القصيدة الأطروحة بين تهكمية الدال وسخرية المدلول
مقدمة: أن الواقع الشعري في إمكانية مشغل مجموعة (خيمة في حنجرة مدفع) للشاعر كاظم اللايذ لم يكن في حقيقته الجوهرية زمانيا ومكانيا وذواتيا إلا ذلك التحديد المجمل في شعرية تنمو ضمن حدود أحداثها وأحوالها ومواطنها نحو حالات مجزوءة من مشاهد دلالية كبرى وجزئية منعكسة على مرايا خصوصيتنا الذاتية والنفسية والذهنية.. لعل اللايذ أراد من وراء ممنوحات تصوراته الشعرية أن يشيد لنا دالا تهكميا ينحو في مضمرات احوالية تعكسها دوافعية القضايا العامة والخاصة فوق مرآة اقتراحاته التشخيصية للمواقف الشعرية. من هنا تواجهنا محتويات مجموعة الشاعر عبر مجملات متميزة من الاتساع والتركيب وإعادة صياغة لغة الأشياء من خلال تحولاتها الرؤيوية لتتوالد في بعدها الذاتي والموضوعي كحالات صورية ثائرة ومنتفضة وهي تزيح مواقف القضايا عن وجودها الحقيقي والعيني.
- الذات وانطباعاتها التوالدية
لعل شعرية كاظم اللايذ من الأحوال الحسية المربكة، لأنها تنهض من الفاعل والتفاعل (الأنا = الطبيعة الموضوعية) صعودا نحو فضاءين كبيرين هما (المجمل – جدلية المخيلة) وسنبين أن حجم تفرد تجربة الشاعر على الرغم من موضوعيتها الانتقادية الباطشة، قادمة من الوعي العارف بأن فرز أوجه العموميات الباطشة لا يتأتى إلا بلغة (ساخرة، متهكمة) لذلك عمد الشاعر عبر وحدات دلالاته إلى أن يمنح للقارىء مجالا أدخاليا من فضاء هويته الزمنية وكينونتها الاستفهامية الدالة:
أنا رجل فاقد الذاكرة...
أحدق في وجه أبني وأسأله: من تكون ؟
و ألمح خارطة الوطن العربي
معلقة في الجدار
و أسألهم: من تكون ؟. / ص3 قصيدة: أمة تفقد الذاكرة
و لعل أولى سمات التيه في مفاوز بؤرة الوطن المكتظ بمساحات اضطراباته هو فقدان الفرد لذاكرته بالمعنى الاستعاري والرمزي، أي أن فقدان البصر والبصيرة هما الرمز الاحوالي المتحول دون ملازمة عرضية من حالة مرضية ما.. ولكنها كما شاء اللايذ جعلها موصوفات استفهامية تسأل وتناور وتبحث عن تعريفات بديهية لهذا المحسوب والمخصوص من رقعة الخارطة (وألمح خارطة الوطن العربي، معلقة في الجدار، وأسألهم: من تكون؟) فإذا أردنا البحث في خصوصية هذه القصيدة بالمقارنة مع نصوص المجموعة الأخرى، لوجدناها تشكل بذاتها حسية عتباتية في دخول دليل النصوص الشعرية الأخرى، فهي بادىء ذي بدء نواة البحث في هوية الأشياء والمسميات التي فارقت ذاكرة الفاعل الشعري، لذا فهي ظروف استثنائية يتفقد فيها الشاعر سياقات عمومية وخاصة من أحواله الذاتية المسنونة في الغياب عن مرأى الأشياء الواقعة، ولربما تظاهر في نسيانها لأجل الكشف عن مسببات زهايمر ذاته الكظيمة:
وأنظر في الأفق
بين المحيط، وبين الخليج
فليس يلوح لعيني
الإ المقابر
مقبرة، إثر مقبرة، إثر أخرى..
فهل نحن
يا ترى أمة الميتين؟
وقد حاول الشاعر عبر فضاء قصيدته، الإقرار بأن المدرك لأحوالنا وهويتنا لا تتعدى سوى ساحات طويلة وعريضة من الموت المثير حضورا يحاوره مظهر انقلاب الحياة العربية إلى مجرد طموحات مقبرية كبرى. ولقد وجدت هذه القصيدة علاماتها الدالة واقعا ووقعا، فهي لا تنفك تجاري مقصدية النزوعات الداخلية والخارجية لتشتغل بها أبعادا مخصوصة من الرؤية والمناجاة والتحقق في انتقالات مساحة الروح والذات والموضوعة إلى صور مداليل كبيرة أكثر غورا وتأثيرا في إحصاء محطات الزمن العربي.
- فاعلية اللغة وجدل الانتقال المكاني والزمني
لعل إمكانية الصورة المجازية والاستعارية، بلاغيا، أشبه بمشهد سينمائي ساكن وموحش، تتصدرها حاسة البصر عبر رقعة تفاصيل مشهدية جزئية وكلية، نراها بما لا يمنع حاسة السمع من أن تتضافر مع حاسة البصر في إكمال المشهد الذي يجمع بين ما يجذب العين التي تقود إلى الخاصية السمعية للصورة التي هي صورة مدينة ممسوخة بأمتياز:
في ليلة 1/ 1 من هذا العام
كان العالم في الشاشة
ساقية من دم..
وضباعا ضارية
تعول في أعماق الغابات
كان المشهد
سرفة دبابة (ميركافا)
تهرس لحما بشريا
وجماجم أطفال
والجرافات عليها نجمة داود
تقتحم مقبرة. / ص9 قصيدة: سلطان من غير رجولة
و تبعا على هذا النحو يحيل ما تراه العين، أو تسمعه الأذن، أو تعاينه باقي الحواس إلى ما يشبه مشاهد متجاورة، متنوعة، متعددة الزوايا واللقطات، كأننا إزاء عملية (مونتاج سينمائي) حيث تتجاور لقطات متغايرة المحتوى، لكنها تحدث تأثيرا مقصودا في إضاءات جوانب متعاقبة أو متجاوزة من الحركة التي تجوب بها العين عبر الفضاء الزماني والمكاني الذي تحتشد به المتجاورات والمتعاقبات من الأفعال والمواطن الدالة. فالشاعر يضعنا داخل دائرة تضادية (الأنا – الأخر) وصولا إلى المنظور في علاقات (ماض متقدم / حاضر متخلف) عبر مواضع لها الصدارة في محددات المجال الدلالي لدائرة تضاد (القامع – المقموع) والواقع أن ثنائية القامع / المقموع هي المحور الرأسي للتعارضات التي تنبسط أفقيا على نحو متعاقب تجسده الأقنعة والرموز المتتابعة في قصيدة الشاعر، أي أن شعرية اللايذ تسترجع القمع في تجلياته الموحشة أو تعرضه في مظاهره المختلفة. وسواء أكانا نتحدث عن قصائد من مثل (يستفردون بالكبش الأعزل) أو قصيدة (عيال زايد) أو قصيدة (سبارتيكوس) أو قصيدة (السجين جورج عبد الله) فهذه كلها قصائد ذات حضور مخصوص للقمع حيث يبقى طاغيا ذلك الحضور في علاقته بالمقموع الذي يسلبه القامع حقه في الوجود المتوثب بحياة الأمل.
- تعليق القراءة:
لقد بدت النظرة الشعرية إلى العالم من خلال القصيدة تحليلا تبادلت فيه التعريفات والمسميات؟ مفاهيم معارضة لحجج وجود ثنائية (القامع – المقموع) لذا فإننا لا يمكننا النظر إلى محاور مجموعة قصائد الشاعر اللايذ إلا في كونها الأداة التهكمية التي تدفع بإشكالية القامع إلى نحو أكثر استبصارا وخصومة ومحسوبية في مجال فعلية الافتراضات الانتقادية الساخرة. لقد بدت أسئلة الشاعر في محاور قصائده، بحثا ومراجعة زمنية ومكانية تتوجه بالقارىء نحو الحدود المشخصة من مقولات قصيدة الاطروحة بتوجهاتها الإمكانية المتداخلة استنتاجا ذهنيا وجماليا لتقدير الوسيلة المتاحة في القول الشعرا.
***
حيدر عبد الرضا








