عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

علاء حمد: السياق وتأويل اللامحدود في نصوص "قدّاس الورد"

للشاعرة روشان علي جان

يُعدّ الغوص في منطقة اللامحدود، بما تنطوي عليه من علاقاتٍ متشعّبة، من الموضوعات المهمّة في الدرس اللغوي من جهةٍ، وفي الدرس الدلالي القائم على تعدّد المعاني من جهةٍ أخرى. لذلك يمتلك التأويل قدرةً على استنطاق المعنى المضمر، واستكشاف العلاقات الكامنة بين الأشياء، وتحويلها إلى عناصر حركيّة داخل البنية النصّية، من خلال ما تنسجه من علاقاتٍ دلاليّة ورمزيّة. فالتأويل لا يقف عند حدود المعنى الظاهر، بل ينفتح على الإمكانات التي يتيحها النصّ، ليكشف عن طبقاتٍ جديدة من الفهم تتجاوز المباشر إلى اللامحدود.

(التأويل في الفلسفة الهرمنيوطيقيّة هو فهمٌ يتحقّق من خلاله امتلاك المعنى المضمر في النصّ، سواء عبر علاقاته الداخليّة أم عبر علاقاته بالعالم والذات؛ كما يُعدّ في هذه الفلسفة لحظةً جوهريّة في الحياة الإنسانيّة، إذ تتميّز الكائنات الإنسانيّة بامتلاكها الفهم ذاته للعالم وللآخرين. – د. محمد ولد سالم الأمين، حجاجيّة التأويل، ط1، 2004م، منشورات المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، طرابلس، ليبيا، ص23).

ومن هذا المنطلق، نبحر في جملةٍ من العلاقات التي تتجلّى عبر الأبعاد النصّية، حيث تتفاعل الأبعاد الخمسة في تشكيل بنيتها التكوينيّة: السياق، والتأويل، والرمزيّة، والوجود، وعلاقات الأشياء. وضمن هذا التفاعل تنبثق الكتابة اللامألوفة بوصفها كتابةً تنتمي إلى فضاء اللامألوف، فتتّسع الوحدات الدلاليّة، وتتعدّد إمكانات القراءة، ويغدو النصّ أكثر انفتاحاً على آفاق التأويل.

وندخل إلى المدوّنة الشعريّة للشاعرة روشان علي جان في مجموعتها "قدّاس الورد"، حيث يمثّل العنوان البوّابة الأولى للنصّ، ويُعدّ أعلى درجات الاقتصاد اللغوي، إذ يتصدّر المجموعة بوصفه عتبةً نصّية تؤسّس أفق التلقّي. ومن هنا، يحتلّ العنوان موقعاً محوريّاً في توزيع الوظائف اللغويّة والجماليّة، ليغدو أحد أبرز المنبّهات النصّية التي تستثير القارئ وتوجّه فعل القراءة.

(إنّ العنوان ضرورة كتابيّة، فهو بديل عن غياب سياق الموقف بين طرفي الاتصال، وهذا يعني أنّ العنوان، بإنتاجيّته الدلاليّة، يؤسّس سياقاً دلاليّاً يهيّئ المتلقي لتلقي العمل. وإذا كان العنوان يحتوي على قدرٍ من الشعريّة التي توفّرها لا نحويّته، فإنّ هذا القدر ليس ملزماً للعمل، سواء أكان مقالةً أم كتاباً أم روايةً أم ديواناً. – د. محمد فكري الجزار، العنوان وسيموطيقا الاتصال الأدبي، ط1، 1998م، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، القاهرة، ص45).

وكلّما ارتفعت شعريّة العنوان، ازدادت طاقته الإيحائيّة، وتعاظمت قدرته على توجيه القراءة؛ لأنّه لا يقتصر على وظيفة التسمية، بل يتحوّل إلى منبّهٍ نصّي يوجّه المتلقّي نحو آفاق المعنى، ويؤسّس العلاقة الأولى بين النصّ وقارئه.

ويُضاف العنوان بوصفه بنيةً مستقلّة داخل الهرم البنائي للقصيدة، إذ تنبع خصوصيّته من لزوميّة الموقف الذي يفرضه، بما يتيح تجاوز الصيغة التقليديّة في العنونة، والبحث عن صياغةٍ جديدة تنسجم مع جسد القصيدة ورؤيتها. فالعتبة العنوانيّة لا تقف عند حدود التعريف؛ لأنّها تعلو النصّ كما يعلو التاج الرأس، لتشير إلى محتوياته، وتوجّه مسارات تأويله.

وبذلك تقودنا العنونة، كما صاغتها الشاعرة روشان علي جان، إلى موقفين متكاملين: موقف المرسِل الذي يبثّ رسالته عبر العنوان، وموقف المرسَل إليه الذي يستقبل هذه الرسالة ويشرع في تأويلها. ومن ثمّ تغدو العنونة فعلاً تواصليّاً يؤدّي وظيفةً دلاليّة وجماليّة في آنٍ واحد؛ لأنّها تحمل المنطوق الظاهر، وتستبطن في الوقت نفسه شبكةً من الدلالات التي لا تنكشف إلا عبر القراءة والتأويل.

الماءُ كان سرّي الذي يخبّ من غدقِ الجذور

حين تهجع القطعان تحت فضّة الفجر

أسلك متاهاً لا يحتاج إلى التأويل

أطوّق بأصابعي فكرةً تتلظّى في العراء

خطى أغنيةٍ حائرةٍ ترعف في اشتباك الحنين

وتدور كنحلةٍ غدا العناق ضالّتها

من قصيدة: حلم في كنف السواقي – ص 19

من خلال السياق التفاعلي، الذي يقوم على تداخل الأفعال اللغويّة في تأسيس المعنى وتحريك البنية النصّية، تتجلّى الأفعال الحركيّة، والانتقاليّة، والتموضعيّة بوصفها وحداتٍ تؤدّي وظائف تداوليّة داخل الخطاب. فكلّ فعلٍ يستدعي فعلاً آخر ليدمج معه في سياقٍ لاحق، وبذلك تتشكّل سلسلةٌ من العلاقات بين السابق واللاحق، فتغدو السياقات امتداداتٍ متعاقبة تسهم في بناء الشكل النصّي، وتحديد المسارات التي تتحرّك فيها الدلالة.

الماء كان سرّي الذي يخبّ من غدق الجذور + حين تهجع القطعان تحت فضّة الفجر + أسلك متاهاً لا يحتاج إلى التأويل + أطوّق بأصابعي فكرةً تتلظّى في العراء + خطى أغنيةٍ حائرةٍ ترعف في اشتباك الحنين + وتدور كنحلةٍ غدا العناق ضالّتها.

يفتتح هذا التتابع فضاءً دلاليّاً متدرّجاً؛ إذ لا تقف الوحدات اللغويّة عند حدود التراكم، بل تتفاعل فيما بينها من خلال علاقاتها الداخليّة، فتؤثّر في حركة النصّ وتتابعه الإشاري، وتتنامى لتنتج معاني من طرازٍ جديد.

وتفتتح الشاعرة روشان علي جان مجموعتها الشعريّة قدّاس الورد بقصيدة (حلم في كنف السواقي)، وفيها ترتّب العلامات اللغويّة وفق نظامٍ إجرائي يضبط العلاقات النصّية والقواعد التركيبيّة، لتتّخذ الدلالة مسارها داخل التعبير التتابعي. ومن ثمّ لا تبقى الدلالة ثابتةً في سياقٍ واحد، بل تنتقل من سياقٍ إلى آخر، وتتّسع لتحتضن معاني امتداديّة تتجاوز المعاني الأولى. ولأنّ الحركة الدلاليّة ترتبط بالسياق ارتباطاً وثيقاً، فإنّها تؤثّر في تنظيم العلاقات النصّية، وتسهم في بناء النسق الدلالي للنصّ، بما يحقّق تماسكه وانفتاحه على التأويل.

وتقودنا الشاعرة، من خلال السياق النصّي، إلى فضاء الرمزيّة عبر توظيف الإشارات الدلاليّة المقترنة بحركة الأفعال. ونلاحظ أنّ البنية النصّية تكاد لا تخلو من فعلٍ لغوي، سواء أكان حركيّاً أم انتقاليّاً أم تموضعيّاً، الأمر الذي يجعل الأفعال محاور رئيسة في بناء الدلالة. وتؤدّي هذه الأفعال وظيفةً حركيّة، إلى جانب وظيفتها الدلاليّة والتداوليّة، بما يسهم في توسيع أفق المعنى، وتأسيس شبكةٍ من العلاقات النصّية التي تمنح القصيدة حركتها الداخليّة، وتوجّه المتلقّي نحو تأويلٍ يتجاوز ظاهر الخطاب إلى طبقاته العميقة. ومن خلال ذلك، يمكن الوقوف عند بعض الأفعال التي نسّقتها الشاعرة:

– يخبّ: فعلٌ حركيّ يوحي بالحيويّة والاندفاع.

– تهجع: فعلٌ تموضعيّ يؤدّي إلى حالةٍ من السكون والاستقرار.

– أسلك: فعلٌ انتقاليّ حركيّ، يعلن بداية الرحلة نحو هدفٍ ما، وهذا يعني أنّ الاستدلال يتدخّل في بناء دلالة النصّ.

– أطوّق: فعلٌ حركيّ تموضعيّ، تتحوّل من خلاله الحركة إلى حالةٍ من الإحاطة بالمحسوس.

– ترعف: فعلٌ تصويريّ يمنح الحنين بُعداً جسديّاً.

– تدور: فعلٌ حركيّ دائريّ يكرّس استمراريّة الحركة وعدم توقّفها عند نقطةٍ معيّنة.

ومن خلال هذه الأمثلة، تتحوّل الأفعال، داخل السياق التفاعلي، إلى محرّكاتٍ للحركة الدلاليّة؛ فهي لا تنتج المعنى منفردةً، بل من خلال تتابعها وترابطها داخل النسق النصّي، بما يفضي إلى بناء أثرٍ نصّي يمنح المتلقي فاعليّةً متجدّدة، ويفتح أمامه مساراتٍ متواصلة للفهم والتأويل.

جدليّة السياق واللامحدود

قد يبدو السياق، للوهلة الأولى، نقيضاً للامحدود؛ لأنّه يحدّد المعنى ويضبط مساراته. غير أنّ النصّ الشعري الحديث، من خلال عناصره الحركيّة، يقيم جدليّةً دقيقةً بينهما؛ إذ لا يُلغى السياق، وإنّما يُعاد تشكيله بوصفه فضاءً منتجاً للدلالة، وعاملاً سببيّاً في التفاعلات النصّية. فهو لا يفرض معنىً واحداً، ولا يقيّد فعل القراءة، وإنّما يفتح مساراتٍ متعدّدةً للفهم، بحيث يفضي كلّ سياق إلى إمكانٍ تأويليّ مختلف. ومن ثمّ، لا يُختزل السياق النصّي في زمن إنتاجه، بل يوسّع مساحته الزمنيّة، فيغدو النصّ قابلاً للقراءة في مختلف الأزمنة، بفضل ما يحمله من رموز، وما يتيحه من تفاعلٍ مع الأفق المعرفي والجمالي للمتلقّي. ولهذا يُعدّ السياق أحد أهمّ مصادر اللامحدود؛ لأنّ فاعليّته تتجدّد بتجدّد القراءة، وتختلف باختلاف الزمن والوعي الثقافي.

الليلُ المتكئُ على النافذة

طائرٌ مصطافٌ

غمرته نشوةُ القناديل

فنسي ألقابَ الريشِ في كؤوسِ الصباح

الليلُ الذي جفّف زهورَ قتلاهُ

في ظلالِ الشطوطِ

شرّدته قواربُ التّيهِ

فصار نبعاً يتبعُ حبورَ الماءِ

إلى زهوةِ الشمال

من قصيدة: يراعات من نسل البريق – ص 39

إنّ الغوص في منطقة اللامحدود، بما تنطوي عليه من علاقاتٍ متشابكة، يُعدّ من القضايا الرئيسة في الدرسين اللغوي والدلالي؛ لأنّه يوسّع إمكانات المعنى، ويجعل التأويل قادراً على استنطاق المضمر، والكشف عن العلاقات التي تنتظم من خلالها الوحدات النصّية. ومن خلال هذه العلاقات تتجلّى الكتابة اللامألوفة بوصفها كتابةً تتجاوز المباشر إلى فضاءٍ رمزيّ، فتتّسع الدلالة، وتتعدّد إمكانات الفهم والتأويل.

(التأويل في الفلسفة الهرمنيوطيقيّة هو فهمٌ يتحقّق من خلاله امتلاك المعنى المضمر في النصّ، سواء عبر علاقاته الداخليّة أم عبر علاقاته بالعالم والذات؛ كما يُعدّ في هذه الفلسفة لحظةً جوهريّة في الحياة الإنسانيّة، إذ تتميّز الكائنات الإنسانيّة بامتلاكها الفهمَ ذاته للعالم وللآخرين. – د. محمد ولد سالم الأمين – حجاجيّة التأويل – ط1 لسنة 2004م، منشورات المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، طرابلس، ليبيا – ص 23).

الليل المتكئ على النافذة + طائرٌ مصطافٌ + غمرته نشوة القناديل + فنسي ألقاب الريش في كؤوس الصباح + الليل الذي جفّف زهور قتلاه + في ظلال الشطوط + شرّدته قوارب التيه + فصار نبعاً يتبع حبور الماء + إلى زهوة الشمال.

وتقودنا هذه السلسلة إلى ملاحظة أنّ المعاني لا تنتجها الجمل منفردةً، بل تنشأ من العلاقات التي تربط السابق باللاحق. فالجملة الأولى: (الليل المتكئ على النافذة) تفتح المجال أمام سلسلةٍ من التحوّلات الرمزيّة التي تجعل الليل يتحوّل إلى (طائرٍ مصطاف)، ثمّ إلى كائنٍ يكتسب خصائص أخرى بفعل تعاقب الصور. وهكذا تتنامى الدلالة عبر الامتداد السياقي، فينشأ تماسك النصّ من ترابط المقاصد والأغراض، لا من استقلال كلّ جملةٍ بمعناها.

ومن هنا يغدو النصّ رسالةً رمزيّةً موجّهةً إلى المتلقّي، لا تُدرك دلالتها من خلال عبارةٍ واحدة؛ إذ يحضر المؤثّر العلائقي بوصفه عنصراً فاعلاً في بناء شبكة العلاقات التي تنسجها الوحدات القوليّة داخل السياق.

حين اعترتك الهشاشةُ

كنتَ تؤبّن الوردَ على سياج الصباح

متخفّفاً من كمائن الحزن

من نجاةٍ ترتدي ثوب الحداد

كانت أشباحُكَ تتلمّس بهجتها

بين أقماح الطفولة الجريحة

وحناجر اليتامى قبل أن تأكل الحرب

في العبور أحلامهم

من قصيدة: أشجار لاهثة – ص 42

إنّ القول، في جوهره، لا ينعقد إلا لإنتاج المعنى. غير أنّ النصّ الشعري لا يقتصر على القول المباشر، بل يفتح مستوياتٍ قوليّةً متعدّدةً، يتجاور فيها القول الآني، والقول السابق، والقول الذي ما يزال في حيّز الإمكان (المستقبلي). وبهذا تغدو البنية القوليّة نسقاً متكاملاً، تتعاشق فيه التراكيب اللغويّة والعلاقات السياقيّة، لتشكّل بنيةً دلاليّةً تتجاوز حدود الملفوظ إلى فضاءات التأويل.

ومن هذا المنطلق، يظلّ السياق مجالاً مفتوحاً للمقاربة، فلا يبقى النصّ بنيةً مغلقة، بل يصبح قابلاً لاستقبال سياقاتٍ خارجيّة جديدة، تتفاعل مع بنيته الداخليّة، وتوسّع أفق معانيه.

حين اعترتك الهشاشة + كنت تؤبّن الورد على سياج الصباح + متخفّفاً من كمائن الحزن + من نجاةٍ ترتدي ثوب الحداد + كانت أشباحك تتلمّس بهجتها + بين أقماح الطفولة الجريحة + وحناجر اليتامى قبل أن تأكل الحرب أحلامهم.

وتكشف هذه الوحدات عن منظومةٍ رمزيّة تتدرّج من الهشاشة إلى الحداد، ثمّ إلى الطفولة والحرب، ضمن شبكةٍ من العلامات التي تعيد تشكيل الوجود الإنساني داخل النصّ. فتعابير مثل "سياج الصباح"، و"كمائن الحزن"، و"ثوب الحداد"، لا تؤدّي وظيفةً تصويريّة فحسب، بل تتحوّل إلى مراكز دلاليّة تنتظم حولها حركة المعنى.

كما تُقيم الشاعرة وساطةً علائقيّةً بين الذات والموضوع، فتنتقل من التجربة الذاتيّة إلى فضاءٍ إنسانيّ أشمل. وعندما تقولل: "كانت أشباحك تتلمّس بهجتها"، يتجلّى تشابك العلاقات بين القول الآني والقول الماضي والمتقدّم، بما يوسّع أفق التأويل. ومن ثمّ، فإنّها لا تستحضر الماضي بصيغته التقليديّة، كما يحدث في تقنية الاسترجاع (الفلاش باك) مثلاً، وإنّما تدمجه في البنية الآنيّة للقول، بحيث يصبح الماضي فاعلاً في الحاضر النصّي. فالاندماج الذي يحدث ناتجٌ عن تأثير القول الآني في غيره من المستويات القوليّة، ومن خلال هذا التفاعل يتّسع القول داخل أفق التأويل.

وعندما يصبح المتلقّي شريكاً في بناء الدلالة، فإنّه لا يكتفي باستقبال العلامات، بل يعمل على ربطها بعناصرها الرمزيّة، واستكشاف العلاقة بين الدالّ والمدلول، للكشف عمّا تحمله الجمل الشعريّة من امتداداتٍ دلاليّة. وهكذا تتماسك البنية النصّية، فلا تنفصل جملةٌ عن أخرى، بل يستند التتابع النصّي إلى شبكةٍ من العلاقات المتبادلة التي تسهم في إنتاج أثرٍ نصّي يتجدّد مع كلّ قراءة.

انفلات المعنى في مساحة اللامحدود

إنّ المعنيين الأساسي والسياقي لا يتطابقان؛ إذ يُعدّ المعنى السياقي المجال الأوسع الذي تتجلّى فيه مساحة اللامحدود. غير أنّ هذا المعنى لا يستقرّ على صورةٍ واحدة، بل يظلّ قابلاً للتحوّل والانفتاح؛ لأنّ كلّ حزمةٍ من الدلالات تمتلك قابليّة الانفلات نحو آفاقٍ جديدة من التأويل. ومن ثمّ، فإنّ اللامحدود في النصّ الشعري الحديث لا يهدف إلى تقديم معنىً مكتملٍ ونهائيّ، بل يترك إمكانات المعنى مؤجّلةً ومفتوحة، ويفسح المجال أمام تعدّد القراءات وتجدّدها.

وتتجلّى القيمة الفنيّة للألفاظ من خلال السياق الذي تنتظم فيه؛ لأنّ اللفظة لا تستمدّ أثرها من معناها المعجمي وحده، بل من شبكة العلاقات التي تربطها بسائر الوحدات النصّية. ومن هنا، تغدو مساحة اللامحدود إدراكاً فلسفيّاً؛ إذ لا تبلغ الدلالة نهايتها الأخيرة، لأنّ اللغة، بطبيعتها، حركة انزلاقٍ مستمرّ بين العلامات، وتحوّلٍ دائم في العلاقات بين الدوالّ ومدلولاتها.

بحرٌ كالفجاءة يسبي الغروب

ولا يهاب زحمة الأنفاس

ومراكب استعصى عليها البكاء

تركن تحت قنطرة الدمع

ثمّة أجنحة تغادر مبتغاها

وسراب يطالع نضوب القدر

مناسك الاحتضار محاريث تسرق الفرح

والطحالب قصائد مالحة مرعوبة من الموت

فجيعة ترثي الزنابق بقسوة الزبد

من قصيدة: طفولة تتبرّأ من المدائح – ص 64

تغادر الذات الشاعرة اللغة العاديّة التي يتداولها الناس في حياتهم اليوميّة، لتنتمي إلى لغةٍ شعريّة تُبنى على شبكةٍ من العلاقات الدلاليّة والرمزيّة. لذلك فإنّ الحديث عن انفلات المعنى في فضاء اللامحدود يستلزم، قبل كلّ شيء، انفلات اللغة من أنماطها المألوفة؛ لأنّ التحوّلات التي تصيبها تمثّل خروجاً على القواعد التعبيريّة التقليديّة، وانتماءً إلى فضاء اللامألوف. ومن هنا تتأسّس القيمة الجماليّة للنصّ، إذ تتحوّل اللغة إلى وسيلةٍ لإعادة تشكيل الواقع، لا إلى نقله بصورةٍ مباشرة.

بحرٌ كالفجاءة يسبي الغروب + ولا يهاب زحمة الأنفاس + ومراكب استعصى عليها البكاء + تركن تحت قنطرة الدمع + ثمّة أجنحة تغادر مبتغاها + وسراب يطالع نضوب القدر + مناسك الاحتضار محاريث تسرق الفرح + والطحالب قصائد مالحة مرعوبة من الموت + فجيعة ترثي الزنابق بقسوة الزبد.

لا يقف السياق عند حدود تنظيم هذه الصور، بل إنّ إعادة تشكيل نسقها بصيغةٍ رمزيّة تؤدّي إلى إنتاج معانٍ جديدة؛ لأنّ السياق يهيّئ لها إمكانات التوسّع والانفتاح، ولا يحاصر الدلالة أو يقيّدها، بحيث يفضي كلّ انتقالٍ بين صورةٍ وأخرى إلى أفقٍ تأويلي جديد. ومن ثمّ، لا يُلغى السياق، وإنّما يُعاد بناؤه من خلال الإيحاء، والرمز، والتأويل، والاختلافات اللغويّة، ليصبح منتجاً للحركة الدلاليّة، لا حاجزاً أمامها.

وتستمدّ الشاعرة روشان علي جان رموزها من الواقع المرئي تارةً، ومن الخيال الشعري تارةً أخرى. ويغدو البحر أحد المراكز الرمزيّة في هذا المقطع، إذ تتكاثر حوله الصور والدلالات، ولا يبقى محصوراً في وجوده الطبيعي المباشر. وبهذا الانتقال من الواقع إلى التجريد، يتحوّل العنصر الطبيعي إلى بنيةٍ جماليّة تستدعي التأويل، وتتيح للدلالة أن تتجاوز حدود المرجع الحسّي.

(قد تتصل بعض عواطفنا بمناظر أو أشياء ماديّة معيّنة نتيجة لموقفٍ لنا معها، أو واقعة ارتبطت بها.. وحينذاك تتحوّل هذه الأشياء والمناظر إلى مثيرات تذكّرنا بمضمون تلك المواقف والوقائع.. وهذه أبسط أنواع الرموز. د. محمد فتوح أحمد – الرمز والرمزيّة في الشعر المعاصر – ط3 لسنة 1984م، دار المعارف، مصر – ص 136).

أيّتها الشجرة

لماذا لم تجيبي على رسائلي؟

لماذا ضيّعتِ بريد المطر؟

هل تشابهت عليك الجهات؟

فراهنتِ على بياض القلب

هل ما زالت الزرازير

تنقر فروتك بكلّ بهاء القلب؟

أيّتها الشجرة

هذه الأصداف أمنيات مستحيلة

طفولة حلم يرتجف على الهوامش

من قصيدة: شجرة لا عالم أوسع من قلبها – ص 79

قد تلجأ الشاعرة إلى التعبير عن الأشياء بوصفها رموزاً تتجاوز حضورها المادّي، فتغدو الكتابة نقطة التقاءٍ بين الشيء وتمثّله داخل النصّ. ومن هنا تنتمي اللغة إلى فضاء الرمزيّة، سعياً إلى إعادة تشكيل الواقع في صورةٍ أكثر كثافةً وإيحاءً. وبذلك تتراجع الحالات المباشرة لصالح لغةٍ مختلفة تستدعي التأويل، وتمنح المتلقّي فرصة المشاركة في بناء الدلالة.

أيّتها الشجرة + لماذا لم تجيبي على رسائلي؟ + لماذا ضيّعت بريد المطر؟ + هل تشابهت عليك الجهات؟ + فراهنت على بياض القلب + هل ما زالت الزرازير + تنقر فروتك بكلّ بهاء القلب؟ + أيّتها الشجرة + هذه الأصداف أمنيات مستحيلة + طفولة حلم يرتجف على الهوامش.

وحين ينتظم النصّ في صيغةٍ استفهاميّة، فإنّه لا يبحث بالضرورة عن جوابٍ مباشر، وهذا يعني أنّنا نقترب من أفقٍ فلسفيّ يظلّ فيه السؤال منتجاً للمعنى؛ لأنّ الإجابة الحاسمة قد تغلق بعض إمكانات التأويل، في حين يظلّ السؤال مفتوحاً على احتمالاتٍ متعدّدة. ولذلك، فإنّ اعتماد الشاعرة على البنية الاستفهاميّة لا يهدف إلى التقرير، بل إلى توسيع فضاء الدلالة وربط السياقات بعضها ببعض، بحيث يتفاعل السابق مع اللاحق، ويمهّد كلّ سؤالٍ لمساراتٍ جديدة من القراءة والتأويل.

ومن هذا المنظور، تتحوّل الشجرة إلى رمزٍ للعطاء، والبراءة، والاستمرار، بينما تغدو الرسائل و"بريد المطر" وسائلَ للتواصل الإنساني والوجداني. ولا تكمن أهميّة هذه الرموز في مدلولاتها المباشرة وحدها، بل في قدرتها على بناء رؤيةٍ شعريّة جديدة تتداخل فيها اللذّة، والدهشة، والعجائبيّة، والغرائبيّة، لتنتج أثراً نصّيّاً يظلّ قابلاً للتجدّد مع كلّ قراءة.

وفي ضوء ذلك، تقدّم مجموعة (قدّاس الورد)، الصادرة عن منشورات كناية في ستٍّ وتسعين صفحة من القطع المتوسّط، تجربةً شعريّة تتّسم بثراء رموزها وتنوّع بنياتها الدلاليّة؛ إذ تقود الشاعرة المتلقي من أفقٍ نصّي إلى آخر عبر حركةٍ مستمرّة من التأويل، بما يجعل المعنى في حالة انفتاحٍ دائم، ويجعل انفلات الدلالة أحد مظاهر حيويّة النصّ وفاعليّته الجماليّة. وهكذا تجمعنا الشاعرة في مدوّنة اللامحدود، وتنقلنا بين أنماطٍ متعدّدة من المعاني وأساليب إنتاجها.

***

كتابة: علاء حمد

في المثقف اليوم