دراسات وبحوث

حمزة مولخنيف: الرشدية في الفضاء المتوسطي

انتقال الأفكار الفلسفية بين الأندلس وأوروبا الوسيطة

لم تكن الرشدية مجرد مذهب فلسفي انتسب إلى اسم شارح كبير من شراح أرسطو ولم تكن أثرا تعليميا عابرا انقضى بانقضاء صاحبه أو بانطفاء مجالسه العلمية في قرطبة ومراكش وإشبيلية وإنما كانت منعرجا معرفيا حاسما في تاريخ العقل المتوسطي كله بما هو عقل تشكل في مجرى الترجمة وتربى في أحضان النزاع بين السلط الدينية والبرهانية، ثم أخذ صورته الأكثر درامية ساعة خرجت شروح ابن رشد من فضائها الأندلسي الإسلامي لتستقر في المدارس اللاتينية والجامعات الناشئة في باريس وبادوفا وبولونيا. فهناك تحديدا ابتدأ نص ابن رشد حياة ثانية، حياة لم يعد فيها مجرد فقيه مالكي وقاضٍ أندلسي وطبيب فيلسوف، وإنما غدا “الشارح الأكبر” في الوعي المدرسي الأوروبي وغدا اسمه نفسه علما على نمط مخصوص من النظر له جرأته وله منطقه وله خصومه وله آثاره التي تجاوزت زمنه وبيئته ومقصوده الأصلي أحيانا.

إن الحديث عن الرشدية في الفضاء المتوسطي حديث عن عبور كثيف للأفكار عبر اللغات والحدود والأنساق، حديث عن نص فلسفي ولد في تماس حاد بين الشريعة والحكمة ثم أعيدت صياغته داخل بنية لاهوتية مسيحية كانت في حاجة إلى أرسطو وكانت في الآن نفسه تخشاه، وكانت في حاجة إلى ابن رشد لأنه فتح لها مغالق أرسطو، وكانت تخشاه لأنه حمل معها تصورا للعقل الذي لا يرضى أن يظل تابعا للسلطة التأويلية الجامدة. هنا بالضبط تظهر الرشدية لا باعتبارها مجرد انتقال نصوص، وإنما باعتبارها انتقالا لمشكل فلسفي كامل، ما حدود العقل؟ ما منزلة البرهان؟ كيف يقرأ النص الديني في ضوء الحقيقة البرهانية؟ ما معنى أن تكون للفلسفة استقلالية منهجية داخل مجتمع يؤسس شرعيته على الوحي؟ وما الذي يقع عندما تنتقل هذه الأسئلة من سياق إسلامي أندلسي إلى سياق لاتيني مدرسي شديد الحساسية تجاه كل ما يهدد بناء العقيدة الكنسية؟.

لقد كان ابن رشد في العمق مفكرا للاتساق العقلي، ولم يكن همه أن ينتصر للفلسفة على الدين انتصارا دعائيا ساذجا ولا أن يجعل الشريعة ذريعة لقمع النظر، وإنما سعى إلى بناء مجال تواطؤ بين الحقيقة الموحى بها والحقيقة المبرهن عليها. عبارته التي صارت من أشهر العبارات في التراث الفلسفي الإسلامي “الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له” لم تكن مجرد صياغة بلاغية ذات وقع أخلاقي، وإنما كانت قاعدة إبستمولوجية كبرى تؤسس لنظام في الفهم وتعيد ترتيب العلاقة بين ظاهر النص وباطنه بين العامة والخاصة وبين الجدل والبرهان وبين مستويات الإدراك البشري وتمنح العقل البرهاني شرعية لا بوصفه قوة تمرد بل بوصفه أداة من أدوات إدراك الحكمة الإلهية في العالم والشرع معا. بهذا المعنى كانت الرشدية أعمق من أن تختزل في شروح أرسطية وأخطر من أن تُحصر في نزاع حول قِدم العالم أو وحدة العقل أو تأويل الصفات، لقد كانت نظرية في العقل الحضاري نفسه. ومع ذلك فإن الرشدية ساعة خرجت من مجالها الإسلامي إلى أوروبا الوسيطة لم تنتقل نقية صافية كما صاغها صاحبها. فالنصوص لا تسافر بلا خسائر والأفكار لا تعبر البحار بلا تحولات والترجمات لا تحمل المعاني وحدها بل تحمل معها انحرافات الفهم وانتقاءات المترجمين وحاجات المؤسسات المستقبلة وصراعات المدارس وضغوط الرقابة. ولهذا لم تكن “الرشدية اللاتينية” صورة مطابقة لـ “الرشدية الأندلسية” كما لم تكن خصومة الكنيسة مع بعض الرشديين خصومة مع ابن رشد نفسه على الدوام بل كانت في كثير من المواطن خصومة مع قراءات مخصوصة له أو مع نتائج استنبطها بعض الشراح من تعليقاته أو مع استعمالات جامعية جعلت من اسمه راية لاستقلال الفلسفة عن اللاهوت وهو أمر يتجاوز أحيانا ما صرح به ابن رشد نفسه في سياقه الإسلامي.

إن الفضاء المتوسطي إذا نظرنا إليه من زاوية تاريخ الأفكار لم يكن بحرا يفصل بين حضارات متجاورة وإنما كان معبرا عميقا ومختبرا هائلا ووسطا ناقلا ومحوِّلا في آن. فيه تحركت النصوص اليونانية من أثينا إلى الإسكندرية ثم من السريانية إلى العربية ثم من العربية إلى اللاتينية والعبرية، وفيه تشكلت طبقات متراكبة من التلقي والتعليق وإعادة البناء. والرشدية ليست إلا إحدى أكثر اللحظات تعبيرا عن هذا الحراك. لقد تلقى الغرب اللاتيني أرسطو عبر ابن رشد أكثر مما تلقاه مباشرة حتى صار هذا الفيلسوف الأندلسي بالنسبة إلى كثير من أساتذة الفنون في باريس أشبه بالمفتاح الذي لا يفتح أرسطو إلا به. ولم يكن غريبا تبعا لذلك أن يلقب في التقاليد المدرسية باسم “الشارح” على جهة الإطلاق كما لُقِّب أرسطو باسم “الفيلسوف”، وهو توزيع رمزي للأدوار يكشف عن عمق الحضور الرشدي داخل البنية التعليمية الأوروبية الوسيطة.

هذا الحضور لم يكن حضورا هادئا فكلما اشتد نفوذ الشروح الرشدية داخل مدارس الفنون، اشتدت معها الأسئلة التي تمس بنية العقيدة المسيحية المدرسية، إذا كان العقل واحدا على نحو ما فُهِم من بعض التأويلات الرشدية فماذا يبقى من المسؤولية الشخصية؟ وإذا كان العالم أزليا من جهة الحركة والنظام الكوني فكيف يُفهم الخلق؟ وإذا كانت الحقيقة الفلسفية تبلغ مرتبة من البرهان قد لا تبلغها المقاربات الوعظية أو الجدلية فكيف يُعاد ترتيب العلاقة بين الأستاذ في كلية الفنون والأستاذ في كلية اللاهوت؟ هنا نشأت تلك التوترات التي صنعت ما عُرف لاحقا بالرشدية اللاتينية وجعلت من أسماء مثل سيجر البرابانتي وبويتيوس الدانماركي ويوحنا الجندوني علامات على نزاع فلسفي حاد داخل قلب المسيحية المدرسية.

غير أن اختزال الرشدية في هذه المقولات الثلاث أو الأربع ظلم مزدوج، ظلم لابن رشد وظلم لتاريخ الاستقبال الأوروبي نفسه. فالرشدية كانت قبل ذلك وبعده منهجا في القراءة وأخلاقا في التعامل مع النصوص وصرامة في البرهنة وميلا إلى رد الفروع إلى الأصول وتحريرا للفلسفة من الشروح الخطابية الفضفاضة ووفاء لأرسطو مقرونا بجرأة التأويل، وهي العناصر التي جعلت منها أداة تأسيس في بناء العقل المدرسي الأوروبي حتى لدى من عارضها. لقد كان توما الأكويني خصما للرشدية في مواضع معلومة، لكنه كان في الآن ذاته أحد أكبر المستفيدين من الجهد الرشدي في شرح المتن الأرسطي وكان اعتراضه على بعض النتائج الرشدية مشروطا سلفا بكون ابن رشد قد فرض نفسه مرجعا لا يمكن القفز عليه. فالخصومة نفسها دليل حضور والنقد نفسه شهادة تأثير والردود الكبرى لا تكتب ضد الأفكار الهامشية.

على هذا الأساس يصير من اللازم أن نفهم الرشدية بوصفها طبقات متداخلة، رشدية أندلسية نشأت في حضن الثقافة العربية الإسلامية ورشدية يهودية عبرت إلى الفكر العبري الوسيط وأسهمت في إعادة تشكيل فلسفة موسى بن ميمون وشراحه ورشدية لاتينية دخلت الجامعات المسيحية وأثارت الزوابع اللاهوتية ورشدية نهضوية مبكرة أعادت اكتشاف قيمة العقل الطبيعي واستقلالية البحث، ثم رشدية حديثة ومعاصرة استعادتها الثقافة العربية بوصفها رمزا للعقلانية المفقودة أو المؤجلة. وكل طبقة من هذه الطبقات لا تكرر سابقتها وإنما تعيد تأويلها على قدر حاجتها التاريخية.

في الأندلس كان ابن رشد ابن أزمة كبرى في تاريخ الفكر الإسلامي الغربي، فقد جاء بعد قرون من الجدل بين المتكلمين والفلاسفة والفقهاء وبعد اللحظة الغزالية التي هزت مشروعية الفلسفة هزا عنيفا وبعد تجربة ابن باجة وابن طفيل اللذين مهدا لقدر من الاستئناف العقلي داخل الغرب الإسلامي. وإذا كان الغزالي قد كشف هشاشة بعض دعاوى الفلاسفة المشرقيين، فإن ابن رشد لم يرد عليه بإنكار الدين أو السخرية من الكلام وإنما رد عليه من داخل مطلب أعلى: مطلب التمييز بين مراتب الخطاب ومراتب البرهان. لهذا كان مشروعه في “فصل المقال” و”تهافت التهافت” و”الكشف عن مناهج الأدلة”، مشروعا يتجاوز الدفاع عن الفلسفة إلى إعادة بناء المجال النظري الذي تتجاور فيه العلوم الشرعية والعلوم البرهانية من غير أن يلتهم أحدهما الآخر. لقد أدرك أن المعضلة الحقيقية لا تكمن في وجود نص ديني وعقل فلسفي وإنما تكمن في سوء توزيع السلط المعرفية وفي الخلط بين مقام العامة ومقام الخاصة وفي تحويل الظاهر الخطابي إلى سيف يُشهر في وجه البرهان.

ومن هنا كانت الرشدية الأندلسية في أصلها مشروعا للتوفيق العميق لا التلفيق السطحي. فالتوفيق عند ابن رشد لا يعني جمع المتناقضات على سبيل المراوغة وإنما يعني إقامة نسق معرفي يُحفظ فيه لكل نوع من أنواع القول مجاله ووظيفته. الشريعة تخاطب الناس جميعا بطرائق متعددة والبرهان لا يقدر عليه الجميع، والتأويل ليس حقا شعبويا مبذولا لكل أحد لأن إخراج المعاني من ظواهرها يحتاج إلى آلة وملكة وانضباط. تتحول الفلسفة من ترف نخبوي إلى واجب كفائي في حق من استكمل شروط النظر وتتحول الشريعة من خصم للعقل إلى حاضنة لمشروعيته. هذا التصور كان في ذاته ثوريا داخل السياق الإسلامي كما كان قابلا لأن يثير قلقا مضاعفا ساعة يترجم إلى اللاتينية لأن الكنيسة لم تكن تنظر إلى العلاقة بين اللاهوت والفلسفة بالطريقة نفسها ولأن بنية السلطة المعرفية فيها مختلفة جذريا عن بنية الفقه الإسلامي.

لقد تمت ترجمة كثير من أعمال ابن رشد إلى اللاتينية والعبرية عبر مراكز الترجمة في طليطلة وغيرها وعبر جهود مترجمين كان بعضهم يشتغل في مناطق التماس الحضاري بين المسلمين والمسيحيين واليهود. ولم تكن الترجمة مجرد نقل لغوي وإنما كانت حدثا مؤسسيا. فما دخل اللاتينية من شروح ابن رشد حيث لم يدخل إلى خزائن النخبة فقط وإنما دخل إلى قاعات التدريس وإلى برامج التعليم وإلى الجدل الجامعي وإلى بنية الامتحان المدرسي. وهنا يظهر المعنى الحقيقي للرشدية في أوروبا، إنها ليست “تأثيرا” ثقافيا عاما فحسب وإنما هي تشكل فعلي لآلة الفهم داخل مؤسسة الجامعة. ولهذا لا يصح أن يقال إن أوروبا “قرأت” ابن رشد فقط بل الأدق أن يقال إنها “درست” أرسطو عبره و”تعلمت” طرائق البرهنة معه و”تشاجرت” بواسطته مع نفسها. وقد كان لهذا التلقي أثر بالغ في صوغ ما يمكن تسميته بالوعي المدرسي الجديد، فالرشدية علمت المدرسة اللاتينية أن النص الفلسفي لا يقرأ بالمواعظ وأن المعنى لا يستخرج بالإنشاء وأن الفهم يحتاج إلى ضبط للمصطلح وترتيب للمقدمات وتفكيك للأقوال وردّ للمسائل إلى أصولها المنهجية، لهذا كان تأثيرها يتجاوز المضامين الميتافيزيقية إلى البنية العقلية نفسها. وإذا كان بعض الباحثين المعاصرين قد بالغوا في الحديث عن “فضل ابن رشد” على النهضة الأوروبية بصيغة سببية ساذجة فإن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن أثره في تشكيل العقل الجامعي الوسيط أثر بالغ العمق حتى لو لم يكن وحده المسؤول عن كل التحولات اللاحقة، فالتاريخ لا يصنعه رجل واحد لكنه أحيانا لا يمر من غيره.

في جامعة باريس حيث كان الصراع على أشده برزت الرشدية بوصفها قوة فكرية تربك التوازنات. فكلية الفنون التي كانت تتولى تدريس المنطق والطبيعيات والأخلاق وما يتصل بأرسطو، وجدت في الشروح الرشدية مادة خصبة تمنحها قدرا من الاستقلال المعرفي عن اللاهوت. وهذا الاستقلال لم يكن سياسيا فقط بل كان منهجيا قبل كل شيء. فالأستاذ الذي يتتبع البرهان الأرسطي كما شرحه ابن رشد قد يصل إلى نتائج لا تنسجم دائما مع التأويلات العقائدية الرسمية. هنا ابتدأ التوتر بين “ما يقتضيه البرهان” و”ما تقرره العقيدة”. وليس المقصود بذلك أن الرشديين اللاتينيين كانوا ملاحدة بالمعنى الشائع وإنما كانوا يدافعون عن حق الفلسفة في أن تسلك مقتضى مقدماتها حتى النهاية ولو أدى ذلك إلى تمييز بين ما يصح فلسفيا وما يعتنق إيمانيا. وقد نُسب إلى بعضهم ما صار يعرف لاحقا ولو على نحو تبسيطي بنظرية “الحقيقتين” مع أن هذا التعبير في صورته المدرسية المشهورة أكثر التباسا مما يتداوله الخطاب الشائع.

إن ربط الرشدية بنظرية “الحقيقتين” على وجه القطع يحتاج إلى حذر شديد. فابن رشد نفسه لم يقل بتعدد الحقيقة وإنما قرر وحدة الحق واختلاف طرق إدراكه. أما بعض الرشديين اللاتينيين فقد وجدوا أنفسهم داخل نظام جامعي كنسي يفرض عليهم التمييز بين ما يثبت فلسفيا وما يلتزم دينيا فظهرت صيغ لغوية من قبيل: “هذا صحيح بحسب الفلسفة” أو “هذا صحيح بحسب الإيمان”. هذه الصياغات لم تكن دائما إعلان انفصام أنطولوجي بين حقيقتين، بل كانت أحيانا مجرد تقنية مدرسية لإدارة التوتر بين مجالين. غير أن اللاهوت الكنسي قرأها قراءة تهديدية لأنها تفتح الباب أمام استقلال العقل الطبيعي استقلالا قد يتحول إلى سلطة موازية. وهنا نفهم لماذا لم تكن مقاومة الرشدية مجرد اعتراض على مسألة جزئية وإنما كانت دفاعا عن البنية الهرمية للمعرفة في المسيحية الوسيطة.

لقد كان توما الأكويني المثال الأبرز لهذا الرد العميق، حيث لم يواجه الرشدية من موقع الجهل بها بل من موقع الوعي الدقيق بخطورتها وبقيمتها في آن. كان يعرف أن ابن رشد هو أبرع شارح لأرسطو في زمانه، وكان يدرك أن مناقشته تقتضي امتلاك آلة فلسفية صارمة لا مجرد تنديد وعظي. لذلك جاءت نصوصه المضادة لبعض الأطروحات الرشدية نصوصا فلسفية من الطراز الأول خصوصا في مسألة وحدة العقل المفارق وعلاقة النفس بالبدن. لقد كان دفاع الأكويني عن فردية النفس العاقلة دفاعا عن أساس المساءلة الأخلاقية والخلاص المسيحي وكان رفضه لوحدة العقل رفضا لما يراه تهديدا لمعنى الشخص نفسه. غير أن هذا الرفض لا يلغي حقيقة أخرى أكثر عمقا، أن الأكويني في كثير من مباحثه كان يتحاور مع ابن رشد أكثر مما يتحاور مع أي شارح آخر، وأن بناء التوماوية المدرسية لم يكن ممكنا بالصورة التي عرفناها لولا المرور الصارم عبر الامتحان الرشدي.

إن الرشدية انتصرت حتى في مواضع هزيمتها الظاهرة، فقد أدت الإدانة الكنسية لبعض الأطروحات المنسوبة إلى الرشديين في سنتي 1270 و1277 إلى محاولة الحد من تغول العقل الأرسطي كما تمثله بعض القراءات، لكنها في الآن ذاته دفعت الفكر المسيحي إلى مزيد من التحديد المفهومي وإلى مزيد من صقل التمييز بين الفلسفة واللاهوت وإلى مزيد من الانتباه إلى استقلال بعض المجالات المعرفية، أي إن قمع الرشدية لم يؤد إلى إعدام أثرها وإنما أدى إلى تعميقه بطريقة جدلية. فالفكرة الممنوعة كثيرا ما تواصل عملها في باطن النسق الذي حاول طردها وقد يكون تأثيرها الأبعد ناشئا من المقاومة التي أُقيمت ضدها أكثر مما هو ناشئ من قبولها المباشر. ثم إن الرشدية لم تتوقف عند باريس، ففي إيطاليا وخاصة في بادوفا وجدت بيئة أكثر قابلية لاستمرار بعض اتجاهاتها فاستمرت تقاليد تفسير أرسطو على نحو يحمل آثارا رشدية واضحة وأخذت بعض مسائل النفس والطبيعيات والميتافيزيقا تتطور داخل أفق يظل فيه ابن رشد حاضرا بوصفه سلطة تفسيرية لا يمكن إلغاؤها. هذا الامتداد الإيطالي يهمنا كثيرا لأنه يكشف أن الرشدية لم تكن نزوة باريسية عابرة وإنما كانت تيارا أوسع داخل الثقافة الجامعية اللاتينية. كما أن هذا الامتداد يبين أن الانتقال المتوسطي للأفكار ليس خطا مستقيما من الأندلس إلى فرنسا بل هو شبكة من المسالك: طليطلة، صقلية، جنوب إيطاليا، المراكز اليهودية، الدوائر الطبية، حلقات الترجمة، الجامعات الناشئة ومراكز النسخ والتداول.

وإذا كان الجانب اللاتيني قد استأثر غالبا بالحديث عن “الرشدية الأوروبية” فإن إغفال الوسيط اليهودي يفضي إلى بتر صورة الانتقال. فقد كانت الثقافة اليهودية الوسيطة خاصة في الأندلس وجنوب فرنسا من أهم الحواضن التي استقبلت ابن رشد ووسّطته بين العربية واللاتينية أو بين الأرسطية واللاهوت اليهودي. وكان حضور ابن ميمون وما تلاه من شروح وتأويلات جزءا من هذا المسار المعقد الذي جعل من المتوسط فضاء حوار ثلاثي لا ثنائيا فحسب، إسلامي مسيحي يهودي، وهذا التعدد في وسائط الاستقبال يؤكد أن الرشدية لم تكن ملكية حضارية مغلقة وإنما كانت حدثا عابرا للملل واللغات تَصرّف فيه الجميع بحسب حاجتهم ومقدار توترهم مع السؤال العقلي.

إن الذي يمنح الرشدية هذه القدرة الفائقة على العبور هو أنها لم تكن مجرد حزمة من الأجوبة بل كانت فنا في طرح الأسئلة. لقد علمت أوروبا الوسيطة أن النص الأرسطي يمكن أن يُقرأ قراءة نسقية صارمة وأن الفلسفة ليست خطابا أخلاقيا عاما فحسب بل بناء استدلالي متدرج. وعلمتها أيضا أن الشارح ليس ناقلا سلبيا، وإنما هو منتج للمعنى عبر تنظيم المادة وتحديد المفاهيم وتحرير موارد الخلاف. ومن هذه الزاوية فإن أثر ابن رشد لا يقاس فقط بما “أخذه” الأوروبيون من آرائه بل بما تعلموه من طريقته، فكم من فكرة رفضوها لكنهم احتفظوا بأداتها وكم من أطروحة عارضوها لكنهم ورثوا منطقها وكم من خصومة ضدها كانت في العمق اعترافا بأنها غير قابلة للتجاوز.

لقد أساء بعض المستشرقين القدامى قراءة هذه الحقيقة فحوّلوا ابن رشد إلى مجرد جسر نقل أرسطو إلى أوروبا وكأن قيمته تكمن في الوساطة وحدها. وهذه قراءة مجحفة ومضللة. فابن رشد ليس ساعي بريد فلسفي بين اليونان واللاتين وإنما هو مفكر كبير أعاد بناء الأرسطية نفسها داخل أفق إسلامي مخصوص ثم صارت هذه الأرسطية المعاد بناؤها هي التي دخلت أوروبا. الفارق هنا جوهري، فالأوروبيون لم يتلقوا أرسطو “خامّا”، بل تلقوه مفسَّرا ومؤطَّرا ومصاغا عبر عقل رشدِي شديد الانضباط. وهذا ما يفسر أن كثيرا من المعارك المدرسية في أوروبا كانت في حقيقتها معارك حول “أرسطو كما قرأه ابن رشد”، لا حول أرسطو التاريخي وحده. ومن هنا كان اسم “أفيرّويس” في المخيال المدرسي الأوروبي أحيانا أقرب حضورا من اسم أرسطو نفسه في بعض المسائل التفسيرية الدقيقة.

وليس بخاف على القاريء الكريم أن الرشدية بما حملته من دفاع عن البرهان فتحت في الوعي الأوروبي بابا عميقا لما سيغدو لاحقا مطلبا للاستقلال النسبي للعقل الطبيعي. لا يعني ذلك أن ابن رشد هو مؤسس الحداثة الأوروبية على النحو الدعائي الذي يردده بعض الخطاب الثقافي السطحي، فهذا من التبسيط الذي لا يليق بتاريخ الأفكار لكن يعني أن الرشدية أسهمت بعمق في تكوين الشروط البعيدة التي جعلت من الممكن أن يتمايز النظر الفلسفي عن الاحتكار اللاهوتي الصارم. والفرق كبير بين القولين، فالتاريخ لا يشتغل بخطوط سببية قصيرة بل بسلاسل طويلة من التحولات والتراكمات. والرشدية واحدة من تلك الحلقات التي لا يكتمل فهم السلسلة من غيرها.

وقد أدرك بعض المفكرين العرب المحدثين هذه الحقيقة فأعادوا استدعاء ابن رشد لا بوصفه مجرد تراث محفوظ بل بوصفه رهانا معاصرا. فمحمد عابد الجابري على سبيل المثال، لم يكن يرى في ابن رشد مجرد شارح لأرسطو وإنما كان يراه ذروة في تشكل “العقلانية المغربية الأندلسية” بما تمثله من نزوع برهاني يختلف عن كثير من البنى العرفانية والبيانية التي سادت في لحظات أخرى من تاريخ الثقافة العربية الإسلامية. وفي هذا الاستدعاء المعاصر ما يبين أن الرشدية لم تمت وأنها كلما ضاق أفق العقل في زمان ما عادت بوصفها وعدا مؤجلا أو مرآة نقدية أو إمكانا غير مستنفد.

غير أن الإنصاف يقتضي أيضا ألا نجعل من ابن رشد أيقونة معصومة. فالرشدية نفسها تحمل توتراتها وحدودها، فتصوره للتمييز بين مراتب الناس في تلقي الحقيقة وإن كان مفهوما في سياقه يطرح أسئلة حديثة حول ديمقراطية المعرفة. وحرصه على صيانة البرهان من التداول الشعبي قد يفضي إذا أسيء استعماله إلى نوع من الأرستقراطية العقلية. كما أن وفاءه الشديد لأرسطو قد يجعل بعض جوانب مشروعه أسيرة لأفق كوني قديم لا يسمح دائما بتجاوزات جذرية كتلك التي ستعرفها العلوم الحديثة. غير أن هذه الملاحظات لا تنقص من قيمته التاريخية بل تعيد وضعه في مقامه الحقيقي، مفكر عظيم داخل زمنه، صانع لتحول عميق، لا نبيّ للعقل خارج التاريخ.

وإذا عدنا إلى عنوان هذا المقال أي “الرشدية في الفضاء المتوسطي”، أدركنا أن القضية لا تتعلق بابن رشد وحده بل بالمجال الحضاري الذي جعل من عبور الأفكار ممكنا. فالمتوسط هنا ليس جغرافيا فحسب بل بنية تداول وساحة ترجمة وفضاء جدل وممر نصوص ومنطقة تفاعل بين لغات كبرى: العربية، اللاتينية، العبرية، ثم اللغات الرومانسية الناشئة. وفي هذا الفضاء تشكلت واحدة من أعقد قصص انتقال الأفكار في التاريخ. انتقلت نصوص أرسطو إلى العرب، ثم عاد أرسطو إلى أوروبا عبر شروح المسلمين واليهود، فصار “الآخر” شرطا في فهم “الأصل” وصار التوسط الثقافي أعمق من أن يختزل في علاقة أخذ وعطاء بسيطة. والرشدية هي المثال الأوضح على هذا التعالق، عقل أندلسي يشرح يونانيا، يترجمه لاتيني، يخاصمه لاهوتي، يستثمره جامعي ويعيد تأويله يهودي، ثم تستحضره حداثة عربية متأخرة بحثا عن مشروعية العقل.

هذه السلسلة كلها تعلمنا درسا بالغ الأهمية، الأفكار الكبرى لا تنتمي نهائيا إلى موطن واحد. إنها تولد في بيئة ثم تختبر مصيرها في بيئات أخرى وقد تتجدد خارج موطنها أكثر مما تتجدد داخله وهذا ما وقع للرشدية. ففي الوقت الذي تعرض فيه ابن رشد في بعض مراحل حياته للمحنة والنفي والتضييق، كانت نصوصه تشق طريقها نحو حياة أوروبية أخرى ستجعل منه بعد عقود سلطة فكرية مهيبة في قاعات لم يرها قط. يا لها من مفارقة حضارية قاسية وعميقة في آن: أن يُضيق على العقل في بيته الأول ثم يُستدعى في بيت آخر ليصير معلما ولو مؤقتا للعقل نفسه. ولعل هذه المفارقة هي التي منحت الرشدية بعدا رمزيا يتجاوز حدود التاريخ المدرسي. فقد غدت تمثل في المخيال العربي الحديث صورة “العقل المطرود” الذي يجد اعترافه في الخارج وصورة “التراث المؤجل” الذي لا نستعيده إلا بعد أن يمر في مرآة الآخر. وهذه القراءة وإن كانت مشحونة بشيء من الدراما الثقافية فهي تحمل جانبا من الحقيقة. فابن رشد لم يُقرأ عربيا حديثا بالقدر الذي قرئ به أوروبيا في بعض المراحل وإعادة اكتشافه في الثقافة العربية المعاصرة لم تكن بريئة من سؤال النهضة وسؤال العقل وسؤال الخروج من مأزق الانغلاق. ولهذا فإن كل كتابة جادة عن الرشدية اليوم لا يجوز أن تبقى أسيرة الوصف التاريخي بل ينبغي أن تستبطن هذا السؤال: ماذا بقي من الرشدية فينا؟ وأي معنى يبقى لعبارة “الحق لا يضاد الحق” داخل عالم عربي وإسلامي ما يزال يعاني في كثير من مستوياته ومن سوء إدارة العلاقة بين النص والعقل وبين الفقه والمعرفة وبين المقدس والبرهان؟.

إن الرشدية ليست مرثية لزمن ضائع ولا احتفالا ساذجا بعقلانية مجردة وإنما وعي نقدي بأن تاريخ البحر المتوسط قد شهد عبر ابن رشد واحدة من أخصب لحظات التبادل الحضاري في تاريخ الإنسانية. لقد علمتنا هذه اللحظة أن الفلسفة لا تزدهر داخل الأسوار المغلقة وأن النصوص العظيمة تعيش بالترجمة بقدر ما تعيش بالتأليف وأن الخصومات الكبرى قد تكون أحيانا أكثر إنتاجا من الوفاقات الكسولة وأن العقل إذا صيغ بصرامة وأخلاق علمية قادر على عبور اللغات والأديان والحدود. لقد خرج ابن رشد من الأندلس ولم يخرج منها في الوقت نفسه، خرج نصه وسافر وتأول وتنازع عليه المختلفون وبقيت روحه البرهانية شاهدة على أن الحضارات لا تتفوق بما تملكه من يقينيات جاهزة بل بما تسمح به من أسئلة صعبة. وتكاد تكون الرشدية أكثر من فصل في تاريخ الفلسفة الوسيطة، إنها عنوان على قابلية الفكر العربي الإسلامي لأن يكون فاعلا لا منفعلا، مؤسسا لا ناقلا فقط، قادرا على أن يصوغ من داخل لغته وأفقه الديني مشروعا عقليا يفرض نفسه حتى على خصومه. وهي أيضا تذكير صارم بأن العلاقة بين الأندلس وأوروبا لم تكن علاقة حرب وحدها ولا علاقة حدود سياسية وعسكرية فحسب وإنما كانت كذلك علاقة تداول مفاهيم وتنازع تأويلات وتناقل مناهج وتاريخا عميقا من المثاقفة المركبة التي لا يفهم المتوسط من دونها. فكل قراءة تختزل هذا البحر في جغرافيا القوة وتنسى جغرافيا الفكر قراءة عمياء بنصف الحقيقة.

إن الرشدية في الفضاء المتوسطي ليست ماضيا منتهيا نؤرخه ببرودة وإنما هي سؤال حاضر بامتياز. سؤال عن شروط انتقال الأفكار وعن مصير العقل داخل المجتمعات الدينية وعن الترجمة بوصفها خلقا جديدا للنص وعن الحدود الدقيقة بين الوفاء للتراث والقدرة على تجاوزه وعن إمكان بناء كونية فلسفية من داخل الخصوصيات الحضارية لا ضدها. وابن رشد في هذا كله ليس مجرد اسم كبير من أسماء التراث وإنما هو شاهد على أن البحر المتوسط أنجب في بعض لحظاته النادرة عقولا استطاعت أن تجعل من الاختلاف طريقا إلى مزيد من العمق لا ذريعة إلى مزيد من الانغلاق.

فإذا كان التاريخ قد منح أوروبا الوسيطة نص ابن رشد لتعيد به ترتيب علاقتها بأرسطو والعقل والجامعة واللاهوت، فإن التاريخ نفسه يمنحنا اليوم إمكانا آخر، وهو أن نعيد قراءة الرشدية لا بوصفها ذخيرة رمزية للافتخار الثقافي بل بوصفها تمرينا شاقا على الانضباط البرهاني وعلى تحرير السؤال من الكسل وعلى التمييز بين قداسة المعنى وقداسة التأويلات البشرية وعلى إدراك أن الأمم لا تنهض بما تكرره من أمجاد، وإنما بما تحسن استئنافه من طاقات كامنة في تراثها. ومن هذه الزاوية وحدها يصير ابن رشد معاصرا لنا بحق لا لأننا نلوذ باسمه في كل أزمة بل لأننا نتعلم منه كيف يكون العقل وفيا للحقيقة أكثر من وفائه للضجيج وكيف يكون البرهان أشرف من العصبية وكيف يكون الحوار بين الحضارات فعلا منتجا لا شعارا مناسباتيا.

إن الرشدية لم تنتصر لأنها أجابت عن كل الأسئلة بل لأنها أبقت السؤال الفلسفي حيا في لحظة كان من السهل فيها أن يُدفن تحت ثقل السلطتين، سلطة التقليد وسلطة الخوف وذلك هو سر بقائها وسر عبورها وسر عودتها المتكررة كلما شعر العقل بأنه مهدد في حقه في النظر.

لقد برزت الرشدية في الفضاء المتوسطي كواحدة من أجمل الشواهد على أن الأفكار الكبرى لا تموت بالنفي ولا تُهزم بالإدانة ولا تتوقف عند حدود اللغة وإنما تواصل رحلتها حيث تجد عقولا مستعدة لأن تصغي إليها ولو بعد قرون.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم