عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

ربّما لم تحظَ الجودية والأجاويد بالاهتمام الأكاديمي أو السياسي؛ إلا على نطاق ضيق ومحدود، بوصفها نظاماً لفض النزاعات تحت إطار إداري وقانوني أهلي، وبالرغم من أن هناك العديد من الدراسات التي استفاضت في شرح الجودية وتفاصيلها وما يتعلق بها ...الخ إلا أن هذه الدراسات وهي مهمة بالطبع؛ لم تنفذ إلى بناء وتأطير الجودية بشكل إبستمولوجي؛ وأعني بذلك بناء النموذج الإرشادي/المنهج (راجع توماس كونت في بنية الثورات العلمية) وبلغة أخرى فإن قضايانا وموضوعاتنا النابتة من البنى المجتمعية؛ هي بنيات ومقدمات لبناء نظرية ابستمولوجية. ولقد مر وقت طويل منذ أن نوقشت قضايا النماذج الإرشادية في عمليات البحث العلمي ومدى تطور وتطوير النماذج، وهو سؤال يظل اليوم أكثر إلحاحاً في ظل المعرفة السائلة، وكانت الفيزياء والرياضيات والكيمياء هي أكثر الموضوعات إلحاحاً على بناء نماذج إرشادية تقود موضوعة ما.

يأتي هذا الكتاب، للدكتور ضيو مطوك ديينق وول، ليمثل إضافة نوعية، بل وصادمة، للمكتبة الأكاديمية عموماً والأفريقية خصوصاً، فهو لا يكتفي بوصف آليات "الجودية" و"الأجاويد" كنظم تقليدية لفضّ النزاعات، بل يرفعها إلى مصاف "الأبستمولوجيا" البديلة، ويقحمها في قلب المفاوضات السياسية الحديثة، وتحديداً اتفاقية جوبا للسلام (2020). وهو كتاب يُعيد الاعتبار لأنظمة المعرفة المحلية التي لطالما جرى تهميشها أو تغليفها برومانسية أنثروبولوجية، ليجعلها فاعلاً مركزياً في صياغة العقود الاجتماعية والسياسية.

غير أن المفارقة التاريخية القاسية، التي تقف خلف كل سطر من هذا الكتاب، هي أن هذه الاتفاقية الطموحة، التي كانت قد بشّرت بانتقال ديمقراطي وتفكيك لبنية الدولة المركزية، قد جرفتها حرب أبريل 2023، وتتجلى الفلسفة العميقة للكتاب؛ في أنه رغم انهيار المؤسسات الرسمية وتمزق الدولة، تظل "الجودية" و"الأجاويد" قائمة، وتظل المجتمعات المحلية في دارفور، وكردفان، والنيل الأزرق، تتشبث بها كملاذٍ أخير لاستعادة الانسجام ومنع الانتقام. إن الكتاب، رغم أنه كُتب في خضم لحظة تفاؤل، إلا أنه يقدم لنا "نصّاً مرجعياً" للنهوض من تحت الأنقاض، لأن أنظمة المعرفة المحلية أثبتت صلابتها وقدرتها على التكيف، بينما لم تصمد المؤسسات المركزية.

وضمن سياق النقاشات الأكاديمية المعاصرة حول بناء السلام وفضّ النزاعات، يظلّ السؤال الإبستمولوجي (المعرفي) كأحد أكثر الأسئلة إلحاحاً: من يملك الحق في تعريف "السلام"؟ ومن يمتلك الأدوات المعرفية لإنتاجه؟ ويأتي كتاب الدكتور ضيو مطوك ديينق وول كعمل تأسيسي يتجاوز المقاربات الأنثروبولوجية الكلاسيكية التي كانت تنظر إلى مؤسسات مثل "الجُودية" و"الأجاويد" كمجرد "عادات وتقاليد" أو "مخلفات ماضٍ"، ليعيد تأطيرها كـ "نظام معرفي إبستمولوجي" متكامل، بل كنظرية معرفية قابلة للتطوير وبناء "برادايغم" (نموذج إرشادي) خاص بها.

ينجح الكتاب في تفكيك الهيمنة المعرفية الغربية التي لطالما تعاملت مع المجتمعات الأفريقية كـ "موضوع" للدراسة والتدخل، لا كـ "ذات" منتجة للمعرفة. فالجُودية، كما يقدمها د. مطوك، ليست مجرد آلية تحكيم بديلة، بل هي أنطولوجيا (رؤية للوجود) وأبستمولوجيا (نظرية في المعرفة) مختلفة جذرياً عن النظم القانونية الوضعية، ففي حين تنظر النظم الحديثة إلى النزاع كـ "انتهاك للقانون" يستوجب العقاب الفردي، تنظر الجُودية إلى النزاع كـ "تمزق في النسيج الاجتماعي" يستوجب الترميم والشفاء الجماعي. هذا التحول من "العدالة العقابية" إلى "العدالة الترميمية" هو في جوهره تحول إبستمولوجي؛ إذ يعيد تعريف ماهية الحقيقة، والذنب، والمسؤولية.

يؤكد الكتاب أن الجُودية تنتج معرفتها من خلال آليات دقيقة ومعقدة؛ فهي لا تعتمد على النصوص القانونية الجامدة، بل على الذاكرة الجماعية، والسرديات الشفوية، والسياق الاجتماعي، والسلطة الأخلاقية للوسطاء (الأجاويد). إن "الأجوادي" في هذا الطرح ليس مجرد "رجل كبير في السن"، بل هو "فاعل معرفي" (Epistemic Agent) يمتلك "ذكاءً سياقياً" (Contextual Intelligence) يؤهله لفك شيفرة النزاع وفهم أعماقه التاريخية والنفسية. إنه يقرأ "الصمت"، و"الإهانة"، و"الكرامة" كما يقرأ القاضي النصوص القانونية.

إن هذا النظام المعرفي يعتمد على "التوافق" وليس "الأغلبية"، وعلى "الإقناع الأخلاقي" وليس "الإكراه القانوني". مما يعني أن الجُودية تمتلك نظرية خاصة في "الشرعية" (Legitimacy) تنبع من "الصدى الثقافي" و"القبول الاجتماعي"، وليس من "التعيين الرسمي" أو "العقوبات المفروضة". ومن هنا، فهي ليست مجرد أداة لحل النزاعات، بل هي نظرية متكاملة في الحكم والإدارة الاجتماعية تقدم بديلاً جذرياً للعقلانية الأداتية (Instrumental Rationality) التي تحكم عمليات السلام الحديثة.

يشير الكتاب بوضوح إلى أن هذه الآليات تظل "حية" وقادرة على التكيف، وهذا هو جوهر إمكانية تحويلها إلى "برادايغم" معرفي. ويطرح الكتاب فكرة "النظرية المعرفية الأفريقية في الوساطة" (African Epistemology in Mediation)، مؤكداً أن أفريقيا لا تنتج "حالات دراسية" فحسب، بل تنتج "نظريات" قابلة للتصدير والتعميم.

إن بناء هذا البرادايغم يتطلب الخروج من ثنائية "التقليدي مقابل الحديث"، والانتقال إلى "السلام الهجين" (Hybrid Peace)؛ حيث تتفاعل الجُودية مع الوساطة الرسمية والأطر القانونية الدولية. وقد تجلى هذا في عملية "جوبا للسلام" (2020)، حيث لم تكن الجُودية مجرد "طقس ثقافي" في الهوامش، بل كانت هي "المنهجية" التي أدارت بها لجنة الوساطة الجنوب سودانية المفاوضات المعقدة. لقد تجسدت مبادئ الجُودية في الصبر، والشمولية، واللقاءات غير الرسمية، والضيافة، وإدارة العواطف، وبناء العلاقات، مما يثبت أن هذا النظام المعرفي قادر على العمل في أعقد السياقات السياسية الوطنية، وليس فقط في النزاعات المحلية الصغيرة.

يقدم الكتاب حجته المركزية التي تتردد أصداؤها في كل فصوله، وهي أن السلام المستدام لا يمكن استيراده. فلقد فشلت الاتفاقيات السابقة (.....) لأنها انطلقت من نماذج معرفية خارجية، وتجاهلت "المعرفة المحلية" (Local Knowledge) و"الأنطولوجيا" الخاصة بالمجتمعات السودانية لقد تعاملت تلك الاتفاقيات مع النزاع كمسألة تقنية تتطلب هندسة دستورية وتقاسم سلطة نخبوي، وتجاهلت حقيقة أن النزاع في السودان هو مجموعة أزمات.

إن بناء نظم معرفية منطلقة من البيئة المحلية ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو ضرورة وجودية. فالكتاب يبرهن على أن المجتمعات التي دمرتها الحروب (مثل دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق) لا تزال تتشبث بالجُودية والأجاويد ليس لأنها "بدائية"، بل لأنها تقدم لها ما لا تقدمه الدولة الحديثة المنهارة: الأمان الوجودي، والاعتراف بالكرامة، وإمكانية التعايش. إن هذه الآليات الأهلية تمتلك "هندسة اجتماعية" دقيقة قادرة على معالجة الجروح العميقة التي تعجز المحاكم والاتفاقيات السياسية عن مداواتها.

يمكن القول إن كتاب الدكتور ضيو مطوك هو دعوة صريحة لـ "إنهاء استعمار المعرفة" (Epistemic Decolonization) في مجال دراسات السلام. إنه يطالبنا بالكف عن النظر إلى المجتمعات الأفريقية كـ "مستقبلات سلبية" للنماذج الغربية، والبدء في الاعتراف بها كـ "منتجة للمعرفة". إن الجُودية والأجاويد، كما يصوغها د. مطوك، ليست مجرد "ماضٍ نستدعيه للحنين"، بل هي "مستقبل نبنيه بالمعرفة". إنها نظرية معرفية أصيلة تحتاج إلى التطوير، والإصلاح (خاصة فيما يتعلق بقضايا النوع الاجتماعي والشمولية)، والدمج في أطر بناء الدولة الحديثة.

هذا الكتاب ليس توثيقاً لاتفاقية جوبا فحسب، بل هو بيان فكري (Manifesto) يدافع عن "الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية"، ليس كخطاب سياسي مبتذل، بل كمنهجٍ تحليلي ونقدي. إنه يؤكد أن السودان، بجروحه العميقة، لا يمكن أن يُشفى بقرارات أممية أو قوالب غربية، بل بذاكرته الجمعية، وبأعرافه، وبقدرته على إعادة اختراع دولته من الداخل إلى الخارج، ومن الأطراف إلى المركز.

أقدم هذه الترجمة للقارئ بالعربية، وللباحثين، وللممارسين في مجال بناء السلام، وللأجيال السودانية الشابة التي تبحث عن جذورها وسط الخراب. وهي دعوة للتفكير في سؤال فلسفي وأكاديمي وجودي: كيف يمكن للشعوب التي دُمّرت دولها أن تظل قادرة على إنتاج السلم عبر علاقاتها الاجتماعية، وحيث تفشل المؤسسات، تظل الروابط الإنسانية والآليات الأهلية هي آخر حصن للمدنية. ختاماً، أتمنى أن تُسهم هذه الترجمة في إثراء النقاش الأكاديمي والعام حول السودان، وأن تُساعد في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ذاكرة سلامٍ لم يكتمل، لعلها تكون أساساً لبناء سلام قادم، أكثر عدلاً، وأكثر شمولاً، وأقرب إلى روح الإنسان السوداني.

***

د. أحمد يعقوب

مع كتاب «وجوه في الذاكرة» للكاتب ناجي ظاهر

لا تكتمل الكتابة عن الذاكرة بمجرد تسجيل الأحداث والتواريخ، أو استعادة أسماء الشخصيات التي عبرت حياتنا، وإنما تكتسب معناها العميق عندما تستطيع أن تعيد إلى الإنسان حضوره، وأن تكشف عن مشاعره وأحلامه ومخاوفه وعلاقاته بالآخرين. فالذاكرة، في جوهرها، ليست مستودعًا باردًا للمعلومات، بل مساحة حية تتداخل فيها المحبة والفقد والوفاء والندم والأمل، وتتجدد فيها حياة الأشخاص الذين غابوا، من خلال ما تركوه في نفوس من عرفوهم.

من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى كتاب «وجوه في الذاكرة» للكاتب ناجي ظاهر بوصفه محاولة لاستعادة الإنسان من وراء الاسم، والأديب من وراء مؤلفاته، والصديق من وراء صورته العامة. فالكاتب لا يكتفي بالتعريف بالشخصيات الأدبية التي عرفها، ولا يسرد إنجازاتها الثقافية بصورة جافة، بل يستعيد علاقاته بها، ومواقفه معها، والحوارات التي جمعته بها، والمشاعر التي رافقت تلك العلاقات. وهكذا تتحول الكتابة من مجرد توثيق للسيرة إلى فعل إنساني يعيد وصل الحاضر بالماضي، والأحياء بالراحلين.

الإنسان وراء الأديب

يتجلى هذا البعد بوضوح في حديث ناجي ظاهر عن الشاعر والروائي حسين فاعور. فبدل أن يقتصر على تعداد مؤلفاته أو الحديث عن مكانته الأدبية، يستعيد علاقته به منذ سبعينيات القرن الماضي، ويتوقف عند فترة غيابه الطويل عن الساحة الأدبية، ثم عودته إلى الكتابة واندفاعه نحو الإبداع في سنواته الأخيرة.

ومن خلال هذه الحكاية، نرى الإنسان الذي لم يتخلَّ عن علاقته بالأدب، والذي عاد إلى الكتابة بعد انقطاع طويل، وكأنه يحاول استدراك الزمن واستعادة ما فاته. ويبرز الجانب الإنساني أيضًا في رواية ظاهر عن العملية الجراحية الخطيرة التي خضع لها فاعور، حين جاء لزيارته قائلًا إنه ربما جاء ليودعه، ثم عاد بعد نجاح العملية متفائلًا، مؤمنًا بأنه حصل على عمر جديد.

إن هذه اللحظة تتجاوز حدود الخبر الشخصي؛ لأنها تكشف هشاشة الحياة الإنسانية، وكيف يمكن للإنسان أن يقف فجأة أمام احتمال النهاية، ثم يعود إلى الحياة حاملًا رغبة أكبر في مواصلة ما يحب. وعندما يروي ظاهر لاحقًا خبر وفاة صديقه، يصبح السرد محمّلًا بإحساس الفقد، لا لأن مبدعًا قد رحل فحسب، بل لأن علاقة إنسانية عميقة انقطعت، ولأن أحلامًا ومشروعات بقيت بحاجة إلى من يحملها إلى الأمام.

الوفاء بوصفه فعلًا إنسانيًا

من أعمق مظاهر البعد الإنساني في الكتاب أن الوفاء للراحلين لا يظل شعورًا داخليًا أو كلمات تقال في مجالس العزاء، بل يتحول إلى عمل ملموس. فبعد رحيل حسين فاعور، يسعى ناجي ظاهر إلى التعاون مع عائلته من أجل نشر ما بقي من تراثه الأدبي، ويشرف على إصدار مجموعة شعرية أعدها الراحل للنشر، ثم يعمل على إيصال روايتيه «صاحب الجبل» و«نادية» إلى ناشر.

إن هذا الموقف يكشف أن العلاقة بين الأصدقاء لا تنتهي بالغياب الجسدي؛ إذ يمكن أن تستمر في صورة مسؤولية أخلاقية تجاه ما تركه الراحل من أحلام وإبداعات. فالوفاء هنا ليس مجرد حنين إلى الماضي، وإنما محاولة لإنقاذ جزء من حياة الإنسان من الضياع.

ومن هذه الزاوية، تصبح كتابة الذاكرة نوعًا من الاعتراف بفضل الآخرين، وإقرارًا بأن الإنسان لا يصنع تجربته وحده، بل يسهم في تشكيلها أشخاص أحبهم، أو اختلف معهم، أو تعلم منهم، أو شاركهم طريق الإبداع.

الاختلاف في الرأي لا يلغي المحبة

ويبرز البعد الإنساني كذلك في استعادة الكاتب ناجي ظاهر علاقته بميشيل حداد وطه محمد علي، ولا سيما في النقاشات التي دارت بينهم حول قصيدة النثر. فقد كان ظاهر متحفظًا على هذا الاتجاه في بداياته، في حين أبدى حداد حماسه له، وسانده طه محمد علي.

تكمن أهمية هذه الذكريات في أن الكاتب لا يخفي اختلافه مع أصدقائه، ولا يحاول إعادة صياغة الماضي بحيث يبدو الجميع متفقين. بل يقدم الخلاف باعتباره جزءًا طبيعيًا من الحياة الثقافية، ويؤكد أن اختلاف الرأي لم يفسد الود بينهم.

وهنا تتجلى قيمة إنسانية وثقافية مهمة: فالصداقة الحقيقية لا تتطلب التطابق في الأفكار، كما أن الحوار لا يفقد قيمته بسبب الاختلاف. وقد يكون الاختلاف نفسه وسيلة لتطوير الوعي، وتوسيع المعرفة، واكتشاف آفاق جديدة في الأدب.

وبذلك لا تحفظ الذاكرة أسماء الأدباء وأعمالهم فحسب، بل تحفظ أيضًا الطريقة التي عاشوا بها معًا، وكيف ناقشوا وتجادلوا وتبادلوا الآراء، وظلوا قادرين على صيانة علاقاتهم الإنسانية رغم تباين مواقفهم.

من الحزن الشخصي إلى الذاكرة الجماعية

إن ما يمنح هذه الذكريات قيمتها الأوسع هو قدرتها على الانتقال من التجربة الفردية إلى المعنى الجماعي. فعندما يتحدث الكاتب ناجي ظاهر عن أصدقائه الراحلين، فإنه لا يروي حزنًا خاصًا به وحده، بل يقدم للقارئ تجربة إنسانية يمكن أن يتعرف فيها إلى معنى الصداقة، وألم الفقد، ومسؤولية الوفاء، والخوف من ضياع ما أنجزه الإنسان.

كما أن استعادة اللقاءات الأدبية والمجالس الثقافية ومشروعات النشر تمنح القارئ صورة عن الحياة الثقافية الفلسطينية، لا بوصفها مجموعة من الإنجازات المجردة، بل بوصفها حياة بشرية نابضة صنعتها العلاقات والتعاون والاختلاف والتضحيات.

وهكذا تصبح الذاكرة الفردية جسرًا يصل التجربة الشخصية بتاريخ المجتمع. فما يتذكره الكاتب عن صديق بعينه قد يكشف عن مشكلة واجهت جيلًا كاملًا من الأدباء، وما يرويه عن لقاء في مقهى أو حانوت قد يعيد بناء مشهد ثقافي أسهم في تشكيل الأدب الفلسطيني المحلي.

خاتمة

إن البعد الإنساني في كتابة الذاكرة عند الكاتب ناجي ظاهر يتمثل في قدرته على رؤية الإنسان وراء إنجازاته، وعلى تحويل استعادة الماضي إلى فعل من أفعال الوفاء والاعتراف والمحبة. فالأشخاص الذين يكتب عنهم ليسوا مجرد أسماء استقرت في صفحات التاريخ، بل بشر عاشوا وحلموا وأحبوا واختلفوا، وتركوا آثارًا تستحق أن تبقى.

ومن هنا، فإن الكتابة عن الراحلين لا تعيد إليهم الحياة بمعناها الجسدي، لكنها تعيد إليهم حضورهم في الوعي، وتحفظ شيئًا من أصواتهم وأفكارهم ومواقفهم، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة التعرف إلى تجاربهم.

فالذاكرة الإنسانية الحقيقية لا تحفظ ما فعله الناس فقط، بل تحفظ أيضًا ما كانوا عليه، وما منحوه للآخرين، وما بقي منهم في قلوب من عرفوهم.

***

جمال للاوي - (عسفيا)

حوار يتجاوز اختلاف الأجيال

حين تكون الرسائل بين ابنة ووالدها، تصبح حوارًا بين جيلين، وبين تجربتين، وبين رؤيتين للحياة.

وفي هذا الكتاب- "الرسائل العشر"، تبدو الرسالة كأنّها جسر ممتدّ بين ابنة تريد أن تفهم العالم، وأب يحمل العالم في ذاكرته وتجربته. وبينهما لغةٌ تحاول أن تُنصت بقدر ما تحاول أن تقول.

أوّل ما يُلفت في كتاب الرسائل هذا، أنّ الرسالة لا تبقى أسيرة وظيفتها الأولى المعهودة، أي التواصل بين شخصين. إنّما تتجاوز ذلك لتصبح شكلًا من أشكال الكتابة والبوح، ومساحةً للتفكير والاعتراف والغضب والتألّم والتوجّع والتأمّل. تمتزج فيها المشاعر بالتجربة الشخصيّة والرؤية العميقة للحياة.

وعندما يتّخذ الكتاب شكل رسائل متبادلة بين ابنة ووالدها، فإنّ هذا البناء السرديّ لا شكّ سيستثير فضول القارئ، نظرًا لحساسيّة الموضوع وما تنطوي عليه المراسلات الشخصيّة، خاصّة بين الآباء والأبناء من خصوصيّة، وما تُتيحه من إمكانيّة للاطّلاع على جوانب حميمة من العلاقة الأسريّة. إلّا أن اللّغة الشعريّة التي صيغت بها هذه الرسائل، حالت دون تحوّل هذا الفضول إلى فعل من أفعال التلصّص. إذ أُعيدت صياغة التجربة الشخصيّة في إطار أدبيّ جماليّ، ينقلها من مستوى الاطّلاع على الحياة الخاصّة، إلى مستوى التأمّل في الحياة عامّة بأبعادها الإنسانيّة والاجتماعيّة والعاطفيّة.

تتجلّى ملامح شخصيّتي الأب المرحوم الأستاذ نبيل عويضة والابنة عُلا عويضة في الرسائل بصورة واضحة. حيث تكشف كلّ شخصيّة عن صفاتها وفكرها ومشاعرها، سواء من خلال حديثها عن نفسها أو من خلال الطريقة التي تنظر بها إلى الطرف الآخر. فكلّ طرف يكشف شيئًا من ذاته وهو يحاور الآخر، وكلّ رسالة تضيء جانبًا من شخصيّة صاحبها. كقول عُلا مثلًا في رسالتها الأولى: "عندما كنتُ طفلةً صغيرةً، كانت تقفز الأسئلة في زوايا فكري وتُشغلني؛ كنتُ أتساءل ولا أسأل، كنتُ أبكي ولا أدمع، كنتُ أتناسى ولا أنسى" (19). فكلماتها هذه تكشف عن شخصيّة تتّسم، منذ طفولتها، بفضول فكريّ ووعي عميق يتجاوز حدود عمرها. وبشخصيّة شديدة الحساسيّة، تنزع إلى التأمّل الداخليّ وقادرة على كبح انفعالاتها وكتمان مشاعرها.

والحقيقة، أنّني خلال قراءتي لكتاب "الرسائل العشر"، شعرت بتأثّر عميق، ذلك لأنّني أعرف مدى حبّ عُلا لوالدها وتعلّقها به، وأدرك جيّدًا المكانة الكبيرة التي يحتلّها في قلبها وحياتها. كان بالنسبة إليها أكثر من أب. كان سندًا وأمانًا، وصديقًا، وقدوةً تستمدّ منه القوّة والحكمة والإلهام. لذلك، لم تكن الرسائل بالنسبة لي مجرّد كلمات مكتوبة، بل كانت انعكاسًا لعلاقة إنسانيّة عميقة مليئة بالمحبّة والاحتواء والثقة والاحترام. شعرتُ وأنا أقرأها أنّني أقترب من جزء حميم من روح عُلا، وألمس من خلال كلماتها مقدار حضور والدها في وجدانها، وكيف ترك أثرًا لا يمحى في شخصيّتها وفِكرها ومسيرتها.

تكشف عُلا في بداية الكتاب عن الدافع لكتابة هذه الرسائل، ألا وهو شعورها المتزايد بزيف العالم من حولها، وما آلت إليه العلاقات الإنسانيّة من افتقادٍ للقيم والمعاني النبيلة. فالصدق في نظرها

أصبح نادرًا، والمحبّة والوفاء والاحترام لم تعد تحكم كثيرًا من العلاقات كما كانت. فضاق بها هذا

العالم بما فيه من تناقضات وابتعاد عن جوهر الإنسان. ومن هذا الضيق، ومن حاجتها إلى ملاذٍ صادق ونقيّ، جاءت رسائلها إلى والدها، وكأنّها عادت إليه بحثًا عن عالم آخر. عالم ما تزال فيه القيم حاضرة، والمحبّة صافية، والكلمة صادقة. وعليه، تبدو هذه الرسائل، في جانب منها، احتجاجًا على زيف الواقع، وفي جانب آخر، تشبثًا بما تبقّى داخلها من قيمٍ إنسانيّة وحنين إلى عالم أكثر صدقًا ونقاءً:

"حين ضاق بي الفضاءُ سكنتُ ذاتي، حين ضاقت بي الكلمات نطقتُ صمتًا، ثمّ نسجتُ صمتي رسائل طرّزتها برحيق السكون ورفعتُها إلى والدي. نسجتُ صمتي كي لا تصدأ الكلمات والأسئلة في فمي، لأعرف أنّي لا أعرف أنّي أعرف حقيقة هذا العالم المشوّه، لتملأ أسئلتي مستنقع الوحل، كي لا تجفّ الدمعة على جدار الصمت وكي لا تتزاحم الأسئلة في طابور الدهشة. نسجتُه لأغضب ولأفرح على فِراش كلماتي، لأشاطر وجعي مع والدي الذي غرس فيَّ قيمًا ومبادئ تشرق في شراييني؛ والدي الذي زرعني عميقًا في هذه الأرض وزرعها فيَّ قلبًا فباتت نبضًا يلحِّن كلماتي. جدّلتُ أسئلتي إليكَ، يا أبي، كي لا تنطفئ الأحلام في عتمة الغياب، كي لا تحترق بساتين الأمل في ظلمة الألم وكي لا تبقى صرختي يتيمةً. كتبتُ إليكَ كي تبقى دمعتي على قيد الأمل". (17) وفي الرسالة الثالثة تقول:

"عرفتُ أصحاب النفوس الصغيرة، المحطَّمة، وأولئك الذين يلوّحون بشعارات يزيّنون بها لسانهم ويعرضون فكرَهم المزيّف؛ يدعون للمحبّة والعنصريّةُ ترفّ فوق رؤوسهم والحقد يسكن بين حروفهم. عرفتُ أولئك الذين يجعلون طيبتك طعامًا لمآربهم ولنواياهم المستترة. وعرفتُ أولئك الذين يسكنون أريج الأزهار ويلوّنون حياتك. وما أقلّ الأريج.. ما أقلّه!! في هذا العالم تضيع بين حِبال النفاق، بين الوجوه الظاهرة والمستترة، بين الألسن التي تدقّ كلمات الثناء ثمّ تدير ظهرها لتطلِق كلمات الهجاء. أنظرُ إلى هذا العالم المحتال فتغرقُ نفسي في أرضٍ خراب، لا يسلكها سوى الحقد، العنصريّة، القتل والدمار. لا تَسَلْني.. لا تَسَلْني، يا أبتِ، عن لون الدمعة في عينيّ، لا تَسَلْني عن الأمل المجفّف في مقلتيَّ؛ لا تَسَلْني عن الحزن السّاكن في أزقّة حنجرتي وعن صوتي الضّائع في ضجيج الصّمت. لا تَسَلْني عنّي، فأنا ضائعة في شرايين الأرض أبحث عن الإنسان وعن الإنسانيّة في هذا العالم!" (35-36).

الشعور بالاغتراب

في رسائلها، نجد عُلا في صراع دائم مع عالم يبدو غريبًا عن العالم الذي نشأت وتربّت فيه، وتشكّل وعيها على قِيَمه ومبادئه. وكلّما حاولت أن تجد لنفسها موطئًا في هذا الواقع، شعرت بأنّ ثمّة مسافة تتّسع بينها وبينه. إذ تشعر بأنّها حاضرة في المكان لكنّها غريبة عن روحه. وبين الناس، لكنّها عاجزة عن الانتماء الحقيقيّ إلى عالمهم. ومن هنا، يتولّد شعورها بالغربة. ليس بوصفه ابتعادًا مكانيًّا عن الآخرين، بل بوصفه اغترابًا داخليًّا عن واقع/مجتمع لم تعد تشعر بالانتماء إلى منظومته الأخلاقيّة والانسانيّة:

"كالعبير خرجت من عباءة حديقتكَ أتنزّه في مسالك البلاد، أتأرجح بنسائم الفرح وأغنّي للحبّ، فتعثّر وجهي بوجوه هذا العالم، تلعثمت لغتي بلغة لا أفهمها وتكسّر صوتي في حضرة عالَمٍ جديد لدغتني أنانيّته! عالم تضربكَ أمواجه، تبتلعك، تشربُ من نورك وتتحلّى بدموعك المالحة. غنّيتُ.. لكنَّ الصمت الْتهم حنجرتي كما يلتهم اللّيل النهار، وغرقت حروفي الممزّقة في خيمة الصمت. سكنني القلقُ؛ ووقف على شرفة قلبي يُطلّ على هذا العالم الغريب، وفي زاوية عيني لؤلؤة تسجد لأغنية صامتة، لأغنيةٍ شُرّدت عند أقدام الأنانيّة والانتهازيّة وتكسّرت في عيون مجتمع أسقط قيَمه ومبادئه وجَرَح اسم الإنسانيّة" (27-28).

"ما به هذا العالم يا أبي؟

ضاع العطاء، قلّ الوفاء، نام الانتماء؛ أصبحت الانتهازيّة سيّدة العلاقات ودخلت المحبّة في سبات! المبادئ تتجوّل على ألسنة الناس فقط، الأخلاق صدئت على شاطئ الخجل المهجور، حتى الأمل لم يعد يعرف كيف يرتّب حروفه. وها أنا، أحمل قيمًا ومبادئ أصارع بها هذا العالم الغريب..." (29).

وتسأل والدها: "وأنتَ يا أبي.. هل تشتاق للماضي؟ لساحات النضال، لبساطة الناس وصدقها؟ هل سألتَ نفسَك عن نفسِكَ؟ هل اطمأننتَ عن ذاتك مرّةً؟ أم تسيرُ كجذور الأشجار في تعاريج الحياة؟! كيف تلوّنُ أيّامك؟ كيف تربّي أحلامكَ؟ كيف ترى بلادي؟ كيف تراكَ؟ أخبرني!" (78).

في رسائلها، تطرح عُلا على والدها أسئلة عميقة فلسفيّة وجوديّة تحمل في طيّاتها كما يقول الأب "أبعادًا لا يمكن القبض عليها بسهولة، فهي نوافذ مفتوحة على عوالم من التأمّلات. هي أسئلة تلامس الروح وتُثير الخيال، تتسلّل عبر الذاكرة والمشاعر لتفتح أبوابًا لأفكار تتجاوز حدود المألوف" (81). كما يظهر في هذا المقطع مثلًا:

"هل تعرف ذلك الشعور يا أبي، الشعور الصامت الذي يسير في شرايينكَ، يخطفُكَ من حاضرِكَ يُشعل فكرَكَ ويُشغِل دموعَكَ؟! هل تعرف هذا الشعور الذي يسرق وقتكَ وصوتكَ وحضوركَ؟ ذلك الشعور الذي يتجوّل بكَ بين أحياء عقلكَ، يجلس معك عند ضفاف لحنٍ حزينٍ تغسلُ به ذكرياتِكَ التائهة، ويسير معك في أزقّة قلبكَ، يقفز مع تنهّداتكَ المتعَبة وهي تعزف كلماتك نبضًا كسولًا على أدراج جسدِكَ. ذلك الشعور الذي يوقظ فيك أسئلةً يتيمةً، يبحث في سبب وجودكَ، قيمتك ومكانتكَ. الشعور الذي يصرخ بكَ حين تنام، يدغدغ كلّ الأحلام القديمة المطويّة، ويتمدّد في شرايينكَ. الشعور بأنّك تشتعلُ، تذوبُ، تشتعل، تذوب حتى تنطفئ وحدَكَ دون رفيق، فتحملك الريح على ظهرها وترحل معكَ إلى قصيدةٍ جديدةٍ. هل تعرف ذلك الشعور الذي يُفرغك من أناكَ فتبحث عن ذاتكَ، عن وجودِكَ، عن محيطِكَ، وحيدًا في عتمة الحضور؟! شعورٌ يُشعل رائحة الحقيقة في ظلّ عالم أكله النفاق؛ يحاوركَ، يصطاد أحزانك من مستنقع الحياة، يرفع في وجهكَ وجوهًا قد شاهَتْ وأيّامًا قد شاخَتْ في حضن الزمن!" (63-64).

أزمة القِيَم

يتشارك الأب والابنة إحساسًا عميقًا بالألم إزاء واقع اجتماعيّ مُثقل بالأزمات والاختلالات والتشوّهات. حيث تتداخل الأنانيّة والانتهازيّة والجهل، مع مظاهر النفاق والتمييز والعنصريّة. وتصبح المصالح الشخصيّة، في كثير من الأحيان، محرّكًا أساسيًّا للسلوك الفرديّ والجماعيّ. وفي ظلّ هذا الواقع، يبدو العالم، بالنسبة لكليهما، وكأنّه يسير وِفق منظومة قِيَمٍ مقلوبة، اختلّت فيها المعايير الأخلاقيّة وتبدّلت الحدود الفاصلة بين المقبول والمرفوض، وبين الصواب والخطأ.

فعُلا، كانت طفلةً تحلم بالفرح والحياة، وتتطلّع إلى عالمٍ تسوده المحبّة والصدق وتَحْضرُ فيه القيم. لكنّ الحياة خذلتها، فاصطدمت بواقعٍ لم يشبه أحلام طفولتها، واكتشفت أنّ العالم الذي تمنّته ليس هو العالم الذي وجدت نفسها فيه. فتحوّلت هذه الطفلة الحسّاسة المرهفة إلى إنسانة مسكونة بالحزن والألم، إلى حدّ أصبحا جزءًا أساسيًا من تكوينها النفسيّ والوجدانيّ، وتحوّلا تدريجيًا إلى حالة مستمرّة تتداخل مع نظرتها إلى ذاتها وإلى العالم المحيط بها. وكلّما انكشفت أكثر على تناقضات العلاقات الإنسانيّة، وكلّما شهدت مأساة شعبها تتعمّق، أخذ هذا الشعور بالحزن والألم يتّسع داخلها، ويُضعف قدرتها على استشراف الأمل.

تقول: "حلمتُ بطفل يضحكُ في وجهي، بوطن ينفض جروحه وبقمرٍ يتكلّل بأشعّة الشمس. أحلامٌ كبرت معي، ثمّ مدّت جناحيها وهاجرت مثل الطيور، ثمّ عادت.. عادت بعد شتاء، عادت في كَفَنٍ، عادت تلفّني، تثير رائحة الطفولة البريئة وتجلد صمتي بغضب.. تُمسكُ الوجع من يده وتربطه بي. عادت دمعةً تُطفئ نارها في عينيّ، ورموشي تسرّح شعرها المنسدل على وجه الموت". "لماذا يا أبي؟ لماذا نحلم صغارًا؟ أكي نبكي كبارًا؟!! لماذا تتكسّر أمنياتنا في حناجر الزمن؟! لماذا تسقطُ أحلامنا في عيون الموت؟!" (20)

حتى أنّها، في بعض المواضع، تبدو محبطةً إلى حدٍّ يكاد اليأس يطوّقها، وكأنّها فقدت قدرتها على رؤية مخرجٍ من واقعها:

"بتُّ أحلم بأن لا أحلم، كي لا تنكسر فرحتي ولا تبكي أمنياتي. بتُّ أتجوّل بين عتبات السنين، أدرّب ذاكرتي على النسيان، أدرّب الفرح على الحزن، أدرّب وجهي على قبول بسمةٍ مبلّلة. بتُّ أدرّب نفسي على الصمت والوِحدة […] يا أبتِ، إنّي أرى الحلم يكبر والأمنيات تحت خيمة الموت، وأرى الموتَ يراقص الحياة، أرى النهايات تعانق البدايات. أرى الحلم يخلع ثيابه ويغرق في بحر الألم" (20-21).

ومن هذا المنطلق، تتّخذ رغبة عُلا في العودة إلى الطفولة دلالة نفسيّة ورمزيّة واضحة. فهي لا تعبّر بالضرورة عن حنين إلى مرحلة عمريّة بعينها، بقدر ما تعكس حنينًا إلى زمن أو مرحلة اتّسمت بالبساطة والبراءة والصدق:

"ليت الزمان نسيني كما نسِيَ الزهر عطره في زجاجة الذكريات؛ ليته نسيني فبقيتُ طفلةً تركض وراء فراشةٍ ملوّنة، وراء رحيق مُحلّقٍ أو ريشة عصفورٍ تائهة". "لا أدري لماذا عشّشت طيور الحزن في عيوني وتعطّرت بدموعي" (64-65).

صوت الأب

وفي مقابل هذا الانكسار، يأتي صوت الأب- الأستاذ نبيل عويضة محمَّلًا بالتفاؤل والأمل. فيتحوّل الأب في رسائل عُلا إلى صوتٍ مضادّ لليأس، يذكّرها بأنّ الاستسلام للواقع ليس قدرًا، وأن الأمل لا يكون مجرّد انتظار، بل إرادةً وعملًا.

يظهر الأب في رسائله بوصفه شخصيّة متّزنة وواعية. تتّسم بالحكمة والتفاؤل والقدرة على احتواء ابنته. فنراه يستمع إلى شكواها ولا يستخفّ بمشاعرها، بل يتمكّن من فهم دوافعها ومخاوفها ومصادر ألمها. فهو يدرك أن حزنها ليس حالة عابرة، وإنّما هو نتاج تراكم من التجارب والخيبات والانكشاف على واقع اجتماعيّ وإنسانيّ مضطرب. ولذلك، يتعامل معها بقدر كبير من المحبّة والاحتواء والتعاطف والتفهّم:

"ولكِ، يا ابنتي، لكِ قلبي درعًا يحمي أحلامكِ ويقي قلبك الصغير من طوفان الحزن الذي قد يداهمك، وبيتًا من الأمان وسط زمان غادر" (94). "أذكر يا ابنتي.. أذكر ما كتبتِه عن هذا العالم الغريب. وأعلم أنّك غريبة.. غريبةٌ كنجمة تلمع في أوج النّهار وفي عين الشّمس، غريبةٌ كليلٍ عميقٍ يُنير بسكونه عيون النّجوم، غريبةٌ كصوتي الذي يزهر في صمتك" (75). 

وتكتسب هذه العلاقة أهميّة خاصّة لأنّ الأب نفسه عاش تجارب قاسية وشهد تحوّلات اجتماعيّة وسياسيّة عميقة، الأمر الذي جعله أكثر قدرة على فهم شعور ابنته هذا في عالم لم يعد قادرًا على منحها الأمان أو الثقة. وبينما ترى عُلا في الحياة مصدرًا متواصلًا للخيبة واليأس، يحاول الأب الأستاذ نبيل عويضة، من موقع خبرته الطويلة، أن يستوعب هذا الألم وأن يخرج بها من دائرة اليأس، مؤكّدًا أنّ المشكلات لا تستعصي على الإنسان إذا امتلك الإرادة وسعى إلى الحلّ: "فنحن وحدنا مَن نخطّ مسارنا، بثقة وإرادةٍ لا تنكسر، نحو غدٍ نصنعه بأيدينا" (31).

تحتلّ المحبّة والإنسانيّة موقعًا مركزيًا في خطاب الأستاذ نبيل، إذ لا تردان في رسائله بوصفهما مجرّد قيمتَين أخلاقيّتين، وإنّما تتشكّلان باعتبارهما جوهر رؤيته للحياة والإنسان. وقد حرص على غرس هاتَين القيمتَين في ابنته، حتى غدتا جزءًا من منظومتها الوجدانيّة والأخلاقيّة، وهو ما يتجلّى في دعوته المتكرّرة لها إلى التمسّك بهما بوصفهما قيمتَين لا ينبغي أن تنال منهما قسوة التجربة: "إنَّ هذا الحزن الذي تشعرين به، يا ابنتي، دليلٌ على نقاء روحكِ وعظمة قلبك. إنّ الألم الذي يسكنك دليلٌ أنّك لم تفقدي البوصلة وأنّك ما زلت تؤمنين بأنّ الإنسان قادرٌ على أن يكون أفضل. لا تدعي قسوة العالم تُطفئ نورك، بل كوني ورفاقك بذوره. اجعلي من محبّتك شعلةً تهدي التائهين ومن إنسانيّتك وطنًا يحتضن المتعبين. اجعلي من المحبّة رسالةً، ومن الخير ميراثًا، ومن الإنسانيّة وطنًا" (41). "الإنسانيّة، يا ابنتي، حالةٌ من السّمو، شعلةٌ متّقدة تنير دروبنا نحو الآخر. هي أن ترى في ألم الآخر امتدادًا لألمك، وأن تجد في حاجته دعوةً للعطاء. الإنسانيّة هي المحبّة" (40).

التضادّ بوصفه آليّة للكشف عن خبرة الأب وتراكم تجربته الحياتيّة

وممّا يُلاحظ في رسائل الأب، ولا بدّ من الإشارة إليه، أنّ تجربته وتراكم خبرته الحياتيّة تتجلّى في بعض المواضع من خلال توظيف بنية التضادّ. هذا التوظيف الذي يكشف عن وعيٍ تشكّل عبر معايشتة ثنائيّات متقابلة في الحياة جعلته يظهر بوصفه ذاتًا عارفة بتعقيدات التجربة الإنسانيّة. فهو لا يستحضر الفرح بمعزل عن الألم، ولا الإخلاص بمعزل عن الخيانة والغدر ولا الحبّ بمعزل عن الكراهية: "لو لم تجمع الحياة الألم والفرح، لما تعرّفنا على معنى الفرح ولا أدركنا عمق الألم. لو لم تجمع الحياة الإخلاص والخيانة، لما تعرّفنا على جوهر الإخلاص ولا فهمنا معاني الخيانة وآلامها. لو لم تجمع الحياة الحبّ والكراهية، لما تعرّفنا على قيمة الحبّ ولا تجلّت لنا مساوئ الكراهية" (33). وبناءً على ذلك، يغدو التضادّ في رسائله أكثر من مجرّد تقنيّة أسلوبيّة، وإنّما يتحوّل إلى بنية دلاليّة تعبّر عن حصيلة تجربة إنسانيّة طويلة خبرت وجهَي الحياة، وأسهمت في تشكيل وعيه بها وبذاته وبالآخرين. وفي هذا السياق، تشكّل رسائل الأب نبيل عويضة إلى ابنته علا، فضاءً للخبرة المتوارثة من جيل إلى آخر، بهدف تهيئتها لمواجهة الحياة بكلّ تناقضاتها، وإلى تحويل تجربته إلى معرفة تساعدها على فَهْم الحياة دون أن تفقد إيمانها بها.

بالإضافة إلى هذا، يلاحظ القارئ وبوضوح، إصرار الأب في رسائله، وحرصه المتواصل على ترسيخ نزعة التفاؤل لدى ابنته، في كلّ فرصة تُتاح له. وكأنّ هذا الإصرار يكشف عن حاجة الأب إلى طمأنتها وحمايتها من مشاعر اليأس والانكسار. وهو نابع في جوهره، من خوفه عليها وقلقه العميق بشأن قدرتها على مواجهة قسوة العالم وتقلّباته. فنراه يدعوها باستمرار إلى التمسّك بالمحبّة والإنسانيّة والأمل، ويُؤكّد لها أنّ الخير لا يزال حاضرًا في العالم، وأنّ الحياة لا تزال جديرة بالحبّ والعيش: "ما أجمل هذا الأمل والتحدّي اللّذان يحلّقان في سماء فكركِ! إنّ الأمل هو الجسر الذي نعبر به إلى عالمٍ أوسعَ وأرحب. أمّا الألم فهو فرصة للوصول إلى أعماق ذواتنا لننطلق بقوّةٍ كالأشجار، لا ننكسر أو نلين. في هذا الصمود الصامت قوّةٌ وثباتٌ وحضور لا تهدمه العواصف" (74). "احلمي، يا ابنتي، وناضلي.. فبالنضال تُشرق الأحلام وتمطر" (25).

أثر كلمات الأب في الابنة

ولا شكّ في أنّ كلمات الأب لا تمرّ على الابنة مرورًا عابرًا، بل تلقى صداها العميق في نفسها وتترك أثرًا واضحًا في وجدانها. إذ تتحوّل عباراته التشجيعيّة إلى مصدر للدعم النفسيّ، وتمنحها دفعة من الأمل والثقة وتعزّز قدرتها على الصمود. غير أنّ هذا الأثر الإيجابيّ لكلمات الأب لا يلبث أن يصطدم بثقل الواقع وهو يلقي بظلاله على الابنة، فتتراجع عزيمتها وتنحسر تدريجيًّا قدرتها على التشبّث بالأمل. الأمر الذي من شأنه أن يكشف عن التوتّر القائم بين كلام الأب المفعم بالأمل، وقسوة الواقع الذي تعجز الابنة عن تجاهله أو تجاوزه. فالوضع المأساويّ الذي يعيشه مجتمعها وأبناء شعبها يعود في كلّ مرّة ليفرض نفسه عليها، ويُعيد إليها مشاعر الحزن والألم والغضب:

"وبلادي يا أبي.. بلادي! في بلادي صورٌ معتّقةٌ تتجدّد في عين التاريخ، في بلادي صمتٌ يتمزّق صراخًا ودمع يحترق ألمًا، في بلادي حياة يلفّها الموت […] في بلادي تكبر جثثُ الأحلام البريئة وعناقيد الابتسامات الحزينة، في بلادي أطفالٌ ينسجون الحياة في دفاتر الموت!" (43).

وهكذا، تبدو علا معلّقةً بين صوت الأب الذي يدعوها إلى الأمل والعمل، وواقعٍ قاسٍ يهدّد، باستمرار، قدرتها على التمسّك بهذا الأمل. فتطلق صرختها: "أين العالم من كلّ ذلك؟! أين؟!! العالم يتفرّج على مسلسل الاحتلال الذي لا ينتهي.." (50). صرختها تطلقها بغضب وحرقة وألم عميق. تحتجّ وتتساءل: كيف يُمكن لعالمٍ عربيّ أن يرى كلّ ما يحدث للشعب الفلسطينيّ، ثم يكتفي بالصمت وكأنّ الأمر لا يعنيه؟ عالمٌ يرفع شعارات الكرامة والعروبة، لكنّه يتراجع حين تُختبر هذه الشعارات أمام المأساة الحقيقيّة. عالمٌ انتهازيّ تحكمه المصالح على حساب الكرامة والإنسانيّة. صرختها لا تُعبّر عن مجرّد خيبة أمل، بل عن صدمة وغضب واحتجاج ووجع وهي ترى من يُفترض أن يكون سندًا، يتوارى خلف الصمت والمواقف الباردة.

ومَن يعرف عُلا، لن يمرّ على صرختها هذه مرّ الكرام. فهي ليست صرخة غضب فقط، بل صرخة تكشف عن مقدار حبّها لوطنها ووجعها عليه. وهي إعلان أنّ ما بداخلها من ألم قد تجاوز قدرة صمتها على الاحتمال. فعُلا بطبيعتها هادئة، قليلة الكلام، لا تبوح بسهولة بما يعتمل داخلها، وغالبًا ما تختار الصمت حتى في اللّحظات التي يكون فيها الكلام أسهل من الصمت. لذلك، عندما تصل إلى مرحلة الصراخ، فهذا يعني أنّ شيئًا داخلها قد تراكم طويلًا ولم يعد الصمت يتّسع لكلّ هذا الوجع حتى بلغ نقطة الانفجار.

أمّا والدها، فلم يحاول إسكات صرختها، ولا التقليل من حدّة غضبها وألمها. بل بدا مدركًا لحاجتها إلى من يتفهّم وجعها ويمنح مشاعرها شرعيّة التعبير عنها. وعليه، فقد حرص على مواصلة حضوره بوصفه مصدرًا للأمان والدعم، وسعى إلى أن يظلّ النور في قلب ابنته، وأن يمنحها القدرة على مواجهة قسوة الواقع واستعادة شيء من الأمل، محذّرًا إيّاها من أن تسمح للألم أن يهزمها. فالوطن لا يحتاج منّا إلى اليأس، بل إلى أن نبقى واقفين، أوفياء له، مهما اشتدّت المحن. وإن خانه بعض أبنائه، فذلك لا يجعله أقلّ استحقاقًا للحبّ، بل يجعله أكثر حاجة إلى أبنائه الصادقين:

"ليس هنالك وقت للنحيب على جراح الوطن؛ فجراح الوطن باقية ما دام في وطننا حياة جريحة وأرض محتلّة وبيوت تنتظر عودة أصحابها" (83). "البلاد الجريحة يا ابنتي، لا تنزف دمًا، بل تفيض بالحبّ والحياة رغم الجراح، وإذا أغمضنا أعيننا عنها لن تفيض حبًّا وحياة بل كآبة وموتًا. البلاد الجريحة لا تداوي جراحها بنفسها، أهلها فقط يعرفون كيف تداوى جراحها" (53). "سيأتي يوم أفضل، وأنا أؤمن بذلك. ربما لا نراه قريبًا، وربما يطول الطريق، لكن علينا أن نُبقي قلوبنا مستعدة لذلك اليوم".

فالأب، الأستاذ نبيل عويضة، عاش تجربة النكبة وما رافقها من أحداث جسيمة تمثّلت في الدمار، والتهجير، والتشريد، والقتل، وما نتج عنها من آثار عميقة على الأفراد والمجتمع، ولا سيّما على الأطفال الذين حُرموا من طفولتهم الطبيعيّة بفعل ظروف العنف والاقتلاع وعدم الاستقرار. وعلى الرغم من قسوة التجربة وما خلّفته من آثار نفسيّة مؤلمة، فإنّ الأستاذ نبيل قد حافظ على قدر كبير من التفاؤل والإيمان بعودة الوطن، وبأنّ الإنسان يستطيع أن ينهض من بين الركام، وأن الأمل، مهما أثقلته الجراح، يبقى أقوى من اليأس:

"هكذا نمت فينا بذرة الأمل؛ نور يمتدّ من أعماق كوارثنا. إنّ جدار الأشجار لا يموت حين يحترق الشجر، ولا يذبل الأمل في قلوبنا. الأمل صار حلمًا وهدفًا، تغذّيه الحياة وتسقيه ينابيع الوطن. فالحزن إذا تحوّل إلى قوّةٍ، لا يُقهر؛ والألم الذي يولد من الظلم والأحزان، يولّد فينا قوّة البقاء" (60-61). "لا أستطيع أن أحلم أنّ بلادي جريحة تئنّ تحت وطأة الألم وتبكي مصيرها، بل أراها في حلمي أقوى وأفضل البلاد".

وبعبارات يتبدّى فيها انفعالها بوضوح، حتى نكاد نلمح الدموع تترقرق في عينيها، ونستشعر رجفة قلبها، تقول عُلا: "وأنا أحبّ بلادي.. أحبّ وطني كما هو، بجراحه التي تلحّن نشيد البقاء، بصمته الذي يشعل ضجيج قلبي، برحيقه الذي يعطّر أيّامنا ويطهّر جراحنا وذكرياتنا!" (55-56)

ولعلّ أجمل ما في كلمات عُلا هو صدقها. فهي تخرج صافيةً من القلب، محمّلةً بوجعها وحبّها وانتمائها. حتى أنّ القارئ لا يشعر بوجود مسافةٍ بين عُلا وما تكتب. ولا يشعر أيضًا بأنّها تكتب لتؤثّر فيه، أو لتصنع لنفسها صورةً معيّنة. فلا قناع ترتديه، ولا شخصيةً تصطنعها على الورق. ما تقوله ليس سوى امتداد حقيقيّ لما هي عليه: إنسانة تحبّ بصدق، وتتألّم بصدق، وتغضب بصدق. فيشعر القارئ بحزنها وبوجعها وهو يتسلّل بين السطور، وبذلك الحبّ الصادق للوطن الذي يفيض من كلّ عبارة. ولهذا تحديدًا يثق بها، يصدّق صرختها، ويتعاطف مع وجعها، ويطمئنّ إلى حبّها حين تتحدّث عن الوطن:

"أنا أحبّ وطني كما تحبّ مآقي العشّاق ماءها، كما يحبّ الجسد الروح، وكما يحبّ البرقوق جلده. فالوطن هو المكان الذي تجلس في زواياه فيمسح حزنك، يلحّن صمتك، يشعل الأمل في عينيك ويعطّر أحلامك برائحة ليله. في أزقّته تتصافح القلوب، في تجاعيد صوته تسير أغنياتنا وفي كبده تشتعل حرارة النضال" (57).

تتّسم علاقة عُلا بوالدها الأستاذ نبيل عويضة بعمق استثنائيّ من المحبّة والثقة، إلى درجة يتجاوز فيها الأب بالنسبة إليها حدود العلاقة الأسريّة التقليديّة، ليصبح رمزًا للأمان والانتماء والاستقرار. فثقتها العميقة به، وما تختزنه تجاهه من محبّة عميقة، تجعل حضوره مرتبطًا في وعيها بمفهوم الوطن ذاته. وفي ظلّ عالم فقدت فيه كثيرًا من مقوّمات الأمان والثقة، يغدو الأب بالنسبة إليها آخر مساحة ثابتة يُمكن الاحتماء بها والوثوق بوجودها:

"أريد يا أبي، أريد أن أخبّئ قلبي في قلبكَ ليكبر هناكَ في حدائق الأمل، لأقيه من غبار الألم ورائحة التعب، لأبني عشّ فرح على أغصان قلبك، وليخضرّ ظلّي في ظلّكَ الأخضر" (91).

"أراكَ والوطن لا تنفصلان، لأنّه أنتَ، فنحن.. نحن الوطن؛ لأنّ الوطن عريننا حين نحيا وحين نموت. أراكَ تغسل جرحه الكبير بأسماء الشهداء، تقف على فوّهة زهرة وتنشر رائحة الوطن على ظهر غيمة تبكي فينا. أرى نشيد الوطن يصفّق في عينيكَ وأراكَ في الوطن نشيدًا ينمو في حنجرة الشمس. أراكَ تزرعُ معاني الانتماء والوطن في سماء عقولنا. أراكَ تزرعُ المحبّة والعطاء في صحراء قلوبنا. هكذا أراكَ.." (79).

من هنا، يمكن فهم مساواتها الرمزيّة بين الأب والوطن. فكما يمثّل الوطن للإنسان الجذور والهويّة والذاكرة والانتماء، يمثّل الأب لعُلا هذه المعاني مجتمعة. إنه يحمل ذاكرتها، ويمنحها الإحساس بالاستمراريّة، ويشكّل نقطة ارتكاز في عالم مضطرب لم تعد تثق بكثير من قِيَمه وأفراده. ولذلك، فإن قولها أو شعورها بأن الأب هو الوطن لا يأتي بوصفه تعبيرًا عاطفيًّا فحسب، وإنّما يكشف عن علاقة رمزية عميقة، أصبح فيها الوطن شخصًا، وتجسدت فيه صورة الأب باعتباره الحامي للذاكرة والهويّة ومصدر الأمان الأخير.

ويكتسب هذا المعنى دلالة أعمق إذا ما أخذنا في الاعتبار تجربة الأب نفسه. فهو الذي عاش النكبة وشهد فقدان المكان والتشريد والاقتلاع، ومع ذلك ظلّ متمسّكًا بالأمل. وهكذا يصبح الأب في وعي ابنته تجسيدًا حيًّا لوطن لم تستطع الظروف أن تنتزعه منها. وطن تختصره في شخص تحبّه، وتثق به، وتشعر معه بأنّها ما تزال تنتمي إلى شيء ثابت وسط عالم تتداعى فيه الثوابت: "إنّي أراكَ، يا أبي، تسير في فم الشمس تصهر الآلام والأحزان وتبني أحلامًا جديدة. أراكَ تحكي للّيل حكايةً حتى ينامَ فيخلع لونَه الأسود. أراكَ تغسل البحر من العَرَق، تجفّفه بندى طازج وتعطّره بنور. أراكَ تهمس للأزهار عن سرّ الحياة. أراكَ يا أبي، صوتًا واحدًا لا يتغيّر، فكرًا نيّرًا لا ينطفئ" (78).

اللّغة

مَن يقرأ كتاب "الرسائل العشر" ستُسحره لغة عُلا القريبة جدًا من لغة الشعر. لغةٌ تتجاوز مجرّد التعبير عن المشاعر لتصنع منها صورًا وإيقاعات نابضة بالحسّ والجمال. ففي رسائل عُلا، بصفة خاصّة، تكاد الكلمات أن تتحوّل إلى قصيدة بما تحمله من رهافة وصدق وعمق وجدانيّ. وكيف لا تكون كذلك، وعُلا شاعرة، والشعر يسكن لغتها وروحها وطريقتها في النظر إلى الأشياء؟ لقد بدا لي أن الشاعرة في عُلا لم تغادرها وهي تكتب رسائلها، فحَضَرت في انتقاء الكلمات وإيقاعها، وفي كثافة الصور: "الوجع يكبر بهدوء حتى يوقظ فيكَ كلّ الحواري الهادئة. يجلس في حلق الصراخ القابع في جيوب حنجرتكَ، يدغدغ الذكريات الدامعة والأمنيات الضائعة والخجل المنسكب على وجنتيكَ. وجعٌ أوسع من المدى وأحدّ من الصمت. فتنزف دواخلُكَ ثمّ تلتئم بالوجع. فيصير الوجع مسكنًا تغفو فيه أحلامك وأمنياتكَ وأنتَ.. أنتَ بكلّ ما فيكَ، تستحمّ بدموعه وتتدفّأ على نيرانه" (70). وأمثلة أخرى كثيرة... 

 كذلك، يُلاحَظ في الرسائل، ولا سيّما رسائل عُلا، تكرار ألفاظ دالّة على الحزن والألم والوجع والغضب والدموع والقلق والضياع، بما يجعل هذه الألفاظ تتّخذ طابعًا دلاليًّا متكرّرًا، فتغدو موتيفًا  Motif)) بارزًا في نسيج الرسائل، يُسهم في الكشف عن الحالة النفسيّة لعُلا وتجسيد ثقل تجربتها الشعوريّة. وفي الوقت ذاته، لا يأتي هذا الموتيف منفصلًا عن خطاب المحبّة والإنسانيّة الذي يوجّهه الأب إلى ابنته. فالتجاور بين الألم والمحبّة يكشف عن رؤية إنسانيّة تتأسّس على تحويل المعاناة إلى وعي، والتجربة القاسية إلى حكمة.

الرسالة اليتيمة

وتأتي "الرسالة اليتيمة" مختلفة في نبرتها عن سائر الرسائل، إذ تبدو مشبعة بالألم والدمع والأسى، وتحمل في طيّاتها ثقل الفقد واستحالة استعادة الأب. وتكتسب كلمة "بكرا" دلالة استثنائيّة في هذا السياق، كونها آخر ما نطق به الأب قبل وفاته، حين سألته ابنته عمّا إذا كان قد كتب لها شيئًا. ومن ثمّ، لا تبدو هذه الكلمة مجرّد إجابة عابرة، وإنّما تتحوّل، بعد رحيله، إلى علامة لغويّة تختزن لحظة الوداع المؤجّل، وتختصر المسافة بين انتظار الابنة للرسالة وغياب الأب الذي لن يعود. ولعلّ هذا ما يفسّر العمق الاستثنائيّ للحزن الذي يستقرّ داخلها. فالفقد هنا لا يتمثّل في غياب الأب فحسب، وإنّما في غياب ما كانت تنتظره منه من كلمات أخيرة.

في هذه الرسالة، تتجلّى وطأة الفقد في خطاب الابنة من خلال نبرة غارقة في الحزن والوجع إلى الحدّ الذي يتحوّل فيه الخطاب إلى مساءلة للغائب واستنكار لرحيله: "أبي، ماذا فعلتَ يا أبي؟ أهكذا تردّ لي الصّوت صمتًا؟! وتردّ لي الثّورةَ سكونًا؟!! أنتَ الذي وضعتَ اللّيل في كفّكَ وأمرتَه بالنهوض، ووضعتَ الألم في كفّك الأخرى وعلّمته الذبول، ووضعتَ الحزن في قلبكَ وعلّمته الانتحار. كيف رحلْتَ وتركتني؟!" (101)

فهذا المقطع، يكشف عن صدمة الفقد التي تعجز الذات عن استيعابها. فتستمرّ الابنة في مخاطبة الأب وكأنّه ما يزال حاضرًا وقادرًا على الإجابة. كما تقوم بنية الخطاب على مجموعة من المفارقات الضدّيّة: فالصوت يُردّ صمتًا، والثورة سكونًا، والألم يُعلَّم الذبول، والحزن يُعلَّم الانتحار. ومن خلال هذه التقابلات، تستعيد الابنة صورة الأب كما عرفته: ذاتًا قادرة على مواجهة العتمة والألم والحزن. وتكتسب الاستعارات الواردة في قولها "وضعتَ اللّيل في كفّك وأمرتَه بالنّهوض" و"وضعتَ الألم في كفّك الأخرى وعلّمته الذبول" دلالة عميقة، إذ تمنح الأب قدرة استثنائيّة على تحويل العتمة والألم والانكسار إلى قوّة وحياة. غير أنّ هذه الصورة البطوليّة تتهاوى أمام فعل الرحيل، فتتحوّل قدرته السابقة على قهر الحزن، إلى عجز لدى الابنة عن مواجهة غيابه. وهكذا، يتّخذ الخطاب طابعًا رثائيًّا شديد الكثافة، يمتزج فيه العتاب بالحنين، والإنكار بالاستسلام.

ثمّ تنتقل عُلا من مساءلة والدها واستنكار رحيله، إلى وصف حالها بعد غيابه. فترسم صورة لذاتٍ أنهكها الفقد وأثقلها الحزن. وتكشف عن التحوّل العميق الذي أحدثه رحيل الأب في عالمها الداخليّ. ومن خلال وصف حالها، تتكثّف دلالة الغياب، إذ يتحوّل الأب من شخصيّة حاضرة في الرسائل إلى فراغٍ يستحيل ملؤه. ويصبح الحزن أثرًا مقيمًا في وجدان الابنة، يستمدّ استمراره من عجزها عن التصالح مع حقيقة الرحيل. تقول: "أبي، غيابُكَ يفترسني.. كنتَ لي وطنًا، وصرتُ بعدكَ لاجئة! ما زلتُ أنتظر مكالماتك ورسائلك.. ينقصني صوتك، نظراتك واسمك الذي كان يضيء هاتفي. إنّ الشوقَ إليكَ يحرِقني، ينهشني كجمرٍ تحت الرماد، والحزن يغمرني كمحيطٍ في ليلةٍ عمياء […] تخنقني الذكرياتُ كعطرٍ قديمٍ يملأ المكان، فأراكَ طيفًا في كلّ شيءٍ حولي. كلّ ما فيَّ يصرخُ باسمك؛ عيوني تشتاقُ لمرآكَ، ما عاد النومُ يزورُ أجفاني المُتعبة. لقد صار قلبي بعدك فجرًا متّشحًا بليلٍ باهتٍ لم يغسله الضوءُ بعد، نبضاتُهُ باتت ثقيلة، يجرُّ خطاه، يسير على أطراف الوقت ويستحضر ملامحكَ في كلّ زاويةٍ وظلّ. في عينيَّ أزهار حزنٍ قد أينعت، في روحي غابةُ حنينٍ قد نمَتْ وفي صوتي كؤوس دموعٍ قد تنفّسَت. لقد سقط منّي كلّ شيء، وبقيتَ أنتَ وحدَكَ تُزهر في قلبي، حتى غارت من قلبي عيناي وغار حاضري من أمسي" (103).

ثم تنتقل الابنة إلى تأكيد أنّ رحيل والدها لم يستطع أن يمحو حضوره من ذاكرتها ووجدانها. فهي تراه في تفاصيل الأشياء من حولها، وتستعيد ملامحه في مظاهر الحياة اليوميّة. وبذلك يتحوّل الغياب الجسديّ إلى حضور رمزيّ دائم. إذ يصبح الأب حاضرًا في الذاكرة والوعي وفي الأشياء التي تحمل أثره:

"أبي، إنّي أراكَ في كلّ شيء رغم أنّك لا تُشبه أيّ شيء. أراكَ في عين الشمس، في أشجار البستان، في زيتونة صامدة، في رقصة الأمواج، في ضحكات الأزهار، في نسمة هواء تلامس وجهي بلطف، في أغنيات كنتَ تحبُّها.. أراكَ في زوايا البيت، في الأزقّة وفي كلّ الطرقات. أراكَ في كلّ شيء وأفتقدك.. أنتَ لم ترحل، بل استوطنتني بوجع لا يهدأ، صرتَ نبضًا خفيًّا في دمي، طيفًا يزاحمُ أنفاسي، وذكرى تُمطرني كلّما أثقلني الغياب وانحنى الضوء على نافذتي" (104).

ثم تعقد الابنة عهدًا مع أبيها ومع ذاتها بألّا يكون رحيله نهايةً لحضوره في حياتها، مؤكّدةً أنّه سيظلّ مقيمًا في قلبها ووجدانها ما امتدّت بها الحياة:

"إنّ حبّك المزروع في أعماقي لن يذبل. أنتَ لا تزال هنا، في زوايا القلب، في ممرّات الذاكرة وفي نبض الحنين الذي لا يشيخ. سأظلُّ أترقّبكَ كزهرةٍ تترقّبُ شروقَ الشمسِ بعد ليلٍ طويل، وسأبقى أحبُّكَ وأحنُّ إليكَ ما دامَ في قلبي وترٌ لم تقطعه النهايات، وما دام الضوء يتردّد في عيني.. سأبقى إليكَ" (105).

غير أنّ هذا العهد لا يلبث أن يصطدم بوطأة الفقد وثقل الألم. فتخونها قدرتها على الصبر، وتتراجع شجاعتها أمام حزن يتجاوز طاقة الاحتمال: "ضيّقٌ، يا أبي، هذا القلب على حِمل هذا الحزن وهذا الوجع!" (105). تكشف هذه العبارة عن لحظة انكسار إنسانيّ عميق، يتحوّل فيها القلب إلى فضاء ضيّق لم يعد قادرًا على استيعاب ما تراكم فيه من حزن وألم. وبالتالي، تتجلّى مفارقة مؤثّرة بين رغبة الابنة في الوفاء بعهدها للأب والحفاظ على حضوره داخلها، وبين عجزها الإنسانيّ عن حمل تبعات هذا الغياب. فكلّما حاولت مقاومة الفقد بالصبر والحبّ والذاكرة، عاد الألم ليؤكّد حضوره، ويكشف هشاشة الذات أمام تجربة الموت: "ضيّقٌ، يا أبي، هذا القلب على حِمل هذا الحزن وهذا الوجع! أين هو الطّريق إلى الغياب، يا أبي؟ أين هو الطّريق إلى الغياب؟" (105).

غير أنّ عُلا، رغم وطأة الفقد وثقل الحزن، لا تستسلم طويلًا لانكسارها، بل تعود إلى وصايا أبيها وقيمه التي غرسها فيها، فتستمدّ منها قدرتها على النهوض والاستمرار. وكأنّ نصائحه تظلّ حاضرة داخلها، تمدّها بالقوّة كلّما أوشك الألم أن يغلبها، وتذكّرها بأنّ الحياة، مهما أثقلتها الخيبات، تظلّ جديرة بالمحبّة والأمل. ومن هنا، تعيد عُلا ملء قلبها بالأمل، وتختار أن تحافظ على إنسانيّتها وشغفها بالحياة، وأن تجعل من الصمود شكلًا من أشكال الوفاء للأب. وهكذا، تنتقل تجربتها من الفقد والانكسار إلى النهوض والتجدّد، لتؤكّد أنّ المحبّة التي زرعها الأب فيها قادرة على أن تتجاوز الموت، وأنّ الأمل يُمكن أن يُولد من رحم الألم، وأن الصمود ليس إنكارًا للحزن، بل قدرة على مواصلة الحياة رغم حضوره:

"أنا كالشجرة، كلّما عرّتني العواصف ولمّت ما أحمل من ورق وثمر، كلّما كسَرَتْ منّي عودًا، كلّما صفعتني بلهيب ريحها، زدْتُ تمسّكًا، فلا أنكسر ولا أموت، بل أنطلق وأتجدّد. وصوتي يزهر في صفير الريح أغنيةً يصلّيها الغمام.

ذلك الجبل.. ذلك الجبل الصامد الصامت، يا أبي، هو أنا؛ ذلك الجبل الذي تغسله الشمس كلّ صباح وتقبّله السماء.. أنا! ذلك النسيم الذي يعطِّر الفضاء، أنا؛ وذلك الشعاع الخجول الذي يلفّ السماء، أنا. وأنا صمت اللّيل، وجع القمر، أنين الغيم وبسمة الفجر.

هل تذكر يوم كتبتُ لكَ عن هذا العالم الغريب؟! كذا أنا.. غريبة، ليس كذاك العالم بل كما أردتني أن أكون؛ صامدة" (71).

(نصّ المداخلة التي أُلقيت في أمسية إشهار الكتاب في نادي حيفا الثقافيّ بتاريخ 24.9.2026).

***

د. رباب سرحان

قراءة في ذاكرة المكان ومسيرة الإنسان

على ضفاف نهر دجلة، وفي قلب العراق، تقف سامراء واحدةً من المدن التي تختزن في تاريخها شواهد غنية على تفاعل الإنسان مع المكان، وعلى التحولات التي تصنع المدن وتمنحها هويتها الحضارية. فهي ليست مجرد تجمع عمراني نشأ وتوسع عبر الزمن، بل فضاء تاريخي وجغرافي تتداخل فيه جذور الاستيطان القديم، ومظاهر العمران، والتحولات السكانية والاقتصادية، والمكانة السياسية والدينية، لتشكل جميعها ملامح مدينة ذات حضور متميز في تاريخ العراق والحضارة العربية الإسلامية.

ومن هذا المنطلق يأتي كتاب «سامراء وتطورها الحضاري» للأستاذ الدكتور مجيد ملوك السامرائي، في 385 صفحة موزعة على سبعة فصول، بوصفه دراسة تاريخية وجغرافية تحليلية تسعى إلى فهم المدينة من خلال نشأتها وتطورها، واستكشاف العوامل التي أسهمت في تشكيل شخصيتها المكانية والحضارية عبر العصور.

سامراء بين الجذور القديمة والتحولات التاريخية

إن قراءة تاريخ سامراء لا تكتمل بالنظر إلى مرحلة تاريخية واحدة، مهما بلغت أهميتها؛ إذ تقتضي فهم الامتداد الزمني للمدينة، والعلاقة بين جذورها الاستيطانية القديمة والتحولات التي شهدتها لاحقاً، وصولاً إلى صورتها المعاصرة.

وتبرز المرحلة العباسية بوصفها إحدى أبرز المحطات في تاريخ سامراء، حين أصبحت «سر من رأى» عاصمة للدولة العباسية، ومركزاً سياسياً وإدارياً وعمرانياً مهماً. وقد ارتبطت هذه المرحلة باتساع دور المدينة في إدارة شؤون الدولة، وبنشاطها الحضري، وبما شهدته من تطور عمراني ترك آثاراً بارزة في تاريخها وفي الذاكرة الحضارية للعالم الإسلامي.

غير أن أهمية سامراء لا تنحصر في ماضيها العباسي وحده، بل تمتد إلى ما تكشفه مسيرتها الطويلة من تفاعل بين الموقع الجغرافي والوظائف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية. فالمدينة، في هذا السياق، ليست صورة ثابتة من الماضي، وإنما كيان مكاني تتغير وظائفه وتتجدد أدواره تبعاً للظروف التاريخية والتحولات التي تحيط به.

الجغرافيا مدخلاً لفهم الحضارة

تتمثل إحدى القضايا الأساسية التي يتيح الكتاب للقارئ تأملها في؛ أهمية المنظور الجغرافي لفهم تاريخ المدن. فالجغرافيا لا تقتصر على تحديد المواقع ووصف التضاريس أو توزيع السكان، بل تسهم في تفسير نشأة التجمعات البشرية، واتجاهات نموها، وتطور أنشطتها الاقتصادية، والعلاقات التي تربطها بمجالاتها المحيطة.

ومن خلال هذا المنظور، تتجاوز دراسة سامراء حدود السرد التاريخي للأحداث إلى محاولة فهم العلاقات بين المكان والإنسان، وبين العوامل الطبيعية والبشرية، وبين التحولات العمرانية والوظائف الاقتصادية والإدارية والدينية.

وتزداد أهمية هذه القراءة عندما نتأمل المدينة بوصفها منظومة مترابطة؛ فتخطيطها العمراني يرتبط بحاجات سكانها، وتطور بنيتها الارتكازية يرتبط بقدرتها على استيعاب النشاط البشري، كما يتصل نموها الاقتصادي بموقعها وعلاقاتها المكانية وبالظروف التاريخية التي مرت بها.

ومن هنا تبرز قيمة الجمع بين التاريخ والجغرافيا في تفسير التحولات الحضارية، إذ لا يكتفي هذا الجمع باستعادة ما حدث، بل يفتح المجال لفهم كيفية حدوثه، والعوامل التي أسهمت فيه، والآثار التي تركها في بنية المدينة ومسار تطورها.

سبعة فصول ترسم ملامح المدينة

يتناول الكتاب موضوعه من خلال سبعة فصول متكاملة، تتدرج من الخصائص المكانية لمدينة «سر من رأى» وتخطيطها ونشاطات سكانها، إلى أسس نشأة مدينة سامراء الحالية وتطورها، وخصائصها المكانية والسكانية واتجاهات توسعها العمراني.

كما يفرد الكتاب اهتماماً للمكانة الدينية للمدينة، وتطور بناها الارتكازية، ومسار تطورها الاقتصادي، وبما يتيح للقارئ تكوين صورة متعددة الأبعاد عن سامراء، تتجاوز النظر إليها من زاوية تاريخية أو عمرانية منفردة.

ويضم الكتاب خرائط ومخططات وأشكالاً وجداول وصوراً تسهم في توضيح الظواهر المدروسة وإبراز أبعادها المكانية، وتدعم الانتقال من عرض المعلومات إلى قراءتها وتحليل العلاقات التي تربط بينها.

وتنبع أهمية هذا البناء الموضوعي من أنه يضع المدينة في إطارها الحضاري الأشمل، حيث تتفاعل العوامل السكانية والعمرانية والاقتصادية والدينية ضمن مسار تاريخي متواصل، تتغير خلاله وظائف المكان وتتبدل ملامحه، فيما تحتفظ المدينة بخصوصيتها وهويتها.

سامراء والتراث الحضاري العالمي

تحتل سامراء مكانة بارزة في التراث العراقي والعربي والإسلامي، وتكتسب هذه المكانة بعداً عالمياً من خلال ما تحتضنه من آثار وشواهد تاريخية ذات قيمة استثنائية.

وقد أدرجت اليونسكو مدينة سامراء الأثرية على قائمة التراث العالمي عام 2007، تأكيداً لأهميتها في فهم تاريخ الحضارة الإسلامية وتراثها العمراني والفني.

ولا تقتصر دلالة هذا الاعتراف على قيمة الآثار في ذاتها، بل تمتد إلى مسؤولية الحفاظ على الذاكرة التاريخية للمدينة، وصون معالمها، وتعزيز الوعي بقيمتها لدى الأجيال الجديدة. فالتراث ليس بقايا مادية من زمن مضى فحسب، بل مورد معرفي وثقافي يربط الحاضر بالماضي، ويساعد المجتمعات على فهم تاريخها ومكانها في الحضارة الإنسانية.

وفي هذا الإطار، يكتسب توثيق تطور سامراء وتحليل خصائصها المكانية والعمرانية والاقتصادية أهمية تتجاوز حدود الاهتمام المحلي؛ لأنه يسهم في تقديم صورة أوضح عن تطور المدن العراقية، وعن دورها في تشكيل التاريخ الحضاري للمنطقة.

من قراءة الماضي إلى استشراف المستقبل

إن أهمية دراسة المدن التاريخية لا تقف عند حدود استعادة أمجادها أو توثيق آثارها، بل تشمل أيضاً التفكير في مستقبلها، وكيفية صون هويتها الحضارية في ظل التحولات العمرانية والاقتصادية والاجتماعية المعاصرة.

وسامراء، بما تختزنه من إرث تاريخي وديني وعمراني، تمثل نموذجاً لمدينة تتطلب مقاربة متوازنة تجمع بين حماية التراث، وفهم احتياجات السكان، وتطوير البنية الحضرية والاقتصادية، وتعزيز الصلة بين المجتمع وموروثه الثقافي.

ومن شأن القراءة الجغرافية والتاريخية المتكاملة أن تساعد في إدراك هذه العلاقات، وأن تبرز ضرورة التعامل مع المدينة بوصفها مجالاً حياً تتفاعل فيه الذاكرة الحضارية مع متطلبات الحاضر وإمكانات المستقبل.

وهنا تتجلى قيمة الكتاب في تقديم سامراء موضوعاً للبحث والفهم والتحليل، وليس مجرد عنوان لاستحضار الماضي. فالمدينة التي صنعتها أجيال متعاقبة، وتركت فيها آثارها وتجاربها، تستحق أن تُقرأ في ضوء تاريخها وموقعها ووظائفها وتحولاتها، وأن تُصان ملامحها الحضارية بوصفها جزءاً من الذاكرة الإنسانية المشتركة.

كتاب يقرأ المدينة في سياقها الحضاري

يمثل كتاب «سامراء وتطورها الحضاري» محاولة علمية لتقديم صورة متكاملة عن مدينة تتشابك في تاريخها أبعاد المكان والسكان والعمران والاقتصاد والدين والسياسة. ومن خلال تناوله لهذه الأبعاد، يفتح الكتاب أمام القارئ مجالاً للتأمل في كيفية نشأة المدن وتطورها، وفي دور العوامل الجغرافية والتاريخية في تشكيل شخصياتها الحضارية.

وتكمن أهمية هذا العمل أيضاً في إتاحته موضوعاً معرفياً يمكن أن يهم شرائح متنوعة من القراء؛ من المهتمين بتاريخ العراق وتراثه، إلى القراء المعنيين بالجغرافيا وتطور المدن، وصولاً إلى كل من يرى في تاريخ الأماكن مدخلاً لفهم مسيرة الإنسان والحضارة.

فسامراء ليست حكاية مرحلة تاريخية واحدة، ولا مجموعة من الآثار المنفصلة عن حاضرها، وإنما مسيرة طويلة تتجلى فيها قدرة المكان على الاحتفاظ بذاكرته، وعلى حمل آثار التحولات التي شهدها عبر الزمن.

سامراء... ذاكرة مكان، ومسيرة حضارة، وأفق مستقبل.

وذلك ما يجعل قراءتها وفهم تاريخها والمحافظة على تراثها مسؤولية ثقافية ومعرفية تتجاوز الحدود الجغرافية، لتصبح جزءاً من الاهتمام المشترك بحماية التراث الإنساني ونقل معانيه إلى الأجيال القادمة.

***

د. مجيد ملوك السامرائي - أستاذ جامعي

..............................

بيانات الكتاب:

العنوان: سامراء وتطورها الحضاري.

المؤلف: الأستاذ الدكتور مجيد ملوك السامرائي.

سنة النشر: 2013.

عدد الصفحات: 385 صفحة.

عدد الفصول: سبعة فصول.

نسخة الكتاب بصيغة PDF:

https://drive.google.com/file/d/1rFgU4U_epC0lxxLnV9ZyUc8LPTfaWHX4/view?usp=drivesdk

نظرية اللاهوت التقني (Techno-Theology Theory) هي المعالجة الفلسفية والأكاديمية لتقديم نموذج تفسيري نقدي ونشأة ما يُعرف باللاهوت الرقمي. وقد شرحتُ في هذا الكتاب التحولات الأبستمولوجية والأخلاقية والأُنطولوجية المترتبة على هيمنة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي التوليدي، واختراق التقنية للفضاءات الإنسانية الوجودية والوجدانية الحصرية بالإنسان. من هنا يمكن حصر أهم المحاور والخطوط العريضة الملخصة للكتاب في الآتي:

من حيث الإطار المفاهيمي والتعريف الإجرائي لللاهوت التقني يرفض المفهوم إضفاء أي دلالة عقائدية أو إيمانية أو إلهية على الآلة أو الخوارزمية نفسها، ولا يفترض حلول التكنولوجيا محل الدين أو الإله لا الآن ولا في المستقبل القريب. 

ويمكن تلخيص تعريف المفهوم إجرائيا، بأنه: إطار فلسفي نقدي مهمته رصد انتقال الوظائف المرجعية والوجودية مثل التفسير والتنبؤ وتوجيه القرار وتوفير المعنى ومنح الطمأنينة من نطاقها الميتافيزيقي والبشري التقليدي (الروحانية والدين والفلسفة) إلى البيئات التكنولوجية والخوارزمية.

توصلت النتائج النهائية للبحث إلى أن اللاهوت التقني يتأسس على أربعة أبعاد بنيوية:

1ـ الوظيفة التنبؤية: حيث تنبئنا من خلال التحليل والمتابعة بقرب تَحوّل الخوارزميات إلى سلطة استشرافية توجّه القرار البشري بناء على البيانات الضخمة التفاعلية. 

2ـ نقل مرجعية الحقيقة واليقين: يؤدي هذا النقل إلى منح الثقة المعرفية للمخرجات الحاسوبية بوصفها المعيار الأسمى للحياد والدقة ويتم الاستغناء عن المعايير الأخرى. 

3ـ ملء فراغ المعنى: وسيكون ذلك مدعوما بتقديم الأنظمة الرقمية إجابات شمولية سريعة تعوض تراجع الأطر الفلسفية والروحية. 

4ـ الوساطة الروحية والمعرفية: نجاح التقنية في هذه المهام يرشحها للقيام بدور الوسيط المهيمن بين الإنسان وذاته والعالم.

كل ذلك لأن غالبية المستخدمين سيُخْدَعون بكذبة (حياد التقنية). ولذا سعى المفهوم وراء تفكيك وهم الحياد التقني ومجتمع التوجيه الناعم من خلال نقد الثقافة المضلِلة القائلة بحياد الخوارزمية. فالأنظمة الرقمية نتاج مؤسسي وسياسي واقتصادي وأيديولوجي صريح، وهذا ينفي عنها صفة الحياد المزعوم.

وفي الوقت الذي تطالب فيه الكثير من الأيديولوجيات بتحرير الإنسان المعاصر من التبعية بكل أنواعها، سعى الكتاب إلى تأكيد حقيقة أن الاعتماد المطلق على الخوارزميات لا يحرر الإنسان من هذه التبعية، وإنما ينقله من تبعية المرجع البشري الذي يمكن اختباره ومساءلته، إلى تبعية مرجع شبحي غامض يُوهم بالحياد لمجرد اعتماده لغة البيانات والأرقام. وهذا سيتسبب بدوره في انتقال الشعوب من مجتمع الانضباط القائم على الإكراه والرقابة المباشرة، إلى مجتمع التوجيه الناعم، حيث تُصاغ الخيارات خفية لتُجبر الفرد على اختيارات مبرمجة مع إيهامه بأنه يمارس حريته الكاملة.

وقد فرق الكتاب بين الذكاء التقني مثل معالجة البيانات وأنماط التعلم والتكيف، وبين الوعي متمثلا بالتجربة الذاتية والخبرة الشعورية الحية والمعايشة من الداخل. وبين أن الوعي البيولوجي يعتمد مثلما هو معروف على الجسد والكيفيات الشعورية مثل الإحساس الذاتي بالألم ورؤية الألوان وتذوق القهوة والخوف ولقاء الحبيب، وهي كلها تجارب مركبة لا يمكن اختزالها في الوصف العاطفي أو النشاط العصبي المجرد. أما الوعي الرقمي/الحاسوبي فهو مهما بلغت دقته ومحاكاته للغة وللمشاعر سيظل مجرد معالجة رموز وبيانات من دون تجربة داخلية حية. فالآلة ممكن أن تعالج معلومات عن الألم لكنها لا يمكن أن تعيش تجربة الألم من الداخل. وقد نبه الكتاب إلى أن الخطورة ليست في امتلاك الآلة للوعي، وإنما في وهم الوعي الرقمي المترتب على منح نظام غير واعٍ سلطة التشكيل والإصدار المرجعي لوعي الإنسان وتصوراته الوجودية.

وخرج البحث بنتيجة مفادها أن الخوارزميات لم تعد أدوات بحث وتوسيع للمعلومات فحسب، فهي بسبب تطورها المتسارع أصبحت وسيطا لإنتاج المعنى وتشكيل محتوى الوعي عبر الانتقاء والترتيب وتوليد الأفكار. وهذه الهيمنة ستؤدي بالتالي إلى نشوء الواقع المفلتر والواقع الشخصي، حيث تجعل الخوارزمية كل فرد يرى العالم من خلال ما تتوقع هي أنه يفضله.  وقد نبه الكتاب إلى التحول الخطر من استخدام التقنية كأداة مساعدة إلى تفويض فعل التفكير ذاته إليها، وأكد أن هذا يُهدد بضمور مهارات التفكير النقدي والاستقلال المعرفي والقدرة على التأمل الحر عند البشر.

لكن بالرغم من ذلك كله لا يدعو الكتاب إلى محاربة التكنولوجيا ولا إلى الاستسلام المطلق لها، فهو بدلا عن ذلك يدعو إلى حماية إنسانية الإنسان وروحانيته.  فالروحانية في منظور الكتاب ليست طقسا ولا مذهبا، وإنما هي المسافة الوجودية التي تحفظ للإنسان حقه في الدهشة والخطأ والشك والإبداع، وتمنع اختزاله إلى مجرد مشروع بيانات قابلة للتحليل والتوقع والتحسين الرقمي. 

***

الدكتور صالح الطائي

كتاب يعيد استكشاف المراحل التكوينية للإسلام

قبل عشرين عامًا تقريبًا، أرسل لي نصير الكعبي مخطوطة أطروحته للدكتوراه، الموسومة: "جدلية الدولة والدين في الفكر الشرقي القديم: إيران العصر الساساني أنموذجًا". شعرت للمرة الأولى أني أقرأ دراسة متميزة في هذا الموضوع؛ لم أقرأ قبلها بالعربية دراسة تناولته بهذا الاستيعاب والشمول، وكشفت عن تلاعب الملوك بالدين. قبل ذلك اطلعت على شيء من الكتابات الفارسية عن العصر الساساني، وكيفية تسخير الملوك للدين ورجاله لخدمة الدولة. فوجئت بتكوين رصين لمؤرخ يواكب مسيرة المدرسة العراقية في التاريخ، ويواصل التقاليد الأكاديمية الرصينة لجيل مؤسسيها: د. جواد علي (1907 - 1987م)، ود. صالح أحمد العلي (1918 - 2003م)، ود. عبد العزيز الدوري (1919 - 2010م). استطاع د. نصير الكعبي إنتاج رؤية ذكية لتفسير الصلة العضوية بين الدين والدولة في العصر الساساني، فأدركت وقتها أن المدرسة التاريخية العراقية ولد فيها مؤرخ من الجيل الجديد. بموازاة تكوينه الأكاديمي، كان الكعبي حريصًا على تكوينه اللغوي في مجموعة من اللغات الشرقية؛ بدأ محطته الأولى بالفارسية الحديثة، ثم الفارسية الوسطى "البهلوية"، فضلًا عن الإنجليزية، ثم تلقى تدريبًا متخصصًا لسنوات متعاقبة في الآرامية، والسريانية.

في سنة 2025، أهداني الكعبي كتابه: "مسمّى العراق: التاريخ الثقافي للمفهوم من سومر إلى الجمهورية". وبعد الاطلاع عليه، كتبت له: هذا هو كتابك الثاني الذي يعد إضافة نوعية للمكتبة التاريخية العراقية، بعد إنجاز أطروحتك للدكتوراه. ينقّب كتابك الجديد عن الولادة الموغلة في الماضي لتسمية وطننا العراق، وحضورها الساطع لبلاد النهرين، في دراسة استثنائية تتناول العراق كيانًا جغرافيًا ورمزيًا وحضاريًا وثقافيًا ودينيًا وسياسيًا على مر العصور. درس الكتاب تسمية العراق وواكب حضورها منذ العصور القديمة، وكشف عن تشكلها الرمزي والتاريخي في المتخيل، وفق السياقات الحضارية والثقافية والدينية والسياسية لهذا البلد العريق، الذي كانت هويته الوطنية ضحية الاحتلالات المريرة وصراعات الطوائف.

تنبّه نصير بذكاء إلى ضرورة الاحتفاء باسم وطننا "العراق"، واكتشاف حضوره العريق في تاريخنا، والعمل على ترسيخه. وأدرك أن تبديل الاسم يبدّل الحكم على المسمّى؛ فمَن يمتلك سلطة التسمية يتحكم في الوعي. الاسم، فضلًا عن دلالته على الشيء، يحدد موقعه في منظومة المعنى، ويستدعي حياله الخوف أو الطمأنينة، والقبول أو الرفض، والحب أو الكراهية. مَن يحتكر تسمية الأشياء يحتكر نظام إنتاج معناها، ويستطيع توظيفه بالكيفية التي يراها لصالحه، ويمنح المواقف والأفعال شرعيتها أو يسلبها إياها. (راجع مقالتي في الصباح: (تبديل الاسم يبدل الحكم على المسمّى، 2026/9/2).3335 naser

في معرض بغداد الدولي للكتاب هذا العام، 2026، صدر كتاب الكعبي الجديد: "محمد في المصادر السريانية: حين يرى الآخر تاريخ البدايات، النصوص والترجمات وإعادة بناء الصورة". بعد الاطلاع على الكتاب، وجدته يتجه إلى النصوص السريانية التي دوّنت أخبارًا عن النبي محمد والعرب، وكانت معاصرة لظهور الإسلام أو قريبة منه زمنيًا، من غير أن يعيد رواية السيرة الإسلامية المعروفة أو يدخل في مجادلة معها. بعض الوثائق السريانية يفصلها عن حياة النبي محمد "ص" زمن قصير نسبيًا، وهي بذلك تسبق عددًا من المصنفات الإسلامية في السيرة وأمثالها التي تبلورت لاحقًا. أخبرني المؤلف أنه استغرق في العمل على الكتاب أكثر من أربعة عشر عامًا.

تعالج المادة الوثائقية في هذا الكتاب مشكلة متجددة في دراسة السيرة، تتمثل في أن الرواية الإسلامية الكبرى عن النبي محمد وصلت إلينا بوساطة مدونات متأخرة نسبيًا عن زمن الحدث. وهذا لا يسقط قيمتها، لكنه يجعل البحث عن شهادات متزامنة ضرورة. لذلك تكتسب الوثائق السريانية أهميتها من أنها تمثل عينًا ثانية رأت بدايات الإسلام من خارج الجماعة الإسلامية، وفي أزمنة أقرب إلى الحدث. وتكشف هذه الوثائق عن صورة لمحمد أقل أحادية وأكثر تركيبًا؛ فعلى سبيل المثال، تبرز في بعض روايات السيرة الإسلامية صورة النبي قبل البعثة عاملًا في تجارة خديجة، فيما تقدم بعض المصادر السريانية صورة "محمد التاجر"، صاحب النشاط الاقتصادي والعلاقات التجارية الناجحة. وبعض الأخبار تفتح باب إعادة التفكير في المجال الجغرافي الذي تحرك فيه، وصلته بالعراق وبلدانه. رسم موروث السيرة خارطة لرحلات تحرك فيها النبي محمد، ضمن المجال الجغرافي لرحلات الشتاء والصيف، وتحديدًا إلى مناطق بلاد الشام وتخومها، في حين أن المصادر السريانية وأخبارها تجعل العراق ضمن تلك الحركة التأسيسية الأولى. (راجع ص 309، 391 - 392 من الكتاب).

 يشكّل قسم: "محمد في المدونة السريانية: النصوص الأصلية وترجماتها العربية" العمود الفقري للكتاب، ومصدرًا أساسيًا للدراسات اللاحقة بالعربية. استحضر الكعبي الوثائق السريانية الأصلية من مظانها المطبوعة أو مخطوطاتها، وترجمها إلى العربية، وأثبت الترجمة بإزاء الأصل السرياني، وحقق النصوص وعلق عليها. أما القسم الذي حمل عنوان: "صور محمد في المصادر السريانية: الألقاب والوظائف والدلالات"، فكان ذروة الجهد التحليلي في الكتاب؛ إذ أعاد فيه الكعبي تركيب ما سبق، وكشف عن النسق العام الذي يربط النصوص والإشارات السريانية التي ذكرت محمدًا، على الرغم من اختلاف أزمنتها وأماكنها.

سبقت كتاب نصير الكعبي مؤلفات حديثة تناولت الوثائق السريانية وغيرها من الكتابات غير الإسلامية التي تحدثت عن النبي محمد أو عن المسلمين في السنوات المتاخمة لعصره. أقدم الكتابات السريانية الصريحة التي تذكر محمدًا بالاسم ترجع، بحسب التأريخ الراجح، إلى سنوات قليلة بعد وفاته سنة 632م، ولا يصح الجزم بأنها نصوص دوّنها أصحابها في حياته.3336 naser

من أهم هذه المؤلفات التي جمعت هذه الكتابات ودرستها كتاب روبرت ج. هويلاند: "الإسلام كما رآه الآخرون: مسح وتقويم الكتابات المسيحية واليهودية والزرادشتية عن الإسلام المبكر"، الذي نشرته دار داروين في برنستون، بالإنجليزية سنة 1997م، وصدرت ترجمته العربية الممتازة، بترجمة وتقديم: د. هلال محمد الجهاد، عن: المركز الأكاديمي للأبحاث سنة 2024م. يدرس هذا الكتاب المصادر السريانية واليونانية والأرمنية والقبطية وغيرها، ويمحص تواريخ تأليفها ومصادر معلوماتها، ويقارنها بالروايات الإسلامية، ويغطي تقريبًا الفترة بين 620 و780م.

ومن المراجع الأساسية كتاب أندرو بالمر "القرن السابع في الحوليات السريانية الغربية"، الصادر بالإنجليزية عن منشورات جامعة ليفربول في سنة 1993م، بمشاركة سباستيان بروك وروبرت هويلاند. اختار بالمر نصوصًا من الحوليات المنتمية إلى التقليد السرياني الغربي، وترجمها إلى الإنجليزية وقدم لها وعلق عليها، وأضاف هويلاند مقدمة تاريخية وتعليقات، فيما ترجم بروك نصين سريانيين عن نهاية العالم وقدم لهما وعلق عليهما، كما ترجم نصًا عن الكوارث. يتيح الكتاب دراسة ظهور الإسلام والفتوحات والتحولات السياسية والدينية في القرن الأول الهجري من خلال شهادات المؤرخين السريان، ويضم خبرًا عن فتح العرب لبلاد الشام يرجع تدوينه إلى نحو 637م، ومقتطفًا من حولية يرجع تأليفها إلى نحو 640م، ومقتطفات من الحولية الملكانية والحولية المارونية، وشذرة من حولية يعقوب الرهاوي، وقوائم للخلفاء. ويضم أيضًا نصوصًا أخرى. ويرفق النصوص بمقدمات تفحص الخلفيات الدينية والسياقات التاريخية، وجداول زمنية وخرائط وتعليقات تساعد على تمحيص الروايات.

ومن أكثر الكتب تخصصًا في جمع الوثائق السريانية المبكرة كتاب مايكل فيليب بِن: "حين التقى المسيحيون بالمسلمين أول مرة: كتاب مصادر لأقدم الكتابات السريانية عن الإسلام"، الصادر عن منشورات جامعة كاليفورنيا سنة 2015م. يقدم الكتاب ترجمات إنجليزية للنصوص، ويخصص لكل نص مقدمة تتناول مؤلفه وتاريخ تأليفه ومخطوطاته وطبعاته. ومن أبرز الوثائق التي يعرضها "خبر سنة 637م"، وهو ملاحظات سريانية دوّنها كاتب مجهول، على الأرجح نحو سنة 637م، على صفحة افتتاحية كانت فارغة في مخطوط يضم ترجمة سريانية لإنجيلي متّى ومرقس. يذكر النص محمدًا وأحداثًا من الفتوحات، ويرجح الباحثون ارتباط إحدى المعارك التي يرويها بمعركة اليرموك سنة 636م. ويعرض الكتاب أيضًا "حولية سنة 640م"، التي ينسبها بعض الباحثين إلى توما القس، ويرجع القسم المتعلق بالفتوحات فيها إلى نحو سنة 640م. تذكر هذه الحولية معركة وقعت على مسافة اثني عشر ميلًا شرقي غزة يوم 4 فبراير 634م بين الروم و"عرب محمد"، وهي عبارة تشهد على ارتباط الجماعة باسمه، ولا تثبت حضوره في المعركة. ومن الوثائق المهمة كذلك "حولية خوزستان"، وهي نص مجهول المؤلف من التقليد السرياني الشرقي، يرجع تأليف قسمه الأساسي إلى خمسينيات القرن السابع الميلادي أو بعدها بقليل، ويؤرخه الكتاب إجمالًا بنحو سنة 660م. يذكر هذا القسم محمدًا والفتوحات، فيما ترد الإشارات إلى الكعبة والمدينة في قسم ختامي يرجح كثير من الباحثين أن كاتبًا آخر أضافه لاحقًا، وتتراوح تقديراتهم لتاريخ تأليفه بين ستينيات القرن السابع وثمانينياته.

وفي سنة 2015م، أصدر مايكل فيليب بِن كتابه "تصورات الإسلام: المسيحيون السريان والعالم الإسلامي المبكر"، بالإنجليزية، عن منشورات جامعة بنسلفانيا. وهو دراسة تحليلية للرسائل والحوليات والمؤلفات الدينية والعلمية السريانية، تكشف تنوع تصورات كتّابها عن المسلمين وتطور العلاقات معهم بين القرنين السابع والتاسع الميلاديين. ويتناول الكتاب أيضًا أخبارًا عن النبي محمد ودعوته وبعض الروايات المتصلة بحياته، ومنها قصة لقائه بالراهب بحيرا، ويمحص دلالاتها وسياقاتها الدينية والجدلية.

ومن الدراسات الحديثة الأوسع كتاب جيمس هوارد جونستون: "شهود على أزمة عالمية: مؤرخو الشرق الأوسط وتواريخه في القرن السابع"، الصادر بالإنجليزية عن منشورات جامعة أكسفورد سنة 2010م، الذي يفحص الوثائق غير الإسلامية المعاصرة لظهور الإسلام والقريبة منه زمنيًا، ومنها المصادر السريانية والأرمنية، ويوازن بينها وبين الروايات الإسلامية اللاحقة.

ويأتي كتاب شون و. أنتوني: "محمد وإمبراطوريات الإيمان: تشكّل صورة نبي الإسلام"، الصادر الإنجليزية عن منشورات جامعة كاليفورنيا سنة 2020م، ضمن الدراسات التي أعادت تمحيص أقدم الأدلة المتعلقة بالنبي محمد، من خلال قراءة المصادر الإسلامية وغير الإسلامية معًا. يبدأ الكتاب بمناقشة ثلاث شهادات غير إسلامية مبكرة، ويتناول النص اليوناني المعروف باسم: "تعاليم يعقوب"، الذي يذكر ظهور نبي بين العرب من غير أن يسميه. يرجع بعض الباحثين تدوينه إلى نحو سنة 634م، فيما يقترح آخرون تاريخًا لاحقًا. وسبق لأنتوني أن خصص لهذا النص دراسة بعنوان: "محمد ومفاتيح الجنة وتعاليم يعقوب: لغز من العصور القديمة المتأخرة"، نشرها في مجلة "الإسلام" سنة 2014م.

من الكتب الأحدث والأقرب إلى هذا الموضوع كتاب ستيفن ج. شوميكر: "لقد ظهر نبي: نشأة الإسلام بعيون مسيحية ويهودية، كتاب مصادر"، الصادر بالإنجليزية عن منشورات جامعة كاليفورنيا سنة 2021م، ويجمع ترجمات مشروحة لشهادات عشرين مؤلفًا، كتبوها بالسريانية واليونانية والأرمنية والجورجية والعبرية والعربية واللاتينية. يضم "تعاليم يعقوب"، وشذرة سنة 637م السريانية، وحولية توما القس، والتاريخ الأرمني المنسوب إلى سيبيوس، الذي تمتد أحداثه إلى سنة 661م، مع اختلاف الباحثين في تأريخ مراحل تأليفه ومادته المبكرة. ويضم كذلك رسالة لمكسيموس المعترف يؤرخها بين سنتي 634 و640م، ورسائل لإيشوعياب الثالث من خمسينيات القرن السابع. وتتضمن هذه الوثائق شهادات عن أتباع محمد ومعتقداتهم وعلاقاتهم بالمسيحيين، وليست جميعها أخبارًا مباشرة عن شخص النبي.

قدّم كتاب نصير الكعبي "محمد في المصادر السريانية: حين يروي الآخر تاريخ البدايات"، وكتاب روبرت ج. هويلاند قبله: "الإسلام كما رآه الآخرون: مسح وتقويم الكتابات المسيحية واليهودية والزرادشتية عن الإسلام المبكر"، وغيرهما من الكتب المماثلة، التي درست النصوص اليونانية والسريانية والأرمنية واللاتينية والعبرية والفارسية والجورجية والعربية، رواية أخرى عن النبي محمد وبدايات الإسلام خارج المدونة الإسلامية. تكشف هذه الكتب، عبر جمع النصوص وتحقيقها وترجمتها ودراسة سياقاتها، كيف رأى الآخرون النبي والعرب في عصر البعثة، وكيف تشكلت صورة محمد في كتاباتهم. تؤكد هذه الشهادات شيئًا من الرواية الإسلامية حول السيرة النبوية، خاصة وجود النبي التاريخي وظهور دعوته وقيادته، مع اختلافها في بعض الأخبار والتفاصيل. وتتيح مقارنتها بالمصادر الإسلامية توسيع معرفتنا بتاريخ البدايات، وتمحيص ما اختلط في رواياتها بالجدل الديني والتصورات اللاهوتية وما راكمه المتخيّل الإسلامي لاحقًا.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

قراءة تأويلية نقدية في كتاب «قضايا المرأة في التدين الاجتماعي» من منظور فلسفة العبور

لا يبدو كتاب «قضايا المرأة في التدين الاجتماعي» للدكتورة بتول فاروق كتابًا يبحث في «المرأة» بوصفها موضوعًا مستقلًا عن البنية التي أنتجت صورتها، بقدر ما يبدو محاولة للدخول إلى تلك المنطقة التي تتقاطع فيها النصوص الدينية مع الفقه، والعادات مع السلطة، والأسرة مع الاقتصاد، والجسد مع الثقافة، والهوية مع الأدوار الاجتماعية. ومن هنا فإن قيمة الكتاب لا تكمن فقط في القضايا التي يطرحها، وإنما في ذلك القلق الكامن وراءها: كيف تحولت مجموعة من التصورات التاريخية والاجتماعية إلى حدود تبدو وكأنها أحكام نهائية على إمكان المرأة؟

هذه النقطة تحديدًا تتيح لنا إعادة قراءة الكتاب من داخل فلسفة العبور؛ لأن السؤال الذي يحركه الكتاب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ليس: ماذا قيل عن المرأة؟ وإنما: كيف أصبحت بعض الأقوال حدودًا؟ وكيف انتقلت الحدود من كونها شروطًا تاريخية واجتماعية إلى كونها تعريفًا للمرأة؟ وهل يمكن إعادة فتح هذه الحدود بحيث تتحول من جدران مغلقة إلى معابر؟

فالكتاب ينطلق من ملاحظة أساسية مفادها أن الاعتراف النظري بإنسانية المرأة وكرامتها لا يعني بالضرورة تحقق ذلك في الواقع الاجتماعي، وأن الفارق بين المبدأ والممارسة يكشف عن وجود بنية اجتماعية ودينية متراكمة أسهمت في إنتاج تفاوت في النظر إلى المرأة وموقعها. كما يدعو إلى إعادة النظر في بعض القراءات الفقهية والاجتماعية الموروثة، وإلى إشراك المرأة في مجال إنتاج المعرفة الدينية والفقهية، بما يجعل النص أكثر قدرة على التواصل مع تحولات الحياة المعاصرة.

لكن فلسفة العبور تبدأ من سؤال أعمق من مجرد المطالبة بإعادة القراءة: ماذا يحدث عندما تتحول قراءة تاريخية إلى هوية ثابتة، وعندما يتحول الحكم الفقهي إلى بنية اجتماعية، وعندما تتحول البنية الاجتماعية إلى سلطة، ثم تبدأ السلطة في حماية الحدود التي أنتجتها؟ هنا يمكن قراءة الكتاب كله تقريبًا بوصفه محاولة لاكتشاف هذه السلسلة.

فالكتاب يبدأ من «الإشكاليات»، ولا يبدأ من تعريف مغلق للمرأة. وهذه البداية ذات دلالة؛ لأن السؤال نفسه فعل عبور. عندما تسأل الكاتبة: «من وضع الأسئلة؟» فهي لا تسأل فقط عن مضمون السؤال، وإنما عن الجهة التي امتلكت تاريخيًا حق صياغته. ومن يضع السؤال يمتلك، إلى حد كبير، إمكانية تحديد ما يعد مشكلة وما لا يعد كذلك. ولهذا فإن الانتقال من سؤال «ما حكم المرأة؟» إلى سؤال «من وضع السؤال عن المرأة؟» يمثل انتقالًا من داخل المنظومة إلى النظر في المنظومة نفسها.

وهنا تظهر إحدى أهم إمكانات الكتاب تأويليًا: المرأة ليست فقط موضوعًا للحكم، وإنما يمكن أن تصبح ذاتًا منتجة للسؤال والحكم والتأويل. وهذا هو أحد أهم معاني العبور.

فالحد لا يظهر هنا بوصفه نصًا فقط، بل بوصفه بنية لإنتاج المعنى. وقد يكون الحد فقهيًا، أو اجتماعيًا، أو لغويًا، أو اقتصاديًا، أو جسديًا، أو رمزيًا. ولذلك فإن الكتاب حين يناقش الزواج، والنفقة، والعمل غير المأجور، والجمال، والجسد، والاجتهاد، والشهادة، والطلاق، وضرب الزوجة، والخروج من البيت، والجندر، والأسرة، والثقافة، والأدب، لا ينتقل بين موضوعات متفرقة كما قد يبدو لأول وهلة، وإنما يتحرك حول سؤال واحد هو: كيف تُرسم حدود المرأة داخل المجتمع، ومن يملك سلطة رسمها؟

ومن هذه الزاوية يمكن فهم عنوان الكتاب نفسه: «التدين الاجتماعي». فالتدين هنا ليس الدين في صورته المجردة، وإنما الدين عندما يدخل المجال الاجتماعي ويتداخل مع العرف والتاريخ والسلطة والعادات والتقاليد. وهذه المنطقة هي التي تصبح فيها الحدود أكثر تعقيدًا؛ لأن ما هو ديني قد يختلط بما هو اجتماعي، وما هو فقهي قد يختلط بما هو عرفي، وما هو تاريخي قد يقدم بوصفه ثابتًا، وما هو اجتهادي قد يتحول إلى يقين اجتماعي.

إن فلسفة العبور لا تنكر الحدود؛ وهذه نقطة أساسية في قراءة الكتاب. فهي لا تفترض أن الحل يكمن في إزالة كل حد، لأن الإنسان لا يوجد خارج الحدود أصلًا. الإنسان يوجد داخل اللغة والجسد والزمن والتاريخ والأسرة والقانون والدين والمجتمع، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحد من شرط للوجود إلى تعريف نهائي للوجود. وهذا هو بالضبط ما يمكن أن نكتشفه في عدد كبير من قضايا الكتاب.

فالمرأة حين تُعرّف بوظيفتها الزوجية فقط، أو بالأمومة فقط، أو بجسدها، أو بكونها موضوعًا للنفقة، أو بوصفها الطرف الذي يحتاج إلى الوصاية، فإن شرطًا من شروط وجودها الاجتماعي يتحول إلى تعريف نهائي لها. وعندما يحدث ذلك يصبح العبور مستحيلًا؛ لأن المرأة لا تعود قادرة على الانتقال من دور إلى آخر، وإنما تُحاصر داخل الدور الذي عرّفها به المجتمع.

ولذلك تبدو مناقشة الكتاب للزواج المعاصر، وللنفقة، ولعمل المرأة غير المأجور، وللجسد، محاولة لإعادة فتح العلاقة بين الوظيفة والهوية. فالمرأة يمكن أن تكون زوجة وأمًا وعاملة ومفكرة ومجتهدة وكاتبة ومشاركة في المجال العام، من دون أن يختزل أحد هذه الأدوار وجودها كله.

ومن هنا يمكن أن نقول إن الهوية التي ينتقدها الكتاب هي هوية مغلقة؛ أما فلسفة العبور فتقترح في مقابلها مفهوم الهوية العابرة: هوية لا تلغي الاستقرار، لكنها لا تسمح للاستقرار بأن يتحول إلى سجن. فالهوية تحتاج إلى قدر من الثبات لكي يكون للإنسان معنى، لكنها تحتاج أيضًا إلى قدر من السيولة لكي يبقى الإنسان قادرًا على التحول. وهذا يقودنا إلى مسألة الجسد.

فالجسد في الكتاب ليس مجرد موضوع بيولوجي، بل هو أحد أهم المواقع التي تتشكل فيها السلطة. عندما يصبح جسد المرأة محل مراقبة وتنظيم وتقويم، فإن المجتمع لا يتعامل مع جسد فحسب، وإنما ينتج من خلاله صورة عن المرأة. ولذلك فإن سؤال «ما هو الجمال؟» ليس سؤالًا جماليًا بريئًا تمامًا، وإنما يمكن أن يتحول إلى سؤال سياسي وثقافي: من يحدد ما هو الجميل؟ ومن يحدد الجسد المقبول؟ ومن ينتج الصورة التي ينبغي للمرأة أن تطابقها؟

ومن منظور العبور يصبح الجسد نفسه حدًا ومعبرًا في الوقت ذاته. إنه يفرض شروطًا لا يمكن إنكارها، لكنه ليس قدرًا ثقافيًا نهائيًا. المرأة لا تستطيع أن تعيش خارج جسدها، لكنها تستطيع أن تعيد تشكيل علاقتها بالصورة التي ينتجها المجتمع عن جسدها. وهنا ينتقل العبور من «عبور الجسد» إلى عبور المعنى المفروض على الجسد. والأمر نفسه ينطبق على العمل.

فالكتاب حين يناقش عمل المرأة والعمل المنزلي غير المأجور والنفقة، فإنه يكشف أن تقسيم الأدوار الاقتصادية ليس محايدًا. إن العمل الذي يُحسب عملًا عندما يؤديه الرجل قد يتحول إلى واجب طبيعي عندما تؤديه المرأة. وهنا تظهر آلية خطيرة: تحويل الجهد إلى قدر، وتحويل الدور الاجتماعي إلى طبيعة، وتحويل العرف إلى معيار.

فلسفة العبور تتدخل هنا لتسأل: هل نحن أمام حدود طبيعية حقًا، أم أمام حدود تاريخية أصبحت غير مرئية بسبب طول بقائها؟

وهذا سؤال نقدي جوهري؛ لأن أقوى الحدود ليست تلك التي تُفرض بالقوة، وإنما تلك التي تصبح من البديهيات بحيث لا يعود أحد يسأل عن أصلها.

ومن هنا تكتسب عناوين الكتاب الاستفهامية أهمية خاصة. «من وضع الأسئلة؟»، «ما هو الجمال؟»، «من أين يحصل الرجل على المال؟»، «هل الأسرة نواة المجتمع أم الفرد؟»، «ما هو الجندر؟»، «هل يوجد موقف آخر للشهادة؟»؛ هذه العناوين لا تؤدي وظيفة تنظيمية فقط، وإنما تقوم بعمل فلسفي: إنها تعيد تحويل البديهي إلى سؤال.

وهذا جوهر فلسفة العبور: أن الفكر لا يبدأ عندما يمتلك جوابًا نهائيًا، وإنما عندما يكتشف أن الحد الذي بدا نهائيًا يمكن أن يُسأل. لكن هنا ينبغي أن تبدأ القراءة النقدية للكتاب أيضًا.

فالقوة الأساسية في الكتاب هي أنه يكشف حدودًا كثيرة، إلا أن كشف الحدود لا يعني دائمًا امتلاك نظرية متكاملة للعبور. ففي بعض المواضع يبدو الكتاب وكأنه ينتقل من نقد صورة قديمة إلى المطالبة بصورة أكثر عدلًا، لكنه لا يطور دائمًا بصورة منهجية السؤال التالي: كيف ننتقل من النظام القديم إلى نظام جديد دون أن نستبدل ثباتًا بثبات آخر؟ وهذا سؤال مهم جدًا من منظور فلسفة العبور.

فإذا كانت المشكلة في أن بعض القراءات الفقهية والاجتماعية قد تحولت إلى ثوابت مغلقة، فإن البديل لا ينبغي أن يكون مجرد إنتاج «قراءة جديدة» تتحول هي الأخرى إلى معيار مغلق. العبور ليس انتقالًا من حقيقة قديمة إلى حقيقة جديدة ثم إغلاق الباب، وإنما هو إبقاء المجال مفتوحًا للمراجعة والتفاوض والتعدد.

ولهذا فإن فلسفة العبور لا تكتفي بالدعوة إلى «إعادة قراءة» النص، بل تسأل عن شروط إعادة القراءة نفسها: من يقرأ؟ من يملك سلطة التأويل؟ ما علاقة القارئ بسياقه؟ كيف نميز بين النص والتفسير؟ كيف نميز بين الحكم الديني والحكم التاريخي؟ وكيف يمكن أن نحافظ على المعنى الديني دون أن نحول تاريخ التفسير إلى قدر أبدي؟

ومن هنا تصبح قضية اجتهاد النساء في الفقه الإسلامي واحدة من أكثر مناطق الكتاب أهمية في ضوء فلسفة العبور؛ لأن دخول المرأة مجال الاجتهاد لا يعني فقط إضافة «مجتهدة امرأة» إلى قائمة المجتهدين، وإنما يعني تغيير البنية التي تحدد من يملك حق إنتاج المعرفة الدينية. فإذا كانت المرأة طوال التاريخ موضوعًا للحديث الفقهي، فإن انتقالها إلى موقع المتكلم والمنتج للمعرفة يمثل عبورًا من موضوع التأويل إلى ذات التأويل. وهذا العبور معرفي قبل أن يكون اجتماعيًا.

فالسلطة لا تعمل فقط من خلال القانون، وإنما تعمل من خلال من يملك حق تعريف العالم. ولذلك فإن تحرير المرأة من بعض القيود الاجتماعية لا يكتمل إذا بقيت سلطة تعريف المرأة محتكرة من الخارج.

ومن هذه الزاوية تكتسب الأبحاث المتعلقة بالدين، والجندر، والأسرة، والاجتهاد، والسلام المجتمعي، والثقافة والأدب، وحدةً أعمق مما قد يظهر من فهرس الكتاب. فالمرأة تعبر من المجال الخاص إلى المجال العام، ومن المتلقي إلى المنتج، ومن الموضوع إلى الذات، ومن الجسد الذي يُنظر إليه إلى الذات التي تنظر، ومن الفقه الذي يتحدث عنها إلى الفقه الذي تشارك في إنتاجه، ومن الأسرة بوصفها إطارًا مغلقًا إلى الأسرة بوصفها علاقة قابلة لإعادة التنظيم.

وهنا يمكن فهم انتقال الكتاب في نهايته إلى الثقافة والأدب والمرأة في النجف بوصفه انتقالًا مهمًا من المجال التشريعي إلى المجال الرمزي. فالحدود لا تُنتج في القوانين والفتاوى فقط، وإنما تُنتج أيضًا في الصور والقصص واللغة والذاكرة الأدبية. ولذلك فإن ظهور المرأة في المجال الثقافي لا يعني مجرد «مشاركة ثقافية»، بل يمثل عبورًا من الصورة التي يصنعها الآخر عنها إلى الصورة التي تصنعها هي عن ذاتها وعالمها.

إن المرأة التي تكتب لا تعبر فقط إلى الأدب؛ إنها تعبر إلى إنتاج صورتها الخاصة. وهنا يلتقي الكتاب بعمق مع فلسفة العبور: فالعبور الحقيقي لا يكون فقط من مكان إلى آخر، وإنما من نظام من المعنى إلى نظام آخر. قد تعبر المرأة من البيت إلى العمل، لكن الأهم أن تعبر من تعريف العمل بوصفه امتيازًا للرجل إلى اعتباره إمكانًا إنسانيًا. وقد تعبر من الصمت إلى الكلام، لكن الأهم أن يصبح كلامها منتجًا للمعنى لا مجرد إضافة صوت إلى فضاء صاغه الآخرون. وقد تدخل مجال الاجتهاد، لكن الأهم أن يصبح وجودها في مجال التأويل جزءًا من إعادة تعريف من يملك المعرفة الدينية.

وعند هذه النقطة يمكن إعادة صياغة المشروع كله: قضية المرأة ليست قضية إزالة الحدود، بل قضية إعادة بناء العلاقة بالحدود.

فالمرأة لا تحتاج إلى عالم بلا أسرة، ولا إلى مجتمع بلا دين، ولا إلى إنسان بلا جسد، ولا إلى وجود بلا تاريخ. المطلوب ليس إلغاء هذه الشروط، وإنما منعها من التحول إلى تعريف نهائي للإنسان. الدين يمكن أن يكون مجال معنى، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء لكل عرف تاريخي. الأسرة يمكن أن تكون مجال مودة ورحمة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بنية للسيطرة. الجسد حقيقة وجودية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سجن رمزي. الفقه ضرورة لتنظيم الحياة، لكنه يفقد قدرته على التواصل عندما يتحول إلى إعادة إنتاج حرفية لشروط تاريخية تغيرت. وهنا بالذات يصبح التدين الاجتماعي هو نقطة الاختبار الكبرى.

فالتدين الذي لا يستطيع العبور بين النص والحياة، وبين الثابت والمتغير، وبين الأصل والسياق، وبين المعنى والتاريخ، يتحول تدريجيًا من طاقة روحية وأخلاقية إلى بنية ضبط اجتماعي. أما التدين العابر فهو الذي يستطيع أن يحافظ على علاقته بالمقدس، وفي الوقت نفسه يعيد قراءة أشكال تجسده التاريخي، بحيث لا يصبح التاريخ هو الدين، ولا العرف هو النص، ولا تفسير الإنسان هو الحقيقة المطلقة.

ومن ثم فإن السؤال الذي يمكن أن تضيفه فلسفة العبور إلى كتاب بتول فاروق هو: كيف يمكن أن ننتقل من تدين يعرّف المرأة من خلال الحدود الموروثة إلى تدين يعيد اكتشاف الإنسان من خلال إمكانه؟

إنها نقلة من «فقه المرأة» إلى فقه العلاقة، ومن سؤال «ما الذي يجوز للمرأة؟» إلى سؤال «كيف ينبغي أن تنتظم العلاقة الإنسانية بحيث لا يتحول أحد طرفيها إلى مالك لتعريف الطرف الآخر؟». وهي نقلة من تصور للمرأة باعتبارها موضوعًا للأحكام إلى تصورها باعتبارها شريكًا في إنتاج المعنى والقانون والثقافة والحياة.

ولهذا فإن القيمة الأعمق للكتاب، من منظور فلسفة العبور، لا تكمن في كل نتيجة من نتائجه الجزئية، ولا في الاتفاق أو الاختلاف مع كل قراءة فقهية يقدمها، وإنما في أنه يفتح ممرًا بين النص والواقع، والدين والتاريخ، والفقه والمجتمع، والمرأة والذات، والجسد والثقافة، والأسرة والتحول. غير أن هذا الممر يحتاج إلى نظرية أكثر صراحة في العبور حتى لا يبقى مجرد انتقال بين القضايا.

ومن هنا يمكن أن نعيد صياغة الأطروحة المركزية للكتاب فلسفيًا على النحو الآتي:

إن أزمة المرأة تبدأ عندما يتحول الحد التاريخي إلى هوية، والهوية إلى سلطة، والسلطة إلى قاعدة لإعادة إنتاج الحد؛ وإن تحرير المرأة لا يتحقق بإلغاء الحدود، بل بفتحها، أي بتحويلها من جدران تحدد الإنسان مسبقًا إلى معابر تسمح له بإعادة تشكيل علاقته بنفسه وبالآخر وبالعالم.

بهذا المعنى لا تكون المرأة «موضوعًا للتحرر» فحسب، بل تصبح كائنًا عابرًا؛ أي ذاتًا لا تتوقف عند تعريف واحد، ولا تسمح لدور اجتماعي أو تفسير فقهي أو صورة ثقافية بأن يتحول إلى تعريف نهائي لإمكانها.

وهنا تلتقي فلسفة العبور مع أعمق ما يمكن استخراجه من الكتاب: الإنسان لا يتحرر عندما يعيش بلا حدود، وإنما عندما يستطيع أن يجعل حدوده قابلة للسؤال، وأن يحول علاقته بها، وأن يفتح من داخلها إمكانًا جديدًا للوجود.

وعندئذ تصبح قضية المرأة جزءًا من قضية إنسانية أوسع: كيف ننتقل من إنسان تحدده الحدود إلى إنسان يتفاوض معها؟ وكيف ننتقل من هوية مغلقة إلى هوية عابرة؟ وكيف يتحول التدين من نظام لإعادة إنتاج الماضي إلى قدرة على عبور الماضي نحو معنى أكثر عدلًا للحاضر؟

لعل هذه هي المسافة التي يفتحها كتاب «قضايا المرأة في التدين الاجتماعي»، وهذه أيضًا هي المسافة التي تبدأ عندها فلسفة العبور: ليس بإلغاء ما كان، ولا بتقديس ما هو قائم، وإنما بإعادة فتح الطريق بين ما نحن عليه وما يمكن أن نصير إليه.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

بقلم: وين جريدي

ترجمة: د. محمد غنيم

***

نورما الخاطئة، بقلم آن كارسون، نيو دايركشنز بوكس، 2024.

وُلدت آن كارسون في كندا وتُدرّس اليونانية القديمة كمهنة لها. تعيش جزءًا من العام في ريكيافيك، آيسلندا. شاعرة وباحثة في الكلاسيكيات، درّست في جامعة نيويورك، وجامعة برينستون، وجامعة ميشيغان. نشرت دار نيو دايركشنز مجموعتين من شعرها، نوكس (2010)، والزجاج والسخرية والإله (1995)، فضلًا عن مسرحيات وترجمات. نشرت دار بنجوين راندوم هاوس كندا فلوت (2016)، وريد دوك (2013)، وجمال الزوج: مقال خيالي في 29 رقصة تانجو (2002).

في "1 = 1"، القصة الأولى في كتاب نورما الخاطئة، مجموعة آن كارسون الكندية من القصص القصيرة جدا والقصائد المجتزأة، نُنبَّه مسبقًا إلى الثيمات التي تتكرر في الكتاب: تذهب "هي" للسباحة في بحيرة، لكنها تخرج منها بعد وقت قصير. تكتب كارسون: "يظن الناس أن السباحة نشاطٌ خالٍ من الهموم"، لكنها "في الواقع، مشحونةٌ بالقلق". أليس السباحُ نفسه هو من يعتوره القلق؟ "ربما يكمن الأمر في ذلك الصراع المألوف لمعرفة الجمال..." نتساءل: بالنسبة لمن تُعد معرفة الجمال "صراعاً مألوفاً"؟ الجواب: بالنسبة لملايين البشر على هذا الكوكب؛ السجناء، والمحتجزين، والفقراء والمُهجَّرين؛ وهؤلاء هم محور اهتمام كارسون في هذه المجموعة المكثفة والمُقلقة.

في «أغنية كلايف»، كان صديقها كلايف يعمل لصالح سجناء جوانتانامو منذ 35 عامًا:

موكّله الحالي، رجل مغربي،

حُدِّد له الإفراج

وأُبلغ أيضًا

أنه لن يرحل أبدًا.

كلايف، المحامي، يتساءل عن منطق هذا.

يظهر جوانتانامو، أو أماكن شبيهة به، مرة أخرى. في «عزيزي كريتو»، يكتب سقراط إلى صديقه شاكرًا إياه على سم الشوكران: إذ يقبع سقراط في سجن يطغى فيه أزيزٌ مستمر "يطمس كل صوت آخر. هل تذكر الأيام الخوالي حين كانوا يشغّلون موسيقى ’إيجي بوب‘ طوال الليل لكسر عزيمة السجناء؟"  في قصيدة"  إيدي" ، تعمل الراوية على سلسلة  سوناتات عن الاحتجاز، "تفكّر في معاناة الآخرين". وفي "إعادة مزج الفقر"، تسأل كارسون:  لماذا يوجد الفقر؟ لأن البخل موجود.  الفقر، كما تكتب، "كبش فداء"، مع الاستنتاج الضمني بأن جميع ضحايا العنف، الشخصي أو الرسمي، كباش فداء : يُضربون بأغصان التين ويُطردون من المدينة، "يُضحّى بهم كتكفير عن الآخرين أو لتطهير جماعة"، محكوم عليهم بالمعاناة حتى لا نعاني نحن. وصف الطقس الشاعر هيبوناكس، شاعر القرن السادس قبل الميلاد الذي اخترع وزنًا شعريًا يُسمى "الإيامبوس الأعرج"، وهو قبيح الإيقاع عن قصد. غير أن مفهوم "كبش الفداء" يظل باقياً عبر الزمن: "كيف كان ينام كبش الفداء، في الليلة السابقة للطقس، فوق شريحة الكرتون تلك الممدودة على شبكة تهوية مترو الأنفاق...؟".3337 ankarson

بالنسبة لكارسون -التي تجمع بين كونها شاعرة ومتخصصة في الدراسات الكلاسيكية- تُعد الكلمات أسلحةً يمكن أن تنقلب ضدنا بسهولة. فالكلمات "قد تنطلق جانبًا، صامتةً ومجنونة؛ تظنها أدواتٍ أو ألعابًا أو أشياءَ مُروَّضة، وفجأةً تحرق ملابسك عن جسدك، فتقف هناك متفحّمًا ومثيرًا للسخرية تحت وهج البرق". (قصة "Snow") وتشير الكاتبة إلى أن كلمة "idea" (فكرة) كانت تعني في الأصل "الرؤية"، وتذكر في قصة "Thret" أن كلمة "threat" (تهديد) الإنجليزية مشتقة من الكلمة الإنجليزية القديمة "thret" (بمعنى الإكراه) والكلمة الألمانية العليا الوسطى "dröz" (بمعنى الإزعاج)، مما يربطنا بمفهوم "كبش الفداء": "فالناس الذين يتعرضون لمثل هذا الضغط يغادرون البلدة لفترة -ستة أشهر أو عام- ثم يعودون بهدوء، ليروا كيف ستسير الأمور". (قصة "Thret Part 1") .ونادرًا ما تسير الأمور على ما يرام: تجري القصة في مستقبل غير بعيد تدفع فيه المدارس أموال حماية حتى لا يُقتل الطلاب برصاص الرشاشات.

تتخلل قصص المجموعة مقاطع من قصيدة تتكرر فيها الأسئلة في نسقٍ أشبه بالتعويذة، وتُقابل بإجابات لا معنى لها، مما يضفي على القصيدة طابع الإلحاح الملازم لعمليات الاستجواب: (ص 49)

كيف تحافظ على معنوياتك خلال مشروع طويل؟

الشعور بالذنب اللوثري

كيف تحافظ على معنوياتك خلال مشروع طويل؟

البوربون

كيف تحافظ على معنوياتك خلال مشروع طويل؟

ابتسم فحسب

كيف تحافظ على معنوياتك خلال مشروع طويل؟

قد تساعد الحبوب

من الواضح أن كارسون مهتمة بـ "مصير الأرض. مصيري أنا. ومصيرك أنت" (في قصيدة "القدر، المحكمة الفيدرالية، القمر")، وبكيفية تشابك مصائرنا وارتباطها عبر المكان (سواء كان ذلك في جوانتانامو، أو قطاع غزة، أو المدن الأمريكية — ففي قصيدة "لقد بدأنا للتو"، يتعرض زوجان من الطبقة الوسطى للتعذيب والضرب على يد مقتحمين لمنزلهما، إلى أن تنقذهما أفعى "البايثون" الأليفة الجائعة) وعبر الزمان (إذ يمر الخُطّاب الذين يطمعون في الزواج من بينيلوبي — وهم في طريقهم إلى العالم السفلي "هاديس" — بـ "خزانة ملفات ضخمة تحوي كل الأحلام التي تنتظر، مرتبةً أبجدياً، لتتسلل إلى عقول البشر ليلاً")*. ومثل سيلفيا بلاث، التي كانت تؤرقها صور "الهولوكوست"، لا تغيب أبداً عن ذهن كارسون صورُ المعذَّبين وضحايا المجازر. ففي كتابها "المرأة الصامتة" وهو سيرة ذاتية تتناول حياة سيلفيا بلاث وتيد هيوز تكتب جانيت مالكولم قائلة: "إن القول بأن بلاث لم تكن محقة في استحضار أسماء معسكرات مثل داخاو وأوشفيتز وبيلسن هو قولٌ مجافٍ للصواب؛ فنحن من نقف في قفص الاتهام، ونحن من نقصر في حق أنفسنا، ونحن من لم نقبل خوض غمار التحدي المتمثل في تخيّل ما لا يمكن تخيّله".

لقد قبلت آن كارسون ذلك الرهان؛ لا لتكون كبش فداء، ولا لتعفينا نحن من خوضه، بل إنها تتخيل ما لا يمكن تخيله كي لا نتمكن من صرف أنظارنا عنه. وكما تذكّرنا قائلة: "بالمعاناة نتعلم" (في قصيدة "يا لها من ليلة").

من هي "نورما الخاطئة"؟ في القصة الأخيرة، وهي أيضًا القصة التي تحمل العنوان، هناك إشارة إلى نورما ديزموند، شخصية في فيلم جادة الغروب (1950)، الذي تشاهده كارسون حتى تبدأ بالتفكير في محيطها: "ليلة خاطئة، مدينة خاطئة، فيلم خاطئ، سيارات إسعاف خاطئة تموء مارّة وتُغرق حوار نورما ديزموند الخاطئ…" تُطفئ الفيلم، وهي تفكر: "أنا بأمان لكن ذلك لن يدوم." مثل السبّاحة في القصة الأولى، لا تستطيع كارسون الاستمتاع بأبسط الملذات دون أن تدرك العنف والحرمان من حولها.

(انتهى)

***

....................

الكاتب: وين جريدي/ Wayne Grady روائي وكاتب مقالات ومترجم حائز على جوائز، يتقاسم وقته هو وزوجته ميريلين سيموندز بين كينجستون، أونتاريو، وسان ميجيل دي أليندي، المكسيك.

بين الفكرة الموسوعية والرؤية الفلسفية

مقدمة: يُعتبر عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي الإشبيلي الأصل، التونسي المولد، أحد أبرز العقول التي أنجبها الفكر العربي الإسلامي في مرحلة حرجة من تاريخه. وُلد في تونس سنة 732 هـ / 1332 م، لأسرة أندلسية عريقة هاجرت إلى المغرب العربي بعد سقوط إشبيلية، وكانت ذات حظوة ومكانة في بلاطات الشمال الأفريقي والأندلس. نشأ في بيئة علمية وإدارية رفيعة، فحفظ القرآن مبكراً، ودرس العلوم الشرعية واللغوية والفلسفية على أيدي كبار علماء عصره، قبل أن ينخرط وهو لا يزال شاباً في خضم الحياة السياسية المتقلبة التي ميزت المغرب الإسلامي خلال القرن الثامن الهجري. لقد عاش ابن خلدون في عصر مضطرب على أكثر من صعيد. كان العالم الإسلامي يعيش مرحلة ما بعد سقوط بغداد أمام المغول، وتراجع المشروع الوحدوي الكبير، وانقسام البلاد إلى دول وإمارات متنافسة متصارعة. في المغرب العربي والأندلس، شهدت الفترة صراعات مستمرة بين بني مرين في المغرب الأقصى، وبني عبد الواد في تلمسان، والحفصيين في تونس، إلى جانب الضغط المسيحي المتزايد على الأندلس التي كانت تتقلص رقعتها يوماً بعد يوم. أما في المشرق، فقد كانت دولة المماليك تواجه تحدياتها الخاصة، بينما كانت آثار الدمار المغولي لا تزال بادية في العراق والشام. عصر اتسم بالتفكك السياسي، وتراجع العمران في مواضع كثيرة، وصعود عصبيات جديدة، وانحسار أخرى، مع استمرار النشاط التجاري والثقافي في بعض المراكز الحضرية الكبرى. انخرط ابن خلدون مبكراً في العمل السياسي والدبلوماسي والقضائي. تنقل بين بلاطات تونس وفاس وغرناطة وتلمسان، وتقلب في مناصب الكتابة والوزارة والسفارة، وعرف السجن والنكبة والفرار، وخاض تجارب مريرة مع تقلبات الولاء والمكائد السياسية. هذه التجارب العملية المباشرة مع آليات السلطة وصعود الدول وسقوطها لم تكن مجرد أحداث شخصية، بل شكلت المختبر الحي الذي استقى منه ملاحظاته العميقة حول طبائع العمران البشري وسنن التاريخ. في مرحلة لاحقة من حياته، انسحب نسبياً من الصراع السياسي المباشر، وتفرغ للتأليف والتدريس. أقام في قلعة بني سلامة بالجزائر فترة مهمة كتب فيها الجزء الأكبر من «المقدمة» وشرع في تاريخه الكبير. ثم انتقل إلى القاهرة سنة 784 هـ / 1382 م، حيث تولى قضاء المالكية مرات عدة، ودرّس في الأزهر وغيره، واستقر به المقام حتى وفاته سنة 808 هـ / 1406 م. هناك اكتملت ملامح مشروعه الفكري، وأتيح له أن يعيد النظر في تجاربه الطويلة ويصوغها ضمن إطار نظري متماسك. بهذا الجمع الفريد بين التجربة السياسية المباشرة، والمعرفة الموسوعية، والملاحظة الدقيقة لأحوال المجتمعات التي تنقل بينها، تمكن ابن خلدون من أن يتجاوز السرد التاريخي التقليدي ليؤسس رؤية جديدة لفهم الاجتماع الإنساني. فعصره الذي اتسم بالاضطراب والتفكك والانحسار الحضاري النسبي، لم يدفعه إلى اليأس أو الاستسلام للتفسيرات الغيبية المبسطة، بل حفزه على البحث عن العلل والكيفيات والقوانين التي تحكم صعود العمران وأفوله. وهكذا جاءت حياته انعكاساً لعصره، وجاء فكره محاولة لفهم ذلك العصر وتجاوزه في آن واحد.

البنية التي تتكون منها مقدمة ابن خلدون

تتألف مقدمة ابن خلدون من هيكل متماسك يبدأ بتمهيد منهجي نقدي يخصصه لبيان أخطاء المؤرخين السابقين وشروط الكتابة التاريخية السليمة، ثم ينتقل إلى ستة أبواب كبرى تشكل عماد الكتاب. يتناول الباب الأول العمران البشري على العموم وما يعرض له من أحوال، فيرسم الإطار العام للاجتماع الإنساني وضرورته وطبائعه. أما الباب الثاني فيختص بالعمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل، محللاً خصائص حياة البادية والعصبية وأثرها في قيام الدول. وينتقل الباب الثالث إلى الدولة والملك والخلافة والمراتب السلطانية، فيفصل أطوار نشوء الدول وصعودها وهرمها. ويعالج الباب الرابع العمران الحضري والبلدان والأمصار، رابطاً بين استقرار المدن وتطور الحضارة. ويفرد الباب الخامس للمعاش ووجوه الكسب والصنائع، كاشفاً عن الأسس الاقتصادية للعمران. ويختتم الباب السادس بالعلوم واكتسابها وتعلمها وأصنافها، رابطاً بين ازدهار المعرفة وأحوال المجتمع والدولة. هذه البنية المتنقلة من العام إلى الخاص، ومن البداوة إلى الحضارة، ومن السياسة إلى الاقتصاد فالعلم، تعكس رؤية ابن خلدون الموسوعية التي ترى الظاهرة الاجتماعية كلاً مترابطاً لا يُفهم أحد أجزائه بمعزل عن البقية.

مقاربة تحليلية تأويلية لكتاب المقدمة

يُمثل كتاب «المقدمة» لعبد الرحمن ابن خلدون أحد أبرز النصوص التأسيسية في الفكر الإنساني التي تجاوزت حدود عصرها وجغرافيتها لتظل حاضرة بوصفها محاولة شاملة لفهم شروط الاجتماع البشري وصيرورة الحضارات. لم يكن الكتاب مجرد تمهيد لتاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم، بل تحول إلى نص مستقل يحمل مشروعاً معرفياً موسوعياً يسعى إلى تأسيس علم جديد هو علم العمران، وإلى تقديم رؤية فلسفية متماسكة تربط بين طبائع الكون وطبائع المجتمع، وبين حركة التاريخ وآليات الاقتصاد، وبين صعود الحضارات وأفولها. والمقاربة التحليلية التأويلية لهذا النص لا تكتفي بعرض محتوياته، بل تسعى إلى النفاذ إلى منطقه الداخلي، وكشف شبكة المفاهيم التي ينسجها، وتأويل طريقته في الربط بين المستويات المختلفة للوجود الإنساني والاجتماعي.

الفكرة الموسوعية بوصفها أفقاً معرفياً شاملاً

تتجلى موسوعية ابن خلدون في رفضه الاختزال والتعامل التجزيئي مع الظاهرة الإنسانية. فهو لا يفصل السياسة عن الاقتصاد، ولا التاريخ عن الجغرافيا، ولا الأخلاق عن طبائع العمران، ولا الفرد عن الجماعة. المقدمة تمتد عبر حقول متعددة: من فلسفة التاريخ إلى علم الاجتماع الجنيني، ومن الاقتصاد السياسي إلى نظرية الدولة، ومن الجغرافيا البشرية إلى علم التربية، ومن نقد الرواية التاريخية إلى تحليل العصبية والبدو والحضر. هذه الموسوعية ليست تراكماً كمياً لمعارف متجاورة، بل هي تعبير عن اقتناع عميق بوحدة الظاهرة الاجتماعية وتعقيدها، وبأن فهم جانب واحد منها يتطلب استحضار الجوانب الأخرى.

الفكرة الموسوعية عند ابن خلدون تقوم على مبدأ السببية المتعددة والمترابطة. فالعمران البشري لا يُفسر بعامل واحد مهيمن، سواء كان سياسياً أو اقتصادياً أو دينياً أو عرقياً، بل هو نتاج تفاعل مستمر بين البيئة الطبيعية، والطبائع البشرية، وأشكال الإنتاج، وأنماط السلطة، والروابط العصبية، والأحوال النفسية للجماعات. ومن هنا جاءت قدرته على الانتقال السلس بين وصف أحوال البادية وأحوال المدن، وبين تحليل نشوء الدول وأسباب انهيارها، وبين الحديث عن الصنائع والمعاش وبين الحديث عن العلوم والتعليم.

الرؤية الفلسفية للكون وموضع الإنسان فيه

ينطلق ابن خلدون من تصور للكون بوصفه نظاماً محكوماً بطبائع وسنن لا تتبدل بسهولة. الكون ليس فوضى عشوائية ولا مجرد مسرح للإرادة الإلهية المطلقة المنفصلة عن الأسباب، بل هو عالم منظم تسري فيه قوانين يمكن للعقل البشري أن يتلمسها بالملاحظة والمقارنة والاستقراء. الإنسان جزء من هذا النظام، يخضع في اجتماعه وتاريخه لطبائع شبيهة بتلك التي تحكم الظواهر الطبيعية، مع احتفاظه بهامش من الحرية والاختيار يجعل فعله مؤثراً ضمن حدود معينة. هذه الرؤية تمنح المقدمة طابعاً واقعياً حذراً. فابن خلدون يرفض التفسيرات الخارقة أو الأسطورية للأحداث التاريخية، ويدعو إلى تمحيص الأخبار في ضوء ما تسمح به طبائع العمران. وهو بذلك يؤسس لمنهج يرى أن ما يخالف المألوف من أحوال البشر والجغرافيا والاقتصاد يحتاج إلى دليل أقوى، لا إلى مجرد رواية متواترة. الكون عند ابن خلدون قابل للفهم لأنه منتظم، والاجتماع البشري قابل للدراسة العلمية لأنه خاضع لسنن مشابهة.

الرؤية الفلسفية للمجتمع والعمران

المجتمع في تصور ابن خلدون ليس تجمعاً اصطناعياً لأفراد ذريين، ولا كياناً روحياً متعالياً، بل هو عمران بشري ضرورةً وطبيعةً. الإنسان مدني بالطبع، لا تستطيع فرديته المنعزلة أن تضمن بقاءه أو استكمال حاجاته. ومن هذه الضرورة ينشأ التعاون، ومن التعاون ينشأ تقسيم العمل، ومن تقسيم العمل تنشأ الصنائع والدول والمدن. غير أن الاجتماع ليس انسجاماً تلقائياً. هو محمول دائماً بتوتر بين نزعة الاعتداء ونزعة التعاون، وبين الحاجة إلى الوازع والحرص على الحرية. هنا تظهر أهمية العصبية بوصفها الرابطة التي تمكن جماعة ما من تحقيق الغلبة وتأسيس الملك. العصبية ليست مجرد تضامن قبلي ضيق، بل هي طاقة اجتماعية نفسية تسمح بالالتحام والتضحية والانقياد لرئاسة واحدة. وهي في الوقت ذاته عامل مزدوج: شرط لقيام الدول وسبب من أسباب محدودية أمدها حين تضعف أو تتحول إلى ترف وانحلال.

المجتمع عند ابن خلدون كائن حي يمر بأطوار شبيهة بأطوار حياة الأفراد: نشأة، ونمو، ونضج، وهرم. وهذه الرؤية تمنح تحليله طابعاً عضوياً ديناميكياً يبتعد عن التصورات السكونية أو الدائرية المغلقة تماماً.

فلسفة التاريخ وصيرورة الدول والحضارات

التاريخ في المقدمة ليس سرداً للأحداث ولا تراكماً للأخبار، بل هو بحث في العلل والكيفيات. ابن خلدون ينتقل من نقد منهج المؤرخين السابقين إلى تأسيس نظرة ترى في التاريخ علماً له موضوعه الخاص هو العمران البشري وما يعرض له من أحوال. الدول تنشأ بالعصبية والدعوة أو الغلبة، ثم تستقر وتبني مؤسساتها، ثم تدخل في طور الترف والانغماس في نعم الحضارة، فتضعف عصبيتها الأصلية وتحتاج إلى استعانة بعصبيات دخيلة أو بجنود مرتزقة، حتى ينتهي بها الأمر إلى الهرم فالسقوط أمام عصبية جديدة أكثر خشونة وحيوية. هذه الصيرورة ليست قدراً ميكانيكياً حتمياً بالمعنى الصارم، لكنها أقرب إلى قانون شبه طبيعي يندر الخروج عليه. الحضارة نفسها تحمل بذور أفولها: فالترف الذي هو غاية العمران يفسد في الوقت ذاته الطباع ويقوض أسس القوة التي بنت الدولة. والتاريخ بهذا المعنى مأساوي وواقعي؛ هو مسرح لصعود وسقوط متكررين، لا لمسار خطي صاعد نحو اكتمال نهائي.

الرؤية الاقتصادية وارتباطها بالعمران

يحتل الاقتصاد موقعاً مركزياً في التحليل الخلدوني، لا بوصفه حقلاً مستقلاً، بل بوصفه أحد أعمدة العمران. المعاش والصنائع والرخص والغلاء والكسب وأنواع المكاسب كلها مرتبطة بأحوال الدولة والكثافة السكانية واستقرار الأمن. ابن خلدون يدرك أن تقسيم العمل يزداد مع اتساع العمران، وأن قيمة العمل البشري هي أساس الكسب، وأن الضرائب المفرطة تقتل النشاط الاقتصادي وتقوض قاعدة الدولة المالية ذاتها.

الرؤية الاقتصادية هنا أخلاقية وسياسية في آن. فالسوق ليست مجالاً محايداً، بل هي مشروطة بالعدل والأمن وحسن السياسة. والدولة التي تثقل كاهل الرعايا بالجبابات في أوقات ضعفها تسرع بانهيارها، لأنها تدمر الدجاجة التي تبيض الذهب. والاقتصاد عند ابن خلدون جزء لا يتجزأ من الدورة الحضارية العامة: ينمو مع نمو الدولة واستقرارها، ويذبل مع هرمهها وفساد أجهزتها.

الحضارة بين الاكتمال والفساد

الحضارة في المقدمة هي غاية العمران ونهايته في الوقت ذاته. هي الاكتمال في الصنائع والعلوم والعمران المادي والرفاه، لكنها أيضاً المرحلة التي تبدأ فيها عوامل التحلل بالعمل. الخشونة البدوية تحمل طاقة البناء، بينما رقة الحضارة تحمل بذور الاسترخاء وفقدان الشوكة. هذا التصور يمنح الحضارة طابباً مأساوياً مزدوجاً: هي مطلوبة بوصفها تحقيقاً لإمكانيات الإنسان الاجتماعية والعقلية، وهي محفوفة بالخطر لأنها تميل إلى إفساد الطباع التي جعلتها ممكنة.

التأويل التحليلي لهذا التصور يكشف عن وعي حاد بجدلية التقدم والانحطاط. ابن خلدون لا يمجد البداوة ولا يحتقر الحضارة، بل يرى كلاً منهما طوراً ضرورياً له مزاياه وحدوده. القوة تبني، والترف يهدم، والدورة تعيد إنتاج نفسها في سياقات جديدة.

وحدة الرؤية وتماسك المشروع المعرفي

ما يميز المقدمة في التحليل التأويلي هو تماسك رؤيتها الكلية. الكون المنظم، والاجتماع الضروري، والعصبية المحركة، والدولة كوازع، والاقتصاد كقاعدة مادية، والحضارة كغاية مزدوجة، والتاريخ كصيرورة شبه طبيعية، كلها حلقات في سلسلة واحدة. لا يمكن فهم انهيار دولة دون العودة إلى تحول عصبيتها واقتصادها وطباع أهلها، ولا يمكن فهم ازدهار عمران دون استحضار شروطه السياسية والجغرافية والنفسية. هذه الوحدة الموسوعية تجعل من المقدمة نصاً فلسفياً بقدر ما هو نص علمي جنيني. فهي تطرح تصوراً للإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً تاريخياً اقتصادياً حضارياً في آن واحد، وترفض أي اختزال يلغي أحد هذه الأبعاد.

خاتمة

تظل «المقدمة» لابن خلدون أفقاً فكرياً مفتوحاً يتجاوز حدود تصنيفها التقليدي ككتاب في فلسفة التاريخ أو علم الاجتماع المبكر. هي مشروع موسوعي يسعى إلى فهم شروط إمكان الاجتماع البشري وصيرورته، ويقدم رؤية فلسفية واقعية للكون بوصفه نظاماً ذا طبائع، وللمجتمع بوصفه عمراناً ضرورياً محكوماً بالعصبية والمصالح، وللتاريخ بوصفه حركة صعود وأفول، وللاقتصاد بوصفه قاعدة مادية للعمران، وللحضارة بوصفها اكتمالاً محفوفاً بخطر الفساد. والمقاربة التحليلية التأويلية تكشف أن قوة هذا النص تكمن في قدرته على الربط بين هذه المستويات دون أن يفقد صلته بالواقع الملاحظ، وفي رفضه للتفسيرات المبسطة أو الأسطورية أو الوعظية الخالصة. ولهذا السبب تظل المقدمة قادرة على إثارة التفكير كلما واجهت المجتمعات أسئلة صعودها وأفولها، وشروط تماسكها وتفككها، وحدود قوتها وهشاشتها. لكن ألا يوجد تعارض بين مفهوم العصبية وظاهرة سقوط الحضارات؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

قراءة في كتاب "الأمير" للكاتب نيكولا مكيافيلي

ليس الغاية من قراءة وتحليل كتاب "الأمير" لنيكولا مكيافيلي هو الإشادة ببعض مضامينه والتحذير من بعضها الآخر. فالقارئ ليس مطالبا، أمام هذا النص، باتخاذ موقف الرفض أو الإعجاب والتبني، بقدر ما هو مدعو إلى التأمل في مدى عمق تأثير الكتاب في الفكر والممارسة السياسية منذ صدوره إلى اليوم.

إن التمعن في فصول الكتاب وفقراته لا ينبغي أن يكون محكوما مسبقا بخلفيات وأحكام قيمة جاهزة، من قبيل إسقاط منظوماتنا الأخلاقية الذاتية عليه، أو استحضار مرجعيات دينية وثقافية بعينها للحكم على أفكاره قبل فهم منطقها الداخلي. بل يبدو، في تقديري، أكثر جدوى أن ترتب الاستنتاجات التي يتيحها النص واحدة تلو الأخرى، ثم تقرأ في ضوء تفاعلها مع المرجعيات الواقعية بأبعادها الأخلاقية والدينية والثقافية التي سادت في المراحل التاريخية البارزة التي أعقبت صدوره.

كما أن التعامل مع عبارات الكتاب وأفكاره لا يمكن أن يكون مجديا إلا بالتركيز على ما تضمنه من تنوع في التصورات والقواعد السياسية، وعلى الآثار التي خلفتها، وعلى قوة الإغراء الذي مارستها وتمارسها على ممارسي السلطة في عصرنا، في ظل تطور التأويلات الدينية والمنظومات الأخلاقية والحقوقية.

إن "الأمير" ليس مجرد كتاب وجه حصريا إلى حكام القرن السادس عشر، بل أثبتت دراسات وقراءات متعددة أنه يحمل بين طياته أفكارا شديدة الإثارة، استرعت اهتمام ممارسي السلطة منذ تاريخ صدوره إلى يومنا هذا. وقد أكدت التحولات السياسية المتعاقبة أن الشعوب عاشت، في مراحل مختلفة، ظروفا استثنائية تراجعت فيها نعومة الممارسة السياسية بشكل ملحوظ، لتحل محلها مظاهر العنف والخشونة والضغوطات المصلحية والمكائد والدسائس. كما أن الأخلاق لم تعد القاعدة الّأولى والأخيرة التي تتحكم في الحياة السياسية، داخل الأوطان وخارجها.

ومن هنا، يبقى من واجب المحلل السياسي البحث العميق في دلالات النص ومقاصده، ومحاولة تقديم إجابات مقنعة عن سؤال جوهري:"إلى أي مدى ما زال الحكام المعاصرين يلجؤون، بصورة مباشرة أو خفية، إلى بعض أفكار مكيافيلي؟ وإلى أي حد ما زال ينظر إليه بوصفه مرشدا في ممارسة السلطة؟ وهل يمكن إضفاء صلاحية مطلقة لنصائحه في كل زمان ومكان؟

مهما تعددت الإجابات وتنوعت، فلا يمكن إنكار المكانة التاريخية التي يحتلها مكيافيلي في تاريخ الفكر السياسي. فقد اعتبر من أبرز مفكري عصر النهضة. فبعدما تعرض للمضايقات في حياته، نتيجة ما أثارته كتاباته من جدل واسع، عاد اسمه بعد وفاته للواجهة واشتد النقاش حول أفكاره ومؤلفاته.

لقد أسهم مكيافيلي في زحزحة عدد من الاعتقادات التي كانت سائدة في عصره، وقدم، منذ الصفحات الأولى من "الأمير" إلى نهايته،. تصورا خاصا للحاكم الناجح، مستندا إلى أمثلة وأحداث تاريخية وتجارب سياسية واقعية. كما ساهم، من خلال منهجه وعباراته وتحليلاته، في بلورة نمط جديد من التفكير السياسي الأوروبي، ارتبط بما عرف لاحقا بالنهضة وبصعود النزعة الواقعية في تحليل السياسة.

وقد شاع، عبر أجيال متعاقبة، الاعتقاد بأن فهم مكيافيلي يقتضي فهم جانب أساسي من آليات ممارسة السياسة كما تمارس في الواقع وكواليسه، سواء في العلاقات الداخلية أو في العلاقات بين الدول.

فبقدر ما تعرض مكيافيلي للشيطنة بسبب نصائحه للأمير، وبخاصة حين جعل المحافظة على الدولة واستمرارها غاية مركزية، بقدر ما نظر إليه أيضا باعتباره مفكرا نافذ البصيرة في أعماق السياسة. وقد نحج في لفت الانتباه إلى حضور القوة والعنف والمكر والمصلحة في الممارسة السياسية، إلى درجة تحول معها كتاب "الأمير" إلى أحد النصوص المؤثرة في تاريخ الفكر السياسي.

ومع تطور المؤسسات السياسية الحديثة، التي سعت إلى الحد من "الشخصنة" في السياسة وإخضاع السلطة للقواعد والقوانين، ظهرت، في مراحل مختلفة، إمكانية أو جواز استخدام المؤسسات نفسها لتبرير إجراءات قاسية أو خادعة، متى اعتبرت ضرورية لحماية الدولة أو السلطة أو تحقيق الاستقرار السياسي في ظروف زعزعته. وهنا يتجدد التعاطي مع إحدى الإشكاليات الأساسية التي أثارها مكيافيلي : إلى أي حد يمكن أن تصبح ضرورة الحفاظ على الدولة مبررا لاستخدام وسائل تتعارض مع القواعد الأخلاقية المعتادة؟

لقد سمح له ذكاؤه ومنهجه التحليلي بتجنب اختزاله في صورة "معلم للشر". والأدق أن أفكاره قرئت، في سياقات مختلفة، باعتبارها محاولة للكشف عن منطق السلطة كما هو، لا كما ينبغي أن يكون. لم ينشغل بالسؤال: كيف يصبح الحاكم صالحا؟ وإنما سعى إلى تقديم تحليل واقعي للوسائل التي تمكن الأمير من المحافظة على سلطته ودولته في عالم تسوده المنافسة والصراعات وتقلب الولاءات.

ومنذ بداية القرن الواحد والعشرين، أفرزت بعض التطورات السياسية بالمكشوف، داخل الدول وخارجيا، انبعاث بعض الظواهر المرتبطة بما يمكن تسميته "العودة إلى بعض مظاهر الميكيافيلية". ويمكن أن نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

- طغيان المصلحة الذاتية على المبادئ في الممارسات السياسية،

- استعمال الدعاية المضلله والتلاعب بالرأي العام،

- صناعة وتلميع صورة الحاكم،

- إدارة الخوف والأمل وتوظيفهما سياسيا،

- التحالف مع الخصوم عند الضرورة،

- التخلي عن الحلفاء عندما تتغير موازين القوة،

- توظيف القانون والمؤسسات في الصراع السياسي،

- استخدام الخطاب السياسي بمرونة شديدة تبعا لتغير المصالح والظروف.

وبالرغم من استفحال هذه الظواهر، يمكن القول أن المكيافيلية في سياق المنطق المعاصر لا تمارس بالطريقة نفسها التي كانت تمارس بها في العصور السابقة. الأفكار قد تتشابه، لكنها أصبحت تتحرك في فضاءات جديدة، وتمارس من خلال فاعلين وأدوات جديدة. وبذلك لا يمكن الجزم بأن كل السياسات تتغذى، كليا أو جزئيا، من المنطق المكيافيلي.

وفي الوقت نفسه، لا يستطيع المتتبع للشأن السياسي المعاصر تجاهل بعض التقابلات التي تستدعي التفكير في مدى استمرار هذا المنطق، سواء على مستوى الدول أو على مستوى العلاقات الدولية. فالمؤسسات الديمقراطية، والدساتير، والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وآليات الرقابة والحكامة، والاستحقاقات الانتخابية، واستقلال القضاء، ونباهة الرأي العام، ودور المجتمع المدني، كلها جعلت ممارسة السلطة أكثر تعقيدا مما كانت عليه في زمن مكيافيلي.

ومن ثم، فإن نفاذ الممارسات ذات الطابع المكيافيلي إلى المجال السياسي لم يعد يتم بالطريقة المباشرة نفسها، بل قد يتخذ أشكالا أكثر تعقيدا، بحيث يمكن أن يجرى توظيف المؤسسات والقواعد والخطابات الديمقراطية نفسها في خدمة صراعات القوة والمصالح المعادية لروح الأمة والوطن، وهو ما يفتح الباب أمام سؤال أعمق حول العلاقة بين المؤسسة والقوة، وبين الشرعية والمصلحة، وبين القانون وممارسة السلطة.

وتأسيسا على ما سبق، لا ينبغى قراءة "الأمبر" باعتباره كتابا لتعليم الشر، كما لا ينبغي التعامل معه باعتباره كتابا مقدسا في فن الحكم. والأقرب إلى طبيعة النص أن يقرأ بوصفه محاولة لتشريح علاقة السلطة بالقوة والعنف والخوف والمصلحة والولاء والأخلاق.

وعلى هذا الأساس، أرى أن على القارئ أن يضع مكيافيلي في سياقه التاريخي، وأن ينظر لكتابه باعتباره تصورا خاصا لممارسة السلطة، وإلى صاحبه باعتباره مفكرا أسهم في إحداث تحول مهم في التفكير السياسي الأوروبي.

وفي عمق كتابه، وضع مكيافيلي الحاكم أمام صراع دائم بين ما ينبغي أن يكون أخلاقيا، وما قد تفرضه الأحداث والظروف من مكر وخديعة وقوة وحسم، بحيث يصبح الحفاظ على الدولة والسلطة مرتبطا بما يسميه منطق الضرورة السياسية.

وبذلك، يمكن القول أن تأثير الكتاب لا يتوقف عند عصر مكيافيلي، إذ أنه يضع القارئ والمفكر المعاصر أمام أسئلة لا تزال تحتفظ بعمقها وراهنية حضورها:

- هل السياسة مجال للأخلاق، أم مجال للضرورة؟

- هل يمكن بناء دولة أخلاقية بأدوات غير أخلاقية؟

- هل يمكن أن تصبح "ضرورة الدولة" ذريعة لتبرير كل شيء؟

- إلى أي حد يمكن أن يتحول "الأمير" إلى مرجع فكري لكل طامح  إلى السيطرة السياسية؟

- وهل ما نعتبره اليوم ممارسة سياسية واقعية يمثل تجاوزا للمكيافيلية، أم إعادة إنتاج لها بأدوات ومؤسسات جديدة؟

ولعل السؤال الأهم الذي يظل مفتوحا أمام قارئ "الأمير" هو: "هل ماتت المكيافيلية بانتهاء عصر مكيافيلي، أم أنها غيرت فقط أدواتها ولغتها وأشكال حضورها؟

***

الحسين بوخراطة      

قراءة فلسفية في كتاب آلان دو بوتون "فن السفر"

يُعد كتاب "فن السفر" لآلان دو بوتون محاولة لإستعادة البُعد التأملي للسفر، وفي هذا الكتاب لايُقدم آلان دو بوتون دليلاً سياحياً، بل يطرح فكرة فلسفية مفادها السفر بوصفه علاجاً، حيث أن كتاب "آلان دو بوتون" يندرج ضمن مشروع أكبر هو "السفر كتدريب وتأهيل في مدرسة الحياة"، وهو يرى الفلسفة "علاجاً" وليس مجرد إنتقالاً جغرافياً، فلن يصل الإنسان الى النضج العاطفي والنفسي إلا بالتجارب الواقعية، فالسفر هو أداة فعّالة لتدريب الروح على الفضائل الفلسفية والتي في مقدمتها التواضع المعرفي، والقدرة على الدهشة، والتقبل، فالتواضع المعرفي هو أن نُدرك أن العالم أكبر من تصوراتنا، والقدرة على الدهشة هي الفضيلة الفلسفية التي تساعدنا على إكتشاف المعنى، والتقبل هو أن نتقبل أن السعادة لاتكمن في المكان، بل في طريقة إدراكنا للمكان الذي نحن فيه.

بُنية الكتاب تقوم على خمس فصول أو محطات أساسية في رحلة السفر، حيث يستعرض الكاتب جوانب مُتعددة للسفر مع شخصيات مختلفة، بالإضافة الى بيان تأثيرات السفر الفلسفية والعلاجية مع كل تجربة وموقف، وكل مرحلة ومحطة من محطات السفر في الكتاب تقترن بمُرشد فكري لفهم حقيقة السفر ودوافعة العلاجية، ويستعين "دو بوتون" بتجارب شخصيات بارزة من فنانين وأدباء ومفكرين من بينهم (جون روكسين، وإدوارد هويز، وفان كوخ، وإدموند بيرك، ووليام وردزورث) لتعميق الإدراك الجمالي في تجربة السفر العلاجية، فيتناول في المحطة الأولى الرحيل، الذي يمثل لحظة الإنطلاق والدافع النفسي وراء ترك المألوف، ويرى أن الرؤية الحقيقية ليست وظيفة العين بل وظيفة الإنتباه، وان معظمنا ينظر ولكن لايرى، ويشير من خلال ذلك الى أن فن السفر هو فن الإنتباه، أي أن نتعلم كيف نرى سحابة أو مدخنة أو محطة قطار أوشجرة وكأننا نراها للمرة الأولى، ويتناول في المحطة الثانية الدوافع، ويناقش فيها الأسباب التي تدفعنا الى السفر وما نأمل في العثور عليه، حيث يحلل دو بوتون اللوحات التي تصور محطات الوقود والفنادق الموحشة، ليقول لنا أننا نسافر هروباُ من الأُلفة القاتلة، فالسفر هو محاولة لإعادة إكتشاف الذات في مكان جديد لعلها تُشفى وتجد نفسها، والمحطة الثالثة تتناول المشاهد والمناظر الطبيعية من حولنا، ويقدم دوبوتون من خلالها إستعارة لتفضيلات البشر الداخلية، على سبيل المثال : لماذا نحب الصحراء؟ أو لماذا قد نفضل البحر؟ لأن الطبيعة على حد قوله تقدم لنا إستعارة لتفضيلاتنا الداخلية ورغباتنا الكامنة، ويشرح دو بوتون كيفية تفاعلنا البصري والنفسي مع الأماكن الجديدة، فالطبيعة ليست جميلة بذاتها بل لأننا نُسقط عليها أفكارنا الفلسفية، ويتناول في المحطة الرابعة الفن مع فان كوخ، ويُشير فيها الى أن الفنان لا يرسم مايرى بل ما يريد أن يرسم، وبالمثل فإن المسافر يجب أن يحمل معه إطاراً جمالياً يلتقط به التفاصيل المُهملة، فالمسافر عادةّ يلتقط  التفاصيل التي يُفضلها، ويقترح دو بوتون أن نحمل معنا في السفر "دفتر رسم" لا كاميرا، لأن الرسم يجبرنا على التأمل، بينما يتناول في المحطة الخامسة موضوع الغياب، وهنا تكمن ذروة الكتاب الفلسفية، بالحديث عن المغزى من السفر، فالحكمة الحقيقية هي أن نتعلم كيف نسافر دون أن نتحرك، وأن نكتشف الغرابة والدهشة في حياتنا وبيتنا، ويناقش فيه العودة من الرحلة، وكيف تؤثر الرحلة على نظرتنا لمكاننا الأصلي وحياتنا المٌعتادة، فالمسافر الحقيقي هو الذي يعود بنظرة جديدة الى شارعه القديم فيرى مالم يكن يراه، فالعلاج لا يكون بالضرورة بتغيير المكان، بل بتغيير نظرتنا إليه.

يصف آلان دو بوتون المشاهد والأحداث في كتابه ليستعرض مفارقة نفسية وفلسفية هي الفجوة بين التوقع والتجربة، ليعلمنا درساً بالغ الأهمية يتمثل في ملاحظة مانراه والإستمتاع به، لأن الحياة هي رحلة سفر قصيرة، فالإنسان وحده قادر على تقرير كيف يريد أن يُمضي وجوده، لذلك فهو يشير الى أننا أمام خيارين: أما أن نسعى الى أن "نجني الكثير من القليل"، أو نكتسب القليل من الكثير"، ويعد ذلك مهارة يكتسبها الإنسان بالتجربة، وتدريب النفس على ملاحظة الجمال، والبحث عن المعنى، وذلك لا يتحقق إلا من خلال التجارب الواقعية والتي يُعد السفر أبرزها.

نستطيع أن نقول أن الكتاب يطرح تساؤلات جوهرية تُساهم في إعادة تشكيل واقع الإنسان، مثل لماذا نُسافر؟ وماذا نتوقع أن نجد؟ وكيف نكون أكثر سعادة ورضا في رحلاتنا؟ وكيف نُشفى من قلقنا ومخاوفنا؟ ويستعين آلان دو بوتون بمجموعة من الكُتاب والفنانين والمفكرين ليقدم من خلالهم السفر بوصفه دواء مثالي لعلاج مشكلات الحياة، فعندما يواجه الإنسان تجربة السفر بكل مافيها من خيبات ومسرات، يعود وهو مقتنع أن ماكان يواجهه هو جزء ضرورى من رحلته الوجودية، ويستعرض  الكاتب من خلال هذا الكتاب السبب الأبرز لتعاسة الإنسان المعاصر ألا وهو فرط القلق، وقلة المعرفة، وعدم عيش اللحظة الحاضرة، فالبشر منغمسون بالحزن على الماضي، والقلق من المستقبل، متناسين أن حياتهم الحقيقية هي في الحاضر، وفي هذه اللحظة التي لا يعطونها القدر الكافي من الإنتباه والإهتمام.

ويُشير آلان دو بوتون الى أن فشل الرحلة هو جزء من فنها، فخيبة الأمل التي نشعر بها حينما تكون الرحلة عكس التوقعات هي لحظة إدراك ووعي وجودي يُصيبنا، لأنه يكشف لنا حقيقة أننا قد نستمتع بالرحلة أكثر من الوصول الى الوجهة، وهذا بحد ذاته يثبت لنا أن علاج المشكلات لا يعني بالضرورة أن نكون سُعداء، بل أن نكون في حالة تقبل وطمأنينة وسلام مع ذواتنا.

إن عبقرية آلان دو بوتون في كتاب "فن السفر" تكمن في أنه حول السفر من فعل إستهلاكي يؤدي الى مُتعة لحظية، الى "فعل علاجي" و"تجربة وجودية" لمواجهة القلق والمخاوف، ويرى الكاتب أن السفر الحقيقي هو عبارة عن مغامرة داخلية تهدف الى إعادة إكتشاف الذات، والبحث عن الجمال في تفاصيل الحياة اليومية، فليس مهماً السؤال الى أين يُسافر الإنسان بقدر أن نسأل كم من التجارب التي حصل عليها؟ وكم مشكلة تمكن من حلها؟ وكيف واجه قلقه؟ وكيف تصدى لمخاوفه؟ وبذلك يتضح لنا أن الكتاب لم يكن فقط عن السفر، بل كان عن الأزمات النفسية والفكرية والوجودية التي نستطيع علاجها من خلال السفر.

*** 

شيماء هماوندي

أو أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية

مقدمة: يعتبر كتاب «أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية» أحد أهم النصوص المتأخرة في مشروع إدموند هوسرل الفلسفي، وأكثرها كشفاً عن التحولات العميقة التي طرأت على فكره في مرحلة النضج الأخير. كُتب النص في ثلاثينيات القرن العشرين، في سياق تاريخي مثقل بالأزمات السياسية والثقافية الأوروبية، وجاء بوصفه تشخيصاً جذرياً لما اعتبره هوسرل انحرافاً مصيرياً في مسار العلوم الحديثة والفلسفة المرتبطة بها. لا يقدم الكتاب مجرد نقد معرفي للعلوم، بل يؤسس لتأويل شامل لتاريخ العقل الأوروبي، ويربط بين الأزمة العلمية والأزمة الوجودية والحضارية التي تعيشها أوروبا. ومن خلال مقاربة تحليلية تأويلية، تسعى هذه المراجعة إلى تفكيك البنية الحجاجية للنص، واستكشاف طبقاته المفهومية، وإبراز كيف يعيد هوسرل تأويل الحداثة العلمية من منظور فينومينولوجي ترنسندنتالي. فكيف وصف هوسرل أزمة العلوم الأوروبية؟ وهل الفينومينولوجيا الترنسندنتالية هي المخرج من هذه الأزمة؟

بنية الكتاب الحجاجية

ينطلق هوسرل من ملاحظة أساسية: إن العلوم الأوروبية الحديثة، رغم نجاحاتها التقنية الهائلة، تمر بأزمة عميقة تتعلق بمعنى هذه العلوم ومشروعيتها بالنسبة إلى الحياة الإنسانية. فالأزمة ليست أزمة نتائج أو مناهج داخلية، بل أزمة دلالة؛ أي فقدان الرابط الحي بين المعرفة العلمية والعالم المعيش الذي ينبثق منه كل معنى. يُرجع هوسرل جذور هذه الأزمة إلى التحول الغاليلي الذي حوّل الطبيعة إلى مجرد متناهٍ رياضي قابل للقياس والحساب، فاستبعد الكيفيات الحسية والقيم والغايات التي تشكل نسيج التجربة اليومية.يتطور الحجاج عبر مستويات متدرجة. يبدأ بتحليل تاريخي لمسار الفلسفة والعلوم منذ غاليليو وديكارت، مروراً بالعقلانية والتنوير، وصولاً إلى النزعات الموضوعية والطبيعانية في القرن التاسع عشر ومطلع العشرين. ثم ينتقل إلى الكشف عن «العالم المعيش» بوصفه الأفق المنسي الذي تقوم عليه كل ممارسة علمية. وأخيراً يدعو إلى استعادة الفينومينولوجيا الترنسندنتالية بوصفها الطريق الوحيد لإعادة تأسيس العلوم على أساس واعٍ بجذورها الذاتية.

مفهوم الأزمة وتجلاياتها

يحلل هوسرل الأزمة بوصفها نتيجة لـ«التشييء» المفرط وللنسيان الترنسندنتالي. فالعلم الحديث، حين نجح في بناء صورة رياضية للطبيعة، نسي أن هذه الصورة ذاتها إنجاز قصدي ينبع من فاعلية الوعي. لقد حوّل المنهج العلمي الناجح إلى أنطولوجيا مطلقة، فاعتبر الطبيعة الرياضية هي الطبيعة في ذاتها، وأقصى كل ما لا يندرج ضمن القياس الكمي بوصفه ذاتياً أو ثانوياً. بهذا انفصل العلم عن جذوره في التجربة المعيشة، وأصبح عاجزاً عن الإجابة عن الأسئلة الأساسية المتعلقة بمعنى الحياة والقيم والغايات. فالتأويل هنا يكشف أن الأزمة عند هوسرل ليست تقنية بل حضارية. ففقدان المعنى العلمي ينعكس على فقدان المعنى الوجودي للإنسان الأوروبي، الذي يجد نفسه محاطاً بمعرفة دقيقة بالأشياء وعاجزاً عن فهم موقعه في العالم. وهذا التشخيص يتجاوز نقداً إبستيمولوجياً ضيقاً ليصبح تأويلاً لتاريخ العقل ذاته، حيث يُنظر إلى الحداثة بوصفها مساراً من الإنجاز والنسيان في آن واحد.

 العالم المعيش بوصفه الأفق المؤسس

يحتل مفهوم العالم المعيش مكانة مركزية في النص. فهو ليس مجرد مجموع الأشياء المعطاة في الإدراك الحسي، بل الأفق القبلي لكل تجربة ممكنة، المجال الذي تتكون فيه المعاني والدلالات قبل أي تموضع علمي. العالم المعيش هو عالم الذاتية البينذاتية، عالم الاهتمامات العملية والقيم والكيفيات، الذي يسبق العلم ويؤسسه في الوقت نفسه.من خلال التحليل التأويلي يتبين أن استعادة العالم المعيش ليست عودة رومانسية إلى ما قبل العلم، بل خطوة منهجية ضرورية للكشف عن الشروط الترنسندنتالية لإمكان العلم نفسه. فالعلم لا ينطلق من فراغ موضوعي، بل من عمليات قصدية تتم داخل العالم المعيش، ثم تُنسى بعد أن تتحول النتائج إلى حقائق موضوعية مستقلة. الفينومينولوجيا مدعوة إلى إزالة هذا النسيان عبر الإبوخي والترنسندنتالي، أي تعليق الموقف الطبيعي والكشف عن الفاعلية المكونة للمعنى.

الفينومينولوجيا الترنسندنتالية كاستجابة للأزمة

يرى هوسرل أن الحل الوحيد للأزمة يكمن في إنجاز الرد الترنسندنتالي الكامل، والعودة إلى الذاتية المطلقة بوصفها مصدر كل موضوعية. ليست الترنسندنتالية هنا مثالية ذاتية مغلقة، بل كشفاً عن البنية القصدية للوعي التي تجعل العالم ممكناً كعالم ذي معنى. ومن خلال هذا الكشف يستعيد العلم أساسه الذاتي دون أن يفقد موضوعيته، لأن الموضوعية ذاتها تُفهم بوصفها إنجازاً بينذاتياً للوعي الترنسندنتالي.التأويل التحليلي يظهر أن هوسرل في هذا النص يحاول تجاوز بعض الصعوبات التي واجهت الفينومينولوجيا في مراحلها السابقة. فبدلاً من التركيز الحصري على الوعي الفردي، يبرز البعد البينذاتي والتاريخي للتكوين، ويربط الفينومينولوجيا بتأويل تاريخ الفلسفة الأوروبية بوصفها مساراً نحو الوعي الترنسندنتالي بذاته. بهذا تصبح الفينومينولوجيا ليس مجرد منهج وصفي، بل مهمة حضارية لإعادة تأسيس العقل الأوروبي على أسس أكثر أصالة.

 الأبعاد التأويلية للتاريخ والعقل الأوروبي

يقدم الكتاب قراءة تأويلية لتاريخ الفلسفة الحديثة بوصفها دراما بين النزعة الموضوعية والنزعة الترنسندنتالية. فديكارت اكتشف الذاتية لكنه سقط سريعاً في التشييء، وكانط فتح أفق الترنسندنتالي لكنه بقي أسيراً لبعض الافتراضات الطبيعانية، بينما أغلقت النزعات اللاحقة الأفق الترنسندنتالي تماماً. هذه القراءة ليست سرداً تاريخياً محايداً، بل تأويلاً غائياً يرى في مسار الفلسفة الأوروبية توجهاً خفياً نحو الفينومينولوجيا، حتى لو لم يتحقق ذلك بوعي كامل.من هنا يتضح أن «أوروبا» عند هوسرل ليست مجرد رقعة جغرافية، بل فكرة روحية تشير إلى مشروع العقل الكوني الذي نشأ في اليونان وتطور عبر الحداثة. والأزمة الأوروبية هي أزمة هذا المشروع حين ينسى جذوره الترنسندنتالية. وهذا التأويل يمنح النص بعداً حضارياً يتجاوز الإبستيمولوجيا إلى فلسفة التاريخ والثقافة.

 قوة النص وحدوده في المنظور التحليلي التأويلي

تتمثل قوة الكتاب في جرأته على ربط الأزمة العلمية بالأزمة الوجودية، وفي قدرته على الكشف عن الطبقات المنسية للمعنى داخل الممارسة العلمية ذاتها. كما أن مفهوم العالم المعيش فتح آفاقاً واسعة أمام الفلسفة اللاحقة، سواء في الفينومينولوجيا أو التأويلية أو حتى بعض تيارات فلسفة العلم. أما البعد التأويلي للتاريخ فيجعل النص شهادة حية على وعي فيلسوف بموقع مشروعه داخل مسار الفكر الأوروبي.

غير أن النص، في قراءته التأويلية، يكشف أيضاً عن بعض التوترات. فالدعوة إلى ترنسندنتالية مطلقة قد تبدو مفرطة في طموحها أمام تعقيد العالم المعيش وتنوعه التاريخي والثقافي. كما أن التركيز على العقل الأوروبي يطرح تساؤلات حول كونية المشروع الفينومينولوجي وقدرته على استيعاب تجارب غير أوروبية. ومع ذلك، فإن هذه التوترات نفسها جزء من خصوبة النص، إذ تفتحه على قراءات متعددة وتأويلات متجددة.

خاتمة

يظل كتاب «أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية» نصاً أساسياً لفهم التحولات الكبرى في فلسفة القرن العشرين، ولإدراك الرهانات العميقة التي تربط بين المعرفة العلمية والحياة المعيشة. من خلال مقاربته التحليلية التأويلية يتبين أن هوسرل لم يكتب مجرد نقد للعلوم، بل أنجز تأويلاً شاملاً لمصير العقل الحديث، داعياً إلى استعادة الوعي بجذوره الترنسندنتالية حتى لا يفقد العلم معناه ولا تفقد الإنسانية أفقها الروحي. والكتاب، رغم طابعه غير المكتمل وصعوبته الأسلوبية، يبقى دعوة مفتوحة إلى التفكير في شروط المعنى داخل عالم يزداد تشيئاً يوماً بعد يوم، وإلى الإقرار بأن كل موضوعية علمية إنما تستند في النهاية إلى ذاتية مكونة لا يجوز نسيانها. فكيف يساعد تحليل مفهوم العالم المعيش على انهاء استعماره؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...........................

المصدر:

Edmund Husserl (trad. Gérard Granel), La crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1989, 589 p.

قراءة في كتاب «الوجود والوعي: كيف تعيد اللغة تشكيل العالم»(1)

ليست المشكلة الفلسفية في اللغة أنها عاجزة عن الوصول إلى العالم، ولا أنها قادرة على أن تمنحه وصفًا نهائيًا يستنفد وجوده، بل إن السؤال الأعمق يبدأ من منطقة أكثر التباسًا: ماذا يبقى من «العالم» حين ننزع عنه الأسماء والمفاهيم والصور والعلاقات والقيم التي بواسطتها يظهر لنا ويصبح قابلًا للفهم؟ هل نحن أمام عالم نكتشفه، أم أمام عالم يتشكل جزئيًا بالطريقة التي نتكلم ونفكر ونؤول بها وجودنا؟ من هنا تتخذ اللغة موقعًا يتجاوز وظيفتها التواصلية، لتغدو مجالًا تتقاطع فيه الأنطولوجيا مع الوعي، والمعرفة مع التأويل، والواقع مع الرمز. وفي هذا الأفق يأتي كتاب الأستاذ الدكتور منذر جلوب، الوجود والوعي: كيف تعيد اللغة تشكيل العالم، بوصفه محاولة لفتح هذا السؤال من جهة العلاقة شبين الوجود والوعي واللغة. غير أن أهمية هذه المحاولة لا تكمن في التسليم بأن اللغة «تنتج» العالم، بل في اختبار الحدود الدقيقة بين أن نمنح الموجود معنى، وأن نعيد تشكيل صورته في وعينا، وأن ندّعي أننا أعدنا تشكيل وجوده ذاته. اذ يقول: « فالعالم لا يخلَق من العدم، ولا يكتشَف جاهزاً. إنه يبنى من الخام، عبر الرمز، بمشاركة الإنسان. هو تجربة مستمرة: نشعر بالوجود، فنسميه، فنبنيه، ثم نعيد الشعور. والدائرة لا تنتهي، لكنها ليست فارغة. فيها غياب يدفع إلى القول، وقول يعيد تشكيل الغياب». ص14

فحين نقول «جسد» لا نكون قد أشرنا فقط إلى كتلة مادية قائمة أمامنا، وحين نقول «وطن» لا نكون قد أشرنا إلى مساحة جغرافية فحسب، وحين نقول «عدالة» أو «حرية» أو «مقدس» فإننا لا نضع أسماء على أشياء جاهزة تنتظر قاموسًا كي يكشفها؛ نحن ندخل في عملية أكثر تعقيدًا، تتحول فيها الخبرة إلى معنى، والمعنى إلى رمز، والرمز إلى عالم قابل للفهم والمشاركة والتداول، وربما إلى مؤسسة وقانون وسلطة وسلوك.

من هذه المنطقة الإشكالية يتحرك كتاب «الوجود والوعي: كيف تعيد اللغة تشكيل العالم»، وهو لا يتعامل مع اللغة بوصفها أداة تقنية للتواصل فحسب، وإنما يضعها في قلب السؤال الأنطولوجي نفسه: ماذا يحدث للوجود عندما يصبح موضوعًا للوعي؟ وماذا يحدث للوعي عندما لا يستطيع أن يتعامل مع العالم إلا عبر أنظمة من الرموز والدلالات؟ وهل نحن نتكلم عن عالم موجود قبل اللغة ثم نصفه، أم أننا لا نمتلك «عالمًا إنسانيًا» بالمعنى الكامل إلا عندما يدخل الوجود في شبكة التسمية والتفسير والتصنيف والتأويل؟ هنا تكمن قوة الكتاب، وهنا أيضًا تبدأ مخاطرة. عندما يقول « فإن اللغة تتجاوز وصف العالم إلى المشاركة في تشكيله. واللغة لا تنقل الحقيقة بقدر ما تحدد معاييرها. »ص23. على الرغم من ان الكتاب لا يريد، فيما يبدو، أن يقع في واقعية ساذجة تجعل اللغة مرآة شفافة لعالم مكتمل، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن ينتهي إلى القول بأن اللغة تخلق الوجود من العدم وبين هذين الطرفين يقيم أطروحته الأساسية: اللغة لا تخلق الوجود، لكنها تشارك في تشكيل العالم الذي يظهر للإنسان بوصفه عالمًا مفهومًا، قابلًا للتسمية والتفسير والتنظيم والفعل. وهذا التمييز، إذا حافظ الكتاب عليه، هو أحد أكثر عناصره قوة.

1. من سؤال اللغة إلى سؤال العالم

السؤال الظاهر في الكتاب هو سؤال عن اللغة، لكن السؤال الخفي الذي يحركه أعمق من ذلك بكثير: كيف يتحول الوجود إلى عالم؟

فالوجود في ذاته شيء، والعالم الذي يعيش فيه الإنسان شيء آخر. الإنسان لا يعيش فيزيائيا فقط وسط المادة والطاقة والأجسام والأحداث، وإنما يعيش في عالم من الأسماء والرموز والذكريات والقيم والتوقعات؛ اذ يقول ان « العالم هو النطاق الذي يتحول فيه الوجود إلى أنظمة رمزية تسهل الفهم والتفاعل. وهنالك أنظمة رمزية متنوعة تعيد صياغة تجاربنا في إطار يمكن التعامل معه عقلياً واجتماعياً. وتقيد الرموز إدراك الإنسان بجزء صغير من الوجود»ص26 مثال  الشجرة ليست مجرد كتلة بيولوجية؛ إنها قد تكون شجرة مثمرة، أو رمزًا دينيًا، أو علامة على المكان، أو جزءًا من ذاكرة الطفولة، أو مادة للعلم، أو صورة في قصيدة. والجسد ليس مجرد بنية عضوية؛ إنه يدخل في اللغة الطبية، وفي الأخلاق، وفي الدين، وفي القانون، وفي الجمال، وفي الهوية الاجتماعية.

وهنا يفتح الكتاب مسافة مهمة بين الوجود والعالم. فاللغة لا تبدو مسؤولة عن وجود الشجرة، لكنها مسؤولة، بدرجة ما، عن الطريقة التي تصبح بها الشجرة جزءًا من عالمنا الإنساني. وهذا هو الفرق الذي يمنع الأطروحة من الانزلاق إلى المثالية اللغوية المطلقة.

لكن السؤال الذي يظل مفتوحًا هو: أين يبدأ تأثير اللغة بالضبط؟ هل يبدأ عند التسمية؟ أم عند الإدراك؟ أم عند التصنيف؟ أم عند إنتاج المفهوم؟ أم عند تحويل التجربة إلى ذاكرة قابلة للتداول؟ أم أن اللغة لا تدخل في هذه العملية إلا بعد حدوث الإدراك الأول؟ وهذه ليست أسئلة تفصيلية، لأنها تحدد طبيعة الأطروحة كلها.

2. «الخام الوجودي» ومشكلة ما قبل اللغة

من أكثر الأفكار أهمية في البناء النظري للكتاب افتراض وجود مستوى سابق على التشكيل الرمزي، يمكن التعبير عنه بمفهوم «الخام الوجودي». هذه الفكرة تؤدي وظيفة فلسفية شديدة الأهمية؛ لأنها تمنع القول بأن كل شيء لغة. اذ يقول ان « الرمزية التكوينية لا تبني جداراً، وإنما تبني جسراً. والخام الوجودي ليس وراء الجدار، لكنه تحت الأقدام. نمشي عليه، ولا نراه»ص13 ولكن هنا يظهر سؤال: إذا كانت اللغة هي التي تنتج كل شيء، فكيف يمكن تفسير ظهور اللغة نفسها؟ وإذا كان الإنسان لا يستطيع الوصول إلى أي شيء خارج اللغة، فكيف أمكن أصلًا أن تبدأ عملية التسمية؟ هنا تظهر ضرورة افتراض شيء لا يكون بالضرورة «واقعًا مكتملًا» في ذاته، لكنه يمثل مادة أولية أو حضورًا سابقًا على التنظيم الرمزي.

غير أن هذه الفكرة تواجه مأزقًا فلسفيًا واضحًا: بمجرد أن نتحدث عن هذا «الخام الوجودي»، نكون قد منحناه اسمًا ومفهومًا، أي أدخلناه بالفعل في اللغة. فنحن لا نستطيع أن نعرض الخام الوجودي كما هو؛ لأن كل عرض له يمر عبر جهاز مفهومي.

وهنا تظهر المفارقة: نحتاج إلى افتراض ما قبل اللغة لكي نفسر اللغة، لكننا لا نستطيع الحديث عن هذا السابق إلا باللغة.

هذه ليست ثغرة بسيطة ينبغي التخلص منها، بل يمكن أن تكون من أكثر مناطق الكتاب خصوبة، إذا تعامل معها بوصفها مفارقة فلسفية لا بوصفها مشكلة يجب إخفاؤها.

3. من «أنا موجود» إلى الوعي

تكتسب عبارة «أنا موجود» في البناء الفلسفي للكتاب أهمية خاصة؛ لأنها تمثل لحظة انتقال من مجرد الحضور إلى الوعي بالحضور. « فالإنسان لا يكتفي بشعوره بالوجود، وإنما يتجاوز ذلك إذ يسعى لفهم العالم وإعادة تفسيره عبر اللغة » ص36 ومن ثم فالوجود لا يحتاج إلى أن يقول عن نفسه «أنا موجود» لكي يكون موجودًا، لكن الإنسان عندما يقول «أنا موجود» يكون قد أحدث تحولًا نوعيًا: لم يعد الوجود مجرد حالة، بل أصبح موضوعًا للوعي. وهنا يمكن التمييز بين ثلاث لحظات: (الوجود، ثم الوعي بالوجود، ثم التعبير عن هذا الوعي).

وهذا التمييز مهم؛ لأن الخلط بينها قد يؤدي إلى الاعتقاد بأن اللغة هي التي تمنح الإنسان وجوده، بينما الأرجح أن اللغة تمنحه القدرة على تثبيت وجوده في الوعي وصياغته والتفكير فيه والتواصل بشأنه.، من هنا تبدو اللغة وسيطًا بين التجربة والتأمل، وبين الحضور والمعنى. لكن الكتاب يذهب أبعد من ذلك عندما يحاول أن يجعل «أنا موجود» نقطة انطلاق نحو أسئلة القيمة والأخلاق والميتافيزيقا. وهنا تبدأ الحاجة إلى مزيد من الحذر. فكون الإنسان واعيًا بوجوده لا يعني، في ذاته، أنه اكتشف مباشرةً أساسًا أخلاقيًا ملزمًا. الانتقال من: «أنا موجود» إلى: «وجودي ذو قيمة» ثم إلى: «وجود الآخر ذو قيمة» ثم إلى: «ينبغي ألا أقتل الآخر» هو انتقال فلسفي يحتاج إلى مقدمات إضافية. وهذه واحدة من النقاط التي ينبغي أن تخضع للمناقشة النقدية داخل الكتاب.

4. هل اللغة تصنع الفكر أم تنظمه؟

يبدو أن الكتاب يميل إلى منح اللغة وظيفة تكوينية، لا وصفية فقط. وهذه فكرة لها جذور فلسفية متعددة، لكنها لا تعني بالضرورة أن كل تفكير هو تفكير لغوي.

فهناك التفكير البصري، والموسيقي، والحركي، والحدسي، وبعض القرارات التي يبدو أنها تتشكل قبل أن تجد طريقها إلى التعبير اللغوي. كما أن الطفل قد يتعامل مع الأشياء ويستجيب لها قبل امتلاكه اللغة التي يستطيع بها وصف استجابته. ولهذا فإن العبارة الأقوى ليست: «لا تفكير خارج اللغة» بل «اللغة أحد أهم الأطر التي تجعل التفكير الإنساني قابلًا للتنظيم والتثبيت والتراكم والتداول.» والفرق بين العبارتين كبير.

فإذا جعلنا اللغة شرطًا مطلقًا لكل تفكير، وقعنا في حتمية لغوية يصعب الدفاع عنها. أما إذا رأيناها بوصفها بنية مركزية من بنيات الوعي الإنساني، فإننا نستطيع تفسير قوتها دون تحويلها إلى قوة شاملة تبتلع كل ما عداها.

5. اللغة لا تعكس العالم فقط، لكنها لا تخلقه من العدم

ربما تكون هذه هي النقطة المركزية التي ينبغي أن يُقرأ الكتاب كله من خلالها. فاللغة تفعل أكثر من الإشارة. إنها تصنف، وتفرق، وتربط، وتمنح أسماء، وتبني مفاهيم، وتنتج ذاكرة، وتحدد ما يمكن قوله وما يصعب قوله، وتشارك في بناء المؤسسات والهويات والسلطات. لكن هذا كله لا يعني أن اللغة حرة في تشكيل العالم بلا مقاومة. لان «العالم،.. ليس ما هو، وإنما  ما نصنعه من الوجود.هو نتاج بناء مشترك: الحدس يشير، واللغة تصوغ » ص37. لكن هناك مقاومة فالجسد يقاوم اللغة بالمرض والألم والموت. والطبيعة تقاومها بالكوارث والمناخ والمادة. والواقع الفيزيائي لا يتغير لمجرد أننا غيرنا اسمه. وقد نستعمل كلمة «حجر» أو «ماء» بطرق مختلفة ثقافيًا، لكن خصائص المادة لا تصبح اعتباطية بسبب اختلاف القواميس. لذلك تبدو الصيغة الأكثر تماسكًا هي: (اللغة لا تنتج الوجود، وإنما تشارك في إنتاج العالم الإنساني بوصفه عالمًا دالًا ومفهومًا وقابلًا للفعل). وبهذا يصبح العالم نتيجة علاقة بين ما هو موجود وما نفعله رمزيًا بهذا الموجود.

6. من اللغة إلى المنطق والرياضيات: القفزة الأصعب

هنا يدخل الكتاب منطقة أكثر حساسية. إذا كانت اللغة نظامًا رمزيًا، فهل يعني ذلك أن المنطق نتيجة طبيعية لها؟ وهل الرياضيات امتداد متطور للقدرة اللغوية؟ يمكن الدفاع عن وجود علاقة عميقة بين الرمز والرياضيات، لكن الانتقال من العلاقة إلى السببية يحتاج إلى برهان. اذ ينظر الى ان « الرياضية ليست لغة الكون، وإنما هي للغتنا،هي لغة صمت لتنتج نماذج، لا وصفا، فتعيد ترتيب الواقع وفق منطق داخلي » ص157 فالرياضيات ليست مجرد لغة بالمعنى الذي تكون فيه العربية أو الصينية أو الإنجليزية لغات طبيعية. إنها نظام صوري له قواعده وعلاقاته ومستويات تجريده الخاصة. ولهذا ينبغي التمييز بين القولين:

الاول الرياضيات لغة. والقدرة الرمزية التي تظهر في اللغة تشكل أحد شروط إمكان الرياضيات الإنسانية. "

الثاني أكثر احتياطًا من الأول. كما أن السؤال الأهم ليس فقط: هل الرياضيات من إنتاج اللغة؟ بل: لماذا تستطيع البنية الرياضية أن تصف جوانب من العالم الطبيعي بهذه القوة؟ " ص199

وهنا يدخل الكتاب في واحدة من أقدم مشكلات فلسفة الرياضيات والعلم: هل الرياضيات مكتشفة أم مخترعة؟ وهل البنية الرياضية موجودة في العالم أم في العقل أم في اللغة أم في علاقة مركبة بين هذه المستويات؟ إذا لم يحسم الكتاب هذه الأسئلة، فالأفضل ألا يقدم الرياضيات بوصفها مجرد طبقة متقدمة من اللغة، لأن ذلك يختزل مشكلة فلسفية كاملة.

7. حين تتحول اللغة إلى مؤسسة وسلطة

يصبح الكتاب أكثر إقناعًا حين ينتقل من اللغة المجردة إلى اللغة الاجتماعية. فاللغة لا توجد في فراغ؛ إنها تعمل داخل مؤسسات ومجتمعات وقوانين وذاكرات جماعية. كلمة واحدة قد تبدو محايدة في قاموس، لكنها تصبح مختلفة جذريًا عندما تدخل مؤسسة قانونية أو دينية أو سياسية.

«مواطن»، «مجرم»، «لاجئ»، «عدو»، «شهيد»، «خائن»، «مقدس»، «استثناء»؛ ليست مجرد ألفاظ وصفية، بل يمكن أن تتحول إلى أوضاع اجتماعية وقانونية وأخلاقية. وهنا يصبح السؤال: متى تتحول الكلمة من وصف الواقع إلى تنظيم الواقع؟

هذه النقطة تفتح الكتاب على تقاليد فلسفية وسوسيولوجية واسعة، من الهرمنيوطيقا إلى البنائية الاجتماعية وفلسفات الخطاب والسلطة.

لكن ينبغي الحذر مرة أخرى من رد كل السلطة إلى اللغة؛ فاللغة لا تعمل وحدها. إنها تعمل داخل مؤسسات، وأجهزة، وعلاقات قوة، ومصالح مادية، وممارسات يومية. ومن ثم الكلمة قد تشرعن المؤسسة، لكن المؤسسة بدورها تمنح الكلمة قوتها. وبذلك لا تعود العلاقة: اللغة، الواقع، بل تصبح علاقة دائرية أكثر تعقيدًا: اللغة تشكل الممارسة، والممارسة تعيد إنتاج اللغة، والمؤسسة تثبت المعنى، والمعنى يعيد إنتاج المؤسسة.

8. الأخلاق: حين تصبح اللغة أداة للتبرير

من أكثر الانتقالات طموحًا في الكتاب انتقاله من فلسفة اللغة إلى الأخلاق. وهنا تظهر فكرة شديدة الأهمية: ليست الأفعال وحدها التي تحتاج إلى تحليل أخلاقي، بل أيضًا اللغة التي تجعل بعض الأفعال قابلة للتبرير.

فالفعل العنيف قد يعاد تقديمه بوصفه «ضرورة»، والقتل قد يصبح «ضررًا جانبيًا»، والاستثناء قد يصبح «حماية»، والإقصاء قد يتحول إلى «تنظيم»، والتدمير إلى «عملية جراحية». المشكلة هنا ليست في الكلمات وحدها، وإنما في قدرتها على إعادة صياغة الفعل بحيث يبدو مختلفًا أخلاقيًا.

وهذا يجعل اللغة جزءًا من البنية الأخلاقية للفعل. لكن ينبغي ألا نستنتج من ذلك أن تغيير اللغة يغير طبيعة الفعل بالضرورة. فإعادة تسمية القتل لا تلغي الموت، وإعادة تسمية الإقصاء لا تلغي أثره، وأن التبرير اللغوي لا يساوي التبرير الأخلاقي.

وهنا تظهر المسافة النقدية الضرورية بين: لغة تصف الفعل، ولغة تبرر الفعل، ولغة تكشف ما يحاول التبرير إخفاءه. وهي مسافة تمنح المشروع الأخلاقي للكتاب أهمية خاصة.

9. من «كن» إلى «أنا موجود»: بين اللاهوت والأنطولوجيا

هنا نلمس تحديد اولي بالقول: « فالإنسان لا يقول «كن» للعالم بالمعنى الذي يُنسب فيه الخلق إلى الإرادة الإلهية؛ إنه يقول «هذا» و«ذاك»، ويسمي ويصنف ويؤوّل ويعيد بناء العالم الرمزي الذي يعيش فيه. وهنا تظهر الحدود الضرورية بين خلق الوجود وتشكيل العالم الإنساني». ص١٩١

اذ يضع تقابل « الحدث الإلهى (كن) مقابل الحدس الإنساني «أنا موجود) (كن) الإلهي هو الحدث الأصلي وهو الوجود ذاته، كما في القرآن الكريم: لبديع السماوات والارض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون» (سورة (البغرة: ١١٧)، بما يجعل الكلمة الإلهية حدثاً أنطولوجياً خارج الزمن والمكان» ص١٩١.

هنا نلمس كيف تكتسب ثنائية «كن» و«أنا موجود» موقعًا رمزيًا مركزيًا في هذا البناء. «كن» تشير إلى حدث الوجود من جهة الأمر الإلهي، بينما «أنا موجود» تشير إلى لحظة الوعي الإنساني بهذا الوجود ؛ لكن يجب ألا يُعامل الاثنان وكأنهما متطابقان من حيث المستوى الفلسفي. وهذا يظهر مما سبق ويمكن القول ان «كن» تنتمي إلى تصور لاهوتي للخلق، في حين «أنا موجود» تنتمي إلى خبرة أنطولوجية أو تأمل ذاتي في الوجود. ومن ثم فان الجمع بينهما يمكن أن يكون خصبًا إذا ظل بوصفه مقارنة بين مستويين من السؤال عن الوجود، لكنه يصبح إشكاليًا إذا استُخدم كبرهان مباشر على أن الوعي الإنساني يعيد إنتاج فعل الخلق. وهذا يظهر من خلال قوله: « أما (أنا موجود) الحدسي فهو هذا الحدث الإلهي نفسه داخل الذات البشرية، وبالتالي، فالحدس الإنساني ليس منفصلاً عن (كن) الإلهي، بل وجه منه داخل الذات الواعية، مما يحفظ الوحدة البنائية بين الإنساني والإلهي. بمعنى أن (كن) هي نفسها (أنا موجود) وهي البداية الأزلية للوجود، أو ما أسميناه بالانفجار الأنطولوجي» ص١٩١.

تكشف الفقرة انتقالًا غير محسوب من المقارنة إلى المطابقة الأنطولوجية؛ فـ«كن» في الخطاب اللاهوتي فعل خلق، بينما «أنا موجود» خبرة وعي بالوجود، ولا يترتب على الثانية أنها امتداد للأولى إلا بافتراض ميتافيزيقي سابق. والأكثر إشكالًا هو تحويل اللغة من وسيط لإنتاج المعنى إلى حدث أنطولوجي ينتج الواقع ذاته؛ فقول الإنسان «هذا» لا يخلق الموجود، بل يخلق طريقة ظهوره داخل عالمه الرمزي. كذلك فإن ترتيب «اللغة، المنطق، الرياضيات» يبدو خطيًا ومغلقًا، بينما تتداخل هذه المستويات تاريخيًا ومعرفيًا وتتبادل التأثير. لذلك يبدو التعالي الميتافيزيقي في افتراض وحدة بنيوية بين «كن» و«أنا موجود»، وفي نقل قدرة الخلق من الإله إلى اللغة والوعي دون تمييز صارم بين الوجود، وإدراك الوجود، وتمثيله رمزيًا.

10. ماذا يضيف الكتاب إلى سؤال الوعي؟

أهم ما يمكن استخلاصه من الكتاب أن الوعي لا ينبغي أن يفهم بوصفه غرفة مغلقة يوجد فيها «أنا» ثم ينظر منها إلى العالم. الوعي نفسه منخرط في شبكة من الرموز. ومن ثم نحن لا نكتفي بأن نعي الأشياء؛ نحن نعيها بوصفها أشياء معينة.

نحن لا نرى الحدث فقط؛ نراه بوصفه انتصارًا أو هزيمة، جريمة أو ضرورة، تضحية أو عبثًا، بداية أو نهاية. وهذا يعني أن الوعي ليس مجرد استقبال للمعلومات، بل عملية تنظيم للخبرة. لكن هنا أيضًا يجب ألا تتحول اللغة إلى تفسير شامل للوعي. ولعل مفهوم (اللغة الشاملة» فهي تشمل كل نظام رمزي ينتج المعنى، سواء كان ذلك كلمات، أو رموزاً رياضية، أو نماذج علمية، أو طقوساً دينية، أو حتى سياقات رقمية. ص١٩١وعلى الرغم من هذا فان الوعي يتصل بالجسد والجهاز العصبي والذاكرة والانفعال والانتباه والإدراك والتجربة السابقة، واللغة أحد مكوناته الكبرى، وليست بالضرورة مصدره الوحيد.

ومن هنا فإن المشروع يصبح أكثر قوة عندما ينظر إلى اللغة بوصفها وسيطًا بين مستويات متعددة من الوجود الإنساني بدل جعلها الأصل الوحيد لكل شيء.

11. القوة الحقيقية للكتاب ومشكلته الأساسية

إذا أردنا أن نقرأ الكتاب نقديًا بعيدًا عن الإعجاب أو الرفض، فإن قوته الأساسية تكمن في أنه يرفض التصور البسيط للغة بوصفها قاموسًا محايدًا، ويدفعنا إلى رؤية العالم الإنساني بوصفه عالمًا يتشكل من خلال: (التسمية والتصنيف والتفسير والرمز).

أما مشكلته الأساسية المحتملة فهي اتساع الطموح النظري. فحين تنتقل الأطروحة من اللغة إلى الوجود، ومن الوجود إلى الوعي، ومن الوعي إلى المنطق، ومن المنطق إلى الرياضيات، ومن الرياضيات إلى الأخلاق والسياسة والتقنية، يصبح كل انتقال بحاجة إلى برهنة مستقلة. وهنا ينبغي أن نفرق بين التشابه البنيوي والعلاقة السببية:

1. كون اللغة والرياضيات نظامين رمزيين لا يثبت أن الرياضيات نتاج اللغة.

2. وكون اللغة تؤثر في الوعي لا يثبت أن الوعي نتاج اللغة وحدها.

3. وكون اللغة تستطيع تبرير العنف لا يثبت أن العنف نتاج اللغة.

4. وكون الإنسان لا يستطيع التعبير عن العالم إلا رمزيًا لا يثبت أن العالم نفسه رمزي في وجوده. ص190

هذه الفروق ليست اعتراضات خارجية على المشروع، بل هي الاختبارات التي ينبغي أن يمر بها لكي يتحول من رؤية فلسفية واعدة إلى نظرية متماسكة.

12. ما الذي يبقى بعد اللغة؟

وربما هنا يكمن السؤال الأكثر إثارة الذي يتركه الكتاب وراءه:

1. إذا كانت اللغة تعيد تشكيل العالم، فهل يوجد عالم يمكن أن يقاوم هذا التشكيل؟

2. إذا كان الرمز يمنح الأشياء معناها، فماذا يحدث عندما لا يعود الرمز قادرًا على احتواء التجربة؟

3. إذا كان الوعي يمر عبر اللغة، فماذا نفعل بالصمت، وبالألم، وبالحضور الجسدي، وبالتجارب التي تسبق القدرة على التعبير؟

وهنا يعود الكتاب، من حيث لا يريد ربما، إلى السؤال الذي بدأ منه: هل اللغة هي بداية العالم الإنساني، أم أنها مرحلة في علاقة أوسع بين الوجود والوعي والرمز؟ إذا كانت اللغة هي كل شيء، فلن نستطيع تفسير ظهورها. وإذا كانت اللغة لا شيء سوى أداة، فلن نستطيع تفسير قوتها في تشكيل التجربة.

وبين هذين الطرفين يمكن أن يظهر التصور الأكثر اتزانًا: الإنسان لا يخترع الوجود باللغة، لكنه لا يعيش وجوده الإنساني خارج عمليات: (التسمية والتفسير والرمز). وبذلك لا يكون العالم مجرد مادة صامتة، ولا يكون مجرد نص لغوي؛ إنه ينشأ، بالنسبة إلى الإنسان، في منطقة التفاعل بين ما هو موجود، وما يُدرَك، وما يُسمّى، وما يُفسَّر، وما يُفعل.

وهذه هي النقطة التي تجعل كتاب «الوجود والوعي: كيف تعيد اللغة تشكيل العالم» أكثر من كتاب في فلسفة اللغة؛ إنه محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الوجود والوعي والرمز، ومحاولة للإجابة عن سؤال يبدو بسيطًا في بدايته لكنه شديد العمق في نتائجه: حين نقول إننا نرى العالم، فهل نحن نراه كما هو، أم نراه كما أصبح ممكنًا لنا أن نراه؟

غير أن قيمة هذا السؤال لا تتوقف على الإجابة بأن اللغة تصنع العالم، بل ربما تبدأ من رفض هذه الإجابة إذا صيغت بإطلاق. فاللغة لا تستطيع أن تلغي المادة، ولا أن توقف الموت، ولا أن تغير قوانين الطبيعة بمجرد تسميتها، لكنها تستطيع أن تجعل الموت مأساة أو قدرًا أو عبورًا، وأن تجعل الجسد موضوعًا طبيًا أو دينيًا أو قانونيًا أو جماليًا، وأن تحول الأرض إلى وطن، والحدود إلى قانون، والذاكرة إلى هوية، والاختلاف إلى صراع أو إلى معرفة.

لذلك فإن السؤال الفلسفي الأكثر دقة ليس: هل اللغة تصنع العالم؟ بل: أي عالم تصنعه اللغة، وفي أي حدود، وبأي شروط، وتحت أي علاقات من القوة والمعرفة والتجربة؟

عند هذه النقطة تحديدًا ينتقل الكتاب من أطروحة عن اللغة إلى سؤال عن الإنسان نفسه؛ فالإنسان ليس مجرد كائن يتكلم، وإنما كائن يعيش في عالم صار قابلًا للمعنى لأنه دخل في شبكة من الرموز، ثم عاد هذا العالم الرمزي ليؤثر في طريقته في الرؤية والرغبة والحكم والفعل.

ومن هنا تظل المسألة مفتوحة، وربما ينبغي أن تبقى مفتوحة: فاللغة لا تقف خارج العالم لكي تصفه، ولا تقف وحدها داخله لكي تخلقه؛ إنها إحدى القوى التي يتوسط بها الإنسان بين وجود يسبقه ووعي يحاول فهمه وعالم يريد أن يسكنه ويعيد تنظيمه.

وهنا بالضبط تكمن القيمة الفلسفية الحقيقية للكتاب: ليس في إثبات أن اللغة تخلق العالم، وإنما في جعلنا نشك في بساطة العبارة التي نقول بها إننا «نعيش في العالم»؛ إذ ربما نعيش دائمًا في عالم مزدوج: عالم يوجد قبل أن نسميه، وعالم آخر يتشكل عندما نسميه، وبين العالمين تتحرك التجربة الإنسانية كلها.

13. ممكنات الحوار مع اطروحة الكتاب

يمكن أن يكون الكتاب عتبة نظرية مهمة في مشروع «فلسفة العبور»(2)، لا بوصفه نظرية جاهزة للتبني، بل بوصفه مدخلًا ينقل سؤال العبور من التحول والحدود والسيولة إلى اللغة بوصفها إحدى الآليات التي تجعل العبور ممكنًا ومقروءًا، وفي الوقت نفسه إحدى الآليات التي تعيد إنتاج الحدود وتثبيتها.

تلتقي فلسفة العبور مع الكتاب أولًا في رفض النظر إلى العالم الإنساني بوصفه معطًى خامًا مكتملًا. فالإنسان لا يقف أمام عالم جاهز ثم يضع عليه الأسماء، بل يدخل في علاقة مع الموجود، فيدركه ويسميه ويصنفه ويؤوله ويمنحه قيمة، ثم تتحول هذه المعاني إلى ممارسات وذاكرة وهوية ومؤسسات وسلطة. ومن هنا يمكن توسيع معادلة فلسفة العبور:  (الوجود، التحول، الحركة، الحد، العبور، المعنى، التعدد، العلاقة)، بحيث تصبح اللغة إحدى البنى التي تنتقل عبرها التجربة من الوجود إلى العالم الإنساني.

لكن فلسفة العبور تنقل السؤال من: كيف تعيد اللغة تشكيل العالم؟ إلى سؤال أكثر تحديدًا: كيف تعيد اللغة تشكيل الحدود التي يتحرك داخلها العالم الإنساني؟ فاللغة لا تقول فقط «هذا إنسان»، بل تستطيع أن تقول: (مواطن، أجنبي، لاجئ، عدو، صديق، مؤمن، كافر، أصيل، دخيل، مقدس، مدنس). وهنا لا تعود التسمية مجرد وصف، بل تصبح فعلًا يرسم حدودًا اجتماعية وقانونية وثقافية. غير أن الحدود، في فلسفة العبور، ليست جدرانًا نهائية، بل هي أيضًا معابر محتملة. لذلك يمكن أن تعمل اللغة في اتجاهين: لغة تثبت الحد، ولغة تعيد فتحه. ومن هنا يظهر مفهوم «اللغة العابرة»: اللغة التي لا تكتفي بتثبيت الأشياء داخل هويات مغلقة، بل تكشف قابليتها للتحول وإعادة التسمية.

غير أن الاختلاف الأعمق مع أي تصور يجعل اللغة منشئة للعالم يكمن في رفض اختزال الوجود فيها. فاللغة لا تخلق الوجود، وإن كانت تشارك في تشكيل العالم الإنساني الذي نفهمه ونعيش داخله. الألم يحدث قبل أن نسميه، والموت يقع قبل أن نمنحه اسمًا، والماء موجود قبل أن نقول «ماء»، والجسد يتألم ويتحرك قبل اكتمال التعبير اللغوي عنه. لذلك يمكن القول: اللغة لا تخلق الوجود، لكنها تدخل في عبور الوجود من الحضور إلى العالم الإنساني. وما قبل اللغة ليس عالمًا مكتملًا يمكن الوصول إليه من الخارج، بل عتبة تشير إلى أن الموجود لا يختزل في الطريقة التي نصفه بها. ومن هنا قاعدة مهمة: كل تسمية تكشف شيئًا من الموجود، لكنها لا تستنفده.

وتصبح اللغة، وفق ذلك، حدًا ومعبرًا في آن واحد. فهي تحدد المعنى، لكنها تفتح إمكانات جديدة له؛ تصنف الأشياء، لكنها تسمح بإعادة تصنيفها؛ تثبت الهوية، لكنها تستطيع تفكيكها؛ تحفظ الذاكرة، لكنها تستطيع إعادة تأويلها؛ تنتج السلطة، لكنها تستطيع مساءلتها. لذلك يمكن صياغة مبدأ مركزي: اللغة حدّ حين تثبت المعنى، ومعبر حين تفتحه على إمكان آخر.

وتتضح أهمية ذلك في مفهوم الهوية العابرة. فالهوية لا تتكون من الانتماء الواقعي وحده، بل من أسماء وتصنيفات تمنح الإنسان موقعًا وحقوقًا وحدودًا. حين تقول المؤسسة «هذا مواطن» فهي لا تصف فقط، بل تنتج وضعًا قانونيًا؛ وحين تقول «هذا أجنبي» ترسم حدًا سياسيًا؛ وحين تقول «هذا عدو» تعيد بناء العلاقة معه. لذلك التسمية لا تصف الهوية فقط؛ إنها تشارك في إنتاج حدودها الاجتماعية والسياسية. وبما أن الهوية قابلة لإعادة التسمية وإعادة التفاوض، فإنها لا تكون جوهرًا نهائيًا، بل تثبيتًا مؤقتًا قابلًا للعبور.

ومن هنا تتصل اللغة بالسلطة والذاكرة: اللغة تنتج المعنى، والمعنى ينتج التصنيف، والتصنيف ينتج الحدود، والحدود تدخل المؤسسة، والمؤسسة تثبت المعنى، والمعنى يعيد إنتاج السلطة. غير أن السلطة لا تختزل في اللغة؛ فاللغة والممارسة والمؤسسة والذاكرة والسلطة تدخل في علاقة متبادلة. وبذلك تضاف اللغة إلى قانون فلسفة العبور: العبور ينتج الحدود، والحدود تنتج الثبات، والثبات ينتج الهوية، والهوية تنتج السلطة، والسلطة تحاول إعادة إنتاج الحدود؛ في حين تسمي اللغة هذه الحدود وتمنحها قابلية التداول، ويعيد الفكر مساءلة الأسماء وفتح الحدود من جديد. ففلسفة العبور لا تحتاج إلى القول إن اللغة تصنع العالم، بل إلى القول إن الوجود حين يعبر إلى العالم الإنساني يدخل شبكة التسمية والتفسير والتصنيف والرمز، ومنها تتشكل المعاني والهويات والمؤسسات، لكن هذا العالم اللغوي يظل قابلًا للعبور لأن ما تسميه اللغة لا تستنفده، وما تثبته الحدود لا يغلق إمكان تجاوزها.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

....................

الهوامش

1. منذر جلوب، الوجود والوعي  كيف تعيد اللغة تشكيل العالم؟ دار نابو، ط1، بغداد 2026.

2. فلسفة العبور هي مقاربة فلسفية تتشكل عبر مجموعة من الدراسات التي لا تنطلق من افتراض اكتمال نظرية مسبقة، بقدر ما تنخرط في اختبار مستمر لأدواتها ومفاهيمها وقدرتها على محاورة أنماط متعددة من التفكير الفلسفي والمعرفي والإنساني. وهي، بهذا المعنى، ليست مجرد منهج لقراءة الفلسفات الأخرى، ولا إطارًا تأويليًا يُسقط على موضوعات متباينة، وإنما محاولة لبناء مبانٍ فلسفية مستقلة تتكشف ملامحها تدريجيًا عبر الاشتباك مع أسئلة الوجود والتحول والحدود والهوية واللغة والإنسان والممكن. لذلك فإن علاقتها بالفلسفات الأخرى تقوم على العبور بينها لا على الذوبان فيها؛ تستعير السؤال، وتفحص المفهوم، وتختبر الحد، ثم تعيد تركيب ما تعبره ضمن أفقها الخاص. ومن هنا تأتي قيمة هذه المقاربة: إنها لا تدّعي امتلاك نسق مغلق، بل تختبر إمكان تأسيس فلسفة مفتوحة، تتعدد تطبيقاتها وحقولها، بينما يحتفظ كل حقل بمبناه الفلسفي الخاص، وتظل بينها وحدة عميقة قوامها مفهوم العبور بوصفه بنية للتحول وإعادة إنتاج الممكن.

يمتاز كتاب "دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة"، الصادر في جزئين، للدكتور عبد الجبار الرفاعي بأسلوب مميز. يشبه في حركته طائر الفلامنغو حين يبدأ طيرانه قريبا من الأرض، ثم يأخذ بالارتفاع شيئا فشيئا حتى يحلق بعيدًا. هكذا بدا لي أسلوب الرفاعي في هذا الكتاب: يبدأ بأفكار قد تبدو، للوهلة الأولى، بسيطة ومألوفة، أفكار يمكن لأي إنسان أن يفكر فيها أو يقول شيئًا قريبًا منها، لكنه لا يلبث أن يأخذ القارئ معه إلى مسافات أبعد، حتى يجد نفسه أمام أسئلة وأفكار لم يكن يتوقع أن تقوده إليها تلك البداية الهادئة.

يذكرني هذا الأسلوب بشعراء المدرسة الرومانسية، وعلى رأسهم ويليام ووردزورث، الذي أراد أن يجعل الإنسان العادي وحياته اليومية ولغته البسيطة مادة جديرة بالشعر والتأمل. جاءت الرومانسية في سياق ثقافي كان لا يزال متأثرًا بهيبة العقلانية ولغة التنظير الفلسفي في عصر التنوير، لذلك بدت بساطتها، في أحد وجوهها، نوعًا من التمرد على اللغة التي تجعل المعرفة حكرًا على طبقة محدودة من القراء. لم تكن المسألة أن فلاسفة التنوير جميعا تعمدوا إقصاء الناس بلغة معقدة، بقدر ما أن الخطاب الفكري السائد كان قد اكتسب لغة اصطلاحية ونخبوية يصعب على القارئ العادي الدخول إليها.

ولهذا كان ظهور الرومانسية بلغتها القريبة من التجربة اليومية تحولا لافتًا في المشهد الأدبي الأوروبي، ولا سيما في إنكلترا. وقد دافع ويليام وردزورث "1770 – 1850" الشاعر الرومانسي الإنجليزي عن هذا الاختيار في مقدمته الشهيرة لـ "القصائد الغنائية" حين تحدث عن الاقتراب من اللغة التي يستخدمها الناس في حياتهم الفعلية، وعن البحث في المشاعر الإنسانية الأساسية بعيدًا عن الزخرفة المصطنعة. لم تكن البساطة عنده فقرًا في الفكرة، وإنما كانت محاولة لجعل العمق كامنًا تحت سطح يبدو صافيًا ومألوفًا. وربما هنا تحديدًا أجد الصلة بينه وبين الرفاعي: الفكرة لا تحتاج دائمًا إلى أن تبدو معقدة كي تكون عميقة، وأحيانًا يكون بلوغ البساطة أصعب من إنتاج التعقيد.

لا أعرف إن كان الرفاعي قد تعمد في هذا الكتاب العمل بهذه المنهجية أم أنها حالة طبيعية من أسلوبه في الكتابة والتفكير، لكنني وجدت شبهًا واضحًا بين طريقته وبين ذلك التحول الذي أحدثته الرومانسية في مفهوم الكتابة. القارئ لا يشعر منذ البداية أنه يدخل إلى معركة فلسفية أو إلى شبكة ثقيلة من المصطلحات، وإنما يدخل من باب تجربة إنسانية مألوفة، ثم يكتشف، بعد صفحات، أنه أصبح في قلب سؤال فلسفي أو ديني شديد التعقيد.

كنت أنوي في البداية قراءة المقدمة فقط لأتعرف على هوية الكتاب والموضوعات التي يتناولها في جزأيه، لكنني انتبهت، وأنا أقترب من نهاية الجزء الأول، إلى أنني واصلت القراءة من دون أن أشعر. ثمة هدوء خاص في طريقة الرفاعي في طرح أفكاره. وأجد كتاباته عموما، وهذا الكتاب على وجه الخصوص، أشبه بمحطة استراحة من الضجيج الفكري والصراع النظري الذي يكاد يرافقني منذ اليقظة حتى النوم.

لا يعني هذا أن الكتاب خال من الأسئلة الصعبة، بل العكس؛ غير أنه يطرحها بطريقة لا تحول التفكير إلى خصومة، ولا تجعل الفلسفة استعراضا للمصطلحات. ثمة فرق بين كتاب يدفعك إلى التفكير وكتاب يجعلك تشعر بأنك في امتحان مستمر لإثبات قدرتك على فهمه، والرفاعي ينتمي، في هذا الكتاب، إلى النوع الأول.

أما المقطع الذي شدني أكثر من غيره، وعدت إلى قراءته عدة مرات، فهو النص الثامن، الذي ورد فيه: "الدين لا يموت، ما يموت هو الصور المتوحشة العنيفة لله التي صنعها الإنسان. ما يموت هو كل شيء يصنعه الإنسان، ويضع الدين في مواجهة الاحتياجات الأساسية للروح والقلب والعواطف والضمير الأخلاقي والعقل والجسد. الله حيّ لا يموت، ما يموت هو ما يصنعه الإنسان من صورٍ لله، يستعملها في خدمة مصالحه واحتياجاته للاستحواذ على المال والثروة والسلطه باسم الله". لم أجد من قبل تفسيرًا بهذه الصياغة لمسألة الله وصورة الله في أذهان البشر. يرى الرفاعي أن الذي يتغير عبر التاريخ ليس الله، وإنما تصور الإنسان عن الله. وهذه الفكرة، على بساطتها الظاهرة، تفتح بابًا واسعًا لفهم تاريخ الأديان والخلافات المذهبية والثقافية حول المقدس.

وقد أثارت هذه الفكرة لدي تداعيًا لاكانيًا. لا أقول إن الرفاعي يستخدم مفهوم جاك لاكان عن "الواقع" أو الـReal  بالمعنى الاصطلاحي نفسه، فالمفهومان ينتميان إلى نظامين فكريين مختلفين، لكن ثمة تشابها يمكن أن يكون مثمرًا في القراءة. هناك دائمًا مسافة بين الشيء وبين الصورة التي يبنيها الإنسان عنه داخل اللغة والرموز. عند لاكان، لا يمكن للنظام الرمزي أن يستوعب الـReal  استيعابًا كاملًا، فهو ما يقاوم الاكتمال داخل اللغة والتمثيل. ومن هنا يمكن، على سبيل المقاربة لا المطابقة، قراءة فكرة الرفاعي على أن الله يتجاوز الصور التي تنتجها الأديان والفرق والثقافات والجماعات عنه، لان تصورات البشر تنتمي إلى عالم اللغة والتاريخ والثقافة والمتخيل، لذلك تظل متغيرة ومتعددة.

بهذا المعنى، يشير الرفاعي بصورة ضمنية إلى قدر من العبث في الصراعات الدينية التي يحاول فيها كل طرف أن يحول تصوره التاريخي والثقافي عن الله إلى صورة نهائية مطلقة، ثم يطالب الآخرين بالخضوع لها. وهو يصرح في المقطع اللاحق بأن "تصورات الإنسان عن الله لا حصر لها، تتنوع وتتعدد هذه التصورات بتعدد وتنوع المجتمعات والأديان والفرق والثقافات والعصور". تكمن أهمية هذه الفكرة في أنها تنقل النقاش من السؤال: مَن يمتلك الصورة الصحيحة لله؟ إلى سؤال أكثر تواضعًا وأشد تعقيدًا، وهو إلى أي حد يستطيع الإنسان أصلًا أن يفصل بين الله وبين الصورة التي صنعها عنه داخل ثقافته ولغته ومتخيله وتاريخه؟ وهنا تتحول المسألة من خلاف عقائدي فقط إلى سؤال في المعرفة واللغة وحدود الإدراك الإنساني.

ويرتبط بذلك نقاشه لمسألة لاتاريخية الدين، خلافًا لتصور شائع يتعامل مع الدين وكأنه حقيقة تدخل التاريخ من خارجه وتبقى، في جميع العصور، بالصيغة نفسها؛ تؤثر في المجتمعات ولا تتأثر بها. لكن ما يحدث تاريخيا أكثر تعقيدا من ذلك. فحتى عندما يعتقد المؤمن بثبات الأصل المقدس، تبقى قراءة هذا الأصل وفهمه وتأويله وتطبيقه خاضعة لشبكة واسعة من المؤثرات الثقافية والسياسية والقومية والاقتصادية والاجتماعية. ولذلك لا يكون التاريخ مجرد مسرح يتحرك عليه الدين، بل يدخل التاريخ نفسه في تشكيل الصورة التي يفهم الناس الدين من خلالها.

في ضوء ذلك يمكن التمييز بين الدين بوصفه إيمانًا أو وحيًا في تصور المؤمن، وبين الدين بوصفه تجربة بشرية وتاريخًا ومؤسسات وتأويلات. الأول يمكن أن يعتقد المؤمن بثباته، أما الثاني فلا يمكن عزله عن التاريخ. ولعل جزءًا كبيرًا من الالتباس في النقاشات الدينية يأتي من الخلط بين المستويين، أي اعتبار التفسير البشري المتغير امتدادًا مباشرًا ومطابقًا للمقدس الثابت.

وأثناء القراءة كنت أجد ظلالًا لفلاسفة ومفكرين مختلفين أمثال كيركغورد وكانط وهايدغر وكارل يونغ وجاك لاكان ودولوز. لا أعني بذلك أن الرفاعي يكرر هؤلاء أو يستعير أنظمتهم الفلسفية بصورة مباشرة، وإنما أن بعض الأسئلة التي يطرحها تفتح لدى القارئ الذي يعرف هذه الفلسفات مسارات للمقارنة معها. لكن الاسم الذي كان حضوره بالنسبة إلي أوضح من الجميع هو سورين كيركغورد، ذلك الفيلسوف الدنماركي الذي جعل الإيمان تجربة وجودية فردية مرتبطة بالقلق واليأس والاختيار والمفارقة، ولم يتعامل معه بوصفه منظومة عقلية مغلقة يمكن البرهنة عليها كما تبرهن المسائل المنطقية. وكان الرفاعي قد خصص العدد المزدوج "55 - 56" الصادر سنة 2013، من مجلته "قضايا إسلامية معاصرة" لدراسة هذا الفيلسوف بمناسبة مرور 200 سنة على ولادته، في محور بعنوان: "الإيمان الوجودي وديانة الضمير الفردي: سورين كيركغورد 1813 - 1855".

سبق أن قلت للرفاعي مرة إنه يمثل في بعض جوانب مشروعه امتدادًا إسلاميًا يمكن أن يذكرني بكيركغورد. ولا أعرف طبيعة تقبله لهذه القراءة، أكانت إيجابية أم سلبية. لكن المؤلف، مهما حاول أن يحدد مسارات قراءة نصه، لا يستطيع أن يتحكم تمامًا في الصورة التي تتشكل في ذهن القارئ. فالكتاب بمجرد خروجه من يد مؤلفه، يدخل في خبرات قرائه ومكتباتهم الفكرية الخاصة. وأنا لا أقرأ الرفاعي من فراغ، وإنما أقرأه من خلال ما تراكم لدي من جاك لاكان وكيركغورد وهايدغر وغيرهم. لهذا قد أجد في نصه قرابات فكرية لم يقصدها هو أصلًا.

وما يجمع كيركغورد والرفاعي في تجربتي كقارئ ليس العبث بمعناه العدمي، وإنما الاعتراف بحدود العقل أمام بعض الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى. كلاهما، بطريقته الخاصة، يعيد الإنسان من صخب الأنظمة الكبرى إلى تجربته الفردية مثل: إيمانه وقلقه وهشاشته وحاجته إلى المعنى وعلاقته بذاته وبالآخر وبالله. وربما لهذا أجد هذه المساحة الوجودية لذيذة عند كيركغورد والرفاعي معًا. فهي لا تقدم إجابات جاهزة بقدر ما تخفف من وهم ضرورة الإجابة عن كل شيء.

في عالم مزدحم بضجيج الأفكار وبالصراعات التي يريد كل طرف فيها أن يثبت امتلاكه للحقيقة، تبدو الكتابة التي تعلم الإنسان شيئًا من التواضع أمام المعنى أكثر أهمية من الكتابة التي تضيف نظرية جديدة إلى نظريات الصراع. وهذا ما وجدته في "دروب المعنى". لا يطلب الكتاب من قارئه أن يتوقف عن التفكير، بل يحاول الكتاب هنا أن يمنح القارئ وسط التفكير، مساحة للتنفس.

***

د. مجتبى الحلو - باحث وأستاذ جامعي عراقي

   كيف نتصور مدينة كبرلين عشية حرب عالمية تسدل ستارها؟ وكيف لمدينة تغمض عينيها وتنام على أحزانها تلك الليلة والحرب تضع أوزارها؟.. أي أحزان؟! بعد كل ذلك الهول الذي أصابها لتبقى جرحا ينزف في خاصرة إنسانها البسيط.. مدينة تنشطر إلى نصفين، وفي العين ثم جدار ظل شاهدا على مأساة مابين عالمين انقسما في برلين ذاتها إلى شرق وغرب.. في حين أن الحجر العازل الممتد كأفعوان فصل اﻷجساد عن القلوب! انفعالات ورسومات على ذلك الجدار ظلت تشي بتمزق أواصر العائلة الواحدة!.. يقال أن سكان برلين كانوا يتواصلون عن قرب لسنوات طويلة بين طرفي الجدار المزعوم، وبالرغم من وجوده كان العلو يسمح بالرؤية واﻷطمئنان ففي مساءات ثقيلة قد يصعد الحنين في قلب رجل عجوز ليطمئن على حفيده في الطرف اﻵخر، في حين قد تومئ أم لابنتها وبقية العائلة من وراء ذلك الجدار في الجهة المقابلة!.. أي مأساة تلك؟! لكننا سنرجع قبل ذلك بسنوات حين كان الجرح لازال طريا والعصف المريع عقب نهاية الحرب يؤسس لكل مايمكن أن يخطر على قلب بشر من وحشية ودمار لا يتخيله عقل..

 السكين والمحز

الجنود هم الجنود.. والمنتصر كاتب تاريخ مزيف على حجر ميت.. فالمنتصر باستطاعته أن يبول على كل القيم ويحصد خريف أيام الجوه الكابية، وحين يصبح الانتهاك في الروح عبر الجسد فقط يكون القهر مطيته، تتغير الوجوه، ويكنس كل ما يقابله بلاستثناء.. حين قرأت كتاب " امرأة من برلين " علمت إلى اي مدى يمكن أن يستسلم الإنسان لمصيره خاصة إذا انقلب عن قناعة راضية لما يمكن أن يحدث له في زمن يتهيأ لهكذا فعل.. إنسان بعد الحرب، والدنيا تسود في عينيه، والعالم بكل رحابته يقرر أن يتخلى عنه.. ولا يبقى سوى السكين والمحز لا ثالث لهما فقط بعد ذلك دع المشيئة تفعل فعلها ذلك أنه في قرارة نفسه يعلم هذا اﻹنسان المنتهك، بأنه لربما كان هو المنتهك نفسه، ولو اختلفت اﻷدوار وكان المنتصر، فالخياران مصير ان، وحالاتان تعودنا عليهما في كل حروب البشرية بين منتصر ومهزوم.. كاتبة المذكرات يبدو في بالها اعتقاد تنام عليه مطمئنة، رغم قسوة التجربة، ومرارة الواقع الذي عاشته وأن كنا نرى أيضا بأن كتابة المذكرات في شكل يوميات، تنام وتسترخى على الذكريات المريحة المصابة بالحنين للماضي، ورصده كحالة نوستولجيا أما كتابة هذه المذكرات يوم بيوم تأتي في ظل التجربة اﻷصعب، وهي تطل على هوة مفزعة من أحداث مابعد الزحف الساحق على مدينة تستباح على مرأى من العالم أجمع، وكأنها تعاقب ممن حولها قصاصا، فهذا مايبدو ثقيلا حتى على القارئ نفسه كتجربة مع هذا الكتاب، وماذا لو كان الراوي لهذه المذكرات امراة تنهض من بين ركام الفوضى والجوع، وحالالت الاغتصاب اليومية لمدينة واقعة تحت الأسر، لتروي ماعاشته بنفسها خطوة بخطوة بل وما تعرضت له من اغتصاب تعرضن له المئات من النساء أكثر من مرة في تلك المدينة! وظل الجانب المسكوت عنه، وألم روايته استعادة لذلك اﻷلم في صيرورته لدى أغلب النساء اللاتي تعرضن له لكن هذه المرأة تروي بشجاعة، وتتعامل مع ماتعرضت له ببرجماتية واقعية فرضت نفسها على واقع الحال..

البرابرة القادمون من الداخل!

 يبدو أن هتلر لم يلعب على تلك الديباجة المعتادة "البرابرة قادمون " كما استعملها غيره من الطغاة بل على العكس ظن نفسه القادم المفزع لكل من حوله كان حسب اعتقاده على تلك الشعوب أن تخافه... لكن بالمقابل ماطعم الخوف الذي عاشه سكان برلين، عشية المساء الدراماتيكي اﻷخير المرعب، ودوي القنابل لازال فوق الرؤوس، ليل نهار وفزع المصير يضرب بأطنابه وجوه بشر ماعادوا كما كانوا! كل مافي تصرفاتهم ينقلب رأسا على عقب... يحكى عن نكتة انتشرت تلك الأيام عن هتلر تقول (كم كنا محظوظين جدا لو اجهض!) العجوز الذي إلى جواري بكى ولم يضحك!.. تمضي صاحبة المذكرات تصف معايشة حياة مابعد الحرب في مدينة كبرلين مورست فيها كل الحزازات التي ظلت مكبوتة في مدن غزاها النازي من قبل، وروع شعوبها وقتها كان الفوهرر يستمد زهوه من آلته العسكرية الساحقة في تقدمها، وهي تخطف اﻷبصار غير مبال بالنتائج. تقول الكاتبة: غريب أمر هذا الرجل ألم يفكر في برلين ولمثل هذا اليوم بالذات هذا شيء لا يصدق!.. والغريب أن تطلب هذه المرأة بالذات (صاحبة المذكرات) من أعدائها الحماية! داخل المدينة فبين حالات اﻷغتصاب الشنيعة التي تعرضت لها وعدد الجنود الذين استباحوها، قررت البقاء على حام واحد لها فقط، ذلك أجدى كما تقول بدل ان تستباح من الكل بل حتى هذا المصطفى الراعي عرضة لتغيير مكان عمله في أي وقت، وهي نتيجة المضطر بالنسبة ﻷمراة ليس لديها خيار سوى المفاضلة بين أمرين احلاهما مر. قيل أن طبيبة أنشأت مستشفى في ملجأ يعالج الأمراض المعدية، وفي الباطن هو حقيقة لتختبئ فيه الفتيات الصغيرات من أجل الحفاظ على عذريتهن! إن النساء والفتيات اللاتي كن يختبئن في مخازن المؤن، وتحت اﻷسرة بوجود عوائلهم حتى لا يغتصبن من الجنود الروس، ذلك أن المنازل عرضة للاقتحام في أي لحظة من قبل الجنود على ساكنيها.. ثمانية أسابيع هي عمر المذكرات بالتاريخ واليوم فهل يفلح هذا الزمن في تحويل امرأة إلى عاهرة؟.. وتدخل في جدل وهي تستعرض أمامها ما كانت تفعله ويتضح أنه يشبه في الحقيقة تلك المهنة القديمة التي استثمرت فيها المرأة جسدها، فالحرة تجوع كما تقول العرب ولا تجود بثدييها فكيف بالجسد؟! وان كان الطعام والشراب، هو كل الثمن الذي يمكن أن تحصل عليه في تلك اﻷيام اﻷولى من نهاية الحرب.. وهل هناك من كرامة تساوي حفظ اﻹنسان ﻵدمية وجوده المهدد في لقمة العيش؟.. لكنها كما تقول تعرض الكاتبة لوحات من البؤس ظلت عالقة لوقت طويل في ذاكرة أصحابها.

***

عبد الحكيم كشاد

كاتب من ليبيا

في موسوعة السرد العربي

ليست المشكلة في الأعمال الكبيرة أنها كبيرة، ولا في المشاريع الطويلة أنها استغرقتْ سنوات من صاحبها، وإنما المشكلة تبدأ حين تتحول ضخامة العمل إلى حُجَّة ضمنية على صحته، ويصبح اتساع المادة بديلًا عن صرامة السؤال، وتصير كثرة الصفحات بديلًا عن قوة البرهنة.

من هذه الزاوية تحديدًا ينبغي أن تُقْرَأ موسوعة السرد العربي، للناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم (وُلد 1957). نحن أمام مشروع واسع يتعقب السردَ العربي من مراحله القديمة إلى السرد الحديث. والموسوعةُ لم تُكتَب دفعة واحدة، بل نشأتْ من دراسات وبحوث وفصول أُعيد تحريرها وجمعها داخل المشروع النهائي. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نجح هذا التراكم الهائل في إنتاج تاريخ نقدي متماسك للسرد العربي أمْ أنه أنتجَ سردية كبرى عن السرد العربي أكثر مما أنتجَ تاريخًا علميًّا نهائيًّا له؟.

أول إشكال منهجي يواجه القارئ هو مفهوم الموسوعة. الموسوعةُ، بالمعنى العلمي الصارم، ليست مجرد عمل ضخم، ولا مجموعة من الدراسات المتجاورة التي يجمعها موضوع واحد. الموسوعةُ تفترض نظامًا واضحًا للتصنيف، وتوازنًا نسبيًّا في التغطية، وضبطًا للمصطلحات، وشبكة إحالات دقيقة، وتعيينًا للحدود بين المواد، وتوازنًا بين ما يُدرَج وما يُستبعَد.

مشروع إبراهيم تشكَّلَ من كُتب وفصول ودراسات مستقلة أُعيدَ تحريرها لكي تصبح جزءًا من بناء أكبر، وقد كان يكتب الفصلَ، ثم يُحوِّله إلى مقالات، ثم يعيد صياغته بحثًا، ثم يجمع الفصولَ في كتاب، ثم يعيد تحريرَ الكتاب ضمن الموسوعة. هذه الطريقة تخلق مشكلةً كبيرة، هل وحدة الموضوع تكفي لصنع وحدة الموسوعة أمْ أن القارئ يظلُّ أمام آثار واضحة لتاريخ النصوص المختلفة التي سبقت اندراجَها في البناء الموسوعي؟.

إنَّ جمع الدراسات في إطار واحد لا يجعلها بالضرورة أجزاء من نظام معرفي واحد. وقد تكون هناك وحدة في رؤية المؤلف، لكن الوحدة الفكرية شيء، والوحدة الموسوعية شيء آخر. وإحدى مشكلات الموسوعة أنها تقع في منطقة ملتبسة بين الموسوعة والتاريخ النقدي والمشروع الشخصي في السرديات. ولا شك أنَّ نوع الكتاب الذي نقرؤه يُحدِّد نوعَ السلطة التي نمنحها لنتائجه. إذا كان كتابًا نقديًّا واسعًا، فمن حق مؤلفه أن ينتقي ويجادل ويقترح، أمَّا إذا قُدِّمَ بوصفه موسوعة، فإنَّ الانتقاء يصبح بحاجة إلى تفسير.

لماذا هذا النص وليس ذاك؟، ولماذا هذا النوع السردي دون غيره؟، ولماذا تُمنَح ظاهرة ما عشرات الصفحات بينما تمرُّ ظاهرة أُخرى مرورًا سريعًا؟، وما هو معيار المركز والهامش والأهمية؟.

الموسوعة لا تكتفي بجرد الأنواع السردية العربية، أو وصف تطورها، وإنما تسعى إلى تفسير الظاهرة السردية ضمن سياق ثقافي عربي واسع، واستخلاصِ ما يمكن تسميته بالسردية العربية.

وعبارةُ " السردية العربية"، تبدو للوهلة الأُولى واضحة، لكنها تصبح شديدة التعقيد حين نبدأ في اختبارها تاريخيًّا. ما المقصود بالعربي هُنا؟، هل المقصود اللغة؟، إذا كان الأمر كذلك، فالمعيار لغوي. هل المقصود الثقافة؟، الثقافة العربية ليست كُتلة واحدة. هل المقصود المجال الحضاري الإسلامي؟، هذا أوسع بكثير من "العربي". هل المقصود المجتمعات التي أنتجتْ نصوصًا باللغة العربية؟، هذا يفتح البابَ أمام اختلافات مذهبية وإقليمية وإثنية وثقافية هائلة.

لهذا فإنَّ استعمال مصطلح " السردية العربية" قد يوحي بِقَدْرٍ من التجانس أكبر مما تسمح به المادةُ التاريخية. السردُ المُنْتَجُ في العراق ليس بالضرورة نُسخة من السرد المُنْتَج في مصر أو المغرب أو الشام أو الجزيرة العربية. والسردُ الديني ليس السرد التاريخي، والسيرة الشعبية ليست المقامة، والخبر ليس الحكاية الخرافية، والرحلة ليست الرواية.

في سياق الحديث عن " السردية العربية" يجب التمييز بين ثلاثة أمور: التأثير المباشر، والتشابه الثقافي، وإعادة الإنتاج التاريخي.

ووجودُ عناصر حكائية أو تقنيات سردية متشابهة بين نص قديم ورواية حديثة لا يثبت وحده أنَّ الرواية الحديثة تشكلت من ذلك النص أو النوع. والتاريخُ الأدبي يحتاج إلى أدلة انتقال، وليس التشابه وحده. وإذا قُلنا إن الرواية العربية لم تولد من تقليد الرواية الأوروبية، فهذا لا يعني تلقائيًّا أنها نتاج مباشر لتفكك الأشكال السردية العربية القديمة. قد يكون الواقع أكثر تركيبًا وتعقيدًا، فهناك تأثيرات أوروبية، وترجمة، وصحافة، وتعليم حديث، وتغيُّر في بنية المدينة، ونشوء جمهور قارئ، وتغيُّر في مفهوم الفرد والجماعة، وتحولات سياسية، وانتقالات في مفهوم الزمن والتاريخ، واستمرار بعض التقاليد الحكائية، وتداخل كُلِّ ذلك في لحظة تاريخية واحدة.

لذلك فإنَّ أي تفسير كُلي لنشأة الرواية العربية يحتاج إلى شبكة سببيَّة أكثر تفصيلًا مما تسمح به عملية إعادة تشكيل الرصيد السردي.

من الملاحظات المهمة على مشروع إبراهيم أنه يستفيد من السرديات الحديثة، لكنه لا يريد إخضاعَ المادة العربية إخضاعًا آليًّا لنظرية جاهزة. مِن جهة، يريد المشروعُ التحررَ من إسقاطات المصطلحات الغربية على النص العربي، ومن جهة ثانية، فإنَّ كثيرًا من أدوات التحليل الأساسيَّة جاءت أصلًا من تاريخ علم السرد الحديث: الراوي، والمروي، والمروي له، والبنية، والزمن، ووجهة النظر، والوظيفة، وغيرها. وهذا يعني أنَّ الحوار معَ النظريات الحديثة حاضرٌ، لكن مسألة إعادة بناء الجهاز المفاهيمي من داخل المادة العربية تحتاج إلى برهنة أكثر صرامةً وتماسكًا.

من النقاط المركزية في مشروع إبراهيم توسيعُ مفهوم السرد بحيث لا يقتصر على الأدب بالمعنى الضيق، وإنما يشمل المرويات الدينية والتاريخية والثقافية وغيرها. وهذا واضحٌ في اهتمامه بالسرد بوصفه ظاهرة يتقاطع فيها الأدبُ معَ التاريخ والدين والثقافة والذاكرة. لكنَّ توسيع المفهوم شديد الخطورة، وكلما اتَّسع مفهومُ السرد أصبح أقل قدرة على التمييز بين الأشياء. وإذا صار كُلُّ خطاب يحكي أو يُرتِّب الأحداثَ سردًا، فما الذي يبقى خاصًّا بالسرد الأدبي؟.

وإذا كانت الرواية والسيرة والخبر والتاريخ والمقامة والرحلة والخرافة كُلها تدخل في فضاء واحد، فلا بد من معايير شديدة الصرامة لتحديد الفروق بينها، وسِوى ذلك سيتحوَّل السردُ إلى مظلة هائلة تغطي مساحةَ الثقافة كلها، وعندئذ سيفقد المفهومُ قوته التمييزية. والمفهومُ العلمي الجيد لا يُقَاس بقدرته على احتواء أكبر عدد من الظواهر، وإنما بقدرته على تمييز الظواهر المتشابهة من الظواهر المختلفة.

المشروعُ يَحمل اهتمامًا بمشكلة المركز والهامش، ويحرص على نقد المركزيات الثقافية. لكن ثمَّة مشكلة يمكن أن تظهر عندما ننتقل من نقد المركز إلى إعادة بناء مركز جديد.

والقولُ إنَّ السرد كان مُهَمَّشًا أمام الشعر مفيد تاريخيًّا، لكنه لا يكفي لإثبات وجود وحدة سردية متماسكة. كما أنَّ اكتشاف السرد في مواد لَم تكن تُصنَّف باعتبارها أدبًا لا يعني بالضرورة أنَّ تلك المواد كانت تؤدِّي الوظيفة الجمالية نفسها التي يؤدِّيها الأدب.

وهُنا يجب الفصل بين الحكي، والأدبِ السردي، والوعي بالنوع السردي. وعدمُ الفصل الدقيق بين هذه المستويات قد يؤدِّي إلى توسيع التاريخ الأدبي بأثر رجعي. أي إنَّنا نرى السردَ بأعيننا الحديثة داخل نصوص قديمة، ثم نعيد تصنيفَها بناءً على هذا الاكتشاف.

ومِن أقوى الاعتراضات الممكنة على الموسوعة أن العمل الموسوعي لا يُقَاس فقط بما يدرسه، بلْ أيضًا بما يستبعده. وهُنا تصبح قائمة الغياب مهمة مِثل قائمة الحضور. وهناك أنماط سردية وقضايا لم تحظَ في موسوعة إبراهيم بما يكفي من المراجعة. وهُنا يبرز سؤال مهم: إذا كانت الموسوعة تريد رسم تاريخ شامل للسرد العربي، فهل يكفي اختيار " الأنواع الكبرى" ؟.

مِن أكبر المخاطر التي تواجه أيَّ تاريخ شامل للأدب العربي أن يتحوَّل " العربي" عمليًّا إلى "المشرقي" أو إلى مجموعة من المراكز الأدبية المعروفة. والمادةُ العربية مُوزَّعة على مجال جغرافي هائل مِن عُمان حتى المغرب بالإضافة إلى الأندلس. ولا تكفي الإشارة إلى المناطق لإثبات التوازن بينها، المعيارُ الحقيقي هو كمية البحث، ودرجة التحليل، وعدد النصوص، ومستوى التوثيق، وموقع كُلِّ منطقة في السرد التاريخي العام. وهذا مُهم خصوصًا لأنَّ المشروع لا يُقَدِّم دراسات منفصلة فحسب، بلْ أيضًا يطمح إلى بناء تاريخ طويل للسرد. والتاريخُ الذي يُركِّز بكثافة على بعض المراكز يمكن أن يعيد إنتاجَ المركزية نفسها التي يُحاول تفكيكَها، ولكن بلغة نقدية جديدة.

حين ننتقل من الجاهلية إلى عصر صدر الإسلام، ثم الأموي، ثم العباسي، ثم عصر الدول المتتابعة، ثم القرن التاسع عشر، ثم الرواية الحديثة، فنحن لا ننتقل بين مراحل بسيطة، وإنما بين أنظمة ثقافية مختلفة جذريًّا. ومن الصعب جدًّا استخدامُ جهاز مفاهيمي واحد دون تعديلات كبيرة.

وهُنا يظهر سؤال مهم: هل التاريخ الذي ترسمه الموسوعة تاريخ متصل أمْ أنه سلسلة من التحولات يَجمعها مفهوم السرد؟. إذا كان تاريخًا متصلًا فلا بد من إثبات آليَّات الاستمرار، وإذا كان تاريخًا منقطعًا ومتحولًا فلا بد من تفسير أسباب القطيعة. أمَّا الجمع بين الاستمرارية والقطيعة في الوقت نفسه دون تحديد مستويات كُل منهما فسوف يؤدي إلى مرونة تفسيرية زائدة. وهذه المرونة قد تكون مفيدةً في التأويل، لكنها تصبح مشكلة في التاريخ.

الموسوعةُ تريد الكشفَ عن خصوصية السرد العربي. لكن إثبات الخصوصية يحتاج إلى مقارنة. لا يمكن أن نقول إنَّ بنية ما "عربية" لمجرد أنها ظهرتْ في نص عربي. العربيةُ هي لغة النص، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات خصوصيته الحضارية.

ولإثبات خصوصية بنية سردية ما ينبغي أن نسأل: هل هذه البنية غير موجودة في تقاليد سردية أُخرى؟. إذا كانت موجودة، فما الذي يجعل استعمالها عربيًّا؟، وإذا كانت مشتركة فهل خصوصيتها تكمن في الوظيفة أم السياق أم التلقي أم البنية أم العلاقة بين هذه العناصر؟.

هذه الأسئلة تجعل مفهوم " السردية العربية" أكثر تعقيدًا مما يبدو عليه في الصياغة العامة للمشروع. والخطورةُ تكمن في تحوُّل الخصوصية من نتيجة بحثية إلى افتراض سابق على البحث. أي إنَّ الباحث يبحث عن " العربي" داخل المادة، لأنه افترضَ أنَّ هناك " عربيًّا" ينبغي اكتشافه. وهُنا يظهر الفرقُ الكبير بين اكتشاف الخصوصية والبحثِ عن الخصوصية. ويترتب على ذلك أن تتحوَّل عملية البحث من اكتشاف ما تقوله المادة، إلى إثبات ما نريد منها أن تقوله.

إنَّ الموسوعة تَحمل معها اختياراتها النظرية. اختارتْ رؤيةَ السرد باعتباره ظاهرة ثقافية واسعة، والبحثَ عن الاستمرارية بين الموروثِ والحديث، ومقاومةَ تفسير الرواية العربية من خلال الغرب وحده، والبحثَ عن خصوصية سردية عربية، والتعاملَ معَ المركز والهامش، والاستفادةَ من السرديات الحديثة دون الالتزام الصارم بنظرية واحدة. كُلُّ اختيار من هذه الاختيارات يمكن الدفاع عنه، لكنه ليس حقيقة نهائية وحاسمة. إنه زاوية نظر. وهُنا ينبغي أن تتراجع سُلطة العنوان " الموسوعة" قليلًا لصالح سُلطة المنهج، فالكتابُ الموسوعي لا يصبح محايدًا لمجرد أنه موسوعي، والعملُ الذي يضمُّ آلاف الصفحات يمكن أن يَحمل فرضيةً واحدة شديدة القوة تتحكم في معظم استنتاجاته.

مِن المشكلات المهمة في المشروع أنه يطرح أحيانًا ثنائية تحتاج إلى تفكيك أكبر. مثلًا، إمَّا أن الرواية العربية وليدة التأثير الغربي، وإمَّا أنها ناتجة عن إعادة تشكيل الموروث العربي. لكن التاريخ لا يعمل بهذه الثنائية. قد تكون الرواية العربية نتاج ترجمة، وموروث، وصحافة، وتغيُّر اجتماعي، وتعليم، ومدينية، واحتكاك استعماري، وتشكُّل طبقات اجتماعية جديدة، وتحوُّل في مفهوم الذات، وتغيُّر في سوق الكتاب. لذلك فإن التفسير الأفضل تاريخيًّا ليس بالضرورة الذي يستبدل مركزية بمركزية أُخرى، وإنما الذي يعتمد على تعددِ الأسباب، وتنوُّعِ الظروف، واختلافِ زوايا الرؤية.

قد تكون كثرة المصادر والفهارس والإحالات نقطة قوة في مشروع بهذا الحجم، لكنَّ التوثيق لا يجعل التأويلَ صحيحًا بالضرورة. يمكن أن يكون لديك مئات المراجع، وتظل النتيجة التأويلية قابلة للاعتراض، لأنَّ السؤال الحقيقي: هل المصادر والمراجع تثبت النتيجةَ التي بُنيت عليها؟، وهذا يدلُّ على وجود فرق جوهري بين التوثيق والبرهنة. لذلك يجب التمييز دائمًا بين الدليل والتفسير والاستنتاج والفرضية.

والكتابةُ النقدية الطويلة حين تتراكم فيها المصطلحات الكبرى: المركزية، والهوية، والسردية، والموروث، والثقافة، والتخييل، والذاكرة، والسياق، والاختلاف، والآخَر، تصبح مُعرَّضة لخطر أن تتحول المفاهيم إلى شبكة فوضوية تُفَسِّر بعضها بعضًا.

وهُنا يحتاج الباحث إلى العودة باستمرار إلى النص لاستنطاقه، ومعرفةِ كيفية عمله، والتقنية التي يستخدمها، وطريقة تشكُّل الراوي والرواية، وانتظام الزمن، وطبيعة العلاقة بين القول والحكاية.

مِن الخطأ التعاملُ معَ هذا المشروع باعتباره آخر كلمة في تاريخ السرد العربي. كُلُّ موسوعة أدبية هي نتاج زمنها، والمصادر تتغيَّر، والنظريات تتبدَّل، والمخطوطات تُكتشَف، والنصوص يُعاد تحقيقها، والمفاهيم تتطور، والأنواع الأدبية يُعاد تصنيفها، بل إنَّ مفهوم "السرد" يتغيَّر بتغيُّر الزمانِ والمكانِ وطبيعةِ الناس.

يمكن تلخيص هذا المقال على شكل نقاط محددة:

1- مفهوم "السردية العربية" يحتاج إلى تحديد أكثر صرامة، لأنه مُعرَّض لتحويل التعدد التاريخي إلى وحدة ثقافية افتراضية.

2- الانتقال من التشابه بين السرد القديم والحديث إلى إثبات الاستمرارية التاريخية، يحتاج إلى أدلة انتقال وتأثير، وليس التشابه البنيوي وحده.

3- توسيع مفهوم السرد إلى المجال الديني والتاريخي والثقافي يهدد بإضعاف الحدود بين السرد الأدبي وغيره.

4- نقد المركزية الغربية لا يكفي وحده لإثبات تفسير بديل، فرفضُ التبعية لا يعني تلقائيًّا إثبات الأصل المحلي.

5- التفسير الثقافي الواسع قد يأتي أحيانًا على حساب التفاصيل النصية والجمالية.

6- أيُّ تاريخ للسرد العربي يحتاج إلى مساءلة أكبر لمعايير الاختيار والاستبعاد، لأنَّ ما تغفله الموسوعة مهم بِقَدْرِ ما تدرسه.

7- التوازن الجغرافي والنوعي والاجتماعي لا يمكن افتراضه من مجرد اتساع عدد الأجزاء.

8- مفهوم " العربي" يحتاج إلى تدقيق، لأنه قد يَجمع تحت عنوان واحد تجارب تاريخية مختلفة، وظواهر ثقافية متباينة.

9- حضور المرأة والسرد النسوي يحتاج إلى قراءة تتجنَّب تفسير الكتابة النسوية بمفاهيم قد تَحمل أحكامًا مسبقة على الذات الأنثوية.

10- التعدد النظري الذي يتبناه المشروع لا يعفيه من ضرورة إعلان الحدود الإجرائية لكلِّ مفهوم عند استخدامه.

إنَّ موسوعة السرد العربي هي صياغة نقدية واسعة لتاريخ السرد العربي، محكومة برؤية صاحبها إلى المركز والهامش، والموروث والحداثة، والعرب والغرب، والنص والثقافة، والاستمرارية والانقطاع. وهُنا تحديدًا تكمن نقطة ضعفها الكبرى. إنها لا تكتفي بأن تسأل عن السرد العربي، بل تسعى إلى منحه تفسيرًا عامًّا. والسردُ العربي ليس صوتًا واحدًا، ولا بنية واحدة، ولا مسارًا مستقيمًا، ولا نتيجة ثقافية واحدة. كان دائمًا ساحة صراع بين نصوص ومؤسسات وذاكرات ومذاهب وأقاليم وطبقات وأجناس وأصوات.

والمطلوبُ هو إعادة فحص مراجع المشروع، واختبار تصنيفاته، وقراءة نصوصه الأساسيَّة، ومقارنة نتائجه بما تنتهي إليه الدراسات اللاحقة.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

مقدمة: ليس من السهل قراءة مشروع عبد الجبار الرفاعي بوصفه مجرد محاولة لتجديد الخطاب الديني أو إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والدين، لأن المسألة التي يقف عندها مشروعه تتجاوز حدود التجديد الخطابي إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بصورة الإنسان التي ينتجها الدين، وبنوع الحياة التي يستطيع أن يمنحها للإنسان حين يتحول من منظومة من الأحكام والتكاليف إلى تجربة في الوجود والمعنى. ومن هنا تأتي أهمية كتاب «الدين والظمأ الأنطولوجي»؛ فالكتاب لا يضع الدين في مواجهة الحداثة فحسب، ولا يكتفي بنقد التدين التقليدي، وإنما يحاول أن يعيد بناء السؤال الديني من نقطة تقع أعمق من العقيدة والمؤسسة والطقس، أي من نقطة الإنسان بوصفه كائنًا مأخوذًا بسؤال المعنى ومفتوحًا على ما يتجاوز وجوده المباشر.

إن مفهوم «الظمأ الأنطولوجي» هو المفتاح الذي يسمح بالدخول إلى هذا المشروع؛ فالظمأ هنا ليس حاجة عرضية يمكن إشباعها بإجابة جاهزة، وإنما هو تعبير عن نقص أصيل في الوجود الإنساني، عن ذلك القلق الذي يجعل الإنسان لا يكتفي بأن يكون موجودًا، بل يريد أن يعرف لماذا يوجد، وكيف يمكن أن يمنح وجوده معنى، وما الذي يجعل حياته جديرة بأن تُعاش. ولذلك فإن الدين، في الأفق الذي يرسمه الرفاعي، لا يبدأ من الإجابة وإنما من السؤال، ولا يبدأ من امتلاك الحقيقة وإنما من تجربة الحاجة إلى المعنى.

أولًا: من الدين بوصفه منظومة إلى الدين بوصفه تجربة

تكمن إحدى أهم تحولات الرفاعي في نقله مركز الثقل من الدين بوصفه نظامًا معرفيًا وتشريعيًا إلى الدين بوصفه تجربة إنسانية. وهذا التحول ليس مجرد تغيير في المفردات، بل هو تغيير في نقطة النظر إلى الظاهرة الدينية نفسها. ففي التصورات التقليدية غالبًا ما يُنظر إلى الدين من الأعلى، أي من جهة النص والعقيدة والأحكام والمؤسسة، ثم يُطلب من الإنسان أن يدخل في هذا البناء وأن يعيد تشكيل حياته وفق مقتضياته. أما الرفاعي فيحاول أن ينظر من الأسفل، من الإنسان نفسه، من حاجاته الوجودية، من خوفه ورجائه وحيرته وموته وحاجته إلى الحب والمعنى.

وهنا يصبح السؤال: ماذا يفعل الدين بالإنسان؟ أكثر أهمية من سؤال: ما الذي يعتقده الإنسان؟ فالإيمان لا يُقاس فقط بمقدار ما يحفظه الإنسان من تصورات عقدية، وإنما بما إذا كان قادرًا على أن يصنع منه إنسانًا أكثر قدرة على الحياة، وأكثر رحمة، وأعمق إحساسًا بكرامة الآخر، وأكثر تصالحًا مع هشاشته وقلقه ومحدوديته.

وهذا التحول يضع الرفاعي في مواجهة مباشرة مع أحد أعمق أزمات التدين المعاصر: أزمة الفصل بين المعرفة الدينية والحياة. فقد يمتلك الإنسان معرفة واسعة بالنصوص والمقولات والمذاهب، ولكنه يظل عاجزًا عن تحويل هذه المعرفة إلى تجربة إنسانية حية. وعند هذه النقطة تصبح المعرفة الدينية قابلة لأن تتحول إلى سلطة، في حين يتحول الإيمان إلى هوية مغلقة، ويتحول المقدس إلى أداة للتمييز بين المؤمن والكافر، وبين الجماعة والآخر.

إن الدين الذي يبحث عنه الرفاعي هو دين يستعيد علاقته بالإنسان قبل أن يستعيد سلطته على الإنسان، ويعيد الاعتبار للتجربة الروحية قبل أن يعيد إنتاج المؤسسة الدينية. ولذلك فإن «الظمأ» أهم من «الامتلاك»؛ لأن الظمأ يبقي الإنسان في حالة بحث، في حين يوحي الامتلاك بأن الحقيقة أصبحت شيئًا مكتملًا يمكن حيازته والدفاع عنه.

ثانيًا: الظمأ الأنطولوجي وتحول صورة الإنسان

تنبع قوة مفهوم الظمأ الأنطولوجي من أنه يعيد تعريف الإنسان نفسه. فالإنسان ليس كائنًا مكتملًا يمتلك ماهية ثابتة ثم يعيش داخل العالم، وإنما هو كائن ناقص ومفتوح، يعيش بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون. إنه كائن لا ينفك يتجاوز صورته الراهنة بحثًا عن صورة أخرى لوجوده.

ومن هنا يمكن قراءة الظمأ الأنطولوجي بوصفه تعبيرًا عن انفتاح الوجود الإنساني على الممكن. فالإنسان لا يعيش بما هو عليه فقط، وإنما بما يتطلع إلى أن يصير إليه. ولذلك فإن الدين حين يستجيب لهذا الظمأ لا ينبغي أن يغلق إمكان الإنسان داخل نموذج مكتمل ونهائي، بل ينبغي أن يساعده على اكتشاف إمكاناته الوجودية والأخلاقية والروحية.

وهذا الجانب من مشروع الرفاعي بالغ الأهمية؛ لأنه ينقل قضية الدين من سؤال «ماذا ينبغي أن أعتقد؟» إلى سؤال «أي إنسان أستطيع أن أصبح؟». والفرق بين السؤالين كبير؛ إذ يمكن للسؤال الأول أن ينتج منظومة من التصنيفات، بينما يفتح الثاني المجال أمام التربية والتحول والنمو.

إن الإنسان المتدين، في هذا المنظور، ليس مجرد حامل لعقيدة، وإنما هو مشروع إنساني مفتوح. والإيمان الحقيقي لا يكون في كثرة ما يمتلكه الإنسان من أجوبة، بل في قدرته على أن يجعل حياته نفسها مجالًا للبحث عن الخير والحقيقة والجمال والمعنى.

ولذلك فإن الظمأ الأنطولوجي لا ينبغي أن يُفهم باعده نقصًا سلبيًا، بل بوصفه شرطًا للإمكان. فالإنسان الذي لا يظمأ إلى معنى يتوقف عن السؤال، والذي يتوقف عن السؤال يتحول بسهولة إلى كائن مغلق داخل ما هو جاهز. أما الظمأ فإنه يحافظ على المسافة بين الإنسان وما هو عليه، ويفتح أمامه إمكان التحول.3268 refaei

ثالثًا: نقد التدين الذي يستبدل الإنسان بالمؤسسة

يصبح هذا التصور أكثر وضوحًا عندما يضع الرفاعي التجربة الدينية في مواجهة التدين الذي استحال إلى مؤسسة مغلقة. فالمشكلة ليست في وجود المؤسسة الدينية من حيث هي مؤسسة، وإنما في اللحظة التي تصبح فيها المؤسسة غاية بذاتها، ويصبح الإنسان تابعًا لها بدل أن تكون هي في خدمة إنسانيته.

وهنا يمكن التمييز بين الدين والتدين. فالدين يحيل إلى أفق المقدس والمطلق، في حين التدين هو الصورة التاريخية والاجتماعية والثقافية التي يتجسد بها الدين في حياة البشر. ولأن التدين فعل بشري، فإنه قابل لأن يتأثر بالسلطة والتاريخ والعادات والمصالح والهويات والصراعات.

ومن أخطر نتائج عدم التمييز بين الدين والتدين أن تتحول القراءة البشرية للدين إلى دين ذاته، وأن يتحول الاختلاف في التأويل إلى اختلاف في الإيمان، وأن تصبح الجماعة التي تمتلك تفسيرًا معينًا وكأنها تمتلك الحقيقة المطلقة نفسها.

إن الرفاعي يفتح بهذا التمييز مجالًا لإعادة تحرير الدين من كثير من التراكمات التاريخية التي التصقت به حتى أصبح من الصعب أحيانًا الفصل بين المقدس والبشري. وهذا التحرير لا يعني هدم الدين، بل يعني استعادة المسافة الضرورية بين النص وتأويله، وبين المقدس والتاريخ، وبين الإيمان والمؤسسة.

ومن هنا يمكن القول إن مشروع الرفاعي يقوم، في أحد أبعاده الأساسية، على أنسنة المجال الديني؛ أي إعادة الإنسان إلى مركز التجربة الدينية بعد أن تراجعت إنسانيته أمام مركزية المؤسسة والنص والتفسير المغلق.

رابعًا: من الخوف إلى الحب

من أبرز التحولات التي يتيحها مفهوم الظمأ الأنطولوجي إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمطلق. فالدين يمكن أن يتحول، في بعض أنماط التدين، إلى منظومة من الخوف: الخوف من العقاب، الخوف من الاختلاف، الخوف من الآخر، الخوف من الخطأ، والخوف من فقدان الانتماء. وفي هذه الحالة يصبح الإنسان متدينًا لأنه خائف، لا لأنه عاش تجربة روحية عميقة.

لكن الدين الذي ينطلق من الظمأ الأنطولوجي يبحث عن علاقة مختلفة، علاقة يكون فيها الحب مركز التجربة الروحية. فالحب لا يلغي الخوف بصورة نفسية فحسب، وإنما يعيد صياغة علاقة الإنسان بالمطلق وبالعالم وبالآخر. فالإنسان الذي يتعامل مع المطلق بوصفه رحمة وحبًا لا يستطيع أن يحول المقدس بسهولة إلى أداة لإذلال الآخرين أو إقصائهم.

وهنا يتخذ مشروع الرفاعي بعدًا أخلاقيًا واضحًا: قيمة التدين لا تكمن في مقدار حضوره في اللغة والشعائر فقط، وإنما في مقدار ما يتحول إليه في سلوك الإنسان تجاه الآخرين. فإذا لم ينتج الإيمان رحمة وعدلًا وكرامة، فإنه يكون قد انفصل عن جوهر التجربة التي يدعي التعبير عنها.

خامسًا: الظمأ الأنطولوجي بوصفه مقاومة للانغلاق

يمكن، من زاوية أخرى، قراءة مفهوم الظمأ الأنطولوجي بوصفه مفهومًا مضادًا للانغلاق. فالظمأ يعني أن الإنسان لا يملك نفسه بصورة نهائية، وأن وجوده يظل مفتوحًا على ما لم يتحقق بعد. وهذا الانفتاح يجعل الإنسان أقل قابلية لتحويل تجربته الخاصة إلى معيار نهائي للوجود.

ومن هنا فإن مفهوم الظمأ يحمل إمكانًا مهمًا للحوار الديني. فالإنسان الذي يعترف بأنه يطلب الحقيقة لا يتصرف كما لو أنه امتلكها بصورة نهائية، والإنسان الذي يعيش تجربته بوصفها بحثًا يظل أكثر قدرة على الاعتراف بتجارب الآخرين.

لكن هذه الفكرة تحتاج إلى تطوير فلسفي أكبر؛ إذ إن مجرد الاعتراف بالظمأ لا يكفي وحده لضمان الانفتاح. فقد يعيش الإنسان حالة من القلق الوجودي ثم يبحث عن يقين مغلق يخلصه من هذا القلق. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام مفهوم الظمأ هو أن يتحول من حاجة إلى الإشباع إلى قدرة على السكن في السؤال.

وهنا تحديدًا تظهر قيمة المشروع الرفاعي، ولكن تظهر معه أيضًا إحدى نقاطه التي يمكن تطويرها: كيف يمكن تأسيس فلسفة دينية تجعل الظمأ حالة وجودية مستمرة، لا مجرد مرحلة مؤقتة تنتهي عند العثور على إجابة؟ وكيف يمكن الحفاظ على التوتر الخلاق بين الإيمان والبحث، وبين الطمأنينة والقلق، وبين الانتماء والانفتاح؟

سادسًا: نحو فلسفة إنسانية للدين

إذا أخذنا مفهوم الظمأ الأنطولوجي إلى نتائجه القصوى، فإننا نكتشف أن مشروع الرفاعي لا يتحدث عن الدين وحده، وإنما عن إعادة بناء الإنسان. فالدين يصبح مجالًا لإعادة اكتشاف الإنسان بوصفه كائنًا محدودًا ومفتوحًا في الوقت نفسه، كائنًا يحتاج إلى المعنى لكنه لا يستطيع امتلاك المعنى بصورة نهائية.

ومن هنا تتجاوز أهمية الكتاب المجال الديني الضيق لتصل إلى المجال الفلسفي؛ لأنه يطرح سؤالًا عن علاقة الإنسان بالمطلق، وعن معنى التجربة الروحية، وعن حدود المعرفة، وعن هشاشة الإنسان، وعن إمكانية بناء أخلاق دينية لا تقوم على الإكراه والخوف، بل على الحرية والحب والرحمة.

ومع ذلك فإن المشروع يظل بحاجة إلى تعميق مفهوم «الأنطولوجي» نفسه. فالظمأ الأنطولوجي ليس مجرد عطش روحي أو حاجة نفسية إلى المعنى، بل ينبغي أن يُبنى بوصفه بنية في وجود الإنسان ذاته: الإنسان موجود في حالة عدم اكتمال، ولذلك فهو يتطلع، ويتجاوز، ويتساءل، ويبحث عن معنى يتجاوز المعطى المباشر.

وعند هذه النقطة يمكن أن يتحول مفهوم الظمأ الأنطولوجي من مفهوم وصفي إلى مفهوم فلسفي تأسيسي؛ إذ يصبح التعبير عن البنية المفتوحة للوجود الإنساني، وعن استحالة اختزال الإنسان في هوية نهائية أو تعريف مكتمل.

سابعا: من الظمأ الأنطولوجي إلى فلسفة العبور

ربما لا ينبغي أن تنتهي قراءة كتاب «الدين والظمأ الأنطولوجي» عند ما يقوله الظمأ عن الدين، بل عند ما يفتحه الظمأ من سؤال يتجاوز حدوده الأولى. فالرفاعي يضع يده على منطقة شديدة الأهمية في الوجود الإنساني: الإنسان ليس كائنًا مكتفيًا بذاته، ولا وجوده مغلقًا على ما تحقق منه، وإنما يسكنه نقص يدفعه إلى البحث عن المعنى، ويوقظ فيه توقًا إلى ما يتجاوز حضوره المباشر. بهذا المعنى يصبح «الظمأ الأنطولوجي» كشفًا عن بنية مفتوحة للإنسان؛ فالإنسان يطلب لأنه غير مكتمل، ويتطلع لأنه لا يستنفد إمكانه في حاضره.

لكن ماذا لو أخذنا هذه الفكرة إلى ما بعد الظمأ نفسه؟ إن الظمأ يكشف أن الإنسان يريد أن يتجاوز ما هو عليه، لكنه لا يفسر وحده كيف يحدث هذا التجاوز، وما الذي يقع في المسافة بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون. هنا تبدأ إمكانات أخرى للتفكير. فالإنسان لا يعيش فقط حالة من التوق إلى معنى غائب، وإنما يتحرك داخل حدود، ويصطدم بعوائق، ويعيد بناء علاقاته، ويغير صورته عن ذاته والعالم، وينتقل من إمكان إلى إمكان. ولذلك فإن الظمأ قد يكون بداية الحركة، لكنه ليس الحركة كلها؛ إنه استشعار للبعد المفتوح في الوجود، أما العبور فهو اشتغال الإنسان داخل هذا الانفتاح.

ومن هنا يمكن أن نقترح، لا بوصفه اعتراضًا على الرفاعي وإنما بوصفه توسيعًا للكرة التي فتحها، الانتقال من «الظمأ الأنطولوجي» إلى «العبور الأنطولوجي».

فالظمأ يقول: لست مكتفيًا بما أنت عليه. أما العبور فيضيف: ما دمت غير مكتفٍ بما أنت عليه، فإن وجودك يدخل في حركة التحول. وبين الجملتين مسافة فلسفية واسعة. فالظمأ يكشف النقص والانفتاح، في حين يحاول العبور أن يفكر في الدين والإنسان والعالم من داخل هذه المسافة نفسها: مسافة الانتقال من هوية إلى أخرى، ومن معنى إلى معنى، ومن حدود إلى حدود، ومن صورة للذات إلى صورة لم تتشكل بعد.

هنا لا يعود «المطلق» مجرد نقطة يصل إليها الظمآن، ولا تصبح العلاقة بالدين مجرد بحث عن إشباع روحي للقلق الوجودي؛ بل تصبح التجربة الدينية نفسها مسار عبور. الإنسان لا يمتلك المطلق، ولا يحوله إلى موضوع مكتمل، وإنما يدخل معه في علاقة تغيّر طريقة وجوده في العالم. الإيمان، بهذا المعنى، ليس وصولًا نهائيًا، بل علاقة مفتوحة؛ والروحانية ليست إخمادًا للظمأ، وإنما تحويل للظمأ إلى قدرة على العيش في أفق المعنى.

وهذا التوسيع يغيّر أيضًا معنى «النقص». فالإنسان الناقص ليس إنسانًا معيبًا ينتظر أن تكتمل ماهيته، بل كائن مفتوح لأن وجوده لم يُغلق بعد. إن النقص هنا ليس عجزًا، بل إمكان؛ وليس فراغًا ينتظر الامتلاء، بل مساحة تسمح بالتحول. ومن ثم فإن الإنسان لا يصبح إنسانًا لأنه يبلغ صورته النهائية، وإنما لأنه يستطيع أن يعبر من صورته الراهنة إلى صورة أخرى دون أن يتوهم أن الصورة الجديدة هي النهاية.

وهنا تلتقي فلسفة العبور مع الظمأ الأنطولوجي وتختلف عنه في الوقت نفسه. تلتقي معه في رفض الإنسان المكتمل والمغلق، لكنها لا تتوقف عند سؤال التوق. إنها تسأل عن بنية العبور نفسها: كيف يتحول التوق إلى حركة؟ كيف تصطدم الحركة بالحد؟ وكيف يتحول الحد من جدار يمنع العبور إلى منطقة تسمح بإمكانه؟ وكيف تنتج عمليات العبور ذواتًا وهويات ومعاني جديدة؟

بهذا المعنى، لا يكون الحد نقيضًا للعبور. فالعبور لا يحدث في فضاء بلا حدود؛ إنه يحدث لأن هناك حدًا. لكن الحد، في فلسفة العبور، ليس بالضرورة جدارًا نهائيًا، بل يمكن أن يكون منطقة تماس، ومنطقة تفاوض، ومنطقة تحول. ولذلك فإن الإنسان لا يعبر العالم لأنه يعيش خارج الحدود، وإنما لأنه يعيش عند الحدود وداخلها وعبرها.

ومن هنا يمكن إعادة قراءة الدين نفسه. فإذا كان الظمأ الأنطولوجي يكشف حاجة الإنسان إلى المعنى، فإن فلسفة العبور تسأل عن الحدود التي تشكل هذه الحاجة: حدود الذات والآخر، الإنسان والمطلق، الإيمان والشك، المقدس والدنيوي، التقليد والتجديد، الهوية والاختلاف. والدين لا يكون حيًا حين يلغي هذه التوترات، بل حين يستطيع أن يحولها إلى إمكانات للعبور.

وهذا يفتح أفقًا نقديًا مهمًا أمام التدين المغلق. فكلما تحولت العقيدة إلى هوية نهائية، والمؤسسة إلى سلطة لا تقبل العبور، والتفسير إلى حقيقة مغلقة، أصبح الدين مهددًا بأن يتحول من تجربة للمعنى إلى نظام لإنتاج الحدود. وفي المقابل، كلما احتفظ الدين بقدرته على إعادة فتح العلاقة بين الإنسان والمطلق، وبين الذات والآخر، وبين الإيمان والحياة، أمكن له أن يستعيد قوته بوصفه تجربة تحول.

ومن هنا يمكن أن نصوغ انتقالًا مفاهيميًا: (الظمأ، السؤال، الإمكان، الحد، العبور، التحول، معنى جديد، إمكان جديد. (اذ إن ما يبدأ عند الرفاعي كظمأ إلى المعنى يمكن أن يتسع، داخل فلسفة العبور، إلى نظرية في الوجود المفتوح. فالإنسان لا يظمأ فقط لأنه يبحث عن معنى، بل لأنه كائن في حالة صيرورة. وجوده يتحول، والتحول ينتج حركة، والحركة حين تواجه الحدود تنتج إمكان العبور. والعبور لا يقود إلى نقطة نهائية، بل يعيد الإنسان إلى حالة جديدة من السيولة، ومنها إلى عبور آخر.

وهنا تظهر أهمية مفهوم السيولة. فالعبور لا يمكن أن يكون ممكنًا إذا كان الوجود قد تصلب في هويات نهائية وحدود مغلقة. السيولة هي الشرط الأنطولوجي الذي يجعل إعادة التشكيل ممكنة. ولهذا فإن فلسفة العبور لا ترى في الإنسان كائنًا يعبر من نقطة إلى نقطة فقط، بل كائنًا موجودًا في السيولة؛ أي إن وجوده ذاته قابل لإعادة التكوين.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن يصبح «الظمأ الأنطولوجي» عند الرفاعي إحدى العتبات المهمة في الطريق إلى «فلسفة العبور». فالظمأ يحرر الإنسان من وهم الاكتفاء، والعبور يحرره من وهم الثبات. الظمأ يقول إن الإنسان ليس مكتفيًا، والعبور يقول إنه ليس ثابتًا. الظمأ يفتح سؤال المعنى، والعبور يفتح سؤال التحول. الظمأ يجعل الإنسان متوجهًا إلى ما وراء حاضره، والعبور يجعله قادرًا على إعادة تشكيل هذا الحاضر.

ولذلك فإن تجاوز الرفاعي هنا لا يعني تجاوزه بالرفض، بل توسيع دائرته الفلسفية. لقد وضع الرفاعي إصبعه على سؤال عميق حين جعل الظمأ جزءًا من بنية الإنسان؛ وما تفعله فلسفة العبور هو أن تأخذ هذا الظمأ بوصفه نقطة بداية، ثم تسأل عن العالم الذي يتحرك فيه الظمآن، وعن الحدود التي تعترضه، وعن أشكال العبور التي يصنعها، وعن التحولات التي تطرأ عليه أثناء ذلك.

إن الإنسان، في النهاية، ليس مجرد كائن يظمأ إلى المعنى، بل كائن يعبر بحثًا عنه. وليس الدين مجرد استجابة لهذا الظمأ، بل يمكن أن يكون أحد الأطر التي يتعلم الإنسان داخلها كيف يعبر من الخوف إلى الرجاء، ومن الانغلاق إلى الانفتاح، ومن العداوة إلى العلاقة، ومن امتلاك الحقيقة إلى السكن في أفقها.

وهكذا يمكن أن ننتقل من سؤال الرفاعي: كيف يستجيب الدين للظمأ الأنطولوجي للإنسان؟ إلى سؤال فلسفة العبور: كيف يتحول الظمأ الأنطولوجي إلى عبور، وكيف يعيد العبور تشكيل الإنسان والدين والمعنى؟، في هذه النقطة لا تنتهي فكرة الرفاعي، بل تبدأ حياة فلسفية أخرى لها. فالظمأ يفتح الباب، لكن العبور يدخل منه؛ والعبور لا يلغي الظمأ، لأن كل عبور يخلق أفقًا جديدًا للظمأ. لذلك لا ينبغي أن نبحث عن دين يطفئ الظمأ نهائيًا، ولا عن فلسفة تنهي السؤال، وإنما عن تجربة إنسانية تستطيع أن تجعل من الظمأ قوةً للحركة، ومن الحد منطقةً للإمكان، ومن الاختلاف مجالًا للعلاقة، ومن التحول طريقةً للوجود.

ومن هنا يصبح الإنسان العابر امتدادًا طبيعيًا للإنسان الذي اكتشف الرفاعي ظمأه الأنطولوجي: إنسان لا يعيش خارج المعنى، ولا يمتلكه بصورة نهائية، وإنما يعيش في الطريق إليه؛ لا يسكن هوية مغلقة، بل يعيد تشكيلها؛ لا يرى الآخر جدارًا، بل إمكانية علاقة؛ ولا ينظر إلى الحدود بوصفها نهايات، بل بوصفها مواقع يمكن أن يبدأ عندها عبور جديد.

وهنا تحديدًا تتحول فلسفة العبور من مجرد فلسفة للانتقال إلى فلسفة للوجود في حالة السيولة: الوجود يتحول، والتحول ينتج حركة، والحركة تصطدم بالحدود، والحدود تفتح أو تغلق إمكان العبور؛ وما دام الإنسان كائنًا غير مكتمل، فإن وجوده يظل محكومًا بإمكان إعادة العبور.

بهذا المعنى، يمكن القول إن «الظمأ الأنطولوجي» يكتشف جرح الإنسان المفتوح على المعنى، بينما تحاول فلسفة العبور أن تفكر في الحركة التي تنشأ من هذا الجرح. وبين الاكتشاف والحركة تتسع الدائرة: من الظمأ إلى الإمكان، ومن الإمكان إلى العبور، ومن العبور إلى التحول، ومن التحول إلى تعدد لا يستقر في صورة نهائية.

ولعل هذه هي النقطة التي يمكن عندها أن نترك الرفاعي لا خلفنا، بل أمامنا؛ إذ يصبح كتابه عتبة لا خاتمة، وبداية سؤال لا إغلاقه. فالظمأ الذي كشفه يمكن أن يكون أحد المداخل إلى فلسفة تقول إن الإنسان لا يوجد لكي يستقر، بل لكي يتحول؛ وإن المعنى لا يوجد فقط لكي يُمتلك، بل لكي يُعاش ويُعاد إنتاجه؛ وإن الدين، حين يستعيد إنسانيته، يستطيع أن يكون فضاءً لهذا العبور.

فالوجود يتحول، والتحول ينتج عبورًا، والعبور يصطدم بالحدود، والحدود إمّا أن تتحول إلى جدران أو إلى معابر؛ والفكر يبدأ حين يحاول إعادة فتح المعبر.

خاتمة: من الظمأ إلى العبور

تكمن أهمية كتاب «الدين والظمأ الأنطولوجي» في أنه يحاول استعادة السؤال الذي سبق كثيرًا من الإجابات الدينية، وهو سؤال الإنسان عن معنى وجوده، وعن إمكان أن يتحول الدين من منظومة للامتثال إلى تجربة تمنح الوجود قابلية أوسع للمعنى. فالظمأ الأنطولوجي يجعل الإنسان كائنًا لا يستقر في صورته الراهنة، لأنه يظل مأخوذًا بما يمكن أن يكونه، وهذا ما يمنح التجربة الدينية بعدها الحيوي.

وإذا أردنا أن نذهب بمشروع الرفاعي خطوة فلسفية أخرى، أمكن القول إن الظمأ الأنطولوجي هو لحظة ما قبل العبور: فالإنسان لا يعبر لأنه يملك يقينًا نهائيًا، وإنما يعبر لأنه يشعر بأن وجوده الراهن لا يستنفد إمكان وجوده. الظمأ هو الذي يفتح الحد، والسؤال هو الذي يدفع الإنسان إلى الاقتراب منه، والإيمان هو إحدى الطرق التي يحاول بها الإنسان أن يمنح هذا العبور معنى.

بذلك نجعل الرفاعي عتبة تأسيسية، لا موضوعًا نتهي عنده؛ وتُدخل مفاهيم مشروعنا الأساسية: التحول، الحد، السيولة، الإمكان، العلاقة، والإنسان العابر .

***

د.عامر عبد زيد الوائلي

مقاربة إيتيقية تربوية

مقدمة: احتل كتاب «أيها الولد» مكانة خاصة ضمن مؤلفات أبي حامد الغزالي، لا بوصفه عملاً نظرياً ضخماً يضاهي «إحياء علوم الدين» أو «تهافت الفلاسفة»، بل بوصفه نصاً موجزاً مكثفاً موجهاً توجيهاً مباشراً إلى طالب علم، يحمل في طياته تصوراً متكاملاً للعلاقة بين المعرفة والأخلاق والتربية. النص يأتي في صورة وصية أبوية حانية وحازمة في آن واحد، يخاطب فيها الغزالي تلميذاً أو مريداً يطلب منه خلاصة جامعة بعد سنوات من التحصيل. هذه الصيغة الخطابية تجعل الكتاب أقرب إلى فن النصيحة التربوية منه إلى البحث الكلامي أو الفقهي المجرد، وتفتح المجال أمام قراءة إيتيقية تربوية تكشف عن رؤية الغزالي لتكوين الإنسان العالم، لا من حيث امتلاكه للمعلومات، بل من حيث تحول المعرفة فيه إلى حال وخلق وسلوك. تستند هذه المراجعة إلى مقاربة إيتيقية تربوية تركز على كيفية بناء الذات الأخلاقية عبر مسار التعلم، وعلى تصور الغزالي للعوائق التي تحول بين الطالب وبين الانتفاع بعلمه، وعلى الأدوات التربوية التي يقترحها لتجاوز تلك العوائق. وهي مقاربة لا تفصل الجانب الأخلاقي عن الجانب التعليمي، لأن الغزالي نفسه يرفض هذا الفصل رفضاً جذرياً، ويرى أن العلم الذي لا يثمر عملاً ولا يزكي نفساً ليس إلا حجة على صاحبه. فماهي البنية العامة للكتاب؟ وماذا يتضمن من افكار تربوية؟ وألا توجد مآخذ عليه؟

الإطار العام للنص وطبيعته الخطابية

يأتي «أيها الولد» في شكل رسالة قصيرة نسبياً، لكنها مشحونة بكثافة تربوية عالية. يخاطب الغزالي المتلقي بلقب «الولد»، وهو خطاب يجمع بين العطف الأبوي والسلطة التوجيهية. هذا الاختيار اللغوي ليس شكلياً؛ فهو يؤسس لعلاقة تربوية قوامها النصح لا الإلزام الفقهي الجاف، والشفقة لا التسلط. النص يفترض متلقياً قطع شوطاً في طلب العلم، وأحاط بجملة من العلوم الشرعية والعقلية، لكنه ما زال يبحث عن الغاية والجدوى من كل هذا التحصيل. السؤال الضمني الذي يحرك الرسالة كلها هو: ماذا ينفع العلم إذا لم يتحول إلى عمل وخلق؟

تتميز لغة الكتاب بالوضوح والمباشرة والاعتماد على الصور والأمثلة المكثفة. يغيب التعقيد الكلامي والتفريع الفقهي لصالح خطاب يخاطب القلب والعقل معاً. هذا الأسلوب نفسه يحمل دلالة تربوية: فالتربية عند الغزالي لا تتم بالمجادلة النظرية وحدها، بل بالكلام الذي ينفذ إلى الوجدان ويحرك الإرادة. النص بذلك يمثل نموذجاً لما يمكن تسميته التربية بالكلمة الموجزة النافذة، لا بالشرح المستفيض الذي قد يشتت الهم.

مركزية العمل وارتباط العلم بالأخلاق

المحور الذي يدور حوله الكتاب كله هو رفض الفصل بين العلم والعمل. يلح الغزالي إلحاحاً متكرراً على أن العلم الذي لا يصدقه العمل حجة على صاحبه يوم القيامة، وأن كثرة التحصيل دون تزكية للنفس قد تكون سبباً في الهلاك لا في النجاة. هذا الموقف ليس مجرد وعظ أخلاقي تقليدي، بل ينبع من تصور إبستيمولوجي إيتيقي عميق: العلم الحقيقي هو الذي يغير حال العالم، ويحرره من أسر الهوى، ويجعله أقرب إلى الإخلاص والمراقبة. يفرق الغزالي بين نوعين من الاشتغال بالعلم.

الأول اشتغال ظاهري يملأ الذاكرة ويزين المجالس ويكسب الشهرة والمناصب. والثاني اشتغال باطني يحول العلم إلى نور في القلب ووازع في الجوارح. التربية التي يدعو إليها هي نقل الطالب من النوع الأول إلى الثاني. وهذا النقل لا يتم بمجرد زيادة المعلومات، بل بمجاهدة النفس ومحاسبتها ومراقبة مقاصدها في طلب العلم.

هنا تظهر الإيتيقا الغزالية بوضوح: الفضيلة ليست معرفة نظرية بالخير، بل حال راسخ في النفس يدفع إلى فعل الخير وترك الشر. والطالب الذي يجمع العلوم دون أن يشتغل بتطهير قلبه من الرياء والعجب والحسد وحب الجاه إنما يبني بنياناً على غير أساس. التربية إذن تبدأ من الداخل، من تصحيح النية، ومن جعل طلب العلم عبادة لا وسيلة للدنيا.

تشخيص العوائق الأخلاقية أمام الانتفاع بالعلم

يخصص الغزالي جزءاً مهماً من النص لتشخيص الأمراض التي تصيب طلبة العلم وتحول بينهم وبين ثمرته. من أبرز هذه الأمراض الرياء وحب الظهور، والعجب بالعلم، والانشغال بالمجادلات التي لا تنفع، وتقديم العلوم الآلية أو الخلافية على علوم المعاملة والآخرة. هذه التشخيصات تكشف عن وعي تربوي حاد بمخاطر البيئة العلمية نفسها.

كما يرى الغزالي أن كثرة الاشتغال بالخلافات الكلامية والفقهية الدقيقة قد تكون حجاباً عن المقصد الحقيقي. ليس لأنه يرفض هذه العلوم جملة، بل لأنه يخشى أن تتحول إلى غاية بذاتها، فتستغرق عمر الطالب دون أن تترك له فراغاً لمحاسبة نفسه أو لتهذيب أخلاقه. التربية السليمة تقتضي ترتيب الأولويات: البدء بما يصلح القلب ويصحح المعاملة مع الله ومع الخلق، ثم الاشتغال بعد ذلك بما يحتاج إليه من علوم الآلة أو الفروع. كما ينبه إلى خطر صحبة من لا همّة له في الآخرة، وإلى خطر المناصب والجاه الذي قد يبتلى به العالم. هذه التنبيهات تجعل النص نقداً مبكراً لما يمكن أن نسميه أمراض الحقل العلمي: التنافس على الظهور، والجدل العقيم، واستغلال العلم للدنيا. الناصح هنا لا يكتفي بتوجيه الطالب إلى ما يجب فعله، بل يكشف له ما يجب الحذر منه داخل الوسط الذي يعيش فيه.

المنهج التربوي المقترح وأدوات تزكية النفس

لا يكتفي الغزالي بالتشخيص، بل يقترح مساراً عملياً واضحاً. يقوم هذا المسار على عدة أركان مترابطة. أولها تصحيح النية وجعل طلب العلم خالصاً لوجه الله، لا لجلب منفعة دنيوية أو دفع مذمة. وثانيها تقديم العمل على كثرة الحفظ، والاشتغال بما ينتفع به حالاً من العبادات الظاهرة والباطنة. وثالثها اتخاذ شيخ أو مرشد يبصر الطالب بعيوب نفسه، لأن النفس يصعب عليها أن ترى عيوبها بنفسها. ورابعها المداومة على محاسبة النفس في نهاية كل يوم، ومراقبة الخواطر والواردات.

هذه الأدوات تكشف عن تصور تربوي يعتمد على الممارسة المستمرة لا على اللحظة الوعظية العابرة. التربية عند الغزالي سير متواصل، يحتاج إلى تكرار ومجاهدة وصبر. وهي تربية فردية في جوهرها، تعتمد على جهد الطالب الذاتي وعلى علاقة شخصية بمرشد، أكثر مما تعتمد على نظام تعليمي مؤسسي جماعي. هذا الطابع الفردي يعكس سياق العصر، لكنه يحمل دلالة أعمق: لا يمكن للأخلاق أن تُلقَّن تلقيناً خارجياً فحسب، بل لا بد أن تُكتسب بالاكتساب والمجاهدة الداخلية.

كما يظهر في النص اهتمام خاص بفقه المراقبة والإخلاص. فالغزالي يعود مراراً إلى ضرورة أن يسأل الطالب نفسه عن قصده في كل عمل علمي أو عملي. هذا السؤال المتكرر هو أداة تربوية مركزية، لأنه يحول الوعي إلى رقابة ذاتية مستمرة، ويمنع تحول العادات الحسنة إلى روتين فارغ من الروح.

صورة الطالب المثالي وتكوين الشخصية العالمة

يرسم الكتاب صورة للطالب الذي يرجى انتفاعه بعلمه. هذا الطالب ليس الأوسع حفظاً ولا الأقدر على الجدل، بل الأشد إخلاصاً والأكثر اشتغالاً بعيوب نفسه والأبعد عن حب الدنيا بالعلم. هو الذي يجعل من علمه مرآة يرى فيها تقصيره قبل أن يراه في غيره، والذي يخشى أن يكون علمه حجة عليه لا له. هذه الصورة تحمل أبعاداً إيتيقية واضحة. فالشخصية العالمة عند الغزالي لا تنفصل عن الشخصية المتخلقة. الذكاء وحده لا يكفي، ولا سعة الاطلاع، ولا القدرة على المناظرة.

المطلوب هو توازن بين القوة المعرفية والقوة الأخلاقية، بحيث تكون الثانية موجِّهة للأولى وحاكمة عليها. التربية التي يدعو إليها تهدف إلى تكوين هذا التوازن، لا إلى إنتاج علماء مجردين من الهمّ الأخلاقي أو زهاد بعيدين عن العلم. كما يظهر في النص تقدير كبير للوقت والعمر.

يذكّر الغزالي تلميذه بقصر العمر وسرعة انقضائه، ويحثه على الاشتغال بما ينفعه في آخرته قبل فوات الأوان. هذا التذكير ليس ترهيباً مجرداً، بل أداة تربوية لإعادة ترتيب الأولويات وبعث روح الجد في الطلب.

الأبعاد الإيتيقية العميقة للتصور الغزالي

تتجاوز رؤية الغزالي في «أيها الولد» مستوى النصائح العملية إلى تأسيس إيتيقا خاصة بطلب العلم. محور هذه الإيتيقا هو الإخلاص بوصفه معياراً أعلى يحاكم إليه كل نشاط معرفي. العلم الذي يُطلب لغير الله يفقد قيمته الأخلاقية حتى لو كان صحيحاً في نفسه. والعالم الذي يستخدم علمه لجمع حطام الدنيا أو للتعالي على الخلق إنما ينقض الغرض من العلم.

كما ترتبط هذه الإيتيقا بتصور معين للسعادة والكمال الإنساني. فالكمال ليس في كثرة المعلومات ولا في المناصب العلمية، بل في قرب القلب من الله، وفي تطهيره من الرذائل، وفي جعل الجوارح خادمة للحق. التربية بهذا المعنى مسار نحو السعادة الأخروية والدنيوية الحقة، لا مجرد إعداد مهني أو معرفي. وتظهر أيضاً نزعة نقدية تجاه أشكال معينة من التدين العلمي السطحي. فالغزالي لا يتردد في التحذير من العلماء الذين يظهرون بمظهر الصلاح وهم فارغون من حقيقته، أو من الطلبة الذين يضيعون أعمارهم في دقائق لا تنفع. هذا النقد يجعل النص ذا بعد إصلاحي واضح داخل الحقل العلمي والديني.

حدود التصور التربوي في الكتاب وأفقه المفتوح

رغم ثراء النص وقوته التوجيهية، فإنه يحمل بعض السمات التي تستحق التأمل النقدي من زاوية تربوية معاصرة. فهو يعتمد اعتماداً كبيراً على العلاقة الفردية بين الشيخ والمريد، ويميل إلى التركيز على المجاهدة الداخلية أكثر من بناء بيئات تعليمية جماعية محفزة. كما أن نبرته التحذيرية الشديدة من العلوم الخلافية ومن حب الظهور قد تُفهم في سياقات معينة فهماً يثبط عن الإبداع أو عن المشاركة في النقاش العلمي الحي. غير أن هذه السمات نفسها يمكن قراءتها قراءة إيجابية ضمن أفق الكتاب. فالغزالي لم يكن يكتب دليلاً لمؤسسة تعليمية حديثة، بل كان يخاطب فرداً يطلب النجاة والانتفاع الحقيقي بعلمه في سياق مليء بالمخاطر الأخلاقية. قوة النص تكمن في قدرته على إيقاظ الوعي بالمقاصد، وفي تذكيره الدائم بأن العلم أمانة ومسؤولية قبل أن يكون منصباً أو شهرة. يفتح الكتاب أفقاً للتفكير في التربية بوصفها تكوينياً أخلاقياً مستمراً لا ينتهي بالحصول على الإجازات أو المناصب. ويظل سؤاله المركزي حياً: كيف نطلب العلم طلباً لا يفسد القلوب ولا يبعد عن الغاية؟ هذا السؤال يجعل «أيها الولد» نصاً قابلاً للقراءة المتجددة كلما استجدت أمراض في الحقل العلمي أو التربوي.

نقد تصور الغزالي للتربية

يقدم كتاب «أيها الولد» لأبي حامد الغزالي واحداً من أكثر النصوص كثافة وتركيزاً في التراث التربوي الإسلامي. هو وصية موجزة موجّهة إلى طالب علم، تكشف عن تصور متكامل نسبياً للتربية بوصفها مساراً أخلاقياً وروحياً قبل أن تكون مساراً معرفياً. يقوم هذا التصور على ربط العلم بالعمل، وتقديم تزكية النفس على كثرة التحصيل، وجعل الإخلاص معياراً أعلى يحاكم إليه كل طلب للمعرفة. غير أن قوة النص وصدقه التربوي لا يعفيانه من المساءلة النقدية. فالتصور الذي يحمله ينطوي على اختيارات منهجية وقيمية محددة، ويحمل حدوداً وتوترات داخلية، ويفتح إمكانيات معينة بينما يغلق أخرى. القراءة النقدية هنا لا تسعى إلى نقض الغزالي، بل إلى كشف رهانات تصوره التربوي وحدوده وآثاره المحتملة.

مركزية التزكية والإخلاص وحدود الاختزال الأخلاقي

المحور الذي يدور حوله الكتاب كله هو أن العلم بلا عمل تزكوي حجة على صاحبه، وأن كثرة التحصيل دون تصحيح النية وتطهير القلب قد تكون سبباً في الخسران لا في النجاة. هذا الربط يحمل قيمة تربوية عالية، إذ يرفض تحويل التعليم إلى مجرد تراكم معلومات أو وسيلة للجاه والظهور. غير أنه ينطوي على اختزال ملحوظ. فالتربية عند الغزالي تكاد تنحصر في مسار فردي باطني قوامه المحاسبة والمراقبة وتصحيح القصد. الجانب الاجتماعي والمؤسسي والمعرفي النقدي يتراجع إلى الهامش.

الإشكال هنا أن اختزال التربية في التزكية الفردية يجعلها عاجزة عن التعامل مع أبعاد أساسية في التكوين الإنساني: تكوين القدرة على التفكير النقدي المستقل، والمشاركة في إنتاج المعرفة لا مجرد تلقيها، والانخراط في إصلاح البنى الاجتماعية التي قد تفسد النوايا ذاتها. النص يفترض أن إصلاح القلب كافٍ تقريباً لضمان صلاح المسار، بينما تغيب عنه أسئلة تتعلق بظروف التعلم الجماعية، أو بطبيعة السلطة داخل الحقل العلمي، أو بإمكان أن تكون بعض البنى التعليمية نفسها مولّدة للرياء والعجب حتى لدى من يسعى للإخلاص.

صورة الطالب والمنهج التربوي: بين الرفق والتأثيم

يخاطب الغزالي المتلقي بلقب «الولد»، فيؤسس لعلاقة أبوية حانية. غير أن هذه الحنانة تتصاحب مع نبرة تحذيرية شديدة تذكّر باستمرار بقصر العمر، وبخطر أن يكون العلم حجة على صاحبه، وبفساد كثير من أهل العلم. النتيجة هي تربية تميل إلى إثارة القلق الأخلاقي والمراقبة الذاتية المكثفة أكثر مما تميل إلى بناء الثقة بالقدرة على التعلم والنمو.

هذا التوجه له آثار مزدوجة. فهو يحمي من الغرور العلمي السطحي، لكنه قد يغذي شعوراً مزمناً بالتقصير والذنب، خاصة لدى المتعلم الحساس. كما أن التركيز الشديد على خطر الرياء وحب الظهور قد يدفع بعض الطلبة إلى الانسحاب من المشاركة العلمية أو من تحمل المسؤوليات العامة خشية الوقوع في الآفات المذكورة. التربية هنا أقرب إلى تربية الحذر والاحتياط منها إلى تربية الجرأة المعرفية والمبادرة.

أما المنهج المقترح فيعتمد على أدوات كلاسيكية: تصحيح النية، وصحبة الشيخ المرشد، ومحاسبة النفس اليومية، وتقديم علوم المعاملة على علوم الآلة والخلاف. هذه الأدوات فعّالة في إطار تربية فردية روحية، لكنها محدودة من حيث قابليتها للتعميم في سياقات تعليمية أوسع. الاعتماد الكبير على الشيخ يفتح باب العلاقة التربوية الحية، لكنه يحمل خطر التبعية وإضعاف استقلالية المتعلم، خاصة إذا تحول الشيخ إلى مصدر وحيد للرؤية والحكم على التقدم الروحي.

ثالثاً: الموقف من العلوم والمعرفة: تراتبية مغلقة أم ترتيب أولويات؟يظهر في «أيها الولد» تراتب واضح للعلوم. علوم المعاملة والإخلاص والآخرة تحتل المرتبة الأولى، بينما يُحذَّر من الإغراق في العلوم الخلافية والكلامية والدقائق التي لا تنفع في صلاح القلب. هذا الموقف مفهوم في سياق نقد الغزالي لما رآه من جدل عقيم وانشغال عن المقاصد. لكنه ينطوي على مخاطر تربوية ومعرفية. أولها أن التمييز بين ما «ينفع» وما «لا ينفع» يظل خاضعاً لتقدير معياري قوي قد يضيق أفق الفضول المعرفي. فبعض العلوم التي تبدو خلافية أو آلية قد تكون ضرورية لتطوير أدوات الفهم ذاتها، أو لمواجهة إشكالات جديدة. التصور الغزالي يميل إلى إغلاق بعض الآفاق باسم الحماية من الضياع، مما قد يضعف القدرة على الابداع أو على استيعاب تحولات المعرفة.

ثانيها أن هذا التراتب يعزز ثنائية حادة بين علم نافع أخروياً وعلم قليل النفع أو ضار. هذه الثنائية قد تبرر في نظر بعض من يستلهمون النص عزوفاً عن مجالات معرفية حديثة أو عن التفكير الفلسفي والنقدي بحجة أنها لا تخدم صلاح القلب مباشرة. النص نفسه أكثر تركيباً من أن يُختزل في هذا الموقف، لكن صياغته التحذيرية تسهل مثل هذا الاختزال.

الفردانية التربوية وغياب البعد الاجتماعي-السياسي

من أبرز سمات التصور التربوي في الكتاب طابعه الفرداني الشديد. الإصلاح يبدأ من داخل النفس وينتهي إليها تقريباً. البيئة تُذكر بوصفها مصدر فتنة محتملة (صحبة السوء، حب المناصب)، لا بوصفها مجالاً يجب إعادة تشكيله. المؤسسات العلمية تُنتقد ضمنياً من خلال نقد أمراض العلماء، لكن النقد يبقى أخلاقياً فردياً ولا يرتقي إلى مساءلة بنيوية.هذا الخيار يجعل التربية الغزالية في «أيها الولد» تربية نجاة أكثر مما هي تربية مشاركة أو تربية تغيير اجتماعي. المتعلم يُدعى إلى حماية نفسه من فساد الوسط، لا إلى المساهمة في إصلاح ذلك الوسط أو إعادة بناء شروط إنتاج المعرفة داخله. في سياقات تاريخية معينة قد يكون هذا التوجه مفهوماً بوصفه استراتيجية حماية، لكنه يظل محدوداً إذا قيس بمهمات التربية في بناء فاعلين اجتماعيين قادرين على نقد السلطة المعرفية والسياسية وإعادة توجيهها.

التوتر بين المثالية الروحية والواقع التربوي

يرسم النص صورة مثالية للطالب الذي يرجى انتفاعه: مخلص، مراقب لنفسه، بعيد عن الجاه، مقدّم للعمل على كثرة الحفظ، مرتبط بشيخ ناصح. هذه الصورة ملهمة، لكنها عالية الطلب وصعبة التحقق بصورة كاملة. الفجوة بين المثالية المطلوبة وواقع معظم المتعلمين قد تولد إما إحباطاً أو تظاهراً بالتحقق أو انسحاباً صامتاً. كما أن النص يفترض متعلماً بالغاً قطع شوطاً في التحصيل ويسأل عن الغاية. لذلك فهو أقل اهتماماً بأسئلة التربية في المراحل المبكرة، أو بفروق الاستعدادات، أو بطرق تحفيز التعلم الجماعي، أو ببناء بيئات تعليمية حاضنة. هذه الفجوات تجعل التصور جزئياً، موجهاً إلى فئة محددة في لحظة محددة من مسار التعلم، لا إلى نظرية تربوية شاملة.

خاتمة

يمثل كتاب «أيها الولد» خلاصة مكثفة لرؤية أبي حامد الغزالي الإيتيقية التربوية. هو نص يرفض الفصل بين المعرفة والأخلاق، ويضع الإخلاص والعمل في صميم أي مسار تعليمي حقيقي، ويكشف عن العوائق الداخلية والخارجية التي تحول بين الطالب وبين الانتفاع بعلمه، ويقترح أدوات عملية للمجاهدة والمحاسبة والمراقبة. قراءته من زاوية إيتيقية تربوية تظهر أنه ليس مجرد وصية أخلاقية تقليدية، بل مساهمة عميقة في التفكير في شروط تكوين الإنسان العالم، ذلك الذي يجمع بين نور العلم وزكاة النفس.

يكمن فضل تصور الغزالي التربوي في «أيها الولد» في إصراره على استعادة البعد الأخلاقي والقصدي للعلم، وفي رفضه تحويل التعليم إلى مجرد أداة دنيوية أو جدل عقيم، وفي تذكيره المستمر بأن المعرفة أمانة ومسؤولية. هذه القيم تظل ضرورية في مواجهة أشكال التسليع والتفاخر المعرفي. أما حدوده فتتمثل في اختزاله التربية إلى مسار فردي تزكوي، وفي ميله إلى التحذير والتأثيم أكثر من البناء الإيجابي للثقة والقدرة، وفي تراتبيته المعرفية التي قد تضيق الأفق، وفي ضعف اهتمامه بالبعد الاجتماعي والمؤسسي والنقدي للتعليم. التصور قوي كوصية روحية موجّهة إلى طالب يبحث عن النجاة، لكنه أقل كفاية كإطار لتربية تُعدّ أفراداً قادرين على إنتاج المعرفة ومساءلة السلطة والمشاركة في إصلاح شروط العمران. القراءة النقدية الخصبة لهذا التصور لا ترفضه ولا تقدسه، بل تضعه في حدوده التاريخية والفكرية، وتستفيد من قوتها الأخلاقية بينما تتجاوز فردانيته وانغلاقاً محتملاً لبعض آفاقه. بذلك يظل «أيها الولد» نصاً حياً يستحق أن يُقرأ لا بوصفه جواباً نهائياً عن سؤال التربية، بل بوصفه لحظة عميقة في تاريخ التفكير في العلاقة بين العلم والعمل والإخلاص، لحظة تكشف بقدر ما تحجب، وتفتح بقدر ما تقيّد.

من هذا المنطلق تظل قيمة الكتاب في قدرته على إعادة طرح السؤال الجوهري كلما غرق طلب العلم في الشكلية أو في التنافس الدنيوي أو في الجدل العقيم. وهو بذلك يدعو كل جيل من الطلبة والعلماء إلى مراجعة مقاصدهم وإعادة ترتيب أولوياتهم، لا من موقع الإدانة، بل من موقع الشفقة التربوية والحرص على النجاة الحقيقية. في إيجازه وكثافته يكمن سر تأثيره المستمر، وفي صدقه التربوي تكمن قدرته على مخاطبة القارئ عبر العصور بوصفه «ولداً» ما زال في حاجة إلى من يذكره بالغاية من وراء كل هذا التحصيل.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

نظرية (علامية الحرف) عند الميرزا محمد صادق التبريزي، هو الكتاب السادس الذي يصدر للدكتور عبد القادر لقاح، أستاذ النحو والصرف واللسانيات في جامعة محمد الأول بوجدة، عن دار الولاء ببيروت؛ حاول فيه أن يتناول بالدراسة نظرية (علامية الحرف) عند أحد كبار الأصوليين المسلمين هو الميرزا محمد صادق التبريزي.

انفرد الميرزا محمد صادق التبريزي (1273– 1351 هـ) من بين الأصوليين بنظرية علامية الحرف، وهي نظرية تبدو جديدة بالقياس إلى ما تواضع عليه الجمهور من نحاة وأصوليين.

يذهب الميرزا التبريزي إلى أن النحاة تسامحوا في تعريف الحرف، فجاءت تعاريفهم منقوصة ضعيفة، يقول: "وللناس في تعريفه تقريبات لا تخلو من ضعف وتسامح، والمنطبق على عين الواقع ما قاله الإمام علي (ع) من أن "الحرف ما أوجد معنى في غيره"1 ويعزو السبب في ذلك إلى أنهم لم يستهدوا بالرواية الشريفة عن أمير المؤمنين (ع) مهبط الوحي، ولو أنهم فعلوا لما وقعوا في تلكم الأخطاء، وليس هناك أجمعُ ولا أوفى في تعريف الحرف من قول أمير المؤمنين (ع): "والحرف ما أوجد معنى في غيره"، فهو "البيان الذي فوق بيان كل ذي علم"2

محل النزاع هو: هل يدل الحرف على معنى أولا يدل؟

يذهب الميرزا التبريزي إلى أن الحرف لا معنى له بل هو أشبه بالعلائم المنصوبة على الطريق، وأشبه بالسكين التي تُحْدث القطع أو بالسيف الذي هو آلة لإحداث القتل، وهذا هو ما يمكن أن نسميه بـــــ(فرضية العمل الرئيسة) في نظرية الميرزا التبريزي.

ورأي الجمهور أن الحرف يدل على معنى في غيره، فهو ليس خلوا من المعنى، ولكن معناه ليس مستقلا إذ إنه يحتاج إلى ضميمة حتى يُفهم معناه.

والجمهور وإن اختلفوا في توجيه عبارة: " ما دل على معنى في غيره"3، ولكنهم لم يختلفوا في إثبات دلالة الحرف على المعنى، وذلك بحكم أن الحرف موضوع وليس مهملا، والقول بأنه لا معنى له يجعل منه مهملا.

ولم يشذ عن ذلك نجم الأئمة رضي الدين الاستراباذي (ت 686 هـ) شارح الكافية الذي يحيل عليه كثيرا الميرزا التبريزي والذي يوهم كلامُه أن نجم الأئمة من القائلين بعلامية الحرف.3243 lokah

حول الفرضية والملاحظة

فرضية الميرزا التبريزي إذاً مخالفة لما استقر عليه رأي الجمهور من نحاة وأصوليين، ولا شك أنه من الناحية العلمية لا شيء يمنع -مبدئيا- من افتراض فرضية ما، وهي التي تسمى في الإبستيمولوجيا فرضية العمل التي ترفدها فرضيات مساعدة وتسمى ثانوية من شأنها تقوية فرضية العمل الرئيسة.

على أن الفرضية العلمية تبقى مجرد دعوى ما لم تقم عليها الأدلة والبراهين التي تثبتها وتنهض بها، وقد ثبت في فلسفة العلم أن العلم يبدأ بالفرضية كما قال كارل بوبر (KarlPopper)، على أن علمية فرضية ما تكمن في مقاومتها لتكذيب المعطيات لها، فكلما قاومت الفرضية تكذيب المعطيات لها أثبتت علميتها، وإذا عجزت عن ذلك ثبت فشلها.

والعلم يبدأ بالفرضية، والملاحظة لا يمكن إلا أن تكون موجهة نظريا theoretically oriented.

والفرضية يشترط فيها أن تكون ذات قوة تفسيرية عالية بحيث تكون قادرة على مقاومة تكذيب المعطيات لها، كما يشترط فيها أن تكون قادرة على التنبؤ بالمعطيات، وأن تخلو من التناقض، لأن التناقض دليل على تهافت الفرضية.

و"العالِم يضع قضايا أو أنساقا من القضايا، ثم يختبرها تدريجيا ... وبصفة خاصة يكون فروضا أو أنساقا من نظريات ويُجري عليها اختبارا عن طريق الملاحظة والتجربة"4.

وخلافا للاتجاه الوضعي يقرر كارل بوبر أن كل ملاحظة لا بد أن تجري في ضوء نظرية ما، بمعنى آخر فإنه لا وجود لملاحظات غير موجهة نظريا.

والعلم من هذا المنظور يتقدم من خلال سلسلة التكذيبات المتعاقبة على النماذج، وهكذا كان مسار العلم عبر التاريخ. أما كيف يبدأ الكشف العلمي، فيرى بوبر أن ذلك يتم عن طريق الحدس، وأغلب الكشوفات العلمية تمت عن طريق الحدس، والمعرفة الحدسية هي التي تتم بإدراك مباشر وبدون مقدمات أو جهد عقلي.5

وعلى النقيض من الاتجاه الوضعي، يرى بوبر أن العلم بحاجة نوعا ما إلى شيء من الميتافيزيقا، يقول الدكتور ماهر عبد القادر محمد علي: " النظرية العلمية عند بوبر لا بد وأن تفترض مسبقا تصورا ميتافيزيقيا محددا للطبيعة، لأن النظريات العلمية تتكون من قضايا كلية، وهذه القضايا هي ما نطلق عليه أحيانا قوانين الطبيعة laws of nature"6

وفي حديثه عن الفروض الفرعية يميز كارل بوبر بين الفروض المساعدة والفروض الموضعية ad hoc، والفروض الموضعية من عيوب الخطاب العلمي، وهي التي تعنى بملاحظة الجزئيات موضعيا أي بمعزل عن النسق الكلي، والعلم يُعنى بالقضايا الكلية لا الجزئيات، والعلوم "معنية باكتشاف القضايا الكلية الصادقة، وهذه العلوم تتقدم ابتداء من اختبار فروض كلية universal hypothesis، أو نظريات في مقابل قضايا شخصية".7

والنظرية العلمية هي القادرة على التنبؤ بفضل صمودها أمام مختلف المعطيات، الأمر الذي يُمَكِّنها من تعميم القانون الكلي على المعطيات المستجدة المماثلة.

هذا التصور جعل بوبر يقرر أن طريق العلم هو الاستنباط لا الاستقراء، وذلك لأن هدف العلم هو الوقوف على القضايا الكلية الصادقة.

وخلاصة القول إن العلم يبدأ بالفرضية لا بالملاحظة، لأن الملاحظة لا يمكن إلا أن تكون موجهة نظريا، والنظرية تتأسس على ما يُسمى فرضية العمل الرئيسة8، ثم عنها تتفرع فرضيات فرعية أو مساعدة تعمل على دعم فرضية العمل الرئيسة، ورفدها بما يمنحها منعة وقوة وقدرة على تفسير المعطيات والتنبؤ بها، كما يشترط فيها أن تسلم من آفة الموضعية وآفة التناقض.

من خلال هذا المنظور يتساءل الدكتور عبد القادر لقاح: هل استطاع الميرزا التبريزي أن يجعل من نظريته عن (علامية الحرف) مستوفية للشروط؟، وماهي فرضية العمل الرئيسة عنده؟ وهل استطاع رفدها بفرضيات مساعدة تقويها؟، وهل خلت نظريته من التناقض وسلمت من آفة الموضعية؟ وهل استطاعت مقاومة تكذيبات المعطيات لها ؟.

وقبل هذا وذاك هل تأويل الميرزا التبريزي لكلام الإمام علي (ع) وحمله على هذه النظرية صحيح لا مطعن فيه؟ ولماذا اختلف معه باقي الأصوليين فحملوه وجوها أخرى مخالفة ؟.

يرى الدكتور عبد القادر لقاح أن هناك احتمالين يفرضان نفسيهما في هذا الشأن:

الاحتمال الأول: أن كلام الإمام علي (ع) عن الحرف من قبيل المتشابه لا المحكم، وبالتالي يحتمل أكثر من وجه، وليس هذا الأمر بغريب، فقد قيل عن كتاب سيبويه إن فيه المحكم والمتشابه، ولهذا اختلف العلماء في تأويل بعض عبارات (الكتاب)9 ، قال أبو جعفر النحاس: " ورأيت عليَّ بن سليمان يذهب إلى غير ما قال ابن كيسان، قال: عمل سيبويه كتابه على لغة العرب وخُطبِها وبلاغتها، فجعل فيه شيئا مشروحا، وجعل فيه مُشْتبها، ليكون لمن استيقظ ونظر فضل، وعلى هذا خاطبهم الله -عز وجل- بالقرآن"10

الاحتمال الثاني: أن تكون بعض المحامل التأويلية لكلام الإمام علي (ع) مرجوحة وغير سديدة.

هنا ينطلق الكاتب من مجموعة من الفرضيات:

الأولى: إذا افترضنا مع الميرزا التبريزي أن الحرف لا معنى له، أليس هذا الافتراض يجعل من الحرف مهملا، باعتبار أن اللفظ إما أن يكون دالا بالوضع أو لا، الثاني هو المهمل، وهو نحو (دَيْز: مقلوب زيد)، والمهمل هو الذي لم يوضع بإزائه معنى؟.

والثانية: إذا افترضنا أن الحرف لا يدل على معنى، وإنما يعين جهة استعمال مدخوله فقط -على حد تعبير الميرزا التبريزي-، ألا يفضي ذلك إلى استعمال اللفظ/ المدخول استعمالا مجازيا دائما وفي غير ما وضع له؟

والثالثة: إذا افترضنا مع التبريزي أن الحرف لا يدل على معنى، فكيف نحكم عليه بالجزئية أو الكلية، أليست الكلية والجزئية تابعتين لمعاني الألفاظ لا للألفاظ؟ وعطفا على ذلك كيف يمكن تصنيف الحروف -إذا كانت خلوا من المعنى- من جهة الوضع والموضوع له؟

هذه بعض الإشكالات الواردة على نظرية الميرزا محمد صادق التبريزي. فهل استوفى الميرزا التبريزي الإجابة عنها لتسويغ وجهة نظره، وتكذيب ما يرد عليها من اعتراضات؟

عرض أبواب البحث

قسم الباحث البحث إلى توطئة وأربعة فصول فخاتمة.

أما الفصل الأول فخصصه لعرض نظرية الميرزا التبريزي، ولأن الميرزا التيريزي يؤكد أن نظريته مستفادة من الرواية المأثورة عن أمير المؤمنين (ع) والتي تقسِّم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، فقد أفرد لكل قسم مطلبا خاصا، فكان الفصل تحته ثلاثة مطالب، استهل الباحث كل مطلب بذكر تعريف أمير المؤمنين (ع) ثم تأويل الميرزا التبريزي له بما يوافق نظريته، ولم يكتفِ بعرض آراء الميرزا التبريزي غفلا من التعليق، بل أورد عليها كلما اقتضى الأمر بعض الملاحظات مما يستدعيه المقام.

أما الفصل الثاني فأفرده الباحث للحديث عن أصول نظرية الميرزا التبريزي في التراث اللغوي، وفيه ذكر بعض مذاهب المتقدمين التي تتقاطع جزئيا مع نظرية الميرزا التبريزي، دون أن يعني ذلك أنها مطابقة لها، وقد نبه الباحث على بعض أوجه الشبه بين نظريته و ما ورد عند الشيخ عبدالقاهر الجرجاني، ونجم الأئمة الرضي الاستراباذي الذي يحيل عليه الميرزا التبريزي بوصفه من القائلين ب(علامية الحرف)، وهو أمر فيه نظر، وقد حقق الباحث المسألة، وأثبت خلاف ذلك، ثم عرج على أقاويل علماء الوضع في خصوص المعنى الحرفي، ونبه على أوجه الشبه بينها وبين نظرية الميرزا التبريزي، وكذا أوجه الاختلاف، فكان الفصل تحته ثلاثة مطالب: المطلب الأول عن الميرزا التبريزي و عبدالقاهر الجرجاني، والمطلب الثاني عن الميرزا التبريزي والرضي الاستراباذي، والمطلب الثالث عن الميرزا التبريزي وعلماء الوضع.

أما الفصل الثالث فتم تخصيصه لإشكالية الوضع في الحروف عند الميرزا التبريزي، فنظريته ترد عليها جملة من الأمور من نحو أن عدَّهُ الحرف فارغا من المعنى يجعل منه داخل المنظومة النحوية من قبيل المهمل، والمهمل لا وضع له، كما أن الميرزا التبريزي يبدو متأرجحا بين رأيين في شأن الوضع في الحروف، فهو يجزم تارة أن الحروف لا وضع لها، ثم يعلن بعد ذلك أن الوضع فيها عام والموضوع له عام، فهل جمع الميرزا التبريزي بين المتناقضين في هذه المسألة أم أن كلامه يحتمل وجها آخر يرتفع معه التناقض؟، وجعل الباحث ضمن الفصل مطلبين: المطلب الأول عن علماء الوضع والوضع في الحروف، والمطلب الثاني عن الميرزا التبريزي والوضع في الحروف.

وأما الفصل الرابع فخصص لآراء الأصوليين النقدية في نظرية الميرزا التبريزي، فقد قوبلت نظريته بالرفض ورُمِيت بالضعف والفساد والتناقض، وانفرد من بينهم العلامة الفيلسوف الكبير محمد باقر الصدر الذي حملها وجهين: وجها باطلا، ووجها سديدا.

أخيرا ختم الباحث كتابه بالإشارة إلى أهم نتائج البحث وهي:

أن الميرزا التبريزي اقترح نظرية جديدة في الحروف مخالفة لما استقر عند النحاة وكذا عند الأصوليين، ولا غرابة بعد هذا أن يقول السيد محمد تقي الحكيم إن القول بأن الحرف لا معنى له لا نعرف له قائلا.

ولكن عدم ثبوت هذا الرأي عند المتقدمين ليس في حد ذاته مطعنا ونقيصة، فليست المزية للقديم من حيث هو قديم ولا للجديد من حيث هو جديد، بل المزية في الفكر من حيث اتصافه بالنسقية والانسجام والقوة التفسيرية والقدرة على التنبؤ بالمعطيات، وعدم الوقوع في التناقض.

إن نظرية الميرزا التبريزي بوصفها نظرية لا بد أنها تقوم على فرضية عمل رئيسة وفرضيات مساعدة تقوي فرضية العمل الرئيسة.

أما فرضية العمل الرئيسة عنده فهي أن الحروف لا معنى لها وإنما جيء بها لمجرد كشف وجوه وكيفيات مدخولاتها.

وأما الفرضيات الفرعية المساعدة فهي:

- أن الوضع يكون لما بإزائه معنى أي لما يحكي عن معانٍ ويحضرها، والحروف لا تحكي عن معان فلا وضع لها.

- أن ما يستقل بالمفهومية له وضع، وما لا يستقل بالمفهومية لا وضع له.

- أن الكلية والجزئية لا تجريان إلا على ما بإزائه معنى.

- أن الأسماء مفردة تكون مبهمة ومهملة، وأنها تحتاج لإتمام معانيها إلى الأدوات التي تنقلها من الإبهام إلى التخصيص، والأدوات صنفان: صنف له سنخ لفظي (وهو الحروف)، وصنف ليس له سنخ لفظي وهو (الإعراب والصيغ الاشتقاقية...)

- أن الحروف تقاس على السيف مثلا، فالسيف آلة لإحداث القتل، وكذلك الحروف آلات لإحداث خصوصية في مدخولاتها، فكما أنه لا يجوز أن يقال إن السيف معناه القتل، فكذلك لا يستقيم أن يقال إن (من) مثلا معناها الابتداء، وإنَّ (إلى) معناها الانتهاء، وإن (على) معناها الاستعلاء.

هذه أهم الفرضيات الفرعية المساعدة لفرضية العمل الرئيسة عند الميرزا التبريزي.

يقول الباحث إن الميرزا التبريزي وُفِّق على الأقل من الناحية المنهجية لأن يأتي بما يعضد نظريته ويدعمها؛ ويرى أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هنا هو:

هل استطاع الميرزا التبريزي أن يمنح نظريته قوة تفسيرية عالية بحيث تقاوم ما يرد عليها من تكذيب؟

أول ما يلاحظ على هذه النظرية أن ثمة ما يشبه التناقض فيها:

فهو يقول تارة إن الحروف لا معنى لها ولا توصف لا بالكلية ولا بالجزئية، لأن مدار الكلية والجزئية هو في ما بإزائه معنى يحكي عنه، ولأن الحروف ليس بإزائها معانٍ، فهي لا توصف لا بالكلية ولا بالجزئية، وإذا به تارة أخرى يقرر أن الوضع في الحروف من باب الوضع العام لموضوع له عام كما قال المتقدمون؟ وقد حاول الباحث أن يجد تخريجا لذلك بحيث يرتفع التناقض الظاهر بين قوله إن الحروف لا وضع لها وقوله إنها موضوعة وضعا عاما لموضوع له عام، ولكنه تأويل لا يخلو من ضعف وتحكم، لأن أقوال الميرزا لا تساعد على ذلك، فهو توجيه ظني، ولا سبيل لأن يرتفع معه التناقض المشار إليه بالضرورة، وهو: أن الحروف لا توصف بالكلية والجزئية ولا وضع لها، وأنها في نفس الوقت كلية وضعا وكلية من حيث الموضوع له، وجزئية استعمالا.

ثم إن تأويله لكلام أمير المؤمنين علي (ع): الحرف ما أوجد معنى في غيره، يبدو بعيدا ومتكلَّفا، فالإمام -سلام الله عليه- لم ينفِ المعنى عن الحرف، بل أثبته له، فالحرف ليس خلوا من المعنى في قول أمير المؤمنين (ع) لأنه يوجد المعنى في غيره، وإيجاد المعنى في غيره دليل على أنه يفيد معنى لا أنه فارغ من المعنى، يقول الدكتور مصطفى جمال الدين إن تعريف الإمام علي (ع) يتضمن أن للحرف معنى أيضا.

ثم إن قول الميرزا التبريزي إن الحرف فارغ من المعنى يجعل منه مهملا لا موضوعا، والمهمل ليس موضوع البحث العلمي، لأنه لا وضع له، والمهملات هذيانات على حد تعبير نجم الأئمة الرضي الاستراباذي.

وقد سلك الميرزا التبريزي لدعم نظريته مسلكا خاطئا عندما تصرف في كلام نجم الأئمة الرضي الاستراباذي بأن حذف منه كلمة (وحده) ليستقيم له الاستدلال بكلامه، ولا جرم أن حذف كلمة (وحده) يغير المعنى رأسا.

والقول إن الحرف يكشف عن وجه استعمال الاسم فقط لا بد مُفْضٍ إلى أن الأسماء لا تستعمل إلا مجازا، وهذا لا يقول به أحد، فإذا قيل إن كلمة (الدار) لها معنى عيني وتتضمن معنى الظرفية الذي يشير إليه الحرف(في)، فهذا معناه أنها استعملت مجازا، وهذا قول فيه ما فيه، وما قال به الرضي، لأن الرضي قال إن معنى الحرف مضمون لفظ غيره، فيكون اللفظ متضمنا للمعنى الذي أحدث فيه الحرف، مع دلالته على معناه الأصلي، على أن الرضي أردف قائلا إن هذا التضمُّن هو تضمن معنى لا يدل عليه لفظ المتضمن، بل الدال عليه لفظ آخر وهو الحرف، خلافا لتضمن لفظ (البيت) لمعنى الجدار.

ثم إن الميرزا التبريزي استعمل في كتابه (المقالات الغرية) عبارة معاني الحروف في أكثر من مورد في الكتاب، وهذا يناقض فرضية العمل الرئيسة التي بنى على أساسها نظريته وهي أن الحروف لا معنى لها، وقد حاول درء هذا التناقض بأنه من باب الاضطرار.

أخيرا يمكن القول إنَّ نظرية الميرزا التبريزي نظرية جديدة وجريئة، وحسبه أنها أثارت كثيرا من النقاش في الأوساط العلمية، وحفزت عددا من الباحثين على التنقيب والتحقيق.

***

عرض: ميلود لقـاح

.................

هوامش:

* دار الولاء، بيروت – 2023

1-  المقالات الغرية ص:235

2-  نفس المرجع ص: 252. اختلفت الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) والرواية المشهورة التي تناقلتها مختلف المصادر القديمة هي قوله (ع) :" والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل"، والرواية الأخرى ذكرها الشريف الرضي في كتاب (الفصول المختارة من العيون والمحاسن ، ص:91   ونصها :"والحرف ما أوجد معنى في غيره"، وواضح أن الأصوليين الإمامية اعتمدوا الرواية الثانية، وإن تعددت تأويلاتهم لها.

3-  راجع تفصيل ذلك في الباب الثاني من كتاب المؤلِّف (إشكالية المعنى الحرفي (الوجود الرابط)  -

4-  the logic of scientific discovery  p 27 (نقلا عن " نظرية المعرفة العلمية ص:33)

5-  نظرية المعرفة عند مفكري الإسلام وفلاسفة الغرب المعاصرين ص:184

6-  نظرية المعرفة العلمية ص:34

7-  -نظرية المعرفة العلمية ص: 34

8-  فرضية العمل الرئيسة موجودة في كل النظريات الكبرى، ومنها مثلا فرضية بيولوجية اللغة ووجود نحو كلي مركوز فطرة في دماغ الإنسان عند شومسكي، وكل الفرضيات الأخرى فرضيات فرعية مساعدة الغرض منها تقوية فرضية العمل الرئيسة.

9-  أثبتنا في كتابنا (إشكالية المعنى الحرفي: الوجود الرابط...) أن تعريف سيبويه للحرف متشابه وحمال أوجه، ولهذا وقع الخلاف في توجيه كلامه.

10- حواشي كتاب سيبويه (1/24)

«مسار الجذوة: دليلك لاكتشاف حياة ملؤها التحقق والعيش في ضوئها» لبول كيربي

قراءة في الغلاف: الغلاف بياض قماشي يخترقه شريط أفقي من ضربات مائية عمودية: قرمزي وأزرق وبنفسجي ووردي يتدرج نحو البرتقالي والذهبي في أقصى اليمين. الضربات عمودية متجاورة، لكنها تتسرب في حواشيها بعضها إلى بعض، فلا حد صارما بين لون ولون. هذا التوتر بين التعدد العمودي والوحدة الأفقية هو أطروحة الكتاب مصوغة بصريا قبل أن تصاغ لفظيا.

وأذكى ما في التصميم أن كلمة FUSE ليست مطبوعة فوق الشريط اللوني، بل محفورة فيه بالبياض، أي أنها فراغ يكشفه اللون لا حبر يعلوه. الدلالة بليغة: الذات لا تضاف إلى الشغف من خارج، بل تنكشف من داخل امتزاجه. أما البياض المحيط فيشتغل كصمت تشكيلي، ومساحة إمكان لم تملأ بعد.

والعنوان نفسه يقوم على مراوغة لغوية ثلاثية يضيع أكثرها في الترجمة: fuse بمعنى الصهر والدمج، وبمعنى الفتيل الذي يشعل، وبمعنى المصهر الكهربائي الذي يقي من الاحتراق. المسار المعروض إذن انصهار وإشعال ووقاية معا.

ويبقى في الغلاف عنصر ناشز نقديا: الختم الذهبي المدمج بعبارة الأكثر مبيعا في أمازون. إنه علامة سوق لا علامة معنى، اقتحم التوازن التشكيلي من الزاوية العليا ليمنح الكتاب مشروعيته التجارية قبل أن يقرأ القارئ سطرا واحدا. ومفارقة أخرى: كتاب يمجد اندماج الفن بالآلة يرتدي جمالية مائية يدوية رومانسية، بينما صاحبه يرسم بروبوت. الغلاف يجامل ذائقة السوق أكثر مما يعبر عن أطروحة مؤلفه.

نبذة عن المؤلف

بول كيربي أمريكي من لافلاند بولاية كولورادو، تجاوز الخامسة والسبعين. ضابط سابق في السلاح الجوي، ومهندس، ورأسمالي مخاطر، وفنان، وهو صاحب مصطلح fusioneering الذي يصف به دمج شغفين متباعدين أو أكثر في حقل حياة جديد. تخرج مهندسا في الكهرباء وعلوم الحاسوب من بيركلي، وحصل على ماجستير في إدارة الأعمال من هارفارد، وكان شريكا في شركة استثمار بولاية كولورادو.

وفي سنة 1994، وهو في الرابعة والأربعين، زار معرضا لمخترعات ليوناردو دافنشي في مالمو بالسويد، فسأل نفسه: ماذا لو عاش دافنشي اليوم وجمع بين عشقه للآلات وعشقه للرسم؟ ومن هذا السؤال ولد مشروعه: دلسينيا، روبوت آلي بارتفاع ثلاثة أمتار يرسم لوحات أصلية. وهذا الكتاب باكورته، صدر في فاتح أبريل 2025 وبلغ صدارة مبيعات أمازون، عن دار غرينليف في نحو مئتين وثمانين صفحة.

والملاحظة النقدية هنا أن سلطة المؤلف سيرية لا أكاديمية: هو يكتب من تجربة معيشة لا من مختبر، ومن نجاح متحقق لا من فرضية مختبرة. وهذا مصدر قوة الكتاب في الإقناع، ومصدر هشاشته في البرهنة.

سياق الكتاب وسط النظريات الثقافية والمعرفية

ينتمي الكتاب إلى نسب أمريكي عريق يبدأ من صمويل سمايلز في القرن التاسع عشر، مرورا بديل كارنيغي وستيفن كوفي، وينتهي إلى علم النفس الإيجابي عند سليغمان ونظرية التدفق عند تشيكسنتميهاي. غير أن موقعه الأدق داخل خطاب آخر: خطاب نقد التخصص الضيق. فمنذ أن قسمت الحداثة المعرفة إلى حقول مسيجة، ظل ثمة تيار مضاد يدافع عن العبور بين الحقول: كوستلر في نظريته عن التلاقح بين نسقين ذهنيين متباعدين، وإدغار موران في الفكر المركب وعابر التخصصات، وإدوارد ويلسون في وحدة المعرفة، وفرانس يوهانسون في أثر آل ميديتشي.

وفي مقابل هذا التيار، ثمة نقد ثقافي يجب استحضاره لقراءة الكتاب قراءة متوازنة: نقد إيفا إيلوز وإدغار كاباناس لصناعة السعادة، ونقد بيونغ تشول هان لمجتمع الإنجاز حيث يتحول الفرد إلى مستثمر في ذاته ومستغل لها في آن. فلغة تحقيق الذات، حين تعزل عن شروطها المادية، تنقلب من تحرير إلى عبء أخلاقي جديد.

ويحسن بالقارئ العربي أن يلاحظ مفارقة معرفية: ما يقدمه الكتاب بوصفه اكتشافا كان بديهية في الثقافات المعرفية ما قبل الحديثة. فالجاحظ وابن سينا والبيروني وابن خلدون لم يكونوا يجمعون بين حقول متباعدة عن ابتكار، بل لأن قسمة العلوم لم تكن قد تصلبت بعد. الفيوجنيرينغ إذن ليس اختراعا بقدر ما هو استرداد.

قراءة في مضمون الكتاب

يقوم الكتاب على نموذج رباعي تختصره الكلمة نفسها: اعثر، وارتق، وابدأ، وتطور. والمفهوم المركزي هو الفيوجنيرينغ، أي دمج اثنين أو أكثر من اهتماماتك وشغفك لتكوين رؤية ونمط حياة أقرب إلى غايتك الحقيقية. ويشتغل النص بالسرد الذاتي شاهدا، وبأمثلة من سير أعلام، وبتمارين تأملية تحول القارئ من متلق إلى ممارس.

وأثمن ما في النموذج حلقته الأخيرة: التطور. فالكتاب لا يعد بغاية تبلغ فتستقر، بل بمسار يتجدد، وهذا ينقض أسطورة الشغف الواحد الذي يكفي العثور عليه مرة. وأضعف ما فيه أن برهانه سيرة واحدة ناجحة. فالذين صهروا شغفهم فلم يثمر لا يكتبون كتبا، وهذا ما يسميه المنهجيون انحياز الناجين. كما أن السرد الذاتي يمنح الماضي تماسكا لم يكن له وهو يعاش.

والكتاب في إخراجه المادي امتداد لأطروحته: تخطيط ملون، وصور فوتوغرافية، وعناصر فنية، وطباعة وتجليد رفيعان. لكنه أيضا عقدة في شبكة تسويقية أوسع تضم مؤسسة خيرية، ومحاضرات، وجولة افتراضية في مرسم المؤلف. الكتاب هنا منتج ثقافي مندمج، ومن حق الناقد أن يسائل أثر ذلك في اقتصاد الخطاب نفسه.

وقد لاحظ بعض القراء أن في الكتاب نزوعا إلى وضع الناس في صناديق مرتبة، بينما البشر أشد تعقيدا وأجمل تنوعا في طرائق تفكيرهم وشعورهم. وأضيف إلى ذلك صمتا أعمق: صمت الكتاب عن الشرط البنيوي. فالانصهار يقتضي فائضا من الوقت ورأس المال والأمان، وهي شروط أتيحت للمؤلف بحكم مساره المهني، ولا تتاح لأغلب قرائه.

مقارنته بكتب في نفس المضمار

مع تشيكسنتميهاي في التدفق، يستعير الكتاب الحالة النفسية ويترك الجهاز التجريبي الذي أنتجها. ومع كين روبنسون في العنصر، يتقاسم الأطروحة ذاتها، لكن روبنسون يوجه سهامه إلى المدرسة والمؤسسة، بينما يكتفي كيربي بالفرد ولا يمس البنية. ومع ديفيد إبستاين في المدى، يظهر الفارق المنهجي جليا: إبستاين يدافع عن الموسوعي بالبيانات والدراسات، وكيربي يدافع عنه بالشهادة. ومع كتب الإيكيغاي اليابانية، نلحظ أن النموذج الياباني يشترط ما يحتاجه العالم وما يمكن أن يعيشك، أي يربط المعنى بالمنفعة الاجتماعية، بينما يظل نموذج كيربي أكثر إرادوية وأشد فردانية.

وأدق مقارنة في نظري ما يعقد مع مفهوم السلوك في تراثنا. فالطريق عند الصوفية مقامات وأحوال أيضا، ومسار تدرج لا يقف، لكنه محفوف بثلاثة أركان يفتقدها مسار كيربي: شيخ يربي، وجماعة تسند، وأفق متعال ينتهي إليه السير. وحين يغيب هذان الأولان يصير المسار وحيدا، وحين يغيب الثالث ترتد الغاية إلى الذات فتصبح الذات مبتدأ الرحلة ومنتهاها. وهنا يلتقي نقد ابن نبي حين ربط تغير الفرد بشروط ثقافية جامعة، لا بعزيمة معزولة.

خلاصات واستنتاجات

الكتاب شهادة محكمة الصنعة لا نظرية مؤسسة. قيمته استكشافية محفزة أكثر منها معرفية برهانية، وهو لا يدعي غير ذلك في الحقيقة.

فكرته المركزية صحيحة وقديمة معا: الإبداع يولد في التخوم بين الحقول لا في مراكزها. وجدته ليست في الفكرة بل في التسمية وفي التجسيد، إذ يمشي البرهان أمامنا في هيئة روبوت يرسم.

عماه الأساس مزدوج: إغفال الشرط الاجتماعي الذي يجعل الانصهار ترفا لا يتاح للجميع، وإغفال البعد الجماعي الذي يحول التحقق الفردي إلى معنى مشترك.

قيمته للقارئ العربي حقيقية إن قرئ نقديا: هو حجة عملية لصالح تجسير العلوم والفنون في تعليمنا، ودعوة إلى استرداد نموذج الموسوعية الذي كان لنا. لكنه يحتاج إلى إعادة تجذير في أفق قيمي يتجاوز الذات، وإلا صار المسار دورانا جميلا حول النفس.

وخلاصة القول: كتاب يقرأ بوصفه سيرة ملحقة بمنهج، لا منهجا مسنودا بسيرة. وفي هذا التمييز يكمن الفرق بين أن نلهم وأن نعرف.

Paul Kirby, The FUSE Pathway: How to Find and Lead a Fulfilling Life

دار غرينليف، الولايات المتحدة الأمريكية، 2025، 280 صفحة

***

د. محمد غاني – كاتب من المغرب

من وحي كتاب فيلسوف التحليل النفسي، ديفيد سميث (صناعة الوحوش: كيف يُجرَّد البشر من إنسانيتهم؟

ثمة سؤال مرعب يلاحق تاريخ الانسانيه منذ أن رفع قابيل يده على أخيه هابيل فقتله: كيف يستطيع الإنسان أن يقتل إنساناً آخر يشبهه؟ وكيف يستطيع، على نحو أشد رعباً، أن يعذب النساء والأطفال والشيوخ، وينتهك أجسادهم وكرامتهم، ثم يعود إلى بيته ليأكل وينام ويعيش حياته كما لو أن شيئاً لم يحدث؟

دلك هو السؤال الذي تصدى له ديفيد ليفينغستون سميث وهو فيلسوف وباحث أمريكي متخصّص في فلسفة العقل وعلم النفس الفرويدي، ويُعدّ من أبرز المفكرين الذين فككوا آليات العنف البشري. في كتابه البارز "صناعة الوحوش: كيف يُجرَّد البشر من إنسانيّتهم"، إذ كشف عن الجذور الثقافية والنفسية لظاهرة "التوحش وآلياتها ومخاطرها إذ أكد أن تجريد الآخر من إنسانيته وشيطنته وتحويله إلى "وحش" في الوعي الجمعي ليس مجرد استعارة بلاغية، بل عملية نفسية مُمنهجة تُستخدم لتبرير أشد الفظائع والجرائم وحشية عبر التاريخ.

الفكرة المركزية التي يدافع عنها سميث تبدو، للوهلة الأولى، بسيطة: لكي يستطيع الإنسان قتل إنسان آخر بدم بارد، لا بد أن يسلبه شيئاً من إنسانيته أولاً. غير أن أهمية الكتاب تكمن في أنه لا يكتفي بهذا التفسير الأخلاقي المباشر، بل يحاول تفكيك العملية الذهنية والثقافية والسياسية والنفسية التي يتحول من خلالها الإنسان إلى «آخر»، ثم إلى كائن أدنى، ثم إلى خطر، وأخيراً إلى وحش ينبغي التخلص منه.

وهنا يمكن النظر إلى الكائن البشري بوصفه حيوانا عاقلا تتنازعه،، قوتان متعارضتان: نزعة إلى السيطرة والقوة والإيذاء، ونزعة إلى الخضوع والشفقة والتضحية. ويمكن، على سبيل التقريب النفسي، تسمية الأولى بالنزعة السادية والثانية بالنزعة المازوكية.

ولا ينبغي أن نفهم السادية أو المازوكية هنا بمعناها المرضي الإكلينيكيّ . فالإنسان يحتاج في حياته الطبيعية إلى قدر من الحزم والقوة والقدرة على المواجهة والدفاع عن الذات والشجاعة والإقدام. كما أن الغضب والرفض والحمية والنجدة ليست كلها قيماً سلبية. إنها جزء من الطاقة الإنسانية الضرورية للحياة.

لكن هذه الطاقة حين تتضخم وتفقد ضابطها الأخلاقي والقانوني تتحول إلى قوة جامحة: حب للسلطة والتسلط، والقتل، والتوحش، والنهب، والاغتصاب، والإيذاء، والتلذذ بتعذيب الآخرين. وهنا نصل إلى المعنى المرضي للسادية، تلك التسمية التي ارتبطت باسم الكاتب الفرنسي الماركيز دي ساد، الذي تحولت كتاباته إلى رمز للمتعة التي يمكن أن يجدها بعض البشر في الألم الذي يوقعونه بضحاياهم.

السادي في أقصى حالاته المرضية هو ذلك الشخص الذي لا يكتفي بإيذاء الآخر لتحقيق مصلحة ما، بل يجد لذته في الألم ذاته، ويستمتع بصرخات الضحية وعجزها وخوفها.

وعلى الطرف الآخر نجد المازوكية. ففي حدودها الطبيعية تتمثل في التواضع والرحمة والشفقة والحب والإيثار والرغبة في إسعاد الآخرين والتضحية من أجلهم. وهي أيضاً طاقة إنسانية ضرورية، إذ لا يمكن قيام مجتمع إنساني من دون التعاطف والتعاون والقدرة على تقديم مصلحة الآخر أحياناً على المصلحة الذاتية.

لكن هذه النزعة بدورها قد تنقلب إلى حالة مرضية عندما يتحول الإنسان إلى عاشق دائم لدور الضحية، أو يجد متعته في الذل والإهانة والخضوع والتعذيب. وقد نرى ذلك في علاقة العبد بسيده القاسي، أو في بعض العلاقات الأسرية العنيفة التي يقبل فيها الضحية استمرار الإهانة، أو في علاقة بعض الأتباع بزعاماتهم حين يصل الولاء إلى درجة تقديس القائد وتحمل الإذلال من أجله.

وهكذا تقف الشخصية الإنسانية السوية في منطقة وسطى بين طرفين مرضيين: السادية المتوحشة والمازوكية المستسلمة. الإنسان السوي يحتاج إلى قدر من القوة كي يدافع عن نفسه، وقدر من الرحمة كي لا يتحول إلى جلاد. يحتاج إلى القدرة على الرفض، كما يحتاج إلى القدرة على الحب. يحتاج إلى الشجاعة، لكنه يحتاج أيضاً إلى التواضع.

مشكلة تبدأ حين يفقد الإنسان هذا التوازن بين الغضب والشفقة بين المقاومة والاستسلام بين الطغيان والاحتقار. بين التوحش والتحضر .

اعتدنا أن ننظر إلى التاريخ بوصفه قصة انتقال الإنسان من الوحشية إلى الحضارة، ومن الغابة إلى المدينة، ومن العنف إلى القانون. لكن التاريخ الحديث يقدم لنا صورة أقل تفاؤلاً. فالحضارة نفسها، بكل ما أنجزته من علوم وتقنيات ومؤسسات، كانت أيضاً مسرحاً لأكبر عمليات الإبادة المنظمة في التاريخ كما نشاهده كل يوم .

فحين نسمي جماعة ما «حشرات» أو «جرذان» أو «أفاعي» أو «خونة» أو «شياطين»، قرود او خنازير أو أي صفه تجعلهم في وضع ادنى مننا فإننا لا نمارس مجرد استعارة لغوية بريئة، بل نبدأ في إعادة تشكيل العالم الأخلاقي الذي نعيش فيه. فالإنسان الذي يتحول في الوعي الجمعي إلى حشرة يمكن إبادته، والذي يتحول إلى مرض يمكن استئصاله، والذي يصبح شيطاناً يصبح قتله عملاً من أعمال الفضيلة.

من هنا تتطلع رؤوس الشرور كلها إذ يكمن خطر الأيديولوجيا في قدرتها على تحويل الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى انقسام وجودي بين الخير والشر، وبين الطهارة والنجاسة، وبين الإيمان والضلال، وبين الإنسان واللا إنسان. فالأيديولوجيا لا تكتفي بتقديم تفسير للعالم، بل تصنع للجماعة صورة عن ذاتها وصورة مضادة عن الآخرين؛ تحدد من نحن، ومن هم، ومن يستحق الحقيقة والخلاص، ومن يمثل الشر والتهديد. وتبدأ الكارثة حين يصبح إثبات الذات مشروطاً بنفي الآخر، وحين لا يعود المختلف مجرد إنسان يحمل رأياً مغايراً، بل يتحول في الوعي الجمعي إلى عدو للحقيقة والمقدس والوطن أو الأمة. هنا تبدأ عملية «صناعة الوحوش»، حيث تسبق اللغةُ السلاحَ، ويُقتل الإنسان رمزياً في الخطاب قبل أن يُقتل جسدياً في الواقع. والأخطر من ذلك كله هو العنف حين يكتسب شرعية مقدسة؛ لأن الإنسان قد يتردد في قتل إنسان مثله، لكنه لا يتردد كثيراً في القضاء على شيطان أو وحش يعتقد أن وجوده يهدد الخير نفسه. وعند هذه النقطة يتحول القتل من جريمة إلى واجب، ومن فعل وحشي إلى فضيلة، ومن عدوان إلى تضحية مقدسة. إن الأيديولوجيا المقدسة تمنح الإنسان أخطر أنواع البراءة الزائفة: براءة القاتل الذي لا يرى نفسه قاتلاً، لأنه مقتنع بأنه يؤدي رسالة سامية. وهكذا تحتاج الجماعات المتعصبة دائماً إلى اختراع وحش خارجي تحمل عليه مخاوفها وعيوبها وفشلها، كي تحافظ على صورة نقية ومثالية عن ذاتها. وكلما ازدادت قداسة الفكرة، ازدادت خطورة العنف الذي يمكن أن يُرتكب باسمها. فالتاريخ يعلمنا أن الوحوش لا تولد دائماً من الطبيعة البشرية، بل كثيراً ما تصنعها الكلمات، وتربيها الأيديولوجيات، ثم تأتي الأسلحة لتبحث عنها في الواقع.

ومن هنا كان تقنية الفصل بين السلطة السياسية والايديولوجيات المتنازعة هي افضل تقنية اكتشفها الإنسان لادارة المجتمع.

هنا تكتسب أطروحة سميث بعداً أكثر عمقاً. فالمشكلة ليست فقط في أن الإنسان قد يجرد الآخر من إنسانيته، بل في أن الإنسان نفسه قد يفقد إنسانيته عندما تختفي الحدود التي تضبط سلوكه فما أضعف الإنسان من دون مؤسسات عامة فاعلة؟ وما أخطره من دون قانون ونظام عام ودولة عادلة مستقرة؟

وقد كشفت التجربة التاريخية أن البشر، عندما تنهار مؤسساتهم الرسمية وتضعف سلطة القانون، يمكن أن يتحولوا إلى ما هو أحط من الوحوش. ففي لحظات انهيار الدولة والحروب الأهلية والفوضى الكبرى، تظهر فجأة وجوه أخرى للإنسان. ينهب الجار جاره، ويقتل الصديق صديقه، وتتحول البيوت والشوارع إلى مسارح للعنف. حاولت الفنانة الصربية مارينا أبراموفيتش اختبار هذه الفكرة بطريقة صادمة في تجربتها الشهيرة «الإيقاع صفر». جلست الفنانة ست ساعات أمام الجمهور، ووضعت إلى جانبها عشرات الأدوات، بعضها بريء كالورد والريش والعطر، وبعضها الآخر خطير كالسكاكين والمقص والمسدس، وأعلنت أن للجمهور الحرية الكاملة في أن يفعل بها ما يشاء، على أن تبقى هي ساكنة لا تقاوم.

في البداية كان الجمهور لطيفاً. قدم لها البعض الورود، ولمسها آخرون برفق. لكن شيئاً ما بدأ يتغير مع مرور الوقت. تحولت الحرية إلى اختبار للقوة، وتحول جسد المرأة الصامتة إلى موضوع يمكن العبث به. بدأت الاعتداءات، ثم التحرش، وتمزيق الملابس، وإحداث الجروح، حتى وصل الأمر إلى تهديد حياتها وحين انتهى العرض وبدأت مارينا تتحرك نحو الجمهور بوصفها إنسانة فاعلة لا جسداً ساكناً، بدأ كثير من المتفرجين بالهرب كأنهم لم يستطيعوا مواجهة المرأة التي ساهموا قبل لحظات في تحويلها إلى شيء. وهذا هو جوهر عملية التجريد من الإنسانية وانكشاف المتوحش في الذات البشرية. ولهذا يمكنا التأكيد إن القانون ليس اختراعاً بيروقراطياً لتقييد الإنسان فقط، بل هو أحد أعظم الإنجازات الحضارية لحماية البشر من بعضهم بعضاً. نحن لا نحتاج القانون لأننا ملائكة، بل لأننا بشر، ولأن في داخل كل واحد منا إمكانية للخير وإمكانية للشر.

فالدولة العادلة والمؤسسات المستقلة والقضاء والقانون ليست ترفاً سياسياً، بل هي حواجز حضارية تحول دون انفلات الجانب المتوحش في الإنسان.

ومن التجارب العلمية المهمة في كشف الطبيعة المتوحشة للإنسان حينما يمارس بعض الأدوار تجربة سجن ستانفورد، التي أجراها عالم النفس فيليب زيمباردو عام 1971، عن جانب آخر من هذه الحقيقة. فقد تم توزيع مجموعة من المتطوعين بصورة عشوائية بين أدوار الحراس والسجناء في بيئة تجريبية تحاكي السجن. ولم يمض وقت طويل حتى بدأ الذين منحوا دور الحراس يتصرفون بقسوة وعدوانية، في حين بدأ السجناء يعانون الإذلال والقلق والاكتئاب.

مما اضطر القائمون على التجربة إلى إيقافها قبل موعدها بسبب تصاعد السلوك العنيف فحين تمنح إنساناً سلطة مطلقة على إنسان آخر، وتزيل الرقابة، وتمنحه لباس السلطة ورموزها، فقد يبدأ في التصرف بوصفه السلطة ذاتها. وحين تجرد إنساناً من اسمه وتحوله إلى رقم، يصبح من السهل على الآخرين نسيان أنه شخص له كرامة وحقوق وهذا ما يلتقي بصورة عميقة مع أطروحة سميث. فالتجريد من الإنسانية لا يحدث فقط بالكلمات العنصرية، بل يحدث أيضاً عبر المؤسسات والأدوار والرموز. السجين يصبح رقماً، والعدو يصبح هدفاً، واللاجئ يصبح رقماً في تقرير، والضحية تصبح إحصائية.

إن تجربة مارينا أبراموفيتش وتجربة سجن ستانفورد وكتاب «صناعة الوحوش» تلتقي جميعاً عند سؤال فلسفي واحد: ماذا يفعل الإنسان عندما يشعر أن بإمكانه فعل أي شيء؟

الإنسان ليس ملاكاً سقط من السماء، ولا شيطاناً خرج من الجحيم. إنه كائن متناقض. فيه القدرة على الحب والرحمة كما فيه القدرة على القتل والتدمير. يستطيع أن يضحي بحياته لإنقاذ غريب، كما يستطيع أن يقتل جاره بسبب اختلاف في الدين أو العرق أو السياسة.

ولهذا فإن الحضارة ليست عملية القضاء على الوحش داخل الإنسان، فذلك ربما مستحيل، بل هي عملية ترويضه وإخضاع القوة للقانون، والرغبة للأخلاق، والسلطة للمساءلة.

الحضارة هي ذلك الجهد الطويل الذي يمنع الإنسان من فعل كل ما يستطيع فعله.

ختاما: لعل أخطر ما يكشفه لنا كتاب «صناعة الوحوش» هو أن الوحش ليس كائناً غريباً يهبط علينا من عالم آخر، بل إمكانية كامنة في الإنسان نفسه، تستيقظ حين تتغذى على الخوف والكراهية والتعصب، وحين تُصنع صورة الآخر بوصفه عدواً أو نجساً أو خطراً يستحق الإقصاء. فالعنف لا يبدأ بالرصاصة، بل بالكلمة التي تنزع عن الآخر إنسانيته، وبالفكرة التي تبرر احتقاره، وبالصورة التي تمهد الطريق للقضاء عليه. ولذلك فإن أعظم مقاومة للعنف هي أن نتعلم الاختلاف دون إلغاء، والمعارضة دون تكفير، والدفاع عن الحقوق دون التخلي عن إنسانية الخصوم. فالإنسان الذي يجرد غيره من إنسانيته يبدأ، في اللحظة ذاتها، بتجريد نفسه منها. ومن هنا تصبح حماية الإنسان من الوحش الكامن فيه مسؤولية مشتركة بين التربية والثقافة والأخلاق والقانون والدولة. ويظل المعيار الحقيقي للتحضر هو قدرة الإنسان على ضبط قوته ورغباته: فالإنسان المتحضر ليس من يستطيع أن يفعل كل شيء، بل من يستطيع أن يفعل، ثم يختار، بدافع الضمير والعقل والمسؤولية، ألا يفعل. وهنا تحديداً تبدأ الإنسانية.

***

ا. د. قاسم المحبشي

من الوجود بوصفه حضورًا للضمير إلى الوجود بوصفه صيرورةً وعبورًا

مقدمة: تنبع أهمية كتاب «الوعي والعدم: جوهر الوجود وحدود اللغة» لمنذر چلوب من أنه لا يدخل إلى الفلسفة من باب السؤال التقليدي عن ماهية الموجودات، وإنما من منطقة أكثر جذرية تتقاطع فيها أسئلة الوجود والوعي واللغة والعدم والإله والحرية والأخلاق والجمال، محاولًا أن يعيد بناء هذه الأسئلة من نقطة أولى يراها أكثر يقينًا من سواها، هي «الضمير» أو «الأنا». ومن هذه النقطة يبدأ مسار الكتاب في تفكيك عدد من الثنائيات التي حكمت التفكير الفلسفي طويلاً، ولا سيما ثنائية الوجود والعدم، والذات والموضوع، والجسد والروح، والحرية والحتمية، والمطلق والنسبي، قبل أن ينتهي إلى تصور يجعل الوجود نفسه متصلًا بالوعي اتصالًا لا يمكن فصله عنه.

غير أن القراءة من منظور فلسفة العبور تضع الكتاب أمام سؤال مختلف قليلًا: ماذا يحدث للوجود عندما لا ننظر إليه بوصفه حقيقة ينبغي القبض عليها، وإنما بوصفه صيرورة متحركة لا تستقر إلا مؤقتًا في صور بعينها؟ وماذا يحدث للوعي عندما لا يكون نقطة يقين نهائية، وإنما موقعًا عابرًا تتقاطع فيه الحركة واللغة والجسد والعالم والآخر؟ وهل يمكن تجاوز الثنائيات بالفعل إذا انتهى هذا التجاوز إلى إقامة وحدة أنطولوجية نهائية هي «الضمير»؟

هنا تحديدًا تبدأ القيمة الفلسفية الكبرى لهذه القراءة؛ إذ إن كتاب چلوب يبدو، من منظور فلسفة العبور، قريبًا من أفقها في لحظة، ومختلفًا عنها جذريًا في لحظة أخرى. فهو يعبر من الثنائيات، لكنه لا يعبر بالضرورة من الحاجة إلى المركز؛ وينقل الوجود من السكون إلى الحركة، لكنه قد يعيد تثبيت هذه الحركة داخل وحدة ميتافيزيقية؛ وينقد اللغة بوصفها منتجة للثنائيات، لكنه يجعلها في الوقت نفسه شرطًا للإمساك بالوجود. ولذلك فإن الكتاب يمكن أن يُقرأ بوصفه نصًا يقف عند عتبة فلسفة العبور: يفتح عددًا من الحدود التي ستعيد فلسفة العبور بناءها، لكنه لا يذهب بها جميعًا إلى نهاياتها.

أولًا: من وحدة الوجود إلى أنطولوجيا العبور

يقدم چلوب تصورًا للوجود يقوم على وحدة عميقة تتجاوز الانقسامات التي تفرضها اللغة والعقل، فالوجود في أساسه ليس مجموعة من الموجودات المتناثرة، وإنما حركة واحدة تتخذ صورًا متعددة، بينما الثنائيات التي نستخدمها لوصفه ليست بالضرورة موجودة في الواقع نفسه، بل قد تكون نتيجة لطريقة اشتغال اللغة والعقل.

وهذه النقطة تلتقي بصورة واضحة مع الأساس الأنطولوجي لفلسفة العبور، لأن الوجود العابر لا يُفهم بوصفه مجموع ذوات وأشياء ثابتة، وإنما بوصفه صيرورة وعلاقات وحركات وتحولات. فالشيء لا يكون هو ذاته لأنه يمتلك جوهرًا مغلقًا يستمر خلف تغيراته، وإنما لأنه يظل داخل شبكة من العلاقات والتحولات التي تمنحه صورة مؤقتة من صور الوجود ؛ لكن هنا يظهر الاختلاف الحاسم.

فإذا كان چلوب ينتهي إلى أن الوجود وحدة، فإن فلسفة العبور لا تجعل «الوحدة» هي النتيجة الأخيرة للوجود؛ لأن الوحدة نفسها ليست نهاية الصيرورة. فالوجود لا يتحول من التعدد إلى الوحدة ثم يستقر فيها، بل إن الوحدة والتعدد نفسيهما لحظتان داخل حركة أوسع. ولهذا فإن فلسفة العبور تتحفظ على كل أنطولوجيا تجعل وراء الاختلاف أصلًا واحدًا نهائيًا يمكن رد الموجودات إليه.

ومن هذه الزاوية يمكن إعادة صياغة أطروحة چلوب على النحو الآتي: إذا كان الوجود حركة، فإن السؤال الفلسفي لا يعود: ما وحدة هذه الحركة؟ وإنما: كيف تنتج الحركة صورها، وكيف تتكون الحدود داخلها، وكيف تعبر هذه الحدود، وكيف يتحول ما كان يبدو ثابتًا إلى علاقة جديدة؟ وهذا التحول ليس تفصيلًا اصطلاحيًا، وإنما يمثل انتقالًا من أنطولوجيا الوحدة إلى أنطولوجيا الصيرورة. فالعبور لا يلغي الوحدة، ولكنه يمنعها من التحول إلى مبدأ نهائي يغلق السؤال.

ثانيًا: «الضمير» بين الكوجيتو ومفهوم الإنسان العابر

يبدو مفهوم «الضمير» عند چلوب أهم نقطة يمكن أن تتحاور معها فلسفة العبور، لأنه لا يظهر بوصفه مفهومًا أخلاقيًا بالمعنى التقليدي، وإنما بوصفه حقيقة أنطولوجية أولى، أي باعتباره الموضع الذي يلتقي فيه الوجود مع وعيه بذاته. وهنا ينتقل الكتاب من ديكارت إلى ما بعد ديكارت، لكنه لا يقطع معه بصورة كاملة.

فالكوجيتو الديكارتي يقول، في جوهره، إن الشك نفسه يفترض ذاتًا تشك، ومن ثم فإن التفكير يصبح دليلًا على الوجود. أما چلوب فيذهب أبعد من ذلك حين يجعل «الضمير» ليس مجرد نتيجة معرفية للتفكير، بل حقيقة وجودية سابقة على كثير من التقسيمات التي نقيمها بين الذات والعالم.

من منظور فلسفة العبور، تكمن أهمية هذا التصور في أنه يكشف عن أن الإنسان ليس شيئًا محايدًا داخل العالم، بل هو موضع عبور تتقاطع فيه الذات والعالم واللغة والزمن والجسد. غير أن فلسفة العبور تتحفظ على نقل «الضمير» من كونه موضعًا للعبور إلى كونه واجب الوجود نفسه. فهنا يحدث نوع من إعادة بناء المركز الذي جرى تفكيكه في أماكن أخرى من الكتاب. فالقول إن الضمير هو الحقيقة التي يستحيل تصور انعدامها يؤدي إلى تأسيس مركز أنطولوجي جديد، بينما فلسفة العبور تتساءل: ماذا لو كان الضمير نفسه صيرورة؟ ماذا لو لم يكن «الأنا» جوهرًا محضًا، وإنما حدثًا يتشكل باستمرار عبر اللغة والجسد والذاكرة والآخر والعالم؟

بهذا المعنى يمكن الانتقال من: أنا أفكر → إذن أنا موجود إلى: أنا أتحول → إذن أنا في الوجود، ثم إلى صيغة أكثر جذرية: أنا أعبر → إذن أنا لا أوجد خارج التحول والعلاقة. فالإنسان، وفق فلسفة العبور، لا يحتاج إلى جوهر ثابت لكي يكون موجودًا؛ بل إن وجوده يتحدد من خلال قابليته للتحول. وهنا يصبح الضمير ليس «واجب الوجود»، وإنما أحد أكثر مواضع الوجود كثافةً في اختبار العبور.

ثالثًا: الحركة بوصفها نقطة التقاء بين الكتاب وفلسفة العبور

من أكثر الأفكار قابلية للاستثمار في فلسفة العبور قول چلوب إن الوجود في جوهره حركة فاعلة، وليس كتلة ساكنة أو مادة جامدة. هذه الأطروحة تفتح بابًا مهمًا جدًا، لأنها تنقل التفكير من سؤال «ما الموجود؟» إلى سؤال «كيف يحدث الموجود؟».

وهذا التحول هو أحد الشروط الأولى لتأسيس فلسفة العبور؛ لكن فلسفة العبور تضيف إلى مفهوم الحركة مفهومًا أكثر تحديدًا هو الحد. فليست كل حركة عبورًا. الحركة يمكن أن تكون استمرارًا داخل المجال نفسه، أما العبور فلا يظهر إلا عندما تصطدم الحركة بحد، أو عندما تعيد الحركة تشكيل الحد نفسه.

ومن هنا يمكن بناء السلسلة المفهومية: (الوجود، الصيرورة، الحركة، الحد، العبور، السيولة، التعدد، العلاقة). وهذه السلسلة تكشف أن الحركة التي يثبتها چلوب تحتاج، لكي تصبح «فلسفة عبور»، إلى سؤال الحدود. فما الذي يفصل الإنسان عن العالم؟ ما الذي يفصل الذات عن الآخر؟ ما الذي يفصل الوجود عن العدم؟ ما الذي يفصل الممكن عن الواقع؟

وإذا كانت هذه الحدود من إنتاج اللغة، كما يرى چلوب في عدد من المواضع، فهل يعني ذلك أن العبور لا يكون إلا عبورًا لغويًا؟ أم أن اللغة نفسها ليست سوى أحد مستويات الحدود، بينما توجد حدود جسدية وزمنية وتاريخية وسياسية وأخلاقية واجتماعية؟ هنا تتوسع فلسفة العبور عن أنطولوجيا اللغة إلى أنطولوجيا الحدود.

رابعًا: العدم بوصفه حدًا لغويًا أم أفقًا للعبور؟

يقدم الكتاب نقدًا جذريًا لمفهوم العدم، إذ يرى أن العدم ليس موجودًا قائمًا في الواقع، وإنما هو نتيجة لغوية لعملية النفي، ومن ثم فإن الحديث عن «العدم» قد يكون في جزء منه نتيجة الطريقة التي تعمل بها اللغة.

هذه الفكرة ذات أهمية كبيرة بالنسبة لفلسفة العبور، لكنها تحتاج إلى إعادة تأويل.فبدل أن تسأل فلسفة العبور: هل العدم موجود أم غير موجود؟ يمكنها أن تسأل: ما الذي يحدث للوجود عندما يبلغ حدًا لا يستطيع أن يحوله إلى موجود حاضر؟ وهنا يصبح العدم ليس «شيئًا» يقابل الوجود، بل حدًا مفهوميًا يكشف عن محدودية قدرتنا على القبض على الوجود.

بهذا المعنى، فإن الوجود والعدم لا يعودان طرفين في ثنائية ميتافيزيقية، بل يصبحان علامتين داخل حركة التفكير نفسه. وهنا يمكن لفلسفة العبور أن تستثمر نقد چلوب للعدم، ولكنها لا تنتهي إلى إلغاء العدم، بل تعيد تعريف وظيفته: العدم ليس موجودًا يقف مقابل الوجود، وإنما هو اسم للحد الذي يظهر عنده عجز اللغة أو الفكر عن تحويل الغياب إلى حضور.

وهكذا يصبح العدم نفسه جزءًا من فلسفة الحدود.

خامسًا: اللغة من أداة وصف العالم إلى فضاء عبوره

الكتاب يضع اللغة في مركز أنطولوجي مهم، ويذهب إلى أن الوجود واللغة مرتبطان من الجذور، وأن اللغة لا تكتفي بوصف العالم، وإنما تشارك في إنتاج الطريقة التي يظهر بها. وهذه الفكرة تفتح إمكانية مهمة جدًا لفلسفة العبور. لكن فلسفة العبور لا تكتفي بالقول إن اللغة تصنع العالم، لأن هذا القول يمكن أن يعيد إنتاج مركزية اللغة نفسها.

الأهم هو النظر إلى اللغة باعتبارها فضاء عبور. فاللغة تعبر من التجربة إلى المفهوم، ومن الإحساس إلى المعنى، ومن الفرد إلى الجماعة، ومن الماضي إلى الحاضر، ومن الممكن إلى المتحقق.

وفي الوقت نفسه فإن كل لغة تضع حدودًا لما يمكن قوله، أي أنها تفتح إمكانات وتغلق أخرى. ومن هنا تصبح اللغة ذات طبيعة مزدوجة: "هي حدٌّ ووسيلة عبور في آن واحد". وهذه الثنائية أكثر إنتاجية من القول إن اللغة هي الوجود ببساطة. فاللغة لا تستنفد الوجود؛ لأن الوجود أوسع من كل صياغة لغوية، لكنها تمنح الوجود إمكانية الظهور والتداول والتأويل. ولهذا فإن فلسفة العبور تقترح الانتقال من: "اللغة بوصفها وجودًا" إلى:"اللغة بوصفها حدًا عابرًا بين الوجود ومعناه."

سادسًا: الله والضمير وإشكالية «المطلق»

من أكثر مناطق الكتاب جرأة إعادة التفكير في مفهوم الله، ولا سيما في نقد صورة الإله الشخصي المنفصل عن الوجود والضمير، وفي محاولة بناء تصور يرى الله بوصفه الوجود الكلي الواحد أو المرآة التي يلتقي فيها الضمير مع الوجود.

ومن منظور فلسفة العبور، تكمن أهمية هذا التصور في محاولته تجاوز الثنائية بين المطلق والمحدود، وبين الله والعالم، وبين الإنسان والمطلق. غير أن فلسفة العبور ستطرح هنا سؤالًا حاسمًا: هل يمكن عبور الثنائية بين المحدود والمطلق بإقامة وحدة جديدة بينهما؟

فالعبور لا يعني بالضرورة الوصول إلى وحدة نهائية، لأن الوصول النهائي قد يكون شكلًا آخر من أشكال إغلاق الحركة. لذلك فإن مفهوم «المطلق» في فلسفة العبور يحتاج إلى إعادة بناء؛ فالمطلق لا ينبغي أن يكون مجرد نقطة تنتهي إليها الحركة، بل يمكن فهمه بوصفه أفقًا لا ينغلق.

وهنا يلتقي هذا التصور مع مفهوم «الإنسان المفتوح»: الإنسان لا يمتلك المطلق، ولا يتحول إلى المطلق، وإنما يعيش علاقة مفتوحة معه. ومن ثم فإن الصيغة: الإله = الضمير = الوجود تحتاج، من منظور العبور، إلى صيغة أكثر سيولة: ( الضمير ↔ العالم ↔ الآخر ↔ الوجود ↔ المطلق)، أي أن العلاقة تصبح أهم من المطابقة. وهذا فرق فلسفي عميق بين أنطولوجيا الهوية وأنطولوجيا العلاقة.

سابعًا: الحرية بوصفها قدرة على العبور

تكتسب الحرية في الكتاب موقعًا مركزيًا، لأنها مرتبطة بالضمير والإرادة، ويبدو أن الكاتب يرفض اختزال الإنسان في شبكة حتميات سببية مغلقة. ومن منظور فلسفة العبور، يمكن تطوير هذه الفكرة باتجاه أكثر تركيبًا.فالحرية ليست مجرد أن يكون الإنسان قادرًا على الاختيار بين بدائل، وإنما هي قابلية العبور من حالة وجودية إلى أخرى. وهنا تصبح الحرية: "قابلية للتحول". فالإنسان الحر ليس فقط من يستطيع أن يقول «نعم» أو «لا»، وإنما من يستطيع أن يعيد تشكيل موقعه داخل الحدود التي تحدد وجوده.

الأسرة، المجتمع، التاريخ، اللغة، السلطة، الجسد، الذاكرة، الهوية؛ كلها حدود، لكن الحدود ليست سجونًا نهائية. إنها مجالات يمكن إعادة التفاوض معها. ومن هنا يمكن تحويل مفهوم الحرية من:" حرية الإرادة" إلى:"حرية العبور." وهذه الحرية لا تعني التحرر من كل حد، لأن ذلك مستحيل، وإنما تعني امتلاك القدرة على تحويل العلاقة مع الحد.

ثامنًا: الأخلاق بين «صفاء الضمير» و«أخلاق العبور»

يربط چلوب الأخلاق بالضمير في صفائه المطلق، ويرى أن الشر يرتبط بانحراف الإنسان عن الحق والعدل لصالح مقتضيات البقاء والمصلحة.

لكن فلسفة العبور تتحفظ على تصور الأخلاق بوصفها عودة إلى جوهر داخلي صافٍ.

ذلك أن الضمير نفسه يتشكل تاريخيًا ولغويًا واجتماعيًا، كما أن ما يعتبره الإنسان «خيرًا» أو «عدلًا» لا ينفصل عن علاقته بالآخر وبالبنى الاجتماعية التي يعيش داخلها.

لذلك فإن الأخلاق العابرة لا تبحث عن ضمير نقي في مقابل عالم ملوث، وإنما تبحث عن إمكانية بناء العلاقة الأخلاقية داخل عالم متغير. وهنا يظهر مفهوم مهم يمكن استثماره: "الاعتراف العابر" أي أن الأخلاق تبدأ عندما يعبر الإنسان من مركزية الذات إلى الاعتراف بالآخر، دون أن يلغي ذاته أو يذوب فيه.

فالآخر ليس عائقًا أمام الضمير، بل هو أحد الشروط التي تجعل الضمير أخلاقيًا. وبذلك تنتقل الأخلاق من: (الضمير، الواجب) إلى: (الضمير، الآخر، العلاقة، المسؤولية).

تاسعًا: الجمال والحب بوصفهما فعلَي عبور

في تصور چلوب للجمال والفن والحب تظهر واحدة من أكثر إمكانات الكتاب قربًا من فلسفة العبور.

فالجمال لا يعود مجرد صفة في الشيء الجميل، وإنما يصبح لحظة يتجاوز فيها الإنسان المعنى المباشر نحو معنى أوسع، بينما يتحول الفن إلى محاولة لفتح المعنى على ما يتجاوز التحديد النهائي.

وهذا بالضبط تقريبًا ما تسميه فلسفة العبور التجربة العابرة. فالفن لا يعبر فقط من الواقع إلى الخيال، وإنما يعبر من الواقع القائم إلى الممكن. والشعر، بصورة خاصة، لا يصف العالم فحسب، بل يغير علاقته باللغة، ويجعل اللغة نفسها تعبر حدود استعمالها المألوف.

ومن هنا يمكن بناء مفهوم: (الجمال العابر)، بوصفه تجربة جمالية يحدث فيها تجاوز مؤقت للحدود المعتادة بين الذات والموضوع، والحسي والمتخيل، والمعلوم والمجهول، والحاضر والممكن.

أما الحب، فإن القراءة العابرة ستخرجه أيضًا من الثنائية التقليدية بين الغريزة والعاطفة، لتراه بوصفه إعادة تشكيل للحد الفاصل بين الأنا والآخر. الحب، بهذا المعنى، ليس إلغاءً للحدود، وإنما إعادة تنظيم لها؛ لأن العلاقة التي تلغي الاختلاف تمامًا تتحول إلى امتلاك، بينما العلاقة التي تحفظ الاختلاف وتسمح بالتقاطع تصبح علاقة عبور.

عاشرًا: أين يتوقف الكتاب؟ وأين تبدأ فلسفة العبور؟

تظهر القيمة الحقيقية للكتاب، من هذه الزاوية، في أنه يقوم بحركة فلسفية مزدوجة: يفكك الحدود التي أقامتها الميتافيزيقا التقليدية، لكنه يبحث في الوقت نفسه عن نقطة يقين تتجاوز هذه الحدود.

وهنا تحديدًا يقع الفرق بين المشروعين، يمكن تلخيص مسار الكتاب كما تقدمه الدراسة في الصيغة: (الكوجيتو، الضمير، الوجود، الحركة، تجاوز الثنائيات، الوحدة).

أما فلسفة العبور فتقترح مسارًا آخر: (الوجود، الصيرورة، الحركة، الحد، العبور، السيولة، التعدد، العلاقة، الإنسان المفتوح). ومن ثم فان الفرق بين المسارين بالغ الأهمية. في المسار الأول، يبدو أن الحركة تقود في النهاية إلى وحدة أنطولوجية.

أما في المسار الثاني، فالحركة لا تحتاج إلى نهاية نهائية؛ لأنها هي نفسها بنية الوجود. وهذا يعني أن فلسفة العبور لا تسأل فقط: كيف نتجاوز الثنائيات؟ بل تضيف: ماذا يحدث بعد تجاوزها؟

فقد يكون تجاوز ثنائية الوجود والعدم مجرد بداية، لا خاتمة؛ لأننا إذا تخلصنا من ثنائية الوجود والعدم ثم أقَمْنا وحدة نهائية للوجود، فإننا نكون قد انتقلنا من ثنائية إلى مركز، لا من الثبات إلى السيولة.

ومن هنا تأتي الملاحظة النقدية الأكثر أهمية في قراءة الكتاب: إن الخطر الفلسفي لا يكمن فقط في الثنائيات، وإنما في كل مركز يدّعي امتلاك النهاية.

خاتمة:

تكشف هذه القراءة أن كتاب «الوعي والعدم» يمكن أن يمثل مادة فلسفية خصبة جدًا داخل مشروع فلسفة العبور، لا لأنه يقدم فلسفة عبور مكتملة، وإنما لأنه يقترب من عدد من شروطها الأساسية: نقد الثنائيات، نقد الجمود الأنطولوجي، إعادة الاعتبار للحركة، مساءلة العلاقة بين اللغة والوجود، إعادة التفكير في الوعي والحرية والجمال، ومحاولة تجاوز الفصل التقليدي بين الذات والعالم.

لكن أهم ما تكشفه القراءة العابرة هو أن الكتاب يقف أمام مفارقة تأسيسية: كلما نجح في تحرير الوجود من ثنائية أو انقسام، اتجه إلى البحث عن وحدة نهائية تؤسس هذا التحرير. وهنا تستأنف فلسفة العبور السؤال من حيث يتوقف الكتاب.

فالعبور لا يبحث عن جوهر يقف وراء التحول، ولا عن وحدة تلغي التعدد، ولا عن مطلق ينهي الحركة، وإنما يرى أن التحول سابق على كل صورة من صور الاستقرار، وأن السيولة ليست حالة عرضية للوجود، بل شرط إمكانه، وأن الهوية ليست شيئًا يظل مطابقًا لذاته رغم التغير، بل علاقة تتشكل من خلال التغير ذاته.

ومن ثم فإن «الضمير» يمكن أن يُعاد تأويله، لا بوصفه «واجب الوجود»، وإنما بوصفه موضعًا تتكثف فيه حركة الوجود وتصبح واعية بعبورها؛ واللغة لا تكون الوجود ذاته، وإنما تصبح الحد الذي يعبر من خلاله الوجود إلى المعنى؛ والعدم لا يكون نقيض الوجود، وإنما اسمًا لحدود القبض عليه؛ والحرية لا تكون مجرد استقلال للإرادة، وإنما قدرة على إعادة تشكيل العلاقة بالحدود؛ والأخلاق لا تكون مجرد صوت داخلي صافٍ، وإنما مسؤولية تنشأ عند لقاء الذات بالآخر؛ والجمال لا يكون مجرد انفعال، وإنما تجربة تعبر بالإنسان من الواقع إلى الممكن.

وعند هذه النقطة يمكن أن نعيد صياغة العلاقة بين الكتاب وفلسفة العبور في عبارة واحدة:

منذر چلوب يحاول تحرير الوجود من سجن الثنائيات وإعادته إلى وحدة الحركة؛ أما فلسفة العبور فتريد أن تذهب خطوة أبعد، فتحرر الحركة نفسها من ضرورة الوصول إلى وحدة نهائية، وتجعل الوجود صيرورةً، والحركة عبورًا، والحد إمكانًا، والإنسان مشروعًا مفتوحًا.

وبهذا المعنى لا يكون «الوعي والعدم» مجرد كتاب يمكن الاستفادة منه في مشروع فلسفة العبور، بل يمكن أن يتحول إلى مختبر نقدي مهم لاختبار إحدى المسائل المركزية في المشروع: هل يمكن تأسيس أنطولوجيا للحركة من دون تحويل الحركة إلى جوهر جديد، وهل يمكن تجاوز الميتافيزيقا من دون إنتاج مركز ميتافيزيقي جديد؟

وهذا السؤال تحديدًا يستحق أن يُبنى عليه مبحث مستقل في أنطولوجيا العبور، لأن الكتاب يتيح اختبار الانتقال من «الوجود بوصفه وحدة» إلى «الوجود بوصفه صيرورة»، ومن «الضمير بوصفه جوهرًا» إلى «الضمير بوصفه علاقة»، ومن «تجاوز الثنائية» إلى «إبقاء الحدود مفتوحة»؛ وهي انتقالات تمثل، في تقديري، إحدى أكثر المناطق خصوبة في الحوار بين مشروع منذر چلوب ومشروع فلسفة العبور.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

يأتينا المبدع محمود شقير في كلّ جديد بما يفتح أمامَنا آفاقا جديدة ورُؤى بعيدةً لم نكن نلتفتُ إليها. وفي كتابه الأخير "الكتابة مهنتي... الكتابة حياتي" (إصدار مكتبة كل شيء حيفا- 2026) يفاجئنا بإصدار يصعُبُ عليّ تحديد هويته، يجد فيه القارئ ما لم يكن يتصوّر، ويتوقّف ما بين الصفحات المتتالية الغنيّة بما تحويه من كنوز ولسان حاله يُردِّد: لا يفعل ذلك غيرُ محمود شقير.

وكما في معظم مؤلّفاته يبدأ بإهداء مؤلفه الجديد لأفراد من أسرته وإلى مدينة القدس المعشوقة الأبديّة التي تُعاني من عنصرية الاحتلال، ويهدي كتابه هذا أيضا لمدينة غزّة التي تُعاني من حرب الإبادة.

بعدها ينتقل ليدخلَنا إلى مضامين مُؤلَّفه بإضاءات أرادها دالّة للقارئ على الكثير من مكنونات محمود شقير التي يعرفها والتي لا يزال يجهلها.

ويؤكد محمود شقير أنه في مؤلّفه هذا يدوِّن وجهات نظره حول بعض ما أنجز من قصص وروايات وكُتب سيرة وحول الأدب والفن وعلاقتهما بالسياسة، ويوضّح بأنّ السياسة التي يقصدها تلك التي تعني الدفاع عن الحقّ ورفض العدوان. وأن الكتابة بالنسبة له لم تعد هواية يُمارسها في بعض أوقات الفراغ، بل أصبحت بعد خروجه من الوظيفة وتقاعده إلى مُهمّة يُمارسها كل يوم بانضباط(ص5).

ويقول محمود شقير إنّه لم يتقيّد بالتسلسل الزمني للأحداث، ويقفز من فكرة إلى أخرى ومن مشهد إلى آخر، لإبعاد الرّتابة عن القارئ.

"الكتابة مهنتي... الكتابة حياتي" هو المؤلف الأكثر التصاقا وتصويرا لمحمود شقير، الإنسان الراقي الذي أراد وفعل باحتضان كل العالم بشعوبه المختلفة، وأسبغ عليها محبتَه ومَشاعرَه الإنسانية، وخصّ شعبَه ووطنه، وخاصّة القدس الأسيرة وغزة الذبيحة بالقسط الأكبر.

"الكتابة مهنتي.. الكتابة حياتي" خلطة أدبية، فكرية، تربوية، سياسية وإنسانية لم يقتصر فيها محمود شقير على ما كتبَ هو فقط، وإنّما ضمّنه الكثيرَ من نصوص ورسائل لأصدقاء وكتّاب ومبدعين وصحافيين ورجال فكر  وسياسة طارحا آراءه في الكثير ممّا قرأ، وعارضا لبعض المغرضين الذين أرادوا النيل منه، مُتعاليا مُتصرِّفا معهم كفعل الأب الرحوم مع أولاده الصغار الذين يرعاهم ويعمل على هدايتهم لما فيه خير للجميع.

محمود شقير يعلن أنه اعتبارا من يوم السبت 2.5.2026 سيتوقف عن حضور الندوات وتحرير المخطوطات وكتابة المقالات الخاصّة بعَرْض الكتب.

وسؤالي للعزيز أبي خالد:

وهل تملُكُ القوّةَ لتَحدّي الهزّة التي ستصيبُكَ ويرتعشُ لها كلُّ وجودِكَ إذا ما قرأتَ ما يثيرُ ويشدُّ ويطغى!؟

لك كلّ التحيات العزيز محمود شقير، ولنا لقاءات أخرى معك كما تعودنا وعوّدتَنا.   

***

د. نبيه القاسم

يمكن أن يعد كتاب د. جاسم الخالدي: (بنية الحداثة الشعرية.. في تجربة عمر السراي: الرؤية- المتخيل- الخطاب)-الصادر حديثاً عن دار فراغات٢٠٢٦- مساجلة نقدية مع عالم عمر السراي الشعري، وهما اللذان نذرا نفسيهما لفض اشتباك المعنى في أشيائنا وتجاربنا، وبث روح الشعر والشعرية فيها، سواء أكان ذلك عبر القول الشعري -كما هو عند السراي-، أم اليمين النقدي الذي آلى الخالدي في مقارباته الشعرية والنقدية على أن يبحر عميقا في دهاليز نصوصها،  والسرارية منها خاصة، وهكذا انطلق الخالدي في كتابه هذا صوب المعنى عبر قضايا شعرية لا يجليها من تيهها لوقتها إلا هو، فكانت مقاربات الرؤية، والمتخيل، والخطاب نافذة لابد منها، ومن الوقوف عبرها طويلا لنرى أعماق هذا البحر اللجي المتلاطم، مما سطره عمر السراي في قصائده ودواوينه، ولا أظنني أبعد في القول كثيرا إن قلت إنه بات ضروريا أيضا لا لكشف تجربة فردية أخرى معها مشابهة لها، بل يمكن أن تمتد إلى المشهد الشعري الحديث بكل غناه، وتعرجاته، والتوائه على ذوي البنية القرائية الضعيفة، والتي لم تتمرس طويلا بمزالق النص الشعري الحديث، وامتناعه عن الانصياع إلا لمن تجشم عناء السفر عبر بحره المتلاطم ذاك، إذ طفق الناقد الحصيف يهشم الظلام، وانغلاق المعنى بسبب رمزيته  الكثيفة، في فصول سبعة غنية، ومتنوعة في مباحثها، وعنواناتها، ومصطلحاتها، امتدت على ( ٢٦٩ صفحة)؛ لتوقفنا على غنى هذا المنجز، وسعته، وامتداده، وقوة أثره، وقدرته على كشف الوجع الإنساني، والألم العراقي، والضياع الوجودي، مفتضا ضبابية الرمز وإشاراته للألم التاريخي الممزوج والمكرر في النص الحديث، والمعاصر. فكانت الوقفة المعجمية في الفصل الأول انطلاقة لتحسس تحولات المعنى عبر تحولات اللفظة ومجازاتها، واستعاراتها، متخذة من الانزياحات الدلالية، عامل ضبط لقراءة موضوعية في منهجها، ذاتية في تذوقها وجماليات تأثرها، ومن ثم خلق تأثيرها.

   لينتقل في مبحث ثان من الفصل الأول لقضايا البلاغة المعتادة، والحديثة، ويرنو بنظره، ويتأمل لما يعتمل في نصوص السراي من تفاعل بين التشخيص، والرمز، والمفارقة، والتناص. ليحول الشعر من مجرد سرد للأحداث، إلى رؤية متكاملة تعكس الأزمة الوجودية، والسياسية للإنسان والوطن معا.(٢٠٢٦، ٢٩).

يخط قلم الخالدي بعدها مداراته الفكرية حول: "تجليات الاغتراب.. وجماليات الهامش في قصائد (دراجة هوائية) النثرية". في فصل ثان بمباحث أربع، وتنبع أهمية هذا المحتوى (الاغتراب) من قدرته على تحويل الفقد من رثائية تقليدية إلى فلسفة حضور، حيث يتجلى الوطن في نصوص السراي الشعرية بوصفه جسدا حيا يئن في ردهات (العناية المركزة)،(٣٣-٣٤) .

جاء الفصل الثالث تحت أفق فلسفي ينذر بوقع وخيم، فكان :"فلسفة التكرار وبلاغة الفقد: دراسة في قصائد التفعيلة: حداد أبيض، وقصائد النثر (دراجة هوائية)"، فانشغل بالبحث عن قدرة الشاعر على تحويل المفردة المكررة إلى أداة لترميم شظايا الروح المتناثرة، وتوثيق بلاغة الفقد. وذلك في مباحث أربع، ننتهي بعدها للحكم إنها جعلت من القصيدة فعلا للمقاومة، ومن الحداد بياضا يستعصي على المحو والنسيان.(٧٠).

ويبقى الناقد الخالدي طويل الوقوف عند قصائد السراي معلنا عن اكتشافاته في الفصل الرابع الذي وسمه ب: "الحب والوعي الشعري في مجموعة ( ولهٌ لها)" بمباحثه الثلاث، منتهيا إلى إن المجموعة تمثل نصا شعريا مركبا، تتقاطع فيه التجربة العاطفية، مع الأفق الفكري، والأسئلة الوجودية والفنية. فيبدو جليا لنا أن النص الشعري عند السراي لا يكتفي بوصف الحب، أو تجسيد العاطفة، بل يشكل بناء وجوديا متكاملا.

   في فصله الخامس يأخذنا الخالدي إلى تخوم مغارات السراي المتعددة عبر: "تحولات التناص بين المرجعية الثقافية وشعرية اللغة التقنية "، وبمباحث خمسة جهدت على أن تكشف تجربة الشاعر السراي التي يبدو أنها أولت أهمية كبرى لـ(معمارية النص) وعلاقته بالموروث، "فالنص عند السراي ليس وليد لحظة انفعالية معزولة، بل هو ثمرة حوارية مستمرة مع نصوص غائبة، ومرجعيات ثقافية متعددة. وبعد استنطاق مجموعة من أعمال الشاعر، ورصد آليات التناص وتجلياته السيميائية خلصت المقاربة إلى جملة من النتائج الجوهرية التي ترسم ملامح الهوية الشعرية للسراي. فقد انتهت إلى أن عمر السراي استطاع اجتراح تناص تفاعلي لا يرى في التاريخ سلطة قامعة، بل يراه طاقة توليدية تمنح الحاضر شرعيته".

في الفصل السادس-ما قبل الأخير- يدون الناقد الدكتور جاسم حسين سلطان الخالدي ملاحظه الهامة حول: "البنية الايقاعية  بين المحافظة والتحول" في شعر عمر السراي، ويعد الايقاع في تجربة السراي الشعرية العمود الفقري الذي تستند إليه رؤيته الجمالية، فالإيقاع عبارة عن استجابة نفسية، ونبض داخلي يتحرك بمرونة تعبيرية عالية، بين الأشكال الشعرية الثلاثة. وكما يقول الخالدي. لقد حاولت هذه الدراسة استقراء كيفية توظيف الشاعر للموسيقى (الظاهرة والباطنة)؛ للتعبير عن انكسارات الذات، وتشظي الواقع العراقي. (١٦٧).

خلصت مقاربة هذا الفصل إلى جملة من الاستنتاجات الجوهرية التي صاغت الهوية الموسيقية للشاعر، ومن أبرزها: إن السراي لم يتعامل مع الأشكال الشعرية (العمود، التفعيلة، النثر) بوصفها جزرا معزولة، بل بوصفها مسارات تطورية متكاملة.(٢٣٠).

يختم الخالدي مقاربته النقدية لشعر السراي في فصلها السابع بالحديث عن: "سيميائية الجسد والمادة واللغة التقنية: دراسة تقابلية بين مجموعتي (حداد أبيض) و(حلويات)"، خاض فيه غمار العلاقة بين الذات الشاعرة، ومحيطها المادي المأزوم. وبست مباحث غنية انتهت إلى تقرير ينص على "انتقال راديكالي في (سيميائية الجسد)؛ أثبت من خلاله أن السراي أحدث خرقا في (وقار اللغة الشعرية)، ومن ثم أكد: "أن تجربة عمر السراي تمثل صوتا شعريا متميزا في قدرته على (أنسنة المادة) و( تأثيث العدم)" .(٢٦٤) .

  وهكذا يوقف الناقد القدير د. جاسم الخالدي قراءته النقدية لشعر عمر السراي بكتاب " بنية الحداثة الشعرية.. في تجربة عمر السراي: الرؤية- المتخيل- الخطاب ". وقد أكد في كتابه هذا صدق مقولة: "إن النقد ابداع على ابداع"، ليواصل بعده قراءاته لنصوص ابداعية أخرى، أثثت المشهد الابداعي العراقي، وكما عودنا بين زمن وآخر، ونحن في انتظاره، وما يجود به يراعه..

   ختاما لا ندري أي القلمين أزكى نشرا وطيا، أهو بحر الشعر ومتلاطمه: السراي، ام هو من مزج الفكر، بالنقد، بالإبداع؛ د. جاسم الخالدي، فتعانقت رؤيتاهما الشعرية، والنقدية لتظهرا لونا جديدا من رؤيا العالم، والكون، والوجود.

***

د. رياض الناصري

١٨-٨-٢٠٢٦

 

مقاربة سردية ما بعد حديثة

مقدمة: يُعد كتاب «الذات تصف نفسها» أحد النصوص الأساسية في الفكر الفلسفي المعاصر الذي يعيد مساءلة مفهوم الذات من زاوية أخلاقية وسردية في آن واحد. ينطلق الكتاب من سؤال مركزي يبدو بسيطاً في ظاهره عميقاً في باطنه: هل تستطيع الذات أن تقدم وصفاً كاملاً وشفافاً لنفسها؟ ومن خلال هذا السؤال يفتح أفقاً واسعاً لإعادة التفكير في العلاقة بين السرد والذاتية والمسؤولية والآخر. والمقاربة السردية ما بعد الحديثة التي نعتمدها هنا لا تكتفي بعرض مضامين الكتاب، بل تسعى إلى قراءة بنيته بوصفها ممارسة سردية تفكك أوهام الحداثة عن الذات السيادية الشفافة، وتكشف عن الطابع العلائقي والمعتم والمشروط لكل محاولة سردية للذات. فمن هي جوديت بتلر؟ وماذا يتضمن كتابها الشهير الذات تصف نفسها؟

الإطار العام للكتاب وموقعه في التحول ما بعد الحديث

يندرج الكتاب ضمن تحول فلسفي واسع شهدته العقود الأخيرة، تحول ينتقل من الثقة الحديثة بالذات العاقلة المستقلة القادرة على معرفة نفسها معرفة كاملة، إلى إدراك ما بعد حديث بأن الذات تتشكل داخل شبكات من المعايير الاجتماعية واللغوية والعلاقات مع الآخرين، وأنها تظل جزئياً غريبة عن نفسها. السرد هنا ليس أداة محايدة لنقل حقيقة داخلية مسبقة، بل هو الفضاء الذي تتكوّن فيه الذات جزئياً، وفي الوقت نفسه الفضاء الذي يكشف عن حدود هذا التكوين.

المقاربة السردية ما بعد الحديثة تبرز كيف أن الكتاب يتعامل مع وصف الذات لا بوصفه فعلاً تعبيرياً بسيطاً، بل بوصفه حدثاً سردياً معقداً تحكمه قواعد النوع السردي وحدود اللغة وانخراط الراوي في ما يرويه. فالذات التي تحكي عن نفسها ليست راوياً عليماً خارج الحكاية، بل هي جزء من الحكاية ذاتها، مشروطة بما سبقها وبما يحيط بها وبما لا تستطيع استعادته بالكامل.

البنية السردية للذات: من الوهم السيادي إلى العتمة العلائقية

يبدأ الكتاب بتفكيك الافتراض الحديث القائل إن الذات تستطيع أن تكون مصدر سردها الكامل. هذا الافتراض يقوم على صورة الراوي السيادي الذي يمتلك زمام حكايته من البداية إلى النهاية، ويعرف دوافعه وأصوله وأسباب أفعاله معرفة شفافة. المقاربة ما بعد الحديثة تكشف أن هذه الصورة سردية أولاً وقبل كل شيء: إنها حكاية حديثة عن الذات أكثر مما هي وصف لواقعها. بدلاً من ذلك، يقدم الكتاب تصوراً للذات بوصفها كياناً يتشكل عبر سرد يظل دائماً ناقصاً. فكل محاولة لوصف النفس تصطدم بما لا يمكن استعادته: بالطفولة التي سبقت القدرة على السرد، بالمعايير الاجتماعية التي شكلت الإدراك قبل أن تصبح موضوعاً للوعي، بالآخرين الذين تركوا آثارهم في اللغة والجسد والعاطفة. السرد الذاتي يصبح بذلك حركة مزدوجة: حركة بناء للهوية وحركة كشف عن استحالة اكتمال هذا البناء.

العتمة هنا ليست عيباً يُراد التخلص منه، بل هي شرط بنيوي. الذات معتمة على نفسها لأنها لم تؤسس نفسها بنفسها، ولأنها مدينة في وجودها السردي إلى لغة لم تخترها وإلى علاقات سبقتها. هذا الإدراك يحول السرد من أداة سيادية إلى ممارسة هشة ومسؤولة في آن. الهشاشة تأتي من الاعتراف بالنقص، والمسؤولية تأتي من الإقرار بأن هذا النقص لا يعفي من الإجابة على سؤال «من أكون؟» أو «لماذا فعلت ما فعلت؟».

السرد والآخر: البنية الحوارية للوصف الذاتي

تبرز المقاربة السردية ما بعد الحديثة البعد الحواري الجوهري في الكتاب. فوصف الذات لا يتم في فراغ، بل يتم دائماً أمام آخر أو من أجل آخر أو بسبب آخر. الآخر ليس مجرد مستمع خارجي، بل هو الشرط الذي يجعل السرد ممكناً أصلاً. اللغة التي تُستخدم في الوصف هي لغة مشتركة، والمعايير التي تُحاكَم بها الحكاية هي معايير اجتماعية، والطلب الذي يدفع إلى تقديم الحساب هو طلب يأتي من خارج الذات.

بهذا المعنى يصبح السرد الذاتي شكلاً من أشكال المخاطبة. الذات لا تحكي عن نفسها كما تحكي عن شيء مكتمل، بل تحكي وهي في وضعية الانكشاف أمام نظرة أخرى. هذه الوضعية تحول السرد إلى حدث أخلاقي قبل أن يكون حدثاً معرفياً. فالمسألة لم تعد «هل أعرف نفسي جيداً؟» بقدر ما أصبحت «كيف أستطيع أن أجيب حين يُطلب مني أن أقدم حساباً عن نفسي، وأنا أعلم أن حسابي سيظل ناقصاً؟».

المقاربة ما بعد الحديثة تقرأ هذا البعد بوصفه تفكيكاً لأسطورة الراوي المنعزل. فكل سرد ذاتي يحمل داخله آثار خطابات أخرى، ويحاور توقعات القارئ أو السامع، ويتفاوض مع المعايير السائدة حول ما يُعد حكاية مقبولة أو مفهومة أو مسؤولة. السرد يصبح بذلك فضاء تفاوضياً لا فضاء تعبيرياً خالصاً.

حدود السرد وأخلاقيات النقص

من أبرز إسهامات الكتاب في السياق السردي ما بعد الحديث إبرازه أن حدود السرد ليست نهاية للأخلاق بل بدايتها الممكنة. فالاعتراف بأن الذات لا تستطيع أن تقدم وصفاً كاملاً لنفسها لا يؤدي إلى نسبوية أخلاقية أو إلى التنصل من المسؤولية، بل يؤسس لمسؤولية من نوع مختلف: مسؤولية تعترف بالهشاشة المشتركة، وترفض الادعاء بالشفافية المطلقة، وتفتح أفقاً للتضامن القائم على الإقرار المتبادل بالنقص.السرد الناقص يصبح بذلك نموذجاً أخلاقياً. فبدلاً من البحث عن حكاية متماسكة تخفي تناقضاتها وتطمس ما لا ينسجم معها، يدعو الكتاب إلى سرد يعترف بثغراته وبما يفلت منه. هذا الاعتراف يحول العلاقة مع الآخر من علاقة محاسبة سيادية إلى علاقة اعتراف متبادل بالعتمة. الأخلاق هنا لا تقوم على معرفة كاملة بالذات ثم توجيهها وفق مبادئ واضحة، بل تقوم على الاستعداد للإجابة رغم عدم اكتمال المعرفة، وعلى الاستعداد للاستماع إلى سرد الآخر رغم عدم اكتماله أيضاً.

المقاربة السردية تبرز كيف أن هذه الرؤية تعيد تعريف مفهوم المسؤولية نفسه. المسؤولية لم تعد نتيجة لسيادة الذات على أفعالها معرفة وقصداً، بل أصبحت نتيجة لانخراط الذات في شبكة علاقات تجعلها دائماً أكثر من مجرد فاعل فردي وأقل من مجرد ضحية للمعايير. السرد هو الفضاء الذي يتفاوض فيه هذا التوتر باستمرار.

النقد الداخلي للسرديات الحديثة عن الذات

يوجه الكتاب نقداً ضمنياً وصريحاً في آن للسرديات الحديثة التي تصور الذات بوصفها مشروعاً للتحقق الذاتي أو بوصفها جوهراً ينتظر التعبير عنه. هذه السرديات، سواء في صيغتها الرومانسية أو الوجودية أو الليبرالية، تميل إلى تقديم حكاية تقدمية: الذات تبدأ غامضة أو مغتربة ثم تصل عبر الجهد أو الوعي إلى شفافية أكبر أو إلى أصالة أعمق. المقاربة ما بعد الحديثة تكشف أن هذه الحكاية نفسها سردية أسطورية تخفي شروط إنتاجها الاجتماعية واللغوية.

بدلاً من ذلك، يقدم الكتاب سردية بديلة تقوم على التكرار والاختلاف والعتمة المستمرة. الذات لا تصل إلى نقطة شفافية نهائية، بل تظل في حركة سردية متجددة تعيد صياغة نفسها في كل مرة تُطلب منها الإجابة، وفي كل مرة تصطدم بما لم تكن تعرفه عن نفسها. هذا التصور يتوافق مع الحساسية ما بعد الحديثة تجاه السرديات الكبرى، ويحول السرد الذاتي من مشروع اكتمال إلى ممارسة مفتوحة ومؤقتة ومسؤولة.

الأبعاد الجمالية والإيقاعية للسرد في الكتاب

يمكن قراءة الكتاب ذاته بوصفه ممارسة سردية ما بعد حديثة. فأسلوبه يتقدم عبر حوار مع أصوات فلسفية متعددة، ويعيد صياغة الأسئلة بدلاً من تقديم إجابات نهائية، ويترك ثغرات مقصودة تدعو القارئ إلى المشاركة في التفكير. البنية ليست خطية تصاعدية نحو خلاصة حاسمة، بل هي حركة دائرية تعود إلى الأسئلة نفسها من زوايا مختلفة. هذا الإيقاع يعكس المضمون: تماماً كما أن الذات لا تكتمل في سرد واحد، فإن التفكير في الذات لا يكتمل في نص واحد مغلق.

المقاربة السردية تبرز كيف أن الكتاب يرفض النموذج البرهاني التقليدي الذي ينتقل من مقدمات واضحة إلى نتائج ضرورية، ويفضل نموذجاً حوارياً وتأملياً يقترب من الشكل السردي المفتوح. القارئ مدعو لا إلى تلقي معرفة جاهزة عن الذات، بل إلى اختبار حدود قدرته هو نفسه على وصف ذاته من خلال مرآة النص.

التوترات والإمكانات التي يفتحها الكتاب

رغم قوة الطرح، يظل الكتاب مفتوحاً على توترات منتجة. فمن جهة يؤكد ضرورة السرد كشرط للمساءلة الأخلاقية، ومن جهة أخرى يؤكد استحالة اكتماله. هذا التوتر لا يُحل نظرياً بقدر ما يُعاش عملياً في كل محاولة للوصف الذاتي. كما أن التركيز على العتمة والعلائقية قد يثير تساؤلات حول إمكان الفعل السياسي أو المقاوم: كيف تتصرف ذات معتمة ومشروطة؟ الكتاب لا يقدم إجابة تقنية، بل يشير إلى أن الفعل نفسه يظل ممكناً داخل الاعتراف بالشروط لا رغمها.

المقاربة السردية ما بعد الحديثة تقرأ هذه التوترات بوصفها جزءاً من جمالية النص وفلسفته في آن. فالسرد ما بعد الحديث لا يسعى إلى إزالة التناقضات بل إلى الإبقاء عليها حية ومولدة للتفكير. وبذلك يصبح الكتاب ليس فقط نظرية عن السرد الذاتي، بل نموذجاً لممارسة سردية فلسفية ترفض الإغلاق وتفضل الانفتاح المسؤول.

خاتمة:

تكشف مراجعة كتاب «الذات تصف نفسها» من زاوية سردية ما بعد حديثة عن إسهام جوهري في إعادة صياغة فهمنا للذات والمسؤولية والسرد. فالكتاب لا يدمر فكرة وصف الذات، بل يعيد تأسيسها على أرضية أكثر هشاشة وأكثر صدقاً في آن. السرد يصبح ممارسة تعترف بحدودها، والذات تصبح كياناً علائقياً معتماً، والأخلاق تصبح استجابة لهذه العتمة لا تجاوزاً لها.

في سياق ما بعد حديث يشكك في السرديات الكبرى وفي أوهام السيادة، يقدم الكتاب سردية بديلة: سردية النقص المعترف به، وسردية المسؤولية التي تنبع من العلاقة لا من الاستقلال المزعوم، وسردية الحوار الذي لا ينتهي عند إجابة نهائية. وبذلك لا يبقى الكتاب مجرد مساهمة في الفلسفة الأخلاقية أو نظرية الذات، بل يصبح تدخلاً في كيفية فهمنا لما يعنيه أن نحكي عن أنفسنا في عالم لم نعد نثق فيه بالحكايات الكاملة ولا بالرواة السياديين. والمقاربة السردية ما بعد الحديثة تظهر أن قوة الكتاب تكمن تحديداً في قدرته على تحويل هذه الخسارة للوهم الحديث إلى إمكان أخلاقي جديد: إمكان أن نكون مسؤولين لا لأننا نعرف أنفسنا تماماً، بل لأننا نجرؤ على الإجابة رغم أننا لا نعرف. فكيف نتجه نحو أخلاقيات سردية ما بعد حديثة؟ وماذا يعني تحليل مفهوم العتمة السردية؟ وبماذا تختلف مع نظرية السرد عند بول ريكور؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

ما يشبه القراءة لكتاب إيه سي غرايلينغ

(نحتاج الى الفلسفة كي نستطيع رؤية الأشياء التي نعيشها كل يوم في حياتنا).. جان جاك روسو

أحيانًا لا تحتاج الفلسفة إلى غرفة دراسة، ولا إلى مكتبة، ولا إلى كتاب من كتب أفلاطون أو كانط أو هايدغر كي تبدأ. قد تنقدح في مكان أكثر تواضعًا بكثير: في كابينة تبديل الملابس داخل مسبح مغلق، حين يكتشف المرء فجأة أنه نسي الشيء الوحيد الذي لا يستطيع الاستغناء عنه لكي يمارس الفعل الذي جاء من أجله!

وهذا هو الذي حدث معي ذات أحد. أغلقت كابينة التبديل، ووضعت حقيبتي على العارض الخشبي، وخلعت ملابسي الخارجية والداخلية، ثم فتحت الحقيبة لأرتدي سروال السباحة «المايوه» كما أفعل كل يوم أحد. كانت الحقيبة ممتلئة بالأشياء التي اعتدت حملها معي: المظلة، وقنينة الماء، وسترة المرور، والمنشفة، والصابون، وبدلة المطر، وكوفية شتوية، وشال الرقبة الواقي من الرياح، وبعض الفاكهة وأشياء أخرى كثيرة. فتشت بين هذه الأشياء جميعًا بحثًا عن شورت السباحة الكحلي، فلم أجده!

فكرت في أي حيلة فلم أجد وسيلة تمكنني من دخول المسبح فما كان مني إلى ارتداء ملابس على مضض مع لعن كثير للشيطان الرجيم طبعا الذي كان سهّاني عن وضع الشورت في الحقيبة بسبب العجلة فتذكرت المثل الشعبي الذي كان يردده أبي رحمة الله عليه : «في العجلة الندامة، وفي التأني السلامة»، وتذكرت أيضًا أمي الحبيبة، رحمها الله، وهي تقول لي: «العجلة من الشيطان يا بني» فما قيمة الأشياء التي نحملها إذا غاب الشيء الضروري الذي يجعلها ذات قيمة ومعنى؟ وبدون العقل لا قيمة ولا معنى للجسد المنتصب القامة. وبدون الصحة والعافية يصعب على الكائن القيام بإعماله وبدون تأمين الخبز والحرية تفقد السياسة معناها وبدون قدرة العريس على القيامة بوظيفته الزوجية لا معنى ولا قيمتى لكل الاشياء والاحتفالات الصاخبة وبدون إن يفهم التلاميذ الحروف الابجدية والأرقام الحسابية فلا قيمة ولا معنى للمدراس والمدرسين والكتب والأقلام والحقائب والملابس المدرسية. وبدون تلبية الحاجات الأساسية للحياة كما وضعها ماسلو في هرمه الشهير فلا قيمة ومعنى للحياة الاجتماعية الجديرة بالعيش وتلك هي المسألة التي ناقشها كتاب «معنى الأشياء» للفيلسوف الإنجليزي إيه سي غرايلينغ ترجمه إلى العربية أحمد الزناتي عن دار منشورات الحياة ، القاهرة 2021م

الكتاب يبدأ من هذه النقطة تحديدًا: الإنسان يعيش وسط أشياء وأفعال وقيم تبدو مألوفة إلى درجة أنها تفقد قدرتها على إثارة السؤال. نحن نحب، ونكره، ونخاف، ونكذب، ونتسامح، وننتقم، ونحزن، ونأمل، ونموت، لكننا نادرًا ما نتوقف لنسأل: ما الذي نعنيه حين نقول الحب؟ وما الذي يجعل الانتقام مختلفًا عن العدالة؟ وهل الخوف دائمًا علامة على الضعف؟ وهل السعادة غاية مستقلة أم نتيجة لطريقة معينة في الحياة

إن الشيء لا يأخذ قيمته فقط من وجوده، وإنما من موقعه داخل منظومة من العلاقات والغايات. فالمنشفة مهمة في المسبح، لكنها ليست أهم من الشورت بالنسبة إلى إمكانية السباحة. والكتاب مهم في المدرسة، لكنه ليس أهم من قدرة الطالب على القراءة والفهم. والدستور مهم للدولة، لكنه لا يساوي شيئًا إذا لم تتحول مواده إلى ممارسة سياسية واجتماعية.

وهذا يقودنا إلى التمييز بين الوسائل والغايات.

مشكلتنا العالم العربي أننا أصبحنا بارعين جدًا في إنتاج الوسائل، لكننا أقل براعة في تحديد الغايات. نملك التكنولوجيا، ولكننا لا نعرف دائمًا ماذا نريد أن نفعل بها. نملك الجامعات، لكننا لا نتفق دائمًا على نوع الإنسان الذي نريد أن تنتجه. نملك وسائل الاتصال، لكننا نعاني من سوء التواصل. نملك كميات هائلة من المعلومات، لكننا نفتقر أحيانًا إلى المعرفة والحكمة.

كتاب معنى الأشياء لا يريد أن يجعل الفلسفة لعبة أكاديمية منفصلة عن الحياة المعيشية للناس، بل أعادها إلى الأسئلة التي نعيشها كل يوم. والحياة اليومية، في الحقيقة، ليست شيئًا عاديًا كما نظن؛ إنها المختبر الأول للفلسفة.

وتكل هي وظيفة الفلسفة بحسب تعبير المنور الفرنسي، جان جاك روسو إذ كتب: ( أننا بحاجة الى الفلسفة كي نستطيع رؤية الأشياء التي نعيشها كل يوم) فالخير والشر والحب، والخوف، والموت، والسعادة، والعدالة والحرية ، والتسامح، والكراهية، والتعليم، والسياسة، والدين، كلها أشياء نعيشها قبل أن نفكر فيها. ووظيفة الفلسفة أن تجعلنا نتوقف قليلًا أمام ما اعتدنا عليه، وأن نسأل: لماذا؟ وما المعنى؟ وما القيمة؟ وهل الوسيلة التي نستخدمها تحقق الغاية التي نريدها؟ فما قيمة الحرية إذا لم يجد المرء ما يسد رمقه؟

واليكم خلاصة مأزق العدالة والحرية كما جاءت في كتاب فيلسوف الحرية 1959.حيث تتحدث عن شاب فرنسي اسمه "برنار" عاطل عن العمل منذ ستة اشهر.. اصبحت ثيابه مهلهلة، فلم يعد يجرؤ على الخروج من منزله، هل اتفق لاحدكم ان بقي اياما طويلة في سريره وهو يشعر بانه لم يبق له وجه انسان في عالم يرفض ذراعكم؟ لقد كان برنار يسمع قرقعة مواعين أمه في الجانب الأخرمن الحاجز وانه يعيش على نفقة امه، وقد خرج مرة اخرى الى السوق ورفضه المشرفون على العمل لانه شديد الضعف فليس بمقدوره ان يكون عاملا منتجا وفي المكتب نظر رئيس الدائرة الى حذائيه المثقوبين وقال ساخرا: "لا عمل" ةفي الغداة الساعة السابعة صباحا تسلل الى مترو "سان لازار" ساعة استئناف العمل، وكان الجميع مرتبطين بساعة الجدار منهمكين في اعمالهم اما هو، فانه حر انه حر يستطيع ان يفكر في فيزياء "انشتاين" او في "الحمل بلا دنس" وفي تلك اللحظة شعر خاصة بانه حر في ان يختار بين صنبور الغاز وسكة حديد المترو!.الساعة السابعة صباحا، بدأ نهار انسان حر لقد دُهس انسان في خط المترو ان برنار انسان حر بين اناس احرار وقد سحقته هذه الحرية !.ويعلق الباحث على مفهوم الحرية المنطقية قائلا: ان العاطل عن العمل حر لانه غير مرغم على الرضوخ لاوقات العمل.. لكنه عبد لانه خاضع لقسر البؤس.. هو حر في ان يبحث عن العمل يستطيع اصحاب العمل حجبه عنه وهم احرار، هذه هي حرية الشعوب المسماة "حرة".اجل ان لبرنار حرية في ان يذهب اين يشاء، وان يفكر كما يريد، فان شيئا في الظاهر لم يكن يحد من حريته، لكن ما نفع هذه الحرية المنافقة السدى؟ ما نفع هذه الحرية الصورية السيكولوجية التي لا تشبع ولا تغني من جوع؟ أن الأمر المهم هو الذي يعوزه ليتمتع بها، العمل وتأمين القوت اليومي والطمأنينة على الغد.. انه لا يستطيع سوى اجترار بؤسه وخجله، بدلا من العناية يالخيرات الثقافية التي تقدمها له الدولة الرأسمالية، من حدائق ومتاحف عظيمة وجميلة ومكتبات عامه، وصحف ومجلات ومختلف وسائل المتعة والاستمتاع باوقات الفراغ أن جاهزيته التامة تخفي عدم جاهزية تامة.. وما حريته سوى سراب، وعلى هذا فان "ظاهر الحرية التامة التي تقدمها الليبرالية الاقتصادية واوقات الفراغ غير المحدودة ووسائل الرفاه انما تخفي اقصى العبودية" ‎هذا النص يكثف مشكلة الحرية الصورية التي انتقدها ماركس انذاك، هذه الحرية التي لا تكتسب معناها الا بوجود العدالة الاجتماعية، العدالة في توزيع الخيرات المادية في المجتمع، الخيرات الضرورية الاولية لاستمرار الحياة البيولوجية، كي يستطيع الانسان ان يحس بمعنى الحرية وقيمتها ويستمتع بها في حياته اليومية.أعطني العداله الاجتماعية وخذ كل الحريات في العالم. فالعدالة تشمل الحرية والتمتع بها. وبهذا المعنى يمكن أن نفهم أن الحرية هي انعدام القسر وتوافر البدائل لتختار الإرادة بينهما أي القدرة على عدم الإجابة على وضع معين إجابة واحدة ووحيدة يمكن التنبؤ بها من الناحية الثيولوجية اللاهوتية أو العلمية السيكولوجية.ان الانسان هو اولا وقبل كل شيء حرية، حرية تتطلب ان تحقق تتطلب ان يعترف بها، ان يكون لها وجودها الشرعي في وسط هذا العالم ضمن الشروط الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية.ان الشروط التاريخية الاقتصادية ينبغي ان تهيئ الجو الضروري للمزيد من التحرر والخلق والابداع، لا ان تكبل حرية الانسان بقيود سياسية واقتصادية غير انسانية.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

تتعدّد اللغات بتعدّد المجتمعات والثقافات والأديان والقوميات الناطقة بها، كما تتأثر ببنية السلطة، وأنماط العيش، وتكوين الطبقات، واختلاف مجالات التداول وسياقات الاستعمال. حتى اللغة الواحدة لا تبقى كيانًا ساكنًا، إذ تتلّون بلهجاتها، وتتحوّل دلالاتها بتغير الاستعمال، وتتعدّد وظائفها تبعًا للحقول التي تتحرك فيها. ففي كل علم ومعرفة وتكنولوجيا ودين وثقافة وفن وأدب تنشأ شبكة لغوية خاصة، تُنحت فيها مصطلحات، وتتكوّن فيها علاقات دلالية تعكس متطلبات الاستعمال ورؤية ذلك الحقل للعالم. لذلك لا تكون اللغة أداة محايدة لنقل المعنى، لأن الكلمة لا تحمل الدلالة ذاتها في مختلف السياقات، فما تعنيه في المجال العلمي يختلف عما تشير إليه في المجال الديني أو الفلسفي أو الأدبي أو الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي. من هنا نرى بعض المصطلحات، حين تنتقل من حقل إلى آخر، تتبدّل دلالاتها وتكتسب معاني جديدة تبعًا للسياق الذي تُستعمل فيه.

في ضوء طرائق التداول وكيفياته تتنوع مجالات اللغة وسياقات استعمالها في: الفلسفة، والقانون، والسياسة، والاقتصاد، والعلم، والدين، والأخلاق، والأسطورة، والأدب، والفن، وغيرها. كما تتنوع داخل كل مجال وسياق، فمثلًا تتنوّع لغة العلم بعدد العلوم المعروفة وتطورها وامتدادها أفقيًا وعموديًا، وما يمكن أن يولد من العلوم مستقبلًا. لغة الرياضيات مثلًا تتميز بمصطلحاتها ومعادلاتها ورموزها واستعمالاتها المتنوعة على وفق كل نوع من أنواع الرياضيات، فسياقات الاستعمال في الحساب ومصطلحاته ومعادلاته ورموزه مثلًا غيرها في الجبر وغيرها في الهندسة، وهكذا في الأنواع الأخرى. الأمر كذلك في: الفيزياء، والكيمياء، والجيولوجيا، والأحياء، وعلم الأعصاب، والطب، وغيرها من العلوم الطبيعية والبحتة والتطبيقية. كذلك الحال في التكنولوجيا، إذ تتنوع اللغات وسياقات الاستعمال بعدد التكنولوجيات الجديدة، وتنشأ لغة مع كل ولادة لتكنولوجيا جديدة. في العصر الرقمي اليوم ولدت لغات وسياقات استعمال في الإنترنت، والذكاء الاصطناعي، وتتوالد لغات وسياقات استعمال مع تطور مجالات هذا الذكاء وتقدمه الفائق السرعة.

يمتد تنوّع اللغات إلى الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون والدين. لغة الفلسفة تنشغل بتجريد المفاهيم الكلية، ولغة العلوم الإنسانية مرآة لفهم الإنسان لذاته وأنماط عيشه وعلاقاته، أما لغة الآداب والفنون فهي أفق تتجلى فيه خبرة الإنسان وقدرة متخيّله على إبداع الصور بالكلمات والألوان، والتعبير عما تختزنه أعماقه، وفي الدين يعثر الإنسان على معنى فيما يبدو بلا معنى. هكذا تتحول اللغة إلى فضاء للإيحاء وبناء المعنى، وتغدو أفقًا تتشكل في ضوئه المعرفة، وتنكشف فيه رؤية الإنسان للعالم.

 في هذا السياق يشير مصطلح "لغة الدين" إلى الكيفية التي يتحدث بها الإنسان عن الله والغيب، وكيف تُستخدم اللغة للتعبير عن المفاهيم الدينية وما يتصل بها من ظواهر وتجارب روحية. مصطلح لغة الدين غير متداول على نطاق واسع في الدراسات الدينية والفلسفية والألسنية العربية، على الرغم من كونه أحد الموضوعات المحورية في فلسفة الدين الحديثة. توطين هذا المفهوم في دراساتنا الدينية يوفر لنا مرآة نرى فيها نصوص الكتب السماوية وغيرها في الأديان المتنوعة من زاوية مغايرة للنظر المكرر إليها من زاوية علوم الدين التراثية، ويفتح لنا نافذة على فهم يتخطى الرؤية السطحية، بمقاربة مفاهيم هذه النصوص، وبيان ما إذا كانت تخضع لمنطق اللغة العرفية، أم أنها لغة تنفرد بمنطق داخلي خاص، تعكس معانيها بطريقتها، وإن تشاركت ألفاظها مع ألفاظ اللغة المتداولة.

 ينبغي التمييز بين "لغة الدين" و"اللغة الدينية" بوصفهما نمطين من التعبير عن الدين؛ أحدهما يتصل بالمطلق، والآخر يتشكّل في الزمان وأنماط التدين وظروف العيش وتغير الواقع. "لغة الدين" هي اللغة التي نصغي فيها للصوت الإلهي في أصل حضوره الأول، وهي لغة رمزية جمالية تستجيب لظمأ الإنسان إلى المعنى، وتخاطب القلب والروح والشعور، وتعيد بناء صلة حيّة بالله عبر التجربة الروحية للإنسان. في الدين تتخذ اللغة أفقًا أعمق، فهي تؤسس صلة الإنسان بالغيب، وتعكس تجليات الحضور الإلهي في القلب والروح، لذلك تنفتح على المجاز والكناية والاستعارة والرمز والإشارة، لأن ما تشير إليه يتجاوز الحس المباشر وحدود التعبير الحرفي.

"لغة الدين الحاكية عن الغيب": هي لغة الكتب المقدسة، كالقرآن الكريم والتوراة والإنجيل وغيرها، حين تتحدث عن الله والغيب والوحي والنبوة والحياة الآخرة. تتخذ هذه اللغة طابعًا رمزيًا ومجازيًا وإيحائيًا؛ لأن حقائق الغيب تتجاوز حدود اللغة البشرية، ولا تستوعبها الألفاظ المتداولة في الحديث عن عالم الشهادة. تستعير لغة الغيب مفرداتها وصورها من عالم الإنسان، ثم تنقلها إلى أفق دلالي يتجاوز معانيها الحسية والمباشرة. لا يطابق اللفظ فيها الحقيقة الغيبية، ولا يحيط بها، لكنه يومئ إليها ويقربها إلى وعي الإنسان بما تسمح به قدراته اللغوية وحدود إدراكه. يظل المعنى فيها أوسع من العبارة، وتظل الحقيقة أغنى من الصورة التي تتمثل فيها. الرمز هنا ليس حجابًا يحجب المعنى، ولا زخرفة لغوية، فهو جسر يصل عالم الشهادة بعالم الغيب، ويفتح أمام الإنسان آفاقًا متعددة للفهم والتأويل. تتجدد دلالات هذه اللغة بتجدد وعي الإنسان ومعارفه وأسئلته وتجاربه الروحية، من دون أن يستنفد أي تفسير ما تختزنه من معانٍ، أو يدعي الإحاطة النهائية بحقائق الغيب.

الآيات الحاكية عن الله منبع لتنوع صوره في وعي الإنسان؛ لأنها تتحدث عنه بأسماء وصفات واستعارات وصور متعددة، فتظهر صورة الإله الخالق والرازق والرحمن والغفور والحكيم والعادل والقريب والمجيب، وتظهر بموازاتها صور الجبار والقهار والمنتقم وشديد العقاب. لا تمثل أي صورة منها الله في ذاته، لكنها تكشف وجهًا من وجوه حضوره في وعي المؤمن، وفقًا لما تمنحه اللغة وما يستقبله الإنسان في ضوء تكوينه النفسي وثقافته وتجربته وزمانه التاريخي. كل صورة تكشف معنى وتحجب معاني أخرى، وتضيء وجهًا وتترك وجوهًا خارج أفق الرؤية. حين تنتقل هذه الصور من النص إلى الوعي يعاد تأويلها وتركيبها، فيغلب لدى بعض المؤمنين إله الرحمة والحب، ويغلب لدى آخرين إله الغضب والعقاب، وتتكون بينهما صور لا حصر لها.

من هنا تغدو الآيات الحاكية عن الله منجمًا لـ "التعددية الدينية"؛ إذ لا تنشأ التعددية من اختلاف الكتب المقدسة والأديان فقط، بل تنشأ أيضًا داخل الدين الواحد، من تعدد طرائق تلقي النص، وتنوع التجارب الروحية، واختلاف صور الله في ضمائر المؤمنين. لا يعني ذلك تعدد الله في ذاته، فهذا تعدد لصوره وتجلياته في الوعي البشري؛ الحقيقة الإلهية واحدة، غير أن مرايا الإنسان متعددة، وكل مرآة تعكس من النور بمقدار صفائها واتساعها ومقام شهودها. يمنح ذلك التعددية الدينية أساسًا معرفيًا وروحيًا، ويحرر المؤمن من توهم أن صورته عن الله تطابق الله، أو أن فهمه يستنفد الحقيقة الإلهية، ويدعوه إلى التواضع في الاعتقاد، والاعتراف بحق الآخر في أن يرى من وجوه الحقيقة ما لم يره هو.

لغة الدين الحاكية عن الغيب يتجاوز المعنى فيها اللغةَ فلا تتسع له، وتضيق عن استيعابه، وتعجز عن الإحاطة بما ينطوي عليه من عمق وثراء. يكون المعنى أكبر من العبارة، ويظلّ القول قاصرًا عن احتواء ما يتكشف في الذات من دلالات. لغة الغيب، حين تفيض بالمعنى، لا تجد وعاءً يتسع لها في الكلمات، فتضيق العبارة عن استيعابها، ويتردد التعبير أمام غزارة الدلالة وثرائها، فيبقى المعنى أوسع من اللفظ، وأغنى من أن تُحيط به الكلمات.

يتكوّن المعنى في لغة الدين الحاكية عن الغيب كتجربة حيّة لا صيغة منجزة، تجربة تتجاوز الألفاظ لحظة تتسامى الروح. حين يكون المعنى أوسع من اللغة يعيش الإنسان قلق البحث عن كلمة لم تولد بعد، وحين تكون اللغةُ أوسع تفتح للمعنى أفقًا جديدًا للرؤية، فلا تقوم العلاقة بين المعنى واللغة على تماثل ولا غلبة، وإنما على معادلة دقيقة يتقدّم فيها أحدهما ويتأخر الآخر. عندما يبلغ هذا التوتر أقصاه، تتراجع اللغة أمام فيض المعنى وتضيق عن حمله، فينفتح مقام الغيب، كمقام لا تحدّه عبارة ولا تحتويه فكرة، فيه يصير الصمت لغة الذات، والكلام إشارة، ويطلّ المعنى من وراء الحروف كما يطلّ النور من وراء الحجب. هناك يشهد القلب ما لا تحتمله العبارة، ويقف الإنسان بين حدّ اللغة وحدّ الفكر، ثم يتجاوزهما إلى أفق أعمق، حيث يغدو شاهدًا على غيب يتجلّى ولا يُحاط به، ويمنح المعنى من دون أن ينحصر في قول أو فكرة.

من الضروري تحرير لغة الدين الحاكية عن الغيب من أسر المعجم التراثي، وتخليصها من القوالب التي عطلت رؤيا الغيب، وتعطلت معها منابع الذوق والحدس وشهود الأنوار. لغة الغيب ليست مجرد ناقلة للحقيقة، بل ترى فيها أفقًا يتشكل فيه المعنى، ومسارًا تتجلى فيه تجارب الروح وإشراقات القلب، وتشفّ من خلالها تجليات الحضور الإلهي. في ضوء هذه الرؤية، فإن لغة الدين التي تتحدث عن الغيب تبعث الحياة الروحية، بوصفها حقلًا من الرموز، ومجالًا للتعبير عن مكاشفات الروح، وتذوق نكهة المحبة في مقام الحضرة الإلهية، وتجليات الجمال الإلهي في الوجود.

لا تعود اللغة سلطة تُلقِّن، وإنما تتحول إلى رؤية تُلهِم، وتحيي القلب، وتفتح بصيرة المتلقي على عوالم تتجاوز حدود العبارة، وتتسع لما لا يُقال، وما لا يُختصر في المنطق الجدلي، وبذلك تخرج اللغة من ضيق المعنى الحرفي إلى سعة التأويل، ومن التصور المغلق إلى الانفتاح على التجربة الروحية الحية، فتصير اللغة أفقًا يتخلق فيه المعنى، لا حجابًا يحجبه، وتغدو علاقة الإنسان بالله علاقة إشراق نورانية، لا إملاءً وتلقينًا، ومجالًا لتذوق المحبة والرحمة والسلام والجمال.

 أما "اللغة الدينية" فهي نتاج تراكم التاريخ المؤسسي للفقه وعلم الكلام، حيث يتحول الدين إلى منظومة مغلقة من الأحكام والمقولات العقائدية، تتمحور حول ضبط السلوك ومراقبة الاعتقاد، وتحجب البعد الوجودي والجمالي للغيب حين تفرغه من رموزه، وتحيله إلى مسلّمات ذهنية كأنها مومياءات محنطة. اللغة الدينية تصوغها الجماعة الدينية عبر الزمان لتشرح، وتفسّر، وتعلّم، وتقنّن؛ هي لغة المؤسسات الدينية، والمدارس، ومعاهد التعليم الديني، والمنابر، والكتب الدينية. حين تُختزل اللغة في قوالب كلامية وفقهية مغلقة تنكمش دلالاتها، وتفقد قدرتها على إيقاظ المعنى وإثراء الحياة الروحية. أما حين تتحرر وتستعيد طابعها الرمزي والروحي والجمالي، فإنها تستعيد طاقتها في الكشف عن آفاق الغيب، وتغدو ممرًا يعبر به الإنسان من ظاهر اللفظ إلى عمق المعنى، فيعيش الإيمان حضورًا حيًا يتجدد بتجدد تجربته واتساع قلبه وانفتاحه على المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي.

"اللغة الدينية" صناعة بشرية، يعبّر بها الإنسان عن تفسيره للكتاب المؤسس، وفهمه للدين، وإيمانه به، وتمثله لقيمه، وممارسته لطقوسه وشعائره. تشمل هذه اللغة في الإسلام لغة علم الكلام والفقه والتفسير والوعظ والخطابة والتعليم الديني، ولغة الدعاء والمناجاة والذكر والابتهال، وما يعبّر به الإنسان عن تجاربه الروحية والشعورية. تنشأ هذه اللغة من قراءة النصوص الدينية وتفسيرها وتأويلها، ومن تفاعل الإنسان مع الدين في حياته الفردية والمجتمعية، فهي ثمرة فهم بشري، لا انعكاس مباشر للخطاب الإلهي في تعاليه ونقائه الأول، ولا تطابق لغة الكتاب المؤسس أو تمتلك مكانته.

 تتشكل اللغة الدينية في أفق ثقافة الإنسان ومعارفه وتجاربه وبيئته وعصره، وتتأثر بالسياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية والمؤسسات الدينية، وتتعدد دلالاتها بتعدد المفسرين والمتكلمين والفقهاء والمذاهب والقراء والأزمنة والمجتمعات. لا تعبّر هذه اللغة عن المعنى الديني إلا في حدود ما ينكشف للقارئ وما يتيحه وعيه وأفقه الثقافي، فتظل نسبية متغيرة، قابلة للنقد والمراجعة والتصويب وإعادة البناء، تبعًا لتطور الوعي واتساع الخبرة. وقد تتحول، حين تحتكرها المؤسسة الدينية وتوظفها في صراعات الاستحواذ على المعنى والسلطة والثروة، إلى أداة لحماية الدين المؤسسي وتكريس نفوذه، فتختزل الدين في القوانين، وتهدر فاعلية في إرواء ظمأ الروح وإيقاظ الأخلاق، وتخبو بذلك جذوة الإيمان وطاقته الملهمة، ويغدو الدين منظومة اعتقادية مغلقة. وحين يخلط الإنسان بين اللغة الدينية ولغة الكتاب المؤسس، يضفي على فهمه البشري مكانة نصوص هذا الكتاب، ويرفع تفسيره النسبي إلى مرتبة الحقيقة النهائية، مع أن نصوص الكتاب أوسع من فهم المتدين، وأثرى من تفسيره.

أما "لغة الإيمان": فهي نمط تعبيري من أنماط اللغة الدينية، يولد من تجربة المؤمن الروحية الحية وشعوره بصلته بالله، ويكشف عما يفيض في باطنه من رجاء وخوف وحب وطمأنينة وشوق وامتنان. تظهر هذه اللغة في الدعاء والمناجاة والابتهال والذكر والترانيم والشهادات الإيمانية، وفي التعبير عن التجارب الروحية. لا تتمثل وظيفة لغة الإيمان في إقامة البراهين المنطقية أو صياغة الأحكام التشريعية أو نقل المعارف الدينية؛ لأنها لغة اعتراف وبوح ونداء، تتكلم في فضاء الإيمان لا عنه، وتعبر عن حضور الله وأثره في وجدان الإنسان وحياته. لا تصف هذه اللغة التجربة الروحية من خارجها، وإنما تنطق بما يعيشه المؤمن في أعماقه، وتمنح خبرته الروحية صورة يمكن التعبير بها والتواصل من خلالها. تتسع في لغة الإيمان دلالات الرمز والاستعارة والصورة والإيحاء؛ لأن التجربة الإيمانية أعمق من أن تستوعبها العبارات التقريرية المباشرة، ويظل ما يعيشه القلب ويروي الروح فيها أغنى مما تستطيع الكلمات الإفصاح عنه.

الكتب السماوية لا تتحدث بلغة رمزية في كل ما تتناوله، إذ تبقى في كثير من موضوعاتها قريبة من اللغة العرفية المباشرة الواضحة، غير أن الرمزية تتكثّف حين تلامس هذه الكتب حقائق الغيب، فتغدو لغتها مشحونة بالإشارة أكثر من التصريح، وتلجأ إلى المجاز بدل البيان الحرفي، لأن الغيب لا يُقال بعبارة تقريرية، ولا يحاط به بحدود الألفاظ، وإنما يشار إليه بلغة تتجاوز المعنى الظاهر للكلمات، وتفتح أفقًا يتسع لتجلياته في وعي الإنسان وتجربته.

 أمّا حين تتناول الكتب السماوية موضوعات الطبيعة، وما فيها من كائنات، وتضاريس جغرافية، وجبال، وبحار، وأنهار، ومناخ، شمس وقمر وكواكب، وليل ونهار، وأمثالها، أو تتحدث عن النباتات، والحيوانات، والكائنات التي تعيش على الأرض، أو تتحدث عن النفس البشرية، وأحوالها، والكيفية المخلوقة فيها، وما يكتنفها من هشاشة، وقوة، وعن تكريم الإنسان، وإناطة مهمة الاستخلاف به، أو ما يتصل بأحوال القلوب، وتذبذب أحوال النفس، والعلاقات الاجتماعية، والقيم الروحية والأخلاقية، والعبادات والمعاملات، أو تستعرض أحوال الإنسان وحياته على الأرض فردًا وجماعة، فإن اللغة المستعملة في هذه الموارد وأمثالها في الكتب السماوية لا تتجاوز دلالاتها العرفية، وتظلّ ألفاظها تشير إلى معانيها التي وضعت لها في الاستعمال المتعارف.

 باستثناء الآيات الحاكية عن الغيب يمكن تفسير ما تتحدث عنه آيات القرآن الكريم ونصوص الكتب السماوية في الموضوعات المشار إليها في ضوء الفهم العرفي للغة. ودراسة ما تتحدث عنه الآيات، في ضوء المناهج العلمية التي تكتشف القوانين الطبيعية، وتدرس من منظورها النظام الكوني ودقته المدهشة.كما يتيح التفسير التاريخي، المستند إلى معطيات علم الآثار والجغرافيا التاريخية لعصر النزول، فهم الحوادث والوقائع التي ذكرها القرآن في آياته ونصوص الكتب السماوية، والشخصيات التاريخية، والأقوام.

لغة الدين أحد الأركان الأساسية في فلسفة الدين الحديثة. ومن أبرز مآزق الأديان إصرار أتباعها على أحادية قراءة نصوصها، واحتكار تفسيرها في معنى واحد أبدي، يُفرض على كل من يؤمن بها. دراسة لغة الدين تحررنا من وهم المعنى الواحد، وتكشف تعدد دلالات النص الديني وتنوع تفسيراته، تبعًا لاختلاف الأزمنة والثقافات وآفاق الانتظار والتلقي. فالنص الديني لا يتكلم خارج التاريخ، ولا يتلقى في فراغ، إذ يتشكل فهمه في فضاء لغة القارئ ومعارفه وأفق انتظاره وأسئلته وتجربته ورؤيته للعالم. وكل قراءة تستضيء بالنص، مثلما تحمل إليه شيئًا من عالم قارئها وأسئلة عصره. لهذا لا تنتهي دلالات النص الديني بقراءة واحدة، ولا تستنفدها معرفة مفسّر مهما اتسعت.

في هذا الكتاب حاولت أن أتناول لغة الدين في سياق فلسفة الدين الحديثة، بأسلوب مدرسي واضح، أجيب فيه عن أسئلتي أولًا، كما هي عادتي في كتاباتي، وعن أسئلة متنوعة ما زالت تردني من قراء نابهين حول لغة الدين. لم أدّعِ أن ما أقدمه أجوبة نهائية، سعيت إلى فتح أفق للتفكير في هذه اللغة، والكشف عما تختزنه من طبقات دلالية، وما تتيحه من إمكانات للتأويل وتنوع الفهم. لذلك حرصت على شرح بعض اتجاهات الفكر اللغوي الحديث التي انشغلت باللغة والتأويل، وأعدت التفكير في اللغة بوصفها الأفق الذي يتشكل فيه المعنى، وينكشف من خلاله وجود الإنسان في العالم. رأيت أن عرض هذه الاتجاهات في الفصول الأولى ضروري لفهم لغة الدين، والتعريف بطبيعتها، وبيان تنوع المواقف في تفسيرها وتأويلها. حاولت في فصول الكتاب توضيح أن تفسير لغة الدين الحاكية عن الغيب لا يتحقق بالقراءة الحرفية، ولا بإهدار دلالتها، بل يتطلب اكتشاف منطقها الداخلي، والتمييز بين مستويات خطابها، والانتباه إلى صلة معانيها بأفق القارئ وسياقه التاريخي والثقافي وتجربته الروحية. أردت للكتاب أن يكون مدخلًا للتفكير في لغة الدين واكتشاف ثرائها الدلالي، وبيان أن تعدد تأويلاتها ينشأ من غنى بنيتها، وتنوع آفاق قرائها وعصورهم وتجاربهم وصورهم عن الله والإنسان والعالم.

درستُ النحو وبعض علوم العربية سنوات طويلة في الحوزة، وتتلمذت فيه على عدد من الأساتذة، وتدرجت في دراسته من كتاب "الآجرومية" لابن آجروم، إلى "قطر الندى وبل الصدى" لابن هشام، ثم "شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك"، و"شرح ابن الناظم"، كما درستُ كما درستُ كتاب "مختصر المعاني" للتفتازاني في البلاغة. وتوليت تدريس أغلب هذه المتون عدة سنوات لمجموعات من الطلاب. واهتممت مبكرًا بعلم اللغة الحديث وفلسفة اللغة واللسانيات. أحاول في هذا الكتاب الإجابة عن الأسئلة التي رافقتني في تعلّم العربية وتعليمها، واستكشاف ما تتيحه المناهج اللغوية الحديثة من آفاق أرحب لاكتساب اللغة وفهمها وتعليمها.

ويعود اهتمامي بدراسة لغة الدين إلى سنوات طويلة، إذ أصدرنا في عامي 2017 و2018 عددين من مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" خصصناهما لهذا الموضوع، كما خصصتُ الجزء السادس من: "موسوعة فلسفة الدين" للغة الدين. حررتُ الموسوعة، وصدرت سنة 2025 في ثمانية أجزاء عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وتتولى توزيعها دار الرافدين في بيروت. وما يزال هذا الحقل ينتظر حضورًا يتناسب وأهميته في الدراسات الدينية العربية. وكان سؤال لغة الدين، وما زال، يتجدد في ذهني ويعاود حضوره في كتاباتي؛ لأنه مدخل أساس لفهم النص الديني، وكيفية تعبيره عن الله والغيب، وحدود اللغة البشرية في تمثيل الحقيقة المتعالية. لا يصل المعنى الديني إلى الإنسان خارج اللغة، وحين يدخل الغيب فضاء اللغة يدخل أفق الفهم البشري، فتتعدد قراءاته وتأويلاته تبعًا لتعدد الثقافات والتجارب والأسئلة، واختلاف الأزمنة وآفاق الانتظار والتلقي.

 المكتبة العربية فقيرة في موضوع لغة الدين؛ إذ لا نكاد نقرأ فيها مؤلفات تعرّف بلغة الدين بأسلوب تعليمي، كما أن الكتابات المترجمة في هذا الموضوع لا تزال شحيحة جدًا، وما اطلعت عليه منها مكتوب بلغة لا تخلو من إبهام والتباس، تطغى فيها فقرات من آراء فلاسفة الدين واللسانيين الغربيين مبتورة من سياقها أحيانًا، مع شيءٍ من التعليقات التي تزيد من غموضها، ولم أعثر حتى اليوم على كتاب تعليمي في لغة الدين ضمن هذه المؤلفات. وما تزال دراسة لغة الدين منسية في جامعاتنا ومراكز أبحاثنا، مع أنها تمثل مدخلًا أساسيًا لفهم النصوص الدينية وتعدد وتنوع قراءاتها.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

........................

مقدمة كتاب: "اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية"، د. عبد الجبار الرفاعي، صدر الكتاب عن مركز دراسات فلسفة الدين، ودار نابو ببغداد. 

بول كولينز يلتقي بنائل حنون نظرياً: السومريون ليسوا شعباً بل لغة

صدر كتاب "السومريون - الحضارات المفقودة" للباحث البريطاني بول كولينز بلغته الأصلية في آذار 2022، وصدرت ترجمته العربية ببغداد في العام الماضي من قبل المترجم د. جمعة الطلبي. أي إنَّ ترجمة الكتاب ما تزال طازجة، في بادرة نأمل أن تتكرر ليكون للمكتبة العراقية مترجموها المتمكنون في اللغات الحية والقديمة المهمة والعارفون بتراث بلادهم. ومع أن المترجم يتحفظ على التوجه العام للكتاب، ويتبنى المفاهيم القديمة السائدة بخصوص السومريين، وهذا من حقه تماماً، ولكن ترجمته جاءت سلسة ومحكمة لغةً واصطلاحاً. هذه مقاربة للكتاب ومقارنة مضمونه له بكتاب نائل حنون الذي كنا قد توقفنا عنده في قراءة نقدية قبل ثلاثة أعوام تقريباً[1]. (1)

منطلقات مختلفة ونتائج متطابقة

مؤلف الكتاب، بول كولينز باحث معروف، وهو رئيس المعهد البريطاني لدراسات العراق القديم، وأمين عام قسم دراسات الشرق الأدنى القديم في متحف أشموليان. في هذا الكتاب يناقش كولينز نقدياً مقولات ما سميَّ الهوية القومية السومرية ويفندها من خلال طرحه لرؤية نقدية خاصة. تحاول هذه الرؤية أن توضح كيف جرى تجميع وإعادة اختراع مفهوم ومصطلح "الشعب السومري"، بناءً على الانحيازات والأفكار القومية الحديثة لعلماء الآثار الأوروبيين في القرن التاسع عشر وبدايات العشرين.

عبر قراءة صبورة ومتعمقة في الأدلة والسياقات والآليات يحاول المؤلف تأكيد أن الهوية السومرية التي جرى تخيُّلها وإنتاجها كانت مندغمة بالأفكار الأوروبية الصاعدة عن القوميات في غضون القرنين الماضيين لدى الباحثين الأوروبيين المعنيين. وإنَّ تلك الرؤية المتشحة بالفكر القومي السائد في الثقافة الأوروبية آنذاك لا تنطبق على السياق المجتمعي والإنساني في الشرق ومنه العراق القديم قبل أكثر من خمسة آلاف سنة لأنه لم يشهد تلك التجربة العرقية القومية التي شهدتها أوروبا الخارجة من ظلام القرون الوسطى الإقطاعية.

يأتي كتاب كولينز بعد 14 عاما على صدور كتاب مشابه له في المضامين والتوجهات والنتائج للباحث العراقي د. نائل حنون هو "حقيقة السومريين ودراسات أخرى"، صدرت طبعته الأولى عن دار الزمان بدمشق عام 2007. وفيه فتح حنون ملف الهوية السومرية مجدداً مستعيناً بخبرته كمنقب آثار ذي إنجازات كبيرة، وكلغوي يجيد التحدث والقراءة والكتابة باللغتين السومرية والأكدية وألَّف فيهما معجما، ليُدَعِّم فرضيته التي تقول إنَّ السومريين ليسوا شعباً أو هوية قومية بل لغةَ كتابةٍ معقدة بالدرجة الأولى وجدت قبل العهد الأكدي بعدة قرون.

في كتابه هذا يذكِّر كولينز بالفرضيتين الخاصتين بالسومريين؛ الأولى القائلة بأنهم شعب ذو هوية قومية ولغة خاصة به، وقال بهذه النظرية عدد من الباحثين من أشهرهم يوليوس أوبيرت، أدورد هنكس، ليونارد ولي، صموئيل نوح كريمر. الفرضية الثانية هي الذاهبة إلى إنهم ليسوا شعباً مستقلاً ذا هوية قومية بل هي مجرد لغة كتابة ابتكرها الأكاديون وقال بهذه الفرضية قلة من الباحثين أشهرهم الفرنسي جوزيف هاليفي (1827 - 1917). وكنت قد توقفت عند هذا الموضوع في مقالة سابقة كما أسلفت، ولكنني أعود إليها اليوم بمناسبة صور ترجمة كتاب كولينز حول الموضوع ذاته ومن منطلقات بحثية مختلفة وبأدلة جديدة.

كريمر ومحاولة تهويد السومريين

من المجموعة الأولى انفرد كريمر (1897 - 1990) بفرضية خارقة تذهب إلى أن العبرانيين هم امتداد عبقري سامي للسومريين. حيث قال "من الجائز جداً أن يكون هناك دم سومري جدير بالاعتبار في أسلاف إبراهيم الذين عاشوا لعدة أجيال في أور ومدن سومرية أخرى. أمّا بالنسبة للحضارة والمدنية السومريتين فإنه لا يوجد سبب للشك بأن العبرانيين الأوائل قد تشربوا واستوعبوا الشيء الكثير من أساليب الحياة السومرية العبرانية، وربما كان للقانون العبراني الوارد في (يوشع 202) جذور غير قليلة تمتد تحت تربة بلاد سومر"[2] (2). وهذا كلام، بالرغم من تطعيمه بكلمات احتمالية لا يمكن أن يؤخذ على محمل الجَدِّ من الناحية العلمية. فاليهود (اليهوذاويون، إن شئنا الدِّقة) لم يعيشوا في أور السومرية التي سمَّتها التوراة "أور كسديم"، وترجمت لا ندري كيف إلى "أور الكلدانيين"، بل في بابل الكلدانية. وبين أور السومرية التي نشأت 3800 ق.م والدولة الكلدانية وعاصمتها بابل التي نشأت عام 626 ق.م، وحدوث ما سمي السبي البابلي لسكان دويلة يهوذا سنة 586 ق.م، أقول؛ إنَّ بينهما أكثر من ألفي عام. أي إنَّ السومريين، إذا افترضنا جدلاً أنهم وجدوا كشعب مستقل، يكونون قد انقرضوا أو ذابوا في الشعوب الرافدانية الأخرى خلال الألفي عام التالية. فكيف تسربت الدماء السومرية إلى اليهود المهجَّرين إلى بابل!

أما الفرضيات القائلة بالأصل الآري للسومريين التي يُعَد لورونس واديل، وهو من دعاة التفوق العرقي الآري، من أهم ممثليها فقد اعتمدت على مقارنات لغوية وجماجمية سطحية لم تخلُ من التزوير. فقد تبيّن للعلماء أن واديل كان يحرف نطق الرموز المسمارية السومرية قسراً، لكي يتشابه تلفظها الصوتي مع تلفظ أسماء الملوك والآلهة في الملاحم الهندية (الفيدية). فنُبذت أطروحاته في الأوساط الأكاديمية وعُزلت وصُنفت بوصفها "علماً زائفاً وتاريخاً وهمياً".

أما الحجج المتعلقة بدراسة أشكال جماجم وهياكل عظمية جلبت من جنوب العراق، فقد أثبت السير آرثر كيث، عالم الأنثروبولوجيا البريطاني الشهير الذي عاصر واديل ودخل معه في سجال حامٍ، أن الأدلة الجسدية وبقايا الهياكل العظمية التي عُثر عليها في المقبرة الملكية بأور لا تطابق الخصائص التشريحية للجماعات الآرية. والجديد في هذا الباب أن علم التشريحي والمورثات الجينية الحديث أثبت أن الجماجم والهياكل والرمز الجيني لمن عُدّوا سومريين لا تختلف في شيء عن جينات سائر سكان جنوب العراق القدماء والعرب المعاصرين كما أكد ذلك عالم الجينات الروسي الأميركي أناتولي كليوسوف[3] (3).

وهناك حجج صريحة في عنصريتها فلا تخفي دهشتها من فخامة المعابد "الزقورات" والتماثيل وعلوم الفلك والرياضيات فيصعُب على أصحابها من الباحثين الأوروبيين أن يصدقوا أن مبدعيها شرقيون، فيبادرون إلى تصنيفهم عرقياً كآريين، فالآريون وفق تفكيرهم هم وحدهم القادرون على إبداع هذه الإنجازات المعمارية والفنية الضخمة وليس أبناء المنطقة المحليين في العراق القديم، تبقى هذه الحجج لا قيمة علمية لها ولا تستحق التوقف عندها نقديا!

سلب ونهب استعماري لآثار العراق

خلال استعراضه لأعمال الحفر والتنقيب في عراق العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، يسلط كولينز في كتابه ضوءاً غامراً على الممارسات غير النزيهة للبعثات التنقيبية الأوروبية والأميركية في مواقع الآثار العراقية.

آنذاك، كان العراق الخارج لتوِّه من قرون الاحتلال العثماني الثقيلة، يخطو خطواته الأولى في بناء دولته الفتية التي أُريد لها أن تدور في الفلك الاستعماري البريطاني. وكانت الوزارات العراقية تقاد فعلياً من قبل مستشارين بريطانيين. كانت الآنسة جرترود لوثيان بيل (1868 - 1926) سكرتيرة المندوب السامي بيرسي كوكس، هي الحاكم الفعلي الملقبة بالملكة غير المتوجة للعراق. وهي امرأة متواضعة الإمكانات العلمية، لم تكن جميلة جمالاً باهراً ولكنها كانت كما وصفها بعض معاصريها ذات ملامح جذابة وأنيقة تميزت بشعر أحمر وعيون خضراء وملامح دقيقة وذات حضور طاغٍ وشخصية قوية ومؤثرة. وكانت متقدمة في ميدان اللغات فهي تجيد إلى جانب الإنكليزية العربية، الفارسية، الألمانية، الفرنسية، والإيطالية.  كانت تشرف على استخراج الآثار وتقسيمها بين البعثات الآثارية الغربية. بادرت إلى تأسيس متحف بغداد وسيكون نواة للمتحف الوطني العراقي الذي سيسلب منه الاحتلال الأميركي والسلطات العراقية الحليفة له كلمة "الوطني" ليكون اليوم "المتحف العراقي"!

من الأشياء اللافتة في هذا المجال ما نشره كولينز في كتابه مقاطع من رسالة شخصية من الآنسة بيل إلى والدها مؤرخة في 24 آذار / مارس 1924 تخبره فيها ببعض تفاصيل الفوضى اللذين كانا سائدين في مواقع التنقيب. وكيف إنها وجدت المنقبين والباحثين بالبريطانيين والأميركيين مكتئبين ومهمومين لأنهم سيضطرون إلى توزيع القطع الآثارية التي عثروا عليها على طلابهم ولن يبقى لديهم الكثير. فتقرر أن تترك كل شيء للمنقبين يتوزع عليهم بالقرعة. وها هي تكتب:

"فشرحت لهم وأنا أتناول فتات الغداء، ومن دون أن أدري أن هدفي هو ترك الألواح لهم فقد وجدوا مكتبة. ومن ناحية أخرى سوف يضطرون إلى التعويض عن ذلك بالتخلي عن بعض الأشياء الثمينة الأخرى. فقال لي الأستاذ: "ومن يقرر إذا اختلفنا؟"، فقلت له " أنا أفعل". وحينها انفجر ضاحكاً وقال: "هل هذا هو القانون؟". ثم تذهب الآنسة بيل مع ذلك الأستاذ إلى خيمته وتكشف عن جميع الألواح وتتركها كلها له وتأخذ منها قطعة واحدة يرجح أن عليها "أقدم مخطوطة بشرية معروفة". وتضيف: "ثم ذهبنا إلى غرفة صغيرة أخرى. وبدأنا بالخرز والجواهر المستخرجة ثم ذهبنا إلى القلائد. ودحرجنا عملة معدنية وقمنا بالقرعة (الطرة والكتبة). ففاز بها من فاز، تحولنا وتحولنا وهكذا دواليك مع بقية الأشياء"[4] (4). ويُفْهَم من رسالة بيل أنها وزعت قطع الآثار كغنائم على المنقبين بطريقة القرعة وسْط دهشتهم جميعاً. اللافت أن كولينز حين يروي لنا هذه التفاصيل في كتابه فهو يفعل ذلك دونما انفعال أو تعجب، أو إدانة وكأن ما يرويه شيء طبيعي لا يستحق التعجب!

إنَّ طريقة تقسيم الغنائم بين البعثات التنقيبية العلمية بالقرعة على طريقة رعاة البقر (الكاوبوي) لم تكن حالة نادرة أو شاذة. ويخبرنا كولينز أن الآنسة بيل، وتحت ضغط الموظفين العراقيين كما يبدو، اضطرت فيما بعد لتكون أقل كرماً مع المنقبين الأجانب. فوضعت قانوناً مرتجلاً لتوزيع الغنائم الآثارية، ينص على أن تَنقل كلُّ بعثة أجنبية الآثار التي تعثر عليها إلى متحف بغداد الذي تديره هي نفسها، وهناك تقسم "الغنائم" مناصفة بين العراق والبعثة! ويبدو أن هذا القانون ظل يطبق بشكل فضفاض ومتساهل جدا مع البعثات حتى حدث ما سميت بفضيحة الأربجية سنة 1931 أي بعد وفاة بيل سنة 1926.

وخلاصتها إنَّ عالم الآثار الألماني توماس جوردان أو البريطاني ليونارد ولي - كما يصحح لنا المترجم العراقي- حاول أن يشحن ما عثر عليه من لُقى أثرية في تل الأربجية الأثري إلى بلده مباشرة من دون مراعاة القانون العراقي الجديد. كان هذا القانون يعطي مَن يعثر على قطع أثرية نسخ طبق الأصل منها فقط، أما النسخ الأصلية فيجب أن تبقى في العراق. فاحتجت السلطات العراقية على هذه المحاولة لتهريب الآثار ومنعت تصدير الشحنة. وهنا استشاط البريطاني ليونارد ولي غضباً وقرر المغادرة العراق بلا عودة احتجاجاً، لا سيما وأن القانون العراقي الجديد يوجب أيضاً على البعثات الأجنبية وجود مفتش آثاري عراقي في أي موقع آثاري يعمل فيه أجانب!

فضيحة الأربجية 1931

عن طريقة تقسيم الغنائم بين البعثات التنقيبية العلمية، يخبرنا كولينز أن الآنسة بيل، وتحت ضغط الموظفين العراقيين كما يبدو، اضطرت إلى أن تكون أقل كرماً مع المنقبين الأجانب. فوضعت قانوناً مرتجلاً لتوزيع الغنائم الآثارية، ينص على أن تنقل كل بعثة أجنبية الآثار التي تعثر عليها إلى متحف بغداد الذي تديره هي، وهناك تُقَسَّم "الغنائم" مناصفة بين العراق والبعثة! ويبدو أن هذا القانون ظل يطبق بشكل فضفاض ومتساهل جدا مع البعثات حتى حدث ما سميت بفضيحة الأربجية سنة 1931 أي بعد وفاة بيل سنة 1926.

خلاصتها؛ أن عالم الآثار الألماني توماس جوردان أو - كما يصحح لنا المترجم العراقي - البريطاني ليونارد ولي حاول أن يشحن ما عثر عليه من لُقى أثرية في تل الأربجية الأثري في سهل نينوى إلى بلده مباشرة من دون مراعاة القانون العراقي الجديد الذي يعطي لمن يعثر على قطعة أثرية نسخة طبق الأصل منها فقط، أما النسخة الأصلية فيجب أن تبقى في العراق. فاحتجت السلطات العراقية على هذه المحاولة لتهريب الآثار ومنعت تصدير الشحنة. وهنا استشاط البريطاني ليونارد ولي غضباً وقرر المغادرة العراق بلا عودة احتجاجا، لا سيما وأن القانون العراقي الجديد يوجب أيضاً على البعثات الأجنبية وجود مفتش آثاري عراقي في أي موقع آثاري يعمل فيه أجانب! وكانت حوادث تهريب الآثار أو الاستيلاء عليها بشكل غير مشروع قد حدثت في أيام الآنسة بيل فصادرت المواد الآثارية المسروقة ولكنها أعادتها إلى مَن سرقوها في اليوم التالي كما ينقل لنا كولينز في موضع آخر من كتابه.

الانقطاع الثقافي والمركزية الأوروبية

بالرغم من الاتفاق الفكري اللافت بين الباحثين حنون وكولينز حول موضوع طبيعة السومرية والسومريين، والتشابه الشديد في الاستنتاجات والنتائج التي انتهيا إليها، لا سيما وأن الباحث العراقي سبق البريطاني إلى هذه الفرضية بأربعة عشر عاما، وكان الفرنسي هاليفي قد سبقهما كليهما بأكثر من قرن، ولكن كولينز لم يذكر زميله العراقي في نصوص كتابه أو هوامشه أو قائمة مراجعه.

ربما يعود السبب في ذلك إلى الانقطاع الثقافي بين الشرق والغرب وانعدام التواصل بين ما ينشر باللغة العربية ويصدر عن دور نشر محلية وإقليمية في المشرق العربي وبين ما يحدث في دول المتروبول الغربي على الرغم من كل التطور التكنولوجي الحديث. إضافة إلى رسوخ التوجهات المركزية الأوروبية الهيمنية السائدة في المشهد الثقافي والعلمي العالمي والنظرة الأوروبية الاستعلائية إلى ما ينتجه ما تبقى من العالم.

مع وجود هذا التوافق في المضامين والاستنتاجات والنتائج، بين الباحثَين، فإنَّ الاختلاف يبقى كبيرا في منطلقات البحث لكليهما؛ فالباحث العراقي، نائل حنون ينطلق من مدرسة فقه اللغة التاريخي وعلم المسماريات المقارن. وقد ركز في أبحاثه على تفكيك الألواح والمعاجم المسمارية لإثبات أن السومرية كانت لغة تدوين داخل مجتمع أكدي موحد. أما الباحث البريطاني بول كولينز فقد انطلق من مدرسة النقد التاريخي الثقافي؛ وركز في كتابه موضوع الحديث على دراسة تاريخ علم الآثار نفسه في القرن التاسع عشر، وحلل سياقياً كيف قام المنقبون الأوروبيون بإسقاط مفاهيمهم الأوروبية الحديثة حول "القومية" و"النقاء العرقي" على مكتشفات بلاد الرافدين ليخترعوا من ثَمَّ فكرة "الشعب السومري" مكتمل الصفات والهوية.

وعلى هذا، يمكن أن نحسب هذا التوافق في الاستنتاجات والأفكار بين الباحثين على ما يمكن تسميته وحدة استذهان البشري، أو بكلمات أخرى على "توارد الأفكار وتلاقي المناهج" حيث قادت القرائنُ التاريخيةُ القوية والأدلة الملموسة الباحثَين إلى النتيجة نفسها تقريباً بالرغم من اختلاف لغتيهما ومكان أبحاثهما والفارق الزمني بينهما.

بعد أن يستعرض كولينز أفكار وفرضيات هؤلاء العلماء (جوزيف هاليفي، يوليوس أوبيرت، أدورد هنكس، ليونارد ولي، نوح كريمر" يتوصل كولينز إلى نتيجة تتطابق مع ما ذهب إليه الدكتور نائل حنون وخلاصته القائلة إن السومريين كشعب ذوي هوية عرقية وقومية مستقلة ومغلقة لم يكن لهم وجود حقيقي في العراق القديم، بل هم مفهوم مختلط وإسقاطي تمت صياغته وتجميعه داخل الدوائر البحثية (أروقة المتاحف والجامعات) الأوروبية في القرن التاسع عشر بناءً على تفسيرات وفرضيات لغوية وعرقية خاطئة.

من بين هؤلاء الأربعة ظل هاليفي يتبنى فرضية يقول إن "السومرية هي لغة وليست هوية قومية لشعب". في هذا الكتاب قدم كولينز تأريخ "هذا الصراع العلمي. بين الفريقين وبيّن أن علماء القرن التاسع عشر (مثل أوبيرت وراولنسون وهينكس) انتصروا في فرض مصطلح "الشعب السومري"، ليس لأن أدلتهم الأثرية واللغوية كانت حاسمة، بل لأن المناخ الفكري القومي والعرقي الصاعد في أوروبا آنذاك كان يبحث بلهفة عن "عرق غير سامي" ينسب إليه فضل تأسيس الحضارة الأولى والكتابة.

لذلك، فَسّرَ كولينز انتصار جبهة (أوبيرت وراولنسون) على جبهة (هايليفي) بكونه انتصاراً أيديولوجياً بعيداً عن مقاربة الحقيقة وهو الذي صاغ كتب التاريخ التي تدرس اليوم وتسود أفكارها. مع ذلك، فإن القرائن والأدلة الآثارية والثقافية الجديدة المعاصرة تعيد الاعتبار جزئياً لشكوك هاليفي ومن بعده حنون وكولينز وتفتح هذا الملف مرة أخرى في مقاربة حثيثة للحقيقة.

شبعاد أشهر ملكة سومرية هي الأكدية بو آبي

من الاكتشافات المهمة التي توقف عندها كولينز لتدعيم فكرته المركزية أن أشهر ملكة سومرية سماها المكتشفون شبعاد ثم تم تصحيح قراءة اسمها في الرموز الثلاث على ختمها الملكي الأسطواني، فكان الرمز الأول ولم يترجمه كولينز ولكن مصدر آخر قال إنه يعني في الأكدية "أمر/ كلمة" والثاني أبي أو آبوم وهي كلمة أكدية أيضاً وتعني الأب. والرمز الثالث (أيريش) وهي أكدية وتعني ملكة. فالعبارة تعني (الملكة بأمر أبيها) أو بعبارة شائعة في ثقافتنا الشعبية قد تعني (الملكة بنت أبيها)!

المفاجأة ليست هنا، بل في أن الترجمة السابقة للرموز الثلاثة التي قدمها الأب إريك بوروز (وهو رجل دين توراتي ومترجم فريق ليونارد ولي) ونصها: شوب آد نين وتعني الملكة شوب آد نين وصُحِّف في العربية فيما بعد إلى "شبعاد"، ظهر أنها خاطئة ولا علاقة لها بالرموز الثلاثة وإن شخصية شبعاد ليست إلا وهماً وتلاشى!

أما الخلاصة التي يخرج بها بول كولينز في كتابه "السومريون –الحضارات المفقودة" هو "إن أشهر ملكة سومرية هي أكدية"[5] (5).

ملوك وشعراء سومريون بأسماء أكدية

مثال آخر في هذا السياق هو أنَّ اسم أول ملك سومري تأكد وجوده عبر نقوش أثرية معاصرة له هو الملك إنميباراجيسي (Enmebaragesi)، ملك مدينة كيش السومرية (حوالي 2600 قبل الميلاد). والمفاجأة التاريخية هنا أن اسم هذا الملك مشتق من اللغة الأكدية وليس من اللغة السومرية.

يوثق كولينز مصدر هذه المعلومة بأنه نقش على شظايا مزهرية مرمرية (Vase fragments) عُثر عليها في مدينة نيبور "نُفَّر" الأثرية جنوب العراق. يحمل هذا الكشف أهمية قصوى في علم الآثار التاريخية.

وإلى جانب هذا الاسم نجد أمساء أكدية أخرى قوائم الملوك السومريين في سلالة كيش الأولى منهم مثلا:

- مَعْشَو (Maš) وتعني الملك التوأم أو الملك فحل الماعز في الأكدية.

- غالُمُ" (Galumu) وتعني العجل في الأكادية

- زوقاقيب" (Zuqaqip) وتعني العقرب باللغة الأكادية[6] (6)

من هذا القبيل أيضا يأتينا اسم الكاهنة العليا لإله القمر سين، وأول شاعرة عرفت في التاريخ أبنة الملك سرجون الأكدي المسماة أنخيدوانا (زينة السماء)، التي عُدَّت شاعرة سومرية. فكيف تكون سومرية وتكتب أشعارها وترانيمها الدينية باللغة السومرية ويكون أبوها ملكاً أكدياً "سامياً"؟ أليس في هذا المثال حجة داعمة للقائلين بأن السومرية لغة كتابة دينية "قلم" وليست هوية قومية لشعب؟ هنا، في هذا المثال يلتقي كولينز وحنون حرفيا!

لنختم وقفتنا هذه بالتعرف على الرأي الشخصي المنصف لكولينز بالتماثيل التي اصطلح على تسميتها بالسومرية فيكتب: "بالنسبة لي، يُصنَّف النحت السومري مع النحت اليوناني القديم والنحت الإتروسكاني (الإيطالي) والنحت المكسيكي القديم ونحت الأسرتين الرابعة والثانية عشرة المصرية بوصفه أعظم نحت في العالم... ففي الفن السومري، إلى جانب القيمة المجردة للشكل والتصميم، التي لا يمكن فصلها عنه، هناك عنصر إنساني عميق"[7] (7).

الكتاب: السومريون ...الحضارات المفقودة

المؤلف: بول كولينز

المترجم: د. جمعة الطلبي

دار: بيت الكتاب السومري- بغداد -2025

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

...................

المصادر

[1] - الأخبار البيروتية عدد 14 نيسان 2023.

2 - كريمر صموئيل نوع -السومريون تاريخهم وحضارتهم - ترجمة د. فيصل الوائلي - ص 427.

3 - أناتولي كليوسوف هو أحد مؤسسي علم الجينولوجيا، الذي استشهدنا بكلامه في أكثر من مناسبة حول وجود مجموعة الجين «ج1» الفردانية الذي يسمى أحياناً من قبل التوراتيين الجين الكوهيني أو السامي، وقال كليوسوف إن هذا الجين كان موجوداً لدى العرب قبل أربعين ألف سنة منه لدى العبرانيين -برنامج «رحلة في الذاكرة»- قناة «روسيا اليوم» بتاريخ 5 أيلول 2018.

4 -كولينز بول – السومريون .. الحضارات المفقودة –ترجمة د. جمعة الطلبي – ص 103 – دار بيت الكتاب السومري – بغداد –ط1 -2025.

5 - كولينز –مصدر سابق - ص 96.

6 - جاكوبسن ثوركيلد - هذه الأسماء أوردها وترجمها العالم الألماني-الأمريكي ثوركيلد جاكوبسن في كتابه المرجعي " قائمة ملوك السومريين" ونشر كمبحث في مجلة (دراسات علم الآشوريات - العدد 11).

7 - كولينز – مصدر سابق - ص123

الهوامش

[1] - الأخبار البيروتية عدد 14 نيسان 2023.

[2] -كريمر صموئيل نوع -السومريون تاريخهم وحضارتهم - ترجمة د. فيصل الوائلي - ص 427.

[3] - أناتولي كليوسوف هو أحد مؤسسي علم الجينولوجيا، الذي استشهدنا بكلامه في أكثر من مناسبة حول وجود مجموعة الجين «ج1» الفردانية الذي يسمى أحياناً من قبل التوراتيين الجين الكوهيني أو السامي، وقال كليوسوف إن هذا الجين كان موجوداً لدى العرب قبل أربعين ألف سنة منه لدى العبرانيين -برنامج «رحلة في الذاكرة»- قناة «روسيا اليوم» بتاريخ 5 أيلول 2018.

[4] -كولينز بول – السومريون .. الحضارات المفقودة –ترجمة د. جمعة الطلبي – ص 103 – دار بيت الكتاب السومري – بغداد –ط1 -2025.

[5] -كولينز –مصدر سابق - ص 96.

[6] - جاكوبسن ثوركيلد - هذه الأسماء أوردها وترجمها العالم الألماني-الأمريكي ثوركيلد جاكوبسن في كتابه المرجعي " قائمة ملوك السومريين" ونشر كمبحث في مجلة (دراسات علم الآشوريات - العدد 11).

[7] -كولينز – مصدر سابق - ص123

مفتتح: كان للقائي الأول بأنطونيو داماسيو (Antonio Damasio)، سنة 2014، عبر كتابه البديع والمزلزل في آن، «خطأ ديكارت» (L’Erreur de Descartes، 1995، عن منشورات أوديل جاكوب Odile Jacob)، أثرٌ يتجاوز أثر القراءة العابرة، لا لشيء سوى لأن الكتاب ليس مجرّد مراجعة علمية لمسألة العلاقة بين الدماغ والسلوك، ولا مجرد نقد متأخر لثنائية ديكارت بين النفس والجسد؛ لقد بدا لي، منذ صفحاته الأولى، جدلًا هادئًا وتفكيكًا حاسمًا لتصور كامل عن الإنسان، صاغته الحداثة الفلسفية طيلة قرون.

لعل كل منا يدرك انه تعلّم، في ظلّ التقليد العقلي الكلاسيكي، أن العقل يعلو على الجسد، وأن التفكير لا يبلغ كماله إلا حين يتحرر من الانفعال، وعلى أن العاطفة صنوان الاضطراب ومنبع الخطأ.

لكن داماسيو هندس انقلابًا منهجيًا لهذا التصور، مفاده الإنسان لا يفكر رغم جسده، بل يفكر بجسده؛ ولا يبلغ العقل فعاليته عبر تسقيط العاطفة، وإنما عبر الاستناد إلى ما توحيه العاطفة من إشارات وتقديرات واتجاهات.

ما ظننته في البداية، اعتراضًا على ديكارت، انكشف لاحقًا، مع التعمق في قراءة أعمال داماسيو، أنها أعمال تمثل مشروعًا متكاملًا لإعادة وصل ما قطعه الفكر الحديث بين الحياة والوعي، وبين الشعور والعقل، وبين الجسد والرمز.

واتضح لي بعد سنوات من القراءة المتأنية والمتكررة انني أمام معالم مشروع فكري عابر للتخصصات، صاحبه أنطونيو داماسيو، ليس طبيب أعصاب بارز فحسب، بل هو أحد أبرز المفكرين الذين أعادوا فتح الأسئلة الفلسفية الكبرى من داخل علوم الدماغ والحياة، وُلِد في لشبونة سنة 1944م، واشتغل سنوات طويلة في مجالات علم الأعصاب والسلوك والوعي، لديه خبرة سريرية معمقة في دراسة إصابات الدماغ وآثارها في الذاكرة، والانفعال، واتخاذ القرار، والشعور بالذات.

والجدير بالإشارة هنا أن خصوصية مشروعه تتحدد من كونه لا يكتفي بوصف الآليات العصبية، بل يسأل عن دلالتها الإنسانية والفلسفية، كيف يصبح الكائن الحي ذاتًا؟ كيف تتحول تغيرات الجسد إلى مشاعر؟ كيف تنبثق خبرة الذات من حياة أعضاء جسد لا يتوقف عن تنظيم توازنه الداخلي؟ وكيف يمكن للوعي أن يتمثل عبر المادة الحية دون أن يفهم عبر سلسلة من التفاعلات الميكانيكية الجوهرية؟

هكذا عند داماسيو، لا يصبح الدماغ آلةً مستقلة تعمل في معزل، ولا يكون الجسد وعاءً سلبيًا للعقل، إنهما قطبا ذات حية واحدة: الدماغ يرسم خرائط لحالات الجسد والعالم، والجسد يمدّ الدماغ بإشارات لا تنقطع عن الخطر والحاجة والراحة والألم والرغبة والاختلال. عبر هذا الحوار المتصل بين الداخل والخارج تتكوّن الذات، ويتدرج الوعي، وتتخذ الحياة الإنسانية معناها.

من «خطأ ديكارت» إلى نقد العقل المجرد

صدر كتاب «خطأ ديكارت» (L’Erreur de Descartes) بالفرنسية سنة 1995 عن دار Odile Jacob، بعد صدور نسخته الإنجليزية الأصلية سنة 1994 بعنوان Descartes’ Error. وقد أصبح هذا الكتاب منعطفًا حاسمًا في النقاش المعاصر حول العقل والعاطفة، لما قدّمه من نقد علمي وفلسفي للصورة التقليدية التي تجعل من الانفعال نقيضًا للحكم السليم.

داماسيو انطلق من حالات سريرية لأشخاص احتفظوا بقدراتهم المنطقية واللغوية الأساسية بعد إصابات محددة في الدماغ، لكنهم فقدوا، مع ذلك، قدرتهم العملية على اتخاذ القرارات السليمة، قادرين على التحليل، والمقارنة، وتعداد البدائل؛ غير أنهم أصبحوا عاجزين عن الحسم، وكأن التفكير، حين يفقد صلته بالإحساس بالقيمة والأولوية والخطر، يتحول إلى دوران عقلي بلا بوصلة.

وعليه بلور داماسيو فكرته الشهيرة عن الدلالات الجسدية*، حيث التجارب السابقة تترك في الجسد والدماغ آثارًا انفعالية تساعدنا على تمييز ما ينبغي تجنبه وما يستحق الإقبال عليه، ليست هذه الدلالات (أو الإشارات) بديلًا عن التفكير، لكنها تمثل أرضيته العملية؛ إذ تختصر على العقل مسالك طويلة من الحساب، وتوجهه داخل عالم مزدحم بالاحتمالات، بمعنى ليست العاطفة عدوة العقل، بل إحدى صور ذكائه العميق.

لقد كان الأثر الفلسفي لهذا التصور بالغًا، حيث لا يدعو إلى تمجيد الانفعال أو إسقاط قيمة البرهان، بل يحرر العقل من وهم الاكتفاء الذاتي، بمعنى ٱخر العقل الإنساني ليس عقلًا ملائكيًا معلقًا فوق الجسد، بل عقلٌ مجسد، يشتغل من داخل كائن حيّ، هشّ، راغب، متأثر بذكرياته، ومنخرط في بيئته الاجتماعية والتاريخية.

الذات ليست معطى ثابت

إذا كان L’Erreur de Descartes قد أعاد العاطفة إلى صميم العقل، فإن كتاب «الشعور بما يحدث» (Le Sentiment même de soi. Corps, émotions, conscience)، الصادر بالفرنسية سنة 2002 عن دار Odile Jacob، نقل المسألة إلى مستوى أعمق: كيف يتكوّن الشعور بالذات؟

في هذا الكتاب، يرفض داماسيو أن تكون الذات معطًى أوليًا ثابتًا، أو جوهرًا مكتملًا يقيم في أعماق الإنسان، كما انها ليست شيئًا جاهزًا نعثر عليه داخلنا، بل بناء متحرك يتشكل بقدر ما يستطيع الكائن الحي أن يرصد تحولاته الداخلية وأن يربطها بما يطرأ عليه من الطبيعة.

أي أن الإنسان لا يملك وعيًا بمعزل عن جسده، لأن الوعي نفسه يقوم على إدراك متواصل لحالة الجسد وهو يتأثر ويخاف ويطمئن ويتألم ويرغب.

لهذا كله، يميز داماسيو بين مستويات متعددة للذات، هناك ذات أولية، مرتبطة بالحفاظ على توازن الحياة في أبسط صورها؛ ثم ذات مركزية تنشأ في لحظة التفاعل مع الأشياء والأشخاص؛ ثم ذات السيرة تتشكل من الذاكرة واللغة والتاريخ الشخصي. هذا لا يعني أن الذات تنقسم إلى جزر منفصلة، بل إنها تتدرج من الإحساس العضوي المباشر إلى السرد الذي يقوله الإنسان عن نفسه.

إن هذا التحليل يحررنا من التصور الجامد للهوية، فالإنسان في منظور داماسيو، ليس مركزًا مغلقًا ومكتفيًا بذاته، بل كائن يعيد إنتاج ذاته في كل لحظة، ويظل توازنه النفسي والجسدي عرضة للتبدل.

الذات، إذن، ليست بناءًا داخليًا، بل عملية حية؛ ليست حجرًا صلدًا، بل نهرًا تتداخل فيه الذاكرة والإحساس مع التوقع واللغة.

من الانفعال إلى الشعور

إحدى أدق مساهمات داماسيو، تكمن في تمييزه بين العاطفة والشعور.

فالعاطفة، في معناها البيولوجي، هي سلسلة من التحولات الجسدية والعصبية التي تحدث استجابةً لموقف أو مثير أو ذكرى، أما الشعور فهو إدراك تلك التحولات حين تصبح حاضرة في التجربة الذاتية، العاطفة تقع في الجسد والدماغ؛ والشعور هو أن يعرف الإنسان، على نحو ما، أنه يمر بتلك العاطفة.

ولا ينبغي فهم هذا التمييز على أنه فصلٌ حاد بين الجسم والعقل، فالشعور ليس إضافة غامضة ترد من خارج الحياة الجسدية، بل هو الطريقة التي تصير بها حالة الجسد معطىً معيشًا، فعندما نشعر بالخوف، لا نمتلك مجرد فكرة ذهنية عن الخوف؛ إننا نختبر تسارع النبض، وانقباض الجسد، وتوتر الانتباه، واستعداد بكلنا للمواجهة أو الفرار، الشعور هو الوجه الداخلي لهذا التغير الحيوي.

بالتالي، لا يعود الوعي مجرد قدرة على تسمية الأشياء أو ترتيبها في مفاهيم، إنه أيضًا، وربما قبل كل شيء، المقدرة على أن يشعر الكائن بتأثره بما حوله. إنه معرفةٌ بالحياة وهي تجري في الداخل، وإدراكٌ للذات وهي تتغير تحت تأثير ما يحيط بها.

الوعي بوصفه يقظة الذات

في كتابه «الشعور والمعرفة» (Sentir et savoir. Une nouvelle théorie de la conscience)، الصادر بالفرنسية سنة 2021 عن دار Odile Jacob، قدّم داماسيو صياغة مكثفة ومراجعة ناضجة لنظريته في الوعي، وهو من أبرز كتبه المتأخرة المخصصة تحديدا لمسألة الوعي، وفيه يعود إلى سؤال ظل يرافقه في مجمل مشروعه: كيف يظهر الشعور الذاتي من داخل العمليات الحيوية؟

يبدأ داماسيو من فكرة مركزية مؤداها أن الكائن الحي لا يكتفي بالتفاعل الآلي مع محيطه، حيث الحياة تحمل في ذاتها، منذ مستوياتها الأولى، جهدًا دائمًا للمحافظة على التوازن والاستمرار، وهذا ما يسميه، في امتداد لتراث سبينوزا، الاستتباب أو تنظيم الحياة لذاتها، فالكائن الحي يراقب نقصه، ويستجيب لاضطرابه، ويبحث عن شروط بقائه، والوعي، في طبقاته العليا، يتصل بهذه القدرة الأساسية على الإحساس بالحالة الداخلية وتعديل العلاقة بالمحيط.

لهذا داماسيو لا يقرأ الوعي بوصفه حادثة خارقة وقعت فجأة داخل الدماغ، ولا باعتباره لغزًا ميتافيزيقيًا لا صلة له بتاريخ الحياة، الوعي، عند داماسيو، امتداد معقد لجهود الحياة في صون ذاتها. إنه لحظة تصبح فيها الانسان قادرًا، بدرجات متفاوتة، على أن يختبر حالته لا أن يستجيب لها فحسب؛ أن يشعر بأنها موجود، لا أن يعيش فقط.

الوعي هنا ليس مرآة ساكنة تعكس العالم الخارجي، بل فعل يقظة، بمثابة قدرة على الحراسة الداخلية، وعلى ملاحظة التحولات التي تهدد توازن الإنسان أو تعززه. وبهذا المعنى، يمكن أن يوصف الوعي بأنه يقظة الحياة على الذات، لا لأنه ينسحب من الحياة إلى باطن مغلق، بل لأنه يجعل الإنسان أكثر حضورًا في العالم، وأكثر قدرة على تنظيم علاقته به.

«الترتيب الغريب للأشياء»

تتسع رؤية داماسيو في كتاب «الترتيب الغريب للأشياء» (L’Ordre étrange des choses. La vie, les sentiments et la fabrique des cultures)، الصادر بالفرنسية سنة 2019 عن دار Odile Jacob، لتشمل نشوء الثقافة والأخلاق والفنون والمؤسسات الإنسانية. ففي هذا العمل، لا يعامل الثقافة باعتبارها قطيعة مطلقة مع البيولوجيا، ولا بوصفها نتيجة آلية لها، بل باعتبارها امتدادًا مبدعًا لجهد الكائن الإنساني في البحث عن الاستقرار والتعاون وتقليل المعاناة.

إن المشاعر، في هذا التصور، لم تؤدِّ دورًا في حياة الفرد فقط، بل أسهمت في التاريخ الطويل للجماعات البشرية، فمن البحث عن الأمان، ومن الألم والخوف والتعاطف والرجاء، نشأت أشكال التنظيم الاجتماعي، وتبلورت القوانين والأعراف، وظهرت الفنون والطقوس وأنماط التضامن، أي أن الثقافة، ليست زينةً إضافية فوق الحياة؛ إنها أحد الأشكال التي ابتكرتها الحياة البشرية لتدبير هشاشتها ولإعطاء وجودها معنى.

وهنا تتجلى قوة داماسيو في تجاوزه الحدود الضيقة للتفسير العصبي، إنه لا يختزل الفن إلى نشاط دماغي، ولا الأخلاق إلى منعكسات بيولوجية، بل يبيّن أن الفكر الثقافي نفسه لا ينفصل عن جذوره الشعورية. فكل حضارة، مهما بلغت من تعقيد رمزي، تظل مشدودة إلى أسئلة الحياة الأساسية: كيف نستمر؟ كيف نتعايش؟ كيف نخفف الألم؟ وكيف نجعل وجودنا جديرًا بالعيش؟

سبينوزا في أفق علم الأعصاب

لفهم داماسيو هناك عنوان اساسي، يتمثل في علاقته الفكرية العميقة بباروخ سبينوزا، ففي كتابه «البحث عن سبينوزا، او سبينوزا كان محقًا» (Spinoza avait raison. Joie et tristesse, le cerveau des émotions)، الصادر بالفرنسية سنة 2003 عن دار Odile Jacob، يستعيد داماسيو الفيلسوف الهولندي لا بوصفه أثرًا من آثار تاريخ الفلسفة، بل بوصفه مفكرًا استبق، بحدسه الفلسفي، كثيرًا من أسئلة علم الأعصاب الحديث.

لقد أدرك سبينوزا، في نظر داماسيو، أن النفس والجسد ليسا جوهرين متقابلين، بل تعبيران عن واقع واحد؛ وأن الفرح والحزن ليسا شؤونًا هامشية، بل تغيرات تمس قدرة الإنسان على الفعل والوجود، عبر هذه الرؤية يجد داماسيو أساسًا فلسفيًا لإعادة فهم الانفعال والوعي، ويقيم بينها وبين أبحاثه العلمية حوارًا خصبًا.

غير أن داماسيو لا يحوّل سبينوزا إلى عالم أعصاب قبل أوانه، ولا يستعمل العلم لتبرير الفلسفة بأثر رجعي، المهم في هذا الكتاب أنه يكتشف في الفكر السبينوزي تصورًا وحدويًا للإنسان، يجعل من الجسد والعقل وجهين متلازمين للحياة ذاتها، ولهذا كان سبينوزا، في مشروع داماسيو، أكثر من كونها مرجع، بل رفيقًا نظريًا في معركة تجاوز الثنائية التي جعلت الفكر الغربي يعامل الجسد بوصفه أدنى من العقل، والعاطفة بوصفها أدنى من البرهان.

ضد الإنسان الحسابي

أفكار داماسيو اليوم اكتسبت أهمية بالغة في زمن تتصاعد فيه النزعة إلى تصوير الذكاء باعتباره قدرة حسابية محضة عبر الخوارزميات. في ظل اتساع حضور النماذج الرقمية والأنظمة الذكية، صار من السهل الخلط بين معالجة المعلومات وبين التجربة الحية، غير أن مشروع داماسيو يذكّرنا بأن التفكير البشري لا يُختزل في الحساب، لأن الإنسان لا يتعامل مع العالم كجهاز يعالج رموزًا فقط، بل ككائن يتأثر ويقلق ويأمل ويخاف ويتذكر.

الوعي الإنساني لا يتميز بإمتلاك المعلومات، بل عيشها من داخل جسد. وليس الفرق بين الإنسان والآلة مجرد فرق في مقدار السرعة أو حجم الذاكرة، بل في نمط الوجود نفسه، الإنسان يحمل تاريخًا جسديًا، ويعيش الألم واللذة، ويتخذ قراراته تحت ضغط الحاجة والخسارة والرغبة والرجاء، وهذه الأبعاد ليست هوامش يمكن إهمالها في تعريف العقل، بل هي الشروط التي تجعل العقل تجربة بشرية.

إن قراءة داماسيو تضعنا أمام سؤال حاسم: هل يمكن بناء فهم للذكاء من دون فهم للحياة؟ إن جوابه الضمني واضح: لا يمكن للذكاء أن يُفهم فهمًا كاملًا إذا فُصل عن الجسد، ولا يمكن للوعي أن يُفسَّر إذا جُرّد من الشعور.

متى يشعر الإنسان بأنه كائن حي؟

كتاب L’Erreur de Descartes، الذي قرأته سنة 2014، لم يكن بوابةً إلى علم الأعصاب فحسب؛ بل كان بوابة إلى إعادة التفكير في الإنسان، فمن خلاله بدأت سلسلة قراءات في أعمال أنطونيو داماسيو، بدت لي في كل محطة أكثر اتساقًا وعمقًا: من نقد الفصل بين العقل والعاطفة، إلى تحليل تشكل الذات، إلى تفسير الشعور والوعي، ثم إلى استكشاف الصلات العميقة بين الحياة والثقافة.

إن إبداع داماسيو وبراعته لا تكمن في أنه يقدّم جوابًا نهائيًا عن لغز الوعي؛ فالوعي يظل واحدًا من أعقد أسئلة الفكر الإنساني، لكن أهمية مشروعه تتمثل في أنه نقل السؤال إلى أرض أكثر خصوبة: أرض الجسد الحي، والعاطفة، والتوازن الحيوي، والذاكرة، والعلاقة بالطبيعة والبيئة. لقد أعاد للوعي جذوره في الحياة، من دون أن يسلبه تعقيده أو فرادته.

إن الإنسان، في ضوء هذا المشروع، ليس عقلًا بلا جسد، ولا جسدًا بلا معنى، ببساطة، إنه كائن حي يتطور إلى أن يشعر بنفسه، ويصبح قادرًا على تحويل ذلك الشعور إلى ذاكرة ولغة وفكر وثقافة.

هكذا، إذن، الوعي، ليس امتيازًا مفارقًا للحياة الإنسانية؛ إنه أحد أسمى تجلياتها: أن تبلغ من التعقيد حدًّا يجعلها تصغي إلى ذاتها، وتدرك هشاشتها، وتبحث، رغم كل شيء، عن معنى وجودها.

***

مراد غريبي

....................

(*) تسمى بالبيولوجيا، الواسمات الحيوية-Marqueurs biologiques- (أو الدلالات الحيوية التشخيصية او العلاجية) هي مواد كيميائية أو بروتينات يفرزها الجسم.

كيف أعاد جون ريندل هاريس وشركاؤه اكتشاف أحد أقدم نصوص الحكمة الشرقية؟

إن كتاب «قصة أحيقار من الروايات الآرامية والسريانية والعربية والأرمنية والإثيوبية والتركية القديمة واليونانية والسلافية»

 واحدًا من أهم الأعمال التي أسهمت في إعادة تقديم حكيم الشرق القديم أحيقار إلى الدراسات الحديثة. وأهمية هذا الكتاب لا تقتصر على نشر نص من نصوص الحكمة السريانية، ولكن تتجاوز ذلك إلى جمع معظم الشواهد المعروفة للقصة في اللغات الشرقية والغربية، ومقارنتها ضمن إطار نقدي سعى إلى تتبع تاريخ النص وتحولاته وانتقاله بين الثقافات.

صدرت الطبعة الأولى من الكتاب سنة 1898، ثم ظهرت الطبعة الثانية المنقحة والموسعة سنة 1913 عن مطبعة جامعة كامبريدج. وقد أشرف على المشروع الباحث البريطاني جون ريندل هاريس، بمشاركة المستشرق الأرمني البريطاني فريدريك كورنيواليس كونيبير، والباحثة البريطانية المتخصصة في المخطوطات السريانية أغنيس سميث لويس، كما استعان هاريس بالعالم روبرت كينيت في مراجعة النص السرياني.

ويشير المؤلف في مقدمته إلى أن طبيعة هذا العمل لا تسمح لباحث واحد بالإحاطة بجميع جوانبه، لأن القصة وصلت إلينا عبر تقاليد لغوية وثقافية متعددة، وهذا تطلب تعاون عدد من المتخصصين في اللغات الشرقية القديمة. كما أوضح أن اكتشاف برديات أحيقار الآرامية في جزيرة الفيل في أسوان، العائدة إلى القرن الخامس قبل الميلاد، إلى جانب العثور على رواية تركية قديمة، دفعه إلى إعداد طبعة جديدة أكثر اكتمالًا ودقة من سابقتها.

ولم ينظر هاريس إلى أحيقار كمجرد بطل لحكاية شعبية انتقلت إلى «ألف ليلة وليلة»، بل اعده أثرًا أدبيًا بالغ القدم يقف على تخوم الأدب الكتابي والأدب السامي القديم.

ولهذا جاءت مقدمة الكتاب دراسة واسعة تبحث في تاريخ النص، وعلاقته بسفر طوبيا، وصلاته بالأمثال التوراتية، وتأثيره في التراث السرياني واليهودي والمسيحي، مع محاولة إعادة بناء الصورة الأولى للقصة قبل ما أصابها من إضافات وتعديلات عبر اقرون كثيرة. ومن هنا يصبح هذا الكتاب تحقيقًا في تاريخ الأدب السامي أكثر من كونه ترجمة لرواية قديمة.

ويضم الكتاب أكثر من أربعمائة صفحة، تبدأ بدراسة نقدية مطولة، ثم تتبعها الترجمات والنصوص الأصلية للروايات السلافية والأرمنية والتركية القديمة والسريانية والإثيوبية والعربية واليونانية والآرامية، إضافة إلى مجموعة من حكم أحيقار وشروح خاصة بالروايات الأرمنية والتركية. وبهذا الترتيب لم يكتفي المحررون بعرض النصوص، فلقد فتحوا للقارئ والباحث مقارنة الروايات المختلفة، ورصد ما طرأ عليها من حذف وزيادة وتغيير في البنية السردية واللغة والحكمة.

وتكشف هذه الطبعة أن قصة أحيقار تمثل نموذجًا فريدًا للأدب الذي جمع بين الرواية والأمثال الأخلاقية والحكمة السياسية. فهي تبدأ بسيرة رجل بلغ أعلى مراتب الدولة في عهد سنحاريب وأسرحدون، ثم تواجهه مأساة انعدام الوريث، فيتبنى ابن أخته نادان ويغدق عليه العلم والنعمة، قبل أن يتحول هذا الابن إلى سبب سقوطه.

 ومن هذه المأساة تنفتح القصة على رحلة طويلة تمزج بين السياسة والدهاء والمناظرات والألغاز والحكمة، حتى تنتهي بانتصار العدالة وانهيار الخيانة، لتظل الوصايا التي وجهها أحيقار إلى نادان هي الجزء الأكثر تأثيرًا واستمرارًا في الذاكرة الأدبية، حتى غدت من أشهر نصوص الحكمة في تراث الشرق القديم.

1. الطبعة الأولى فتحت باب الدراسات الحديثة

تمثل طبعة سنة 1898 البداية الحقيقية للدراسة العلمية الحديثة لقصة أحيقار. فقد كانت أول عمل يجمع الروايات السريانية والعربية والأرمنية والإثيوبية واليونانية والسلافية في إصدار واحد يخضع للمقابلة والتحقيق. ولم يكن الباحثون يومئذ قد عرفوا النص الآرامي القديم، لذلك أصبحت هذه الطبعة المرجع الرئيس لكل من أراد دراسة أحيقار، وظلت كذلك حتى اكتشاف برديات جزيرة الفيل في مطلع القرن العشرين، وهذا يمنحها قيمة تاريخية لا تقل عن قيمتها النصية.

2. مشروع علمي جماعي سبق عصره

لم يكن الكتاب ثمرة جهد فردي، كان مشروعًا علميًا تعاون فيه جون ريندل هاريس مع فريدريك كورنيواليس كونيبير وأغنيس سميث لويس، ثم استعان في الطبعة الثانية بروبرت كينيت لمراجعة النص السرياني. ويكشف هذا التعاون إدراك المحررين أن قصة أحيقار تجاوز حدود لغة واحدة، وأن تحقيقها يحتاج إلى خبرات متعددة في السريانية والآرامية والعربية والأرمنية واليونانية وغيرها، وهو منهج ظل أساسًا للدراسات المقارنة حتى اليوم.

3. الطبعة الثانية لم تلغ الأولى بل أكملتها

عندما ظهرت الطبعة الثانية سنة 1913 وكان ذلك بعد اكتشاف برديات الفيل، لم يسع هاريس إلى إلغاء عمله السابق، ولكن أعاد بناء الكتاب في ضوء المعطيات الجديدة. وأضاف النصوص التي ظهرت حديثًا، ووسع المقدمة، كما ناقش أثر الاكتشافات على فهم تاريخ الرواية، مع الإبقاء على قيمة الطبعة الأولى لأنها كانت أول جمع علمي متكامل للروايات المعروفة آنذاك. وهكذا أصبحت الطبعتان معًا تمثلان مرحلتين أساسيتين في تاريخ البحث.

4. برديات الفيل (الفنتين) غيرت تاريخ القصة

كان اكتشاف البرديات الآرامية في جزيرة الفيل بمصر من أهم الأحداث في تاريخ دراسة أحيقار، لأنه أثبت أن القصة معروفة منذ القرن الخامس قبل الميلاد، أي قبل أقدم المخطوطات السريانية بقرون طويلة. وقد أدى هذا الاكتشاف إلى انتقال أحيقار من دائرة الأدب السرياني الوسيط إلى فضاء الأدب الآرامي القديم، وأعاد النظر في كثير من الفرضيات التي بنيت قبل العثور على هذا الشاهد المبكر.

5. أحيقار بين التاريخ والأسطورة

لم يتعامل المحررون مع أحيقار كشخصية تاريخية مثبتة، ولم يعتبره شخصية خيالية خالصة، تركوا الباب مفتوحًا بين الاحتمالين. فوجود اسمه في البرديات القديمة منح الشخصية جذورًا تاريخية محتملة، بينما تكشف عناصر الرواية، وخاصة رحلته إلى مصر والألغاز الخارقة والنجاة العجيبة، عن ملامح أدب الحكمة والأسطورة الشعبية، وها التوازن في الرؤية حافظ عليه المحققون دون إصدار أحكام قاطعة.

6. صلات وثيقة بالكتاب المقدس

تولي مقدمة الكتاب اهتمامًا كبيرًا للعلاقة بين قصة أحيقار والكتاب المقدس، وخاصة سفر طوبيا، حيث يظهر أحيقار شخصية معروفة في البلاط الآشوري وصديقًا لطوبيا. كما يناقش المحررون أوجه الشبه بين حكم أحيقار وسفر الأمثال وبعض نصوص الحكمة العبرية، ولم يذهبوا إلى القول بوجود اقتباس مباشر، وسنجد أنهم فضلوا الحديث عن بيئة ثقافية مشتركة نشأت فيها تقاليد الحكمة في الشرق الأدنى القديم.

7. هل كان أحيقار أحد الأنبياء؟

تتوقف المقدمة عند محاولات بعض المؤلفين في العصور اللاحقة ربط أحيقار بشخصيات دينية أو نبوية، إلا أننا لا نلمس تأييد من المحررين تؤكد هذه الفرضيات. فلا يوجد في المصادر القديمة ما يجعله نبيًا، ولكن يظهر دائمًا حكيمًا وكاتبًا ومستشارًا ملكيًا. ولذلك فإن من مميزات هذا الكتاب عناصر الوضوح بين الأدب الشعبي الذي يضفي على الشخصيات صفات استثنائية، والبحث التاريخي الذي يلتزم حدود الأدلة المتوافرة.

8. احترام النص أكثر من فرض النظريات

من أبرز مزايا هاريس أنه لم يحاول إخضاع الرواية لنظرية مسبقة، ولم يسع إلى إعادة صياغتها بما يوافق الذوق الأوروبي. فقد حافظ على ترتيبها، ونقل اختلافات المخطوطات في الهوامش، وترك للقارئ فرصة متابعة السرد كما وصل إليه. وهذا المنهج منح النص استقلاله الأدبي، وجعل دور المحقق أنه يخدم الرواية ولا يعيد تأليفها من جديد.

9. النص السرياني في مركز المشروع

رغم اتساع الكتاب فقد شمل روايات عديدة، ظل النص السرياني يحتل مكانته المركزية، لأنه كان أكمل الروايات المعروفة قبل اكتشاف الأصل الآرامي. وقد بذل المحققون جهدًا في ضبط قراءاته ومقابلتها بالمخطوطات، وحافظوا على خصائصه اللغوية والأسلوبية، وكل هذه المميزات جعلت من الطبعة مرجعًا أساسيًا لكل من يدرس الأدب السرياني حتى بعد ظهور شواهد أقدم.

10. انتقال الرواية بين الحضارات

تكشف النصوص التي جمعها الكتاب أن أحيقار لم يبق حبيس البيئة الآشورية أو السريانية، فلقد انتقل إلى العربية والأرمنية والإثيوبية واليونانية والسلافية والتركية، وفي كل مرة اكتسب ملامح جديدة مع احتفاظه ببنيته الأساسية. ويعد هذا الانتشار الواسع شاهدًا على قدرة أدب الحكمة على تجاوز الحدود الدينية واللغوية، وعلى المكانة التي احتلتها فنون السرد والقصص في ثقافات متباعدة.

11. الحكمة أهم من الحدث

إن قيمة الرواية لم تعتمد على حبكتها وحدها، ولكننا سنلمس وجود مجموعة وصايا وحكم أحيقار والتي أصبجت تحتل مكانة عظيمة وجعلت صفته الحكيم الشرقي النموذجي. فالأحداث ليست إلا إطار سمح بتمرير رؤية أخلاقية وسياسية عن العدل والصبر والوفاء وضبط اللسان واختيار الأصحاب. ولهذا بقيت الحكم أكثر أجزاء الرواية تداولًا، وانتقلت منفصلة عن القصة في كثير من التقاليد اللاحقة ودخلت في الشعر والأمثال الشعبية.

12. أثر الطبعة في الدراسات السريانية

أصبحت طبعة هاريس أساسًا اعتمدت عليه أجيال من الباحثين في دراسة النص السرياني، واستندت إليها أعمال نقدية كثيرة ناقشت قراءاتها وترجماتها واختياراتها النصية. وحتى بعد ظهور تحقيقات أحدث، بقيت هذه الطبعة تحضر في الببليوغرافيات والدراسات بكونها كانت نقطة الانطلاق التي أعادت أحيقار إلى الاهتمام الأكاديمي العالمي.

13. عقلية علمية تقبل المراجعة

تكشف مقدمة الطبعة الثانية جانبًا مهمًا من شخصية هاريس العلمية، حيث أنه لم يتمسك بنتائج الطبعة الأولى، وأعلن صراحة أن الاكتشافات الجديدة فرضت مراجعات كثير من الآراء السابقة. وهذه الروح النقدية جعلت من الكتاب مثالًا مبكرًا للبحث العلمي الذي يجعل المعرفة مشروعًا مفتوحًا يتطور مع ظهور الأدلة وليست أحكامًا نهائية لا تقبل النقاش.

14. بين الأدب والتاريخ

تكشف الرواية أن الحدود بين الأدب والتاريخ لم تكن حادة في الشرق القديم. فهي تستند إلى أسماء ملوك حقيقيين مثل سنحاريب وأسرحدون، لكنها تمزج الوقائع بعناصر روائية وأمثال وحكم ومناظرات خيالية. ولهذا ينظر إليها الباحثون اليوم بوصفها أثرًا أدبيًا ذا خلفية تاريخية، لا سجلًا تاريخيًا بالمعنى الدقيق.

15. لماذا لا تزال هذه الطبعة ضرورية؟

رغم مرور أكثر من قرن على صدورها، ورغم ظهور نصوص وتحقيقات أحدث، ما تزال طبعتا 1898 و1913 تحتفظان بقيمتهما العلمية. فالأولى تمثل نقطة الانطلاق التي أسست لدراسة أحيقار في العصر الحديث، والثانية وثقت أثر اكتشاف البرديات الآرامية وأعادت صياغة المشروع في ضوء الأدلة الجديدة. ومن ثم لا يمكن كتابة تاريخ البحث في أدب أحيقار أو الحكمة السريانية من دون العودة إلى هاتين الطبعتين، لأنهما تكشفان كيف تطورت المعرفة العلمية خطوة بعد أخرى، وكيف انتقل أحيقار من حكاية موروثة إلى واحد من أهم نصوص الأدب السامي القديم.

خاتمة

تكشف هذه الجهود أن جون ريندل هاريس وشريكيه لم يكونوا يسعون إلى نشر قصة قديمة فحسب، لكنهم إعادوا بناء تاريخ نص أدبي ظل قرونًا متناثرًا بين لغات وثقافات متعددة. فقد خرجوا باستنتاج جوهري مؤداه أن أحيقار ليس حكاية سريانية معزولة، وإنما أثر أدبي عابر للحدود، انتقل بين الآرامية والسريانية والعربية والأرمنية والإثيوبية واليونانية والسلافية، محتفظًا بجوهره الحكمي رغم ما طرأ عليه من تعديلات وصياغات محلية. كما أولوا عناية خاصة للعلاقة بين القصة وسفر طوبيا، وأدب الحكمة في العهد القديم، دون الجزم بوجود اقتباس مباشر، ورأوا أن هذه النصوص تنتمي إلى بيئة فكرية وثقافية واحدة ازدهرت في الشرق الأدنى القديم.

ولا يقل منهج المحررين أهمية عن نتائجهم. فالكتاب لا يمكن تصنيفه ترجمةً فحسب، ولا تحقيقًا لغويًا مجردًا، ولا دراسة نقدية مستقلة، يمكن القول أنه عمل جمع هذه الأنواع جميعًا. فهو بدأ بدراسة تاريخية ونقدية واسعة، ثم انتقل إلى تحقيق النصوص ومقابلة الروايات المختلفة، وقدم ترجمات دقيقة، مع تعليقات مقتضبة خدمت النص ولم تطغى عليه. ولهذا يمكن اعتبار هذا العمل الضخم من أوائل النماذج الحديثة في النقد النصي المقارن، فهنا، يصبح التحقيق وسيلة لفهم تاريخ الأدب، ولم يظل محصورًا في تصحيح ألفاظ المخطوطات.

ومن أكثر ما يلفت الانتباه في أسلوب هاريس وشريكيه أنهم لم يحاولوا فرض نظرية واحدة على المادة، ولم يعيدوا صياغة القصة وفق الذوق الأوروبي السائد آنذاك، ونلمس أنهم حافظوا على استقلال النص، وتركوا الروايات تتحدث بنفسها، مكتفين بالإشارة إلى مواضع الاختلاف والتطور. وكل هذا المنهج منح الكتاب قيمة علمية طويلة الأمد، وماتزالالطبعة الأولى مرجعًا رئيسًا أيضًا حتى بعد اكتشاف البرديات الآرامية في الفنتين، ثم تم ستيعاب تلك الاكتشافات في امطبعتة الثانية ولم يتنكر الفريق لعملهم الأول.

أما جون ريندل هاريس (1852–1941)، فكان أحد أبرز علماء المخطوطات واللغات الشرقية في بريطانيا، واشتهر باهتمامه بالأدب السرياني والأبوكريفا وتاريخ النصوص المسيحية القديمة. وشاركه في هذا المشروع المستشرق فريدريك كورنيواليس كونيبير (1856–1924)، المتخصص في الدراسات الأرمنية والمقارنة، والباحثة أغنيس سميث لويس (1843–1926)، تُعد من أعظم مكتشفي المخطوطات السريانية في العصر الحديث، وأسهمت إسهامًا حاسمًا في إحياء كثير من النصوص الشرقية. و هذا التنوع العلمي أضفى على الكتاب عمقًا يصعب أن يبلغه باحث واحد.

وتبدو الطبعة الثانية الصادرة سنة 1913 أكثر نضجًا واتساعًا من سابقتها؛ حيث أنها أعادت قراءة القصة في ضوء برديات الفيل، وأضافت مواد جديدة، ووسعت دائرة المقارنة بين الروايات. ومع ذلك، فإن هذا الجهد الكبير، على أهميته وأصالته، لم يحظَى – فيما يظهر – بترجمة عربية كاملة، كما أننا لا نجد عنه مراجعات معمقة في الدراسات العربية ولا ما يستحقه من اهتمام، وهذه الجهود مثلت مرحلة حيوية انتقلت فيها دراسة أحيقار من الاعتماد على الرواية السريانية وحدها إلى الاستفادة من الشاهد الآرامي الأقدم.

ولم تكن علاقة هاريس بأحيقار عابرة أو مرتبطة بإصدار كتاب واحد؛ فقد واصل متابعة الاكتشافات الجديدة، وعدّل عمله كلما ظهرت أدلة إضافية، وهذا يعكس بوضوح روحًا علمية ترى أن المعرفة تنمو بالمراجعة المستمرة لا بالتشبث بالنتائج الأولى.

إذن فإن قيمة أبحاثه لا تكمن في أنها قدمت الأحكام النهائية، الأكثر قوة أنها أرست الأساس الذي انطلقت منه معظم الدراسات اللاحقة.

ولعل أهم ما قدمه هذا المشروع أنه أعاد تعريف أحيقار أمام القارئ الحديث. وأصبح نموذجًا لأدب الحكمة في الشرق الأدنى القديم، ونصًا يكشف تفاعل الحضارات السامية عبر قرون طويلة. ومن هنا تبقى طبعتا هاريس، الأولى والثانية، من المحطات المؤسسة في تاريخ الدراسات السريانية والآرامية، ولا يزال الرجوع إليهما ضرورة لكل باحث يريد أن يفهم كيف تشكلت صورة أحيقار في الوعي العلمي الحديث.

***

حميد عقبي

.......................

The Story of Ahikar: From the Aramaic, Syriac, Arabic, Armenian, Ethiopic, Old Turkish, Greek and Slavonic Versions

Edited by James Rendel Harris, F. C. Conybeare, and Agnes Smith Lewis.

* رابط مراجعة نقدية

https://youtu.be/pkeFmzC1zv4?si=YJOzy_Ehr0xrNsnl

في المثقف اليوم