جدليَّةُ التفاعلِ اللغويِّ ووشائجُ الامتدادِ الحضاري
ليس الأدبُ القبطيُّ هامشاً في التاريخ الثقافيِّ العربي، ولا هو جزيرةٌ معزولةٌ في بحر الحضارات، بل هو أحدُ الروافد الكبرى التي انصهرت في تشكيل الشخصية الثقافية للمشرق، ولا سيما في مصر، حيث تعاقبت اللغاتُ ولم تتصارع، وتعانقت الحضاراتُ ولم تتنافَ، وتوارثت الأممُ ميراثاً رمزيّاً ولغويّاً وروحيّاً أغنى الوعي العربي، وأمدَّه بصورٍ جديدة، ورؤًى أكثر رحابةً، وتجاربَ إنسانيةٍ أكثر عمقاً.
فاللغة ليست مجرد أداةٍ للتفاهم، وإنما هي ــ كما يقول ابن جني في الخصائص ــ: «أصواتٌ يُعبِّر بها كلُّ قومٍ عن أغراضهم». وهذا التعريف لا يحصر اللغة في أصواتها، بل يجعلها وعاءً للثقافة، وحاملًا للذاكرة الجمعية، ومن ثم فإن انتقال الأدب القبطي إلى العربية لم يكن انتقال ألفاظٍ فحسب، وإنما انتقالُ رؤىً وأنساقٍ فكريةٍ وأنماطٍ تعبيريةٍ أعادت إنتاج نفسها في سياقاتٍ عربيةٍ جديدة.
لقد أدرك فقهاء العربية منذ وقت مبكر أن اللغات لا تعيش في عزلة. ولذلك لم يجد الخليل بن أحمد الفراهيدي ولا سيبويه ولا المبرِّد غضاضةً في الاعتراف بوجود ألفاظٍ معرَّبةٍ دخلت العربية واستقرت فيها بعد أن خضعت لقوانينها الصوتية والصرفية. ولم يكن هذا الإقرار انتقاصاً من العربية، وإنما دليلاً على قوتها الاستيعابية؛ فاللغة القوية ليست التي تنغلق على نفسها، وإنما التي تهضم الوافد وتعيد إنتاجه في بنيتها الخاصة.
وقد دار بين المدرستين البصرية والكوفية جدلٌ واسعٌ حول قضية السماع والقياس، وهو جدلٌ يضيء طبيعة العلاقة بين العربية وغيرها من اللغات. فقد كان النحاة البصريون، وفي مقدمتهم سيبويه والأخفش والمبرِّد، أكثر ميلًا إلى إحكام القياس وضبط الظواهر اللغوية وفق قوانين عامة، وعدُّوا السماع أصلًا لا يُتجاوز، ولكنهم لم يقبلوا من السماع إلا ما ثبتت فصاحته عن العرب الأقحاح.
أما النحاة الكوفيون، وعلى رأسهم الكسائي والفراء وثعلب، فقد كانوا أوسع أفقاً في قبول الروايات واللهجات، وأكثر تسامحاً مع التنوع اللغوي، ولذلك استوعبوا كثيراً من الظواهر التي رفضها البصريون، وأدركوا أن اللغة كائنٌ حيٌّ ينمو بالاستعمال، لا بالنظريات وحدها.
ومن هذه الرؤية يمكن فهم انتقال كثير من الألفاظ والتراكيب ذات الأصول القبطية إلى العربية المصرية، إذ لم تدخل بوصفها عناصر دخيلة، وإنما أصبحت جزءاً من التداول اللغوي بعد أن خضعت لقوانين العربية، شأنها شأن المعربات الفارسية واليونانية والسريانية والحبشية.
وقد أشار ابن فارس في كتابه الصاحبي إلى أن العربية، على سعتها، لم تكن بمنأى عن الأخذ والعطاء، غير أنه شدد على أن ما يدخلها لا يكتسب شرعيته إلا إذا جرى على سنن العرب في النطق والاستعمال. أما السيوطي في المزهر فقد أفرد أبواباً كاملةً للكلام على المعرَّب والدخيل، مؤكداً أن اللغات تتلاقح كما تتلاقح الحضارات، وأن هذا التفاعل سنةٌ من سنن التاريخ.
ومن الناحية الأدبية، فإن الأدب القبطي قدّم إلى الأدب العربي ثروةً من الرموز الروحية، وتجارب الزهد، وسير الشهداء، والحكايات النسكية، والمواعظ الأخلاقية، وهي موضوعاتٌ وجدت طريقها إلى الأدب العربي الوسيط، ثم عادت لتتجدد في الأدب الحديث في صورٍ أكثر رمزيةً وعمقاً.
ولعل طه حسين كان من أوائل من نبهوا إلى ضرورة قراءة الأدب المصري في ضوء جميع مراحله التاريخية، لأن الثقافة المصرية ــ في نظره ــ نهرٌ واحدٌ تعددت منابعه. أما لويس عوض فقد ذهب أبعد من ذلك حين رأى أن الهوية المصرية لا يمكن أن تُفهم بعيداً عن تراثها الفرعوني والقبطي والعربي والإسلامي، وأن كل محاولة لاجتزاء أحد هذه المكونات هي إفقارٌ للوعي الثقافي.
ويرى أمين الخولي أن دراسة النصوص الدينية واللغات القديمة ليست ترفاً أكاديمياً، وإنما هي مدخلٌ لفهم البنية العميقة للبلاغة العربية، لأن البلاغة لا تولد من فراغ، بل من تراكم التجارب التعبيرية عبر القرون.
أما في النقد الحديث، فقد فتح صلاح فضل وعبد الملك مرتاض الباب أمام قراءة النصوص التراثية بوصفها أنظمةً دلاليةً متشابكة، لا مجرد وثائق تاريخية. ومن هذا المنظور يغدو الأدب القبطي نصاً ثقافياً مفتوحاً، تتقاطع فيه الرموز الدينية مع البنى السردية والأساليب البلاغية، مما يثري القراءة العربية المعاصرة.
ويذهب الجاحظ إلى أن البيان هو قوام الحضارة، وأن الأمم تُعرف بما تنتجه من خطاب، لا بما تملكه من سلطان. وإذا كان البيان العربي قد بلغ ذروة نضجه في القرآن الكريم والشعر الجاهلي، فإن انفتاحه على آداب الأمم الأخرى جعله أكثر قدرةً على استيعاب التجارب الإنسانية، دون أن يفقد خصوصيته.
ومن هنا فإن العلاقة بين الأدب القبطي والأدب العربي الحديث ليست علاقة تأثيرٍ أحادي، وإنما علاقة تثاقف وتفاعل وتلاقح حضاري، إذ أسهم الأدب القبطي في تعميق النزعة الرمزية، وإثراء السرد الروحي، وتوسيع أفق التأمل الوجودي، بينما منحت العربية هذا التراث فضاءً أرحب، وجعلته جزءاً من الذاكرة الثقافية للأمة.
إن الأمم العظيمة لا تُبنى على إقصاء طبقاتها الحضارية، بل على استيعابها وتأويلها وإعادة إنتاجها. فالحضارة شجرةٌ ضاربةٌ في الأرض، تمتد جذورها إلى الفرعونية والقبطية واليونانية والعربية والإسلامية، بينما تظل أغصانها وارفةً ما دامت تتغذى من جميع تلك الجذور.
ولذلك فإن الأدب القبطي ليس ماضياً منقطعاً، بل هو حضورٌ حيٌّ في اللغة والرمز والخيال والسرد، وفي وجدان الأدب العربي الحديث والمعاصر. وكل قراءةٍ تنكر هذا الامتداد إنما تُفقر النص العربي وتحرمه من أحد روافده الحضارية الأصيلة، لأن الثقافة الحقّة لا تُقاس بما تستبعده، وإنما بما تستطيع أن تحتضنه وتحوّله إلى طاقةٍ جديدةٍ للإبداع والإنسانية.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين








