مسألة التحدّر لا غير، يلحقهم 25 بالمئة يعتبرون الثقافة هي العنصر الأساس في العملية، ليلي التوجهين 14 بالمئة يرون الدين هو العنصر الأوحد. وبالتالي يظهر من المحدّدات المعاصرة للشخصية اليهودية أنّ الدين يلعب دورًا هامًا، ولكن ليس بوصفه الدور المهيمن.

ثمة مجموعة من الأسئلة تراود لفيف من الدارسين، بشأن ما يستبطنه اليهود من توجهات ومشاعر، يستعيدها ديلا برغولا في آخر بحثه ويحاول الإجابة عنها معتمدا التحليل الديمغرافي، على غرار هل اليهود يحملون المشاعر نفسها ويعتقدون في الأشياء ذاتها وإن عاشوا في أوساط اجتماعية مختلفة؟ وهل ثمة فرق بين يهود الشتات والذين يعيشون في التكتلين الأكبر في العالم في أمريكا وإسرائيل؟ يحاول الباحث استخلاص الإجابة من أبحاث أجريت في الغرض، وينتهي إلى أن في أوروبا على سبيل المثال، يلتقي 78 بالمئة من اليهود حول ذكرى المحرقة، و 73 بالمئة حول مقاومة اللاسامية، و 66 بالمئة حول مقولة الشعب اليهودي، و 52 بالمئة حول الأعياد اليهودية، و 51 بالمئة حول مساندة إسرائيل، و 42 بالمئة حول الثقافة اليهودية، و 33 بالمئة حول الإيمان بالله، و 32 بالمئة حول الأعمال الخيرية. هذا النسب بخصوص المشاعر والتوجهات جرى رصدها في فضاءات تكتل اليهود في أوساط عدة، وهي أيضا متبدلة وبشكل لافت من واقع إلى آخر.

الكتاب: في معنى اليهودي اليوم.. ثبات الهويّة وتحوّلاتها

تأليف: سرجيو ديللا بِرغولا

الناشر: إيل مولينو، (مدينة بولونيا- إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'

سنة النشر: 2024

عدد الصفحات: 224 ص.

Essere ebrei oggi: Continuità e trasformazione di un’identità, Sergio della Pergola, Il Mulino, Bologna- Italia, 2024.

***

د. عزالدّين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما- إيطاليا

في كتابها "محمد في العصر الرقمي" (Muhammad in the Digital Age)* تقتحم الباحثة الأميركية رقية ياسمين خان منطقة شائكة حيث يتحول النبي محمد ﷺ إلى موضوع لنقاش بلا حدود، تتقاطع فيه الأسئلة التاريخية مع رهانات الحاضر الرقمي. فالوسائط الجديدة، من الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي إلى الصورة والفيلم والتعليق الجماهيري، أعادت تشكيل صورة النبي في المخيالين الإسلامي والغربي، وجعلتها ساحة مفتوحة للصراع والتأويل والتوظيف السياسي.

 يكشف الكتاب، الذي أثار جدلاً واسعاً، في الأوساط الثقافية والأكاديمية الغربية، أن تمثيل النبي محمد في الإعلام المعاصر لا يلتحد بالنقل سطحي، إنما يتصادى مع نتاج تفاعل معقّد بين سلطة الصورة وسرعة التداول والحمولات الأيديولوجية، حيث باتت المنصات الرقمية فضاء يعبر فيه المسلمون وغير المسلمين عن مواقفهم دفاعاً أو نقداً أو إعادة قراءة، وتتقاطع في قلبه قضايا الهوية والتمثيل والعنصرية والإسلاموفوبيا، خاصة بعد منعطف 11 سبتمبر وما تلاه من حروب وسرديات أمنية.

رقية ياسمين خان تطرح في كتابها مشكلات التوتر الدائم بين حرية التعبير وحرمة الرموز الدينية، متى يصبح النقد ازدراءً، ومتى يتحول الدفاع عن "الحق في الإساءة” "إلى أداة استفزاز لجماعات بعينها، وكيف تكرّس وسائل الإعلام العالمية صورة "المسلم الآخر" ضمن نمطية بصرية لا فكاك منها. وفي سياق متوازٍ تتناول الباحثة الأمريكية دور النساء في إعادة تقديم زوجات النبي، خصوصاً عائشة، كأيقونات للتأويلات المتباينة بين النسوية الإسلامية والتشدد المحافظ، بما يكشف قدرة الصورة الرقمية على أن تكون في آن أداة تمكين ومجال تضليل.

ولا يكتفي العمل بتحليل الخطاب الإعلامي، بل يتوغّل في تاريخية المعرفة، فيسائل كيف غيّرت الأدوات الرقمية طرائق دراسة أصول الإسلام، من المخطوطات إلى التأريخ المبكر والدراسات القرآنية، لتصبح المعرفة نفسها جزءاً من شبكة خوارزمية تتحكم في إنتاج الحقيقة الدينية.

تبلغ مقاربة الكتاب ذروتها في الفصل الذي كتبه تانر إدِس، إذ يتقصّى خطاب "الملحدين الجدد" أمثال ريتشارد دوكينز وسام هاريس وكريستوفر هيتشنز الذين جعلوا الإسلام، وبالأخص شخصية النبي محمد، خصماً نموذجياً لإبراز تفوق العقل العلمي على الإيمان الديني. يشرح إدِس كيف حوّل هؤلاء اسم النبي إلى رمز كليّ يُختزل فيه الإسلام كله، بحيث يصبح نقد محمد نقداً للدين برمّته وللمسلمين أجمعين، معتمدين على آليات متكررة مثل التجسيد الشخصي بتقديم النبي كشخصية تاريخية يمكن الطعن في أخلاقيتها بالتركيز على الحروب وتعدد الزوجات وزواج عائشة، والانتقائية النصية عبر اقتطاع آيات أو أحاديث من سياقها وإغفال التراث التأويلي والفقهي الطويل، إضافة إلى الربط السياسي الذي يزاوج الإسلام بالعنف المعاصر كداعش و11 سبتمبر لتبرير فكرة "الخطر الحضاري". هنا يتقاطع ما يسميه ميشيل فوكو "نظام الخطاب" الذي يمارس سلطة معرفية تُقصي الخطابات الدينية بزعم العقلانية، مع ما حذر منه هابرماس حول "العقل الأداتي" الذي يتحول من أفق تواصلي إلى أداة هيمنة ثقافية.

ويتساءل إدِس إن كان نقد النبوة مشروعا فلسفياً بمعزل عن التسييس، أم أنه يتحول في سياق ما بعد 11 سبتمبر وحروب أفغانستان والعراق إلى أداة داخل ماكينة صراع حضاري. اللافت أن الخطاب الإلحادي الجديد يندر أن يفسح المجال لصوت المفكرين المسلمين الذين يقدمون قراءات عقلانية نقدية من الداخل، مما يكرس تعميماً يُهمل التنوّع الهائل في تاريخ الإسلام وفكره، من المعتزلة إلى الفلاسفة المسلمين الذين أسسوا لعقل حواري كان يمكن أن يثري النقاش لو أتيح له الحضور.

 ويبرز هنا بعد سوسيولوجي مهم، حيث إن التكنولوجيا الرقمية حوّلت الجدل الديني إلى فرجة جماهيرية، إذ ينتشر مقطع مجتزأ أسرع من أي ردّ علمي أو تأويلي، فيتقدم "الفيديو الفيروسي" على الفكرة التي يفترض أن يشرحها، لتتجلى مشكلة السلطة الخوارزمية التي تعيد تشكيل الحقيقة وتوجه الرأي العام.

أمام هذا المشهد يدعو النص إلى بناء خطاب إسلامي رقمي جديد لا يكتفي بردود الأفعال ولا يقع في فخ الاستقطاب، بل يستعيد تقاليد عقلانية إسلامية ويستثمر المنصات نفسها لإنتاج معرفة تاريخية نقدية تكسر الاحتكار الإلحادي لصورة النبي وتعيدها إلى ساحة الحوار الفلسفي. وهكذا يكشف الفصل أن العداء للإسلام في خطاب الملحدين الجدد ليس مجرد موقف فكري ضد الدين، بل هو إنتاج سياسي وثقافي مدعوم بالتكنولوجيا، ما يفرض أسئلة ملحة: كيف نوازن بين حرية نقد الأديان وحق المؤمنين في عدم التعرّض للتنميط؟ وكيف نضمن ألا يتحول النقد إلى أداة استعمار معرفي أو قمع متبادل؟.

 إن صورة النبي محمد ﷺ لا تقتصر في الفضاء الرقمي على السردية التاريخية، بل تمتد إلى حقل صراع رمزي عالمي تتقاطع فيه السياسة بالدين والعقل بالخوارزم والحرية بالهيمنة، وفي هذا التماس الشائك يكمن التحدي الفلسفي الأكبر: إعادة امتلاك القدرة على إنتاج معنى يتجاوز الاستقطاب ويؤسس لحوار كوني لا يُقصي أحداً.

في نهاية هذا الاستكشاف الرقمي، يظل سؤال الخلود الرمزي للنبي ﷺ وحضوره في فضاءات الإنترنت معلّقًا في الهواء، منفتحين على أسئلة قلقة ومتوترة، من بينها:

 هل يمكن للرقمنة أن تُعيد تشكيل المقدس دون أن تُشوهه؟ وهل النقد والفرجة الرقمية قادران على العيش جنبًا إلى جنب مع الاحترام والتأمل العميق؟ أم أن كل صورة، وكل مقطع، وكل تعليق، يظل محكوماً بسلسلة من التحويلات التي تجعل الحقيقة دائمة الزوال، والرموز مفتوحة على الاستيلاء والتجزئة؟.

 أما السؤال الأعمق والأعمق تفلسفا وراهنية فهو: كيف يمكن للعقل أن يلامس الإيمان، والحرية أن تُسائل السلطة، والرمز أن يبقى حيًا في زمن تتراقص فيه الحقائق على شاشات الضوء؟.

 ربما تكون الإجابة عن كنه ذلك، في القدرة على الاستمرار في طرح الأسئلة، وعلى أن يكون النقاش الرقمي نفسه مساحة للتأمل، ومسلكًا نحو فهم يتجاوز الاستقطاب، ويعيد للرمز حضوره الحي في وجدان البشرية، بلا قيد، بلا استيلاء، وبلا اختزال.

***

د مصـطـفــى غَـــلمـان

.................................

* كتاب "محمد في العصر الرقمي" (بالإنجليزية  (Muhammad in the Digital Age)

المؤلف: رقية ياسمين خان (Ruqayya Yasmine Khan)

الناشر: دار جامعة تكساس للنشر (University of Texas Press)

تاريخ النشر: 15 نوفمبر 2015

عدد الصفحات: 256 صفحة

بين كتّابة وكُتّاب.. مشهد أدبي تتداخل فيه الخيوط، وتتعانق فيه الأضداد.. هنا، حيث تحتفي الكلمة وتباد، حيث تولد الرسالة وتسجن في أقفاص السوق والسلطة، يأتي كتاب المستشرق الفرنسي ريشار جاكمون "بين كتّابة وكُتّاب: الحقل الأدبي في مصر المعاصرة" ليضع يديه على نبض الثقافة المصرية في لحظة فارقة من تاريخها.

هذا العمل، الذي خرج إلى النور أول مرة عام 2004 بعد أن كان أطروحة أكاديمية ناضجة، لم يكن مجرد كتاب يضاف إلى رفوف المكتبات، بل كان مرآة عاكسة لمأساة المبدع المصري وهو يتأرجح بين عظمة الكلمة ومرارة العيش، بين نبض الإبداع وخفقان السوق.

وفي طبعته الثانية المنقحة الصادرة عن دار "صفصافة" بالقاهرة ، يعود الكتاب ليقدم نفسه كعمل تأسيسي يقرأ تحولات المشهد الأدبي عبر نصف قرن من العواصف، ليكشف لنا كيف تتحكم قوى الدولة والاقتصاد والإعلام في تشكيل الحقل الأدبي، وكيف تتداخل آليات السوق مع رسالة المبدع.

ينطلق جاكمون من مفهومي "الكتّابة" و "الكُتّاب" ليفتح أمامنا بابا على تأمل قديم جديد: ترى، هل يصبح الكاتب صوتا حرا نزيها، أم أنه يتحول إلى موظف في ماكينة الخطاب الرسمي؟ وهل تقدر الكلمة وحدها على صنع التغيير المنشود، أم أنها تظل أسيرة لـ "خرافة المكتوب" التي ينسجها الكتاب حول قدرة النص المجرد على إحداث التحول؟

من خلال عيني عالم الاجتماع الفرنسي بير بورديو، يتعامل جاكمون مع الأدب المصري كحقل اجتماعي تتنازعه رؤوس الأموال الرمزية والمادية، حيث يتحرك الفاعلون وفق حسابات دقيقة للربح والخسارة، ليس اقتصاديا فحسب، لكن رمزيا أيضا. في هذا الحقل، يصبح رأس المال الرمزي – من شهرة وسلطة نقدية - عملة يتنافس عليها الجميع.

"الكتابة" في تصور جاكمون هم أولئك المنتمون إلى مؤسسات الدولة والإعلام الرسمي، يحملون أوراق اعتماد تفتح لهم الأبواب المغلقة. أما "الكُتّاب" فهم أولئك المستقلون الذين يبحثون عن مساحاتهم الخاصة، غالبا ما يعانون من ضعف الموارد وقلة الفرص. لكن جاكمون لا يقع في فخ الثنائيات البسيطة، يظهر كيف تتداخل هذه الأدوار وتتشابك في واقع معقد.

ومن أعمق إسهامات الكتاب مفهوم "خرافة المكتوب" – ذلك الوهم الذي يعيش فيه كثير من الكتاب بأن كلماتهم وحدها قادرة على تغيير العالم. هذا الوهم، برغم ما يمنحه من دفء معنوي للكاتب، يبقى مجرد خرافة في وجه قوانين السياق المادي والرمزي الذي تتحرك فيه الكتابة.

ولا يغفل جاكمون عن تحليل اقتصاديات الأدب، فيناقش كيف أدى دخول آليات السوق بقوة منذ تسعينيات القرن الماضي إلى إعادة ترتيب أولويات الحقل الأدبي. كما يتوقف عند ظاهرة الجوائز الأدبية التي أصبحت وسيطا بين المنتج والسوق، تمنح الشرعية الرمزية لكنها قد تنتج في الوقت نفسه اختيارات تخضع لمنطق التسويق أكثر من الفن الأصيل.

ويلفت الكتاب النظر إلى تحولات هيكلية عميقة في المشهد الأدبي المصري، أبرزها تأنيث الحقل الأدبي، ليس كميا فحسب، لكن نوعيا أيضا، حيث أتاحت الأصوات النسائية الجديدة أسئلة ومناهج سردية مختلفة. كما يلاحظ انتقال الهيمنة من نموذج "الجيل الأدبي" المتآلف ثقافيا إلى "الكاتب النجم" المنفرد، المسوق إعلاميا.

وفي تحليله للترجمة، لا يراها مجرد نقل للنصوص، إنما آلية معقدة تربط الأدب المحلي بالسوق العالمي، تمنح العالمية لكنها قد تفرز في الوقت نفسه شروطا غير متكافئة في التبادل الثقافي.

الطبعة الجديدة من الكتاب تأتي محملة بتحليلات لتطورات العقد الأول من الألفية، حيث بروز السوق بقوة، وظاهرة الأكثر مبيعا، وتأثير الوسائط الجديدة من تلفزيون وسينما وإعلان على نوعية النصوص وطريقة انتشارها.

ورغم كل ما حدث من تحولات بعد عام 2011، تظل أسئلة جاكمون حاضرة بقوة: ثنائية السلطة والاستقلال، ضغط السوق، جدل اللغة والهوية، ودور الجوائز. لكن المشهد اليوم أضاف تحديات جديدة مع صعود المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي غيرت قواعد التوزيع وخلقت أشكالا جديدة من "النجومية الأدبية".

يبقى كتاب جاكمون مرجعا أساسيا لفهم البنى الخفية التي تشكل الحياة الأدبية في مصر، لأنه يقدم أدوات تشريحية نافذة، تذكرنا بأن الأدب منتج يولد في شبكة معقدة من العلاقات والصراعات.

ويظل السؤال الذي يختم به الكتاب حاضرا في الأذهان: كيف يمكن للمثقف أن يحافظ على استقلاليته في مواجهة إغراءات السوق وضغوط السلطة؟ سؤال لن يتوقف صداه، وسيظل يتردد مع كل تحول جديد في عالم الثقافة والأدب.

وفي تفاصيل هذا العمل الضخم، ينبغي أن نتوقف عند السياق التاريخي الذي نشأ فيه الكتاب. فجاكمون قدم دراسته في لحظة مفصلية من تاريخ مصر الثقافي، حيث كانت التحولات الاقتصادية والاجتماعية تفرض نفسها على المشهد الأدبي. لقد شهدت تلك الفترة تحولا من نموذج الدولة كراعي رئيسي للثقافة، إلى نموذج السوق كفاعل أساسي في تشكيل الذوق العام.

ولا يمكننا فهم عمق التحليل الذي قدمه ريشار جاكمون دون الغوص في المنهجية التي اعتمدها. فقد جمع بين البحث النظري العميق والعمل الميداني الدقيق، حيث أمضى سنوات في متابعة الحقل الأدبي المصري، يحضر الندوات، يلتقي الكتاب، يزور دور النشر، ويحلل خطابات المؤسسات الثقافية. هذه المعايشة الطويلة مكنته من تقديم صورة غنية بالأبعاد والتفاصيل الدقيقة.

كما يمثل الكتاب محاولة جادة لتطبيق نظرية الحقول لبير بورديو على واقع عربي، مما يفتح الباب أمام مقاربات جديدة لفهم المشهد الثقافي في العالم العربي. لقد استطاع جاكمون أن يبين كيف يمكن لهذه الأدوات النظرية أن تساعدنا في فهم التعقيدات التي تحكم الحقل الأدبي المصري، مع كل خصوصيته وتفرده.

ويظل الكتاب يشكل مرجعا أساسيا للباحثين والدارسين ليس فقط في مجال الأدب، بل في مجالات علم الاجتماع الثقافي واقتصاديات الثقافة. إنه يقدم نموذجا لكيفية دراسة الظواهر الثقافية في سياقاتها الاجتماعية والاقتصادية الأوسع، مما يجعله عملا تأسيسيا في حقل الدراسات الثقافية العربية.

ختاما، يمكننا القول إن كتاب "بين كتّابة وكُتّاب" يمثل أكثر من مجرد دراسة أكاديمية، إنه رحلة في أعماق المشهد الثقافي المصري، بروافده المتعددة وتياراته المتباينة. إنه محاولة لفهم كيف تتحرك الكلمة في فضاءات السلطة والسوق، وكيف يحاول المبدع الحفاظ على مساحته الخاصة في مواجهة كل هذه الضغوط.

***

عبد السلام فاروق

المصطلح التراثي بين الاحتفاء والإحياء

مقدمة: أنْ توظّف المصطلح التراثي القديم في الكتابات الحديثة، يُقلل من قيمتها وقوتها؟ أم أنَّ التّخلّي عن المصطلح القديم وهجرانه والتنكر له بدعوى أنه لا يؤدي أو لا يُوصِلُ إلى المراد والمبتغى من النص، يعطي النص قيمة أكبر وإبداعا؟ وهل أمام التغييرات الطّارئة والوافدة من الغرب، وتسارع النظريات النقدية، وفي إطار ما يُسمّى بالمثاقفة، أصبح من الضروري على الكاتب الانخراط في هذه الموجة بدعوى مسايرة ما جدَّ في عالم الكتابة والنقد لإثبات قدراته على المواكبة والتطور؟

بين الإحياء والاحتفاء..

بما أن الكتابة دعوة إلى اكتشاف الاستثنائي والمنسي في اللغة، ـ إذ، لا يكتب الكاتب إلاّ إذا كان لديه دافع قوي لموضوع جديد، لغة وتيمة ـ  والجميل والمدهش في السرد والحكي، وبما أن اللغة تُميّزُ نصّا عن نص، وتُعلي نصا وتخفض نصّا، بترويض مصطلحاتها واستخراج مكنوناتها الدلالية، وبما أن اللغة هي المُشَكّل الأساس لكل سرد، بل هي السرد ذاته، وبما أن اللغة كائنٌ حي، وانسجامٌ وتناغمٌ ونظامٌ، ونسجٌ يحتاج لقلم درب يشد القارئ دون أن يُشعره بتجوال النص وصراعه بين الحديث من المصطلحات وقديمها، بالحفاظ على المستوى الفني للنص، والخيط الجامع والنّاظم للسرد ليكون لبنة قوية ومتماسكة، وبناء معماريا مترابطا ومتراصّا بعضه ببعض، فإنّ حركية المصطلحات القديمة تحيى زمانها، ويتلاشى بريقها حين يقل استعمالها، وتتطور بتطور الحركات الحضارية أو الفكرية أو العلمية، وكل تحول في المسيرة الإنسانية عموما من تقدم فكري أو علمي يؤثر بالضرورة على المصطلح القديم، لكنه لا يموت، قد يركن إلى الظل، لكنه أبدا يظل في انتظار من يبعث فيه الحياة، ويسمح للمصطلح الجديد أن يحيى زمانه هو الآخر، مؤثّرا ومتأثرا بما يموج من حوله من تفاعلات نقدية وإبداعية وعلمية، مانحا لنفسه مكانة قوية راسخة تتجدد بتجدد اللغة.

إن توظيف المصطلح القديم في الكتابات الحديثة، لا بد أنه عمل شاق يحتاج إلى كاتب يفني أكثر وقته ـ حين كتابة نص ما ـ جُهدا وتمحيصا ومسْحا شاملا مضنيّا وذكيا للمعاجم العربية، لتدقيق المصطلح والمفهوم الدّال على المعنى المراد طرحه، كما يقتضي إلْماما كافيا وتفكيرا بلُغةٍ تمَّ نسيانها وإهمالها، والثقة فيها بأنها ما زالت قادرة على إيجاد صِيغٍ للتعبير وإيصال المعاني، مع استثمار ما تمنحه اللغة من أساليب الكتابة لإنتاج نص جميل بأثر قرائي جميل، وتأثير متميز يجعل القارئ يعود إلى منابع اللغة، والبحث في المعاجم، الشيء الذي افتقدناه حين قراءة أي نص أدبي غني بالمصطلحات.

السّرديّة..

بناء على ما تقدم، استوقفتني سردية الدكتور عبد الإله بلقزيز "الماضون إلى الماضي"[1]، الحافلة بالمصطلحات القديمة، فهي اعترافٌ على بياض، بقيمة المصطلح القديم حين يؤدّي المقصود والدلالة من السرد والكلام، وهي أيضا، محافَظَةٌ على الإرث اللغوي الغني، والرصين والفصيح، وتنويهٌ بقوته، وهي بالتالي، محاولة ربط القارئ بثرات الأجداد، الذي لم يفقد بريقه حين يدخل نصا ينتمي إلى الزمن الحاضر، فيُضفي عليه جمالا ورنقا وقوة أيضا.

 السردية تؤسس للتمسك باللغة الأصل، والإبقاء على حيويتها وقوتها وحضورها في النص الحديث، ونقلها من حالة السكون إلى حالة الفعل، من حالة القدم إلى حالة الجدّة والقوة، وتفجير معانيها ودلالاتها. كما أنها ازدواج جميل وسطٌ بين إحياء لغة قديمة سُجنتْ في مخطوطات ومعاجم قابعة في مكتبات ومؤسسات مهجورة منسية يصعب الوصول إليها، وبين احتفاءٍ بمِهن اندثرت. يقول بلقزيز "وإنّما مُبتغاي من الاحتفاء بهذه القطع البديعة الموشّاة بالكلام المذهَّب التي يحويها تراثنا العربيّ وإعادة الاعتبار إلى المنْسي من ذاك التراث، تماما كما هي السرديةُ تحتفي بحرفٍ قديمةٍ"[2]، ويقول في مكان آخر من السردية، "والنّصُّ، احتفاءٌ باللسان العربي العريق وآدابه، اللسان الذي انفصلنا عنه انفصال الغرباء حتى بِتْنا عنه بمنأًى، وبات لبعضنا ـ لئلا أقول لأكثر ـ طِلمْساً يحتاجُ إلى مَن يفُك إبهامه ![3]، وهي أيضا، وبلُغَة منسية في المعاجم، انقرضت من لساننا العربي، والساكنة سراديب المعاجم والمكتبات، تكريمٌ وتأبينٌ لحِرَفٍ قديمة، في حفل لغوي راقٍ أعطى الكلمة التراثية المتفرّدة، حقها وجمالها وقوتها التي أعطت ـ في نفس الان ـ جمالا وقوة للحِرَف التي اندثرت من حياتنا والتي كانت في زمن ما، عيش الكثيرين من البسطاء من سكان الهوامش من المدن المغربية بقلم دَرِب بعث الروح في دلالاتها ومعانيها.

والسردية مغامرة لغوية أحيت فينا/في القارئ، نظرة جديدة إلى اللغة القديمة الزاخرة بالمصطلحات البليغة، التي تلاشت ـ للأسف ـ واندثرت حين طمسها الماضي أو النسيان، أو غضّ عنها الكاتبون الطرف لأنها ـ في عرف الكثيرين ـ لا تفي المفهوم حقه، أو لا تساير العصر، أو تبخس النص الإبداعي الحديث حقه وقوته، وهو الشي المرفوض والذي أبانت عنه السردية التي امتازت بالدقة التوثيقية للحِرَف المنقرضة، وحذاقة الكتابة الإبداعية.

وهو باستثماره المصطلح القديم وإحيائه، يقترب الأستاذ بلقزيز من قانون الاستعمال والإهمال في علم الأحياء الذي ينُصّ على أن "كل عضو يُستَعمل ينمو ويكبُر، وكل عضو يُهمل يصغُر ويضمُر"، وإصراره على تسليط الضوء على المصطلح ليحيى أولا، وليُظهر أنه مازال في أوجِ تبليغه المعنى والدلالة، وإعطائه نورا متجددا يسير به بين جوانب النص وداخله متوسّلا كتابة إبداعية تأخذ لها منحى القصة، وكل حرفة مستقلة عن الأخرى، تأخذ لها بداية ونهاية، دون تكرار المصطلحات القديمة، تمنحها قيمة جمالية تتابع الإنسان في مختلف حالاته وهو يذوي كما تذوي وتتلاشى حِرَفه مصدر عيشه، مما يدل أولا على غنى وثراء المعجم العربي، وثانيا غنى النص وقوته، وثالثا، وعي الكاتب بالشيء المحكي عنه، وهو هنا سارد فنان، يعرف كيف يُروّض اللغة ويُطَوّعها، ويبعث فيها الحياة، ما يجعل المتلقي ينسى أنه يتعامل مع نص يعجُّ بالمصطلحات القديمة، بل هذه المصطلحات هي التي أعطت السرديات نفسا يُصالحنا معها، ويُجدّدُ نظرتنا إلى الذي مضى من ماضينا لغويا وحِرفيّا. فاللغة السردية، أفصحت عن نفسها وقوتها من خلال المحكي والإنسان، بل أحيتْ ما انقرض من حِرَفه بلغةٍ حكَمَ عليها آخرون بالانقراض والتلاشي، في حين هي من بعثت الحياة فيما مات من حِرَفٍ كانت بالأمس جالِبة للرزق والقوت لأصحابها.

وإذا كانت اللغة مسْكن وجوهر الوجود وعمقه، وأداة للتعرف والاقتراب من العالم والذات، فإن ما سعى إليه الأستاذ بلقزيز في سرديته، حين تعريفه عوالم وحرف قديمة انقرضت، وذوات وحيوات الذين عايشوا هذه العوالم وذلك بلغة قديمة، قوية، موصلة، تفيض بالحياة رغماً عن سكونها ظلمة المعاجم، لأن اللغة كائن حي مهما تقدم بها الزمن، وكَشْف المخبوء والمُحْتجب والمسكوت عنه، وما يعيشه أهل هذا الزمان، فقد استطاع، بحذاقته اللغوية، ودُربة قلمه على اقتحام معاقل اللغة، أن يقود القارئ عبر اللغة، واللغة فقط، إلى منابع الكلمة التراثية، ويجعله يفتح كل حواسه إنصاتا وانتباها، لمُلامسة متعة القراءة مع تحريضٍ خفيّ مضمر للذهاب إلى المعاجم للبحث والتصالح مع المصطلح القديم، ومحاولة التّقرب منه وسبر مفهومه وتوظيفه، "ذلك أن الأدب لا ينتسج إلا باللغة، ولا يمثُل إلا في إهابها، فمن كان له لغة، ومن استطاع أن يستثمر هذه اللغة فيُحوّلها من مجرد مفردات منثورة، وألفاظ معزولة، إلى نسيج من القول قشيب، هو الأديب الحق،... أما من لم تكن له لغة، فإنه كالمُفلس، أو الفقير المُعدم، فإنه لا يستطيع أن يبني شيئا من عدم..."[4]

إن الحكي، حين يُخرج اللغة من مخابئها، يصقلها، يُجلّيها، يبني بجمالها معمارية السرديات، وكل سردية مستقلة بذاتها رغم أن السردية في مجملها حكايات عن حِرفٍ اندثرت وتلاشت، سلسا، يستقطب المصطلحات التراثية التي يبني بها جدار الحكي الذي يعلو بتعاقب السرد والانتقال من متاهات ومصاعب ومشاقِّ الحِرَف التي وقفت بأصحابها أمام الأبواب الموصدة حين غزت العالم أمواجُ التجديد فكشطتها ورمت بأصحابها في أتون الفقر والحاجة، وربما التسول ومد اليد.  

السردية، كل سردية، مُنكَّهة بزاد لغوي قوي ومتين يوقف القارئ، بل يسائله عن مصادر ودلالات هذه اللغة التي قال عنها كثير من الحداثيين بأنها لغة لا تفي بالمقصود، وأنها ماتت ولا تساير العصر ومحلُّها المعاجم حيث هي، لكن حضور الموهبة والخبرة والثقافة العالية للكاتب، والشغف بتجاوز المألوف، والمغامرة لاقتحام اللغة في عقر قواميسها للوصول إلى نص جيد ينبض بالحياة، رغما عن موتها الذي يزحف إليها، أعطى المصطلح شرارة تمدها بنُسْغِ البقاء والاستمرار، " فهو ينتقي لغته وكلماته بأناقة ورهافة، وينضدها في جمل وعبارات كما تنضد العقود والأحجار الكريمة"[5].

السرد ينمو ويتجَمَّلُ في كل النصوص، وله أن يتجمّل، لأنه يتّكئُ على الأحداث التي تتنوع من نص إلى آخر في غير ملل، يَنفضُ عن اللغة والحِرف، في نفس الآن، غبار النسيان والإهمال، مُتوسِّلاً لغة تغوص رغم نسيان بعضٍ من مصطلحاتها، إهمالا أو تجاهلا، لغة أصبحت في السردية من مبتدأها إلى منتهاها، حدثا مُلفتا يسير مع بناءها يُحكم بنيانها، يُنمّيها، جاعلا منها حكايات تُقاوم النسيان في زمن امتاز بإعطاء الظهر للإنسان بدعوى تعويضه بالأجود، وهنا، فقط، برزت قوة نصوص السردية، لغة قديمة مهجورة قادرة على تسمية الأشياء، منفتحة على ذاكرة الحِرف المنسية، تتوخّى تحقيق المتعة والمعرفة، والشهادة على مقاومة شرسة للزمن الغلاّب، تعاند، بقوة وبإصرار، لتُعيد إلينا حِرفاً قديمة نسيناها أو أهملناها أو عوّضناها بالجديد، بمعنى، أن اللغة رغم قِدَها أحيتْ، ولوْ لحظةَ السرد والحكي، حِرفا آلت إلى التهميش والزوال ، فانتفضت النصوص، عالما، عوالم تطْفَحُ وتفيض بالحياة والتَّذكُّر والألم، "إن قيمة النصوص لا ترجع فقط إلى مزج المتخيّل بصفحات من التاريخ، بل تستمد تألّقها وغناها أيضا من بنائها المجدول المتضافر، ومن اللغة الدقيقة المتوهّجة بحِسِّية الشعر..."[6]

تلك نقطة حسنة، أن يوظف كاتبٌ من طينة الدكتور عبد الإله بلقزيز المُعجم ليُحيي ما غضضْنا عنه الطرف، بقصْدٍ أو بغير قصد، وبالتالي، وفي معظم كتاباته ينهج نفس النّهج ليضمن للغة سر خلودها بعد أن يمنحها فُرَصاً للحياة، يحتاج من القارئ غوصاً وتأمُّلاً وإيقاظ فكرٍ، واستعداداً ثقافيا حتّى تتبدّد الحُجب عن المصطلح القديم ويؤول إلى الانكشاف والفهم والحياة.

السردية، تُحرّر النصوص من الخوف من الخوض في المصطلحات القديمة، واستخراج مكتنزاتها ونفائس معانيها من منجم معاجمها، في تمازج قوي يحقق اجتماع متعة النص ولذة القراءة. والنّصّ، كل نصٍّ في السردية، ثلاثة نصوص، نص موجود بقوة لغته، ونص متوار في انتظار قارئٍ حصيف، يُحسن تذوّقه ويُحيى ما تكبّده الكاتب وهو يُنشئ لغته ويُطرّزُ أساليبه، فيُسائله ويُحاوره، ونص يتواشج مع النص الموجود بقوة اللغة يحتفي بحِرفٍ بعضها تلاشى او يرفض التلاشي الكلي والانقراض، ولو على سبيل التذكّر وإعادة ترميم جوانبها لتظلَّ شاهدة على أُناسٍ مَضوا إلى زمنٍ مضى عبر الحكي والتذكر، لأن الكتابة عند الأستاذ بلقزيز " ليست تمرينا لغويا أو لهوا أو فرصة لتفريغ ما يتراكم في النفس والذاكرة والجسد، وإنما هي حاجة وجودية لديه، مسكون بقواميسها، وبلغاتها وبإيقاعاتها، يركب صهوتها ويصول في الاتجاهات التي يقرر هو ارتيادها وبالطريقة التي يقرر"[7].

***

عبد المطلب عبد الهادي – المغرب

...................

[1] عبد الإله بلقزيز، الماضون إلى الماضي، سردية، منتدى المعارف، 2020.

[2] نفس المصدر (ص 16)

[3] نفس المصدر (ص 13)

[4] عبد المالك مرتاض، في نظرية الرواية، ص.127.

[5] نجيب العوفي، عبد الإله بلقزيز عاشق للغة، ص 29. من كتاب جماعي، في ما بين الفلسفة والأدب ـ سلكي إخوان 2023.

[6] محمد برادة، أسئلة الرواية أسئلة النقد، منشورات الرابطة 1996، ط 1 ص 104ـ105.

[7] ، محمد نور الدين أفاية، توثرات الفكر والكتابة، ص 22 ـ كتاب جماعي، في ما بين الفلسفة والأدب ـ سلكي إخوان 2023.

 

صراع القادة ومأساة الشعب – الحزب الشوعي العراقي نموذجا

منذ الوهلة الاولى وقبل تصفّحك لمضمون الكتاب تحيلك عتبته - بعنوانه ولوحته المتخم بالإيحاءات والألوان الداكنة بوصفها العتبة النصية الأولى، فهي مفتاحًا تأويليًا يفتح أفق التلقي من خلال ما يضعه الكاتب منصور صادق (ناصر عجمايا) بين يدي قارئه مضامين ودلالات ومفاتيح كثيرة لعالم السياسة و خصوصا في العراق، ثم يحيلك الى تأويل يدفعك للسير فيه عبر مسيرة طويلة تمتد لعشرات السنين وانت تجد نفسك أمام أبواباً مستعصية على الفتح رغم أنه حاول أن يكون كاشفا من خلال كشفه عن تداخل ذاته مع العالم المحيط بها فيستحضر من عصارة ذاكرته موضوعات العزلة والتحول النفسي وعن معانات شريحة سياسية دفعت ثمنا غاليا بسبب سياسة الحزب الشيوعي المنتمي اليه والتي كان يرسمها قادته المنغمسون في الصراع بينهم (اليمين واليسار – كما سماهم) وصراعهم مع قادة حزب البعث تارة وفي الاخرى مع قادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني.. ومن الجهة الاخرى الصراع بين قادة حزب البعث والديمقراطي الكوردستاني ومن نتائجها كم هائل من الشهداء ومأساة شعب بأكمله.

ولآن لوحة الغلاف هي جزء من العتبة كونها من النماذج الحاوية للرؤى والمضمرات الدلالية فهي تحفز القارئ باتجاه الفعل التأويلي لذا نقول استطاعت الفنانة مريم الحصري أن تجسد هذا الصراع بجدارة من خلال لوحة الغلاف المتجسدة في شاب شيوعي واقف بشموخ حاملا علمه (الحزب الشيوعي) وعلامات وجهه توحي الى مستقبل الحزب وهو ينظر بعيداً ويجسد علامات الغضب والتعب الذي يعانيه والى جانبه يقف شخصان بهدوء يتأملان المستقبل.

في الوقت الذي أشكر صديقي منصور صادق (ناصر عجمايا) اهداءه لي كتابه هذا الصادر عن (دار همسة للنشر والتوزيع) والذي يضم بين دفتيه 545 صفحة قياس B5 أحييه لجرأته وصدقه في وضع النقاط على الحروف بدءً من المقدمة مرورا ببقية صفحات الكتاب من خلال مسيرته ومعايشته لتنظيم الحزب الشيوعي العراقي سواء من خلال مرافقة والده، الذي كان هو الآخر من أنصار الحزب أو من خلال عمله في الحزب سواء في التنظيم الطلابي أو المحلي، حيث استطاع ان ينقلنا في جولة ممتعة لمعايشة مسيرة الحزب والصراعات التي أدت به الى التراجع رغم جماهيره الواسعة كما حمل الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي جزء من المسؤولية.

الكاتب في كثير من الاحيان يستشهد بمذكرات رفاق كبار في الحزب كالرفيق توما توماس، الرفيق وردة البيلاتي، الرفيق فخري بطرس، الرفيق شمال عادل، الرفيق د. مهند البراك، الرفيق قادر رشيد، وآخرون كثيرون الذين كانوا في مواقع متقدمة في النظال السري والعلني. ساردا للكثير من الاحداث التي كان الأنصار يقومون بها كاستيلائهم على مخفر شرطة في تلسقف ومصادرة الاسلحة وكذلك استيلائهم على أدوية المستوصف للاستفادة منها في معالجة رفاقهم في الجبل المصابين بمرض الملاريا وغير ذلك. كما حاول تبرئة الساحة الشيوعية من المجازر التي حصلت في ثورة الشواف، إلا أنه دائما يحاول لصق الاخفاقات في الحزب والصراع الداخلي يالجناح اليمين المتطرف في الحزب (كما يسميهم).

كما ان الكتاب يحوي على معلومات مهمة في مسيرة السياسة في العراق كما في النهج الذي أراد الحزب الديمقراطي الكوردستاني تطبيقه فيما يخص الأقليات أسوة بالبعث، ففي الوقت الذي أراد البعث تعريب كل القوميات الصغيرة لصالحه ومن بينها تسجيلهم ضمن القومية العربية مع ابقاء الاختلاف في الدين ولم ينجح، أراد الديمقراطي الكوردستاني تطبيق نفس النهج حين عرض المرحوم مصطفى البارزاني على القائد الشيوعي توما توماس لاقناع (الكلدان والاشوريين) أن يقبلوا كونهم اكراد مسيحيين (كما يقول في ص145).

ومن المعلومات الخطيرة التي أزاح عنها الستار عدم نزاهة الديمقراطية التي استخدمها الحزب الشيوعي في اتخاذه لقرار التحالف الجبهوي مع البعث الحاكم في الاجتماع المصغر للقيادة الذي عقد. حيث عارض 8 أعضاء القرار لصالح 7 أعضاء أيدوا القرار، ولكن بسبب دور المجموعة الكوردية في الحزب (دور السكرتير عزيز محمد – كما يقول) بدفع العضو الكوردي الرفيق أحمد باني ليغير رأيه أعيد التصويت فيما بعد ليحسم القرار لصالح التحالف ب 8عضو مؤيد مقابل 7 معارض متجاهلين رأي القاعدة وحبث قرار كهذا كان يتطلب المزيد من النقاش بدءً من القاعدة ص167.

صراع القادة... الكاتب يسلط عدسته الذاكراتية عبر مسيرته في التنظيم وهو ينتقد خطوات هذا التنظيم الذي يبدو قد عجز (بموجب الكتاب) أن يوفق في مسيرته عن أختيار منهجه التنظيمي من خلال التساؤل هل يبقى معارضا سريا أم أن يقبل بالسير وراء الحزب الحاكم ؟ فتارة يمد الحزب الحاكم أمامه البساط الأخضر وفي الآخرى يشهر سيفه لينال منه، وهذا ما يجسد حقيقة قيادة الحزب حيث انشغلت كثيرا في الصراع الداخلي الى حد (نقلا من قول أحد قادة الحزب – زكي خيري ص245) وجود تيار في اللجنة المركزية موالي للبعث مما دفع اليه صدام حسين ليقول أننا نتحالف مع أعضاء وليس مع الحزب... لذا لم تستطع القيادة (حسب رأيه) من اتخاذ قرار جماعي صائب إما لكونها مسيرة من قبل الاتحاد السوفيتي بما يخدم مصالحه في العراق أو من قبل أحزاب أخرى للشيوعي في سوريا ولبنان وفلسطين و... بتوجيه من الاول أو أن قادته كانوا يقبلون بالتنازل عن حقوقهم من أجل البقاء في مناصبهم من جهة ومن جهة أخرى تقليل الأضرار مقابل شراسة الحزب الحاكم. وهذا الاحتمال يجسده من خلال ص246.

صراع القادة.. يجعلك تعيش حياة الجبل ومعانات الانصار في هذه الجبال متنقلين هنا وهناك، يزرعون الارض ليسدوا رمق جوعهم ويخيطون ملابسهم لتقليل نفقاتهم.. أبطال يتسلقون الجبال ويمشون في الوديان في الليل، يدافعون عن أنفسهم من الكمائن المنصوبة أمامهم... والادوية والأغذية الفاسدة والتي كان الجهاو الأمني يرسلها اليهم عبر عملائه في التنظيم.

هذا الكتاب يكشف لنا ما كان يجري في الجبل من صراعات داخلية بين الفرقاء، وهذا ما انعكس على الحزب الشيوعي، حيث اضطر أن يتصارع مع نفسه لتحديد الجبهة التي عليه ان ينتمي اليها، أعليهم التحالف مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني أم مع الاتحاد الوطني الكوردستاني ؟ أعليهم ان يكونوا مع الفريق الداعي للتفاوض مع السلطة الحاكمة أم أن يكونوا مع الكفاح المسلح ؟؟؟ اتخاذ القرار في هكذا أجواء ليس سهلا....

وختاما نقول : كان كتابه هذا شهادة حيّة عن رحلة روحية ونفسية مليئة بالتأملات السياسية مستفيدا مما دونوه رفاقه بالحزب ممن كانوا يتبؤون مراكز متقدمة لذا كانوا أكثر قربا منه لمعرفة ما كان يجري، فجاء الكتاب كمدخل أسلوبي يعكس التوتر والتداخل بين العمل السياسي السري والعلني عاكسا لحالة وجودية تربط بين الحاضر والماضي، بين الاستقرار والاضطراب.

هذا الكتاب يقدم لك زبدة تجربته وشهادته وأفكار العديد من الرفاق الذين واصلوا المسيرة ودونوا شهاداتهم لذا الكتاب هو مزيج ما بين المذكرات والرؤية الناتجة من طرح وتحليل آراء غيره ممن سبقوه في كتابة مذكراتهم.

فعلا تمتعت بقراءة الكتاب كونه كان رحلة جميلة عشت معه (الكتاب) النظال السري والكفاح المسلح... لم يبقى لي الا أن أشكر صديقي على الجهد الذي بذله ليقدم لنا تجربة حزب امتاز بالعمل السري والكفاح المسلح.

***

نزار حنا الديراني

ليس كتاب Empire of Pain للمحقّق الأميركي باتريك رافي، ليس مجرد سرد لفضيحة دوائية، بل هو مرآة قاسية تعكس كيف تحوّل الطبّ في الغرب إلى صناعة لا يحكمها الضمير، بل السوق، ولا تتحرك وفق المعرفة، بل الربح.

إنّه كتاب يعرّي عائلة ساكلر، لكنه من حيث لا يريد يعرّي حضارة بأكملها.

عائلة ساكلر… نموذج أم انحراف؟

يقدّم الكاتب صعود عائلة ساكلر بوصفه قصّة جشع استثنائية قادت إلى كارثة اجتماعية. لكن قراءة أعمق تُظهر أنّ ما فعلته هذه العائلة ليس خروجًا عن النظام، بل امتثالًا كاملًا له.

فالذي صنع الأزمة لم يكن فقط دواء OxyContin، بل المنظومة التي سمحت بتضخم نفوذ الشركة وتبرير سلوكها تحت شعار:

“التسويق أولًا… والإنسان لاحقًا”.

هنا تكمن خطورة الكتاب: إنه يُشخْصنُ المأساة في عائلة واحدة، بينما الحقيقة أنّ الرأسمالية الدوائية هي التي صنعت “إمبراطورية الألم” قبل أن يصنعها ساكلر.

طبّ على هيئة شركة… وشركة على هيئة دولة

الكتاب يكشف بدقة أن شركات الدواء الغربية تعمل ككيانات سيادية:

تمتلك إعلامها

تموّل الجامعات

تؤثر في المشرّعين

تتحكم في نتائج الأبحاث

وتعيد تعريف معنى “المرض” و“العلاج”

ولعلّ أهم ما يقدّمه هذا العمل هو كشفه العلاقة الخطرة بين العلم والمال، حيث تصبح الورقة العلمية إعلانًا، والطبيب مروّجًا، والمختبر ساحة نفوذ.

لكن الكاتب — برغم جرأته — يتجنب الذهاب إلى النهاية الطبيعية لهذا التحليل:

هل هذا فساد عابر؟ أم بنية متجذرة في الحضارة الغربية الحديثة؟

الجواب حاضر بين السطور: إنها بنية وليست صدفة.

السردية التي لم يكتبها الكتاب

رغم ثراء الكتاب بالوثائق والفضائح، إلا أنه يحجب زاوية أساسية: أنّ ما حدث في الولايات المتحدة ليس سوى الوجه الداخلي لما يحدث منذ عقود في الجنوب العالمي — إفريقيا، آسيا، العالم العربي — حيث يصبح الجسد غير الغربي حقل تجارب رخيصًا وأداة لرفع أرباح الشركات.

Empire of Pain يصف انهيار الداخل الأميركي، لكنه لا يسائل كيف تُصدّر شركات الدواء هذا الانهيار إلى الخارج، ولا كيف يُستعمل الجسد المختلف — العرقي والثقافي — كموضوع اختبار لا كموضوع علاج.

بكلمات أخرى، يتوقّف الكتاب عند المرض… ولا يذهب إلى الاستشراق الصحي الذي يصنع المرض ويعيد تدويره.

بين الحقيقة والسرد… من يحكي قصة الألم؟

الميزة العظمى في الكتاب أنّه يبيّن كيف لم يعد المرض مسألة بيولوجية، بل سردية تُصنع وتُروّج وتُباع.

فمن يمتلك القدرة على تعريف “الألم” يمتلك القدرة على بيع “الدواء”.

ومن يتحكم في لغة الخطر، يتحكم في السوق.

ومع ذلك، يكتفي الكتاب بعرض قصة أميركية، بينما السؤال الأخطر:

من يملك سردية المرض عالميًا؟

ومن يقرر من هو “المريض” ومن هو “المُهِدِّد”؟

هنا يغيب عن العمل البعد السياسي للحرب الصحية التي تُدار عبر الإعلام، ومنظمات الصحة الدولية، والجامعات المموّلة، واللوبيات التي تصنع الخوف بقدر ما تصنع العلاج.

التحذير الأهم: الدواء ليس بريئًا

يخرج القارئ من الكتاب بدرس خطير:

الدواء قد يكون جزءًا من المشكلة، لا جزءًا من الحل.

فالمرض، كما تكشف الوثائق، ليس دائمًا حدثًا طبيعيًا، بل قد يكون:

قرارًا ماليًا

استراتيجية تسويق

صناعة خوف

توظيفًا سياسيًا

ومتى ما فُقدت الأخلاق، يصبح الجسد — أي جسد — مادة خامًا في اقتصاد لا يشبع.

لماذا يجب أن نقرأ هذا الكتاب؟

لأنه يكشف حقيقة لا يريد كثيرون الاعتراف بها:

أنّ الطبّ الحديث ليس محميًا من الفساد، وأنّ “العلم” وحده لا يكفي عندما تصبح الحقائق نفسها مُموَّلة.

ولكن — وهنا التحذير — يجب ألّا نقرأه بعين مبهورة، بل بعين ناقدة، لأن الكتاب رغم أهميته:

يبرّئ النظام ويتّهم العائلة

ينتقد النتيجة ويتجاهل الجذر الحضاري

يحصر الأزمة في أميركا ويغفل العالم

يتجنب نقد “المقدّس العلمي” ذاته

وبذلك، يحتاج القارئ العربي إلى أن يذهب خطوة أبعد من الكاتب نفسه.

خاتمة: إمبراطورية لا تزال قائمة

كتاب Empire of Pain ليس عن الماضي، بل عن الحاضر، عن عالمٍ يحكمه لوبي دوائي قادر على:

خلق المرض

وصناعة العلاج

والتحكم في الوعي

وإعادة كتابة الحقيقة

ولهذا، فإنّ الخطر الأكبر ليس ما فعلته ساكلر بالأمس، بل المنظومة التي تفعل الشيء نفسه اليوم ولكن بأسماء جديدة، وبطرق أذكى، وبسرديات أكثر إقناعًا.

إنه كتاب يجب أن يُقرأ…

لكن يجب أيضًا أن يُناقَش، ويُسائل، ويُفكَّك، لأنّ المعرفة وحدها لا تكفي لمواجهة إمبراطورية الألم، بل الوعي النقدي الذي يحوّل الألم نفسه إلى يقظة.

***

كتابة: أورنيلا سكر

صحفية لبنانية متخصصة في الدراسات الاستشراقية والعلاقات الدولية .

 

نقد الفكر الديني في التوراة والإنجيل ونشوء الصهيونية المسيحية

يبذل شحادة الغاوي جهدا مميزا لدحض السردية الكنسية الرسمية والتي تتبنى مقولة العهد القديم والعهد الجديد، وكما يصفه بالوصل القسري بين اليهودية والمسيحية، لانه لا يوجد توافق بينهما بل يوجد تناقض.

ويقدم الكاتب شرحاً عن أصول هذه "الاعتقادات الدينية" المسيحية والتي يريد البرهنة على أنها ليست أصيلة في تعاليم المسيح يسوع، بل هي دخيلة عليها من خارجها.

يركز الكاتب على هوية يسوع التي يتبناها بعيداً عن مقولة المسيح المنتظر التي جاءت في التوراة، التي يعتبرها الكاتب باطلة لما يحتويه العهد القديم من الاكاذيب والتلفيقات والخرفات وجرائم ورذائل وسرقات، بما يتناقض مع تعاليم يسوع، وينتقد تبني الكنيسة كتاب التوراة ككتاب مقدس التي يركز عليها الكاتب في أكثر من مكان في الكتاب، ويتطرق الكاتب الى مسالة تقديس القرآن للتورة.

يوضح الكاتب كيف تبنت الكنيسة الاناجيل الاربعة (متى، مرقس، لوقا، ويوحنا) من أصل أربعين انجيلاً، حيث كانت تهدف الى جلب اليهود الى تعاليم يسوع ولتحقيق ذلك الهدف لم تجد الكنيسة سبيلاً لإقناع اليهود ان المسيح هو أبن داوود الذي تنبأت به التوراة قد أتى.

ويناقش الكاتب بدءاً من صفحة 102الاناجيل الاربعة التي اعتمدتها الكنيسة كأناجيل "قانونية" من بين حوالي اربعين إنجيلاً "منحولاً" والتي كان الهدف منها جعل رسالة يسوع، حسب تلك الأناجيل، هو استمرار للتوراة وتكملة له.

يؤكد الكاتب ان كتابه ليس مجرد كتاب في الدين ويقول أنه بحث موضوعي في دور الدين في السياسية، وفعل السياسية في الدين، لكن الكاتب يريد ان يحث المؤمنين ان يؤمنوا بعقلانية، أي عن معرفة بما هو حقيقي وما هو خرافة، كخرفة شعب الله المختار الموعود بأرض الشعب الملعون...هذه الخرافة التي تستهدف أمة الكاتب وتعتدي عليها وتسلب منها وطنها(ص21).

في مقاربته ينفي الكاتب ان يكون معادياً لليهود، وبذلك يضع حدا لأي نقاش جانبي قد يأخذ الكتاب والهدف منه في اتجاهات ذات ابعاد سياسية مغايرة للهدف من الكتاب، وهو البحث في "الصهيونية المسيحية" وما هي وما علاقتها بالصهيونية العالمية، وكيف نشأت وما هي أسباب نشوئها وما هي أهدافها الحقيقية ولماذا تؤيد إسرائيل وتدعمها بقوة (ص16).

 يستعمل الغاوي اسلوب التعزيز بالتكرار للأفكار في اكثر من موقع في الكتاب، لتعزيز الهدف من الكتاب وترسيخه في ذهن المتلقي، مع سرد الحقائق وما يقابلها من خرفات مقدسة كما يسميها الكاتب(ص45) او تحريف وتضليل وتواطؤ ذات أبعاد سياسية على حساب الحقائق.

 يقول الكاتب ان الكتب المنسوبة الى موسى قد كُتبت بعد موت موسى بكثير وبعد دخول اليهود الى فلسطين واحتكاكهم بالكنعانيين والاقتباس منهم، ثم بعد السبي البابلي والاقتباس من البابليين، والدليل هو أخبار الكنعانيين والبابليين التي تحتويها تلك الكتب (ص 36). ولتعزيز فكرته يستشهد الكاتب بابحاث بعض المؤرخين التي تؤكد مقولته.

يكرس الكاتب الفصل الثالث من الكتاب للمقارنة بين الله رب العالمين وبين يهوه إله إسرائيل ويقول الكاتب بهذا الخصوص ان الهدف من هذه المقارنة ليس"ذم اليهود" كما يظن البعض، بل الهدف هو بيان الخطأ الفظيع الذي ارتكبته السلطات الكنسية المسيحية عدما تبنت التوراة كتاباً مقدساً على المسيحيين الإيمان به وبقداسته...

الفصل الرابع يعرض للأصول السورية للمفاهيم المسيحية في الحبل بلا دنس والموت والقيامة في اليوم الثالث يسوع السوري وفي الصفحة 171 يقول الكاتب: والآن سنثبت شهادة من الإنجيل عن الهوية السورية ليسوع، وايضاً شهادة من التوراة نفسها عن الهوية حتى للمسيح المنتظر!!!

وليعطي الكاتب القارئ فكرة عن نشوء الصهيونية المسيحية، يشرح في الفصل الخامس كيفية نشوء الصهيونية العالمية التي تأسست في مؤتمر عقد في مدينة بازل في سويسرا سنة 1897 الذي ترأسه تيودر هرتزل الذي أعتبر المؤسس للحركة الصهيونية.

 والهدف المعلن للحركة الصهيونية العالمية تحرير اليهود من الظلم الواقع عليهم وتجميعهم في فلسطين باعتبارها "ألاض أسرائيل".

وعن الصهيونية المسيحية يقول: ليست مؤسسة نشأت في وقت ومكان معينين او على يد أشخاص معينين، بل هي مذهب وتأويل يعتمده بعض المسيحيين للعلاقة بين المسيحية واليهودية...(ص210)

وفي هذا الفصل يشرح الكاتب ما هي العقيدة اليهودية والتاريخ القديم لليهود.

وبعد ان يؤكد ان المسيحيون ليسوا كلهم صهيونيين مسيحيين، يقول ان الصهيونية المسيحية هي تزوير لرسالة المسيح يسوع وتزوير للتاريخ.

يستمر الكاتب تركيزه على تشريح الخرافة الدينية تشريحاً علمياً، كما سيشرح الخلفية الدينية للمواقف السياسية الداعمة لدولة إسرائيل الحالية.

وفي الصفحة 276 يعنون الكاتب الصهيونية الأسلامية ؟ ويرى الكاتب انه حتى يكتمل هذا الموضوع يجب بحث ما يمكن أن نسميه "الأسرائيليات" في القرآن، ويرى الكاتب أن القرآن أيضاً يسير على منوال الكنيسة ويتبنى الكثير من القصص التوراتية...

يرى الكاتب أنه من الضرورة بحث واستقصاء متأن للصهيونية الإسلامية وجذورها في النصوص القرآنية ويتساءل هل من مستجيب لهذه المهمة الصعبة؟ ويضيف نحن لن نتطرق هنا لأكثر مما قلناه في هذا الصدد، لأننا لا ندعي أننا مؤهلون لأكثر من ذلك، ونترك للمؤهلين أصحاب المعرفة المتعمقة في القرآن أن يبحثوا فيه(ص280)

وعن كيفية مواجهة الصهيونية المسيحية يقول الكاتب: أن المواجهة الحقيقة تبدأ من قيام الكنائس المسيحية بأعادة النظر في هذا التبني (لقداسة التوراة) والتراجع عنه لأنه السبب الحقيقي الذي أدى الى هذا التاريخ الطويل من المظالم الفظيعة التي حلت بالبشرية منذ أكثر من ألفين من السنين(ص245).

وفي الخاتمة صفحة 282 يقول: هل مسؤولية الكنيسة هي فقط انتخاب البابا وتعيين البطاركة ... وإدارة أملاك الكنيسة وإجراء مراسم الزواج والعمادة والوفاة.. وإقامة القداديس...

صدر الكتاب عن دار أبعاد للطباعة والنشر في طبعته الأولى عام 2025 ويقع في 285 صفحة وخمسة فصول بالإضافة الى الإهداء وشكر وتنويه ومقدمة وخاتمة.

أخيراً، الكتاب غني بالكثير من المعلومات التي تغني القارئ عن مراجعة العديد من الكتب كما يقول كاتبه ولا شك أن هذا العرض لا يغني عن قراته والاطلاع على المزيد من الحقائق التاريخية وبمقاربة علمية.

***

كتب عباس علي مراد

"شبابيك اعتراف رقمية لصالح الكولونيالية الجديدة"

صدر حديثاً عن مؤسسة دار الصادق الثقافية كتاب بعنوان الإعلام الجديد ووسائل التواصل: شبابيك اعترافات رقمية لصالح الكولونيالية الجديدة للبروفسور الدكتور محمد كريم الساعدي، والصادر برقم معياري دولي: (ISBN: 978-9922-757-95-7)، وقبل الولوج في مضامين هذا المنجز العلمي، تقتضي الضرورة توضيح المفهوم الذي يرتكز عليه الساعدي وهو مفهوم الكولونيالية التي عرفها في أحد كتبه السابقة والذي يحمل عنوان (الإشكالية الثقافية لخطاب ما بعد الكولونيالية): بوصفها الشكل المحدد للاستغلال الثقافي الذي تبلور بالتزامن مع التوسع الأوروبي خلال القرون الأربعة الماضية. وعلى الرغم من أن حضارات عديدة سبقت أوروبا امتلكت مستعمرات خارج حدودها، فإن تلك الحضارات كانت تنظر إلى علاقتها بمستعمراتها بوصفها علاقة بين قوة مركزية كبرى وبين هوامش ثقافية محلية توصف عادة بالهامشية أو عدم التحضر.

لا شك أن التطورات التي أتاحتها تكنولوجيا الاتصالات الحديثة ومن ضمنها الإعلام الجديد وسائل التواصل قد أسهمت في إعادة تشكيل أنماط النظر والفهم والتحليل تجاه القضايا السياسية والاقتصادية الاجتماعية والعلمية والتعليمية والدينية، بما يعكس القدرة التحويلية العميقة لوسائل الإعلام الجديدة. وفي هذا السياق، يشير الدكتور محمد كريم الساعدي في كتابه (الإعلام الجديد ووسائل التواصل: شبابيك اعتراف رقمية لصالح الكولونيالية الجديدة (إنَّ تحول الصراع من الخارج إلى الداخل هو، في الأصل، لعبة غربية كولونيالية يقوم بها الغربي وعلى رأسهم أمريكا وهذه العملية هي مكملة لما حدث في القرن الماضي. فقد كان القرن الماضي قائماً على التقسيم وزرع بذور الخلافات على الحدود بين الدول. هذه السياسة البريطانية القديمة، التي اعتمدت مبدأ (فرق تســد).

 كما أشار الكتاب إلى أن وسائل الإعلام الجديدة عامة ووسائل التواصل الاجتماعي خاصة، تمارس نفوذاً قوياً في حياة الإنسان اليومية وتصوراتهم للواقع المعاش. ويشير المؤلف أيضا إلى أن تصوير وسائل الإعلام للواقع يمكن التلاعب به لخدمة أجندات سياسية أو أيديولوجية معينة.

هذا يكشف عن وجهة نظر عاقلة بشأن قوة وسائل الإعلام وتأثيرها. وينظر المؤلف في كتابه بوضوح رؤية إلى تأثيرات وسائل الإعلام الجديدة على أنها قوى ناعمة أعادت تشكيل الاتصال والمجتمع والسياسة، رغم الاعتراف بجوانبها التمكينية، إلا أنه يؤكد أيضا على الحاجة إلى تحليل ناقد لتأثيرها وقدرتها على التلاعب وتأثيرها على المواطنة والهوية. لذلك يتصور الدكتور محمد الساعدي بأن المنفذ الأول للكولونيالية الجديدة هي الولايات المتحدة الامريكية جعلها الفاعل الأول في منطقة الشرق الأوسط الجديد حيث يقول "بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام (۲۰۰۱) وظهور الأسباب المباشرة المتمثلة في فكرة الإرهاب وربطه بدول معينة، سبق ذلك عملية وصول الولايات المتحدة الأمريكية إلى سواحل الخليج العربي من خلال التدخل العراقي في الكويت والسيطرة المباشرة على مقدرات الشعوب في هذه المنطقة. هذا التدخل جعل من أمريكا الفاعل الأول في منطقة الشرق الأوسط وما حولها، من خلال فرض سطوتها بشكل مباشر على المنطقة، مما أوجد مفهوما مكملاً للكولونيالية القديمة، المتمثلة في الاستعمار القديم (فرنسا وبريطانيا)، وتوزيعهما لمنطقة الشرق الأوسط حسب اتفاقية (سايكس بيكو) ".

 حيث يبين في هذا الكتاب موضوع في غاية الأهمية هو عملية تطبيق الولايات المتحدة الامريكية لمشاريعها التوسعية من خلال تطبيقين رئيسين هما:"

الأول: تطبيق خططها الجديدة دون أن تكون هي المبادرة بهذا التطبيق بشكل مباشر، كما حدث في العراق وأفغانستان. بمعنى آخر، جعل الدول المستهدفة نفسها تقدّم المبررات للتدخل والتحشيد الأممي لذلك، من خلال مؤسسات مثل مجلس الأمن الدولي.

الثاني: التحول في الصراع من الخارج إلى الداخل، بهدف شرعنة خططها في المنطقة، وجعل كل كيان قائم على صفة فئوية أو جهوية أو عرقية يأخذ دوره في هذا الصراع. والقصد هنا هو منح هذه الكيانات الدينية والعرقية والعنصرية مبررات لإظهار وجودها في هذه المنطقة ".

من خلال ذلك يمكن إن يمثل المبدأ الأول في سعي القوى الدولية إلى تنفيذ استراتيجياتها الجديدة دون الاضطرار إلى تحمّل كلفة المبادرة المباشرة بالتطبيق، وهو أسلوب شاع بصورة لافتة في العقود الأخيرة، كما تجسّد في التجربتين العراقية والأفغانية. ففي هذين النموذجين، لم يعد التدخل العسكري أو السياسي يُقدَّم بوصفه قراراً أحادياً تصدره القوة المتدخلة، بل بوصفه استجابة مشروعة لأزمات داخلية متفاقمة في الدول المستهدفة، أزمات يسمح لها بالتضخم، أو يسهم في تأجيجها بحيث تبدو كأنها تنتج مطالب التدخل لا رافضة له. وبهذا المعنى، تدفع الولايات المتحدة الامريكية، عبر ضغوط سياسية أو اقتصادية أو بنيوية، إلى إنتاج المبررات الذاتية للتدخل؛ مبررات يجري تدويلها عبر قنوات رسمية مثل مجلس الأمن الدولي، حتى يظهر التدخل الخارجي بمظهر الاستجابة الإنسانية أو الإجراء الوقائي لحماية السلم الدولي.

أما المبدأ الثاني فيرتبط بتحول أكثر عمقا في بنية الصراع، يتمثل في نقل مركز المواجهة من المستوى الدولي إلى قلب البنى الاجتماعية للدول المعنية. فبدل أن يجري الصراع بين دول وأنظمة سياسية واضحة المعالم، يعاد تدويره ليصبح صراعا داخليا متشظياً تتصارع فيه المكونات الطائفية والجهوية والإثنية على الشرعية والتمثيل والسلطة. ويهدف هذا التحول إلى إضفاء الشرعية على الخطط الإقليمية للقوى الكبرى من خلال تحويل تلك المكونات الداخلية إلى أطراف ممثلة لواقع اجتماعي منقسم، بحيث تبدو هذه القوى وكأنها لا تتدخل في شؤون دولة موحدة، بل في ساحة تتوزعها هويات متنافسة. وبهذه الطريقة تمنح الكيانات الدينية والعرقية والفئوية فرصة منظمة لإبراز وجودها السياسي والعسكري، ليس بوصفها حالات استثنائية أو طارئة، بل كعناصر طبيعية في المشهد الإقليمي، الأمر الذي يُعطي التدخل الخارجي مبرراً إضافيا يتمثل في إدارة هذا التنوع المتفجر أو احتواء تداعياته.

ويذكر الساعدي مثلاً حياً حول دور الولايات المتحدة الامريكية عن ذلك إذ يقول: " نجحت أمريكا في تصوير الصراعات الداخلية التي اندلعت لاحقا في العراق، وكأنها ليست مسؤولة عنها بشكل مباشر، بينما في الحقيقة هي التي زرعت بذور التفرقة عبر هذا المجلس. هذه التفرقة مع مرور الوقت، تضخمت مثل كرة الثلج حتى كبرت وأصبحت عائقاً كبيرًا أمام نهوض العراق وشعبه. إضافة إلى ذلك، استغلت هذه الطريقة كذريعة لنهب ثروات العراق تحت شعار (توزيع الثروات) الذي هو غطاء لنهب هذه الثروات عبر رجالاتها المتنفذين والمخفيين الذين ساهموا في إدارة العملية الانتقالية في العراق ".

من خلال ذلك يلقي الدكتور محمد الساعدي رؤية نقدية حذرة إزاء الدور الذي تضطلع به وسائل الإعلام الجديدة، ولاسيما شبكات التواصل الاجتماعي، في سياق العصر الرقمي وعالم ما بعد الحداثة. وهو يقر بالقدرة الاستثنائية التي تمتلكها هذه الوسائل في نقل المعلومات والأفكار وتوزيعها بسرعة وشمولية غير مسبوقة، غير أنه يشير في الوقت ذاته إلى أن هذه القدرة نفسها قد تفتح المجال لانحرافات معرفية وثغرات بنيوية تؤثر بصورة عميقة في الرأي العام والبنية الاجتماعية.

فإن كانت وسائل الإعلام الجديدة قد وفرت فضاءات واسعة للتعبير والمشاركة، فإنها على الجانب الآخر قد أصبحت قناة خصبة للتلاعب بالمعلومات، ونشر التضليل، وتعزيز الانتشار السريع للأخبار غير الدقيقة. وبذلك تغدو هذه الوسائل فاعلاً رئيسياً في تشكيل الرأي العام وصياغة النقاشات العامة، الأمر الذي يستدعي دراستها بعمق، والتعامل معها بوعي نقدي وحذر من قبل الجمهور والباحثين على حدّ سواء.

وتتجلى أهمية هذه الشبكات بوصفها امتداداً مؤثرًا للإعلام الجديد في كونها أحدثت تحولاً جذرياً في أنماط التواصل الاجتماعي، حتى باتت أشبه بـ(فضاء عالمي مفتوح) يتيح لملايين المستخدمين التفاعل في الوقت نفسه. ويكفي أن يتصفح المرء منصات مثل (أكس/ تويتر سابقاً) ليدرك حجم التغير في طبيعة الحوار العام، إذ يبدو العالم وكأنه ينقسم إلى جماعات متفاعلة، لكل منها خطابها وقضاياها.

وما تزال هذه الوسائل، التي تتوسع باطراد، تمارس دوراً محورياً في نقل الوقائع والأحداث لحظة بلحظة، وأصبحت مصدراً إخبارياً أساسياً تتكئ عليه وسائل الإعلام التقليدية. فقد يصل الخبر إلى الجمهور عبر هذه المنصات قبل أن تبثه وكالات الأنباء، وقد يكون الخبر صحيحاً أو مشوباً بدرجة من الخطأ أو الخداع، تبعاً لطبيعة مصادره وسياقات تداوله.

وتؤكد هذه التحولات المقولة الشائعة بأن الإعلام يمثل (السلطة الرابعة)، إذ يملك القدرة على التأثير في السياسات وتوجيه الثقافة وصياغة الوعي، وعلى رفع شأن أشخاص أو أفكار أو أحداث أو التقليل من شأن غيرها. ومن هنا تتضح أهمية فهم الأدوار الجديدة التي بات الإعلام الاتصالي يؤديها في عالم معقد ومتشابك، حيث يتقاطع الاتصال مع السياسة والمعرفة وتشكيل المجال العام.

وتتسم المقاربة العامة التي يعرضها الكاتب الاعلام الجديد ووسائل التواصل بأنها مقاربة نقدية بناءة، لا تسعى إلى الهدم أو المصادرة، وإنما إلى استثمار الإمكانات التقنية مع الوعي بالمخاطر الملازمة لها. وفي هذا السياق، يتناول الكتاب عدداً من النقاط الجوهرية؛ إذ يقارن بين الإعلام التقليدي والإعلام الجديد، مع التركيز على شبكات التواصل الاجتماعي، بما يعكس إدراكا للتغيرات العميقة التي يشهدها حقل الاتصال.

ويناقش الدكتور محمد الساعدي قضايا مركزية بصياغة تحليلية نقدية اكاديمية، مثل تأثير وسائل الإعلام في تشكيل الوعي، والإشكالات البنيوية التي تفرزها البيئة الرقمية، وعلاقة الإعلام بالرأي العام والمواطنة. كما يبرز دور الإعلام في الحراك الاجتماعي وفي عمليات التلاعب بالعقول، متبنياً منظوراً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً ودينيناً في تحليل ظاهرة الإعلام، بعيداً عن القراءة التقنية أو الصناعية البحتة. وهو يؤكد أن الإعلام يمتلك قدرة تحولية تعيد صياغة المجتمع والسياسة، لكنه في الوقت ذاته يحمل تهديدات تتصل بالحقيقة والمعرفة.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن تحليل الدكتور محمد يقدم رؤية عميقة ومتوازنة لدور الإعلام الجديد ووسائل التواصل، مستمدة من خبرة مهنية وممارسة واقعية للحقول الإعلامية، لا من منظور نظري أكاديمي مجرد. وتبرز أهمية هذه الرؤية في قدرتها على لفت الانتباه إلى ضرورة تحقيق توازن دقيق بين مواكبة التطور التكنولوجي والحفاظ على القيم الإنسانية والمعرفية الأساسية. ولا يفوتني الإشارة إلى أن الدكتور محمد الساعدي يوظف المنهج التاريخي في تحليل جملة من الأحداث السياسية التي مرّت بها منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما ما يتعلق بالتدخلات الخارجية في تشكيل سياساتها واتجاهات الرأي العام فيها. وقد أبرز، في هذا السياق، الدور المحوري الذي أدته وسائل الإعلام الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي في إعادة صياغة المشهد السياسي، خصوصاً خلال مرحلة الربيع العربي، حين أصبحت هذه الوسائل أداة فاعلة في الحراك الاجتماعي ومسارات التغيير السياسي.

 ويهدف كتاب الإعلام الجديد ووسائل التواصل شبابيك اعتراف رقمية لصالح الكولونيالية الجديدة في فصوله الثمان المتنوعة وحسب الفهرس الأتي:

المقدمة لعبة السلطة الكولونيالية الجديدة في السيطرة على الوعي بين الإعلام الجديد ووسائل التواصل

الفصل الأول: الإعلام الجديد على وفق الرؤية

- الكولونيالية الجديدة

- الإعلام والوظيفة الإعلامية.

- وسائل التواصل والإعلام الجديد

- التصورات الإعلامية في الإعلام الجديد في ظل

- الكولونيالية الجديدة

- الوظائف الإعلامية في ضوء السلطة الكولونيالية الجديدة

الفصل الثاني: السلطة الكولونيالية الجديدة وتشكيل

- شبابيك الاعتراف الرقمية

- الذات المؤسسة والسلطة

- الخطاب وما يساق من خلاله من أهداف وغايات للسلطة

- مجال الخطاب وتطبيقاته

-. شبابيك الاعتراف بين المرجعية الواحدة والمصاديق

- المتعددة

-. المعرفة المتحصلة من هذه الشبابيك

الفصل الثالث: الإعلام الجديد ووسائل التواصل

- والجاسوسية الرقمية

-. الإعلام الجديد ووسائل التواصل والجاسوسية الرقمية

-. الجاسوسية الرقمية أداة كولونيالية

-. أثر الجاسوسية الرقمية في الكولونيالية الجديدة

- على الأفراد في المجال الرقمي

الفصل الرابع: الأنثروبولوجيا الرقمية والكولونيالية الجديدة

- الأنثروبولوجيا وتمدين الإنسان البدائي

-  الأنثروبولوجيا الرقمية أداة في يد الكولونيالية الجديدة

الفصل الخامس: الإيحائية الفرويدية في المجالات الرقمية

- ووسائل السيطرة التابعة للكولونيالية الجديدة

-  مجالات الكولونيالية الجديدة والسيطرة الرقمية.

-  الإيحائية الفرويدية في الإعلام الجديد ووسائل التواصل.

-  اشتغالات السلطة الكولونيالية الجديدة على وفق

- الإيحائية الفرويدية

الفصل السادس: الشبكة العنكبوتية

- ولعبة العالم قرية صغيرة، يصممها من يريد تسويق

- السطحي من أجل ربح وفير

-  الكولونيالية الجديدة والثنائيات الرقمية

-  الكولونيالية الجديدة وتسويق السطحي

- في المجال الرقمي.

الفصل السابع: الإعلام الجديد والفن الإعلام الدرامي

- وصناعة الثقافة الإعلامية الجديدة

- الفصل الثامن: الإنسان والإعلام الجديد، من الفرد العارف

- إلى القطيع الجاهل

-  الآخر الرقمي في الكولونيالية الجديدة

-  الآخر الرقمي وغياب الهوية الوطنية

- الخاتمة

- المصادر

 أن يطرح أسئلة حول ماذا نعني بالتحول في الصراع من الخارج إلى الداخل؟ وكيف يتم بلورة هذه الأفكار الأمريكية الجديدة في عملية التغيرات الجيوسياسية في المنطقة العربية خاصة والعالم بصورة عامة؟.

وفي ختام الكتاب يبين الدكتور محمد الساعدي بأن الكولونيالية الجديدة استفادت من مختلف هذه الوسائل إلى غايتها المنفتحة في عدة مجالات من ضمنها: "المجال السياسي تستخدم الكولونيالية الجديدة هذه الوسائل والتقنيات الرقمية للترويج للنظام السياسي الغربي الذي تعتقد أنه النظام الأفضل للعالم، من أجل تحقيق هدفها العالمي في قيادة العالم حسب تصوراتها وعقيدتها السياسية التي تفرضها بمختلف الطرق على الأنظمة الأخرى التي تقع خارج منظومتها الغربية. والمجال الاقتصادي تستفيد الكولونيالية الجديدة من المجال الرقمي في ثلاث قضايا مهمة في المجال الاقتصادي، وكذلك في المجال الاجتماعي تستفيد الكولونيالية الجديدة من النظام الرقمي العالمي ومجاله التقني في تغيير النظم الاجتماعية ومنظوماتها الاخلاقية القارة والثابتة في المجتمعات التقليدية، من خلال بث قيم جديدة تتلاءم مع سياساتها الاجتماعية ومنظوماتها الأخلاقية الخاصة بهذه النظم الاجتماعية الغربية. والمجال العلمي، تستفيد الكولونيالية الجديدة من التقنيات العلمي التي أنتجتها في استحداث فضاء رقمي ومجال تقني تستطيع من خلاله التفوق عالمياً على كافة القوى المنافسة لها على صعيد العالم. والمجال التعليمي تستفيد الكولونيالية الجديدة من خلال تغيير أنظمة التعليم في مختلف المستويات للصغار والكبار من خلال تغيير المنظومات التعليمية في المدارس والجامعات، والعمل على بث أنظمتها التعليمية وقيمها التعليمية ومعاييرها التي تربطها بالنظام التعليم العالمي للوصول إلى منظومة تعليمية عالمية وفق القيم الغربية. والمجال الديني إذ تسعى الكولونيالية الجديدة إلى تجاوز المنظومات الدينية المحلية الخاصة بكل شعب من الشعوب، والترويج لفكرة دين عالمي جديد وموحد يدمج بين الأديان السماوية، وفرضه بالقوة الناعمة على أتباع الديانات السماوية، ليصبح الدين الجديد الذي يتماشى مع المنظومة الكولونيالية الجديدة".

وعلى الرغم من الطابع الحذر الذي يتبناه الدكتور محمد الساعدي في مقاربة ظاهرة الإعلام الجديد ووسائل التواصل، فإنه لا يتجه نحو رفضه أو التقليل من قدرته على تمكين المجتمع. بل يطرح رؤية توفيقية وواقعية تستوعب ما تقدمه هذه الوسائل من إمكانات إيجابية، بالتوازي مع التحذير من الإشكالات البنيوية التي تطرحها على البنية الاجتماعية والثقافية. ويؤكد مضمون كتابه على ضرورة إرساء معادلة توازن بين توظيف مزايا التكنولوجيا الحديثة وبين مراقبة تأثيراتها المتسارعة والحد من انعكاساتها السلبية. فهذا التوازن، في نظره، يمثل السبيل الأمثل لضمان توظيف الإعلام الجديد بطريقة عقلانية ومسؤولة تدعم الحقيقة وتعزز الحياة المدنية.

ومن خلال هذه القراءة، أدعو الباحثين والمهتمين إلى الاطلاع على هذا المنجز العلمي، الذي يمثل دراسة أكاديمية وبحثية مهمة تتناول الهجمة الأمريكية–الصهيونية على الثقافة العربية الإسلامية، وذلك بطرق متنوعة وبالتركيز على الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي في هذا السياق. وأسأل الله تعالى أن أكون قد وفقت في تقديم قراءة مختصرة وموجزة لهذا العمل العلمي للأستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي.

***

ا. م. د. حميد ابولول جبجاب

جامعة ميسان / كلية التربية الأساسية

عن دار سهيل عيساوي للطّباعة والنّشر، صدر كتاب "قراءات ومراجعات - نظرات في التّجربة الأدبيّة"؛ للأديب ناجي ظاهر، وهو مؤلَّف ضخم، يقع في أربع مئة وأربع وعشرين صفحة من القطع الكبير، مقدّما مادّة ثريّة، تكشف عن رحلة شخصيّة وفكريّة عميقة في عالم الأدب.

يستهلّ ظاهر كتابه بالاعتراف بأنّه لا يملّ من مصاحبة الكتاب، مؤّكدا أنّ القراءة النّوعيّة تمثّل منهلا للحياة، وتجلّيا للتّجربة الإنسانيّة. وفي سياق هذا الشّغف المتجذّر بالمطالعة منذ نعومة أظفاره، يتضمّن الكتاب سردا سِيَريّا ومذكّرات شخصيّة ومقالات متنوّعة، تجاورها آراء الكاتب ووجهات نظره في مجموعة من القضايا الجوهريّة، الّتي تمسّ المجتمع والمشهد الثّقافيّ.

يتناول ظواهر مختلفة في نقد ثقافيّ جريء، يعالج التّحدّيات الرّاهنة ويقف عند محطّات متعدّدة للتّحليل الأدبيّ، كما يتطرّق إلى قضايا الفنّ التّشكيليّ، ويبحث في إشكاليّة التّخييل الأدبيّ، وسبل تشييد العمل السّرديّ ذي القيمة.

يسلّط الضّوء على نموذج المحرّر الأدبيّ النّاجح، الّذي يراه قامة مثقّفة، قادرة على اكتشاف المواهب الجديرة بالنّشر. ومن هذا المنطلق، يلزمه التّحلّي بالموضوعيّة المطلقة والنّأي بنفسه عن النّزاعات الشّخصيّة، جاعلا قيمة النّصّ هي الأوّلويّة لقبول النّشر. وعلى النّقيض من ذلك، يحذّر من المحرّر الرّديء الّذي يفتقر إلى الثّقافة، ويتّخذ موقف المنازع والمعادي، فيدمّر بذلك الثّقة بين القارئ والمنصّة الإعلاميّة.

على صعيد متّصل، ينتقد إغراق الأدب الحديث في التّعقيد والغموض؛ إذ يرى فيه ألغازا منفّرة تقضي على رسالته الجوهريّة. من ثَمّ، يعرض مأزق الكاتب العربيّ المضطرّ لتمويل نشره لقلّة القرّاء، بينما يجد الكاتب الفلسطينيّ نفسه مضطّرا لتوزيع كتبه مجّانا، مكتفيا بمكسب معنويّ.

إضافة إلى ذلك، يقرّ ظاهر بتحوّل جذريّ في موقفه تجاه الجوائز الأدبيّة؛ فبعد إيمانه بجدارتها، بات ينفر منها اليوم؛ لغلبة أنصاف الموهوبين وتأثير العلاقات عليها، ما سلبها قيمتها. ويؤكّد أنّ أعظم تقدير هو ما يأتي من القارئ.

يشخّص الفترة الحاليّة؛ كـمرحلة سمتها الفوضى الثّقافيّة، تتمثّل في التّحوّل من ثقافة النّخبة إلى الشّعبية، ممّا أدّى إلى تكاثر مدّعي النّقد، وازدياد الكتّاب مقابل ندرة القرّاء، ويتحدّث عن النّقد الذّاتيّ بوصفه مفتاح تقدّم الكاتب، يستنكر فئة تدسّ السّم في نصوصها، منتقدا ظاهرة "الاستكتاب"، الّتي تتحوّل فيها الكتابة إلى إنجاز مطلوب خارجيّ مأجور، إذ يدفع الكاتب لشخص آخر؛ لينتج له نصّا أو كتابا كاملا، ثمّ يعتمده باسمه، مسببا تدليسا على القارئ وعلى السّاحة الأدبيّة بشرائه شهرة زائفة.  وهي ظاهرة متنامية في السّاحة المحلّيّة والعربيّة، حيث غدت الكتابة وسيلة لابتغاء الاعتراف الاجتماعيّ بدلا من القيمة الإبداعيّة. يرى أنّ ذلك يتجلّى أحيانا، في إقدام بعض الكتاب، خاصّة في سنّ متأخرة، على نشر كتبهم وتوزيعها مجّانا بسخاء.

بالانتقال إلى التّوثيق الثّقافيّ، يرى ظاهر أنّه مسؤوليّة نبيلة، تقوم على تقديم الحقيقة للأجيال القادمة، الأمر الّذي يستلزم الصّدق والموضوعيّة في النّقل.

في سياق مغاير، ينتقد الخلط الدّارج بين جوهر اللّغة وروح الأدب؛ حيث غلا البعض في التّركيز على سلامة اللّغة المعيّاريّة على حساب الجماليّات والإبداع الفنّيّ. لذلك، يؤكّد أنّ اللّغة هي أداة جماليّة في الأدب، وأنّ المحاسبة الحقيقيّة تكون على قدرة الكاتب على الخلق الفنّيّ، لا على خطأ يصحّح، كما يحذّر من أنّ هذا الفهم الخاطئ أضرّ بالحراك الإبداعيّ، وأدّى إلى تصدّر الأكاديميين ومعلّمي اللّغة للمشهد الثّقافيّ؛ بدلا من أهل الأدب.

قراءات في مدارس الرّواية العالميّة والعربيّة:

يضمّ هذا المؤلَّف فسيفساء معرفيّة متنوعة، تجول بعالميّ الرّواية والشّعر، حيث يتوغّل الكاتب في أسرار الكتابة السّرديّة، مستلهما تجارب "هيمينجواي" و "نجيب محفوظ" وغيرهم، متأمّلا سيّر الأدباء العالميّين والعرب ومآثرهم، يستخلص منهم دروسا في الإبداع وتحدّيات الموهبة الأدبيّة في سياقات متباينة.

يصف الرّوائيّ الإيطاليّ البيرتو مورافيا؛ بأنّه تمثيل حيّ للأديب العصريّ الّذي شحذ موهبته، عابرا كلّ العوائق، مستلهما البناء الفنّيّ لدى دوستويفسكي، والتّحليل النّفسيّ عند جيمس جويس. يبيّن أنّ سرّ غزارة إبداعه، يكمن في الانضباط اليوميّ للكتابة، مؤمنا أنّ الوحيَ يُسعى إليه ولا يُنتَظر، معتمدا على المراجعة المكثّفة.

كما يتناول الكاتب التّركيّ أورخان باموق، كاشفا عن فلسفته في صنع الرّواية، مستلهما ثنائيّة الشّاعر الألمانيّ "شيلَّر"، حيث يشدّد باموق على أهمّيّة المعادل الموضوعيّ في النّص، معتبرا إيّاه سرّ الرّواية الأعظم، ويؤكّد أنّ الرّواية هي ثمرة المهارة والبراعة، واستنادا للنّاقد ليون إيدل، يرى أنّ التّجربة هي مبعث قوّة العمل الأدبيّ وبقائه، وأنّ الرّواية تختلف عن المذكّرات؛ بتقديمها عالما متكاملا متخيّلا، يقوم على تطوّر الأحداث، وتتميّز بلغة فنّيّة انزياحيّة متفرّدة، تعبّر عن صوت يحكي حكاية، عكس اللّغة النّثريّة المباشرة للمذكّرات.

ثمّ ينتقل بنا إلى الكاتب التّركيّ زولفو ليفانلي، في جولة بروايته "الجزيرة الأخيرة" الّتي تشرح الأنظمة الشموليّة، ويتبع ذلك برواية "الفتى النبيل" لفرانسيس برنيت، ثمّ يخوض في رواية "المدينة المسحورة" لـسيّد قطب، ويبحر في فضاء "ألف ليلة وليلة".

تحت عنوان "الكاتب الكسول"، يتحدّث عن الرّوائيّ الطيّب صالح، الّذي يتعمد التّأنّي والصّبر في الكتابة؛ لتغدو كلماته لوحات تنبض بالحياة. وبعد ذكر المصريّ أمين يوسف غراب، يحكي قصّة ميلاد رواية "ذهب مع الرّيح" لمارغريت ميتشل؛ تلك الرّواية الّتي نبعت من حادث ألزمها المنزل عام (1929م)، وقد رأى هذا العمل النّور بعد عشر سنوات؛ ليصبح ظاهرة عالميّة.

كما يكشف عن الأسرار الكامنة خلف ميلاد رواية "الشّيخ والبحر" لإرنست هيمنجواي، ففي عام (1950م) لمعت له فكرة صراع الإنسان مع الطّبيعة، ممثلّة بشيخ مكافح، فانزوى في غرفته ليطلق رحلة الكتابة الّتي قام بنشرها عام (1952م)، فحجزت مكانتها بين عيون الأدب، وتوّجت بنيل جائزة نوبل عام (1954).

يتّسع نطاق استعراضه؛ ليشمل كوكبة من الأدباء العالميّين، ساردا إشعاعاتهم وإنجازاتهم، مستخلصا من سِيَرهم دروسا عميقة؛ لينتقل بعد ذلك إلى الرّوائيّ الفلسطينيّ يحيى يخلف، مسلّطا الضّوء على روايته "راكب الرّيح"؛ كقراءة للماضي تلهم مواجهة الحاضر، ثمّ ينعي الرّوائيّ الرّاحل رشاد أبو شاور الّذي كرّس أعماله لسيرته الذّاتيّة ونضال شعبه.

ضمن قسم "تجارب في الكتابة الرّوائيّة"، يتحدّث عن كتاب "حياة الكتابة" لعبد الله الزّمّاي، الّذي يجمع تجارب روائيّين عالميّين ويبرز أنّ الكتابة تنبع إمّا من قلق وجوديّ، كما عند يان مارتل، أو من دافع عاطفيّ، يتحوّل إلى سحر الإبداع.

يسلّط الضّوء على كتاب "تقنيّات كتابة الرّواية" للأديبة الأمريكيّة نانسي كريس. يرى أنّ كريس تجعل القارئ محور الكتابة، مؤكّدة على ضرورة أن يحدّد الكاتب جمهوره المفترض، وأنّ الوعي بتوقّعات القارئ، يساهم في ابتكار شخصيّات مقنعة وديناميّة.

يتأمّل كاتبنا تجربة الرّوائيّ نجيب محفوظ، الفائز بنوبل، واصفا إيّاه بالمبدع النّموذجيّ، يستجلي أسرار مسيرته اعتمادا على كتاب "نجيب محفوظ يتذكّر" لجمال الغيطاني، و"فعل الإبداع الفنّيّ عند نجيب محفوظ" لعزّت قرني، مشيرا إلى أنّ نشأة محفوظ وتأثّره بالأجواء الوطنيّة كان الدّافع الأوّل لكتاباته، الّتي استهلّها تاريخيّة قبل أن تنزاح إلى الواقعيّة.

يستذكر رحيل الأديب الألبانيّ إسماعيل كاداريه، الّذي سلب الأنظار عالميّا بروايته "جنرال البحر الميّت"، ويستعرض منح جائزة نوبل للآداب لعام (2024م) للكاتبة الكورية هان كانج، الفائزة سابقا بجائزة "مان بوكر". وبالتّوجه إلى جوهر العمل السّرديّ، يطرح الكاتب إشكاليّة تفضيل النّمط الرّوائيّ بين المتشعّب؛ كالبوليسيّ والمكثّف النّفسيّ، وبالرّغم من انقسام الآراء، يؤّكد على الرّأي الوسطيّ، مستندا إلى إيدل وأرسطو أنّ القيمة الفنّيّة، تكمن في عمق المعالجة ودقّة الصّياغة، لا في غزارة الأحداث.

في سياق آخر، يصوّر الفرق بين المبدع والمجتهد؛ فالمبدع ينطلق من عمق التّجربة، مركّزا على الجوهر ومحلّقا بالتّخييل؛ ليمنح شخصيّاته الرّوح، وهو ينعم بثقة خلود عمله، تاركا إيّاه سفيرا له. بينما يعتني المجتهد بالشّكل، مقدّما نصّه جامدا، يجهد نفسه في اصطياد الموضوعات الكبيرة؛ استجابة لمطلب الجماهير، وينفق جهده في التّسويق المحموم والظّهور الإعلاميّ.

شهادات سِيَرِيّة في الأدب والمجتمع:

في الباب الثّاني من الكتاب، يسرد الكاتب تجربته الشّخصيّة لعشر سنوات في تحرير زاوية "قصّة من الحياة"، حيث كان يلتقط جوهر قصص القرّاء الهاتفيّة، ويعيد صياغتها بأسلوب فنّيّ؛ للتّنوير ورفع الوعيّ المجتمعيّ.

يروي قصّة تعلّقه بالأديب أبي حيّان التّوحيديّ، الّذي اكتشفه في طفولته، يصف رحلته في البحث عن مؤلّفاته، معجبا بثقافته الموسوعيّة ونقده ورصانة أسلوبه. ويواصل سرده السِيَريّ، فيحكي عن ذكريات طفولته، حيث شاهد فيلما تاريخيّا عن ثورة العبيد الثّالثة ضدّ الرّومان، يصف اندماجه العاطفيّ بالأحداث، مشيرا إلى أنّ المشهد الأخير، ظلّ ناقشا في ذاكرته قيمة الحرّيّة والتّمرّد على الظّلم.

كما يحكي عن الجاحظ، الّذي كان متيّما بالقراءة، ويروي تجربة النّاشر الفلسطينيّ فؤاد دانيال، الّذي سطّر حلما لعشّاق الكتاب وهو منهم، ونجح في إعادة طباعة المئات من روائع الأدب العربيّ والعالميّ، مقدّما إرثا ثقافيّا ضخما قبل توقّف منشوراته.

قراءات في الفنّ والفكر:

يستعرض محتوى كتاب "النّقد الأدبيّ" للفرنسيّ فابريس تومريل، الّذي يفصّل المدارس النّقديّة كنقد جينيت وبارت، وبحسب تومريل يصنّف النّقد في ثلاثة محاور: نقد الكتّاب، النّقد الصحفيّ، والنّقد الأكاديميّ المتهم بمحاولة تفسير ما لا يفسر، ويشدّد على أنّ النّاقد المتخصّص مسؤول عن إعادة اكتشاف النّصوص، مُبيّنا أنّ النّقد هو السّلاح الأقوى في مواجهة القراءة السّاذجة، رغم تراجع دوره في عصرنا.

يلخّص تفشّي سلطة غير المؤهّلين في المجالات الثّقافيّة، مشيرا إلى استغلال مواقعهم في تصفية حسابات شخصيّة، رافضين أعمال كتّاب مرموقين. ويركّز على ضرورة الفصل بين النّصّ والكاتب، معارضا تفسير العمل الأدبيّ كانعكاس لحياة صاحبه، كما حدث مع رواية حيدر حيدر "وليمة لأعشاب البحر"، موضّحا أنّ الأدب يقوم على التّخييل، وأنّ ما يبقى من المبدع هو عمله الخالد.

يناقش ركائز التّقدّم في العالم العربّي في كتاب "تأمّلات في العقل المصريّ" للمفكّر طارق حجّي، وسلسلة الكتب الشّهريّة "اقرأ"، الّتي أصدرتها وزارة المعارف المصريّة عام (1943م) بهدف تشجيع القراءة، وقد ضمّت مؤلّفات لأبرز الكتّاب المصريين.

ثمّ يحملنا إلى العوالم الأدبيّة والإنسانيّة للأديب الأمريكيّ جاك لندن، الّتي تنتصر للفقراء والمساكين عبر نتاجه، ويذكر الفنّان السّرياليّ، المثير للجدل سلفادور دالي، ويتطرّق إلى كتاب "الرّوحانيّة في الفنّ" للفنّان الرّوسيّ كاندينسكي، وكتاب "المكان في فنّ التّصوير المصريّ الحديث" للدكتور نعيم عطيّة، في أهمّيّة المكان في الفنّ التّشكيليّ.

ثمّ يعرّج على مقالة كتبها عن الكاتبة المصريّة "نوال السّعداوي"، الّتي كرّست حياتها لرفع قضيّة المرأة العربيّة والانتصار لها ضدّ الظّلم، دافعة ثمن مواقفها، ومخلّفة إرثا فكريّا ثوريّا.

في حضرة الشّعر:

في القسم المعنوَن "في حضرة الشّعر"، يؤكّد ظاهر أنّ الإبداع الأصيل يقرّره الذّوق العامّ لا الغرور الشّخصيّ؛ فالثّقة بالنّفس تختلف عن المبالغة في تقدير الذّات، إذ ينبغي على الشّاعر أن لا يغالي في التّباهي أو التّبجّح بنتاجه، أمّا إثبات شاعريّته وقيمته؛ فتقرّرها شهادة الجمهور والنّقاد. وينتقل إلى نقاش جدليّ، يطرح فيه قضيّة قصيدة النّثر وشعر الفيسبوك، معتبرا إيّاهما فشلا وجهلا بالأسس الشّعريّة، هدفهما استجداء تصفيق الجمهور دون إبداع حقيقيّ. يرى أنّ هذه الظّاهرة، قد أساءت للشّعر الأصيل، مؤكّدا أنّ قصيدة النّثر لم تثبت ذاتها بعد، وهي قصيدة هجينة غريبة في أدبنا العربيّ، فالقصيدة العموديّة تقوم على وزن وإيقاع منضبط، بينما تتجرّد قصيدة النّثر من هذا الضّابط الإيقاعيّ، معتمدة على تدفّق الشّعور واللّغة المكثّفة، وهذا الفرق يحمّل مبدعها مسؤوليّة إيجاد جماليّة موازية. وللحقّ.. فإنّ الشّعر العربيّ الأصيل، بعموده المتين وإيقاعاته السّاحرة، هو بنية فنّيّة متكاملة ونظام جماليّ رفيع، وهو فنّ يمتزج فيه الإبداع بالانضباط، يهذّب الذّائقة ويعلي من شأن الموسيقى الدّاخليّة للّغة.

من باب الإنصاف، لا ننكر أنّ الشّعر النّثريّ، يتميّز بقدرته على خلق إيقاع داخليّ خاصّ، يقوم على تتابع الأفكار ووقوع الكلمات، لا على التّفعيلات المعتادة، وقد أتاح هذا الشّعر الفرصة للعديد من الأصوات؛ للتّعبير عن نفسها، وهنا.. لا أدّعي أنّه أفضل من الشّعر العموديّ، لكنّه يقدّم نموذجا آخر من التّعبير.

بعد ذلك، يتناول الكاتب سِيَر ومآثر شعراء بارزين؛ منهم: جبرا إبراهيم جبرا برثائه الرّقيق لزوجته، وجورج نجيب خليل، وجمال قعوار، ومحمّد إبراهيم أبو سنّة. يسلّط الضّوء على أحمد شوقي؛ كمثال للمزج بين أصالة التّراث العربيّ والتّفاعل المتمرّد مع الأدب الغربيّ، ما جعله شاعرا أصيلا للأمّة وقضاياها.

وبعد.. في ختام هذه الجولة الفكريّة المكثّفة، الّتي قدّمها الأديب ناجي ظاهر، يتّضح أنّ هذا الكتاب هو مشروع وعي، يسعى إلى إيقاظ الحراك الأدبيّ في مواجهة الرّكود والادّعاء، يضع القارئ أمام مسؤوليّة الاختيار بين النّصّ المرتكز على أصالة التّجربة، وبين الكتابة الزّائفة الّتي تسعى لشهرة عابرة أو اعتراف اجتماعيّ.

لقد استطاع ظاهر أن يشيّد جسرا بين عبقريّة الماضي وإشكاليّة الحاضر، داعيا إلى مراجعة شاملة لمعايير الإبداع؛ ليظلّ الأدب والفنّ الأصيل هما الميزان الوحيد الّذي لا يميل.

إنّ القيمة الحقيقيّة لهذا الكتاب، تكمن في كونه مرجعا أخلاقيّا قبل أن يكون نقديّا؛ فهو يشرح الأعمال الأدبيّة، ويغوص في أخلاقيّات المهنة الثّقافيّة ذاتها، مستحثّا الأدباء والقرّاء والنّقاد، على تبنّي الشّجاعة النّقديّة؛ كأداة لا غنىً عنها، لإبقاء الوهج الإبداعيّ مشتعلا.

بهذا التّناول العميق يظلّ هذا المؤلّف النّقديّ؛ للأديب ناجي ظاهر، شهادة مقرونة بالأمانة الفكريّة والصّدق، فقد جاء صوته حارسا لوزن الكلمة، وهو ما جعل من سطوره دليلا على نزاهة قلمه الّذي لا يهاب تعرية زيف المشاهد الأدبيّة العابرة.

***

صباح بشير

"محاولة لفهم الاديان التوحيدية في ضوء علم الاجتماع الديني"

مقدمة: يقول سيجموند فرويد أدركت في وضوح متزايد أن أحداث التاريخ البشري والتفاعلات فيما بين الطبيعة البشرية، والنمو الثقافي ورواسب خبرات العصور الأولى " وأبرز مثل لها الديانة " إن هي إلا انعكاس للصراع الدينامي بين الذات، والهو، والذات العليا ذلك الصراع الذي يدرسه التحليل النفسي في الفرد – وأنها تكرار العمليات نفسها على نطاق أوسع، كما ذكر هذا النص في كتابه حياتي والتحليل النفسي (فرويد، 1957، ص 84)

هذا المنجز الثقافي العلمي التخصصي هو رحلة من النفس إلى المجتمع الأوسع في حياة الناس ومعتقداتهم التي تشكل سلوكهم اليومي في التعامل والاعتقاد وما يحمله الإنسان من تراكمات الماضي لكي يعيشها في الحاضر، سنجد في صفحات الكتاب القيم عرض مسهب للفكر الديني وفلسفته وتأثيره على المجتمع والمعتقدات التي تشكل سلوك الإنسان الرمزي، وهو ينقلنا لفكرة المحلل النفسي الفرنسي " جاك لاكان" وعدَ مجدد فكر فرويد باضافاته لموضوع اللغة عند الإنسان فاللغة وقوة تأثيرها في الإنسان المعاصر والتي يحملها في داخله قوة تأثير العقيدة الدينية فقول " لاكان" ان اللغة البشرية تتميز بأن الإرشادات التي تتكون منها تكتسب قيمتها، من علاقتها مع بعضها البعض، نحن هنا في المستوى الرمزي وتحديدًا في مستوى المعنى الذي لا يقتصر على الشيء المشار إليه، بل الذي يتوجه بالإشارة إلى معايير أخرى.

الدين وقيم المجتمع والعادات والمؤسسات والأعراف والمعايير والممارسات والطقوس والقواعد والتقاليد، وما إلى ذلك من أمور ثقافية مجتمعية تتشابك بصور عدة مع اللغة وهي تشكل النظام الرمزي عند " جاك لاكان".

يرى " الدكتور فجر جودة النعيمي" في مقدمة كتابه الموسوم من الحكايات إلى المعجزات..  "محاولة لفهم الاديان التوحيدية في ضوء علم الاجتماع الديني"2134 fajer

أنه لم يكن الاهتمام بالدين في ادبيات علم الاجتماع الكلاسيكي إلا اهتمامًا عرضيًا ضمن دراسة البنية الاجتماعية التي يشكل الدين أحد ركائزها، وكانت موضوعات مثل الثقافة، الجماعة، المجتمع، العائلة والتنشئة، التفاعل الاجتماعي، الجندر والجنس، السلطة والقوة والصراع، والانحراف والتحضر والتصنيع تأخذ الحيز الأكبر في ادبيات علم الاجتماع، وربما اضيف لها الدين باعتبار أنه أحد مكونات البناء الاجتماعي وجزء من الثقافة العامة للمجتمع، وبالفعل مفكرين كبار مثل فيورباخ وماركس اعتبروا الدين منتج ثقافي، وبالتحديد منتج من منتجات المجتمع الطبقي.

أحتوى الكتاب المتخصص في علم الاجتماع الديني عدة فصول حيث كان الفصل الأول علم الاجتماع الديني وضم الموضوعات التالية الدين والثقافة، النظريات المفسرة للدين، الاتجاه الانثروبولوجي، الرمزية، الظاهراتية، الوظيفية، الإتجاه النفسي.

أما الفصل الثاني فكان بعنوان العهد القديم وكانت موضوعاته سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر اللاويين، وسفر العدد، وسفر التثنية " الاستثناء"، وسفر يوشع بن نون، وسفر القضاة، وراعوث، وكتاب صموئيل الأول، وكتاب صموئيل الثاني، وكتاب الملوك الأول، وكتاب الملوك الثاني، وكتاب اخبار الأيام الأول، وكتاب اخبار الأياك الثاني، وعزرا، ونحميا، واستير، وأيوب، ومزامير، وسفر الأمثال، وسفر الجامعة، ونشيد سليمان أو نشيد الأنشاد إلى اشعيا وأرميا وحزقيال ودانيال وهوشع وسفر يوئيل وعاموس وعويديا ويونان وميخا وناحوم وحيقوق وصفنيا وحجي ثم زكريا وأخيرًا ملاخي واساطير العهد القديم في الميزان.

 أما الفصل الثالث وسماه المؤلف الدكتور فجر جودة النعيمي العهد الجديد فكانت موضوعاته هي الكتب المقدسة منها انجيل متَى، وانجيل مرقص، وانجيل لوقا، وانجيل يوحنا فضلا عن عن أعمال الرسل وهي رسالة بولس إلى الرومان، ورسالة بولس الأول إلى أهل كورنثوس، ورسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس، ورسالة بولس إلى أهل غلاطية، ورسالة بولس إلى أفسس، ثم رسالة بولس إلى فيلبي وعرض الكاتب أيضًا رسائل بولس إلى كولوس وإلى أهل تسالونيكي الأولى والثانية فضلا عن رسالته إلى تيموثاس الأولى والثانية، وكذلك رسالته إلى تيطس ثم رسالته إلى فليمون وإلى العبرانيين. وكذلك رسالة يعقوب ورسالة بطرس الأولى والثانية، فضلا عن رسالة يوحنا الأولى والثانية والثالثة ورسالة يهوذا، ورؤية القديس يوحنا اللاهوتي، وطرح المؤلف حيث يناقش المؤلف موضوع العهد الجديد في الميزان تواريخ تدوين الأناجيل الأربعة التي كتبت في فترة بعيدة نسبيًا عن غياب المسيح، وانها كتبت في مطلع القرن الثاني، وظلت متداولة شفاهًا طوال قرن ونصف تقريبًا، وانها في النهاية دُونت لتلبي حاجات الكنيسة.

أما الأناجيل القلاقة الأولى متَى ومرقص ولوقا متشابهة إلى حد كبير مع اختلافات نسبية في بدايات الاناجيل وفي نهاياتها وفي موقفهم من اليهود وفي اسلوب نقل الوقائع والاحداث، ولكن هذه الاختلافات لا يمكن التساهل فيها لأن الأناجيل دخلت فضاء المقدس وصارت كل كلمة فيها غير قابلة للشك، وبسبب عدم قابليتها للشك نمى الشك في نفوس مفكرين كبار مثل سبينوزا وكانط وبوكاي وجارودي، وصارو ينظرون للاختلافات بعين الريبة.

وفي الفصل الرابع حيث كان بعنوان الإسلام (القرآن والسنة) وناقش الموضوعات التالية القرآن والسنة، وموضوع المرجعيات الدينية، والجماعة المرجعية في علم الاجتماع ثم المرجعيات الدينية في العراق.

أما في الفصل الأخير " الخامس" فيطرح موضوع وهو مستقبل الدين، ويطرح أفكار متنوعة بشكل موضوعي ومحايد بقوله دعنا بتوصيف الدين أولًا، لنرى كيف استحوذ على عقول الناس منذ الأزل وإلى ما شاء الله ن ما هي الميزة التي جعلت الإنسان يخترق كل الحدود في الدفاع عن معتقداته؟ ما الذي يجعل دين الجماعة أقوى من دين الفرد؟ وهل تستحوذ العقائد الدينية أن تسفك من أجلها أنهارًا من الدماء وتترك لوعة في قلوب الأطفال والنساء والشيوخ الذين ذاقوا ويلات التعصب الديني والتحزب العقائدي ؟ كما يرى سام هاريس.

يعرض المؤلف فكرة بعض المعتدلين بقولهم انهم يلتزمون الحياد في الحكم على العقائد الأخرى، وان كل دين له اتباعه ولا ينبغي المساس بخصوصية المعتقد، ولكن في الممارسة يتغير الأمر، فالمسيحي الذي يعتقد انه الوحيد الذي سينجو يوم القيامة من العذاب ويدخل الجنة هو في الواقع لا يحترم العقائد الأخرى، والأمر ينسحب على العقائد الأخرى التي تمتلك نفس الاتجاه وتظن أن لهيب جهنم سيطال غيرهم، وأنهم يجمعون الأدلة على بطلان دعوى غيرهم من الأديان، والنتيجة أن العقائد المتنافسه تبدو متساوية في الانجاز ولا تجد فيها اعتدالًا إلا في الظاهر. ويقول المؤلف لا أجدني إلا أن اصدق هاريس الذي يزعم ان الاعتدال والحيادية هي حيل دفاعية تخفي خلفها ما تخفي، وإن التنافس والصراع سيبقى طالما هناك نوازع بشرية – جيوانية تستعمل الدين كوسيلة للعبث بالمعتقدات والناس معًا.

***

الاستاذ الدكتور اسعد شريف الامارة

علم النفس والتحليل النفسي

أولا: مقدمة: الشعر لغة الأرواح، وزقزقة الأفراح في الأشباح، وشقشقة عصافير البوح في الأدواح، وهو المشاعر الدافقة من الصدور تصب في السطور، والشاعر نحلة تحط من زهرة إلى زهرة، تمتص رحيقها، تتذوقه، تهضمه يخرج عسلا أبيض، هكذا الأدباء والمبدعين في روضات الإبداع يدخلون ويخرجون لنا بالإمتاع.

ومنذ فترة وانا أتساءل عن بعض الأقلام المبدعة في ساحتنا الأدبية، والتي تلامس بإبداعاتها أوتار القلوب، وهمس النفوس المتعبة من معاناة الزمان، ذلك الزمان الذي يمنحه الوجود الشعري للإنسان الذي يريد أن يصرخ بلسان حال المبدع، ليخرج شيئا من صراعاته الدفينة التي تظهر النفس .

ولا شك أن علاقة الأدب والنفس علاقة وثيقة، فالأدب صدى النفس وترجمانها، إنه إفضاء فني بالتجربة التي حملتها النفس واستوعبتها فغيرت، وأفسحت المجال للتطهر من العديد من عراقيل الحياة بما تحمله ليواجهها الإنسان في اقتدار بعد ان حص نفسه ضدها، وروضها في مواجهتها ولتثري الآخرين، وتمدهم بتجربتها فتكون عونا لهم للارتقاء بالواقع بعد تخطي عقباته، فالعمل الأدبي ليس تعبيرا عن الواقع فحسب، بل هو تعبير عما يجب أن يكون عليه الواقع.

‏ أعود أقول إنه في خضم هذا التساؤل عن هذه الأقلام المبدعة المطهرة لنفوسنا، يظهر قلم رشيق بعد صمت طويل ليحفزنا حروفا، ومن هؤلاء الأقلام المبدعة رفيقي الحس، جياشي المشاعر، صاحب الفكر الفيلسوف الرائع كاتبنا: صالح الطائي هذا المبدع الذي يحلق في سماوات الإجادة ويغوص بحار المعرفة ليخرج لنا اللؤلؤ من أصداف الأفكار، حيث يضيف إلى تجاربنا وخبراتنا محلقا في آفاق الشاعرية، وقد سما فوق الذاتية وارتقي بالوجدان والأحاسيس، وقد امتلأت نفسه وامتلأ عقله وفكره بالعديد من التجارب والثقافات نتيجة تعدد مجالات عمله، وفطرته الشعرية، وطلاعاته المتنوعة في السياسة، والمجتمع، والدين، والتاريخ .

2- قيمة الديوان:

‏فها هو كاتبنا ينطلق من عتبة نصه راجيا من قارئه أن يكون أولا، فليس هناك من يستحق أن يكون سواه، ثم يعبر من خلال قنطرة وخزة الألم إلى حديقة الذكريات التي يشم عبير فتوته فيها، ولا يستطيع أن يرجع شابا فتيا بعد تقدم العمر به.

‏ويدلف بنا كاتبنا إلى واحة الأخلاق يتفيأ ظلال الصدق، ويغتسل بعين السماحة وحسن السيرة، ونقاء السريرة، وجمال الطوية، وينساب سريعا من بوابة الأخلاق حتى يدخل ممر الأمل يخلع رداء الجموح، ويلبس ثوب الطموح ليبني في مخيلته قصر الأمل الذي يهرب إليه حينما تتشابك حوله أشواك الهموم ليخرج دون جروح أو أذى.

‏رغم دعوة كاتبنا للأمل إلا أنه يجد في الألم مدعاة التشبث بالأمل حتى لو سالت دماء أمانيه، يخرج من عنق زجاجات التيه، إلى التضحية من أجل مباديء سامية، يغرسها في قلب عاشقيه.

‏لا يلبث كاتبنا أن يضحي لكن لا بد لتضحيته من ثمن غال، ألا وهو الحرية، فليس هناك ما هو أكثر قيمة في الحياة من الحرية، وقد يكون ثمن الحرية الموت، أجل لكنه موت الحياة وليس موت الفناء والذل والخزي.

‏ إذا كان كاتبنا يحب الحرية ويموت من أجلها، فهو بالطبع يمقت الكبر ويحب التواضع الذي يبني جسرا من المحبة بين القلوب.

‏ وهكذا كاتبنا كالنحلة ينتقل من زهرة إلى فلة إلى وردة، ومن مذاق الرحيق إلى مذاق أجمل ليخرج لنا في نهاية قراءة الديوان عسل المتعة، وشهد المعرفة.

3- التعريف بالكاتب:

في حياة الأمم والشعوب أفراداً يتميزون عن غيرهم بحيوية الفعل، وبالقدرة علي التضحية، وقد عرفت العراق الشقيقة نماذج رائعة من هذا النوع من الرجال الذين شكلوا طلائع الإحساس العميق بضرورة التغيير، وتمتعوا بقدرة كبيرة علي الاستنارة، وكان المفكر والباحث والكاتب الدكتور صالح الطائي، واحداً من كبار الباحثين العراقيين والذي تميز بإنتاجه العلمي الفكري الثري والمتنوع في مختلف أبعاد وجوانب العلم والثقافة

والدكتور صالح الطائي، دكتوراه فلسفة لاهوت، استغل تخصصه العلمي ومهاراته ونشأته الدينية لامتحان نقاط الخلاف والاختلاف بين الفرق الإسلامية، وعمل على تفكيكها وتحليلها بحثا عن أجه تقارب لإشهارها، ونقاط اختلاف وخلاف ليبحث عن أصلها لمعرفة أسباب ولادتها ونشوئها على أمل تجاوزها ونسيانها، ولا سيما وأنها غالبا ولدت قبل مئات السنين وبدوافع أغلبها سياسية، وقليل منها دينية.

وهو بذلك نجح في تجاوز مرحلة الولاء الفرقي وانفتح على الهوية الجمعية الإسلامية من خلال التأكيد على المشترك القيمي الذي يربط المسلمين ببعضهم رغم اختلاف فرقهم ومناهجهم البحثية والعقدية.

أكد في بحوثه ودراساته ومقالاته ونشاطاته الفكرية على أهمية ووجوب البحث في الجزئيات؛ بعدما آمن أن تفكيك الجزئيات والتعمق في دراستها، وكشف أبعادها الحقيقية، يتيح له تشذيبها وتهذيبها وتصحيحها، وهو الحل الأمثل الذي يزيل العوائق والسدود التي تعزل العقول عن بعضها، ويسمح لها بالالتقاء والتقارب؛ ما دامت النتائج مدعومة بالدليلين العقلي والنقلي المحترم، وبجهد علمي محايد وغير متحيز، وذلك كله يختزل المسافات بين الكليات ويقرب رؤى المسلمين من بعضها.

انجز في مسيرته البحثية التي تجاوزت الخمسة وأربعين عاماً عدداً كبيرا من المؤلفات (الكتب) التي صدر منها لحد الآن أكثر من ستين مؤلفا، ترجمت بعضها إلى اللغات الأخرى، وأعتمد بعضها مناهج ثانوية في بعض الجامعات العراقية، وأعيدت طباعة بعضها مرات عديدة.

فضلاً عن ذلك لديه مجموعة مؤلفات منجزة لا زالت مخطوطة ينتهز الفرص لنشرها، ومجموعة مشاريع كتب غير مكتملة تقدر بالعشرات. ولديه مجموعة كبيرة من البحوث التخصصية المنشورة في المجلات المحكمة، وآلاف المقالات المنشورة في الصحف والمجلات الورقية التخصصية والعامة والمواقع الالكترونية المختلفة.

نجحت أغلب مؤلفاته في عبور مرحلة الولاء الفرقي إلى الكلية الإسلامية المشتركة، ولقيت قبولا لدى الفرق الإسلامية على اختلافها. وربما لهذا السبب نجحت مؤلفاته بالفوز بالمركز الأول في ثلاث مسابقات دولية، اشتركت فيها بلدان عربية وإسلامية عديدة

غير ذلك لديه اهتمام بالأدب ولاسيما الشعر المقفى والشعر باللهجة المحكية (العامة)، يمارسه أثناء فراغه وأوقات راحته، وقد أصدر مجموعة كتب أدبية، منها مجموعة شعرية بعنوان "نوبات شعرية" ومجموعتي نثر مركز الأولى بعنوان "ملكوت الروح" والثانية بعنوان "صدى وجعي"، ولديه مخطوطة شعرية يأمل بنشرها.

كتب مقدمات لمجموعة من الكتب التي أصدرها أصدقاؤه ومعارفه، جمع بعضها واصدره بكتاب تحت عنوان "مقدمات ونصوص". وجمع ما أهدي إليه من قصائد الشعر التي نظمها معارفه واهدوها إليه واصدرها بكتاب بعنوان "أنا وصورهم الشعرية"، وما أهدي إليه من نصوص نثرية، وأصدرها تحت عنوان "أنا وصورهم النثرية".

ولعلاقته الوطيدة بالشاعر الفلسطيني الكبير المقيم في الناصرة (فلسطين) سعود الأسدي، جمع ما اهداه الشاعر له من مقطوعات فضلا عن المراسلات بينهما وأصدرها تحت عنوان "سعود الأسدي سيد اللغتين".

ولقربه من الشباب واحتضانه لهم وتبادله الآراء معهم من خلال اللقاءات التي يتعمد جرهم إليها، أصدر كتابا تربوياً إمتاعي بعنوان "إليك فقط" لقى قبولا رائعا من قبلهم، وقد طبع مرتين ونفدت نسخه.

وعمل أثناء الحراك الطافي البغيض في العراق عام 2006، ولاسيما بعد أن تعرض هو شخصياً للاختطاف لمدة ثلاثة عشر يوما، عمل على محاربة الطائفية والتصدي لها بقلمه وحاضراته، وأصدر كتاب "نحن والآخر والهوية" الذي حاول من خلاله أن يؤكد للعراقيين بأنهم شعب واحد، وهويتهم الوطنية أهم من الهويات الفرعية الأخرى: الدينية والعشائرية والمناطقية، وأنهم من أصل يعود إلى بدايات عصر البشرية الأول وليس من حاجة لهم إلى (العرقنة) قريبة الشبه بـ(الأمركة) التي فرضتها أمريكا من أجل توحيد المجاميع المهاجرة إليها لتخلق منهم شعبا متجانسا.

وهو رغم تجاوزه السبعين لا زال يعمل بجد من أجل إنجاح المشروع الذي نذر عمره له، ويأمل بأن يرى المسلمين يدا واحدة تحترم نفسها وتحترم إنسانيتها وتحترم الإنسان الآخر وتعمل من أجل صالح الإنسان في كل مكان.

4- أقسام الديوان:

قبل أن أتطرق للحديث عن أقسام الديوان، أود أن أسأل صديقي صالح الطائي (مع حفظ الألقاب): لماذا اختار لكتابه عنوان " كُنْ أو لا"، ولم يختار له اسم " نكون أو لا نكون " على غرار ما كتبته شهيد الليبرالية " فرج فودة" .

وهنا يجيبنا الدكتور " صالح الطائي " على هذا السؤال في خاطرة من أروع الخواطر وهو يقول في أول الديوان:" لست معلماً... وإنما أنا متعلمٌ على سبيلِ النجاةِ، أنجاني بعض ما تعلمته من الضياع، وحماني في أشد اللحظات خطرا وتعقيدا.. ولأني من مناصري نظرية النفعية في الفلسفة .. يهمني كثيرا أن تشاركني فيما أعرف .. فتعال لنتبادل المعرفة .

ومن هذه الكلمات نستشعر أن هذا الديوان الذي بين أيدينا يمثل مجموعة من الخواطر، ولكل خاطرة منها قصة، والقصة ضرورية أحيانا لفهم الخاطرة ومعايشتها، وأغلب هذه الخواطر لطيف، بينما أغلبها عنيف، لأنها كتبت بأعصاب مشتعلة، ونحتت من الوجدان، وصدقت في مشاعرها إلى أقصى الحدود.

وهنا المؤلف أراد أن يطبع كتابه بخصائص جعلته يرقي إلي مستوي علمي رفيع، ومكنته من الوصول وبذلك يمكن قراءة أهداف المؤلف في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين:

الدافع الأول: صبانة مجهول المسكن: لقد اثبت الدكتور الطائي في كل خواطرة الشعرية والتي أخذت شكل القصيدة، إثبات أنه بالقصيدة، وفي مجهولها الراعش بالمستحيل، يحس الناس على الدوام بكون ينشأ ولا ينتهي .. كون تجدبهم بالأسرار التي يتكلمها، فيتسابقون نحوها .. ولكنهم لا يصلون إليها لكونها ممعنة في الهروب كما نقطة سر التكوين، ضوؤها متوهج برعشة الخلق، يُعيد تشكيل ذواتنا ووجودتنا لتنطق بحقيقة عالم حيوي، تصوغ منه إرادة هذه الذوات والوجودات، وتتنافذ تنافذ الضوء مع الماء، والعطر مع الصوت، وتسكن فيما نتوحد فيه من أسرار الوجود على الأرض.

الدافع الثاني: البحث عن اللانهائي: إن هذا السري هو الذي تسكننا فيه قصائد الدكتور الطائي فننشد إلى اللانهائي سائرين على طريق المجاهدة والمكابدة لبلوغ الصفاء واللمعة، والنزول ضيوفا دائمين فيه، حيث تكون الرؤية بحج0م الماء واللغة بحجم الإبرة، مما يجعل التوتر المتولد عن هذا التباين صرخة رائجة مندفعة تحت ضغط قوة الرؤية؛ باتجاه الذات لحثها على السهر على اللغة في قصيها الأعلى، وإنقاذ الشعر من أجل إنقاذ اللغة . فالسعر في نظر الدكتور الطائي هو المتعدد الذي ينفرد بالإقامة في اللغة، وباستضافة لغة الآخر.

الدافع الثالث: ضغط الهاجس: تحت ضغط هذا الهاجس كانت الكتابة الشعرية للدكتور الطائي خلال هذا الديوان منفذ خلاصه .. خلاص من الاحتراق بالاحتراق .. احتراق بالتجربة، وفيها ومعها، والتجربة التي خاضها الدكتور الطائي هنا سباحة ومغامرة في أدغال وأحراج وأنهار مرئية، واصطدام بالشبكات العنكبوتية وأودية السيلكون، وبعواصف اجتثاث الثقافات الأصلية التي هي مشاتل طبيعية للذاركة الشعرية.

الدافع الرابع: الهروب من أحادية المعنى وتبلد الروح: كان الهدف الأساسي الذي سعت إليه خواطر الدكتور الطائي في هذا الديوان التخلص من أحادية المعنى وتبلد الروح وانبتار الوجدان، وشبقية الاستنساخ، حيث كلها في نظره تهدد خواطره في نظره لا محالة، مثلها مثل منطق السوق، ومنطق المباهج التقنية المسطحة للخيال . وفي ظل هذا الطقس، وهذه الطقوس المنتجة للذات والروح، ألا يمكن للنفس الصوفي أن يقود ثورة روحية تمكنه أرخبيلات النزوع الاستفرادي بالإنسان وبطموحه الرحبة الصافية ؟ وأن يخلق الوجود والكتابة تخليقا يرى فيه الإنسان مرجعيته الروحية وسنده الذاتي في الوجود ؟.

وختاما، وبعد هذه القراة السريعة للديوان أخي الكريم الشاعر الدكتور الطائي، وبعد هذه الرحلة الممتعة التي صحبنا من خلالها، أستطيع أن أقول: إن هذا الديوان يحفل بتجارب عاطفية عميقة، متنوعة وصادقة، وآمل أن تتنوع تجارب الشاعر في دواوينه القادمة، وهو صاحب خبرات طويلة، وقدرة جيدة علي صياغتها في قالب قالب شعري جذاب، وكلما كثرت التجارب زادت الناس بصرا بأنفسهم وبالحياة من حولهم، وما ينبغي أن يرتفع إليه الإنسان في تفكيره وشعوره وسلوكه، لأن القيمة الحقيقة للأدب أنه يخدم المثل العليا ويبصر الإنسان من خلال متعة فنية وليس من خلال درس تعليمي أو بحث علمي.

ولقد أمتعنا الدكتور الطائي بهذا الديوان القيم، ووجدنا فيه تاثرا بالغا بالتجربة الإنسانية، والمثل إلى المفاهيم العامة، والحنين إلى الماضي بكل ما يحمله الماضي من عظمة وأمجاد سجلها التاريخ، وهو استشراف لمستقبل واعد، أو يجب أن يكون واعدا يحمل هموم شاعرنا الكريم، ويرنو إله ببصره وبصيرته .

وكل هذا قد جسه الدكتور الطائي في هذا الديوان الشيق " كن أو لا"، فتحية أقدمها لكاتبنا الفيلسوف الراقي على هذه الوجبة الدسمة من المعرفة ورشاقة العبارات، وسلاسة الألفاظ، ورقي الأسلوب، وسهولة المعنى، ووضوح الفكرة، متمنيا لكتابه أن يجد ما يستحق من الذيوع والانتشار.

***

دكتور محمود محمد علي - مفكر مصري

أنماط التفكير المعيقة لنهضة المجتمع العربي لـ مروان دويري

كتاب جديد في سياقه، ومضمونه، وجرأته. عمل كاتبه البروفيسور مروان دويري؛ على إشادة بنائه بطريقة جديدة من نوعها؛ مستخدماً مبادئ علم النفس، واضعاً خبرته، وتجربته في ممارسة علم النفس العلاجي والطبي والتربوي، من أجل الوصول، لجذر المسألة، المراد إلقاء الضوء عليها، وتحليلها؛ ووضع الحلول التي تمكننا من التغلب عليها، والارتقاء بثقافتنا العربية، وتخليصها من البديهيات الموروثة التي علقت بها، عبر قرون، وأعاقت تطورها.

كل أنماط التفكير المعيقة للنهضة والتطور في مجتمعنا؛ تشكل جزءاً من ثقافة عربية، تطورت تحت سيطرة خمس سلطات تفرض السيطرة والخضوع، "والعقل المحاصر" هو عقل خاضع على مرّ القرون، لسيطرة لهذه السلطات الخمس، وهي: الطبيعة الصحراويّة، والقبيلة والنظام السياسي والاستعماري، واللغة والنصوص (الفقه)، والميراث الثقافي، والدين والقدر. تفرض هذه السلطات الصواب الواحد على الجميع، ولم تدع مكاناً للحوار، والرأي الآخر، وتجعله عقلاً قبليّاً وخاضعاً للسلطة، يتحاشى التفكير الحرّ والتجدّد خشية الإقصاء أو التخوين أو التكفير. وهكذا يبقى هذا العقل عالقاً بأنماط تفكير معيقة لنهضة المجتمع العربي وتطوره.

يركز د. دويري بحثه، على أنماط التفكير والمواجهة السائدة في المجتمع العربي، ما يقتضي تحليل "الشخصية القومية العربية" أو "الثقافة العربية" ولفهم كيفية تكوّن هذه الأنماط وتحليلها، اعتماداً على نظريات التحليل النفسي التي رغم تعددها، فإن جميعها تؤكد على دور الطفولة في تكوين الشخصية، وعلى السيرورة النفسية غير الواعية. والتي تتفق جميعها على أن شخصية الإنسان تتشكل نتيجة تفاعل الجاهزية الوراثية للطفل (الجينات) مع بيئته الاجتماعية (الأهل)، وتتفق جميع هذه النظريات أيضاً، على أن ملامح الشخصية الأساسية تتكون خلال السنوات الخمس أو الست الأولى لحياة الطفل. هنا، وكون الدين هو أحد السلطات الخمس التي تطورت ثقافتنا العربية في ظلها، وحيث أن منطقتنا، هي مهد الديانات السماوية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام، فعملت هذه الديانات في النقش على صفحات بيضاء (الأطفال)، حيث يكون هذا النقش، مقبولاً في أذهان أهل الابتداء؛ وهي لا تزال في بياضها الناصع، لتضع (هذه الديانات) عليها بصمةٌ، لن تكون إزالتها بالأمر الهيَّن عبر الزمن. على اعتبار أن بواطن المبتدئين كالشمع، تقبل كلّ نقش من دون أيّ نقاش.  والتي تبقى شبه ثابتة عبر مراحل تطوره، حتى سن الرشد.  إلا أن هذه النظريات غير متفقة على مدى ثبات ملامح الشخصية عبر مراحل تطورها. وأن تغيّر ملامح الشخصية منوط بحدوث تجارب صادمة، تقوّض البديهيات التي تأسست عليها، أو بتلقي الشخص علاجاً نفسياً معمقاً يعيد تشكيل نفسيته من جديد.. كما يقول الكاتب.

الثقافة العربية السائدة بين العرب المسلمين والمسيحيين، ومختلف المذاهب، والأقليات القومية، والإثنية، تتقاطع جميعها مع الثقافة الإسلامية، كما أن التاريخ العربي يتقاطع مع التاريخ الإسلامي للشعوب العربية وغير العربية. عند وصف الثقافة العربية-الإسلامية، نجد شخصيات تعكس صفات التنوير والازدهار والعقلانية، والانفتاح والتسامح والتعددية، أمثال (أبن رشد، فخر الدين الرازي، محيي الدين ابن عربي، جلال الدين الرومي، محمد عبده، جمال الدين الأفغاني، عبد الرحمن الكواكبي)، مستشهدين بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، ووقائع تاريخية تؤكد هذا التقييم. وكذلك نجد من يشدد على صفات القبيلة والتعصب والعنف والانغلاق، أمثال (ابن تيمية، ومحمد عبد الوهاب، وسيد قطب، وأسامة بن لادن)، كذلك، يستشهد هؤلاء بدلائل تؤكد وجهة نظرهم، وما يذهبون إليه من أفكار.

وعن مفهوم النقلة في الشخصية القومية والثقافة، وهو من أهم مصطلحات التحليل النفسي، الذي يعبّر عن نقل ملامح الشخصية التي تكونت في الطفولة في ظروف أسرية وبيئية معينة، إلى سنوات الرشد بشكل غير واعٍ. يتابع د. دويري: الحقيقة أن فكرة النقلة لم تبدأ مع سيغموند فرويد، وإن كان هو من صاغها وحللها بوضوح وعمق. فكرة النقلة موجودة في تحذير عليّ ابن أبي طالب للآباء حين دعاهم ألا يربّوا أبناءهم كما رباهم آباؤهم، لأن الأبناء خُلقوا لزمان غير زمان آبائهم. إلا أن مجتمعنا العربي لم يَسِر بحسب ما دعا إليه عليّ، بل واصل الآباء والأسلاف نقل ما تربوا عليه إلى أولادهم جيلاً بعد جيل.

إن تسمية العصر الذي سبق ظهور الإسلام، بالعصر الجاهلي، يوحي خطأً بأن الأعراب قبل الإسلام كانوا بدون فكر وثقافة، من أجل تأكيد الجديد الذي جاء به الإسلام من عقيدة دينية وشريعة وأخلاق إسلامية. والحقيقة هي أنه لم يكن جاهلياً، بل كان مجتمعاً قبلياً تسوده العصبية القبلية، وعادات عنف كالثأر، ووأد البنات من جهة، إلا أنه، كان لهذا المجتمع وجه آخر تميز بنشاط تجاري نشط، وبالفروسية، والمروءة، والشهامة (عنترة ابن شداد) والكرم (حاتم الطائي)، وبحياة فكرية وأسواق ثقافية (سوق عكاظ) وشعر وأدب (أمرؤ القيس والمعلقات) من جهة أخرى. هناك إجماع بين الباحثين على أن القرآن لم يكن لينزل على صورته البيانية وبمعانيه البليغة والدالّة؛ لو لم يكن العرب في ذلك الحين يفهمون هذا الكتاب.

يقول الجابري في كتابه "العقل السياسي العربي" إن التجربة السياسية الوحدوية الأولى التي تجاوزت القبيلة بعد ظهور الإسلام، جاءت بعد هجرة الرسول إلى المدينة وإقامة تحالف بين المهاجرين والأنصار واليهود، يحكمه اتفاق "الصحيفة" أو المعاهدة، لمواجهة قريش، فكان هذا أول نظام سياسي فوق-قبلي يمارسه العرب، ويوضح أسس التعامل الجديد بين القبائل والفئات الاجتماعية المختلفة. إلا أن النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي "الاجتصاسي" الأموي والعباسي عاد ليكون قبلياً يتميز بثلاث ميزات على حد تعبير الجابري: القبيلة كنظام اجتماعي – الغنيمة كنظام اقتصادي – العقيدة كمرجعية دينية مُلزِمة.

هذه الميزات الثلاث غيّبت العقل المنطقيّ عن المنظومة السياسية. ولكي يتم الخروج من هذه الدائرة، دعا الجابري إلى استبدال القبيلة بالأحزاب والتنظيمات المدنية، واستبدال الغنيمة بإقامة اقتصاد إنتاجي، واعتبار العقيدة مجرد رأي قابل للنقاش والجدل، وتأسيس نظام ديمقراطي وعقلاني.

على الرغم من أن الإسلام كان يطمح إلى تفكيك القبلية وتأسيس دولة، فإنه يظهر مما جاء في مقدمة ابن خلدون ودراسات الجابري والحوراني، أن تأسيس الدولة الإسلامية لم ينجح في إلغاء نظام القبلية، بل إن الدولة بُنيت منذ العصر الأموي على أساس قبلي معتمدة اقتصاد الغنيمة الذي عمّق الطبقيّة بين المقرّبين والمشاركين في الحكم من جهة وعامّة الناس من جهة أخرى. أثناء حملات نشر الإسلام لم يُطلب من الأمراء وشيوخ القبائل التنازل عن مناصبهم وتفكيك النظام القبلي، بل طُلب منهم انضواء القبيلة برمتها تحت راية الإسلام، وهكذا كانت الدولة العربية الإسلامية، على حد تعبير الجابري، أشبه ما تكون باتحاد فيدرالي بين القبائل، حسب مفاهيم عصرنا.

يقول المفكر السوري أدونيس في كتابه، الخطاب والحجاب: "إن العرب لم يستطيعوا على مدى تاريخهم أن يبنوا دولةً، وإنما بنوا أنظمة سياسية مرتبطة بالقبيلة والطائفة وأهوائها، وهو ما يتناقض مع بناء الدولة وإقامة مؤسسات. 

وهنا يحيلنا د. دويري إلى تطور منظومتي الثقافة الجماعية – والفردانية؛ حسب النظام الاجتصاسي السائد الذي تتكون في كنفه كلٍ منهما. فمثلاً، التطور الاجتماعي-والاقتصادي- والسياسي "الاجتصاسي" الذي حصل في أوروبا وشمال أميركا، والذي جاء بالفردانية، التي ترافقت مع بناء مؤسسات الدولة التي تخدم المواطن، وتأثير ذلك في دفع مركب التغيير في النظام النفسي للفرد نحو الاستقلالية، ورافق ذلك تغييرات ثقافية في القيم والمثل العليا وأنماط التفكير والعادات؛ كل هذا، يفسر انتقال المجتمع الغربي من الإقطاع والقبيلة والخضوع للكنيسة والدين، إلى الليبرالية والفردانية وإعمال العقل والخضوع إلى الدولة وقوانينها. وهذا ما لم يتم في معظم مناطق العالم الأخرى، بما فيها العالم العربي الذي لم يتم فيه فصل الدين عن الدولة، ولم تقُم فيه دول ديمقراطية ترعى شؤون مواطنيها وحاجاتهم، وعليه، بقي الفرد العربي متعلقاً بمجموعة انتمائه (القبيلة، العشيرة، الحمولة، العائلة) وهذا ما كان عليه الحال في الدول العربية التي تخدم أنظمتها مصالح الفئة الحاكمة وأصحاب رؤوس الأموال فيها. 

وهنا لابد من الإشارة إلى أن المجتمع الفردي ليس أرقى وليس أفضل من الجماعي؛ إنما هما نمطان متعلقان بالنظام السياسي: دولة المواطنين التي تتيح الفردانية. أو غيابها، الذي يجعل التعلق بمجموعة الانتماء ضرورة وجودية. كما أن الطريق إلى الحداثة والتطور العلمي والاقتصادي، لا يمر حتماً عبر الفردانية؛ بل يمكن أن يتم، أيضاً، في البلدان ذات الثقافة الجماعية، دون التخلي عن المبنى الجماعي لتلك المجتمعات، وهذا ما نراه في دول مثل الصين وماليزيا واليابان وكوريا الجنوبية، والتي تتمتع جميعها بدرجات عالية من الحداثة والتطور ضمن منظومة ثقافية جماعية.

بعد الاستئذان من البروفيسور دويري، الذي ربما يشاركني الرأي: ليس من باب التشكيك بـ "نظريات التحليل النفسي"؛ ولكن، إذا أردنا أن نعتمد العلاج النفسي كأحد الحلول للنهوض مما تعانيه مجتمعاتنا، من حالة، التخلف أو التأخر. لما اتسعت الأرض العربية، للعيادات، أو ومراكز العلاج النفسي، رغم أهميتها، من كثرة ما تعاني منه ثقافتنا العربية، وشخصيتنا، وعقلنا العربيين، من مرض عضال مزمن؛ لا يخرجنا منه سوى الإصلاح الديني، الذي بنتيجته، يحرر العقل من القيود التي تكبله، ويضع حداً فاصل بين الدين والدولة، بعلاقة تقوم على حرية الرأي الاعتقاد، واحترام جميع العقائد، بما يكفله دستور عصري يساوي بين جميع الأديان؛ وبين المؤمنين، وغير المؤمنين. واللحاق بركب الأمم المتقدمة.

وفي الختام، لا يسعني إلا أن أشكر البروفيسور دويري لإتاحته لي الفرصة، التي مكنتني    من قراءة هذا الكتاب القيِّم، الذي يحدد كل ما يسهم بتخلفنا، ويعيق تقدمنا، من خلال شرحه بالتفصيل لأنماط التفكير المعيقة لنهضتنا، وتحليلها واقتراح الحلول لتجاوزها، من خلال التركيز على الأجيال الناشئة، في مراحل الطفولة المبكرة.

أخيراً، من المتعذر تغطية مختلف مواضيع هذا الكتاب في مقالٍ واحد. وأني أرى أن كل فصل من فصوله الخمس؛ وما يتضمنه من عناوين فرعية، يحتاج كل منها، إلى مقالٍ أو أكثر.. لذا سأقول إلى اللقاء في جولات أخرى.

***

سمير البكفاني – كاتب سوري

لا يفتأ الجدل حول الهوية يشتد في عالمنا العربي، حتى ليخيل إلينا أننا أمام معضلة وجودية تهدد كياناتنا الوطنية الناشئة. وفي كتابه "الهوية في شِراك الأيديولوجيا"، الصادر مؤخرا، يقدم الدكتور عبد الجبار الرفاعي رؤية نقدية عميقة لهذه الإشكالية، منطلقاً من واقع العراق بوصفه نموذجاً لحالة مجتمعية زاخرة بالتنوع والتحديات.

يبدأ الرفاعي من مسلمة أساسية: الانتماء إلى العراق شرف وطني. لكنه لا يقتصر على هذه العبارة الإنشائية، إنما يغوص في أعماق التاريخ ليستخرج جذور هذه الهوية المتشابكة. إنه يذكرنا بأن أرض الرافدين لم تكن فقط مهداً للحضارات السومرية والبابلية والآشورية، بل كانت أيضاً منارة للحضارة الإسلامية في عصورها الزاهية. وهذا التراكم الحضاري ليس تراثاً من الماضي فحسب، إنه كائن حي ينبض في حاضرنا.

وهنا تكمن عبقرية الرفاعي في تجاوزه للرؤية الأحادية للهوية. فهو لا ينكر الهويات الفرعية، لكنه يراها منبعاً للثراء والحيوية المجتمعية. فالهويات المتعددة – الدينية والمذهبية واللغوية - تبدأ بالتكون مع ولادة الإنسان، وتنمو في البيئة التي ينشأ فيها. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الهويات من عناصر إثراء إلى أدوات صراع.

معادلة المواطنة

يطرح الرفاعي معادلة دقيقة: الهوية الوطنية يجب أن تكون الإطار الجامع، تتفرع منه الهويات القومية والدينية والمذهبية، دون أن تطغى عليه. وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال محوري: كيف نوفق بين الانتماءات المتعددة دون أن نفقد الإحساس بالانتماء الوطني الجامع؟

إن انقلاب هذه المعادلة - بتقديم المذهب أو الديانة أو القومية على الوطن - هو الذي يجهض الوحدة المجتمعية، ويمنع إقامة الدولة الحديثة. فالدولة الوطنية هي فضاء سياسي وقانوني وأخلاقي يتسع للتنوع ويعترف بحق المواطن في أن يكون مختلفاً.

المواطنة بين الحقوق والمسئوليات

يذهب الرفاعي إلى جوهر المشكلة حين يؤكد أن معنى المواطنة لا يتحقق إلا بتحقيق معنى المواطن. والمواطن الحقيقي هو الذي يتمتع بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها غيره، ويطالب بالمسئوليات ذاتها. أما عندما تفرض عليه المسئوليات دون أن يمنح الحقوق الكاملة، لأن انتماءه الديني أو المذهبي أو القومي يعتبر "أدنى" من غيره، فإن معنى المواطنة ينهار.

هنا نجد أنفسنا أمام مفارقة خطيرة: كيف يمكن بناء دولة المواطنة في مجتمعات تتنازعها هويات متصارعة؟ الجواب يكمن في أن الهوية الوطنية يجب أن تكون هي النصاب، لا الهوية العرقية أو المذهبية أو الدينية. فحين تكون الهوية الوطنية هي الأساس، تصبح ضامناً للعيش المشترك وشرطاً للتعايش السلمي.

يقدم الرفاعي تحليلاً دقيقاً لواقع العراق عندما يحذر من تحول الوطن إلى "غنيمة يتقاسمها المنتصرون". هذه العبارة تختزل مأساة العديد من المجتمعات العربية، حيث تتحول الدولة إلى غنيمة للجماعة الغالبة، ويستبعد منها من لا يشاركها انتماءها.

إن تحويل الوطن من غنيمة إلى ملك مشترك يتطلب ثورة في التفكير والوعي. فالدولة الحديثة ليست ملكاً للغالبية، هي بيت للجميع. والمواطنة لا تعني الانصهار في بوتقة واحدة، بل الاعتراف بالتنوع واحترام الاختلاف.

إن تحديات بناء الهوية الوطنية في مجتمعاتنا العربية لا تحل بالإنكار أو بالقمع، بل بالاعتراف الواعي بالتنوع، وبناء مؤسسات تضمن المساواة الكاملة بين المواطنين. كما يقول الرفاعي، فتنوع الهويات مصدر قوة لا ضعف، لكن هذه القوة لا تتحقق إلا في ظل دولة المواطنة التي تحترم حقوق الإنسان وتضمن المساواة بين جميع أبنائها.

الهوية الوطنية كائن حي يتطور ويتجدد. وهي ليست نقيضاً للهويات الأخرى، إنها الإطار الذي يحتضنها جميعاً. وبناء هذه الهوية يتطلب جهداً فكرياً وأخلاقياً وسياسياً، يبدأ بالاعتراف بإنسانيتنا المشتركة، وينتهي ببناء وطن للجميع. فهل نستطيع أن نتحول من ثقافة الغنيمة إلى ثقافة الوطن المشترك؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه مجتمعاتنا العربية في راهنها ومستقبلها.

الأيديولوجيا وسياسات الهيمنة

تمثل الهوية في عالمنا العربي حقل ألغام، لا تكمن خطورته فقط في تناقضاتها الداخلية، إنما في كيفية توظيفها سياسيًا وأيديولوجيًا. فالهوية لم تعد مجرد انتماء طبيعي، فقد باتت أداة في صراع القوى وتنافس النخب.

في هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته "صناعة الهوية" - وهي عملية تحويل الانتماءات العفوية إلى مشاريع سياسية. فالنخب الحاكمة تارة، والمعارضة تارة أخرى، تستخدم ورقة الهوية كأداة للاستقطاب والحشد. وهنا تتحول الهوية من كونها تعبيرًا عن الذات إلى أداة للهيمنة.

المواطنة المشروطة

أحد أخطر إشكالياتنا العربية هي تحول المواطنة من حق مكفول إلى امتياز مشروط. ففي العديد من مجتمعاتنا، تمنح المواطنة الكاملة فقط لمن ينتمون للجماعة المسيطرة - سواء كانت عرقية أو مذهبية أو قبلية. أما الآخرون، فيتحولون إلى مواطنين من الدرجة الثانية، يحملون كل الواجبات ولا يتمتعون بكل الحقوق.

هذه "المواطنة المشروطة" تخلق نظامًا طبقياً سياسياً، حيث يتحدد مركز الفرد في الدولة ليس بناء على كفاءته أو إنسانيته، بل بناء على انتمائه العرقي . وهذا بدوره يخلق دوامة من الاستياء والاحتقان، تنتظر فقط شرارة صغيرة لتنفجر.

الدولة الوطنية بين الماضي والمستقبل

تواجه الدولة الوطنية العربية تحدياً وجودياً من اتجاهين: من فوقها بواسطة العولمة والتدخلات الخارجية، ومن تحتها بواسطة الهويات ما دون الوطنية. وفي مواجهة هذه التحديات، تظهر استجابات مختلفة:

- نموذج القمع: محاولة كبت الهويات الفرعية بالقوة

- نموذج الاستيعاب: محاولة إذابة الهويات الفرعية في بوتقة واحدة

- نموذج التعددية: الاعتراف بالتنوع في إطار المواطنة المتساوية

والتجربة التاريخية تثبت أن النموذجين الأولين طريق للفشل، بينما النموذج الثالث - رغم صعوبته – هو الوحيد القادر على بناء سلام اجتماعي دائم.

الثنائية المنسية

قلما يناقش العلاقة بين إشكالية الهوية ومشاريع التنمية. فالمجتمعات المنقسمة عرقيا لا تنجح في بناء اقتصاد قوي. والسبب بسيط: الطاقة التي يجب أن توجه للبناء والإنتاج، تستهلك في الصراع وتنافس الهويات.

كما أن غياب المساواة يخلق بيئة طاردة للكفاءات، ومعيقة للإبداع، ومضيعة للطاقات. فكيف يمكن لمجتمع أن ينهض، وهو يستثني أجزاء مهمة من طاقاته البشرية فقط بسبب انتماءاتها؟

من منطق الغنيمة إلى منطق الشراكة

إن تحول الوطن من "غنيمة" للجماعة الغالبة إلى "شركة" بين جميع مواطنيه، هو التحدي الأكبر الذي نواجهه. وهذا التحول يتطلب ثورة في الوعي، وإصلاحاً في المؤسسات، وتجديداً في الخطاب.

فالهوية هي خيار نصنعه يومياً. وبناء وطن للجميع ليس حلماً، إنه ضرورة وجودية لمستقبل أفضل. والسؤال الذي يظل معلقاً: هل نملك الشجاعة الكافية لاختيار المستقبل على الماضي، والوطن على القبيلة، والإنسان على الانتماء الضيق؟

***

د. عبد السلام فاروق

 

(ترجمه جلال بدله، الناشر دار الساقي، 2022)

مقدمه: إن تقييم أي فكرة يتطلب أولاً معرفة تفاصيل الشخص الذي طرحها وفهم المعنى الحقيقي للمصطلحات المستخدمة. هنا، يهمنا توضيح ماهية العلم ومعنى مصطلح "الثقافة" قبل الخوض في التفاصيل الفكرية والرد عليها وفقًا لقواعد الكتابة العلمية الموضوعية، وتجنب المنهج غير العلمي المستخدم في عرض بعض القضايا الفلسفية والمواضيع المماثلة في مجالات تقع خارج نطاق التقييم العلمي الدقيق.

من هو ميشيل هنري؟

ميشيل هنري (ولدفي فيتنام 10 يناير 1922 - توفي في فرنسا 3 يوليو 2002)، كان فيلسوفًا و وروائيًا فرنسيًا. يستند عمل ميشيل هنري على علم الظواهر phenomenology ، ويعرّف هنري الحياة من وجهة نظر فينومينولوجية بأنها ترتكز على الانفعاليات الكامنة وتجربة الذات.

ماهيه العلم؟

العلم هدفه الاساسي هو اكتشاف طبيعه الوجود والبحث عن الحقيقه ايا كانت تفاصيلها، ويعتمد علي الاثباتات العلميه وليس علي الايمان بها٠

اوضح فيلسوف العلم كارل بوبر ان ما يميز العلم عن اللاعلم انه قابل للاختبار والتكذيب بينما التفسيرات الغير علميه غير قابلة للتكذيب، وان معيار العلم ليس "التحقق" بل "القابلية للتكذيب”.

التقدم العلمي مشروطاً بالاعتراف بإمكان الخطأ، والانفتاح على التصحيح المستمر.

العلم لا يتقبل أي شيء كحقيقة مطلقه، وكل معرفه علميه لها مدى زمني محدود من الصلاحية، وتعبر عن الحقيقة فقط داخل هذا النطاق الزمني٠

منهج الشك ضروري في المعرفه العلميه.

ما معني مصطلح الثقافه؟

إنها مجموعة من الأنماط السلوكية التي يتعلمها الفرد داخل المجتمع. وتشمل مكونات الثقافة: العلوم، والفلسفة، والتاريخ، والأخلاق، والمعتقدات، والمبادئ، واللغة، والفنون، والعادات والتقاليد، والرموز، والطقوس. تعبر الثقافة عن الروح الداخلية للمجتمع (القيم، والإبداع، والمعنى)، بينما تعبر الحضارة عن الجوانب المادية والتنظيمية (المدن، والمؤسسات، والتكنولوجيا). تشمل الثقافة الحضارة، لكنها أوسع وأعمق منها، وهي تُشكّل الهوية الفردية والجماعية.

ملخص لاراء ميشيل هنري في كتاب ”الهمجية؛ زمن علم بلا ثقافة

العلم الحديث، بعدما تحرّر من الثقافة التي أنجبته، صار يمارس شكلاً جديداً من الهمجية جعلته ينسى جذره الثقافي والذاتي والروحي.

التركيز الحصري على الموضوعية التقنية والإجرائية أدى إلى انحدار الثقافة في مستوياتها الروحية والفلسفية والأخلاقية. والنتيجة مواجهة وجودية بين تدفق المعرفة العلمية وانحطاط الإنسان.

العلم الحديث يفصل نفسه عن أي مرجعية ذاتية أو باطنية لصالح الموضوعية والملاحظة الخارجية. هذا الانفصال ينفي تجربة الحياة الداخلية ويعتبرها وهماً. الثقافة بالمقابل هي انبثاق للذات وللمعنى من الداخل٠

حين يقف العلم خارج هذه التجربة الحيّة يتحول إلى قوة عمياء تسعى إلى الهيمنة التقنية المستمرة. وتُميت الحس الأخلاقي لصالح الكفاءة والإنتاجية.

نحن نعيش اليوم تحت هيمنة خطاب علموي يفترض أن المعرفة الموضوعية تغني عن التجربة الذاتيه، ويفقد الإنسان علاقته بفاعليته الروحية، ويتعامل مع ذاته كشيء يمكن قياسه وتكميمه.

وسائل الإعلام والتقنيات الحديثة ليست حياديات كما يدّعي العصر، بل هي أدوات لإعادة تشكيل الإدراك. "ثقافة اللا-ثقافة": حيث تُستبدل الثقافة الأصيلة، التي تنبثق من الحياة، بثقافة استعراض وصور ومؤشرات. وبهذا يزدهر شكل جديد من التحكم.

الجامعة الحديثة فقدت جوهرها الثقافي. فبدلاً من تشكيل الذهن كقوة روحية أصبحت مؤسسة لإنتاج الخبراء والوظائف. التعليم لم يعد بحثاً عن الحقيقة بل عن المهارة. يصبح التعليم نفسه أداة لتجريد الإنسان من ذاته٠

يمكن إنقاذ الثقافة عبر العودة إلى الحياة الداخلية حيث يسكن المعنى. لا تنبع قيم الثقافة من الخارج بل من الفيض الداخلي للذات الحية.

خطر العصر ليس الجهل التقليدي بل الهمجية العلمية التي تنفي الذات الحية وتستبدلها بالموضوعية العلميه والتكنولوجيه٠

إعادة الاعتبار للحياة الداخلية التي تسكن كل إنسان، فهي المصدر الوحيد الذي يمكن أن ينبثق منه معنى جديد.

يدعوا الكتاب إلى ثورة هادئة تعيد التوازن بين العقل والعاطفة، العالم والإنسان، التقنية والحياة. إنه تحذير فلسفي من مستقبل قد ينتصر فيه العلم على حساب الذي أنشأه: الإنسان نفسه.

تحليل نقدي لهذه الاراء

تمثل معظم النقاط السابقه آراء شخصية دون تقديم أدلة قوية، مع استخدام مصطلحات غامضه دون تحديد معناها بدقه مثل؛ انحدار الثقافة في مستوياتها الروحية، إنقاذ الثقافة عبر العودة إلى الحياة الداخلية حيث يسكن المعنى، وغيره من التعبيرات المماثله.

لا يوجد اعتراض على انتقادات هنري ميشيل لوسائل الإعلام وتأكيده على أنها ليست محايدة، بل هي أدوات لإعادة تشكيل المفاهيم. ومع ذلك، فيما يتعلق بموقفه من التعليم، لم يتطرق إلى الأفكار التربوية الحديثة التي تشجع التفكير النقدي، والفضول العلمي، وحب التعلم مدى الحياة، وقبول التنوع، وإعداد الطلاب لخدمة المجتمع ومواجهة تحديات الحياة.

تكمن المشكلة الأساسية في آراء ميشيل هنري الاخري في التفكير الافتراضي المتشابك مع الثقافة الدينية، والاعتقاد الراسخ في صحة التجربة الروحية الذاتية دون أي محاولة للتشكيك فيها أو استكشاف التفسيرات العلمية الحديثة للوعي، وكيفيه اتخاذ القرارات، وأن المخ هو مركز تكوين جميع الافكار، ولا يوجد افكار باطنيه او الهامات من مصادر خارجيه٠

توفي ميشيل هنري قبل ظهور التطورات الحديثه التي كشفت اسرار وظائف المخ وفسرت سلوك الانسان ومعتقداته ومشاعره وتفاعله مع العالم الخارجي٠ وهنري مثل العديدد من الفلاسفة الفرنسيين المنتمين الي فلسفة ما بعد الحداثة التي قدمت رفض صريح للمنهج العلمي والتقليد العقلاني من خلال مطروحات تعتمد علي النسبية المعرفية، ودون تقديم افكار جديده لإعادة البناء الثقافي والمعرفي٠

الخلاصه

يطرح هنري في كتابه أن الحضارة الغربية الحديثة تعيش حالة من “الهمجية” لأنها فصلت العلم عن الثقافة، والمعرفة عن الحياة الداخلية للانسان، ولم يحاول توسيع رؤيته لتشمل نماذج فكريه وثقافية متعددة٠

يُعدّ سوء استخدام العلوم والتكنولوجيا الحديثة قضية تتطلب تعاونًا بنّاءً بين العلماء وخبراء علم الاجتماع وعلم الأخلاق، إلى جانب القانونيين والسياسيين، لوضع مبادئ توجيهية وقوانين تحمي الإنسانية من أي انحرافات في استخدام العلوم الحديثة.

في الختام يجب ادراك ان العلم هو القوة الدافعة لتقدم البشرية والحفاظ على البيئة وحمايتها من اخطاء البشر، ولا توجد طريقة أخرى في تاريخ البشريه تقترب من كفاءه المنهج العلمي٠

يجب ان لا نضع حدودا لاحلامنا، ما هو مستحيل حاليا سيصبح في دائرة الإمكان عاجلا ام اجلا من خلال التمسك بالمنهج العلمي.

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

 

كثيراً ما تموت الأيديولوجيات قبل أن تعلن عن موتها رسمياً، فتستمر جثثها المتحللة تتردى أردية الحياة، بينما جوهرها يكون قد أسلم الروح إلى غير رجعة. هذه هي الفكرة المركزية التي ينطلق منها عالم الاجتماع الأمريكي إيمانويل فالرشتاين في كتابه الثوري "بعد الليبرالية"، الذي ترجمه محمد حمشي وراجعته عومرية سلطاني عن دار مدارات للأبحاث والنشر في مصر. فالرشتاين، صاحب نظرية النظام العالمي وأحد أبرز منظري "عصابة الأربعة" الفكرية التي ضمت أيضاً) سمير أمين وجيوفاني أريجي وأندري جوندر فرانك (يقدم في هذا العمل تحليلاً جريئاً يشبه تشريح جثة الليبرالية على طاولة التاريخ، مبيناً أسباب وفاتها ومستكشفاً معالم عالم "ما بعد الليبرالية".

النظام العالمي يحتضر!

يؤكد فالرشتاين أن النظام العالمي القائم والذي تعود جذوره إلى القرن السادس عشر في أوروبا، توسع مع مرور الزمن ليشمل جميع أنحاء المعمورة. وهذا النظام، كما يشرح، كان على الدوام نظاماً اقتصادياً عالمياً رأسمالياً، يحدوه هدف واحد رئيسي هو "التراكم اللانهائي لرأس المال"، حيث يراكم الناس والشركات الأرباح المالية لا لتحقيق الرفاهية أو السعادة، بل بهدف تحقيق المزيد من المال في عملية متواصلة لا نهاية لها. وهذا النظام يتمتع بآليات بنيوية تضع العراقيل أمام الذين يعملون بدوافع أخرى، تصل إلى عزلهم ليس فقط من العملية الاقتصادية ولكن من المشهد الاجتماعي أيضاً.

يقسم فالرشتاين العالم إلى ثلاثة نطاقات أساسية: المركز حيث يتراكم رأس المال، ودول المحيط أو الهامش المصدرة للمواد الخام والتي تشكل في ذات الوقت أسواقاً للفائض السلعي من المركز، وشبه المحيط الذي يضم دولاً تقع في منزلة وسيطة بين الدول الفقيرة والثراء وتحمل اقتصاداتها ومجتمعاتها ملامح من كلا النطاقين، مثل جنوب أفريقيا والبرازيل. وتنطوي العلاقة بين دول المركز ودول المحيط على علاقات تبادل غير متكافئة، وعلى قمع خفي من دول النطاق الأول على دول الثاني.

الليبرالية من الداخل

يقدم فالرشتاين تحليلاً تاريخياً شاملاً لليبرالية كمرحلة مؤقتة في النظام العالمي الحديث (1789-1989)، معتبراً إياها أيديولوجيا ارتبطت بصعود الرأسمالية وهيمنتها. فالليبرالية، في تصوره، لم تكن مجرد خيار سياسي واقتصادي، لكن تحولت إلى ما يشبه "الدين الخاتم"، المفروض على الشعوب فرضاً، لا عبر الإقناع وحده، بل أحياناً عبر قوة السلاح والتدخلات العسكرية، تحت شعار "اقتصاد السوق" و"قيم الديمقراطية".

لكن الليبرالية، كما يكشف فالرشتاين، لم تكن تحريراً للإنسان كما تزعم، ففي صميمها كانت تحريراً لرأس المال، ومنحه سلطة كلية مهيمنة على السياسة والاقتصاد والإعلام، بحيث يغدو هو الحاكم الحقيقي لمسار الحياة الإنسانية، وفق منطقه النفعي المادي الضيق. وهذا ما يفسر لماذا أدت الليبرالية، رغم وعودها بالتقدم والحرية والديمقراطية، إلى تفاقم التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، وإلى نشوب صراعات وحروب لا نهاية لها.

التناقض الجوهري: بين الخطاب والممارسة

يكشف فالرشتاين عن التناقض الجوهري في المشروع الليبرالي بين الخطاب والممارسة. فبينما تدعي الليبرالية تحرير الإنسان والفرد، فإنها في الممارسة العملية تطلق العنان لرأس المال ليهيمن على مصائر البشر. وبينما ترفع شعارات المساواة والعدالة، فإنها في حقيقتها تؤسس لعلاقات تبادل غير متكافئة بين دول المركز ودول المحيط. وهذا التناقض ليس عارضاً في المشروع الليبرالي، إنما هو جزء من بنيته الأساسية، إذ يعتمد استمراره على هذا الفصل بين الخطاب البراق والممارسة القائمة على الهيمنة.

إذا كانت الليبرالية الكلاسيكية قد حملت في طياتها بذور تناقضاتها، فإن النيوليبرالية، كما يحلل ديفيد هارفي في كتابه "النيوليبرالية: موجز تاريخي"، تمثل ذروة هذا الانحراف. فالنيوليبرالية، التي انتقلت من فكرة نظرية إلى سياسة عملية خلال السبعينيات بعد أزمات النفط والتضخم، لم تكن مجرد سياسة اقتصادية، بل مشروعاً فكرياً وسياسياً يركز على تحرير السوق وتقليص تدخل الدولة.

يصف هارفي النيوليبرالية كنظرية اقتصادية وسياسية تدعو لتحرير الأسواق، وخصخصة الأصول، وتقليص دور الدولة، وتعزيز الفردية. لكنه يوضح أن هذه المبادئ غالباً ما تستخدم كأداة لإعادة توزيع الثروة والسلطة لصالح النخب الرأسمالية، مما يؤدي إلى زيادة التفاوت الاجتماعي على الصعيدين المحلي والعالمي. وهذا ما يجعل النيوليبرالية، في تحليل هارفي، أداة لإعادة تمركز السلطة والثروة لصالح النخبة، عبر آليات مثل تخفيض الضرائب على الأغنياء، وتحرير الأسواق المالية، وإضعاف القوة التفاوضية للعمال.

مستقبل بلا يقين

يعلن فالرشتاين أن الليبرالية، كأيديولوجيا سياسية واقتصادية، قد وصلت إلى طريق مسدود، وأن وعودها بالتقدم والحرية والديمقراطية لم تتحقق على أرض الواقع. فالمشروع الليبرالي، الذي بدأ مع الثورة الفرنسية، قد استنفد طاقته، وأن العالم بحاجة إلى بدائل جديدة ومبتكرة لمواجهة التحديات القائمة.

يعتقد فالرشتاين أن النظام الاقتصادي العالمي شأنه شأن أي نظام آخر، ينطوي على جملة تناقضات، وعندما تصل هذه التناقضات حداً معيناً يتحرك خلال المسار بعيداً عن نقطة التوازن، يستحيل على النظام أن يعمل بصورة اعتيادية. عندها يبدأ النظام في التفرع والتشعب، وهي النقطة التي يعتقد فالرشتاين أننا بلغناها الآن.

العصر الانتقالي

يتنبأ فالرشتاين بفترة انتقالية تمتد من 1990 إلى 2025/2050، تتميز بعدم اليقين والفوضى العالمية، حيث تتراجع شرعية الدولة الوطنية، وتنهار الثقة في فكرة التقدم الليبرالي. ويرى أن السلام الليبرالي وهم، وأن العالم الثالث سيواجه أزمات معقدة في هذه المرحلة. وهذا التشخيص يقدم إطاراً تفسيرياً قوياً لفهم التحولات العالمية التي نشهدها اليوم، من صعود الشعبوية إلى أزمات الديمقراطيات الليبرالية وتصاعد حدة التوترات الجيوسياسية.

بدائل مستقبلية

في مواجهة أزمة الليبرالية والنيوليبرالية، يطرح فالرشتاين والسجال الفكري المحيط به إمكانية "طريق ثالث" بين الرأسمالية العالمية الحالية واشتراكية الأمس المنبوذة. وهذا الطريق الثالث، كما يناقش جوزيف ستجلز وأنطوني جيدنز، قد يمثل مساراً بين حرية الأسواق من جهة والتخطيط المركزي من جهة أخرى.

لكن فالرشتاين لا يقدم حلولاً جاهزة، بل يدعو إلى التفكير النقدي والبحث المستمر عن بدائل مبتكرة. ويؤكد على أن المستقبل مفتوح على جميع الاحتمالات، وأن النضال من أجل التغيير مستمر ولا يتوقف. إنه يدعو إلى بناء تحالفات جديدة بين مختلف القوى التقدمية، من أجل مواجهة التحديات العالمية المشتركة. ويرى أن النضال السياسي في القرن الحادي والعشرين يجب أن يركز على تغيير العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وليس فقط على تغيير الحكومات.

يحلل فالرشتاين بعمق إخفاق اليسار العالمي في تحقيق التغيير المنشود، ويرجع ذلك إلى تبنيه الأيديولوجيا الليبرالية، حتى في أكثر صيغها "الثورية" كـ اللينينية. ويؤكد على ضرورة فهم حقيقة ما حدث بين عامي 1789 و1989، لكي يكون هناك مشروع تحرري مقبول في القرن الحادي والعشرين.

يقدم كتاب "بعد الليبرالية" تشخيصاً عميقاً لأزمة حضارية شاملة تتطلب إعادة التفكير في الأسس التي تقوم عليها مجتمعاتنا. فالرشتاين لا يكتفي بنقد الليبرالية والكشف عن تناقضاتها، لكن يدعو إلى البحث عن بدائل جديدة تتجاوز الليبرالية والاشتراكية التقليدية، وتأخذ في الاعتبار التحديات البيئية والاجتماعية والثقافية التي تواجه البشرية.

الأزمة الحالية، كما يؤكد فالرشتاين، ليست مجرد أزمة اقتصادية أو سياسية، بل هي أزمة نظام عالمي بكامله، أو بمعني آخر هي أزمة حضارية تمسك بتلابيب العالم. والنظام الرأسمالي، القائم على التراكم اللامحدود لرأس المال، لم يعد قادراً على الاستمرار في ظل التناقضات التي يواجهها، من أزمات بيئية إلى تفاقم الفوارق الطبقية والاجتماعية، إلى تدهور الأمن الاجتماعي والإنساني.

عالم ما بعد الليبرالية، كما يتصوره فالرشتاين، لن يكون بالضرورة عالماً أفضل، ربما يكون عالما يحمل في طياته إمكانيات متعددة، بعضها أكثر قتامة وبعضها أكثر إشراقاً. والمهمة الملحة اليوم هي المشاركة في تشكيل هذا المستقبل، وعدم ترك الساحة لقوى الهيمنة القديمة أو لقوى ظلامية جديدة لتحديد معالمه. فكما يقول فالرشتاين: هنالك شيء ما سيبنى. وإذا لم نشارك في هذا البناء فإن الآخرين سيحددونه لنا.

المهم أن تحليل فالرشتاين، رغم أنه قد يبدو متشائماً للبعض، إلا أنه في جوهره دعوة إلى التفاؤل الحذر، وإلى الإيمان بإمكانية بناء عالم أفضل وأكثر عدلاً. إنه يذكرنا بأن التاريخ لم ينته، وأن المستقبل لا يزال مفتوحاً أمام إرادة البشر وقدرتهم على الخلق والابتكار. وهذا ربما هو أعظم إرث فكري يتركه لنا إيمانويل فالرشتاين في كتابه هذا.

***

د. عبد السلام فاروق

 

منذ عودتي إلى وطني العراق قبل عشرين عامًا، بعد سنوات طويلة عشتها في المنفى، متنقلًا بين أكثر من بلد، صدمتني اضطرابات الهوية السياسية لدى عدد كبير من المواطنين. تلاشت الهوية الوطنية أو ضعف حضورها، وحلت محلها هويات طائفية وعرقية، استحوذت على المشهد السياسي والاجتماعي والديني وحتى الثقافي، وفرضت خطابها في الحياة العامة. عندما كنت أتابع أحاديث الزعماء السياسيين في الفضائيات، قليلًا ما كنت أسمع مَن يذكر العراق بوصفه الوطن الجامع. كان كثير من حديثهم يتمحور حول استعادة حقوق تاريخية مهدورة لجماعتهم، ويطالب بتسويتها اليوم، من غير اهتمام بما يهدد كيان الدولة، ويفكك رابطة العيش المشترك في المجتمع الواحد.

في الأحاديث اليومية للمواطنين، قلما كنت أسمع اسم "العراق" يتردد، وكأن الوطن غائب عن الوعي العام. أسماء المواليد من الإناث والذكور لم تكن تعبّر عن انتماء لحضارات وادي الرافدين، ولا تشير إلى رموزها وأعلامها ومعالمها وميراثها الحضاري والثقافي الثمين. بدا حضور العراق في الصحافة والإعلام ووسائل التواصل والفضائيات والإذاعات باهتًا، لا يعكس ما يفترض أن يمثله من رمز للهوية والانتماء. في الشعر القديم والحديث، وفي الأمثال والشعر الشعبي، لا يحضر العراق بما يكفي بوصفه الوطن الذي تلتقي فيه مصالح الجميع، وتتوحد فيه مصائرهم، ويتجاوز حدود الطائفة والقومية. عشت في بلدان يعتز أهلها كثيرًا بهويتهم الوطنية، أتأمل كيف صارت هويات أوطانهم أوعية ينصهر فيها تنوع الديانات والمذاهب والثقافات المحلية والعالمية، وكيف تغلبت تلك الهويات على الانغلاق، وتشكلت من تراكم الذاكرة المشتركة، وخبرات العيش معًا، والاعتزاز برموز الوطن وميراثه.

في وطننا، أضحت الكتابة والحديث باسم العراق، والمناداة بضرورة تجذير الهوية الوطنية وترسيخها في ضمير المواطن أمرًا غير مألوف لدى كثيرين، بعد أن جرى نسيان الوطن، وانشغل أغلب المواطنين بهوياتهم الطائفية والقومية. ربما ينظر بعضهم إلى الكاتب المهموم بترسيخ مفهوم الوطن والمواطنة، ويكتب عن الهوية الوطنية، بأنه يمارس نوعًا من رفاهية الكتابة، لأنها كتابة لا حاجة لها هذا اليوم، وعديمة الجدوى في نظره. ويشكك بعض آخر في دوافع هذا الكاتب، ويحسب أن الكاتب المهموم بالهوية الوطنية والمواطنة يرمي إلى صرف أنظار الناس عن هموم طائفتهم وقوميتهم.

ما تعانيه الهوية الوطنية من ضمور وتراجع وتهميش، يمثل إحدى أخطر أزماتنا السياسية والاجتماعية والثقافية. أتمنى أن يتناول هذه الظاهرة باحثون متخصصون، ويكرس طلاب الدراسات العليا اطروحاتهم ورسائلهم الدكتوراه والماجستير، لدراسة العوامل التاريخية السياسية والاجتماعية والثقافية والطائفية، التي أسهمت في تآكل الهوية الوطنية، وتفتيت بنيتها الرمزية، وأعاقت تشكل نسيجها التاريخي. لا أعلم على وجه الدقة إن كانت دراسات أكاديمية كافية قد تناولت هذه المسألة، لكنني أرى أن دراستها اليوم ضرورة قصوى، ينبغي أن تتعدد فيها المقاربات، من منظورات اجتماعية وأنثروبولوجية ونفسية وسياسية ولسانية، ومن غيرها من العلوم الإنسانية، بوصفها مسألة مصيرية لا يمكن تأجيلها أو التنكر لها.

نحن بحاجة ماسة إلى غرس الهوية الوطنية في الضمير السياسي، وتغذية حضورها النفسي والعاطفي والثقافي للأبناء وتنميتها، وتمكينهم من عبور مضايق هويات الآباء، التي ما زالت تلهيهم بهويات أيديولوجية مستعارة من الأمس، أو بهويات طائفية وعرقية لا تكترث بالهوية الوطنية، التي تفجرت عقدها المكبوتة عبر عقود طويلة، خدمةً لمصالح جماعات وزعامات تتصارع على السلطة والثروة، أو لتحقيق مكاسب لبلدان أخرى ترى في تآكل هوية العراق وتناحر مكوناته، ضمانًا لهشاشة الدولة، واستمرار التبعية.

الانتماء إلى العراق شرف وطني، العراق وطن جدير بنا جميعًا، وكل واحد من أبنائه ينبغي أن يعتز بالانتماء إليه. مَن يقرأ مكاسب الحضارات التي ولدت على أرض الرافدين، سواء في العصور القديمة أو العصر الإسلامي، يقف أمام ميراث زاخر بالمنجزات الاستثنائية التي انفردت بها هذه الأرض. على العراقي أن يفتخر بميراث إسلامي عريق، امتدت جذوره قرونًا طويلة في الكوفة والبصرة وبغداد، وما زالت بعض عناصر هذا الميراث حية، ننصت لصداها في المجتمعات الإسلامية، في علوم الدين، واللغة، والشعر والأدب، والفنون، والفلسفة، والتصوف. لولا ذلك الميراث، لما تراكمت في حضارة الإسلام كنوز معارفها وعلومها وآدابها وفنونها وقيمها، التي ازدهرت في القرن الرابع الهجري، وخلدت مكاسب هذه الحضارة في مواطن مجتمعات عالم الإسلام المتنوعة. وقبل حضارة الإسلام، أنجبت أرض الرافدين سلسلة حضارات عظيمة في سومر وأكد وبابل وآشور، وأورثت للبشرية منجزات رائدة، ما زال العالم بأسره مدينًا لها، مثل اكتشاف الكتابة، واختراع العجلة، وتدوين القانون، وتنظيم الري، والتخطيط الحضري، وفن العمارة، والرياضيات، والفلك، والقيثارة، والشعر، والملحمة، وسواها من اكتشافات واختراعات وإبداعات شكلت منعطفات حاسمة في مسار التطور الحضاري على الكرة الأرضية. أرض الرافدين تتميز بحيوية وخصوبة حضارية مدهشة، فعلى الرغم من تعاقب الاحتلالات الجائرة عليها، غير أنها كانت وما زالت تعاند سحقها والفتك بها، وتقاوم استنزاف إنسانها، وتعاند تدمير ميراثها.

لا يعني هذا الكلام التنكر للهويات الفرعية في المجتمع، تعدد الهويات وتنوعها منبع غزير للثراء والحيوية المجتمعية الخلاقة. أشرت في موارد متعددة من هذا الكتاب إلى أن بعض الهويات والانتماءات تبدأ تتوالد بعد ولادة الإنسان مباشرة، مثل وراثته لديانة آبائه ومجتمعه ومذهبهم ولغتهم وثقافتهم، وهذه الهويات تنمو وتترسخ في البيئة التي ينشأ فيها. في دولة المواطنة الحديثة يعد التنوع الهوياتي مصدر قوة لا ضعف، لكن ذلك يتطلب معادلة تبتني على جعل الهوية الوطنية إطارًا جامعًا، تتفرع منه الهويات القومية والدينية والمذهبية، من دون أن تطغى عليه. انقلاب هذه المعادلة، بتقديم المذهب أو الديانة أو القومية على الوطن، يجهض الوحدة المجتمعية، ولا يرسي أساسًا متينًا للعيش المشترك، ويعيق إقامة دولة حديثة. الهوية الوطنية أساس سياسي رحب يتسع للتنوع ويعترف بحق المواطن في أن يكون مختلفًا، فيصبح المجتمع نسقًا متكاملًا يحول التنوع إلى مصدر غنى وقوة.

لا يتحقق معنى الوطن والمواطنة إلا إذا تحقق معنى المواطن، الذي له الحقوق ذاتها الممنوحة لكل مواطن، كما عليه المسؤوليات ذاتها المفروضة على كل مواطن. أما لو فرضت عليه تلك المسؤوليات، ولم يمتلك الحقوق الممنوحة لبعض فئات المواطنين، وجرى انتزاع حقوقه التي تمنح له بوصفه مواطنًا، وحرمانه منها، لأنه ينتمي إلى دين، أو معتقد، أو مذهب، أو قومية، أو طبقة، ينظر إلى مقامها على أنها أدنى من غيرها من الشركاء في الوطن، فلا يتحقق معنى المواطن، ولا معنى المواطنة، ولا معنى الوطن.

حين يكون النصاب هو الهوية الوطنية، تصبح هذه الهوية ضامنًا للعيش المشترك، وشرطًا للتعايش السلمي، لأن الوطن هو المشترك الذي يحتضن الجميع، وتلتقي فيه مصالحهم، وتتعانق مصائرهم، وتتحقق فيه المساواة من دون امتياز ديني أو مذهبي أو عرقي. أما إذا كان النصاب عرقيًا أو مذهبيًا أو دينيًا، فإن ذلك يفضي إلى تمزق النسيج الاجتماعي، ويشعل التنازع على المصالح والمواقع، ويغدو بابًا لانتهاك حقوق مَن لا يشارك الجماعة الغالبة في مذهبها أو دينها أو قوميتها. آنذاك، لا يكون الوطن وطنًا للجميع، بل يتحول إلى غنيمة يتقاسمها المنتصرون، ويستبعد منها غيرهم من أبنائه.

ما كنت أفكر بتأليف هذا الكتاب قبل سنوات، لولا شعوري العميق بمتاهة الهوية الوطنية، التي لبث فيها جيلنا وجيل آبائنا عشرات السنين، مسجونًا في أيديولوجيات تغويه بالولاء لبلدان أخرى، وتنسيه وطنه. رهاني اليوم على الجيل الجديد، الذي أقرأ في ضوء عيونه الشغف بالتحرر من الانتماء لغير أرض العراق. أتطلع إلى أن يتحرر الأبناء من شِراك الهويات الأيديولوجية، ويتجذر الانتماء للوطن في وعيهم السياسي، ويتضامن معهم الآباء، على مبايعة الوطن تحت شعار: الولاء للعراق أولًا، قبل الولاء لأي انتماء آخر، كما تفعل كل المجتمعات التي تعتز بانتمائها لأوطانها، وترى فيه الحصن الأول لكرامتها، وسلامها، ومستقبل أبنائها. الدولة الوطنية هي النصاب الجامع الذي يحمي المواطنين بهوياتهم الفرعية المختلفة، ويكفل حقوقهم وحرياتهم. المواطنة تفرض على الجميع الولاء لهذه الدولة دون سواها، المواطنة هي الضامن لحقوقهم وحرياتهم، على أن تمارس هذه الحقوق والحريات في إطار القانون والعدالة والمساواة، وبما يحفظ الكرامة الإنسانية للجميع.

 أوصي الأبناء من الجيل الجديد: افتخروا بوطنكم العراق، فهو بلد جريح لكنه حي، مثقل بالمآسي لكنه لا ينكسر، تتعثر خطاه لكنه لا يتخلى عن أحلامه. العراق ليس مجرد أرض نعيش فوقها، بل كيان يسكن فينا كما نسكنه. إنه ذاكرة حية لبداية التاريخ المدون للبشر، ومهد لحضارات كانت منطلقًا لصناعة أعياد التاريخ البشري. الانتماء إلى العراق لا ينبغي أن يكون شعارًا، بل شعورًا يتغلغل في الضمير، ويبعث في النفس العزم على الوفاء له، مهما اشتدت العواصف وتوالت المحن.

 فككوا بين العراق الوطن، والأنظمة والحكام الذين تعاقبوا على حكمه، لا تخلطوا في وعيكم بين الانتماء للعراق بوصفه وطنًا لن يموت، وبين ما مارسته الأنظمة السياسية من استبداد وفساد، منذ تأسيس الدولة الحديثة سنة 1921. الأنظمة متغيرة عابرة، والحكام يتبدلون، لا أحد منهم يختزل العراق، أو يلغي هويته، أو يجسد عمق تاريخه، أو يمثل حضارته الضاربة في القدم. العراق أسبق من كل نظام، وأبقى من كل حاكم، وأرسخ من كل سلطة لا تصدر عن إرادة العراقيين، ولا تتجذر في شعورهم الوطني.

جيلكم هو أمل هذه البلاد، أنتم مَن يعول عليه العراق لينهض مجددًا، وتعاد له مكانته التي يستحقها في العالم. افتخروا بأنكم تنتمون إلى أرض ولدت فيها الكتابة، وصيغت فيها أول مدونة قانونية، وانبثقت فيها أحلام الإنسان بالعدل والحق والسلام، وتأسست فيها دولة المدينة، ثم الدولة، والامبراطورية الأكدية، وأنجز إنسان هذه الأرض أول ملحمة دونت أسئلته الكبرى حول معنى الحياة والوجود وحقيقة الخلود، وكان العراق منطلقًا للحضارة الإسلامية، ومركزًا لإشعاعها العلمي والفلسفي والأدبي والديني قرونًا عديدة.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

....................

* مقدمة كتاب: "الهوية في شِراك الأيديولوجيا"، يصدر قريبًا عن: مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار الرافدين ببيروت.

 

قراءة نقدية في مشروع كولن ويلسون الفلسفي

أحد أكثر الظواهر إثارة للجدل في الفكر الفلسفي والأدبي الحديث هي ظاهرة "اللامنتمي" التي تناولها الكاتب البريطاني كولن ويلسون في كتابه الشهير الصادر عام 1956، عندما كان في الرابعة والعشرين من عمره فقط. هذا الكتاب الذي وصفه النقاد بأنه "أعظم كتاب في التحليل النفسي صدر في أوروبا منذ كتاب سقوط الغرب لاشبنجلر" ، يمثل علامة فارقة في فهم الشخصية الوجودية التي تعيش على هامش المجتمع، والتي ترفض الانصياع للقيم الجاهزة والمفاهيم المسبقة. لكن ما يثير الدهشة أكثر هو استكمال ويلسون لهذا المشروع بكتاب "ما بعد اللامنتمي" الذي يمثل محاولة جريئة لتجاوز المأزق الوجودي نحو رؤية أكثر إيجابية للحياة.

 تحليل مفهوم اللامنتمي

يبدأ ويلسون تعريفه للامنتمي بمقولة صادمة: "اللامنتمي هو مشكلة اجتماعية، إنه الرجل الموجود في الحفرة". هذا التعريف لا يصور اللامنتمي كمريض نفسي أو معتل اجتماعياً، بل كشخص يمتلك حساسية مفرطة تجاه تناقضات الوجود وعبثية الحياة اليومية. اللامنتمي عند ويلسون هو ذلك الإنسان الذي "يدرك ما تقوم عليه الإنسانية من أساس ضعيف"، وهو ليس شخصاً مختل عقلياً، لكنه يتمتع بحساسية أكثر من المتفائلين أصحاب العقول.

من خلال تحليل دقيق، يعرض ويلسون حياة وأعمال عدد من الأدباء والفلاسفة الذين يجسدون هذه الشخصية، مثل دوستويفسكي وكافكا ونيتشه وكامي وسارتر وفان جوخ. هؤلاء جميعاً يشتركون في رؤية العالم كـ"عالم معقول فوضوي، وليس منظماً جوهرياً"، وهذه النظرة هي التي تجعلهم أكثر عمقاً في فهم الواقع من الآخرين الذين ينشغلون دائماً بتفاصيل الحياة اليومية.

 الأبعاد الفلسفية للامنتمي

ينطلق ويلسون في تحليله من منظور وجودي واضح، حيث يرى أن اللامنتمي "يميل إلى التعبير عن نفسه من حيث الوجودية، إنه لا يهتم بشدة بالتمييز بين الجسد والروح، أو الإنسان والطبيعة، فهذه الأفكار تنتج التفكير اللاهوتي والفلسفة، فهو يرفض كليهما". بالنسبة للامنتمي، فإن التمييز الوحيد المهم هو بين الوجود والعدم، وهو تمييز يضع الإنسان أمام مسؤولية اختياراته المصيرية.

لكن ويلسون ينتقد بعض التوجهات الوجودية، خاصة تلك التي تميل إلى العبثية والعدمية. فهو يرى أن "جو الوجودي اللامنتمي غير صحي للتنفس، هناك شيء ما من الغثيان المعادي للحياة". هذا الموقف النقدي يجعله يختلف عن سارتر وكامو في بعض النقاط الجوهرية، رغم تأثره الواضح بهما.

إذا كان كتاب "اللامنتمي" قد ركز على تشخيص الحالة الوجودية للإنسان الحديث، فإن كتاب "ما بعد اللامنتمي" يمثل محاولة للخروج من هذا المأزق. هنا ينتقل ويلسون من مرحلة التشخيص إلى مرحلة العلاج، حيث يحاول أن يقدم رؤية أكثر إيجابية لإمكانيات الإنسان.

في هذا الكتاب، يستعرض ويلسون أفكاراً فلسفية متنوعة، من الظاهراتية عند هوسرل إلى الفلسفة العضوية عند وايتهيد، محاولاً بناء جسر بين الوجودية والتصوف، بين العقل والحدس. يكتب أحد القراء على جود ريدز: "ما بعد اللامنتمى لا يزال حتى الآن حتى يومنا هذا واحدة من أفضل كتب الفلسفة فى المستقبل التى كتبها كولن ولسون لأنها مكتوبة بطريقة بسيطة جداً وغرس فيها الكاتب 20 عاماً من التفكير".

 النقد والجدل حول أفكار ويلسون

لم تخل مسيرة ويلسون الفكرية من الجدل والنقد الحاد. بعض النقاد اتهموه بالفاشية والنخبوية المتطرفة، مستشهدين ببعض أقواله التي تمجد "الإنسان المتفوق" وتحتقر "البشر الضئيلين". في يومياته كتب ويلسون: "لقد غرق البشر الضئيلون عميقًا في الدناءة لدرجة أنه سيكون من المؤلم لهم أن يعالجوا أنفسهم؛ إنهم يجثمون حول النار مثل معاقين، العالم الخارجي يجعلهم ينكمشون خوفًا".

كما تعرض ويلسون لانتقادات بسبب تغيره الفكري الملحوظ من الوجودية إلى ما يسمى "بالواقعية الجديدة"، ثم اهتمامه لاحقاً بالموضوعات الميتافيزيقية والسحر والتنجيم. بعض النقاد رأوا في هذا التغيير علامة على عدم الاتساق الفكري، بينما دافع آخرون عن حق ويلسون في التطور وتوسيع آفاق بحثه.

 تأثير ويلسون في الثقافة العربية

كان للترجمات العربية لكتب ويلسون، خاصة "اللامنتمي"، تأثير كبير على المشهد الثقافي العربي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. كما يشير غالي شكري: "ما إن ترجم كتابه «اللامنتمي»، الصادر عام 1956، حين كان ويلسون في الرابعة والعشرين من العمر، إلى العربية في منتصف ستينيات القرن الماضي عن دار «العلم للملايين» حتى أحدث دوياً هائلاً. فنفدت الطبعة الأولى سريعاً، وهو أمر نادر آنذاك، وتوالت الطبعات منه".

هذا التأثير يمكن تفسيره بملاءمة أفكار ويلسون للجو الثقافي العربي في تلك الفترة، حيث كانت الأسئلة الوجودية حول الحرية والانتماء والاغتراب تحتل مركز الصدارة في النقاشات الفكرية.

 "التاريخ الإجرامي للجنس البشري"

في إطار حديثنا عن ترجمات أعمال ويلسون إلى العربية، لا يمكن إغفال دور المترجم المصري الدكتور رفعت السيد الذي نقل العديد من أعمال ويلسون إلى العربية، ومنها كتاب "التاريخ الإجرامي للجنس البشري". هذا الكتاب الذي ألفه ويلسون "عقب حملة من مثقفي الميتافيزيقا، وهواة العمق الزائف، وفضح فيه الضعف البشري، وكيف أن البشرية منذ بدء الخليقة تراوح بين قطبي رحى هما الإبداع والتدمير".

لقد وصفت الدكتور رفعت السيد قائلا: "لا أرى رفعت السيد إلا راهباً، يؤمن باختياراته ورؤاه، يقرأ ويكتب ويترجم كأصحاب الرسالات، كمصري لم يتلوث انتماؤه بغير مصريته، وطناً أو فكرة أو شخصاً". هذا الوصف يعكس الجدية والعمق الذي تميزت به ترجمات السيد لأعمال ويلسون، مما ساهم في نشر أفكاره في العالم العربي.

ميراث ويلسون الفكري

رغم كل الجدل الذي أحاط بأفكاره، يبقى كولن ويلسون واحداً من أكثر المفكرين إثارة للاهتمام في القرن العشرين. مشروعه الذي بدأ بـ"اللامنتمي" واكتمل بـ"ما بعد اللامنتمي" يمثل رحلة فكرية فريدة من التشاؤم الوجودي إلى التفاؤل الإرادي، من العبث إلى البحث عن المعنى، من الغربة إلى محاولات المصالحة مع الوجود.

السؤال الآن هو: ماذا سيبقى من الرجل؟ أننا نري أن كتاب «اللامنتمي» سيبقى طويلاً، فالمشكلات الوجودية والاجتماعية والثقافية، التي عالجها ويلسون مستعينا بعلم النفس والفلسفة وكم هائل من القراءات الروائية، والسير الذاتية، كالذات والآخر، والعزلة والانتماء، والقلق والوجود، وحرية الاختيار، والحب والجنس، وهي موضوعات كبرى شغلت الإنسانية خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، لا تزال تشغلنا لحد الآن، وستظل تشغلنا طويلاً".

في النهاية، يمكن القول إن قيمة أعمال ويلسون تكمن في قدرتها على تحفيز القارئ على التساؤل والبحث، على مواجهة الأسئلة الكبرى حول الوجود والمعنى دون خوف أو مواربة. وهذا بحد ذاته إنجاز لا يستهان به في عصر طغت عليه المادية والسطحية.

***

د. عبد السلام فاروق

الجوانب الإنسانيّة في سيرة سلام عادل للكاتبة السيدة سعاد الراعي

شغلت خلال ثلاثة أيام مرّت بقراءة كتاب جديد للأديبة الروائية السيدة سعاد الراعي عنوانه (الإنسان الذي سبق الثورة) وقد شدّتني إلى الكتاب مجموعة أمور منها: أسلوب السيدة الراعي الرشيق الجميل، وأحداث كبيرة وعظيمة تلاحقت بسرعة مذهلة عايشتها وأبناء جيلي خلال بدءا من عام 1959 إلى عام 1963 إذكّر أنّي من مواليد 1951 وكنت ناجحا من الصف الأوّل الابتدائيّ إلى الثاني حين حدثت الثورة.

ثالث هذه الأمور شخصيّة المرحوم الشهيد سلام عادل إذ لم تكتب السيدة الراعي كتابها عن الشهيد سلام عادل لكونه أحد أقاربها وقرابته ليست بعيدة فهو ابن عمّة والدتها لكنها كتبت مؤلفها الشيق هذا إحقاقا للحق وإنصافا لشهيد يجب أن تُحيًى ذكراه التي لا تمحوها الأعوام والسنين.، ولا يخفيها التجاهل والتعتيم.

 لقد استعرضت الكاتبة حقبة مهمة من خلال بعض من سيرة سلام عادل، بعض اللقطات صوّرت حياته ونضاله في فترة العهد الملكي ومطاردة الشرطة وأفراد الأمن له، وتفننه في التخفّي والتمويه، والأهم من ذلك كلّه تعامله الإنسانيّ وعدم تعاليه واهتمامه بالناس الطيبين البسطاء بخاصة العمال والفلاحين.

وقد اقترنت تلك الشخصيّة بنبذ الانتقام والقسوة في مرحلة مارست الأحزاب القومية الفاشيّة كل أصناف القتل وأبشع صور التعذيب بحقّ خصومهم لمجرد التهم الباطلة التي لا يدعمها دليل أو برهان.

 في الكتاب نقرأ أن سلام عادل مثلما كان يدعو إلى بلد دمقراطيّ هو العراق مارس فكرته عمليّا مع رفاقه فكان معلما يطبق في الواقع ما يؤمن به وكان يحارب النفس الدكتاتوري والسلطوي، ويدعو إلى الحوار مع التكتلات والتجمعات التي تستهدفه، فهو إنسان بدعو إلى الرحمة والسلام في وقت بدت فيه ملامح العنف تسود البلد وسطوة الانتقام.

لا يمكن أن نقول من خلال الرحمة التي آمن بها القائدان الكبيران الشّهيدان عبد الكريم قاسم وسلام عادل إن العراق أصبح ضحية بسببهما فأنا حين أتذكّر رحمة عبد الكريم قاسم أتذكّر المبادئ العليا التي وضع أسسها علي بن أبي طالب قيل قرون حين لم يعاقب من لم يبايعه بعكس من سبقه من خلفاء، ومن رحمة سلام عادل وأخلاقه أنّه حين حاول البعثيون والقوميون ومنهم صدام حسين اغتيال الزّعيم، فأصيب إصابات بالغة ونُقٍلَ إبى المشفى كان بإمكان الحزب الشيوعي حيناك بأمر من سلام عادل أن يوعز إلى أيّ طبيب في المشفى وما أكثر الأطباء الشيوعيين أن يصفّي الزعيم ويُعلن عن استشهاده بسبب محاولة الاغتيال تلك، فيصد الشيوعيون إلى الحكم بيسر وسهولة غير أن أخلاق سلام عادل وتربيته منعاه أن يفعل ذلك فلا خير في حكم يأتي عن طريق خيانة وكذب ودجل ورياء.

لكن الأخلاق العالية التي تميّز لها سلام عادل وقادة ثورة تموز (عبد الكريم قاسم، المهداوي، وصفي طاهر، عبد الكريم الجدّة) كانت تتراجع وتتهاوى لسببين رئيسين:

السبب الأوّل :زحف الأغلبية \الجماهير\ عموم الشعب\الكتلة الأكبر\ نحو الحزب الشيوعي والحديث باسمه، لقد تطوّعت الأغلبية وتحدثت باسم الحزب الشيوعي، وفعلت أفعالا نُسبَت إليه في حين مارسها همج رعاع كانوا يهتفون باسم الزعيم والحزب الشيوعي والاتحاد السوفيتي، فيشيع في العالم أنّهم شيوعيون ولم يكن بإمكان سلام عادل أن يستنكر ولا أيّ يساريّ ثوريّ أن يدين أعمالهم ماداموا يهتفون باسم الثورة ويدَّعون أنهم يطاردون أعداء ها، ومثال على ذلك قضيّة مجازر كركوك التي ذكرتها المؤلفة السيدة سعاد الراعي، وبينت أنّها آذت الزعيم وسلام عادل.

لقد حكى لي أحد التركمان الشيعة، والمعروف جيدا أن التركمان الشيعة والأكراد الفيلية لديهم تعاطف كبير مع أهل الجنوب، قال لي ذلك الرجل، في ذلك الوقت كانت محلات التركمان تعلن ولاءها لتركيا فصور كمال أتاتورك كانت منذ العهد الملكي ترفع على الحدران علنا في المحلات والمقاهي التي يملكها التركمان وفي بيوتهم أيضا .كانوا يعدّون أنفسهم جزءا من تركيا التي كانت زمن المدّ الثوري عضوا في حلف بغداد، الوضع استفزّ اليساريين وعامة العرب والأكراد في المدينة فوجدوا متنفسا لهم في الحزب الشيوعي الذي رفعوا شعاراته ومارسوا القتل باسمه .

لسنا نسوّغ بل هذا الذي حدث!

المعضلة الثانية التي واجهت سلام عادل هي التكتل الغريب الرباعي الذي وقف فيه صفا واحدا كلّ من الشيعة والإخوان المسلمين وعموم السنة وحزب البعث والقوميين الناصريين ضدّ الحزب الشيوعي العراقي والاتحاد السوفيتي تحت فتوى شيعية اتفقوا عليها هي أن الشيوعية كفر وإلحاد، وقد وجدنا قوميين ناصريين كبار مثل رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز، وبعثيين مثل رئيس الوزراء طاهر يحيى يزورون مراجع النجف، وبقيت علاقة المرجعيّة بالقوميين إلى مابعد انقلاب البكر واعتقال البزاز حتى أنّ مرجع الشيعة الأعلى رفض أن يجتمع بالبكر إلا أن يطلق سراح البزاز، ورفض أن يتوسط بين البكر وشاه إيران بطلب من البكر نفسه إلا بإطلاق سراح البزاز !

إنّ تحالف الشيعة مع الإخوان السلمين واستصدار فتوى من شيخ الإخوان عبد العزيز البدري والمرجعية في النجف أسال دما غزيرا يوم 8 شباط تلك الدماء التي افتخر بسفكها المرجع حسن الشيرازي حين كتب في أحد كراريسه لقد قاتلنا الشيوعيين في أزقة بغداد وطاردناهم من بيت لبيت (على غرار زنقة زنقة) وشرّ البيت ما يضحك!

أضف إلى ذلك أن التحالف الشيعي الإخواني بين مرجعية النجف وإخوان العراق ومصر والأردن أحّر العراق بعد سفكه للدماء والانقلابات أخّر العراق وقضى على أحلامه وطموحاته وأتى بالبعثيين الذين مزّقوا أمّة العرب شرّ تمزيق، وأعود وأذكّر تلك الأحزاب الدينيّة بواقع مدهش حقّا حيث نجد أنّه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي واستسلامه لم يبق إلّا إيران في مواجهة الغرب والولايات المتحدة الأمريكية ولا أحد يقف معها سوى الذين هم كفار برأي المرجعيّة حينذاك هؤلاء الذين يقفون مع إيران هم كوبا الشيوعية وفنزويلا الشيوعية بقيادة الرائعين شافيز ومادرو، وكولومبيا وليس من يقف معها وهي دولة دينية غير هؤلاء وروسيا البيضاء الشيوعية.!

لست شيوعيا ولا أؤمن بحكم الحزب الواحد لكن من حقي أنا الذي هدرت طفولتي أن أحاسب من يقف مع فكر شوفيني ويؤيده وينحاز له على حساب فكر آخر سليم النية حسب مايؤديه من أعمال ولقد كنا في ذلك الوقت بأمس الحاجة لأن نقف مع الكتلة الشرقية ونطالب أي حزب أن يحقق العدالة قدر الإمكان وليس التكفير والتسقيط وهذا مافعله التحالف المرجعي مع الإخوان والقوميين حيث منح الحجة لقتل أبنائه ثم انقلبت دائرة السوء عليه.

لقد كانت مهمة الشهيد سلام عادل صعبه فوق حدود الاحتمال ولم يكن أمامه من حل إلا أن يضحي بنفسه فتعود على العراقيين من جدبد صيغة كربلاء نفسها لكن بشكل آخر أكثر وحشية وانتقاما.

لقد عشت ساعات جميلة مع الكتاب، ساعات على الرغم من كونها تبوح بالحزن وتفوح بالرعب إلّا أن الرعب الذي عاشه الشهيد سلام عادل صاغه قلم السيدة سعاد الراعي بأسلوب رزن رشيق يعبر عن حقائق جسّدعا إنسان بصيغة وطن.

***

د. قصي الشيخ عسكر

 

للدكتوره Lina Jazrawi

هناك كتب تقرأ، وكتب تعاش. وكتاب الدكتورة لينا الجزراوي ينتمي إلى الفئة الثانية لأنه لا يكتفي بطرح موضوع الفلسفة النسوية كمبحث أكاديمي بل يضعه في قلب الجدل حول المرأة ومكانتها متخذا من الفكر العربي المعاصر ساحة للفحص والمساءلة.

كانت المرأة دائما موضوعا في كتب الآخرين لا كاتبة حكايتها

من الأسطورة إلى الفلسفة.. من قصص الخلق إلى مقالات الفكر ظلت صورتها تصاغ خارج ذاتها، كأنها ظل يمشي على جدار التاريخ.. تسكن دائما الهوامش بعيدا عن المتن.

لكن في كتاب "صورة الفلسفة النسوية في الفكر العربي المعاصر"، تمسك الدكتورة لينا الجزراوي بالريشة وتعيد رسم اللوحة، لا لتجميلها بل لكسرها وإعادة خلقها من جديد

منذ الصفحات الأولى يفتح الكتاب أبوابه على مكانة المرأة في التاريخ لا كتسلسل للأحداث فحسب، بل كمشهد ميثولوجي وفلسفي، حيث تتقاطع الأسطورة مع النصوص المقدسة وتتبادل الصور أدوارها بين التجسيد والتأويل. فالمرأة في الميثولوجيا ليست مجرد كائن روائي في مخيلة الشعوب، بل هي رمز أولي للخلق والخصب والسلطة الروحية، قبل أن تختزلها بعض السرديات في دور تابع أو هامشي. وفي تتبّع المؤلفة لصورة المرأة في قصص الخلق الدينية، ثم في الخطاب الفلسفي، نلمح ما يشبه مرآة مزدوجة. واحدة تعكس التقديس والألوهية، وأخرى تعكس الحجب والإقصاء.

في الفصل الثاني، ينتقل الكتاب إلى النظرية النسوية جذورها، تشكلها، وتحولاتها من خطاب غربي يتأسس على صراعات الموجات النسوية، إلى خطاب عربي يحاول التكيف مع بنيته الاجتماعية والثقافية الخاصة. هنا، تقدم الجزراوي قراءة رصينة لا تنساق وراء التقليد الأعمى ولا تنغلق على الذات بل تحاول فهم كيف يمكن للنظرية أن تتحول من استيرادٍ فكري إلى مشروع نقدي يشتبك مع الواقع.

أما الفصل الثالث "الخطاب النسوي في الفكر العربي المعاصر"، فهو قلب الكتاب النابض. حيث تتتبع المؤلفة كيف تمثلت الثقافة العربية المعاصرة صورة المرأة: في الأدب، في الفكر، في المنابر الثقافية، وحتى في التيارات التي تدعي الانتصار لقضيتها. وهنا تطرح رؤية نقدية حادة للفكر النسوي العربي، تكشف عن مفارقاته: كيف يمكن لخطاب أن يرفع شعارات الحرية والمساواة بينما يظل أسير بنى لغوية وفكرية تعيد إنتاج الهيمنة بشكل ناعم؟

الكتاب، في مجمله، ليس دفاعا أعمى عن "النسوية" ولا هجاء لها. بل هو تمرين فلسفي في تفكيك الصورة: من أين جاءت، كيف تشكلت، ولماذا تستمر في الهيمنة على وعينا الجمعي حتى اليوم. وفي لغته، نجد توازنا بين الصرامة الأكاديمية وحساسية التأمل، بحيث تحول النص إلى رحلة معرفية وجمالية في آن واحد.

إن قراءة كتاب الدكتورة لينا الجرزاوي تضع القارئ أمام سؤال مركزي:

 هل يمكن للفكر العربي أن ينتج نسويته الخاصة، بعيدا عن استنساخ التجربة الغربية أو الارتهان إلى خطاب التراث كما هو؟

سؤال يبدو أن المؤلفة لا تجيب عنه مباشرة، لكنها تترك للقارئ ما يكفي من الأدوات الفكرية ليخوض معركته الخاصة مع الجواب.

و في وجهه نظري. ربما لا يكون كتاب "صورة الفلسفة النسوية في الفكر العربي المعاصر" مجرد دراسة فكرية، بل هو أشبه بمساءلة هادئة وصاخبة في آن واحد تطرق أبواب التاريخ والأسطورة والفلسفة، ثم تقف في مواجهة الحاضر لتقول: إن المرأة ليست ظلا يبحث عن ضوء، بل ضوءا يحاول العالم حبسه في إطار

وحين يطوي القارئ صفحات هذا الكتاب يشعر وكأنه أمسك بمرآة صغيرة يرى فيها المرأة لأول مرة بلا أقنعة، لا كما أرادها النص أو الأسطورة، بل كما تريد أن تكون هي

هذا الكتاب لا يكتفي بمسح الغبار عن هذه المرآة، بل يكسرها، ليلتقط شظاياها ويعيد ترتيبها في لوحة جديدة.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

قراءة فلسفية في رحلة الإنسان إلى الله

في زمن يغمر فيه الفراغ الوجوديّ روح الإنسان المعاصر، وفي وقت تهيمن فيه التكنولوجيات المعاصرة على عقل الانسان وعلى وجدانه وكيانه، يعود صوت عبد الجبار الرفاعي في كتابه " الدين والظمأ الأنطولوجي " (دار الرافدين، الطبعة الرابعة، 2023، 312 صفحة) ، ليذكّر فيه ، بأنّ ما فينا ليس عطشا إلى معرفةٍ عابرة ، بل ظمأ أنطولوجيٌّ إلى المعنى، إلى ما يتجاوزنا دون أن يفارقنا، إلى الله بوصفه الأفق الأسمى للكينونة. الدين عند الرفاعي ليس نسقا فقهيا ولا منظومة لاهوتية، بل هو حركة الوجود في الإنسان، تَوْقُه الأزليّ إلى ما يمنحه السكينة والاكتمال، وإلى ما يملأ الصدع الخفيّ بين الكائن وظله. يقول الرفاعي: "الظمأ الأنطولوجي هو حنين الكائن إلى المطلق، وتوقه إلى ما يثري وجوده ويمنحه سكينة لا تنضب" (صـ113).

هذا الظمأ لا ننشد منه ترفا روحيا، بقدر ما هو ضرورة وجودية تبرز أنّ الموت حقيقة وجودية؛ فحيث يوجد الموت، تنبثق الحاجة إلى الدين. الدين، كما يقول الرفاعي، هو الجواب الأنطولوجي الوحيد على تحدّي الفناء، لأنّه يمنح الوجود معنًى لا تقدر المادة على صياغته، ولا الفلسفة على استنفاده، يقول في هذا السياق: "ما دام هناك موت، فهناك حاجة إلى الدين، لأن الدين هو الجواب الوحيد لتحدي الفناء" (صـ114). هكذا يصبح الدين عنده جوابا أنطولوجيا على سؤال الكينونة، لا وعدا لاهوتيا مؤجّلا. وهو إذ يستعيد جوهر الدين كصوت في القلب قبل أن يكون خطابا في السلطة، يحفر عميقا في التجربة الداخلية للإنسان حين يفقد ذاته في ضجيج الجماعة، ليعيد تعريف الإيمان لا كيقينٍ جامد، بل كقلق مقدّس يطلع الكائن على سرّ الوجود: "الإيمان ليس يقينا جامدا، بل قلق مقدّس، بحث دائم عن الله في عمق الإنسان (صـ88)، الإيمان إذن ليس انغلاقا، بل انفتاح مستمر على اللانهائي. في مقابل هذا الظمأ الوجودي، يرى الرفاعي أن أخطر ما يهدّد الدين هو اختزاله في الإيديولوجيا حين يُحتكر المعنى في خطاب واحد، يُقدَّم بوصفه الحقيقة المطلقة ويغلق باب الاجتهاد وباب التفكير التأملي الناقد، إذ يقول: حين يُحتكر المعنى يُقتل الدين (صـ85). بهذا يضع يده على جرح الإنسان الحديث، لا في انحسار الإيمان بل في اغترابه داخل تديّنٍ بلا روح، تدين يغلق الأبواب بين الله والإنسان باسم الله ذاته، تديّن بمقاسات معيّنة كما أرادوه بعض حراس النوايا. من هنا تتخذ الحرية عند الرفاعي بعدا لاهوتيا، فهي ليست فعلا سياسيا بل استعادة للكرامة الوجودية: "الحرية لا تُمنح بل تُنتزع بشجاعة الإرادة ومغامرة العقل" (صـ215). الحرية شرط الإيمان الحقّ، إذ لا يمكن أن يكون الإنسان مؤمنا ما لم يكن حرّا، لأنّ الإيمان القسري عبودية لصورة الله في أذهان الآخرين، لا لله ذاته. الحرية هنا ليست نقيض الدين، بل جوهره الخفيّ الذي يمنح الإنسان القدرة على أن يقول "نعم" لله وهو واع بقدرته على أن يقول "لا". في هذه المسافة بين الحرية والإيمان، يلتقي الرفاعي بهايدغر والغزالي معا، فهايدغر في الوجود والزمان يرى أنّ الإنسان كائن قلق، منفيّ في العالم، لا يكتشف ذاته إلا في مواجهة العدم، أمّا الغزالي في" المنقذ من الضلال" فقد عاش قلقا مماثلا، حين تهاوت أمامه يقينات الحواس والعقل، حتى وجد الحقيقة في النور الذي أشرق في قلبه بإيمانية متعالية.

نخلص للقول بأنّ كليهما انطلق من القلق بحثا عن الحقيقة وانتهج سبيلا رآها مناسبة. الرفاعي يعيد هذا القلق إلى موضعه الوجودي كعطش أنطولوجي لا يُروى إلا بصلة بالإلهيّ. فإذا كان هايدغر يرى القلق طريقًا إلى الكشف عن الوجود، والغزالي يجعله طريقا إلى الكشف عن الله، فإنّ الرفاعي يجعل القلق طريقا إلى الإنسان ذاته، لأنه لا طريق إلى الله إلا عبر الإنسان. لذلك، حين يتحدث الرفاعي عن الإنسان، فإنّه لا يتحدّث عن الكائن البيولوجي أو الاجتماعي، بل عن كائن يُولد وحيدا ويموت وحيدا، يعيش تجربته الوجودية منفردا: "الإنسان يولد بمفرده ويموت بمفرده" (صـ30). إنّها تجربة العزلة الأنطولوجية التي لا يبدّدها إلا حضور المعنى، فالإيمان لا يُستعار من الجماعة، بل يُكتشف في صمت الذات وهي تواجه وجودها العاري أمام الله. غير أنّ هذا الإيمان ليس انفصالا عن العالم، بل انخراط فيه بعين ترى الجمال والرحمة في كلّ شيء. ففي فقرة من أجمل فقرات الكتاب، يكتب الرفاعي : "الفن يهب العالم جماله، والدين يهب العالم معناه" (صـ116). بهذا القول يجمع بين هايدغر الذي رأى في اللغة بيت الوجود، والغزالي الذي رأى في الجمال مظهر الحقّ، ليؤكد أنّ الدين والفن توأمان في رحم المعنى، كلاهما طريق إلى الخلود، أحدهما عبر الجمال، والآخر عبر الصلة بالله. من جوهر هذا الجمال ينبثق تصوّره لله، لا كإله الحرب والانتقام، بل كإله الرحمة والحياة: "الله ليس إله الحرب بل إله الحياة، وليس المنتقم بل الرحيم الذي يتجلى في جوهر الرحمة والمحبة" (صـ116). بهذا الانفتاح يدعو مفكرنا صريحا الى الرحمة والمحبّة، ويطهّر صورة الله من شوائب الإيديولوجيا، ليعيدها إلى أفقها الرحماني، حيث الله ليس فكرة بل حضور، ليس سلطانا بل نورا في الكينونة. يبدو ـــ وفي هذا الإطارــــ مفكّرنا وريثا فلسفيا لهايدغر حين يتحدّث عن نسيان الكينونة، وللغزالي حين يتحدّث عن ظلمة الحواس والعقل، لكنّه يتجاوزهما معا حين يجعل الله ليس فقط جوابا للقلق، بل شرطا للمعنى نفسه، إذ يدمج قلق هايدغر وطمأنينة الغزالي في وحدة أنطولوجية واحدة يرى فيها الإنسان كائنا في طريقٍ دائم إلى الله، لا يصل أبدا، لكنّه لا يكفّ عن المسير.

من الناحية المنهجية، يستعيد الرفاعي مفردات الفلسفة الحديثة، لكنه يعيد تأويلها بلغة القلب، فالوجود عنده ليس مفهوما مجرّدا بل خبرة تُعاش، والعقل ليس نقيض الروح بل بوابتها إلى النور. يقول الرفاعي: "الحرية الجوانية هي أن تحيا بإيمانك دون وصاية، أن ترى الله بعينك لا بعين الآخرين" (استنباط من فكر الرفاعي). هذا النداء الداخلي هو ذاته ما يسميه الغزالي "الذوق"، ويسميه هايدغر "الإنصات للوجود". حين نقرأ الرفاعي من هذا الأفق، نكتشف أن الدين عنده ليس موضوعا للإيمان فحسب، بل طريقة في الوجود، هو سيرة المعنى في الكائن البشري، منذ اللحظة التي يفتح فيها عينيه على العدم إلى اللحظة التي يغمضهما على الرجاء، هو الرحلة التي يعبر فيها الإنسان من الظل إلى النور، من الخوف إلى الحب، من القشرة إلى العمق. يرى الرفاعي أن فقدان المعنى هو الخطيئة الأصلية لعصرنا الحديث، فالعالم الذي امتلأ بالعلوم والتقنيات خسر الإحساس بالقداسة، فصار الإنسان مريضا باللاجدوى. لهذا يعود الرفاعي ليقول إن الدين ليس نقيض العلم، بل دواؤه الأنطولوجي، لأنّه يردّ للوجود "هالته" كما قال فالتر بنجامين، أي ذلك البريق الذي يجعل الأشياء أكثر من مادتها . الدين بهذا المعنى ليس هروبا من الواقع، بل إدراكا لعمقه الغائب.

في فصل "نسيان الذات" يقدّم الرفاعي نقدا للشمولية بكلّ أشكالها مثل نقد الفلاسفة الأوروبيين ما بعد الحداثة، خاصة فرانسوا ليوتار وميشيل فوكو. يرى الرفاعي أن الإنسان فقد ذاته حين ذاب في الجماعة والأيديولوجيا، تماما كما قال ليوتار إنّ "السرديات الكبرى" ألغت صوت الفرد باسم الحقيقة المطلقة. عنده، ونسيان الذات هو الوجه الديني للشمولية، حيث تُحتكر الحقيقة باسم الله وتُصادر حرية الإنسان في الإيمان والتفكير. لذلك يقول: "الإنسان يولد بمفرده ويموت بمفرده" (صـ30) إعلان أنّ الإيمان تجربة شخصية لا تُستعار من الجماعة، وليس للإيمان وصاية ولا وشاية ولا مصادرة. بخلاف فلاسفة ما بعد الحداثة الذين انتهوا إلى نسبية وعدمية، يقترح الرفاعي بديلا رحمانيا: العودة إلى المعنى الداخلي للدين كحاجة وجودية تُحرّر الإنسان ولا تسجنه. الرفاعي يلتقي مع ليوتار في نقد الشمولية، ويخالفه في النتيجة، فبينما انتهت الفلسفة الغربية إلى العدم، يدعو هو إلى إحياء المعنى والرحمة والمحبة داخل الذات. ويلتقي مع فوكو في نقد السلطة الدينية والمعرفية، إذ يقول: "احتكار إنتاج المعنى الدينيّ يعني احتكار الله" (صـ171). لكنّه يتجاوز فوكو إلى أفق روحي، فبينما فوكو يفكّك السلطة، يعيد الرفاعي بناء الذات المؤمنة الحرّة التي تواجه الله مباشرة دون وسائط مؤسسية، يلغي الأوصياء على الدين. أما نيتشه، الذي أعلن "موت الإله"، فقد أراد بذلك نهاية الإله الأخلاقي الذي صنعته المؤسسات لا نهاية الله الوجودي، فيردّ الرفاعي بعمق حين يقول: "حين يتحوّل الدين إلى نصوصٍ جامدة، ويختفي فيه البعدُ التجريبيُّ، يغيب اللهُ من حياة الإنسان" (صـ157). فهو يحيي الله الذي أَماتَه نيتشه، لا في السماء، بل في قلب الإنسان الذي يستعيد التجربة. هكذا يلتقي الرفاعي مع نيتشه في نقد الإله الميتافيزيقي السلطوي ويخالفه في النتيجة، فبينما رأى نيتشه الخلاص في الإنسان المتعالي، يرى الرفاعي الخلاص في الإنسان العارف. في فكر الرفاعي، الدين هو ما يملأ الفجوة بين وجود الإنسان وحدوده، وما يعيد له المعنى بعد أن فرّ من الإله المؤدلج إلى الفراغ.

 في هذا الامتداد، يصبح الغزالي أصلا روحيا، وهايدغر مرشدا أنطولوجيا، وفوكو ناقدا للسلطة، وليوتار محلّلا للتفكك، ونيتشه صرخة إنذار ضد موت الروح. أما الرفاعي، فيوحّد هذه الأصوات في نغمة واحدة بأن لا خلاص من العدم إلا بالمعنى، ولا معنى بلا إله، ولا طريق إلى الله إلا عبر الإنسان ذاته. لذلك حسب ما ورد: "التديّن الذي لا يُنقذ الإنسانَ من خوائه الوجوديّ، ولا يروي عطشَه إلى المعنى، هو تديّنٌ يطفئُ الروحَ لا يُحييها" (صـ165). في نهاية رحلتي القرائية التأملية الممتعة لكتاب " الدين والظمأ الأنطلوجي"، انجلى عنّي اللبس كما للقارئ، بأنّ الدين عند الرفاعي ليس لاهوتا، بل أنطولوجيا للرحمة، وسيرة للمعنى في صحراء الوجود. الإنسان فيها لا يطلب الله لينجو، بل ليكون؛ لأن الله، في فكره، ليس الغاية التي تُدرك، بل الطريق الذي لا يُفارقنا ونحن نسير فيه إلى ذواتنا، إلى المعنى الذي يسكننا منذ الأزل، للننجو بواسطة ذواتنا في طريقنا إلى الله.

***

ليلى تبّاني - كاتبة من الجزائر

 

في كتاب: "هكذا قرأت عبد الجبار الرفاعي: لمحات حول المشروع الفكري"

تعود قراءاتي للمفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي يوم كنت طالبا في المرحلة الجامعية. وبعد مرور أكثر من ثلاثين عاما على تلك القراءة الفاحصة، نقرأ اليوم إصدارًا جديدًا لكاتبة من بلادنا تجدد مشروع القراءة لكتب الرفاعي، هذا المفكر الملهم الذي شغل الساحة الفكرية بكتاباته الفلسفية والفكرية والتجديدية في علم الكلام الجديد. فقد وجدت في كتاب «هكذا قرأت عبدالجبار الرفاعي» للكاتبة رجاء البوعلي مادة مفيدة وقراءة فاحصة تحكي قصة مفكر عاش في أروقة الحوزات العلمية الدينية والجامعات والمعاهد الإسلامية على مدى نصف قرن تقريبا، هو أستاذ ملهم عاش تجارب فكرية متنوعة، وهذا الكتاب يتحدث عن تجربته في رحلة الفكر والفلسفة وعلم الكلام الجديد، فكيف يعيش المفكر ويطرح الفيلسوف الأسئلة الوجودية، وكيف يستثمر عقله في الإجابة عنها بعمق وأصالة وتحرر من قيود الذات، وهذا ما حدا القراءة في فكر الرفاعي -مشروعًا بحد ذاته- بالكاتبة المبدعة رجاء لتُصدر هذا العمل كمشروع حي وناهض للتعريف بعطاءات مفكرًا أبدع في تقديم مشروعا معمقا لبناء حضارة إنسانية وعطاء متحرر لبقاء هذا الإنسان الذي يكافح من أجل وجوده على هذه الأرض الفسيحة.

قبل البدء في الحديث عن الكتاب، لفتتني الفرحة الكبيرة التي أعرب عنها المفكر الرفاعي على موقعه الإلكتروني، إبان صدور هذا الكتاب رغم كثرة ما كتب عنه من رسائل ماجستير ودكتوراه في أكثر من بلد عربي، حيث تُقدر هذه الإصدارات والأطروحات بالعشرات حسب اطلاعي القاصر. فيما جاء كتاب الأديبة رجاء كقراءة جادة انطلقت بها لتحرير أوراق عن أطروحاته حول تحرير الذات الفردية وبناء الفكر الإنساني في سياق علاقة إيمانية متينة تمتد من أعماق الروح الباطنية لتصل ظاهر الممارسات والسلوك للإنسان في مختلف ميادين حياته، وهذا ما استشفته الكاتبة من صفحات كتبه التي عكفت على سبرها، كما نرى من خلال عرضها المقتضب في هذا الكتاب، فقد جاء كتاب الأديبة رجاء في وقت مهم للأجيال الواعدة للتعرف على فكر رجل عملاق يقدم مشروعا إنسانيا هادفا وحضاريا للبشرية جمعاء، ويحدد مسيرة الإنسان على هذه الأرض الفسيحة بأسلوب أدبي حاذق وبليغ، حيث حاولت الكاتبة توظيف عنصر الأدب - بعد أن تخصصت في دراسة الأدب الانجليزي - حيث قرأت العشرات من كتب الأدب العالمي وحاولت بذكاء أن توظف هذا الأدب الخلاق في هذا الكتاب، فجاء مستوعبًا لحياة المفكر العربي العراقي عبدالجبار الرفاعي.

وهنا أعتقد أن عمق القراءة الجادة والتحليل الذكي لمنطلقات الكاتبة هي التي جعلت من الدراسة التي كتبتها مزيجا من الإبداع النقدي والترتب المنهجي، وهذا في مجال البحوث والدراسات يتطلب من القارئ الحصيف ذهنية وقادة وتتبع لمعرفة كل أبعاد النصوص التي يتعرف من خلالها على أطروحات الكاتب والمفكر، ومدى نجاحه في عرض الفكرة نقدا وطرحا والوصول إلى مفهوم الذات من خلال ما يعرضه للقارئ.  ومما استوقفني في هذا الكتاب قراءة عبد الجبار الإنسان والمفكر على حد سواء، والتطرق لسيرته الحياتية المبكرة منذ طفولته الواعدة إلى أن أصبح أستاذًا وواحدا من كبار المفكرين المجددين في العالم الإسلامي والعربي، وقد أشارت الكاتبة للطريق الذي أودى بها لتتعرف على فكر عبدالجبار، عبر كتبه المنشورة في أرجاء المعمورة مثل الدين والظمأ الانطولوجي، والدين الكرامة الإنسانية، والدين والنزعة الإنسانية، وغيرها من الكتب التي يصدرها سنويا. ختامًا أقول: لقد قرأت الكتاب وتعرفت على فكر الرفاعي من خلال قلم الكاتبة الأديبة، وبالرغم أني قارئٌ لنتاجه قديمًا وحديثًا، وهنا أُشير إلى كثافة الكتابات وتعدد الدراسات حول مشروع الرفاعي الفكري على مستوى البحث العلمي والأوراق الفكرية النقدية والثقافية التجديدية، في حين يأتي هذا الكتاب كإضافة للمكتبة العربية والفكرية، وكمشاركة ناهضة تعيد للفكر الإنساني حضوره الباعث لبناء حضارة روحية وإيمانية واقعية واعدة. وهنا نفتخر بصدور دراسة كتبتها أديبة من بلادنا بقلم مشرق وسيال، ولغة مفهومة بعيدة عن التكلف، ومقاربة موضوعية جادة، ومحاولة تؤكد أن القراءة الجادة العميقة هي التي صنعت هذا الكتاب. فجميل أن يقرأ الإنسان ويتابع كل إصدار، ولكن الأجمل أن يقرأ المشروع بنقد وتحليل وتعريف للقارئ وهذا ما قدمته الكاتبة رجاء، ويبقى أملي وطيدا بأن تكتب دراسات أخرى لمفكرين ومبدعين آخرين من العالم العربي.

***

علي المحمد علي

كاتب من المملكة العربية السعودية

تقديم: يأتي كتاب "البرلمان في ضوء مستجدات الدستور" ضمن الإسهامات الحديثة في مجال الدراسات البرلمانية والدستورية. وقد صدر في طبعته الأولى سنة 2019 عن مطبعة شمس برينت بمدينة الدار البيضاء، في 104 صفحة. يتميز هذا العمل بالتركيز والاختزال، ويعكس تجربة مؤلفه الغنية في العمل البرلماني والممارسة الدستورية، كما يندرج ضمن سلسلة من الكتابات التي تعالج تطور المؤسسة التشريعية في المغرب في ضوء التحولات الدستورية والسياسية. كما يعد هذا العمل مصدرا قيما كونه يقدم تحليلا مباشرا من فاعل داخلي للمؤسسة التشريعية، مما يمنحه بعدا عمليا فريدا في فهم النص الدستوري الجديد.

ومؤلف الكتاب هو الأستاذ رشيد المدور، برلماني مغربي سابق، تقلد عدة مناصب في مجلس النواب، من بينها عضويته بين 1997 و2008، وأمانة المجلس ونائب رئاسته في فترات مختلفة. كما شغل عضوية المجلس الدستوري بين 2008 و2017، وشارك في هيئات قانونية مغاربية، ويشغل حاليا عضوية اللجنة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ويشتغل أستاذا بكلية الحقوق بالمحمدية.

وللمدور إسهامات متعددة في القانون البرلماني والدستوري، من أبرزها كتاب "العمل البرلماني في المغرب: قضايا وإشكالات"، و"القضاء الدستوري والأنظمة الداخلية للبرلمان"، إلى جانب دراسات منشورة في مجلات متخصصة. كما أن له مؤلفات في العلوم الشرعية، من بينها "معلمة القواعد الفقهية عند المالكية"، وتحقيقه لكتاب "النظائر في الفقه على مذهب الإمام مالك" لأبي يعلى أحمد العبدي.

وعليه، يمثل هذا الكتاب امتدادا لمسار بحثي يجمع بين العمق الأكاديمي والخبرة العملية، ويقدم قراءة تحليلية لموقع البرلمان المغربي في ظل دستور 2011، من خلال رصد المستجدات وتفكيك الإشكالات المرتبطة بوظائفه التشريعية والرقابية والتقييمية.

وفي هذا الإطار، تنطلق هذه القراءة من الطبعة الأولى للكتاب، حيث تسعى القراءة الوصفية إلى تفكيك محتوى المؤلف وتصنيفه بشكل يسهل على القارئ الإحاطة بالإطار الفكري والمنهجي للكتاب، وذلك قبل الانخراط في أي عملية نقد أو تقييم لاحقة.

وينطلق الكتاب من إشكالية مركزية تتعلق بالمستجدات التي عرفتها الوثيقة الدستورية لسنة 2011، خاصة في ما يتعلق بالسلطة التشريعية. ويعتبر المؤلف أن دستور 2011 يمثل الدستور الثاني للمملكة، بالنظر إلى حجم التعديلات الجوهرية التي أدخلت عليه، سواء على مستوى نظام الحكم، أو في تنظيم العلاقة بين السلط، أو في توسيع اختصاصات البرلمان وتعزيز مكانته داخل البناء الدستوري.

ولمعالجة هذه الإشكالية، قسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة مباحث رئيسية، تناول في أولها مظاهر تقوية البرلمان، من خلال دسترة التداول الديمقراطي، وتحويل البرلمان إلى سلطة تشريعية، وتوسيع وظائفه لتشمل تقييم السياسات العمومية، والمساهمة في تشكيل المحكمة الدستورية. أما المبحث الثاني، فقد خصصه لدراسة مظاهر تخفيف قيود العقلنة البرلمانية، من خلال مراجعة الأنصبة، وتوسيع مجال القانون، وتعزيز صلاحيات البرلمان في مجال المعاهدات والرقابة. في حين تناول المبحث الثالث مقومات النظام الجديد للثنائية البرلمانية، من خلال مقارنة أدوار مجلس النواب ومجلس المستشارين، وتحديد الفوارق في التعيين، التشريع، الرقابة، عدد الأعضاء، الولاية، ورئاسة الجلسات المشتركة.2064 sofyan

وعليه، تسعى هذه القراءة إلى تقريب القارئ من محتوى الكتاب، وتوفير أرضية أولية لفهم التحولات التي عرفها البرلمان المغربي في ضوء دستور 2011، من خلال الطبعة الأولى لهذا العمل المرجعي.

المبحث الأول: مظاهر تقوية البرلمان

تم تقسيم هذا المبحث إلى مطالب؛ مطلب حول دسترة التداول الديمقراطي على السلطة على أساس نتائجها، ومطلب ثان حول انتقال البرلمان من مجرد مؤسسة إلى سلطة تشريعية، ومطلب ثالث حول الوظيفة الجديدة وهي تقييم السياسات العمومية، ثم تقوية دور البرلمان في تشكيل المحكمة الدستورية.

المطلب الأول: دسترة التداول الديمقراطي على السلطة على أساس نتائج انتخابات أعضاء مجلس النواب المباشرة

في سياق تفعيل هذا التداول، يستعرض الكتاب أبرز مستجدات الوثيقة الدستورية لسنة 2011، حيث تم الانتقال بوظيفة الأحزاب إلى التأطير والتكوين. وهي أول مرة يتم فيها التنصيص على الأحزاب منذ أول دستور، وبهذا التنصيص أصبحت الأحزاب السياسية تتميز عن باقي التنظيمات الأخرى، إذ أصبحت تعمل على إدماج المواطنين في الحياة السياسية وتدبير الشأن العام. كما يعد وضع قانون تنظيمي خاص بها، بعدما كانت تنظم بقانون عادي لا يخضع لرقابة القضاء الدستوري، من معالم الارتقاء بالأحزاب.

وفي نفس السياق، تطرق الكتاب إلى مسألة دسترة المعارضة كمستجد دستوري، وضمان حقوقها في المشاركة بعدما كانت مهمشة، وكان يُنظر إليها على أنها معارضة للنظام. وقد منحها الدستور الجديد مجموعة من الحقوق كحرية الرأي، والاستفادة من التمويل العمومي، وأصبحت تشارك في وظائف البرلمان، سواء في التشريع أو الرقابة أو التقييم، وضمن لها الفصل العاشر المساهمة في تجويد العمل البرلماني.

ومن بين المستجدات الأخرى، تم دسترة منع الترحال السياسي، باعتباره من الظواهر السلبية التي عانى منها البرلمان، حيث كان من حق النواب تغيير انتمائهم أثناء فترة الانتداب. وفي محاولة لمعالجة هذه الظاهرة، عمل المشرع من خلال الدستور وقانون الأحزاب السياسية، فجاء الفصل 61 ليقرر تجريد كل من تخلى عن انتمائه السياسي من صفة برلماني.

وعلى صعيد تشكيل الحكومة، نص الفصل 47 على تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر الانتخابات، ويعين الملك أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. كما مكن رئيس الحكومة من أن يطلب إعفاء الوزراء، إما بطلب منه أو بناء على استقالتهم، ونص أيضا على أن استقالة رئيس الحكومة تسقط الحكومة كاملة.

ولتكريس مبدأ الديمقراطية، نص الفصل 88 على أن الحكومة لا تعتبر منصبة إلا بعد حصولها على ثقة النواب، من خلال التصويت لصالح برنامجها بالأغلبية. ويشير المؤلف الى انه تم الانتقال من مؤسسة الوزير الأول إلى رئيس الحكومة الذي أصبح يتمتع بصلاحيات عديدة، منها حق حل مجلس النواب، وحق ترؤس المجلس الوزاري، وأصبح رئيس الحكومة فعليا رئيسا للسلطة التنفيذية.

المطلب الثاني: البرلمان من مجرد مؤسسة تمارس التشريع إلى سلطة تشريعية

بالإضافة إلى تقوية دوره السياسي، أحدث دستور 2011 تحولا في مكانة البرلمان، حيث عنون الباب الرابع باسم السلطة التشريعية، وخصص الباب السادس للعلاقة بين السلط. فوضع في الفرع الأول العلاقة بين الملك والسلطة التشريعية، وفي الفرع الثاني العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وهذا يخالف ما كانت عليه الدساتير السابقة التي كانت تسمي الباب الثالث بالبرلمان، وتفصل العلاقة بين الملك والحكومة والبرلمان بشكل مختلف.

كما أكد المؤلف على أن الانتقال من مؤسسة تمارس التشريع إلى سلطة تشريعية تم تكريسه في الفصل 70، حيث أصبحت ممارسة السلطة التشريعية اختصاصا شبه حصري للبرلمان، بعدما كان الملك يشارك في هذه السلطة، وأصبح البرلمان مصدرا أوليا للتشريع.

وفي مجال التشريع، تم إنصاف المبادرة البرلمانية وضمان برمجتها في الجلسة العامة، حيث نص الفصل 82 على أن البرلمان هو من يضع جدول أعماله، ويتضمن هذا الجدول مشاريع القوانين ومقترحات القوانين، بالأسبقية ووفق الترتيب الذي تحدده الحكومة.

ولإعادة التوازن، أعاد المشرع التوازن بين البرلمان والحكومة في المسطرة التشريعية. بعدما كانت الحكومة تملك حق طلب التصويت الإجمالي على أي نص، مما كان يفرض على البرلمان القبول الكلي أو الرفض، لكن الفصل 83 منح البرلمان حق الاعتراض، وأعاد جزءا من التوازن بين السلطتين.

وبخصوص مناقشة مشروع قانون المالية، أصبح البرلمان مسؤولا مع الحكومة على توازن الميزانية. وبعد أن كانت الحكومة ترفض التعديلات دون تبرير، جاء دستور 2011 ليُلزمها بتقديم الأسباب التي دفعتها إلى الرفض.

ومن المؤشرات الأخرى على أن البرلمان أصبح سلطة، هو تعزيز مكانة القانون، ومنح البرلمان صلاحيات تشريعية في مراجعة الدستور، حيث يمكنه اتخاذ المبادرة بالتصويت بالثلثين داخل المجلسين، ثم عرض المشروع على الشعب. كما يمكنه المصادقة النهائية على مشروع مراجعة الدستور الذي يتخذ بمبادرة من الملك، بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية، ويعرض بظهير على البرلمان.

المطلب الثالث: إعطاء البرلمان دورا أكبر في رسم السياسات العمومية

بالإضافة إلى ما سبق، واستجابة لمذكرات الأحزاب، تم الرفع من وظائف البرلمان بإضافة وظيفة جديدة، وهي تقييم السياسات العمومية، إلى جانب التشريع والرقابة، وتم التنصيص عليها في الفصل 70، على غرار ما جاء في دستور فرنسا لسنة 2008. ولتفعيل هذه الوظيفة، تم اعتماد آليات دستورية، مثل الحصيلة المرحلية، والجلسة السنوية لتقييم السياسات العمومية (الفصل 101)، وطلب استماع اللجان البرلمانية لمسؤولي الإدارات (الفصل 102)، وعرض قانون التصفية لأول مرة في الدستور المغربي (الفصل 76)، وهو وسيلة لمراقبة تنفيذ الميزانية، بالإضافة إلى الجلسة الشهرية للأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة.

المطلب الرابع: تقوية دور البرلمان في تشكيل المحكمة الدستورية

ختاما لمظاهر التقوية، يشير المؤلف هنا إلى انتقال المجلس الدستوري إلى محكمة دستورية بموجب دستور 2011، وتتألف من اثني عشر عضوا. يعين الملك نصفهم، وينتخب البرلمان النصف الآخر، ثلاثة من مجلس النواب، وثلاثة من مجلس المستشارين، وهذا خلافا لما كان عليه الأمر سابقا، حيث كان التعيين يتم فقط حتى بالنسبة لأعضاء البرلمان.

ويلاحظ المؤلف أنه تم الجمع بين التعيين والانتخاب، ويمكن أن يكون رئيس المحكمة الدستورية من بين الأعضاء المنتخبين من البرلمان، وهو في نفس الوقت رئيس مجلس الوصاية، مما يعزز دور البرلمان في تشكيل هذه المؤسسة الدستورية.

المبحث الثاني: حول التخفيف من قيود العقلنة البرلمانية

تطرق صاحب الكتاب في هذا المبحث إلى تعريف العقلنة البرلمانية، مستندا إلى بوريس ميركن غوتزيفيتش، الذي اعتبرها مجموعة من الآليات الدستورية التي تهدف إلى ضمان استقرار السلطة التنفيذية، كما أشار إلى بعض الفقهاء الذين تناولوا مفهوم العقلنة البرلمانية ونظرتهم إليها، وظهرت هذه الفلسفة في الحكم مع الجمهورية الفرنسية الخامسة في عهد شارل ديغول.

وبالنسبة لحالة المغرب، فقد ولد البرلمان المغربي معقلنا منذ أول دستور سنة 1962، وكان أول برلمان سنة 1963، مما يدل على أن العقلنة البرلمانية كانت حاضرة منذ البداية. وفي هذا الإطار، تناول صاحب المؤلف مجموعة من المطالب التي تعكس مظاهر تخفيف بعض قيود العقلنة البرلمانية.

المطلب الأول: رفع مدة انعقاد الدورات العادية

من أبرز هذه المظاهر، يذكر المؤلف رفع مدة انعقاد الدورات العادية. ففي الدساتير السابقة لسنة 2011، أي دساتير 1962 و1970 و1972 و1992، كانت مدة انعقاد الدورات محددة في شهرين فقط، ثم جاء دستور 1996 ليزيد هذه المدة إلى ثلاثة أشهر. ومع دستور 2011، تم رفع مدة كل دورة إلى أربعة أشهر على الأقل، وهو ما يعكس رغبة في تعزيز الحضور البرلماني وتوسيع زمن الاشتغال التشريعي.

المطلب الثاني: تخفيض نصاب طلب البرلمان في عقد دوراته الاستثنائية

كما عولج نصاب طلب عقد الدورات الاستثنائية بالتخفيض. ففي دستور 1962، كان مجلس النواب وحده يملك حق طلب عقد دورة استثنائية، وكان النصاب المطلوب هو ثلث أعضاء المجلس، أما في الدساتير التي اعتمدت نظام الغرفة الواحدة حتى دستور 1992، فقد تم تحديد النصاب في الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب. ومع دستور 1996، وبعد العودة إلى نظام الغرفتين، تم الحفاظ على نفس النصاب، أي الأغلبية المطلقة لأحد المجلسين، لكن دستور 2011 جاء بتعديل جديد، حيث حدد النصاب في ثلث أعضاء مجلس النواب، أما بالنسبة لمجلس المستشارين فبقي النصاب هو الأغلبية المطلقة، مما يعكس نوعا من التيسير في تفعيل الدورات الاستثنائية.

المطلب الثالث: توسيع مجال القانون

يقصد بمجال القانون ذلك المجال الذي يختص فيه البرلمان بالتشريع، وهو مجال تقليدي ومحدد ضمن قوائم نص عليها الدستور. وقد سجل دستور 2011 طفرة نوعية في هذا الجانب، حيث انتقل عدد المجالات التي يحق للبرلمان التشريع فيها من تسعة في الدستور السابق إلى ثلاثين مجالا، كما نص على ذلك الفصل 71، بالإضافة إلى مواد أخرى.

ويؤكد المؤلف أن هذا التوسيع لا يقتصر فقط على القوانين العادية، بل يشمل أيضا القوانين التنظيمية، مما يعكس رغبة واضحة في تعزيز الدور التشريعي للبرلمان وتوسيع نطاق تدخله في السياسات العمومية.

المطلب الرابع: توسيع صلاحيات البرلمان في مجال المعاهدات

على صعيد الاختصاصات الدولية، كانت الموافقة على المعاهدات بقانون في الدساتير السابقة تقتصر فقط على تلك التي تكلف ميزانية الدولة، لكن الفصل 55 من دستور 2011 وسع هذا المجال ليشمل:

 * معاهدات السلم أو الاتحاد، أو التي تهم رسم الحدود

 * معاهدات التجارة

 * المعاهدات التي يستلزم تطبيقها اتخاذ تدابير تشريعية

 * المعاهدات التي تتعلق بحقوق وحريات المواطنات والمواطنين العامة أو الخاصة

 * المعاهدات الأخرى التي يختار الملك أن يعرضها على البرلمان قبل المصادقة عليها

وبهذا التوسيع، أصبح للبرلمان دور أكبر في مراقبة الاتفاقيات الدولية، كما يمكن للملك أن يعرض أي اتفاقية أو معاهدة أخرى على البرلمان قبل المصادقة عليها، وقد تم حصر عدد المعاهدات التي يوافق عليها البرلمان بقانون في ستة أنواع.

المطلب الخامس: التخفيض من نصاب توقيع ملتمس الرقابة

يعتبر ملتمس الرقابة آلية رقابية مهمة، تمر بعدة مراحل، وتؤدي إلى نتيجة حاسمة وهي إسقاط الحكومة، وهي من الوسائل التي تثير المسؤولية السياسية للحكومة أمام البرلمان. ونظرا لخطورة هذه الآلية، فقد نص أول دستور على أن يكون نصاب التوقيع عليها هو العشر، وتم تفعيلها في نفس الولاية لإسقاط حكومة باحنيني، لكن سرعان ما ساءت الأوضاع وتم الإعلان عن حالة الاستثناء، مما دفع إلى مراجعة دستورية رفعت النصاب من العشر إلى الربع، وهو نصاب كرسته جميع الدساتير اللاحقة. أما دستور 2011، فقد خفض النصاب إلى الخمس، ولا يقبل الملتمس إلا إذا وقعه خمس أعضاء مجلس النواب، أي 79 نائبا، وهي آلية يتمتع بها مجلس النواب فقط حسب هذا الدستور.

المطلب السادس: تخفيض النصاب الواجب لملتمس المساءلة

ملتمس المساءلة هو آلية رقابية يتمتع بها مجلس المستشارين، وهي آلية لا تنتج أي آثار سياسية مباشرة، وكان يسمى سابقا بملتمس توجيه تنبيه. وقد تم تخفيض النصاب المطلوب لتقديم هذا الملتمس من الثلث إلى الخمس، حسب ما نص عليه الفصل 106.

المطلب السابع: تخفيض نصاب تشكيل لجان تقصي الحقائق

لم يتم دسترة لجان تقصي الحقائق إلا مع دستور 1992، الذي نص على أن تشكيلها يكون بمبادرة ملكية أو بطلب من أعضاء مجلس النواب، وكان النصاب المطلوب هو أغلبية الأعضاء، وهو ما كرسه دستور 1996 بعد العودة إلى نظام الغرفتين، حيث أكد على نفس النصاب، مع منح المبادرة للمجلسين معا.

أما دستور 2011، فقد منح المبادرة للملك، وللثلث من أعضاء مجلس النواب، والثلث من أعضاء مجلس المستشارين، وهي أيضا آلية لا تنتج مسؤولية سياسية، لكنها تساهم في كشف الحقائق وتعزيز الرقابة البرلمانية.

المطلب الثامن والتاسع: توسيع مجال المراقبة الدستورية القبلية الاختيارية وتخفيض نصاب ممارستها

يستعرض المؤلف في مطلب مزدوج، توسيع مجال الرقابة الدستورية القبلية الاختيارية ليشمل، إلى جانب القوانين العادية، المعاهدات الدولية التي وافق عليها البرلمان. كما تم تخفيض نصاب الإحالة الاختيارية للقوانين العادية من طرف النواب من الربع إلى الخمس، مما يسهل تفعيل هذه الرقابة ويجعلها أكثر واقعية.

المطلب العاشر: فتح المجال أمام اللجان لعقد اجتماعات علنية

أخيرا، ضمن الفصل 68 من دستور 2011 أن النظام الداخلي هو من يحدد الحالات التي تعقد فيها الاجتماعات بشكل علني، وهو ما يعتبر خطوة نحو تعزيز الشفافية داخل المؤسسة التشريعية. بالإضافة إلى ذلك، تم دسترة الاجتماعات التي تعقد فيها غرفتا البرلمان مجتمعتين، والخاضعة للنظام الداخلي، حيث تكون رئاسة الجلسة من اختصاص رئيس مجلس النواب، مما يعكس نوعا من التنظيم الداخلي والتوازن بين الغرفتين.

المبحث الثالث: مقومات النظام الجديد للثنائية البرلمانية

تناول هذا المبحث تطور الثنائية البرلمانية في المغرب، منذ تبنيها في دستور 1962، ثم توقفها بعد حالة الاستثناء، إلى أن عادت في دستور 1996 مع إحداث مجلس المستشارين. وقد اعتبر الملك الحسن الثاني هذه الغرفة تقريرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وفي هذا الإطار، قسم المؤلف هذا المبحث إلى خمسة مطالب، أبرز فيها التفاوت بين مجلس النواب ومجلس المستشارين في عدة جوانب، يمكن إجمالها فيما يلي:

* على مستوى تعيين وتنصيب الحكومة: يتمتع مجلس النواب بالاختصاص الحصري، سواء في تعيين رئيس الحكومة بناء على نتائج انتخابه، أو في منح الثقة للحكومة، أو في تفعيل ملتمس الرقابة، بينما يقتصر دور مجلس المستشارين على ملتمس المساءلة دون أثر سياسي.

* في العمل التشريعي: رجح المشرع كفة مجلس النواب، حيث تودع مشاريع القوانين لديه، باستثناء بعض المجالات الترابية والاجتماعية، كما يتمتع بحق التصويت النهائي في حالة الاختلاف بين المجلسين.

* على مستوى الأنصبة: تم اعتماد منهج التيسير مع النواب، والتشديد مع المستشارين، سواء في طلب الدورات الاستثنائية، أو الإحالة الاختيارية للقوانين والمعاهدات، أو تقديم الحصيلة المرحلية.

* في مسألة حل أحد المجلسين: تعتبر الأغلبية في مجلس النواب هي المرجع، كما أن المعارضة فيه تحظى بالأولوية، حسب الفصل 10، مما يعكس مكانة النواب في الحياة البرلمانية.

* على مستوى عدد الأعضاء والولاية: يتميز مجلس النواب بعدد أكبر وولاية مغلقة، كما أن رئاسة الجلسات المشتركة تمنح له، مما يعزز تفوقه المؤسسي على مجلس المستشارين.

الخاتمة                 

في ختام كتابه، عبر رشيد المدور عن تفاؤل بخصوص التطور الذي عرفه البرلمان المغربي في ضوء دستور 2011، مشيرا الى ان المؤسسة التشريعية استفادت من اختصاصات واسعة، سواء في وظائفها التقليدية او الحديثة، وان هذه الوظائف تم تدعيمها دستوريا بشكل يعكس ارادة اصلاحية واضحة. غير ان المؤلف نفسه نبه الى ان النص الدستوري، مهما بلغت دقته، لا يكفي لضمان النجاعة، بل يتطلب ارادة سياسية ومهنية مؤهلة داخل المؤسسة البرلمانية.

وبذلك، ينجح المؤلف في إبراز الهوة القائمة بين النص الدستوري الطموح وواقع الممارسة البرلمانية، وهو ما يفتح الباب أمام الباحثين والمهتمين لدراسة الأسباب غير النصية (السياسية والثقافية وغيرها) التي ما تزال تعيق التفعيل الكامل لهذه المستجدات.

بيد ان الممارسة العملية للعمل البرلماني ، كما يظهر من خلال البحث والملاحظة، يكشف عن تحديات ملموسة على مستوى الممارسة، فالمبادرة التشريعية لا تزال تميل الى هيمنة المشاريع الحكومية، في مقابل ضعف المقترحات البرلمانية، مما يطرح سؤالا حول مدى استقلالية المؤسسة التشريعية في اداء وظيفتها ،كما ان الرقابة البرلمانية، رغم تنوع ادواتها، لا تفعل بالشكل الكافي، اذ يغيب استعمال بعض الاليات المهمة مثل ملتمسات الرقابة واللجان البرلمانية لتقصي الحقائق، في حين يكتفى غالبا باداة واحدة لا تحقق الاثر السياسي المطلوب.

اما التقييم البرلماني، باعتباره مستجدا دستوريا، فلا يزال يفتقر الى تصور واضح، سواء من حيث التعريف او من حيث اليات التفعيل، وهو ما يحد من امكانياته في تحسين الاداء المؤسساتي.

وفي ظل هذا الواقع، يطرح سؤال جوهري نفسه. هل يمكن للسنوات القادمة ان تفرز جيلا جديدا من النخب البرلمانية القادرة على كسر القاعدة التقليدية، وتجاوز منطق التقييد المؤسساتي. فالقانون موجود، والدستور منح امكانيات مهمة لكن تفعيلها يظل رهينا بوجود نخب سياسية تمتلك الجرأة والكفاءة، وتضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.

لا يمكن انكار ان بعض هذه النخب موجودة فعلا، وتبدي استعدادا للتغيير، لكنها تصطدم احيانا بتركيبات حزبية مغلقة، وبثقافة تنظيمية تحد من المبادرة، وتكبل الفاعل البرلماني داخل منطق الولاء اكثر من منطق الفعالية. ومع ذلك، يبقى الامل قائما، والتفاؤل ممكنا، ما دمنا نؤمن بان الدستور ليس مجرد وثيقة، بل تعاقد سياسي واخلاقي، نضع انفسنا في صفه، ونسعى الى ترجمة روحه في الممارسة.

***

سفيان بامحمد - باحث في العلوم السياسية والقانون العام

قراءة في كتاب «الإنسان الرقمي والحضارة القادمة» لدانيال كوهين

مدخل: من ثورة الآلة إلى ثورة الخوارزم

- يكتب دانيال كوهين وكأنه يلتقط نبض حضارةٍ تغيّر جلدها: من الصناعة الثقيلة إلى الخفّة الرقميّة؛ من الآلة الصاخبة إلى الخوارزم الصامت. الجديد هنا ليس أداة الإنتاج فحسب، بل صورة الإنسان نفسه: كيف يتعرّف إلى ذاته، وكيف تُعاد صياغة رغباته وعلاقاته ومعرفته بالعالم. لهذا، نقد الذكاء الاصطناعي عند كوهين ليس «تقنياً» ضيّقاً؛ إنّه نقدٌ أنثروبولوجي–أخلاقي–اقتصادي لبراديغم كامل يستبدل الفهم بالتنبّؤ، والتجربة بالبيانات، والمعنى بالإحصاء.

- الكتاب، بهذا المعنى، جرس إنذار حضاري: إذا كانت الثورة الصناعية قد صاغت الإنسان العامل–المواطن، فإن الثورة الرقميّة تَعد بصياغة «الإنسان العيّنة»؛ فرد يُقاس، يُتنبّأ بسلوكه، ويُوجَّه بخوارزميات لا تدّعي السياسة بل «الحياد العلمي». هنا تبدأ خطورة اللحظة: سلطة بلا سيادة، وضبطٌ بلا صراخ، وأدلجةٌ تقنعنا أنها ليست أيديولوجيا.

أولاً: أطروحة كوهين – الإنسان الرقمي بين منصةٍ وسوق

- يرى كوهين أن انتقال القيمة من عالم السلع إلى عالم الخدمات والبيانات أعاد تعريف العمل والملكيّة والفائض:

‌أ) العمل يتشظّى: مهام صغيرة، اقتصاد «جيغ»، عمل غير مدفوع الأجر يؤديه المستخدم وهو «يتصفّح».

‌ب) الملكيّة تتمركز: منصّات قليلة تملك البنية التحتيّة للمجال العام الرقمي (شبكات، سحابة، متاجر تطبيقات).

‌ج) الفائض يصبح خوارزميّاً: قيمة تُستخرج من أنماط سلوكيّة ضخمة، تُحوَّل إلى قوّة تنبّؤ وتسويق وتوجيه.

- في هذا الاقتصاد، لا تعود المنافسة الكلاسيكيّة كافية لتفسير التمكين؛ بل تأثيرات الشبكة، والاحتكار الطبيعي للهياكل المنصّاتيّة، وشبكات الملكيّة الفكريّة والبيانات. وهكذا يتولّد نوعٌ جديد من التفاوت: تفاوت الوصول إلى البنية التحتيّة المعلوماتيّة وإلى ملكيّة المصفوفات التي “تقرأ” المجتمع.

ثانياً: نقد الذكاء الاصطناعي – من العقل التفسيري إلى عقل التنبّؤ

- أذكى أبواب الكتاب وأكثرها استفزازاً هو كشفه التحوّل من «عقلٍ يفسّر» إلى «عقلٍ يتنبّأ». الذكاء الاصطناعي كما يشتغل اليوم لا «يفهم» العالم؛ إنّه يرصّ صوراً إحصائية عن العالم. هذا التحوّل يغيّر أخلاق المعرفة:

‌أ) المعنى يتراجع لمصلحة الدقة التنبؤية.

‌ب) الخبرة الحيّة تتراجع أمام البيانات الضخمة.

‌ج) الحُكم الأخلاقي يتوارى خلف «حياد» الخوارزم، الذي سرعان ما يتبيّن أنه مغمور بتحيّزات البيانات ومنطق السوق.

- كوهين لا يشيطن التقنية؛ إنّه يشيطن التسليم لها باعتبارها قدراً. الذكاء الاصطناعي، إذن، مرآةٌ لخياراتنا المؤسّسية: هل نريده أداة تمكينٍ عام، أم ذراعاً لريعٍ معلوماتي مركّز؟

ثالثاً: مقارنات ومقاربات – حوارٌ مع أدبيات «الرأسمالية الرقمية»

1. شوشانا زوبوف: «رأسمالية المراقبة»

- تلتقي أطروحة كوهين مع زوبوف في توصيف نوع الفائض الجديد: فائض سلوكي يُحوّل التجربة الإنسانية إلى مادة خام. زوبوف تذهب أبعد في تفكيك منطق الهيمنة:

‌أ) استخراج الخبرة الحياتية إلى بيانات،

‌ب) تحويلها إلى منتجاتٍ تنبؤية،

‌ج) بيعها كقوة ضبط في أسواقٍ جديدة للسلوك.

- كوهين يشاطرها التحذير، لكنه يضيف بُعداً اقتصادياً–كلّياً: أثر ذلك على العمل والتفاوت والنموذج المدني برمّته.

2. بيونغ-تشول هان: «مجتمع الأداء»

- هان يصف «الذات المنبسطة» التي أذابت الحدود بين العمل والذات: أنت مشروع دائم لتحسين نفسك. هنا يضيء كوهين نقطةً مكمّلة: الذات المنبسطة ليست فقط خطاباً ثقافياً؛ إنها ضرورة بنيوية لاقتصاد المنصّات الذي يحتاجك متصلاً دائماً، مُنتجاً للبيانات، متاحاً للتسليع 24/7.

3. إيفان إيليش: «أدوات للاعتماد المتبادل»

- إيليش سَبق الجميع بالسؤال الأخلاقي: متى تتحوّل الأداة إلى بنية تسلبنا القدرة؟ كوهين يثبت أن البنية الرقميّة بلغت هذا الحدّ: أدواتنا تصوغنا، لا العكس. الخوارزم ليس «اختياراً فردياً» محضاً؛ إنه بيئةٌ شاملة تتسلّل إلى التعليم، الصحة، العمل، السياسة.

4. يورغن هابرماس/فوكو (لمس سريع)

‌أ) عند هابرماس، يتآكل المجال العمومي حين تحتلّه أنظمة وظيفيّة (كالمال والإدارة). يضيف كوهين طبقةً ثالثة: الخوارزميات كمنطق وظيفي جديد يستعمر التواصل.

‌ب) فوكو يذكّرنا بـ السلطة الحيويّة والضبط اللطيف: هنا تبدو المنصات كأرقى تجسيدٍ للانضباط بلا عصا.

رابعاً: وهل يدقّ كوهين جرس إنذار للرأسمالية؟

- نعم؛ لكن الإنذار عنده ليس نبوءة سقوطٍ قريب، بل تحذير من «نجاحٍ مفرط» يمكن أن يختنق تحت وطأة ذاته. الرأسمالية، تاريخياً، لا تسقط من تلقاء نفسها؛ تتكيّف. الجديد أن تكيفها اليوم يمرّ عبر:

‌أ) تركّز غير مسبوق في السيطرة على البيانات والبنى السحابية.

‌ب) ريع معلوماتي يقتطع من كل تفاعل اجتماعي.

‌ج) تحلل عقود العمل وامتداد العمل إلى مجمل الحياة.

- جرس الإنذار إذن مزدوج:

1. اقتصادي–اجتماعي: انقسام جديد بين من يملك المنصّة ومن يعمل داخلها/عليها، بين من يكتب الخوارزم ومن تُكتب حياته به.

2. أخلاقي–سياسي: خطر تحويل السياسة إلى «إدارة سلوك»، والديمقراطية إلى «هندسة رضا».

خامساً: أين تذهب تنبؤات الماديّة التاريخيّة وفلاسفة الحتميّات؟

1. ماركس وما بعده: علاقات إنتاج البيانات

- لو قرأنا اللحظة بمنظار المادية التاريخية، سنجد:

‌أ) قوى الإنتاج قفزت إلى فضاء البيانات والخوارزميات،

‌ب) علاقات الإنتاج تعيد توزيع السيطرة: مالكو المنصّات/السحابة/الموديلات في كفّة، ومستخدمون–عمّال مشتّتون في أخرى.

‌ج) الطبقة العاملة» لا تختفي؛ تتبدّل: من عمّال المصنع إلى عمّال البيانات (مطوّرون، معلّمو بيانات، موسومون، سائقو منصّات، صانعو محتوى…)، ومن العمل المأجور إلى مزيجٍ من المأجور والمجّاني (الوقت/الاهتمام/التتبّع).

‌د) فائض القيمة الخوارزمي: ليس ما ينتجه العامل في الساعة فقط، بل ما ينتجه المجتمع ككلّ عبر مساراته اليوميّة حين تُستخرج إلى نماذج مربِحة. هنا تكتسب «الملكيّة الاجتماعية للمعرفة» معنىً مادياً جديداً: لمن تعود البيانات؟ ومن يقرّر استخدامها؟

2. غرامشي والهيمنة: من المصنع إلى الخوارزم

- هيمنة المنصّات ليست قسراً مباشراً؛ هي رضى مُهندس: واجهات لامعة، خدمات مجّانية، ولوجٌ إلى عالمٍ بلا احتكاك. الماديّة التاريخية الغرامشيّة تساعدنا في رؤية الحرب على الحسّ المشترك: من يعرّف «الطبيعي» في الحياة اليومية؟ اليوم، الخوارزم يقترح علينا ما نقرأ ونرى ونحبّ، ثم يقنعنا أن اقتراحه «اختيارنا».

3. حتميّات الاقتصاد/التقنية – هل هي قدَر؟

- فلاسفة الحتميّات قد يقولون: التقنية تُحدّد المجتمع (حتميّة تقنيّة)، أو الاقتصاد يحكم الباقي (حتميّة اقتصاديّة). كوهين يرفض السذاجة في الطرفين: صحيحٌ أن التقنية ليست محايدة، لكن المؤسّسة السياسيّة قادرة على توجيه مساراتها عبر اللوائح والملكيّة والمنفعة العامّة. وصحيحٌ أن الربح محرّكٌ مركزيّ، لكن المجال الأخلاقي والقانوني ليس أثاثاً زائداً؛ إنّه ما يقرّر إن كنا في «رأسماليّة رقابيّة» أو «اقتصاد معرفة ديمقراطي».

4. التنبؤ الماركسي بسقوط الرأسمالية… مؤجّل أم متحوّل؟

- الاختناق الداخلي الذي تَنبّأ به ماركس يتجلّى اليوم بصيغٍ جديدة: احتكارات منصّاتيّة، أزمات شرعيّة للديمقراطية، تفاوت صارخ. لكن الرأسماليّة، كما علّمتنا قراءاتها النقديّة اللاحقة، بارعة في الارتكاس: تُعمِّم الخسائر وتخصخص الأرباح، وتحوّل الأزمات إلى فرص تنظيمية لها. لذلك، السؤال الأجدر ليس: هل تسقط؟ بل: كيف نكبحها سياسيّاً وأخلاقيّاً كي لا تسقط بنا؟

سادساً: ما العمل؟ (مداخل سياساتية وأخلاقية عملية)

- إذا أخذنا تحذيرات كوهين بجدّية، تبدو بعض المداخل مطلوبةٌ الآن–الآن:

1. سيادة البيانات والحقّ فيها: اعتبار البيانات الشخصية موردًا ذا طبيعة مشتركة؛ تمكين الأفراد والمجتمعات من حقوق النفاذ، النقل، الحذف، والربح العادل من استثمارها.

2. شفافية النماذج وقابليّة التدقيق: إلزام المنصّات وآليّات اتخاذ القرار الخوارزمي بمعايير الشرح، التدقيق المستقل، وآثار المخاطر.

3. تنظيم الاحتكارات المنصّاتية: مكافحة الاندماجات المولّدة للهيمنة؛ فصل البنية التحتيّة عن الخدمات، ووضع معايير قابليّة التشغيل البيني (interoperability).

4. حقوق عمّال البيانات: نقابات رقمية، حدّ أدنى للأجور في أعمال التسميات/المحتوى، شفافية خوارزميّات التخصيص والتقييم.

5. دخل أساسي/ضريبة على الريع المعلوماتي: إعادة تدوير جزء من القيمة الخوارزمية إلى عموم المجتمع.

6. تعليم نقدي للذكاء الاصطناعي: من «التربية الإعلامية» إلى التربية الخوارزمية: كيف تعمل النماذج؟ أين تتحيّز؟ كيف نُفاوضها ولا نسلّم لها؟

7. حماية المجال العام الرقمي: توسيع دعم المنصّات المفتوحة، والبنى السحابية العمومية/الهجينة، وتشجيع بدائل لا–ربحية في قطاعات حسّاسة (تعليم، صحّة).

- هذه ليست وصفة مثاليّة؛ إنها درعٌ أخلاقي–مؤسّسي يسمح للتقنية أن تُثمر دون أن تلتهم المجتمع.

سابعاً: مساهمات الكتاب وحدوده

- قوّته: الجمع بين الاقتصاد الكلّي وقلق الفيلسوف الأخلاقي. كوهين يُمسك بالخيط الذي يربط «السوق» بـ«النفس»، ويذكّرنا أن معارك القرن الحادي والعشرين لن تكون فقط على الأجور والضرائب، بل على تعريف الإنسان نفسه.

- حدوده: ميلٌ إلى «صورة كلّية» قد تُفرط في التشاؤم الثقافي؛ الحاجة إلى تفصيل أكبر في سيناريوهات السياسة الصناعيّة للذكاء الاصطناعي خارج هيمنة المنصّات (مختبرات مفتوحة، نماذج مجتمعية، سياسات بيانات سياديّة في الجنوب العالمي).

خاتمة: أنسنةُ الذكاء… قبل «تذكيك» الإنسان

- أجل، كوهين يدقّ جرس الإنذار للرأسمالية المنصّاتية—لكن ليس كي نجزع، بل كي ننظّم. والماديّة التاريخية، التي طالما بدت للبعض «حتميّةً» صمّاء، تستعيد هنا أفضل ما فيها: قدرةٌ على تسمية علاقات الإنتاج الجديدة (البيانات/الخوارزميات) ودعوةٌ لتغييرها سياسيّاً.

- الذكاء الاصطناعي ليس نبوءة نهاية؛ هو اختبار لقدرتنا على صوغ عقد اجتماعي جديد:

‌أ) يَعتبر المعرفة والبيانات ثروةً مشتركة لا غنيمة احتكار،

‌ب) يضمن ألا يتحوّل «الإنسان الرقمي» إلى ظلٍّ خوارزمي لذاته،

‌ج) ويصون أن يكون المعنى فوق المعادلة، والحرّية فوق التنبّؤ.

- في النهاية، ليست المسألة: «هل سنُهزَم أمام الخوارزميات؟» بل: هل نملك الخيال المؤسّسي والأخلاقي لنجعلها تعمل لصالح الإنسان؟

هذا هو رهان كوهين الحقيقي. وهذا هو الواجب الذي يضعه بين أيدينا: أن نُنسّن الذكاء قبل أن نُحوِّل الإنسان إلى «ذكاءٍ» بلا قلب.

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

باحث في مجال حقوق الإنسان

من خلال كتابه أزمة المستقبل الإسلامي "البحث عن المخرج"

رسالة وجهها مهنا الحبيل إلى الإسلاميين ليطوروا فكرتهم في الدولة الحديثة وأن يضعوا أرضية فكر وعمل لتحقيق الشراكة المجتمعية، أي تأسيس أممية إسلامية؟، يرحل بنا مهنا الحبيل في كتابه لنعيش معركة المفاهيم والمصطلحات، ونجده يوظف الكلمات والمعاني توظيفا علميا رغم اختلاف الباحثين في التعامل مع المفاهيم وتعريفها وهذا لاختلاف التوجهات الفكرية، فما يراه الإسلامي يختلف عن ما يراه العلماني، لأن الصراع فكري طائفي، في كتابه يتساءل مهنا الحبيل إن أمكن لثورات الربيع العربي العودة من جديد؟ لا شك أنها عادت بعد السابع من أكتوبر 2023 فيما يسمّى بطوفان الأقصى وهو طوفان حركة مشاعر الجماهير حتى التي على غير دين الإسلام

انطلاقا من ثلاثيته: (فكر السيرة، التنوير وزمن اليقظة) يقدم الناقد مهنا الحبيل مقاربات فكرية جريئة من أجل الكشف عن المسكوت عنه والمقبور من قضابا الأمّة معلنا بقناعته بما يطرحه من أفكار ونقاشات لعله يعيد للحضارة الإسلامية بريقها التي فقدته وهي تفتح نوافذها على العصر الحاضر تغيّر فيه الخطاب الديني الوعظي وسؤال النهضة المجهضة اليوم كما يقول هو، مرورا بوائل حلاق وإدوارد سعيد والمسيري وفرانز فانون خاصة وهؤلاء قدموا مقاربات لأزمات ومشكلات يعيشها الإنسان الحديث، وقد اتخذ مهنا الحبيل ثورات الربيع العربي منطلقا لدراسته ليجدد النقاش عن سؤال الدولة الحديثة ذات المرجعية الإسلامية، هذا السؤال الذي شغل بال كثير من المفكرين وفي مقدمتهم المفكر الإسلامي شكيب أرسلان في سؤاله لماذا تأخر العرب وتقدم الغرب؟، ليمر بعدها إلى المفكر الجزائري مالك بن نبي.

وقبل التطرق إلى القراءة التي اجراها الحبيل عن مالك بن نبي، يتساءل مهنا الحبيل في الباب الأول من كتابه إن كانت ثورات الربيع العربي أن تعود من جديد؟ لا شك أنها عادت بعد السابع من أكتوبر 2023 فيما يسمّى بطوفان الأقصى، هذا الطوفان الذي انشرت نيرانه في الساحات العالمية وفي دول مثل باكستان، وإيران وسوريا، ذلك من خلال الفواتير التي دفعتها الشعوب العربية والانقسام الطائفي الذي تعيشه اليمن والخسارة التي لحقت بالمعارضة الإسلامية في مصر (الإخوان المسلمين) والحروب الأهلية التي عاشتها تونس وليبيا، إلا أنه يلاحظ أن الناقد مهنا الحبيل وهو يؤرخ للثورات العربية ويوثق أحداثها استثنى الجزائر التي عاشت عشرية سوداء وحراكها الشعبي في فبراير 2019، ويلاحظ أن مهنا الحبيل يأخذ بالنموذج الفرنسي الذي أسقط الملكية وهيمنة الكنيسة، حيث يرجع الباحث مهنا الحبيل تاريخ الأزمة الفكري إلى تاريخ الحكم الإسلامي الذي أدخل الإسلاميين في صراع من أجل قضية التوريث وطريقة الحكم وإخضاعه إلى الشريعة الإسلامية لا بالقوانين الوضعية.

الحبيل ومعركة المفاهيم

يرى مهنا الحبيل أن الإشكالية لا تتعلق بالمصطلح أو المفهوم بل في التأهيل الاجتماعي للوصول إلى العدالة السياسية وتنظيم الرقابة على الحاكم، ومن خلال قراءتنا لكتابه بعنوان" أزمة المستقبل الإسلامي (أرسله إلينا بصيغة PDF)، يبدو أن مهنا الحبيل انتهج منهج الشيخ النورسي الذي تحدث في رسائله عن "المشروطية" (أي البرلمان) الذي له حق الرقابة على الحكومة، حيث يرسم الحبيل صورة الخلافة أيام عمر الفاروق وهي كما تسمّى بالحكومة الراشدة، قبل أن تُغَيَّبَ بسبب التراكمات التي وقعت في الساحة السياسية في موقع السقيفة، كما يربط مهنا الحبيل واقع التشريع الإسلامي بمدرسة الحداثة التي يطالب دعاتها بتطليق الماضي، معتمدا في ذلك برأي وائل حلاق في الدولة المستحيلة، والسؤال: ماذا يراد الحبيل بالدولة المستحيلة؟ فهل يريد الحديث عن الدولة الإسلامية أم الدولة الأممية التي نادى بها حزب التحرير أو القاعدة؟ أم أن الحبيل يريد بالدولة المستحيلة تيار إسلامي جديد؟ يتمثل في شخصية "المهدي المنتظر"، فلكل تيار إسلامي إيديولوجيتة، هي رسالة وجهها مهنا الحبيل إلى الإسلاميين ليطوروا فكرتهم في الدولة الحديثة وأن يضعوا أرضية فكر وعمل لتحقيق الشراكة المجتمعية أي تأسيس أممية إسلامية؟ وهذا يعني أن يتخلى الإسلاميون عن مشروعهم الإسلامي.

 والسؤال: ما هو المصطلح أو المفهوم الذي يناسب التيار الإسلامي في العالم الإسلامي في بناء المستقبل الإسلامي؟ فنحن دوما نصطدم أمام المفاهيم والمصطلحات مثلما أشار إليه الباحث في الصفحة 24 عندما وضع عنوانا فرعيا بصيغة سؤال: قضية مصطلح أو مفهوم؟ وكما جاء في الفقرة الأولى من نفس الصفحة وحديثه عن الديمقراطية يقول أن الثوب الديمقراطي متعددٌ، فالديمقراطية في المفهوم الغربي تختلف عن الديمقراطية في المنظور الإسلامي، يلاحظ أن مهنا الحبيل يتلاعب بالكلمات والألفاظ وبطريقة احترافية جدا وهذه عادة الباحث المتمكن من اللغة العربية، محاولا التأكيد أن القضية ليست في المصطلح، حيث نجده يفرق بين الدولة القطرية والدولة الأممية ونجده في الصفحة 27 يذكر مفاهيم عديدة للدولة (الدولة الفدرالية في الفقه الإسلامي، دون أن يستثني الدولة المدنية في أفق الشريعة رغم أن جذور الدولة المدنية علمانية، وهذه الأخيرة ( العلمانية) تحتاج إلى تفكيك، لأن الدولة العلمانية لها نزعة "وجودية" وهنا يدخل عنصر " الإلحاد"، الذي طبقته شيوعية ماوتسي في الصين وستالين في الإتحاد السوفياتي، والإسلام والعلمانية خطان لا يلتقيان في نقطة واحدة وما ظهور الحركات الإسلامية إلا لمواجهة الأنظمة العلمانية القائمة على النزعة المادية.

فالدين هو العدوّ الأوّل للماديين من البراغماتيين والوجوديين، إذ يرون أن الدين ما هو إلا اختراع وهو مجرد نظريات بدائية من الطبيعة والإله عندهم خرافة، وبالتالي فقد تمثلت دعوتهم في القضاء على كل المرجعيات الدينية التي تقف ضد أيّ تطور وتقدّم ( ومنهم سارتر)، ويذهب الدكتور مهنا الحبيل إلى هيكل الدولة المعاصرة كدولة منفصلة في إطار الدولة الكونفدرالية أمام ما تشهده هذه الدول من تمزق، وهذا يعني أن الأممية الإسلامية وحدها القادرة على أن تحفظ أمن وسلامة المسلمين من المعتدين عن طريق عقد "ميثاق"، أو جمعها في مرجعية واحدة، وهذا صعبٌ لأننا نقرأ عن إسلام الوهابية ( السعودية) وإسلام الشيعة (إيران) وإسلام الإخوان المسلمين في مصر ( السنّة) وإسلام الجزائر الذي لم نعثر على صفة له ولا اسم، إن كان إسلام محمد عبد الوهاب؟ أم إسلام ابن تيمية؟ أو إسلام محمد عبده؟، أو إسلام الشيخ محمد الغزالي؟ أو إسلام الشيخ فركوس؟، وأصبحنا نقرأ عن "إسلامات" وليس إسلام واحد كدين وعقيدة، فنقرأ عن الإسلام الحضاري ( الحداثي) والإسلام الوراثي (التقليدي/الأصولي)، كان على الحبيل أن يبسط فكرته أو وجهة نظره من "المسألة الدينية" التي تطرق إليها كثير من المفكرين ومنهم مالك بن نبي، خاصة وأن الباحث تطرق في الصفحة 38 للحديث عن الطوائف الدينية والمذهبية، في هذه الصفحة يطرح مهنا الحبيل سؤالا: ماذا عن القناعات الشخصية في الحياة العلمانية؟ ويضيف أنه صعبٌ الإجابة على هذا السؤال، لأننا سوف نصطدم مع حالة الحكم الإسلامي أيام الحسن بن علي بن ابي طالب ومعاوية.

سبب انهيار العالم الإسلامي يرجع إلى لاعقلانية الدين الإسلامي

هذا ما تعلق بالباب الأوّل، أما الباب الثاني ينتقل مهنا الحبيل إلى مواقف العلماء المسلمين والجدل القائم بينهم حول كثير من القضايا، مقدما الغزالي وابن رشد نموذجا في المسائل المتعلقة بالتصوّف وما يرافقها من طقوس وقِدَم العالَم وتناسخ الأرواح، وكانت النتيجة أن الاثنان ( الغزالي وابن رشد) اتفقا على أن الخوض في هذه المسألة كمن دخل دهليزا شديد الظلمة ولن يستطيع الخروج منه، كما شمل الباب الثاني الحديث عن آراء فلاسفة أخرين ومنهم الفيلسوف طه عبد الرحمان ورؤيته للأخلاق في جانبها الفلسفي، إذ يشير بالقول أن سبب انهيار العالم الإسلامي أو الحضارة الإسلامية يرجع إلى لاعقلانية الدين الإسلامي ولا " تسامحيته"، يقارن الحبيل هنا بين النص القرآني والنص الإنجيلي الذي تعرض للتحريف، موضحا موقف اليمين المتطرف من النص القرآني، ليشير أن هناك رسالة فكرية معطلة في إعادة بعث الفكرة الإسلامية في منابر ومنصات وإيصالها للنخبة والجمهور معًا ومنها يتلقى اليمين الضربة، وهنا نلاحظ أن مهنا الحبيل يُرْجِعُ الفراغ الكبير الذي يعاني منه العالم الإسلامي والمسلمين إلى "الظاهرة القرآنية"، بوصفها خطابا روحانيا وعقلانيا، وهي تحتاج إلى منصات يجب الوصول إليها والسعي لتحقيقها، وإن كانت الأمة الإسلامية لا تملك المنابر، فوجب نقلها إلى مسار الحوار الأكاديمي بين الشرق والغرب، نقف مع الحبيل في هذه النقطة، لأن حوارنا الديني هشٌّ وضعيفٌ ويفتقد أحيانا إلى المصداقية بسبب الغلوّ والتشدد.

ملحمة غزة هل هي صراع حضاري..؟

ليس من السهل الإشارة إلى كل ما جاء في كتاب الحبيل، ولذا ارتكزت القراءة على جملة من الأفكار الهامة التي تتزامن مع ما يحدث في الساحة العربية لاسيما الحصار الذي يعانيه الغزاويون، والذي وصفه هو بـ: " الملحمة"، حيث نقرأ في الفصل الرابع موقف الحبيل من الحصار، حيث اختار له عنوانا يجلب انتباه القارئ العربي " ملحمة غزة في صراع الحضارات"، وهذا من باب التوثيق لهذه الأحداث طارحا بذلك السؤال التالي: هل ما يحدث هو صراع حضارات؟، لقد شكلت ملحمة غزة لحظة مواجهة للتاريخ الحداثي الذي أطبق على العالم، في الواقع ( مجرد وجهة نظر) لم يعد السؤال عن صراع الحضارات أو صراع الأديان أو صراع الثقافات، ولم يعد السؤال عن ما بعد الموحدين الذي طرحه مالك بن نبي في كتاباته وفي أطروحاته الفكرية، ولم يعد السؤال كذلك حول ما بعد الحداثة الذي طرحه الحداثيون أنفسهم، بل يحق لنا أن نطرح سؤال عن ما بعد الإنسانية وفشل الفكر الإسلامي في أنسنة الإنسان، في ظل الذكاء الصناعي وظهور الإنسان الآلي ( الروبوت)، فقد وقف الإنسان البشري أمام هذا الإنسان الآلي العملاق تائها مذهولا وفي حالة دهشة وحيرة وتعجب شديد، حيث تحوّل من سيّد إلى عبد لآلة هو صانعها، وهذا يعني سقوط "النهضة" أو انتحار الحضارة الإنسانية إن صحّ التعبير.

 فخروج الأمة العربية والإسلامية من المستويات الدامية (العنف والتطرف) إلى الصراع السياسي التدافعي مرهون بخلق بيئة نهضوية بعد أن تتقدم فكريا، وقد اهتم الدكتور مهنا الحبيل في المسألة النهضوية برؤية مالك بن نبي لكثير من المشكلات وهو يعالج المشكلة الحضارية وظاهرة التخلف وشروط النهضة، نقرأ ذلك عندما تطرق مهنا الحبيل إلى مذكرات مالك بن نبي وسؤاله المثير: هل اغتيل مالك بن نبي؟ طبعا لا أحد يعلم إن كان مالك بن نبي اغتيل حقا أم موته كان طبيعيا؟، ولكنني أرى أن تعبير مهنا الحبيل كان مجازيا، فمالك بن نبي كان يعيش الموت البطيء وقد قال عن نفسه في مذكراته أنه كان منبوذا وهو ما نسميه بـ: "الاغتيال المعنوي"، فمالك بن نبي عاش ظروفا قاسية جدا أولها الاستعمار الفرنسي، ووفاة أمه، ثم البيئة الفكرية التي عاش فيها بن نبي في باريس واشتباكه الفكري مع المفكر الفرنكفوني ماسينيون، وقد شهد شاهد من خارج الجزائر بأن مالك بن نبي كان محاصرا حصارا علميا وظيفيا، وفي هذا يحيل مهنا الحبيل القارئ العربي إلى إعادة قراءة فكر مالك بن نبي وشروط تأسيسه نهضة شاملة، وهذا النهوض لا يتحقق إلا بمحاربة التصوف الوثني والتجاذبات بين السلفية والصوفية التي دأبت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقيادة ابن باديس على محاربتها، نقف مع الطرح الذي قدمه الحبيل، إلا أننا نختلف معه في ما جاء في الصفحة 160 ( الفقرة الثانية وكأن المؤلف يب ريد إحداث شقاق بين جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ورجال المقاومات الشعبية ( الأمير عبد القادر والشيخ السنوسي..) وهذا قد يشعل الحرب بين الجزائر وليبيا كون هؤلاء لهم قدم راسخة في التصوف، كما نراه يقيم الشيخ النورسي في أفكار مالك بن نبي ( الصفحة 164) الفقرة الأولى بأن مالك بن نبي كان يسترسل في نقد العلماء بحجة أنهم يمثلون المدرسة الزيتونية والأزهرية ووصفهم بالعجزة، فمعظم العلماء الجزائريين تخرجوا من الزيتونة، كما أن بن نبي لم نقرأ أنه كان له مشروع وهابي بالمعنى الدقيق، فقد تناوله بن نبي بالنقد وكان له موقف من قضية " السبلة".

***

قراءة وتعليق: علجية عيش

قراءة مقارنة في ضوء كتاب إحسان نراغي "من بلاط الشاه إلى سجون الثورة"

يمر العراق اليوم بأزمة سياسية خانقة تمثل حصيلة مباشرة لتراكمات اثنين وعشرين عاما من سوء إدارة الحكم وتغول الأحزاب السياسية في بنية الدولة والمجتمع. لقد أفضت تلك الحقبة إلى انهيار شبه شامل في مستويات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بحيث غدا المواطن العراقي يشعر بالاغتراب عن دولته، تماما كما شعر المواطن الإيراني في أواخر سبعينيات القرن العشرين قبيل اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979.

وفي هذا السياق، تكتسب شهادة المفكر الإيراني إحسان نراغي في كتابه "من بلاط الشاه إلى سجون الثورة" (ترجمة ماري طوق) أهمية استثنائية، لأنها توثق من داخل النظام نفسه مظاهر العطب الذي أصاب السلطة البهلوية قبيل سقوطها. ففي حواره الشهير مع الشاه (محمد رضا بهلوي) في يوم الاثنين 22 أيلول 1978الساعة الثالثة والنصف، يقدم نراغي تشخيصا دقيقا لأسباب الانهيار، يمكن قراءته اليوم كمرآة تعكس ملامح المأزق العراقي الراهن.

يقول نراغي للشاه إن الطبقة السياسية في إيران "غير قادرة على مواجهة الأحداث الراهنة، لأنها فقدت ثقة المجتمع وصارت تعيش في دائرة مغلقة من الامتيازات والترف".

من خلال ماقاله نراغي فأن هذا الوصف ينطبق بدرجة لافتة على الحالة العراقية بعد عام 2003، إذ تحولت الأحزاب الحاكمة (شيعية، سنية، كردية) إلى طبقة مغلقة تتقاسم الموارد والمناصب دون امتلاك كفاءة إدارة الدولة أو الحس الوطني وانا برغبات خارجية(غربية وشرقية). فبدل أن تكون النخبة السياسية مرآة لتطلعات الشعب، أصبحت عبئاً عليه، مما أفرز حالة من الانفصال بين السلطة والقاعدة الاجتماعية هي في جوهرها أزمة شرعية، وليست مجرد أزمة أداء إداري.

وفي موقف أخر يشير نراغي إلى أن المجتمع الإيراني، عندما "يخترق الدين الحياة السياسية"، يتوقع من قادته أن يكونوا مثالاً في التقوى والتقشف والنزاهة، وأن "يتجنبوا مظاهر الترف والأبهة". فالبعد الأخلاقي في القيادة هو ما يكسب السلطة شرعيتها الرمزية.

لكن الشاه، كما يظهر في رده، لم يفهم أن البساطة ليست تمثيلاً للفقر بل أسلوب حكم يعبر عن القرب من الناس.

وفي العراق اليوم، تعاني السلطة من أزمة مشابهة؛ فغياب الصفوة الأخلاقية لدى القادة السياسيين وتضخم الامتيازات وتراكم الثروات غير المشروعة التي سنت بقوانين بعد عام 2003 كلها أضعفت الثقة العامة وأفقدت النظام السياسي شرعيته الأخلاقية، وهي الشرعية الأشد رسوخا في المجتمعات الدينية المحافظة والمجتمعات الشرقية.

كذلك حذر نراغي الشاه قائلاً: "إن بلادنا تتجه إلى ما يشبه الانفجار الثوري... التفاوت الاقتصادي والثقافي الهائل بين سكان المناطق الشمالية وبين جماهير أحياء جنوبي طهران يصب الزيت فوق نار الثورة ".

وهذا التحليل الذي ادلى به نراغي للشاه يكاد ينطبق بحذافيره على الواقع العراقي المعاصر، حيث تشهد البلاد تفاوتاً طبقياً واجتماعياً صارخاً بين النخب السياسية والاقتصادية في العاصمة والمراكز، وبين الطبقات الفقيرة في المحافظات والأرياف وبالخصوص في المناطق الشيعية .

إن غياب العدالة الاجتماعية والخدمات الأساسية، واستشراء البطالة والفساد، يغذي مشاعر الاحتقان ويخلق أرضية خصبة لأي انفجار اجتماعي أو حراك ثوري قادم وبالخصوص ما حصل بالعراق ابان سيطرة داعش واستغلال الأوضاع في الحافظات الغربية في العراق عام 2014، وما حدث في ثورة تشرين 2019 وثورة عاشوراء في بغداد والمحافظات الجنوبية عام 2022 .

أن من أبرز ما يكشفه حوار نراغي مع الشاه هو عجز القيادة عن إدراك اللحظة التاريخية، إذ قابل الشاه نصائح نراغي بنوع من الإنكار والاستعلاء، متمسكا بالرموز الشكلية للسلطة غير مدرك أن شرعيته تتآكل من الداخل.

وهذا الإنكار للواقع هو ما نراه اليوم في العراق، حيث تصر القوى السياسية على إنكار الفشل والفساد والانقسام، وتتعامل مع الأزمات بوصفها مؤامرات خارجية لا بوصفها نتائج طبيعية لخلل بنيوي في النظام السياسي. ومن ثم تغلق كل فرص الإصلاح الحقيقي، كما فعل النظام البهلوي قبل سقوطه.

إن قراءة تجربة نراغي مع الشاه لا تقتصر على التاريخ الإيراني فحسب، بل تمثل تحذيراً للنخب الحاكمة في كل زمان ومكان. فالتاريخ لا يعيد نفسه بصورة حرفية، لكنه يعيد إنتاج أزماته في ظروف مشابهة.

وما يمر به العراق اليوم هو في جوهره مأزق شرعية أكثر منه أزمة حكومة. فالشرعية تبنى بالإنجاز والنزاهة والقدوة، لا بالشعارات أو التحالفات الطائفية.

فإذا لم تقدم النخبة العراقية على مراجعة جذرية لأسلوب الحكم وهذا مستبعد من خلال التصرفات والتنازلات وبالخصوص في الانتخابات السابقة التي قام بها التيار السيطرة مع الاعتزال عن السياسية والتنازل عن (72) مقعد حصل عليها بالانتخابات، فإن الانفجار الاجتماعي أو التفكك المؤسسي سيصبح مسألة وقت.

وخلاصة القول إن شهادة إحسان نراغي، التي سجلها في أواخر عهد الشاه، ليست مجرد سرد لذكريات بلاط متهاو، بل تحليل لبنية الأزمة السياسية حين تنفصل السلطة عن المجتمع وتفقد قدرتها على الإصغاء لصوت الإصلاح.

وكما قادت تلك العزلة في إيران إلى سقوط النظام عام 1979، فإن العراق يقف اليوم على مفترق طرق مشابه، تتصارع فيه إرادة التغيير الشعبي مع جمود البنية الحزبية.

ومن ثم، فإن الدرس الأهم من المقارنة هو أن الأنظمة التي لا تجدد نفسها من الداخل، يسقطها الشارع من الخارج.

إن الإصلاح الشجاع، لا القمع ولا التجميل السياسي، هو الطريق الوحيد لاستعادة الثقة وإنقاذ الدولة من مصير محتوم.

ومن الله التوفيق

***

الأستاذ المساعد الدكتور حميد ابولول جبجاب

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر المساعد/ جامعة ميسان

................

المصادر

(1) نراغي، إحسان. من بلاط الشاه إلى سجون الثورة. ترجمة: ماري طوق. بيروت: دار الساقي، الطبعة الثانية، 1991م.

(2) عبد الإله بلقزيز. أزمة الدولة في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2015م.

(3) فالح عبد الجبار. العمامة والأفندي: سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2009م.

(4) حنا بطاطو. العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية. ترجمة عفيف الرزاز، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1992م.

(5) محمد عابد الجابري. الدين والدولة وتطبيق الشريعة. الدار البيضاء: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996م.

يرسل إصدار المركز القومي للترجمة للطبعة العربية من كتاب "سعد زغلول والوطنية المصرية" ترجمة الدكتور رفعت السيد، أكثر من رسالة ثقافية تاريخية مهمة. منها أولا أن العودة إلى شخصية زعيم ثورة 1919، ومن خلال عين باحث غربي كتب رسالته الجامعية قبل أكثر من سبعة عقود، هي أشبه باستعارة استراتيجية من مخزون الذاكرة الجماعية لمواجهة أسئلة راهنة تثقل كاهل المصريين اليوم. ثانيا: إنها محاولة لاستدعاء "روح" ذلك الزمن، لفحص جوهر ما كانت عليه الوطنية المصرية في لحظة تأسيسية حاسمة.

ما يلفت الانتباه على الفور، كما تذكر مقدمة الكتاب، هو "الرؤية الغيرية" للباحث جورج دونام بيرس. فكتابة رسالته في عام 1949، أي بعد ثلاثة عقود فقط من الأحداث، ومن خلال وثائق الطرفين، المصري والبريطاني، تمنحنا نافذة نادرة. إنها رؤية ليست محايدة تمامًا – فالحيدة المطلقة أسطورة – لكنها محايدة نسبيًا، خالية من "شحنات" الوطنية المصرية الملتهبة أو تبريرات الاستعمار البريطاني.

هذا التموضع في "المنطقة الرمادية" بين الموقفين هو بالضبط ما نحتاجه اليوم للخروج من ثنائيات الصديق/العدو التي تسطح فهمنا للتاريخ. إنه يذكرنا بأن التاريخ ليس حكاية أبطال خير مطلقين وأشرار مطلقين، بل هو مسرح لصراع إرادات ومصالح معقدة، وكان سعد زغلول لاعبًا بارعًا في هذا المسرح.

وهنا تكمن العبقرية الاستراتيجية للزعيم سعد زغلول، كما يقدمها الكتاب. لم يكن كفاحه مجرد خطاب حماسي ضد المحتل، بل كان مشروع دولة. لقد أدرك أن مواجهة الاستعمار لا تكتمل بهتافات الجماهير فقط، إنما ببناء مؤسسات تحد من الاستبداد الداخلي، سواء كان ملكيًا أو غيره. لذلك فإن "الحكومة الدستورية الأولى" التي ناضل من أجلها لم تكن مجرد طقس ديمقراطي شكلي، فقد كانت آلية لنقل الشعب، كما تشير المقدمة بدقة، "من حالة الضعف والأمية إلى نشر التعليم والتنوير". بمعنى آخر، كانت الوطنية عنده مشروعًا تحرريًا مزدوجًا: تحرير الأرض من المحتل الأجنبي، وتحرير عقل المواطن من الجهل والخضوع. كانت "الوطنية" هي الجسر الذي يربط بين المقاومة السياسية والنهضة المجتمعية.

يقودنا هذا إلى سؤال فلسفي عميق: ما هي الوطنية في زمننا هذا؟ أهي مجرد انتماء عاطفي إلى رقعة جغرافية، أم هي التزام نشط ببناء الإنسان والمكان؟

 إن قراءة سيرة سعد زغلول تدفعنا نحو التعريف الثاني. أي أن الوطنية التي تجلت في ثورة 1919 كانت حركة شعبية عضوية، قادها محام خرج من الصفوف الوسطى للمجتمع، فجسدت حلمًا جماعيًا في الكرامة والحرية والدستور. بالتالي فإن إعادة نشر هذا الكتاب الآن، تحت رعاية وزارة الثقافة وفي إطار "نشر الوعي"، هو إيحاء غير مباشر بأن معركة الوعي تلك لم تنته بعد. فإذا كانت الوطنية في ذلك الزمن كانت معركة ضد الأمية والاستبداد المطلق، أليست معركة اليوم هي معركة ضد أمية من نوع آخر: أمية التفكير النقدي، والانفصال عن التاريخ، والاستهلاك السطحي للثقافة؟

توفير هذا الكتاب للقارئ العربي هو أيضًا ضرب لنوع من "الاستعمار الفكري" المستتر. فغالبًا ما تكتب تاريخنا الوطني بلغات أخرى وتحفظ في أرشيفات بعيدة. ترجمة مثل هذه الدراسات، حتى لو كانت بمنظور غربي، هي استعادة لجزء من روايتنا. إنها خطوة نحو تملكنا لسرديتنا التاريخية، لا كأسطورة مقدسة، بل كموضوع للفحص والتحليل والنقد. إن قراءتنا لرؤية بيرس للزعيم سعد زغلول هي بمثابة حوار مع الذات عبر مرآة الآخر. قد نرى فيها تشوهات، وقد نرى فيها إضاءات لم ننتبه إليها من قبل.

بالطبع العودة إلى سعد زغلول عبر هذا الكتاب هي إعادة تموضع للحاضر. إنها تذكير بأن الأوطان تبنى ليس فقط بالبطولات الاستثنائية في لحظات الأزمات، وبالإرادة اليومية لصناعة دستور يحمي الناس من طغيان السلطة، وبالتعليم الذي ينير العقول، وبثقافة تحترم العقل والنقد. إن صدى صوت سعد زغلول، ذلك الصوت الذي هز عرش الاستعمار وناضل من أجل دستور يكبح جماح القوة، لا يزال يتردد حتى اليوم، كذكرى أو كسؤال مطروح على أجيال لم تنته معاركها بعد. والكتاب الذي بين أيدينا هو دليل جديد في هذه المعركة الفكرية المستمرة.

السؤال الأكثر إلحاحًا الآن هو: ما الذي حدث لتلك "لروح ثورة ١٩ " بعد رحيل سعد زغلول؟ هنا تتحول القراءة من تأمل سيرة فرد إلى تشريح مسار أمة. يدفعنا كتاب بيرس، بقربه النسبي من الأحداث و"عيونه المحايدة"، إلى تأمل ظاهرة "استعصاء" النموذج الذي قدمه زغلول على الاستمرارية.

المفارقة التاريخية التي يكشف عنها الكتاب، ربما دون أن يقصد، هي أن النجاح الباهر لسعد زغلول في تعبئة الشعب وتحقيق استقلال شكلي للدولة، قد زرع بذور إخفاقه على المدى البعيد. لقد نجح "زعيم الأمة" في قيادة "ثورة شعبية" عارمة، لكن الآلية التي حكم بها - "الحزب الحر الدستوري" أو الوفد لاحقًا - تحولت تدريجيًا من تجسيد للإرادة الشعبية إلى مؤسسة شبه أبوية. لقد تحول الزعيم التاريخي إلى "أسطورة" يصعب على من يخلفونه مجاراتها، فانتهى الأمر بتحويل السياسة من "فعل جماعي" إلى "إرث" يدافع عنه، ومن "مشروع نهضة" إلى "ذكرى مجيدة" يتم استدعاؤها في المناسبات.

هنا تبرز إشكالية "القيادة الكاريزمية" في المجتمعات التي تخرج من حقبة الاستعمار. فسعد زغلول، بثقافته الأزهرية-الفرنسية، وبلاغته الآسرة، وتجسيده لكرامة المصري المقهور، كان "ظاهرة استثنائية". ولكن ماذا يحدث عندما تتحول الاستثنائية إلى نموذج قياسي؟ الإجابة نراها في الصراع المرير الذي أعقب رحيله بين "الوفد الجديد" والقصر، وبين مختلف التيارات.

لقد غاب "المشروع المؤسسي" الحقيقي الذي يفوق شخصنة السياسة، فسهل على القوى المنافسة – سواء القصر المدعوم من الخارج، أو قوى صاعدة أخرى – تفكيك إرثه قطعة قطعة تحت شعارات جديدة. إنها المعضلة ذاتها التي تواجهها العديد من الحركات التحررية: كيف تتحول من "ثورة" إلى "دولة" دون أن تفقد روحها أو تتحول إلى نظام شمولي؟

عصر ما بعد الوطنية

يقودنا هذا إلى تحول مفهوم "الوطنية" نفسه، وهو التحول الأكثر إثارة للفكر. الوطنية المصرية لدي سعد زغلول كانت مرتبطة بفكرة "الأمة" ككيان سياسي واع بذاته، له إرادة جماعية تجسدت في المظاهرات والعصيان المدني والمطالبة بالدستور. كانت الوطنية فعل مقاومة وبناء في آن واحد.

أما في عصرنا الحالي، ما بعد-الكونيالية وما بعد-العولمة، فإننا نشهد ما يمكن تسميته "تصحر" مفهوم الأمة. لقد تم استبدال "الوطنية السياسية" بـ "الوطنية الانفعالية". الوطنية اليوم، في خطابها السائد، لم تعد تعني المشاركة الفاعلة في صنع القرار أو محاسبة الحكام، بل تحولت إلى نوع من "الولاء العاطفي" للرمز، أو للعلم، أو للقائد. لقد تحول المواطن من "فاعل" في الأمة إلى "منتمي" إلى قطيع كبير. وهذا التحول لم يأت من فراغ؛ فهو نتاج تراكمات تاريخية من الإحباطات السياسية، وتراجع التعليم النقدي لصالح التعليم التلقيني، وصعود وسائل الإعلام التي تبيع المشاعر بدلاً من الأفكار.

إصدار هذا الكتاب الآن هو محاولة – واعية أو غير واعية – لمواجهة هذا "التصحر". إنه يذكرنا بأن الوطنية الحقيقية كانت يومًا ما مشروعًا فكريًا قبل أن تكون هتافًات وشعارات. مشروعًا يقوم على التساؤل: ما حدود السلطة؟ كيف نحمي الحقوق؟ ما معنى الدستور؟ إن ترجمة كتاب أكاديمي نقدي عن بطل قومي هي في حد ذاتها رسالة: أن حب الأوطان لا يكون بتقديس الأساطير، بل بفهم التاريخ بكل تعقيداته وتناقضاته. الفهم هو أعلى درجات الاحترام.

***

عبد السلام فاروق

ضوء على كتاب العدم السريالي

هُوَ كِتَابٌ أَزْرقُ لَا يُقْرَأُ، وَالْمَتْنُ اَلْوَجْودي اَلشَّامِلُ. كُلُّ جُمْلَةٍ مِنْهُ شَقٌّ فِي جِدَارِ الوهم، القطيع لَا يَحْتَاجُ إِلَى صَوْتٍ. إِنَّهُ يَسِيرُ بِإِيقَاعِهِ الدَّاخِلِيِّ إِلَى المَجْهُولِ بِخُطَىً مَحْفُوظَةٍ، الجَمِيعُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَيَجِدُ مِفْتَاحَ العُبُورِ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ البَابَ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَصْلًا.

المَكَانِ الهَشِّ

المَكَانُ لَيْسَ نُقْطَةً عَلَى خَارِطَةٍ، بَلْ هُوَ شَكٌّ يَتَسَرَّبُ مِنْ ثُقُوبِ الجَوْرَبِ القَدِيمِ الَّذِي كُنْتَ تَرْتَدِيهِ وَأَنْتَ صَغِيرٌ الحُدُودُ هِيَ خُطُوطٌ رَسَمَتْهَا الفَرَاشَاتُ لِتُضَحِّكَ المُؤَرِّخِينَ، وَكُلُّ وَطَنٍ هُوَ مُجَرَّدُ هَمْسٍ تَنَاسَاهُ الصَّدَى فِي بِئْرٍ جَافَّةٍ.

الكَائِنَاتِ المُعَلَّبَةِ

نَحْنُ لَسْنَا نَاسًا، بَلْ نَحْنُ تَجْرِبَةٌ فِيزْيَائِيَّةٌ فاشِلَةٌ، مَحْشُوَّةٌ بِالذَّرَّاتِ البَائِسَةِ دَاخِلَ عُلَبِ الصَّفِيحِ الَّتِي نُسَمِّيهَا أَجْسَادًا القَلْبُ لَيْسَ مِضَخَّةً، بَلْ هُوَ سَاعَةٌ مُتَوَقِّفَةٌ تُرَاقِبُ بِلا مُبَالَاةٍ الدَّقَائِقَ الَّتِي تَمُرُّ فِي خَارِجِ الزَّمَنِ.

مَزْمُورُ النِّسْيَانِ كَوَعْدٍ النِّسْيَانُ هُوَ الوَحِيدُ الَّذِي يَفِي بِهِ الوُجُودُ. هُوَ الثَّلْجُ الَّذِي يُغَطِّي آثَارَ خَطَوَاتِنَا كَيْ لا تَجِدَنَا المَشَاعِرُ، عِنْدَمَا تَنَامُ، فَأَنْتَ لَا تَسْتَرِيحُ، بَلْ تُشَارِكُ فِي بُرُوفَةٍ صَامِتَةٍ لِلْغِيَابِ الأَكْبَرِ، حَيْثُ الأَحْلَامُ هِيَ فَضَلاتُ اليَقَظَةِ.

قَصِيدَةُ الظِّلِّ المُسْتَقِيلِ

الظِّلُّ هُوَ الجُزْءُ الأَكْثَرُ صِدْقًا مِنَّا. لَقَدِ اسْتَقَالَ مِنْ مُهِمَّةِ تَتَبُّعِنَا، وَانْضَمَّ إِلَى جَمْعِيَّةِ الأَشْبَاحِ الَّتِي تُنَظِّمُ مُظَاهَرَاتٍ ضِدَّ الضَّوْءِ. لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا مِرْآةٌ خَلْفِيَّةٌ عَلَى جَبْهَتِهِ، تَعْكِسُ مَا يَرْفُضُ أَنْ يَرَاهُ، وَهُوَ أَنَّهُ يَسِيرُ دَائِمًا فِي الاتِّجَاهِ الخَطَأِ نَحْوَ الصَّوَابِ.

نُبُوءَةُ الكَلِمَةِ المُتَصَدِّعَةِ

اللُّغَةُ هِيَ فِخٌّ نَصَبَتْهُ الأَصْوَاتُ لِلأَفْكَارِ. كُلُّ جُمْلَةٍ هِيَ جِسْرٌ يَتَدَاعَى بِمُجَرَّدِ العُبُورِ عَلَيْهِ نَحْنُ نَتَحَدَّثُ لِنُخْفِي أَنَّ الأَشْيَاءَ لَا تَمْلِكُ أَسْمَاءً فِي الأَصْلِ، وَأَنَّ الكِتَابَةَ هِيَ مُحَاوَلَةٌ بَائِسَةٌ لِحَبْسِ الرَّمْلِ بِخَيْطٍ مِنَ الدُّخَانِ.

صَحِيفَةُ الصَّمْتِ الهَادِرِ

الصَّمْتُ لَيْسَ غِيَابًا لِلصَّوْتِ، بَلْ هُوَ الأوركسترا الوُجُودِيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ، حَيْثُ تَعْزِفُ العُقَدُ النَّفْسِيَّةُ أَلْحَانَهَا المَلْحَمِيَّةَ. عِنْدَمَا يَصْمُتُ الجَمِيعُ، تَسْمَعُ صَرِيرَ المَفَاصِلِ الَّتِي تَرْبِطُ الأَمْسَ بِالْغَدِ، وَتُدْرِكُ أَنَّ الزَّمَنَ مَا هُوَ إِلَّا بَحِيرَةٌ مُتَجَمِّدَةٌ نَتَزَلَّجُ عَلَى سَطْحِهَا.

مُقَدِّمَةُ السَّرَابِ كَإِيْمَانٍ

الإِيمَانُ لَيْسَ يَقِينًا، بَلْ هُوَ قُدْرَتُكَ عَلَى مُعَانَقَةِ السَّرَابِ بِحَرَارَةٍ أَكْبَرَ مِنْ حَرَارَةِ الشَّيْءِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي لَمْ تَجِدْهُ، كُلُّ مُعْجِزَةٍ هِيَ فِعْلُ خَدَاعٍ مُمْتَازٌ، تَقُومُ بِهِ الطَّبِيعَةُ لِتَضْمَنَ أَنَّ البَشَرَ سَيَظَلُّونَ يَبْحَثُونَ عَنِ الإِجَابَةِ فِي الاتِّجَاهِ الخَاطِئِ.

الكُرَةِ الزُّجَاجِيَّةِ المُنْكَسِرَةِ

المُسْتَقْبَلُ لَيْسَ قَادِمًا، بَلْ هُوَ مَاضٍ لَمْ نَعِشْهُ بَعْدُ. هُوَ كُرَةٌ زُجَاجِيَّةٌ مُنْكَسِرَةٌ تَتَكَوَّنُ مِنْها سَاعَتُنَا الرَّمْلِيَّةُ، كُلُّ مَا تَفْعَلُهُ اليَوْمَ سَيَظَلُّ مُعَلَّقًا فِي مَتْحَفِ الأَخْطَاءِ غَيْرِ المُرْتَبَةِ، وَلَنْ تَتِمَّ صَفْقَةُ الخَلاصِ إِلَّا بِمُقَابَلِ تَوْقِيعِكَ عَلَى نَسْيَانِ كُلِّ شَيْءٍ تَتَذَكَّرُهُ.

رِثَاءُ الفَرَحِ المُزَيَّفِ

الفَرَحُ لَيْسَ إِحْسَاسًا، بَلْ هُوَ دَيْنٌ عَلَيْكَ أَنْ تَدْفَعَهُ فِي كُلِّ صَبَاحٍ لِتَضْمَنَ اسْتِمْرَارَ المَسْرَحِيَّةِ الهَزْلِيَّةِ، هُوَ أَنْ تَبْتَسِمَ لِلْحُفْرَةِ الَّتِي تَعْلَمُ أَنَّكَ سَتَسْقُطُ فِيهَا، وَتُصَفِّقَ بِحَرَارَةٍ لِـبِطْشِ المَصِيرِ الَّذِي وَلَدَكَ لِيَمُوتَ لِأَجْلِ مُزَاحٍ كَوْنِيٍّ.

سِيرَةُ الهَوِيَّةِ المُمَزَّقَةِ

الأَنَا لَيْسَتْ شَخْصًا، بَلْ هِيَ مُجَرَّدُ قَائِمَةِ أَسْمَاءٍ نَسِيَهَا مُرْسِلُ البَرِيدِ. كُلُّ دَوْرٍ تَلْعَبُهُ هُوَ قِنَاعٌ يَمْتَصُّ مِنْكَ شَيْئًا أَصِيلًا لَمْ تَعْرِفْ وُجُودَهُ، نَحْنُ نَعِيشُ فِي مَتَاهَةٍ مِنَ الأَقْنِعَةِ العَالِقَةِ عَلَى وُجُوهٍ لَا نَعْرِفُ مَلَامِحَهَا، وَالمَرْءُ الَّذِي تَرَاهُ فِي المِرْآةِ هُوَ شَاهِدٌ عَلَى غِيَابِكَ.

تَعْوِيذَةُ الفَوْضَى المُنَظَّمَةِ

النِّظَامُ هُوَ أَعْظَمُ خِدَاعٍ. إِنَّهُ خَيْطٌ وَضَعَتْهُ الأَصَابِعُ فِي مُحَاوَلَةٍ يائِسةٍ لِجَمْعِ حَبَّاتِ الرَّمْلِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، كُلُّ مَا تَظُنُّهُ قَاعِدَةً هُوَ ارْتِعَاشٌ لِحِكْمَةٍ عُمْيَاءَ. عِشْ عَلَى أَنَّ الفَوْضَى هِيَ الدَّسْتُورُ الوَحِيدُ، وَأَنَّهَا تَكْتُبُهُ بِحِبْرِ الأَشْيَاءِ المُسْتَحِيلَةِ.

بُشْرَى التَّكْرَارِ الأَبَدِيِّ

التَّارِيخُ لَيْسَ سِجِلًّا، بَلْ هُوَ لُعْبَةُ أَطْفَالٍ مُتَكَرِّرَةٌ. كُلُّ صُعُودٍ هُوَ تَمْهِيدٌ لِسُقُوطٍ، وَكُلُّ إِنْجَازٍ هُوَ سُطُورٌ أُضِيفَتْ إِلَى مَسُودَّةٍ لَنْ تَنْتَهِي، الحَيَاةُ هِيَ عَزْفٌ مُسْتَمِرٌّ عَلَى نَفْسِ الوَتَرِ المُنْفَرِدِ، وَلَنْ تَتَحَقَّقَ الحُرِّيَّةُ إِلَّا عِنْدَمَا تَتَقَبَّلُ أَنَّكَ سَتُعِيدُ فِعْلَ نَفْسِ الشَّيْءِ مِرَارًا وَتَكْرَارًا، الفارقُ هوَ زِيِّ المُمَثِّلِ.

صَلَاةُ الكَيْنُونَةِ المُهَاجِرَةِ

البَحْثُ عَنِ المَعْنَى هُوَ أَنْ تَضَعَ قُبْلَةً عَلَى جَبْهَةِ جُغْرَافِيَا مُتَبَخِّرَةٍ. إِنَّهُ رِحْلَةٌ لَا نِهَايَةَ لَهَا إِلَى دَاخِلِ جُزْءٍ مِنْكَ لَا يَرْغَبُ فِي العَوْدَةِ أَبَدًا، لَقَدْ تُرِكَتْ رِسَالَةُ الكَوْنِ مَكْتُوبَةً بِلُغَةِ السَّرَابِ عَلَى رِمَالِ وَعْيِكَ، وَلَنْ تَقْرَأَهَا حَتَّى يَتَحَوَّلَ جِسْمُكَ إِلَى مِقْبَرَةٍ لِلْكَلِمَاتِ.

جَدَلُ الوَهْمِ وَاليَقَظَةِ

اليَقَظَةُ هِيَ أَنْ تُصْبِحَ مُشَاهِدًا لِـخَدْعَةٍ سِحْرِيَّةٍ تَعْلَمُ خَلْفِيَّتَهَا، وَلَكِنَّكَ تَقِفُ مَأْخُوذًا بِرَوْعَةِ تَمْثِيلِهَا، الوُجُودُ هُوَ تَمْرِيرٌ لِـنُكْتَةٍ بَارِدَةٍ جِدًّا، وَالشَّيْءُ الوَحِيدُ الَّذِي يَمْنَحُهَا أَيَّةَ قِيمَةٍ هُوَ ضَحِكَتُكَ الأَخِيرَةُ الَّتِي لَنْ يَسْمَعَهَا أَحَدٌ.

عَهْدُ المَادَّةِ المُتَحَلِّلَةِ

الْمَادَّةُ هِيَ مُجَرَّدُ خُيُوطٍ مُتَرَاكِمَةٍ مِنْ نِسْيَانِ النُّورِ لِذَاتِهِ. كُلُّ مَا تَلْمِسُهُ هُوَ هَمْسٌ مُؤَقَّتٌ لِـذَرَّاتٍ تَتَوَقُ لِلْعَوْدَةِ إِلَى الفَرَاغِ الأَصْلِيِّ، لَا تَخْشَ التَّحَلُّلَ؛ فَهُوَ الطَّرِيقُ الوَحِيدُ الَّذِي تَسْلُكُهُ الأَشْكَالُ لِتُعِيدَ اكتِشَافَ نَفْسِهَا كَـشَيْءٍ لَا يُوْجَدُ.

التَّكْرِيسُ الكَهَنُوتِيُّ وَالوَدَاعُ الأَزَلِيُّ

اسْمَعُوا أَيُّهَا المُتَوَحِّدُونَ فِي زَحْمَةِ الأَيَّامِ، وَيَا أَيُّهَا الحَامِلُونَ للرُّؤْيَةِ الفَائِضَةِ لَقَدْ كَانَ هَذَا هو الَّذِي أُلْقِيَ فِي مَزْبَلَةِ اليَقِينِ. فَاهْجُرُوا هَيَاكِلَ المَعْنَى الَّتِي بَنَيْتُمُوهَا عَلَى رِمَالِ الزَّمَنِ، لَا تَسْأَلُوا عَنْ خُطُوَاتِكُم التَّالِيَةِ، فَـالخُطْوَةُ هِيَ حَرَكَةٌ إِلَى دَاخِلِ بَحِيرَةِ النِّسْيَانِ. لَا تُفَتِّشُوا عَنِ الحَقِيقَةِ فَهِيَ مَوْتٌ لِجَمَالِ السُّؤَالِ. فَلْيُبَارِكْكُمُ الفَرَاغُ الأَبَدِيُّ، وَلْتَكُنْ أَجْسَادُكُم قَرَابِينَ مُتَصَدِّعَةً تُقَدَّمُ لِـبَحْرِ اللاوُجُودِ الَّذِي نَجَوْنَا مِنْهُ عَنْ طَرِيقِ الخَطَأِ، وَالَّذِي سَنَعُودُ إِلَيْهِ بِمَحْضِ إِرَادَتِنَا السُّورْيَالِيَّةِ. فَاذْهَبُوا وَتَبَدَّدُوا فِي صَمْتِ الجُمّاَجم.

كِتَابُ اَلْفخامة اَلسِّرْيَالِيَّةِ:

يا مَنْ أَتْعَبَهُ اَلْوُجُودُ وَلَمْ يَشْفِهِ اَلْعَدَمُ بَعْدُ العدم يمثل تتويجاً سوداوياً ومحطماً للوجود والوعي لقد خُنْتَ منذ ميلادك، لأنك وَعَيْتَ. الوَعْيُ ليس نِعْمَةً، بل هو جُرْحٌ أَبَدِيٌّ لا يتوقف عن النزف في وجه الحقيقة الباردة ماذا طَلَبْتَ؟ طَلَبْتَ مَعْنَىً، فَمَنَحَكَ اَلْعَدَمُ اَلْتَفَاهَةَ كَرَاحَةٍ طَلَبْتَ حُرِّيَّةً، فَأَعْطَاكَ اَلْوُجُودُ شَلَلَ اَلْاِخْتِيَارِ اَلْمُقَنَّعِ طَلَبْتَ خُلُوداً، فَوَجَدْتَ أَنَّ اَلْخُلُودَ لَيْسَ إِلَّا اِسْتِمْرَاراً مُمِلاً لِتَكْرَارِ ذاتِ اَلْمُصِيبَةِ فَلْنَتَوَقَّفْ كَفَى تَمَاسُكاً. كُلُّ قُوَّةٍ هِيَ نِفَاقٌ مُتْقَنٌ. لا تَدَّعِ اَلشَّجَاعَةَ؛ فَالشَّجَاعَةُ اَلْوَحِيدَةُ اَلْبَاقِيَةُ هيَ اَلْعَجْزُ اَلْمُعْلَنُ. كُنْ صَادِقاً مَعَ جُثَّتِكَ اَلْمُؤَجَّلَةِ. اَلْقَطِيعُ لَمْ يَسْحَقْكَ، أَنْتَ مَنْ مَنَحْتَهُ أَعْنَاقَكُمْ مَرْهُونَةً بِخَيْطٍ مِنَ اَلْمَلَلِ اَلرَّخْوِ. اَلْوَادِي لَيْسَ سِجْناً، بَلْ مَلْجَأٌ يُوَفِّرُ لَكَ عُزْلَةً جَمَاعِيَّةً ضِدَّ لَامَعْنَى اَلْكَوْنِ تَذَكَّرْ اَلْبُرْجُ اَلزُّجَاجِيُّ لَمْ يَسْقُطْ لِيُعْلِنَ نِهَايَتَنَا، بَلْ لِيُعْلِنَ سُخْرِيَتَهُ مِنْ مُحَاوَلَاتِكَ اَلصُّعُودَ اَلْيَائِسَةَ. اَلْبُقْعَةُ اَلسَّوْدَاءُ اَلَّتِي تَرَكَهَا اَلْغَرِيبُ لَيْسَتْ أَثَراً، بَلْ هِيَ نَافِذَةٌ مُغْلَقَةٌ عَلَى حُرِّيَّةِ اَلْعَدَمِ اَلصَّافِي. شَاشَةُ اَلْهَاتِفِ هِيَ اَلْقَبْرُ اَلْجَدِيدُ: نَتَوَارَى خَلْفَ اَلْبِكْسِلاتِ لِنَمُوتَ مُنْعَزِلِينَ وَنَحْنُ مُتَّصِلُونَ بِالْجَمِيعِ. لِتَكُنْ نِهَايَتُكَ إِذَنْ: اَلْيَأْسُ هُوَ اَلشَّرَفُ اَلْأَخِيرُ. لَا تَمُتْ كَفَاجِعَةٍ، بَلْ كَـ اِعْتِزَالٍ هَادِئٍ لِـ حَفْلَةِ وُجُودٍ لَمْ تَدْفَعْ ثَمَنَ بِطَاقَتِهَا قَطُّ. كُنْ أَنْتَ اَلْعَدَمُ اَلسِّرْيَالِيُّ؛ اَلْخَاوِي اَلَّذِي اِمْتَلَأَ بِالْوَضُوحِ حَتَّى اِنْكَسَرَ. اَلْأَبَدِيَّةُ لَيْسَتْ لَنَا. لَنَا فَقَطْ هَذِهِ اَلْوَمْضَةُ اَلْبَارِدَةُ مِنَ اَلْإِدْرَاكِ. اُغْمِضْ عَيْنَيْكَ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ عَلَى اَلْإِطْلاقِ.

***

غالب المسعودي

قراءة رجاء البوعلي لفكر عبد الجبار الرفاعي

في صورة من صور كتابها: "عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي" ترسم رجاء البوعلي ملامح ربة البيت الشابة التي لم تحر هامشاً مشتركاً ييسر لها التواصل مع الفتاة الإفريقية التي تركت بلادها لتعمل عندها كعاملة منزلية؛ ولم تجد طريقاً لتجسير المسافة بينهما، ولحملها على تغيير سلوكها وما طُبعت عليه ليتماشى مع ما هو سائد ومقبول في المنزل. فهي لا تريدها أن تستلقي على بطنها، وأن تحترم البيئة الثقافية التي تعيش وتعمل فيها، خاصة وأن حضورها أصبح لافتاً في المناسبات العائلية، وبدت كعاملة مدللة لاتلتزم كثيرًا بالتعليمات المنزلية، ولم تتعلم أو تحفظ شيئاً من أساليب الطهي، وكانت تمشي دائماً بشكل متأن مستفز، وأضحت أشبه بمساعدة منزلية لا تقوم إلا بالأدنى من المساعدة. فقررت أن تتحاشى الكلام معها، وتقوم بالأشياء بنفسها، وتعد الأيام متى تسافر. وكم شعرت بالارتياح لما لم تتبَق سوى سويعات على انتهاء هذه الإقامة التعيسة، فطائرتها تقلع عند الرابعة صباحًا، وكان لا بد من خروجها من البيت عند الثانية عشر ليلًا، فدخلت غرفتها قبل ذلك بنصف ساعة، تركتها تحزم أشياءها الأخيرة، وأبلغت الجميع " ألا يستدعونني للسلام والتوديع لو طلبَت منهم ذلك "، فلم يترامى إلى سمعها شيء غير صوت إغلاق الباب الخارجي، تقول: " نمتُ بعمق ونام الأطفال ليلتهم بهدوء تام، وأخبروني في اليوم التالي أنها لم تنطق بأي كلمة، فقد مشت من غرفتها إلى باب البيت دون التفات. مّر الشهر سريعًا، وبينما كنت خارجةً من اجتماع عمل صباحي اهتز هاتفي عازفًا نغمة الرسائل: " سيدتي، لقد عدتُ إلى المدرسة، وانتظمتُ في الصف الثاني الثانوي، وسمعت من زميلاتي قصصًا كثيرةً عن تجاربهن العملية في منطقة الخليج، فوجدتُ تجربتي هي الأفضل والأكثر رحمة بينهن جميعًا، حتى أنهن غبطوني على قدري، فقلت لهم:  سيدتي متفهمة جدًا ورحيمة فشكرًا لكِ " ". أنهت قراءة الرسالة، أشارت على أيقونة الحظر، وحذفت رسالتها من هاتفها.

وفي الكتاب نفسه تظهر لنا صورة رجاء البوعلي بذاتها من خلال تجربة الشابة التي غادرت مدينة الدمام "منفردة" للمرة الأولى إلى لبنان لحضور برنامج التحالف من أجل تحويل الصراع، استهدف موضوعات التنوع والهوية والنزاع حولها في المجتمعات؛ تقول: " إن أول صفعة تلقيتها في أثناء الحوار الذي دار حول معيار تقييم الآخرين، فقد كان جوابي أن ذلك يكون لمنهجية بمعيار الصواب والخطأ، فما وجدت إلا استنكاراً لمنهجية الثنائيات التي ترتكز على الضدية، فالمعايير لا تقاس بـ ( إما.. أو ..) بين اللونين الأبيض والأسود درجات كثيرة من الألوان، وسبل الوصول ليست مقسومة إلى طريقين من منظور شخصي فقط، بل لها مسارات ومعايير بشرية هائلة تتيح التنوع والاختلاف، وأن الثنائيات لا تناسب تعددية وتنوع ثقافات الإنسان. فشعرت أن أحداً فجأة رشني بماء بارد لأستيقظ، فلو استطعت أن أستعير عيون الآخرين للنظر بها سأكون خدمت نفسي كثيرًا، وتصالحت مع الآخرين، وبنيت بيتاً رحباً للإنسانية "؛ سيتسع حتمًا لتلك العاملة الإفريقية.

وجدت في تلك النصوص لرجاء البوعلي، توقًا للبحث عما يجمع ويربط ويتجاوز اختلاف الثقافات والنمط المجتمعي؛ وكأنها وجدت في قراءتها لبعض أطروحات المفكر العربي العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي ما يخاطب ذلك التوق، ويصبه في سياق، ويجعل له إطارًا ومعنى.  تقول كاتبتنا أن قصتها مع د. عبد الجبار الرفاعي؛ مشروع فكري وإنساني وأخلاقي؛ بدأت كما يلتقي الناس في ميادين الحياة الواقعية، يلتقي القراء والكتاب في ميادين الفكر والمعرفة والآداب على أرفف المكتبات، فالكاتب " كائن يخترق الجغرافيات، يقارب الثقافات، ينفذ في الأدمغة نفاذ الأكسجين، ويجري في الوعي مجرى الماء."

كان لقاء رجاء البوعلي بعبد الجبار الرفاعي، بعد أن أسست دراستها الجامعية فهمًا بأن الدين بمعناه العام يحضر بشدة في الأدب الإنساني العالمي، وأن " الميثولوجيا " تسيطر على فكر المجتمعات كافة وفقاً للسياقات الثقافية والتاريخية لكل مجتمع، كما أن الله حاضر في روح الإنسان بصرف النظر عن عرقه وثقافته. وتعمقت صلتها به، وهي تقرأ ما ألف وحرر؛ وأنها كلما أمعنت في القراءة كلما أخذت تستشعر "حسرة الجهل وغربة الوعي، وتتلمس الحاجة إلى تفكيك المفاهيم وهز المعتقدات المعشعشة في الأذهان، بيد أنها وجدت نفسها في زلزال فكري، عالقة في بحر عريض لا هي قادرة على السباحة بأمان، ولا هي قادرة على العودة إلى شاطئ الراحة"، ولعلها قصدت بشاطئ الراحة، إيمانًا كإيمان العجائز، أي إيماناً مطلقاً لا يحمل التساؤل؛ لكنها لمحت في فكره معالم مرفأ تلوذ به لتثبيت ما ألم بها من زلزال. وهكذا اختارت مشروع عبد الجبار الرفاعي للقراءة، لما وجدت فيه من طرح يخاطب الحاجة الجوهرية إلى فهم متروي وعميق لفكرة تجديد الفكر الديني وخوض تجربة تحريك المياه الراكدة في بحيرة المعنى والوجود الإنساني.

في ثنايا هذه القراءة، تبسط لنا رجاء البوعلي كيف ركّبَت فهمها لأفكار عبد الجبار الرفاعي، وكيف وجدتها تذهب إلى أنه في ظل تطور البشرية، تتنامى حاجة الإنسان لدين قادر على المواكبة والصمود أمام تحديات ومستجدات العصور والأزمنة، وإلا " ما جدوى دين متجمد أو واقف في زمن صدوره القديم!" الرفاعي يعرف الدين كـ "حياة في أفق المعنى". فالدين من منظوره جاء لخدمة الإنسان وليس العكس. فصورة الإنسان المتدين الذي يعكس الشخصية الحازمة الصارمة في تطبيقاتها للأحكام الشرعية، سواء بتمسكها الشديد بأفكارها وقناعاتها، أو مناهضتها الشديدة لأفكار وقناعات الآخرين، لا علاقة لها بجوهر الدين، حيث يطمح الرفاعي لإيمان " متجاوز للصراع وعابر على الهويات الاعتقادية الفرعية للفرق الكلامية، متسالم مع الاختلافات ومتآلف مع التعدديات الدينية، مؤسس للسلام الإنساني العالمي والعيش المشترك البناء. ويفصح الرفاعي بأن دعوته إلى دين هو حياة في أفق المعنى، إنما هي دعوة إلى إنتاج المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية لإثراء حياة الإنسان".

الرفاعي يعتمد في مشروعه الفكري على الإنسان كمركز أساسي تدور حوله الحياة على الأرض، وخليفة الله الذي هو مركز الوجود. وعليه، يقدم تعريفاته لهذا الإنسان مرتبطاً بمشتركات خلاقة بمعانيها مثل: الإيمان، الحب، الحرية، الرحمة، فكل تلك المعاني مجتمعة تحقق المعنى الوجودي للإنسان، لتثري مدته الزمنية في عالمه الحسي. فبناء الإنسان يبدأ ببناء الذات الباطنية أولًا، باعتبارها " الأنا الخاصة " و " الذات الفردية"  و "الكينونة الشخصية"، التي هي قوام الحياة الباطنية للكائن البشري لتحرير الذات الفردية من الذات الجمعية، والفكر الفردي من الفكر الجمعي، حيث يبحث الإنسان عن ذاته في ذاته، فسؤال الهوية الوجودية، الذي يفتح بوابة البحث عن الذات، بوصفها هوية فردية تشكل الإنسان فكريًا وأخلاقيًا ودينيًا، وترسم حضوره اجتماعيًا، وتؤثر في مساره اقتصاديًا، وتوثق سيرته وأثره تاريخيًا.

غير أن ما قد يحدث هو أن الإنسان عند البدء بالتساؤل عن ذاته وهويته الفردية، قد يُصدم بأنه ليس إلا انعكاسًا للذات الجمعية أو العقل الجمعي، حيث تتكون الذات بتراكم طبقات فكرية إنسانية مجتمعية مُشَكِلَة تحد من استقلاليتها كذات فردية قادرة على النمو الحر خارج إطار محدد لها سلفًا، فيظل الأفراد يتناسخون فكريًا عن نموذج واحد، وهذا ما اعتبره الرفاعي نمذجة. ففي حالات كثيرة ونتيجة للتنشئة المعارضة لكل ما هو جديد عن عرفها الثقافي وفكرها الجماعي، يظل الإنسان متذبذباً مرة نحو تساؤلات العقل والمنطق والفضول، وأخرى نحو عاطفة الدم والطاعة البارة، وفي حالات أخرى لا يعدو الأمر سوى إرغام قسري أسري أو مجتمعي.

وكل هذه الأدوار التي يعيشها الفرد في حياته اليومية بمختلف أبعادها تحد من استقلاليته الفكرية، وتهدد فردانيته الأخلاقية وحريته؛ لأن النظام المجتمعي يحمي أفكاره وقناعته بصفة جمعية ضد أي توجه يمسه. ولكن التحفظ الأكبر على ما يتداعى من نظام " النمذجة " هو تراكم المعتقدات والأفكار والمفاهيم والممارسات دون إعادة النظر والتفكر في مدى مناسبتها للحياة المعاصرة؛ وإغفال الاهتمام بقدرات التفكير الحر الذي تنطلق منه الأشياء. وبذلك يتوهم الفرد المتمادي في الجماعة أنه خارج المحاسبة على الفعل والقرار الذي يتخذه تحت تأثير الآخر فردًا كان أو جماعة.

ولكن ما هي حدود حاجة الإنسان للحرية؟ الحرية في سياقها العام تأتي وفق أولويات الإنسان. وهذا يلتقي مع قول الرفاعي " الحرية " لا تتحقق بعيدًا عن مسؤولية الفرد تجاه ذاته، فكيف لذات أن تتحقق دون بلوغ حريتها أولًا! وهنا يعتقد الرفاعي بأن " لحظة تنتفي الحّرية تنتفي الذات "؛ فقد ارتبط مفهوم الحرية بوعي الإنسان بحقه من الكرامة والتقدير، لأن الإنسان أدرك أن خيارات الإكراه والتقييد الإجباري لا تصنع ذاتاً قوية مسؤولة؛ فالحرية تكشف عن الذات المختبئة خلف الأقنعة، فممارسة الحرية بمثابة خروج الإنسان بوجهه الأقرب للحقيقي، فحالة النهوض، لا تتأتى إلا من يقظة الفرد أي يقظة الذات، لأن هذه اليقظة تُشكل تحديًا في وجه السبات الجمعي، فيسعى للخروج عن نسق الجماعة وأنماطها المألوفة. لقد ساد لزمن طويل، وما زال قائمًا لدى بيئات كثيرة، نمط التنشئة الأبوية منذ الطفولة، بترسيخ مفاهيم الطاعة ودعم الشعارات الجماعية أياً كان نوعها وفكرتها.

وبالمجمل، فإنه بالرغم من أن " الإنسان في بدايته يكون مرآة شفيفة لحاضنه الأول، وعيّنة لمجتمعه الأصلي، ورأس خيط موصل لبقعته الثقافية الأولية، إلا أن كل ذلك لا يعني الانسجام في البيئة والتماهي في حواضنها الفكرية"، فالحرية ليست أمراً ناجزاً قبل أن نشرع باستعمالها، وجود الحرية يعني ممارستها، والحرية لا تتحقق بعيداً عن مسؤولية الفرد تجاه ذاته. والإنسان الذي يعنيه الرفاعي " هو مجموع معانيه " ويعرفه كـ " كائن عاقل، عاطفي، أخلاقي، ديني، جمالي، اجتماعي، تاريخي، متفرد، يتميز عن غيره من الكائنات في الأرض بالعقل، واللغة، والعواطف، والمخيلة، وتذوق الفن والاستمتاع بالجمال، ووعي الموت، والشعور بالزمان، والحاجة إلى الأخلاق والدين وإنتاج الميثولوجيا، والرموز"، غير أن الكمال ليس من ماهية الإنسان، بل من ماهية المطلق، أما النقص فهو من ماهية الإنسان، وهذا التعريف يقترب من الإنسان بوصفه ذات بشرية نامية بحاجة إلى تنمية القدرات والمواهب والسمات الإنسانية والفروق الفردية وفقًا لحاجتها الوجودية لهذه المعاني، والرفاعي هنا " لا يرفع الإنسان لدرجة الكمال، فلا نقص ولا خطيئة، ولا يحطه لدرجة الإسفاف والابتذال والاستعباد، لأنه يعتقد بكينونته الفريدة والناقصة في الوقت نفسه، والمتعطشة دائماً إلى وجود غني يروي ظمأها المزمن ويثري وجودها "، وبهذا يأخذنا تأمل الرفاعي لرؤية إنسانية لعلاقة الإنسان بالله وبالوجود من حوله.

ترى رجاء البوعلي أن المتتبع لقاموس لغة الرفاعي، ومنهجه الفكري يدرك أنه يقدم مفهومه بأن الحاجة إلى الإيمان متسامية في الوجود البشري منذ نشوئه وحتى لحظة موته، كحاجة أنطولوجية تجذب النقص نحو الكمال. هذه النظرة إلى العلاقة الوجودية بين الخالق والمخلوق تربطنا بعلاقة البشري المحدود مع الإلهي المطلق كعلاقة أصيلة في النفس البشرية. ليس هذا فقط، بل يذهب لما هو أشمل وأكثر رحابة، مُعتبرًا بأن لكل إنسان لغته وطريقته وأسلوبه في تجسير هذه العلاقة بالحق، فالحاجة الوجودية تتطلب تفاوتًا وتنوعًا يتناسب مع التنوع البشري الهائل، ويتجانس مع المستويات اللا نهائية للإيمان.

وتؤكد كاتبتنا ما ينتهي إليه الرفاعي بأنه لا يأتي بالإجابات النهائية على الأسئلة العالقة، بل يدعو للنقد والتأمل والتفكر والإنتاج الجديد بما يلبي حاجات العصر، وباستثمار مهارات التفكير والعقل النقدي لتحرير الإنسان من نمطية الفكر التقليدي المتجمد العصي على النمو " وأن ظمأ الإنسان وحاجته الأنطولوجية للدين، وطريق تطويق غربته الميتافيزيقية؛ تتأتى بانطلاقة الدين من الداخل نحو الخارج، ومن الفرد نحو الجماعة وليس العكس، وأن لا ينفصل ظاهره عن باطنه، وأن يكون الوازع الباطني للإنسان مشدودًا بقوة تتسامى نحو الخير المطلق؛ وأن الإنسان في رحلته الوجودية عليه أن يعي أن تحقق فردانيته يقترن بمحبته لله، وحتى يصل لمحبة الله لا بد أن يمتلك محبته لذاته ينطلق بها طرائق الحياة ليحقق ذلك الحب ويتحقق به.

بهذه القراءة تقدم لنا رجاء البوعلي رحلة يِقَظة إلى شيء من أطروحات ورؤى فكر عبد الجبار الرفاعي، الذي خاض غمار الحوزة العلمية في قم والنجف، وتنسم أجواء الفكر والتنظير بعيدًا عنها. وتأتي سيرته مفصلة في ثنايا صفحات هذه القراءة الجديرة بالاحتفاء، فبها تخرج رجاء البوعلي من سحر وادي عبقر الذي يكاد أن يستحوذ مع الإبداع الروائي والقصصي على ساحات الحراك الثقافي؛ لتقدم لنا عملًا جادًا يحمل روح التساؤل، ويحفز على التأمل والتدبر والنظر في بعض من المسلمات. إلا أن رجاء البوعلي اختارت طريقًا ينتظر منها المزيد.  ولعلها بهذه القراءة التي بين أيدينا، قد وضعت قدمها على مسار قراءات أخرى لأعمال عبد الجبار الرفاعي تجوس فيها مكونات وآفاق فكره، وهي إن فعلت عساها تعرج على فهم ما يقصده الرفاعي من أن للدين مجاله الخاص، وتشّديده على ضرورة ألا يتخطى هذه الحدود.

وعما إذا كان الرفاعي يعني الدين بالمعنى المطلق، والتراث بمعنى التراث الإسلامي، ولماذا القطع بأن دراسة التراث ضرب من ضروب الاجترار، وأين تلتقي رؤيته مع " الوجودية " التي لم تر للإنسان من مصير سوى أن ينظر إلى داخله ويستنهض ذاته، لكنها سرعان ما تراجعت أمام مشروع الليبرالية الجمعي طارحة في حطامها تساؤلًا أساسيًا حول إمكانية أن تصبح الذات المنفردة جزءاً من ذات جمعية تقدمية منفتحة، ومفاهيمه حول الوسطية، والدولة الحديثة، وصراع الهوية بين التراث وتحولات العصر الذي تعيشه، وقناعته بأن المناهج الحديثة لا تحمل معها فكرها المجتمعي الخاص. وهل يرى في تفسير طرح محمد إقبال بأن لا صلة لقصة هبوط آدم كما جاءت في القرآن “ بظهور الإنسان الأول على هذا الكوكب، بل أريد بها بالأحرى بيان ارتقاء الإنسان من بداية الشهوة الغريزية إلى الشعور بأن له نفسًا حرة قادرة على الشك والعصيان “ نموذجًا لإعمال منهج الهرمنيوطيقا في إعادة اكتشاف المعنى؟ وما مدى تبنيه للهرمنيوطيقا في كليتها وفي طرح فلاسفتها، وما متمخض عنه من سياقات؟

وسواء اصطحبتنا رجاء البوعلي في قراءات أخرى لأعمال عبد الجبار الرفاعي أم لم تفعل، تظل قراءتها التي بين أيدينا عملًا يضيف اسمها إلى أسماء جيل آخذ في وضع بصمته على مشهدنا الثقافي.

***

بقلم: إياد أمين مدني / وزير الحج ووزير الثقافة وأمين عام منظمة التعاون الإسلامي سابقًا.

...........................

* تقديم كتاب: هكذا قرأت عبد الجبار الرفاعي، لرجاء البوعلي،

الجوانب الانسانية في سيرة سلام عادل.. لسعاد الراعي

توثيق تاريخ العراقي الحديث، بكل عواصفه السياسية، اشتدت فيها التناحرات والخلافات الحادة بين الأحزاب السياسية، وفي داخل جسمها الحزبي، لذلك هذا الكتاب التوثيقي لسيرة حياة بطل جاء من وسط الناس البسطاء، من وسط الفقراء والكادحين، ليتسلق سلم النضال السياسي بكل عزيمة واقتدار وتفاني، ويكرس جل حياته من اجل قضية الوطن والشعب، في تحرره من الاستعمار البريطاني، وتحقيق حياة أفضل للكادحين والفقراء، في تتبع سيرة حياة هذا المناضل الثوري والجسور، تقدم هذه الدراسة الموضوعية الرائعة في هذا المجال، تسلط الضوء على الجوانب الانسانية، لقائد شعبي وتولى مسؤولية زعامة الحزب الشيوعي (سكرتير عام للحزب) هي رحلة حياتية طويلة محفوفة بالمخاطر الجسيمة والمنعطفات الخطيرة، بين النضال السياسي الوطني في المواجهة بحكمة ثورية، وبين التكتلات والانشقاقات داخل الحزب الشيوعي، التي تعرقل مسيرة الحزب من السير في الطريق لتحقيق أهدافه النضالية، تحرر الوطن وحياة كريمة للفقراء والكادحين، وهو يدرك بعمق التكتل والانقسام يقودان الى الخيانة والانشقاق. والكتاب يسلط الضوء على الجوانب الإنسانية في سوح النضال الوطني لهذا المناضل، كما يسلط الضوء على نقائه الإنساني والاخلاقي، في تواضعه وبساطته، والتفاني بحب الشعب والوطن، وبناء الحزب خالٍ من التكتلات والانشقاقات، ليكون الحزب في طليعة النضال الوطني، هذه الوثائق والمذكرات والشهادات عن اسطورة هذا البطل، اعتمدت على مصادر متنوعة، ولكن أبرزها، شهادات عائلة الكاتبة (سعاد الراعي) حيث والديها عندهم قرابة حميمة مع عائلة الشهيد، في ذكر سيرة حياته وبطولاته النضالية وبساطة أخلاقه الحميدة في مختلف المواقف الصعبة والحرجة، يذكرونها بفخر واعتزاز، وكذلك اعتمد على مصدر كتاب زوجته ورفيقة حياته حتى النهاية (بثينة ناجي يوسف) في سيرة مناضل في صلب قلب الاحداث، رجل من عائلة فقيرة مر في تاريخ العراق، ووضع بصماته في سطور التاريخ الحديث . قائد سياسي سطر ملامحه البطولية في تجربته القاسية والصعبة. لقد ارتبط اسمه (سلام عادل) في ذاكرة العراقيين، بدم الشهداء، وصلابته الفولاذية امام جلاديه حتى نال الشهادة في البطولة والاقدام، لقد استلم مسؤولية الحزب عام 1955، حتى اعتقاله بعد يوم من انقلاب شباط الفاشي والدموي عام 1963، واعدم في السادس من آذار، في دهاليز (قصر النهاية) في تقطيع أوصاله قطعة قطعة بالمنشارة فقس عيونه، تعذيب وحشي يفوق التصور والخيال، ان مسيرة حياة هذا البطل الأسطوري، أرخ لتاريخ الحركة الوطنية ونضالاتها، بقلب جسور نابض بالحياة والمقاومة والانسانية النبيلة، انبثق من رحم الفقر في بيت يعج بالأطفال، لكن هذا البيت يملك العزة والكرامة، تدرج في دراسته حتى تخرج من دار المعلمين عام 1943، وعين معلم في الديوانية، اتجه الى المسرح والفن، حتى نال احترام التلاميذ، ولكن طموحاته تجسدت في الانخراط في النضال الوطني والحزبي، فصل من وظيفة التعليم، وسجن ثلاث سنوات في (نقرة السلمان) بسبب اشتراكه في احدى المظاهرات المنددة بالحكم الملكي، وبعد خروجه من السجن انتدب في العمل الحزبي في البصرة، وهناك تعرف على رفيقة حياته (بثينة ناجي) وارتبط معها بزواج دام حتى النهاية، وفي عام 1955 تولى مسؤولية الحزب كسكرتير عام، تحمل اعمال النشاط الحزبي، في ظروف صعبة، حيث الانشقاقات والكتل الحزبية، والبيروقراطية في العمل الحزبي، فقد عمل بجد بوعي ثوري متواصل، في جمع شتات الحزب وتوحيده من التكتلات والانشقاقات، عمل بتواضع في السلوك والاخلاق وبصلابته الثورية،، من جعل الحزب في طليعة يسير في مقدمة مسيرة النضال الوطني والتحرر، بعيداً عن التوترات الحزبية، والتوجه الى عقد التحالف الوطني مع القوى الوطنية، وكان انبثاق جبهة الاتحاد الوطني، وكانت الاعمال الوطنية والثورية، فكانت المظاهرات الشعبية توجت في انتفاضة تشرين عام 1956، المناهضة ضد حلف بغداد والتحرر من الاستعمار. الوقوف مع مصر في مظاهرات حاشدة ضد العدوان الثلاثي، رفض الاملاءات الاستعمارية، الدفاع عن حقوق الأكراد، تشكيل المنظمات المهنية والعمالية والطلابية والنسائية، لقد كان تأسيس جبهة الاتحاد الوطني، التي مهدت الى ثورة 14 تموز ’ انتقل في عمله الحزبي والوطني من التنظيرات الى الفعل الثوري، في اعادة لحمة الوطن في كل مكوناته، فكان يتكلم بلغة الناس، لا بلغة النخبة، منبثقاً من مهامه الكبرى في الشأن الوطني، وكان يعمل في تقليل الاخفاقات في تطوير ثورة تموز الى ثورة الشعب النابض، الى ثورة الفقراء، لكنه وجد عقبات صعبة من تحقيق هذا الهدف، فحين تتكالب وتتجمع قوى الردة والرجعية في سبيل اجهاض الثورة، في استثمار التخبط في قيادة عبدالكريم قاسم، التردد في المواجهة من قيادة عبدالكريم قاسم للقوى الرجعية التي تتجمع قواها وتقوية عضدها في إنهاء مسيرة ثورة تموز، وخاصة من عبدالسلام عارف وحاشيته القومية والبعثية في انحراف مسيرة الثورة أمام ضعف المواجهة من قبل قيادة الثورة، شجع قوى الردة في العمل وتحشيد الأجواء لتعبيد الطريق للانقلاب، وكذلك كانت الخلافات والانشقاقات داخل الحزب بدأت تطفو على سطح المسرح السياسي، والطامة الكبرى والخطأ الفادح، هو قرار الحزب في إرسال ( سلام عادل) الى موسكو بحجة الدراسة الحزبية، وهو في أتون المعركة الحاسمة في مصير الثورة، في تقوية عزيمة القوى الرجعية المضادة، في تهيئة الظروف لنجاح الانقلاب، وحين رجع (سلام عادل) في عام من موسكو 1962، كان الجو السياسي يميل الى اعداء الردة، وجد الحزب في حالة يرثى لها من التشتت والانشقاقات، لذلك عمل بجهد في ظروف معقدة في اعادة لحمة الحزب الى التوحيد، وانها حالات التشرذم السياسي والحزبي، وكان يعلم بوعيه الثوري ان هذه الاجواء الملبدة بالغيوم داخل الحزب تقود بعد ذلك الى الخيانة والتبعية والانشقاق في صفوف الحزب واشتداد في الموقف الانتهازية، لكن لم يسعفه الزمن في مواجهة العواصف السياسية الحادة، ومعالجة الاخطاء الفادحة، ووقف ارتداد الثورة، لان كل الظروف تعبد الى قيام انقلاب على الثورة، وكان انقلاب شباط الاسود والفاشي، الذي اطلق العنان للحرس القومي (فرق الموت) ان ترتكب مجازر وحشية. والطامة الكبرى التي قصمت ظهر الحزب، خيانة المدعو (هادي هاشم الاعظمي) كان مسؤلاً عن اوكار الحزب السرية، قدم أكبر هدية للانقلاب الفاشي، في ارشادهم الى وكر (سلام عادل) وهو في اجتماع مع قيادة الحزب، في وضع خطة في مواجهة الانقلاب الفاشي، في وضع خطة عمل ثورية، وقع (سلام عادل) في قبضة الفاشست واقتيد الى زنازين (قصر النهاية)، وكانت صلابته الثورية، ويلقن جلاديه درساً في النضال والعقيدة، فحين سألوه : (لماذا قاومت الانقلاب) اجابهم بثبات وثقة بالنفس : ( لان الانقلاب فاشي، أسوأ من أي دكتاتورية) فأنهوا حياة هذا الرجل العظيم الاسطوري، لم يساوم القتلة والمجرمين، واذا كان السيد المسيح وحده مصلوباً، ففي بغداد هناك رجل اسمه (سلام عادل) ارتقى الى هذه الشهادة، في موقف صلب ارعبت جلاديه.

***

جمعة عبد الله

صدر هذا الكتاب في بداية الشهر التاسع ايلول عن دار الرواد المزدهرة وهو من تأليف الدكتور شاكر موسى عيسى رئيس الجمعية العراقية – الكندية في كندا.ويتناول قضية الديون البغيضة – القبيحة لصدام وكيفية معالجتها ودور العراقيين الشرفاء بالمطالبة لإلغائها كاملة مقابل المواقف السلبية للسلطة وحكامها المعينين من قبل سلطة الاحتلال الامريكي بعد 2003. لقد كان هناك تغييب لجهود شلة من ابناء الشعب العراقي ومنظماتهم المدنية، ودورهم البارز في العمل المتواصل والدؤوب لمطلب الإلغاء الكامل للديون الخارجية، ورفض تحميلها على كاهل الشعب العراقي.

إذ دأب العديد من الكتاب الغربيين والمتابعين للشأن العراقي وخاصة فيما يخص مسألة الديون العراقية ان يغيبوا جهود شلة من ابناء الشعب العراقي ومنظماتهم المدنية، ودورهم البارز في العمل المتواصل والدؤوب لمطلب الإلغاء الكامل للديون الخارجية التي خلفها نظام صدام حسين، ورفض عملية تحميلها على كاهل الشعب العراقي بعد زوال هذا النظام.

فمن خلال متابعتنا لتوثيق معظم الدراسات والأبحاث التي كتبت كان التركيز على الدور الأمريكي وبعض اعوانه، وابرازه وكأنه هو الوحيد الذي يطالب بإلغاء ديون العراق خاصة عند سقوط النظام في عام 2003. ويسطرون الكثير من المقالات لتتابع مواقف الإدارة الأمريكية ما يخص الديون الخارجية للعراق. والتي وبالتأكيد سوف نشير اليها في اطار حقيقة الموقف الأمريكي الرسمي المعلن والمبطن من خلال ما نشر عن تصريحات وبيانات كبار المسؤولين في الادارة الامريكية ونواياهم الدنيئة بحق العراق وشعبه

وبنفس الوقت، فلابد لنا من أن نؤكد ونسجل للتاريخ من أننا لم نجد في حقيقة الأمر أيا من كبار المسؤولين الرسميين العراقيين من وقف بصدق وإخلاص معنا في جهودنا واصرارنا على مطلب الإلغاء الكامل لديون صدام حسين عن كاهل الشعب العراقي . نعم سوف نشير إلى بعض من الذين كانوا ظاهريا يؤيدوننا إلى حد ما ولكنهم في واقع الحال كانوا يحافظون على مناصبهم في الإدارة والسلطة خوفا من غضب الإدارة الأمريكية آنذاك. وبالطبع كان هناك العديد من العراقيين – الاشخاص والاحزاب والجمعيات المهنية والمراجع الدينية، والذين سنشير لهم بالاسم والموقع ممن أيد مواقفنا وشد من أزرنا بل وعرض علينا المساعدة فيما نسعى إليه.

وبنفس الوقت، فلابد لنا من أن نؤكد ونسجل للتاريخ من أننا لم نجد في حقيقة الأمر أيا من كبار المسؤولين الرسميين العراقيين من وقف بصدق وإخلاص معنا في جهودنا واصرارنا على مطلب الإلغاء الكامل لديون صدام حسين عن كاهل الشعب العراقي . نعم سوف نشير إلى بعض من الذين كانوا ظاهريا يؤيدوننا إلى حد ما ولكنهم في واقع الحال كانوا يحافظون على مناصبهم في الإدارة والسلطة خوفا من غضب الإدارة الأمريكية آنذاك. وبالطبع كان هناك العديد من العراقيين – الاشخاص والاحزاب والجمعيات المهنية والمراجع الدينية، والذين سنشير لهم بالاسم والموقع ممن أيد مواقفنا وشد من أزرنا بل وعرض علينا المساعدة فيما نسعى إليه.

هل أن إلغاء 80% من الديون التي أقرها ما يسمى بنادي باريس قد لاقت منا القبول والرضا. كلا والف كلا. هذا النادي ممثلا للدائنين هو الحاكم أو القاضي، وهيئة المحلفين، وهم الجلادون. وليس للعراق مدعي فيه، لقد كان ذلك مرفوضا منا. اذ كنا هناك ذلك اليوم الذي اتخذ فيه القرار وأمام وزارة المالية الفرنسية مكان اجتماعهم في تظاهرة شعبية حاشدة – شارك فيها مع العراقيين العديد من الشخصيات والشباب الأجانب – مؤكدين على مطلبنا في الإلغاء الكامل للديون ومن اننا نرفض عرض قضيتنا أمام محاكمهم ,

لأننا كنا نطالب بهيئة تحكيمية عراقية - دولية ينشئها العراق بمجموعة مستقلة من القضاة بالتعاون مع الأمم المتحدة ويعرض عليها الدائنون كل على حده مطالبه موثقة، للنظر في مدى شرعيتها وإصدار الحكم العادل ازاءها. لقد قلنا للساسة العراقيين ان لدينا شخصيات من كبار المحامين واساتذة القانون الدولي من يقف معنا – وبلا مقابل – ليدافع عن حق العراق في رفضه لاعادة دفع ديون صدام وفقا لقواعد ومبادئ القانون الدولي. لقد كان أحد الحوافز لإنجاز هذا العمل أيضا، هو ما حصلنا عليه ولو متأخرا ما نشرته مجلة الوطن الامريكية عن الصفقات المشبوهة التي عقدها جيمس بيكر وزير الخارجية الأسبق – والمبعوث الشخصي للرئيس بوش في مسألة الديون العراقية – مع دولة الكويت. لقد كان أمرا يثير الاشمئزاز. ففي حين كان هدفه الأول الطلب من الدول إسقاط ديونها، كان يخطط من وراء الكواليس عقد الصفقات هو ومادلين أولبرايت – وزيرة الخارجية السابقة- ومن خلال شركاتهم لضمان حصول الكويت على ماقدمته من أموال لصدام -غير موثقة شرعيا وقانونيا – مقابل حصولهم على عوائد وايداعات مالية ضخمة. ولقد قمنا بترجمة كاملة لهذه الوثيقة الخطيرة و ارتأينا عرضها على بعض اخوتنا المختصين للاطلاع والمناقشة وتدوين ملاحظاتهم حولها ولم نكتفي بذلك، بل قمنا بإعداد ملخص الوثيقة المشار إليها وارفقها برسالة مختصرة إلى رئيس الوزراء العراقي الكاظمي السابق في حينها. ثم عقدنا اجتماعا مع السفير العراقي في اوتاوا – كندا وجرت معه مناقشة مطولة حول كيفية التعامل مع هذا الوضع الذي ظهر على العلن وطلبنا أهمية عرض الموضوع على الجهات المختصة من خلال السفارة عبر وزارة الخارجية. إذ وافق السفير العراقي على تحويل الوثائق إلى بغداد ولكنه طلب عدم نشر الوثيقة أو الرسالة الموجه لرئيس الوزراء العراقي في الوقت الراهن إن هذا العمل يوثق مسيرة الجهود المبذولة من العام 1999 وحتى العام 2023 سواءا من خلال الوثائق وأنشطة الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني والجهود الفردية التي بذلت في داخل العراق وخارجه سواء في مقابلات أو مخاطبات رسمية مع رؤساء الوزراء ووزراء المالية وغيرهم. بالإضافة إلى إبراز أهم مساهمات الاخوة العراقيين في هذا الموضوع. مع بعض التركيز على دور كل من الجمعية العراقية-الكندية -أوتاوا واليوبيل العراقي-لندن.ولابد من الإشارة إلى أن فكرة إعداد دراسة عن الديون القبيحة قد طرحت في أمسية ببغداد في اجتماع لنخبة من الأدباء والاقتصاديين في مكتبة الدقة بالاعظمية (**). إن هذا الكتاب بمثابة توثيق للدراسات والبحوث حول الديون الخارجية العراقية قبل سقوط نظام صدام وبعده – والتي سنطلق عليها مرادفة بالديون القبيحة أو الديون البغيضة –. الى جانب تبيان الحقائق والجهود التي بذلها العراقيون في الخارج مع قوى التقدم والحرية من أحزاب ومنظمات في العالم، من أجل شطب ديون صدام القبيحة كاملة. وكشف الغطاء عن أصحاب الكراسي وبعض القوى السياسية من أحزاب السلطة ممن ارتضوا القبول بأقل مما قدمه نادي باريس. وكشف الستار عن الدور الأمريكي القبيح في تدمير البلاد وتحميلها أعباء ديون صدام قبل السقوط والاحتلال، كان توثيق بيانات الديون الخارجية للعراق والتعويضات من المهام الاولى التي بدأنا بها في عام 1999 مع إنشاء "الجمعية العراقية – الكندية لشطب الديون الخارجية العراقية " في اوتاوا. وإعداد دراسة المديونية الخارجية العراقية : الحقائق والمستقبل، تم تقديمها في لندن بندوة " المستقبل المتوقع للعرا عام 2000" والتي نظمها مركز الدراسات الاستراتيجية العراقية في عام 1999 (لفصل الأول) حيث طرحنا مجموعة من الأفكار لإدارة الديون من قبل الحكومة القادمة والتأكيد على مبدأ شطب الديون وفوائدها ومفاوضات جماعية مع دول الخليج العربي ووقف العمل بأي استقطاعات من أموال شعبنا لدفع التعويضات . ثم توالت المشاركة في الجهود والحوارات في المنتديات التي أقيمت في عدة مدن بكندا وبريطانيا. ورافق قيام المنتدى الاقتصادي العراقي في لندن، عقد ندوة " أزمة الدين العراقي الخارجي " شارك فيها نخبة من الاقتصاديين، ودعينا للمشاركة فيها وكان لنا رأي متواضع مغاير لعنوان الندوة ألا وهو أن الازمة "أزمة وطن وليست أزمة دين في (الفصل الثاني) ومن بعض بحوثه القيمة وجدنا أنها استخدمت تقديرات خيالية لحجم الديون وجرى إدخاله في معادلات رياضية نجم عنها عدم إمكانية العراق من تحقيق أي نمو اقتصادي في المستقبل. كذلك كان هناك من قال بأن " لنفط العراق تاريخ محزن ومستقبل مظلم " وتبين من أنه يمهد للقبول ب " خصخصة النفط العراقي " لكل من هب ودب من العراقيين والشركات الاجنبية والامريكية خاصة. والغريب ان هذا الطرح لم يلقى المعارضة المطلوبة، ومن أن نفط العراق ورغم كل ما يجري سيبقى ملكا لهذا الشعب المظلولماذا نطلق على ديون نظام صدام ب "الديون القبيحة " ؟. لأن مبادىء النظرية المعروفة بهذا الاسم تنطبق عليها فهي بإختصار: ديون عقدت بدون الموافقة الشعبية، وأنفقت في غير مصالح الشعب، وأن المقرضين على علم بذلك. وكان هذا المفهوم قد احتل أهمية قانونية وسياسية متنامية في أوائل القرن الحادي والعشرين مع الثورات والتغيرات السياسية والعسكرية وحتى باعتراف محدود من الأمم المتحدة. ويعود الفضل بذلك الى صاحب النظرية البروفيسور الكسندر ساك. (الفصل الثالث) والتجارب التاريخية التي نستعرضها (في كوبا وأمريكا وجنوب أفريقيا وكوستاريكا وغيرها الكثير في تطبيق النظرية تؤكد على صحة الموقف الوطني العراقي الداعي لشطب ديون صدام لعدم شرعيتها: إذ عقدت لصالح النظام بشراء الأسلحة وادوات القمع ولم تستخدم لخدمة ورفاهية الشعب وكان الدائنون على علم واضح من دكتاتورية وقباحة النظام البعثي وسوء استخدامها. وفي الأخير نستعرض أهم الآراء المضادة لتطبيق مبادئ نظرية الديون القبيحة على الحالة العراقية خاصة من بعض الكتاب الأمريكيين طبعآ في الصحف العالمية. وعليه فقد انطلق العمل من خارج الوطن في حملة بدأت بإنشاء وقيام " الجمعية العراقية - الكندية لشطب الديون الخارجية العراقية " في اوتاوا – كندا. حيث تركزت الجهود لوضع برنامج لجمع كل المتاح من البيانات عن الديون الخارجية، وكما اشرنا في أعلاه فتم إعداد دراسة " المديونية الخارجية العراقية : الحقائق والمستقبل في أواسط آب 1999. وبعد سقوط النظام اعدت رسالة تفصيلية لقادة دول الخليج العربي ورؤساء الدول الدائنة الكبرى مطالبين دعمهم لشطب الديون واعمار العراق. وفي هذا (الفصل الرابع) يشار الى تفاصيل سفرة الجمعية الى لندن والعراق. حيث عقدت الاجتماعات التحضيرية مع القوى الوطنية والتنسيق مع اليوبيل العراقي. في بغداد : لقاءات واجتماعات مع قيادات الأحزاب والنقابات. وتمخضت الاجتماعات مع المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق على ترتيب لقاءات مع المراجع الكبار في النجف الاشرف وبالأخص مع سماحة المرجع الاعلى سماحة السيد السيستاني. وعن اليوبيل العراقي الذي تشكل في آذار / مارس 2003 في لندن من مجموعة من العراقيين وغيرهم، فقد باشر أعماله بالتنسيق مع معظم منظمات المجتمع المدني في اوربا وامريكا لدعم قضية شطب ديون العراق. وفي هذا (الفصل الخامس) يقدم تفاصيل لاعمال اليوبيل مع اوكسفام العالمية واليوبيل الأمريكي ومنظمة إلغاء ديون العالم الثالث الفرنسية. كذلك سفر المنسق العام لليوبيل الى العراق ولقاءاته مع العديد من العراقيين في بغداد وبعض المحافظات. وبالتنسيق مع الجمعية العراقية – الكندية تم الاتفاق على تمثيل لليوبيل في العراق. ثم ننشر تفاصيل لخلاصة أعمال اليوبيل من نيسان / ابريل 2003 حتى أيلول / سبتمبر 2005. و (الفصل السادس) يختص بالمنظمات والشخصيات العالمية، إذ لم يكن للجهد العراقي وحده كافيا لولا كسب دعم وتأييد العديد من الكتاب والاقتصاديين وبعض خبراء المال وآرائهم الموثقة والمنشورة في الصحف والمجلات العالمية. كذلك كانت هنالك المواقف المؤثرة للكثير من منظمات المجتمع المدني في مختلف بقاع الأرض، سواء في نداءاتها، نشراتها، اجتماعاتها وحتى في صيام بعضهم لمرات، من أجل الشعب العراقي. و لم يكن بالامكان تغطية فعاليات أكثرها، ولهذا يركز الكتاب على ثلاثة منظمات عالمية فقط، بنشر مختارات لبعض أدبياتها وفعالياتها لإبراز دورها الداعم لقضية العراق والدعوة لشطب ديونه : اللجنة الدولية لإلغاء الديون غير الشرعية والتي قدمت عريضة وقعها المئات من أدباء وفنانون وبعض الشخصيات العلمية من 13 دولة وحتى طالبت بمحاكمة بوش وتوني بلير. ثم منظمة اوكسفام العالمية والمعهد الالماني فريدريك إبرت ستيفونج في برلين. ولكن كان هناك البديل الذي طرح من قبل الجمعية العراقية – الكندية واليوبيل العراقي وبقية الشخصيات العلمية والمنظمات العالمية الاخرى والذي يضمن حقوق العراق أولا ثم حقوق المقرضين وفقا لقواعد العدالة و القانون الدولي. وهو ما نتناوله في (الفصل السابع) من. الدعوة لهيئة تحكيمية لحل مشكلة الديون القبيحة. " ان على العراق ان يحل ازمة الديون، ليس بطلب الرأفة بل من خلال الاحتكام بقواعد القانون ". ومع أن هناك العديد من الدراسات والدعوات لإنشاء الهيئة التحكيمية، فقد نقلنا بتصرف ما طرحته الورقة المتكاملة من جامعة نيويورك والمعنونة " حل الالتزامات العامة والخاصة الناتجة عن نظام حكم حسين الدامي في إطار التحكيم الدولي " والتي تستشهد بتجربة الهيئة التحكيمية بين ايران وامريكا سنة 1981، مع الاعتماد على قواعد " لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة العالمية ". كذلك نبين موقف كل من منظمة اوكسفام الدولية والمعهد الألماني الداعين والمؤيدين لهيءة تحكيمية عراقية. كذلك كان موقف اليوبيل الألماني في بيانه " من أجل عملية تحكيم شفافة وعادلة لدول الجنوب المدينة " تأخذ بالحسبان مدى شرعية المطالبات وربطها بالاحتياجات الاجتماعية للدول قبل إقرار إعادة دفع الديون.أما عن نادي باريس سيء الذكر في (الفصل الثامن) فهو كما كتبنا " يتستر على قروض دول الغرب القبيحة لصدام ". إذ تناولنا دور هذا النادي باعتباره الممثل للدائنين من دول أعضائه، والقاضي باسمهم، برعاية وزارة المالية الفرنسية، من خلال بحث قدمته السكرتيرة العامة للنادي. تناولت فيه تقديرات النادي للديون العراقية – مع الفوائد - والتعويضات. وأكدت موقف النادي من أن " الدائنين من الأعضاء لا يعترفوا بمفهوم الديون القبيحة لخطورته على العلاقات المالية الدولية وغيرها من الأسباب ". وعن امكانية مساعدة العراق فتتم وفق الصيغ المعمول بها في النادي مثل صيغة إيفيان، والتي تربط موقفهم بتقييم قدرة العراق على الدفع إلى جانب برامج وشروط صندوق النقد الدولي. وطالما طلبنا بالابتعاد عن النادي مع بيان المجلس الوطني في 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2004 الداعي لرفض إعادة دون صدام. ولكن الإدارة المعينة من الاحتلال والضغوط الأمريكية دفعت بالمسؤولين نحو هذا الاتجاه. ولقد قدمنا تفصيلا للاتفاقية المقدمة من النادي، مع ردود الفعل الرافضة للاتفاقية ومواقف العديد من العراقيين. وننتقل بعدها الى إبراز حقيقة الموقف الأمريكي المتذبذب من قبل إسقاط النظام وخلاله وما بعده في (الفصل التاسع) إزاء ديون صدام البغيضة. في 2 نيسان / ابريل 2003 يستفاد من الناطق الرسمي للبيت الأبيض من أنه يرفض القبول بمبدأ إعفاء ديون العراق أو بعبارة اخرى لا يتطرق الى امكانية الاعتراف بالديون القبيحة التي تسقط بسقوط النظام. ثم جاء الموقف الآخر في 6 نيسان حيث سمعنا القول. عن أن " ديون صدام بغيضة ويجب إلغاؤها " و " بما ان الديون تمت من قبل ديكتاتور غير منتخب لبناء ترسانة من الأسلحة.... والآن تم التخلص من الدكتاتور الذي ابرم هذه الديون، فيجب الغاءها " هذه كانت وجهة نظر وزير المالية. بعدها توجه مساعد وزير الدفاع بالطلب من ألمانيا وفرنسا وروسيا لشطب ديون العراق لتسهيل عملية انعاش العراق. بعدها انتقل الموقف الى مناقشة الموضوع في اجتماعات القمة ومجموعة السبع أو الثمان ولاتخاذ موقف متفق عليه وبالرجوع إلى نادي باريس. ثم تحول الامريكان الى مناقشة تكلفة الحرب والموقف في الكونجرس واحتياجات إعادة الإعمار. بالاضافة الى صراع الشركات الأمريكية للحصول على عقود الأعمال وفي قطاع النفط بالذات والدعوات للخصخصة عموما. وأخيرا نشر حقيقة عما سمي بالإعفاء الأمريكي لديون على العراق !!. أما (الفصل العاشر) فكانت الخاتمة للدور الأمريكي البغيض في واحد من أكبر رموزه، وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر والمبعوث الشخصي الخاص للرئيس الامريكي جورج بوش. حيث كان في مهمة مزدوجة غير نبيلة بحكم عمله الرسمي الى جانب مصالحه الخاصة مع ارتباطاته بالشركات الاستثمارية والمالية. حيث نشرت مجلة الوطن الامريكية في 12 تشرين الثاني / أكتوبر 2004 بحثا موثقا فيه جوانب سرية بعنوان " الحياة المزدوجة لجيمس بيكر "، لم نحصل عليه إلا مؤخرا . وللاهمية ننشر ترجمة لنص هذا البحث. وخلاصته تضارب بين مهمته لمطالبة الدول لإعفاء ديون العراق، والعمل مع دولة الكويت وبالتنسيق مع البنوك التجارية ومقاولي وزارة الدفاع وغيرها، للحصول على صفقات سرية وعمولات عالية واستثمارات كبيرة من الكويت مقابل أن يضمن للكويت حصولها على مطالباتها - غير الموثقة – من العراق. وبعد فضح هذا النشاط غير النزيه، تمت مطالبته بالاستقالة، ولكن بوش رفض ذلك بإعتبار " أنه يخدم امريكا ". ولخطورة هذه الفضيحة تمت مقابلة السفير العراقي في أوتاوا وتسليمه مذكرة تفصيلية مع النص الكامل للبحث موجهة لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي.

***

أ.د. سناء عبد القادر مصطفى

رئيس قسم الاقتصاد والإدارة المالية والمصرفية

الأكاديمية العربية في الدنمارك

مهنا الحبيل.. مالك بن نبي عقل النهضة ورائد المقاومة الفكرية

هي قراءة في كفاح المفكر مالك بن نبي ونظريته القرآنية أجراها الباحث مهنا الحبيل قدمه المفكر الجزائري الدكتور بدران بن لحسن، يبرز مهنا الحبيل في كتابه "مالك بن نبي المهندس القرآني" أن مالك بن نبي بدأ بنفسه في نقد الذات وهذه عادة الباحث الحر الملتزم من باب الفصل بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي وقد فتح الباحث آفاقا واسعة لقراءة مالك بن نبي ومناقشة أفكاره ووضعها تحت المجهر لاختبارها ونقدها وتطويرها، وهو كما يقول بدران بن احسن كتابٌ الذي كتب مقدمته يحتفي بالمنجز الفكري لمالك بن نبي، حيث ربطه بجهود الأمة في استئناف دورها الحضاري، لن نجتر بكلام من سبقونا إليه بالكتابة عن رؤية الباحث مهنا الحبيل لمالك بن نبي، فلكل أسلوبه والزاوية التي يتناول منها فكرته، خاصة وأن الباحث ذكر أسماء شخصيات فكرية عرفها التاريخ الإسلامي ومن بينهم المفكر الإسلامي سعيد النورسي، وقد عدت إلى رسائل هذا المفكر (وهي بحوزتي) لأقارن بينه وبين صاحب الكتاب، شكرا لمهنا الحبيل على إهداءه لي كتابه لأضيفه إلى مكتبتي المنزلية الإلكترونية

يمثل مهنا الحبيل المفكر الذي لا يتوقف عن نقد الظاهرة الفكرية ويتقاسم المشكلات مع المفكرين العرب، حيث يتناول المسائل والقضايا بالنقد البناء، فهو من مدينة الظهران السعودية عام 1963 ونشأ في الأحساء، عاش أوضاع الجالية العربية في المهجر، وما عانته من صراعات، يعمل الحبيل لدى المركز الكندي للاستشارات الفكرية، فمنذ مطلع 2019 وهو يعكف على تحرير دراسات فكرية جديدة، قامت على مراجعات وتتبع وعي ونقد، لأبرز الجدليات المؤيدة والناقدة، لمآلات الفلسفة الغربية المعاصرة، وتختط دراساته الحديثة ما يسميه هو الطريق الثالث في منصة اليوم الفكرية، التي تقوم على قاعدة الأخلاق والقيم، بغية إعادة تحرير المرجعية الإنسانية فيها، معتمداً على معادلة يعمل عليها في هذا الصدد، تحت مسمى معادلة المعرفة الإسلامية، في كتابه الذي بين أيدينا نقطع رحلة مع المفكر مهنا الحبيل في قراءة لكتابه " مالك بن نبي المهندس القرآني" لنقف على الملاحظات التالية.

في الفقرات الأولى من كتابه، ربط المؤلف الأحداث التي عاشتها الأمة الإسلامية وهي تواجه الاستعمار بشخصيات وثّقوا لهذه الأحداث وكان اختياره المفكر الجزائري مالك بن نبي من خلال معالجته مشكلات النهضة والمشكلة الحضارية، وقد وصف مهنا الحبيل مالك بن نبي بالمفكر المسلم العميق إذ يقول أن لمالك بن نبي موقف صارم من خلط الجوهر بإرث المستعمر أو بصادراته، فهو كما يضيف في مقدمته مناضل في سبيل خلق مدار حرية جديدة لنهضة المسلم في عالم إنساني حرّ، وقد قسم المؤلف كتابه إلى بابين تطرق فيهما إلى المعارك التي خاضها مالك بن نبي وهو يواجه التيار الفرانكفوني الذي حاصره من داخل وخارج الجزائر وبلغته، وقد جاء كتاب مهنا الحبيل لينتصر لمالك بن نبي رغم توجيه له بعض الانتقادات ويخوض رحلة تحرير وفاء لجهاده، ويُفْهَمُ من كلام مهنا الحبيل أنه أراد أن يوصل الجيل الحالي بمالك بن نبي ويدفعه إلى قراءة أفكاره، طالما مسيرة مالك بن نبي الفكرية هي دعوة عالمية لتحقيق الحرية الإنسانية، جاء هذا الكتاب بعد اطلاع صاحبه على مذكرات مالك بن نبي في جزئها الثاني (العفن) فكان عليه أن يتخذ بين الحين والأخر منهجا نقديا لتوضيح الصورة وفي الوقت نفسه يكون له منصفا، أي أنه استعمل لغة الحياد، خاصة وأن مذكرات مالك بن نبي كما يقول هو تمثل جسرا مهما لمن أراد قراءة مالك بن نبي كشخصية فكرية عايشت أحداثا تستحق وضعها في مخبر التحليل وليس المرور عليها مرور الكرام، ثم توثيقها والتأريخ لها،و قد ساعدته البيئة التي نشأ فيها مالك بن نبي على فهم أفكاره وأطروحاته الفكرية، في هذا الكتاب نقرأ رسالة مهنا الحبيل إلى الشباب العربي / الجزائري المسلم، من الصعوبة بمكان إدراجها هنا فالرسالة طويلة ومشحنه بالأفكار والعواطف ولا شك أن من قرأ كتاب مهنا الحبيل وقف على معاني حروفها وكلماتها المعبرة، وهي رسالة كتبها ناقد يعرف قدر الرجال وقيمتهم ويضعهم ليس في مصفة المفكرين فحسب، بل في قائمة العلماء الأمجاد، وقد وقفنا على بعض الملاحظات نذكر منها:

 الملاحظ الأولى: أن المؤلف أورد في رسالته عبارة "مقدسة" بأن على الجزائر شعبا وحكومة أن ترد الاعتبار لمالك بن نبي أو كما قال هو لعقل النهضة فيها ولرائد المقاومة الفكرية، والحقيقة أن مهنا الحبيل عالج من خلال الظاهرة القرآنية عدة قضايا تتعلق بالتراث وأزمة العالم الإسلامي، مركزا على الأسئلة التي كان يطرحها مالك بن نبي و التي جعلت منه شخصا مُسْتَهْدَفًا ومُحَاصَرًا من كل الجوانب، لا لشيء إلا لأنه كان يدعو للخروج من الصندوق المغلق في فكر النهضة،  بدءًا من المستشرق ماسينيون، وهنا نجد مهنا الحبيل منتصرا لمالك بن نبي ومنصفا له بخصوص المسألة اليهودية، فمالك بن نبي يؤمن بأن الاختلاف لا يؤدي إلى خلاف، وقد خصَّ بالذكر جمعية العلماء المسلمين ورئيسها عبد الحمد بن باديس بمكانة مرموقة رغم انتقاده لها، نلاحظ أن مهنا الحبيل في كل نقطة أو فكرة يقف عليها نقرأ فيه روح الناقد الذي يتحكم في الفكرة وله القدرة العقلية على تحليل الأفكار بشكل منطقي، فنجده  تارة يمدح وتارة أخرى ينتقد، حيث وصف مالك بن نبي بالإنسان المتمرة، حتى لو قلنا أن مالك بن نبي انتقد الحركة الوطنية فهذا لا يعدو تمردا عليها، حتى بالنسبة للصراع الذي كان قائما داخل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وانقسام العلماء لم يكن لمالك بن نبي يدٌ فيها رغم أن الصراع كان يدور حول الطرقية، وكان لمالك بن نبي موقف منها، سعى بعض خصومه إقحامه فيها

 وفي نفس الوقت نجده يشيد بجهود مالك بن نبي، إذ يقول في الصفحة رقم 31 أن مالك بن نبي مجاهد مفكر ويصفه بالنحّات، فمالك بن نبي - كما يقول هو- نحت الصخر لإخراج أبناء شعبه من القهر الفرنسي في إطار ما سمّاه بالقابلية للاستعمار، حيث ظل قلمه يخترق القبة الحديدية للعهد الكولونيالي الفكري، وقد تمكن مالك بن نبي عن طريق الظاهرة القرآنية أن ينتصر للإسلام وكتاب الله ومسار النبوة، وهنا قد يحتار القارئ إن كان مهنا الحبيل مع أو ضد؟، لا شك طبعا أنه كلما قرأنا كلمة حضارة إلا وكان مالك بن نبي الأول في قائمة المفكرين العرب الذين ناقشوا ونظّروا للمشكلة الحضارية والقليل من المفكرين من وضعوا نظرية أو معادلة للبناء الحضاري (الحضارة = إنسان + تراب+ وقت) .

الملاحظة الثانية: هي أن صاحب الكتاب استعمل ألفاظا أكثر من مرة، وهذا للتأكيد وليس تكرارا، مثل مفهوم "الجنوبيين"، وهذا أمر عادي بحكم الصراع الذي كان ولا يزال قائما بين الشمال والجنون في كل جوانبه العسكرية، السياسية والاقتصادية، أي بين الشمال الصناعي والجنوب الفلاحي، وبين الشمال المتطور أو المتحضر والجنوب المتخلف الذي ما يزال يعيش في مرحلة ما قبل الحضارة، يلاحظ كذلك أن مهنا الحبيل أراد أن يدخل قضية في قضية، كما نقرأه في الصفحة 51 وذكره فرحات عباس رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة، وهنا نلاحظ أن صاحب الكتاب خرج عن الظاهرة القرآنية، وابتعد عنها كثيرا، فقضية فرحات عباس تحتاج إلى كتاب مستقل، أم أن المؤلف كما جاء في الفقرة الثانية من الصفحة رقم 52 أراد أن يثير مشكلة قد تعيد فتح ملفات كثيرة ربما قادة الثورة متحفظين عليها خاصة الذين لا زالوا على قيد الحياة (الصّامتون) رغم أقليتهم، أما الذين غادروا الحياة فقد أخذوا علبتهم السوداء معهم، ربما طهارة الرجل (مالك بن نبي) ومصداقيته في وضع التاريخ تحت المجهر جعلته ورفاقه وبخاصة محمود ين الساعي منبوذا، وقد رحل مالك بن نبي كما جاء على لسان المؤلف غريبا طريدا لا عزاء له إلا بعض تلاميذه وهو ما أشار إليه مالك بن نبي نفسه في مذكراته "العفن".

الملاحظة الثالثة: في الصفحة 55 نقرأ بعض الانتقادات الموجهة لمالك بن نبي قد تثير ضجة وقد تخدم خصومه، لكن لا يمكن الوقوف ضدها وهذا من حق الناقد أن يبدي موقفه من مسالة ما، ربما المؤلف لم يفهم مالك بن نبي وليس هو وحده الذي لم يفهم مالك بن نبي، ربما نحن أيضا لم نفهم هذا الرجل في بعض القضايا التي يطرحها حول البناء الحضاري والتغيير والنهضة والثقافة والتخلف والقابلية للاستعمار، فقد اعترف مالك بن نبي في مذكراته العفن الصفحة 69 أنه يعي الخطورة الكبيرة لأفكاره، إذ كان يُجاهر بها في كل مكان وكان يحدث بها اصدقاءه وكانوا لا يشاطرونه آراءه ماعدا صالح بن ساعي، الذي اعترف بأفكاره، أما قوله في الصفحة 57 بأن العبارة التي قالها مالك بن نبي في نقده للطرقية بأنها عنيفة، فهذا تعبير أو وصف مبالغ فيه، فأفكار مالك بن نبي ومواقفه نابعة من مفكر واعٍ، يريد إصلاح وضع أمته، كما أن تفكيره غير نابع من نزعة فردانية، فهو يطرح مشكلات العالم الإسلامي كله وتخلفه دون تحيزٍ لبلد دون آخر، خاصة بالنسبة للطرقيين الغير معتدلين الذين أثبتوا ميولهم لخدمة المستعمر وكانت لهم قابلية للاستعمار، هذه القاعدة التي أسس عليها ين نبي مشروعه النهضوي الحضاري وعُرِفَ بها

الملاحظة الرابعة: فمالك بن نبي يتحدث عن ذلك الإنسان المتخلف حضاريا، أو كما سمّاه الشيخ سعيد النورسي بـ: "البدوي" الذي لم ير الحضارة بعد، أي الرجل الجنوبي الذي ما زال يرعى الجِمال والغنم، (أنظر رسائل النورسي "محاكمات عقلية صفحة 186)، أشار فيها النورسي إلى شطحات الصوفية المبنية على أوهام واهية ناشئة من سوء الفهم وفقر الاستعداد، لدليل على إصابة العقل البشري بسكتة دماغية وهذا ما كان مالك بن نبي يحاربه (الجهل والتخلف) وقد وصفهم سعيد النورسي بأصحاب وحدة الشهود وقد يعبر عنهم مجازا بوحدة الوجود، وهي مسلك باطل لقسم من الفلاسفة القدماء، (الصفحة 193 من المقصد الأول دلائل على صنع الجليل للنورسي) وهي فعلا روح سلبية على حد قول مالك بن نبي، كونها دلالة على الانحراف الديني، لأنهم مزجوا الألوهية بالمادة، علما أن التصوف الطقوسي لم يتوقف عند بعض الصوفية بل استمر بعد سقوط الدولة العثمانية إلى الأن.

الملاحظة الخامسة: قضايا أخرى تطرق إليها مهنا الحبيل في الصفحة 68 وهي تحتاج إلى قراءة مستقلة كونها في غاية الأهمية والخطورة، إذ تتعلق بالتيار الوهابي، فمالك بن نبي في كتابه وجهة العالم الإسلامي طرح قضية التخلف وما أصاب الأمة من شذوذ فكري سواء تعلق الأمر بالوهابية أو تيار آخر، ويمكن القول مهنا الحبيل هذه المرة يشير إلى أن مالك بن نبي كان بعيدا عن التدقيق الفكري والعلمي، لأن مشاعره كانت منفعلة ويجب أن يُعَاد فرز أفكاره حتى يعاد بعث مشروعه الملهم في أفكار النهضة وتأسيسها عبر الظاهرة القرآنية، ومهنا الحبيل هنا يبرر موقفه في نقده مالك بن نبي بالقول: "إن مهمة النقد هذه هي ردّ اعتبار له" والسؤال : كيف رد الاعتبار له وبعض الانتقادات تسيء له وتجهض مسيرة فكرية كرّس لها الرجل حياته كلها، مهما كان الحال، لا يمكن وصف مالك بن نبي بالمتمرد، وحبذا لو استعمل المؤلف عبارة ثوري بدلا من متمرد، أن متمرد لها معاني أخرى وهي الخروج عن الصف واللا انضباط، لأن مالك بن نبي عاش مرحلة قاسية  جدا، جعلت منه رجلا ثائرا على الكفر والاستعمار الذي مارس كل اشكال القمع  للشعوب، وحارب الإلحاد وواجه حركة التبشير، لم يغفل مهنا الحبيل أن يتحدث عن السيرة الذاتية لمالك بن نبي وعلاقته بماسينيون، ونجده هنا قد أقحم طرفا ثالثا هو إدوارد سعيد، ربما للرد على سؤال مالك بن نبي ( هل خاطب الله الكون؟ وهل اعتنى به؟ (ص 91)، ونحن بدورنا نتساءل: هل كان هذا سؤال مالك بن نبي؟ ونحن ندرك أن عقل مالك بن نبي يوزن ذهبا كما يقال.

خلاصة: خارج الكتاب يقول مهنا الحبيل وهو يرسم صورة للمفكر العربي في المهجر أنه كثيرا ما يجد المفكر العربي في المهجر نفسه عالقاُ بين الانغلاق عن الغرب أو الذوبان فيه، إذ يرى الحبيل أن هذه الثنائية ليست مجرد قضية اجتماعية بل هي امتداد لتراجع الخطاب الفكري وسيطرة التفكير الحزبي من جهة ولمحاولات الدمج الثقافي القسري التي تُمارس على المهاجرين في الغرب من جهة أخرى، لذلك ينتقد الحبيل محاولة البعض لاستنساخ تجربة "دار الأرقم" وجماعة المسلمين الدعوية في تأطير العلاقة مع الآخر، ويرى أن هذا الاستنساخ مسؤول عن تشكيل مجتمعات معزولة عن بعضها البعض، يقول الحبيل إنه ينطلق فيها للعالم الحديث، ليس من منظور التبشير الديني ولا المشاركة العقائدية مطلقاً، وإنما عبر قاعدة المشاركة التأسيسية لمصالح الإنسان وقيمه الجمعية، بعد فشل اتجاهات الحداثة وما بعدها، وللجبيل مؤلفات في هذا الجانب نذكر منها كتاب " جدل ثالث" يدور حول إشكالية الحداثة ووصولها لمرحلة تسيّد الإنسان الاله، وكتاب آخر بعنوان : "في سبيل التنوير" يرى فيه يرى الحبيل في مفهوم المشترك الإنساني بصيص نور للعقل العربي في المهجر، كما أطلق مهنا الحبيل عبر المركز الكندي للاستشارات الفكرية الذي أسسه في تورونتو منصة حوارية ثقافية في اتجاهين رئيسيين، يساهمان في دعم القيم الأساسية للشعب والدولة الكندية والموزاييك التعددي، وتعزيز مكانة كندا في العالم، وخاصة أقاليم الشرق، كمقترح لجهود سلام في صراعات الوطن العربي، والشرق، لتحقيق بيئة سلام، أو حوار يدفع لفض النزاعات والحروب الأهلية، أو الصراعات السياسية الدموية الداخلية.

***

قراءة علجية عيش بتصرف

عرض للكتاب وتتبع لاكتشاف المشتركات بين الشعوب التي سكنت حاضراً وادي الرافدين

بين يدي كتاب (وشم السنين) لكاتبه السيد سعدي ثجيل من اصدار دار سطور للنشر والتوزيع – بغداد شارع المتنبي لعام 2025، وبالتعاون مع مطبعة سومر للطباعة والنشر، راجع الكتاب ونقحه الاستاذ احسان جوبان الفرج وصمم الغلاف والاخراج الفنان ماهر عدنان.

 يقع الكتاب في اربع أجزاء مجلدات من القطع المتوسط، اسماها الكاتب مجلدات، اعطى لكل مجلد عنوانا يميز موضوع و طبيعة الكتابة في مجلد وهي كتابات سبق ان نشر معظمها الكاتب على وسائل التواصل الاجتماعي وتعرف عليها الكثير من القراء وبالاخص من الطائفة المندائية حيث ينتمي الكاتب، وضمت المذكرات سجلا من السير الحياتية والمجتمعية للافراد والجماعات كتبت بشكل تلقائي يومي ولم يقصد بها ان تكون كتاباً كما نعرفه من مكونات اكاديمية، ولذا جاءت المذكرات مستقلة في موضوعاتها وان جاءت مذكرات اخرى لها علاقة بمذكرة بحد ذاتهاوتراوحت موضوعاتها مابين الذاتي والعام والسياسي والديني الطقوس وبعض مما ندعوه ادب الرحلات حيث غطى الكاتب عددا من مشاهداته لرحلات قام بها مع شريكة حياته لبلدان اخرى كتبها بشكل عكست عادات تلك الشعوب وطرق معيشتهم. وهي:

المجلد الاول شجون في السياسة والرحلات

المجلد الثاني مندائيات (وستتركز ملاحظاتي على اهمية هذا المجلد تحديداً لاهميته الاثنوغرافية)

المجلد الثالث ذكريات

المجلد الرابع شخصي واجتماعي

وتبرز اولى الملاحظات عند قراءتك للصفحات الاولى في مستوى اللغة وبساطتها التي كتبت بها تلك المذكرات فهي كانت معدة في الاصل لوسائل التواصل الاجتماعي والذي فرض علينا لغة مبسطة واحيانا فقيرة في البناء والقواعد، ولكنه حين فكر بطباعة تلك المذكرات بعد ان فرضت ابنته بمثابرتها على طباعة وأرشفة كل مايكتب أن يستجيب لملاحظات اصدقاء له في دفعها الى متخصص لغوي لتنقيح تلك المذكرات وهنا اصطدم بمسألتين متعارضتين هما: هل يبقى المنقح على اصل المادة المكتوبة ام يعيد صياغتها ؟ وربما كان ذلك سببا في ضياع روحية المادة المكتوبة وهي معدة لمخاطبة جمهور يغلب عليه البساطة وتهمه الواقعة والشخوص اكثر من اللغة ذاتها، وكتب المنقح الاستاذ احسان جوبان الفرج عن تلك المسألة (ان هذه الكتب تشتمل في سردياتها على مزيج من الكتابة باللغة العربية والفصحى والكتابة باالغة العامية (الشعبية)..!! لاعتبارات عديدة منها سهولة ايصال الفكرة الى القارئ ومنها المقبولية والتفهم من قبل القاريء وجدت نفسي امام تنقحين التنقيح الفصيح وتنقيح الشعبي.

وهنا تكمن العقبة الكأداء لان الشعبي لايمكن تنقيحه لانه لايخضع للاحكام والضوابط اللغوية والادبية كالفصيح..

ويستمر في تعليله لهذه العقبة بالقول..(اصرار الكاتب على ابقاء مفردات موغلة في القدم والتي تنحصر في لهجات البيئات النائية والنواحي والقصبات، بينما هو يخاطب القراء من الزمن الحالي ساكني مراكز المدن مما يؤثر سلبا على سلاسة القراءة ويتسبب في قطع حبل تواصل القارئ مع الموضوع). ويخلص الى انه كمنقح لايعني موافقته التامة على جيع ماورد في الكتاب مشخصا تحفظه على سبع مواضيع من السرديات دونها في غلاف مؤخرة الكتاب.

ليضع نفسه بمنأى عن أي انتقاد نحوي أو بنيوي للغة الكتاب، وهو محق لانه كان يوازن بين أصالة النص المكتوب بلغة مبسطة، وبين مهنيته كمنقح.

وكعارض للكتاب، ومن خلال ايراد رأي المنقح الاستاذ احسان سأنأى بنفس عن تقييم الكتاب من الناحية اللغوية والبلاغية، وحسبي ان أذكر بما كتبه الراحل الدكتور علي الوردي حين نشر كتابه الاول وتلقى هجوماً من الانتقادات اللغوية قائلاُ(أن صعوبة وتفريعات اللغة النحوية في اللغة العربية تدعونا الى ان نكتب بلغة عربية صحيحة ولكن بسيطة تحافظ على الخط العام للقواعد وتكتب بطريقة تساعد لايصال مضمون النص للقارئ لكي يستفيد مما مكتوب.

وهذا لايعني بالطبع عدم وجود اخطاء لغوية واملائية، يقر بها المؤلف وسيتولى تصحيحها ومراجعتها في الطبعة اللاحقة.1977 sadi

على أن كتاب سعدي ثجيل يحمل العديد من الرسائل النافعة والجريئة من الناحية التاريخية والتوثيقية اجتماعيا ودينيا وسياسيا ما يستدعي الباحثين المتخصصين في علم الاجتماع بدرجة رئيسية لدراسة الكتاب واكتشاف الكثير من الملاحظات التي تخدم بحوثهم من عادات وتقاليد ولغة وقناعات ومفردات وادوات عمل وطرق بناء واعمال حرة وصناعات محلية تنتمي الى الماضي السومري في اعتماد نفس المواد والادوات، وهو أمر يساعد كثيرا في فهم طبيعة مفردات الحياة اليومية والاجتماعية وادواتها ونمطية العلاقة بين ا لافراد والجماعات سواء في الطائفة المندائية التي ينتمي اليها الكاتب او في علاقتها مع شركائها في الوطن والتي فرضتها حتمية العيش المشترك والتبادل الاقتصادي والتجاري والعيش المشترك من الديانات الاخرى.

من خلال تأمل الامثلة التي يردها الكاتب - دون قصد في غالب الاحيان – يتضح لنا ان المندائية كطائفة قليلة السكان نجحت بشكل باهر في تحقيق ذلك العيش المشترك مستغلة حرفيتها ومهنيتها ورسالتها الانسانية السلمية في التعايش المستمدة من قناعاتها الدينية المدونة في كتابها المقدس. بالرغم من تعرضها لفترات عدوانية متطرفة من ديانات اخرى اعتمدت تفسيرات متطرفة لاتنتمي الى اديانها، فنزف منها دم برئ قامت به عصابات وجماعات ارهابية استندت الى تفكير تكفيري ينفي فكر الاخر حتى لو كان توحيديا كما هي الديانة ا لمندائية التي تفتتح كتابها المقدس ونصوصها بالعبارة التوحيدية (باسماء الحي).

لذا ساتناول في عرضي للكتاب بمجلداته الاربعة ثلاثة نواحي مهمة، شخصتها في اطلاعي على تلك المجلدات الاربعة التي تشكل كتاب "وشم السنين". ولابد من الاشارة الى أن فكرة اصدار كتاب لتلك المذكرات جاءت من ابنة الكاتب التي دأبت على طباعة المذكرات بمبادرة منها وارشفة مايقارب ال 80% منها بشكل شخصي وبدفع وتشجيع من اصدقاء ومقربين للكاتب نجحوا باقناعه بطباعتها في كتب. ولذلك حين تقرأ تلك الكتب لاتجد فيها نسقا روائيا او بحثيا اكاديميا او صيغة كتاب بل انك ستقلب اوراقه لتقرأ مذكرات كتبت في أيام ثبتها في مقدمة كل مذكرة منها. وقد تتساءل اين بطل تلك الكتب ؟ او بطل الروايات مثلاً لتجد ان كل الافراد الذين يكتب عنهم هم ابطال تلك الكتب وبمجموع سلوكياتهم وحياتهم يشكل الكتاب بمجموعه كيف عاش المندائيون بين بعضهم، وبينهم وبين جيرانهم من الاديان الاخرى. وهو مايشكل كنزا للباحث الانثروبولوجي بعد عقود حين ينوي البحث عن نمط المعيشة للطائفة المندائية وعلاقتها بالاقوام التي سكنت وادي الرافدين. وايضا سيرى كيف تعايش المندائيون كطائفة مع الاديان والطوائف الاخرى ومدى مساهمتها برسالتها السلمية والانسانية في بناء النسيج الاجتماعي للعراق. الامر الذي يدعوك للتأمل في منهجية

السلوك المندائي بحيث لم نجد ارهابيا او مجرما او جماعة متطرفة دينية افرزتها الديانة المندائية، بل على ا لعكس قدمت الطائفة المندائية رسالتها السلمية ودعمت بصدق وأخوة كل الجماعات الاثنية والعرقية والدينية من حولها ولم تطلب سوى التعامل الانساني من الأخرين بالمثل.

لقد كانت المندائية كممارسة طقوسية مجهولة للمجتمع العراقي باستثناء مايراه الناس من اقترابهم من النهر وممارسة بعض طقوسهم ولكن الكتاب يخوض عميقا وبالتفصيل في تلك الطقوس مستخدما مفردات المندائية القريبة من اللغات القديمة والارامية التي عاشت في وادي الرافدين، والمندائي يمارس طقوسه بتلك اللغة بالافراح والاحزان والمناسبات الاخرى، ويعطيك الكتاب الفرصة لمقارنة تلك الطقوس بنظيراتها للاديان الاخرى وبالطبع سيشكل ذلك الامر مصدرا للدراسات المقارنة للباحثين المتخصصين في مجال العيش المشترك للجماعات العراقية منذ القدم.

كما ان الكتاب بمجلداته الاربعة سيكون مرجعا مهما للاجيال الجديدة التي ابعدتها عوامل الهجرة من بلدان المنشأ واصبحت مصادر المندائية قليلة لديها مقارنة باخوانهم في البلد الام حيث تتوفرلدى الطائفة مراكزها الدينية والاجتماعية ورجال الدين ومجلس الطائفة والعائلة.. الخ من التكوينات المحيطة بحياة المندائي في بلده.

لابل ان الكتاب يوضح الروابط العائلية المندائية من خلال تتبع تقارب العوائل والزواجات فيما بينها بحيث سيكون متاحا للشباب المندائيين معرفة اجدادهم لاكثر من جيل والعوائل التي تكونت كنتيجة لتلك الاقترانات بين العوائل المندائية. وبالطبع سيكون من الشائق معرفة ظروف تلك الزواجات وموقف ابناء العم من تزويج بنات العم لغرباء عن العائلة فتبرز حالات الثأر والتراضي وغيرها من النتائج.

كما يورد الكتاب الكثير من الامثلة للارتباطات بين العوائل المندائية والعشائر العراقية المسلمة التي تجاورت معها بما توثق ذلك فيما بينها من علاقات اخوة ومحية واحيانا تطورت العلاقات الاسرية الى زواجات رغم عدم ترحيب المندائية بالزواجات من اديان اخرى بداعي الحفاظ على الجماعة والطائفة. ولكنها امثلة تبرز مقدار التداخل والتقارب الاثني والعرقي والديني بين اطياف المجتمع العراقي رغم الحروب وموجات الحصار والظروف الصعبة التي مر بها العراقيون قاطبة. بحيث نجم عن ذلك تضحيات مشتركة وانتماءات سياسية استندت على الوازع الوطني والمصير السياسي المشترك، دفع فيها المندائيون شهداءا ومفقودين وقتلى كما دفع اخوانهم العراقيون من الاثنيات الاخرى نفس الثمن دون تمييز في الجانب الديني والاثني والعرقي.

وبذلك يقدم الكتاب بطريقة مبسطة وواقعية كما هائلا من الامثلة والشواهد الانسانية لتلك العلاقات الوطنية والانسانية في التعايش والمصير المشترك دون صراخ عالي او استعراض ممجوج بل بادلة بالاسماء والتواريخ والحوادث الموثقة.

واضافة لذلك سيطلع القارئ على كم كبير من الاسماء والالقاب العشائرية المشتركة سواء للمندائيين او للعرب المسلمين ممن تعايشوا وتجاوروا في البلدات العراقية على ضفاف الانهار وبذلك يقدم الكتاب حزمة رائعة من الاخوة البيئية وروابط الجوار والتضامن والموقف المشترك في الظروف المختلفة.

كلمة لابد منها في موضوع الاغتراب المندائي

ولكن قبل عرض تلك النواحي اود الحديث عن حقبة مهمة مرت بها الطائفة المندائية العراقية في العقود المعاصرة وأثرت بنوياً على نشاط الطائفة الطقوسي والحياتي والاقتصادي وقلصت من الكتلة البشرية المكونة للطائفة المندائية في العراق، لتنتشر الجماعات التي صعب عليها العيش في وطنها الى بلدان المنافي والاغتراب حفاظا على الارواح والتضحية بالبيئة المحافظة على استمرارية الجماعة من منظومات دينية وممارسات طقوسية وجماعات دينية موجهة للنشاط الديني والذي شكل بموجبه خيمة حافظة للطائفة انضم تحت فضائها (المتدين والعلماني) على السواء حفاظا على الهوية المندائية.

وبالرغم من أن الممارسة الطقوسية للطائفة المندائية تكاد تكون مغلقة على افرادها، فالكتاب يغنينا كثيراً بمفردات تلك الطقوس، من حيث موجباتها واستنادها على التطهر بالماء الجاري وهو حالة صحية حينما كانت الانهار طافحة بالمياه النقية، الى الاعتماد على منتجات طبيعية لاتمام المراسيم كالبردي والقصب والادوات التي تصنع يدوياً. ومن هنا تبرز احدى اهم محتويات الكتاب كقيمة انثروبولوجية للباحث عن المشتركات بين الشعوب القديمة التي سكنت وعاشت على ضفاف الانهار وبين الشعوب الحاضرة (لغة وعادات وادوات وطقوس.. الخ).

وحين فرضت الهجرات القسرية على الطائفة وبدأت تغادر اوطانها الاولى مبتعدة عن ضفاف الانهار متجهة الى المدن الاخرى طلباً للامان والتحصن بحياة الجماعة لم تفقد ممارساتها في الحقبة الاولى لاغترابها،لانها كانت مازالت في اوطانها وقريبة من بيئتها المحلية في الوطن ذاته،حيث تتواجد كل عناصر الديمومة للثقافة المندائية.

ولكن، حين فرض عليها الهجرة القسرية خارج الوطن لم يتبق لدى المندائي سوى ماتحمله ذاكرته وحقيبته من عناصر الممارسة الطقوسة المندائية، متخلياً قسرياً عن المفردات الاولى وأداتها وبات عليه في دول المنفى والاغتراب أن يجد نسخته المختصرة والمقننة في الحفاظ على هويته الثقافية.

ومقابل تلك القيم البسيطة التي تحفظها الذاكرة، وسعيه لنقلها الى الجيل الجديد الذي وجد نفسه امام قيم ثقافية ومجتمعية مبهرة الضياء دفعته وبنوع من تأكيد الذات ممزوجا بالالزام التعليمي الى تقبل تلك الصفحات الثقافية الجديدة التي تتعارض جوهريا مع مايجهد اباؤه على تعليمه بها.

وكانت تأثيرات الحياة الجديدة تتسارع وقعا وتأثيرا على الجيل الجديد الذي نشأ في كنف عائلة تربت على قيم أبائها واجدادها وبين جيل جديد،(اما انتقل حديثا الى هذه البيئات الجديدة، اوأنه ولد وترعرع هناك). وكانت تلك الصفحة الجديدة ضاغطة عليه تدعوه وبقوة الى تقبل انماط معيشتها وثقافاتها واولويات حياتها المهنية والوظيفية والمشاركة بالمجتمع المنتجع لتوفير القيم المادية والحياتية بالاضافة الى المغريات الحضارية والتكنولوجية الجديدة.

وبالقدر الذي نجح فيه الابناء في الاندماج وتعلم عناصر الحياة الجديدة واللغة، وجد (بيت الاباء) ذاته في معركة غير متكافئة للحفاظ على قيمه القديمة،فهو يفقد ما يود الحفاظ عليه من قيم وممارسات لاتمكنه الحياة الجديدة من احكام ممارستها وبين عناصر الحياة الجديدة المغرية للابناء لتقبلها والعيش بموجبها لتحقيق الاندماج.

وعند هذا المفترق يقف بيت الاباء – كعنوان للثقافة المندائية الأم- متسلحاً بما تعلمه وماتربى عليه من ممارسات وطقوس مندائية، لكنه يخوض معركة متأرجحة بين الانتماء للماضي - ممثلا بالجيل الاول بكل ثقافته الاجتماعية والتربوية والطقوسية المستندة على عناصر بيئية وجغرافية يشكل الماء الجاري عنصرا اساسيا فيها مدعوما ب(المندى) كمؤسسة دينية تحافظ على عناصر النوع المندائي وطقوسه وقناعاته ونمط حياته التي ورثها عن الاباء – وبين واقع جديد، لاتتوفرفيه تلك المكونات في بلدان المهجر والمنافي الباردة التي يصعب فيها ممارسة الطقوس - مشكلة عوامل قاهرة لاتساعد المغترب المندائي – كحالة خاصة مرتبطة بعرض كتاب وشم السنين – للتسلح في مواجهة معركة التحدي الثقافي، سواء أكان بهدف الاندماج أو الحفاظ على مسافة مناسبة منطقية مابين منظومة القيم القديمة ومابين القيم الجديدة التي فرضتها حقبة الاغتراب.

ويبرز هنا السؤال، ماالرابط بين موضوعات كتاب "وشم السنين" وهذه المقدمة ؟! والحقيقة فالكتاب في المجلد الثاني يطرح تساؤلات صريحة يضعها امام رجال الدين المندائيين لتسليح الاجيال الجديدة في المنافي وحتى في منافي الداخل وهي المحافظات العراقية التي انتقلت اليها الجماعات المندائية واصبحت تعاني من الممارسة الطقوسية التي تحافظ على النوع المندائي.

والتساؤلات المطروحة في الكتاب تنظر بعين التشاؤم الى مستقبل الطائفة المندائية طالما افتقدت الى آليات الممارسة التي توضح للاجيال المغتربة - داخليا وخارجيا – عناصر وادوات ممارستها للطقوس. والغاية التي تطرحها تساؤلات الكتاب ليس من اجل ديمومة الدين كمعتقد فحسب، بل كممارسة اجتماعية للطائفة وضرورة تكاتفها كجماعة اثنية متميزة عراقيا وديمومتها كمنظومة علاقات مع شقيقاتها من الاثنيات الاخرى وبما ينتج عنها مجتمع مسالم محب لوطنه، مجتمع منتج يعمل في صناعة مؤثرة هي صياغة المجوهرات والصناعات الاخرى التي تخصص بها المندائيون وعرفوها واصبحت صناعات مطلوبة من المجتمع العراقي.

والكتاب يحذر من خسارة قدر كبير من الموروثات المندائية ومن انواع تلك الخسارات في اللغة المندائية، وفي الممارسة المهنية وفي الممارسة الاعتقادية كمنظومة للجماعة. كما ان البعض يخسر الكثير في موروثاته الاجتماعية من زواج وتكوين اسر مندائية هم حريصون على تكوينها للحفاظ على النوع.وبالطبع هذا يقود لخسارات اثنية واثنوغرافية لصالح ثقافات واقعية جديدة لايهمها ديمومة الطائفة المندائية من عدمها.

وهذا يضاف عبء أخر الى العبء الذي تحملته الطائفة المندائية المسالمة جراء العنف الطائفي والتطرف الديني، ليضعها امام السؤال الوجودي القاسي : هل نبقى في الاوطان نواجه القتل والارهاب والتطرف لصالح اثبات الوجود عبر ممارسة الطقوس المندائية كاملة وبكل مستلزماتها الحسية والمكانية والبيئية. اما نستسلم للانحسار التدريجي..؟

والكتاب الذي يطرح هذه التساؤلات لايركن كليا الى التشاؤم، بدليل انه يطرح التجربة الايجابية للانتقال الى كردستان وعلى اثر مواجهة القيادات الكردية واستماعها الى طلباتهم، اعطتهم القيادىة الكردية كل الدعم في تواجدهم وساعدتهم في بناء منداهم، وتخصيص مقابر لهم ونوادي ثقافية وعينت لهم حتى مسؤولين لتلبية احتياجاتهم ويذكر الكتاب عددا من الشخصيات التي التقوها وامنت لهم ذلك على رأسها القائد الكردي مسعود بارزاني والراحل مام جلال الطلباني.

والخلاصة في هذا الكتاب كما ارى انه ثري بعدد من المحاور والابعاد التي تستدعي التأمل والمراجعة للاستفادة منها وهي:

البعد الانساني والاجتماعي للممارسات الحياتية والاجتماعي التي تضمنها الكتاب

والبعد المندائي التاريخي ومدى اهميته لديمومة الفكر المندائي للاجيال الجديدة في واقعها الاغترابي الجديد.

والبعد السياسي والتمثيلي للطائفة في المجتمع العراقي وفقا للدستور العراقي الذي اخذ بنظر الاعتبار القلة العددية للتمثيل في مجلسس النواب واعتمد طريقة الكوتا لتثيل الطائفة.

محاور الكتاب بمجلداته الاربعة كما اراها

أولا: البعد الانساني والاجتماعي لعلاقات المندائيين، سواء بين افراد الطائفة المندائية في الحيز الجغرافي الذي يجمعهم، وبينهم كطائفة من جهة وبين الطوائف والجماعات الدينية الاخرى في نطاق الريف او المدن التي تواجد فيها المندائيون.

يورد الكتاب العديد من القصص والمذكرات اليومية لحياة المؤلف وعلاقاته مع أبناء جلدته منذ طفولته ويتمه المبكر حين رحل والده وهو بعمر لايتجاوز السادسة، فاتحاً عينيه على بكاء النائحات اللاتي حضرن وفاة والده وهن يواسين والدته التي اثارت السؤال المؤلم الواقعي الناجم عن رحيل زوجها المبكر مخاطبة النساء من حولها : من سيعيل هؤلاء الاطفال القاصرين، ليفاجئهم ابن السادسة من العمر وهو مستلقيا في سريره مخاطبا والدته - أنا سأعمل واعيشكم!!. وكأنه وجد نفسه رجلا مسؤولا عن إعاشة والدته واخوته، ومنذ تلك اللحظة تتوارد المذكرات في توثيق المحاولات الاولى لاشتغال الطفل في مساعدة الصاغة من اهل منطقته ك (صانع) وهو في عمر الثامنة يعين في فتح ابواب المحل واعداد مستلزمات الصائغ الماهر الذي اصبح استاذه.

مستمراً في مثل تلك الاعمال المساعدة الى ان يقوى عوده ويصبح شغيلا ماهراً يقترب من اتقان المهنة وهو في عمر الرابعة عشرة، فما الذي تريد المذكرات ان تقوله من خلال تدوين وأرشفة تلك اليوميات. ان مؤازرة الجماعة كجيران وطائفة واقارب لم يتخلوا عن الطفل الناضج عقليا في التصدي للمسؤولية والقاصر في عمره من أخذ الدور وبالطبع لم يكن مايتحصله من أجر يكفي لمعيشة العائلة ولكن بتقدم التجربة اثبت انه بمستوى ذلك الدور. ارادت المذكرات ان تقول ان روح التضامن والرحمة الموجودة بين ابناء الطائفة لم تتخل عن اطفال عائلة الوالد الراحل. لابل يتطور الامر الى ان يعتبر صاحب العمل هذا الطفل احد اولاده ويوصي عائلته وابنائه برعايته وكأنه واحد من ابنائه. وتتطور تلك العلاقة الاسرية والاحتضان للطفل الى اواصر دراماتيكية ينجم عنها الاقتران بابنة استاذه بعد معاناة طويلة يذكرها الكاتب بكل التفاصيل المشوقة.

الانتقالة التضامنية الاعلى هي باحتضان الصبي ذي الاربعة عشر عاما من أخيه الاكبر ووضعه على الطريق الصحيح لممارسة المهنة في مدينة اخرى هي العاصمة بغداد - غير تلك التي رعت نشأته الاولى - الناصرية.

ليجد نفسه في مرحلة لاحقة صاحب القرار بالانتقال الى مدينة اخرى والاعتماد على نفسه في ادارة مهنته وصنعته، هنا تبرز المذكرات دور البعد العراقي من الديانات الاخرى والجماعات الاثنية غير المندائية في مدن واسط وديالى والمحمودية وغيرها الكثير مما يرد في المذكرات فمن هم اولئك وماهي بيئته الاجتماعية الاخرى وحاضنته، تلك ما تعكسه المذكرات من أن لحمة المجتمع العراقي وتعاضده بشكل حميمي وانساني لم تفرقه الديانات ولا الاعراق المختلفة التي تشكل فسيفساء المجتمع العراقي.

ويتمكن من عقد صداقات اخوية يأتمن فيها اصدقائه على امواله ومحله ومصوغاته لابل الاغرب من ذلك انه يقيم علاقة ثقة وصداقة اخوية من شخص سبق له ان عمل ك (لص) وبالطبع لم يكن يعرف ذلك الا بعد واقعة كان ينوي فيها ائتمانه على محل فيه من الذهب مايزيد على كيلوين من الذهب والمصوغات.!! ليوقف تلك اللحظة تاجر مسلم ترك لديه مفتاح محله لتسليمه الى صديقه اللص!! ولكن التاجر يوقف عملية التسليم ويكشف للمؤلف تاريخ صديقه اللص والذي يعترف له بتاريخه قبل مفاتحته.

فهل يتخلى عنه !؟

هنا تتجلى الروح الانسانية في تواصل الاخوة والصداقة ودخولها الى مستويات اعلى في احتضانه تستمر حتى وفاة الصديق الذي يخلص له هو كذلك بعد اعترافه بتاريخه والاسباب التي دعته لكي يسرق قوتا لاعاشة اطفاله.

لنكتشف البعد الانساني لهذه العلاقة والتي كشفتها الصدفة التي كانت تتوخى التأمين لمفاتيح المحل لدى تاجرا مسلما رفض تسليم المفاتيح لمواطنه المسلم حفظاً لممتلكان ضيفهم المندائي القادم من محافظة اخرى.

هذه واحدة من امثلة فنية اخرى يتضمنها الكتاب ولايعلنها بطريقة تحليلية بل يترك للقارئ الاستنتاج والبت بما يمكن ان تسفر المذكرات من تسلسل وتتابع تاريخي تدلل عليها ملاحظة تسجيل تاريخ تلك الوقائع التي لاتعي ماوراءها من احداث حولت ابطال هذه المذكرات الى ابطال رواية انسانية صنعتها سردية المذكرات اكثر مما اراد لها المؤلف ان تكون رواية لها ابطالها كما هو متعارف على كتب الروايات والقصص. بل ان البطل الحقيقي يمكن ان يكون شخصا عاديا ك "كاظم سبوت" او شيخا محترما ك"شيخ دخيل" الذي ميزته قدرته العقلية على ادارة شؤون طائفته، او امرأة ذكية شجاعة ك " مُكنة " بضم الميم التي زوجت قسرا لفتى غريب وكانت بانتظار الزواج من ابن عمها.

كما يبرز من بين اولئك الابطال لتلك المذكرات الضابط الذي كان يقود وحدة عسكرية عمل فيها المؤلف خلال الحرب العراقية الايرانية لينتهي بهما المطاف بعد سنوات الى ان يصبحا اصدقاء يتزاورون مع مجموعة اخرى ضمت الكردي والعربي والسني والشيعي والايزيدي لتتحول الى مجموعة صداقية حميمة تعكس فسيفساء الوطن الواحد المتعدد.

كما عكست المذكرات نماذج عديدة عاش فيها المندائيون وتشاركوا مع عشائر عربية مسلمة في ميسان والناصرية والديوانية وواسط وغيرها واكتسبوا حتى نسب تلك العشائر وهذا مايفسر وجود القاب عشائرية متشابهة لدى العوائل المندائية جراء تلك المعايشة والاخوة والجيرة طويلة الامد. وفي المذكرات العديد من تلك الامثلة مما سيتعرف عليها القارئ ببساطة ودون عرض فائض عن الحاجة من قبل المؤلف، اذ انها تعرض بتلقائية حياتية يومية سلسة مبتعدة عن دراماتيكية الروايات والايحاءات المغلفة ليكتشف القارئ انها عنوان مميز للحمة المجتمع العراقي دون اختراق الخصوصيات الاثنية والدينية والعرقية لكنها لم تنتزع الخيط الاخلاقي والجيني المتميز للغيرة العراقية والكرم والشهامة والشجاعة الايثار مابين الضيف ومضيفه دون لافتة الانتماء الخاصة بكل شخص.

وبالقدر الذي احتضنت العشائر العراقية المسلمة اخوانها من عوائل الطائفة المندائية في مدن العراق المختلفة في الوسط والجنوب، مدت مدن كردستان بساطها الكريم لاستقبال العوائل المندائية التي اجبرتها الفورة الطائفية والدينية المتطرفة على ترك بيئتها الاولى ناشدة الامان والسلام لممارسة حياتها في بيئة اخرى ضمن حدود العراق متلقية ترحابا كبيرا مؤكدا من قبل الشخصية القائدة مسعود بارزاني ومثله المرحوم مام جلال الذين استقبلا بحرارة وفود الطائفة مؤكدين لهم كامل الترحيب في عيشهم في كردستان وبحماية الكرد قيادة وشعبا، وتحقق بالفعل كما تعكس ذلك المذكرات العديد من ممكنات ممارسة الديانة والطقوس المندائية بعد توفير المندى الخاص بهم وتخصيص مقابر للمتوفين من الطائفة بالاضافة الى تأمين محلات ممارسة مهنتهم وحمايتها ضمن منضومة الامن الكردي المتميزة.

من هنا تخلص المذكرات بمجموعها الى ان الظروف القاهرة التي مرّت بها الطائفة المندائية هي مرحلة عابرة واستثنائية ضمن قياس عام من الاخوة وحميمية العلاقة بين المندائيين والمسلمين والايزيديين والمسيحيين.

ثانيا: البعد المندائي ومستقبل ديمومته في ضل الهجرات المختلفة

تتطرق المذكرات الى حركة تاريخية مختلفة لانتقال عوائل مندائية من الريف الى المدينة ومن المدن الصغيرة الى المدن الكبيرة نتيجة لمؤثرات وظروف متعددة بعضها اقتصادية واخرى اجتماعية بحثا عن معيل بعد فقد كبير العائلة او انتقالات اخرى سببها تطور اقتصادي ومهني لبعض العوائل وحاجتها الى مساحات اخرى للنشاطات الحياتية. ولكن الهجرات الاكثر تأثيرا على حيوية وديمومة الطائفة هي تلك الهجرات التي نجمت من الاضطهاد المتطرف والذي شمل ليس فقط الطائفة المندائية بل المسيحيين وكذلك المسلمين ممن يحملون عناوين اخرى وجدتها الجماعات المتطرفة مبررا للهجوم عليها وتعنيفها.

وبقدر تعلق المذكرات بحركة المجتمع المندائي كما يرصدها مجموع المذكرات، تكشف المذكرات خلو مناطق من المندائيين سبق لهم ان عاشوها ومارسوا طقوسهم فيها بوجود الانهار ومدافن موتاهم واماكن عبادتهم بوجود رجال دين مندائيين يحافظن على نسق تلك الممارسة الطقوسية التي تؤكد الهوية المندائية.

وبالطبع، بعد تزايد عدد من الافراد المهاجرين والمنتقلين الى مدن اكبر، تضعف الكتلة العددية للجماعة وتفقد كنتيجة لذلك رجال دين يقودون اركان الطقوس ويثبتونها كممارسة لابد منها للاجيال والمواليد الجديدة. فتتساءل المذكرات بطريقة لاتخلو من الالم عن وفيات كثيرة وفقد كبير لعديد من المعارف وقد يبدو ذلك طبيعيا لكن حين تكون المجموعة المندائية هي قليلة بالاساس في تلك البقعة من المدن فان الوفيات والهجرات ستؤدي الى فقد في طرق ممارسة الطقوس باعتبار ان حياة الجماعة ستتكفل بتلبية متطلباتها وهي كثيرة فكيف والحال بتنتاقص اعدادها بعد هجرة عدد كبيرة من اولئك المتخصصين بتلك الطقوس ؟وبالرغم من تمكن بعض التجمعات المندائية من معالجة عناصر الممارسة الطقوسية من (رجال دين واماكن عبادة ومدافن ومندى ومياه جارية وبردي وقصب.. الخ) لكن الموروث اللغوي للغة المندائية والموروث الديني كثيمات محددة للطقوس اخذت تضعف بغياب المتخصصين من رجال الدين والحلاليين وغيرهم ممن يشكل وجودهم على رأس الممارسة الطقوسية امرا لابد منه.

وبالقدر الذي استطاعت فيه المجموعات المندائية المهاجرة ضمن نطاق البلد الواحد - العراق هنا ميدان المذكرات- كما اسلفنا فقد صعب الامر كثيرا على تلك الجماعات المندائية المهاجرة الى بلدان بعيدة بعضها يصعب ممارسة الطقوس في مياه جارية بفعل عوامل الطقس والجغراقيا، وكلما ابتعد المندائي عن وطنه الام قلت كمية ونوعية تلك الممارسات الطقوسية لافتقارها الى منظومة ممارستها المذكورة اعلاه مضافا اليها تقلص الخبرات والافراد الذين يجيدونها والذين هم مؤهلون فعليا لممارستها دينياً.

 وبالقدر الذي يتحدث المؤلف في كتابه ومذكراته عن المحاولات الناجحة لسد تلك الثغرات الناجمة من التحول الى بيئات اخرى جديدة تستدعي وقتا وجهدا للتكوين مجدداً. واذا كانت اكثر البيئات نجاحاً هي ماوفرته بيئة اقليم كردستان من تخصيص اراضي ومدافن ومندى ونوادي ثقافية، لكن السؤال الذي تطرحه المذكرات في اكثر من موقع ومناسبة هو:

ماهو مستقبل الجيل الثاني ومابعد الجيل الثاني من اجيال على نمطية الممارسة الطقوسية للمندائية في بلدان المهجر ؟ وبالطبع المذكرات لاتتطرق كثيرا الى الحياة في الخارج نظراً لان الكاتب يعيش في داخل العراق بشكل مستمر ولكن ماورد فيها ببعض المواقع من المذكرات يعكس قدرا ولو يسيرا من واقع معيشة المندائيين الجدد في الخارج.

ويضاف لها الاسئلة الاخرى من قبيل كيف ستتصرف الطائفة المندائية وقيادتها في العراق والخارج لرأب تلك الثغرات الناجمة من التغيرات العميقة خارج نطاق الرغبة المندائية بالهجرات، ويطرح المؤلف بعضا من تلك الحلول ليس من تلقاء نفسه بل باقتراحه البحث عن حلول من قبل رجال الدين ودعوته لهم لتشكيل مؤتمرات عامة متخصصة تدرس الحالات الجديدة وتتصدى لها بحلول جذرية، حلولا تستهدف الحفاظ على الطائفة كدين سماوي توحيدي قائم على السلام والانسانية وبين توفير ملاكات جديدة من رجال دين متمرسين يستطيعون مواصلة المسيرة التاريخية للطائفة التي لم نسمع يوما انها افرزت ارهابيا او مجرما او جماعة ارهابية او تخريبية لابل على العكس فقد برز منها العلماء والاطباء والاختصاصيين والوطنيين ورجال العلم.

وقد لاتكون تلك المسؤولية مناطة بالطائفة ذاتها فقط بل ان المجتمع العراقي - وانا كرجل علماني مسلم لا انتمي للمندائية أرى من الواجب الوطني دعم تلك الطائفة واحترامها ومساعدتها في الاستقرار والعيش الكريم وهي مهمة مناطة بكل عراقي وطني شريف يحترم هذه الجماعة ويؤمن برسالتها الانسانية التي تكرس مفاهيم انسانية ووطنية واعتزاز بلغة الحوار والاخوة والمعايشة الانسانية بين الاثنيات الاخرى المكونة للنسيج الاجتماعي العراقي.

ثالثاً البعد السياسي والتمثيل في المجتمع العراقي

مثلت مرحلة اعتماد الكوتا لتمثيل الطائفة المندائية في مجلس النواب العراقي نقلة نوعية في تمثيل الطائفة المندائية بالرغم من صغر عددها كمكون ولكن مغزى تمثيلها هو في احترام الاديان والجماعات الاثنية والعرقية الاخرى المكونة للمجتمع العراقي، ووفقا للدستور العراقي الذي اخذ بنظر الاعتبار القلة العددية للتمثيل في مجلسس النواب واعتمد طريقة الكوتا لتمثيل الطائفة اصبح أمراً باتاً وجرى بموجبه تمثيل عدد من المندائيين لمقعد الكوتا ولكن المؤلم وكما اظهرته المذكرات ان تمثيل المندائيين لاينبع ولايعود للطائفة في نتائجه بل ان الاحزاب استطاعت اختراق ذلك المقعد لصالحها طمعا في كسب اصوات المندائيين لذلك الحزب الداعم للمرشح المندائي وهذه مفارقة عجيبة تضاف للعديد من الممارسات البرلمانية الغريبة في حياتنا السياسية المليئة بالغرائب.

ان الطائفة المندائية ادرى بشعابها وبرجالها وبعقلياتهم وبانحدارهم وبسيرتهم الذاتية وهم بالاساس وضعوا لكي يخدموا هذه الطائفة لاغيرها ويعكسوا همومها ويسعون لتلبية احتياجاتها وغير ذلك من الممارسات سيفرغ المحتوى الاساسي لمغزى التمثيل للطائفة عبر مقعد الكوتا ويجب على السياسيين من الجماعات الاخرى المشكلة لمجلس النواب اتاحة الفرصة للنائب المندائي للتعبير عن طائفته والتضامن معه على اساس المشتركات الوطنية لا الحزبية الضيقة.

والمذكرات لاتتحدث كثيرا لكنها تشير الى بعض من تلك الممارسات وتقيم عملية تقييمها لممثليها على اساس من الشفافية ونشاط النائب المنتخب الملموس في خدمة طائفته وبذلك تقدم المندائية ايضا نموذجاً شريفا ووطنيا قائم على خدمة الطائفة ضمن علاقات وطنية تحكمها قواسم مشتركة.

***

ابراهيم معروف - كاتب وصحفي عراقي

لندن ايلول 2025

 

تعرّف "الدولة العميقة" أنها شبكة سرية خاصة تضم مسؤولين حكوميين، وتشمل أحياناً كيانات كبرى تنشط في الغالب في المجالات المالية وفي الصناعات العسكرية، وهي تعمل خارج القانون بهدف التأثير على سياسات الحكومات وتوجهها وفق مصالحها. بعض الخبراء يعتقدون أن "الدولة العميقة" عالم سفلي غامض تعمل فيه عناصر مؤثرة في الدولة، وخاصة في الأجهزة الأمنية والعسكرية، تستعين فيه هذه العناصر المتنفذة بإمكانات خفية، وميزانيات سرية كبيرة، ويكون نشاطها بعيداً عن أجهزة الدولة الرقابية الرسمية.

هذه المفاهيم والتصورات تناولها كتاب "الدولة العميقة" للكاتب إيان فيتزجيرالد، ترجمة أحمد الهاشم، الصادر عن دار الكتب العلمية في بغداد 2022، المصطلح يُستخدم للإشارة إلى البُنى الخفية وغير المرئية التي تمارس نفوذًا فعليًا على قرارات الدول، بعيدًا عن الأطر الديمقراطية الرسمية. يسلّط المؤلف الضوء على الكيانات التي تعمل خلف الكواليس ـ من أجهزة استخبارات، وشبكات مصالح اقتصادية، وعصابات دولية، ومؤسسات مالية وإعلامية ضخمة ـ يُعتقد أنها توجّه السياسات العالمية بشكل غير مباشر.

يعود فيتزجيرالد إلى التاريخ في تفسير مفهوم “الدولة العميقة”، إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، مع نمو نفوذ الاستخبارات والأمن القومي في الغرب، خصوصًا في الولايات المتحدة، كما يناقش كيف أن المؤسسات التي من المفترض أن تحمي النظام الديمقراطي، أصبحت في بعض الأحيان تحكمه من وراء الستار، يقف الإعلام في مقدمة تلك المؤسسات كسلاح لصناعة وعي زائف في توجيه الرأي العام.

يتساءل المؤلف عن الغرض من وجود الحكومات؟ إنه سؤال كبير، بينما يتفق معظم الناس على أن الحكومات موجودة لحماية مواطنيها من الأذى، ولضمان إطار عمل يعيشون فيه حياتهم بأمان وإنصاف، لكن ليس الجميع يرى الأمر بهذه الطريقة، إما من وجهة نظر الدول العميقة، فإن الحكومات ليست سوى الوسائل التي تعزز بها مصالحها، وعلى النقيض من ذلك، ليس عامة الناس سوى مشاة ومارّة يجب دهسهم إذا اعترضوا الطريق.1973 The state

ما دامت هناك دول قومية، فثمة دول عميقة تتلاعب بها أو تقوضها، منذ عهد اليونان القديمة وروما، وحتى وقت قريب من انتخاب "ترامب " رئيساً للولايات المتحدة، هناك دولة عميقة، إنها منتشرة في كل مكان، وفي جميع الظروف، حتى يبدو من المغري إعادة التفكير في الحضارة كسلسلة كبيرة غير منقطعة عن المصالح الخاصة التي تسيطر على الأحداث. في حين يُعد الملوك والأباطرة والأمراء والسياسيون والرؤساء واجهات لسماسرة السلطة الحقيقيين في التاريخ، قد يكون ذلك في نهاية المطاف شيئاً من المبالغة، لكنها مجرد مبالغة ليس إلا.

الدولة العميقة موجودة بلا شك، تتجلى بأشكال متنوعة، تمتد في عمق التاريخ إلى الجنرالات الذين يحكمون الديكتاتوريات في مناطق مختلفة من العالم، من هناك يأتي الممثلون السيئون بسرعة ووفرة، ومع تطور مؤسسات الحكم في العالم الحديث، تطورت أيضاً الدولة العميقة المؤسسية أو البيروقراطية، لتهتم بالحفاظ على نفسها أكثر من اهتمامها بمصالح الدولة التي تخدمها اسمياً. وعلى نحو مماثل، مع صعود التجارة والأعمال والمال والتجارة، ظهرت الدولة العميقة للشركات للاستفادة من الثروات الهائلة والسلطة المتاحة.

ثم النظام المالي العالمي، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، لتشكيل سياسات الدول الفقيرة والضغط على الحكومات.

والاستخبارات كأداة تنفيذية للدولة العميقة، كذلك تتدخل في تغييرات الأنظمة، وتدير عمليات سرية في الخارج.

يقدم المؤلف أمثلة واقعية وتحقيقات لبعض التدخلات السياسية من قبل مؤسسات الظل، كما جرى في إسقاط حكومات عبر انقلابات ناعمة أو صلبة في دول (مثل تشيلي 1973، إيران 1953، مصر 2013 كمثال معاصر) واستخدام المنظمات غير الحكومية كواجهة للتأثير، والتلاعب بنتائج الانتخابات والتحكم في وسائل التواصل.

في الشرق الأوسط هناك فائض من العناصر الكفيلة وحدها في التسبب بصراع إقليمي، متمثلة بالصراع الديني والنفط والمياه والحدود المتنازع عليها، وبالتالي فهي المنطقة الأكثر تقلباً على وجه الأرض، وحيثما يكون هناك عدم استقرار، تكون هناك دولة عميقة تتشكل لدى بعض الدول، ومكشوفة في دول أخرى، " إسرائيل" إحدى كيانات المنطقة المتصدرة للدول العميقة، تركيا ومشاكلها مع الدولة الدينية العميقة، في مصر تبدو ملامحها في فضاضة السلطة العسكرية، والفرصة متاحة كي تنمو هذه الدولة في إيران والعراق.

أما في أسيا فهناك أدلّة مثيرة على وجود دولة عميقة في تايلاند وكوريا الشمالية، كذلك توجد البيئة المناسبة لها في دول أفريقية عديدة. بينما تعد أمريكا الوسطى والجنوبية الساحة المثالية التي تزدهر فيها الدولة العميقة. وفي روسيا شرع "بوتين" في إنشاء دولة عميقة خاصة به، تتمحور حول زملائه القدامى في الاستخبارات، ما يقرب من ثلث المسؤولين الحكوميين من 2000 إلى 2008 كانوا من جهاز " الكي جي بي" المخابراتي، ويعدّ سيرجي إيفانوف أحد قادته، كان وما يزال يشغل المناصب السياسية العليا، مما أتاح له جمع السلطة والثروة لنفسه وعائلته. وتستحوذ الدولة العميقة الروسية التابعة إلى جهاز المخابرات وعلى رأسها بوتين على مصادر الثروة في روسيا. أو حصص منها.

إن شكلاً جديداً من أشكال الدولة العميقة يدخل المعترك متمثلاً بصعود الحوسبة وتكنولوجيا الهاتف النقّال المحمول والنمو السريع للأنترنيت كوسيلة للتواصل وتبادل المعلومات، أدى إلى ولادة دول عميقة رقمية يمكن أن يتجاوز حجمها ومداها أي شكل من أشكال التأثير غير المسوّغ سابقاً. وفي الوقت نفسه، يقدم العالم السيبراني لكل دولة عميقة قائمة ـ سواء كانت على غرار شركة أو دولة عميقة سياسياً وبيروقراطياً وجنائياً وعسكرياً ـ فرصاً جديدة لتوسيع مصالحها ونفوذها أكثر من أي وقت مضى.

إن جهداً يحقق تفاعلاً معرفياً وحضارياً جدير بالتقدير، لقد قدّم المؤلف والمترجم معطىً ثقافياً نحن بحاجة إليه لفتح حوار مع أفكاره بصورة جادّة ومتجددة، ومناقشة التناقض بين ما يُعرض من "شفافية" ديمقراطية وبين حقيقة  القرارات الجوهرية التي تُتخذ في غرف مغلقة، وكيف تؤدي هذه الظاهرة إلى تراجع ثقة الشعوب بالمؤسسات، مما يشجع على ظهور الحركات الشعبوية والمتطرفة.

الكتاب مدعّم بالأمثلة، ما يعطيه مصداقية، وقيمة تحليلية عالية اقترنت بسلاسة الأسلوب وسهولة اللغة. وعلى الرغم من غزارة الأمثلة، فإنه يُفسّر بعض الأحداث السياسية على أنها ناتجة بالضرورة عن "الدولة العميقة"، من دون ترك مساحة كافية لعوامل أخرى (داخلية ـ اجتماعيةـ اقتصادية)، كما أن بعض التحليلات تفتقر إلى الأدلة الوثائقية القاطعة، وتقوم على استنتاجات وربط أحداث غير مثبتة تماما.

يُذكر أن (إيان فيتزجيرالد)، صحفي وكاتب بريطاني معروف بكتاباته في مجال التحقيقات السياسية، والقضايا الأمنية، والظواهر الخفية في العلاقات الدولية، والمنظمات السرية، والجماعات المتنفذة التي تؤثر على مسار السياسات العالمية.

وغالباً ما يتصدّى للحروب غير المعلنة، والتدخلات السرية التي تشنّها الدول الكبرى، ولا سيما في الشرق الأوسط وآسيا. يجمع بين السرد الصحفي والتحليل السياسي، ما يجعل قراءته مثيرة ولكن تتطلب وعيًا نقديًا.

" الدولة العميقة " عمل مهم لفهم الكواليس السياسية والاقتصادية التي تدير العالم بعيدًا عن الأضواء. إنه دعوة للتفكير النقدي، يكشف عن القوى غير المرئية التي تُملي سياسات الدول تحت غطاء “الديمقراطية”. ورغم ميوله أحيانًا نحو التفسيرات التآمرية، فإن قيمته تكمن في إثارة الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات النهائية.

***

جمال العتّابي

للكاتبة سعاد محمد الناصر

حين بدأت أقرأ كتاب أفكار في دهاليز الذاكرة للكاتبة سعاد محمد الناصر شعرت أنني أمام نصوص مختلفة عمّا اعتدته من كتب، فهي ليست رواية بأحداث مترابطة ولا سيرة ذاتية تحكي حياة كاملة، بل هي أشبه بصفحات من دفتر شخصي كتبت فيه الكاتبة ما يخطر في بالها من مشاعر وتأملات وأفكار. منذ البداية تقول إن الأفكار في الذاكرة لا تمشـي في خط مستقيم، بل تتناثر مثل أطياف سريعة، تحمل أثر اللحظة وصوت الشعور، وكأنها تعلن للقارئ أن ما سيجده هنا ليس نظامًا صارمًا، بل شذرات صادقة خرجت من القلب.

الكتاب كله قائم على هذه الفكرة: أن الحياة ليست قصة متسلسلة تبدأ من نقطة وتنتهي بأخرى، بل هي محطات متفرقة، نتوقف عندها ونلتقط منها ما نشاء. تقول المؤلفة إن ما تكتبه ليس سيرة طويلة بل مجرد محطات على طريق روحي، وفي هذا ما يفتح المجال لكل قارئ أن يجد نفسه بين السطور، لأن المحطات هنا تشبه محطاتنا جميعًا: حزن، فرح، انتظار، أمل، وانكسار.

اللغة التي استخدمتها الكاتبة بسيطة قريبة، لكنها في الوقت نفسه عميقة وصادقة، فهي تكتب وكأنها تبوح لصديق يجلس بقربها. في أحد المواضع تكتب أن مشاعرها كثيرًا ما تضغط عليها، لكن الكتابة تفتح لها أبواب الانتصار، وهنا يفهم القارئ أن النصوص لم تُكتب من أجل الأدب فقط، بل من أجل النجاة. الكتابة بالنسبة لها وسيلة لمواجهة ثقل الذاكرة، طريق يجعلها أقدر على احتمال الحزن ومواصلة الحياة.

وتظهر براعة الكاتبة في تحويل التفاصيل اليومية إلى إشارات مليئة بالمعنى. فهي تصف فنجان قهوة في صباح شاحب وكأنه نافذة صغيرة على حياة أكبر، وهذه الصورة البسيطة تقول الكثير عن قدرة الإنسان على أن يرى في الأشياء الصغيرة ما يعيد له الأمل. وهكذا يكشف الكتاب أن المعنى الحقيقي لا يوجد في الأحداث الكبيرة فقط، بل في أبسط لحظاتنا التي نمر بها كل يوم.

ولا يقف النص عند حدود التجربة الفردية، بل يتجاوزها أحيانًا ليصف ما حولنا من واقع. فهي تتحدث عن الشوارع المزدحمة والمليئة بالنفايات، ثم تلمّح إلى أن ما في الخارج ليس سوى انعكاس لما نحمله في الداخل، وأن تنظيف القلب قد يكون بداية لتنظيف الطريق. بهذه اللمسة البسيطة تربط الكاتبة بين الفرد والمجتمع، بين الداخل والخارج، وتذكّر القارئ أن التغيير يبدأ دائمًا من الذات.

وأنا أقرأ لم أشعر أنني مجرد متلقٍ، بل أحسست أنني شريك في هذه التجربة. كل نص أيقظ في داخلي شيئًا ما: ذكرى قديمة، أو سؤالًا مؤجّلًا، أو رغبة في النظر إلى حياتي بطريقة أخرى. وهذا ما يجعل الكتاب قريبًا من القارئ، لأنه لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يفتح أبوابًا للأسئلة.

الذاكرة هنا تظهر مثل دهليز طويل، فيه أماكن مظلمة وأخرى مضيئة. أحيانًا تكون الذاكرة عبئًا يؤلم صاحبه، وأحيانًا تتحول إلى طريق للرجاء والخلاص. وهذا التناقض جزء من جمال النصوص، فهي لا تنكر الألم لكنها في الوقت نفسه تبحث عن فسحة ضوء داخله.

وحين أنهيت الكتاب شعرت أنني لم أغادر دهاليز الذاكرة حقًا، بل أصبحت جزءًا منها. النصوص تركت في داخلي صدى مدوياً: بعضها جعلني حزينًا، وبعضها منحني طمأنينة، وبعضها علّمني أن أنظر للحياة من زاوية جديدة. والشيء الأجمل أنني لم أشعر وحدي، بل أحسست أن هناك من يكتب تجربته ليشاركني بها، وأن هذه المشاركة وحدها كافية لأن تخفف من ثقل الدهاليز.

إن كتاب أفكار في دهاليز الذاكرة عمل بسيط في لغته، عميق في أثره، لا يقدّم نفسه كعمل كبير مكتمل، بل كأصوات متناثرة، لكن هذه الأصوات حين تجتمع تترك في القارئ إحساسًا صادقًا وقويًا. إنه كتاب للبوح والتأمل، كتاب يجد فيه كل قارئ مرآة صغيرة لنفسه، وربما نافذة على حياة أوسع.

***

بقلم: د. علي الطائي

التأملات الحداثية في الجسد الروائي المابعد حداثي

توطئة: قد لا تكون بنا تلك الحاجة اللجوجة في البحث والمناقشة المتقصية في كتاب (تطور الرواية الحديثة) لجيسي ماتز التي قامت الروائية والمترجمة القديرة الأستاذة لطفية الدليمي إلى نقله من اللغة الأنكليزية إلى العربية بجهود غاية في الدقة والأمانة الموضوعية، خصوصا بعد مقدمتها المطولة عن محتويات الحالات المفهومية ــ الإجرائية، والتي نستشف منها بأن الأستاذة الدليمي عاشت مراحل كينونية خاصة مع هذا المنجز القيم، وقد وضحت الدليمي الشواهد الجديدة في ممارسة آليات  ماتز على وحدات هذا المشروع النقدي الأخاذ حقا. الحقيقة أن القارئ لهذا الكتاب سوف يواجه حالات انطباعية دون شك في مقادير إجرائية الباحث للمفاهيم والمصطلحات وبعض المؤولات التي راح فيها الباحث متشعبا في الإحاطة والرؤية للممارسة البحثوية للنصوص والظواهر الأسلوبية المدروسة في مشروعه النقدي والذي جاءنا ضمن حدود ثلاث كلمات (تطور ــ الرواية ــ الحديثة) وهذا الأمر ما يعنيه بذاته أن جيسي ماتز يتجلى في مقارباته مراحل زمنية منفصلة وواصلة من نمو المستوى الروائي، ولكن ما هو غالب في أهمية الكتاب موضع بحثنا الإشكالية في تقبل ورفض تشكلات موضوعات الأطروحة لدى ماتز، خصوصا في ما جاء في بعض فصول الكتاب ك(الأشكال الجديدة: إعادة تشكيل الرواية ــ ما هو الواقع: الأسئلة الجديدة ــ المعضلات الجديدة) لعل مردود استنتاجات الباحث كانت ناتجة عبر هذه الفصول إلى ركائز الأحوال الانطباعية في مخيلة الباحث، وصولا بها إلى رؤية تحولات الرواية مرحلة عكستها الوظيفة المتشظية والمرور السريع حول الزمن الأجماعي في شواغل الموضوعات، ولو افترضنا بأن ما اشار إليه الباحث هو التداولية في الاحوال النصية هي ما جعلت من سياقات الروايات وكأنها: (ما الذي تبقى إذن للرواية الحديثة ؟ ما الشكل الذي ستكون عليه هذه الرواية بعد خسارتها إيمانها بالأصالة والفن والقدرة التميثيلية وإمكانية اجتراح الغير. م ص288)و مع ذلك نلاحظ أن الباحث في الوقت نفسه يطرح في فصول متقدمة هو ضرورة إنفكاك الرواية من سياقات موضوعاتها النمطية التي بدورها موازية إلى مقادير النشأة والأصالة في محدودات الرواية الكلاسيكية. أنا شخصيا أرى أن في مقاربات الباحث في بعض فصوله حالات اجترارية نوعا ما، خصوصا فيما يتعلق بمسألة الحداثة وما بعد الحداثة الروائية، لذا لمحناه يتناول الأطر القيمية من أبواب معروفة وقد أصبحت من الاتفاقيات المطروحة في الساحة النقدية.

ــ الرواية والاستجابة ما بعد الحداثوية

من المؤكد أن الرواية عبر اختلافاتها ومبايناتها الدلالية، قدمت لنا ممكنات خاصة تتعلق في حدود (التشظي = التفتيت) أو (اللاتحديد) أحيانا الانزياح في مواطن تفاعلية غير واضحة أقول عموما جاءتنا أغلب فصول الكتاب بقراءات مستفيضة بالكوامن الرصينة، لذا بدت بعض مواضع الفصول وكأنها ذلك الارتداد اللانهاية من نطاق الحداثية وتأصيلاتها النوعية.

1ــ المشهد الروائي ونزوعات الواقعية الموثقة:

ما أراد الباحث جيسي ماتز التأكيد عليه هو الكيفية التي سادت فيها المشهدية الروائية وخصوصا الأمر متعلقا بتلك الحياة الواقعية في صميم المحتوى اليومي المقرر والفج. لعل ما أراد الحديث عنه الباحث هو ما يتعلق بالواقعية الشكلية أي فيما يختص فيه الأمر بجعل الصورة الشكلية هي الأداة المعبرة عن حقيقة الواقع شكلا ودالا. وهذا الأمر بدوره عانى منه الكثير من النقاد وهم يواجهون عملية استنساخ الواقع ضمن ذات التمظهرات والرائحة والطعم، لذا فهي الواقعية المستنسخة ليس فقط مما توصل إليه جيسي ماتز، بل هي مطروحة منذ عقود طويلة خلت.

ــ تعلق القراءة: لعل كتاب (تطور الرواية الحديثة) هو النقطة التي تراجع وتمهد فيها مفاهيم الرواية. فالكتاب يفتح على القارئ احتمالات لا نهائية في رحلة المعاني ودلالات السرديات المطمورة والبارزة، حيث الحياة القارائية من خلال فصول الكتاب بدت وكأنها القراءة في الرواية عبر صورها الأولى واللانهائية من سلسلة مؤولات النقد والناقد الأدبي والثقافي. ويحاول الباحث جيسي ماتز في كتابه موضع بحثنا أن يتعامل مع الحيز الروائي بفعله المادي وفعله المعنوي: فتراه لا يكاد يتوقف عن التطواف في الخرائط الإجرائية، فهو أبن بطوطة الغربي في الرواية، ويساوي فعل السفر فعل الكتابة. ولعل الجديد في مباحث فصول الكتاب هو ذلك السلوك الفردي الذي اختار أن يتعامل مع الأساليب الروائية ومحاورها الأدبية بذات الفراسة الجديدة في الكتابة ومسارات سبلها الإجرائية المؤثرة.

***

حيدر عبد الرضا

 

حاز مبحث تطوّر العلوم في الحضارة العربية الإسلامية اهتماما ملحوظا في الدراسات الغربية، وضمن هذا السياق يأتي كتاب الباحث الإيطالي غولييلمو رينزيفيللو "الإسلام وتطوّر المعارف العلمية والتقنية"، بوصفه محاولةً لرصد تلك المنجَزات وتتبّع مساراتها وتقفّي محفّزاتها. يُفرد المؤلف منذ مطلع كتابه فصلا للحديث عن بدايات الترجمة، بوصفها مفتاح عصر التحول العلمي العربي، حيث مثّل القرنان التاسع والعاشر الميلاديين عمق التطور والاستيعاب للثقافات المغايرة. هذا وقد أطلّ مع تلك الحقبة ملمح ثقافة تعدّدية، اُستهلّت بالبحث عن علوم الأوائل، عبر الحرص على اكتشاف تراثات الإغريق والفرس والهنود، وتعريب مختارات منها وتوظيفها في الفروع المعرفية الناشئة.

وتبعا لهذا الدور مثّلت الحضارة الإسلامية الصاعدة الوريث لمدرستي أثينا والإسكندرية، ليس في المجال الفلسفي فحسب، بل في المجالات العلمية أيضا، من خلال الانشغال بترجمة المؤلفات الرياضية والطبية والفلكية. وهو ما خلّف حوافز مهمّة في نمط التفكير وفي المنحى التجريبي. كانت التجليات بارزة في الحياة المعيشية والعمرانية، وفي أنظمة تسيير دواوين الدولة والمؤسّسات العامة. وكما يرصد الباحث مثّلت مظاهر الاشتغال العلمي على اللغة، وتفكيك النصوص والسِّير، إلى جانب تتبّع حراك المجتمعات والحضارات، عوامل فاعلة في صياغة العقل العلمي والمجتمع المتحضّر.

وفي تطلّعِ المسلمين الأوائل إلى بناء "مجتمع العلم" أبرزَ الكاتب أشكال استيعاب الفكر المغاير بوجهيه العقلي والتقني، من خلال بعث مؤسسات الترجمة والتعليم وإشاعة المعارف على نطاق واسع، معتبرا الباحث رينزيفيللو الفيلسوف الكِندي المنشئ والمؤسس لأسس المعارف العلمية والفلسفية عند العرب. وضمن عمليات التشييد للمجتمع العلمي، يُبرز الباحث أن انطلاق العرب في التعامل مع الآخر، كان على أساس ضوابط أرساها الكندي، من خلال تحديد ما قاله الإغريق بدقّة، وفرز النقاط الواهنة فيه، ومحاولة إيجاد حلول لها أو تصويبها، للوصول إلى إتمام ما بقي منقوصا لدى القدماء. غدا هذا الاشتغال الذي ضبطه الفيلسوف الكندي تقليدًا في مجمل التفرّعات، في الطبّ والفلك والحساب. وقد أضفى أوائل المعنيين بالفلسفة الإغريقية على المفاهيم الفلسفية المورَّدة صبغة عمَليّة إجرائيّة، لتخرج الفلسفة من طابع التجريد النظري الذي طبعها إلى طابع التنزيل العملي، وهو ما تجلّى في النظر إلى قضايا الدين والسياسة والاجتماع والتاريخ وما شابهها.

وفي مسعى للإمساك بالعوامل المحفّزة للبحث العلمي، يبرز الباحث رينزيفيللو أنّ القرآن الكريم قد شكّل عنصرًا حاسمًا في الانتقال من الثقافة الشفوية إلى الثقافة المكتوبة، لِما أسهم به في ترسيخ تقاليد مستجدّة في شتى المجالات. ولتغدوَ العربية اللغة العلمية والإدارية بشكل متدرّج في كثير من الأصقاع التي بلغها المدّ الإسلامي. فقد كانت العناية المبكرة بالعربية حافزا مهمّا للتعامل العلمي مع اللغة. بوصف العربية لغة ذات طابع قدُسي، وتتطلّب عناية أوفر. وهو ما تجلى في تصنيف المعاجم، وإرساء القواعد التي ينتظم بها الكلام العربي الفصيح. إذ أسهمت "عَلْمَوَة" اللغة في ترسيخ تقليد البحث العلمي في عدة مجالات، ولا سيما في تنقية المرويات، بما انعكس جليّا في تطور علم التاريخ.

ودائما ضمن السعي للإمساك بالعوامل المحفّزة للبحث العلمي، شدّد الباحث على أنّ نشأة العلوم جاءت من داخل الحاجات المرتبطة بالنصّ المقدس، سواء مع تطوّر علوم الشريعة أو مع ترسّخِ علوم اللغة، أو غيرها من علوم الوسائل الأخرى. كانت المفاهيم الدينية في الميراث، والزكاة، وأداء الشعائر على أحسن وجه، حوافز ضمنية لاكتساب المعارف وتطويرها.1951 enayat

وقد كان لاكتساب المسلمين فنّ صناعة الورق، وتصنيعه في عدّة حواضر في بلاد الإسلام، على إثر أسْرِ مجموعة من صنّاع الورق الصينيين، الأثر البارز في انتشار المعارف المترجَمة والمنجَزة في مختلف أرجاء العالم الإسلامي. هذا وقد تعزّزت صناعة الورق وتنوّعت مواد تصنيعه بحسب الحاجة والدور. فعلى سبيل الذكر، بلغت أعداد مخابر تصنيع الورق، في سمرقند وأحوازها، خلال القرنين التاسع والعاشر الميلاديين 42 مخبرا. وانتشرت تلك الصناعة في دمشق وبغداد والقيروان وفاس، وما إن أطلّ القرن العاشر حتى بلغ انتشار نقاط التصنيع الأندلس وصقلية. كما ساهم تطور تلك الصناعة في انتشار العلوم الدينية، والعلوم العقلية، وعلوم الآلة في أوساط العرب، وبما يعني انتشار الثقافة العلمية في النسيج الاجتماعي.

وفي سعي المسلمين الجاد إلى بناء مجتمع علمي، وضعت التحولات الجديدة الجماعات الناشئة مع الفتوحات أمام حاجة تطوير التقاليد القديمة، في العمران والإدارة والجيش والاقتصاد، أي بما يلبّي حاجات المجتمع الجديد. كان للمُثل الخُلقية، على المستويين الفردي والجماعي، وبالمِثل المفاهيم الاجتماعية المستحدَثة والنواميس المتَّبعة الدور في دفع التحول نحو مجتمع علمي، وهو ما برز في الحثّ على تشكيل تميّزٍ حضاري جديد بدت ملامحه تتجلّى في منجزات علمية وتقنية مطلوبة من فئات عديدة. ورغم ظهور الخلافات السياسية في القرون الأولى، والانعطاف نحو أشكال من الاستقلال السياسي في المشرق والمغرب، إلّا أنّ البنية الاجتماعية والتشريعية والخُلقية بين المسلمين بقيت متماسكة، ممّا يَسّرَ ظهور ما يشبه التحولات العالمية، التي مسّت المبادلات التجارية والمعرفية في إمارات وسلطنات مترامية الأطراف. خلقت تلك الأوضاع وحدة اقتصادية في شتى أرجاء العالم الإسلامي، رغم الخلافات والنزاعات بين مراكز الحكم.

ليس موضوع متابعة تطوّر العلوم والتقنيات في التاريخ العربي مع رينزيفيللو مبتكَرًا، وإنّما ينضاف إلى سلسلة الدراسات والأبحاث التي تطرّق إليها باحثون آخرون، ولكن الجديد في بحث الرجل حرصه على الإلمام بالمتغيرات الذهنية والفكرية، والتقاليد المؤسسية والمعرفية التي ألمّت بالعرب والمسلمين مع انبلاج عصر الإسلام، وهو ما بدا في إنشاء الحواضر الجديدة: القيروان، المهدية، فاس، القاهرة، ناهيك عن توسّع رقعة المدن القديمة إلى مساحات غير معهودة. انطلقت ثورة عمرانية، تبعها اكتساب تقنيات قديمة وتطوير أخرى جديدة، في إنشاء المساجد والقصور والحمامات ومدّ الطرقات وبناء الأسوار. فقد لمس المسلمون الحاجة إلى ضرورة تجاوز التقنيات القديمة إلى تقنيات جديدة، تلبّي متطلّبات التطوّر المجتمعي الحاصل.

حرص الكتاب على رصد مختلف التقاليد المعرفية، وذلك بغرض الوصول إلى منابع التحوّل الذهني التي قادت إلى نهضة علمية وتقنية. نرى المؤلف أحيانا يتابع تطوّرَ أنواع من المعارف، قد تبدو بعيدة عن الشأن العلمي، ولكنّه يتلمّس من خلالها أصول الذهنية الجديدة التي أضحت حاضرة لدى أتباع الدين الناشئ. وبما أثّر على مختلف الجماعات المستظلّة بظلّه، في تعاطيهم مع الكون والحياة، ومن ثَمّ في إبداعهم العلمي وابتكارهم التقني. لقد دأبت الدراسات السالفة على تناول التطوّر العلمي الحاصل لدى المسلمين في قطاع محدّد أو في صناعة بعينها، مع الباحث رينزيفيللو توسّعت هذه المتابعة لتشمل تفرّعات مختلفة. انطلق بالبحث في التحولات الفلسفية التي ألمّت بالمجتمع، وفي نظرته إلى ذاته وإلى العالم، ثم تابع تلك التحولات في مجالات عدة، ليخلص إلى أنّ ما طرأ على الجماعة المسلمة، التي أضحت إمبراطورية مترامية الأطراف، هو تحوّل معنوي وعملي في الآن نفسه.

حاول المؤلف أن يصل إلى جملة من الخلاصات، مفادها أنّ الإسهام الذي قام به العرب والمسلمون في تطوير العلوم، هو إسهام أصيل وجليل ومبرهَن على رفعته من خلال جملة من المنجزات والمبتكرات، ولذلك بدت الحلقة الإسلامية ضرورية في فهم مراحل تطور العلوم على نطاق عالمي.

الإسلام وتطوّر المعارف العلمية والتقنية (القرن الثامن. م- القرن الثاني عشر. م)

المؤلف: غولييلمو رينزيفيللو

منشورات: نوفا كولتورا، روما- إيطاليا، 2025

(الكتاب صادر باللغة الإيطالية)

***

د. عزالدّين عناية - أستاذ تونسي بجامعة روما- إيطاليا

الذهاب في درب الشعر بما هو حنين العناصر والأمكنة والكائنات بحثا عن جمال الكلمات والصور والأصوات..

تمضي الكلمات في دروبها حيث الكائنات مفعمة بالنشيد والأحلام والذكرا.. هي فسحة القلب في أكوان تتلاطم أمواج أحاسيسها وتفاصيلها المكللة بالذكرى وبالغناء الطالع كزهرات في بستان منسي لم تعهده سوى الفراشات وهي المغمورة بالجمال في رياح ناعمة تصنع الهبوب والألق والبهاء...

هي كلمات الذات في سفرها وغدوها ورواحها وفي عناصر بهجتها نحتا للقيمة وتأصيلا للكيان.. وبين الكلمات الطافحة بالحنين والأصوات المسكونة بالشجن والجمال والصور المشيرة الى المعاني.. يبرز الالمكان بتعدد ألوانه من البحر الى الاخضرار الى الأنهار الى الحدائق.. الى كل ما هو باعث على السحر الدفين والهدوء..

ثمة أمنيات ونشيد وحروف ترقص وهي تشكل الكلمات والمعاني في مياه الشعر العذبة والجهات في هذه الأرض التي تسعد بجمال الكلمات والذكرى والحب والحنين والأمل المبثوث والطالع من أنفاس أطفال لا يرتجي غير أحوال الرفعة والبهاء لأجل سكينة وهذوء العناصر والأشياء..

من هنا كانت في ذهابها في أرض الكلمات والشعر والغناء بكثير من شؤون وشجون الذات.. كل ذلك وفق عنوان لافت هو الكائن في سفره الناعم باسم الحنين.. كم يقتل الحنين كائنه مثلما تفعل تلك الخيوط بالكمان ليولد اللحن الشجي والنغمات الدافئة.. انها موسيقى الأرجاء على ايقاع الجمال في الجهات والأمكنة والأحوال..

بدأت علاقتها بالشعر وبالكتابة منذ طفولة حالمة ديدنها الذهاب تجاه عوالم لا تقول بغير الحلم والنوستالجيا مجالا للعناق الشعري بكلمات وصور وأصوات هي من جوهر ذاتها المبحرة والموغلة في فتنة الكلام كما ترى هي ذلك وتقوله وتحلم من خلاله ببلوغ مراتب القول والفن والابداع.. وهي المفعمة بدهشة العوالم والرغبات الموزعة بين الكتابة والقراءة والحنين والصوت وهو يقرأ المشاهد والصور.. كون من رغبات شتى نحو الآفاق وتجليات الطفولة الكامنة في الكينونة..

هكذا هي الشاعرة والمترجمة والصوت الاذاعي المميز الكاتبة ايمان داوود.. في نشيدها المفتوح على العلم وجواهره المتصلة بالابداع والبهجة والحنين.. هي الآن تعد لديوانها الشعري الجديد باللغة الفرنسية  بعنوان " همسات قلب مُنتشٍ" وفيه عدد من القصائد المعبرة عن ذات الشاعرة وهي ترى العالم وكائناته وأمكنته بعين القلب لا بعين الوجه عنوانها الحنين ودافعها الحلم هكذا هي تكتب تتقصد القصائد يهزها النشيد مثل فراشات من ذهب الأزمنة.

ديوان بعنوان معبر والنصوص بها شفافية الذات في تفاصيلها قولا بالسير نحو الشعر هذا الاخذ بناصية الأشياء والعناصر.. احساسا ووجدا وسفرا في دروب الكينونة..

نشرت بعدد من الفضاءات والمواقع نصوصها باللغتين العربية والفرنسية ولها مبادرات متعددة في ترجمة النصوص الأدبية وتسعى لأان تشارك في فعاليات ومهرجانات وطتيه ودولية للابداع الأدبي وللثقافه والشعر وفي هذا الجانب من تجربتها تقول الشاعرة والمترجمة ايمان داوود ".. أرغب في ان اترجم اكثر من اثر الي الفرنسيه او العكس

و ان اجد حظي ومكاني المستحق في الساحة الثقافيه وفي الاعلام كشاعرة وكاتبة ومترجمة تونسية على الصعيد الوطني والعربي والعالمي.. صفاقس هي مدينتي ومسقط راسي..  وقد كانت لي رغبة جامحة للذهاب في عالم الأدب وكانت العائلة حاضنة هذه الموهبة في بداياتها وشجعتني للمضي في الكتابة التي تطورت ضمن بنامج اذاعي قدمته وفيه قراءات شعرية بصوتي وتواصلت تجربتي في الكتابة حيث الشعر بالنسبة لي عالم رحب وجميل لاكتشاف الذات وعشقي للموسيقى قديم بين الأغنيات العربية القديمة والحديثة والموسيقى الغربية.. الأدب مجال مفتوح على الحلم والدهشة.. قرأت للعديد من الأدباء واستوقفني اعجابا عدد غير هين منهم وأذكر الشاعر الشابي وجعفر ماجد ونجيب محفوظ...و غيرهم.. ديواني هذا الذي هو بصدد الاعداد باكورة كلماتي بين الحلم والحنين في حياة الانسان وهو يعانق جمال الأشياء والأمكنة والعناصر وأتمنى النجاح ضمن تجربتي حيث الشعر عالم يأسرني بجماله وفداحة حلمه وحنينه الجارف...".

هكذا هي الشاعرة ايمان داوود أستاذة اللغة الفرنسية والمترجمة والاذاعية تمضي في دروب الشعر والكلام والأدب وفي قلبها شغف لا يضاهى بسحر المعاني والكلمات ويمثل ديوانها الشعري هذا " همسات قلب مُنتشٍ" مجالا ضمن محطة من مسيرتها الشعرية فيه النظر والتأمل والقول بالشعر حالة وجد وحنين وحلم في عالم متغير ومربك.

***

شمس الدين العوني

"على وَقْع خُطىَ كرِيسْتُوفر كُولُومبُوس إلى أمريكا الجنُوبيّة" الفائز بجائزة ابن بطّوطة فى أدب الرّحلة واختراق الآفاق لعام2025

مُغامرون نذرُوا أنفسَهم لإستكناه المَجهُولْ

 خلّف لنا التاريخ سجلاًّ هائلاً وحافلاً بأسماء هؤلاء الذين نذرُوا أنفسَهم لإستكناه الغوامض، والغوْص وراء كلّ مجهول، والذين يُعتبرون بحقّ رُسلاً للإنسانية جمعاء لِمَا قدّموه لنا من خدماتٍ، وما بذلوه من جهودٍ بحثاً عن حقائق الحياة وألغازها التي ليس لها حدود، بل وللتعرّف على أسرارالكائنات التي تدبّ عليها على اختلافها، ولا ريبَ أنّ رحلة البحث الطويلة المُضنية التي بدأتها البشرية فى غياهب المجهولات سواء فيما يتعلق بالأماكن النائية، واكتشاف قارات جديدة، وسبر عوالم مجهولة، وجزر منعزلة، وأدغال مُوحشة، وأصقاع سحيقة، بل وتقديم معلومات ضافية حول سكّان وشعوب تلك المناطق، وعن عاداتهم، وتقاليدهم، وطبيعة عيشعم، وتراثهم، وآثارهم، وكلّ ما يصاحب ذلك من فضول علمي رائع، كلّ ذلك يتوازىَ مع رحلة البحث عن أغوار المعرفة، وأسرار الحكمة، وحقائق العلم المذهلة.

ويدخل فى هذا المجال الاكتشافات الكبرى التي توصّل إليها علماء أفذاذ على إمتداد التاريخ بما قدّموه بواسطتها من خدماتٍ لصالح البشرية، وما كشفوا عنه النقاب من غوامض ومجهولات. وعلى الرّغم من الأشواط التي قطعتها البشرية فى هذا الميدان، فإنّها فى الواقع لا تزال فى أوّل الطريق، تتابع رحلة البحث، والكشف، والاختراع، والإبداع، ولمّا تزلْ أمامها أشواط بعيدة المدى لبلوغ الغايات التي نتوق إليها جميعاً.

والرّحلة بمعناها الواسع لا تخرج عن هذا السّياق، إذا كانت تقدّم لنا معلوماتٍ جديدةً عن أماكن وقارات وأشخاص وعادات تلك البلدان، ولا شكّ أنّ رحلة المغامر كريستوفر كولومبوس للقارة الأمريكية تُعتبر درّةً فى جبين الرّحلات الاستكشافية على امتداد التاريخ. إنّ العصر الذي أصبحنا نعيش فيه، وما يوفّره لنا من وسائل الرّاحة وسرعة الحركة والتنقال والإتّصال يقدّم لنا الدّليل على مدى الشّجاعة التي كان يتحلّى بها هؤلاء الرحّالون، ومدى قدرتهم على التحمّل والصّبر ومجابهة الصّعاب، وسبر المغامرات، والتعرّض للمخاطر، بل وللموت المُحقّق فى كثير من الأحيان فى وقتٍ لم يكن يتوفّر فيه أيّ تطعيم ضدّ أيّ وباء من الأوبئة الفتّاكة التي كانت تأتي على الأخضر واليابس فى تلك العصور السّحيقة إذا قيست بإمكانياتنا المعاصرة الهائلة، وفي وقت كانت وسائل السّفر ما تزال بدائية.

أنواع الرّحلات

من المعروف أنّ هناك أنواعاً متعدّدة من الرّحلات، فمنها رحلات المغامرات، والاكتشافات، والبحث عن المعادن الثمينة، والتنقيب عن الآثار النادرة، وعن منابع الأنهار الكبرى، وإجراء دراسات علمية، وكذا عن الرّحلات الخيالية، والدينية، والوقوف على الأماكن المقدّسة لمختلف الديانات، فضلاً عن الرّحلات الاستطلاعيّة، والفضائية، والجغرافية، والتعليميّة، والسياسية، والدبلوماسية وغيرها من أنواع الرّحلات الأخرى، وقد تكون الرّحلة لأغراضٍ شخصية فتغدو رحلة شاملة ممتعة ومفيدة، وأشهر مثالٍ لهذا النوع رحلة إبن بطوطة الشهيرة، الذي خرج من مدينة طنجة قصد زيارة البيت الحرام فى مكّة المكرّمة، فإذا به يطوف الدنيا طولاً وعرضاً، وتستغرق رحلته زهاء 28 سنة، وهي تعتبر لذلك من أشهر الرّحلات فى هذا المجال، وفاقت رحلة ماركو بولو الإيطالي الشهير بثلاثة أضعاف حسب "ناشيونال جيوغرافيك"، ولقد تُرجمت رحلة ابن بطوطة إلى مختلف لغات الأرض، ونوّه بها غيرُ قليل من الباحثين على امتداد العصور، كان آخرهم المفكّر الفرنسي روجيه غارودي فى كتابه “حوار الحضارات”، حيث فضّل ابنَ بطّوطة على ماركو بولو وسواه، ونوّه بهذه الرحلة كذلك المستشرقان الإسبانيان الصديقان سيرافين فانخول، وفيديريكو أربُوس اللذان نقلا هذه الرحلة إلى اللغة الإسبانية وغيرهما من الباحثين.

شروط الرحّالة

ونظراً لما يتعرّض له الرحّالة من مخاطر، ومفاجآت، وأهوال فإنّه ينبغي أن تتوفّر فيه عدّة شروط يوجزها مَثلٌ إنجليزي طريف، تحفل به معظمُ كتب الرّحلات، وهو يقول: “ينبغي أن يكون للرحّالة عينا صقرٍ ليرىَ كلَّ شيء، أن يكون له أذنا حمارٍ ليسمعَ كلَّ شيء، أن يكون له فمَ خنزيرٍ ليأكلَ كلّ شيء، أن يكون له ظهرَ جملٍ ليتحمّلَ كلَّ شيء، أن تكون له ساقا معزةٍ لا تتعبان من المشي، أن يكون له، وهذا هو الأهمّ، حقيبتان امتلأت إحداهما بالمال، والثانية بالصّبر!.”

وليس بخافٍ أن فنّ الرّحلات من الفنون التي تتوق إليها النفس لما تتضمّنه من عناصر التشويق والمفاجأة والأخبار المثيرة، خاصّة إذا كانت خالية من التصنّع والافتعال، حتى إذا قرأنا ما خلّفه لنا هؤلاء الرحّالون عشنا ما عاشوا، ووقفنا على كلّ ما حدث لهم أثناء رحلاتهم، وكأننا كنّا مرافقين لهم جنباً إلى جنب.

يقول الرحّالة الشّريف الإدريسي، المولود عام 1100 م فى مدينة سبتة المغربية المحتلّة، فى كتابه الشّهير ” نزهة المشتاق فى إختراق الآفاق”:

ليت شعري أين قبري / ضاع فى الغربة عمرِي

لم أدع للعيش ما / يشتاق فى برٍّ أو بحرِ

بالإضافة إلى إبن بطوطة الطنجي والإدريسي السّبتي الشهيرين، سجّل لنا التاريخ أسماءَ رحّالة آخرين عالميين عظام؛ مثل ماركو بولو، وكوك، وماجلان، وكولومبوس، ونونييس دي بالبوا، وإيرنان كورتيس، وفرانسيسكو بيثارّو، وفاسكو دي غاما، وأبو الريحان البيروني، والقزويني، وابن سعيد المغربي، والزيّاني، وابن جبير، وابن عثمان، والموصلي، والورداني، والشدياق، وسواهم.

 يزخر الأدب العربي والعالمي على حدّ سواء بفنّ الرّحلات منذ أقدم العصور، ولقد عرف المغاربة على وجه الخصوص هذا النّوع من الفنّ منذ زمن بعيد، ويذكر لنا ابن بطوطة فى رحلته قصّة تدلّ على شغف المغاربة بالرّحلات والأسفار والمغامرات، فهو يحكي لنا في كتابه ذائع الصّيت “تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” أنه عندما كان في بلاد الصّين إلتقى بمغربيٍ آخر وهو السيّد قوام الدين السّبتي البِشْري الذي كان قد سبقه إلى هذه الديار، وأقام مدّة طويلة في الهند كذلك، وفي بلدان أسيويّة أخرى نائية.

 أبواب "على وقع خُطىَ كولومبُوس"

يقول صاحب هذا الكتاب د. مُحمّد مَحمد خطّّابي: لقد اقتفينا نعلاً بنعلٍ، وحافراً بحافرٍ خطوات الرّحلة الأولى للمغامر الإيطالي كولومبُوس إلى القارة الأمريكية في 12أكتوبر من عام 1492، وللرّحلات الثلاث التي تلتها فيما بعد (**)، خلال هذه الرّحلات المثيرة يلقي الكتاب الأضواء على أحداث، ووقائع، هذا الحدث التاريخي الكبير، ويُدرج العديد من الأفكار، والآراء، والدراسات، والتحاليل لصفوةٍ من الكتّاب من أمريكا اللاّتينية واسبانيا، فضلاً عن نخبة من المثقفين والباحثين العالميّين من جنسياتٍ مختلفة عن هذه الرّحلات التي غيّرت مسار التاريخ، وقلبت موازين الجغرافية التي كانت معروفةً حتى ذلك التاريخ، كما يتعرّض الكتاب لما حدث فيها، وخلالها، وبعدها من مآسٍ، ومظالم، وتجاوزات، وتقتيل، وتعذيب، وتنكيل، وسلب ونهب.

(أ) فى الباب الأوّل من هذا الكتاب الذي يحمل عنوان (قصص وحكايات من وحي الاكتشاف) من المواضيع التي سوف تستأثر باهتمامنا، وسوف نعالجها بإفاضة: -الوجه الآخر لهذا الإكتشاف، - الادب ومتعة الاكتشاف (يوميات كولومبوس)، -لقاء الثقافات الثلاث (الإسبانية والعربية والهندية الأصليّة).- الفينيقيّون: هل وصلوا الى القارة الأمريكية قبل كولومبوس؟ وسوف نصاحبهم في رحلتهم المثيرة الى هذا العالم الجديد حيث يؤكّد غير قليل من الباحثين أنهم أوّل من وصل الى أمريكا قبل كولومبوس بقرون.-إشكالية الهويّة والجذور لدى هنود القارة الأمريكية، - الهنود الحُمر: شعب له تاريخ بُترت جغرافيته، -الأقنعة وسائل تعبيرية ورمزية لدى السكّان الأصلييّن الهنود .وسواها من المواضيع الأخرى التي لها صلة مباشرة وغير مباشره بهذه المغامرة الاستكشافية الكبرى حيث أضيفت قارة جديدة إلى خريطة العالم التي كانت معروفةً في ذلك الإبّان .

 (ب) وفى الباب الثاني سنلقي الضّوءعلى (المِكسيك أرض المَايَا والأزْتِيك)، وهما من أبرزوأشهر الحضارات التي ظهرت على ثرى أديم هذا البلد الأسطوري فى القارة الأمريكية ثمّ سادت وتألقت ثمّ بادت واندثرت.

(ج) وفى الباب الثالث: (البِيرُو أرض الإنْكَا والمُوشِيك) سنرى كيف عرفت (البيرُو) في التاريخ بأنّها أرض الذهب، ومثلها مثل المكسيك ظهرت حضارة متألقة في هذه الأرض الأندينية ذات التضاريس الوعرة، والجبال الشّاهقة، والسّهُوب الفسيحة، والصّحارى الواسعة، والأدغال الكثيفة . وتزخر البيرُو بمآثرٍ ومعالم عمرانية تاريخية كبرى ما فتئت تُبهرالزائرين لها والتي ظلّت في طيّ الكتمان والنسيان على إمتداد قرون طويلة كما أراد لها أصحابُها وأربابُها، ولم تُكتشف بعض معالمها الفريدة ذات الصّيت الواسع اليوم سوى في تاريخ قريب حيث فاجأت العالمَ بعظمتها، وشمُوخها، لدرجة أنها تكاد أن تُضاف عن جدارة إلى أعاجيب الدنيا السّبع المعروفة.

إنطلاق الرّحلة

بتاريخ 10 من شهر أبريل من عام 2024 في رحلة شيّقة إنطلقت من مدينة "أجدير" الحصين التي لا تبعد سوى سبع كيلومترات عن مدينة "الحسيمة" شماليّ المغرب إلى مدينة Torre Molinos " بُرج الطواحين " ثمّ إلى Madrid " مجريط" بإسبانيا حيث إمتطينا الطائرة العملاقة في اتّجاه مدينة (ليما) عاصمة البيرُو، وبعد رحلة إستغرقت حواليّ 13 ساعة وصلنا الى هذه المدينة المترامية الأطراف التي أصبح عدد سكانها اليوم ما ينيف على 12مليون نسمة.

 أوّل ما يواجه الزائر فى هذا البلد الانديني الجميل التأثيرات الإسلامية التي وصلت إليه، وإلى بلدان أخرى مع المستكشفين الاسبان الأوائل بعد وصول كولومبوس اليها وصحبُه اليها عام 1492، هذا البلد قيّض الله لي أن أعيش فيه ثلاث سنواتٍ فى التسعينيّات من القرن الفارط، وشاءت الأقدار أن أعود إليه وأستحضر العديد من الذكريات التي ما فتئت عالقة في هذه الذاكرة الوهنة عنه التي أصبحت تلوح لي اليوم كما كانت تلوح للشّاعر طرفة ابن العبد أطلالُ خليلته خولة ببرقة ثمهد كباقي الوشم في ظاهر اليد !

عدتُ إلى هاذين البلديْن (المكسيك والبيرُو) بعد أن سبق لي أن عشتُ وعملتُ فيهما أوائل التسعينيات من القرن المنصرم لسنواتٍ طويلةً، عدتُ إليهما وأقمتُ في كلٍّ منهما مدّة شهريْن من الزّمان بهدف مراجعة غير قليل من المصادر، والمراجع، والمظانّ، والكتب، والمخطوطات القديمة لإعداد مواد هذا الكتاب وإعادة اقتفاء، وتتبّع، وإكتشاف العديد من مظاهر الإشعاع الحضاري فيهما عن قرب، والوقوف في عين المكان على العديد من الآثار العُمرانية، والمآثر المعمارية، والحصُون المنيعة، والبنايات الشاهقة المُحيّرة المتخفيّة في عمق الأدغال المترامية الأطراف، والتماثيل العملاقة، والمُجسّمات المذهلة التي تنتشر في مختلف مدنهما وقراهما، والتعرّف على طقوسهما الغرائبية، وعلى عاداتهما وتقاليدهما الأسطورية الضاربة في القدم، والإستماع والإستمتاع بفنونهما وفولكلورها، وموسيقاهما، عملاً بنصيحة الشاعروالمؤرّخ الإغريقي "هوميروس" الذي كان يقول: " إذا أردتَ أن تتعرّفَ على عظمةِ شعبٍ فاستمعْ إلى موسيقاه"! .

رحلة مثيرة

يُعتبر هذا الكتاب رحلة مثيرة سنتعرّف من خلالها على العديد من مظاهر الإشعاع الحضاري والثقافي في بلدان أمريكا-اللاتينية بواسطة مشاهدات عينيّة يوميّة، ودراسات رصينة، ومعايشات ميدانيّة مباشرة على امتداد السنوات الطويلة التي قيّض الله لي أن أعيش في هذه الأصقاع النائية حيث تسنّى لي خلال هذه المدّة أن أتعرّف على العديد من أخبار هذه البلدان وعلى مناطق، ومدن أخرى من القارة الأمريكية في شقّها الجنوبي، وقد أعجبتُ بتاريخ هذه القارة البكر الحافل بالمآثر والمفاخر، والمآسي والمعاناة، واستأثرت باهتمامي طقوسُها العديدة، وراقني شعرها، وأدبها، قديماً وحديثاً، وبهرتني فلسفة سكانها ونظرتهم الى الحياة والطبيعة الهائلة المحيطة بها وللحيوانات الغريبة والنادرة التي تعيش فيها، كما استأثرفى نظري مدى مظاهر الظلم، والعَنت، والاستغلال، والإستعباد، والاستبداد التي ما فتئ يشعر بها سكّان هذه القارة الذين عانوا الكثير من طرف الغزاة (المكتشفين) الإسبان على امتداد ما ينيف على الخمسة قرون ونيّف غداة رحلة كولومبُوس اليها.

خلال هذه الرحلة الاستطلاعية والاستقرائية الجديدة التي قمنا بها للمكسيك والبيروعلى وجه الخصوص سوف نتعرّف على العديد من مظاهر الحياة التي تجمعنا بهما من أواصر عريقة، وعلاقات صداقة وتعاون في مختلف الميادين كما تجمعنا وإيّاهما غير قليلٍ من أوجه التشابه والتضاهي، والتقارب والتداني من تطلّع للحياة الكريمة، ومكابدة ومعاناة، وفى مختلف مجالات ومرافق الحياة من فلسفة، وأدب، وشعر، وفكر، وتاريخ، وكفاح، وصراع، وموسيقى، وفنون، وحِكَم، وأمثال، وإبداع، وعطاء.

هذا وسوف نتعرّف خلال هذه الرّحلة على غير قليلٍ من القصص، والحكايات، والأساطير، والطرائف، والتحقيقات الغريبة التي عايشتُها وعاينتها عن كثب بنفسي في كلٍّ من المكسيك والبيرو، أو صادفتني خلال قراءاتي المتعددة لتاريخ الشعبيْن، هذا فضلاً عن تجارب، ومشاهدات، وزيارات ميدانية وعينيّة لمناطق نائية في هاذيْن البلديْن ولمعابدهما، ومآثرهما، ومنتجعاتهما، وخُلجانهما، وسهولهما، وقصورهما، وقلاعهما الحصينة، وآثارهما، ومعالمهما التاريخية المُحيّرة التي تعتبر في معظمها تراثاً تاريخيّاً للإنسانية جمعاء نظراً لقيمتها التاريخية وتفرّدها وقدمها .

وسنقف في كلٍّ من المكسيك والبيرو على حقائق مثيرة فضلاً عن تسليط الأضواء على أبرز الحضارات الكبرى التي ازدهرت فيهما .كما سنتعرّف على المآسي التي عاشها وعاناها السكّان الأصليّون فيهما على امتداد تاريخهما الطويل والحزين، ودراسة إشكالية هويّتهما، وجذورهما، وإبداعتهما الفطرية، وفنونهما العفوية الأصيلة من رسوم بدائية ساذجة، ورقصات إيحائية وتعبيرية، وأردية، وفولكلور، وأنسجة، وطرْز، وغزْل، وحياكة، وصياغة المعادن النفيسة من ذهب وفضّة، فضلاً عن أسرار أقنعتهما، ولغاتهما، وموسيقاهما، ورموزهما لدى شعوب المايا والأزتيك في المكسيك، وشعوب الإنكا والموشيك في البيرو.

كما سنتعرّض بين دفّتيْ هذا الكتاب للخلاف الدائر بين العديد من الباحثين حول حقيقة وإشكالية مصطلحات "الغزو" أو "الإكتشاف" أو " اللقاء" الذي عرفته القارة الأمريكية بما فيها المكسيك والبيرو على وجه الخصوص بالثقافات الوافدة عليها، وفى مقدّمتها الثقافتان الإسبانية والعربية بشكلٍ خاص والذي نشب بعد إحتفال الإسبان وبعض البلدان الأوربية منذ بضع سنوات بالذكرى الخمسمائة لاكتشاف هذه القارة البِكر.

وهكذا سوف نتعرّف في المكسيك على ابرز الحضارات التي كانت مزدهرة في هذا البلد، ومن غريب المصادفات، والمفارقات أننا سوف نلتقى خلال هذه الرحلة بالمعتمد ابن عبّاد المكسيكي الذي كان يُسمّى" نيزاوالكويُوتل" الذي جمع بينه وبين شاعرنا الأندلسيّ العربيّ الشّهيرالمنكود الطالع المُلكُ، والشِّعْرُ، والمصيرُ المأسوف عليه وفرّق بينهما الزمان والمكان .

كما سوف نتعرّف على تظاهرات غريبة وطقوس فريدة تستمدّ أصولها من جذور تاريخ القارة الأمريكية مثل إحتفال المكسيكيّين بيوم الموت والموتى، أو كشف النقاب عن سكّان شمال المكسيك الذين يُنعتون ب (المتوجِّهين) Mutachines الذين يُقال إنهم ينحدرون من أصول عربية أو بالأحرى من أصلٍ مغربيّ.

وخلال هذه الرحلة سوف نقوم بسياحة مثيرة في ما يُسمّى ب " بندقية المكسيك"، مدينة "سوشيميلكُو" العائمة، وسوف نعمل على إستكناه، واستغوار، واستبطان أسرار موسيقىَ " المارياتشي"الشهيرة التي تُعتبر صوت المكسيك في أفراحه وأتراحه، وسوف نعرّج على ظاهرة طبيعيّة غريبة ومُحيّرة بالقرب من مدينة ميكسيكو سيتي العاصمة المكسيكية تتمثّل في رحلة الفراشات العاهلة المهاجرة ذات الألوان الزاهية التي تقطع آلاف الأميال من كندا الى المكسيك، حيث يتوفّر لها جوٌّ مناسب للإنجاب، والتزاوج، والتكاثر . وسوف نتعرّف في هذا البلد أيضاً على أذكىَ الكائنات البحرية الثديية وهو الدلفين. وسنلقي الضوء على شريحة هامة من شرائح المجتمع المكسيكي في الوقت الراهن من أحفاد عمومتنا وخؤولتنا وهم العرب الوافدون الذين أحبّهم الزعيم المكسيكي الشّهير" إميليانو ساباتا" ودافع عنهم، وكانت له علاقات صداقة ومودّة معهم.

وسنتعرّض خلال هذه الرحلة كذلك على تعدّد فوائد نبات الصبّار ومزاياه الطبيّة ومنافعه الغذائية، وثماره اللذيذة المعروفة بالتيّن الشوكيّ، والذي انتقل من هذه القارة الى العديد من بلدان العالم منها شمال إفريقيا، وبالخصوص المغرب حيث ما زال يحتفظ بنفس الإسم الذي يدلّ على أصله وهو "الهندي" أو " الهندية" أيّ نسبةً إلى بلاد الهنود، كما أنه يسمّى بااللغة الرّيفية (شماليْ المغرب) ب " تاهنديث" أو "تاروميث" أيّ الهندية أو الرّومية أيّ الأجنبية، في حين يطلق عليه إخواننا في أقاصي أقاليم جنوب المغرب في الصحراء إسم " تكاناريت" أيّ نسبةً إلى جزرأرخبيل الخالدات الكنارية حيث استقدمها الاسبان من القارة الأمريكية الى هناك بعد غزوهم وسيطرتهم على هذه الجزر الجميلة المحاذية للمغرب .

وفى المكسيك سوف نقوم بزيارة لمتحف فريد من نوعه في العالم يضمّ ما ينيف على 15 ألف حذاء من الذهب والفضة والزّجاج، ونتعرّف على العديد من الأخباروالحكايات والطرائف حول هذا الصّديق الذي رافق الإنسانَ في " مسيرته" وصاحبه في " مشيته" على امتداد العصور، وفى مختلف الأزمنة والعهود السحيقة في القدم، وسوف نتعرّف في هذا البلد كذلك على حبّة الكاكاو التي تُستخرج منها الشيكولاته التي يعود موطن أصلها إلى أدغال الأمازُون والتي كان زير النساء "كازانوفا " يسمّيها: طعام العشّاق !.

وخلال هذه الرحلة سوف نتأمّل معاً أسرابَ الحمام التي تحلّق في الفضاء الفسيح والتي كانت تقوم قديماً بدور ساعي البريد بين الأفراد والأقطار والأمم، ولقد أصبح الحَمام اليوم يملأ ساحات المدن الكبرى، ورمزاً للسّلام في العالم.

وسوف نلقي إطلالة على أهمّ المعادن النفيسة من ذهب، وفضّة، ولُجيْن، وأحجار كريمة في الحضارات المكسيكية القديمة وعلى منطقة " تكساس" الشاسعة وكيف ضاعت أو بيعت أو أقتطعت من المكسيك نتيجة خطأ تاريخي ارتكبه المكسيكيّون أنفسُسهم بثمنٍ بخس.

وفي البيرو سوف نتعرّف خلال هذه الرحلة عن هذا البلد الأنديني وما يعجّ به من كنوز الفضّة والذهب والأحجار الكريمة من زمرّد، ويَشم، ولؤلؤ، ودانات، وصدفات وسواهما من كنوز الحضارات الهندية القديمة مثل الإنكا والموشيك وحضارة الكارال العريقة الضاربة في القدم، التي تعتبر من أقدم الحضارات على مستوى القارة الأمريكية والتي تألقت في شمال البيرو .ممّا جعل الإسبان يطلقون على هذا البلد ب: " أرض الذهب" حيث قُدَّمت أكبر فدية في تاريخ أمريكا من هذا المعدن النفيس للإسبان لإطلاق سراح بعض الملوك الهنود .

وخلال رحلتنا في البيرُو كذلك سوف نتعرّف على أكبر الإكتشافات الأثرية التي عرفتها القارة الأمريكية أواخر القرن الفارط خاصّة كنوز الملك البيرواني " دي سيبان" الذي أُطلق عليه ب: "توتعانخ آمون " القارة الأمريكية، وسوف نتسلّق مرتفعات وآكام قلعة " ماتشُو بيتشُو" الشاهقة التي تعتبر من أهمّ المعالم الأثرية في أمريكا الجنوبية اليوم والتي كان يسمّيها المؤرّخ البريطاني"أرنولد تويمبي" ب " كاتدرائية العمالقة"التي بُنيت للأبدية، والتي أصبحت المعلمة الأثرية الأكثرجلباً لملايين السيّاح في القارة الأمريكية الذين يتقاطرون عليها من كلّ صوبٍ وحدب، ومن علً، من عنان السماء سوف تبدو لنا خطوط " ناسكا " المُحيّرة التي تعتبرأغرب تقويم فلكي على وجه الأرض، بل لقد اعتبرها بعض الباحثين قواعد ومحطات أرضية لسكّان الفضاء لغرابتها حيث كانت تحطّ فيها صحونُهم الطائرة.وهذه الخطوط لا يمكن مشاهدتها سوى من الفضاء وما زالت أسرارها وألغازها تُحيّر العلماء الى اليوم .

وفي البيرو كذلك سوف نتعرّف على الحصان البيرواني الذي يتميّز بمشيته، وخيلائه، ورقصه حيث يؤكّد الباحثون والدارسون أنّه ينحدر من أصولٍ مغربية - بربرية، وقد صدر كتاب كبير للباحث الجامعي ألبيرواني " خوسّيه أنطونيو دابيلو" حول هذا الموضوع والذي كتبنا تقديماً وافياً له بطلبٍ من مؤلِّفه أدرجه في صدر كتابه القيّم، ولقد أهْدِيَ هذا الكتاب الضخم للعديد من ملوك ورؤساء وجامعات العالم عند صدوره .

كما سوف نتعرّف في البيروعلى أهمّ الحضارات القديمة التي ترعرعت في خليج " باراكاس" الذي يبعد حوالي ثلاثمائة كيلومتراً جنوب ليما والذي يعتبر اليوم ملاذاً ومرتعاً آمناً للطيورالمهاجرة والبحرية النادرة، كما أنه ملجأ لعملاق المحيطات من الحوت الأزرق، وللعديد من الحيوانات البحرية الأخرى التي تعيش به وتواجه خطر الإنقراض من سباع، وعجول البحر، والفقمات وطيورالبيليكان والبطاريق وسواها من أصناف الحيوانات العجيبة النادرة .

كما سوف نتعرّف خلال هذه الرّحلة على هديّة أمريكا للعالم وهي " البطاطس" التي توجد منها أصناف عديدة جداً تعدّ بالمآت في القارة الأمريكية والتي يُطلق عليها الفرنسيّون تفّاح الأرض نظراً لقيمتها الغذائية والتي تعتبر من أهمّ الكنوز النباتية الأندينية التي أصبحت فيما بعد غذاءً أساسياً لمختلف شعوب العالم.

هذا وسنقوم في ختام رحلتنا بجولة مثيرة عبرالمحيطات الهادرة المترامية الأطراف التي تحيط بهذه القارة النائية بحثاً عن كنوز ونفائس المعادن الثمينة الضائعة التي استقرّت في أعماقها داخل بطون سفن ومراكب صادفها سوء الطالع كانت تمخر عبابَ هذه المحيطات خلال رحلاتها الطويلة المحفوفة بالمخاطروالأهوال من وإلى العالم الجديد.

أصقاع وبقاع وأدغال وتضاريس غريبة وعرة ومتنوّعة يقف الناظرإليها أو المتأمّل في تاريخها وحضارتها ومعالمها منبهراً، مشدوهاً عندما يدرك ما بلغته تلك الحضارات من شأو بعيد ومستوىً رفيع من التطوّر، والإزدهار في مختلف فروع العلوم الطبية، والفلكية، والرياضية، والفلاحية، والطبيعية بل وفى مجالي الإبداع الأدبي والشعري لدى تلك الشعوب التي تنمّ عن إحساس مفرط بالطبيعة وكائناتها الحيّة المحيطة بها من أنهار وأشجار وأزهاروبحاروجداول وبحيرات وشلالات وطيور وحيوانات، هذا فى الوقت الذي وصف لنا المكتشفون الإسبان تلك الشعوب بالجَهَلة المتوحّشين العراة الجفاة الحفاة .!

بطلان ما أُطلق عليه جُزافاً ب " الإكتشاف"

 وعلى امتداد صفحات هذا الكتاب سوف نتعرّف على مدى بطلان الإدّعاء الكاذب لما أُطلق عليه ب " الإكتشاف" بواسطة آراء ومداخلات باحثين ثقات، وكتّاب ومبدعين كبار من مختلف البلدان والمشارب والاتجاهات من المُتخصّصين في هذا الموضوع الشائك الذي ظلّ يثقل كاهلَ تلك القارة االنائية منذ خمسة قرون ونيّف خلت والتي عنها يقول الشاعر النيكاراغوي الكبير المُجدّد " رُوبين دارييّو" مُتحسِّراً مُخاطباً الأميرال (أمير البحر)كولومبوس:

أميرَ البّحر الشقيّ /  أمريكا المسكينة .. هنديتك العذراء  /  الحسناء ذات الدم الحارّ ..جوهرة أحلامك  / أصابها الهوَس .. إنّها ترتعش في عصبيّة / جبينُها شاحب ..روحٌ وخيمةٌ تقطن ثراهَا / حيث القبيلة المُوَحّدة ..أشهرت هرواتها / اليوم تُثار الفتنة بين الإخوة .. والحربُ فيها أزليّة  / إنّهم يُكْلمُون ويُشتّتون ..الوثنُ الحَجَريُّ حلّ محلّه اليوم / صنمٌ من لحمٍ متوّج ..ومع ذلك ما زال فجرُها الأبيض / ينبلج كلّ يوم ..وفى الحقول يتآخىَ الدم ُبالرّماد***

أرجو أن تكون هذه (الرّحلة) المقتفيةّ لخطوات المغامرالذائع الصّيت كولومبوس إلى القارة الأمريكية خلال رحلاته الأربع، وإلقاء الأضواء الكاشفة على المكسيك والبيرو على وجه التحديد اللذيْن نشأت وظهرت فيهما أكبر وأشهر الحضارات القديمة السابقة للوجود الكولومبي في هذا الشقّ البعيد من العالم الذي أصبح بعد "إكتشافه" يُنعت ُ بالعالم الجديد . أرجو أن يكون هذا المُؤَلََّف إسهاماً متواضعاً يُضاف إلى الرّصيد القليل الموجود في المكتبة العربية من المراجع، والمصادر، والمظانّ، والكتب، والمطبوعات حول هذه القارة الأمريكية بشقّيْها الشمالي والجنوبي التي ما زال العالم العربي لا يعرف عنها سوى النزر اليسير . كما أرجو أن يكون هذا الكتاب لبنةً أو حجراً في إقامة مزيدٍ من جسور التواصل، وأواصر التقارب، والتفاهم، والتداني فيما بيننا وبين مختلف بلدان أمريكا اللاّتينية على وجه العموم.

***

د. السّفير محمّد محمّد خطّابي

كاتب وباحث ومترجم من المغرب

...............................

** رحلات كولومبوس الأربع (الرحلة الأولى) -1492-1493 .ما يُسمّى بإكتشاف أمريكا. (الثانية) -1493-1496 إستعمار. (الثالثة)-1498-1500أراضٍ جديدة وتحدّيات.(الرابعة) 1502-1504 نهاية المغامرة.

*** هذه الأبيات من ترجمة صاحب الكتاب عن لغتها الاصلية الاسبانية وهي مُدرجة فى معظم كتبه عن أمريكا اللاّتينية الصّادرة فى كلٍّ من مصر، والأردن، والمغرب.

 

في المثقف اليوم