تمثيلات بنية الموت والحياة
توطئة: منذ المفتتح للبناء القصصي وتمظهرات الوصف ووظائفه تتموقع منذ مسافة دراماتيكية بين علاقة اللوحة الحياتية وسياق تجليات الموت المنتظر. لعل قصة (قادمان من موت مستحيل) للقاص عبد الإله عبد الرزاق من النصوص التي تستشرف اللحظة الفاصلة ما بين الموت والحياة إنكشافا للمرء الشخوصي تلك الخيوط الهلامية التي تتعلق بالحياة تارة والموت تارة. وسنعمل نحن بدورنا على كشف الكيفية التي من خلالها تتم مراسم ذلك الصحو ما بين سياق الموت أو اللاحياة.
ــ آليات علاقة الوصف بالزمن الفضائي
تحلينا آليات وعلاقات الوصف في زمن اشتغال النص ضمن ثنائية وحداتية تتجسد من خلال دلالة (قادمان) ولو دققنا في اللوحة الأولى من النص لواجهتنا تجربة شخصية تتحدث بلسان ضمير المتكلم تواجه عملية اقصائية من فعل الموت النادر من نوعه، أي هو الموت أو اللاموت، ذلك عندما يكون الأنسان على هاوية ما من زمن انتظار الموت وهو تعلقا يتوسل جل الاحاسيس بكيفية معرفة هذا الموت: (كنا نتساقط مثل جذوع نخل اجتثت في التو. كان طعم الرصاص الملوث بالدم في فمي لاذعا ساخنا، وكانت كتفاي المتهدلتان المسندتان إلى أكتاف الآخرين، تحاولان البحث عن فسحة هواء في خلاء مجهول خانق. / ص 55) إن الوصف هنا باعتباره منسجما مع زمن غواية الموت، ذلك الموت الذي يولد من حسية خاصة في تزامن حضور الموت فعلا متحققا بمحاقبة زمنية الرؤية، لذا فالوصف يقدم زمنا مركبا (موت ــ حياة ــ ترقب ــ خوف) بلوغا نحو إصدار تجليات مسرودة من أفعال الواصف ذاته كحالات اشعارنا بأن الشخصية هو ذلك الميت الذي يعبر عن علاقة زمن الموت بالسرد القصصي، وتارة يكشف لنا معبرا عن كيفية هو الموت ومدى ما عليه من احاسيس غدا يشعر بها ولا يفقهها جيدا: (قلت: لابد أنني ميت الآن. وإن كان الموت يبدو لي غير قريب، لكنه سيقع لا محالة وهي حالة ستشبه حالة أي منا.. غير أني لا أظنهم جميعا مثلي. / ص55) أن حاضر السرد والسارد يغوصان في وقائع (خارجية ــ داخلية) لذا فالوسيلة الإطارية للمكان تحدد ذاتها كونها ساحة أعدامات أو أنها ميدانا زمنيا من ذاكرة محاصرة بالإحاطة ونقاط الغموض، هذا يعني أن زمن الفعل القصصي جاءنا وكأنه عبارة عن انطباعات لعرض استرجاعي ما. وبهذه البنية الفضائية ــ المكانية، يتحرر شكل الزمن من سكونية الذات المترقبة إلى كيفية احتواء السرد إلى حالة استرجاعية غالبا ما تكون متداخلة وهوية زمن مواقف الأشياء المتماهية.
1ــ الأداة الموتية بين لحظة وسطى وتلاعب حسي:
قلنا سلفا بأن الأحساس الشخوصي يواجه علاقة غريبة من الموت نفسه والبقاء على الحياة كونه لم يعلم في أي مرحلة هو من الموت المحقق، لذا يتبين تارة إنه في مرحلة مغايرة من الحياة المتصدعة بماهية التحقيق الانفصالي، وتارة يمنحنا القاص إحساسا بأن شخصيته تحيا لصورة مؤكدة من الموت المبثوث بأقصى علامات حوارية الميت مع موته: (إذا كانت لحظة الموت ستعقب لحظة وسطى بين الحياة والموت، لحظة ضئيلة شاحبة قادرة على أن تمنح صاحبها إحساسا ما بالألم أو الإحاطة لما حوله، وهذا ما أجده الآن في، فقوة الألم تعتصرني إلى حد التلاعب كما لو أني ألقي من حانق مرة واحدة. / ص55) تأسيسا على هذا فإن مجرى الإحساس يبقى عبر مسافة وسطى من التقليب الذاتي، بلوغا نحو اكتساب ذلك اليقين بأن انتظار الموت هو المعطى الموضوعي في ارتباط الموت أو اللاموت.
2ــ البؤرة الحسية في أدلجة السارد والمبئر:
في إطار صيغة هذا الخطاب المنقول والموصوف تتلاحم عملية التفاعل النصي مع خلفيات (الموت ــ الحياة ــ / الناظم: الخارجي ــ الداخلي) بلوغا نحو وظيفة السارد وهو يروي الأحداث ضمن اختلافية ما في زاوية التبئير. فالمتكلم تارة تشعر به يسرد عين حاله كأنه ضاله في خضم الفراغ المشحون بموجة قذف الرصاص الممتد بلا حدود، ومرة أخرى تشعر بأنه السارد الشخصية الذي يعيد تموقع طرح رؤيته ضمن تفاصيل المكان والزمن وزاوية الرؤية: (إن الإحساس الأخير بالحياة يفجر بؤرا مختلفة للحيرة. ها أنا أشم رائحة الدم أول مرة مثل زنخة موجة مرتطمة بالساحل، أو رائحة ماء محتبس هب عليه عاصف مفاجيء. / ص56)على هذا النحو يبدأ (المتكلم / المبئر) بوصف معالم ذلك الاحساس الأخير وصفا دقيقا، ويتضح من خلال هذا الوصف أن الفاعل الذاتي سيكون ذاتا للتبئير فمن خلاله سيتجسد الفضاء في ذهن التلقي ليرسم لنا ابعادا واضحة المعالم عن النقطة الارتكازية التي تشكل رؤية الفرد نحو المجالات المكانية وما يحيط بها من فواعل تشكيلية خاصة. عموما لو قارنا بين المد الأول من قسم المستهل المتني (القادم الأول..) وأجرينا مقارنة مع ذلك القادم الآخر من الموت، لأدركنا حجم معالم القلق الشخوصي الذي كان يراود القادمان دون حدوث فعل الموت تحققا. لقد أراد عبد الإله عبد الرزاق لقصته (القادمان من الموت المستحيل) تشكيل عدة مستويات راحت تدرك بالمشاهدة والأحداث والأفضية المكانية والزمنية، ونقل الأحداث وفق رؤية تحمل ذات التبئير والممارسة السردية ذات الخطاب الصوتي المهيمن مظهرا وتفاعلا.
ــ تعليق القراءة:
لعل القارىء إلى مواقف الصورة الأولى والثانية من قصة (القادمان من الموت المستحيل) تتم لديه القناعة الكاملة بأن ثيمة الموت في مشاهد الصورتين جاءت ضمن سمات صراعية محفوفة بأبرز سمات اقتراب الموت من كلا الشخصيتين وكيفية بعد ذلك أن تنتظم على هيئة معادلات من الدلالات القارة بأن الحياة هي القابلة على الامتداد في زمن الوظائف وتمثيلات رؤية الموت من خلال شيفرة تتقاطب حولها كل أسباب ومسببات الموت الأكيد. ومن هذا المنطلق راحت تمتاز قصة (عبد الإله عبد الرزاق) في كونها تستدعي حالات الموت والحياة من خلال أوجه مرآة إشكالية تمد العوامل والعناصر القصصية بأجلى أواصر وأنساق شروط الزمن الموضوعي والذاتي في بنيات الالتباس واللاشعور في علاقات اقتربت من السرد المميت لتنطلق وليدا بكرا في مهاد الواقع الحياتي.
***
حيدر عبد الرضا








