عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

نبيه القاسم: شعرية المقاومة عند سميح القاسم

في الذكرى الثانية عشرة لغياب الشاعر سميح القاسم

تميّز انطلاقة سميح القاسم الشعرية

لا بدّ للقارئ قبل أن يقرأ شعر سميح القاسم المولود في الحادي عشر من أيار عام 1939، أن يعي بعض القضايا المهمّة التي يتميّز بها سميح القاسم في انطلاقته الشعرية ومسيرته الغنيّة بالعطاء:

الأولى: أنّ الباعث الأول والقويّ لهاجس الإبداع عند سميح القاسم كان الحسّ القومي العربي الذي فجّرته نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948، وبعثته انطلاقةُ ثورة الضباط الأحرار في 22 يوليو 1952 في مصر والمشاعر القومية العربية التي فجّرها وأرساها جمال عبد الناصر في كل أرجاء الوطن العربي.

وليست قصائد سميح الأولى في مجموعته الأولى "مواكب الشمس" (1958)، إلاّ نشيدًا قوميًا متواصلاً يتغنّى بالثوار في كل بقاع العالم العربي، ولم يخمد وهجُ هذه المشاعر القومية في قصائد الدواوين اللاحقة.

الثانية: إنّ البيئة التي ولد فيها سميح وكبر، تميّزت بالانفتاح على العلم والثقافة والسّعي للمزيد منها، إضافة إلى الجوّ الدّيني المتنوّر البعيد عن التّعصب والانغلاق، ممّا سمح له أن يطّلعَ على مختلف المعتقدات الدينيّة، ويُعمِلَ فكرَه في المقارنة بينها، وكشفَ المشترك المُوَحِّد بين الجميع.

الثالثة: المناخ العلمي والثقافي إضافة إلى الديني المتنوّر دفَعا سميح إلى الاهتمام بالبحث والسّؤال والمَعرفة، مما أوصله إلى اكتشاف حقائق جديدة، وهي أنّه يعود بانتمائه المذهبي إلى طوائف دينيّة، كان لها الباع الطويل في دَفْع الفكر العربي والفلسفة العربية الإسلامية خطوات إلى الأمام، وأنه يعود بانتمائه إلى أحد أسياد القرامطة الثوريين مما ترك بصماتِه على تكوين سميح النّفسي والثّقافيّ والاجتماعيّ والسّياسيّ.

الرابعة: اعتناق سميح القاسم للفكر الماركسي اللينيني.

وهو ينطلق في إبداعاته من موقف واع لدوره ورؤيته الواضحة، ويؤكّد "أنّ عملية الخَلق ثورةٌ دائمةٌ على كل ما هو قائم، ودعوةٌ مستمرةٌ لخَلق عالم جديد، وهذه الثورةُ الدائمة نفسُها ينبغي ألّا تفقدَ توازنَها، وينبغي ألّا تخرجَ من منطقة جَذب الموقف الفكري والاجتماعي، وإلاّ فإنّها تتحوّل إلى ثورة "أنارخية" قد يهدم جموحُها أكثرَ مما يبني.

وهذا الموقف الواعي في الرؤية والمُدْرِك للدور المَنوط بالكلمة كان ملازمًا لإدراك الشّاعر التّام بوجوب تطوّر العَملية الإبداعيّة، وكسر المسلّمات، واختراق المَجاهيل والإتيان بالجديد دائمًا.

هكذا ظلّ سميح القاسم طوال سنوات عمره الإبداعيّة يُعلنها صريحة: لم أقل كلمتي الأخيرة بعد.

والكلمة الأخيرة يجب أن تكونَ مختلفة عن التي سبقتها.

شرارة الانطلاق الأولى

فوجئ سميح أنّ الدولة العبريّة التي احتلّت وطنَه وهجّرت شعبَه وحرمته من أعزّ الأصدقاء والجيران والمعارف لم تكتف بما فعلت وإنّما تعمل على سَلخه عن جذوره العربية وعن شعبه، وتُوغل في الجريمة إلى درجة أنّها تريد أنْ تحوّلَه إلى أداة قَتل ضدّ أبناء شعبه بفرضها قانون التجنيد الإجباري على أبناء الطائفة الدرزية التي لم يكن عددُ أفرادِها يتجاوز الستة عشر ألف نسمة عام 1956. وكانت ردّةُ فعل سميح القاسم، ومعه المئات من الشباب الذين خرجوا في مظاهرات، وقلبوا سيّارت الجيش التي جاءت لتُقلّهم إلى معسكرات التّجنيد أنْ أعلنوها قويّة:

"لا للتجنيد. نحن عربٌ لا نخون أمّتَنا وشعبَنا".

وسارع سميح بتشكيل أوّل تنظيم سرّي لمقاومة التّجنيد ولتأكيد هويّة الدروز وانتمائهم لأمّتهم العربية سمّاه "جمعية الشباب الدروز الأحرار" تيمّنا بتنظيم "الضباط الأحرار" بقيادة جمال عبد الناصر في مصر.

كانت ملاحقة سلطات الجيش لسميح شرسة ومتواصلة تهدف إلى كسر معنويّاته وإخمادِ كلّ صوت يرتفع ضدّ قانون التّجنيد وسَلخ الدروز عن العرب، وهو يهربُ من مكان إلى مكان عند الأصدقاء في القرى المختلفة حتى نجحت أخيرا واعتقلته وأودعته العديدَ من معتقلات الجيش، ثم أرسلوا به ليعملَ في "غرفة الأموات" في مستشفى رمبام في حيفا. وظلّت السلطاتُ تلاحقُ سميح القاسم قصدَ اخراسه وفرضِ القوانين الجائرةِ عليه، وتُطاردُه في أماكن عمله، وتعمل على فَصله من كل مكان عمل، ولم يضعف ولم يستسلم، وكانت كلماتُه العالية المتحدّيّة:

ربما أفقدُ – ماشئتَ – معاشي

ربما أعرضُ للبيع ثيابي وفراشي

ربما أعملُ حجّارا.. وعتّالا.. وكنّاسَ شوارع

ربما أبحثُ، في رَوْث المواشي، عن حبوب

ربما أخمُدُ .. عُرْيانا.. وجائع

يا عدوَّ الشمس.. لكن.. لن أساوم.

وإلى آخر نبض في عروقي .. سأقاوم.

ويتحدّى كلّ الضّعفاء والمستسلمين ويُعلنُها صريحة:

أبدا على هذا الطريق

شرفُ السّواقي أنّها تفنى

فِدى النهر العَميقْ

هذا الجانب النّضالي الخاص لم يمرّ به باقي رفاق سميح من الشّعراء والكتاّب، ولم يجدوا أنفسَهم في مواقف التّحدّي والمواجهة والمطاردة والسّجن ضدّ قوانين غاشمة تريدُ سلخَهم عن أمّتهم وشعبهم وجذورهم وثقافتهم وتراثهم وتاريخهم وعاداتهم وتقاليدهم.

التزام سميح القاسم بالنّهج الثوري وجانب الجماهير

ما ميّز شعرنا هنا، رغم النكبة والتشريد واحتلال الوطن والعَزل عن العالم العربي وسياسة التّجهيل ومصادرة الأرض وفرض الحكم العسكري أنّه بقي شعرا متفائلا انطلاقا من الوعي الثوري والثّقة بأنّ المستقبل لنا، كما أنّ شعراءنا كانوا على حساسيّة عالية لكلّ ما يجري في مجتمعهم العربي المحلي وفي عالمهم العربي الواسع. وكان سميح القاسم النّموذج الأمثل.

العوامل المؤثّرة في شعرية سميح القاسم

* النكبة.

* سياسةُ مَسح الهويّة وقوانينُ لم يواجهها غيرُه من الشعراء والكتّاب

* التحام الشاعر بقضايا الجماهير: الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافيّة، السياسيّة

* تأثير ما يجري في العالم العربي خاصّة والعالم الواسع على فكر ورَدّة فعل الشاعر.

* هزيمة حزيران وانطلاقة منظمة التحرير الفلسطينيّة والأمل بالمستقبل.

* سنوات السبعين والنّكسات التي عانتها المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني على المستوى العربي والمستوى العالمي.

* الانتفاضة الأولى وبَعث المقاتل الفلسطيني من جديد.

من بداية طريقه وفي قصائده الأولى التي صدرت في مجموعة باسم "مواكب الشمس" عام 1958 يُغنّي للعمّال في عيدهم بقصيدة طويلة يُنهيها مُمَجّدا بالعامل

هل غيرُ أذرعِ عاملٍ جبّارةٍ

هي بالثّنا العالي أحقّ وأخلقُ؟!

*

العاملُ الجبّارُ تاجُ حياتنا

ولأنتَ يا أيّارُ، أنتَ المَفْرقُ!!

كما أنّه يخصّ ثوّار الجزائر بملحمة طويلة:

حيَّ أرضَ المَجد، حيّ الشّهداءْ

حيّ أبطالَ الكفاح البُسلاء

*

حيَّ مَن ثاروا على مُستعمر   

      مستبدٍّ ملأ الدّنيا شقاء

*

حيَّ في أوراس آسادَ الشّرى

ولبوءات تُظَلّلن اللواء

*

وأنشدَ أيضا لثورة لبنان اختتمها بقوله:

إنّي ابنُ قوم لنير الذلّ ما خضَعوا  

   للأجنبيّ وللأذنابِ ما دانوا

وغنّى لليمن وثوّارِه

وكان سميح القاسم أوّلَ مَن يغنّي للثّوّار في إرتيريا ولثورة الذئاب الحُمر في ردَفان:

يا طامعا بالذئاب الحُمر ما غنمتْ    

أطماعُك السّودُ، إلّا بعضَ قتلانا

*

بلادُنا القدرُ المحتومُ قاطنُها   

مذ كانتِ الشمسُ ما لانتْ وما لانا

وكان الشعرُ الثوري يتدفّق من سميح القاسم في مناسبات لم يكن قد استعدّ لها. ففي الذكرى التاسعة لمجزرة كفر قاسم حضر سميح مع وفد شبابي إلى كفر قاسم لإحياء ذكرى الذين سقطوا برصاص شرطة إسرائيل عام 1956، لكنهم مُنعوا من الدّخول وحدثت مشادّة بين الشرطة والشباب فاندفع سميح القاسم مُرتجلا قصيدة أصبحت نشيدَ الشباب العرب:

رغم ليلِ الخَنى وليلِ المظالم          حلّ وفدُ الكفاحِ يا كفرَ قاسم

 رغم عُسفِ الطّاغوت يُزبدُ سُمّا      رغم سَدّ الأسلاك في الدّرب جاثم

رغم حقد الرّشّاشِ يُشهرُهُ الظلمُ        أتينا.. فَلْيلعَقِ الخِزيَ حاكم

نحن جئنا نهيبُ أنْ تستفيقي             فلتُلبّي النّداءَ يا كفرَ قاسم.

واهتم القاسم بوضع الجماهير العربية الاجتماعيّة والاقتصاديّة وحال البطالة التي أقعدت آلافَ العمال في بيوتهم، وكانت قصيدته "خطاب من سوق البطالة" التي يتحدّى بها الحاكمَ الظالم ويشدّ على أيدي العمال بأنه ليل وينتهي.

وعرف قيمةَ الكلمة وفعاليَّتها ودورَها في توعية الجماهير وتحدّي الظلم والظالم

هذي الحروفُ المدلهمّة         يا سيّدي أحزانُ أمّه

فاشحذ مُداكَ على جرا         حي إنّني قربانُ كِلْمه

وبصوت عال يُحدّد دورَ الشعر:

قصائدُنا، موقّعة على الفولاذ

والأخشابِ والصّخرِ

وأمّتُنا تحثّ الزّحفَ

ما زالت تحثّ الزّحفَ للفجر

ويرى أنّ دورَ المُبدع الحقيقي يكون في التزامِ جانب الجماهير والاهتمامِ بقضاياها ومدِّ يدِ المساعدة لها والوقوفِ إلى جانبها والتّصدّي لظالمها، وهذا كان موقفُ سميح القاسم يوم صادرت السلطاتُ الإسرائيلية أرضَ ثلاث قرى عربية لبناء مدينة "كرمئيل" فكتب بكلّ الغضب والحقد والتّحدّي:

صباحَ مساء

يُطالعنا وجهُها والسّماءْ

ونبسمُ لا بسمة الأغبياء

ولكنها بسمةُ الأنبياء

تحدّاهم صالبٌ  تافه

يُغطي الشّموسَ ببعضِ رداء.

وينهي القصيدة التي سمّاها "كرمئيل مدينة الحقد والجوع والجماجم":

هنا سفرُ تكوينِهم ينتهي

هنا، سفرُ تكويننا، في ابتداءْ                                       ْ

وغنّى لفقراء مصر ولعروس النيل ولسدّ أسوان والأسطى سيّد.

ولم تستطع هزيمة الجيوش العربية في الخامس من حزيران عام 1967 أنْ تنال من ثقة سميح القاسم بأمّته وبالإنسان العربي، وتحدّى العَنجهيَّة ومشاعرَ الغرور والتّعالي التي أصابت الإسرائيلي بقصيدته التي حوّلها الفنان مرسيل خليفة لتكون نشيدَ العرب على امتداد الوطن العربي كلّه:

منتصبَ القامة أمشي

مرفوعَ الهامة أمشي

في كفّي قُصْفةُ زيتون

وعلى كَتفي نَعْشي

وأنا أمشي.

عندما بدأت بعضُ الأصوات الفلسطينيّة ترتفع مُتعالية على العرب، ومُتنكّرة للانتماء العربي، وباحثة عن الجذور الأخرى، والشواطئ الغريبة، كردّة فعل على ما فعله الأشقاءُ العربُ بنا في المنافي العربية، كان سميح القاسم المتربّصَ بأصحاب هذه الأصوات مُعلنا بكل قوة:

أنّ انتماءَنا فقط للعروبة وللصّحراء العربية فهي قبلتُنا وموطنُنا:

هي التي رملُها من خلايايَ

من رملها نُطفتي

من لواعجها جُذوتي

ويؤكّد:

آمنتُ بالصحراءِ

كلُّ الهاربين إلى البحارْ

سيقانُهم قَصَبٌ

فلا هم أهلُ ماءٍ

يومَ نُحصيهِم

ولا همْ أهلُ نارْ

وأخذ سميح القاسم يعود إلى الكتب الدينية وكتب التاريخ ولأساطير الشعوب ويستخرج منها رموزَه ونماذجَه التي تخدم قضيّتَه، ويُتابع أخبارَ المناضلين والثوّار في العالم ويتّخذهم نموذجه الثوري، لإدراكه الأكيد أنّ التّقوقعَ في الذّات خطرٌ وقَتلٌ للنفس والأمّة، وأنّ قضيتَنا من أجل الحرية والعدالة والسّلام هي قضيّتُهم، فيكتب القصائدَ التي يخصّ بها أبطالَ المقاومة والثوار مثل باتريس لومومبا وفيدل كاسترو وثوّار الفيتكونغ:

أسْمعها تهدرُ ملءَ دمي

أسمعْها في الوديان على الغابات على القممِ

أسمعْ صرخاتِ الأحرار وقهقهةَ الرّشّاشْ

أسمعْ غارات الفاشستْ الأوباشْ

وأصيحُ أصيحُ بلا صوت:

الموت لآلهة الموت.

كذلك نراه يقف إلى جانب الطبقات الفقيرة والمظلومين في العالم:

فهناك في أعماق أفريقيا الجواري والعَبيدْ

فجرٌ يمرَ بكفّه فوق الجباه النّاحباتْ

ويصبّ فيها النّورَ والدّمَ والحياةْ

وهناك في أعماق أمريكا الجريمةُ والتّمزّقُ والضّياعْ

طبل يدقُّ بلا انقطاع

لمدينة تُشرى وزنجيّ يُباع

كان سميح القاسم حارسَ الوطن والمتشبثَ بترابه والعاشقَ لأهله، واعيا لما ينبضُ به قلبُه، وواثقا بأن جذوةَ الرفض والثورة تتفاعل، وتتمرّدُ، وتتهيأ للتفجّر قويّة مُفزعة في وجه جُند المحتل الغريب.

تقدّموا.. تقدّموا !!

كلّ سماء فوقكم جهنّمُ

وكلّ أرض تحتكم جهنّمُ

تقدّموا.

وليُلحقها بعد فترة بالبيان قبل الأخير:

لا. لا تعدّوا العَشَرَه..

يومُ الحساب فاتكُمْ

وبعثرتْ أوقاتَكُمْ

أرْقامُها المُبَعْثَره

فلا تعدُّوا العَشَره.

كانت الدواوين الأربعة (دمي على كفي، 1967، دخان البراكين، 1968، سقوط الأقنعة، 1969، ويكون أن يأتي طائر الرعد، 1969، وسربية إسكندرون في رحلة الخارج ورحلة الداخل، 1970)، استجابة للفرحة التي عمت كل نفس فلسطينية لانطلاقة الثورة الفلسطينية بقيادة "فتح" نواة منظمة التحرير الفلسطينية وردّة قوية وواثقة للنكسة التي أصابت الجيوش العربية في حزيران 1967.

أما سنوات السبعين وما رافقها من انفجار الصّراع في لبنان والنّكسة التي أصابت كل عربي يؤمن بانتمائه القومي، وفلسطيني يتمسّك بتراب وطنه أينما كان، فقد عبّرت عنها قصائد سميح القاسم في دواوينه التي طغت على عناوينها كلمة "الموت"، إذ كان الموت الروحي والجسدي حصّة الفلسطيني في أيلول الأسود في الأردن، وفي تل الزعتر والشيّاح وعين الرمانة في لبنان، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي الجليل والمثلث في يوم الأرض في الثلاثين من آذار 1976 وهي: (قرآن الموت والياسمين، 1971، الموت الكبير، 1972، مراثي سميح القاسم، 1973، إلهي إلهي لماذا قتلتني، 1974، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم، 1976، سربيه ثالث أكسيد الكربون، 1976).

ويرى الناقد حاتم محمد صكر أنّ سميح القاسم " يستند في مراثيه كلّها على الموروث الديني الشائع في الشرق والذي يدخل ضمن التكوين النفسي والاجتماعي للمواطن.

حزنا حزنتُ، وبكاء يا أبي بكيتْ

ولم تزل منازلي المهجوره

مغائرا وحشيه.

وقد برزت في قصائد مجموعات سميح القاسم حتى بداية الثمانينات من القرن العشرين أبعادٌ يلخّصها الناقد جمال يونس في: "الاعتزاز بالهوية العربية، التمسّك بالأرض، التسامح الديني، العلاقة بين الأنا المفردة والأنا الجماعيّة، النفَس الأممي. واعتماده الاشتراكيّة العلمية في تحليلاته وتفسيراته لمُجمل القضايا والأحداث والتصوّرات المتصلة بالإنسان."

وكانت قصائد ديوان الحماسة بمجموعاته الثلاث (1978-1981) المُعَبّرة عن هذه الأبعاد.

ويقول الدكتور عادل الأسطة: "سميح القاسم شاعر متمكن ملمّ بأدواته الشعرية، ويستطيع أن يشدّ قارئ شعره، بحيث لا يُنفّره من شعره سواء الشعر المَبني على وحدة التفعيلة أم المبني على الشكل الموروث للقصيدة العربية القديمة. وهو في قصائده التي اعتمد فيها الشكل الحديث للقصيدة العربية حافظ على إضفاء الجوّ الموسيقيّ عليها. وسميح القاسم يأسر القارئ أسرا مزدوجا: الأسر اللغوي والموسيقي ثمّ أسره من حيث توضيح طريقة الخلاص. والشاعر هنا يلجأ إلى المحسّنات اللفظية، فيختار الكلمات المتجانسة صوتيّا دون أن تطغى هذه الصياغة الفنيّة على المضمون."

وصوّرت قصائد الدواوين: (جهات الروح، 1983، قرابين، 1983، سربية الصحراء، 1984، برسونا نون غراتا، 1986، لا أستأذن أحدًا، 1988) صمود الفلسطينيين البطولي في الجنوب اللبناني وبيروت وطرابلس، قبل وأثناء الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، وخروجهم، وما رافق ذلك من حزن ويأس واكتئاب.

كانت (سربية الصحراء، 1984) "إشارة الانتقال الواضحة في درب سميح القاسم الشعرية فهو يُعلنها صريحة أنّ جذورَ العربي عميقةٌ هناك في الصحراء العربية التي خرج منها واليها يعود، إذا كان لا بد من العودة، يعود لا ليقنَع بالهجوع ويعزف عن ملاحقة الآمال وتحقيق الغايات، وإنّما ليستريح ويتخفّف من ثقل الماضي والحاضر، ويبدأ من جديد وبقوة وإصرار على تحقيق المستحيلات."   فالصحراء بالنسبة لسميح القاسم كما يقول الناقد نعيم عرايدي: "ليست استعارة أدبية ولا خلفيّة شعريّة، بل هي رمز أساسيّ وعمود فقريّ في جسد أيدولوجيّته الشعرية. إنّها الشكل والمضمون وهي أيضا الرسالة. وهي الفكر وهي الشعر وهي اللغة والصورة، هي الماضي والحاضر والمستقبل، هي المقام المشترك الذي يجمع العرب."

أحبّك

أومنُ بالضّاد

روحا تألّق في الأبجديّة

ونزّل آياته البيّنات

ليُبدع جنّاته الدنيويّة..

بالإضافة إلى هذه الرؤية العميقة الجديدة المتطورة الملتزمة والمشدودة إلى الجذور، الرافضة كل محاولات التخلّص والانسلاخ والهروب، "فان سربية الصحراء تُشكل نَقلة فنية متطورة وذات دلالات، حيث إنّ النبرة الخطابية المباشرة التي كثيرًا ما أشار إليها معظم النقاد الذين تناولوا إبداعات سميح القاسم تبدو خفيفة ومنزوية في هذه السربية وإن لم تنعدم كليًا وتبدو هنا وهناك بتفاوت ما."

في قصائد ديوان (لا أستأذن أحداً) "لم يغب الإنسان الفلسطيني وإن لم يظهر باسمه الواضح، وظلّ وجودُه هو الطاغي. فهو الغائبُ الحاضر، وقضيتُه هي الشاغلُ الأوحد. لكن الشاعر آثر الامتناعَ عن الصّراخ والعويل والنّدْب، وجلد الذات والتّشهير والإدانة. فكتم حزنَه وترفّع عن الشتم وآثر أنْ يترك للمُتلقي مهمة أنْ يستشفَ القضية بنفسه من خلال القصيدة. وبذلك يجعله يحسّ إحساساً قوياً ومزلزلا بكافة جوانبها."

ويستشرف الشاعر سميح القاسم في مجموعة (سبحة للسّجلات، 1989)، الحلم بإقامة الدولة الفلسطينية، فالانتفاضة الفلسطينية التي انطلقت في التاسع من كانون الثاني عام 1988 في كلّ الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، وما حملته هذه الانتفاضة من بذور التغيير في العقليّة الفلسطينيّة والعربية والعالميّة، إنما تُمثل دور الكشف الفلسطيني واقتراب يوم الحساب الفلسطيني وتجلّي قائم الزمان الفلسطيني، وتجسّد الإله الفلسطيني على أرض فلسطين.

وسربية (خذلتني الصحارى، 1998)، التي يذكر فيها الكثير من الهموم التي كانت تؤرّقه وذكرها في قصائد الحماسة.

وسربية (كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه، 2000)، التي قال عنها الناقد الدكتور عبد الواحد لؤلؤة: "إنّها مفارقة ساخرة بامتياز، بأجواء سياسيّة بامتياز، في إطار فلسطينيّ. ويتماهى الشاعر مع شخصيّة مأساويّة، محيّرة محتارة، يرى فيها مأساة الإنسان الفلسطيني، هي هاملت أمير الدانمارك. وتكون المراوحة بين صورة هاملت وهمومه وبين صورة الفلسطيني المعاصر وهمومه. ويكون التماهي بين الإثنين تجسيدا لمفارقة الميّت/الحيّ، الفقيد "الغائب" الذي يحضر لمخاطبة الحاضرين /الغائبين."

ويعتبر الشاعر محمد علي شمس الدين هذه السّربيّة أهمّ سربيّات سميح القاسم حيث فيها "يقوم بإسقاط تراجيديا "هاملت" لشيكسبير التي كتبها في العام 1602م، على الواقع الفلسطيني الرّاهن، متّكئا على أشهر جملة قالها هاملت وهو يُناجي نفسَه: أنْ نكون أو لا نكون، هي تلك المسألة".

"لموتي وموتِ أبي ما يشاءُ الرّواةُ الثّقاتُ التّقاةُ

وفي عُرسِ أمّي

وضوحٌ شديدٌ

أرى شبحاً في الظلام، أُخاطبُهُ لا يردّ"

(كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه ص9)

ويمسك القاسم في قصيدته بأشباح هاملت وآلام هاملت، ليصرّح في ثنايا القصيدة، مستعملا لعبة المرايا:

"أنا هملتُ العربيُّ اشهدوني

أدرّبُ عقلي على أحجيات الجنونِ

أبي مَيْتٌ لا يموتُ

وأمّي أمّي

ومُلكيَ نَهْبٌ لعمّي" (كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه ص53)

وكانت سربية (أنا متأسّف، 2009)، الردّ السّريع على عدوان الجيش الإسرائيلي على الفلسطينيين في غزة عام 2008 حيث يجتهد في جعل الإنسان اليهودي يُواجه نفسَه ويُحاكم نفسه، وينكشف على حقيقته أمام إنسانيّة الإنسان الفلسطيني. وقال الناقد أحمد عمر زعبار: "في هذا الديوان (أنا متأسف) يُدافع سميح القاسم عن إنسانيته، عن دمعته وعن صموده، عن حقّه في الوجود ويدافع عن روح الإنسان."

"ديوان أنا متأسف قصيدة طويلة تُشبه الملحمة وتعتمد أساسا علي صعود وهبوط التداعيات الوجدانية. ويستفيد القاسم من قدرته على استنباط إيقاع موسيقي جليّ ومتناسق يتصاعد مع وتيرة الحدَث ولا تنخفض حركتُه إلّا بانخفاض حركة الحدَث نفسه، ثم يعاودان الصّعود والنّزول في وحدة غير قابلة للانفصال، ويستفيد الشاعر أيضا من خبرته وتمكّنه من اللغة، فلغة سميح القاسم مشحونة بدلالات الواقع، تخلق صورة مكثّفة في جماليتها الشعرية، صورة مستمدة من الواقع ومُعبّرة عنه ومُتجاوزة لجموده، وهي لغة تشتبك فيها المأساة بالملحمة، المُباشر بالرمزي والحاضر بالرؤية والواقع بالأمل. وصور سميح القاسم الشعرية تتشكّل من لغة تُبدع رمزَها الواقعي من خلال إيحائها الغامر الناتج عن تفجير ما في مفردات اللغة من معني ورؤى إذ تصبح للكلمة من خلال علاقاتها بما قبلها وما بعدها أكثر من معني وأكثر من دلالة، وهي مع ذلك صور شعرية تعتمد الرؤية الواضحة بعيدا عن كل ضجيج لفظي خطابي رنّان."

وقدرته على التلاعب بالمفردات والصور، ومزج الكلمات من لغات مختلفة في جملة واحدة مُتناسقة مُتكاملة،

رحلة الشاعر سميح القاسم الإبداعيّة، كانت ولا تزال، رحلة اكتشاف وخَلق، لا تعرفُ الاكتفاء والرّاحة، رحلة قلق وإلحاح على الجديد. ولأنّ رحلة الآلام طويلة، وكثيرا ما تُصادفه خلالها النكساتُ والنكباتُ والانحرافاتُ والخياناتُ التي تلمّ بشعبه وأمّته، فإنّنا كثيرا ما نُواجهه في حالة من الدون كيشوتيّة يُواجه العالم بأكمله، مُتحدّيا، صارخا، شاتما، قاذفا إيّاه بكل ما تحملُ يداه، مؤكّدا على صموده وتحدّيه، ومُصرّا على أنّه لا يستأذنُ أحدا، وأنّ الإنسان نصف الإله، وفي كثير من الحالات يُعلنُها صريحة أنّه الإله الواحد الأحد القادر على كلّ شيء، فيبوّل على العالم من قمّة الجبل الأعلى، ويقذفه بقنبلة تمحوه، ويصرخ: كُن. فيكون.

رسولٌ على جبلٍ

غادرته القبائلْ

وحيدٌا

بعيدٌا

وضلّتْ على شَفَتيْه الصلاةُ

وأهوَتْ على قدمَيْه الرسائلْ

***

د. نبيه القاسم - الرامة

في المثقف اليوم