عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

يوسف جزراوي: عبد الستار نورعلي.. شاعر الوجدانيات وقدِّيس الشِّعر

لقد تأخرتُ في معرفتهِ، رغمَ أنّي أقرأ لهُ مُنذ نشرت صحيفة المثقف الغرّاء خبر صدور كتابي "المبدعون غرباء عن العالم" عام 2011، إذ بمحض المصادفة وجدتهُ أحد الكُتّاب فيها، فاستهوتني كتاباته!. إنَّه شاعرٌ مِن نوعٍ آخر، حفرَ لأسمه البقاء المجيد؛ فنصوصهُ الأدبيّة خلّاقة متفرّدة عن سواه، أما السمة البارزة في شعرهِ، فهي الفخامة، فضلاً عن التّعددية الفنيّة، والذاتيّة في الوقت نفسهِ، بحيث لا تعرف إلى أيّةِ مدرسة ينتمي، لأنّهُ - والحقُّ يقال - نهج شعري لا يشبه سواه، إضافةً إلى الصورة الأدبيّة البلاغية الّتي يتحلى بها شعره!.

بعيدًا عن المغالاة، أو المجاملة، أو أي استيحاء: إنَّ القناعةَ التي تولدت لديّ هي: ليسَ أعمىً من لم يرَ النور، بل من لمْ يقرأ لعبد الستار نورعلي؛ فشعرُ ابن باب الشيخ، ليس الزخَّة مِنَ المطرِ، بل الزخّة الباذخة بالومضة، القصيدة، النصوص النثرية، المونولوج، المقالة....

كُتِبَ عنهُ الكثير، وقدمت فيه دراسات أكاديمية وأطروحات ماجستير عن شعره. كنتُ مُحتارًا ماذا أكتبُ، وما الذي أضيف؟!. لأنّني أنشأت ذاتي ألّا أكون نسخة مُعادة عن غيري، لا كهنوتيًّا، ولا أدبيًّا، ولا ثقافيًّا... فكتبتُ قراءة في شعرِ هذا الشّاعر الّذي شرّفني واكرمني بكلمةٍ لغلاف روايتي (ليلة واحدة في الغرق).

* قراءةٌ صادقةٌ في وجدانيات شاعر باب الشيخ

 مَن يطالع المنجز الشعري لشاعرنا العراقي عبد الستار، الذي لا يقول عن نفسه شاعرًا (وهذا تواضع الكبار)، يجد أنهار شعره تحظى بموجة إعجابٍ، فيشعر بثقله الإنساني، وقيمته الأدبية الكبيرة؛ فمنجزه الأدبي علّق اسمه في لوائح المبدعينَ.

 وقد لفت نظري - الّذي اضعفته القراءة - وأنا اقرأ لهُ في "المثقف"، إوغيرها من الصحف والنشريات، اتساع رؤيته، وسعة أفقه، وحرصه الشديد على ذائقة القارئ؛ حيث ينشر المحبّة، وقيم التسامح، والإخاء، والإنسانيّة، محافظًا على خيوط الودّ مع الجميع، متمسكًا بحبال الحُبّ مع مسقط رأسه.

هو شاعرٌ وجداني، لا تنساب منه الأشعارُ والقوافي وحسب، بل المشاعرُ والصدق، فيقول عن نفسه (هذا أنا كما أنا). هو البحارُ والسفائنُ، الذي أغرقَ سُفن القرّاء في بحار شعره، فباتوا يطوفون حياةً وقراءة، عملاً بالمثل الفنلندي المأثور: إقرأ حَتّى وإن كنت تغرق !.

هو العراقُ الّذي نزف الهوى في هواه! (هو العراقُ الذي نزف الهوى ... فتفتّحت مِن بوحهِ الأزهارُ). أما "سيّدتي بغداد"، التي كتبها قبل أن أبصرَ نور الحياة، فكانتِ الكلمات تستعصي عليه وهو ينظمها "العذرَ إن كانت بكفي سنبلة... سيدتي، العشقُ يرتاحُ على أحضانكِ". ولكَ أن تتخيلَ عزيزي القارئ، جمالية الصورة الأدبية ودقّة الوصف، الذي يجعلكَ متفاعلاً معه، كمن يرسم بالكلمات، مُلمًا بأطراف اللغة العربيّة، يعرف كيف يطوّعها لخدمة نصوصه وأشعاره.

بحقِّ السّماء، أهذا شعرٌ لشِّاعرٍ كُتبَ ليزول؟ أم ليبقى ويخلد؟!.

 ورغمَ إنَّ كُلّ شيءٍ صار بالمقلوبِ في زماننا المعاصر، ومعظم الأمور غدت بالذكاء الاصطناعي، بما فيها الكتابة والألحان وهكذا دواليكَ! إلاَّ أنّهُ لا يزال يؤمنُ بأنَّ للشِّعرِ والشّعراء مِن حَمَلة القلم دورًا إنسانيًّا وثقافيًّا وثقلاً تعليميًّا يتخطى العرق، واللون، والطبقة، والجغرافية، والتعصب والحدود...في بناء الإنسان والكون.

 (عبدالستار نورعلي)، الذي نشرَ جناحيه كالبلبلِ الغريدِ في المدى شعرًا بليغًا، حكيمًا، لبقًا، لكي يكون للأدب صداه البنّاء الدائم. أظنُه، كقارئ لهُ منذ سنواتٍ - وليس كُلِّ الظنِ إثمًا - إنَّه يمتاز بالمونولوج البلاغي، والمناجاة بإحساسٍ، وبالتناص الأدبي، وتوصيف الوصف بكثافة، ومتعة الاختزال والكثافة في التعبير، وبلاغة البداية في قصائده. فهو يشدُّ القرّاء مِنذ البدايات، أما عن جمالية القفلة (الخاتمة)، فهناكَ الدهشة والمتعة، وأحيانًا التساؤل والغموض: "صمتتْ فاطمةُ: وهل للأملِ..أملِ" و"الباحثين عن نهاية النّفقِ في رواياتِ الأحلامِ..المتهالكةِ...؟".

 لكنَّ هذا لا ينفي أنَّ شاعرنا المرموق يتحلى بالنفس الملحمي في الكثير قصائده مثل قصيدته (الرواية الأولى) التي اُستُقبلت بحفاوة بالغة من القرّاء والأدباء والنقّاد؛ فشعره أيقونات أدبيّة، تجذبك مِن أوّلِ قراءة: "تسري في أنهار القلب ووديان العين!"، وهذا أمرٌ ربما لم ينتبه إليه الكثيرون!.

* السويد البلد الذي احتفى بشاعرٍ عراقي

لم تُغرق ثلوج مدينة أسكلستونا في السويد، حيث يقيم، وأمطارها غزارة إنتاجه، بل على العكس مِن ذلك، فقد هاموا في رائحة موائده الأدبية التي أولمها لهم بالعربيّة والسويدية، فهو يكتبَ ويترجم ما يكتب. أجل، هكذا غرقت السويد في طلِّ أمطار أشعاره الغزيرة، حَتّى فتنت به، فانتجت عنه فلمًا وثائقيًا يُعرّف بابداعه، ويخلدهُ شاعرًا وإنسانًا مُهاجرًا. لم تقوَ الغربة أو الهجير على كسرِ قلم ابداعه، كما أنَّ ذلكَ البلد البارد المُثلج المُظلم لم يطفئ شعلة إبداعه، أو يخمد حرارة موهبته!.

عندما تقرأ لهُ، يُخالُ لكَ أنّهُ يُلقي الشِّعر مِنَ منصةٍ في أمسيّةٍ أدبيّة...، وليس بوسع الحاضرين سوى التصفيق له، والهتاف: الله! أعدْ، أعد، الله عليك!. وفي حالِ لم يُذيِّل اسمه على كتاباته، ستعرف أنَّ الكاتبَ هو: عبدالستارنورعلي.

 وأعترفُ هُنا صادقًا: شعرهُ عبارة عن لوحاتٍ فنيّة، كأنّكَ تتجول في رحاب معرضٍ فنيٍّ Museum؛ لجمالية صوره الأدبيّة وبلاغتها، وعمق إنسانيتها، رغم أن أشعاره لا تخفي حزنًا، أوتبرأ مِن وجعٍ، أو تخلو مِن حبٍّ واغترابٍ، مع أنّه ينشر الأمل والغبطة:

"افتحْ مواجعَكَ القديمةَ واستمعْ

ماذا يسيلُ من المواجعِ قِيلا

واقرأْ سطورَ العمرِ كيفَ تفيَّأَتْ

مُدُنَ المنافي قِبلةً ودليلا "

يقول في (عزف منفرد) من ديوان (على أثير الجليد):

" يا أيُّها القلبُ الذي ما نامْ

من كثرةِ التّرحال

والتجوالِ والتهجيرْ

ما تبتغي..

من بعد هذا البردِ والهجير؟!"

 هو ليسَ شاعرًا مقرؤءًا، شعرهُ يُطرب وحسب. لقد دبّجَ عديد المقالات، فيها زاد ثقافي عن واقع حياتي، هي اشبه بعمليات تشريح للواقع المُعاصر. فلا أجد حرجًا بوصفه: موهبة بل قصيدة تسير على قدمين، لم تجد الاهتمام والتكريم مِن بلدٍ كرّمه بكتاباته، وغازله شعرًا وحُبًّا ووفاءًا.

 * أصالة شاعر لا ينافس إلاّ نفسه ويشجع سواه

 يمتاز الشاعر عبد الستار نورعلي بالتشجيع لكلِّ ومضة إبداع لسواه، وانتصاره لقيمة المبدع، وحرية الكلمة، وأهمية الإبداع، ودفاعه الدائم عن الإنسان والوطن، ويسقي مواهب البراعم الأدبية وهي تتفتح؛ يأخذ بأيدي تلاميذه إلى طريق النجاح، لا يتركَ جذوة الأمل تخبو في درب كلّ مِن صادفه في طرقات الحياة.

 وأن نسيتُ هُنا فلا أنسى خُلُقه الرفيع وأصالته، فذلكَ العراقي راحَ يذكر لي بشوقٍ وافتخار عبرَ الهاتف، أصدقاءَه العراقيّين المسيحيين والمسلمين، ويحدثني عن الملح والزاد بينهم، ويذكر محاسنهم وخصالهم وسجياهم..وهذه أعدها أصالة إنسان، وخلق شاعر عراقي، لا يزال مربوطًا بجبلةِ بلدٍ، خبزهُ لم يسأل عن آكليه يومًا: مِن أين أنتَ؟!. فهو الأديبُ والشّاعر والمترجم والناقد... الذي لم ينفطم عن حُبّ العراق.

 عنِدما كان يتحدث الأستاذ عبد الستار، ادركتُ في قرارة نفسي لماذا كتبَ (عندما يحبُّ الشّاعر)؟.

 هذه شهادة مجروحة عن مبدعٍ من بلدي في اغترابه، في زمن فقدت فيه المقايسس مسطرتها، وبتنا نقول يا أيّها الأديب كن أديبًا.

* مُدلِلّ القرّاء وبلده والاغتراب

 لقد عرفَ أستاذنا كيفَ يُدللّ القارئ والعراق وغربته والإنسانيّة باشعارٍ وكتابات ستبقى، يقول:

" أيا مطرَ الربيعْ،

إغسلْ وجهَ العراقْ

ونقِّرْ على جبهتي

قطرةً بعدَ قطرةْ

تباركَ اسمُ العراقْ....

تباركَ كُلّ من صاحَ:

يا عراقْ"،

 وأقول لهُ هُنا: تباركَ مَن قرأ لكَ، فما مِن مرّةٍ قرأتُ لكَ إلّا وأكررُ قولاً فيكَ: كيفَ يخونُ النخلُ نهرًا!، إذ لم تقوَ السويد عن اقتلاع العراق عن كتاباته.

 ويشهد ربي على ما أقول، لقد كتبْتُ في كتابي (عروس الشرق بغداد) ما يشابهُ ما خطه استاذنا الجليل دونَ أن أطلع على ما كتبهُ، رغمَ أنّهُ سبقني بما كتب:

"أَنَا المصلوبُ حُبًّا على جذعِ نخلتكِ... فوقَ قمة البستان.. أصرخُ: تباركَ مَن صاحَ بِاسمكِ يا بغداد".

وكذلكَ عندما قرأتُ له (الرحيل):

"تمضي الفصول...

تتساقطُ الأوراقُ واحدةً... فواحدةً...

وتغفو في محاجرِها العيون..."

تذكرتُ أنّي كتبتُ (بلدي كشجرةٍ مائلة ترمي قطوفها في باحةِ جيرانها وتحرم صاحبها القطوف الدانيّة)!. فادركتُ حجم تأثريّ غير المباشر بمدرسة أستاذنا الشّعريّة!. كما تعّلمتُ مِنهُ كيفية توظيف العنوان الشعري والاختصار، فهو يمتاز بأناقة الكلمة، ورومانسية المعاني:

"لعِبَتْ بهِ شوقاً صَبابةُ عاشقٍ

حتى رأى الأطيافَ حلوَ لِقاكِ

فالريحُ عطرُكِ سارياً في صدرِهِ

والنجمُ في لمعانِهِ عيناكِ

يا واحةَ العشقِ التي قد ألهمَتْ

صوغَ الفرائدِ مِنْ هوى ذكراكِ..."

(من قصيدة: ماذا فعلتِ).

 هو كلكامش، تغرّب عن مملكته، فحمل شعره نبتة نضارة الحياة للقرّاء: "ان تغوص في البحار لا يعني أنّكَ اكتشفت كنوزه، ستبهرك جواهره وأسرار جمال أعماقه".

كتبَ عنهُ الكثير وأغدقت عليه الألقاب، لأنّه الملتزم، السديد الرأي، المنسجم مع نفسه، يدعو الى الحفاظ على هيبة الكلمة، وعمق الفكرة وموضوعية النظرة، وحياديّة الرأي. شاعرٌ متجدّدٌ حداثوي، رغم إنّهُ مِن زمن الشوامخ وطينة الكبار. كالبحر هو، كُلّما أكثرت الغوص فيه والتبحر في منجزه الثقافي ستحظى باللؤلؤ والمرجان، وبقدر ما حلّقت في فضاء أدبه الرصين، بقدر ذلكَ تبلغ بعض أجوائه، وتستنشق مِنَ الهواء أنسامهِ!.

* قبلَ أن أطويَّ الحديث عن قدِّيس الشِّعر:

 كنتُ في كتابي (نخيل في بستان الذاكرة) قد كتبتُ عن (مبدعين عرفتهم عن قرب) خلال رسالتي الكهنوتية والأدبية والثقافيّة، وفي كتاب آخر عنوانه (مبدعون قرأتُ لهم) لم ينشر بعد (قيد التأليف)، قيّض لي الله الأستاذ عبد الستار ليكونَ أحدهم، فذلكَ الذي تسخّى أدبيًا على الأدباء والشّعراء والقرّاء يستحق ذلكَ الغيض من ذلكَ الفيض.

 هذا قليلٌ من كثير عن (قديس الشِّعر) الشّاعر والناقد والمترجم والأديب عبد الستار نورعلي، الذي أحترمُ وأجلُّ، فعندما تقرأ لهُ، ستلمسه سعيدًا، قنوعًا، شاكرًا، مؤمنًا... يقدم أجمل السجايا. شاعرٌ أوزانهُ بمقياسِ القلب والفكّر الراجح، فشعرهُ تراتيل وخشوع في هيكل الشِّعر، إذ قدمَ حياته شموعًا وقرابينَ وقلبًا طاهرًا وفكرًا خلاّقًا في هياكل الأدب ومعابد الإنسانيّة للقرّاء، فالقمر الذي خسف جزئيًا في بلادنا، باتَ شمس إبداع ساطعة في دُنيا الاغتراب والمشهد الثقافي.

لله درّكَ! يا أبا علي، لأنّكَ قيمة أدبية وقامة إنسانية رفيعة الشأن، عنوانها الإبداع، ففي شِعركَ، نصوصكَ، كتاباتكَ نبالة أخلاقيّة، وقدرة هائلة على استخراج تراكيب لغوية خاصّة بكَ، مثل منارةٍ تكتسح ظلمة الوجود.

 كانَ هذا جانبًا مِن ملامح قراءَتي في شعر شاعرٍ مِن بلادي، دفعت به إليكم؛ لأنّنا بأمس الحاجةٍ إلى أشخاصٍ يمتلكون رؤى جديدة وأفكار غير تقليديّة، وشعرًا غير مألوف؛ للتحرر مِن رتابة التفكير النمطي في شظف الحياة المُعاصرة وأتعابها.

 * خاتمة مطافي:

تحية عراقيّة لذلكَ (الصائغ الأدبي) وتقديرًا لمنجزه الأدبي بمرافئ المنفى السويدي، فشعرهُ أحجارٌ نفيسةٌ، أما نصوصه فهي فصوصٌ نادرة وثمينة. حقًّا هنيئًا لنا نحنُ حَمَلة القلم ومِلّة الأدباء، لأنّنا عاصرنا شاعرًا كبيرًا بقيمة الأستاذ عبد الستار نورعلي.

 بقي لي أن أُضيف: هو شاعر من بلد المربد الشعري، حمل العراق شعرًا على منكبيه في المهجر ما يربو على نصف قرن، فهو طاقة نور ساطع، لهُ من اسمه نصيب، لأنّهُ بديع التصوير وبليغ التعبير.

 دامَ شاعرُنا نخلةً في بستانِ الإبداع، وشاعرًا يفلح أرض الحياةِ، ونفوس القرّاء بالحُبِّ. أمد الله في عمره وعطائهِ.

***

الأب يوسف جزراوي/ أمريكا

 

في المثقف اليوم