قراءات نقدية
علاء حمد: مفاهيم الأشياء في نصوص نافذة تطلّ على الفراغ للشاعر العراقي حمدان طاهر
لكلّ شيءٍ مفهومه في المنظور النصّي، وربّما يعتقد بعضهم أنّ الأشياء هي تلك الكيانات المنظورة الماديّة التي يمكن التعامل معها من خلال الرؤية فقط. غير أنّ للأشياء مفاهيمَ متعدّدة؛ فعندما نقول: (الكرسيّ ينتظر)، فإنّ ذلك يعني وجود حركةٍ شيئيّة، وعلاقةٍ بين الكرسيّ وفعل الانتظار. وهذا يفترض حالةً متكرّرةً مرتبطةً بالكرسيّ من قبل شخصٍ ما، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أشياء كثيرة يمكن تحريكها داخل النصّ الشعري.
ينبني المفهوم الشيئي على التصوّرات والأحلام والخيال؛ فليست كلّ الأشياء تستحضرها الذاتُ الواقعيّة، بل إنّ هناك اختراعاتٍ تمنح الخلقَ الشيئي مساحةً حركيّةً داخل النصّ الشعري الحديث. ولم تعد المساحة النصّية مركزاً للمعنى المباشر، بل أصبحت قائمةً على مساءلةٍ دائمة، بما يتيح استنتاج أسئلةٍ حركيّة عبر الاستدلال النصّي، للوصول إلى نتائج تُظهر المعاني المرتبطة بالنصّ من جهةٍ، وبحركة الأفعال (الحركيّة، والتموضعيّة، والانتقاليّة الدلاليّة) من جهةٍ ثانية. فالدلالة التي نعنيها هنا متعدّدة الأبعاد، حيث إنّ كلّ شيءٍ دالّ على ذاته، ويُنتج المعنى عبر التأويل، أو من خلال الدلالة اللغويّة التي تنسج علاقاتها مع بنية المعنى.
إنّ الدلالة على الشيء تختلف عن دلالة الشيء؛ فالأولى تشير إلى العلامة الواقعة على الشيء وخصوصيّته، إذ إنّ لكلّ شيءٍ خصائص تميّزه، لذلك تكون دلالة الشيء محدودة نسبيّاً. أمّا الدالّ على الشيء، فيتجلّى في الإيحاء والرمز، وما يحمله من إشاراتٍ إلى أشياء أخرى؛ وهنا نكون أمام دلالةٍ واسعةٍ ضمن مفاهيم مفتوحة لا تنتهي عند حدّ، حيث يستوعب اللامحدود هذا الدالّ ويمدّ مساحته داخل النصّ الشعري.
أريدُ أن أحدّثكِ عن النهرِ
الذي لا يقف
إلا لتحية الطيور وهي تعبره نحو ضفافٍ أخرى،
عن الحمامة التي نسيت بيضها فوق الجدار
كما ننسى أشياء كثيرة.
عن الصبية التي تتخيّل الجدار أباً،
والدقات إخوةً فرقتهم الريح
وجاؤوا ليطمئنوا عليها،
أريد أن أصف لكِ الألم
لكن الكلمات تسقط من فمي
كماءٍ في نهارٍ قائض
من قصيدة: يوم شاق – ص 5
تُعدّ الصورة الذاتيّة بناء يتشكّل داخل اللغة، ومن خلال ذلك يظهر الوعي المتماسك، والعلاقة بين الصورة بوصفها معطى تخزينيّاً مرتبطاً بالذات الحقيقيّة، وبين الأثر النصّي الذي يحوي الصور والتصوّرات التي تميل إلى التصوّر الطبيعي للعالم الذي في مدار الشاعر. ومن هنا، يجري تحويل الأشياء والخروج عن طبيعتها المباشرة، حيث تظهر دلالة المعنى وعلاقتها التأويليّة.
أريدُ أن أحدّثكِ عن النهرِ + الذي لا يقف + إلا لتحية الطيور وهي تعبره نحو ضفافٍ أخرى، + عن الحمامة التي نسيت بيضها فوق الجدار + كما ننسى أشياء كثيرة. + عن الصبية التي تتخيّل الجدار أباً، + والدقات إخوةً فرقتهم الريح + وجاؤوا ليطمئنوا عليها، + أريد أن أصف لكِ الألم + لكن الكلمات تسقط من فمي + كماءٍ في نهارٍ قائض
يفتتح الشاعر العراقي حمدان ظاهر مجموعته الشعريّة بقصيدة (يوم شاق)، وهو ينتمي إلى أقرب الأشياء التي تعوم حوله، لكنّه في الوقت ذاته يبني تصوّراته من خلال مفهوم الـ "أنا"، وهذا المفهوم يتعرّض للمسائلة الدائمة، حيث يكون للأنا ميزة التواصل الذاتي بينها وبين الأشياء التي عدّدها في النصّ المكتوب.
بين حقيقة الشيء والتصوّر الذاتي، يبني الشاعر حمدان طاهر تصوّراته الدلاليّة؛ فلكلّ شيءٍ دلالةٌ تعني المعنى الملازم لصفات الشيء. ومن هنا، تتقاطع الأشياء بعضها مع بعض؛ فمثلاً: النهر وشيئيّته عدم الوقوف، أي إنّه يجري، والأنهار بطبيعتها الواقعيّة تعتمد الجريان. وقد أدخل الشاعر بعض الأشياء المتجانسة مع النهر، ومنها الطيور، واشتقّ من ماهيّتها (الحمامة)، ثم أدخل عامل التشبيه ليعيد للنهر دلالته.
(الحقيقي هو الصحيح، والصحيح هو ما يتطابق مع الوقائع، وهو يتطابق عندما يصيب هذه الوقائع، أي عندما يهتدي بكيف تكون الأشياء ذاتها. – مارتن هايدغر – السؤال عن الشيء – ص 70).
العلاقة بين الذات والأشياء
تُعتبر العلاقة بين الذات الحقيقيّة والأشياء علاقةَ تفاعلٍ نصّي، وذلك بسبب البراهين النصّية التي تكون مكتومةً وضمنيّة في النصّ الشعري؛ فالذات قد تذوب في تلك الأشياء، ولا نلاحظ سوى أثرها النصّي، وأحياناً يكون تأثير الشيء في إعادة اكتشاف الذات من جديد. ومن هنا يظهر البعد الزمني للأشياء، إذ إنّ الشيء المحسوس يختلف عن الشيء اللامحسوس؛ فالأوّل منظور عبر الطبيعة، بينما الثاني حسّي يتجاوزها.
يقول مارتن هايدغر: (إنّ الشعر – وهو يلامس الحكمة كالعقل – يخلّص الإنسان من التشيّؤ الملموس، لكنّه يتجاوز العقل في تحرير الكائن من التناهي المعقول، ومن سيطرة العقل على الوعي الباطن، محفّزاً إرادة الإبداع على الخلق الذي ينحرف عن المثال والنموذج والنظام. – الشعر، الوجود والزمان – ص 8–9).
فتخرج الجمل النصّية من دائرة المألوف إلى دائرة الخيال الذاتي، حيث يُعاد إنتاجها وتشكيلها.
أردتّ أن أكلّم الظلامَ،
أعني ذلك الصمت الذي ينبت على شفاه الموتى
دون سبب،
لكنّني كنتُ عاجزاً عن فتح فمي، حتى أنّ كلمة آه توقفت.
مرّ الغريبُ من أمامي،
ولسبب أجهله وضع في فمي حصاة،
تدحرج جسدي فجأةً،
ونمت على قلبي أقفالٌ كثيرة،
كبرت تلك الحصاة،
صارت جبلاً
من قصيدة: حجر كبير – ص 12
إنّ ما يفصل الذات عن الأشياء هو شاعريّة اللغة؛ إذ يتحقق من خلالها التجانس الكتابي بين اللغة النصّية وشاعريّتها، حيث تتجلّى الأشياء بوصفها معاني تصويريّة وتخيّليّة. وقد يكون بعضها خارج الطبيعة أو خارج الذات، لكن ذلك لا يمنع من انصهارها في الذات الكتابيّة لإنتاج حركة الدلالة وتكوين بنية نصّية قائمة على اللغة وتواصلها الفنّي.
أردتّ أن أكلّم الظلامَ، + أعني ذلك الصمت الذي ينبت على شفاه الموتى + دون سبب، + لكنّني كنتُ عاجزاً عن فتح فمي، حتى أنّ كلمة آه توقفت. + مرّ الغريبُ من أمامي، + ولسبب أجهله وضع في فمي حصاة، + تدحرج جسدي فجأةً، + ونمت على قلبي أقفالٌ كثيرة، + كبرت تلك الحصاة، + صارت جبلاً
تكون الأشياء متماسكةً بالجمل الشعريّة، والجملة هي المكوّن الأساسي للنصّ، إذ يُنظر إلى النصّ بوصفه نظاماً يفسّره النظام اللغوي. ومن خلال المنظور النصّي الذي يطرحه الشاعر حمدان طاهر، نلاحظ أنّ الرمزيّة متشابكة مع الأشياء؛ فالظلام فسّره النصّ بوصفه صمتاً، وهو جزء من الأشياء، بينما الصمت الذي يعنيه الشاعر هو سكون الموتى. وهنا تكون العلاقة علاقة الجزء بالكلّ، لا علاقة الشيء بنفسه. ومن ثمّ تُكسَر العلاقة التقليديّة بين الدالّ والمدلول، لأنّ الشيء لا يحمل معنى ثابتاً، بل يتشكّل معناه داخل السياق النصّي.
يعتمد النصّ على سيولة المعنى وتعدّده، والجملة تمثّل وحدةً أساسيّة تتدرّج ضمنها الوحدات اللغويّة، بحيث تمتدّ كلّ جملةٍ إلى الأخرى. أمّا الذات، فهي في حالة تشكّلٍ دائم، تخرج من الجمود القولي إلى فضاءٍ متجدّد، تتقاطع فيه الأصوات وتتعدّد مستويات القول.
أحدّق في خطوط يدي،
لأرى حياتي الصغيرة،
التي كبرت كساقية من دمع.
أدخل بين خطوطها الثلاثة،
باحثاً عن ولد صغير،
دخل من الباب،
ولم يعرفْ طريقَ الخروج.
قصيدة: طريق – ص 28
تُعدّ لغة النصّ لغة تواصليّة غير جامدة، وهي تفاعليّة في المقام الأوّل، إذ تستقطب المضامين والدلالات بالاشتراك مع المنظور الشيئي. ولا يكاد نصّ يخلو من حضور الأشياء، التي تُعاد معالجتها داخل «مختبر» النصّ لإنتاج مشاهد مختلفة تقود إلى تأويلات متعدّدة.
أحدّق في خطوط يدي، + لأرى حياتي الصغيرة، + التي كبرت كساقية من دمع. + أدخل بين خطوطها الثلاثة، + باحثاً عن ولد صغير، + دخل من الباب، + ولم يعرفْ طريقَ الخروج.
تعمل الذات من خلال فعل الـ (أنا) على تحقيق اندماجٍ كلّي مع الأشياء، وتحويلها من منظورٍ شيئي إلى فعل وجودٍ داخل النصّ. ومن هنا تتجلّى العلاقة بين الأشياء والكتابة، سواء عبر الرمزيّة أو عبر التمثيل المباشر للمعنى. ويؤكّد الشاعر ذلك من خلال أفعالٍ حركيّة مثل: (أحدّق، أرى، أدخل)، وهي أفعال تمنح الجمل الشعريّة حضورها الفعلي.
إنّه ولدٌ غريب،
في الخمسين من عمره،
يحافظ على أوقات الدواء.
كلّ يومٍ يمسك النهارَ من يده،
ويجلسان على عتبات الألم،
أحياناً ينسى كهولته،
ويركض مع الصغار إلى المدرسة،
وكثيراً ما ترك يده مفتوحة لأخوة غائبين،
ربّما عادوا،
ولم يجدوا اليدَ التي لا يطمئنون إلى غيرها.
من قصيدة: يد مهجورة – ص 44
قد نأخذ الكلام القصدي من الحياة اليوميّة، ومن خلال الصيغة الفنيّة نعيد صياغة الأشياء بطرازٍ جديد؛ أي بحيث يكون الشيء المعتمد ذا صلةٍ بالحدث. والأحداث اليوميّة كثيرة؛ فمن الناس من تتقاطع نظرته معها، ومنهم من يتأثّر بها برؤيةٍ مباشرة، ومنهم من تكون له علاقةٌ قصديّة بمنظور الحدث؛ أي إنّ الحدث قد مرّ به، أو أنّ هناك ما يشبهه. لذلك يتحقق التواصل عبر العلاقات المعرفيّة التي تُسهم في فهم الخطاب وتوجيهه.
إنّه ولدٌ غريب، + في الخمسين من عمره، + يحافظ على أوقات الدواء. + كلّ يومٍ يمسك النهارَ من يده، + ويجلسان على عتبات الألم، + أحياناً ينسى كهولته، + ويركض مع الصغار إلى المدرسة، + وكثيراً ما ترك يده مفتوحة لأخوة غائبين، + ربّما عادوا، + ولم يجدوا اليدَ التي لا يطمئنون إلى غيرها.
يتعامل الشعر الحديث – في كثير من الأحيان – مع الأشياء بوصفها حاضرة بذاتها، لا بوصفها انعكاساً مباشراً للمشاعر. ومن هنا تأتي عمليّة النقل بوصفها إعادة إنتاج دلالي، حيث تتحوّل الأشياء إلى عناصر تأويليّة داخل النصّ. فالعناصر مثل: (الولد، الدواء، النهار، الألم، الصغار، المدرسة) تمثّل تحوّلاتٍ دلاليّة مستمدّة من بيئة الشاعر، أعاد توظيفها ضمن بنية نصّية تكشف طبقات الزمن والذاكرة والوجود.
نستنتج من ذلك أنّ هناك قصديّة تتحقق، وفعلًا قصديّاً يمكن إنجازه؛ فالمنظور القصدي يتحقق بوصفه رؤية، بينما يرتبط الفعل القصدي بنيّة التحقيق. ومن هنا تتجلّى المقاصد العامّة والخاصّة، حيث تختلف الرغبة عن الفعل المتحقّق.
نافذة تطلّ على الفراغ
تعتمد هذه المجموعة الشعريّة على نصوصٍ طويلة الجمل نسبياً. وفي هذا الإطار، تتداخل الصورة الذاتيّة مع تصوّرات المعنى ضمن علاقة جدليّة معقدة؛ إذ لا يستقرّ المعنى عند منحى واحد، بل يتأسّس على الانزياح والمساحة الدلاليّة، ويتولّد عبر فجواتٍ نصّية، ويُبنى في المنظور الكتابي، الدالّ والمدلول، ضمن أفقٍ واسع يعكس دلالات الأشياء.
تقع المجموعة في (94) صفحة، من الحجم المتوسّط، وقد صدرت عن دار أهوار للنشر والتوزيع – بغداد، والتصميم الداخلي: علي حيدر.
الشاعر العراقي حمدان طاهر أصدر عدّة مجاميع شعريّة منذ عام 2013 حتى الآن.
..................
كتابة: علاء حمد







