عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

جمال العتّابي: موجات زهير الجزائري المرتدّة

نص مشدود لجراحات المكان وتحولاته العنيفة

في أواسط ستينيات القرن الماضي، كانت "الحرية" مدينة تحيا بعفوية وفرح، أنيقة بساكنيها، في بيوتها نسل ينتمي لكل الأعراق والقوميات، فسيفساء مختلف عن بقية أحياء بغداد، أهلها مدنيون ضاق بهم المركز، فانتشروا نحو الأطراف، نشمّ فيها رائحة الخبز، يتقاسمه الجميع.

 كانت الأزقة تحفظ وجوه العابرين، عند باب بيتنا، كان يمرّ شابٌ قصير القامة، أبيض القسمات، وسيم الوجه، أنيقاً. يحمل في ملامحه شيئًا من اللامبالاة، كأنه لا ينتمي تماماً إلى المكان، بل يمرّ به مروراً عابراً، تاركاً وراءه أسئلة عديدة.

الصبايا في الشارع يتهامسن، برغباتٍ مستورة وفضولٍ بريء، يتساءلن: من يكون هذا الذي لا يسكن بيننا، لكنه يجيء كأنه يعرف الطريق أكثر منا؟ كان يزور خاله القريب من منزلنا، ويمضي، غير عابئ بتلك النظرات التي تتبعه كخيطٍ من الضوء. لم أكن أدرك آنذاك أن ذلك الشاب هو زهير الجزائري، الذي أراه في مقهى البلدية. السنوات تدور لتجمعنا تحت سقفٍ واحد، نعمل معاً في جريدة طريق الشعب، طيلة فترة صدورها في سبعينات القرن الماضي.

حين أستعيد صورته الأولى، وهو يمرّ في شارعنا، أدرك أن بعض الوجوه لا تعبرنا صدفة، بل تترك فينا أثراً يمتدّ بعيدًا، كأنها كانت تعرف، منذ البداية، أننا سنلتقي مرة أخرى، لا في شارعٍ ضيق، بل في اتساع التجربة ومتبنياتها المشتركة.

هناك، في صخب العمل الصحفي، توثقت علاقتنا، لا بوصفها معرفة عابرة، بل بوصفها قرابة فكرية وسياسية ومهنية. كان زهير يكتب كما يعيش: باندفاعٍ صادق، وبإيمانٍ لا يلين،

ثم جاءت السنوات الثقيلة، سنوات القمع والديكتاتورية، حين صار الهواء نفسه محاصراً، وصار البقاء نوعاً من المجازفة. في وطن بدأ يحبل بالأفاعي. غادره زهير بجواز سفر مزوّر، حاملاً في داخله ذاكرة المكان وأحلام جيله. ومنذ ذلك الحين، صار اسمه يتنقل بين الجبهات: في بيروت، فلسطين، كردستان، حيث كانت النار أقرب إليه من حبل الوريد.

ثم التقينا بعد 2003، بعد أن تغيّر كل شيء تقريباً، إلا ذلك الخيط الخفي الذي يربطنا. لم يكن اللقاء استعادةً للماضي، بل تأكيد لعلاقة لم تهزمها المسافات ولا السنوات. جلسنا، كما لو أننا نكمل حديثاً انقطع بالأمس، لا منذ عقود.

أعاد لي الجزائري كل تاريخنا المشترك، بمحمولاته كافة، حين قرأت باستمتاع وشغف " موجاته المرتدّة" الصادرة عن دار المدى بأجزائها الثلاثة. ثمة كتب لا تُقرأ بوصفها نصوصًا فحسب، بل نحياها بوصفها تاريخاً وحقائق، يغدو السرد فيها أشبه بمرآة مكسورة تعكس وجوهاً متعددة لحقبة كاملة. هكذا تبدو "موجات مرتدّة" عملاً يتجاوز حدود اليوميات إلى تخوم السيرة المركّبة التي تتقاطع فيها الذاكرة الشخصية مع التاريخ الثقافي والسياسي للعراق الحديث.

العنوان ذاته، "موجات مرتدّة"، ليس استعارة عابرة، بل مفتاح جمالي وفكري يشي بطريقة بناء النص: حركة مستمرة للذاكرة، ارتداد دائم نحو البدايات، نحو الطفولة في النجف، حيث تتشكل البذرة الأولى للوعي المختلف. هناك، في مدينة مشبّعة بالقداسة والتقاليد، يختار الأب أن "يخرج قليلاً عن النص" فيؤسس داخل البيت فضاءً ثقافياً مغايراً، يتيح للابن أن يكتشف الكتب الحديثة، وأن ينحاز مبكرًا إلى أفق آخر، هو أفق الحرية والاختلاف.

في هذا المستوى، يتقاطع الجزائري مع تقاليد السيرة التي تمزج بين الحميمي والتاريخي، على نحو يذكّرنا بتجربة رسول حمزاتوف في "داغستان بلدي"، أو بانسياب الذاكرة الشعرية في مذكرات بابلو نيرودا. غير أن "موجات مرتدّة" يظل نصاً عراقياً بامتياز، مشدوداً إلى جرح المكان وتحولاته العنيفة، وإلى مصائر جيل كامل تشكّل تحت ضغط السياسة والحلم معاً.

في الجزء الأول، نقرأ سيرة التكوين: النجف بوصفها فضاءً مزدوجًا، بين سلطة المقدّس وإغراء الحداثة. هناك تتشكل نواة "الجيل الستيني النجفي"، حيث تتجاور أسماء ستغدو لاحقًا علامات في المشهد الثقافي. غير أن أهمية هذا الجزء لا تكمن فقط في استعادة تلك الأسماء، بل في رسم المناخ الثقافي الذي أنتجها: المقاهي، المطبعة، المجلة، النقاشات حول قصيدة النثر، وحلم الخروج من الأشكال التقليدية. هنا، تصبح النجف، على غير صورتها النمطية، مختبراً للحداثة.

أما بغداد، في الجزء الأول أيضاً، فتظهر بوصفها مركزاً ديناميكياً يغلي بالأسئلة. يكتشف فيها الجزائري أن مجد الستينيات لا يقتصر على الشعر، بل يمتد إلى الفنون التشكيلية، هذا الوعي بالفن التشكيلي يمنح النص بعداً إضافياً، ينفتح على مجمل الحقول الإبداعية.

في الجزء الثاني، تنكسر الموجة الأولى على صخرة السياسة. تبدأ رحلة المنفى: بيروت، دمشق، كردستان، مدن تتوالى كأنها محطات في سيرة اقتلاع مستمر. هنا، يتحول النص إلى أرشيف حيّ للخيبة والأمل معاً. حضور العمل السياسي، والانخراط في الفصائل الفلسطينية، وتجربة الحرب الأهلية اللبنانية، كلها عناصر تمنح اليوميات كثافة تاريخية، لكنها لا تطغى على البعد الإنساني. فالجزائري يكتب عن الصداقة، الحب، الفقد، عن الوجوه التي تمرّ ثم تختفي، تاركة وراءها أثراً من الأسى.

هذا الجزء هو قلب الكتاب التراجيدي، حيث تتجلى المرثية بأوضح صورها. أسماء كثيرة تمرّ كأنها ظلال: مثقفون وشعراء عاشوا الحلم نفسه، ثم تفرقت بهم السبل أو انتهت حياتهم في المنافي. هنا، لا يكتب الجزائري تاريخاً رسمياً، بل تاريخاً حميمياً للهزيمة، حيث يصبح المنفى ليس مجرد مكان، بل حالة وجودية.

الجزء الثالث، يحمل مفارقة العودة. "العودة إلى البيت والسلطة" ليست عودة مكتملة، بل تجربة مشوبة بالقلق. يعود الكاتب إلى عراق تغيّر، إلى سلطة أكثر قسوة، إلى واقع لا يسمح باستعادة البراءة الأولى. وهنا، تكتمل الدائرة: من النجف إلى بغداد، ومن بغداد إلى المنافي، ثم إلى عودة ناقصة تنتهي بالخروج مجدداً، هذه المرّة إلى لندن، حيث تستقر الموجة، أو تتظاهر بالاستقرار.

يكتب زهير بلغة شفافة، تمزج بين السرد التوثيقي والنبرة التأملية. لا يسعى إلى البلاغة المتكلفة، بل إلى جمالية نابعة من صدق التجربة. الجملة لديه تتنفس، تتردد، تعود إلى نفسها، يكتب عن الحب والنساء وسط الحرائق، وفي أشدّ حالات الدخان كثافة، يختلس نظرة لساق امرأة بض، أو أثداء أخرى تلطم صدرها

"موجات مرتدّة"، نص ثلاثي المستويات: سيرة فرد، وسيرة جيل، وسيرة وطن. إنها كتابة ضد النسيان، وضد الاختزال، وضد السرديات الجاهزة. وهي، في الوقت نفسه، مرثية طويلة، تحتفظ بنبرة خفية من الامتنان لتلك الحقبة، رغم قسوتها.

أخيراً أتساءل: أي سرّ هذا الذي جعل زهير كائناً مغامراً، مقداماً؟ أهي الشجاعة وحدها، أم تلك الغريزة الغامضة التي يتعلمها بعض البشر كيف يعبرون الجحيم من دون أن يحترقوا؟ كان زهير يمشي في قلب النار، لادرع له سوى قلب تعلّم أن يخفق في العواصف من دون أن ينكسر. كل ما مرّ به كان كفيلاً بأن يطفئ حياة كاملة، لكنه ظلّ حياً. لأنه لم يكن وحيداً في مواجهة الموت، ربما كانت هناك يدٌ تمسك بخيط الحرير كي لا ينفلت.

***

جمال العتّابي