دراسات وبحوث

دراسات وبحوث

يعود تاريخ ظهور (اخوان الصفا وخلان الوفا) الى النصف الاول من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) في مدينة البصرة، الذي شهد ازدهارا في الحياة العقلية والفكرية ناجمة عن ترجمة مؤلفات ثمينة لفلاسفة اليونان وأدباء الفرس وحكماء الهند، ولسبب سياسي يتمثل بضعف سلطة الخلافة العباسية ومقرها العاصمة بغداد، وظهور فرق شيعية مناوئة للسلطة مثل (الأسماعيلية).

وامتاز اخوان الصفا (واشهرهم خمسة: أبو سليمان محمد بن معشر البستي، ويعرف «بالمقدسي»، أبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، أبو أحمد المهرجاني، العوفي، و زيد بن رفاعة) انهم وضعوا كتابا ضم أهم الآراء الفلسفية والعلمية وصفت بأنها تشبه دائرة معارف كاملة لا غنى عنها للمثقف العربي وقتها، هدفت الى تغيير البنية العقلية التقليدية السائدة والمسيطرة في المجتمع العربي التي يشيعها مثقفو السلطة. والمدهش انهم كتبوا مقالات سموها (تحف أخوان الصفا)، امتدت من السياسة الى العلم.. الفلك، الرياضيات، الفن والموسيقى.. هدفت الى (التضافر للسعي الى سعادة النفس عن طريق العلوم التي تطهر النفس).

يوحّدهم التفكير ويختلفون طبقيا

مع ان اخوان الصفا تجمعهم (الفلسفة) الا انهم يختلفون طبقيا، فبينهم اغنياء جدا بمستوى امراء ووزراء، وبمستوى تجار، وأبناء أدباء وعلماء وفقهاء، وعمّال وآخرين من عامة الناس. ومع ان رساءلهم الأثنتين والخمسين كانت موسوعة استثنائية في مجالات المعرفة العلمية والأدبية والفنية في عصرهم، فان المؤرخين أختلفوا في تحديد مذهبهم وهويتهم.

وعلى غرار المعتزلة والقرامطة الذين هدفوا الى التغيير في محتوى وطرائق التفكير، فان الجديد الذي جاء به (أخوان الصفا) انهم استوعبوا الفلسفات اليونانية والفارسية والهندية وعملوا العقل فيها لينتجوا منها فلسفة اسلامية هدفت الى التقريب بين الأديان والفلسفة.

و يذكر المؤرخون بأن أساس مذهبهم هو "أن الشريعة الإسلامية تدنست بالجهالات واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة؛ لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية، وأنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة المحمدية فقد حصل الكمال».

والأهم والأخطر انهم اعلنوا ان الأسلام كدين لا يتعارض مع الفلسفة كفكر، وان المتدينين الذين يزدرون الفلسفة يعانون من تخلف فكري.. ولهذا كانوا أشبه بحزب شيوعي في بلد عربي بزماننا، لأنهم اضطروا الى أن يشكلوا خلايا سرية في اجتماعاتهم الفكرية، وأنهم ما كانوا يقبلون انضمام احد لهم الا بشروط تشبه شروط من ينتمي لحزب سرّي في نظام طاغية دكتاتوري.

والمدهش انهم عملوا العقل في التفكير بكل شيء، من الدين الى الفلك، الرياضيات، الموسيقى، الى مبادئ الموجودات وأصول الكائنات ووجه الأرض وتغيراته، والنجوم وكيف تكونت، الى الحاس والمحسوس، والعلة والمعلول، والعقل والمعقول، والمنطق وفروعه، واختلاف الأخلاق، والبعث والنشور.. وأن العالم انسان كبير والأنسان عالم صغير (نظرية عالم الأجتماع هربرت سبنسر)، و بحث مستفيض من قبيل نظرية النشوء والارتقاء، واجناس الحركات والعلل والمعلولات، وماهية العشق والحب واخرى في العلوم الطبيعية والرياضية والفلسفية والروحية.. كانت لهم فيها افكار ورؤى جديدة تختلف مع ما كان قد اشاعه الدين. ولهذا اختلف علماء الأسلام التقليديون في الموقف منهم، فمنهم من اعتبرهم من اتباع المعتزلة، فيما قال آخرون انهم يتبعون المدرسة الباطنية، وينحدرون من الفكر الأسماعيلي. واتهمهم علماء مسلمون بالهرطقة والإلحاد، و ذهب آخرون الى وصفهم بأنهم زنادقة، فيما يرى مؤرخون أن رساءلهم الأثنتين والخمسين دونوها بعد البحث الدقيق والنظر الطويل، وانه لم يصل أهل هذا الزمان إلى أحسن منها، ويستشهدون بانها ترجمت وطبعت في (ليبزج) سنة ١٨٨٣م وفي (بومباي) سنة ١٨٨٦م، وفي مصر سنة ١٨٨٩م. ونقلت إلى الهندستانية وطبعت في لندن سنة ١٨٦١م،

وانها دخلت بلاد الأندلس على يد أبي الحكم عمرو بن عبد الرحمن الكرماني القرطبي، وهوعالم من أهل قرطبة رحل إلى المشرق للتبحر في العلم، فلما عاد إلى بلاده حمل معه الرسائل المذكورة، فأدخلها إلى الأندلس وانتشرت هناك حتى تناولها أصحاب العقول البحاثة وأخذوا في درسها وتدبرها.

وهناك من يصف جماعة اخوان الصفا بالخبيثة، مستشهدا بأن من خبائثها.. روايات "الف ليلة وليلة" الشهيرة، التي تتحدث بمعظمها عن السحر وتسخير الجن لخدمة الانسان وما شابه.. وانها ماسونية لأن شركة والت ديزني الماسونية انتجت عدة افلام ومسلسلات من هذه الروايات وخاصة علاء الدين والجني الازرق وبساطه الطائر وسندباد!. فيما وصفهم آخرون بانهم جمعية سرية تتسم بعقائد فلسفية باطنية أسسها الشيطان لتنفيذ أخبث مشروع في تاريخ الرسالات الالهية هو تنفير الناس عن الدين الأسلامي، ومحاربة شرع الله ونصب مكائد للمسلمين وتفريقهم. وهناك من اشاع النقمة على الخليفة العباسي (المأمون) لأنه برأيهم كان السبب في نقل الفلسفة الى اللغة العربية، وذّمه ابن تيمية بقوله: " ما أظن الله يغفل عن المأمون ولا بد ان يعاقبه بما أدخله على هذه الأمة".. ما يعني أن الفلسفة من وجهة نظرهم هي ضد الدين!

وجاء في ترجمة دائرة المعارف الاسلامية أن اخوان الصفا جماعة ظهرت في البصرة سنة 373 هحرية وصفتها بأنها سياسية دينية ذات نزعات شيعية متطرفة وربما كانت إسماعيلية على وجه أصح، ولسنا نعرف شيئا عن نشاطهم السياسي، اما جهودهم في التهذيب الفطري فقد أنتجت سلسلة من الرسائل رتبت ترتيبا جامعا لشتات العلوم تمشيا مع الاغراض التي قامت من أجلها الجماعة، وكانوا يميلون إلى التعبير عما يجول في نفوسهم بأسلوب غير صريح، اذ وصفهم فقهاء بأن بعض كلمات اخوان الصفا يدل على تشيعهم، وبعضها يؤذن بتسننهم، وبعضها يقتضي كفرهم، وبعضها يورث اسلامهم.

وقد اهتمَّ «إخوان الصفا وخلاّن الوفا » بالفلسفات اليونانية والفارسية والهندية، و، وتعديلها على ما يقتضيه الإسلام. في شرْحِهم لنظرية الخَلْق. وكانوا يهدفون إلى التقريبِ بين الأديان والفلسفة، ومحْوِ فكرةِ ازدراءِ الفلسفة لدى المُتديِّنين، وبيانِ أنَّ الإسلام والفلسفة اليونانية بالتحديدلا يتعارضان.

ولهذا السبب كانوا يكتبون في الخفاء، ويتجمَّعون بشكلٍ أَشْبه بالخلايا السياسية السِّرية في العصر الحديث. كما اهتمَّ «إخوان الصفا» بجميع الأديان السماوية، وعلوم الفلك، والرياضيات والموسيقى والمعادن والنبات والحيوان.

في خلافِهم حول تصنيف «إخوان الصفا»، ذهَبَ بعضُ علماء المسلمين إلى اتهامهم بالهرطقة والإلحاد، ووصفوا فكرهم بالزندقة والفساد، بينما ذهَبَ آخَرون إلى اعتبارهم من أتباع المعتزلة، وقال آخَرون إنهم يتبعون المدرسةَ الباطنية. وقيل إنهم كانوا يتبعون أسلوبَ التَّقِيَّة في إخفاء هُويَّتهم، كما قيل إنَّ ابن المقفع كان واحدًا منهم.

نماذج مما كتبوا

لنبتعد عن الذين وصفوا كتاباتهم بالغامضة، ونورد لك نماذج مما كتبوا في العشق والأخلاق:

(إن كثيرًا من الناس يظنون أن العشق لا يكون إلا للأشياء الحسنة حسب، وليس الأمر كما ظنوا؛ فقد قيل: «يا رب مستحسن ما ليس بالحسن.» ولكن العلة في ذلك هي الاتفاقات التي بين العاشق والمعشوق وهي كثيرة، منها المناسبات بين كل حاسة ومحسوساتها.

ثم اعلم أنه من ابتلي بعشق شخص من الأشخاص، ومرت به تلك المحن والأهوال وعرضت له تلك الأحوال، ثم لم تنتبه نفسه من نوم غفلتها فيتسلى ويفيق، أو نسي وابتلي من بعد بعشق ثان لشخص آخر؛ فإن نفسه نفس غريقة في عمائها سكرى في جهالتها.

والفرق بين الخاص والعامة، أن العامة إذا رأت مصنوعًا حسنًا أو شخصًا مزينًا تشوقت نفوسهم إلى النظر إليه والقرب منه والتأمل فيه، وأما الخواص فتتشوق نفوسهم إلى الصانع الحكيم والمبدع العليم والمصور الرحيم).

وفي الصداقة.. كتبوا ما يعد سابقة في علم النفس بقولهم:

(واعلم بأن من الناس من هو مطبوع على خلق واحد أو عدة من أخلاق محمودة ومذمومة، فينبغي لك إذا أردت أن تتخذ صديقًا أو أخًا أن تنتقده كما تنتقد الدراهم والدنانير والأرضين الطيبة التربة للزرع والغرس. واعلم بأن من الناس من يتشكل بشكل الصديق ويتدلس عليك بشبه الموافق، ويظهر لك المحبة وخلافها في صدره وضميره. واعلم بأن الإنسان كثير التلون قليل الثبات على حال واحد، وذلك أنه قل من الناس من تحدث له حال من أحوال الدنيا أو أمر من أمورها إلا ويحدث له خلق جديد وسجية أخرى، ويتغير خلقه مع إخوانه ويتلون مع أصدقائه، إلا إخوان الصفا الذين ليست صداقتهم خارجة من ذاتهم إنما هي قرابة رحم، ورحمهم ما من يعيش بعضهم ببعض ويرث بعضهم بعضًا، وذلك أنهم يرون ويعتقدون أنهم نفس واحدة في أجساد متفرقة، فكيفما تغيرت حال الأجساد بحقيقتها فالنفس لا تتغير ولا تتبدل).

ومن جميل ما قالوا.. ينطبق على واقعنا الآن: (واعلم أن في الناموس أقوامًا يتشبهون بأهل العلم ويدلسون بأهل الدين: لا الفلسفة يعرفونها، ولا الشريعة يحققونها، ويدعون مع هذا معرفة حقائق الأشياء، ويتعاطون النظر في خفيات الأمور الغامضة البعيدة، وهم لا يعرفون أنفسهم التي هي أقرب الأشياء إليهم، ولا يميزون الأمور الجلية ولا يتفكرون في الموجودات الظاهرة المدركة بالحواس المشهورة في العقول، ثم ينظرون في الظفرة والقلقة والجزء الذي لا يتجزأ، فاحذرهم يا أخي فإنهم الدجالون).

وتشمل النظر في مبادئ الموجودات وأصول الكائنات إلى نضد العالم فالهيولى والصورة وماهية الطبيعة والأرض والسماء ووجه الأرض وتغيراته، والكون والفساد والآثار العلوية والسماء والعالم وعلم النجوم وتكوين المعادن، وعلم النبات وأوصاف الحيوان ومسقط النطفة وكيفية رباط الناس بها، وتركيب الجسد والحاس والمحسوس والعقل والمعقول والصناعات العلمية والعملية، والعدد وخواصه والهندسة والموسيقى والمنطق وفروعه واختلاف الأخلاق وطبيعة العدد، وأن العالم إنسان كبير والإنسان عالم صغير (وهذه هي نظرية «هربرت سبنسر» في علم الاجتماع) والأكوار والأدوار وماهية العشق والبعث والنشور وأجناس الحركات والعلل والمعلولات والحدود والرسوم، وبالجملة فقد ضمنوها كل علم طبيعي أو رياضي أو فلسفي أو إلهي عقلي، توزعت على أربعة أقسام:

أربع عشرة رسالة رياضية تعليمية.

سبع عشرة رسالة جسمانية طبيعية.

عشر رسائل نفسانية عقلية.

و إحدى عشرة رسالة ناموسية آلهية.

ويتفق المؤرخون على أن أصحابها دونوها بعد البحث الدقيق والنظر الطويل، وفي جملة ذلك آراء لم يصل أهل هذا الزمان إلى أحسن منها، وفيها بحث مستفيض من قبيل نظرية النشوء والارتقاء.

الحقيقة الخفية

ما استعرضناه في هذه السلسلة التي تناولت (المعتزلة والقرامطة وأخوان الصفا) يوصلنا الى حقيقة خفية صادمة هي ان العقل الديني عبر تاريخ الأسلام حصر التفكير ضمن حدود الدين، واعتبر الفلسفة عدوة للدين وخطرة لأنها تحفز العقل على التفكير بما يدعو الى التغيير فيما الدين يعمد الى خلق مرجعيات تفكر بدلا عنه فتلغي بذلك عقله. وبسبب ذلك أصيب العقل العربي بالدوغماتية التي تعدّ من وجهة نظر علماء النفس والاجتماع السبب الرئيس للخلافات السياسية التي غالبا ما تنتهي بحروب، و(مرض) خالقي الازمات من القادة السياسيين، لأن الدوغماتيين يرفضون الافكار الجديدة مهما كانت قوة الادلة التي تسندها ويتشبثون بمعتقداتهم القديمة حتى ان ثبت خطؤها.. وهذا هو سبب تأخر بلدان العالم العربي مع ان بينها (مصر والعراق) كانوا اهل حضارات متعددة. والعلة في ذلك أن العقل السياسي في الأنظمة العربية وظّف الدين عبر تاريخ الأسلام لترويض وتخدير العقل الجمعي لبقاء الحاكم في السلطة حتى لو كان على شاكلة الخليفة الأموي الفاسق يزيد او نظيره الخليفة العباسي المعتمد على الله.. او على غرار حكّام أحزاب الأسلام السياسي في العالم العربي، الذين حكموا باسم الدين وأثبتت وقائع وأحداث الألفينات انهم افشل وافسد واقبح من عرفهم التاريخ!.

وتبقى المفارقة الأخيرة، هي ان الثلاثة: (المعتزلة والقرامطة وأخوان الصفا).. نشأت جميعها في البصرة، ووصلت أفكارها الى الكثير من بلدان العالم.. بلغاتهم!

***

ا. د. قاسم حسين صالح

 

الإعلام والتربية جناحا طائر لا تحلّق أمّة من الأمم إلّا بهما

"بفضل القوة الهائلة للتكنولوجيا الرقمية سقطت الحواجز الصمّاء التي كانت تفصل بين البشر، كالبعد الجغرافي واختلاف اللغات والافتقار المزمن للمعلومات، وتحررت القدرات الإبداعية الكامنة لبني البشر على شكل موجة هادرة جديدة تزداد قوّة من دون انقطاع. وأصبحت هذه القدرات الضخمة تحت تصرف كل البشر، وباتوا قادرين على تحريرها بلمسات أصابعهم "

تشارلز كيترينج

***

1- مقدّمة:

يكاد يكون هناك إجماع بين المفكّرين والباحثين على أنّ الإعلام بلغ ذروته في مجال التّحكّم والهيمنة على مختلف مظاهر الوجود الاجتماعيّ والثقافيّ للبشر في الحياة الإنسانيّة المعاصرة. لقد أصبحت وسائل الإعلام منظومة من الأدوات الّتي يتحقّق بها وجود الناس في أدقّ تفاصيل حياتهم وممارساتهم اليوميّة، إذ لا يمكن اليوم أن نتصوّر استقامة الحياة من غير وسائل الإعلام الإلكترونيّة الّتي نعتمد عليها في تواصلنا وتفاعلنا مع مختلف أوجه الوجود. ومن الواضح أيضاً أنّ هذه الوسائل تفرض نفسها بقوّة، فلا يستطيع الإنسان أن يعيش فصلاً واحداً من فصول حياته دون الاعتماد على وسائل الإعلام، بدءاً من المنزل ومروراً بالشارع ووصولاً إلى مكان العمل. ويمكن أن نسرد عدداً هائلاً من البرامج والوسائل الاتّصالية الّتي يستخدمها الفرد في حياته اليوميّة مثل: جهاز تحديد الاتّجاهات (GPS)، برامج المعلومات عن الطقس، الحسابات والعمليّات البنكيّة، شراء البطاقات، كلّ أشكال التسوّق، ومنها أيضا استخدام البرامج المكتبيّة، في المجالات كلّها من ألف الوجود العلميّ والوظيفيّ إلى يائه. ويمتدّ هذا ليشمل عدداً كبيراً من القضايا والحاجات مثل: استخدام مختلف وسائل التواصل الاجتماعيّ، الشّراء في الأسواق، واستخدام الأجهزة الإلكترونيّة في المطاعم والبارات والصالات. وهذا غيض من فيض الحضور الإعلاميّ في مجال الحياة. ومع هذه الصورة يبدو أنّ الفرد الّذي لا يتمكّن من استخدام هذه الوسائل وتوظيفها سيفقد القدرة الوظيفيّة على الحياة في العصر الحديث، وقد يكون قاصراً عن التكيّف، بل قد يحتاج إلى إعادة تأهيل ثقافيّ إعلاميّ لفترات زمنيّة تقصر أو تطول. فالميديا أصبحت أشبه بالأوكسجين الّذي يمنحنا القدرة على الاستمرار في الحياة([1]).

ومن البداهة بمكان القول إنّ التكنولوجيا الرقميّة أصبحت ضروريّة لأنّها تمكّننا من جعل الأشياء سهلة وممكنة بأقصى درجة من السرعة والفعاليّة. وهي تختصر الوقت وتكسر إرادة الزمان وتحتوي المكان، كي تجعل حياتنا أكثر جمالاً ومتعة واستقراراً وسهولة، وهي فوق ذلك كلّه تصنع ما كان يعتقد أنّه من ضروب المستحيل.

ومع أهمّيّة ما حقّقته وسائل الإعلام والاتّصال الرقميّة من تقدّم، أطلق عليه اسم الثورة التكنولوجيّة تارة وثورة المعلومات طوراً وثورة الميديا والرقميّة طوراً آخر، فإنّ هذه الميديا ما زالت تسحقنا بنوع من الثورة المتمرّدة المستمرّة في إحداث المعجزات الرقميّة والإلكترونيّة. لقد شهدت الإنسانيّة تطوّراً إعلاميّاً بدأ مع الكتاب والصحافة مروراً بالراديو والتلفزيون والحاسوب ثمّ الإنترنت فالثورة الرقميّة الّتي فرضت نفسها في مختلف وجوه الحياة في بداية القرن الحادي والعشرين.

ومن المذهل أنّ الثورة الرقميّة، بما تنطوي عليه من إمكانات الإبداع والنشر والتواصل الإلكترونيّ، فتحت الباب على مصراعيه لابتكار برمجيّات رقميّة هائلة ومتجدّدة في مختلف مجالات الحياة. فالأجواء الّتي فرضتها الهواتف الذكيّة المتنقّلة الّتي تسمح بالتواصل والتفاعل الحرّ مع الإنترنت في أيّ لحظة وفي أيّ مكان، عملت على تسريع الهيمنة الإعلاميّة في مختلف مجالات الحياة. ومن ثمّ، فإنّ هذا التطوّر الجديد والمستمرّ أدّى إلى حدوث انقلابات وتحوّلات هائلة في الحياة الإنسانيّة في مختلف المستويات الثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. وأدّى هذا كلّه إلى ثورة موازية في العقليّات والذهنيّات والفلسفات الإنسانيّة. وأصبح من المعروف اليوم أنّ الهواتف الذكيّة تملك تطبيقات لانهائيّة تفوق حدود التصوّر في شتّى مناحي الحياة والوجود: في مجالات المطاعم والسياحة والسفر والمصارف والوظائف والسفر، ويشمل ذلك كلّ ما يخطر على البال من حاجات ورغبات وتطلّعات إنسانيّة معاصرة، كما يشمل ذلك ميدان العلوم والمعرفة، ولاسيّما تعلّم اللغات الأجنبيّة واستخدامها في عمليّات التواصل ضمن برامج فائقة الذكاء.

ومع أهمّيّة ما تقدّمه وسائل الإعلام الرقميّة من فوائد وفضائل وإمكانات تُغني الحياة وتُيسّرها وتُثمر فيها، فإنّ الأمر لا يخلو من السلبيات الضخمة التي تمثّل نمطا جديدا من التحديات المصيرية في المجتمعات المعاصرة في مختلف أوجه الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. وقد فرضت هذه التحدّيات الإعلاميّة مطالب ثقافيّة وحضاريّة جديدة تتمثّل في ضرورة توفير الكفاءة الإعلاميّة والوعي الإعلامي النقدي للمواطنين والأفراد في المجتمع، ولا ريب أن توفير الوعي النقدي بمخاطر الثورة الرقمية الإعلامية يشكل اليوم أحد أهمّ متطلّبات الحياة في القرن الحادي والعشرين. وهو ما يعني أنّ المجتمع الّذي يفتقر إلى الوعي الإعلامي النقدي المتقدم- بما ينطوي عليه هذا الوعي من خبرات ومهارات متقدمة في مجال الوظائف المعلنة والخفيّة للإعلام - سيكون حتما مجتمعاً منفتحاً على المخاطر الّتي تهدّد وجوده وكيانه، وبناء عليه فإنّ بناء الوعي الإعلاميّ النقدي المتقدم للفرد والمجتمع يشكّل صمام الأمان للحياة الثقافية وللتطوّر الاقتصاديّ والثقافيّ في المجتمع الحديث.

وتأسيساً على هذه الرؤية ندرك أن تطوّر وسائل الإعلام الحديثة والثورة الرقميّة المستمرّة يطرح تحدّيات كبيرة أمام الأنظمة التعليميّة في مختلف البلدان والقارّات. ومن المؤكّد أنّ الأطفال عندما يدخلون المدرسة للمرّة الأولى تكون لديهم بعض الخبرات والمعارف حول الميديا ووسائل الإعلام. ومع أهمّيّة ما يوجد لديهم فهم غالباً ما يواجهون بعض الصعوبات في التعامل مع الميديا، وهذه الصعوبات الّتي تشغلهم تتجلّى في صورة تساؤلات مقلقة وملحّة. وهنا تبرز أهمّيّة معالجة هذه الصعوبات ومقاربة هذه التساؤلات من أجل خفض مستويات التوتّر وتحقيق التوازن النفسيّ والمعرفيّ عند الأطفال من أجل سلامة نموّهم الشخصيّ.

بعد قضاء يوم مدرسيّ حافل يتواصل الطلبة في المنزل مع مختلف وسائل الإعلام لاستكشاف الموضوعات الّتي تطرح في الفصول والقاعات. ويعزّز مثل هذا الاستجواب المعرفيّ لتلك الوسائل مسيرة التعلّم والتدريب لدى الطلبة قبل عودتهم ثانية إلى المدرسة. ومن أجل مجاراة هذه الفعاليّة المعرفيّة الّتي يفرضها التواصل الإعلاميّ بصورة مستمرّة وجب على المدرسة أن تحقّق في ذاتها تحوّلات جذريّة في مناهجها ووسائل عملها ودور المعلّمين فيها، تحت تأثير الحضور الطّاغي لوسائل الإعلام في مختلف جوانب الحياة التربويّة. ولا ريب أن هذا التطوّر الجديد في علاقة الأطفال بوسائل الإعلام أحدث تغييراً عميقاً في دور المدرسة ووظيفتها ومنهجها وموقعها الاجتماعيّ.

وفي ضوء ما تقدّم، يبدو اليوم أنّه لا يمكن الفصل بين وسائل الإعلام الرقميّ الجديد ومكوّنات العمليّة التربويّة الّتي أصبحت برمّتها خاضعة لرهان الثورة الرقميّة، فقد أصبح الارتباط بين هذين الطرفين ضرورة حيويّة يفرضها منطلق التطوّر في العصر الرقميّ الّذي نعيش فيه. وهذا التواصل يفرض على المدرسة أن تعيد النظر في منهجيّات عملها وأن تُجريَ ثورة في قدرتها على استجواب فضاءات وسائل الإعلام فهماً ودراسةً ودرايةً، وذلك من أجل توظيفها بصورة أفضل في العمليّة التربويّة والاستفادة من مختلف المزايا المعرفيّة والعلميّة الّتي تختصّ بها على نحو متبصّر وحكيم. ولا ريب أن التربية الإعلامية تشكل المنهج الحضاري التي يمكن اعتماده في هذا الاستجواب النقدي لوظائف الثورة الرقمية في زمن الإعلام والاتصال الجديد، ومن غير شك فإن التّربية الإعلاميّة النقدية تشكل اليوم طاقة معرفيّة ومنهجاً تربويّاً متخصّصاً في تمكين الأطفال من الوعي النقديّ بوسائل الإعلام والسيطرة على عمليّة التفاعل معها بما يخدم عمليّة نموّ الطفولة وبناء الإنسانيّة في الإنسان.

2- الفضاء الافتراضيّ:

اتّسمت العلاقة بين التربية والإعلام تاريخيّاً بطابعها الإشكاليّ، فلطالما كانت وسائل الإعلام موضوعاً يثير الفوضى والضجيج والصخب، ويطلق كثيراً من المخاوف الاجتماعيّة والقلق. وينبئنا تاريخ وسائل الإعلام بأنّ كلّ ما يَظهر من الصخب والتوتّر والخوف والقلق الاجتماعيّ هو متلازم مع كلّ ظهور جديد لأيّ وسيلة إعلاميّة جديدة. وكانت البداية مع ظهور الصحافة ثمّ الراديو والتلفزيون وصولاً إلى الحاسوب والإنترنت والثورة الرقميّة. فكلّ إبداع جديد في مجال وسائل الإعلام كان يواجه موجة صادمة من الشكوك والرفض والانتقادات الّتي تقوم على أساس التأثير المتوقّع والمفترض لهذه الوسائل في عقول الأطفال والناشئة والشباب.

واليوم أصبحت وسائل الإعلام في تضافرها وتنوّعها وفي مختلف إبداعاتها فضاء يحتضن وجودنا الإنسانيّ، وغدت ضرورة حيويّة في مختلف أوجه التفاعل الإنسانيّ في شتّى المستويات الثقافيّة والعلميّة والمعرفيّة. وفي معترك هذا الحضور المكثّف والفاعل لوسائل الإعلام في حياة الأطفال والناشئة بدأت التربية الإعلاميّة تفرض نفسها متطلّباً وجوديّاً وجوهريّاً في مختلف جوانب الحياة التربويّة والاجتماعيّة. إذ لا بدّ لهذا الجموح الكبير في الثورات الرقميّة من أن يلجم عمليّاً عبر حالة من الوعي الّتي تشكّل ضرورة تربويّة لتمكين الأطفال والناشئة من مواجهة هذا "التسونامي" الإعلاميّ الرقميّ الهائل. وفي هذه الأجواء المتغيّرة للإعلام الجديد وتحدّياته المتنامية تأخذ التربية الإعلاميّة وظيفتها في تنظيم علاقة الأطفال به، إذ يجب عليها أن تعمل على تعزيز قدرتهم على التعامل مع المعطيات الجديدة فهماً واستيعاباً وممارسة، كما يجب عليها أن تؤهّلهم للمبادرة الإعلاميّة بصورة ذاتيّة حرّة تمكّنهم من الشعور بالاستقلال والمسؤوليّة بعيداً عن إملاءات الكبار وأوامرهم ونواهيهم.

فالتربية الإعلاميّة، كما يجب أن تكون، تقوم بتنمية روح الاستقلال وتأصيل القدرة النقديّة لدى الأطفال، وتعمل على تنمية مواهبهم ومشاعرهم وإمكاناتهم المعرفيّة ليكونوا قادرين على أداء أدوارهم بصورة إبداعيّة ونقديّة في مواجهة العالم الافتراضيّ الّذي يحتضنهم. وهي في سياق هذا الدور التربويّ تعمل جوهريّاً وبصورة طبيعيّة على بناء مواطنين أحرار قادرين على الفعل والممارسة الحرّة للوعي، في زمن تتغوّل فيه التكنولوجيا الإعلاميّة الرقميّة ويفرض العالم الافتراضيّ نفسه كإطار عامّ للوجود والحياة الإنسانيّة.

فنحن اليوم نعيش في فضاء رقميّ يتطلّب مهارات اتّصالية غير مسبوقة في التاريخ الإنسانيّ، إذ ينبغي على الأطفال والأفراد أيضاً الاندماج في تواصل افتراضيّ مع مختلف مظاهر الوجود والحياة الاجتماعيّة. ويتطلّب هذا الواقع الافتراضيّ تنمية القدرات والمهارات والكفاءات والخبرات والمعارف الّتي تمكّن الإنسان المعاصر من الاستمرار في الوجود والتّلاؤم مع معطيات التجديد وامتلاك القدرة على تنمية ذكائه وقدراته العقليّة النقديّة في عالم يتفتّق فيه الذكاء الرقميّ وتتفتّح معه العبقريّات الافتراضيّة لتتجلّى في صورة إبداعات تكنولوجيّة رقميّة ذكيّة قد تفوق الخيال الإنسانيّ المتقدّم في قدرته الإعجازيّة على توليد المعاني وتوليف الدلالات وإبداع الصور. إنّه ذكاء سيبرانيّ يفوق حدود التصوّر ويُلزم الفرد بأن يعمل بصورة مستمرّة على تنمية ذكائه لاستيعاب هذا الانفجار الرقميّ وتقبّل التكنولوجيا الذكيّة وتنظيم الحياة اليوميّة، من خلال الوعي بكلّ الاحتمالات الناجمة عن هذا التواصل في العالم الافتراضيّ.

فالإنسان المعاصر يعيش في فضاء إعلاميّ تنتظم فيه العلاقات الإنسانيّة ضمن شبكات إعلاميّة رقميّة واسعة تؤثّر في مختلف مظاهر الحياة الإنسانيّة، وتتيح للفرد المعاصر أن يعرف بلمح البصر كلّ ما يدور في هذا العالم من أخبار وأحداث ونزاعات وحروب في المستوى الاجتماعيّ والسياسيّ. والناس يعيشون اليوم في هذا العالم الافتراضيّ الّذي يتجلّى في مختلف أشكال وسائل الإعلام عبر عمليّات التفاعل المذهل مع الوسائط الرقميّة الحديثة في مجال الصورة والكلمة والطيف واللون والمؤثّرات الأخرى. ويشكّل هذا الفضاء المتزامن بأبعاده الثلاثيّة المادّيّة والإعلاميّة والافتراضيّة منصّة فعليّة لحياتنا اليوميّة، في مجال التربية والعمل والسياسة والثقافة كما في مجال العلاقات الاجتماعيّة الّتي ينتظم فيها الناس والأفراد. وفي هذا الفضاء الرقميّ الثلاثيّ المركّب المعقّد يجب علينا أن نعِيَ متطلّبات الوجود وأن نكون قادرين على توجيه أنفسنا والتكيّف بطريقة اجتماعيّة مفعمة بإحساس الحرّيّة والمسؤوليّة. ومن المؤكّد اليوم أنّ هذا التكيّف يتطلّب إحداث ثورة تربويّة إعلاميّة لمواجهة أبعاد الثورة الرقميّة ومعطياتها المعرفيّة في مختلف المؤسّسات التربويّة والاجتماعيّة القائمة.

3- في ماهيّة التربية الإعلاميّة:

تُعرّف التربية الإعلاميّة بأنها "القدرة على تمكين الأفراد من التواصل مع وسائل الإعلام وفهم مضامينها المختلفة وتقييمها على نحو نقديّ. ويشمل هذا التمكّن فهم واستيعاب مختلف مكوّنات الفضاء الإعلاميّ في مختلف تجلّياته المتمثّلة في التلفزيون والسينما والراديو والفيديو والمواقع الإلكترونيّة والإعلام المطبوع وألعاب الفيديو ومختلف جوانب البيئة الافتراضيّة الرقميّة، كما يشمل مختلف المضامين المعلوماتيّة الّتي تمثّل في النصوص والصور والصوت والرسائل الّتي تشكّل جانباً مهمّاً من جوانب الحياة الثقافيّة الإنسانيّة المعاصرة"([2]). ويمكننا تعريفها أيضاً بأنّها عمليّة تربويّة تهدف إلى تمكين الناشئة من التواصل العقلانيّ مع مختلف وسائل الإعلام، وتعزز قدرتهم على فهم الرسالة الإعلاميّة ووعي أبعادها، وتمكينهم من القدرة على تحليل مضامينها واستكشاف خفاياها على نحو نقديّ استبصاري بروح نقديّة. وبصيغة أخرى تعمل التربية الإعلامية على توليد حالة من التواصل النقديّ بين الناشئة ومختلف المضامين الإعلاميّة في مختلف وسائل الإعلام وإخضاعها للفحص النقديّ في مختلف الوضعيّات وتعاقب الحالات. وهي -وفقا لهذه الصورة – ليست مجرّد عمليّة تواصل مع وسائل الإعلام، بل سعي حثيث إلى تشكيل الوعي الاجتماعيّ النقديّ العامّ بدرجة كبيرة إزاء تلك الوسائل ومضامينها الثقافيّة الإعلاميّة المتاحة، مثل: الأفلام والنصوص والمواقع الإلكترونيّة والصور والفيديوهات وكلّ ما تتيحه الشبكة العنكبوتيّة من برمجيّات وأخبار وبروباغاندا (دعاية)([3]).

ويمكن القول إنّ التربية الإعلاميّة تأخذ صورة تربية نقديّة للمضامين الإعلاميّة من أيّ نوع كانت (مكتوبة، مقروءة، مصوّرة، متلفزة... إلخ)، وهي تهدف بصورة جوهريّة إلى تشكيل الوعي بالوظائف الأساسيّة لوسائل الإعلام بما تنطوي عليه هذه الوسائل من مضامين ودلالات، وذلك ضمن السياق الّذي تشكّلت فيه([4]). وفي نهاية المطاف يجب علينا أن نعلم بأنّ التربية الإعلاميّة تمارس دورها في التأهيل التربويّ النقديّ للمتعلمين الذي يمكّنهم من تطوير ذكائهم وتنمية حسّهم النقديّ وعقلنة تواصلهم اليوميّ المستمرّ مع وسائل الإعلام.

ومن المهم في هذا السياق أن نلاحظ أنّ مفهوم التربية الإعلاميّة يحمل تعقيداً في ثناياه وطبقات استخدامه، إذ يستخدم في آن واحد للدلالة على أمور متباينة ومختلفة. وهو ما يجعل من عمليّة تعريف التربية الإعلامية نفسها أمراً يتّصف بالصعوبة والتعقيد. ومع ذلك يمكن تحديدها مرة أخرى -كما ذكرنا آنفا – بأنها نوع من التأهيل التربويّ الّذي يوظّف في تشكيل الوعي التربويّ النقديّ لدى الأطفال والناشئة، ليمكّنهم من امتلاك مختلف المهارات الذكيّة في التعامل مع وسائل الإعلام، ومع مختلف البرامج والتطبيقات الهائلة الّتي نجدها في مختلف الوسائط الإلكترونيّة الذكيّة الّتي تتطلّب مهارات عالية المستوى في مستويات استخدامها وتوظيفها تربويّاً واجتماعيّاً. ومثل هذا التأهيل يفرض نفسه حتّى في أبسط الأشياء الّتي تقتضيها المهن، مثل معرفة التصوير وتغيير صوت الفيديو، وتأسيس موقع على الإنترنت أو تأسيس صفحة لشركة من الشركات، أو معرفة أصول اللعب على الإنترنت. وعلى مستوى الـتأهيل والإعداد، فإنّ التربية الإعلاميّة تواجه تحدّياً كبيراً في تحقيق نوع من التأهيل المستمرّ للأفراد والمتعلّمين في مختلف جوانب العمل الاجتماعيّ والمهنيّ، فالتطبيقات الهائلة الّتي تَطلّ علينا كلّ يوم بالجديد والمذهل تحتاج إلى مواكبة مستمرّة من قبل التربية الإعلاميّة، وهو ما يشكّل بذاته تحدّياً يفوق حدود الوصف. ففي كلّ يوم تولد عشرات التطبيقات الرقميّة في مختلف الميادين، وهذا يحتاج إلى طاقة تربويّة هائلة للإحاطة بكلّ المعرفة المطلوبة لتأهيل الشباب والناشئة على توظيفها واستخدامها.

4- ملامح ثوريّة في المفهوم:

يتضمّن مفهوم التربية الإعلاميّة نبتاً ثوريّاً في مختلف تجلّياته، إذ يقوم على تأصيل الروح النقديّة في نفوس الأطفال وعقول الشباب. ويتعارض هذا التأصيل النقديّ كلّيّاً مع المنظومات التربويّة القائمة على التلقين والطاعة والقبول وتغييب النقد. ومن جهة أخرى تنشد التربية الإعلاميّة توليد حالة الاستقلال في الفرد والحرّيّة في اتّخاذ القرارات بل تتطلّب مجموعة من الخصائص الثوريّة، مثل: الحرّيّة والنقد والاستقلال والقيمة الأخلاقيّة والمستقبل والوعي الموضوعيّ. وكلّ هذه الخصائص تشكّل ملامح ثورة حقيقيّة في مجال الحياة التربويّة التقليديّة الّتي ما زالت تقوم على الطاعة والانصياع وتقديس الماضي والانفصال عن الحياة والتلقين وتغييب المبادأة والمبادرة والإبداع في كثير من الأنظمة التربويّة القائمة في العالم المتخلّف. فالتربية التقليديّة هي عمليّة إنتاج وإعادة إنتاج ما هو قائم بصورته الجامدة الراكدة، وعلى خلاف ذلك فإنّ التربية الإعلاميّة تعني ثورة وتجديداً، وتقوم على استشراف المستقبل ونقد الحاضر والانطلاق في آفاق الإبداع والتجديد والابتكار، وامتلاك القدرات الهائلة على النقد والتفكيك والتحليل ما بعد المعرفيّ.

5- تربية من أجل المستقبل:

يقول آرثر كلارك في كتابه المعروف (لمحات عن المستقبل): "إنّ الأمر الوحيد الّذي نؤمن به حول المستقبل هو أنّه سيكون خياليّاً تماماً""([5]). ومن البداهة أنّنا نعيش اليوم في حقل وجودي تتعانق فيه الصورة مع الخيال، ثمّ يتّحدان بالإبداع الّذي يرسم المستقبل الّذي يشكّل نهضة الأمم وقوّتها، ويمثّل هذا التزاوج الخصب بين الصورة والمستقبل والإبداع سنداً متيناً تتمكّن به الأمم من كسر الجمود الساكن في التقاليد وهدم الأسوار التقليديّة والخروج إلى فضاء إنسانيّ أرحب([6]). وهنا تكمن التربية الإعلاميّة الّتي تربط بين ثلاثيّة التصوّر والإبداع للخروج من التقاليد إلى المستقبل. إنّها باختصار، أو بعبارة واحدة، تربية من أجل المستقبل وللمستقبل في أكثر مناحيه سموّاً وتعقيدا وإشكالا وتألّقاً.

وممّا أصبح اليوم سائغا القول بأنّ التربية الإعلاميّة تكرّس نفسها من أجل الإنسان وإنسانيته في المستقبل، كما بدا واضحا أن التربية الإعلامية الجديدة لا تقف عند حدود الوظيفة التقليديّة للتربية الّتي تقتصر على عمليّة توفير المعلومات وتأهيل الشباب مهنيا في مجال الإعلام فحسب، بل تعمل جوهريّاً على تطوير مهارات الاستقلال والقدرة الإبداعيّة لدى المتعلمين على حدّ سواء. فالإنسان، وفق هذه الرؤية، ليس مجرّد قوّة عمل فحسب، بل هو فوق ذلك كلّه قيمة إنسانيّة. ومن هنا يأتي التأكيد على أهمية التربية الإعلاميّة الجديدة ودورها في عمليّة النهوض بالجانب الإنسانيّ في الإنسان. ويتمثل دورها في إطلاق مهارات التفكير والتأمّل والنقد والتحليل لدى الناشئة بصورة عامّة، وفي العمل على تنمية الفضائل العقليّة والنقديّة لديهم، وهي الفضائل الّتي تمكّنهم من التّلاؤم مع عالم ممتلئ بتحدّيات الإبداع والتجدّد والصيرورة في عالم سمتُه التّغيّر والتّجديد. وهنا يجب على التربية الإعلاميّة أن تعمل بطاقة هائلة على تأهيل الناشئة وإكسابهم ما يُقدرهم على الاستمرار في عالم الإعلام الرهيب وفضاءاته الرحبة المترامية، وهو ما يقتضي بالضرورة أن تكون هذه التربية تربية مستقبليّة تقوم على سيناريوهات الإبداع والتجدّد والصيرورة ورسم الاحتمالات المستمرّة والتوقّعات المتفائلة في عالم متغيّر. وإذا كان المستقبل يأخذ صورة التغيّر والتجديد فإنّ واجبنا أن ننمّي في الناشئة حسّ المستقبل كإطار زمنيّ للتغيّر والتجديد والابتكار([7]).

6- الاستقلال الأخلاقيّ:

ولد مفهوم الاستقلال الأخلاقيّ (L’autonomie morale) في قلب عصر التنوير، وهو يشير إلى استقلاليّة الفرد في أن يحدّد مسار وجوده على نحو أخلاقيّ مستقلّ يجسد حقّ الإنسان في تقرير مصيره الأخلاقي الذاتيّ. ومنذ ذلك العهد وضمن السياق الديمقراطيّ الّذي عرفه الغرب وظّفت المدارس والمؤسّسات التعليميّة في عمليّة النهوض بالاستقلال الأخلاقيّ للأطفال. فالاستقلال الأخلاقيّ غالباً ما كان يشكّل مطلباً حيويّاً للأغلبيّة السياسيّة (الأحزاب الّتي تحكم). وبعبارة أخرى، فإنّ المدرسة وظّفت في عمليّة بناء القدرة على بناء الاستقلال في الرأي لدى الأطفال والدفاع عن القيم الأخلاقيّة في السياقات الثقافيّة والاجتماعيّة. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمّيّة الاستقلال الأخلاقيّ والحاجةُ إلى أن تترسّخ معانيه في عقليّة الناشئة والأطفال. ويعني هذا في نهاية الأمر تمكين الفرد من التأمّل النقديّ والاستقلال في إصدار الأحكام والتعبير عن الرأي بحرّيّة واتّخاذ المواقف الأخلاقيّة في عالم يضجّ بالأحداث ويموج بالمتغيّرات ويفيض بالمؤثّرات والقوى الاجتماعيّة الفاعلة.

وباختصار، يشكّل الجانب الأخلاقيّ أحد أهمّ جوانب التربية الإعلاميّة التي تسعى إلى تأكيد الاستقلال الأخلاقيّ عند الأطفال، ونعني بذلك التربية التي تمكّن الأطفال من التعبير عن القيم الأخلاقية بصورة حرّة ومستقلّة. فالأخلاق الّتي تكرّسها ليست أنموذج القيمة الأخلاقيّة التقليديّة الّتي تمجّد المنظومات القيميّة التقليديّة، بل تولّد في نفوس الأطفال والناشئة هذه القدرة على إصدار الأحكام الأخلاقيّة على نحو حرّ ومستقلّ. وهنا يكمن أحد جوانب القيمة الثوريّة في التربية الإعلاميّة. فالطفل هو الّذي يقرّر ما هو أخلاقيّ بصورة حرّة، وهو الّذي يرفض أو يقبل دون تدخّل الكبار وبعيداً عن سطوة التقاليد.

7- بناء الهويّة:

تشكّل التربية الإعلاميّة منطلقاً تربويّاً جوهريّاً في عمليّة بناء الهويّة لدى الكائن الإنسانيّ، وهي في إطار هذا الدور الإنسانيّ تساعد الأطفال على معرفة هويّتهم وقيمهم الّتي يهتدون بها. فوسائل الإعلام هي فضاء يمكّن الأطفال الّذين يعيشون فيه من بناء هويّتهم، إذ تتيح لهم استخدام الصور للذكرى والاستماع إلى مقاطع الفيديو وتغيير صورهم وتسجيل ذكرياتهم، وكلّ هذه الفعاليّات تقودهم إلى التساؤل عن هويّتهم: من أنا؟ وماذا أحبّ أن أكون؟ وكيف يجب أن أكون؟ ويصحّ هذا الأمر على تحليل مختلف القضايا الّتي تتعلّق بالهويّة والوجود الإنسانيّ. فالتربية الإعلاميّة تمنح الطفل تجربة مهمّة وثمينة يمكنها أن تساعده على تشكيل هويّته وشخصيّته. لذلك، فإنّه لمن الضرورة بمكان أن يمتلك الطفل وعياً بحاجاته وميوله من أجل استخدام وسائل الإعلام بطريقة مناسبة وهادفة.

8- في مواجهة الخطر:

إذا كانت وسائل الإعلام تتضمّن عدداً كبيراً من المزايا والسمات الإيجابيّة وتوفّر لنا فضاء من المتعة وتلبّي لنا جانبا كبيرا من الحاجات الأساسيّة في المجال المهنيّ وفي مجالات الحياة، فإنّها في الوقت نفسه تحمل في طيّاتها كثيراً من السلبيّات والمآسي والمخاطر. ويتمثّل أحد وجوه الخطر الإعلاميّ في الاستهلاك المفرط لوسائل الإعلام. فالمضامين الإشكاليّة والبرامج الخياليّة وأساليب التلاعب الإعلاميّ والتشتيت وسوء استخدام البيانات والوجود المخيف للخداع والاحتيال الإعلاميّين والانتشار المكثّف للمضايقات والتحرّش الجنسيّ والابتزاز عبر الإنترنت وسرقة البيانات والتشهير الإعلاميّ والسرقات الماليّة عبر الحسابات والمصارف وجرائم الإنترنت بصفة عامة، كلّها مضامين إعلاميّة تشكّل خطراً كبيراً على حياة الأطفال والكبار النفسيّة والأخلاقيّة والإنسانيّة.

وهنا يبرز دور التربية الإعلاميّة الّتي تسعى إلى حماية الجميع من الخطر الإعلاميّ المُحدِق بهم عبر النهوض بالوعي الإعلاميّ لدى الأطفال والناشئة جميعاً، إذ تقدّم تلك التربية الوسائل الممكنة الّتي يعتمد عليها في مواجهة هذه المواقف والوضعيّات والمضامين وتجنّبها في الوقت ذاته. فالتربية الإعلاميّة تؤهّل الأطفال والناشئة معرفيّاً وعلميّاً لمواجهة الاستهلاك الإعلاميّ المفرط والتّحصّن من المحتويات الإشكاليّة في الرسائل الإعلاميّة، وحماية الأطفال من التلاعب بالبيانات وسوء استخدامها، كما تتيح معرفة كلّ أشكال الخدع والاحتيال الإعلاميّين، والتّصدّي لخطر التحرّش عبر الإنترنت.

وضمن هذه المواجهة المعرفيّة لأخطار الإعلام تطرح التربية الإعلاميّة عدداً كبيراً من المشاريع والرؤى والتصوّرات وتبثّ نمطاً متقدّماً من الوعي، وذلك من أجل توليد مناعة إعلاميّة ضدّ مختلف السلبيّات والأخطار والتحدّيات الّتي يواجهها الناشئة عبر الإعلام. وهي في الأحوال كلّها تقلّص نسب الخطر المحتمل إلى أدنى مستوياته. وباختصار تعمل التربية الإعلاميّة على تزويد الطلبة والناشئة بالمعلومات الضروريّة، وتقدّم حلولاً موضوعيّة لمختلف المشكلات من أجل خفض مستوى الخطر إلى أقصى حد ممكن، كما أنّها تطلق نوعاً من الحوار الأخلاقيّ حول هذه الجوانب السلبيّة وحول الكيفيّات الّتي يجب على الأفراد التعامل بها مع وسائل الإعلام المتاحة، ولا سيّما الإنترنت والهواتف الذكيّة. وقد بيّنت الدراسات والأبحاث في المجال الإعلاميّ أنّ تطوير الكفاءات والخبرات والمعارف الإعلاميّة عند الأطفال يساعدهم كثيراً على السيطرة، وبنجاح يفوق التوقّع، على مختلف التحدّيات الّتي تفرضها وسائل الإعلام.

9- فضاء التربية الإعلاميّة:

تشمل التربية الإعلاميّة فضاء واسعاً ومتنوّعا من القضايا والمشكلات والموضوعات. وفي كلّ الأحوال إذا كنّا نريد حقّاً العمل على تأهيل الأطفال وإعدادهم بطريقة فعّالة لمواجهة التحدّيات الإعلاميّة فإنّ علينا أن نستعرض جوانب متعدّدة في هذا الفضاء الإعلاميّ.

تحاور التربية الإعلاميّة عالم وسائل الإعلام وتستجوبه وتسائله وتخوض في قضاياه، وتعمل في الوقت ذاته على رسم العلاقة القائمة بين الأطفال والإعلام. كما تؤدّي دورها النقديّ في تحديد مختلف أوجه الممارسة التربويّة إزاء الإعلام وتحدّياته، ضمن محاولة لتقديم الإجابات الوافية عن مختلف أشكال الإعلام وتطوّراته والقضايا الّتي يطرحها مثل: ما هي وسائل الإعلام الجديدة؟ ما وظيفتها؟ ما الفضائل الّتي تمتلكها؟ ما الأخطار الّتي تنطوي عليها؟ كيف نستطيع استخدامها بطريقة مثلى؟ ومن أجل الإجابة عن هذه الأسئلة، فإنّ التربية الإعلاميّة - ضمن ممارستها النقديّة - تؤهّل الأطفال والناشئة للتّحلّي بروح نقديّة حرّة. ويشمل هذا تمكينهم من تقييم مختلف الإيجابيّات والسلبيّات الّتي تنطوي عليها الرسالة الإعلاميّة في مختلف وسائل الإعلام.

10- استجواب التفكير النقديّ:

تنهّج التربية الإعلاميّة نهجاً نقديّاً، بل قد يكون النقد هو السمة الرئيسة الّتي تميّزها، وهي كالحكمة الّتي عرّفها ابن رشد بأنّها "النظر في الأشياء بما تقتضيه طبيعة البرهان". فالتربية الإعلاميّة تتّسم بالطابع النقديّ في مختلف ممارساتها التربويّة، وتعمل على تأسيس وعي نقديّ بوسائل الإعلام. وضمن هذا التصوّر يجب على التربية الإعلاميّة أن تمارس وظيفتها النقديّة هذه من خلال تزويد الأطفال والناشئة بروح النّقد وآليّاته وتمكينهم من توظيف التّفكير النّقديّ في تناول مختلف أشكال وسائل الإعلام ومضامينها. فعلى سبيل المثال: من الّذي كتب النصّ الإعلاميّ (معلومات، نصوص، تعليمات، آراء، ترفيه)؟ ما الفوائد المرجوّة من نشرة إعلاميّة محدّدة؟ ما وظيفة النصّ الإعلاميّ؟ من المستفيد من هذه المضامين الإعلاميّة؟ إلى من توجّه هذه الرسالة الإعلاميّة؟ وما هي احتمالات التأثير الّتي ينطوي عليها هذا النصّ الإعلاميّ؟ ما الآثار الإيجابيّة والسلبيّة لهذا النصّ الإعلاميّ أو ذاك؟ ما المضامين الخفيّة في هذا النصّ الإعلاميّ؟ ما الأهداف الأيديولوجيّة الّتي تسعى إلى تحقيقها الرسالة الإعلاميّة؟

11- الإعلام- البعد الخامس:

في الوقت الّذي يجمع فيه المفكّرون والباحثون على أنّ الإعلام يشكّل البعد الرابع للدولة، فإنّ كثيراً منهم يعتبرون أنّ التربية الإعلاميّة هي البعد الخامس للدولة والمجتمع. فغالبا ما تحتاج الديمقراطيّة الحديثة إلى إعلام حرّ يمارس دوره النقديّ الفعّال إزاء السلطات التقليديّة الثلاث. ويُسهم هذا الأمر بقوّة في تشكيل الرأي العامّ الرشيد إزاء مختلف القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة القائمة في المجتمع. وإذا كانت المضامين الإعلاميّة موغلة في الغموض وظلمة التخفّي الأيديولوجيّ، فإنّه من غير وجود التربية الإعلاميّة يصعب التعرّف على القيمة الفعليّة للحقائق الّتي تبثّها وسائل الإعلام، كما يصعب في الآن ذاته تشكيل رأي خاصّ حول مضامين الرسالة الإعلاميّة. وهنا يأتي دور التربية الإعلاميّة الّتي تمكّن الأجيال (من الصغار والكبار )من عمليّة تفكيك رموز وسائل الإعلام وتحليل مضامينها بطريقة فعّالة وذكيّة، وذلك عبر عمليّات النقد والتحليل والاستكشاف والاختبار. وهذا كلّه يتساوق مع عمليّة الكشف عن مضامينها الخفيّة وأبعادها الأيديولوجيّة. وهي بذلك تتيح للأطفال والناشئة القدرة على تشكيل آرائهم الخاصّة النقديّة المستقلّة في وسائل الإعلام المختلفة وفي مضامينها المتنوّعة. ومن هنا تأتي تسمية التربية الإعلاميّة بالبعد الخامس تعبيراً عن الدور الخطير الّذي تضطلع به في مجال الحياة الثقافيّة والإعلاميّة في المجتمع.

12- الحكم الأخلاقيّ:

يفرض التأمّل الأخلاقيّ نفسه ضرورة حيويّة في مجال استخدام وسائل الإعلام، وذلك بالنظر إلى تأثير الأفعال الإعلاميّة في الآخرين من زاوية أخلاقيّة. ويعني هذا أنّ الفرد يجب أن يكون قادراً على تقييم نتائج الأفعال والممارسات الإعلاميّة لحماية نفسه والآخرين، وهو ما يشكّل جانباً من الكفاءة الإعلاميّة الّتي توفّرها التربية الإعلاميّة. فالتفكير الأخلاقيّ في المضامين الإعلاميّة يسمح لنا – بصورة مستمرّة – بأن نطوّر القدرة على الاستقلال الأخلاقيّ ويمكّننا من توجيه الممارسة الإعلاميّة نحو مسارات إنسانيّة وأخلاقيّة أفضل من أجل العمل على اكتساب الفضائل الضروريّة ومن أجل السيطرة على التحدّيات الإعلاميّة المعاصرة ومواجهتها.

13- التقييم الحرّ للمضامين الإعلاميّة:

يعتقد غالباً أنّ وسائل الإعلام النقديّة الحرّة والمتطوّرة تكون ضروريّة وحيويّة في المجتمعات الديمقراطيّة الحديثة. فالإعلام الحرّ يوفّر منابر مهمّة لمناقشة الأسئلة الحيويّة في المجتمع، كما تتيح هذه الوسائل الإعلاميّة النقديّة هامش المناورة السياسيّة وطرح البدائل السياسيّة في المجتمع، وتمارس في الوقت ذاته تأثيراً يؤدّي إلى تشكيل الرّأي العام وصوغ معالمه. ويكون الإعلام كما هو معروف ضروريّاً من أجل الممارسة السياسيّة – أي الاتّصال السياسيّ وإضفاء المشروعيّة على القرارات السياسيّة- وهذا الأمر يفرض نفسه في المجال الاقتصاديّ والثقافيّ على حدّ سواء. فالإعلام هو في نهاية المطاف الأساس الّذي تَنطلق منه وتَستند إليه النظم الاجتماعيّة الفرعيّة من أجل تنظيم أنشطتها ووظائفها الحيويّة. ومن أجل المحافظة على الطابع النقديّ لوسائل الإعلام يبرز دور التربية الإعلاميّة في تقييم المضامين الإعلاميّة ونقدها وتوجيهها نحو المسالك الاجتماعيّة الديمقراطيّة. فالتربية الإعلاميّة تمكّن الناشئة من التأثير في وسائل الإعلام وتوجيه مساراتها نحو الأفضل، بما أتيح لهم أن يمتلكوه من قدرة نقديّة على فهم واستيعاب المضامين الإعلاميّة والنّفاذ إلى أبعادها الأيديولوجيّة.

14- إدراك لغة الإعلام وفهمها:

بقيت المدرسة خلال أكثر من قرن فعّالة في أداء مهمّتها الأساسيّة الّتي تتمثّل في تعليم القراءة والكتابة. وكانت هذه الوصاية المدرسيّة على نشر القراءة والكتابة ضروريّة في مجتمعات تقليديّة تعتمد على مجرّد الطباعة. لكنّ التطوّر الحديث أظهر أشكالاً جديدة - أكثر من أن يُحصى - من التعبير الّتي تميّزت بالقدرة الهائلة على المنافسة مثل الراديو والتلفزيون والصورة والأفلام والألعاب والمواقع الإلكترونيّة والهواتف الذكيّة. وهي أدوات ووسائل قويّة جبّارة تؤدّي دوراً بالغ الأهمّيّة والخطورة في مجتمعاتنا. وفي هذا المستوى من التطوّر الإعلاميّ، فإنّه ينبغي على التربية الإعلاميّة أن تحدث انقلاباً ثوريّاً وضروريّاً في مجال فهم وتفسير اللغة الإعلاميّة الجديدة الّتي تتمثّل في الصور والكلمات والأصوات والدلالات الخفيّة والمعاني. ويطلق عادة على مستخدم وسائل الإعلام تسمية "المستهلك" بصورة عامّة، ولكن هناك المستهلك الّذي يتحمّل مسؤوليّة فهم النصّ الإعلاميّ وتحليله، وهو المستهلك الّذي لا يكتفي بدور سلبيّ في تفاعله مع المحتوى الإعلاميّ. فمن أجل فهم نصّ إعلامي بصورة فعّالة وإيجابيّة يجب أن يترافق ذلك مع التّفكير النقديّ. وهنا أيضاً تكمن إحدى أهمّ الوظائف الأساسيّة للتربية الإعلاميّة الّتي تمكّن المتعلّمين والأطفال من فهم واستيعاب لغة الصورة والكلمة واللهجات الخفيّة الكامنة في مختلف حركات النصّ الإعلاميّ والكشف عن مخادعاته اللغويّة.

15- الاستخدام المستنير لوسائل الإعلام:

تكمن المهمّة الأساسيّة للتربية الإعلاميّة في تمكين الطفل من استخدام وسائل الإعلام في ضوء احتياجاته واهتماماته، وتمكّنه أيضاً من الملاءمة بين احتياجاته والمتطلّبات الاجتماعيّة. فالطفل، بمساعدة التربية الإعلاميّة، يصير قادرا على فهم الطريقة الّتي يختار بها النصّ الإعلاميّ أو الوسيلة الإعلاميّة المناسبة بعناية واهتمام، وذلك بالتزامن مع توخّي رؤية نقديّة للمضمون الكامن في الرسالة الإعلاميّة، هذا من جهة. ومن جهة ثانية يجب على التربية الإعلاميّة أن توضّح الكيفيّة الّتي يتمّ بها تشكيل الإنتاج الإعلاميّ والكيفيّة الّتي يتمّ بها توظيف الرسالة الإعلاميّة في عمليّة بثّ الأفكار من خلال علاقة التفاعل بين المرسل والمرسل إليه، وبين المنتج والمستهلك أيضاً. ويمكن تلخيص هذه المسألة بالقول: إنّ مهمّة التربية الإعلاميّة تأكيد أهمّيّة الممارسة الإعلاميّة عند الأطفال والناشئة، وذلك لأنّ الأمر يتعلّق بعمليّة تمكين التّلاميذ من حسن التّعامل مع التدفّق الكبير لوسائل الإعلام عبر عمليّة تعليم متواصلة ومستمرّة، يتمثّلون فيها معارف خاصّة ومميّزة حول مهارة التواصل الإعلاميّ وسبل التفاعل الخلّاق مع المضامين الإعلامية.

16- إسقاط الأوهام:

لا يعني التواصل مع وسائل الإعلام أنّ الفرد يستطيع بالضرورة فهم مضامين الرسالة الإعلاميّة، إذ غالباً ما تحمل المعلومات صبغة عاطفيّة وشحنة أيديولوجيّة تضعف قدرة العقل على اكتناه الرسالة الإعلاميّة على نحو نقديّ. وذلك لأنّ الجمهور الإعلاميّ يكون في أغلب الأحوال عاطفيّاً انفعاليّا نزّاعا إلى البحث عن إشباع عاطفيّ وانفعاليّ في المضامين الإعلاميّة. ويكمن الخطر الكبير غالباً في الاعتقاد أنّنا فهمنا الرسالة الإعلاميّة لأداة إعلاميّة ما دون أن يكون ذلك حقيقيّاً.

وغالباً ما يسقط الناس أفكارهم ومشاعرهم وقيمهم وأنماط تصوّراتهم الخاصّة على نحو لاشعوريّ على النصوص الإعلاميّة. وعندما نفهم المضامين الإعلاميّة بناء على الخلفيّات الفكريّة والذهنيّة الراسخة في أعماقنا، أي عندما ندرك النصّ الإعلاميّ على خلفيّة مشاعرنا ورغباتنا وأهوائنا، فإنّنا بذلك نشيد أوهاماً معرفيّة قائمة على المخادعة الذاتيّة. فعلى سبيل المثال تمثّل الشخصيّة الإعلاميّة ضمنَ أيّ فيلم أو عمل إعلاميّ بالنسبة إلى المشاهد نموذجاً قيميّاً يتعلّم منه كيفيّة بناء علاقاته في الحياة، وربّما تمنحه صورة خادعة عن طريقة الوصول إلى النجاح.

والمشكلة الكبرى أنّ المشاهد كثيرا ما يعتقد أن أيّ نصّ إعلامي ترفيهيّ لا يحمل في ذاته أكثر من الترفيه. ويضاف إلى ذلك أنّ العلاقات والشخصيّات والمفاهيم والتصوّرات الّتي نراها في مادّة إعلاميّة لا يمكن أن تكون إسقاطاً حقيقيّاً للواقع اليوميّ الّذي نعيش فيه. ومن هنا، فإنّ التربية الإعلاميّة تعمل على تمكين الأفراد من الوعي بالمظاهر الخادعة الّتي نستودع فيها أوهاماً ونبنيها في عقولنا، كما تدعو إلى الاعتماد على التحليل النقديّ للمضمون الإعلاميّ كي لا نقع في براثن التوهّم ونضيع في لجّة الأوهام الّتي يبثّها النصّ الإعلاميّ.

17- استجواب الشفّافيّة:

يزوّد الإعلام الناس بالمعلومات، وتلك هي إحدى أهمّ وظائفه. لكنّ المعلومات الّتي يبثّها الإعلام ليست صافية نقيّة، ولا تعبر دائماً عن الحقيقة كما تتمثّل وتتجلّى في الواقع. فكلّ نصّ إعلاميّ يتضمّن تحويراً وتعديلاً لحقيقة ما في الواقع، ويجري هذا التعديل عبر عمليّات متعدّدة أهمّها إضافات التفسير والتحليل الّتي نجدها مضمرة حيناً وصريحةً أحياناً أخرى في تلافيف الرسالة الإعلاميّة. ومع ذلك يجب أن نأخذ بعين الاعتبار التقارير الإعلاميّة الّتي تشكّل مصدراً للمعرفة، ولكنّ ذلك يجب أن يكون مترافقاً مع التحوّط والحذر الشّديدين لأنّ الحقيقة الإعلاميّة شديدة التعقيد غنيّة بالمضامين الأيديولوجيّة، وهي أكثر تعقيداً ممّا يعلن عنه في وسائل الإعلام ذاتها.

ويمكن في هذا السياق استعراض تحليل كريستيان دولكر (Christian Doelker) الّذي قدّم لنا نموذجاً ثلاثيّ الأبعاد حول تطوّر الرسالة الإعلاميّة في ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: تكون فيها الحقيقة أوّليّة فيزيائيّة ماثلة في الواقع العيانيّ دون تمثّلات إعلاميّة، وهي الحقيقة الّتي يمكن إدراكها بسهولة ويسر، ومن النادر أن نرى الحقائق الإعلاميّة كما تتبدّى في صورتها الأولى القائمة في الطبيعة أو في الواقع.

المرحلة الثانية: وتتمثّل في رصد الحقيقة إعلاميّاً، أي عندما يجري نقل صورة الحقيقة من الواقع الحيّ عبر وسائط الإعلام، كما يجري في التقارير الصحفيّة والتلفزيونيّة. والصورة الإعلاميّة للحقيقة لا تطابق صورة الحقيقة الأصليّة، لأنّ الحقيقة تكون قد تغيّرت على إيقاعات التصوير الإعلاميّ الّذي لا يمكنه نقل الصورة كما تتجلّى في الواقع تماماً. فالتقارير والصور والتفسيرات غالباً ما تضفي على الوقائع سمتها الإعلاميّة الّتي قد تكون مدبّرة ومتحيّزة وتهدف إلى التأثير في الجمهور الإعلاميّ بالدرجة الأولى. ويعني هذا وجود اختلاف كبير بين المرحلة الأولى (الحقيقة في صورتها الواقعيّة) والمرحلة الثانية الّتي تمثّل الحقيقة الإعلاميّة كصورة معدّلة عن الواقع.

المرحلة الثالثة: عندما نتلقّى الصورة الإعلاميّة للحقيقة في المرحلة الثانية فإنّنا لا نتمثّل الحقيقة بصورة مطابقة للصورة الإعلاميّة، فنحن في تمثّلنا للحقيقة الإعلاميّة – لحدث إعلاميّ أو صورة أو تقرير – غالباً ما نعيد صوغ الحقيقة الإعلاميّة عبر مشاعرنا وأفكارنا وخلفيّاتنا الثقافيّة. وعلى هذا النحو تكتسب الحقيقة وجهاً آخر ونكهة شخصيّة أخرى يُضفيهما الفرد على الصورة الإعلاميّة نفسها.

وفي هذا المستوى من التحليل يكمن دور التربية الإعلاميّة، إذ تقوم باستكشاف بعد رابع للحقيقة، وهي الحقيقة النقديّة للصورة الإعلاميّة، أي: الحقيقة الّتي تتشكّل بعد إخضاع الصورة الإعلاميّة للنقد والمساءلة. فالنقد التربوي للصورة الإعلامية أمر جوهريّ تحثّ عليه وتجسّمه التربية الإعلاميّة، إذ تعمل على المقاربة النقديّة لصورة الحقيقة الإعلاميّة في مستوييها الثاني والثالث وتقارنها مع التجلّيات الواقعيّة للحقيقة في صورتها الأولى الخامّ قبل التعديل.

وبوضوح أكبر تعمل التربية الإعلاميّة في ممارستها النقديّة على تحرير الحقيقة من الإضافات الإعلاميّة من جهة، ومن الإضافات الّتي يضفيها الفرد على هذه الصورة من جهة أخرى، أي تحاول التربية الإعلاميّة استجلاء الصورة كما تبدّت في المرحلة الأولى دون تغيير ولا تبديل. ويعني هذا أنّ التربية الإعلاميّة تريد استجلاء الصورة الأولى للحقيقة بعيداً عن التزييف والأوهام الّتي أسبغت عليها من قبل المنتج والمتلقّي في آن واحد. والأمر المهمّ الّذي يجب أن نأخذه في الحسبان هو أنّ النقد الإعلاميّ للتربية الإعلاميّة يريد استكشاف الحقيقة كما هي دون أيّة إضافات، وفوق ذلك كلّه يريد الكشف عن الملابسات كلها الّتي أحيطت بالحقيقة الواقعيّة مهما كان مصدرها.

ويمكن أن نسرد هذا المثال التوضيحيّ للمراحل الثلاث:

يتحدث أحد التقارير عن اللاجئين الّذين يأخذون القوارب في عمليّة لجوئهم (المرحلة الثانية: الحقيقة الإعلاميّة)، ومع ذلك لا يمكن لأيّ تقرير أن يصف الحالة الحقيقيّة الّتي يرويها لاجئ، والّتي تتعلّق بمشاعره وآلامه ومعاناته (المرحلة الأولى كما تتجلّى في الواقع). وتشمل عمليّة تفاعلنا مع التقرير، وفهمنا إيّاه ضمن منظومة رؤيتنا وتصوّراتنا وتجاربنا (المرحلة الثالثة). وفي كلّ مرحلة يمكن أن نجد تبايناً كبيراً ما بين الحالة الأوّليّة والحالة الإعلاميّة مقارنة أيضاً بالفهم الّذي يضفيه المتلقّي على الصورة الإعلاميّة. أمّا الحقيقة النقديّة الإعلاميّة، فتحاول قدر الإمكان تجريد الحقيقة من الإضافات الإعلاميّة، ومن الإسقاطات الانفعاليّة الّتي يضفيها متلقّي التقرير على هذه الحقيقة. ومهما يكن الأمر، فإنّه يستحيل أحياناً بل في غالب الأحيان أن نقدّم حقيقة صافية خالصة تمثّل فعليّاً صورتها الأوّليّة كما تجلّت في الواقع.

18- التربية الإعلاميّة خارج المدرسة:

يشكّل التّعليم، كما بيّنّا سابقاً، مهمّة المدرسة الّتي تبثّ في ذات الوقت وعياً إعلاميّاً ضروريّاً للحياة اليوميّة. والتربية الإعلاميّة كما أوضحنا تعتبر عنصراً حيويّاً في مواجهة تحدّيات العصر الإعلاميّة. وتقوم المدرسة في هذا الاتّجاه بمهمّة تعليم الأطفال وتثقيفهم وفقاً لتقسيماتهم العمريّة، ووفقاً لمجموعات من الصفوف التقليديّة، وهي تعتمد في مهمّتها هذه على مناهج علميّة فعّالة وموثوقة ومُجرَّبة، وضمن هذه الرّوح تقوم المدرسة بعمليّة التعليم والتربية المستمرّة من أجل تأهيل الأطفال والناشئة إعلاميّاً وتمكينهم من التواصل الإعلاميّ على نحو نقديّ وفعّال.

ولا يخفى على أحد أنّ الإعلام يحتلّ مركز الأهمّيّة في حياة الأطفال والشباب على نحو خاصّ. وهنا تبرز متطلّبات تربويّة جديدة يجب أن يستوفيها المعلّمون كما هو الحال بالنسبة إلى أولياء الأمور المعنيّين بالتربية أيضاً. ومن أجل تحقيق غايات التربية الإعلاميّة المستمرّة يجب على الآباء والمعلّمين والمسؤولين المحلّيّين أن يتمثّلوا دورهم الحيويّ في توعية الناس والناشئة بطبيعة الرسالة الإعلاميّة وتجنّب مخاطرها، وهذا العمل بين الجميع يجب أن يكون متكاملاً ومتضافراً بصورة مستمرّة.

وتقع المسؤوليّة الأكبر على عاتق الآباء والأمّهات في حماية أطفالهم من تغوّل وسائل الإعلام وفي تحصينهم من مخاطرها. ومن المعروف أنّ الآباء يمتلكون تأثيراً كبيراً في حياة الأطفال ولاسيّما في تشكيل عاداتهم الإعلاميّة، ونعني بذلك طريقة تفاعلهم مع وسائل الإعلام وتواصلهم مع الأدوات الإعلاميّة الذكيّة. فالآباء يمثّلون القدوة الحسنة لأبنائهم، لذلك يمكنهم أن يُعْطُوا نموذجاً تربويّاً في مجال التواصل مع الإعلام، وفي كلّ ما يتعلّق بمختلف أوجه النشاط الإعلاميّ، ولا سيّما اختيار المادّة الإعلاميّة، وطريقة التفاعل معها على نحو نقدي. فالتربية الإعلاميّة في المنزل، وفي الإطار العائليّ، هي شأن تربويّ بالدرجة الأولى، وهو ما يعني أنّ الآباء والأمّهات يمكنهم أن يؤدّوا دوراً محوريّا في تشكيل الوعي الإعلاميّ لأبنائهم، فيمكنهم مشاركة الأطفال في استكشاف الإعلام والتواصل مع المادّة الإعلاميّة على نحو آمن وعقلانيّ في مجال حياتهم اليوميّة.

والعمل الإعلاميّ خارج المدرسة واسع الانتشار في بعض البلدان الغربيّة. فالبيئات المنفتحة تشكّل مكاناً مثاليّاً للترفيه والتعلّم غير الرسميّ، فتكون القيود أقلّ صرامة، وتوفّر حرّيّة أكبر، ومجالاً للمناورة أوسع من البيئة المدرسيّة. ومن فضائل الفضاء المفتوح خارج المدرسة غياب النمطيّة المدرسيّة الّتي تعتمد على التحكّم والتقييم، ومن هنا يكتسب التعليم خارج المدرسة قوّة هائلة في تعزيز وعي الناشئة وتمكينهم من استيعاب الواقع الّذي يعيشون فيه. ومن المؤكّد أنّ المدرسة تكون حالة مؤقّتة عابرة في حياة الناس. ويبقى الأهمّ، وهو التعليم المستمرّ طوال الحياة، ولا سيّما في المجال الإعلاميّ، وعلى امتداد الزمن، إذ سيكون للتعلّم والاكتساب في مجال الإعلام أهمّيّة كبيرة مستمرّة في حياة الناس، بتعاقب الأجيال. ومن الأهمّيّة بمكان توفير هذا التعليم الإعلاميّ لجميع الفئات العمريّة، مع توفير فرص متكافئة في التفاعل مع وسائل الإعلام واستخدامها بطريقة مستنيرة في الحياة المهنيّة والخاصّة.

19- الجِدّة والتجديد:

فرضت وسائل الإعلام حضورها الهائل في كلّ ركن من أركان الحياة التربويّة في المدرسة. وأصبحت المدرسة تفيض بوسائل الإعلام الّتي تبدأ من الصورة إلى الألعاب الإلكترونيّة، مروراً بالفيديو والكاميرا والحاسوب، وأدوات العرض والمسرح والسينما. وتوظّف وسائل الإعلام هذه عمليّاً في عمليّة التعلّم والتعليم في الفضاء المدرسيّ بصورة فعّالة، وقد أصبحت جزءاً لا يتجزّأ من الحياة المدرسيّة.

ومع ذلك يجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أنّ توظيف هذه الوسائل في التعليم المدرسيّ لم يكن ناجحاً دائماً، وقد أصيب بانتكاسات وإخفاقات لم تكن متوقّعة البتّة. ويعني ذلك أنّ وسائل الإعلام هذه لا يمكنها أن تكون فعّالة بذاتها، فالمعلّم هو الّذي يختار الوسيلة الّتي يعتمدها في عمليّة التعليم، وهو من يوظّفها في سياق تربويّ محدّد. ومن ثمّ فإنّ النجاح الّذي يمكن أن يتحقّق من استخدام الوسائل يعتمد على السياق العامّ الّذي توظّف فيه والكيفيّة الّتي تعتمد في عمليّة التعليم. وفي هذا المستوى يمكن أن نطرح أسئلة عديدة: ما وسيلة الإعلام الّتي تعتمد في التعليم؟ وفي أيّ شروط تربويّة تُسْتَخْدَم؟ وما هي طبيعة الاستخدام؟ وما مدى تأهيل المعلّم تربويّاً وإعلاميّاً؟ وما طبيعة المادّة العلميّة الّتي تُدَرَّس؟ وما مدى تأهيل الطلبة أنفسهم في مجال استخدام التكنولوجيا والوسائل الإعلاميّة؟ في ضوء هذه المعطيات يمكن أن نتحدّث عن نجاح العمليّة التربويّة في توظيف الإعلام أو عن فشلها.

ويمكن لوسائل الإعلام أن توظّف بطريق مختلفة ومتنوّعة في المجال المدرسيّ، كما يمكنها أن تساعد على تجديد أشكال التدريس، وأن تساعد على ترسيخ فرص التعلّم الذاتيّ الموجّه. ويحفّز هذا بدوره الطلبة على المشاركة، كما يسهّل تقويض الهياكل التقليديّة والمقاربات الجامدة في مستويات التفاعل التربويّ الموروث الّذي يتميّز بالتقادم والسّكون والتصلّب. فاستخدام وسائل الإعلام بطريقة عقلانيّة ومستنيرة في التعليم يتيح فرصاً جديدة وإمكانات رحبة للتعلّم الجيّد والعمل وتحقيق التعاون والتوازن التربويّ بين الطلبة ومختلف مكوّنات السياق العامّ للعمليّة التربويّة. ويمكّن هذا بدوره الطلبة من التّلاؤم بسرعة مع متطلّبات الحياة العمليّة، ومع مقتضيات التفاعل مع الواقع الإعلاميّ السائد في الحياة وفي المجتمع. كما تتيح وسائل الإعلام المتوفّرة في المدرسة فرص التواصل بطريقة عقلانيّة وهادفة بين الطلبة أنفسهم من جهة وبينهم وبينها من جهة أخرى، دون مغبّات الإجهاد الكبير الّذي يكابدونه في التعليم التقليديّ، وهم في ذلك كلّه يستفيدون من معرفتهم السابقة، ومن التجارب الّتي أجروها في الماضي القريب. وفي النهاية يمكن القول إنّ هذا النمط من التعليم يساعد الطلبة على اكتساب المهارات الحقيقيّة على نحو ثوريّ في مجال التواصل مع الإعلام تعلّماً وفهماً ونقداً لصيروراته ضمن دائرة التوظيف الأمثل لإمكاناته في مجالي التعليم والتعلّم.

فالتربية الإعلاميّة تمهّد لفضاء تربويّ جديد يعطي المتعلّمين فرص تعلّم مبتكر خارج النمطيّة المعهودة وفقا للنقاط التالية:

1- تمكّن وسائل الإعلام المتعلمين من التعرّف على الوثائق التاريخيّة الأصليّة (الصور، التسجيلات الصوتيّة، مستخلصات من البرامج التلفزيونيّة، إلخ).

2- توفّر فرصاً جديدة للتعلّم الشخصيّ المتخصّص، بالإضافة إلى التعلّم التعاونيّ بغضّ النظر عن الزمان والمكان.

3- يعزّز الفضاء الترفيهيّ للإعلام التعلّم الذاتيّ والتعلّم في مناخ تعاونيّ.

4 – يمكّن للمضامين الإعلاميّة، مثل الأفلام الوثائقيّة الّتي تعرض في الفصل، أن تمثّل منطلقاً تربويّاً محفّزاً للمناقشة والحوار والعصف الذهنيّ، وأن ترسّخ القدرة على عمليّة التّعلّم بنكهة نقديّة تولّد نوعاً من الضبط والتحكّم في المعرفة.

5- تمثّل الأفلام طريقة رائعة للتعامل مع موضوع ما. فالأفلام تناشد العواطف، وتسمح للفرد بأن يضع نفسه في مكان الآخرين للتعرّف على مواقفهم ومشكلاتهم، كما أنّها تسهّل مناقشة موضوعات معيّنة (مثل التحرّش الإلكترونيّ، والتحرّش الجنسيّ، والعنف، وعمليّات الابتزاز والتهديد عبر الإنترنت) إذ يدور الحوار حول شخصيّات الفيلم وما تبديه هذه الشخصيّات من عواطف وانفعالات.

6- إنّ إنتاج نصّ إعلاميّ (على سبيل المثال: مقابلة صوتيّة، تصوير فيديو، وعرض باوربوينت PowerPoint ) هو نشاط يشجّع الطالب على الاهتمام بقضيّة علميّة قد تكون شخصيّة علميّة أو منطقة أو قرية وما إلى ذلك. وهذا يمكّنه في جوهر الأمر من تفهّم الموضوع الّذي يدرسه بعمق ودراية ومن تقديم رؤية قد تكون مبتكرة حول الموضوع.

7- إنّ العمل على منتج إعلاميّ جيّد يحمل في ذاته خصائص نوعيّة يمكنه أن يعزّز التعلّم الفعّال: مثل تعديل نصّ وصقله على نحو مناسب ليقدّم إلى جمهور حقيقيّ، أو كتابة أفضل المقتطفات وأجملها من المقابلة. وهذه كلّها تمثّل في حقيقة الأمر تجارب تربويّة إعلاميّة مجزية وفعّالة في تعزيز مسيرة الطالب العلميّة.

ويمكن القول أخيرا إنّ الطلبة عندما يقدّمون إنتاجاً إعلاميّاً خاصّاً مثل: فيلم قصير، رسم كاريكاتوريّ، مسرحيّة إذاعيّة، رواية مصوّرة، فإنّهم في الوقت ذاته – من خلال عمليّة الإنتاج الّتي ينجزونها – يدرسون أيضاً طريقة الإنتاج وصيغ الإبداع والكيفيّات الّتي يتمّ بها توظيف وسائل الإعلام. كما يمكن للمشاريع الإعلاميّة الّتي ينفذها الطالب أن تساعده في تطوّير قدرته على التخطيط للعمل على المدى الطويل، كما يمكنها أيضا أن تساعده على تنسيق المهامّ المختلفة ضمن مجموعات ووضع أهداف مشتركة، وتمكنه أيضا من التغلّب على الصعوبات وملء الفجوات. ومن شأن هذا كلّه أن يشجّع الطلبة على إيجاد حلول مناسبة للمشكلات الّتي تواجههم، وأن يتيح لهم العمل معاً في سياق تعاونيّ. ويساعدهم هذا أيضاً بوضوح على اكتشاف قدراتهم الماثلة في شخصيّاتهم وشخصيّات الآخرين.

20 - خاتمة:

تمارس التربية الإعلاميّة نسقاً متكاملاً من الفعاليّات الذهنيّة الثوريّة لدى الأطفال والناشئة، وتدور معظم فعاليّات هذه التربية حول قيم النقد والاستقلال والحرّيّة والذكاء ما بعد المعرفيّ في التحليل، إضافة إلى الكشف والاستنباط والاستدلال. وتُعتَبر التربية الإعلاميّة في ذاتها ثورة موازية للثورة الرقميّة، أو لِنَقُلْ بأنّ العصر الرقميّ يتطلّب بالضرورة تربية ثوريّة رقميّة تستجيب لمقتضيات هذا العصر وإيقاعه ومسارات احتياجاته. ومن الواضح أنّ التربية الإعلاميّة هي في حقيقتها منهجيّة ثوريّة في التفكير، وفي الممارسة، فعندما يمتلك الطفل المهارات النقديّة الّتي تكرّسها التربية الإعلاميّة، فإنّ أثر هذه المهارات سيعمّم ليشمل مختلف أنشطة الفرد داخل المدرسة، وخارجها، وحينئذ سيصبح العالم بكلّ ما فيه تحت سيطرة النقد والكشف والتحليل، كما سيصبح مادّة يصدر فيها الطفل أحكامه الأخلاقيّة المستقلّة والحرّة. وهو ما يعني أنّ هذا النمط من التربية عندما يعمّ في المدارس، ويكتمل ستسقط كلّ الركائز المتصلّبة للتعليم التقليديّ الأصمّ، فينهار هذا الصّرح العتيق البالي ليحلّ مكانه نظام فكريّ نقديّ تنويريّ يساعد على تحقيق النهضة الحضاريّة للأمّة والمجتمع ([8]).

ففي السنوات الأخيرة ازدادت أهمّيّة تكنولوجيا المعلوماتيّة لأنّها أصبحت القوّة الدّافعة لتطوّر وسائل الإعلام، إذ تشكّل هذه التكنولوجيا البنية التحتيّة لتطوّر الحضارة الإنسانيّة. وهذا يقودنا إلى التأكيد على الأهمّيّة القصوى للمهارات المتعلّقة بالحاسوب والوسائل الذكيّة لفهم وسائل الإعلام في طرائق تفاعلها، وفي مستويات تطوّرها وآليّات توظيفها. فالشخص الّذي يعرف كيفيّة عمل الخوارزميّة، أو هذا الّذي يضع برنامجاً إلكترونياً من تصميمه أو يبرع في إدارة موقع إلكترونيّ، هو وأمثاله سيكونون من بين القادرين على تقييم إمكانات الوسائط الإعلاميّة وفهمها على نحو أفضل، وهذا يؤهّلهم للاندماج الفائق في العصر الرقميّ بفضاءاته السيبرانيّة.

وتأسيساً على هذه الرؤية لأهمّيّة المعلوماتيّة في المجال الإعلاميّ، وجب علينا القول إنّ علوم الحاسوب تشكّل حاليّاً جزءاً لا يتجزّأ من عمليّة التربية الإعلاميّة. فهذه العلوم تتدخّل وتؤثّر في مختلف أنحاء الوجود والحياة الإنسانيّة المعاصرة، وهي العلوم الّتي تمكّن الإنسانيّة من تحقيق التقدّم التكنولوجيّ والعلميّ في شتّى المجالات العلميّة والحياتيّة. ومن المتوقّع اليوم أن تقوم تكنولوجيا المعلومات والاتّصال بإيجاد حلول علميّة وعمليّة لمختلف المشكلات والتحدّيات الّتي تواجه المجتمع الإنسانيّ. ويضاف إلى ذلك كلّه أنّ المعلوماتيّة ستحدّد هامش المناورة في مجال العمل البشريّ: ما هو مبرمج وما يمكن برمجته، ما هو ممكن وما هو غير ممكن. ويعني هذا أنّ تأثير المعلوماتيّة يتجاوز اليوم حدود التقانة الّتي عرفناها، إذ سيكون لها الدور الحاسم في عمليّة تحديد الخيارات الوجوديّة في المجتمع في المستويين الفرديّ والجماعيّ. ومن هنا يجب على التربية الإعلاميّة أن تضع المعلوماتيّة في طليعة أولويّاتها. ويتطلّب هذا كلّه تنمية الوعي النقديّ والمعرفة العقلانيّة بلا حدود والتأصيل الحرّ للاستقلاليّة الأخلاقيّة.

لقد حان الوقت مع إطلالة الثورة الصناعيّة الرابعة لكي نهجر صندوق الممنوعات والمحظورات الكلاسيكيّة في التربية الموروثة، مثل: الواجبات المدرسيّة، والواجبات المسائيّة، والدروس الاستظهاريّة، والمناقشة المعهودة المحفوظة في المناخ المدرسيّ وكلاسيكيّاته المملّة، وأن ننتقل إلى أجواء رقميّة جديدة تعتمد النقد والتحليل الثاقب والحفر المعرفيّ فيما وراء الظواهر الإعلاميّة. ففي كلّ مكان اليوم من جنوب العالم إلى شماله، ومن شرقه إلى غربه، نجد أنّ المؤسّسات الصناعيّة، والشركات، ومراكز البحوث العامّة، ومؤسّسات التعليم الخاصّ تتبنّى أنظمة تربويّة جديدة تناسب معطيات الثورة الرقميّة في برامجها مثل: تكنولوجيّات النانو (Nanotechnologies)، والتكنولوجيا الحيويّة (Biotechnologies)، والطاقة الخضراء (Énergie verte) وأبحاث الفضاء (Recherche spatiale)، والطباعة الثلاثيّة الأبعاد (Triple impression)، وصناعة الروبوتات الفائقة الذكاء (Cyberobots). وتمثّل هذه الاهتمامات ثورة حقيقيّة في الحياة، وفي التعليم على حدّ سواء. فالشخص الّذي يعرف منطق اشتغال المجال المعلوماتيّ المتمثّل في التفكير القائم على الحوسبة (Computational Thinking) يدرك في حقيقة الأمر الوظائف الحيويّة في مختلف مجالات الحياة الإنسانيّة المعاصرة. ومن هنا فإنّ دمج المعلوماتيّة في التربية الإعلاميّة يصبح ضرورة تقتضيها الحياة الحديثة المعاصرة.

وباختصار يمكن القول بأنّ التربية الإعلاميّة تشكّل اليوم مدخلا لثورة عميقة وشاملة في طرق التفكير والنظر لدى الأجيال الجديدة الشابّة. ومن غير التربية الإعلاميّة الثوريّة يصعب على هذه الأجيال الاندماج في العصر الرقميّ على نحو إبداعيّ، لأنّ هذه التربية تؤهّلهم للسير قُدُماً في معالم ثورة رقميّة جبّارة عرفنا بداياتها، لكنّنا لن نعرف أبداً متى تتوقّف انفجاراتها العارمة.

***

د. علي أسعد وطفة

جامعة الكويت – كلية التربية

..........................................

مراجع الدراسة وهوامشها:

([1])- Thomas Merz et Mareike Düssel, L’éducation aux medias à l’ère numérique. Hasler Stiftung, Cahiers- Juillet 2014.

([2])- Conseil supérieur de l’éducation aux médias, Déclaration de Bruxelles pour une Éducation aux Médias tout au long de la vie, 2011. (Définition extraite de l’index de la Commission européenne qui présente des informations spécifiques à la politique audiovisuelle).

([3])- Conseil supérieur de l’éducation aux médias, Ibid.

([4])- Jacques Gonnet, Éducation et médias, collection Que sais- je ?, 1997.

([5])- ضمن: أدريان بيري، الخمسمائة عام القادمة، ترجمة عثمان عبد الرحيم، أبو ظبي: المجمع الثقافي، 2000، ص 13.

([6])- انظر: آلفين توفلر، صدمة المستقبل: المتغيرات في عالم الغد، ترجمة محمّد علي ناصيف، ط2، الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، القاهرة، 1990.

([7])- شاكر عبد الحميد، عصر الصورة، عالم المعرفة، الكويت: يناير، 2005، ص 8.

([8])- ParisTech Review, Une révolte? Non, sire, une révolution, Rédaction- February 6th, 2015. http://www.paristechreview.com/2015/02/06/education- revolution/

ضمن ما سأتطرّق إليه بشأن بيان حدود الاتصال والانفصال بين المنهج العلمي والمنهج اللاهوتي في معالجة الظاهرة الدينية، أستهلّ حديثي بكلمة قالها الفرنسي ميشال مسلان في كتاب "علم الأديان": "أن نتابع الحفر في خندقنا مع إلقاء نظرة بعيدا صوب الحقول الأخرى". بهذا الشكل يتجنّب دارس الظاهرة الدينية الانحصار داخل رؤية ضيّقة، ويثري أدواته برؤى خارجية. ومن جانب آخر تدفعني مقولة البولندي زغمونت باومان بشأن سمة "السيولة" التي تطبَعُ عالمنا اليوم: "المجتمع السائل"، و"الحداثة السائلة"، إلى إدراج الدين ضمن هذا الواقع السائل، الذي بات عصيّا على الفهم ضمن إطار محدد. فـ"الواقعة الدينية"، و"التجربة الدينية"، و"الكائن المتدين"، و"المقدّس" عامة، هي مظاهر نابعة من معين واحد، وهي في أمسّ الحاجة إلى تنويع المناهج وتوحيدها، في الآن نفسه، لسبر غور تلك التشظيات.

الظاهرة الدينية

سوف تتمحور هذه الدراسة حول ثلاثة عناصر أساسية: الظاهرة الدينية، المنهج اللاهوتي/المنهج العلمي، لأخلص بالحديث إلى آفاق التكامل بين المنهجين. في البدء يقتضي الحديث تعريفا لمفهوم الواقعة الدينية أو الحدث الديني الذي نحن بصدد معالجته، وهو ما نُطلق عليه تجوزا الظاهرة الدينية أو التجربة الدينة. ذلك أن الظاهرة/التجربة هي اختزالٌ لبُعد أنثروبولوجي لازم الكائن المتدين، وهي تجلٌّ ديني، نحاول حصره ووضعه بين قوسين. إذ صحيح أن الظاهرة الدينية هي ما يظْهَر من فعل مشوب بمسحة قداسة؛ ولكن كلمة "الظاهرة" هل تغطّي ما يعتمل في ذات الفرد وباطنه أيضا؟ لنأخذ على سبيل المثال حالة الوجد الصوفي، أو ما شابه ذلك من مظاهر الورع والتقى والربّانية، والتطويب والتقديس في السياق المسيحي حصرا، فهي مظاهر شفّافة غير قابلة للرصد العيني أحيانا. وذلك ما أملى إضافة توضيحية لكلمة الظاهرة، كأن نقول: "الظاهرة النفسية"، "الظاهرة الاجتماعية"، "الظاهرة التاريخية"، "الظاهرة الدينية"، في مسعى للإحاطة بما تتعذّر الإحاطة به بالركون إلى كلمة "الظاهرة"، كونها في الأصل متابعة لما يظهر لا غير.

ضمن هذا السياق يجرّنا تناول الظاهرة الدينية إلى إدراج الموضوع ضمن مبحث عام ألا وهو "الظواهرية الدينية"، بوصفه الإطار الأشمل والأعمّ لاختبار الظواهر. إذ يعود مصطلح "ظواهرية الدين" إلى الهولندي بيار دانيال شانتبي دي لا سوساي (P.D. Chantepie de la Saussaye) مدرّس تاريخ الأديان في جامعة أمستردام مع أواخر القرن التاسع عشر، في كتابه: "مدخل إلى تاريخ الأديان" (1887). فأمام إدراكه أن مقصد الظواهرية ليس قاصرا على متابعة العيني والمرئي، أي ما ظهر للعلن، جرى تفريع الانشغال إلى فرعين أساسيين: "الظواهرية الدينية الوصفية" و"الظواهرية الدينية الفهميّة"، وهذه الأخيرة هي ما حاول فان دير لاو تأسيسها، حيث عرّف الظاهرة بقوله "هي في الآن شيء على صلة بموضوع وموضوع على صلة بشيء"[1]. معتبرا أن المكوث عند التقرير الوصفي دون الولوج إلى غور الظواهر يُبقي الدارس عند مجرّد وصف الظاهرة الدينية[2]. وبالتالي السؤال العميق المطروح أمام الظواهرية الدينية هو سؤال الفحوى والدلالة بشأن معنى الظاهرة. إذ لا يفي بالغرض رصد الحالة وتوصيفها، ما افتقر الحدث إلى تأويل ومعنى. وفي اللسان العربي كلمة الظاهرة هي ترجمة مستوحاة من الإغريقية (phainomenon)، التي تعني حرفيا الشيء الظاهر، الظاهرة، والمصطلح كما هو مخاتل في اللغات الغربية، هو بالمثل في العربية.

وحين نتطرق إلى الظاهرة الدينية كمَلْمح من ملامح تجربة التديّن، نحن لا نتحدّث عن "المقدَّس" كجوهر مفارق، ندرك طيفه الجليل والساحر والمهيب ولا نعاين أثره، كما بيّن رودولف أوتّو في كتابه "المقدّس"[3]؛ ولكن نعمل جاهدين على حصر الرصد والبحث في عنصر محدّد. بيْدَ أنّ المسألة التي أعالجها لا تتعلّق بمنهج الظواهرية ومدى وعوده وإمكانياته، وإنما يأتي توظيف الأمر لغرض التوضيحِ في سياق حديثنا عن سُبل فهم "الحدث الديني"، "التجلي الديني"، "الظاهر الديني"، "الواقع الديني". فـ"عالِم الدين" بمفهومه الحديث يعيد الظاهرة الدينية إلى جذور دُنْيوية، وبإيجاز يسعى إلى تناول الظاهرة الدينية بمثابة واقعة منزوعة القداسة؛ في حين عالم الدين بمفهومه الكلاسيكي فهو يعيد الظاهرة الدينية، في جانبها "الإيجابي"، إلى قوة عليا، وما خالف منها النظرة الإيمانية إلى النفس الأمّارة بالسوء وإلى الزيغ والهوى وما شابه ذلك، كما هو الحال في المنظور الإيماني الإسلامي.

وفي المناهج الحديثة لدراسة الدين يتوزع التطور في دراسة الظاهرة الدينية على ثلاثة مستويات:

المستوى الأول، وهو يتشكّل من البحث التاريخي الفيلولوجي الهادف إلى البحث في كلّ تقليد ديني على حدة على أساس تحليل الوثائق المكتوبة وغير المكتوبة، وهو عادة ما تولّى شأنه تاريخ الأديان. المستوى الثاني، وينبني بالأساس على منهج المقارَنة بقصد بلوغ التماثل في النظر البشري، وإن بقي المنهج المقارِن على صلة بالمعطى التاريخي فقد انفتح على تساؤلات تتجاوز حقله، ممهِّدا الطريق إلى تدخل مختلف العلوم الدينية، التي تتشكل من مجمل العلوم الإنسانية والاجتماعية (علم الاجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا وغيرها) وهو المستوى الثالث، وفق الإيطالي جوفاني فيلورامو في كتابه "ما معنى الدين؟"[4].

حول تمايز المنهج اللاهوتي والمنهج العلمي

تبعا للانشغالات الحديثة بالدين يتلخّص الدور الإبستيمولوجي للعلوم الدينية في فهم الدين وشرحه، أو بما أوضحه ميشال مسلان، في الاقتصار على متابعة العلاقة الأفقية في التعامل مع الدين وإسقاط العلاقة العمودية بقوله: "بإيجاز اللاّهوت هو علم معياري سياقاته مشروطة دائما بمدى ما يتمتّع به الإيمان من صدق، وبموجب الخاصية التي تميزه فهو مانعٌ وغالبا ما يكون أحاديا. أما علم الأديان فلا يستطيع أن يكون محلّ إجلال أو إدانة، بسبب الموضوعية العلمية المتطوّرة التي تصبغه. إذن مسعى الدراسة العلمية ومسعى الدراسة اللاّهوتية يختلفان من حيث السياق، فحقل دراسة علم الأديان يتميز كلّيا عن المقاربات اللاّهوتية من الناحية النوعية والكمية، وهذا الشكل الأخير يجيب عن سؤال: ما الواجب علينا الإيمان به؟ ولماذا ينبغي علينا الإيمان بذلك؟ في حين يهتمّ علم الأديان بكلّ ما هو معتقَد من قِبل البشر"[5]. ولا ينأى هنري شارب بيوخ وبول فينو عمّا حدّده مسلان لمهام ذلك العلم، أي علم الأديان، "فهو محاولة ترنو لتجاوز المستوى الاختباري، بغرض الكشف عن العام والمشترك، بغرض الإحاطة بالكوني، الكامن في المحلّي أو المنعزل، واكتشاف القوانين المتوارية خلف الوقائع، وإماطة اللثام عن الجوهري المتخفّي بالعرضي، أو بعبارة أخرى التنبه للتطور الداخلي والتجاوز للمتغير والمتبدل، أي الوعي بطبيعة الدين وجوهره عوضا عن مظاهره الخارجية"[6]. وبذلك يكون علم الأديان جملة القواعد والضوابط العامة -التي تحضع لها التجربة الدينية، تجربة الإنسان مع المقدّس- المستمدة من العلوم الاجتماعية والإنسانية[7]. لا أتصور أن من يتطلع للإلمام بأصول الدين، ملزمٌ بمراعاة هذه الحدود الصارمة في ذهنه في التعاطي مع الوقائع الدينية، وبالمثل لا أتصور أن ميشال مسلان وآخرين فاتهمْ عمق المقاربة اللاهوتية للدين أيضا، وما يمكن أن تُسهم به في فهمِ الكائن المتدين، والحال أن المحاولة تتمثّل في إرساء نوع من الانتظام في حقل لا يزال متداخلا، وهو في أمسّ الحاجة إلى صرامة منهجية حتى يصلب عوده.

ولكن لتتّضح معالم المنهجين اللاهوتي العلمي، أعود إلى التطرق إلى خاصيات علم اللاهوت، أو لنقل "العلوم الشرعية" بصياغة إسلامية. فهي علوم على صلة بلحظة مفارقة غير تاريخية، تعبّر عن وجهة نظر المؤمن "الداخلية". حيث أن أصل كلمة "teo-logia" إغريقي، وهي في مدلولها العربي تعني "قولا/خطابا حول الله"، هو في الواقع خطاب حول ما لا عيْنَ رأت. حيث ينصبّ اهتمام علم اللاهوت على دراسة الاعتقادات والإشكاليات الفقهية والتشريعية، عبر تأصيل الأحكام وتقعيد الوشائج الرابطة بين العبد وخالقه، وضبط قواعد الاستدلال بشأن الغيبيات، وتنظيم الأحكام المتعلقة بالشرعيات، بغية تقديم نظام خُلقي دنيوي، في وصال مع ما يتصور المؤمن أنه الحقيقة المطلقة. وتبعا لخاصيات هذا العلم المعياري، فهو يرنو إلى ترتيب علاقة مثلى بين الإنسان وبارئه. أي ضمن أي السُّبل يتحقق الفلاح الدنيوي والخلاص الأخروي. وبشكل عام تتميّز انشغالات هذا العلم بتوطيد علاقة عمودية تصل الإنسان بربّه، يتطلع فيها إلى تحقيق الانسجام الأمثل.

وبالتالي يتحرك علم اللاهوت في معالجة الشعائر الدينية، الصلاة مثلا، ضمن شروط الصحة وشروط الوجوب، فلو طالعنا كتابا متعلقا بالصلاة في الإسلام أو بالقدّاس المسيحي نلحظ تماثلا. في حين المقاربة العلمية سواء في شكلها السوسيولوجي أو الأنثروبولوجي فهي تحاول فهم أبعاد الممارسة الشعائرية وأثرها، مستهدِفة بلوغ مقصدها الأعلى دون أن يعنيها أمر صحتها أو شروط أدائها، ولكن بوصفها ممارسة اجتماعية أو رمزية داخل إطار زماني وحيز مكاني.

وعلم اللاهوت في تنظيمه لمجال الطقوس، هو محكوم أساسا بمنطق الجواز والبطلان، والطهر والنجاسة، والضلال والخلاص، والثواب والعقاب، والمشاركة والحرمان. لذلك تحوم مجمل إشكالياته حول ترسيخ سلوك المؤمن القويم، بغرض بلوغ خلاصه الأخروي وفلاحه الدنيوي، كما رسم معالمهما القديس أوغسطين في "مدينة الله"، المدينة السماوية، التي تقف على نقيض المدينة الأرضية[8].

وفي الفضاء الإسلامي، حتى وإن ارتقى نسق التطور التشريعي والفقهي والتنظيمي للوقائع الدينية، بظهور علوم شرعية مختلفة على صلة بمتنيْ القرآن والحديث، فإن هذا التطور غابت منه المتابعة الخارجية في التعاطي مع الدين. نرجع ذلك إلى عدم توفر الشروط التاريخية المعرفية لذلك، وبقاء تفسير الأمور في حدود ما هو غيبي وباطني. إذ بافتقاد الشروط التاريخية المعرفية يتعذّر على الإنسان المتديّن إعادة قراءة تجربته، ومراجعة نسق مفاهيمه، ما أبقى العربي والمسلم عامة في مستوى استهلاك الاعتقاد وقصوره عن بلوغ مراتب تبيّن أصول الاعتقاد، وهو ما يتطلّب تجاوز حاجيات الغريزة إلى طرح تساؤلات الثقافة.

وضمن السياق المشار إليه، الذي توزّع فيه النظر للدين على ضربين: داخلي وخارجي، أو بوضوح لاهوتي وعلمي،  برزت ملامح "علمية" تجمع بين مختلف المباحث المكوّنة لعلوم الأديان، على صلة بخاصيات المنهج التجريبي الوضعي في البحث، فضلا عن المنهج الاستقرائي واختبار النتائج، بما يضمن حياد الملاحظ. وقد عُدّت تلك العناصر كافية لاستبعاد اللاهوت وفلسفة الدين من عائلة المباحث العلمية في دراسة الأديان، مع أن أُولى التفرعات خرجت من حضنيْ اللاهوت والفلسفة، بعد أن جاء نزع الحبل السرّي الرابط عنيفا، كما يقول المؤرخ جوفاني فيلورامو[9]. ليتوالى توالد المباحث الجديدة مشكّلة مسارا على حدة، بدءا مع تاريخ الأديان الذي ترافق بمقارنة الأديان ثم مع علم الاجتماع الديني فالأنثروبولوجيا الدينية، وعلم النفس الديني.

وتبعاً لهذا السياق التفاعلي طورا والانشقاقي تارة في أوساط المنشغلين بتجربة الدين، حصل استبعاد فلسفة الدين من المقاربات العلمية، كونها تعالج الموضوع بشكل قيمي (أكسيولوجي) واستنباطي في بحثها عن الطبيعة "الحقيقية" للدين؛ وبالمثل حصل استبعاد علم اللاهوت بشكل حازم بوصفه تأملا عقليا للمؤمن في إيمانه الخاص، حيث يخضع نظره الخاص إلى موضوع ديني معياري. لكن الترحيبَ باللاهوتيين كأفراد والرفض للاهوت كرؤية ومنهج بقي حاضراً ضمن علوم الأديان، لعلّ الحالة الأوضح في هذا السياق اللاهوتي رودولف أوتّو. فانشغاله بـ"المقدّس" يأتي في مقدّمة اهتمامات العلوم الدينية به. وتُعدّ قراءته للدين في كتابه "المقدّس" إحدى الكواشف المهمة لتوضيح العالم الديني[10]. لكن التحول الجاري من "فلسفة الدين" إلى "فلسفة الأديان"، وبالمثل من "لاهوت دين بعينه" إلى "لاهوت الأديان"، وما رافق ذلك من مراجعات للخروج من "المركزية المسيحية"[11]، بات مدعاة لمراجعة الأسس المكونة لعلوم الأديان، حيث أثيرت المسألة مع ثلّة من الدارسين الغربيين أمثال بيار جيزل وأنسغار مونيكس وآلدو ناتاليه تيرّان[12]. والواقع أن ثمة محاولات لعلْموة الخطاب اللاهوتي المسيحي من الداخل، على غرار محاولات "اللاهوت النقدي" و"المنهج التاريخي النقدي"[13]، وهو ما يفتقره السياق الإسلامي.

آفاق التكامل بين المنهجين

على سبيل الذكر، أثارت التطورات المبكّرة لعلوم الأديان، التاريخية والسوسيولوجية والنفسية، نفورا داخل الأوساط اللاهوتية الغربية بوصفها مدعاة للريبة والتشكيك في الإرث الديني؛ لكن تحوّلا مهمّا حصل في العقود الأخيرة، حيث بدأت الأوساط اللاهوتية في احتضان المناهج الدارسة للظاهرة الدينية لا سيما منها السوسيولوجية والأنثروبولوجية. معتمِدة أحيانا تلك العلوم وموظّفة مقولاتها وتفسيراتها، لفهم عوامل تراجع الدين وزحف العلمنة، وذلك بقصد قلْب المعادلة وجعل الدين يستعيد المبادرة. وبالتالي ثمة محاولات لهضم المداخل العلمية، مدفوعة بقصد توظيفها لصالح المعتقد الذاتي ودعمه. وإن أبدى اللاهوت المسيحي تخلّصا من الريبة والخشية من تلك المناهج مثمّنا دورها حينا وإسهامها في وعيه بذاته وبالعالم آخر، فالجلي في الجانب الإسلامي غياب تلك المصالحة، ولا تزال قطيعة عميقة بين العلوم الدينية والعلوم الشرعية. والمسألة عائدة بالأساس إلى مناهج التكوين الديني في جامعات العلوم الإسلامية.

ولو عدنا إلى أوضاع التوتر التي احتضنت علوم الأديان، لتبيّن لنا حدّة تأثير الصراعات على السياقات العلمية، لا سيما في فرنسا إبان الثورة، وتواصل آثارها حدّ الراهن، مع خفوت ذلك التوتر في أوساط أخرى ساهمت في منشأ تلك المناهج، مثل الأوساط البروتستانتية. وعلى العموم ثمة تقليدان في تناول الظاهرة الدينية من وجهة نظر علمية، أحدهما فرنسي "Sciences religieuses"، والآخر ألماني "Religionswissenschaft". ترافق منشأ الأول مع غلق كليات اللاهوت التابعة للدولة في فرنسا (1885) وتدشين قسم العلوم الدينية في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا[14]. إذ جاء تدريس "تاريخ الأديان" في فرنسا، في 24 فبراير 1880، تعبيرا عن قطيعة مع تدريس اللاهوت في الجامعة الفرنسية. والتمشّي الذي استبدل دراسة اللاهوت بتاريخ الأديان هو التمشّي ذاته الذي حظر تدريس "الكاتكيزم" (التلقين الديني) في المدارس الإعدادية[15].

فقد نشأ الفصل بين المقاربة اللاهوتية والمقاربة العلمية داخل أجواء الصراعات الإيديولوجية المحمومة التي عاشتها فرنسا العلمانية مع كنيسة روما، بدا فيها احتكار المواقع الأكاديمية وتوظيف السلطة المعرفية، حتى بلوغ تغيير المناهج التعليمية، أمرا حاسما لترجيح كفة الثورة. نتساءل هل ما زال مبرّرٌ لذلك الفصل الذي تحوّل إلى تقليد أكاديمي؟ إذ عادة ما يسود فصلٌ بين منهجَيْ مقاربة الظاهرة الدينية، العلمي واللاهوتي، والجلي أن تبنّي ذلك الفصل من قِبل من يزمعون دراسة الظاهرة الدينية غالبا ما جاء مستندا إلى حدود وتقسيمات واهية، والمسألة وفق نظري ناتجة عن أُحادية تكوين لدى دارسي "الظاهرة الدينية"، أن يكون الباحث خرّيج كلية علوم اجتماعية أو خريج كلية دينية بالمعنى اللاهوتي أو الشرعي، فيأتي التفكير في الظاهرة مشوبا بتغليب أحد المنهجين. والأمر في الوسط الأوروبي يعود إلى خلفيات سياسية متجذرة في الوسط الأكاديمي، تحوّلَ بمقتضاها الدين من معطى عمومي إلى تديّن خصوصي.

وصحيح أن علم الأديان يستند إلى سلسلة من العلوم الإنسانية والاجتماعية عدّد منها الفرنسي ميشال مسلان: تاريخ الأديان، وعلم الاجتماع الديني، وعلم النفس الديني، والظواهرية، والإناسة الدينية، والبنيوية، والمقارنة، والرمزية، وأضاف إليها آخرون، مثل جوفاني فيلورامو، الألسنية والجغرافيا الدينية والقانون المقارن للأديان، مع ترك الباب مواربا لإمكان إلحاق علوم أخرى[16]. ما أريد أن أخلص إليه في ضوء هذا التمشّي، أن حدود علم الأديان مثل حدود دولة إسرائيل غير مرسومة بشكل نهائي حدّ الراهن، فلا زالت عرضة للمدّ والجزر. فلماذا هذا الإصرار على استبعاد المساهمة اللاهوتية، ونحن نعيش انتفاء صراع المواقع بين ما هو كَنَسي وما هو مدني، لا سيما وأن المعطى اللاهوتي قد شكّل الأرضية التي تولّدت منها مباحث تاريخ الأديان ومقارنة الأديان وغيرهما؟ إذ لا يعني تبنّي المقاربة العلمية للدين بالمفهوم الحديث، أن نلقي بسائر الإسهامات اللاهوتية، التي نسِمُها بالإيمانية، والتي عركها الإنسان المؤمن، على مدى قرون. والمهمّ أن نتفطّن إلى أن تلك المباحث المكوِّنة لعلم الأديان قد نشأت في فضاء غربي، ولا يعني أن الحضارات الأخرى قد عانت التوتر ذاته، أو أنها لم تولِّد مناهجها ورؤاها في فهم الإنسان المتدين. من هذا الباب تأتي حوافز الاستعانة بمباحث أخرى في فهم "الإنسان المتديّن"، حتى لا تبقى رؤانا مرتهنة للسياق الغربي، بما يزيد من ترسيخ سطوته. ما يجعلني أتساءل: هل استيراد المناهج والتقسيمات التي نشأت في الغرب كفيل بإفهامنا التجربة الدينية؟

إشكالية اللاّهوتي والعلمي في السياق العربي

من جانب آخر، لو تمعنّا الثقافة العربية نلحظ أنها لم تنتج أدواتها العلمية في فهم الظاهرة الدينية، إذ نجد المقاربة الإيمانية الداخلية (المقاربة الشرعية)، هي المهيمنة على النظر. ولا تزال المعالجة للدين والكائن المتديّن مطروحة على الوجه الأغلب ضمن رؤية إيمانية، مع إسهامات علمية خاطفة، ولا يمكن الحديث حتى الراهن الحالي عن خط منهجي تاريخي أو مقارني أو اجتماعي. فالمبادرات فردية ومحدودة ولا ترد ضمن تراكم علمي في دراسة الظواهر الدينية. وأبرز مظاهر هذا الوهن ما يطفو من خلط في المصطلحات، المتعلقة بدراسات الأديان والدراسات اللاهوتية في اللسان العربي لدى كثيرين، مثل عدم التفريق بين علم اللاهوت وعلم الأديان، وتاريخ الأديان ومقارنة الأديان وعلم اجتماع الأديان، ولعل خير مثال على هذه الضحالة المعرفية التي نعيشها في هذا المجال كتاب العراقي خزعل الماجدي المعنون بـ"علم الأديان" وهو أقرب إلى "كشكول للأديان"[17]. فكما تعلمون أنا زيتوني المنبت، وأذكر التقليد التعليمي المتّبع في الجامعة الزيتونية فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي أن كلّ مقاربة لمسألة دينية، تشريعية كانت أو فقهية أو أصولية تجري من خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي للمسألة، لتُردف بآراء السلف وشروحات الخلف، ثم تُعالَج ضمن ما هو توقيفي وما هو اجتهادي، وأقدّر أن هذا الأسلوب لا يزال مراعى ومحتذى إلى اليوم. فلو عدنا إلى مبحث العقيدة بالمنظور السائد تدريسه في الكليات الإسلامية نتبين الغياب اللافت للمقاربات العلمية في المسألة، حيث لم يطوِّر الدارس الانفصال المطلوب عما هو ذاتي، فضلا عن حالة التقمص الحاصلة مع المعتقد الذاتي. لكن رغم ما هو سائد، لا يعني أن تحقيق الانفصال متعذّر في حقل العلوم الشرعية، فبلوغ النضج المعرفي في العقل الشرعي الإسلامي هو رهين وعي لدى الدارس بالبنى الاجتماعية التي احتضنت تلك العلوم بشتى تنوعاتها الفقهية والحديثية والقرآنية والتفسيرية.

وصحيح أن الوعي بالظاهرة الدينية في الثقافة العربية هو وعي مشوب بمسحة إيمانية وردودية، مع ذلك لم يخل من خصوصية فهميّة، وهو يُصنَّف عموما ضمن الوعي الداخلي بالدين، غير أن السؤال المطروح هو إلى أي مدى يمكن أن يُسهِم الوعي الداخلي في بناء وعي علمي بالواقعة الدينية؟ ومع أنّنا لا نجد في الفكر الديني العربي الحديث وفرة في التركيز على المادة الخام الأولى للدين، وعلى أشكال التدين، بما يتخطى ما هو إسلامي إلى ما هو كوني، مقارنة مع ما نجده في الفكر الغربي، لمنْ تناولوا الظاهرة الدينية بعمق ومنهجية علمية، سنحصر حديثنا بعمَليْن عربيين على صلة بموضوعنا. الأول وهو مؤلف المصري علي سامي النشار "نشأة الدين" (1948)[18] الذي حاول فيه الإتيان على "الفكرتين الرئيسيتين المسيطرتين على النظريات الدينية وهما فكرة التطور وفكرة التوحيد أو الوحي الأول" حسب قوله، وإن كان علم الأديان تخطى سؤال المصدرية إلى رصد تجليات الفعل الديني بكافة أشكاله؛ والثاني كتاب التونسي محسن العابد "مدخل في تاريخ الأديان" (1973)[19]، وهو كما أراد صاحبه له أن يكون مدخلا للعلوم الحديثة في تناول الظاهرة الدينية. ينبغي أن نقول إن اطلاع النشار والعابد ما كان سطحيا على المناهج الغربية في معالجة الظاهرة الدينية وعلى القراءات الحديثة، ولكن تأثيرهما في جيليهما أو في الأجيال اللاحقة، للأسف بقي محدودا، مع أن الرجلين شغلا مهام جامعية نافذة. أذكر قولا لمحسن العابد متحدثا فيه عن العراقيل التي واجهت إنشاء تخصص دراسات الأديان في جامعة الزيتونة "ما أبنيه على مدى سنوات يُشطَب في لحظة، ثمة عقليةٌ منطوية على ذاتها ومكتفية بما لديها تأبى التطلع إلى ما وراء ذلك".

ولو عدنا إلى القرآن الكريم لتبيّنِ إن حصل تناول للكائن المتديّن ولظاهرة التدين، بشكل يتخطى حدود المعتقدات والأديان إلى ملامسة "الدين الفطري" و"الدين الحنيفي". نلحظ أن نصّ القرآن يطفح بالتناول "المتعالي" لمسألة الظاهرة الدينية بوصفها حجر الأساس الذي ينبني عليه الدين، أكان صادقا أم باطلا كما وصفه، ولم يتحاش الخطاب القرآني أن يطلق مسمى دين على الأديان "الباطلة" ولم يدخر ذلك للدين الصواب، كما في قوله تعالى: "لكم دينكم ولي دين". ففي التصور الإيماني ثمة منظومة متكاملة، يلتقي فيها الدين كحدث علوي والإنسان ككائن متديّن بالفطرة. وغالبا ما نسمع في الخطاب الإيماني عن محاولات لاكتشاف السنن الإلهية المبثوثة في الكون، التي تشمل من جملة ما تشمل الاعتقاد، فما هذه السنن المتعلقة بالدين والكائن المتدين؟ وكيف طوّر الوعي الديني الإيماني فهمه لهذه السنن من خلال التجربة الدينية للبشر؟ أحيانا تبدو تلك الاستنتاجات منتقاة ومختطَفة من سياقاتها العلمية بقصد التوظيف لا غير. وسواء من داخل الرؤية القرآنية أو من خارجها، حريّ التساؤل عن كيفية وعي المؤمن الظاهرة الدينية والحدث الديني وإبراز مدى التغاير في ذلك مع وعي الراصد الاجتماعي أو التاريخي أو النفسي من خارج حتى نحقق التفاعل المنشود بين المنهج العلمي والمنهج الإيماني.

نتساءل هل بوسعنا العثور على أشكال تديّن بدئي أرواحي وطوطمي وطبيعاني، مستوحاة من النص القرآني؟ والحال أنه أمام الخاصيات الجامعة التي تتراءى للمتابع للعالم الإسلامي، طُرحت في أوساط الأنثروبولوجيين المسألة بتفاوت، حيث نجد طلال أسد يتحدث عن "فكرة أنثروبولوجيا الإسلام" (1986) وجون باون عن "أنثروبولوجيا الإسلام الجديدة" (2012)، إلى حدّ الحديث عن "الإنثروبولوجيا الإسلامية" مع أكبر أحمد، إيمانا بأن هناك طابعا إسلاميا موحدا وجامعا[20]. لا أودّ الانحدار إلى استخلاص الطروحات الإسلامية بشأن "الكائن المتدين" من نص القرآن على غرار طروحات "الاقتصاد الإسلامي" و"علم الاجتماع الإسلامي" و"علم النفس الإسلامي" وغيرها، لإيماني أنها مجرد تهويمات لرؤى خاصة في الدين، أتت في سياق بحث الإحياء الإسلامي عن تشكيل خصوصية أمام قوة الضغط الغربي، ولكن مرادي هو جعل النص القرآني والمتن الحديثي في تواصل وتحاور مع مناهج العلوم الحديثة الدارسة للظاهرة الدينية.

كنت قد ذكرت آنفا حديثا مقتضبا عن رائدين في مجال الدراسات العلمية للأديان سامي النشار ومحسن العابد. والبارز أن تلك الحلقة التأسيسية لم تردف بحلقات تكميلية علمية تتابع تفاعل المناهج الحديثة في مقاربتها للظواهر الدينية. فعلماء الاجتماع الديني ينظرون إلى الدين بمثابة مؤسسة ومجموع من التعاليم والقوانين والقيم والجماعات والمنظمات، تطورت بموجب حاجة اجتماعية. والمسار الذي يتبعه علماء الاجتماع يتمثل في تتبّع التواشج بين البنى الاجتماعية والسلوكات الدينية، بقصد تسليط الضوء، من جانب، على الاعتقادات الدينية، إن كانت -بشكل ما- مشروطة بالنظام الاجتماعي، ومن جانب آخر، لرصد الأوجه المحورية للدين في النظام الاجتماعي. هذا وقد ظهر علم الاجتماع الديني كمحاولة لفهم دور الدين في هندسة المجتمع، وحافظ على ذلك الاهتمام ضمن دراسة آثار سياقات التديّن[21]. هذا الدور المحوري لعلم الاجتماع الديني يبدو غائبا في فهم الدين لدينا بعد أن تحول إلى مؤسسة فاعلة مع أننا في أمس الحاجة إلى ذلك.

الأمر ذاته يتعلق بالأنثروبولوجيا الدينية، في البدء تركز الاهتمام مع إدوارد تايلور (1832-1917) وجيمس جورج فريزر (1854-1941) في دراسة الأديان البدائية، وتمحورت الانشغالات حول أصول الدين وتطوراته، وهو ما جرى هجرانه لاحقا نحو أسئلة اجتماعية مع برونيسلاو مالينوفسكي (1884-1942) وإيفانز بريتشارد (1902-1973)، إبان فترة ما بين الحربين، تهدف إلى تتبّع الوظيفية السوسيولوجية الدوركهايمية، أي الوظائف التي يتخذها الدين في علاقته مع مختلف المؤسسات الدينية والممارسات الاجتماعية[22]. أيضا تركز البحث فترة ما بعد الحرب على نقيض الاهتمام السالف، أي على تعميق البحث في طبيعة الدين ذاته من خلال تحليل الرمزية الدينية ودراسة السياقات الطقوسية. والجلي في خضمّ هذه التحولات أن مناهج قراءة الظاهرة الدينية في الزمن المعاصر ما عاد يشغلها سؤال المنشأ، أعني منشأ الشعور الديني أو منشأ الاعتقاد، وأضحى الهاجس يحوم حول "الإنسان المتدين" وبالمثل "الإنسان غير المتدين" داخل تفاعلات التاريخ الراهن، إذ ثمة إعادة ترتيب للأولويات. وعودة الدين اليوم إلى المجال العمومي، وإصراره على اتخاذ دور في الحياة السياسية باتا من السمات العامة في الأديان، يُذكيه ما تسرّب من شكوك في مقولة العلمنة المرتبطة بالحداثة، والاستعاضة عنها بمقولة التعددية، وأن المعادلة التي تقول بتراجع الدين بقدر ما يتزايد التحديث باتت غير صائبة، كما لاحظ ذلك بيتر بيرجر، من خلال رصد أتباع الأديان النشيط في الأوساط الإسلامية والإنجيلية الأمريكية والإسرائيلية[23].

ضمن هذا المسار التطوري توجّب على علم الأديان الخروج من التوظيف حتى يكون علما. والبيّن في هذا المسار أن الأمر لا يعني أن اللاهوتيين في شتى الأديان، وعلى مدى انشغالهم بالدين، لم تراودهم فكرة بناء إطار علمي للدين أو تأسيس علم للأديان، وهو ما نسقطه من تصوراتنا أو ندّعي أنه نتاج العصور الأخيرة، بعد أن تخلّصت الدراسة من بعدها الاعتقادي. أنا لا أجاري هذا التصور وهذا التحليل، فقد جرت محاولات لصياغة علم الأديان، ولكن الدافع الأكبر في ذلك كان بقصد جعله في خدمة الجدل. كان ماكس مولر، مؤسس تاريخ الأديان، قد تعرّض للمسألة منذ العام 1856م تاريخ ظهور كتاب "علم الأساطير المقارن"، حين أبرز أن هدف علم الأديان، في البدء، كان إثبات تفوق المسيحية في مقابل الأديان الأخرى، لتقوم المسيحية بذلك الشكل مقام "اللاهوت الطبيعي".

فقد طُرحت العلاقة بين المباحث الدينية واللاهوت منذ أواخر القرن التاسع عشر، مع إنشاء تاريخ الأديان كمبحث مستقلّ. بدأتْ حينها مختلف المباحث الدينية تؤسس استقلاليتها عن اللاهوت[24]. وفي الأوساط البروتستانتية يُعدّ أرنست ترولتش من أوائل الذين حثّوا الخطى نحو بناء لاهوت ينزع منزعا تاريخيا علميا، وذلك في مؤلفه: "العقائد الاجتماعية للكنيسة والجماعات المسيحية"[25]، متسائلا فيه عن العامل الذي جعل الرسالة الأصلية للمسيح تتفرّع إلى أشكال تنظيمية متباينة؛ وعن انتقال وحدة الكلمة الحية للمسيح إلى تعددية في الأشكال الدينية؛ وبالتالي تساءل ترولتش عمّا يمثّل جوهر المسيحية، حين نتفحّصها بأعين تاريخية وسوسيولوجية.

يتساءل بيار جيزال أستاذ اللاهوت المنهجي في جامعة لوزان في كتاب: "اللاهوت أمام العلوم الدينية": هل ثمة تكامل؟ هل ثمّة تراتبية؟ هل ثمّة تعارض بين اللاهوت والعلوم الدينية؟ مفترضا إمكانية التفاعل شريطة أن يحوّر اللاهوت من مهامه. وأن يجري ذلك التكامل في حلّ من تعالي طرف على آخر، مبرزا أن لكلّ من اللاهوت وعلوم الأديان تاريخ خاص وأحيانا لكل إبستيمولوجيته[26].

خاتمة

أختتم قولي في هذه الدراسة بالتذكير بمسألتين: الأولى تعود إلى السياق التونسي، في الفترة التي التحقت فيها بالجامعة الزيتونية طالبا، أواسط الثمانينات/أواسط التسعينيات من القرن الماضي، كان يجول في الأوساط الطلابية حديث عن مخطط "العلمانيين" لجعل الزيتونة قسما للدراسات الدينية تابعا لكلية 9 أفريل حينها، أو لكلية من كليات العلوم الإنسانية والاجتماعية مثل كلية الآداب بمنوبة. هذا التخوف أو هذا الهاجس لازم الزواتنة، وكأنّ منهجهم مهدد بالمتربّصين، ما ولّدَ انكماشا ونوعا من الفوبيا المعرفية الدائمة. وقد عُدّ الأستاذ عبد المجيد الشرفي حينها، رفقة طلابه من دارسي الإسلاميات وأقصد مجموعة "الإسلام واحدا ومتعددا" خطرا وليس رافدا من روافد دراسة الظاهرة الدينية، ترسّخ ذلك التباعد بين مناهج ومقاربات حديثة حاولت الإسهام في معالجة الإرث الديني الإسلامي في تونس وبين مناهج كلاسيكية بقيت داخل "كلية الشريعة وأصول الدين" في مونفلوري ثم "جامعة الزيتونة" في رحبة الغنم، تعدّ نفسها وصية على التراث الديني وعلى المشروعية الدينية وإن كانت وصاية وهمية وهشّة.

والمسألة الثانية منهجية: أتساءل هل أدوات الظاهرة الدينية التي تشكلت مع الرواد الأوائل في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وفي مقارنة الأديان قادرة على فك إشكاليات "الإنسان المتدين" المعاصر الذي عرفه العالم تقريبا مع النصف الثاني من القرن العشرين؟ نحن أمام تحدّ يتمثّل في سحب أدوات فهْم الوقائع الدينية التقليدية إلى عصرنا واختبار مدى قدراتها في الإحاطة بالكائن الديني المعاصر، وبالمثل لفهم الثوران الديني، والصراعات الدينية التي باتت تستعصي على رؤانا التقليدية. وما التخبط الذي تعانيه المقاربات الحديثة في تفسير الوقائع الدينية، والإسلامية منها تحديدا، لَهُو مؤشر بارز على قصور يعتري تلك الأدوات. من هذا الباب ينبغي ألا نكون غربيين أكثر من الغرب، بتبنّي أرثوذكسي لأدواته والتعويل عليها كل التعويل.

***

ا. د. عز الدين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما

...................................

[1]. Van der leeuw, Fenomenologia della della religione, tr. It., Einaudi, Torino 1960, p. 529.

[2]. Giovanni Filoramo – Carlo Prandi, Le scienze delle religioni, Morcelliana, Brescia 1997, p. 36.

[3]. Rudolf Otto, Il sacro, Editore SE, Milano 2009.

[4]. Giovanni Filoramo, Che cos’è la religione. Temi metodi problemi, Einaudi , Torino 2004, pp. 131-132.

[5]. ميشال مسلان، علم الأديان: مساهمة في التأسيس، ترجمة عزالدين عناية، المركز الثقافي العربي، بيروت 2009، ص: 20-21.

[6]. Symposiun recueilli par H. Desroche et J. Seguy, Introduction aux sciences humaines des religions, voir Henri Charles Peuch et Paul Vignaux; La science des religions en France, Editions Cujas, Paris 1970, p. 10.

[7]. Gustave Mensching, Histoire de la science des religions, traduit de l’allemand par Pierre Jundt, La Marre, Paris 1955.

[8]. Sant’Agostino, La città di Dio, Rusconi, Milano 1984, pp. 691-92.

[9]. Giovanni Filoramo, Che cos’è la religione. Temi metodi problemi, Einaudi , Torino 2004, p. 150.

[10]. Aldo Natale Terrin, Scienza delle religioni e teologia nel pensiero di Rudolf Otto, Morcelliana, Brescia 1978, p. 220- 225.

[11]. حول الجدل القائم بشأن "المركزية المسيحية" و"مركزية المسيح" في الخلاص، يمكن الاطلاع على طروحات الاستيعاب والاستبعاد للآخر الديني ضمن ترجمتنا لكتاب الفكر المسيحي المعاصر قضايا ومراجعات: برونو فورتي- جون كسلمان-رونالد ويثروب، دار صفحات، دمشق 2014، ص: 35.

[12]. Aldo Natale Terrin, Scienza delle religioni e teologia. Per un studio integrale delle religioni, in aa. vv., Introduzione allo studio della religione, UTET, Torino 1992, pp. 213-51.

[13] . الفكر المسيحي المعاصر قضايا ومراجعات، ص: 45 وما بعدها.

[14]. Giovanni Filoramo, Che cos’è la religione. Temi metodi problemi, Einaudi , Torino 2004, p. 128.

[15].Julien Ries, La scienza delle religioni. Storia, storiografia, problemi e metodi, Jaca Book, Milano 2008,  p. 137-138.

[16]. Giovanni Filoramo, Che cos’è la religione. Temi metodi problemi, p. 146.

[17]. علم الأديان: تاريخه، مكوناته، مناهجه، أعلامه، حاضره، مستقبله، الناشر مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، المغرب 2016.

[18] . علي سامي النشار، نشأة الدين: النظريات التطورية والمؤلهة، مكتبة، دار نشر الثقافة بالإسكندرية 1949.

[19] . محسن العابد، مدخل في تاريخ الأديان، دار الكتاب، سوسة/تونس 1973.

[20]. يمكن في الشأن مراجعة مؤلّف الإيطالي أوغو فابييتي:

Ugo Fabietti, Medio Oriente uno sguardo antropologico, Rafaello Cortina Editore, Milano 2016, pp. 73-74.

[21]. Giovanni Filoramo, Che cos’è la religione. Temi metodi problemi, Einaudi , Torino 2004, pp. 137-138.

[22]. Alessandra Ciattini, Antropologia delle religioni, La nuova Italia Scientifica, Carocci, Roma 1997, pp. 66-70.

[23]. Peter Berger, I molti altari della modernità. Le religioni al tempo del pluralismo, Emi, Bologna 2017.

[24]. Pierre Gisel, La théologie face aux sciences religieuses, Labor et fides, Genève 1999, p. 17.

[25]. E. Troeltsch, Le dottrine sociali delle chiese e dei gruppi cristiani, 2 voll, La nuova Italia, Firenze 1941-1949 (ed. originale, Tübingen 1912).

[26]. Pierre Gisel, La théologie face aux sciences religieuses, Labor et fides, Gnève 1999, p. 9.

ظهر المعتزلة في أواخر العصر الأموي (بداية القرن الثاني الهجري) في البصرة، وتعدّ من اوائل الفرق الاسلامية التي تأثرت بالفلسفة الاغريقية وادخلتها الاسلام كفلسفة جديدة اسهمت في تطوير الفكر الاسلامي دينيا وسياسيا واجتماعيا، لاسيما في العصر العباسي. ومن الجديد الذي امتازت به انها غلّبت (العقل على النقل)، وقالوا بالفكر قبل السمع، ورفضوا الأحاديث التى لا يقرّها العقل حسب وصفهم، وقالوا بوجوب معرفة الله بالعقل ولو لم يرد شرع بذلك.

ومن اهم واخطر ما امتازت به انها مارست نقد الفكر والعقائد التي تعتمد التقديس والتسليم بما يعدّ تراثا مستخدمة المنطق في نقد قضايا دينية وحياتية يومية. وانفردت في نقد العامة من الناس بل واحتقارها لهم.. وكان من بين ابرز فلاسفة هذه الفرقة الكلامية (ثمامة بن الاشرس) الذي حظي بمكانة كبيرة عند الخليفة المأمون. ويروى عنه قوله للمأمون:وما العامة ؟ والله لو وجهت انسانا على عاتقه سواد ومعه عصا لساق اليك عشرة آلاف منها وقد سواها الله بالانعام فقال: (أم تحسب ان اكثرهم يسمعون او يعقلون، ان هم الا كالانعام بل اظلّ سبيلا).

اشكالية الأسم

يميل المفكر المصري أحمد أمين إلى أن اسم ( المعتزلة) جاء من إطلاق بعض اليهود الذين اعتنقوا الإسلام، بسبب الفرقة اليهودية التى ظهرت بعد السبى البابلى والمعروفة بـ"الفروشيم"، وهى كلمة عبرية يردافها بالعربية اسم "المعتزلة". غير ان المستشرق السويدى هنريك صمويل نيبرج اعترض على هذا التفسير التاريخي لاسم المعتزلة، فيما أورد المؤرخ الشهير المسعودى أن أصل كلمة "اعتزال" هو القول بالمنزلة بين المنزلتين، أى باعتزال صاحب الكبيرة عن المؤمنين والكافرين، إذ جاء المصطلح من طبيعة المعتقد نفسه كالمرجّئة الذين بالغوا فى الرجاء أو أرجؤوا العمل، والرافضة الذين قالوا برفض خلافة أبى بكر وعمر.

نشأة الحركة

بحسب دراسة بعنوان "المعتزلة" للدكتور مصطفى حلمى، تكاد تجمع المصادر التاريخية وكتب الفرق على أن نشأة مذهب الاعتزال ترجع إلى اختلاف واصل بن عطاء مع شيخه الحسن البصرى (110هـ) في الحكم على مرتكب الكبيرة، واعتزاله مجلسه لهذا السبب، فيما عدا هذه الرواية الشهيرة فإن الملطى - توفي سنة (377) - يعود بنشأة المعتزلة إلى أيام تنازل الحسن بن على عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، لأنهم كانوا من أصحاب على فاعتزلوا الناس ولزموا البيت والمساجد قائلين "نشتغل بالعلم والعبادة فسموا بذلك المعتزلة".. والأرجح الرواية الأولى.

ومن أشهر الأقوال فى هذا الإطار ما يرويه الشهرستانى أن واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصرى اعتزل مجلس الأخير حين اختلف معه فى مسألة مرتكب الكبيرة من المسلمين، وأنه ليس بمؤمن ولا كافر بل هو فى منزلة بين المنزلتين، حيث قال الحسن البصرى تعليقًا على انفصال ابن عطاء عن حلقته "اعتزل عنا واصل"، ومن هنا، بحسب هذا القول، جاء اسم المعتزلة.

خمسة اصول.. شرط الأعتزال

ما يميز المعتزلة انها اعتمدت خمسة اصول او عقائد هي: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر.. واشترطوا على من يريد ان يكون (معتزلا) ان يؤمن بها، وانه لا يستحق اسم الاعتزال حتى يجمع القول بهذه الأصول الخمسة، على حد تعبير ابو الحسين الخياط احد كبار أئمتهم.

ويعني التوحيد عندهم، نفي كلّ الصفات عن الله مثل السمع والبصر بهدف تنزيهه.. ومنها توصلوا الى فكرة خلق القرآن. ويقوم (العدل) عندهم عل فكرة العقل وقياس احكام الله على ما يرضي العقل والمنطق، ولهذا فهم نفوا ان يكون الله هو الذي خلق افعال عباده السيئة ومحاسبا عليها بآن واحد، فلا يمكن ان يخلق الله لعباده الا الصلاح والخير.. وبهذا يكون المعتزلة اول من خالف عقيدة القدر ونفوها.

وتقوم فكرة (المنزلة بين المنزلتين) على وجود منزلة ما بين الكفر والايمان يقع فيها الفاسق، فان تاب ورجع فقد أمن على نفسه وان مات على كفره فهو خالد في عذاب جهنم، فيما يقصد بالوعد والوعيد هو ان يحكم الله بالعدل المطلق في الاخرة، فمن اطاع الله في حياته جزاؤه الثواب ومن ارتكب المعاصي لا يعفو عنه.

وخامس اصولهم هوالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقصد بها فكرة الموقف من الحاكم الجائر.. الفاسق هل يجب القيام عليه او السكوت عنه والخضوع له.

ونعيد الرأي بأن اسم المعتزلة جاء بعد الخلاف الذي جرى بين واصل بن عطاء (ت 131هج) وشيخه الحسن البصري (ت 110 هج) فاعتزل شيخه وأنشأ لنفسه مدرسة ومذهبا خاصا به، فقال الحسن البصري (اعتزلنا واصل). ما يعني أن نشأة المعتزلة حدثت من هذه الواقعة، وليست من واقعة تنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية كما تذكر رواية أخرى، مع ان كلا الروايتين تتفقان على ان المعتزلة اختلفوا مع اهل السنّة والجماعة في مسائل تخص العقل في العقيدة الاسلامية كرؤية الله وقصة خلق القرآن. ولهذا وصفهم كثيرون بانهم ظلوا وانحرفوا عن العقيدة الصحيحة التي جاء بها النبي محمد، وانها خالفت في تأويلها افعال الله وابتدعت كلاما باطلا في كلام الله.. و(الأخطر) انها تعتمد المنطق وتقدمه على الوحي.

ويذكر الدكتور علي الوردي في كتابه (وعّاظ السلاطين) أن المعتزلة يعتقدون أن عليّا كان أولى من ابي بكر بالخلافة وافضل منه، ولكنهم يرون مع ذلك جواز تقديم المفضول على الفاضل اذا اقتضت ذلك مصلحة المسلمين. ويستندون في هذا على تصريح ابي بكر في خطبته التي افتتح بها عهد خلافته اذ قال :" اما بعد أيها الناس فاني قد وليت عليكم ولست بخيركم.. " (ص 190).

طه حسين و معروف الرصافي

في العام 1928، دُعِي عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين، إلى مؤتمر المستشرقين في أكسفورد، فقدّم باللغة الفرنسية ورقتيْن بحثيتيْن؛ إحداهما بعنوان: «استخدام ضمير الغائب فى القرآن كإسم إشارة»، والأخرى كانت بعنوان: «المعتزلة وليبنتز»، تستهدف عقد مقارنة بين المعتزلة، كإحدى أكبر فرق المتكلمين في الفكر الإسلامي، وبين الفيلسوف الألمانى الشهير، ليبنتز(1646- 1716 فيلسوف، وفيزيائي، ومحامي، ومستشار سياسي)، ختمها بهذا التساؤل:

«هل من قبيل المصادفة البحتة وجود هذا التشابه، وأكاد أقول هذا التماثل الكامل بين المذهبين؟. أو أن المعتزلة أثروا على ليبنتز من خلال الفلسفة المدرسية؟. ذلك سؤال لا أسمح لنفسى بأن أجيب عنه، ويكفينى أننى طرحته".

غير ان معروف الرصافي في كتابه (الشخصية المحمدية) يوضح ما هو اكثر بقوله ان الحسن البصري (الذي لا يرتاح له معروف!) وصف بالفصاحة وبالعلم والتقوى، وان له حلقة في مسجد البصرة يرتادها رواد العلم في زمانه.

ونشير الى ان البصرة كانت يومها الحاضرة الثقافية للدولة العربية يتخرج فيها طلاب الفقه والنظر في العقائد وعلوم اللغة والادب والشعر. وكان واصل بن عطاء، الألثغ الذي لا يحسن نطق حرف الراء.. ويستبدل الكلمات التي فيها (راء) بأخرى خالية منه تؤدي نفس المعنى! من بين من يحضرون مجلسه يتذاكرون في المسائل العلمية من اصول الدين وفروعه، فكان واصل من الآخذين عن الحسن البصري. ولما اثبت ابن عطاء (المنزلة بين المنزلتين) أمره الحسن باعتزال مجلسه، فاعتزل هو وبعض اصحابه وألفوا حلقة أخرى في ناحية من نواحي المسجد، فاطلق الناس عليهم اسم المعتزلة (صفحة 749).

ومع أن الرصافي يصف حادثة الأعتزال بأنها تعدّ أول انشقاق مذهبي حدثت في الوحدة الأسلامية، فاننا نرى ان هذا هو اول تفعيل للعقل الاسلامي في حرية التفكير وأول تحد في تناول (الممنوع) لما يعدّ مقدسا وجعله مسموحا في اخضاعه للمنطق. ويحسب لهم انهم تمكنوا من التأثير في السلطة ونظام الحكم يوم استطاعوا جعل الخليفة المأمون يؤمن بافكارهم، لاسيما القول بخلق القرآن الذي ينافي الفكر السائد بان القرآن قديم غير مخلوق.. بل انهم دفعوا المأمون عام 218 هجرية الى ان يجمع القضاة ويمتحنهم في قضية خلق القرآن في واقعة فكرية سميت (المحنة) وصفها الدكتور علي الوردي في كتابه (منطق ابن خلدون) بأنها كانت حدثا مهما في تاريخ الاسلام الفكري استمرت اربعة عشر عاما لقي فيها المعارضون لفكرة خلق القرآن شتى انواع الاضطهاد والبلوى (صفحة219).

وكان الامام احمد بن حنبل من اشد المعارضين لفكرة المعتزلة، مبررا ذلك بأنه لا يصح ان تصل فكرة خلق القرآن الى العامة لأنها ستؤدي الى عدم التقديس وضعف الأيمان، فيما ردّ المعتزلة بالقول ان عقيدة العامة قد فسدت بتأثير الأساطير والخرافات التي راجت بينهم، ولا يمكن اصلاحها الا عن طريق تعويدهم على النظر العقلي في أمورهم الدينية.

رأيان متضادان.. كلاهما صحيح!

ما يعجبك في هذين الرأين المتضادين، ان كليهما صحيح! برغم أن أحدهما ثابت وآخر متحول. وكان يفترض تعميق هذه الممارسة الفكرية في نقد العقل الديني، لكنها انتهت للأسف بخلافة المتوكل(اغتيل في 247هج)، اذ يقول المسعودي:

(لما افضت الخلافة للمتوكل أمر بترك النظر والمباحثة في الجدال، وأمر الناس بالتسليم والتقليد )(ص 199)، وصاروا يضطهدون ويطاردون المعتزلة متهمينهم بالزندقة.. ومنها ظهر القول المشهور(من تمنطق فقد تزندق).

والحقيقة التي يغفلها كثيرون، انه حيثما شاعت فكرة (نقد الدين تحديدا) قابلة للحوار والجدل، وتعرض فلاسفتها الى الأضطهاد فانه، يظهر مفكرون وفلاسفة، يحيونها او يطورونها او يدينونها، وقد ظهر في حينه فلاسفة كبار من بينهم الكندي والفارابي وابن سينا وابن مسكوية، فيما ظهر حديثا مفكرون تأثروا بفكر المعتزلة الى هذا الحد او ذاك مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي.

ولأننا نعيش الآن مرحلة فكرية مشابهة فان اثارة مثل هكذا قضايا فكرية جدلية تؤدي الى ظهور فلاسفة ومفكرين ومثقفين جدد يشيعون نقد العقل الديني بما يجعل العقل الجمعي العربي يتحرر من التسليم بمعتقدات دون ان يعمل عقله فيها، وتمكّنه أن ينتقي منها ما يتلاءم وافكار ومعتقدات العصر الأيجابية التي تحترم كرامة الانسان وتجعل لوجوده معنى.

***

أ. د. قاسم حسين صالح

رئيس ومؤسس الجمعية النفسية العراقية

(مكاشفة نقدية، واسْتِغْراب،،،)

” تعتبر الممارسات اللا إنسانية والقمعية على يد النازيين في الحرب العالمية الثانية ضد الجماعات العرقية والدينية في معسكرات الموت (أوشفيتز)، إحدى العاملات الفارقة في تشكيل معالم الفكر النقدي لرواد النظرية النقدية.... لكن بالمقابل ألا يدعو هذا الحدث - الذي يُعاد تكراره من حيث المبدأ - مفكري النظرية النقدية المعاصرين (هابرماس، هونيث...) إلى إدانة ممارسات الكيان الصهيوني الغاصب في الإبادة الجماعية والقتل الوحشي والاعتقال التعسفي وانتهاك حقوق الإنسان ضد الشعب الفلسطيني صاحب الأرض..... سؤال برسم الإجابة وإعادة الطرح والتمحيص؛ لأن الإنسانية لا تتجزأ حسب مقولات النظرية النقدية لرواد مدرسة فرانكفورت “. (الكاتب)

” كانت النظرية النقدية الاسم الذي اختاره مؤسسو مدرسة فرانكفورت في الفترة بين الحربين العالميتين لترمز إلى محاولتهم إنجاز وحدة النظرية والممارسة، وفيها وحدة النظرية مع البحث التجريبي، وكلاهما مع وعي متأصل تاريخياً بمشكلات العصر الاجتماعية والسياسية والثقافية. انطوت المحاولة على وعدٍ مغرٍ، وتبقى مهمة، لكنها واجهت أيضاً مشكلات اتضح أنه لا يمكن تذليلها، على الأقل من قبل أولئك الذين أثاروها بادئ الأمر “ (كريغ كالهون: النظرية الاجتماعية النقدية، ص60).

” عند النظرية النقدية أن التأمل عنصر حيوي من عناصر العقل، فهو مرتبط بكلمة المرآة التي تعكس شيئاً آخر. ونحن حين نفهم شيئاً ما نعكس صورته. وهو انعكاس ليس له أي كينونة خاصة به بل هو ما يظهر لنا في تلك اللحظة. والشخص المتأمل هو من لا يقبل على نحو عقائدي جامد هذا المظهر أو ذاك على أنه كلّ ما هنالك، بل يدرك أن المظاهر تعكس صورة علاقة تاريخية محددة بين الذات والموضوع. ولقد تعلمت أن المنظرين النقدين حين يكتبون بأسلوبهم الديالكتيكي المتردد جيئة وذهاباً، والمتحول خلفاً وقدّاماً بين الذات والموضوع، إنما يكتفون بترداد ما رأوا أنه العصر التأملي المميز بين عناصر العقل ذاته “ (آلن هاو: النظرية النقدية – مدرسة فرانكفورت، ص20).

” لا تستغني الحياة الواعية عن النقد، ولا يشك أحد في ضرورة النقد المتجدد للواقع السائد في نظم المعرفة والقيم والاجتماع، وأنماط الفكر والفعل والسلوك، إذ إن إحياء الحس النقدي معناه إحياء الحس بالحرية والاستنارة، وضرورة التغيير والتقدم والحوار المستمر. وعلى الرغم من تعدد مفاهيم النقد وتنوع أساليب تطبيقه وميادينه، فهو في تصوره البسيط المباشر يتضمن مناهج المراجعة والتقييم للأفكار والوقائع والأفعال التي تنطلق من معايير معينة، كما يستهدف الكشف عن تعارض تلك الأفكار والوقائع والأفعال مع هذه المعايير التي أصابها العجز والفساد، بُغية العمل على " رفعها " وتجاوزها. .... وطبيعي أن يبقى النقد الذي يكتفي بنفي الواقع القائم ونقضه وتعرية عيوبه وأخطائه في أدنى مستويات النقد، لأن النقد الصحيح هو الذي يضع " الضد " في مواجهة " القائم "، ويؤلف بينهما في " جديد " أعلى وأشمل وأكثر وعياً وخصوبة “ (عبد العفار مكاوي: النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، ص9).

إن الدراسة التحليلية لحركات النقد الاجتماعي التي ظهرت ضمن إطار الاتجاهات النقدية عموماً، تكشف لنا عن وجود مستويين أساسيين لهذا النقد، ففي المستوى الأول (الراديكالي)  نجد أن النقد الاجتماعي يعبر عن احتجاج اجتماعي شامل يستهدف التأكيد على ضرورة التغيير الأساسي والجوهري للأنماط الحضارية القائمة، إذ يبدأ هذا النقد بالتحليل السلبي لعيوب السياق الاجتماعي القائم ونقائضه، من خلال العمل على تجسيد حركة احتجاج تنظر إلى الواقع كشيء يمكن إعادة تشكيله وتغييره، أي امتلاكها  لتصور مثالي لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع، بحيث يصبح هذا التصور بدوره الإطار المرجعي الأولي لتنفيذ ما هو قائم، فيؤكد هذا المستوى على ضرورة امتلاك الحركة النقدية لقوى اجتماعية تصبح هي الفاعل الثوري (الراديكالي)* الذي ينتقل بالمجتمع مما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون، من خلال التأكيد على اكتمال حركة التحول الاجتماعي والحضاري.

أما المستوى الثاني للنقد الاجتماعي فيمكن اعتباره أقل راديكالية وشمولاً لأنه يتبنى النقد الثقافي والتنويري فقط، أي إنه يهدف إلى عملية التغيير الثقافي والتنويري لتشكيل توجهات ثقافية وقيمية جديدة تحكم التفاعل الكائن في الواقع الاجتماعي والحضاري، ويظهر هذا المستوى من النقد الاجتماعي حينما تنحدر الحركات السياسية الراديكالية وتقتصر بأهدافها على النقد الذاتي والثقافي للمجتمع، أو عندما لا يكون الفاعل الثوري للمجتمع مهيأً لتنفيذ مهام النقد ومتطلباته. هذا النقد قد يصبح هو المستوى المسموح به حينما يثبت الواقع ويؤكد صلابته أمام الانتقادات الموجه إليه، حيث يسعى هذا الواقع إلى استيعاب مضمون النقد بما يدعم بنائه وصلابته ويفقد النقد مبرره ومشروعيته. ويبرز هذا المستوى النقدي في المراحل التاريخية التي يكون فيها الواقع الاجتماعي قوياً، قادراً على استيعاب تناقضاته مؤكداً على وحدته وتكامله، أو حينما يقتصر النقد الاجتماعي على فضح وتفنيد ما هو قائم، وامتلاك القدرة على الانطلاق إلى ما ينبغي أن يكون عن طريق امتلاك نموذج مثالي ومستقبلي يتحرك نحوه المجتمع، أو حينما لا يمتلك التيار النقدي قوى التحول الاجتماعي أو الفاعل الثوري. بناءً عليه نجد أن النظرية النقدية تتوسل المستوى الثاني في نقدها لواقع المجتمعات الغربية، حيث أنتجت مدرسة فرنكفورت أو النظرية النقدية المستمرة في أجيالها الأربعة منذ تأسيسها عام 1923 في ألمانيا تحت اسم معهد البحوث الاجتماعية، العديد من الطروحات النقدية التي تصنف في خانة الفلسفة الاجتماعية والسياسية والنقد الثقافي.

وبالرغم من التمايزات التي تطبع كل جيل بسبب من اختلاف تأثير المناخات التاريخية وحيثياتها، إلا أن فلاسفة المدرسة ومفكريها لم يقعوا في فخ التقليد والاتباع والتكرار الإحيائي لتراث مدرسة كانت عصية على التمدرس، بمعنى أن الخلف فيها لم يحتذ نهج السلف، ما جنب النظرية النقدية الانقياد إلى السلفية التنظيرية غير القابلة للتجديد.

بل إن تاريخ مسار النظرية النقدية تعرض للانزياحات والانقطاعات كما الاتصال والاستمرار. ولقد غذت الأجيال الثلاثة اللاحقة على الجيل المؤسس المدرسة ببراديغمات جديدة كل الجدة " كالتواصلية العقلانية " لدى يورغن هابرماس، والاعتراف مع أكسل هونيث، والتسارع مع هارتموت روزا.

وفي حين يشكل العمل في رحاب المدرسة الواسع والفسيح محط اشتغال بحثي ينطلق من خصوصية المدرسة الأوروبية أو الحداثية. إن تشكيل هوية النظرية النقدية لم يأت منفصلاً عن التراث الفلسفي الغربي الذي استطاع مفكرو مدرسة فرنكفورت أن يختزنوه داخل مكونات نظريتهم، بعد أن أخضعوه لمصفاة النقد والغربلة.

أظهرت الفلسفة منذ بداية ظهورها احتواءها على عنصر هدام. يبيِّن عمل أفلاطون " دفاع سقراط " كيفية اتهام مواطني أثينا لسقراط بإفساده أخلاق الشباب والتشكيك في وجود الآلهة. وكان هذا الاتهام ينطوي على شيء من الحقيقة؛ فقد شكك سقراط في المعتقدات السائدة، وأخضع اعتقادات راسخة لفترات طويلة للتدقيق العقلاني، وأعمل فكره في مسائل تتجاوز النظام القائم. وما عرف بـ: " النظرية النقدية " قام على هذا الإرث، فقد ظهر هذا الاتجاه الفلسفي الجديد في الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وشن أبرز ممثليه حرباً ضروساً على الاستغلال والقمع والاغتراب التي تنطوي عليها الحضارة الغربية.

ترفض النظرية النقدية ربط الحرية بأي تنظيم مؤسسي أو منظومة فكرية محددة، إنها تبحث في الافتراضات والأغراض الخفية للنظريات المتضاربة وأشكال التطبيق القائمة. وليست هذه النظرية بحاجة إلى توظيف ما يعرف ﺑ " الفلسفة الدائمة "، إذ تصر على أن التفكير يجب أن يستجيب للمشكلات الجديدة والاحتمالات الجديدة للتحرر التي تنبثق عن تغير الظروف التاريخية. كانت النظرية النقدية - التي تتسم بأنها متعددة التخصصات، وتجريبية في جوهرها على نحو فريد، ومتشككة على نحو عميق في التقاليد والمزاعم المطلقة كافة - مهتمة دائماً، ليس فقط بالكيفية التي عليها الأمور بالفعل، وإنما أيضاً بالكيفية التي يمكن أن تكون الأمور عليها أو يجب أن تكون عليها. وقد دفع هذا الالتزام الأخلاقي مفكريها الكبار لتطوير مجموعة من الموضوعات والمحاور ومنهج نقدي جديد غير وجه فهمنا للمجتمع.

وللنظرية النقدية مصادر كثيرة، يعرف إيمانويل كانط الاستقلال الأخلاقي بأنه أسمى قيمة بالنسبة للفرد، وقد أمد كانط النظرية النقدية بتعريفها للعقلانية العلمية وهدفها المتمثل في مواجهة الواقع باحتمالات الحرية. في الوقت نفسه، رأى هيجل أن الوعي هو محرك التاريخ، وأن التفكير مرتبط بالاهتمامات العملية، وأن الفلسفة هي " المنظور الفكري الذي يُنظَر من خلاله لحقبة تاريخية معينة ". تعلم منظرو النظرية النقدية تأويل الجزء بالنظر إلى الكل. وبدت لحظة الحرية في مطالبة المستعبدين والمستغلين بالتقدير.

لقد جسّد كل من كانط وهيجل الافتراضات العامة المستمدة من عصر التنوير الأوروبي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، فقد اعتمدا على العقل لمحاربة الخرافة والانحياز والقسوة والممارسات التعسفية من جانب السلطة المؤسسية. كما وضعا افتراضات بشأن الآمال الإنسانية التي تعبر عنها الجماليات، والرغبة في الخلاص التي تنطوي عليها الأديان، وطرق التفكير الحديثة حول العلاقة بين النظرية والتطبيق. أما كارل ماركس الشاب، فقد ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بتأملاته اليوتوبية حول التحرر الإنساني.

لقد تشكلت النظرية النقدية في البوتقة الفكرية الماركسية، إلا أن ممثليها الرواد رفضوا منذ البداية الحتمية الاقتصادية، والنظرية المرحلية للتاريخ، وأي اعتقاد جبري في الانتصار (المحتوم) للاشتراكية. وكانوا أقل اهتماماً بما أطلق عليه ماركس (القاعدة) الاقتصادية منهم ﺑ (البنية الفوقية) السياسية والثقافية للمجتمع. لقد كانت ماركسيتهم بمذاق مختلف، وقد ركزوا على منهجها النقدي أكثر مما ركزوا على ادعاءاتها التنظيمية، وعلى اهتمامها بالاغتراب والتشيؤ، وعلى علاقتها المعقدة بمثل عصر التنوير، وعلى لحظتها اليوتوبية، وعلى تشديدها على دور الإيديولوجيا، وعلى التزامها بمقاومة مسخ الفرد. وتشكل هذه المجموعة من المحاور جوهر النظرية النقدية حسبما استوعبها رائدا " الماركسية الغربية " كارل كورش وجورج لوكاتش. قدم هذان المفكران إطار عمل المشروع النقدي الذي بات يعرف لاحقاً بمعهد البحوث الاجتماعية أو " مدرسة فرانكفورت ".

أنتجت مدرسة فرنكفورت أو النظرية النقدية المستمرة في أجيالها الأربعة منذ تأسيسها عام 1923 في ألمانيا تحت اسم معهد البحوث الاجتماعية، العديد من الطروحات التي تصنف في خانة الفلسفة الاجتماعية والسياسية والنقد الثقافي.

وبالرغم من التمايزات التي تطبع كل جيل بسبب من اختلاف تأثير المناخات التاريخية وحيثياتها، إلا أن فلاسفة المدرسة ومفكريها لم يقعوا في فخ التقليد والاتباع والتكرار الإحيائي لتراث مدرسة كانت عصية على التمدرس، بمعنى أن الخلف فيها لم يحتذ نهج السلف، ما جنب النظرية النقدية الانقياد إلى السلفية التنظيرية غير القابلة للتجديد.

تضمن الأعضاء الرئيسيون لهذه المدرسة تيودور في أدورنو، المشهور بمعرفته التامة بالموسيقى والفلسفة، والذي بدأ تعاونه مع المعهد في عام 1928، إلا أنه لم يصبح عضواً رسمياً إلا بعد عشر سنوات، وإريك فروم، عالم النفس الموهوب، الذي بدأ تعاونه الذي دام لتسع سنوات مع المعهد في عام 1930، وهربرت ماركيوز، الفيلسوف المتعدد المواهب والتخصصات الذي بدأ تعاونه مع المعهد في عام 1933، وفالتر بنجامين، الأكثر إبداعاً من بين هؤلاء المفكرين والذي لم يصبح عضواً رسمياً بالمعهد قط، ويورغن هابرماس، الذي أصبح فيلسوف المعهد الرائد بعد عام 1968، وبالتأكيد أكثر المفكرين المرتبطين بالمعهد غزارة في الإنتاج، إلا أن ماكس هوركهايمر كان نبراس هذا المعهد، فهو من جمع هؤلاء المفكرين الاستثنائيين معا لوضع أساس متعدد التخصصات لنظرية نقدية للمجتمع.

إلا أن تاريخ مسار النظرية النقدية تعرض للانزياحات والانقطاعات كما الاتصال والاستمرار. ولقد غذت الأجيال الثلاثة اللاحقة على الجيل المؤسس المدرسة ببراديغمات جديدة كل الجدة " كالتواصلية العقلانية " لدى هابرماس، والاعتراف مع أكسل هونيث، والتسارع مع هارتموت روزا.

بذلك يشكل العمل في رحاب المدرسة الواسع والفسيح محط اشتغال بحثي ينطلق من خصوصية المدرسة الأوروبية أو الحداثية. إن تشكيل هوية النظرية النقدية لم يأت منفصلاً عن التراث الفلسفي الغربي الذي استطاع مفكرو مدرسة فرنكفورت أن يختزنوه داخل مكونات نظريتهم، بعد أن أخضعوه لمصفاة النقد والغربلة.

وفيما يتعلق بالتوجه الفكري للنظرية النقدية نجد أن مدرسة فرانكفورت سعت في بداية عملها الفكري إلى دعم الفرص العملية لتحرك ثوري من جانب البروليتاريا. ومع مرور ثلاثينيات القرن العشرين، تفككت الثورة في الاتحاد السوفييتي، وتلاشت التوقعات بحدوثها في أوروبا، ودخلت الفاشية بوقاحة إلى الحياة السياسية، وبدت الآمال الإنسانية التي كانت مرتبطة في الأصل بالعصرية متزايدة السذاجة. وقد سجلت مدرسة فرانكفورت هذا التحول التاريخي من خلال إخضاع الاعتقادات اليسارية الراسخة في الطبيعة التقدمية المتأصلة للعلوم والتكنولوجيا والتربية الشعبية والسياسة الجماهيرية لفحص هدام.

كان التنوير والماركسية يقارن بينهما فيما يتعلق بمُثلهما المتعذرة التحقق، بينما أعادت مدرسة فرانكفورت صياغة الجدل التاريخي عبر رؤى عميقة مأخوذة من أعمال آرثر شوبنهاور وفريدريش نيتشه وفرانز كافكا ومارسيل بروست وصامويل بيكيت والتراث الحداثي. لقد بدأت النظرية النقدية عملية استعادة الصور اليوتوبية المنسية ومثل المقاومة المهملة في ظل ظروف بدا فيها أن احتمالية تحقيق هذه الصور والمثل لم تعد قائمة، وكانت النتيجة شكلاً جديداً من " الجدل السلبي " الذي لم تَنْمُ شعبيته إلا بين الأكاديميين المعاصرين.

لقد قامت النظرية النقدية منذ نشأتها بنقد جذري لمشروع التنوير بما هو رمز للحداثة الغربية، وهذا ما يظهر بصورة جلية في كتاب جدل التنوير 1944 لهوركهايمر وأدورنو، الذي ظهر في سياق تاريخي متميز عرفته المجتمعات الغربية في تلك الفترة بعد صعود النظم السياسية الشمولية (النازية، الفاشية، الستالينية) التي أدت إلى السيطرة والاستبداد وانهيار موقع ومكانة الفرد في المجتمعات الغربية وظهور اللاتسامح على عكس الأسس والمبادئ التي قام عليها هذا المشروع الذي نادى بالعقل والحرية والعدالة واحترام كرامة الإنسان وحقوقه وفكرة التقدم الإنساني. غير أن التطور التاريخي تبيّن أن المشروع التنويري أصبح أبعد ما يكون عن المبادئ والأسس التي انطلق منها، حيث تحول العقل إلى أداة للسيطرة على الطبيعة، ثم على الإنسان. والمقصود بالعقل هنا العقل الأداتي أو التقني القائم على التكميم والفاعلية والموجّه نحو ما هو عملي وتطبيقي ونفعي. كما أن الفكر أصبح بمثابة آلة رياضية تتضمن تكريساً للعالم بوصفه إجزاءً خاصاً. بذلك يُقصد بالعقل الأداتي العقل الغربي المتركز حول الذات، والعقل الشمولي المنغلق الذي يدعي أنه يتضمن كل شيء، والعقل الأداتي الوضعي الذي يفتت ويجزئ الواقع ويحول كل شيء إلى موضوع جزئي حتى العقل نفسه. بتعبير أدق هو نوع من التفكير السائد في المجتمع الصناعي الحديث وهو ما وصفه هربرت ماركيوز بالتفكير ذو البعد الواحد، ويتضح ذلك في أسلوب التفكير العلمي والتقني، كما تعبر عنه الفلسفة الوضعية بأشكالها المعاصرة والفلسفة البراغماتية. ويتضمن مصطلح (الأداتية) مضمونين: فهو أسلوب لرؤية العالم، وأسلوب لرؤية المعرفة النظرية. بحيث إن رؤية العالم بوصفه أداة تعني اعتبار عناصره أدوات نستطيع بواسطتها تحقيق غاياتنا، والمثال على ذلك، أنا لا انظر إلى الشجرة لما يجلب جمالها لي من رضى، بل أراها خشباً يمكن أن يحول إلى ورق يطبع عليه كتابي الذي أقوم بتأليفه.... وبإمكاننا أيضاً النظر إلى المعرفة باعتبارها أداة و وسيلة لتحقيق غاية. وربما تكون هذه الفكرة أصعب كثيراً لأنها تتخلل ثقافتنا لدرجة أن أي وجهة نظر أخرى لا ترى في المعرفة أداة يصعب تصورها. باختصار شديد يمكن النظر إلى العقلانية الأداتية حسب هوركهايمر باعتبارها مجموع الوسائل أو القواعد التقنية الكفيلة بتحقيق غاية معينة تستدعي بذل جهوداً مضنية لتحقيقها.

ويذهب هابرماس في كتابه " التقنية والإيديولوجيا " إلى أن العقل الأداتي يعبر عن العقلانية الأداتية التي لعبت دوراً هاماً في تكوين معالم المجتمع الرأسمالي الغربي باعتبارها عقلانية تخضع للحساب الواعي، الذي يدرس كيفية الوصول إلى أهداف بحد ذاتها غير خاضعة لطابع قيمي بل لطابع عملي، ويتشخص هذا النوع من العقلانية في تعامل الإنسان مع الطبيعة وتتجسد في العلم والصناعة والتكنولوجيا الحديثة.

ويؤكد هابرماس أن مفهوم العقل الأداتي عند ماركيوز الذي يتفق مع مفهوم العقل التقني أو الأداتي هو ذاته إيديولوجيا فالتقنية هي السيطرة ذاتها على الطبيعة والإنسان، لذا نجد أن التقنية مشروع تاريخي اجتماعي تنعكس فيه ما يريده المجتمع والمصالح المسيطرة أن تفعله بالناس والأشياء.

هكذا، انبثقت النظرية النقدية كرد فعل على الوضعية التي كانت تُعنى مع أوغست كونت بدراسة الظواهر الاجتماعية دراسة علمية موضوعية تجريبية، باستخدام الملاحظة والتكرار والتجربة، وربط الأسباب بمسبباتها، بغية فهم الظواهر العلمية فهماً علمياً دقيقاً. وكانت الوضعية تهتم أيضاً بوصف الظواهر دون تفسيرها، لأن التفسير يرتبط في منظور الوضعية بالـتأملات الفلسفية والميتافيزيقية. كما استبعدت الوضعية البعد الإنساني والتأملي والأخلاقي في عملية البحث. وقد وجهت مدرسة فرانكفورت إلى هذه النظرية الوضعية انتقادات قاسية. وفي هذا الصدد، يقول بوتومور في كتابه مدرسة فرانكفورت: اتخذ أصحاب مدرسة فرانكفورت موقفاً مناهضاً لها، فانتقدها أدورنو لعجزها عن اكتشاف المصلحة الذاتية التي قد تسهم في تحقيق تقدم موضوعي، بسبب القصور الكامن في أسسها المنهجية، وفشلها في إقامة صلة قوية بين المعرفة من ناحية والعمليات الاجتماعية الحقيقية من ناحية أخرى. لذلك، انتقدها هابرماس بسبب طبيعتها المحافظة، وقصورها عن فهم العلاقة الخاصة بعلم الاجتماع والتاريخ، انطلاقاً من أن علم الاجتماع الوضعي لا يأخذ في اعتباره دور التحولات التاريخية في تشكيل المجتمعات. وفي ذات السياق يرى ماركيوز من خلال كتابه الشهير " الإنسان ذو البعد الواحد- دراسة عن إيديولوجية المجتمع المتقدم " الذي نقد فيه العقل الأداتي وما آلت إليه الحداثة الغربية الرأسمالية أو الاشتراكية عبر التطورات الاقتصادية والتكنولوجية التي شيئت كل شيء حتى الإنسان، لذلك يعتبر مفهوم الإنسان ذو البعد الواحد من أهم المفاهيم التي حللها وناقشها ماركيوز، وتعني " الإنسان البسيط غير المركب "، فالإنسان ذو البعـد الواحد هو نتاج المجتمع الحديث، وهو نفسه مجتمع ذو بعد واحد يسيطر عليه العقل الأداتي والعقلانية التكنولوجية والواحدية المادية، وشعاره بسيط هو التقدم العلمي والصناعي والمادي وتعظيم الإنتاجية المادية وتحقيق معدلات متزايدة من الوفرة والرفاهية والاستهلاك،  بحيث تهيمن على هذا المجتمع الفلسفة الوضعية التي تطبق معايير العلوم الطبيعية على الإنسان، وتدرك الواقع من خلال نماذج " كمية – رياضية " وتظهر فيه مؤسسات إدارية ضخمة تغزو الفرد وتحتويه وترشّده وتنميطه وتشيئه وتوظفه لتحقيق الأهداف التي حددتها.

وفي سياق متصل نظر هابرماس إلى الوضعية باعتبارها تعبر عن أسلوب لتحنيط العلم لدرجة يغدو فيها إيماناً مقتنعاً بقدرته الخارقة على تقديم أجوبة على كل الأسئلة ووضع الحلول لكل المشاكل. أما النزعة التقنية فإنها تعمل على توظيف المعرفة العلمية والتقنية بوصفها إيديولوجيا. لذا يرى هابرماس أن الكشف عن مكونات الخطاب الوضعي معناه نقد الحداثة في تعبيرها الإيديولوجي، بذلك ينصب نقد هابرماس للوضعية على التعبير الفلسفي كما على دورها الإيديولوجي. ذلك أن العلمي والإيديولوجي متلازمان في الوضعية المعاصرة، ثم إن الوضعية والنزعة التقنية تشكلان وجهين لنفس الوهم الإيديولوجي. بل إن الوضعية تسجل، ما يسميه هابرماس بـ " نهاية نظرية المعرفة ". وحجر الزاوية التي تستند عليه الوضعية هو مبدأ العلموية الذي يفترض، كما قلنا أن معنى المعرفة يتحدد بما تحققه العلوم ويمكن بالتالي أن يفسر بواسطة التحليل المنهجي للأساليب العلمية.

ويتصور هابرماس أنه إذا كانت الوضعية قد جاءت على أنقاض التصورات التقليدية للعالم ولا سيما الميتافيزيقية منها، وإذا كان المفهوم الوضعي للواقعة يسلم بأن وجود المعطى المباشر بوصفه معطى جوهرياً، فإن الوضعية تؤسس، شاءت أم أبت، فلسفة بالتاريخ. ولذلك فكل النقد لهذه النزعة يجب أن يراعي ضرورة إعادة الاعتبار للتفكير الذي تم نفيه عن طريق تنشيط المعرفة العلمية الحقة من خلال القيام بإعادة بناء ما قبل تاريخ الوضعية الجديدة. واستئناف النظر في التأمل الذاتي كحركة فكرية وكفعل فلسفي يعطي للعلوم التجريبية قيمتها الإجرائية الحقيقة وللعلوم الاجتماعية مكانتها الفعلية في التقسيم العملي النظري.

يعلن هابرماس عن أن هذه البنية منذ المقدمة التي استهل بها كتاب المعرفة والمصلحة حين أكد على أنه يحاول القيام بإعادة بناء ما قبل تاريخ الوضعية الحديثة من منطلق القصد المنهجي في تحليل ارتباط المعرفة والمصلحة. فأي واحد يتتبع عملية تفكك نظرية المعرفة والتي حلت محلها نظرية للعلم، يمر عبر درجات مختلفة من إهمال للتفكير... إن الوضعية هي نفي التفكير. إن تحليل هذا الارتباط العضوي الموجود بين المعرفة والمصلحة من خلال الفلسفة الوضعية، في تعبيراتها التقليدية والحديثة، يجب أن يعتمد على أطروحة مفادها أن نقداً جذرياً للمعرفة لا يمكن أن يتم إلا في شكل نظرية للمجتمع من جهة، وبالقيام بتفكير حول العلم في ذاته من جهة ثانية.

غير أن بعض الباحثين يعتبرون أن هابرماس يسقط في خلط كبير، في عملية نقده للوضعية، بين الوضعية المنطقية والفلسفة التحليلية والعقلانية النقدية لكارل بوبر وجمعه لهذه الاتجاهات في جبهة واحدة لمواجهتها. يعني أنهم لا يقبلون إلا وجهاً واحداً للعقلانية، معطى من خلال الضبط الذاتي للعلوم الرياضية والفيزيائية. إنهم يرفضون كل قيمة للمعرفة، وأحياناً لا يعترفون بأية دلالة من دلالاتها، ليس فقط للتأمل الذاتي الذي تطالب به الفلسفة باعتباره منهجها الخاص، ولكن أيضاً للتفهم الذي يؤسس الاهتمامات التأويلية، كما أنهم في الأخير يستبعدون من مجال العقلانية كل أحكام القيمة من النوع الأخلاقي مثلاً.

كان هابرماس يحاول في نقده للوضعية في مختلف تعبيراتها أن يبرز أن مسألة التفهم لا يمكن استبعادها من طرق الوضعية باسم العلوم التجريبية لأن تكوين هذه العلوم نفسه يتضمن بالضرورة، لحظة تفهم حتى لو كان مغلفاً، ثم في مرحلة ثانية عندما تتأكد شرعية التفهم باعتبارها مؤسسة للعقلانية، موسعة لمجال الابستمولوجية ضد التضييق الوضعي لما هو عقلاني، يتعين مواجهة ادعاء علوم التأويل في كونها تشكل البديل الوحيد للوضعية، وبالتالي الخطاب الوحيد الذي يمكن إقامته خارج العلوم الفيزيائية والرياضية. بل إن هابرماس ومن أجل دحض الادعاءات الكونية للتأويلية حاول أن يثبت أن الهرمينوطيقا نفسها غير ممكنة إلا إذا توفرت لحظة التأمل الذاتي الذي يشكل المنهج الخاص لمجموعة ثابتة من الاختصاصات العقلانية المتمثلة في العلوم النقدية (الماركسية، التحليل النفسي، الفلسفة بوصفها نظرية نقدية).

وبشكل عام، هاجم مفكرو مدرسة فرانكفورت سعي الوضعية إلى تحقيق المعرفة العلمية، وتكميم الحقائق، بما يؤدي إلى ضياع المعنى الجوهري للظواهر الاجتماعية. وأنه ارتباطاً بذلك، فقد أدى تمثل الوضعية لنموذج العلم الطبيعي في علم الاجتماع إلى فصل المعرفة عن بعدها الأخلاقي، وهو ما يعني استبعاد الموقف الأخلاقي للباحث، عن طريق الادعاء بأن علم الاجتماع هو علم متحرر من القيمة، وهو ما يعني أيضاً أن هذا العلم يمكن أن يكون أداتياً بالنسبة للقوى الاجتماعية المتسلطة، أو هو وسيلة للتحكم والهيمنة كما حدث في الرأسمالية المتقدمة.

ويدل هذا على أن الوضعية العلمية تستبعد الذات، والتاريخ، والأخلاق، والمصلحة الاجتماعية، وأنها في خدمة الليبرالية المستغلة، أضف إلى ذلك، أنها تعتبر البشر كائنات مقيدة بحتميات علمية جبرية، وأن لا دور للإنسان في التغيير أو صنع التاريخ، ويرى مفكرو فرانكفورت أن التراث الوضعي يميل للنظر إلى البشر باعتبارهم كائنات لا قوة لها في مواجهة المجتمع، وهو ما يتضح لدى دوركايم الذي يؤكد أن الفرد يجد نفسه في مواجهة المجتمع كقوة أسمى منه عليه أن ينحني أمامها، أو ما يؤكد عليه ماكس فيبر حين يرى أن الفرد في المجتمعات البيروقراطية، رأسمالية أم اشتراكية، ليس إلا ترساً في آلة كبيرة. وفي مواجهة ذلك، ترى النظرية النقدية أن ذلك ناتج عن العمق الداخلي للإنسان، ومن ثم، تؤكد هذه النظرية على العلاقة الجدلية بين الفرد والمجتمع، كذوات مستقلة غير خاضعة، تعكس جوانب الحقيقة الكلية.

طالما اعتبرت مدرسة فرانكفورت الفلسفات المؤسساتية عقبات في سبيل إقامة مجتمع حر، وقد أدان أعضاؤها الانشغال بالأسس المطلقة والفئات التحليلية والمعايير الثابتة للتحقق من ادعاءات الصحة. ورأوا أن ثمة متهمين أساسيين في هذا الشأن: " الفينومينولوجيا " بادعاءاتها الأنطولوجية حول الكيفية التي يختبر بها الأفراد الوجود، و" الفلسفة الوضعية " بما تطلبه من تحليل المجتمع وفقاً لمعايير العلوم الطبيعية. هُوجم كلا المذهبين الفلسفيين لتعاملهما مع المجتمع من ناحية لا تاريخية وقضائهما على الذاتية الأصيلة، وكان المقصد من النظرية النقدية أن تكون بديلا لهذين المذهبين، وقد كان وراء تلك النظرية هدف يسعى لإحداث تحول واهتمام خاص بثقافة الحياة الحديثة.

يمثل الاغتراب والتشيؤ الفكرتين الأكثر ارتباطاً في العموم بالنظرية النقدية. يقترن الاغتراب عادة بالآثار النفسية لاستغلال العمال وتقسيم العمل، فيما يتعلق التشيؤ بالكيفية التي يعامل بها الأشخاص فعليا باعتبارهم (أشياء) من خلال مفاهيم منتزعة من سياقها التاريخي. وقد أجرى ماركسيون غربيون دراسات رائدة عن الاغتراب والتشيؤ بالفعل خلال عشرينيات القرن العشرين، إلا أن مدرسة فرانكفورت قدمت رؤية فريدة للكيفية التي أثرت بها هذه الفئات المعقدة على الأفراد في المجتمع الصناعي المتقدم.

درس أعضاء مدرسة فرانكفورت الطرق التي اختزل من خلالها التفكير إلى مفاهيم آلية عن ماهية كل ما هو عملي ومربح، وكان التأمل الأخلاقي في طريقه إلى التلاشي، وشرع الاستمتاع الجمالي في التحول إلى شيء أكثر نمطية. لاحظ منظرو النظرية النقدية في قلق كيف أن تفسير المجتمع الحديث بدأ يصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى، ومن ثم، كان الاغتراب والتشيؤ يحللان من ناحية الكيفية التي من خلالها عرضا ممارسة الذاتية للخطر، وجردتا العالم من المعنى والغاية، وحولتا الفرد إلى ترس في آلة.

ويُنظر إلى ممارسات معسكر أوشفيتز (ونحن بدورنا نرى أن الإبادة الجماعة لسكان قطاع غزة في فلسطين المحتلة من قِبل الكيان الصهيوني الغاشم بحجة القضاء على الإرهاب لا يقل بشاعة عن ممارسات معسكر أوشفيتز) على أنه يجسد أكثر آثار الاغتراب والتشيؤ جذرية. لقد كان الحدث الفاصل الذي حطم الافتراضات المتفائلة حول التقدم من أساسها أكثر مما فعل زلزال لشبونة خلال القرن الثامن عشر. ولما كانت صور معسكرات الاعتقال النازية لا تزال ماثلة في الأذهان، ومع تدمير هيروشيما وناكازاكي، وظهور تقارير جديدة عن المعتقلات السوفييتية (الجولاج)، ومع تزايد انتشار المكارثّية في الولايات المتحدة، بدا لمدرسة فرانكفورت كأن الحضارة الغربية لم تأت بالتطور الإنساني، وإنما أتت بنزعة بربرية غير مسبوقة. وأدرك أعضاء المدرسة أن شيئاً أكثر من النقد المعتاد للرأسمالية مطلوب من الفكر الراديكالي.

ومن الواضح أن المجتمع الجماهيري الذي تحكمه البيروقراطية يجمع بين كل أشكال المقاومة، ويطمس الفردية الأصيلة، وينتج تركيبات شخصيات ذات ميول سلطوية. وكان التماثل يفت في عضد الاستقلالية. وإذا كان التطور الرأسمالي يرتبط بالتنميط والتشيؤ، فإن التقدم يعد فعلياً نوعاً من الرجوع للوراء، ومن ثم كانت الأوهام المرتبطة بعصر التنوير (التي يسلم بها اليسار بغير انتقاد) تتطلب إعادة نظر، بل وتحتاج العصرية نفسها إلى نقد.

اتفق أعضاء مدرسة فرانكفورت كافة على الحاجة إلى زيادة التعليم لمجابهة الاتجاهات السلطوية. لكن ظل مدى الفعالية التي قد يكون عليها مثل هذا التعليم غير واضح في مجتمع خاضع لإدارة شمولية. فقد كانت هناك " صناعة ثقافة " جديدة - وهو مفهوم ربما يعد أكثر المفاهيم المرتبطة بالنظرية النقدية شهرة - تكافح باستمرار لخفض أقل قاسم مشترك من أجل زيادة المبيعات إلى أقصى حد. وكان كل من التجربة الفردية الأصيلة والوعي الطبقي معرضين لخطر النزعة الاستهلاكية للرأسمالية المتقدمة. كل هذا دفع هوركهايمر وأدورنو وماركيوز إلى ادعاء أن درجة شهرة أي عمل - بصرف النظر عما يحمله من رسالة سياسية - هي ذاتها درجة اندماج الدافع الراديكالي لهذا العمل مع النظام. وقد أصبح هؤلاء المفكرون رواداً لفن حداثي تجريبي وشكل " إيسوبي " من الكتابة الملتفة التي أخفت معتقداتهم الراديكالية في ظل المناخ المشحون خلال فترة ما بعد الحرب. ومع ذلك، فإن ذلك الأسلوب المستتر غير المباشر للنظرية النقدية زادها جاذبية بين المفكرين الراديكاليين الذين اشتركوا في انتفاضات ستينيات القرن العشرين.

تتصف بطابع تنبئي ما كانت النظرية النقدية، فقد تنبأ مؤيدوها بحدوث تحول في الحياة اليومية والتجربة الفردية. فهي لم تهاجم فقط الآراء المؤسساتية للتاريخ، بل قدمت أيضا بديلاً راديكالياً لها. وقد طبق الراديكاليون الأوروبيون أفكار النظرية النقدية الخاصة بإعادة تشكيل الأسرة والعلاقات الجنسية والتعليم. لقد سعوا للوصول لإدراك يوتوبي جديد مجرد من القسوة والمنافسة. لكن مدرسة فرانكفورت انقسمت على نفسها فيما يتعلق بالحركات الخاصة بستينيات القرن العشرين. كان أدورنو وهوركهايمر متشككين. فقد تشككا في الثقافة المضادة والهجوم على التقليد، والعنف المتقطع ومعاداة الفكر، بالإضافة إلى حالة الارتياح التي كان من المفترض أن النشطاء الراديكاليين يقدمونها لأعداء الديمقراطية، وقد ساويا ما بين هذه الحركات الجماهيرية التي ظهرت في ستينيات القرن العشرين والحركات التي ظهرت في فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وربطاً بين التفكير اليوتوبي والشمولية.

في ذلك الوقت، بدا أن المقاومة الحقيقية تدعو إلى التركيز على اللحظة السلبية في التقليد النقدي. وقد ذكر أدورنو بوجه خاص أن الأمر لم يعد يقتصر على مجرد رفض ربط الحرية بأي نظام - أو جماعة - وإنما يمتد إلى وضع تصور ﻟ " اللا هوية " (وزيادة حدة التوتر) بين الفرد والمجتمع. تلاشى الانشغال بالمقاومة المنظمة والسياسات المؤسسية لصالح الوصول لشكل فلسفي جمالي للنقد أو (في حالة هوركهايمر) " التوق للآخر الكامل " شبه الديني. ظلت مدرسة فرانكفورت تستخدم المنهج الذي ورثته عن هيجل وماركس. وكان أكثر أعضائها المحافظين سياسياً لا يزالون يرون أن الذاتية واقعة في شرك ما تقاومه: الشكل السلعي والثقافة الجماهيرية والمجتمع البيروقراطي. إلا أنهم أثاروا شكوكاً جديدة حول الادعاءات العالمية والأسس الفلسفية والمعتقدات الجامدة.

توقّع " الجدل السلبي " كثيراً من المخاوف المرتبطة بما بعد الحداثة وما بعد البنيوية إلى حد أن كلا المذهبين في الواقع غالباً ما ينظر إليهما الآن على أنهما تعبير عن النظرية النقدية. غزت مناهج تفكيكية وما بعد بنيوية أشهر الدوريات وأهم التخصصات، بداية من الانثروبولوجيا والأفلام وحتى الدين واللغويات والعلوم والسياسة. وقد أنتجت رؤى عميقة جديدة حول العرق والنوع وعالم ما بعد الاستعمارية. لكن في خضم ذلك، فقدت النظرية النقدية قدرتها على تقديم نقد متكامل للمجتمع، ووضع تصور لسياسات هادفة، وطرح مثل جديدة للتحرر. كما حول تفسير النصوص والاهتمامات الثقافية والنزاعات الميتافيزيقية النظرية النقدية تدريجياً إلى ضحية لنجاحها، فكانت النتيجة أزمة هوية دائمة.

يجب أن يلقي منظرو النظرية النقدية نظرة على الماضي ليتمكنوا من المضي قدماً. لقد أثْرَت مدرسة فرانكفورت فهمنا للعائلة والكبت الجنسي وعلم التربية والإبادة الجماعية والتسلية والتحليل الأدبي ومجموعة كبيرة من الموضوعات الأخرى. لكن التقليد النقدي لديه كذلك ما يخبرنا به فيما يتعلق بالاختلالات في ميزان القوى في الاقتصاد والدولة والحيز العام والقانون والحياة العالمية. وحتى أكثر المفكرين انتقاداً لعصر التنوير يقدمون أسباباً مهمة من أجل تقديم دفاع منطقي عنه، وينطبق الشيء نفسه على الليبرالية والاشتراكية، ولا يزال توضيح ظروف الاضطهاد، وفتح طرق جديدة للمقاومة، وإعادة تشكيل مُثُلٍ محررة تمثل نطاق اهتمام النظرية النقدية. ثمة حاجة إلى وجهات نظر سياسية جديدة لإبراز إمكانيات التغيير المحدثة للتحول في مجتمع عالمي جديد. والمسألة الآن تتمثل في إخضاع الأشكال الثابتة للنظرية النقدية للمنهج النقدي، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه الأمر، فبهذه الطريقة فقط يمكن الإبقاء على الإخلاص للروح الأصلية للمشروع النقدي.

من خلال ما تقدم نستخلص أن النظرية النقدية هي مدخل للعلوم الإنسانية والفلسفة التي ظهرت أصلاً في الثلاثينيات وبداية الأربعينيات على يد بعض الأعضاء البارزين في معهد فرانكفورت للبحث الاجتماعي (مدرسة فرانكفورت) الذي أنشئ عام 1923. وقد ظهر هذا المصطلح تحديداً عندما نشر هوركهايمر عام 1937 دراسته حول (النظرية النقدية والنظرية التقليدية)، والتي تعد الوثيقة الأساسية في توضيح التوجه الفكري للنظرية النقدية. فالنظرية التقليدية لديه هي ما تعبر عنه الاتجاهات الوضعية في نظرتها للنشاط البشري على أنه شيء أو موضوع خارجي داخل الحتمية الميكانيكية، على حين ترفض النظرية النقدية النظر إلى الوقائع الاجتماعية على أنها أشياء، ومن ثم ترفض طابع الحياد الذي تتسم به الوضعية، وتحاول في المقابل أن تطرح فكراً لا يفصل بين النظرية والممارسة. وقد فهم هوركهايمر، ومعه فلاسفة فرانكفورت، الماركسية على أنها العلم النقدي للمجتمع، وأن مهمة الفلسفة بالتالي متابعة العملية النقدية والتحري عن أشكال الاغتراب الجديدة. وقد أخذت مساهمته الخاصة شكل تحليل نقدي للعقل. فلئن يكن العقل قد صاغ في الماضي مُثل العدالة والحرية والديمقراطية، فإن هذه المُثل حلّ بها الفساد في هيمنة البرجوازية التي أدت إلى تحلل حقيقي للعقل. ومن هنا بدت الحاجة إلى نظرية نقدية جدلية تستطيع أن تتعقل اغتراب العقل بالذات.

ترمي النظرية النقدية عند هوركهايمر إلى تحقيق ثلاث مهام: أولها الكشف في كل نظرية عن المصلحة الاجتماعية التي ولدتها وحددتها، وهنا يتوجه هوركهايمر، كما فعل ماركس، إلى تحقيق الانفصال عن المثالية الألمانية ومناقشتها على ضوء المصالح الاجتماعية التي أنتجتها.

وتنحصر المهمة الثانية للنظرية النقدية في أن تظل هذه النظرية على وعي بكونها لا تمثل مذهباً خارجاً عن التطور الاجتماعي التاريخي. فهي لا تطرح نفسها باعتبارها مبدأ أخلاقياً، أو أنها تعكس أي مبدأ أخلاقي خارج صيرورة الواقع. والمقياس الوحيد الذي تلتزم به هو كونها تعكس مصلحة الأغلبية الاجتماعية في تنظيم علاقات الإنتاج بما يحقق تطابق العقل مع الواقع، وتطابق مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة.

أما المهمة الثالثة، فهي التصدي لمختلف الأشكال اللامعقولة التي حاولت المصالح الطبقية السائدة أن تلبسها للعقل وأن تؤسس اليقين بها على اعتبار أنها ليست سوى أدوات لاستخدام العقل في تدعيم النظم الاجتماعية القائمة، وهو ما دعاه هوركهايمر بالعقل الأداتي.

بذلك تسعى النظرية النقدية إلى تحقيق المصلحة الاجتماعية، وتراعي التطور الاجتماعي التاريخي في إطار المادية التاريخية، وهذا يقرب النظرية النقدية من المادية الثقافية، كما تهدف هذه النظرية إلى خدمة مصالح الأغلبية، والتصدي للأشكال الشكلية والتيارات اللامعقولة التي تخدم الأنظمة الحاكمة.

كما تعتبر النظرية النقدية قراءة ماركسية للأدب. وفي هذا الصدد، يقول توم بوتومور تؤكد النظرية النقدية على انتسابها إلى الماركسية، دون أن تضيع الاختلاف مع قراءاتها الكلاسيكية، وبخاصة تلك التفسيرات والأطروحات التي قدمها رواد ومنظرو الأممية الثانية والثالثة، وعلى رفضها الاختيار بين التماثل المتناقض مع الفلسفة والعلم، بادعاء أن ما قدمته هو شكل جديد للموضوعية الاجتماعية التاريخية، وهو ما جعلها في تعارض مع الميتافيزيقا والوضعية.

تأسيساً على ما سبق، يمكن اعتبار النظرية النقدية نظرية تتجاوز الوضعية، وترفض منطلقات المثالية الألمانية، ومن ثم، فهي نظرية اجتماعية ماركسية، تولي أهمية كبيرة للذات في تفاعلها مع الموضوع، كما ترتكز على المادية التاريخية، وتعنى بالقيم والأخلاق، وبتفاعل الذات مع المجتمع على أن الذوات البشرية مستقلة وغير خاضعة لحتميات أو جبريات موضوعية. ويعني هذا أن الإنسان له دور كبير في صنع التاريخ، وتغيير مجتمعه. ومن ثم، فالنظرية النقدية في الحقيقة هي رؤية نقدية إزاء المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي في قمة تطبيقاته العملية واليومية.

إلا أن النظرية النقدية من خلال مفكريها رواد مدرسة فرانكفورت أخفقت في الالتزام بالطريقة القاطعة التي اقترحها هوركهايمر للنظرية النقدية. مثال ذلك أن ماركيوز قد تحول خلال الستينيات إلى ناقد لهذه النظرية، حين ذكر أنها لا تمتلك المفاهيم والأدوات التصورية القادرة على سد الفجوة بين الحاضر والمستقبل.

خلاصة القول، سعت النظرية النقدية إلى توجيه النقد إلى المجتمعات الصناعية المتقدمة بالتقويض والتشريح والتفكيك، وتنتقد النظريات العلمية والوضعية التي أهملت الإنسان، والذات، والمجتمع، والمصلحة الاجتماعية، والقيم الأخلاقية، واعتبرت الإنسان موضوعاً مشيأ، تتحكم فيه الحتميات الجبرية، وأنه لا قوة له ولا فاعلية في صنع التاريخ أو تغيير المجتمع. ومن ثم، فقد جاءت النظرية النقدية لتصحيح أوضاع المجتمع وتغييرها، وذلك عن طريق تعرية المؤسسات الرأسمالية المهيمنة، وفضح أوهامها الإيديولوجية، وتطوير المفاهيم الماركسية في ثوب جديد، أو إعادة صياغتها مرة أخرى كما فعل هابرماس. وقد تحققت فعلاً قطيعة ابستمولوجية بين النظرية النقدية التقليدية والنظرية النقدية الجديدة.

أما عن أهم الانتقادات الموجهة إلى مفكري مدرسة فرانكفورت اختلاف آرائهم من شخص إلى آخر، واختلاف توجهات مدرسة فرانكفورت لما بعد الحداثة عن مدرسة فرانكفورت في فترة الثلاثينيات من القرن العشرين. كما استبعدت المدرسة اهتمامها بالتاريخ والاقتصاد إلى حدٍ كبيرٍ، وانحرفت انحرافاً كبيراً عن مبادئ الماركسية الكلاسيكية كما عند الجيل الثاني من مفكري معهد فرانكفورت. وقد همشت النظرية النقدية الجديدة مع هابرماس الطبقة العاملة باعتبارها طبقة ثورية سياسية فاعلة ومغيرة. لذا وصفت مدرسة فرانكفورت بأنها "ماركسية بدون بروليتاريا ". ومن هنا، يبدو أن مفهوم مدرسة فرانكفورت عن تدهور، أو تلاشي الطبقة العاملة كقوة سياسية، قدم أساساً على فكرة طوباوية وخيالية عن الثورة، التي هي بأية حال الطريق الوحيدة، أو الأكثر ماركسية، لتصور عملية الثورة الاجتماعية. وربما يكون هذا المفهوم قائماً أيضاً على انعكاس الخبرة الاستثنائية الأمريكية، الناجمة عن غياب طبقة عاملة منظمة سياسياً في المجتمع الأمريكي، على فكرهم، ولا سيما في حالة ماركيوز. وفي هذا السياق يقول بوتومور: إن مدرسة فرانكفورت أخفقت في الالتزام بالطريقة القاطعة التي اقترحها هوركهايمر للنظرية النقدية، حين ذكر أنها لا تمتلك المفاهيم والأدوات التصورية القادرة على سد الفجوة بين الحاضر والمستقبل.

كما أنها قد ابتعدت في مراحلها الأخيرة عن الماركسية التي انطلقت منها في بداياتها، بل أعلنت هذه النظرية فشلها حينما اعتبر هابرماس بأن نظرية ما بعد الحداثة حالة مرضية، بسبب اختلال التوازن بين ما هو معنوي وما هو مادي. وهكذا، نصل إلى أن النظرية النقدية هي قراءة ماركسية للمجتمع، ونقد للنظرية العلمية والوضعية التي أهملت الإنسان والذات والتاريخ والمجتمع والأخلاق. ومن ثم، تعمل النظرية النقدية على تنوير المرء الملزم، وتنويره عقلانياً وذهنياً، وانتقاد الاغتراب في المجتمع الرأسمالي، وإدانة فكرة التشيؤ والاستلاب والقمع الآلي. ومن ثم، تستند النظرية النقدية في قراءتها للأدب والفن إلى مفاهيم النقد الماركسي الكلاسيكي أو الماركسية المعدلة في نظرية هابرماس. ويمكن أن نحدد مجموعة من المراحل التي قطعتها النظرية النقدية الجديدة، فكان هناك في البداية اهتمام بنقد الوضعية العلمية، ومعاداة الفكرة السامية. وبعد ذلك، انتقل الاهتمام إلى المجال الثقافي مع ماركيوز، ليتم الإنصات إلى الحركات الثورية الطلابية والأقليات المضطهدة، لتتخذ النظرية النقدية توجهاً جدياً مع هابرماس، حيث بدأت النظرية النقدية الجديدة تقدم تصورات مختلفة حول المجتمع متأرجحة بين الفلسفة والعلم، كما أعيدت صياغة الماركسية من جديد على أسس علمية وسياسية واجتماعية ما بعد حداثية، لتنتهي النظرية النقدية بالثورة على ما بعد الحداثة نفسها، وذلك حينما وقع اختلال مجتمعي وحضاري بين القيم المادية والقيم المعنوية، فترتب عن ذلك أن أصبحت ما بعد الحداثة حالة مرضية مأساوية.

وعلى الرغم من إجماع مفكرو النظرية النقدية على نقد الواقع الاجتماعي بكل تجلياته، إلا أن لكل مفكر منهم أسلوبه الخاص في نقده لهذا الواقع من منطلق القاعدة النظرية الابستمولوجية التي تفسر حضور كل الأجزاء (المفكرون) في الكل (النقد) على الرغم من اختلافها في أسلوب ومناقشة الفكرة الرئيسية، ففي الاتجاه الفكري يمارس التعدد داخل الوحدة و لمجرد الحديث عن الاتجاه يكون الصعيد المجهري " micro " هو المقصود، أي جزء خاص محدد من المعرفة العلمية الحديثة وهو ما نشير إليه بالنظرية النقدية المعاصرة.

وهكذا نجد أن كل مفكري النظرية النقدية قاموا بنقد الوضع القائم في المجتمع عبر نقد النظريات الاجتماعية المحافظة، بهدف تأسيس نظرية نقدية للمجتمع ذات أسس نظرية ومنهجية تتمتع بقدرة عالية من المرونة والكفاءة، لكي تقوم بدورها البناء في نقد المجتمع والارتقاء به نحو الأفضل تحقيقاً لإنسانية الإنسان المهدورة في ظل المجتمعات الرأسمالية التكنولوجية، هذا التنوع الغني والإثراء الكبير لأفكار مفكريها جعلها من النظريات السوسيولوجية المميزة على الصعيد الأكاديمي لعلم الاجتماع بشكل عام والمعاصر بشكل خاص.

وفي الختام يجب علينا من منطلق مقولات النظرية النقدية المشبعة بالنزعة الإنسانية طرح مكاشفة نقدية حول الأحداث الجارية في فلسطين المحتلة (غزة الأبية) من مبدأ ربط النظرية بالممارسة، وبالأخص فيما يتعلق بطبيعة أحداث السياق الاجتماعي وتفاعلاته التي أثّرت بشكل مباشر في صياغة معالم الفكر النقدي لرواد النظرية النقدية أهمها: (معسكرات أوشفيتز النازية)، وفي هذا الصدد يرى الكاتب: ” تعتبر الممارسات اللا إنسانية والقمعية على يد النازيين في الحرب العالمية الثانية ضد الجماعات العرقية والدينية في معسكرات الموت (أوشفيتز)، إحدى العاملات الفارقة في تشكيل معالم الفكر النقدي لرواد النظرية النقدية.... لكن بالمقابل ألا يدعو هذا الحدث الذي يُعاد تكراره من حيث المبدأ مفكري النظرية النقدية المعاصرين (هابرماس، هونيث...) إلى إدانة ممارسات الكيان الصهيوني الغاصب في الإبادة الجماعية والقتل الوحشي والاعتقال التعسفي وانتهاك حقوق الإنسان ضد الشعب الفلسطيني صاحب الأرض..... سؤال برسم الإجابة وإعادة الطرح والتمحيص؛ لأن الإنسانية لا تتجزأ حسب مقولات النظرية النقدية لرواد مدرسة فرانكفورت “.

***

د. حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- حلب سابقاً

..........................

- المراجع المعتمدة:

- ماكس هوركهايمر: النظرية التقليدية والنظرية النقدية، ترجمة: مصطفى الناوي، مراجعة: مصطفى خياطي، الناشر عيون المقالات، الدار البيضاء، ط1، 1990.

- آلن هاو: النظرية النقدية – مدرسة فرانكفورت، ترجمة: ثائر الديب، المركز القومي للترجمة، القاهرة، العدد: 1584، ط1، 2010.

- عبد الغفار مكاوي: النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت: تمهيد وتعقيب نقدي، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، ط2، 2018.

- ستيفن إريك برونر: النظرية النقدية: مقدمة قصيرة جداً، ترجمة: سارة عادل، مراجعة: مصطفى محمد فؤاد، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، ط2، 2016.

- فيل سليتر: مدرسة فرانكفورت (نشأتها ومغزاها- وجهة نظر ماركسية)، ترجمة: خليل كلفت، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، العدد: 154، ط2، 2004.

- توم بوتومور: مدرسة فرانكفورت، ترجمة: سعد هجرس، مراجعة حافظ دياب، دار أويا، بنغازي، ط2، 2004.

- كريغ كالهون: النظرية الاجتماعية النقدية، ترجمة: مروان سعد الدين، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2013.

- كمال بومنير: قراءات في الفكر النقدي لمدرسة فرانكفورت، مؤسسة كنوز الحكمة، الجزائر، ط1، 2012.

- كمال بومنير: النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت – من ماكس هوركهايمر إلى أكسل هونيث، الدار العربية للعلوم ناشرون ومنشورات الاختلاف، بيروت والجزائر، ط1، 2010.

- حسام الدين فياض: مقالات نقدية في علم الاجتماع المعاصر – النقد أعلى درجات المعرفة، دار الأكاديمية الحديثة، أنقرة، ط1، 2022.

- حسام الدين فياض: تطور الاتجاهات النقدية في علم الاجتماع المعاصر – دراسة تحليلية – نقدية في النظرية السوسيولوجية المعاصرة، دار كريتار، إسطنبول، ط1، 2020.

- جميل حمداوي: النظرية النقدية أو مدرسة فرانكفورت، موقع الألوكة، 04/03/2012. https://2u.pw/auZ6eHU

- الزهراء سهيل الطشم: كيف أثرت " مدرسة فرانكفورت " في نتاج مفكرين عرب؟، موقع الميادين، 1 تشرين ثاني 2022.  https://2u.pw/2wornKj

هوامش

* الراديكالية لغوياً تعود إلى كلمة راديكال الفرنسية التي تعني الجذرية، دُعاتها من المنادين بالتغيير الجذري. واصطلاحاً تعني نهج الأحزاب والحركات السياسية الذي يهدف إلى إحداث إصلاح شامل وعميق في بنية المجتمع. والراديكالية نزعة تقدمية تنظر إلى مشاكل المجتمع ومعضلاته ومعوقاته نظرة شاملة تتناول مختلف ميادينه السياسية والدستورية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية، بقصد إحداث تغير جذري في بنيته، لنقله من واقع التخلف والجمود إلى واقع التقدم والتطور.

 

لقد انطلقت نقدات وإنتقادات “ابن عاشور” تجاه كُتب جُمّاع الحديث وروّاة السيرة النبويّة المتواترة بغيّة الإصلاح، وذلك لإستحالة الفكر الإسلامي السائد من طَوّر المعلومات والمعارف التي تفتقر إلى الرؤية النقديّة في التحصيل والترابط في البنيّة إلى طوّر المراجعة والتحقيق العلمي الذي ينتهي إلى اليقين العقلي؛ ذلك الذي لا ينفذ من جناباته الشك حتى الوصول إلى المقصد الحقيقي الذي يُميّز نسقيّة الفكر الإسلامي الصحيح، دون غيره من الثقافات التي تستلهم جوهر أفكارها من الكُتب المقدَّسة وأخبار الأنبياء.

لذا نجده يناقش في مَعرض حديثه عن حلقة الوصل التي تربط بين واقعات السيرة النبويّة، والوقائع التي رُوّي فيها الحديث الشريف، موضحاً أهمية غربلتهما (أي الواقعات والوقائع) بمنهج عقلي نقدي، للكشف عن مواطن التلفيق والدَسّ والخلط، ذلك الذي خَلّف ورائه عشرات المسائل والقضايا التي أعيّت الجماعات السُنية والمعاهد السلفية المعاصرة، نَذكُر منها قضية الحاكميّة والخلافة الإسلامية، والفرقة الناجيّة، والعلاقة بين الدين والدولة، وذلك في ميدان السياسة، ومسألة غلق باب الإجتهاد وجعل التجديد الديني في تقليد السَلّف والتلويح بتهمة التكفير في وجه المعارضين للفكر السائد وضرورة تطبيق الحدود الشرعية في كل المجتمعات الإسلامية على نهج السَلّف وذلك في الفقه وأصوله، وتوجيه بعض الأحاديث للنيّل من حرية الإعتقاد والفكر والبَوّح، وذَمّ الأغيار من أرباب الديانات الأخرى والاعتداء عليهم، ناهيك عن المسائل التي شغلت حيّز كبير من اللجَاجَة واللغوّ في أحاديث أدعيائهم، مثل ما جاء في التراث بشأن إرضاع الكبير وعذاب القبر وخِتان المرآة ونقابها وعملها، وحقيقة أميّة النبي ومعجزة حديثه في المهد وغير ذلك من الأمور التي يَبّرأ منها النسق المعرفي للفكر الإسلامي المُتمثل في القرآن وصحيح الحديث والثابت من السيرة واجتهادات أهل الرأي من الفقهاء والعلماء المتبحرين في مقاصد الشريعة. لذا نجد ابن عاشور” يُقسّم الأحاديث النبويّة وكذا الواقعات المُتعلقة بتَسييّس أمور العباد من السيرة النبوية إلى ثلاثة أقسام لا ينبغي الخلط بينها في العمل بالسُنة وإقتفاء آثر المُصطفى (صلى الله عليه وسلم) فيها، وهي:

أولها: ما صَدّر عن النبي قولاً أو فعلاً وهو في مقام الإمامة أي الحاكم ووليّ الأمر، وهي من الأمور التي لا يجوز السَيّر على نهجه فيها باعتبارها سُنة ويجوز العدول عنها تبعاً لإختلاف الأزمان والمواقف والحاجات، فهي من أمور السياسة التي يُوكل أمرها إلى الحاكم أو الوليّ القائم بالرئاسة في مجتمعه مثل أمور السلم والحرب والإقتصاد والأموال العامة وأملاك الدولة والعلاقات الخارجية والقوانين المُنظمة لمصالح العِباد في مجتمع ما،

وثانيها: سُنته وهو في مقام القاضي الذي يَفصِل في القضايا المختلفة؛ فهي لا يجوز لأحد أن يقتفي آثر أحكامه إلا بحُكم حاكم، وذلك لأن هناك ظروفاً وأسباب قد دفعت النبي وهو في مقام القضاء أن يُصدر ذلك الحكم مقدماً درئ المفاسد على جلب المصالح وموازناً في الوقت نفسه بين المقصد الإلهي وما يتطلبه الواقع المعيش، فهناك حيثيات تتعلق بالأمور النفسية والاجتماعية والمادية، وغير ذلك من أمور ذات الصِلة بالواقع المُراد الفصل فيها.

وثالثها: سُنته وهو في مقام المُفتي أو الإفتاء وهو جزء من رسالته في التبليغ الشرعي، وهو واجب على كل المسلمين بالضرورة اقتفائه والسيّر على حرفيّة أوامره ونواهيه بدقة، ومن ثم يجب التحري عن تلك الأحاديث أو الأفعال لكي تُصبح قطعيّة الثبوت وقطعيّة الدلالة، حتى يتسنى لكل المسلمين العمل بها دون أدنى شطط أو جنوح أو جموح شأن الأوامر المتضمنة في آيات القرآن أو الشارحة لها، وأطمئن الجمهور إلى مقاصدها ومآلاتها.

ويقول “ابن عاشور” في ذلك: (إنّ لرسول الله صفات وأحوالاً تكون باعثاً على أقوال وأفعال تصدر منه، فبنا أن نفتح لها مشكاة تضئ في مشكلات كثيرة لم تزل تُعنت الخلق وتشجي الخلق، وقد كان الصحابة يُفرّقون بين ما كان من أوامر الرسول صادراً في مقام التشريع، وما كان صادراً في غير مقام التشريع، وإذا أُشكل عليهم أمراً سألوا عنه).

وإذا ما تأملنا اجتهاد “ابن عاشور” في هذا الدرب، فسوف ندرك أنه قد وازن بين الأصيل التليد والجديد المُبتَكر دون أدنى وقوع في الطرفين المذموميّن (أي الجمود، والشرود)، وتقسيمه للسُنة على نحو سابق قد سبقه إليه العلماء الأوائل مثل (شهاب الدين القرافي ١٢٢٨م – ١٢٨٥م ) في كتابه (أنوار البروق في أنواء الفروق). أما شرحها والكشف عن مدى صلاحيتها لمجتمعنا المعاصر فهو تجديد وابتكار لا يتعارض مع الحوادث المماثلة في الثابت من السيرة النبويّة والقياس والإستباط والإستدلال من الأمور الإجتهادية التي لايَصِح الحُكم عليها بالقطع نفعاً أو ضرراً إلا بالتجربة والتطبيق العملي.

كما فَرق “ابن عاشور” بين الروايات التي تعرّضت لخصوصية النبي في مظهره أو مسلكه اليومي، وبين السُنن التي يجب على المسلمين الإقتداء بها، ولاسيّما ما يُدرج منها في المعاملات الراقية والأخلاق الفاضلة والجميل من الأقوال والهيئات، فما أكثر الأفعال والأقوال التي يُقدِم عليها العوام ظناً منهم بأنها من الشرع والتديّن والسيّر على سُنة النبيّ وصحابته دون أدنى تمحيص أو نقد، والوقوف على مدى نفعها من عدمه ومقاصدها ومآلاتها شأن إطلاق اللحية والإستنجاء والأكل بالأيدي وإرتداء الجلباب، أو ما رُوّي عن النبي في حديث هَزِرّ أو ضحك أو نُصح أو لوّم أو ترغيب أو ترهيب، وذلك لأن لكل حادث حديث ولكل واقعة ظروفاً وملابسات، وإنتهى رأي “ابن عاشور” في حديثه عن السُنن الواجبة إلى ضرورة إعمال العقل في تحقيقها ثم في نفعها ومآلاتها في ضوء واقع كل مجتمع يعيش فيه المسلمون ولا تقليد واجب إلا ما كان من السُنة مقطوع في صحته وثبوته، ويقول: “فلابد للفقيه من إستقراء الأحوال، وتوّسم القرائن الحافة بالتصرفات النبويّة، فمن قرائن التشريع الإهتمام بإبلاغ النبي إلى العامة والحرص على العمل به والإعمال بالحُكم وإبرازه في صورة القضايا الكلية … واعلم أن أشد الأحوال التي ذكرناها إختصاصاً برسول الله هي حالة التشريع؛ لأن التشريع هو المراد الأول لله تعالى من بعثته حتى حصر أحواله في قوله تعالى ” وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ” (آل عمران ١٤٤).

وينتقل شيخنا إلى مناقشة موضوع لا يقل أهمية عن سابقه، ألا وهو تنقيّة سيرة النبيّ من بعض الروايات التي دُست فيها بقصد خبيث أو بغيّة إجلال وتعظيم من قدره ومكانته، وعلى رأس تلك الأكاذيب المروّية الكثير من المعجزات الحسيّة ومعظمها يرجع إلى رغبة روّاتها مقابلة معجزات المُصطفى (صلى الله عليه وسلم) وأقرانه من الأنبياء الذين سبقوه، وقد أراد “ابن عاشور” تقويم وتنقيح بعض الكتابات التراثية التي تحدثت في هذا المضمار، فذهب على صفحات (مجلة الهداية الإسلامية عام ١٩٣٦م) خلال إستعداد العالم الإسلامي للإحتفال بالمولد النبوي والإشادة بسيّرته وعِظم مكانته عند الله وبين الأمم مؤكداً مع “ابن رشد” والمُعتزلة على أن المُعجِز الجواني أقوى وأروع وأصدق للعقلاء من المعجزات البرّانيّة الحسيّة التي يُمكن للسحرة والمشعوذين والمُدلسين اصطناعها أو خداع العوام بحدوثها مع تسليمه وإيمانه بصدق الخوارق التي أجراها الباري على أيدي أنبيائه لإثبات صدقهم والإعلاء من  شأن قدرهم، وذلك بالإتيان بما يُعجِز أقوامهم عن تحقيقه ويفوق تصوارتهم لحدوثه، كما لا يُكَذب أو يرتاب في ما ثَبُت من هذا الدرب المُعجِز من سيرة النبي وذلك في الخبر المُجمع على صحته وأكدته آيات القرآن ومروياته بالواقعات التي يَصُعب الشك في حدوثها إذا ما حاول الأغيار ذلك.

ثم اجتهد في توضيح الفارق بين المُخالف للعادة والخارق للسُنة الطبيعية، ليُميّز بين الكرامات التي تَجري على أيدي بعض الأولياء والأصفياء والأتقياء من الصوفية، والمعجزات التي خَص بها الله الأنبياء دون غيرهم، ثم ميّز بعد ذلك بين المُعجز النبوي الذي تَفردّ به المُصطفى (صلى الله عليه وسلم) ودونه من سائر البشر، وعبّر عنها بقوله أن سيرته وخصاله وطباعه ومجاهدته وجهاده وقدرته على التبليغ ورأفته ورحمته وتسامحه وشدته وحبه وورعه وجماله وكماله، هو المُعجِز الخفيّ على الحسيّين، والواضح أبداً والظاهر دوماً للعقلاء والمحللين وللعلماء والمحررين وكُتاب السيّر من القدماء والمُحدثين، وقد لَخصّ “ابن عاشور” المُعجِز الجواني أو المُعجزة الخفيّة التي أُختص بها النبي في (طهارة النفس وصفاء السريرة وخيريّة الجِبِلة قبل البعثة، وكمال الخِلقة والخُلق والعِصمة وهي جامعة بين ما اكتسبه بالإرادة البشرية والنعِمة الإلهيّة، ثم حاجة العالم إلى وجود رسالته وذلك لتفشي المكاره والإنحطاط بين البشر وجحودهم للشرائع السابقة بعد التجديف عليها وتحريف متونها، ثم خلوّ سيرته من أي فصام بين القول والعمل وإستشرافه للعديد من الحوادث والأخبار والأخطار وإخباره عن أمور يستحيل عليه تحصيلها دون علم الباري وثبات صحة ما نهى عنه بالقطع وأكد تحريمه، ثم الحكمة الربانيّة والشريعة الإلهية التي وُرِدَت في القرآن وما يحويه من صور عديدة للإعجاز اللغوي والبلاغي والإخباري والمعرفي والعقلي والثوابت الحِكميّة المتمثلة في توجيه الخطاب للعقلاء للتأمل والتدبر وإعلأه من شأن العلماء للتزود من المعارف لجلب النافع ودفع الضار، والدستور القابل للتطور دوماً وإستيعاب ما يستجّد من حوادث إلى أن تتنهي الأرض وما عليها)،

ويقول:” فإنّ أهل النظر والعلوم يحبون أن يعثروا على نِكّت – أي طُرفة – جديدة على قاعدة “كم ترك الأول للآخر”؛ ففي ذلك نشاط لهممهم العلمية لا تحصل لهم من الإشتغال بالفوائد المعادة على قاعدة “هل غادر الشعراء من متردم؟”، وهي تشبه خوارق العادات من حيث إنّ جميعها إنْ تأملته وجدته صادراً في أزمنة وأحوال يَعِز أن يصدر أمثالها في أمثالها، أما إذا إعتبرت مجموع طائفة منها قليلة أو كثيرة، فإنّك تجد إجتماعها وتظاهرها يقارب أن يكون خارق عادة، وتقوى تلك المقاربة بمقدار تكاثر ما لاح للناس منها، لأن إجتماع الأمور المتناسبة يبعدها عن الصدفة، ويقربها من قصد نصب الدلالة، فيوشك حينئذ أن تساوي المعجزة المشهورة في نيابتها مناب قول الله تعالى ” صدق عبدي فيما أخبر عني”.

ويقول في موضع آخر إنّ القرآن الكريم هو المُعجز الأكبر والدليل الأعظم على صدق النبي، وهو الشاهد الخالد على حقيقة الشريعة الربانيّة التي حملها المُصطفى (صلى الله عليه وسلم) إلينا في تلاوته للوحيّ وصحيح حديثه وسُنته، ويقول مُستشهداً بأقوال الرسول في هذا السيّاق:(هذه الخصيصة يشارك هذا النوع معجزة القرآن في الدوام وعدم الإنهاء، ولعلنا نستروّح لهذا النوع من المعجزات لمحة من قول النبي “ما من الأنبياء نبي إلا أؤتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الذي أؤتيت وحيّاً أوحى الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)؛ فلفظ الوحيّ وإنْ كان يتبادر إلى القرآن وهو بحق أجَلّ أنواع الوحيّ … ويتضح من هذا أن هنالك صِلة متينة وإنتساباً قوياً بين عموم دين الإسلام ودوامه، وبين المعجزات الخفيّة الصالحة لإستمرار الحجيّة بها والمتجدد بعضها عقب بعض).

ولا ريّب في أن “ابن عاشور” قد عَبر بما أورده في كتاباته عن العلوم الشرعيّة مدى أصالة إنضوائه للمشروع الحضاري الإسلامي الذي طالما نبهنا على وجوده، أصيلاً في بنيته ومتطوراً في نسقه وثرياً في تصورات وآراء رواده عبر العصور، وقد صَدق الأستاذ الإمام “محمد عبده” في وصفه شيخنا “الطاهر ابن عاشور” بأنه (سفير الدعوة الإصلاحية في الجامعة الزيتونيّة).

وللحديث بقيّة عن قضايا الفكر الإسلامي، وآثر “ابن عاشور” في تجديد الخطاب الدعوي الإسلامي الحديث.

***

بقلم: د. عصمت نَصَّار

 

يبدو أن المراجعات العلميّة والنقوّد التحليليّة لكتابات المُصلحين والمُجددين قد أختفت وسط عراك المثقفين المعاصرين حول توافّه الأمور .. ومن هذا الباب نجد من يدعي أن نهج “ابن عاشور” في تجديد علم الحديث وإنتقاداته لكُتب الجُماع يساير غلاة المستشرقين، ومن نحى نحوهم مثل (أحمد خان ١٨١٧م – ١٨٩٨م )، و(أحمد أمين ١٨٨٦م – ١٩٥٤م)، والسيد (عبد الحسين شرف الدين ١٨٧٢م – ١٩٥٧م) وغيرهم من الكُتاب الذين طعنوا في كُتب الحديث بوجه عام، دون أن يقدّموا حلولاً أو يجتهدوا في معالجة ما يترأى لهم من خلل أو تقصير في كُتب الصِحاح منها. والحق أن “ابن عاشور” لم ينكر مكانة قطعيّ الثبوت والدلالة من الأحاديث في أصول العقيدة، ولم ينكر علم الحديث بمجمله؛ بل أنتصر إلى رأي الإمام “الشافعي” في عدم الإعتماد على الأحاديث وحدها كمصدر من مصادر التشريع، ولم يوافق أيضاً على أن تكون السُنة ناسخة (لاغية) لما جاء في القرآن، أو تقديس كُتب الصِحاح والإعتقاد في أن الحفظ الإلهي قد شملها من الخطأ أو الوضع كما أدعى (ابن الصلاح الشهرزوري ١١٨١م – ١٢٤٥م)، كما بَيّن أن التعبّد بها غير جائز؛ اتفاقاً مع رأي الجمهور .

وخلاصة رأي “ابن عاشور في هذا السياق يستند إلى ما ذهب إليه الأستاذ الإمام “محمد عبده” في ضرورة إعمال العقل في متون المرويّات، وحِجَته في ذلك أن تأمل الخبر الإلهي بالنظر والتحليل واجب شرعي، فكيف لا تخضع أحاديث النّبي لذلك الأمر الإلهي إنّ كانت من عنده حقاً؟! وذلك للوقوف على المقصد الربانيّ والدلالة الإلهية باعتباره الأمر الذي خلى من الهوى وكونه وحياً يوحى، ومن أقوال “محمد عبده” في ذلك: (كنّا غير مكلفين بالإيمان بمضمون تلك الأحاديث في عقائدنا)، وقد صار على نهجه “عبد المتعال الصعيدي” في إجتهاداته لإصلاح علم الحديث. وقد بَيّنا ذلك بالتفصيل في كتابنا (حقيقة الأصوليّة الإسلامية الصادر عام ٢٠٠٤م).

أمّا عن صِلة “ابن عاشور” بالأستاذ الإمام وتتلمذه على نهجه وبنية مشروعه، تلك التي شَكّك فيها بعض عوام المثقفين نهدي إليهم هذا التصريح بقلم “ابن عاشور” نفسه، وقد ورد على صفحات مجلة الأزهر في عدد أبريل ٢٠١٢م (أيها الأستاذ إنّ مباديكم السامية التي ترمي سهمها الأفلج – الناجح – شوارد التقدّم … قد أوجبت لنفسي نحو لقياكم كثرة إشراق مع علو في محبتكم وإغراق، فلا يتعجب الأستاذ – أيده الله – من نفس أظهرت له التعلق عند ملاقاته الأولى، فإنّا وإن لم نلتقِ بشخصه من قبل، فقد لاقين ذكره وفرائده) ذلك فضلاً عن حرص “ابن عاشور” على ذكر تعلقه بمشروع الأستاذ الأمام التنوري في كتابه “أليس الصبح بقريب” الذي ظهرت طبعته الأولى عام ١٩٦٧م، وأشتمل على آرائه الإصلاحية لكُتب العلوم الشرعيّة، وتواصله الدائم مع رواد مدرسة الإمام وعلى رأسهم “محمد الخضر حسين”، و”مصطفى عبد الرازق”، و”عبد المتعال الصعيدي”.

ومن يُطالع كتابات “ابن عاشور” عن إصلاح الآليات الضرورية للوقوف على مقاصد الشريعة التي وردت في القرآن وصحيح السُنة سوف يُدرك مدى تأثره بهذه المدرسة.

ومن مظاهر تجديد “ابن عاشور” في علم الحديث، هو تفعيله المنهج العقلي بكل ضروبه في قراءته لمتون الأحاديث بعد إنتقائه منها ما لا يتسرّب إليه الشك من حيث صحة الروَاه، وتسلسل السند بلا إنقطاع أو إرتياب في تاريخ الراوي وحُسن سيرته، ذلك فضلاً عن قدرة المُحَدِث وفصحاته في التعبير عن ما يراه أو يحفظه ويفهمه، وأمانته في السرد بوجه عام وقربه من مجالس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وإبتعاده كليةً عن هوى التعصب أو الإشتراك في المصاولات بين الفِرق الفقهية أو الكلاميّة – إنّ كان من التابعبن -. نعم كل ذلك كان يتحرّاه “ابن عاشور” في تحرير السّند من الآفات التي كانت تقوده إلى الشك أو الغمز أو اللمز.

أمّا نهجه في قراءة المتون فكان أقرب إلى التحليل بكل أشكاله، بداية من تحليل الألفاظ ودلالتها مروراً بتحليل السياّقات والمناسبات والظروف والمُلابسات، وإنتهاءٍ بتحليل الواقعة وصحة حدوثها من شتى النواحي.

فكان يميّز بين المحفوظ والمكنَون، وأكل النبيّ للجراد من عدمه، والمعجزات التي نُسبت للنبي وشواهدها ومقاصدها ومآلاتها، ثم يقوم بعد ذلك بنقَد هذا المَتّن بعد مقابلته بآيات القرآن ذات الصلة أثناء عمله في التفسير والتأويل، ثم ينتخب من هذه العمليات العقلية الخطاب الذي يجب على الداعيّة الإلتزام به عند الإستشهاد بهذا الحديث أو ذاك، بغض النظر عن المُصنف الذي حواه من كُتب الحديث، فما أكثر الروايات الضعيفة أو الموضوعة في كُتب السُنّن أو ما نُطّلق عليه المتون الصحيحة، وتشهد بذلك اعترافات جُماعها التي استبعدت أغلب الروايات التي أمعَنتَ فيها النظر وطَبَقّت على أحاديثها المعايير التي إرتضاتها عقولهم أنذاك.

وأرى أن “إبن عاشور” في ذلك كان أقرب في نهجه ممّا نُطلق عليه اليوم (التفكير الناقد) أو (قراءة القراءة) وهاهي بعض أقواله في ذلك:

(وقد كانت تلك السُنن – يقصد سُنن أبي داود – مرجعاً للعلماء يحتكمون إليها عند كل خلاف، أمّا درجتها من حيث الصحة فإنها تؤخذ من عبارة المؤلف نفسه وهي “كتبت عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خمسمائة ألف حديث، فأنتخبت منها أربعة ألاف وثمانمائة ضمنتها في هذا الكتاب” …. وعن سورة المزمل وترتيب آياتها ذَكر أن الروايات ذات الصلة المنسوبة إلى أم المؤمنين “عائشة رضي الله عنها” مضطربة، إذ ذكرت حادثة ترتبط بآخرها ويعني ذلك أن صَدّر السورة تَنَزّل في مكة وآخرها في المدينة، وهذا بخلاف الواقع وذلك لأن النبي لم يبنِ بعائشة إلا في المدينة، وأن ما جاء به (الطبري ٨٣٨م – ٩٢٣م) لا يتفق مع المُجمع عليه أي (أسباب النزول وترتيب الآيات ومناسبتها) …. جاء في أحاديث (الترمذي ٨٢٤م – ٨٩٢م) إحدى الروايات التي تُنبّأ عن إستشراف النبي أن بني أميّة سوف يؤول إليهم المُلك والحُكم بعد حفيده الحسن بن علي، وقد ذَكر ذلك الراوي في مَعرض حديثه عن إنّا أعطيناك الكوثر، وليلة القدر خير من ألف شهر. ويدخل ذلك في باب التجديف والتلفيق، كما أن الراوي الذي أسندت إليه حكاية إستشراف النبي منسوبه إلى رجل مجهول الأصل والسند …. وجاء عند (الدارقطني ٩١٨م – ٩٩٥م) رواية تَنزّع إلى أن النّبي رد مطلقة إلى زوجها بعد الطلقات الثلاثة، وقيل تبريراً لذلك الحديث أن الطلقات الثلاثة لا تقع في كلمة واحدة والقصة عن طلقة رجعيّة، وهذا لا يجوز في رأي “ابن عاشور”؛ لأن هذه الرواية جاءت على خلاف ما أجتمع عليه أئمة رواة الحديث والفقه … ذلك فضلاً عن مئات الأحاديث التي أستشهد بها المفسرون لتوجيه أسباب النزول إلى معنى يريدونه أو حُكّم يرغبون فيه … كما احتكم “ابن عاشور” إلى بعض الأحاديث الضعيفة التي وجدها أقرب للعقل من دونها التي وصُفت بأنها صحيحة ولاسيّما التي تعرّضت لقضايا العقيدة الشائكة مثل التشبيه والتجسيد، واستبعد كذلك الأحاديث التي أوردها الصحيحان وفيها شُبه تُسيء من قريب أو من بعيد لسيّرة النبي … ويبدو استخدامه لمنهج اللاهوت المقارن في تنقية الأحاديث من غبار الإسرائليات، فكان يُشير إلى المواضع التي أقتبسها المؤولون والمفسرون والرواه من الكتاب المقدّس).

وحسبي أن أُشير في هذا السيّاق إلى جهد الباحثيّن الأردنييّن (سعد أمين المناسية، سلطان سند العكلية) في دراستهما المعاصرة عن جهود “ابن عاشور” في علم الحديث الذي نشراه في مجلة “مؤتة للبحوث والدراسات التي تصدر عن كلية الشريعة بالأردن٢٠١١م “.

كما أبدع “ابن عاشور” في استخدامه نهج نقد النقد، وذلك بإطلاعه على ما جاء في كتابات الجُماع في تضعيف بعض الأحاديث أو وصفها بالوضع ومقابلتها بأحكام أخرى في مصنفات حكمت على ذات الأحاديث بأنها صحيحة أو حَسنة. وقد أستنبط “ابن عاشور” من ذلك أن علم الجرح والتعديل يحتاج إلى مزيد من المراجعة والضبط.

وفي هذا السبيل نجد عشرات الأحاديث التي تتحدّث عن المرآة ومكانتها بوجهتين متناقضتين؛ فالوجه الأول يصف المرآة بأنها من ضلع أعوّج وناقصة عقل ودين وتستحق الضرب عقاباً لما تقترفه تجاه الرجل؛ وأن العجائز لا يدخلن الجنة. وفي الوجه الثاني نجد أحاديث توصّفها بأنها المخلوق الرقيق الذي ينبغي معاملته برفق، أو المؤمنة التي يُرجع إليها لتحصيل نصف الدين وهي التي أوحى إليها الله واصطفاها وكَرمها وهي المساوية للرجل في التكليف وهي الحرة التي تمتلك أهلية البَتّ في مالها وعِرضها، كما أن رواة الأحاديث أختلفوا كذلك في بعض الأحكام العقديّة التي تَمس حرية الإنسان في الإعتقاد وإقامة الحدود في التشريع وفي السياسة ولاسيّما علاقة المسلمين بالأغيار وسلطات الحاكم.

ولا يُخفَى على أحد أن مثل هاتيك الأحاديث المتضاربة والمتعارضة في الدلالة والمضمون، قد أثارت لجاجة العوام ودفعتهم إلى التطرف والجنوح عن المقصد الحقيقي للإسلام، كما دفعت غُلاة المستشرقين للإستشهاد بتلك الأحاديث في بِنيّة طعونهم الجائرة، بَغيّة إنصراف الناس عنهم أو التجرأ على وصف النبي بما ليس فيه وهو برئ منه.

وأعتقد أن هذا هو الهدف الحقيقي وراء دعوة “ابن عاشور” إلى إعادة غربلة وتنقية كُتب جُماع الحديث بآليات عقلية معاصرة تحمي أصالة الكلام المقدّس الذي لفظه النبي وتُخِلي ما حَاقّ بسيرة النبي وما رُويّ عنه من الوضع والإنتحال والتلفيق والتجديف، ويقول في ذلك: (ولم يشتهر في النقد مثل “الإمام مالك بن أنس”، وعلى منواله نسج “البخاري”،و”مُسلم”، ويليهما “أبو داود”، ثم “الترمذي”. وعندي أن أكثر ما أستدرك على “البخاري”، و”مُسلم” إنما هو مبنيٌّ على التساهل، لاسيّما مستدركات “الحاكم”، و”البهيقي” … هذا؛ وقد كان بعض الوضاعين يسلك طريق أخرى للوضع، وهي أن يَعَمَد إلى الأحاديث الصحيحة فيزيد فيها …. أعتل الوضاعون بعد ما رأوا من صرامة أهل النقد بعِلة جديدة، وهي التساهل على أحاديث فضائل الأعمال، ومنشأ ذلك شيوع التصوف ظناً منهم أن الكذب في الترغيب مصلحة، حتى إنّ أحدهم لِيَمِ على صنيعه وذُكر بحديث:” من كَذب عليّ متعمداً فليتبؤأ مقعده من النار”، فقال: “إنما كذبت له لا عليه” وتغالى بعض الجهلة فقال: “يكفينا في وجوب الآخذ قول القائل قال رسول الله سواء كان صدقاً أم كذباً، وأيدوا ذلك برؤى حلمية” … وقصور الهمم عن مزاولة علم الحديث مزاولة نقد وضبط … فبينما يكون (الحديث) أصلاً ثابتاً بالقرآن أو بالسُنة أو بمعرفة مقصد الشريعة الحاصلة بالقياس الجليّ، إذْ بحديث يَطنّ على الآذان يهدم ذلك الأصل أو يعارضه، ولا يعدم ذلك متابعاً وإنْ كان أساطين السلف أحطأوا فيه.

فقد رُويّ عن عمر أنه رُويّ له حديث يخالف القرآن وما مضي من السُنة؛ فقال “لا نترك كتاب الله وسُنة نبيه لقول إمرآة لا ندري أصدقت أم كَذبت” … فالذي نراه للإتيان على ما بقيّ حافاً بعلم الحديث من الخلل أن يسد باب التسامح في إيداع الأحاديث الضعيفة في كُتب الحديث، ولو كانت في فضائل الأعمال، فإنّ ترْك ذلك أعظم فائدة للدين من ذِكره، وفي الأحاديث الحُساّن بَلاغ لطالبي الفضائل وأن يطرح الإشتغال بضبط أحوال الرواة بعدما محَصّ الحُفاظ صحيح الحديث من عليله، فإنّ الإشتغال بذلك أصبح قليل الجدوى، فليقتصر على ذِكر الصحابي الراوي للحديث وعلى ذِكر رتبة ذلك الحديث في نظر أهل النقد).

وللحديث بقيّة عن نقدات “ابن عاشور” الخفية لكُتب الأحاديث والسيّرة النبوية.

***

بقلم: د. عصمت نّصار

 

قال المبلغ جبريل لمحمد عند نزول الدعوة عليه من الله في الغار كما تورده الرواية: أقرأ: فرد عليه الرسول لستُ انا بقارىء، حتى اصبح الرد حجة عند المسلمين على أمية محمد(ص). نكتب ولنا رأي آخر،

لا أحد يشك ان هذا الموضوع من الموضوعات الحساسة جدا والتي تثير حفيظة الفقهاء، والمجالس الفقهية، ورجال الدين والمتدينين والسلفيين منهم بوجه خاص، والحكام المتسترين بالدين. هؤلاء الذين لم يفهوا الرسالات الدينية الا طقوسا. لكن البحث العلمي والوصول للحقيقة، لاتمنع من أبداء وجهات النظر حتى في النص والانبياء معاً، فالنص القرآني ثابت لغوياً، لكنه متحرك في المحتوى، وهذا ما غفلَ عنه الفقهاء منذ عهد المفسرين الآول.

نستطيع ان نجزم ان كل شيء ما عدا الله متغير، وقابل للتأويل لقوله تعالى: (كل شيء هالك الا وجهُهُ، القصص 88). لأن القرآن الكريم له صيرورته الخاصة في الحنيفية والاستقامة والتطور. والانبياء لهم خصوصيتهم في الرسالة الربانية والتوجيه الديني، وهم نقلة نصوص مقدسة لا غير، دون ان تكون لهم عصمة، لا ن العصمة في الرسالة، وليست في شخوصهم الفردية، لقوله تعالى: ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس، المائدة 67). أي من ان ينالوك بسوء، ومن هذه الاية يتضح ان العصمة في الرسالة ولا احد معصوما الا الله،  من هذا المنطلق من حقنا ان نناقش المسائل الحدية في النص الديني والانبياء ومادار حولهم دون حرج من أثم. وعلى الجميع تقبل النقاش والرد ان كنا من المتجاوزين أو المخطئين. فالرأي والرأي الاخر هو الذي يولد الحقيقة والقرآن يؤكد على هذا التوجه لقوله تعالى (لكم دينكم ولي دين). ولنعد الى لفظة الامي التي وردت في القرآن الكريم فنقول:

ان لفظة الامي وردت في الكتاب في ستة مواقع وهي:

(وقل للذين أوتوا الكتاب والاميين أأسلمتم)، (آل عمران: 20).

(بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل)، (آل عمران: 75).

(لا اله الا هويحي ويميت فآمنوابالله ورسوله الأمي)، (الأعراف: 158).

(الذين يتبعون الرسول الآمي الذي يجدونه مكتوباًعندهم في التوراة والانجيل)، (الأعراف157).

(هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوعليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة)، (الجمعة: 2).

(ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب الا اماني وان هم لا يظنون)، (البقرة: 78).

محمد شحرور: الكتاب والقرآن

لنتعرف اولاً على معنى كلمة الأمي التي وردت في الآيات القرآنية السابقة. لقد أطلق اليهود والنصارى على الناس الذين لا يدينون بدينهم لفظة الامي، وهو ما نعبر عنه اليوم بالغوغاء أو العامة، لان هؤلاء الاقوام كانوا جهلة لا يعلمون ماهي الاحكام في كتب اليهود والنصارى. من هنا جاءت الكلمة لتعني:

ان الامي هو غير اليهودي او النصراني، والجاهل بكتبهم. وبما ان التوراة والانجيل هما نبوتا موسى وعيسى لذا جاء التبشير بنبوة محمد في التوراة وليس في الكتاب لقوله تعالى: (الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والأنجيل، الاعراف 157). ويوضح تماما في ألآية من آل عمران لقوله تعالى: (وقل للذين آوتوا الكتاب والأميين). فالذين أوتوا الكتاب هم اليهود والنصارى والباقي من الناس هم الأميون، وليس القصد بمحمد الرسول.

وهذا المعنى واضح في الاية 75 من سورة آل عمران عندما ذكر اهل الكتاب اليهود والنصارى فمنهم أي اليهود (من أن تأمنه بدينارٍ لا يؤده أليك). ومنهم أي النصارى (من أن تأمنه بقنطار يؤده اليك). فلماذا لا يؤدي اليهود الأمانات لغيرهم؟ لانهم يعتبرونهم من (الغويم) أي الغوغاء، وهؤلاء الاميون لا تنطبق عليهم وصايا الرب حيث قال: (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل).

وفي سورة الاعراف الآية(157): "الذين يتبعون الرسول الأمي". هنا جاءت كلمة أمي لأنه ليس منهم، لأنه قال: (الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والانجيل).

وكذلك جاءت في الاية(158) حين أتبعها بأن محمد (ص) هو رسول الله الى الناس جميعاً اليهود والنصارى والأميين علماً بأنه لم يكن أصلاً يهودياً ولا نصرانياً بل من الفئة الثالثة وهي الأميون.

وبمعنى الجهل في الكتاب قال: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب الأ أماني، البقرة 78). أي الذين لا يعلمون الكتاب ومحتوياته هم أميون بالكتاب ولذا أتبعها: (وان هم الا يظنون).

من هنا نرى ان النبي محمد(ص) كان أمياً بمعنى أنه غير يهودي وغير نصراني، وكان أمياً أيضاً بكتب اليهود والنصارى وكانت معلوماته عن كتبهم هي بقدر ما أوحي أليه بعد بعثته.

هذا العمق البلاغي اللغوي للقرآن الكريم لم يدركه المفسرون الاوائل الذين يجهلون المستدركات الحسية في اللغة، لا بل حتى المُحدثين منهم والفقهاء ورجال الدين، فسار المتأخرون على خطأ الأوائل من المفسرين، ولأن القرآن والنبي من المقدسات التي يجب ان لا تخرق فقد بقي القديم على قدمه تفاخراً وليس حقيقة عند الناس. وهنا ظُلم القرآن والنبي معاً عند المسلمين. ان معرفة القراءة والكتابة عند النبي لايقلل من قيمته ومن قيمة الرسالة، لا بل يزيدهما فخراً وأعتزازاً.

اما اسقاط هذا المعنى على ان النبي كان أمياً أي لا يقرأ ولا يكتب فهذا خطأ مميت، لأن الكتابة هي تجميع الأشياء بعضها الى بعض لأخراج معنى مفيد (موضوع) فهل كان النبي عاجزاً عن تأليف جملة مفيدة أوكتابة كتاب أو رسالة؟ أذن من كتبَ الرسائل الى الملوك والامراء وكتابه الى كسرى كان بيده أملاءً وصياغةً. والقراءة تعني العملية التعليمية (مرحلة تتبع المعلومات) ثم القدرة على أستقراء نتائج منها ومقارنتها بعضها ببعض. فالأاستقراء والمقارنة جاء من القراءة فهل كان النبي محمد(ص) لا يقرأ. خطأ أستراتيجي فرضه علينا المفسرون في نبينا العظيم بحاجة الى أعادة نظر واصلاح في قيمة الدعوة والنبي معا.

وقد يقول البعض ان النبي أجاب على جبريل عندما جاءه بالوحي قال له: أقرأ فقال محمد ليس أنا بقارىء، فهل اذا قيل لزيد أوعمر أذهب فقال ما أنا بذاهب، فهل هذا يعني بالضرورة أنه مشلول أو بلا أقدام. ولكن حين قدم جبريل الآية الكريمة قائلاً : (أقرأ بسم ربك الذي خلق، ألعلق1) سكت النبي بعد هذه الآيات الكريمات ولم يقل ما أنا بقارىْ، لمفاجئته النطق المقدس الجديد.

علينا أستقراء التاريخ الجاهلي ومعرفة كلمة القراءة والكتابة، فالنبي كان أمياً بالخط ولا يقرأ المخطوط بالقديم وجاء هذا المعنى في قوله تعالى: (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك اذاً لارتاب المبطلون، العنكبوت 48). (بل هو أيات بينات في صدور الذين آوتوا العلم وما يجحد بآياتنا الا الظالمون، العنكبوت 49).

وهذا يعني ان الرسول(ص) لم يتكلم بالقرآن قبل الدعوة ولو تكلم به لقالوا له انت تكلمت بالقرآن من قبل ان يأتيك الوحي وهنا جاز التشكيك به، والثاني ان النبي لم يستعمل الخط وظل كذلك الى يوم وفاته. وفرق كبير بين الخط والكتابة، وهذا أمر أخر لم يدركه المفسرون الأوائل. ودليل ذلك ما جاء في الاية الكريمة قوله تعالى (وكتبنا له في الألواح، الاعراف145). والالواح هنا القرطاس، وتجيب الآية الكريمة لاحقاً: (من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء) فهنا بعد فعل كتبنا ذكر الموضوع مباشرة.

فكتابة العقود والوصايا لا تعني الخط مباشرة بقدر ما تعني التسجيل حسب المراد من العقد فالكتابة والقراءة شيء والخط شيء اخر.

وأود ان أعلق على ما كتبه المؤلف فأقول:

أن هذا الامر في غاية الدقة والموضوعية يحتاج الى المزيد من البحث والتقصي العلمي والمعرفي لأزالة الالتباس، مما تعرفنا عليه خطئاً في ان الرسول (ًص) العظيم كان أميا لايقرأ القرآن الكريم ولا يكتب الاحاديث والرسائل. والقرآن الكريم يؤكد على أنه (ًص) كان يقرأ ويكتب من صحف كان مكتوب فيها القرآن لقوله تعالى: (رسولُ من اللهِ يتلو صُحفاً مُطهرةً، سورة البينة 2) أي أنه كان يتلو بنفسه من صحف كتب عليها آيات القرآن.

أنا أعتقد تماماً ان هذه الأسطورة الكاذبة هي أساس الطعن في الاسلام. أما ما يدعونه من وجود كُتاب الوحي الذي كتبوه بهذه الصورة غير المرتلة اي المرتبة ترتيبا ً زمنياً فهو أمر غير صحيح، فلماذا اذن لم يسمحوا لنا بأعادة كتابته بترتيب موضوعي أو حسب السنين وفق سياق النزول. أنا أعتقد ان كتاب الوحي الذين ملؤا بهم الدنيا ضجيجاً هم أسطورة حاكها المؤرخون والفقهاء على غرار أسطورة عبدلله أبن سبأ اليهودي الكاذبة والتي ثبت بطلانها علميا اليوم، والتي أرادوا من ورائها شق وحدة المسلمين واتهام أتباع أهل البيت بالخروج عن الاسلام، والتي لازال يصدقها البعض من المغفلين.

فمحمد(ص) هو المعلم الاول للكتابة وللقراءة. وهل ان أمية الرسول التي بها يدعون ستزيد من قيمة الدعدوة وقيمته المعنوية والمادية، وألا سنبقى كما بقيت أوربا في العصور الوسطى تغط في دياجير التخلف والظلام، وها نحن كما ترون كيف ان الاوهام والاساطير تعشعش في مجتمعاتنا والتي أوصلتنا الى هذا التردي الفكري والعلمي الذي نحن فيه اليوم.

 ونقول هل ان معرفته (ص) للكتابة والقراءة ستقلل من قيمة الاسلام كدعوة انسانية ؟. بهذه العقليات المنغلقة المتحجرة فسرت الدعوة والنص القرآني وفق نظرية الترادف اللغوي الخاطئة، وأقوال الرسول الذين أدخلوا عليها الف والف حديث غير ثبت حين مزجوا الحابل بالنابل وفسروا السيرة النبوية الشريفة تفسيراً طوباويا كان ضرره أكثر من نفعه، وأدخلوا عليها كل غريب وطبقوها علينا تحت رحمة وعاظ السلاطين وقوة السلطة الغاشمة. فجاءت كما نحن فيها اليوم من تغاير لا يحمي الا التخلف والانغلاقية والسلاطين. فبقينا على ما نحن عليه مكانك راوح، وكل جديد عليك حرام كتحريم القراءة والكتابة على أشرف المرسلين.

آذن لابد من تغيير جذري، لكي ينهض الاسلام، وتتجدد قيمه وتستمر مجتمعاته الجديدة. وعملية التجديد هذه لا تعتبر مسألة في النظر والعمل، بل فيهما معاً وعلى مستوى الرؤية التاريخية، والعمل الفكري الحاضر الشامل والمستقبلي، على حد قول الاستاذ ابراهيم الغويل، فأسلامنا اليوم هوليس اسلام محمد (ص) بل هو اسلام الفقهاء المحرفين للدين، فمتى نتنبه للصحيح؟.

رحم الله المبدع الاستاذ الدكتور محمد شحرور الذي كتب لنا كل صحيح.

***

د. عبد الجبار العبيدي

 

"تعلموا العربية فإنها تزيد المروءة"

توطئة: اعلم أن التلفت عن اللغة الأم بماهي أحد منابت الهوية و أصل الرابطة القومية نحو تملك لغة موضوعية أملا في ممارسة التفكير الخلاق وتوقا لمعانقة حرية الابداع هو عين الأمر الشائك ورأس المعضلة الكبرى, واعلم كذلك أن أي جهد يبذل على هذا النحو ينتج عنه اقرار ضمني بأن الضاد هي لغة خرافة وتقليد وملكة متقررة في اللسان واعتراف غير معلن بأن هناك لغة أخرى تقدمت على صعيد الحياد الموضوعي واختصت في مجال الخلق والابتكار. لقد "كانت الملكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملكات وأوضحها إبانة عن المقاصد لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني من المجرور أعني المضاف ومثل الحروف التي تفضي بالأفعال الى الذوات من غير تكلف ألفاظ أخرى. وليس يوجد ذلك الا في لغة العرب وأما غيرها من اللغات فكل معنى أو حال لابد له من ألفاظ تخصه بالدلالة ولذلك نجد كلام العجم من مخاطباتهم أطول مما تقدره بكلام العرب..."[1]

وان كان الأمر كذلك فكيف نطمح الى التفكير مع الحرص على الهوية؟

ألا يقتضي هذا التلفت فصلا بين الذات المتكلمة و اللغة المتكلم بها؟

وهل ينبغي التخلي عن الهوية والعزوف عن الفصحى والإنخراط في العولمة والشراكة وتعلم اللغة الكونية بوصفها المسلك الوحيد للتطور أم من الضروري تطهير اللغة العربية من كل ضروب الجمود وتخليصها من كل المعيقات والشوائب؟ ثم لماذا هذا الرجع القهقرى بالنسبة للضاد من الحركة والازدهار الى السكون والتكرار؟

اذا كان هذا هو موقع الانسان العربي اليوم متمسكا بلغة الهوية للمحافظة على خصوصية حضارته وللإعتزاز بدائرة الإنتماء ومضطرا لتعلم اللغة الكونية ليمارس التفكير وليواكب التطور والرقي فهل يقبل الإنفصام والإنشطار أم عليه بالإختيار والإنتظار؟ ماهي شروط امكان تطهير اللغة العربية؟ وأي مستلزمات تقتضيها هذه المطالب؟ هل تدور هذه المقتضيات في مستوى الأفكار والمعاني أم في دائرة الأساليب وطرق التعبير؟

الى أي مدى يكون مشروع بناء لغة موضوعية جوهرية وكونية تنصهر فيها كل الفوارق بين اللغات وتذوب فيها كل الخصوصيات واللهجات قابلا للإكتمال والإنجاز؟

ما معنى لغات ميتة سكونية ومغلقة ولغات ديناميكية حية ومنفتحة؟

هل يمكن للضاد أن تتحول من لغة حية الى لغة ميتة؟

ثم ألا يمكن اعتبار الفصحى اليوم مع تناقص عدد متكلميها لغة ميتة؟

هل تموت اللغة بموت الشعب الذي يتكلمها أم بانحباس الفكر الذي يستخدمها؟

أي دور للأديان في ظهور اللغات وانتشارها؟أليس من الأجدى لكل اللغات القومية أن تنفتح على الوافد والمغاير وتسمح بإمكانية اللقاء بالآخر؟ ما تأثير الايديولوجيا السياسية على اللغة؟ ما معنى لغات استعمارية مهيمنة ولغات محلية تابعة؟ وهل الضاد لغة تابعة مهادنة أم لغة آمرة يمكن لها أن تسود كل العالم؟ لما كنا لحظة المنعرج اللغوي وفي زمن فقه اللغة والغراماتولوجيا ونقد استعمال الفكر للغة والاعتراف بسيادة الكلمات على الأفكار وسلطة الدوال على المدلولات والأصوات على المعاني أليس من المتوجب البحث عن لغة ديموقراطية أو عن استعمال ديمقراطي من طرف الفكر للغة؟ [2]

هل تكون الأنترنات من جهة كونها لغة رقمية وشبكة جميع الشبكات هي هذه اللغة الديموقراطية التي نبحث عنها؟ ولما كان مقصودنا هو تخطي المضيقات واستجلاء هذه المحيرات فإنه يجدر بنا دراسة العلاقات الواصلة بين اللغة والشعب والرابطة بينها وبين الدين ثم نتبين بعد ذلك مدى تأثيرها على التفكير ودورها في حفظ الكيان وفي عملية انجاز الذات مع التفطن الى الشبهات والشوائب التي علقت بالضاد فأعاقتها عن التطور معرجين على التحديات التي تواجهها خاصة في ظل غزو الصورة واستبداد المشهد وضخ المعلومات وهجرة الرموز باحثين في الأخير عن طرق ممكنة للتجديد استشرافا للآتي واستقبالا للمستجد الطارئ.

1 ـ اللغة والشعب:

"والجماعة الانسانية الكاملة على الاطلاق تنقسم أمما والأمة تتميز عن الأمة بشيئين طبيعيين: بالخلق الطبيعية والشيم الطبيعية و بشيء ثالث وضعي وله مدخل ما في الأشياء الطبيعية وهو اللسان أعني اللغة التي تكون بها العبارة... [3]

ان اللغة سواء تكونت بالمواضعة والاتفاق أو بالوراثة والغريزة وسواء نتجت عن عوائد الانسان ومألوفه أو كانت بنت طبيعته ومزاجه فهي روح الشعب الذي يتكلمها وكنهه يودع فيها أحلامه وتطلعاته ويحبس فيها اخفاقاته وهزائمه. اذ توجد لكل شعب لغة تلائم طبيعته وتعبر عن مزاجه وأذواق أفراده تميزه عن شعب آخر وتعكس بشكل أو بآخر تقدمه أو تأخره لأن كل وحدة لغوية تعبر عن وحدة حضارية معينة وتعدد اللغات يعني تعدد الحضارات وتطورها يدل على تطور الحضارة وجمودها يعني ركود الشعب الذي يتكلمها. وآيتنا في ذلك أن وحدة اللغة تدفع بالاعتقاد بوحدة الأصل والشعور بالقرابة والتآلف وتوجد وحدة في الاحساس والادراك وتساهم في تشكل لاشعور جماعي أو مخيال مشترك، اذ أن اللغة تمد جسور التواصل والتفاهم بين الذوات وتجعلهم يتماثلون ويتعاطفون وتمكنهم من ترسيخ عاداتهم وتقاليدهم وتناقل الخبرات الثقافية من السلف الى الخلف. فهل يمكن أن يوجد شعب قائم الذات دون أن تساهم لغة معينة في تشكله؟

 اعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده وتلك العبارة فعل لساني فلابد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان وهو في كل أمة بحسب اصطلاحهم... [4]

 اعلم أن الحروف في النطق...هي كيفيات الأصوات الخارجة من الحنجرة تعرض من تقطيع الصوت بقرع اللهاة وأطراف اللسان من الحنك والحلق والأضراس أو بقرع الشفتين فتتغاير كيفيات الأصوات بتغاير ذلك القرع وتجيء الحروف متمايزة في السمع وتركب منها الكلمات الدالة على ما في الضمائر وليست الأمم متساوية كلها في النطق بتلك الحروف فقد يكون لأمة من الحروف ما ليس لأمة أخرى والحروف التي نطق بها العرب هي ثمانية وعشرون كما عرفت ونجد للعبرانيين حروفا ليست في لغتنا وفي لغتنا أيضا حروف ليست في لغتهم... [5]

غني عن البيان أن الضاد هي أداة قوية للثقافة العربية تعتبر ثمرة تاريخ هذه الحضارة بأكمله, لم تتغير إلا ببطء شديد استعملتها كل الطبقات والشرائح, كما أخضعت قواعدها الى عملية تأصيل وتقعيد مستمرتين رغم ما لوحظ من ازدياد في عدد الألفاظ الدخيلة المستعربة.فاذا كانت اللغة الاغريقية قد ارتبطت بالفلسفة والتراجيديا واللغة اللاتينية بالقوانين الرومانية واللاهوت المسيحي واذا كانت اللغة الانجليزية قد تعلقت بالشعوب الأنجلوساكسونية وبالنزعة الحسية التجريبية وفي أمريكا بالنزعة البراغماتية والتقليد التحليلي وارتبطت اللغة الفرنسية بالفكر الموسوعي العلمي والنزعة الوضعية في تجلياتها الأولى وأفصحت اللغة الألمانية عن الأنوار والنزعة الرومانطيقية والفكر التأملي والجدلي التي تميزت بها القومية الجرمانية فإن الضاد لغة العرب الفصحى قد ارتبطت بالشعر ومعلقاته السبع والقرآن دستورهم الأول وما يتضمنه من سحر وبيان ومجاز وبلاغة واعجاز وخطابة. في هذا الاطار يقر الجاحظ أن العرب أمة واحدة لتكلمهم العربية رغم اختلاف لهجاتهم ونطقهم بها اذ يقول: وزعمت أن هؤلاء وان اختلفوا في بعض اللغة وفارق بعضهم بعضا في بعض الصور فقد تخالفت عليا تميم وسفلى قيس وعجز هوازن و فصحاء الحجاز في اللغة وهي في أكثرها على خلاف لغة حمير وسكان مخاليف اليمن وكذلك في الصورة والشمائل والأخلاق وكلهم مع ذلك عربي خالص غير مشوب ولا معلهج ولا مذرع ولا مزلج. ولم يختلفوا اختلاف ما بين بني قحطان وبني عدنان من قبل ما طبع الله عليه تلك البرية من خصائص الغرائز وما قسم الله تعالى لأهل كل جيزة من الشكل والصورة ومن الأخلاق واللغة. فإن قلت: فكيف كان أولادهم جميعا عربا مع اختلاف الأبوة. قلنا: إن العرب لما كانت واحدة فاستووا في التربة وفي اللغة والشمائل والهمة وفي الأنفة والحمية وفي الأخلاق والسجية فسبكوا سبكا واحدا وأفرغوا افراغا واحدا وكان القالب واحدا تشابهت الأجزاء وتناسبت الأخلاط وحين صار ذلك أشد تشابها في باب الأعم و الأخص وفي باب الوفاق والمباينة من بعض ذوي الأرحام جرى عليهم حكم الاتفاق في النسب... [6] لكن ان كانت الضاد روح الشعب العربي والاسمنت المسلح الذي يصهر كل أفراد المجتمع في وحدة عضوية لا يمكن تفكيكها من الداخل فكيف يمكن لهذه اللغة أن تعبر عن جوهر الديانة التي يعتنقها هؤلاء الأفراد؟

2 ـ اللغة والدين:

"أنزلناه قرآنا عربيا" (سورة يوسف 2)

 "بلسان عربي مبين" سورة الشعراء 195

"ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي" سورة فصلت 44

" يا مشمس أيام الله بضحكة عينيك !

ترنم للغة القرآن

فروحي عربية " مظفر النواب ـ وتريات ليلية [7]

كل دين منزل سماوي أو طبيعي وضعي تم حفظه وصيانته داخل نصب مكتوب أو من خلال كلام شفوي ويقع الاعتماد في ذلك على نسق من الرموز والعلامات والدعوات أو من خلال مجموعة من الطقوس والحركات والاشارات، وتتمثل وظيفة الدين في حفظ النص المقدس من الضياع والتلاشي وفي تسهيل عملية ابلاغه وتعليمه للآخرين.  نزل القرآن الكريم أول ما نزل بلهجة قريش لأن لهجة قريش أفصح لهجات العرب ولأنها قد خلت من كل مستشبع مستقبح ولكن لما دخل الناس في دين الله أفواجا ابتدأت من العام التاسع للهجرة تعذر على كثير من الداخلين في الاسلام قراءة القرآن بلهجة قريش نظرا لانطباع ألسنتهم على لهجاتهم فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه التخفيف فنزلت الرخصة من الله تعالى بجواز قراءة القرآن بلهجات العرب الفصيحة المتداولة فإذا كان في كلمة لهجتان فصيحتان أو أكثر جازت قراءة القرآن بها كلها وهي في احصائنا لا تتجاوز السبعة على كل حال. فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أقرأني جبريل على حرف فراجعته ثم لم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى الى سبعة أحرف" [8]

ان اللافت للنظر أن اللغة التي يكتب بها الدين هي لغة مجازية رمزية أغلبها تخييل ومحاكاة وتمثيل للحقائق والأفكار السرمدية التي لا يدركها الا أصحاب الفطر الفائقة وحتى يتسنى تأويلها وتفسيرها الى ما لا نهاية له. بيد أن العلاقة بين القرآن والضاد هي علاقة اشكالية شائكة وجالبة للحيرة والتفكير وذلك لسببين هما:

- القرآن نزل منذ الوهلة الأولى في شكل خطاب شفوي.

- اللغة العربية لم تصبح لسان أي لغة مكتوبة لها قواعد وقوانين الا بعد هبوط الوحي واكتمال تشكل الدين الاسلامي.

هكذا كان الوحي يقرأ قبل تدوينه وكتابته وفق سبع قراءات توافق عدد لهجات القبائل التي انتشر فيها الدين الجديد, أما اللغة العربية وقتها فإنها لم تخضع بعد لعملية تقعيد وتقنين كما أن الحروف لم يقع تنقيطها وقواعد الاعراب والنحو والصرف وبحور العروض لم تكن موجودة وأول المحاولات كانت بطلب من علي ابن أبي طالب صاحب نهج البلاغة وأنجزت من طرف أبي أسود الدؤلي والخليل ابن أحمد الفراهبدي وسبويه وابن جني صاحب كتاب الخصائص. ما تجدر الاشارة اليه أن عثمان ابن عفان عندما خشي من ضياع الوحي ومن امكانية تعرضه للتزوير والتحريف بعد اندلاع الفتنة الكبرى واحتدام الصراع السياسي على السلطة وموت عدد كبير من الحفظة والقراء أثناء الغزو والفتح فأمر هذا الخليفة المسلم بجمع سوره وآياته في مصحف سمي الى الآن باسمه وقع رسمه بلهجة قريش القبيلة التي استأثرت لنفسها بالحكم من دون القبائل الأخرى وأمر كذلك بإحراق كل النسخ والمصاحف الأخرى المكتوبة باللهجات المتبقية، ولقد ذكر لنا التاريخ العربي الاسلامي وجود قراءتين للقرآن الأولى لورش والثانية لقرش ورغم أن نقاط الاختلاف بينهما معتبرة ولها دلالة الا أن خشية الجماعة من هبوب رياح الفتنة والوقوع في التشرذم والفرقة هو الذي جعلها تقلل من هذه الاختلافات وتعتمد القراءتين معا. "والسبب في اشتهار هؤلاء السبعة دون غيرهم أن عثمان رضي الله عنه لما كتب المصاحف ووجهها الى الأمصار وكان القراء في العصر الثاني والثالث كثيرا في العدد كثيرا في الاختلاف فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات التي توافق المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به فنظروا الى امام مشهور بالثقة والأمانة في النقل وحسن الدين وكمال العلم قد طال عمره واشتهر بالثقة وأجمع أهل مصره على عدالته فيما نقل وثقته فيما قرأ وروي وعلمه بما يقرأ فلن تخرج قراءته عن خط مصحفهم المنسوب اليهم...وأول من اقتصر على هؤلاء أي القراء السبعة- أبو بكر بن مجاهد. [9] في هذا السياق يقول ابن خلدون: "فلما جاء الاسلام وفارقوا الحجاز لطلب الملك الذي كان في أيدي الأمم والدول وخالطوا العجم تغيرت تلك الملكة بما ألقي إليها السمع من المخالفات التي للمستعربين... وخشي أهل العلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأسا ويطول العهد بها فينغلق القرآن والحديث على المفهوم فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة شبه الكليات والقواعد يقيسون عليها سائر الكلام..." [10]

ما يثير الانتباه والدهشة أن معجزة الدين الاسلامي هي القرآن وبالأساس بلاغة اللغة التي قرأ وكتب بها والصور الشعرية التي يتخيلها وحلاوة الايقاعات الموسيقية التي ترسمها الأصوات المتكونة منها عند تلاوة آياته أو تجويدها. وسواء كان هذا الوحي مخلوقا على ما تذهب إليه المعتزلة تنزيها للذات الإلهية وتأكيدا لحرية الإنسان ختما للنبوة واعلانا عن ميلاد العقل أو كانت معانيه قديمة وألفاظه محدثة على طريقة الأشاعرة توفيقا بين العقل والنقل تعظيما للإرادة الإلهية المطلقة واعترافا بقدرة المخلوق على الكسب وفق مناسبات تخلق له فإنه قد تكونت حول القرآن عدة علوم نقلية وعقلية وكان الوحي هو مركز عدة علوم أخرى تكونت حوله فظهر في البداية الحفظة والقراء وكتبة الوحي ثم برزت على السطح فئة المفسرين والمحدثين ثم علماء السيرة والحديث والفقه وفيما بعد ظهر علماء أصول الفقه وأصول الدين وتغير الحال بالتطور المعرفي والتعارف الحضاري بين الشعوب فنشأت عدة علوم عقلية كعلم الكلام والفلسفة والمنطق والطبيعيات وبلغ الأمر الى حد ظهور التصوف والسيمياء وعلم الفلك والرياضيات والبصريات والتنجيم. على الرغم من محاصرة المنقول للمعقول وتسييج باب الاجتهاد وتضييقه واقتصاره على الفروع دون الأصول وتحريم الاشتغال بالفلسفة ومنعها من الخوض في الإلهيات واستهجان العاملين بها من طرف ابن الصلاح الشهرزوري وأبي حامد الغزالي وابن تيمية وابن القيم الجوزية وعلى الرغم من أن لغة الضاد اقتصرت في العصور الوسطى على التكرار وارتبطت بالجمود والتزمت ووظفت في الشرح والتلخيص وفي تأليف المعاجم والموسوعات والتفاسير إلا أن الفيض المعرفي الذي دشنته في عصر ازدهار العقل العربي بانصهار لغات وثقافات أخرى فيها جعلها تحتفظ بوهجها الروحي واشراقها الدلالي وبقدرتها البالغة على التعبير والإيحاء والتشبيه والتمثيل وجعلها كذلك تتضمن طاقة تأويلية لا تنتهي لتتفجر قوتها التبشيرية على العالم كله لما تكتنزه وتفصح عما تكتظ به من نفحات قدسية وعجيب خلاب. ننتهي اذن الى تثبيت الضاد بما هي جوهر الشعب العربي المسلم وروحه باعثة الحضارة وسبب العروة الوثقى للأمة وهي كذلك جسد الوحي ومادته الأثيرية والمرآة التي عكس بها الله حكمته للإنسان فهل تكون الضاد حينئذ الشاشة البلاغية التي يرى العربي من خلالها العالم والنبراس الذي يدرك به ذاته والقلب الذي ينبض به الفكر ويتيح له اللقاء بالآخر؟

3 ـ اللغة والذات:

" يتشكل الانسان من حيث هو ذات في اللغة وباللغة [11]

"ان حدود لغتي تعني حدود عالمي الخاص" [12]

في الواقع لا توجد علاقة طبيعية وآنية ومباشرة بين الإنسان وذاته بل هناك وسيط يتمثل في وجود جهاز رمزي يتكون من مجموعة من العلامات والاشارات تلعب دور الرابط بين الانسان والكون والرمز يكشف لنا عن أحد المعطيات الأساسية ربما الأكثر عمقا في المنزلة الإنسانية بل ان القدرة الرمزية هي أخص خصائص الكائن البشري[13] , فالانسان ليس كما يظن بعض الحكماء الأول حيوان عاقل فقط بل هو أيضا وبالأساس حيوان ناطق أي كائن رامز وملكة الترميز لديه تبلغ أقصى تحققها في اللغة واللغة هي ميزة الانسان عن بقية الكائنات[14].فكيف تتدخل الضاد في بناء الذات العربية الاسلامية؟وما معنى أن تكون عربيا مسلما اليوم؟ وهل يكفي أن تتكلم الفصحى لتتأكد من انتمائك للحضارة العربية الاسلامية؟

ان كانت التجربة الانسانية هي في جوهرها تجربة لغوية وكانت الذاتية انبثاقا لخاصيات أساسية للغة في الواقع فإن الشخصية العربية تبنى على أسس الضاد وصرحها فيكون عربيا من يقول أنا عربي وأن يكون كذلك معناه أن يتقدم الى ذاته والى الآخرين والى العالم بوصفه من ينطق الفصحى ومن يتكلم بلسان عربي مبين فيشعر من خلال معجزة القرآن ومعلقات الشعر الجاهلي وجداريات الخطوط الكوفية والقيروانية أنه ينتمي الى حضارة اقرأ وثقافة بدأت بالكلام والقراءة والكتابة ولتصبح بذلك لغته لا أداة للتواصل والتبليغ والتعبير والاعلام والاخبار بل مجال ترعرع الخيال وتشكل العاطفة وتفتح الوجدان وترسخ الذاكرة. عندئذ ينظر العربي الى الضاد على أنها مسكن وجوده وأصل كينونته والنور الذي يضيء له سراديب ذاته المظلمة وشمس المعارف الكبرى التي تخرجه من الجهل الى العلم ومن العدم الى الوجود مثلما أخرج القرآن مجموعة من القبائل الأعراب الرحل من بحر الظلمات الى بحر الأنوار ومن العصبية والجاهلية والتناحر الى الحضارة والتمدن والتعارف. على هذا النحو تسمح كل لغة لمفهوم الأنا أي الضمير المفرد بالظهور في الوجود وتفصله عن مفهوم الأنت والآخر ضمن ضمير الغائب أي الهو فيكون أنا من يقول أنا وتتيح للضمير الجماعي أي النحن فرصة التشكل مقابل الأنتم والهم وبهذا يمكن تعريف الذاتية على أنها قدرة المتكلم أن يطرح نفسه باعتباره ذاتا. اذا عدنا الى الضاد فإننا نجدها خزائن علوم العربي وحقول معارفه ومصادر حقائقه حول أصله وفصله ومصيره ووسائل تدبيره لبيته ولدنياه، فهي الرباط الذي ينطلق منه ويعود اليه الانسان العربي في حله وترحاله ليغوص في الأعماق أو يصعد نحو القمم , كما أنها الدرب الذي يسلكه للعودة الى الينابيع الصافية للمنبت الصالح وينهل من الأصول العتيقة حتى يستعيد عافيته ويرفع من ناصية هويته، هذا متاح دون أن تمثل الضاد قوقعة أو كهفا يحجبان عنه الآخر ويمنعان عنه عبر التاريخ ودروسه ومنطق التقدم العلمي وكشوفاته. عندما يبدأ العربي في النطق والكلام بنظم القوافي وترسل الشعر وترتيل الوحي فإنه يخرج فعليا من عالمه المغلق ويتزحزح عن نرجسيته الفارغة ويكف عن استعلائه غير المجدي ويعرض عن الاستغلاق المشين ليدشن موقعا جديدا له في العالم وليكتشف حدثا جديدا في الكون ويخرج من قلعته الآمنة وينكشف للآخر ويشرع في التواصل معه والتثاقف ليس بشكل تلفيقي مموه بل بشكل اختلافي تعادلي مولد لينتقل من وضع التدافع مع الأجنبي الى وضع التعارف معه. فإن كانت الضاد أس الذات العربية المسلمة وعمادها فكيف تكون سراج فكرها ومنبع إلهامه؟

4 ـ اللغة والفكر:

قالت المعتزلة: "ان الخواطر التي تطرأ على قلب الانسان... و أحاديث النفس (هي)...تقديرات للعبارات التي في اللسان...والتي تعلمها الانسان منذ أول نشوئه". [15]

ليست اللغة أداة تبليغ ووسيلة تواصل فحسب بل هي أيضا شرط كل علاقة يقيمها الانسان مع ذاته ومع الآخر ومع العلم وكل هذا لا يكون ممكنا دون توسط ملكة الفكر, فاللغات ليست قائمات أسماء عالمية تقسم الواقع بطريقة متماثلة بل كل لغة تملك تقطيعا خاصا بها لعالم الأشياء وتبني تنظيما جديدا لمعطيات الفكر, لذلك تعني اللغة" رغبة فكر شخص ما في قول شيء في شيء ما لشخص آخر"; وذلك بترتيب الألفاظ وبتأليف الكلمات للتعبير عن الخواطر التي تضطرم في النفس والافصاح عن الأفكار التي تتدافع في العقل. بما أن امتلاك اللغة يتطلب تدخل التفكير فإن معرفة الكلام لا يستلزم إلا القليل من العقل وهكذا تبدو علاقة اللغة بالتفكير غامضة فهل اللغة تخدم الفكر أم الفكر يتبع اللغة؟ هل تكتفي اللغة بكساء فكر قد تكون سلفا؟ أم أنها تمثل شرطا لتشكل هذا الفكر ولفهمه؟ وإن تعذر علينا الحديث عن تفكير دون توظيف لغة وعن لغة لا تكون قابلة للإستعمال في التفكير أليس الفكر واللغة وجهين أو مظهرين لعملة واحدة؟

في الواقع هناك تفاعل بين اللغة العربية والفكر العربي فكأن القصص والسور والآيات القرآنية والقصائد والأبيات التي تتكون منها المعلقات السبع تشير وترمز الى نظرات ورؤى الأعرابي للكون وتحدد قيم حياته وغائية وجوده. فالضاد سهلت انبلاج التفكير العربي وساعدته على التوسع والانتشار والانصهار بالثقافات الجديدة التي احتك بها وساعدته كذلك على النمو والتطور. لقد أبدع الفكر العربي علم اللغة وما يتفرع عنه من نحو وصرف واعراب وعروض وبلاغة من بيان وبديع وكلام وبلغ مرتبة الشرف والصناعة في هذه الفنون بتقعيدها ووضع قوانين دقيقة لها. ان المناظرة التي جرت بين المنطقي متى ابن يونس والنحوي أبي سعيد السيرافي وتناطحهما خير دليل على ارتباط فعالية التفكير بالقدرة الخلاقة والوفرة العجائبية الغرائبية للغة, فكأن العربي عندما يتلاعب بالكلمات يرسم مقاما له في الوجود وعندما يتكلم يعلم ما يفكر فيه وعندما يفكر يعلم بدراية وعلى السليقة العبارات التي يتسامح في توظيفها للذلك وبذلك استحال أن يسمي النشاط المعرفي والوجودي والأخلاقي الذي يقوم به دون استعمال اللغة والعودة اليها (التصوف) نشاطا فكريا بل يعتبره مجرد شطح وأحوال واشارات تغيب عنها العبارات والمنطقيات.

إن العربي لا يوجد فقط في الأعيان أو في الأذهان بل وكذلك في الأسماء والكلمات وفي الحروف والأفعال الكلامية ولعب اللغة العادية، وهو لا يقطن كوكبا وأشياء بل يسكن في عالم من الرموز والعلامات , والضاد هي شرط إمكان إبداع العقل العربي ومقام للعرب في العالم. ولما حكمت عليه ظروف التحدي الحضاري والتقدم الذي لاح على الآخر والتخلف الذي ارتبط بالأنا بإستعمال لغات مغايرة فإن ما أنتجه لم يتعد المحاكاة والنقل وتحول إلى شعوذات للجمهور وأباطيل الدجالين. كما يمكن أن نقارن علاقة اللغة بالتفكير ب علاقة الجسم بالنفس واللفظ بالمعنى. فالفكر هو الصورة واللغة هي المادة أما اللفظ فيكون حاملا للمعنى وموصلا له والمعنى مستقل عن اللفظ ومتأثر به، ويستقيم بإستقامته وينعدم بإستعماله في غير محله. لذلك يرى الغزالي: "ان العبارات مباحة والاصطلاحات لا مشاحة فيها اذ لا معتبر بالعبارات ان صحت المعاني" [16] لأنه ان كانت العبارات متفاوتة فإن المقصود شيء واحد والأخطاء التي يقع فيها الإنسان ناتجة عن طلبه للمعاني من الألفاظ بينما كان عليه أن يقدر المعاني أولا ثم ينظر في الألفاظ ثانيا ويعلم أنها" اصطلاحات لا تتغير بها المعقولات". فهل تمكننا الضاد من مباشرة التفكير الحر والانخراط في تجربة الاستطلاع والتفتيش اذا ما تجاوزنا هذا الخطأ؟

يبدو أن من طبيعة اللغة العربية أنها اصطلاح ومن اختراع الفكر تصديقا لقوله عز وجل: "وماهي الا أسماء سميتموها أنتم وأبنائكم"، وفي هذا السياق يقول ابن جني: " ان أصل اللغة لابد فيه من المواضعة[17]. على هذا الاساس توفر اللغة  للفكر ذخيرة من المعاني وخزائن من المعارف تمكنه من بناء نظرة شفافية للكون وتحديد آلياته وقدرته ورغم ان الفكر لا يدرك الا ما هو مشكلا ومستحضرا في اللسان العربي الا ان هذا اللسان يحررنا اثناء النطق والكلام من رقابة مقولات المنطق ومن الآلية غير الواعية ويسمح لنا باختيار وانتقاء ما يلائم التعبير عن الافكار بحرية وطواعية.

ننتهي الى ان الفكر العربي الذي يشمل كل ضروب التعقل والتروي والادراك والتصور والتذكر يقتصر على ما يختلج في نفس الانسان العربي ووجدانه و يعبر عن ذلك كلاما وبوحا ونطقا باللسان. من البديهي أن تكون اللغة العربية منذ كلمتها الاولى معرفة لأنها لم تصدر عن الصرخة الطبيعية بل من فعل اقرأ لذلك يعني فعل: "أن تعرف هو أن تتكلم كما ينبغي أن يكون وكما تقتضي المسيرة الأكيدة للعقل، و لهذا السبب قال الرسول العربي الكريم:" أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا فصار للحروف في لغتهم والحركات والهيآت أي الاوضاع اعتبار في الدلالة على المقصود... [18].

من هذا المنطلق تتميز الضاد عن بقية لغات العلم بالمزايا والخصائص التالية:

- تسمي الأشياء الكثيرة باسم واحد مثال لفظ العين الذي يطلق على منبع الماء وعلى العين المبصرة وعلى ذات الشيء وعلى حراس السلطان.

- تسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة مثال الأسد يطلق عليه الليث وعنبسة وكسورة وملك الغابة.

- تستعمل اللفظ العام لتدل به على الخاص.

- تستعمل اللفظ الظاهر لتدل به على الباطن.

- تستعمل الأمر لتستدل به على: - طلب الفعل

- الدعاء والتضرع

- اليأس والقنوط.

- تستعمل النهي لتدل به على:

- ترك المنهي عنه سواء على وجه اللزوم والتأكيد أو على وجه الكرامة.

- الارشاد والتوجيه والزجر والردع.

ان من أراد فهم الوحي القرآني والسنة النبوية الشريفة لابد أن يعرف اللسان العربي وأساليبه وخصائصه وأدواته وأن يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره وأن يحسن التمييز بين الاستعارة والكناية والمجاز والرمز والعلامة والسجع والبيان والبلاغة والفصاحة والأمثال وقواعد الاعراب والنحو والصرف والعروض وأوزان الشعر وغيرها من ضروب الكلام. ان كانت الضاد ملكة متقررة في لسان العرب فهل بقيت تلك القوة التي تفعل الكثير بالقليل والتي لا يمكن ان تضاهيها ملكة اخرى؟

5 ـ المزالق الراهنة للضاد:

"كنا أناسا على دين ففرقنا قرع الكلام وخلط الجد باللعب" [19]

يسود الاعتقاد اليوم ان واقع الحضارة وموقع الثقافة العربية فيها أوصلا الضاد الى منزلة لم تعد بموجبها قادرة على أن تكون لغة الفكر ولا روح الشعب ولا حتى لغة الدين. فالفكر أصبح يعبر عن نفسه من خلال لغة كونية موضوعية و القرآن ترجم الى العديد من لغات العالم والشعائر أصبحت تعلم بلغات أخرى محلية غير العربية كما هو الامر في الشرق الاقصى وحتى في الغرب كما أن الشعب أضحى سجين بعض اللهجات واللغات الاثنية التي كانت في الماضي ميتة مثل الامازيغية وغيرها.

وأضحت الضاد كذلك عاجزة عن القيام بوظائفها على الوجه المطلوب في ايصال المراد للآخرين من تعبير واخبار وتراجعت الى الوراء وبانت مسافة الايضاح والتعبير التي تفصلها اليوم عما كانت علبه في عصر التوحيدي وابن المفقع والجاحظ خاصة أمام منافسة اللغات الآمرة سواء الانجليزية أو الفرنسية أو حتى اللغة الرمزية المهيمنة على شبكات الانترنات والسوق المعلوماتية. فأي مكان للفكر العربي في ساحة تربع على عرشها كوجيطو البضاعة وأي منزلة للضاد والانترنات أضحت أم كل اللغات؟

ثمة اجماع حول قصور اللغة العربية واحتضارها واستبقائها كأساس لعصبية مغلقة وجسد لثقافة تراثية قروسطية ومرآة تعكس هوية متقوقعة على نفسها وأصل لرابطة قومية تضيق على متكلميها الآفاق وتخلط أمامهم السبل وهذا التردي والموقف الصعب يعزى الى عدة أسباب أهمها:

1/ اللغة العربية هي لغة دينية تصطبغ ألفاظها وأفعالها بالدلالات اللاهوتية والمعاني الغيبية وهي بذلك تهمل كل ما هو انساني والأمور الدنيوية الملموسة.

2/ الضاد لغة فقهية تتصف بالوقوع في الأحكام القطعية والنزعة الشمولية الكليانية يغلب عليها الأمر والفرض والالزام الى ما يجب أن يكون لا الى ما هو كائن.

3/اللغة العربية هي مجردة وصورية تهتم بالعقول المفارقة والعموميات والأصول والعلل الأولى والمصادر وبالتالي فانها لا تحترم التغير والتنوع وتقتل براءة الصيرورة وتختزل سيلان نهر الوجود وتدفع مجرى الحياة في قوالب نحوية وجمل تعبيرية فارغة وأطر منطقية شكلية.

4/ الضاد لغة تأليهية مشخصة تهتم بعبادة الأشخاص والأسماء والأبطال وتحتفل بالتاريخ الرسمي، تاريخ الأمراء والسلاطين وتهمل الهوامش والسواد الأعظم والأغلبية الصامتة تعبر عن بعض التيارات وتطمس العديد من الوقائع والأسرار.

يترتب عن ذلك أن الفصحى عاجزة عن التعبير عن حالات النفسية للعربي وعن خلجاته وحيرته الذي أضحى في منطقة وسطى يكون فيها خارجا عن ذاته وخارجا عن الأشياء والوقائع معلقا في كومة من السماء التي لا مقصد لها وفي ركام من الافعال التي لا مخرج منها مكتفيا بقراءة تلك البطاقات الملصقة حول الموجودات مستبقيا من الأشياء أكثر جوانبها ابتذالا وأكثر وظائفها عمومية وشيوعا.

فهل ذلك راجع أن المغلوب مولع بتقليد الغالب أم أنها بشائر المنعرج اللغوي؟

6ـ المنعرج اللغوي:

" الكلام و الكتابة مسخرة ليت الانسان يستطيع ان يتحرر منهما... [20]

ظن الانسان أنه مبدع للكلمات وأنه باللغة قادر أن ينفذ الى جواهر الأشياء وبناء العلم اللدني وأن في اللسان أهم منابع القوة وأكثرها صلابة وأيسر الطرق وأسرعها نحو تحصيل المعرفة. غير أن هذا الظن ما هو الا كاذب لأن اللغة ليست غرضا قائما بذاته ولا بنية مغلقة على ذاتها بل حافلة بالرغبة وملفوفة بالسلطة تخفي أكثر مما تظهر وتحجب أكثر مما تكشف وتقول صمتا أكثر مما تقول كلاما. وهذا المنعرج اللغوي يحدث عندما يلبس الانسان فكره كساء لغة أقدم منه بحيث تنفلت منه القدرة على التحكم في المعاني والسيطرة على الدلالات. لعل أهم الاسئلة التي تتوالد عن هذا المنعرج اللغوي العربي هي الى أين تتجه الضاد اليوم؟ هل تسير نحو نفسها ونحو جوهرها الذي هو الزوال والفناء المحتوم أم أنها تتحرك بخطى ثابتة نحو متاهة لا تؤدي الى أي طريق؟ هل الحقل اللغوي العربي هو حقل الموت والفناء؟ وهل يكون انجاز الفصحى هو النفي الأمثل والقتل المؤجل الى اليوم الموعود؟

ان وجود الضاد يضعف ويذوي وجدرانها تنخفض الى درجة فقدانه لجدارة حراسة الوجود لقد صارت مهيمنة بغيابها وحاضرة بفقدانها لدورها. لقد أمسى اللسان العربي فاشيا لا يستطيع متكلمه الهروب منه يزداد عقما بازدياد تراجع ناطقيه والضاد لم تعد مسكن الوجود بل الثغرة التي يدخل منها العدم الى العربي. ألا يغدو العربي عندئذ قادرا على التألق سائرا نحو ابداع أورفيس جديد يبحث بهوس عن موت ممتنع ويطرق أبوابا موصدة, فهو عندما يتكلم باللسان المبين يعترضه العبث واللامسميات واللامعنى؟

على هذا النحو يسقط العربي في هذا العالم الضيق الأصم وباستعماله لهذه اللغة البكماء في الظاهر الحاضر والغناء في الباطن الماضي في جبة التكرار السرمدي للحياة داخل الحياة تعبيرا عن حياد تام وبحثا عن درجة صفر للغة تكون فيها الهوية مغرسا ومنبتا والتفكير مقصدا أو مستطاعا.

ان مأزق الضاد هو مأزق العربي والمجتمع الذي يعيش فيه والتفكير الذي يمارسه يبحث عن المعنى بشيء ليس له معنى أو هو فوق المعنى فكيف يمكن تحويل الضاد من كلام متكلم Parole Parlee متكون سلفا الى كلام متكلم Parole Parlante يتكون بشكل حي وفعال وخلاق؟ [21]

7 ـ طرق التجديد:

التجديد اللغوي صعب وعسير فهو ليس مجرد حلم أو شعار ولا مجرد نية سليمة وأمنية بل ممكن أن يأتي بعد ترجمة لمختلف مدارات الحضارة المتقدمة الضاربة في التطور ونقل لزبدة حوار الثقافات وكذلك بعد انصهار مختلف تجارب التفكير وخبرات الادراك في نسيج ثقافي متكامل ومنفتح على كل الزوايا والاحتمالات والتأويلات. غير أن التجديد قد يحصل أيضا عن تطهير اللغة وتخليصها من الشوائب وذلك بالتفريق بين المفاهيم والوقائع وبالفصل بين الكلمات والأشياء قصد تنظيف المفاهيم الكلمات مما علق بها من معان قديمة خاطئة وبغية تلميع الأشياء والوقائع مما لصق بها من تأويلات ماضية خيالية يكسب الطرفين معاني ودلالات جديدة.[22] فان كانت اللغة سلاح الفكر وكان الفكر فارس اللغة وكانت هذه الأخيرة صمام أمان الأمة والحضارة فانه من اللازم نقد هذا السلاح قبل الشروع في استعمال سلاح النقد ومن الضروري تقييم تجارب استعمال الفكر العربي للضاد قصد تجاوز الأخطاء والكشف عن مواطن العيوب وأصول المثالب من أجل عدم الوقوع فيها مجددا. ان هذه المحاولة الاستشرافية تقتضي تحويل القول الى فعل والتلفت عن الإهتمام بمصدر اللغة ان كان طبيعيا مرتبطا بالصرخة أو الهيا ناتجا عن مصدر سماوي غيبي لتفتح الضاد على الوجود في طزاجته الأولى ولتفيض بالدلالات والمعاني ولتستعيد تلك الشاعرية والمجاز والرمز والايجابية التي كان يمتلكها الشعر الجاهلي في المعلقات السبع أو القصص الديني في القرآن أو تلك الأدبيات التشبيهية في كليلة ودمنة وحي بن يقظان أين وقع اجتياز قضبان المقولات المنطقية وقواعد القول البرهاني والهجرة من الظاهر الى الباطن ومن العبارة الى الاشارة وأين أفاضت الحروف عن معان لم تفدها جمل بأكملها. فهل يستعيد العربي عافيته ويحقق صحوته ويستيقظ من غفوته بتخير الألفاظ وتخليص المعاني وتحسين الكلام؟

 لما كان الكلام متكونا من لفظ ومعنى ولما كانت اللغة قد بليت وقلمت أظافرها من فرط استعمالها والمعاني فقدت أصولها والأشياء خسرت طهارتها الأولى فانه من المتوجب علينا أن ننفض الغبار عنها ونفرق بينها.

أ/ فان أردنا تطهير لفظ قديم فنحن أمام خيارين: تخليصه من المعنى القديم واسناده لشيء جديد أو أن نحرره من المعنى القديم ونسند له معنى جديدا.

ب/ وان تدبرنا معنى قديما فنحن مطالبون بفك الارتباط بينه وبين الشيء القديم وربطه بشيء جديد وكذلك فصله عن اللفظ القديم بمنحه لفظا جديدا.

بذلك تنفتح الضاد على التجارب المعيشة وتلتقي باللغات الأخرى ترجمة وتعريبا واستعرابا وتتحول من لغة تقبل التغير والتجديد تخاطب كل العقول والأذهان وليست حكرا على أصحاب الفطر الفائقة من خاصة الخاصة. فتكون الفصحى لغة الانسان لا لغة الأديان لها ما يقابلها في الحس والعيان لا غيبية قلبية تحث على التقوى والايمان و تكون لغة عقلية لا قطعية. [23]

لهذا فان أسطورة موت الضاد،الفصحى، بانحسار متكلميها تصبح غير مبررة فكيف تموت لغة والعالم الذي قعدها ووضع قوانينها قد توفي وفي نفسه شيء من حتى؟

***

د.زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

......................

المراجع:

1/ ابن خلدون عبد الرحمان، المقدمة، الفصل 36 ، دار الجيل، بيروت، لبنان.

2/ أبو نصر الفارابي، السياسة المدنية، دار سيراس للنشر، تونس 1994.

3/ أرنست كاسرر، مقال عن الانسان 1970

4/ ابن جني، الخصائص، الجزء الأول، تحقيق محمد علي النجار.

5/ اميل بنفنيست، مسائل في الألسنية العامة، طبعة غاليمار، باريس 1968.

6/ بول ريكور ،فلسفة اللغة الموسوعة الكونية، مجلة العرب والفكر العالمي، بيروت، خريف 1989.

7/ فتقشتاين ليدفيغ،  المصنف المنطقي الفلسفي، طبعة غاليمار، باريس 1961.

8/ الشهرستاني عبد الكريم ، نهاية الأقدام في علم الكلام.

9/ الغزالي، أبو حامد، الاقتصاد في الاعتقاد تقديم عبد الرحمان بدوي القاهرة 1961.

10/ د حسن حنفي، التراث و التجديد - المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع، مجد، بيروت،طبعة 2002.

11/ الجاحظ البيان و التبيين -القاهرة 1960

12/ الجاحظ الرسائل السياسية دار و مكتبة الهلال بيروت 1995

13/ مارلوبنتي المرئي واللامرئي غاليمار باريس 1964.

14/ محمد رواس قلعه جي لغة القرآن لغة العرب المختارة دار النفائس بيروت 1988.

15/ مظفر النواب شاعر المعارضة السياسية والغضب القومي إعداد هاني الخير مؤسسة علاء الدين للطباعة والتوزيع دمشق 2004.

16/ برجسن الفكر والمتحرك 1946 PUF.

17/ جاك دريدا الكتابة والاختلاف دار توبقال للنشر المغرب1988

18/ ديكارت رسالة الى شانو 01/11/1937.

[19]  احسان عباس، كتاب شعر الخوارج، طبعة  1960 

 [20] ديكارت رسالة الى شانو 01/ 11/1637

 [21] موريس مارلوبونتي، المرئي واللامرئي، طبعة غاليمار، باريس 1964

 [22] هنري بجسن، الفكر والمتحرك، النشر الجامعي الفرنسي، باريس  1946

 [23] أنظر د حسن حنفي، التراث و التجديد - المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع، مجد، بيروت،طبعة 2002.منطق التجديد اللغوي ص109-132

 

جعفر نجم نصرلعل العنوان أو المصطلح المركب يبدو متناقضاً بين العرفان الذي هو تجربة ذوقية روحية باطنية فردية خارج دائرة المجتمع وانشغالاته ومصطلح السياسة الذي يشير إلى عملية بشرية اداتية لأدارة السلطة وشؤون الدولة عموماً، وهو أمرٌ دنيوي صرف ولا شأن له بعالم الباطن أو عالم الاخرويات.

ان سبب هذه الصدمة أو التناقض الظاهري بين العرفان والسياسة هو السياق التاريخي الثقافي لكلا المسارين العرفان والسياسة في العالم الاسلامي، فلقد ترسخ على مدى قرون خلت أن هنالك انفصالا كليا بين التجربة الصوفية والعرفانية وبين شؤون الدولة أو العمل السياسي، ولعل هذا الامر يعزى إلى اعتقاد الكثير من الباحثين ان العرفاء والمتصوفة هم مشغولون بعالم الباطن الروحي وبالتالي فهم منصرفون كلياً عن الشأن السياسي، أو بعبارة أخرى ان العارف أو المتصوف هو زاهد في الدنيا برمتها وبذلك فهو غير معنى بالسياسة ومفاتنها وشهواتها وسياقاتها السلطوية على الناس.

وهذا الأمر مناف لكثير من الحقائق التاريخية والاصول الثقافية التي تبين لنا أن ظهور المتصوفة والعرفاء في داخل الاسلام انما جاء بوصفه رد فعل ضد السياسة واهلها من الخلفاء والامراء والوزراء وقادة جيشهم، بل ان فعل المعارضة بحد ذاته هو فعل المتصوفة والعرفاء على طول الخط إلّا بحالات شاذة هنا وهناك، إذ قال الكاتب هادي العلوي عن تلك المعارضة عندهم لم يستعمل مشايخنا (يقصد المتصوفة والعرفاء) هذا المصطلح الذي هو من مستحدثات جيلنا لكنهم مارسوه بوصف انه مسلك للخروج من قيد الاغيار، وتعني المعارضة قطع العلاقة مع الدولة وأربابها والدعوة إلى - أو العمل على تغييرها، والدولة شيطان تتألف من شياطين وفعلها شيطاني وسلوك أربابها شيطاني، وشيطان من يعاملها ويتعامل معها، وتتألف منهم جملة الاغيار المقيمين في دار الضد والحس والشهوة، وهم عماد الظلم ومنشأ الظلمة والخلق منهم في بوار (1).

وهذهِ المعارضة تجسدت بمظاهر اجتماعية وثقافية بل وسياسية متعددة على مدى العصور، ولهذا وجدنا كبار العرفاء من اوائل المقتولين على ايدي السلطة(الحلاج، السهروردي، عين القضاة الهمذاني) وغيرهم الكثير، وإذ كان هؤلاء يناؤون السلاطين في العالم الاسلامي، فإن الكثير من المتصوفة في عصور لاحقة دخلوا في صراع مع السلطات السياسية الاستعمارية في عدد من البلدان لاسيما في شمال افريقيا.

وفي هذا السياق ينبغي التذكير بما قاله الكثير من الباحثين حول عصر ظهور التصوف والعرفان، والذي ظهر بوصفه أتجاه معارضة صامتة للوهلة الاولى ازاء عالم الاسراف والبذخ ومظاهر الفسق والفجور التي سادت العالم الاسلامي بعد تزاحم  الفتوحات وتضخم بنية الدولة الاسلامية من جهة مواردها المالية (الخراج) الذي بلغ حد التخمة.

إذ يذهب الباحث علي سامي النشار إلى ان الزهد ومظاهر التقوى كانت موجودة في القرن الاول الهجري، وان الكثير من هؤلاء الزهاد ظهروا معارضين لبعض الخلفاء أمثال ابو ذر الغفاري والحسن البصري وغيرهم الكثير، ولكن لم تظهر اللغة الاصطلاحية وتقعيد القواعد الصوفية والعرفانية إلّا في القرن الثاني الهجري، والامر الجوهري هو ان هنالك روحا للمعارضة كانت تسري في هذين القرنين ازاء ترف السلطة ومفاسدها (2).

ولا يخرج كامل مصطفى الشيبي عن ذلك الامر كثيراً ويزيد عليه بالحديث المفصل عن خصوصية المجتمع الكوفي وبداية تشكل حركة للزهد على نطاق واسع، أذ يقول: أما ميادين الزهد الكوفي فقد تعددت، فقد وجدنا فيها الزهد الاسلامي الاصيل القائم على التواضع في الملبس والمأكل والتزام تلاوة القرآن والخوف من عذاب الاخرة، ووجدنا في الكوفة الزهد المنبعث من عذاب الاخرة ، والزهد الاتي من الاحداث التي تناوبت عليها من قتل ذريع ومن خيانة ومن نصرة للباطل ومن حسرة على العجز عن رد الظلم. وسنرى أن الكوفة ستكون مثابة للبس الصوف في العالم الاسلامي كله وسيتبين لنا ان ذلك كان مقصوراً عليها، وكان تعبيراً عن معارضة سلبية، وفوق هذا كان في الكوفة أول من تسمى صوفياً وأول من قال بالولاية الصوفية (3).

يعلل الشيبي هذا السلوك ويربطه بما جرى في عصر الفتنة أبان الخليفة الثالث وثم تصارع معاوية بن أبي سفيان والامام علي بن ابي طالب وثورة الامام الحسين ونكص اهل الكوفة على عقبيهما، ومن ثم شعورهم بالندم الشديد ومحاسبة النفس، مما دفعهم إلى ذلك، ولكنهُ رغم ذلك يعد هذا الامر معارضة سلبية لأنهم لم ينصروا الحق وأهله آنذاك.

وتأسيساً على هذا العصر واعتماداً على أنموذج سعد بن أبي وقاص يرى الباحث السنغالي الاصل الفرنسي الجنسية سليمان بشير ديان ان المتصوفة كانوا انسحابيين من الحياة السياسية من جهة، وغير مدركين لتمامية وجود دولة اسلامية يوالونها أو يسعون دائماً لأقامتها من جهة اخرى!؟.

إذ يقول: يقف سعد بوصفه نموذجا مثاليا في عيون المسلمين لما يعنيه (القتال في سبيل الله بالأموال والانفس) خاصة الصوفيين منهم، عندما أصبح في نهاية حياته رمز التوجه الواضح الذي يقف أمام الدولة وجهاً لوجه. وخلال الفتنة والحروب الطاحنة التي شقت المجتمع المسلم، بدءاً من السنوات الاخيرة من حكم الخليفة الثالث عثمان (ت656م) إلى ان بلغت ذروتها في المعارك بين علي الخليفة الرابع، ومعاوية الذي تمرد عليه (بدءاً من عام 656م وحتى وفاة علي عام 661م) انسحب سعد بن أبي وقاص، ببساطة من المجال العام، رافضاً الانحياز وتأييد احد الطرفين في مسألة الخلافة السياسية - الدينية وعندما تم الضغط عليه ليفعل ذلك، نقل عنه انه قال : لن اشارك في القتال حتى تأتوني بسيف له عينان ولسان يقول هذا مؤمن وهذا كافر. يستدعي هذا الموقف ملاحظتين أثنتين، الأولى وثيقة الصلة بما يسمى الدولة الاسلامية، والثانية معنية بما يمكن تسميته بالنزعة الصوفية للانسحاب(4).

ثم يستمر ليقول: كان للطريقة التي انحسب بها سعد بن أبي وقاص من الميدان العام، حيث كان وجوده قد يعني الاجابة عن السؤال الصعب حول من يجب ان يكون الخليفة، إرث غني، وقد تبناها عدد من الفلاسفة والصوفيين ونظروا لها، وكان ابو نصر الفارابي (874-905م) الذي يمكن اعتباره مؤسس التراث الاسلامي للفلسفة السياسية المتجذرة في تعليمات أفلاطون احد هؤلاء، وتبعه في ذلك فيلسوف مثل ابن باجة (1085-1138م)، الذي اعتبر ان الدرس الرئيس الذي يمكن أخذه من فلسفة افلاطون هو أن: (المدينة الفاضلة) يوتوبيا مستحيلة، ولذلك فقد رفض مجرد فكرة تدخل (محب الحكمة Lover of Wisdom) في شؤون الدولة (5).

ان الباحث ديان هنا يمظهر مديات الانسحاب الصوفي من المجال السياسي ويجعله يأخذ منطقاً فلسفياً كذلك عاداً تجربة ابي وقاص انموذجاً متكرراً احتذى بهِ الفلاسفة والمتصوفة على حدٍ سواء، على اعتبار ان اليوتوبيا السياسية أمر مستحيل ومن ثم الانخراط في أي ممارسة سياسية هي أمرٌ عبثي، بل ليسهم في تلويث صاحبه واعاقته عن القيام بالعمل المثمر الخادم لشؤون المجتمع واعضائه.

ثم يستمر قائلاً: تقليد تقدير الانسحاب بالطريقة التي قام بها سعد بن أبي وقاص بوصفها رد فعل على حالة الشؤون العامة تم استحضارها كثيراً من فلاسفة حديثين، اعتبر محمد إقبال ان واحداً من الاسباب المبكرة لحالة التحجر التي وجد فيها الفكر الديني للإسلام نفسه بعد القرن الثالث عشر هو حقيقة أن أفضل العقول المسلمة انسحبت من حالة الوهن التي انتابت الشؤون العامة واختاروا مسار الانسحاب في تصور نيو- أفلاطوني يقدر الحياة التأميلة ''Viata Contempativa'' قبل كل شيء. يقول إقبال إن: الروح الغيبية الكلية في الصوفية المتأخرة حجبت رؤية الناس عن مفهوم مهم جداً في الاسلام كأدب اجتماعي، وبتقديمه امكانية التفكير المتحرر بجانبه التأملي، فقد جذب وأخيراً امتص أفضل العقول في الاسلام ولذلك، فقد تُركت الدولة المسلمة بشكل عام بأيدي متوسطي القدرة فكرياً، والاغلبية غير المفكرة في الاسلام، بلا شخصيات ذات معايير عليا لتقودهم، ووجدوا الامن فقط بالاتباع الاعمى للمدارس (6).

لا أعتقد ان اختيار شخصية مثل ابن ابي وقاص كان أمراً دقيقاً وملائماً بالنسبة لذلك العصر، وكان الاولى اختيار شخصية اكثر ورعاً وزهداً من قبل الاستاذ ديان، وكان جيل وعصر بن ابي وقاص يضم شخصيات مشهورة بالميل الصوفي والعرفاني الواضح امثال: عمار بن ياسر وابي ذر الغفاري وأضرابهم، إذ كان الانموذج هذا من كبار اصحاب الاقطاعيات والثروات بعد فتح العراق وعاش حياة ترف كبيرة (7).

ولربما كان الكاتب نفسه (ديان) لا يعرف الحق وأهله في ذلك العصر، فوجد ان ابي وقاص يمثل ذاته، أي انه اختاره، كأسقاط نفسي وذلك لعدم اتضاح الرؤية أمامه، ان انسحاب المتصوفة والكثير من الفلاسفة يرتبط بأمر جوهري لم يلتفت له (ديان) مطلقاً وهو (شرعية السلطة) هل كانت موجودة أم ان الحاكم والنظام هو منطق المغالبة المسند إلى (العصبية) بالمعنى الخلدوني؟ ان هذا الامر هو ما استشعره هؤلاء وليست مسألة علمانية الدولة آنذاك التي وجدوا فيها مبرراً للأنسحاب ولعدم نصرة طرف على آخر!؟.

ولعل محمد اقبال ادرك هذا الامر وزاد عليه ان الاسلام الطرقي هو الخطر الماحق لتجارب المتصوفة والعرفاء، لأن التنظيمات الصوفية أياً كانت (أخوانيات أو هياكل طرقية) أو نحو ذلك ستكون مبعثاً للبحث عن مصالحها المادية ومن ثم تدخل في هدنة مع الوضع السياسي القائم، وهذا ما جرى في المشرق والمغرب على مدى قرون إلّا حالات محدودة دخلت في صراع سياسي.

يقول الباحث بومدين بوزيد بهذا السياق: ظلت ظاهرة التحالف مع السلطة أو التمرد عليها ملازمة للطرقية الصوفية التي هي شبيهة ما ننعته اليوم بالإسلام السياسي، ولعل الصورة تتضح حين نعلم ان بعض الطرقيين كانوا مباركين للمستعمر الفرنسي، وهذا لا يطعن فيها كطريقة صوفية ولكن علينا ان ندرك التفاوت والاختلاف بين مرحلة وأخرى... (8).

وقد تزامنت مواقف بعض المتصوفة وأحكامهم الفقهية-الباطنية مع قيام بعض الانتفاضات وأستغلها المستعمر، كمنشور محمد الموسوم (3 فيفري 1883) الذي يحرم على أتباعه الثورة ويلغي من يتدخل في السياسة، كما استعمل الفرنسيون سمعة الشاذلية وطلبوا تأييدها في حربهم سنة 1914 فقد اصدر شيخ زاوية قصر البخاري فتوى مضمونها طاعة الفرنسيين لأنهم (أولو الامر) وهنا فسر أولي الامر بأنهم الحكام الفرنسيون، وقد كان اول الخارجين عن ثورة بوعمامة عام 1881 أتباع الزيانيين والتيجانية (9).

فلهذا كان المتصوفة والعرفاء الاوائل كأفراد هم أكثر مواجهة للأمر السياسي من التنظيمات أو الاسلام الطرقي، ولهذا الامر دلالة واضحة من جهة ان نفي المصالح بوجود الجماعة صعب بالنسبة للطرق ولزعمائها وليس لجميعها لأن بعضهم دخل في مواجهة مع المد الاستعماري كما نعلم أمثال (السنوسية) وغيرهم، هذا من جهة، ومن جهة اخرى فأن صلة تجربة الباطن بالنسبة للعارف مع عالم الظاهر (الدنيا وشؤونها) ستكون تجربة فردية ذوقية خاصة، لا تؤثر فيها الضغوط الحياتية التي ممكن مصادفتها في الطرق التي اصبحت مرتبطة اقتصادياً بحسب اتساع عدد أسر المريدين والذين لم تكتمل لديهم عملية السير والسلوك كما لدى كبار العرفاء، فلهذا كانوا يتأثرون سريعاً بالضغوط السياسية ويخضعون لها إلّا بعضا منهم وهم عدد ضئيل بطبيعة الحال.

ان المسألة معقدة للغاية، ولا يمكن اختزالها بسببين أو علتين وينتهي الامر، وذلك لأن الكثير من الامور متداخلة ضمن سياقات اجتماعية وسياسية واقتصادية فرضت نفسها على الكثير من الطرق الصوفية والعرفاء، ونحن هنا ليس بصدد الدفاع بقدر ما نبحث عن مشهدية سياسية متعددة الاوجه لممارسة العرفاء والمتصوفة في عصور متفاوتة.

في قبالة ذلك كله نجد ان هنالك دولة أو سلطة روحية تسيّر شؤونهم ان كان ضمن مديات علاقة العرفاء ببعضهم البعض أو من خلال علاقة المريدين المخلصين بوليهم أو شيخهم الروحي (شيخ الطريقة) ولقد تحدث الباحث حسن محمد الشرقاوي عن هذا الامر والذي أطلق عن عالم السياسة الباطنية هذا ومتعلقاته اسم (الحكومة الباطنية).

إذ قال لهؤلاء الصالحين، دولة وحكومة، ونظام رئاسة، وطاعة واخلاص، واحكام، واتصالات، ومجالس واجتماعات، وأوامر وتعليمات، وسلطات واختصاصات، وليس كما نراها في الحكومات المدنية، أو في القوانين الوضعية، أو في الدساتير والقواعد القانونية، وانما دستورهم لم يضعه من البشر أحد، وقانونهم لم يضعه احد من الناس، وانما خصهُ رب الناس، وخالق الموجودات، الحق تعالى إله العباد (10).

والاولياء يتصل بعضهم ببعض عن طريق المبشرات، وهي رؤى يراها المؤمن فتتحقق له، ويتقابلون بطريق التوجه رغم بعد الزمان والمكان ويلهمون الهاماً بالمغيبات، وحلول المشكلات، ودولتهم تقوم على مصادر ثلاثة: الرؤيا، والطاعة، والاخلاص،...، ويتأكد للدولة الباطنية وجودها بما يفيض الله على اعضائها من كشوفات وانتصارات وفتوحات، وفيوضات، وما يمن عليهم من نعم، ومنن وعطايا ومشاهدات، وتجليات، وما يتولاهم الله برعايته من رحمات، فيفتح عليهم، فيصبحون في عباده المخلصين، إذا قالوا صدقوا، وإذا وعدوا انجزوا، لهم فراسات وتوسمات ، ورؤى وكرامات، وحكم ومعارف ،وعلوم اشراقية عجز عنها الوصف ويقف امامها العقل حائراً (11).

بطبيعة الحال ان الحديث هنا عن حكومة روحية خاصة لا تسري سلطاتها الروحية على افراد المجتمع كافة، إذ هي مخصوصة بأبناء الطرق الصوفية وجملة العرفاء الموجودين، ولكن السؤال المحوري الذي يطرح هنا هو: هل لهذهِ الحكومة الباطنية تأثير على الدولة وسلطتها السياسية وسائر المؤسسات المرتبطة بها؟: وهل هؤلاء اعضاء هذهِ الحكومة الباطنية لهم أدوار أو وظائف سياسية، ومن ثم لديهم مواقف سياسية واضحة؟.

لا يمكن ان يكون لها اثر سياسي أو نشاط سياسي مباشر وواضح ولكن انعزالها وانسحابها عن المشهد السياسي بالضرورة سيكون ذا صيغة معارضة بطبيعة الحال، ولعل السلطات السياسية في الكثير من البلاد تسعى إلى ارضائها، لما لها من دور كبير في العملية الانتخابية كما في مصر والمغرب والجزائر على وجه الخصوص، ومن ثم فإن دورهم سلبي بنحوٍ ما، ولكن احدى ايجابياتهم هي ترشيد سلوك اعضائها أو مريديها الذين ينتشرون بين المدن والارياف بنحوٍ كبير، ولعل السلبية السياسية هي الطاغية عليهم عموماً.

ولكن المعوّل دائماً منذُ القرن الثالث الهجري إلى القرن المعاصر على العرفاء المتفرقين هنا وهناك في العالم الاسلامي، وهذا الامر هو الذي أشار اليه وأكده العارف الاكبر الشيخ محي الدين بن عربي، من خلال حديثه الدائم عن الولاية المطلقة لـ(الولي) العارف. وهذا ما فصلَ في وظائفه ومن جملته الوظائف السياسية في كتابه المبرّز في هذا الشأن (التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية) والذي يقابل فيه بين العوالم المادية والاجتماعية والباطنية، وقال عنه ابن العربي واصفاً: وهو مشتمل على مقدمة وتمهيد وأحدٍ وعشرين باباً من دقائق التوحيد في تدبير الملك الذي لا يبيد على الترتيب الحكمي والنظام الالهي، وجاء غريباً في شأنه ممزوجاً رمزه ببيانه، يقرأه الخاص والعام ومن كان في الحضيض الاوهد ومستوى الجلال والاكرام. (قد علم كل اناس مشربهم) ففيه للخواص اشارة لائحة وللعوام طريقة واضحة، وهو لباب التصوف، وسبيل التعرف بحضرة الترؤف والتعطف، يلهج به الواصل والسالك، ويأخذ منه حظه منه المملوك والمالك، يُعرب عن حقيقة الانسان وعُلو منصبه على سائر الحيوان، وانه مختصر من العالم المحيط مركب من كثيف وبسيط لم يبق في الأماكن شيء إلّا أودع فيه اول منشئه ومبانيه، حتى برز على غاية الكمال وظهر في البرازخ بين الجلال والجمال (12).

وهو يقابل بين الممالك الثلاث عالم الافلاك والاجرام وعالم الطبيعة (النبات والحيوان) وعالم الانسان كيما يصل بين تداخلهن وتمازجهن وتشابهن، ولكنه يولي لعالم الانسان أو المملكة الانسانية الحصة الاوفر لمقام الانسان (خليفة الله) وهنا تظهر ملامح الرؤية السياسية لديه والتي تتمظهر بحسب المنطق العرفاني والعالم الباطني للإنسان الكامل أو الساعي للكمال ضمن كافة شؤونه ومن ضمنها (الشأن السياسي) الذي لا يغيب عن أبن عربي.

إذ يقول: ولما أردنا ان نأخذ في مقابلة النسختين العالم الاكبر والاصغر على الاطلاق في جميع الاسرار العامة والخاصة، رأينا ان ذلك يطول وغرضنا من العلوم ما يوصل إلى النجاة في الآخرة، إذ الدنيا فانية داثرة، فعدلنا إلى امرٍ يكون فيه النجاة ويتمشى معهُ المراد الذي بنينا عليه كتابنا وهو: أنا نظرنا الانسان فوجدناه مكلفاً مسخراً بين وعدٍ ووعيدٍ، فسعينا في نجاته مما توعد بهِ وتخليصه لما وعد الله فأضطرنا الحال في اقامة القسطاس عليه من العالم الاكبر، فقلنا: أين ظهرت الحكمة من الخطاب والوعد والوعيد من العالم الاكبر؟ فرأنيا ذلك في حضرة الامر والنهي وحضرة الامامة ومقر الخلافة، فوجدنا الخليفة شاهداً، فيه ظهرت الحكمة وأثر الاسماء وعلى يديه تنفعل أكثر المكونات المخلوقة للباري تعالى. فتقصينا الاثر وأمعنا النظر في حظ الانسان من هذه الحضرة الامامية، فوجدنا في الانسان خليفة ووزيراً وقاضياً وكاتباً، وقابض خراجٍ وجبايات، وأعواناً ومقابلة اعداء، وقتلاً وأسراً  إلى إمثال هذا مما يليق بحضرة الخلافة التي هي محل الارث، وفي الانبياء انتشرت راياتها ولاحت علامتها، وأذعن الكل لسلطانها (13).

هي مقابلة تامة بين الدولة بالمعنى الخاص بأدواتها أو مؤسساتها باختلاف العصور وبين الانسان الحاوي لذات تلك الادوات، فالخليفة عنده هو الروح، والذي يضع لها واجبات ومشاغل خاصة، والوزير عنده هو العقل، والقاضي هو العدل، وهكذا يستمر ابن العربي في بيان معالم تلك الدولة أو الحكومة الباطنية التي تقابل عالم الظاهر والحس في الدنيا، وما مراده إلّا ليبين ان اصلاح الباطن كفيل بأصلاح الظاهر والتي في مقدمتها ( السلطة) ومؤسساتها الراعية لها، ونحيل القارئ إلى الكتاب للمراجعة والبحث عن المماثلة والمطابقة بين ما قاله ابن العربي وبين الدولة في صيغتها الواقعية.

لعل أحدهم يتساءل: هل ان المتصوفة مشغولون ومنهمون بمدوناتهم بحكومة الباطن اكثر من حكومة الظاهر؟ ام ان للأمر وجهة نظر أخرى؟ او توجد مواقف اخرى عن مواجهة العرفاء أو التصدي للشؤون السياسية وتحولاتها ان كانت لحاكم من أبناء البلد أو كان غازياً؟ بطبيعة الحال نحن نوهنا عن ألوان وصيغ التعاطي مع الشأن السياسي وعلى عدة مراحل تاريخية متباينة، ولعلنا سنجعل من سيرة ومواقف وتنظيرات العارف التركي سعيد النورسي (1877-1960) الملقب بـ(بديع الزمان) خير انموذج واجه أعتى وأبشع اشكال إنهاء الحياة الروحية واقصاء الدين عن الدولة والمجتمع إلّا وهي سياسات (العلمنة) التي أعتمدها كمال أتاتورك وأسلافه (  1881-1938 )، لأجل الوقوف عن معاني ودلالات (عرفان سياسي) مارسهُ الاستاذ النورسي إلى ساعة رحيله، وهو يتحدى ويقارع تلك السياسات التي أستدعت منهُ نهضة روحية بثها في مشروعه الفكري والروحي والاخلاقي (رسائل النور).

لعل في حدود المواجهة المباشرة كان النورسي ضد علمنة الدولة العثمانية بعد سقوط الخلافة وتولي أتاتورك الحكم كرئيس جمهورية، ولكن في حقيقة الامر ان المواجهة التي أقامها النورسي ازاء العلمانية كانت تنتمي إلى حدود وفضاءات أوسع لأنه جعل من مركزية القرآن الكريم مواجهة للمركزية الغربية وفي شتى القضايا، وهذا الامر ظل يعمل عليه إلى حين وفاته، وهذا ما أكدته (رسائل النور).

وذلك أنه لجدير بالاهمية والتأمل، ان مؤلف رسائل النور قد حدث له انقلاب مهم في حوالي سنة 1899م (1316ه) إذ كان يهعتم بالعلوم المتنوعة إلى هذا التاريخ لأجل استيعاب العلوم والاستنارة بها، أما بعده فقد علم من الوالي المرحوم (طاهر باشا) ان أوروبا تحيك مؤامرة خبيثة حول القرآن الكريم، إذ سمع منهُ ان وزير المستعمرات البريطاني قد قال: (ما دام هذا القرآن بيد المسلمين فلن نحكمهم حكماً حقيقياً، فلنسع إلى نزعه منهم)، فثارت ثائرته واحتد وغضب... وغير اهتمامه من جراء هذا الانقلاب الفكري فيه... جاعلاً جميع العلوم المتنوعة المخزونة في ذهنه مدارج للوصول إلى ادراك معاني القرآن الكريم واثبات حقائقه، ولم يعرف بعد ذلك سوى القرآن هدفاً لعلمه وغاية لحياته، واصبحت المعجزة المعنوية للقرآن الكريم دليلاً ومرشداً واستاذاً له حتى انه اعلن لمن حوله: (لأبرهنن للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها ولا يمكن اطفاء نورها) (14).

والنشاط السياسي للنورسي مر بأطوار مختلفة ينبغي الاشارة اليها، لأنها تبين لنا كيف تحول من رجل كان على المحك بالشؤون السياسية بنحوٍ مباشر، وكيف تحول النشاط السياسي لديه عبر انتقاله الى (العرفان السياسي) وبطريقة مغايرة ولما أسماه هو في مذكراته بين (سعيد القديم) و(سعيد الجديد)، ولهذا الامر مغزى جوهري من جهة أن تركيزه على القرآن الكريم وتلمذة اتباعه في اجواء الفهم الجديد للقرآن أو استخراج جواهره المتنوعة، استدعى منه فهماً جديداً لمعنى ان يكون مواجهاً السلطات آنذاك.

مرحلة (سعيد القديم) تبدأ من السنوات المبكرة لشبابه حتى نفيه إلى (بارلا) سنة (1926م) وخلال هذهِ المرحلة حاول النورسي خدمة الاسلام عبر الانخراط في الحياة السياسية ومحاولة التأثير فيها، وعبر دعوته للإصلاح السياسي والتعليمي في عهد السلطان عبد الحميد، والقائه الخطب في الجوامع والساحات، ونشره للمقالات السياسية العنيفة في جريدة (وولقان) ومحاولته استمالة رجال الاتحاد والترقي وتسخيرهم لخدمة الاسلام، وتصديه للتيارات المُعادية للدين(15).

فلقد كان ينظر بعين الريبة والشك في رجال الاتحاد والترقي وكان يتهمهم بالتغريب وسحق الهوية الاسلامية، وهذا ما عبرت عنه مواقفه ابان أعلان المشروطية التي أيد دلالاتها وأهميتها في ادارة الدولة، ولكن كان يخشى من سطوة الحرية المنفلتة، التي يتزعمها رجال الاتحاد والترقي، ولهذا قال: ان اصحاب الافكار الفاسدة يريدون الاستبداد والمظالم تحت شعار الحرية، فلأجل إلّا نشاهد مرة اخرى تلك الاستبدادات التي دفنت في حفر الماضي ولا تلك المظالم التي جرت في سيل الزمان،...، إن هذا الانقلاب لو أعطى الحرية التي ولدّها لأحضان الشورى الشرعية لتربيها فتُبعث أمجاد الماضي لهذهِ الامة قوية حاكمة، بينما لو صادفت تلك الحرية الاغراض الشخصية، فستنقلب إلى استبداد مطلق، فتموت تلك المولودة في مهدها، يا أبناء الوطن، لا تفسروا الحرية تفسيراً سيئاً، كي لا تفلت من أيديكم، ولا تخنقونا بسقي الاستعباد السابق الفاسد في إناء آخر. وذلك لأن الحرية إنما تزدهر بمراعاة الاحكام الشرعية وآدابها والتخلق بالأخلاق الفاضلة(16).

والمركزية الغربية لا تغيب ناظريه حتى لو كان الشأن داخليا وخاصا للغاية، إذ ينوه عنها قائلاً: ان اوروبا تظن ان الشريعة هي التي تمد الاستبداد بالقوة وتعينه، حاش وكلا.. ان الجهل والتعصب المتفشيين فينا قد ساعدا أوروبا لتحمل ظناً خاطئاً من أن الشريعة تعني الاستبداد، لذا تألمتُ كثيراً من أعماق قلبي على ظنهم السيء هذا بالشريعة.... (17).

النورسي بعد ذلك اتخذ موقفا مغايرا من السياسة، ولعل الامر يبدو كمفارقة للوهلة الاولى، ولكن من يتمعن يدرك ان ممارسة الموقف من السياسة والسياسيين بطريقة جديدة نلاحظها بوضوح شديد بعد مجيء أتاتورك لسدة الحكم، ولعل هذهِ المفارقة تظهر لمن يرى جوابه عن السؤال الآتي: لم انسحبت من ميدان السياسة ولا تتقرب إليها قط؟ قال مجيباً: لقد خاض سعيد القديم غمار السياسة ما يقارب عشر سنوات علّه يخدم الدين والعلم عن طريقها، فذهبت محاولته ادراج الرياح، إذ رأى ان تلك الطريق ذات مشاكل، ومشكوك فيها، وان التدخل فيها فضول- بالنسبة إليَّ، فهي تحول بيني وبين القيام بأهم واجب، وهي ذات خطورة، وأن أغلبها خداع واكاذيب. وهناك احتمال ان يكون الشخص آلة بيد الاجنبي دون ان يشعر، وكذا فالذي يخوض غمار السياسة إما ان يكون موافقاً لسياسة الدولة أو معارضاً لها، فإن كنت موافقاً فالتدخل فيها بالنسبة إليّ فضول ولا يغنيني بشيء، حيث إنني لست موظفاً في الدولة ولا نائباً في برلمانها، فلا معنى -عندئذٍ- لممارستي الأمور السياسية وهم ليسوا بحاجة إليّ لأتدخل فيها، وإذا دخلت ضمن المعارضة أو السياسة المخالفة للدولة، فلابد ان أتدخل إما عن طريق الفكر أو عن طريق القوة، فإن كان التدخل فكرياً فليس هنالك حاجة إليَّ أيضاً، لأن الأمور واضحة جداً، والجميع يعرفون المسائل مثلي، فلا داعي إلى الثرثرة. وان كان التدخل بالقوة، أي بأن أظهر المعارضة بإحداث المشاكل لأجل الوصول إلى هدف مشكوك فيه، فهناك احتمال الولوج في آلاف من الآثام والأوزار، حيث يُبتلى الكثيرون بجريرة شخص واحد، فلا يرضى وجداني الولوج في الآثام وإلقاء الأبرياء فيها بناء على احتمال أو احتمالين من بين عشرة احتمالات، لأجل هذا فقد ترك سعيد القديم السياسة ومجالسها الدنيوية وقراءة الجرائد... (18).

ان الهاجس الدائم عند النورسي ليس اسقاط النظام السياسي، بل كل اعماله قبل موقفه انف الذكر وبعده، انما يقوم على ضرورة الاصلاح الدائم وبذل النصح، لكنه كان يدرك ببصريته الثاقبة ان المعارضة المسلحة وتغيير النظام بالقوة يقود إلى الفوضى وأسالة الدماء، وهذا ما رفضه بشكل قاطع، ولهذا لم يشارك بالثورة التي تزعمها سعيد بيران 13/2/1925(19)، فعرفانهُ السياسي كان يدور في فلك اصلاح الباطن كمقدمة لأصلاح الظاهر عبر انشاء واعداد جيل كامل تحت تربيته على المعاني الكلية في القرآن الكريم.

ان التحولات الهائلة التي حدثت بعد انهاء الخلافة وتأسيس الجمهورية التركية الحديثة، دفعت النورسي إلى اتخاذ مواقف سياسية متعددة، لاسيما بعد القرارات التي أقصت الدين من الدولة والمجتمع على حدٍ سواء، إذ قام أتاتورك إلى حين وفاته عام 1938 بكل ما ملكت يداه وما من شأنه انهاء الحضور الاسلامي في مختلف مجالات الحياة، ألغى الخلافة والمحاكم الشرعية، وعدل الدستور لإلغاء الدين من نصوصه، وحظر نشاط كل الفرق والطرق الدينية، وقام بتغييرات تطمس حتى بعض المظاهر الدالّة على ماضي إسلامي، مثل إلغاء الطربوش والحجاب، والابجدية العربية، والتقويم الهجري، وعطلة يوم الجمعة... مقراً، بدلاً منها، مظاهر غربية مثل: القبعة والحرف اللاتيني والتقويم الميلادي والتعطيل يومي السبت والاحد، ومضى أتاتورك أبعد من ذلك عندما فرض مبدأ العلمانية في الدستور وانشأ مؤسسات تابعة للدولة تشرف على الشؤون الدينية و(تضبط) حركة الائمة والوعاظ الذين تحولوا موظفين عند الدولة، كما ألغى الدروس الدينية من المدارس بموجب قانون (توحيد التدريس) أي بأختصار، وضع أتاتورك تركيا على سكة (العلمنة والتغريب) (20).

بوجهٍ عام حاربت السلطة الجديدة الدين، وطال اضطهادها كل من رأت منه عدم الامتثال لها، فأعدمت عدداً كبيراً من علماء الاسلام، وأصدرت بحقهم قانون الخيانة الوطنية، وهو القانون نفسه الذي تم بموجبه اعدام (الشيخ سعيد بيران) وسجنت أربعين عالماً من أصحابه بحجة قيامهم بحركة مقاومة كردية مدعومة من قبل الانجليز، على حين كانت في حقيقتها حركة إسلامية ضد النظام العلماني، كما أُعدم كثيرون غيرهم، وسجن وعذب آخر في محاكم الاستقلال التي أنشئت لتصفية الخصوم(21).

ان الاستبداد السياسي العلماني الجديد ذو القبضة الحديدة والعنيفة فرض على الاستاذ النورسي ممارسة تقية سياسية لأجل تمرير خطابه الروحي والنقدي ضمن سياقات خاصة، إذ بعد فشل ثورة الشيخ بيران اتهم النورسي بدعمها مما دفع السلطات إلى نفيه إلى قرية نائية في غربي الاناضول من أعمال (إسبارطة) أسمها (بارلا)، وكان تحت المراقبة الدائمة والمستمر’، وكما قال كاتب السيرة :كانت عيون السلطة تترصد الاستاذ وتراقب حركاته وسكناته لذا كان الاهالي يتجنبون الاقتراب منه والتحدث إليه، فكان يقضي اكثر قوته في البيت أو يخرج في فصلي الربيع والصيف إلى جبل وجام، ويختلي هناك بنفسه في قمة الجبل وبين الاشجار متأملاً ومتعبداً(22).

ولكن رويداً رويداً بدأت الناس تتجمع حوله بعدما بنى مسجداً في هذهِ القرية وبدأ في مشروعه العاكف على تجريد فهم آيات القرآن واستخراج المعاني والدلالات الكونية والروحية والاخلاقية والاجتماعية منها، وعن ذلك الامر قال النورسي: أخذتني الاقدار نفياً من مدينة إلى اخرى... وفي هذهِ الاثناء تولدت من صميم قلبي معانٍ جليلة نابعة من فيوضات القرآن الكريم... أمليتها على من حولي من الاشخاص، تلك الرسائل التي أطلقت عليها اسم (رسائل النور) إنها انبعثت حقاً من نور القرآن الكريم لذا نبع هذا الاسم من صميم وجداني، فأنا على قناعة تامة ويقين جازم بأن هذهِ الرسائل ليست مما مضغته أفكاري وانما هي إلهام إلهي (23).

ولكن هذهِ الرسائل لا يمكن ان تستمر دون هذهِ التقية السياسية التي مارسها الاستاذ وعبّر عنها بمبادئ معينة قائلاً: في زمن عجيب كزماننا هذا، لا بد من تطبيق خمسة أسس ثابتة، حتى يمكن انقاذ البلاد وانقاذ الحياة الاجتماعية بأبنائها من الفوضى والانقسام، وهذه المبادئ هي: 1- الاحترام المتبادل 2- الشفقة والرحمة

3- الابتعاد عن الحرام  4-الحفاظ على الامن 5- نبذ الفوضى والغوغائية، والدخدول في الطاعة (24).

وهو كان يتوخى نشر فكره وكسب الاتباع والمريدين عبر هذه الرسائل التي لا يمكن نشرها على نطاق واسع من دون الاعتماد على هذهِ المبادئ، ولهذا قال: والدليل على ان رسائل النور في نظرتها إلى الحياة الاجتماعية قد ظلت تُبث وتُحكم هذهِ الأسس الخمسة وتحترمها احتراماً جاداً محافظة بذلك على الحجر الاساس لأمن البلاد، وهو ان رسائل النور قد استطاعت في مدى عشرين عاماً ان تجعل اكثر من مائة الف رجل اعضاء نافعين للبلاد والعباد دون ان يتأذى أو يتضرر بهم احد من الناس، ولعل محافظتي إسبارطة وقسطموني خير شاهد وأبرز دليل على صدق ما نقول (25).

من يتمعن جيداً برسائل النور وبجملة المواضيع التي غطتها منذُ انطلاقها واهتمام الناس بها ومن كل الفئات والطبقات، انما يؤكد لنا ان الاستاذ النورسي أراد لتلك الرسائل ان تعبر عن مضامين القرآن الكريم المتعددة والتي تغطي كافة شؤون الحياة والوجود بشكلٍ عام كيما تكون هي (المعادل الموضوعي) لسياسات العلمنة وثقافتها التي ابتلعت كل جوانب الحياة آنذاك في تركيا.

ولعل الامر اللافت للنظر هنا أن علمنة الدولة التركية أسست جيلا واسعا من الشباب اللادينيين الذين كانوا يناصبون الاستاذ النورسي العداء، قبالة جيل روحي/ أخلاقي عمل الاستاذ على أعداده وتهذيبه، ولهذا كانت هنالك حرب مجتمعية خفية بني هذين الجيلين، جيل (العلمنة) وجيل (رسائل النور).

ولهذا قدم الجيل العلماني ومن خلفه السلطات السياسية والامنية المراقبة لنشاطات الاستاذ وجليه (القرآني الجديد) تهمة تشكيل جمعية سرية، والقيام بأعمال ضد النظام الحاكم وما يهدم أسسه... وأمثالها من التهم. وعلى إثر هذا أخذ الاستاذ النورسي وطلابه في 25/4/1935 وسيقوا مكبلي الايدي إلى (أسكي شهر) لمحاكمتهم، وكانت هنالك خشية من السلطات لحدوث ثورة واسعة فلهذا كانت الاجهزة الامنية وبرئاسة رئيس الوزراء آنذاك (عصمت إينونو) تراقب خطورة الموقف(26).

وهكذا اقتيد الاستاذ النورسي ومائة وعشرون من طلابه إلى سجن أسكي شهر ووضعوا في السجن الانفرادي والتجريد المطلق، وبدأت عمليات التعذيب الرهيب تنهال عليهم، لكن الاستاذ رغم الظروف الشاقة استمر في الارشاد والتوجيه، فتحول كثير من المسجونين إلى ذوي صلاح وتقوى (27).

لاشك في ان النورسي قد وجه جزءاً كبيراً من عنايته إلى مسألة (التربية الروحية) أو بالأحرى (التزكية)، كيف لا؟ وهي مفتاح الفهم لكل عملية تربوية تتغيا اخراج جيل قرآني رباني يُساهم من خلال (العمل الايجابي البناء) في خلافة الارض وعمارتها، والقيام بمسؤوليات الأمانة الملقاة على عاتقه بحكم اختياره وحمله لها (28)، وانطلاقات من القرآن الكريم الذي حث في الكثير من آياته على ضرورة التزكية، واتساقا مع تركيز النورسي على الجانب العملي في التربية الروحية، أكد بديع الزمان ان الطرائق إلى الخالق عز وجل كثيرة ومتعددة، لكن مردّها جميعاً إلى القرآن الكريم(29).

وبعد ان قضى مدة محكوميته في سجن (أسكي شهر) تم نفيه إلى مدينة قسطموني وقد بقي فيها ثماني سنوات، وهو يكتب رسائل النور ويرشد المجتمع، ويستمر في تهذيب الافراد آنذاك كيما ينظموا إلى الجيل القرآني/النوراني الذي عكف على تهذيبه قبالة جيل اللادينيين، ثم يستمر مسلسل الاتهامات له ولتلاميذه واتباعه بأنهم يألفون (جمعية سرية) تحرض الشعب على الحكومة العلمانية، ومحاولة قلب نظام الحكم، ثم تسمية مصطفى اتاتورك بـ(الدجال و(السفياني)(30).

ولقد حاولوا مراراً وتكراراً تسميم طعامه، ولكن بعض تلاميذه ينقذوه ويستمر النفي تلو النفي والسجن تلو السجن، تحت دعاوى الاتهام ذاتها التي تتكرر، وما خشيتهم منه ومن رسائل النور ومن تلاميذه، إلّا لأنهم جيل قرآني يمارس العرفان السياسي بنحوٍ من التقية المكثفة تحت مظلة نشر معارف القرآن الكريم المتعددة.

ما نريد ان نختم بهِ هو القول بأن الاستاذ النورسي على سيرة الاولياء والعرفاء وفي مقدمتهم أبن العربي، ذهبَ نحو أن اصلاح الباطن مقدمة جوهرية لا مهرب منها لإصلاح الظاهر، فإصلاح الدولة لا يتم من دون أفراد صالحين يقودون هذا الامر ويولونه اهميته، ومن دون هذهِ المعادلة لا طائل من الاندكاك بالعمل السياسي.

 

جعفر نجم نصر

.......................

المراجع:

(1) هادي العلوي، مدارات صوفية: تراث الثورة المشاعية في الشرق، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق - بغداد، ط2، 2007، ص49.

(2) ينظر: علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، الجزء الثاني، دار المعارف، القاهرة، ط7، 1977، ص63-65.

(3) كامل مصطفى الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، الجزء الاول، منشورات الجمل-بيروت-بغداد، 2011، ص280.

(4) سليمان بشير ديان، الصوفي والدولة، مقالة في كتاب: ما وراء الغرب العلماني، تحرير: عقيل بلغرامي، ت: عبيدة عامر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط1، 2018، ص41-42.

(5) المصدر نفسه، ص47-48.

(6) المصدر نفسه،ص50_51.

(7)لتفاصيل أكثر ينظر: خليل عبد الكريم، شدد الربابة بأحوال مجتمع الصحابة، دار مصر المحروسة، القاهرة، ط1، 2011، ص328 وص334.

 

(8) بومدين بوزيد، التصوف والسلطة: جدل المقاومة والسلم ورمزية صاحب الوقت، دائرة الامة، الجزائر، 2012، ص85.

(9) المصدر نفسه، ص87.

(10) حسن محمد الشرقاوي، الحكومة الباطنية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1992، ص20.

(11)المصدر نفسه،ص20.

(12) محي الدين بن العربي، التدبيرات الإلهية في اصلاح المملكة الانسانية، دراسة وتحقيق وتعليق: د. محمد عبد الحي العدلوني الادريسي الحسني، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الجزائر، ط1، 2015، ص70.

(13) المصدر نفسه، ص77.

(14) بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور، سيرة ذاتية (المجلد 9)، اعداد وترجمة: إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، القاهرة، ط6، 2011، ص88-89.

(15) ابراهيم سليم ابو حليوه، بديع الزمان النورسي وتحديات عصره، مركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامي، بيروت، ط1، 2010، ص30.

(16) بديع الزمان سعيد النورسي، المصدر نفسه، ص105-106.

(17) المصدر السابق نفسه، ص107.

(18) المصدر نفسه، ً241.

(19) ينظر تفاصيل اكثر: المصدر نفسه، ص243.

(20) محمد نور الدين، قبعة وعمامة: مدخل إلى الحركات الاسلامية في تركيا، دار النهار للنشر، بيروت، ط1، 1997، ص20.

(21) إبراهيم سليم ابو حليوه، بديع الزمان النورسي، مصدر سابق، ص65.

(22) بديع الزمان النورسي، سيرة ذاتية، مصدر سابق، ص259.

(23) المصدر نفسه، ص277.

(24) بديع الزمان النورسي، كليات رسائل النور، الشعاعات، المجلد (4)، مصدر سباق، ص384.

(25) المصدر نفسه، ص384-385.

(26) ينظر: بديع الزمان النورسي، سيرة ذاتية، مصدر سابق، ص295-296.

(27) المصدر نفسه، ص296.

(28) محمد حلمي عبد الوهاب، التصوف في سياق النهضة: من محمد عبده إلى سعيد النورسي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2018، ص145.

(29) المصدر نفسه، ص146.

(30) بديع الزمان النورسي،سيرة ذاتية ،مصدر سابق، ص375.

 

 

محمد بنيعيش1- بعدما بهت الذين كفروا أمام الذي رأوا في الصحيفة الظالمة من خلال تحقق معجزة الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والتي كانت ذات قوة مضاعفة جمعت بين الصور المادية المتمثلة في انتقاء الحق من الباطل، كما ارتقت على كل العقول والتخمينات البشرية العادية إخبارا بالغيب كمعجزة معرفية وعلمية.

فقد لجأ الكفار، عوضا عن أن يسلموا ويستسلموا، إلى مضاعفة العناد والزيادة في نسبة ومقادير العداء للدعوة وصاحبها وأتباعه .

وفي هذه المرحلة سيتصاعد البلاء على أشده وعلى عدة مستويات، يمكن أن نستعرض بعض أوجهه مما قد لا تستطيع الجبال تحمله.بحيث هنا ستتداخل المراحل والأماكن والطموحات والآمال مصطدمة مع الإحباطات وخيبة الرجاء حتى قد بلغت القلوب الحناجر وترددت النفوس بين خيار البقاء أو الرحيل والإقامة أو الهجرة...

فكان عثمان بن مظعون السابق ذكره من بين الذين امتحنوا بعدما فرج الله عنهم ووجدوا السعة في أرض الحبشة حتى عادوا إلى مكة، متفائلين بالنصر والتمكين لمعطيات وأخبار وصلتهم ببصيص الفرج كان من بينها إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

بحيث قد اصطدم بالواقع الذي ليس له دافع، فوقع من جديد في الحصار من غير حصار الشعب وتم التنكيل به ومن معه من الصحابة الكرام الذين سلكوا نفس مسلكه في اختيار الجوار المقدس جوار الله العزيز الحميد.

أما بالنسبة إلى رسول الله (ص) وهو أشد الناس بلاء فلقد كان على موعد مع القدر في ابتلائه، وهو كأشد ما يكون من وسيلة لامتحان القلوب وصقلها على التسليم وتقبل ما يلائم وما لا يلائم بحسب علو المقام، كما أن فيه سبرا لصدق التوكل وحسن الظن بالله تعالى، وأنه لا يقدر للعبد إلا ما فيه سر عبوديته وحقيقتها، وسر شكره وحمده حيث لا يحمد على مكروه سواه .

وكيف لا يكون البلاء بهذا المستوى وهذا الصنف والرسول (ص) سيد الموحدين وهو سيد الخلق والرسل وهو أول العابدين في قبول امتحان سيده.

فلقد جاء القدر مباشرة، بعد معاناة الحصار والتطلع إلى الفرج و نسيان الأضرار والركون إلى تدارك الأنفاس وبسط الاستبشار، مختطفا أهم سند قومي ومدافع عصبي له (ص) وذلك بوفاة عمه أبي طالب، ثم بعده بزمن قليل، لا يتجاوز الأيام على عد الأصابع، زوجته وسنده العاطفي والمعنوي والمادي سيدة الصديقات في تاريخ أزواج الأنبياء والرسل من أولي العزم، أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، كما عبر عن ذلك ابن كثير في وصف ذوقي جميل إثر الحديث عن وفاة أبي طالب:"ثم من بعده خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله (ص) ورضي الله عنها .وقيل :بل هي توفيت قبله والمشهور الأول .

وهذان المشفقان :هذا في الظاهر، وهذا في الباطن .هذا كافر، وهذه مؤمنة صديقة ر ضي الله عنها وأرضاها.

2- قال ابن إسحق:ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد.

فتتابعت على رسول الله (ص) المصائب بهُلْك خديجة وكانت له وزير صدق على الابتلاء يسكن إليها، و بهُلْك عمه أبي طالب، وكان له عضدا وحرزا في أمره ومنعة وناصرا على قومه وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين "1 .

فعبارة هذا في الظاهر بالنسبة إلى أبي طالب وهذا في الباطن بالنسبة إلى السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها مع التمييز بين العقيدتين لدى كل من أبي طالب والسيدة خديجة رضي الله عنها لهو وعي دقيق وشفافية روحية في ملامسة الموضوع وطبيعة المرحلة ذات الارتباط بوجدان النبي (ص) .

إذ أبو طالب قد كان يمثل عصبية بالنسبة إليه (ص) وهي مع ما لازمتها من مؤازرة وثبات موقف وعدم تخلي عند الشدائد ستكون بلسما ودعامة معنوية على المستوى النفسي باعتبار بشريته (ص) وطبيعتها المحتاجة إلى المساندة المجتمعية، ابتداء من الأسرة والقرابة وانتهاء بالعشيرة والقبيلة أو الوطن...

فكان حينذاك رائد هذا الموقف هو أبو طالب بلا منازع، لما له من صفة قد تعوض عن مقام الأبوة بل هي نفسها ولكن في صورتها الفرعية المعاضدة بالعصبية وتبادل الحقوق والواجبات الأبوية والبنوة والتوارث ماديا ومعنويا.

ومما زاد في حزن النبي (ص) على عمه أبي طالب وأسفه ليس فقط لأنه مات وافتقد مساندته، لأنه يعلم يقينا وشهودا أنه منصور بإذن الله تعالى ولن يطاله من الكفار إلا ما أذن الله فيه كترقية وزيادة مقام له، ولكنه وهذا هو الأدعى إلى الحزن والشفقة والأسى أن عمه هذا قد مات على كفر ولم يعلن عقيدته وتصديقه لرسالة ابن أخيه، وهي نهاية كانت أصعب على نفس النبي (ص) من الموت نفسه.بحيث سيكون في الغالب قد اعتراه تأسف على سلبية المصير وسوئه الذي آل إليه أبو طالب بالرغم من مساندته له ونصرته كأعمال جليلة تحتسب له في دائرة الناجين .كما أن الموت على هذه الحالة وبحضرة صناديد قريش قد فتح فرصة ثمينة لهم لإعلان الشماتة بالنبي (ص) والمغالاة في الاستفزاز والمعارضة غير المحدودة لغاية إذايته جسديا والنيل من حريته بالمضيقات والتهديد بالتصفية العلنية .فكانت حينذاك وفاة أبي طالب ذات سلبية على نفسه أولا وذات انعكاسات مرهقة على النبي (ص) ومسار دعوته وأصحابه تبعا.

أما بالنسبة إلى السيدة خديجة رضي الله عنها فقد كانت شريكة حياته (ص) وأم أولاده ومسنده وملاذه في جسمه وروحه وعينه وعاطفته، وهو يرثها وترثه من كل الجوانب، وهي بهذا ستكون قد فاتت عمه أبا طالب من حيث قوة دعمها له (ص) ومركزيتها الجامعة بين التوافق الجسدي وبين الروحي العقدي، وهو الأهم والنقطة الأصعب في تمثل هذا الفقد، أي أنها كانت مؤمنة ومتحدة به روحيا وعاطفيا وجسديا ونسبيا.

ومن هنا فموت أبي طالب كما تذكر الروايات قد كان سابقا للسيدة خديجة رضي الله عنها وذلك كتمهيد للصدمة الكبرى الموالية وتأهب لتحملها، إذ المواساة النفسية النسبية، أي عصبة النسب التي كان يمثلها أبو طالب، ستكون أيضا مما توفرها له (ص) بحكم القرابة والعشيرة، ولكنها ليست كل شيء، بل الأهم هو المقام، أي مقام الصديقية الذي كانت تتمتع به السيدة خديجة ووصلت إليه بواسطة زوجها السيد الرسول (ص)، وهو أعلى مقام مساند للنبوة والرسالة ومناصر لها، سبق وتحدثنا عنه بتفصيل نسبي في كتابنا:نور الأمين ومقدمات إسعاد العالمين.

والنبي الرسول في مثل هذه المراحل الشديدة قد يحتاج إلى الصديقين لمؤازرته أكثر من احتياجه إلى المساندين، إذ هنا يتبين الفرق بين المقامين، بالرغم من أن الصديقين قد يكونون ضرورة مساندين، ولكن ليس كل المساندين قد يكونون صديقين.

3 - وعند هذا الفقد المضاعف جاء عام الحزن الكبير للنبي (ص) بفقد السيدة خديجة رضي الله عنها كصديقة مساندة وهو الذي تلا فقد أبي طالب كمساند غير صدِّيق.وهذا كما قلت قد كان فيه تدريج للنبي (ص) فيما يبدو أن القدر أراده له ليرتقي في عالم معرفة النفس وطب القلوب وانشراحها، وهي ممهدات إلى المعرفة الكبرى، معرفة الله تعالى وتحصيل الشهود بغير قيود وتحقيق الرؤية القدسية من غير حجاب ولا بواب، إذ البواب الأكبر والأجمل سيصبح هو سيدنا محمد (ص) نفسه، أول العابدين وسيد ولد آدم والخلق أجمعين.

وقد سمي العام بعام الحزن، أي أنه قد اكتمل دورته الزمنية بكل أحوالها وظروفها، وتعاقبت عليها جميع الشهور بتلوناتها وأسمائها، وأظلمت مظاهرها ومعابرها فغمت وعمت، وضاقت النفس وتألمت، فما كان بعد هذا الفقد والقبض والجلال إلا طلب الهجرة والترحال إلى ذي العزة والجلال:(حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)2 .

لكن محنة النبي (ص) قد طالت حتى محاولة هذا الخلوص نجيا نفسه، فحوصر في الداخل، في الشعب وخارج الشعب، ومنع من الذهاب إلى الخارج في إقامة إجبارية كأسوأ ما تكون هذه الإقامة وأشدها على النفس.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.........................

1- ابن كثير: السيرة النبوية ج2ص122

2- سورة يوسف آية 110

 

اياد الزهيريلا شك بأن ظاهرة الأسطورة تعتبر ظاهرة ثقافية، فهي تمثل المحاولة الأولى للأنسان في سعيه لأنتاج المعرفة، وهي تعكس شوق الأنسان لرصد الحقيقة، والغوص في أعماقها، وهي ظاهرة أختص بها الأنسان عن غيرة من الكائنات الأخرى، هذا التميز كان نتيجة لما يتمتع به هذا الكائن البشري من قدرات عقلية خلقت فيه قابلية التفكير، وأثارت فيه النزعة الملحة لأشباع نزعته المعرفية. فالأسطورة كانت تعتبر الخطوة الأولى للأنسان القديم في تصديه لمحاولة تفسير ما حوله من ظواهر طبيعية أثارت في نفسه الخوف والدهشة، كما أثارت فيه الرغبة والأمل في معرفة كنهها، ولعل لتجنب مضارها، وجلب فوائدها. أن أول سرد أسطوري وضعه الأنسان كان هو أسطورة التكوين، لأن معرفة الكون الذي هو جزء منه كان هاجسه الأول، وكان هاجساً قوياً هزه من الأعماق، مما جعلها تحتل في نفسة مكاناً مقدساً، وقد سيطرة على عقله ومشاعره، وسجلت درجة الأعتقاد منزلة القداسة، حتى بات يزاول طقوساً وشعائر يعبر بها عملياً عن شغفه وأحترامه لها، كما يمكننا القول بأن هذا الأعتقاد شكل أول خطوات التدين عند الأنسان، ومن ذلك سجل الدين له حضور منذ بداية ظهور الأنسان، ومن ذلك لا يمكن لأحدنا أن يجد مجتمعاً أنسانياً خالياً من الدين، منذ الخليقة وليومنا هذا، فالدين حاجه نفسية وعقلية . فالأسطورة كانت باكورة التدين، وهذا ما جعل الباحث فراس السواح يصفها في كتابه (الأسطورة والمعنى ص 20) بأنها (حكاية مقدسة) . أستمرت سطوة الأسطورة على نفوس وعقول البشر لفترة طويلة كنمط تفكير أوحد، الى أن جاءت الفلسفة كنمط تفكير متقدم، أنتقل فيه الأنسان من الخيال والحدس ووعي المشاعر الى التفكير العقلي والمنطقي، ومن نظرة التسليم المطلق لما جاء به السرد الأسطوري الى فلترة عقلية تعتمد في قناعتها على المسلمات المنطقية . هذا التحول في النظرة هو الذي حدى بأفلاطون بجمهوريته بأن صرح بضرورة أبعاد الشعر عن الجمهورية الفاضلة التي تقوم على العقل، لأن السماح بالشعر يعني فتح الطريق أمام الأسطورة (الأسطورة والمعنى ص31). يتضح من كتابات الدكتور خزعل الماجدي، بأستخدام حسه الشعري الخيالي، في التحليل التاريخي للأسطورة، كما أن لأفلاطون كل الحق في أبعاده للشعراء من جمهوريته الفلسفية، وأن هذه الجمهورية حسب أدعاءه تقوم ركيزتها على المنطق، في حين أن الدكتور الماجدي هو في الأصل شاعراً ومجيئه للدراسات التاريخية متأخر على شاعريته، فمزج شاعريته في المنهج العلمي للدراسات التاريخية وخاصة الأسطورة، مما جعله يقع بالمحذور الذي حذر منه أفلاطون بضرورة أبعاد الشعراء من هذا المجال الذي يعتمد بشكل أساس على المنطق.

ولكي لا نطول في هذه المقدمة الضرورية، ننتقل الى الدكتور الماجدي في كيفية خلطه للأسطورة الرافدينية القديمة مع أسطورة قابيل وهابيل التوراتية، وهي أسطورة لست بصدد الدفاع عنها لأني أساساً لا أعتقد بصحتها بأعتبارها تمثل أيضاً سرداً أسطورياً، ولكن كُتبت على أيدي حاخامات اليهود، وهذا ما أكده بوكاي حيث يقول (كان الكتاب المقدس قبل أن يكون مجموعة أسفار تراثاً شعبياً لا سند له الا الذاكرة، وهي العامل الوحيد الذي أعتمد عليه في نقل الأفكار) (بوكاي دراسة الكتب المقدسة ص20 )، ولم أجد هناك مصدراً رئيسياً لها كما يدعي الماجدي في الأسطورة الرافدينية، الا اللهم قد يكون أوحت الأساطير الرافدينية لكتاب الأسفار التوراتية ببعض الأفكار أو أستنهضت بهم أيحاءً أسطورياً، ولكن بنفس الوقت لا يمكنني أن أنفي أفكاراً فيها كان مصدره النبي موسى عليه السلام، ولكن كما هو معروف للمطلعين على السرد الأسطوري أنه قد يبدأ من حقيقة معينه وينسجون عليها حبكة سردية كبيرة تغطس فيها الحقيقة الأولى، ويبقى الوجود الأكبر لما نسجه النساجون من سرد قصصي أسطوري يطغي على البذرة الأولى. أن خطورة ما يريد التوصل اليه الدكتور الماجدي هو سعيه الحثيث، وقصديته الواضحة الى ربط الأسطورة الرافدينية القديمة بالتوراة، متجاوز بها الى المسيحية ليختمها بالأسلام، وهذا مقصده المهم والنهائي. وأن حكاية قابيل وهابيل من خلال تحليل سرديتها التي ربطها الدكتور الماجدي ستكشف أن ليس هناك تناصاً تاماً، ولكن لا يمكنني الجزم بأنه ليس هناك أيحاءً قدمته الأساطير الرافدينية لكتبة التلمود والكابالا وأسفار أبو كريفا وغيرة من الكتب اليهودية التي تناولت حكاية قابيل وهابيل .لنذهب بعد هذه المقدمة الى رصد أدعاءات الدكتور الماجدي في ربطه بين حكاية قابيل وهابيل والأسطورة الرافدينية، وهي بالحقيقة أن هناك أكثر من أسطورة رافدينية يدرجها الدكتور الماجدي والتي يدعي أن التوراة والكتب اليهودية تناصت معها، وأول هذه الأساطير هي أسطورة (أنانا ودِموزي) التي جعل منها الدكتور الماجدي الجذر الذي أرتبطت به أسطورة التوراة، والتي جعل الماجدي من هابيل فيها نضيراً لدِموزي الذي يمثل اله الرعي في المعتقد الأسطوري السومري، وهنا يربطه الماجدي مع هابيل بأعتبار هابيل يمتهن الرعي أيضاً . أن عنصر مشترك واحد لا يشترط التناظر بين الأسطورتين، كما أن هناك أختلافات كثيرة تبعد كل مقاربة بينهم، فمثلاً أن دِموزي يمثل اله الخصب الذي يرعى الزرع،الذي هو مهم للرعي،وهذا يعني أنه ليس ممارس للرعي حتى نماثله مع هابيل الذي تدعيه التوراة أنه مارس الرعي، كما لدِموزي معبد يُعبد فيه أسمه (أي موش) وهو نفس المعبد الذي تُعبد به الآلهة أنانا،كما ذكر الماجدي في كتابه (أنبياء سومريون ص ٢٥٢) وهذه مفارقة في حين أن قابيل أنسان، كما أن هابيل أختلف مع أخيه قابيل، في حين أن دِموزي لم يختلف مع أنانا عشيقته وزوجته، بل أن أنانا شعرت بأنه لم يعد يهتم بها فغضبت منه، فأرسلته الى العالم السفلي غضباً عليه، ولكن بعد توسط الاله أنكي وشفاعته له أرجعت المياه الى مجاريها بين دِموزي وأنانا الالهين العاشقين، ولم يحدث أي جريمة قتل كما حدثت بين هابيل وقابيل، وأن الشفاعة التي حصل عليها دِموزي لم يحصل عليها قابيل من الله، لذى لا أرى أي حالة من التماثل أو التناظر بين حكاية هابيل وقابيل وبين الأسطورة الرافدينيه (دِموزي وأنانا)، فالرجل قد جارى ما فسره الآخرون وخاصة الغربيون في ربطهم هذا بين حكايتين لا رابط لهم، كما أن الماجدي مارس ربطاً تعسفياً يتماشى ونظرته الآيدلوجية التي تسعى الى نسف الأديان السماوية.

كما يمكننا الذهاب الى أسطورة أخرى يتعلل بها الدكتور الماجدي، ويعتبرها دليل آخر مضاف للتناص الحاصل بين الأدب الأسطوري الرافديني وما جاء من حكايات بين دفتي التوراة وغيره من كتب اليهود الأخرى . هذه الأسطورة هي أسطورة (أيميش وأنتين) و هي أسطورة لا علاقة لها بما جاءت به حكاية هابيل وقابيل، ولا علاقة لهما في فحوى الحكايتين، فأيميش وأنتين، هما ألاهين مخلوقين من قِبل الاله انليل، فكان الاله ايميش خُصص ليرعى فصل الصيف والرعي، أي لم يكن راعياً، بل يهيء ظروف الرعي، أي الحقول التي ترعى فيها الحيوانات أما أنتين خلقه لرعاية فصل الشتاء والفلاحة، وقد حصل خلاف بينهما، ولم يُذكر سبب الخلاف، ولكنهما أحتكما الى الاله انليل، والتي يذكر الماجدي أن الاله انليل فض الخلاف بينهما، وقد مال الى جانب الفلاحة والشتاء على الرعي والصيف، في حين أن حكاية التوراة قد بينت الخلاف وسببه، وهي تنافسهم على الزواج من أختهم (أقليما)، وأن الخلاف أنتهى الى مقتل أحدهما، في حين لم يبين في أسطورة (أيميش وأنتين) لا نوع الخلاف وسببه، ولم ينتهيا الى القتل كما حصل مع قابيل وهابيل، وهنا أسئل الدكتور الماجدي أي تشابه وتماثل بين هذه الأسطورة السومرية وماجاء بالتوراة؟، كما أن الباحث فراس السواح ذهب الى أن أنليل قد صالح أيميش وأنتين وأنتهى الأمر بمديح لأنليل (مغامرة العقل الأولى ص211). ولو ذهبنا الى أسطورة رافدينية أخرى أستطراداً بالدليل على لا تناصية التوراة مع الأسطورة الرافدينية في هذا الخصوص، والتي يسوقها خزعل الماجدي كدليل على هذا التناص هو أسطورة (أشنان ولاهار)، حيث يخلق انليل (ألاهار) النعجة، ويخلق (اشنان) الحبوب، وعندما تنافسى أحتكما الى أنليل، وحينها أنحاز انليل الى أشنان الهة الحبوب على حساب لاهار الهة النعجة، وهنا أيضاً تمثل هذه الأسطورة عكس ماذهبت الية حكاية قابيل وهابيل التوراتية، حيث نرى الاله انليل وقف الى جانب أشنان الهة الحبوب في حين أرتضى الله في النص التوراتي الى قبول تقدمة هابيل لحسن سيرته وتقواه، وأنه مجني عليه من قِبل أخيه قابيل، فالله التوراتي يقدم أسباب وجيه للرضى من هابيل والغضب على قابيل، في حين نرى أن الاله انليل يقبل عن أحدهم ولا يقبل من الآخر أنه  مجرد أمر مزاجي للأله أنليل.

أن خلاصة ما أُريد قولة أنني لست بصدد الدفاع عن التوراة، بل بصدد نفي التناص الذي يدعيه الدكتور خزعل الماجدي وغيره من الكثيرين، وكما بينا أنه دليل واهن ولم يقم على حجة يُعتد بها أو يمكن الركون أليها، وأن لا تناظر بين الأسطورة السومرية والحكاية التوراتيه فيما يخصل قابيل وهابيل، بل أنا أميل تماماً الى أن ما جاءت به التوراة والكتب اليهودية الأخرى هو من أنتاج المخيال اليهودي، وهم يمتلكون من الأمكانية ما تغنيهم من الأقتباس من غيرهم، وأن لم أنفي تماماً أنهم لم يأثروا بغيرهم، وهذا ما يحدث في كل زمان ومكان، كما أحببت أن أشير الى نقطة مهمة الا وهي أن القرآن الكريم لم يرد في نصوصه أي أشارة الى أسماء أبني أدم هابيل وقابيل، كما لا يردا حتى في الأحاديث النبوية، الا في حديث ضعيف عن طريق أبن كثير، وأن أبن كثير أعتمد على أبن عباس، وعبد الله بن عمر أبن العاص، وهؤلاء الأثنين وخاصة في مجال التاريخ القديم وقصص الأنبياء القدامى، وقصص الخليقة، يعتمدون كثيراً على أهل الكتاب، وأن هناك الكثير من الباحثين الأسلامين القدامى قد أعتمدوا كثيراً على ما يسمى بالأسرائيليات، وهذا ما نجده مثلاً في كتاب (بدائع الزهور في وقائع الدهور) لمؤلفه محمد بن أياس الحنفي، كما أن هناك بعض المفسرين القريبي عهد منا، قد ذكروا في تفاسيرهم أسما أبني آدم (قابيل وهابيل)، ومنهم محمد رشيد رضا، وسيد قطب، ومحمد جواد مغنية، وهم يعتبرون ذلك من الروايات الأسرائيلية (قصة أبني آدم...غسان عاطف بدران ص12-13).

ومما يجدر الأشارة اليه أن للشيخ محمد جواد البلاغي كتاب مهم بهذا الصدد تحت عنوان (الأكاذيب الأعاجيب)، كما هناك كتاب تحت عنوان (الموروث الأسطوري في تفسير أبن كثير) وهي أطروحة ماجستير في جامعة النجاح بفلسطين من أعداد (مؤيد أحمد سعيد خلف)، حيث تبين ولوج الأسرائيليات في التفاسير الأسلامية، وهناك الكثير الكثير في هذا الصدد . ان التلاعب بالتاريخ أصبحت لعبة تهوي الكثير ممن يسعى للشهرة، أو ينفذ من خلالها أجندة خطيرة، وهي مهام تقوم بها مراكز تنتمي لدوائر دول وجهات متنفذه عالمية تستخدمها كأدوات في حربها الناعمة ضد أديان ودول وشعوب يُراد تحطيمها بأدوات فكرية معقدة لا تحسن عملية النفاذ اليها ومعرفة حقيقتها، وخاصة الشعوب القليلة القراءة مستخدمين التاريخ الموغل بالقِدم والذي يتجنب دخوله الكثير لتشابك أحداثه، والشك في مصادره، كما أني لا أستطيع أن أزعم أن ليس هناك تناص في نقل الأفكار سواء على المستوى التاريخي أو الأدبي، وحتى العلمي والفني، ولكن ما أُريد الأشارة اليه أن ما قد تسلل من خيوط تناص في مواقع سردية أخرى، فهو تناص نقله الكتاب والباحثون والمفسرون في أطار التراث الثقافي التاريخاني، وهو ما حدث بالفعل في الكثير من السرديات، ولكن المهم هو الفصل مابين ما هو موروث ثقافي في مجال التفسير والتأويل، وبين ما يمثل النص الأصلي (الألهي) المتمثل بالكلام الذي أرسله الله سبحانه وتعالى للأنبياء، فالفرق كبير، ولكل منهما مصدره، ولكن الخطورة في دمجهما وأعتبراهما حالة واحدة، ويتمتعان بنفس الدرجة من المقام والقدسية، وهنا هو الخطأ الفادح لمن سهى، والخطيئة العظمى لمن أستهدف ورمى، محاولاً التشوية والتحريف.

 

أياد الزهيري

 

الصفحة 6 من 6

في المثقف اليوم