عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

أصبح استعمال مصطلح الإسلام السياسي شائعاً في كل مجالات الحوار والثقافة والفكر والسياسة، وأصبح من المصطلحات العامة والمتداولة بكثرة عند كل الناس وفي مختلف أنحاء العالم. ومن المعلوم أنّ مصطلح الإسلام السياسي يخص الدين الإسلامي والمجتمع الإسلامي حصراً. وغالباً ما يستعمل للإشارة إلى الجماعات الإسلامية أو الأصولية المتشددة والمتطرفة أو المسلحة. ويستعمل الغربيون هذا المصطلح لإظهار عنف وهمجية الجماعات الإسلامية المتشددة أو السلفية وبالتالي الإيحاء بإن الدين الإسلامي دين إرهابي.

تساؤلات عن مصداقية مصطلح الإسلام السياسي

وتبرز هنا تساؤلات عن أصل وصحة هذا المصطلح، وما إذا كان فعلاً يجسّد صفة من صفات الإسلام والمسلمين أم هو مصطلح كاذب، افتراه الغربيون وصدقّه العرب واستعملوه بصدق وقناعة؟ ويثار أيضاً تسائلاً آخر هو: لماذا وصف الإسلام تحديداً بالإسلام السياسي ولم توصف المسيحية (بالمسيحية السياسية)، وكذلك لم توصف الديانة اليهودية (باليهودية السياسية)؟؟

من المعلوم أن الكنيسة (وبالتالي الديانة المسيحية) كانت هي السلطة السياسية العليا في أوروبا في القرون الوسطى واستمرت لقرون عديدة، ثم ازيحت السلطة السياسية عن الكنيسة بعد الثورة الفرنسية واقتصرت صلاحياتها على الصلاحيات الدينية فقط، وهذا يوضح بل ويؤكد أن الكنيسة تعتمد الفكر الاصولي المتشّدد، وتعتمد منهج الدين والسياسة في إدارة شؤونها. وفي التاريخ المعاصر، وقد اعتقَدَ عدد من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية أمثال رونالد ريغان وجورج بوش الابن وحالياً دونالد ترامب، بأنهم قد أرسلوا من قبل الرب لتخليص العالم من شرور الأشرار، ناهيك عن اعتقاد معظم الأمريكيون بأن عودة السيد المسيح (ع) لا تتم إلاّ بإقامة دولة إسرائيل في فلسطين. ولم يشار إلى الحرب الدينية الصربية ضد مسلمي البوسنة والهرسك بأنها "حرب مسيحية سياسية" على الرغم من كمية الكره والتطهير العرقي الذي مارسه الصرب الأرثوذكس ضد المسلمين. وهناك الأحزاب الديمقراطية المسيحية خصوصاً في المانيا وإيطاليا. وحالياً، يَحكم المانيا الحزب الديمقراطي المسيحي، وعلى الرغم من أنه يسمى بالحزب المسيحي إلا أنه لا يعتبر حزباً دينياً بل يعتبر حزباً سياسياً، كما هي الحال عندنا حيث نصف احزابنا بصبغة دينية وليست سياسية على الرغم من أن أهدافها هي بحتة سياسية وليست دينية.

أفلا يكون كل ذلك مسوّغاً كافياً لوصف الديانة المسيحية (بالمسيحية السياسية).

وعلى غرار ذلك، عمل اليهود الإسرائيليون على إنشاء دولتهم الدينية بتكوين فرق الهاغانا الإرهابية لترويع الفلسطينيين (سكان البلد الأصليين)، وتفجيرهم الإرهابي لفندق الملك داوود الشهير، وقيامهم بحروبهم الدينية العنصرية، وجرائهم ضد الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليون. وخير مثال على ذلك، ما يقترفونه الآن من جرائم تدنى لها الجبين، والتطهير العرقي الذي تمارسه قيادتهم السياسية الحالية المتطرفة دينياً والمتعصبة عنصرياً ضد العرب والمسلمين من اجل إقامة دولتهم اليهودية، ويناصرهم في ذلك الأوروبيون والأمريكان. ومع كل ما تقدم ذكره، لا ولم يَذكر الأوروبيون والغرب مصطلح (اليهودية السياسية) ولا الأصولية اليهودية لوصف تشددهم وتطرفهم وجرائمهم، واستخدامهم السياسة لأغراض دينية.

فلماذا إذن اقترن مصطلح (الإسلام السياسي) بالإسلام فقط دون غيره من باقي الأديان؟ ولماذا يتجنب المفكرين والسياسيين الغربيين أن يصفوا دينهم بالسياسي، مثلما يصف العرب دينهم بالسياسي، على الرغم من وضوح الصلة القوية بين الدين والسياسة في التاريخ الغربي القديم والمعاصر؟ وهو تساؤل مشروع يتطلب البحث عن جواب مقنع.

تفسير أحداث الماضي بعقلية الحاضر

قبل الخوض في التفاصيل، يجب توضيح نقطة مهمة وهي: الملاحظ إنّ المفكرين والباحثين المعاصرين يفسرون أحداث الماضي القديم بعقلية القرن الحالي، دون النظر إلى ما كان متوفراً من أعراف وتقاليد وعلوم يتبعها الناس في تلك العصور، والتي تختلف كلياً عما لدينا من علوم ومعرفة وقوانين وحقوق، وما شابه ذلك مما كان غير معروفاً تماماً في المجتمعات القديمة. وبالتالي فإننا نفسر أحداث الماضي بعقول وأفكار الزمن الحاضر، وهذا يبرز أخطاء واضحة في الاستنتاجات والتحليلات. فعلى سبيل المثال، في كتابه (محمد في مكة) يتحدث المستشرق البريطاني مونتغمري وات، عن ذهاب النبي محمد (ص) إلى غار حراء فيقول "إن زيارة محمد لحراء، وهو جبل قريب من مكة، مع عائلته أو بدونها، ليست مستحيلة، ويمكن أن يكون ذلك للفرار من اتون المدينة (كلمة اتون لغوياً تعني الفرن) خلال فصل الصيف للذين لا يستطيعون التوجه إلى الطائف"!!. وأتساءل هنا؛ كيف قبل مونتغمري أن يسَوّل له عقله أن يفسّر هذه الزيارات التعبدية بمبدأ السياحة والاصطياف، علماً أن المجتمع المكي في ذلك الزمان (القرن السابع الميلادي) هو مجتمع قبلي بدائي، يعيش حياة بسيطة ومتواضعة جداً مقارنة بالمقياس الحضاري والعقلي لمجتمع القرن العشرين، وإن الناس في ذلك الزمان لم تكن عندهم الرفاهية والتحضّر ليتعرفوا على، ويمارسوا، فكرة السياحة والاصطياف. وعلى ذلك فإن هذا التبرير لزيارة غار حراء هو استنتاج خاطئ مبني على ملاحظات غير واقعية ولا صحيحة، ومبنية على قناعته كمسيحي (كما هو حال كل المسيحيين) لا يؤمن بإن محمد (ص) هو نبي، وإن محمد (ص) هو الذي كتب القرآن، وليس هناك وحي يوحى إليه، وبالتالي فهو لم يكن ليتعبد في غار حراء.

ولذلك يتوجب على كل من يحاول أن يفسر أو يحلل أحداث التاريخ القديمة أن يراعي الظروف والأعراف والعقائد السائدة في ذلك الزمن وليس بما يؤمن به أو ما يعرفه من أعراف وعقليات وأفكار الزمن الحاضر.

كيف ظهر مصطلح الإسلام السياسي

إن مصطلح (الإسلام السياسي) في الأصل ليس عربياً بل هو غريب ودخيل على الفكر العربي والإسلامي. وهو مصطلح حديث ظهر في التاريخ المعاصر، حيث ظهر وانشر بصورة واسعة في النصف الثاني من القرن العشرين. لذلك فهو ليس قديم النشأة كما يعتقد البعض. ويعود أصل المصطلح إلى عهد الاستشراق الغربي عندما اتجه العلماء والباحثون الغربيون إلى دراسة التاريخ والتراث الإسلامي فاستعملوا مصطلح (Political Islam) والذي نقل إلى اللغة العربية وترّجم على الشكل المعروف، وهو بذلك تكون له جذور سياسية بالدرجة الأولى وليست تاريخية أو دينية.

وقد ظهر مصطلح الإسلام السياسي في المجتمعات الغربية أولاً، حيث تداوله المفكرون والسياسيون الغربيون عندما كانوا يبحثون الحركات الإسلامية، ويدرسون افكارها وأهدافها ويصفون توجهاتها بالتوجهات السياسية. وتزامن ظهور المصطلح مع بروز الحركات الإسلامية الأصولية المتشددة، واستخدم لوصف الحركات والتيارات الدينية المتطرفة وتحديداً الإسلامية منها. ولم يطلق السياسيون أو المفكرون الغربيون هذا المصطلح على أي من الأديان الأخرى سوى الإسلام.

عندما نقل المصطلح (بصيغته العربية) إلى الفكر والثقافة العربية استُعمل لوصف الحركات الدينية الإسلامية المتطرفة والمتشددة، أو ما تسمى بالأصولية، والتي تهدف إلى التخلص من الاستعمار (الاخوان المسلمين) أو لمحاربة الكفار (طلبان والقاعدة) أو لاستلام الحكم لتحقيق أهدافها بقيام حكم الشريعة الإسلامية (حزب الدعوة).

ويعتبر المستشرق البريطاني برنارد لويس (اليهودي الأصل توفي سنة 2018) من أبرز من روّجوا لهذا المصطلح. وبرنارد لويس معروف بعداءه الشديد للعرب والإسلام. وفي كتابه المعنون (لغة السياسة في الإسلام) يحاول المؤلف أن يبين التأثير الأوروبي على اللغة العربية من خلال ربط الكلمات العربية في التاريخ الإسلامي بالمفهوم السياسي الحديث، وأخذ منحاً غريباً في التفسيرات. فمثلاً يقول في كتابه المذكور "توصف مكة بأنها أم القرى وهي ترجمة حرفية للمصطلح اليوناني Metropolis، والصراط المستقيم الذي أُوصِيَ المسلمون بسلوكه هو الطريق الروماني المستقيم، فالصراط ليس إلا ال Strata اليونانية، والتي قمنا نحن في الإنكليزية باشتقاق كلمة Street منها". ولم يذكر برنارد لويس مصدر هذه المعلومة، ويبدو أنه استنتجها وابتدعها بنفسه. والغريب أن بعض الكتّاب والمفكرين العرب صدّقها وروّج لها في كتاباتهم بدون أي تمحيص أو تدقيق وكأنها معلومة صحيحة. وللعلم فإن كلمة الصراط عربية الأصل، ذكرت في لسان العرب بمعنى الطريق، وذكرت أيضاً في ابيات شعر قديمة مما يؤكد اصالتها ونفي علاقتها باللغة اليونانية أو الإنكليزية. أما ترجمة كلمة أم القرى من كلمة Metropolis فلا أجد لها تفسيراً مقنعاً أو مقبولاً سوى أن المؤلف يبتدع الأفكار جزافاً.

نبذة تاريخية مختصرة

إذا ما نظرنا إلى طبيعة الحكم الإسلامي (الخلافة) منذ فترة الخلفاء الراشدين مروراً بالدولة الأموية والعباسية إلى نهاية الدولة العثمانية، لتبين لنا أن طبيعة الحكم فيها ديني إسلامي سياسي يتماشى مع مفهوم الإسلام السياسي الذي نعرفه اليوم، ومع ذلك لم يستعمل مصطلح الإسلام السياسي في تراث الحضارة الإسلامية منذ بدايتها وحتى اليوم. ومعروف أن مفهوم كلمة السياسة في الزمن الحديث والمعاصر تعني إدارة شؤن الدولة من قبل السلطة الحاكمة. لكن، لم يكن لهذا المفهوم السياسي الحديث وجود في فكر الحضارة الإسلامية منذ تكوينها وإلى اليوم. فكلمة السياسة في ذلك الزمن (زمن الحضارة الإسلامية) مأخوذة من سايس الخيل، أي القائم على إدارة الخيل ولم تستعمل بالمفهوم السياسي المعاصر. فكيف دخل هذا المصطلح في ثقافتنا؟

بويع الخلفاء الراشدون على أساس أنهم أكثر المسلمين فهماً وعلماُ بالدين، وقد عملوا على المحافظة على تطبيق الشريعة الإسلامية الصحيحة وبناء المجتمع الإسلامي السليم، ويمكن اعتبار ذلك حكماً دينياً. لكن الفتوحات الإسلامية بدأت أيضاً في تلك الفترة، ففتحت بلاد فارس والعراق، وسقطت الإمبراطورية الفارسية العظيمة. وفتحت بلاد الشام ومصر وخسرت الإمبراطورية البيزنطية العظيمة. وتتماشى هذه الفتوحات الإسلامية مع مفهوم كلمة السياسة في الفكر الحديث والمعاصر، لكنها على الرغم من ذلك لم توصف بالسياسية وإنما وصفت بأنها فتوحات إسلامية أو دينية. ونفس الشيء يقال عن فتوحات الدولة الأموية التي امتدت إلى شمال افريقية والأندلس، والدولة العثمانية واحتلالها للبلدان العربية والبلقان. فلماذا لم يستعمل المؤرخون أو المفكرون، سواء العرب أو الغربيون، مصطلح الإسلام السياسي لوصف نهج هذه الدول الإسلامية في التاريخ والتراث الاسلامي؟ ولماذا اقتصر استعمال الإسلام السياسي على الحركات الإسلامية المتشددة أو الأصولية السلفية التي ظهرت في التاريخ المعاصر فقط؟

وإذا كان البعض من المفكرين يحاول أن يحصر استعمال هذا المصطلح على الحركات الإسلامية المتشّددة التي ظهرت في التاريخ المعاصر فقط فما بالك بحركة الخوارج. ألم تكن حركة دينية سياسية. ألم تضع صفات خاصة للحكام المسلمين تتطابق مع مبدأ الحاكمية، الذي يتخذ اليوم كذريعة لمحاربة الفكر الإسلامي المتشدد، وقد كَفّر الخوارج الحكام الذين لا يتماشون مع معتقداتهم وحاربوهم. لذلك، أليست هي حركة إسلامية متشددة ينطبق عليها مفهوم الإسلام السياسي. وماذا عن القرامطة وحركة الحسن الصباح (المسماة خطأ بالحشاشين) الذين جندوا الانتحاريين لقتل رجال الدولة العباسية. ألم يكفّروا المسلمين وقتلوهم وأحدثوا فوضى عارمة.

نستنتج من كل ذلك، أن الحركات التي ظهرت في القرن العشرين قد تم وصفها بأنها حركات اسلامية سياسية أصولية متشددة، بينما لم ينطبق هذا الوصف على الحركات الإسلامية في الزمن القديم على الرغم من وجود عنصر التشابه بينهم، أليس هذا كيل بمكيالين؟

متى ولماذا ظهرت الحركات الإسلامية السياسية

قبل النصف الثاني من القرن العشرين، لم تظهر حركات أصولية إسلامية متشددة، حسب المفهوم السياسي الحديث للمصطلح. ويمكن اعتبار بداية ظهور هذه الحركات في ثمانينيات القرن الماضي تحديداً عندما غزى الإتحاد السوفياتي أفغانستان عام 1979 واستمر لعشر سنوات. لم تفلح أمريكا في إيقاف الهجوم الروسي لمنع المد الشيوعي، فعمدت إلى استغلال فكرة تقول "بما أن الشيوعيون كفار ملحدون لذلك يمكن استغلال المسلمين الجهاديين المتشددين، الذين يؤمنون بفريضة قتل الكفار، لأداء مهمة محاربة المقاتلين الروس الشيوعيين". وفعلاً تم التنسيق مع أجهزة المخابرات في الباكستان والمملكة السعودية، وقام الثلاثي بدعوة الجهاديين للالتحاق بجيش المؤمنين للقتال في سبيل الله. فاضطلعت السعودية بالدعوة إلى التطوّع للجهاد والتمويل المالي، وقامت الباكستان بتدريب المقاتلين، وكلها بتخطيط وإدارة أمريكية. وتم تأهيل تسعين ألف مجاهد، معظمهم من الأفغان. كان كل مجاهد يتلقى راتباً شهرياً مغرياً مع وعد بالحصول على البطاقة الخضراء للهجرة إلى أمريكا، وأطلق عليهم لقب مقاتلو الحرية. وقد نجحت المهمة وانسحب الروس من أفغانستان. وانسحبت أمريكا أيضا من المشهد، فعمّت أفغانستان الفوضى، فنشأت حرب أهلية مدمرة ظهرت على إثرها حركة طالبان في عام 1996م وأعلنت دولة أفغانستان الإسلامية المتزمتة.

أما تنظيم القاعدة فقد أسسه أسامة بن لادن في أفغانستان عام 1986م بدعوة المجاهدين العرب في افغانستان لمحاربة الدول الاستعمارية الكافرة. ومنها انفصل تنظيم أبو مصعب الزرقاوي، وظهرت داعش وجبهة النصرة وغيرها من التنظيمات التكفيرية المتشددة والتي عاثت في الأرض فساداً.

وقد عملت هذه الحركات على تدمير الدين الإسلامي والمسلمين والشعوب الغربية، وغالباً ما كانت مخترقة وتدار من قبل المخابرات الأمريكية لتحقيق أهداف سياسية بغطاء ديني. ويجمع المسلمون في أنحاء العالم على أنهم بريؤون من هذه الحركات، وأن هذه الحركات ليس لها أي شيء من الإسلام. ومع ذلك مازالت الأقلام العربية تتحدث عن الإسلام السياسي وتضع الدين موضع تهم الإرهاب بدل أن تتحدث عن دور السياسة القذر.

الخلاصة

والخلاصة هي إن الدين الإسلامي هو رسالة سماوية واحدة، يدعو إلى التوحيد وعبادة الخالق ونبذ الشرك والقبول بمبدأ الحياة بعد الموت. وهو دين واحد لا يقبل التعدد. فليس هناك إسلام سياسي، ولا إسلام اقتصادي ولا إسلام ثقافي أو اجتماعي أو غيرها من المسميات الفكرية التي ابتدعها البشر. إنما هو دين واحد يدعو إلى بناء مجتمع إسلامي واحد متقدم ومثقف ومرفّه وفق قواعد دينية.

إن حقيقة ما يجري هو استخدام الدين لأهداف سياسية (تسيّس الدين)، وليس إن الدين يستخدم السياسية لأغراض دينية، كما يوحي مصطلح الإسلام السياسي. فالأهداف هي سياسية بحتة وليست دينية، لكنها تغطى بغطاء ديني يكسبها شرعية مقدسة لتحقيق الهدف. فليس للدين أي علاقة بالسياسة، وحاشى للدين أن يستخدم السياسة لأغراض دينية، لكن السياسة والسياسيين هم الذين يستخدمون الدين لتحقيق أهدافهم الخاصة، خصوصاً عن طريق تجنيد البسطاء والسذج من المسلمين الذين يصدقون تلك الدعوات.

إن تسيّس الدين بالصورة التي نراها اليوم يهدف بالأساس إلى إحداث الفرقة في المجتمع ونشر الكراهية والاقتتال بين أفراده، وهذا ما جعل السياسيون والمفكرون الغربيون يمتنعون عن وصف المسيحية واليهودية بالسياسية على الرغم من وجود أدلة كثيرة عليها، وحصر استعمال المصطلح بالإسلام السياسي فقط. ومما يدعو للأسف إن سياسينا ومفكرينا صدقوا تلك الدعوات واستعملوها في أقوالهم وكتاباتهم فنشأة الفرقة والاقتتال بين أفراد المجتمع.

***

د. صائب المختار

 

تأليف: أُ. د. عبد السَّلام عبد الكريموفيتش غوسينوف

ترجمة: د. علي صغير

***

ﻓﻲ اﻟﻄَّﺒﯿﻌﺔ، يُصْبِحُ العديدُ ﻣﻦ الظَّواهر معروفًا ﺑﻌﺪ اكتشافه ﻓﻲ ﺳﯿﺮورة اﻟﻤﻌﺮﻓﺔ اﻟﻌﻠﻤﯿَّﺔ، وﻏﺎﻟﺒًﺎ ﻣﺎ ﺗﺤﻤﻞ هذه الظَّواهر اﻟﻤُﻜْﺘَﺸَﻔَﺔُ ﺣﺪﯾﺜًﺎ أﺳﻤﺎء مكتشفيها: أﻣﺒﯿﺮ، ﻓﻮﻟْﺖ، ﺟَﺪْوَل ﻣﻨﺪﻟﯿﯿﻒ، ﻣُﺬﻧَّﺐ هالي، ﺑﻮزون هيغز، ﻣُﺆﺷِّﺮ ﻣﺎﺳﻠﻮف، وإﻟﺦ. أمَّا ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، فهذا ﻧﺎدِرٌ ﺟِﺪًّا. ذلك أنَّ العلوم اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ ﺗﺘﻌﺎﻣﻞ، عادةً، ﻣﻊ الظَّواهر الَّتِي اجتازت المُعالَجَة اﻷوَّﻟﯿَّﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮى اﻟﻮﻋﻲ اﻟﯿﻮﻣﻲِّ، وحصلت ﺧﻼل هذه اﻟﻤُﻌﺎﻟَﺠَﺔ ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ ﻋﻠﻰ ﺗﺴﻤﯿﺎتها. وﻟﻜِﻦْ اﻷﻛﺜﺮ ﻗﯿﻤﺔً هُوَ ﺗﻠﻚ اﻻﺳﺘﺜﻨﺎءات الَّتِي ﺗﻜﻮن فيها اﻟﻤﻌﺮﻓﺔ اﻟﻌﻠﻤﯿَّﺔ للظَّاهرة اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ هِيَ، ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ عينه، اكتشافًا لها، وكشفًا أوَّليًّا يميط اللّثام عنها ويفتح اﻷﻋﯿُﻦ عليها، ويحمل اﺳْﻢَ اﻟﺒﺎﺣﺚ نَفْسِه. ﻟﯿﺲ اﻟﻤﻘﺼﻮد هُنا المذاهب أو اﻟﻨَّﻈﺮﯾَّﺎت اﻟَّﺘِﻲ هِيَ إﺑﺪاﻋﺎت ﻓﺮدﯾَّﺔ، وﺑﺎﻟﺘَّﺎﻟﻲ، ﺗﺤﻤﻞ تلقائيًّا أﺳﻤﺎء مبدعيها اﻟﻌﯿﺎﻧﯿّﯿﻦ، ﻛﻤﺎ ﻓﻲ اﻟﻜﺎﻧﻄﯿَّﺔ، واﻟﻤﺎرﻛﺴﯿَّﺔ، واﻟﻔﺮوﯾﺪﯾَّﺔ،،،، وإﻟﺦ. فاﻟﺤﺪﯾﺚ إنَّما هُوَ ﻋﻦ ﺷﻲءٍ آﺧَﺮَ – ﻋﻦ الظَّواهر اﻟﻮاﻗﻌﯿَّﺔ ذاتها ﻟﻠﻤﻤﺎرﺳﺔ اﻟﺒﺸﺮﯾَّﺔ اﻟَّﺘِﻲ ﯾُﺸﺎرُ إليها ﺑﺄﺳﻤﺎء اﻷﺷﺨﺎص اﻟَّﺬِﯾﻦ عرفوها ﺑِﻌُﻤْﻖٍ ﻷوَّلِ ﻣَﺮَّةٍ ﻛﻤﻔﻜِّﺮﯾﻦ أو اﻟَّﺬِﯾﻦ خَبِروها ومارسوها بانتظامٍ ﻛﺄﻓﺮاد. وهِيَ ﺗُﺴَﻤَّﻰ بأسمائهم، لأنَّها ﻗﺒﻞ ذﻟﻚ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻗﺪ مُيِّزت، وﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻣﺮﺋﯿَّﺔً، وﻟﻢ تكن مُدرَجةً ﻓﻲ ﻓﻀﺎء اﻟﻠُّﻐﺔ، وﻟﻢ تكن لها دﻻﻟﺔٌ ﺧﺎﺻَّﺔ. وﺑﺬﻟﻚ ﺗﻜﺘﺴﺐ هذه اﻷﺳﻤﺎء ﻣﻌﻨًﻰ عامًّا غَيْرَ ﺷﺨﺼﻲٍّ، وﺗﺼﺒﺢ مفاهيم، وهذا ﻣﺎ ﯾﻤﻜﻦ اﻋﺘﺒﺎره ﻓﻲ ﺣَﺪِّ ذاته دليلًا ﻋﻠﻰ القيمة الجوهريَّة ﻟﻼﻛﺘﺸﺎﻓﺎت اﻟَّﺘِﻲ ﻗﺎم بها هؤلاء اﻷﺷﺨﺎص. هُنا ﯾﻌﻤﻞ اﻟﻤﻨﻄﻖ نَفْسُهُ الَّذِي تحمل بموجبه اﻟﺠﺰﯾﺮة اﻟﻤُﻜْﺘَﺸَﻔَﺔُ ﺣﺪﯾﺜًﺎ اِﺳْﻢَ مُكْتَشِفِها، ﻣِﻦْ مِثْلِ: اﻟﺤُﺐُّ اﻷﻓﻼطوﻧﻲُّ، اﻷﺑﯿﻘﻮرﯾَّﺔُ، اﻟﺒﻮﻧﺎﺑﺮﺗﯿَّﺔُ، اﻟﺴَّﺎدﯾَّﺔ، وغيرها. وتقع اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ الَّتِي يُقصَد بها اللَّاأخلاقيَّة اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ في صفِّ هذه الفئة، وترتبط بِاِسْمٍ ﻧﯿﻜﻮﻟﻮ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ- اﻟﻤﻔﻜِّﺮ واﻟﻜﺎﺗﺐ اﻟﻤﺴﺮﺣﻲِّ والنَّاشط السِّياسيِّ اﻹﯾﻄﺎﻟﻲِّ اﻟﻌﻈﯿﻢ ﻓﻲ أواﺧﺮ اﻟﻘﺮن اﻟﺨﺎﻣﺲ ﻋَﺸَﺮ وأواﺋﻞ اﻟﻘﺮن اﻟﺴَّﺎدس ﻋَﺸَﺮ. وﻓﻲ اﻵوﻧﺔ اﻷﺧﯿﺮة، ﯾﺘﺤﺪَّﺛﻮن ﻋﻦ اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿﺔ أﯾﻀًﺎ كنمطٍ ﻧَﻔْﺴِﻲٍّ وسُلوكيٍّ ﻣﻌﯿَّﻦ (ﺗﻼﻋﺒﻲٌّ وﻧﻔﺎﻗﻲٌّ في المبدإِ). ﻟﻜﻨَّﻨﺎ نَدَعُ هذا الشِّقَّ ﺟﺎﻧﺒًﺎ.

كانت اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ ﻛﺒُﻌْﺪٍ واﻗﻌﻲٍّ ﻟﻠﺴَّﯿﺎﺳﺔ ﻣﻮﺟﻮدةً ﻗﺒﻞ ﻧﯿﻜﻮﻟﻮ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺑﻜﺜﯿﺮ وﺑﻤﻌﺰلٍ عنه (1)، مثلما ﻛﺎن عالَمُ اﻟﺠﺴﯿﻤﺎت الأوَّليَّة ﻣﻮﺟﻮدًا، ﻛﻤﺎ ﯾُﻔْﺘَﺮَضُ، ﻗﺒﻞ أنْ ﺗﻜﺘﺸﻒ اﻟﻔﯿﺰﯾﺎء اﻟﻤُﻌﺎﺻِﺮة هذا اﻟﻌﺎﻟَﻢ. فمكيافيللي اكتشف فقط هذا اﻟﺒُﻌْﺪَ، ووَصَفَهُ، وبَحَثَ فيه، وأسَّسَ ضرورته ﻓﻲ إطار النَّظرة اﻟﻌﻠﻤﯿَّﺔ إﻟﻰ السِّياسة. وقد ﻛﺎن هذا اﻻﻛﺘﺸﺎف، ﻣﻦ ﻧﺎﺣﯿﺔٍ، واﺿﺤًﺎ ﺟِﺪًّا، وﻣﻦ ﻧﺎﺣﯿﺔٍ أُﺧﺮى، ﻏﯿﺮ ﻣﺘﻮﻗَّﻊٍ ﺗﻤﺎﻣًﺎ، وﺻﺎدﻣًﺎ، وﺣَﺘَّﻰ مُهينًا إلى درجةٍ أنَّه ﻟﻢ توجد ﻛﻠﻤﺔٌ أُﺧﺮى للدَّلالة عليه ﻏﯿﺮ اﺳْﻢِ ﻣﻦ ﻗﺎم بهذا اﻻﻛﺘﺸﺎف، أو ﻟِﻨَﻘُﻞ ﺑﺸﻜﻞٍ أدَقَّ: ﻣَﻦْ ﺗَﺠَﺮَّأَ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﯿﺎم به (2). السُّؤال الَّذِي أُريد طَرْحَهُ هُوَ الآتي: ﻣﺎ هِيَ حقيقةُ اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﯿﺮ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ نَفْسِهِ، وﻋﻠﻰ وَجْهِ اﻟﺨﺼﻮص، هَلِ اﻟﺤﺪﯾﺚُ هُوَ ﻋﻦ اللَّاأخلاقيَّة ﻓﻲ السِّياسة أمْ ﻋﻦ لاأخلاقيَّة السِّياسة ذاتها؟ اﻟﻔﺮق ﺑﯿﻦ اﻟﺼِّﯿﻐﺘﯿﻦ واﺿﺢ: اللَّاأخلاقيَّة في السِّياسة ﺗﻌﻨﻲ أنَّ اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة ﺗﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺗﺮﺳﺎﻧﺔ السِّياسة، وﯾﺠﺐ أنْ ﺗﻜﻮن مُكوِّنًا ﻣﻦ مكوِّناتها، وأنَّها ﺣﺎﺿﺮةٌ فيها حتمًا، وإنْ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ اﻟﻮﺣﯿﺪة؛ أﻣَّﺎ لاأخلاقيَّة السِّياسة ﻓﺘﻌﻨﻲ أنَّ السِّياسة نَفْسَها، حَسْبَ تعبير الصِّيغة الشَّائعة، هِيَ ﺷﻲءٌ ﻻأﺧﻼﻗﻲٌّ "وﻋﻤﻞٌ ﻗﺬرٌ"، وأنَّها ﻛﺬﻟﻚ ﻓﻲ اﻟﻤﻘﺎم اﻷوَّل وﻻ ﯾﻤﻜﻦ أنْ ﺗﻜﻮن ﻏَﯿْﺮَ ذﻟﻚ. وهُنا، ﺗﺒﺮز ﺣﺘﻤًﺎ ﻣﺴﺄﻟﺔٌ أﻛﺜﺮ ﻋﻤﻮﻣﯿَّﺔً تتعلَّق باﻟﻤﻘﺎم الأخلاقيِّ للسِّياسة، ومشروعيَّة ﺗﻄﺒﯿﻖ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ الأخلاقيَّة ﻋﻠﻰ النَّشاط السِّياسيِّ. وﻓﻲ اﻟﻌِﻠْﻢِ السِّياسيِّ اﻟﻤُﻌﺎﺻِﺮ، ﺳﺎدت النَّظرة الَّتِي تُخرِجُ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻣﻦ دائرة النَّقد الأخلاقيِّ. وﯾُﻌْﺘَﻘَﺪُ ﻋﻤﻮﻣًﺎ أنَّ هذه النَّظرة تعود، ﺗﺤﺪﯾﺪًا، إﻟﻰ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ (3). فَهَلْ هذا ﺻﺤﯿﺢٌ ﺣﻘًّﺎ؟ وهَلْ كان، بالفعل، فَصْلُ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻋﻦ اﻷﺧﻼق و"تحريرها" ﻣﻦ التَّقييمات الأخلاقيَّة هُوَ مَرامُ مذهب مكيافيللي الدَّقيق ومعناه العميق؟

وفي الحقيقة، ﻟﻢ ﯾﻘﺘﺼﺮ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﺗﺜﺒﯿﺖ واﻗﻌﺔ اﻻﺳﺘﺨﺪام اﻟﺤﺘﻤﻲِّ ﻟﻠﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة ﻓﻲ السِّياسة، ﺑَﻞْ إنَّه أقرَّ هذا اﻻﺳﺘﺨﺪام ﻧﻈﺮﯾًّﺎ، بإدراجه إﯾَّﺎه ﻛﻠﺤﻈﺔٍ مُهِمَّةٍ ﻓﻲ الفَهْمِ السَّليم للسِّياسة. يذهب ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ إﻟﻰ اﻟﻘﻮل إنَّ الرَّفض المبدئيَّ ﻟﻠﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة ﺑﺴﺒﺐ طبيعتها اللَّاأخلاقيَّة، ﯾُﻌَﺪُّ مُدمِّرًا للسِّياسة، وﯾﻨﻘﻠﺐ وَبَالًا ونَكَالًا ﻋﻠﻰ الشَّعب والدَّولة. فَهُوَ ﯾﻨﻈﺮ إﻟﻰ النَّشاط السِّياسيِّ-الحكوميِّ بعيونِ المنطق الخاصِّ بهذا النَّشاط، وبحياديَّة اﻟﺒﺎﺣﺚ الموضوعيِّ، ﻣﺘﺠﺎوزًا التَّقييمات الأخلاقيَّة اﻟﻤُﺤْﺘََﻤَﻠَﺔ له، أو ﻟِﻨَﻘُﻞْ ﺑﺸﻜﻞٍ أدَقَّ: معتبرًا هذه اﻟﺘَّﻘﯿﯿﻤﺎت ﻟﺤﻈﺔً ﺗﺎﺑﻌﺔً لِلسِّياسَةِ نَفْسِها.

ﺗﺘﻌﺎرضُ هذه اﻟﻨَّﻈﺮةُ اﻟﻤُﻌﻠَﻨَﺔُ ﺑﺼﺮاﺣﺔٍ وﻗﺴﻮةٍ واﺗِّﺴﺎقٍ ﻣﻊ ﺟﻤﯿﻊ التَّصوُّرات اﻟﻤﺄﻟﻮﻓﺔ، اﻟﻘﺎدﻣﺔ ﻣُﻨْﺬُ عَهْدِ أرﺳﻄﻮ ﺣﻮل ﻋﻼﻗﺔ اﻷﺧﻼق بالسِّياسة. وﻓﻲ رأﯾﻲ، ﯾُﻤْﻜِﻨُﻨﺎ الإبانَةُ عن اﻟﺠﺪﯾﺪ اﻟﺠﺬريِّ الَّذِي ﺟﺎء به ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻓﻲ معرفة السِّياسة، وفَهْمِ الأُسُس اﻟَّﺘِﻲ قامت عليها هذه المعرفة، بشكلٍ أفضلَ، إذا ﻣﺎ ﻗﺎرﻧَّﺎ مَوْقِفَهُ مِنْ هذه اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ بِمَوْقِفِ أرﺳﻄﻮ.

يُقَدِّمُ أرﺳﻄﻮ وﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ رؤﯾﺘﯿﻦ ﻣﺨﺘﻠﻔﺘﯿﻦ، ﺑَﻞْ وﻣﺘﻌﺎرﺿﺘﯿﻦ ﻓﻲ حدودهما، ﻟﻌﻼﻗﺔ اﻷﺧﻼق بالسِّياسة. ﻓﻲ اﻟﻮاﻗﻊ، ﯾﺮى أرﺳﻄﻮ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﺗﻌﺒﯿﺮًا عن الأخلاق وامتدادًا لها، وفضاءً أساسيًّا ﻟﻠﻮﺟﻮد اﻷﺧﻼﻗﻲِّ اﻟﻔﺎﺿﻞ ﻟﻸﻓﺮاد. وبخلاف أرسطو، يَفْصُلُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺑﯿﻦ هذين اﻟﻤﺠﺎﻟﯿﻦ، ﺑَﻞْ يعارض واحدهما بالآخر، ﻋﻠﻰ اﻷﻗَﻞِّ ﺟﺰﺋﯿًّﺎ، مُعتَقِدًا أنَّ السِّياسة هِيَ ﻣﺠﺎلٌ ﻣﺴﺘﻘﻞٌّ للنَّشاط وﺗَﺨْﻀَﻊُ لِمَنْطِقِها الخاصِّ، وهذا ما ﯾُﺆدِّي ﻏﺎﻟﺒًﺎ إﻟﻰ أنْ يكون الثَّمنُ المدفوعُ لقاء اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ النَّاجحة هُوَ انتهاك اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ. لكِنْ، هَلْ ﯾُﻤْﻜِﻦُ فَهْمُ هذا التَّأكيد الصَّائب بِحَدِّ ذاته للاختلاف ﺑﯿﻦ آراء مفكِّرَين ﻋﻠﻰ نَحْوٍ يبدو فيه أرﺳﻄﻮ حاملًا راية الدِّفاع ﻋﻦ اﻟﻨَّﻈﺮة الأخلاقيَّة إلى السِّياسة، ﺑﯿﻨﻤﺎ يبدو ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻣﻨﺎﺻﺮًا ﻟﻼأﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ؟ ﺳﺄﺣﺎول أنْ أُﺑَﯿِّﻦَ أوَّلًا: ﻋﻠﻰ اﻟﺮَّﻏﻢ ﻣﻦ ﺟﻤﯿﻊ اﻻﺧﺘﻼﻓﺎت اﻟﻨَّﻈﺮﯾَّﺔ الجوهريَّة بين أرسطو ومكيافيللي، فإنَّ هناك أﯾﻀًﺎ ﻗﻮاﺳﻢَ ﻣُﺸْﺘَﺮَﻛَﺔً ﻓﻲ المنهجيَّة ذاتها لتحليل ﻋﻼﻗﺔ اﻷﺧﻼق ﺑﺎﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ؛ ثانيًا، عدم جواز ﺗﻔﺴﯿﺮ مذهب ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻓﻲ هذه اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺑﺮوح التَّصوُّرات الشَّائعة عن اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ باعتبارها دفاعًا ﻋﻦ اللَّاأخلاقيَّة اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ.

وبالعودة إلى أرﺳﻄﻮ، يَجِدُ المنقِّبُ في روائع فلسفته الأخلاقيَّة والسِّياسيَّة ﺗﻌﺮﯾﻔﯿﻦ ﻟﻺﻧﺴﺎن ﻣﺮﺗﺒﻄﯿﻦ ارتباطًا جوهريًّا وﻻ ﯾﻤﻜﻦ فَهْمُ أحدهما بمعزلٍ عن الآخر: "اﻹﻧﺴﺎنُ هُوَ الكائن العاقل من بين كُلِّ اﻟﻜﺎﺋﻨﺎت اﻟﺤَﯿَّﺔ" (4)؛ و "اﻹﻧﺴﺎن بطبيعته ﻛﺎﺋﻦٌ ﺳﯿﺎﺳﻲٌّ" (5).

وإذ يَصْقُلُ الإنسانُ نَفْسَهُ ﻛﻜﺎﺋﻦٍ ﻋﺎﻗﻞٍ، فإنَّه يصبح فاضلًا أﺧﻼﻗﯿًّﺎ، وﯾُﻀﻔﻲ ﻋﻠﻰ أفعاله ﺻﻮرةً ﻛﺎﻣﻠﺔً، ويوجِّهها ﻧَﺤْﻮَ اﻟﺨﯿﺮ اﻷﺳﻤﻰ. فاﻟﺴِّﻤَﺔُ اﻷﺳﺎﺳﯿَّﺔُ اﻟﻘﺎﻋﺪﯾَّﺔ ﻟﻠﻔﻀﺎﺋﻞ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ (الإطيقيَّة) – هِيَ اﺗِّﺒﺎعُ اﻹﻧﺴﺎن ﻓﻲ سُلوكه لإرشادات اﻟﻌﻘﻞ، واﻷﺣﻜﺎم اﻟﺼَّﺤﯿﺤﺔ. فاﻹﻧﺴﺎن ﯾﻜﻮن فاضلًا ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻨﺘﻈﻢُ أﺟﺰاءُ نَفْسِهِ اﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ ﺑﻄﺮﯾﻘﺔٍ ﯾﺴﯿﻄﺮ فيها اﻟﻌﻘﻞ، وﺗَﺘَّﺒِﻊُ الشَّهوات والانفعالات توجيهاته، ﻛﻤﺎ ﯾﻄﯿﻊ اﻟﻄُّﻔﻞُ أﺑﺎهُ، وﻧﺘﯿﺠﺔً ﻟﺬﻟﻚ ﯾﺼﺒﺢ ﻗﺎدرًا ﻋﻠﻰ اﻟﻘﯿﺎم ﺑﺄﻓﻌﺎلٍ قيِّمةٍ ﻓﻲ ذاتها، ﺗﺤﻮي مقياسها ﻓﻲ داخلها.

ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﺘﺼﺮَّف اﻷﻓﺮاد ﻋﻠﻰ هذا اﻟﻨَّﺤْﻮِ، أيْ ﯾﺘﺼﺮَّﻓﻮن ﺑﻔﻀﯿﻠﺔٍ، وﯾَﺠِﺪونَ ﻓﻲ ﻛُﻞِّ ﻣَﺮَّةٍ اﻟﻮﺳْﻂَ الذَّهبيَّ اﻷﻣﺜﻞ ﻓﻲ الشَّهوات واﻷﻓﻌﺎل، ﻓﺈنَّ اﻟﻨَّﺘﯿﺠﺔ اﻟﺨﺎرﺟﯿَّﺔ واﻟﻤﺠﻤﻠﺔ لنشاطهم ﺗﻜﻮن هِيَ اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ-الدَّولة. اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ هِيَ اﻟﻌﻘﻞ المنبسط إﻟﻰ اﻟﺨﺎرج والمتجسِّد فيه، والنَّمط العقلانيُّ للوجود اﻹﻧﺴﺎﻧﻲِّ. فاﻹﻧﺴﺎن اﻟَّﺬِي يُظهر ذاته ﺑﺸﻜﻞٍ ﻓﻌَّﺎلٍ ﻛﻜﺎﺋﻦٍ ﻋﺎﻗﻞٍ، ﯾﺼﺒﺢ ﻛﺎﺋﻨًﺎ ﻣﺪﻧﯿًّﺎ. ﻟﻜِﻦْ، ﻓﻲ الوقت نَفْسِهِ، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻟﻺﻧﺴﺎن أنْ ﯾﺼﺒﺢ فاضلًا أﺧﻼﻗﯿًّﺎ، عاقلًا ﻓﻲ سُلوكه، إلَّا بِصِفَتِهِ ﻛﺎﺋﻨًﺎ ﺳﯿﺎﺳﯿًّﺎ ﻣﺪﻧﯿًّﺎ. وليست اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ ثمرة اﻟﻮﺟﻮد اﻟﻌﺎﻗﻞ-اﻟﻔﺎﺿﻞ ﻟﻸﻓﺮاد فقط، ﺑَﻞْ هِيَ ﻣﺼﺪره اﻟﺤﯿﻮيُّ الخلَّاق. ﻓﻔﻀﺎﺋﻞ أرﺳﻄﻮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﯿﺴﺖ ﺳِﻮى ﻋﺎداتٍ اﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔٍ، وﻋﻼﻗﺎتٍ ﺗُﻤﺎرس ﻓﻲ المدينة ﺑﯿﻦ اﻟﻨَّﺎس تَشَرَّبها اﻷﻓﺮاد، فصارت لَهُمْ هيئةً نفسيَّةً راسخة، وَصِفاتٍ مُكْتَسَبَةً، ومهاراتٍ سُلوكيَّة (6).

إنَّ اﻟﻔﻀﺎﺋﻞ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ باعتبارها النَّمط الأفضل ﻟﻠﺘَّﻔﺎﻋﻞ ﺑﯿﻦ اﻟﺠﺰء اﻟﻌﺎﻗﻞ واﻟﺠﺰء ﻏﯿﺮ اﻟﻌﺎﻗﻞ ﻣﻦ اﻟﻨَّﻔْﺲِ هِيَ، بحسب أرﺳﻄﻮ، ﺻِﻔﺎتٌ إﻧﺴﺎﻧﯿَّﺔٌ ﺑﺤﺘﺔ. ﻓﺎﻟﺤﯿﻮاﻧﺎت والآلهة ﺗﻔﺘﻘﺮ إليها، ﻷنَّ اﻷُوﻟﻰ ﺗﻔﺘﻘﺮ إﻟﻰ اﻟﻌﻘﻞ، بينما تفتقر اﻟﺜَّﺎﻧﯿﺔ إﻟﻰ الشَّهوات. وبِالمِثْلِ ﯾَﺼِﻒُ أرﺳﻄﻮ ﻣﻜﺎنة المدينة-اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻓﻲ ﺣﯿﺎة اﻹﻧﺴﺎن: "اﻹﻧﺴﺎن.ُ.. ﺧﺎرج الدَّولة – إﻣَّﺎ ﻛﺎﺋﻦٌ ﻏﯿﺮ ﻣُﻜْﺘَﻤِﻞِ اﻟﻨُّﻤُﻮِّ ﻣﻦ اﻟﻨَّﺎﺣﯿﺔ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ وإمَّا إﻧﺴﺎنٌ خارقٌ وﻓﻮق اﻟﻌﺎدة" (7).

إنَّ دوﻟﺔ أرﺳﻄﻮ ﻟﯿﺴﺖ أداةً ﻟﻠﻔﻀﯿﻠﺔ، ﺑَﻞْ هِيَ اﻟﻔﻀﯿﻠﺔ ﻣﺠﺴَّﺪةً بذاتها. فَهِيَ ﺗﻤﺜِّﻞ اﺗِّﺤﺎدًا للمواطنين اﻷﺣﺮار، ﺗﻨﺸﺄُ ﻓﻲ إطار سعيهم ﻧَﺤْﻮَ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﻄَّﯿِّﺒﺔ واﻟﻮﺟﻮد اﻟﻜﺎﻣﻞ واﻟﻤﻜﺘﻔﻲ بذاته: "اﻟﺘَّﻮاﺻُﻞُ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲُّ... ﯾﻮﺟﺪُ ﻣِﻦْ أﺟْﻞِ العمل الفاضل، وﻟﯿﺲ ﻣِﻦْ أﺟْﻞِ اﻟﻌﯿﺶ اﻟﻤُﺸْﺘَﺮَكِ فقط" (8). فاﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻟﯿﺴﺖ ﻓﻲ اﻻرﺗﺒﺎط ﺑﺈﻗﻠﯿﻢٍ ﻣﺸﺘﺮَكٍ، وﻻ ﻓﻲ اﻟﺠﺪران. على ما ﯾﻘﻮل أرﺳﻄﻮ، ﺑﺠﺪارٍ واﺣﺪٍ ﯾﻤﻜﻦ ﺗﺤﺼﯿﻦ ﻛُﻞِّ البيلوبونيز، لكِنَّه ﻟﻦ ﯾﺼﺒﺢ ﺑﺬﻟﻚ دوﻟﺔً، ﻛﻤﺎ أنَّ اﻟﺴُّﻮرَ ﻟﻢ ﯾﺠﻌﻞ ﺑﺎﺑﻞَ دوﻟﺔً. فاﻟﻨَّﺎس لا يتَّحِدون ﻓﻲ اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻣﻦ أﺟْﻞِ اﻟﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﯿﺎة وحمايتها فحسب، ﺑَﻞْ ﻣﻦ أﺟْﻞِ إﺿﻔﺎء ﺻِﻔَﺔِ اﻟﻜﻤﺎل ﻋﻠﻰ اﻟﺤﯿﺎة أيضًا.

السِّياسة – هِيَ اﻟﻔﻀﺎء العامُّ الَّذِي ﯾﻨﺸﺄُ ﻓﻮق اﻟﻌﻼﻗﺎت الأُسَرِيَّةِ واﻻﻗﺘﺼﺎدﯾَّﺔِ وغيرها ﻣﻦ اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻟﻤﻮﺟﻮدة ﻣﻦ أﺟْﻞِ اﺳﺘﻤﺮار اﻟﺤﯿﺎة واﻟﺤﻔﺎظ عليها وحمايتها. إنَّها ﺗﻘﻊ ﻓﻲ ﻣﺎ وراء اﻟﺤﺎﺟﺔ، وتمثِّل تواصلًا ﺣُﺮًّا ﺑﯿﻦ المواطنين. وهِيَ تتشكَّل ﻋﻨﺪﻣﺎ يتحوَّل اﻟﺨﯿﺮ اﻷﺳﻤﻰ ﻟﻸﻓﺮاد اﻟﻤﻨﻔﺼﻠﯿﻦ إﻟﻰ ﺧﯿﺮٍ ﻣُﺸْﺘَﺮَكٍ ﻟﺠﻤﯿﻊ المواطنين، وﯾﺘﺮﺳَّﺦ اﻟﻨِّﻈﺎم اﻟﻔﺎﺿﻞ ﻟﻠﻨُّﻔﻮس اﻟﻔﺮدﯾَّﺔ ﻓﻲ اﻟﻨِّﻈﺎم اﻟﻌﺎدل للكيان-اﻟﺪَّوﻟﺔ. إذ إنَّ "الدَّولة ﻟﯿﺴﺖ ﻣﺠﺮَّد ﻣﺸﺎعٍ مشترَكٍ ﻟﻠﺴَّﻜﻦ. وﻟﻢ ﺗُﺨْﻠَﻖْ ﻷﺟْﻞِ ﻣَﻨْﻊِ الإساءات اﻟﻤﺘﺒﺎدﻟﺔ أو ﻷﺟْﻞِ تسهيل اﻟﺘَّﺒﺎدل. وﺑﺎﻟﻄَّﺒﻊ، ﯾﺠﺐ أنْ ﺗﺘﻮاﻓﺮ ﻛُﻞُّ هذه اﻟﺸُّﺮوط ﻟﻮﺟﻮد اﻟﺪَّوﻟﺔ، وﻟﻜِﻦْ، ﺣَﺘَّﻰ ﻣﻊ توافرها جميعها، ﻟﻦ تكون اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻗﺪ وُﺟِﺪَتْ ﺑَﻌْﺪُ؛ فَهِيَ تَظْهَرُ ﻓﻘﻂ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﻨﺸﺄُ ﺗﻮاﺻُﻞٌ ﺑَﯿْﻦَ اﻷُﺳَﺮِ واﻟﻌﺸﺎﺋﺮ ﻣﻦ أﺟْﻞِ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﻄَّﯿِّﺒﺔ، ومن أجْلِ اﻟﻮﺟﻮد اﻟﻜﺎﻣﻞ اﻟﻤﻜﺘﻔﻲ والقيِّم بذاته" (9).

وهكذا، ﻓﺎﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ﻛﻤﺎ يفهمها أرﺳﻄﻮ، ﻟﯿﺴﺖ ﻣُﻜَﺒَّﻠَﺔً ﺑﻄﻮقٍ ﺧﺎرﺟﻲٍّ ﻣﻦ اﻟﻘﯿﻮد اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ، إنَّها أﺧﻼﻗﯿَّﺔٌ ﻓﻲ ذاتها وﺑﻘﺪر ﻣﺎ تهدف إﻟﻰ اﻟﺨﯿﺮ اﻟﻌﺎمِّ، وتُطَبِّقُ اﻟﻌﺪاﻟﺔ ﺑِﻜِﻠْﺘﺎ دﻻﻟَﺘَﻲِ اﻟﻤﺼﻄﻠﺢ اﻟﻠَّﺘَﯿْﻦِ مَيَّزَهُما أرﺳﻄﻮ – ﻛﻤﺮادفٍ ﻟﻠﻔﻀﺎﺋﻞ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﺑﺎﻟﺼُّﻮرة الَّتِي تظهر بها ﻓﻲ اﻟﻌﻼﻗﺎت ﻣﻊ اﻵﺧﺮﯾﻦ (اﻟﻌﺪاﻟﺔ اﻟﻌﺎﻣَّﺔ)، وﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ نَفْسِهِ، ﻛﻔﻀﯿﻠﺔٍ مميَّزةٍ ﻟﻠﻤﺆﺳَّﺴﺎت الدَّولويَّة (اﻟﻌﺪاﻟﺔ اﻟﺨﺎﺻَّﺔ) اﻟَّﺘِﻲ ﺗﺤﺪِّد اﻟﻤﻘﯿﺎس اﻷﺧﻼﻗﻲَّ ﻟﺘﻮزﯾﻊ ﻣﻨﺎﻓﻊ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﻤُﺸْﺘَﺮَﻛَﺔ ومَشاقِّها. اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ واﻷﺧﻼق، بحسب أرﺳﻄﻮ، هُما ﻓﻲ اﻷﺳﺎس الشَّيءُ نَفْسُه. وإذا ﻛﺎن ﻻ بُدَّ من تبيان ما هُوَ مصدريٌّ وأوَّليٌّ ﻓﻲ هذه اﻟﺜُّﻨﺎﺋﯿَّﺔ اﻟﻤﺘﺮاﺑﻄﺔ واﻟﻤﺘﺪاﺧﻠﺔ، فإنَّه سيكون، ﺑﻼ أدنى شَكٍّ، اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ. فاﻹﻧﺴﺎن لا ﯾﻜﻮن أﺧﻼﻗﯿًّﺎ إلَّا بِصِفَتِه مواطنًا ﻓﻲ اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ.

ﯾُﺴَﻤِّﻲ أرﺳﻄﻮ الإطيقا ﻋِﻠْﻤًﺎ ﺳﯿﺎﺳﯿَّﺎ، ﺑَﻞْ اﻟﻌِﻠْﻢَ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲَّ اﻟﺮَّﺋﯿﺲ. ﻓﺎﻷﺧﻼق هِيَ اﻟﻌِﻠْﻢُ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲُّ اﻷﺳﻤﻰ، لأنَّها ﺗﻨﻈﺮ إﻟﻰ اﻟﻨَّﺸﺎط اﻹﻧﺴﺎﻧﻲِّ اﻟﻮاﻋﻲ ﻣﻦ ﻣﻨﻈﺎرٍ ﯾﻘﻮد إﻟﻰ اﻟﺨﯿﺮ اﻷﺳﻤﻰ. وهذا ﻣﻤﻜﻦ ﻓﻘﻂ ﺑﻘﺪر ﻣﺎ ﯾﺪﺧﻞ اﻷﻓﺮاد اﻟﺴَّﺎﻋﻮن إﻟﻰ اﻟﺨﯿﺮ اﻷﺳﻤﻰ ﻓﻲ ﺗﻮاﺻُﻞٍ بَعْضُهُمْ مع بعضٍ، وﯾﻨﻈِّﻤﻮن أنْفُسَهُمْ كمواطنين أﺣﺮار ﻓﻲ دوﻟﺔ. ﻓﻔﻲ اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻓﻘﻂ ﯾُﻤْﻜِﻦُ أنْ ﯾﺘﺤﻘَّﻖ اﻟﻨَّﺸﺎط اﻟﻤُﻨﺎﺳِﺐ اﻟَّﺬِي ﯾُﻤَﻜِّﻦُ الأفراد ﻣﻦ مزاولة فضائلهم، وأنْ يتيسَّر تأمين فضاء الوقت الحُرِّ اﻟﻀَّﺮوريِّ لتطوير مَلَكاتِهِمْ وبلوغ كمالهم. ﻓﺎﻷﺧﻼق واﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، وَفْقًا لأرسطو، ﻣﺮﺗﺒﻄﺘﺎن بعضهما ببعض على نَحْوٍ تتضاعف فيه اﻟﻮاﺣﺪة منهما بالأُخرى وتكون اﻣﺘﺪادًا لها. وقد لا نحيد عن جادَّة الصَّواب إنْ قُلْنا، ﻓﻲ إطار هذا الفَهْمِ، إنَّ اﻷﺧﻼق هِيَ ﺳﯿﺎﺳﺔ اﻟﺤﯿﺎة الفرديَّة، واﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ هِيَ أﺧﻼق اﻟﻮﺟﻮد اﻟﺠَﻤﺎﻋﻲِّ.

وﺑﺎﻟﻄَّﺒﻊ، فقد أدرَكَ أرسطو ﺟَﯿِّﺪًا أنَّ وﺣﺪة اﻷﺧﻼق واﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻓﻲ اﻟﺘَّﺠﺮِﺑﺔ اﻟﻮاﻗﻌﯿَّﺔ ﻟﻠﺤﯿﺎة اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ لا تظهر إلَّا ﻋَﺒْﺮَ ﺳﻠﺴﻠﺔٍ ﻣﻦ اﻻﻧﺤﺮاﻓﺎت اﻟﺤﺘﻤﯿَّﺔ. ﻓﺎﻟﺘَّﺸﺮﯾﻌﺎت الفعليَّة للمدن اﻟﻮاﻗﻌﯿَّﺔ يمكنها فقط أنْ ﺗﻘﺘﺮب ﻣﻦ اﻟﻜﻤﺎل؛ وﻓﻲ ﺣﺎﻻتٍ ﻛﺜﯿﺮةٍ ﻻ ﺗﺘﻄﺎﺑﻖ ﻓﻀﯿﻠﺔ المواطن ﻣﻊ ﻓﻀﯿﻠﺔ اﻹﻧﺴﺎن اﻟﺼَّﺎﻟﺢ. ﻟﻜِﻦْ، ﺣَﺘَّﻰ اﻟﺘَّﺸﺮﯾﻌﺎت اﻟﻜﺎﻣﻠﺔ ﻟﯿﺴﺖ ﺿﻤﺎﻧًﺎ ﻟﻜﻤﺎل اﻟﻮﺟﻮد المدنيِّ. وذلك لأنَّ اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ، قبل كُلِّ شيءٍ، ﻋﺎﻣَّﺔٌ، ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻷﻓﻌﺎل داﺋﻤًﺎ مفردة. وتاليًا، لأنَّ المدينة-الدَّولة وإنْ كانت تواصُلًا بين المواطنين اﻷﺣﺮار ﯾُﺒﻨﻰ ﻓﻮق ﻣﺠﺎل اﻟﻤﻨﺎزل اﻟﺨﺎﺻَّﺔ واﻟﻤﺼﺎﻟﺢ اﻟﻤﺮﺗﺒﻄﺔ بها، فإنَّها ليست منفصلةً عنها ﺑﺠﺪارٍ حصينٍ ﻏﯿﺮ قابلٍ للاختراق، وﯾﻤﻜﻦ أنْ تُحْدِثَ هذه المصالح فيها ﺗﺄﺛﯿﺮًا مُشَوِّهًا. وأﺧﯿﺮًا، تحمل إدارة المدينة-الدَّولة، بما تضمُّه من ﻣﻨﺎﺻﺐ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ وﺗﻨﻈﯿﻢٍ للسُّلطة اﻟﻌﻠﯿﺎ، ﻓﻲ طيَّاتها أﯾﻀًﺎ مخاطر تقويض التَّناسب ﺑﯿﻦ السَّيطرة واﻟﺨﻀﻮع، اﻟﻘﺎدرة ﻋﻠﻰ ﺗﺪﻣﯿﺮ المساواة بين المواطنين.

إنَّ ﻛُﻞَّ اﻷﺧﻄﺎر والتَّحدِّيات اﻟﻮاﻗﻌﯿَّﺔ ﺟِﺪًّا واﻟﻜﺜﯿﺮة ﻓﻲ طريق المدينة-الدَّولة ﻻ ﺗﻌﻨﻲ ﺳِﻮى أنَّ المدينة-الدَّولة نَفْسَها ﻻ توجد ﻛﻤﻌﻄًﻰ جاهزٍ، ﺑَﻞْ كجهودٍ ﻋﻤﻠﯿَّﺔٍ، وﺗﻮاﺻُﻞٍ ﻓﻌَّﺎلٍ ﺑِﺎﺳْﻢِ غايات سامية ونبيلة. ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻛﻤﺎ أنَّ اﻟﻔﻀﺎﺋﻞ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﻸﻓﺮاد – ليست ﺷﯿﺌًﺎ يمتلكونه في جَبْلَتِهِمْ، ﺑَﻞْ ﺷﯿﺌًﺎ يكتسبونه ويُظهرونه ﻓﻲ أفعالهم، فكذلك ليست المدينة ﺑﯿﺌَﺔً ﺧﺎرﺟﯿَّﺔً وشرطًا ﻟﻠﺤﯿﺎة اﻟﻔﺎﺿﻠﺔ، ﺑَﻞْ هِيَ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﻔﺎﺿﻠﺔ نَفْسُها ﻓﻲ حالتها النَّاشطة. وﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﺘﺤﺪَّث أرسطو عن اﻟﺴَّﻌﺎدة، فإنَّه ﯾُﻤﯿِّﺰ ﺑﯿﻦ اﻟﺸُّﺮوط اﻟﺨﺎرﺟﯿَّﺔ اﻟﻀَّﺮورﯾَّﺔ لها والعمل وَﻓْﻘًﺎ ﻟﻠﻔﻀﯿﻠﺔ. وفي ما يخصُّ المدينة فقد أكَّدَ أيضًا أنَّها فضاء اﻟﺤﯿﺎة اﻟﺴَّﻌﯿﺪة ﻟﯿﺲ ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﻤﺸﺮوط، ﺑَﻞْ ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﻤﺒﺎﺷﺮ والتَّامِّ. فالمدينة-الدَّولة – ﻟﯿﺴﺖ ﻣﺠﻤﻮع أﻓﺮادٍ، إنَّما هِيَ عِبارَةٌ عن كيانٍ كُلِّيٍّ مُوَحَّدٍ، لكِنَّه ﻣﻦ اﻟﻨَّﻮع اﻟَّﺬِي ﻻ ﯾﺘﻨﺎﻗﺾ ﻣﻊ المواطنين الأفراد. وهِيَ من حيث أهدافها وجهودها اﻟﺠﻤﺎﻋﯿَّﺔ اﻟﻤﺘﻨﺎﻏﻤﺔ تصبو إﻟﻰ المكان نَفْسِهِ اﻟَّﺬِي يصبو إليه ﻛُﻞُّ إﻧﺴﺎن-مواطن ﻓﺎﺿﻞ. إنَّه ﯾﻤﺜِّﻞ توحيدًا لجهود اﻷﻓﺮاد اﻟﻔﺎﺿﻠﯿﻦ، ما داموا يَسْعَوْن إلى أنْ ﯾﻜﻮﻧﻮا ﻓﺎﺿﻠﯿﻦ: "ﻓﻀﯿﻠﺔ المواطنين واﻟﺤﺎﻛﻢ مُماثِلَةٌ ﻟﻔﻀﯿﻠﺔ أﻓْﻀَﻞِ إﻧﺴﺎنٍ" (10). وﻣِﺜْﻞُ هذا اﻟﺘَّﻄﺎﺑﻖ ﻣﻮﺟﻮد ﻓﻲ إطار اﻟﺪَّوﻟﺔ اﻟَّﺘِﻲ ﺗﺘﻮاﻓﻖ ﻣﻊ وظيفتها، وهذه الوظيفة واﺣﺪة "ﻋﻨﺪ أﻓْﻀَﻞِ إﻧﺴﺎنٍ، كما ﻋﻨﺪ أﻓْﻀَﻞِ ﻧﻈﺎمٍ دولويٍّ" (11). ﻟﻜِﻦَّ المُهِمَّ ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إﻟﯿﻨﺎ هُوَ اﻟﺘَّﺄﻛﯿﺪ أنَّ هذا التَّطابُقَ، ﻣﻦ وجهة ﻧﻈﺮ أرﺳﻄﻮ، ﻣﻤﻜﻦٌ ﻣﻦ ﺣﯿﺚ اﻟﻤﺒﺪإِ.

وﻛﻤﺎ أشرنا آنِفًا، ﯾﺒﺤﺚ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻓﻲ اﻟﺪَّوﻟﺔ ﺑﻤﻮﺿﻮﻋﯿَّﺔٍ وﺣِﯿﺎدٍ؛ إذ إنَّ تحليله ﺧﺎلٍ ﻣﻦ اﻟﻘﯿﻮد واﻟﺘَّﻘﯿﯿﻤﺎت اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ، وهُوَ بهذا اﻟﻤﻌﻨﻰ واﻗﻌﻲٌّ وﻋﻠﻤﻲٌّ ﺑﺤﺖ. ﻟﻜِﻦْ ﻣﻊ ذﻟﻚ، ليست اﻟﺪَّوﻟﺔ ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إليه ﻣُﺠَﺮَّدَ ﻣﻮﺿﻮعٍ، ﯾﻜﻮن هُوَ نَفْسُهُ ﻛﺒﺎﺣﺚٍ ﻣُﺮاﻗِﺒًﺎ ﺧﺎرﺟﯿًّﺎ وﻏﯿﺮ ﻣﺒﺎلٍ تُجاهها. كَلَّا، فَهِيَ ﺗﻤﺜِّﻞ ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إليه ﻗﯿﻤﺔً ﻋﺎﻟﯿﺔً، ﺑَﻞْ أﻋﻠﻰ ﻗﯿﻤﺔ. وهُوَ ﻻ يبحث في اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻓﺤﺴﺐ، ﺑَﻞْ يبحث فيها ﻣﻦ زاوﯾﺔ اﻟﺸُّﺮوط اللَّازمة لتقويتها وازدهارها. ﯾﺪرس ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ اﻟﺪَّوﻟﺔ اﻟﻘﻮﻣﯿَّﺔ ﻓﻲ أﻛﺜﺮ ﻣﺮاﺣﻞ تكوُّنها دراﻣﺎﺗﯿﻜﯿَّﺔً، وهُوَ منهمكٌ ﺑﻤﺸﻜﻠﺔ ﺗﻮﺣﯿﺪ إﯾﻄﺎﻟﯿﺎ، وتحريرها ﻣِﻦَ اﻟﺘَّﺒﻌﯿَّﺔ اﻷﺟﻨﺒﯿَّﺔ، وﻣِﻦَ اﻟﻌﺎرِ واﻟﻌﺒﻮدﯾَّﺔ، على ما ﯾﻘﻮل هُوَ نَفْسُه. وباﻋﺘﺮافه بالمقام اﻟﻘﯿﻤﻲِّ اﻟﺮَّﻓﯿﻊ ﻟﻠﺪَّوﻟﺔ، ﯾﻮاﺻﻞ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ اﻟﻨَّﻈﺮة التَّقليديَّة اﻷرﺳﻄﯿَّﺔ، لكِنَّه، وبخلاف اﻷﺧﯿﺮة، ﻻ ﯾﻌﺘﻘﺪ أﺑﺪًا أنَّ ﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ وﺧﯿﺮ اﻟﻔﺮد ﻣﺘﻄﺎﺑﻘﺎن. وهُوَ ﯾﺪرك أنَّ اﻟﺪَّوﻟﺔ هِيَ ﻛﯿﺎنٌ ﺟﻤﺎﻋﻲٌّ له منطقه وقوانينه الخاصَّة المتمايزة ﻋﻦ المنطق الفرديِّ. فَخَيْرُ الدَّولة ﻟﯿﺲ ﺗﻌﺒﯿﺮًا ﻋﻦ خير الأفراد المنفصلين أو امتدادًا له، ﺑَﻞْ ﯾﺨﺘﻠﻒ عنهم ويتعارض معهم ويعلو عليهم. إذ إنَّ الدَّولة، في نظر مكيافيللي، ﻓﻮق ﻛُﻞِّ ﺷﻲءٍ واعتبار. وفي مقام الكلام على إنقاذ الوطن وحُرِّيَّته، ﯾﺠﺐ اﻟﺘَّﺨﻠَّﻲ ﻋﻦ ﻛُﻞِّ اﻻﻋﺘﺒﺎرات اﻟﻤﺘﻌﻠِّﻘﺔ ﺑﺎﻟﻌﺪاﻟﺔ واﻟﺮَّﺣﻤﺔ، وحَتَّى ﻧﺴﯿﺎن ﻛُﻞِّ ﺷﻲءٍ آﺧﺮ عمومًا، ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ذﻟﻚ النَّفْسُ اﻟﺨﺎﺻَّﺔ. وفي معرض وَصْفِهِ للصَّفحات اﻟﺒﻄﻮﻟﯿَّﺔ ﻣﻦ ﺗﺎرﯾﺦ ﻓﻠﻮرﻧﺴﺎ، ﯾُﺆﻛِّﺪ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ بإعجابٍ شديدٍ أنَّ "المواطنين ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻟﻮﻗﺖ ﻛﺎﻧﻮا يهتمُّون ﺑﺈﻧﻘﺎذ الوطن أﻛﺜﺮ ﻣﻦ اهتمامهم بإنقاذ أرواحهم" (12). ﻓﻤﺎ ﯾُﺴَﻤَّﻰ باللَّاأخلاقيَّة ﻟﺪى ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، ﯾﻨﺒﻊ ﻣﻦ التَّوجُّه اﻟﻘﯿﻤﻲِّ لفلسفته اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ اﻟَّﺬِي يؤكِّد أنَّ ﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ يعلو على ﺧﯿﺮ اﻷﺟﺰاءِ اﻟﻤُﻜَﻮِّﻧَﺔِ لها، وعلى خير المواطنين الأفراد ومجموعاتهم.

وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻓﺈنَّ ﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ اﻟﻤﺠﺴَّﺪ، ﻋﻠﻰ وَجْهِ اﻟﺨُﺼﻮصِ، ﻓﻲ اﻟﺤﺎﻛﻢ، ﻏﺎﻟﺒًﺎ ما يتطلَّب ﺗﺠﺎوُزَ الخطِّ اﻟﻔﺎﺻﻞ ﺑﯿﻦ اﻟﺨﯿﺮ والشَّرِّ: "وينبغي للأمير الحاكم ألَّا يخشى اﻟﺴُّﻤﻌﺔ اﻟﺴَّﯿِّﺌﺔ ﻟﺘﻠﻚ اﻟﺮَّذاﺋﻞ اﻟَّﺘِﻲ من دونها ﯾَﺼْﻌُﺐُ عليه إﻧﻘﺎذ اﻟﺪَّوﻟﺔ" (13). يَحُثُّ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، حاشدًا اﻟﺤُﺠَﺞَ المنطقيَّة المعزَّزة، ﻗﺒﻞ ﻛُﻞِّ ﺷﻲءٍ، بوﻓﺮة اﻷﻣﺜﻠﺔ والشَّواهد اﻟﺘَّﺎرﯾﺨﯿَّﺔ، اﻟﺤﺎﻛﻢَ على ﻋﺪم اﻟﺨﻮف ﻣﻦ الاتِّهامات ﺑﺎﻟﻘﺴﻮة واﻟﺒﺨﻞ، وﻋﺪم اﻟﺨﻮف ﻣﻦ أنْ ﯾُﻮﺻَﻒَ بأنَّه ﻏَﯿْﺮُ أﻣﯿﻦٍ وﻛﺎذبٍ، ﻷنَّ هذه اﻷﻓﻌﺎل اﻟﻤﺮذوﻟﺔ ﯾﻤﻜﻦ أنْ ﺗﻜﻮن وﺳﺎﺋﻞ ﻣﻔﯿﺪةً ﻟﻠﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ اﻟﺴُّﻠﻄﺔ وإنجاز ﺗﻠﻚ المَهَمَّة اﻟﺘَّﺤﺮُّرﯾَّﺔ واﻟﺘَّﻮﺣﯿﺪﯾَّﺔ القوميَّة المُكَلَّفِ بها والمُؤتَمَنِ عليها. ويُخْتَتَم ﻛﺘﺎب ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺑﻤﺎ يُشْبِهُ نداءً تحريريًّا، ﯾﻘﻮل فيه اﻟﻤﻔﻜِّﺮُ ﻷﺟْﻞِ أيِّ ﺷﻲءٍ، ومِنْ أيِّ ﻣﻨﻈﺎر ﻣِﻦْ ﺑَﯿْﻦِ أُﻣﻮرٍ أُﺧﺮى كان ﯾﺪﻋﻮ اﻟﺤﺎﻛﻢ إﻟﻰ اﻟﺤﺴﻢ اﻟﻘﺎدر ﻋﻠﻰ ﺗﺠﺎوُزِ اﻟﻘﯿﻮد اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ: "ﻛﻤﺎ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ مهجورةً ﻣِﻦَ اﻟﺤﯿﺎة، ﺗﻨﺘﻈﺮ إﯾﻄﺎﻟﯿﺎ ﻣَﻦْ ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ أنْ يُداوي جراحها، وﯾﻀﻊ ﺣَﺪًّا لِنَهْبِ ﻟﻮﻣﺒﺎردﯾﺎ، وأخْذِ الإتاوات ﻓﻲ ﻧﺎﺑﻮﻟﻲ وﺗﻮﺳﻜﺎﻧﺎ، وﯾﻌﺎﻟﺞ اﻟﻘﺮوح المتقيِّحة ﻣﻨﺬ زﻣﻦٍ طويلٍ. اُﻧْﻈُﺮوا ﻛﯿﻒ ﺗﺘﻮﺳَّﻞ إﻟﻰ ﷲ أنْ ﯾُﺮْﺳِﻞَ إليها ﻣَﻦْ ينقذها ﻣِﻦْ قَسْوَةِ اﻟﺒﺮاﺑﺮة ووقاحتهم! اُﻧْﻈُﺮوا ﻛﺬﻟﻚ، ﻛﯿﻒ أنَّها ﻣُﺴْﺘَﻌِﺪَّةٌ ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻟﻼﻧﻀﻮاء ﺗﺤﺖ أيِّ راﯾﺔٍ، لِتَجِدَ فقط ﻣَﻦْ يرفعها" (14).

ﺑﺎﺧﺘﺼﺎر، يكمن اﻟﻮاﻗﻊ اﻟﻘﺎﺳﻲ اﻟَّﺬِي يرصده ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ويعترف به ﻧﻈﺮﯾًّﺎ، ﻓﻲ أنَّ اﻟﺨﯿﺮ من منظار غايات اﻟﻔﺮد أو اﻷﺧﻼق اﻟﻔﺮدﯾَّﺔ، واﻟﺨﯿﺮ من منظار ﻣﺼﺎﻟﺢ اﻟﺪَّوﻟﺔ واﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، أيْ أﺧﻼق اﻟﻔﺮد وأﺧﻼق اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ واﻟﺪَّوﻟﺔ ﯾﺘﺒﺎينان بعضهما عن بعض. وﻓﻲ هذا السِّياق، لا بُدَّ من إجراء تدقيقٍ مصطلحيٍّ. ففي اﻟﻨَّﻈﺮﯾَّﺔ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ، ﻻ ﯾﻮﺟﺪ ﺗﻘﻠﯿﺪ ﻟﻠﺘَّﻤﯿﯿﺰ ﺑﯿﻦ مفهومَيِّ اﻷﺧﻼق اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ وأﺧﻼق اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ. بَيْدَ أنَّ هذا اﻟﺘَّﻤﯿﯿﺰ مُهِمُّ ﺟِﺪًّا للفَهْمِ السَّليم لخصوصيَّة اﻷﺧﻼق. فاﻷﺧﻼق بطبيعتها ظاهرة اﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ وﺗﺎرﯾﺨﯿَّﺔ. إنَّها ﻛﺬﻟﻚ ﺗﺤﺪﯾﺪًا بِصِفَتِها اﺳﺘﺮاﺗﯿﺠﯿﺎ فرديَّة مسؤولة لسُلوك اﻷﻓﺮاد اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿّﯿﻦ، ﺗُﻌَﺒِّﺮُ، مبدئيًّا، ﻋﻦ المعالم الشَّخصيَّة لوجودهم. اﻷﺧﻼق اﻟﻔﺮدﯾَّﺔ (أﺧﻼق اﻟﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ) هِيَ اﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ، ﻋﻠﻰ الأقَلِّ، لاعتبارين اثنين: أوَّلًا، لأنَّ خطَّ اﻟﺴُّﻠﻮك اﻟﻤُﻌﺒَّﺮ عنه ﺷﺨﺼﯿًّﺎ ليس ممكنًا إلَّا ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، وﻷنَّ اﻟﻔﺮد لا يصير ﺷﺨﺼﯿَّﺔً إلَّا ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ وﺑِﻘُﻮَّةِ اﻟﻌﻤﻠﯿَّﺔ اﻟﺘَّﺎرﯾﺨﯿَّﺔ؛ وﺛﺎﻧﯿًﺎ، لأنَّها تُشكِّل ﻣﺼﺪر اﻟﻘُﻮَّة اﻟﺪَّاﺧﻠﯿَّﺔ ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻊ وصلابته وديناميَّته. ﯾﻤﻜﻦ اﻟﺤﺪﯾﺚ ﻋﻦ "أﺧﻼق" اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻓﻘﻂ إذا ما وضعناها ﺑﯿﻦ مُزدوجَيْنِ، وﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﻤﺸﺮوط واﻟﻤﺠﺎزيِّ ﻟﻠﻜﻠﻤﺔ. وذلك عائد إلى عدم وجود أﺷﺨﺎصٍ وﻣﺆﺳَّﺴﺎتٍ بإمكانها أنْ تكون صَوْتَهُ الأخلاقيّ. اﻟﻤﻘﺼﻮد هُوَ أنَّه لا وجود ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ لأشخاصٍ وﻣﺆﺳَّﺴﺎتٍ ﺗﺘﻤﺘَّﻊ ﺑﺤﻖٍّ حصريٍّ ﻣُﻌْﺘََﺮَفٍ به (ﺑِﻐَﺾِّ اﻟﻨَّﻈﺮ ﻋﻦ ﻧﻮع اﻻﻋﺘﺮاف – أرسميًّا كان أم ﻏﯿﺮ رﺳﻤﻲٍّ) – للتَّحدُّث ﺑِﺎﺳْﻢِ اﻷﺧﻼق، ﻋﻠﻰ النَّحْوِ، مثلًا، الَّذِي تتحدَّث فيه هذه الفئة أو تلك من اﻟﻤﺘﺨﺼِّﺼﯿﻦ أو اﻟﺨﺒﺮاء، وهُمْ، ﻓﻲ اﻟﻐﺎﻟﺐ، مراجعُ مؤهَّلةٌ وحَمَلَةُ شهاداتٍ عُليا، ﺑِﺎﺳْﻢِ ذﻟﻚ اﻷﻣﺮ المُعترَفِ والمشهودِ لَهُمْ بِباعِهِمِ الطَّويلِ فيه. فلا وجود ولم يكن يومًا ثَمَّةَ وجودٍ، ﺳﻮاءٌ ﻓﻲ ﻣﺮﺣﻠﺔ اﻟﺘَّﻘﺴﯿﻢ اﻟﻌﺸﻮاﺋﻲِّ للوظائف أو ﻓﻲ اﻟﻈُّﺮوف المُعاصِرة للعقلنة المتزايدة للحياة وﺗﻘﺴﯿﻢ اﻟﻌﻤﻞ، لمتخصِّصين ﺗَﻢَّ تفويضهم اﻟﺤﻖَّ ﻓﻲ ﺗﻤﺜﯿﻞ وجهة ﻧﻈﺮ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻓﻲ ﻣﺴﺎﺋﻞ اﻷﺧﻼق، ﻋﻠﻰ النَّحْوِ، مَثَلًا، الَّذِي ﯾُﻤَﺜِّﻞُ فيه اﻟﻘُﻀﺎةُ اﻟﺪَّوﻟﺔَ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﯿﺮ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﯿَّﺔ، ويُمَثِّلُها اﻟﺪِّﺑﻠﻮﻣﺎﺳﯿّﻮن ﻓﻲ ﺑﻨﺎء اﻟﻌﻼﻗﺎت ﻣﻊ الدُّول واﻟﺸُّﻌﻮب الأُخرى، وإﻟﺦ. فاﻟﻘﺮارات اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ هِيَ ﻣﺴﺄﻟﺔٌ ﺷﺨﺼﯿَّﺔٌ مَحْضٌ، وﻻ ﯾﻤﻜﻦ تفويضها ﻷﺣﺪ. ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻟﻠﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ أنْ ﺗُﻮﻛِﻞَ موقفها اﻷﺧﻼﻗﻲَّ ﻷﺣَﺪٍ، ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻛﻤﺎ ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻟﻠﻔﺮد اﻟﺤَﻲِّ أنْ ﯾﻨﻘﻞ ﺗﻨﻔﯿﺬ وظائفه الحيويَّة إلى أحد.

ﺳَﺠَّﻞَ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ التَّضارب ﺑﯿﻦ اﻟﻤﻮﻗﻒ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ ﻟﻠﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ واﻟﻤﻮﻗﻒ الوظيفيِّ ﻟﻠﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ، وبَيَّنَ حتميَّته. وهذا التَّضارُب ليس ﺻﺮاعًا ﺑﯿﻦ أﻓﺮاد ﻣﺨﺘﻠﻔﯿﻦ، ﺑَﻞْ داﺧﻞ الفرد الواحد ذاته. فالسِّياسيُّ الحاكم باعتباره فاعلًا سياسيًّا وﺣﺎﻛﻤًﺎ هُوَ أﯾﻀًﺎ ﺷﺨﺼﯿَّﺔ. لذا، ﻓﻘﻂ اﻟﺘَّﺤﻠﯿﻞ غير المتحيِّز واﻟﻤُﺤﺎﯾِﺪِ أخلاقيًّا ﻟﺘﻠﻚ اﻟﻘﺮارات واﻷﻓﻌﺎل اﻟﺒﺸﺮﯾَّﺔ اﻟﻀَّﺮورﯾَّﺔ، ﻣﻦ وجهة ﻧﻈﺮ ﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ، والفاعلة وظيفيًّا ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إلى السِّياسيِّ الرَّاغب ﻓﻲ أداء عمله ﺟَﯿِّﺪًا، هُوَ ما ﯾﺴﻤﺢ بِفَهْمِ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ نَفْسِها ودَوْرِ اﻷﺧﻼق فيها ﺑﺸﻜﻞٍ ﺳﻠﯿﻢٍ. وتكمن ﻣﻔﺎرﻗﺔ اﺳﺘﻨﺘﺎﺟﺎت ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻓﻲ أنَّ لاأخلاقيَّة اﻷﻓﻌﺎل اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ تُشَكِّل ﺟﺰءًا ﻻ ﯾﺘﺠﺰَّأ ﻣﻦ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ذاتها المفهومة واﻟﻤﺒﻨﯿَّﺔ ﺑﺸﻜﻞٍ صحيحٍ، ﻋﻠﻰ اﻷﻗَﻞِّ، ﺑﻘﺪر ﻣﺎ تُعَدُّ فيه السِّياسة واﻟﺪَّوﻟﺔ ذاتهما أشكالًا ذات قيمةٍ وأهمٍّيَّةٍ أﺧﻼﻗﯿَّﺔٍ ﻟﻠﺤﯿﺎة اﻟﺠَﻤﺎﻋﯿَّﺔ. ومن أجْلِ فَهْمِ ﻣﻮﻗﻒ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ من هذه المسألة وتقييمه على نحوٍ دقيقٍ، لا بُدَّ من تسليط الضَّوءِ على اﻟﻨُّﻘﻄﺘﯿﻦ الآتيتين:

1- ﻻ ﯾﺘﺨﻠَّﻰ مكيافيللي ﻋﻦ مفاهيم الفضيلة والرَّذيلة، الخير والشَّرِّ ذاتها. فالصِّفات من مِثْلِ اﻟﻘﺴﻮة، واﻟﺒﺨﻞ، واﻟﺨﺪاع، واﻟﻨِّﻔﺎق ﻻ تَكُفُّ ﻋﻦ كونها ﻗﺴﻮةً، وبخلًا، وﺧﺪاﻋًﺎ، وﻧﻔﺎﻗًﺎ، أيْ أنماط ﺳُﻠﻮكٍ قبيحةً ومذمومةً أﺧﻼﻗﯿَّﺎ، ﻟِﻤُﺠَﺮَّدِ أنَّها ﺗﺨﺪم مصلحة اﻟﺪَّوﻟﺔ. والحالُ أنَّ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺑﻌﯿﺪٌ ﻛُﻞَّ اﻟﺒُﻌْﺪِ من إﻋﺎدة ﺗﺴﻤﯿﺔ هذه التَّحريفات اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ، وﺗﺴﻤﯿﺔ اﻟﺸَّﺮِّ ﺧﯿﺮًا. ذلك أنَّ مكيافيللي اﻟَّﺬِي يدعو اﻟﺤﺎﻛﻢ إلى ﻋﺪم اﻟﺨﻮف ﻣﻦ أنْ ﯾﻜﻮن ﻣﻨﺎﻓﻘًﺎ، هُوَ نَفْسُهُ كباحثٍ، ﺑﺮيءٌ ﻣﻦ هذه اﻟﺮَّذﯾﻠﺔ (15). ﻓﺎﻟﺸَّﺮُّ اﻷﺧﻼﻗﻲُّ يبدو قُوَّةً إيجابيَّةً ﻓﻲ ﻧﺸﺎط الأمير اﻟﺤﺎﻛﻢ بِصِفَتِهِ شرًّا أخلاقيًّا على وَجْهِ التَّحديد، مع بقائه ﻓﻲ ﺳﯿﺎق اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ اﻟﺪَّولوﯾَّﺔ وخارجها على ما هُوَ عليه بالفعل من حيث كونه رذيلةً ونمطَ ﺳُﻠﻮكٍ ﻏﯿﺮ مقبولٍ أخلاقيًّا.

وعليه، يُنظَرُ ﻓﻲ ﺳﯿﺎق اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ الدَّولويَّة (الحكوميَّة، السُّلطويَّة) ذاتها إﻟﻰ الشَّرِّ ﻋﻠﻰ أنَّه نمطُ ﻋَﻤَﻞٍ مُباحٍ وملائمٍ وضروريٍّ ﺳﯿﺎﺳﯿًّﺎ، لكِنَّهُ ليس بأيِّ ﺣﺎلٍ مرغوبًا. إذ ينبغي لنا، بحسب تعبير مكيافيللي: "ألَّا ﻧﺤﯿﺪ ﻋﻦ اﻟﺨﯿﺮ إنْ ﻛﺎن ذﻟﻚ ﻣُﻤْﻜِﻨًﺎ، ﻟﻜِﻦْ ينبغي أنْ ﻧﻌﺮف ﻛﯿﻒ ﻧﺴﻠﻚ طريق الشَّرِّ إنْ ﻛﺎن ذﻟﻚ ﺿﺮورﯾًّﺎ" (16). هذه هِيَ اﻟﺼِّﯿﻐﺔُ اﻟﻤُﺤْﻜَﻤَﺔُ والدَّقيقةُ ﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ اﻟَّﺘِﻲ ﺗُﺤَﺪِّدُ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﻠﻨَّﺸﺎط اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ. وﺑﺬﻟﻚ تؤدِّي اﻷﺧﻼق، وإنْ يكن ﺑﺸﻜﻞٍ ﻏﯿﺮ ﻣﺒﺎﺷﺮ، دورًا ضابطًا ﺗُﺠﺎه اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ﻣﺤﺪِّدةً ﻧﻘﺎط ضعفها وهشاشتها ﻣﻦ اﻟﻨَّﺎﺣﯿﺔ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ. إضافةً إلى ذﻟﻚ، هناك ﺑﻌﺾ اﻟﻘﯿﻮد ﻋﻠﻰ ﻧﺸﺎط الأمير-اﻟﺤﺎﻛﻢ الَّتِي تملك بالنِّسبة إليه طابَعًا أمريًّا؛ يجب على الأمير الحاكم، وَفْقًا لمكيافيللي، أنْ ﯾﻤﺘﻨﻊ امتناعًا تامًّا ﻋﻦ اﻷﻓﻌﺎل الَّتِي ﺗُﻮَﻟِّﺪُ الكَراهِيَةَ واﻻﺣﺘﻘﺎر تُجاهه، وبخاصَّةٍ، اﻏﺘﺼﺎب ﻣﻤﺘﻠﻜﺎت الرَّعايا وسَبْيِ نِسائِهِمْ.

تُشَكِّل اﻟﺪَّوﻟﺔ واﻟﺤﯿﺎة الحكوميَّة-اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ واقعًا مستقلًّا، رغم كَوْنِها ﻣﻮﺟﻮدةً ﻓﻲ صورة ﻧﺸﺎطٍ بشريٍّ، إلَّا أنَّها ﻣﻊ ذﻟﻚ ﻻ تتوقَّف عليه، ﺑَﻞْ إنَّها ﻣﻮﺿﻮﻋﯿَّﺔٌ وﺧﺎرﺟﯿَّﺔٌ ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إلى الجهود البشريَّة الواعِيَة المكوِّنة لها، وﺗَﺨْﻀَﻊُ لقوانينها وقواعدها اﻟﺨﺎﺻَّﺔ. وإذا ﻣﺎ ﺗَﺼَﻮَّرْﻧﺎ اﻟﺪَّوﻟﺔ فردًا ﯾﺴﻌﻰ إﻟﻰ ﺧﯿﺮه اﻟﺨﺎصِّ، لكان هُوَ الفرد الَّذِي يُوجَدُ ﻓﻲ اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻵﺧﺮ ﻣﻦ اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ، وﻓﻮق اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ، ولكان، ﺑﺎﻟﺘَّﺎﻟﻲ، ﻗﺎدرًا ﻋﻠﻰ اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ ﻋﻠﻰ ﺣَﺪٍّ ﺳﻮاءٍ، ﺗﺒﻌًﺎ لمصلحته. ﯾﻨﻄﻠﻖ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻓﻲ مؤلَّفه "اﻷﻣﯿﺮ" ﻣﻦ أنَّ اﻟﺤﺎﻛﻢ هُوَ اﻹﻧﺴﺎن اﻟَّﺬِي ﯾﺠﺴِّﺪ اﻟﺪَّوﻟﺔ، ويتحدَّث بِاسْمِها وﯾﻌﻤﻞ ﻣﻦ أﺟْﻞِ خيرها. هذا هُوَ اﻟﻔﺮد اﻟَّﺬِي ﯾﺘﻄﺎﺑﻖ ﺧَﯿْﺮُهُ اﻟﺸَّﺨﺼﻲُّ ﻣﻊ ﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ، وهُوَ الَّذِي ﻻ يمكنه اﻟﻮﺟﻮد إلَّا بِصِفَتِهِ ﺣﺎﻛﻤًﺎ، ومكانه إمَّا ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺮش وإمَّا على مِنَصَّةِ اﻹﻋﺪام. ومع أنَّ التَّطابق بين اﻟﺨﯿﺮ اﻟﺸَّﺨﺼﻲِّ وﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ، بين اﻟﺪَّواﻓﻊ اﻟﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ واﻟﻮاﺟﺒﺎت الوظيفيَّة يَبْلُغُ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ اﻟﺤﺎﻛﻢ أقصى درجاته، لكِنَّهما ليسا اﻟﺸَّﻲءَ نَفْسَهُ، إنَّما وحدة المُخْتَلِف. فَرَجُلُ الدَّولة والفاعلُ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲُّ ﯾﺒﻘﻰ إﻧﺴﺎﻧًﺎ حَتَّى ولو كان حاكمًا. وهذا اﻻﺧﺘﻼف ﻓﻲ اﻟﻔﺮد اﻟﻮاﺣﺪ عينه ﺑﯿﻦ اﻟﺤﺎﻛﻢ واﻹﻧﺴﺎن اﻟﻌﺎديِّ يبقى قائمًا على الدَّوام، وﯾﻜﻮن ﺻﺎرﺧًﺎ ﺑﺸﻜﻞٍ ﺧﺎصٍّ، ومتأزِّمًا، وﺣَﺘَّﻰ ﻣﺄﺳﺎوﯾًّﺎ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﺘﻌﻠَّﻖ اﻷﻣﺮ ﺑﺎﻷﺑﻌﺎد اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﻸﻓﻌﺎل. يَظْهَرُ هذا الانقسام، ﺑﺸﻜﻞٍ فاضحٍ وﻣﺄﺳﺎويٍّ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺘﻌﺎرض مصالح اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻣﻊ اﻟﻤﺸﺎﻋﺮ واﻟﻮاﺟﺒﺎت اﻟﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ، وﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺸﺘﻌﻞ، ﻛﻤﺎ ﺣﺪث ﻛﺜﯿﺮًا، ﻓﻲ ﻧَﻔْﺲِ اﻹﻧﺴﺎن اﻟﻮاﺣﺪ نيرانُ المُواجَهَةِ والصِّراعِ ﺑﯿﻦ اﻟﺤﺎﻛﻢ واﻷب (17). وﻏﺎﻟﺒًﺎ ﻣﺎ ﯾﻜﻮن ﻣﻦ اﻟﺼَّﻌﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﻔﺮد باعتباره إنسانًا، ﺑَﻞْ وﻣﻦ اﻟﻤﺴﺘﺤﯿﻞ، ﺗﺤَﻤُّﻞُ ﻣﺎ ﯾﺠﺐ عليه فعله ﻛﺤﺎﻛﻢ. وﻟﯿﺲ ﻣﻦ ﻗﺒﯿﻞ المُصادَفَةِ أنْ يدعو ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ الأميرَ إلى تَعَلُّمِ اﻟﺘَّﻐَﻠُّﺐِ ﻋﻠﻰ ما فيه مِمَّا هُوَ "إنسانيٌّ، إنسانيٌّ للغاية"، إذا ما اﺳﺘﺨﺪﻣﻨﺎ ﻋﺒﺎرة نيتشه، وأنْ يتعلَّم، ﻗﺒﻞ ﻛُﻞِّ ﺷﻲءٍ، ﺗﺠﺎوُزَ ﻣﺎ يُعَدُّ، على وَجْهِ الخصوص، ﻣُﻘَﺪَّﺳًﺎ ومُسَلَّمًا به – أيْ اﻟﻘﯿﻮد اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻌُﻨْﻒِ واﻟﻜَﺬِبِ واﻟﻘَﺴْﻮَة.

إنَّ اﻟﺪَّوﻟﺔ ليست فقط واقعًا موضوعيًّا قائمًا بذاته، ﯾﺠﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﻨَّﺎس اﻟَّﺬِﯾﻦ ﯾﻌﯿﺸﻮن في كَنَفِها أنْ ﯾُﺮاﻋﻮه ﺑﺎﻟﻀَّﺮورة. فَهِيَ أﯾﻀًﺎ ﺧَﯿْﺮٌ لَهُمْ (18). فاﻟﺪَّوﻟﺔ – ﻟﯿﺴﺖ ﺣﻘﯿﻘﺔً ﻗﺎﺳﯿﺔً فقط، ﺑَﻞْ هِيَ ﻗﯿﻤَﺔٌ ﻻ ﺷَﻚَّ فيها. وﻓﻲ اﻟﺪَّوﻟﺔ ﯾُﺤَﻘِّﻖُ اﻹﻧﺴﺎنُ ماهِيَّتَهُ ﻛﻜﺎﺋﻦٍ اﺟﺘﻤﺎﻋﻲٍّ. لذا، تملكُ اﻷﻓﻌﺎلُ ﺑِﺎﺳْﻢِ اﻟﺪَّوﻟﺔ ومن أجْلِ خيرها مقامًا قيميًّا إيجابيًّا بالنِّسبة إليه، وتنتمي إلى الأفعال المحمودة. وهُنا ينشأُ السُّؤال الآتي: ﻣﺎ العمل ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﺘﻌﯿَّﻦ اﻟﻘﯿﺎم ﺑﺄﻓﻌﺎلٍ مُنافِيَةٍ للأخلاق ﺑِﺎﺳْﻢِ اﻟﺪَّوﻟﺔ؟ وهَلْ ﯾُﻤْﻜِﻦُ اﻋﺘﺒﺎرُ اﻷﻓﻌﺎلِ المذمومةِ أﺧﻼﻗﯿًّﺎ والمستقبَحةِ مبدئيًّا، ﻣﻘﺒﻮﻟﺔً ومستحسَنةً لِمُجَرَّدِ أنَّها تَصُبُّ في مصلحة اﻟﺪَّوﻟﺔ وخيرها؟ أو لِنَقُل ﺑﻌﺒﺎرةٍ أُﺧﺮى، هَلْ ﯾﺘﻐﯿَّﺮ المقام اﻟﻘﯿﻤﻲُّ ﻟﻠﺸَّﺮِّ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ، لأنَّه مُجْدٍ للدَّولة ومُلائِمٍ لها؟

ﯾﻤﻜﻦ اﺧﺘﺼﺎر اﻹﺟﺎﺑﺔ ﻋﻦ هذا اﻟﺴُّﺆال ﻓﻲ إطار اﻟﻌﻠﻮم اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ اﻟﻤُﻌﺎﺻِﺮة (19)، إذا ما أغفلنا اﻻﺧﺘﻼﻓﺎت اﻟﻔﺮدﯾَّﺔ بين ﻣﻮاﻗﻒ بعض اﻟﻤﺆﻟِّﻔﯿﻦ، ﻓﻲ ﺛﻼث ﻧُﻘﺎطٍ: اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ واﻟﺪَّوﻟﺔ ﻛﺄﺷﻜﺎلٍ مُهِمَّةٍ ومُلازِمةٍ ﻟﻠﻮﺟﻮد البشريِّ هُما خيرٌ، ويحملان ﻣﻌﻨًﻰ أﺧﻼﻗﯿًّﺎ إﯾﺠﺎﺑﯿًّﺎ، وﻻ ﯾﻤﻜﻦ، بالتَّالي، اعتبارهما ﻣﻨﻄﻘﺔً ﻣﺤﺎﯾﺪةً أﺧﻼﻗﯿًّﺎ؛ وﺗَﺨْﻀَﻊُ اﻷﻓﻌﺎل اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ ﻟﻠﺘَّﻘﯿﯿﻢ طِبْقًا لمعايير ﺳﯿﺎﺳﯿَّﺔ خالصة. إذ إنَّ تقييمها الأخلاقيَّ مشروطٌ بالجدوى والمُبرِّر اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﯿﻦ، وهُوَ ﺛﺎﻧﻮيٌّ ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إليهما؛ ومع ذلك، تبقى ﺗﻠﻚ اﻟﺤﺎﻻت الَّتِي ﺗﺘﻌﺎرض فيها اﻷﻓﻌﺎل اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ ﺑﺸﻜﻞٍ واﺿﺢٍ ﻣﻊ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ، وﻻ ﯾﻤﻜﻦ اعتبارها أخلاقيَّةً بذاتها خارج نطاق السِّياسة، قابلةً ﻟﻠﺘَّﺒﺮﯾﺮ ﻓﻲ ﺳﯿﺎق اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ. فاﻟﻨُّﻘﻄﺔ اﻷﺧﯿﺮة هِيَ نُقطة أساسيَّة لِفَهْمِ ﻣﺴﺄﻟﺔ العلاقة بين الأخلاق والسِّياسة: فَهِيَ تشهد ﻋﻠﻰ مَنْحِ اﻷﺧﻼق ﻣﻌﻨًﻰ أداتيًّا في علاقتها بالسِّياسة. وهُنا ﯾﺒﺮز ﺳﺆال بديهيٌّ: هَلْ ﺗﺒﻘﻰ اﻷﺧﻼقُ المُنَزَّلَةُ إﻟﻰ ﻣﺴﺘﻮى الأداة والوسيلة أخلاقًا؟ فقد كان يُنْظَرُ، على الدَّوام، إلى مكانتها المميَّزة (ضمن إطار النَّظريَّات الفلسفيَّة، وعلى مستوى الوعي اليوميِّ) ﻓﻲ ﻧﻈﺎم الغايات اﻟﺒﺸﺮﯾَّﺔ على أنَّها قيِّمَةٌ بذاتها، وﻻ يَصِحُّ بأيِّ حالٍ من الأحوال الحطُّ بها إلى دَرْكِ الوسيلة، وأنَّها تمثِّل المرجع الأعلى والأسمى لتقييم الأفعال البشريَّة.

وﻟﯿﺲ ﻣﻦ ﻗﺒﯿﻞ اﻟﻤُﺼﺎدَﻓَﺔِ أنَّه وﻓﻲ ﻛُﻞِّ ﻣَﺮَّةٍ تتخلَّى فيه اﻷﺧﻼق عن مطالبها اﻻﺳﺘﻘﻼﻟﯿَّﺔ-اﻟﻤُﻄْﻠَﻘَﺔ وتهبط إﻟﻰ مستوى الوﺳﯿﻠﺔ لغاياتٍ أُﺧﺮى، ﻓﺈنَّ هذه الأخيرة ﺗُﻌﻄَﻰ، بصورةٍ صريحةٍ أو مُضْمَرَةٍ، ﻣﻌﻨًﻰ ذا قيمةٍ كامنة (20). فموقف مكيافيللي من ﻣﺴﺄﻟﺔ اﻟﻤﻘﺎم اﻟﻘﯿﻤﻲِّ لللَّاأخلاقيَّة المُحفَّزة سياسيًّا حَمَّالُ أوجُهٍ، ويسمح ﺑﺘﻔﺴﯿﺮات ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ. إذ ﯾﻤﻜﻦ اﻟﻌﺜﻮر ﻋﻨﺪه ﻋﻠﻰ أقوالٍ يُفْهَمُ منها أنَّ اﻷﻓﻌﺎل اللَّاأخلاقيَّة ﺗَﻔْﻘِﺪُ صِفَتَها اللَّاأخلاقيَّة إنْ ﻛﺎﻧﺖ ﺿﺮورﯾَّﺔً ﻟﺨﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ، وﻣُﻼﺋِﻤَﺔً سياسيًّا. فَهُوَ ﯾﺘﺤﺪَّث، ﻋﻠﻰ ﺳﺒﯿﻞ اﻟﻤﺜﺎل، ﻋﻦ اﻟﻘﺴﻮة المُستخدَمة جَيِّدًا، ﻣُﺪْرِﻛًﺎ ﻛُﻞَّ اللَّامعقوليَّة المتناقضة لهذا المفهوم ومدافعًا عنها: "ﯾﻤﻜﻦ ﺗﺴﻤﯿﺔ اﻟﻘﺴﻮة المُستخدَمة ﺟَﯿِّﺪًا (إذا جاز ﻓﻘﻂ أنْ ﯾُﻘﺎل ﻋﻦ السَّيِّئ إنَّه ﺟَﯿِّﺪٌ) ﺗﻠﻚ الَّتِي ﺗُﺮﺗﻜَﺐ لمرَّةٍ واﺣﺪةٍ ﻓﻘﻂ بدافع الحاجة إلى حفظ الذَّات، من دون أنْ يتمادى في ارتكابها بعد ذلك، ﺑَﻞْ يَسْتَخْلِصُ منها كُلَّ اﻟﻔﺎﺋﺪة اﻟﻤﻤﻜﻨﺔ ﻟﻠﺮَّﻋﯿَّﺔ"، ويُتابِعُ قائلًا ﻓﻲ السِّياق نَفْسِهِ: "وبَعْدَ إظهاره، ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ اﻟﻀَّﺮورة اﻟﻘﺼﻮى، ﺑﻀﻌﺔ أﻣﺜﻠﺔٍ ﻣُﺮْﻋِﺒَﺔٍ، فإنَّه ﺳﯿﻜﻮن أرﺣﻢ ﻣﻦ أوﻟﺌﻚ اﻟَّﺬِﯾﻦ ﯾﺴﻤﺤﻮن، من جَرَّاءِ تَسامُحِهِمِ اﻟﻤُﻔْﺮِطِ، بمفاقمة الفوضى والقلاقل الَّتِي تؤدِّي إﻟﻰ ﺟﺮاﺋﻢ ﻗﺘﻞٍ أو ﺳَﻠْﺐٍ تهزُّ، غالبًا، اﻟﻤﺠﺘﻤﻊَ بأكمله، ﺑﯿﻨﻤﺎ تطال اﻟﻌﻘﻮﺑﺎت اﻟَّﺘِﻲ يفرضها اﻷﻣﯿﺮ ﻓﺮدًا بعينه" (21). واللَّافتُ أنَّ مكيافيللي ﻻ ﯾُﺴَﻤِّﻲ اﻟﻘﺴﻮة رﺣﻤﺔً، وﻻ ﺣَﺘَّﻰ يُسَمِّي اﻷﻣﯿﺮ نَفْسَهُ رﺣﯿﻤًﺎ ﻓﻲ قسوته، إنَّما يقول ﻓﻘﻂ إنَّ ذﻟﻚ اﻷﻣﯿﺮ، وإنْ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ رحيمًا في هذه الأفعال، إلَّا أنَّه أرﺣﻢ مِمَّنْ ﯾﻜﻮن ﺳﺒﺒًﺎ ﻓﻲ ﻗﺴﻮةٍ أشَدَّ ضراوةً وأوسع نطاقًا. ﻛﻤﺎ نعثر عنده أﯾﻀًﺎ على قولٍ ﯾﻤﻜﻦ أنْ يُفْهَمَ منه أنَّ الأمير-اﻟﺤﺎﻛﻢ وﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ هُما اﻟﻤﻌﯿﺎر ﻟﺘﻘﺴﯿﻢ اﻷﻓﻌﺎل اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ إﻟﻰ ﻓﺎﺿﻠﺔٍ ومرذولةٍ: "وإذا ما ﺗﺄﻣَّﻠﻨﺎ ﻛُﻞَّ ﺷﻲءٍ ﺑﺪِﻗَّﺔٍ، ﻓﺴﻨﺠﺪ ﺷﯿﺌًﺎ ﯾﺒﺪو ﻓﻀﯿﻠﺔً، وﻟﻜِﻦَّ الاقتداء به ﺳﯿﻜﻮن هلاكًا ﻟﻸﻣﯿﺮ؛ وﺳﻨﺠﺪ ﺷﯿﺌًﺎ آﺧَﺮَ ﯾﺒﺪو رذﯾﻠﺔً، وﻟﻜِﻦَّ العمل بمقتضاه يضمن للأميرِ الأمْنَ والرَّفاهِيَة" (22).

وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻓﺈنَّ اﻟﻤﻮﻗﻒ العامَّ اﻟَّﺬِي ﻋَﺒَّﺮَ عنه ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻣِﺮارًا وبِكُلِّ وﺿﻮحٍ، وسار على هُداه ﺑﺜﺒﺎتٍ هُوَ أنْ اﻷﻓﻌﺎل - اﻟﻔﺎﺿﻠﺔ منها واللَّاأخلاقيَّة على حَدٍّ سواءٍ- اﻟﻤﻨﺪرﺟﺔ ﻓﻲ ﻣﻨﻄﻖ الجدوى اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ، ﻻ ﺗَﻔْﻘِﺪُ طبيعتها اﻷﺻﻠﯿَّﺔ اﻟَّﺘِﻲ تجعلها حسنةً أو قبيحةً بذاتها. إنَّ اﻟﺠﺪﯾﺪ اﻟَّﺬِي أضافه ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ إﻟﻰ اﻟﻔﻜﺮ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ، وافترق به ﻋﻦ اﻵراء السَّائدة، إنَّما يكمن، ﺑﺎﻟﻀَّﺒﻂ، ﻓﻲ اﻟﺪَّﻋﻮة أو اﻟﻤﻄﺎﻟﺒﺔ ﺑﺎرﺗﻜﺎب اﻟﺸَّﺮِّ لأهداف ﺳﯿﺎﺳﯿَّﺔ على أنْ تكون مصحوبةً برؤيةٍ وفَهْمٍ واضِحَيْنِ أنَّ اﻟﺤﺪﯾﺚ يجري ﻋﻦ ﻓﻌﻞٍ كان ويبقى وسيبقى، بِحَدِّ ذاته، مرفوضًا ومرذولًا من النَّاحية الأخلاقيَّة. ﻋﻠﻰ اﻷﻣﯿﺮ أنْ يتحلَّى باﻟﺸَّﺠﺎﻋﺔ ﻟﯿﺴﻠﻚ طريق اﻟﺸَّﺮِّ، وأنْ ﯾﻌﺮف ﻛﯿﻒ ﯾﻔﻌﻞ ذﻟﻚ. عليه، ﺑﺎﻟﻄَّﺒﻊ، أنْ ﯾﻌﺮف ﻛﯿﻒ ﯾُﺤﺪِث اﻧﻄﺒﺎﻋًﺎ ﺟَﯿِّﺪًا ً وﯾﺒﺪو فاضلًا، ﻟﻜِﻦْ هذا ﯾﻌﻨﻲ ﻓﻘﻂ أنَّ آفة اﻟﻨِّﻔﺎق أﯾﻀًﺎ ﺗﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺗﺮﺳﺎﻧﺔ وﺳﺎﺋﻞ نشاطه اﻟﻨَّﺎﺟﺢ: "ﻛﻢ ﺳﯿﻜﻮن ﺟﺪﯾﺮًا ﺑﺎﻟﺜَّﻨﺎء أنْ يفي اﻷﻣﯿﺮ بالعهد وأنْ ﯾﻜﻮن ﻣﺴﺘﻘﯿﻤًﺎ ﻓﻲ حياته، وﻻ يُراوغ، هذا ما يَفْهَمُهُ كُلُّ واحدٍ" (23). وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻟﯿﺲ ﻣﻦ اﻟﻀَّﺮوريِّ ﻟﻸﻣﯿﺮ أنْ يتحلَّى بهذه اﻟﻔﻀﺎﺋﻞ واقعيًّا (وﻟﯿﺲ البَتَّةَ، لأنَّ ذﻟﻚ ﺻﻌﺐٌ، بَلْ، لأنَّه يكادُ ألَّا يكون ممكنًا في صورةٍ لا غبارَ عليها)، ﺑَﻞْ ﯾﺠﺐ بالتَّأكيد أنْ ﯾﺒﺪو وكأنَّه يمتلكها حقيقةً: "زيادةً على ذلك: أﺟﺮُؤُ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﻮل إنَّه إذا كان يمتلكها ويتصرَّف داﺋﻤًﺎ وَﻓْﻘًﺎ لها، فإنَّها ﺿﺎرَّةٌ، وإذا ﺑﺪا كما لو أنَّه يمتلكها، فإنَّها ﻣﻔﯿﺪةٌ؛ وهكذا، ﯾﺠﺐ أنْ ﯾﺒﺪو رﺣﯿﻤًﺎ ووﻓﯿًّﺎ وإﻧﺴﺎﻧﯿًّﺎ وﺻﺎدﻗًﺎ وﺗﻘﯿًّﺎ؛ وأنْ تكون بالفعل ﻛﺬﻟﻚ، ﻟﻜِﻦْ ﯾﺠﺐ أنْ تحافظ على رباطة جأشك ﺑﺤﯿﺚ تتمكَّن وتستطيع، إذا ما اقتضت الضَّرورة أنْ ﺗﺼﺒﺢ آخرًا وأنْ ﺗﺘﺤﻮَّل إﻟﻰ الضِّدِّ. وينبغي العلم بأنَّ اﻷﻣﯿﺮ، وﺧﺼﻮﺻًﺎ اﻷﻣﯿﺮ اﻟﺠﺪﯾﺪ، ﻻ ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ مراعاة كُلِّ ﻣﺎ ﯾَﻤْﻨَﺢُ اﻟﻨَّﺎسَ مجدًا عظيمًا، لأنَّه مضطرٌّ في أغلب الأحيان، ﻣﻦ أﺟْﻞِ اﻟﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ اﻟﺪَّوﻟﺔ، إﻟﻰ التَّصرُّفِ ﺿِﺪَّ اﻟﻮﻓﺎء، وضِدَّ محبَّة اﻟﻘﺮﯾﺐ، وﺿِﺪَّ اﻹﻧﺴﺎﻧﯿَّﺔ، وﺿِﺪَّ اﻟﺪِّﯾﻦِ" (24). ﯾُﻌَﻠِّﻢُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ اﻷﻣﯿﺮَ أنْ ﯾُﻘْﺪِمَ ﻋﻠﻰ الأفعال الَّتِي تُعدُّ، طِبْقًا للمعايير الأخلاقيَّة، مذمومةً، مع فَهْمٍ واضحٍ لِما يفعله، وأنْ يُحافظ ﻋﻠﻰ رؤيةٍ ثاقبةٍ مُماثِلَةٍ تُجاهها، فلا ﯾﻨﺨﺪع بها ﻋﻨﺪﻣﺎ تتضاعف ﺑﺮذﯾﻠﺔ اﻟﻨِّﻔﺎق وترتدي ﻗﻨﺎع اﻟﺨﯿﺮ.

تجدنا هُنا أمام ﺣﺎﻟﺔ الشَّرِّ المُتعمَّد اﻟَّﺬِي يعدَّه ﺳﻘﺮاط ممتنَعًا، وﻟﻜﻦ اﻟَّﺬِي ﻟﻮ ﻛﺎن ﻣﻤﻜﻨًﺎ ﻟﻜﺎن أﻓﻀﻞ ﻣﻦ اﻟﺸِّﺮِّ اﻷﻋﻤﻰ واللَّاإراديِّ. يؤسِّس ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻹﻣﻜﺎﻧﯿَّﺔ المُحال.

وفي هذا السِّياق، ﻣﻦ اﻟﻤُﻨﺎﺳِﺐ إبداء الملاحظة الآتية: ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﺘﺤﺪَّث مكيافيللي في العبارات المذكورة أعلاه عن ﺟﻮاز ارتكاب الحاكم أفعالًا تَتَّسِمُ باﻟﻘﺴﻮة والشَّراسة، ﻓﺈنَّه ﯾُﻮَﺿِّﺢ أنَّ اﻟﺤﺪﯾﺚ يجري ﻋﻦ ﻓﻌﻞٍ ﻟِﻤَﺮَّةٍ واﺣﺪةٍ، أو ﻋﻦ ﻋِﺪَّةِ أﻣﺜﻠﺔ. وبهذا اﻟﺘَّﻮﺿﯿﺢ يُظْهِرُ مكيافيللي ﻣﻌﺮﻓﺔً ﻋﻤﯿﻘﺔً ﺑﻄﺒﯿﻌﺔ اﻟﻔﻀﺎﺋﻞ واﻟﺮَّذاﺋﻞ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ اﻟَّﺘِﻲ لا تتشكَّل كصفاتٍ ﻧﺘﯿﺠﺔً لأﻓﻌﺎلٍ ﻣﻨﻔﺮدةٍ، ﺑَﻞْ ﻧﺘﯿﺠﺔَ ﺳﻠﺴﻠﺔٍ ﻣﺘﺘﺎﻟﯿﺔٍ منها تؤلِّف نهجًا سُلوكيًّا. تسمح اﻟﻨَّﻈﺮة الواعية إلى حالة اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ بصِفَتِهِ شرًّا اضطراريًّا بتقليله إﻟﻰ اﻟﺤَﺪِّ اﻷدﻧﻰ وتُبْقِي اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔَ ضمن الحقل التَّوجيهيِّ ﻟﻸﺧﻼق.

وبالاستنكاف عن إعادة إكساء اﻟﺮَّذﯾﻠﺔ حُلَّةَ الفضيلةِ أو أشباه الفضيلة لِمُجَرَّدِ أنَّها وسيلةٌ ناجعةٌ ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إلى السِّياسة، يفترق مكيافيللي عن اﻟﻤﻔﻜِّﺮﯾﻦ اﻟﻤﻌﺎﺻﺮﯾﻦ ﻓﻲ الإطيقا اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ اﻟَّﺬِﯾﻦ ﯾﻌﺘﻘﺪون ذﻟﻚ، ويسمو عليهم بالمعايير العلميَّة والأخلاقيَّة على حدٍّ سواء. ﻣﻦ السَّيِّئِ ارﺗﻜﺎب أﻓﻌﺎلٍ ﻗﺎﺳﯿﺔٍ ومُضَلِّلَةٍ، واﻷﺳﻮأُ أنْ ﻧُﻐْﻤِﺾَ أﻋْﯿُﻨﻨﺎ عنها ونُسمِّيها رحمةً وﺻﺪﻗًﺎ (أو ﻏﯿﺮ ﻣﺘﻨﺎﻗﻀﺔ ﻣﻊ اﻟﺮَّﺣﻤﺔ واﻟﺼِّﺪق). ففي اﻟﺤﺎﻟﺔ اﻷُوﻟﻰ يَبْقى الأُفق مفتوحًا والفرصة متاحةً لإزالتها، وﺗﺤﺘﻔﻆ اﻷﺧﻼق باستقلاليَّتها وسيادتها في علاقتها بالسِّياسة، أﻣَّﺎ ﻓﻲ اﻟﺒﺪﯾﻞ الثَّاني، فإنَّها ﺗَﻔْﻘِﺪُ ذﻟﻚ.

2- ومع اعتراف مكيافيللي ﺑﺤﺘﻤﯿَّﺔ اللُّجوء إلى اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﻏﯿﺮ اللَّائقة أﺧﻼﻗﯿًّﺎ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، فإنَّه ﻻ يدعو ﺑﺄيِّ ﺣﺎلٍ إلى تبنِّيها والمواظبة عليها. وهُوَ لا يكتفي فقط بعدم تشجيع الأمير اﻟﺤﺎﻛﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﺘَّﻌﺎﻣﻞ معها ﻛﻤﻤﺎرﺳﺔٍ ﺳﯿﺎﺳﯿَّﺔٍ سويَّةٍ، ﺑَﻞْ ﯾُﺤﺬِّره ﻣﻦ ذﻟﻚ. وانسجامًا مع قوله الصَّائب بأنَّ اﻟﺤﺘﻤﯿَّﺔ والمبرِّر السِّياسيَّين ﻟﻸﻓﻌﺎل اللَّاأخلاقيَّة ﻻ يُغيِّران شيئًا في طبيعتها اللَّاأخلاقيَّة، يدعو مكيافيللي إلى التَّحكُّم بها والسَّيطرة عليها. وهذا ﯾﻌﻨﻲ – اﻟﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ الموقف اﻟﺴَّﻠﺒﻲِّ اﻟﻤﺤﺪَّد أخلاقيًّا منها، ﻣُﺪرِﻛًﺎ أنَّها ﺷَﺮٌّ أﺧﻼﻗﻲٌّ، وﺑﺎﻟﺘَّﺎﻟﻲ، ﯾﺠﺐ تجنُّبها. وإنْ ﺗَﻌَﺬَّرَ تجنُّبها، فالإقلال منها. إذ يجب جَعْلُها موضوعًا للاختيار العقلانيِّ وممارستها ﺑﺤﻜﻤﺔٍ، وهذا ﯾﻌﻨﻲ – مزاولتها ﻓﻘﻂ ﺑﺎﻟﺤﺪود اﻟﺪُّﻧﯿﺎ اﻟﻀَّﺮورﯾَّﺔ: "هكذا هُوَ ﻧﻈﺎم اﻷُﻣﻮر، حيث إنَّه ﻻ ﯾﻤﻜﻦ أﺑﺪًا اﻟﺴَّﻌﻲُ إلى تجنُّب ضررٍ ﻣﺎ من دون اﻟﻮﻗﻮع ﻓﻲ آﺧَﺮَ. فاﻟﺤﻜﻤﺔ ﺗﻜﻤﻦ ﻓﻲ اﻟﻘﺪرة ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺧﺼﺎﺋﺺ هذه اﻟﺼُّﻌﻮﺑﺎت، واﻋﺘﻤﺎد اﻷﻗَﻞَّ ﺳﻮءًا ﻛﺨﯿﺮ" (25).

والأرجح أنَّ مفهوم الشَّرِّ الأصغر واﻷﻗَﻞِّ ﺳﻮءًا - هُوَ المفتاح اﻟَّﺬِي ﯾﻜﺸﻒ كُنْهَ ﻣﻮﻗﻒ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ من اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ اﻟَّﺘِﻲ تهمُّنا. فالشَّرُّ، ﻛﻤﺎ أشرنا أﻋﻼه، وكما بات معلومًا لدينا مُنْذُ زمن سُقراط، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ أنْ ﯾﻜﻮن ﻗﺮارًا ﯾﺨﺘﺎره اﻹﻧﺴﺎن ﺑِﻮَﻋْﻲٍ. فاﻟﺸَّﺮُّ اﻟﻤُﺘَﻌَﻤَّﺪُ – ﺗﻨﺎﻗُﺾٌ ﻓﻲ اﻟﺘَّﻌﺮﯾﻒ، ﻷنَّه يرمز إﻟﻰ القطب السَّالب في إحداثيَّات الاختيار اﻟﺒﺸﺮيِّ. فَهُوَ ﯾﺸﯿﺮ إﻟﻰ ﻣﺎ يتجنَّبه اﻹﻧﺴﺎن داﺋﻤًﺎ، بقدر ما يتوقَّف اﻷﻣﺮ عليه، أيْ أنَّه ﻣﺎ ﻻ ﯾﻤﻜﻦ أنْ ﯾﻜﻮن ﻣﺘﻌﻤَّﺪًا. فاﻹﻧﺴﺎن ﯾﺨﺘﺎر اﻟﺸَّﺮَّ اﻷﻗَﻞَّ ﻟﯿﺲ لأنَّه ﺷَﺮٌّ، ﺑَﻞْ لأنَّه الأهْوَنُ واﻷﻗَﻞُّ. إذ إنَّ للشَّيطان يَدان، على ما يقول س.س. أفيرينتسيف، إنْ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ أﻛﺜﺮ، ﻧُﻀﯿﻒُ ﻣﻦ ﻋﻨﺪﻧﺎ. فاﻟﺸَّﺮُّ اﻷﺻﻐﺮ – ﻗﺮارٌ ﻋﻘﻼﻧﻲٌّ، ﺗﺤﺪﯾﺪًا، في الأوضاع اﻟَّﺘِﻲ ﯾﺪﺧﻞ فيها الشَّيطان ﻋﻠﻰ اﻟﺨﻂِّ وتكون مِرْوَحَةُ اﻟﻘﺮارات اﻟﻤﻤﻜﻨﺔ كُلِّها ﻣُﻌﯿﺒَﺔً أﺧﻼﻗﯿًّﺎ وﺷﯿﻄﺎﻧﯿَّﺔ. فهُوَ ﯾﻤﺜِّﻞ بذاته فعلًا اضطراريًّا ﻟﻢ ﯾﻜﻦ اﻹﻧﺴﺎن (بِصِفَتِهِ ذاﺗًﺎ أﺧﻼﻗﯿَّﺔً) ﻟﯿﺨﺘﺎره أﺑﺪًا إلَّا في سياقاتٍ مُعيَّنةٍ قاهرة. وهُنا ينطوي هذا الفرق بين الشَّرِّ الأكبر والشَّرِّ الأصغر على أهمِّيَّةٍ جوهريَّةٍ ﯾﻤﻜﻦ بسببه اعتبار الأخير فعلًا ﻣﺴﻤﻮحًا به وﺣَﺘَّﻰ خيرًا نسبيًّا. ففي حالة اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ، ﯾﺘﻠﺨَّﺺ اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻷﺧﻼﻗﻲُّ ﻟﻼﺧﺘﯿﺎر ﻓﻲ التَّأثير المحدود (الضَّئيل)، ويُرَدُّ اﻻﺧﺘﯿﺎر نَفْسُهُ إﻟﻰ عملية ﺣﺴﺎبٍ ﻧﻔﻌﻲٍّ ﻋﻘﻼﻧﻲٍّ ﺑَﺤْﺖٍ ﻟﻠﺨﺴﺎﺋﺮ والأضرار. وهذا أشْبَهُ ما يكون، على وَجْهِ التَّقريب، بحاكمٍ خبيثٍ ظالمٍ عَرَضَ ﻋﻠﻰ شخصٍ أنْ يختار أمرًا من اثنين: إمَّا أنْ تُبتَر يَدُهُ اليُمنى وإمَّا أنْ تُبتَر قَدَمُهُ اليُمنى؟ فاﻻﺧﺘﯿﺎر، إنْ صحَّ أصلًا استخدام هذا المفهوم ﻓﻲ هذه اﻟﺤﺎﻟﺔ، ﻻ يحتوي على أيِّ ذرَّةٍ ﻣﻦ اﻷﺧﻼق. وﻛُﻞُّ اﻟﻌَﻤَﻞِ اﻟﻔﻜﺮيِّ للشَّخصِ اﻟﻤُﺘَﺨَﯿَّﻞ، إنْ ﻟﻢ ﯾَﻔْﻘِﺪْ صوابه ﻗﺒﻞ أنْ ﯾَﻔْﻘِﺪَ ﯾَﺪَهُ أو قَدَمَهُ، سيُرَدُّ إﻟﻰ ﺣﺴﺎبٍ ذهنيٍّ ﻟﻠﺨﺴﺎﺋﺮ النَّاجمة عن ﻛُﻞِّ بديلٍ ﻣﻦ البديلَيْنِ المطروحَيْنِ. ﺑﺎﻟﻄَّﺒﻊ، ﯾﻤﻜﻦ هُنا أﯾﻀًﺎ ﺗَﻔَﺤُّﺺُ اﻟﺒﺪاﺋﻞ: إذا ﻛﺎن اﻟﻔﺮد، على سبيل المثال، ﺻﺎﺋِﻐًﺎ، فإنَّه سيُفَضِّل اﻹﺑﻘﺎء ﻋﻠﻰ ﯾﺪه سليمةً، وإذا ﻛﺎن ﺳﺎﻋﻲ ﺑﺮﯾﺪٍ، فإنَّه سَيُفَضِّل الحفاظ على سلامة قَدَمِهِ وما شابه، ﻟﻜﻦ اﻋﺘﺒﺎر ﻛُﻞِّ هذا ﺧﻄﺎﺑًﺎ "أﺧﻼﻗﯿًّﺎ" – ﻣﻌﻨﺎه ارتكاب حماقةٍ ما بعدها حماقة.

هَلْ ﯾﻤﻜﻦ أنْ ﯾﺼﺒﺢ اﻟﺤﺴﺎب ﺑﯿﻦ اﻟﺸَّﺮَّين اﻷﻛﺒﺮ واﻷﺻﻐﺮ ﻣﻮﺿﻮﻋًﺎ ﻟﻠﺘَّﺤﻠﯿﻞ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ، وﻓﯿﻢَ ﯾﻤﻜﻦ أنْ يكمن إسهام اﻷﺧﻼق اﻟَّﺬِي ﻣﻦ شأنه أنْ ﯾﻤﻨﻊ سوء اﻻﺳﺘﺨﺪام الأخلاقيِّ ﻟﻔﻜﺮة اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ ذاتها؟

ﻓﻲ اﻷدبيَّات الأخلاقيَّة المُعاصِرة، يُناقَشُ ﻣﻮﺿﻮعُ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ بحماسةٍ لافتةٍ وعلى نطاقٍ واسعٍ، وبخاصَّةٍ، الشِّقَّ الأخلاقيَّ منه، ﺣﯿﺚ تبلورت مقارباتٌ ورُؤًى ﻣﺨﺘﻠﻔﺔٌ، وفُرِزَتْ ﺣﺎﻻتٌ نمطيَّةٌ، وﻗُﺪِّﻣَﺖ اﺳﺘﺮاﺗﯿﺠﯿﺎتٌ وﺟﺪاولُ ﺗﻘﯿﯿﻢٍ ﻣﺘﻨﻮِّﻋﺔ (26). ومن أجْلِ فَهْمِ اﻟﻤﻼﻣﺢ اﻟﻌﺎﻣَّﺔ ﻟﻠﻤﻨﺎﻗﺸﺎت الدَّائرةِ ﺣﻮل ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ، ﯾُﻌَﺪُّ اﻟﺘَّﻌﻤﯿﻢ الآتي للباحث الكَنَديِّ المتخصِّص م. إغناتييف دالًّا ومُعبِّرًا: "...إذا ما ﻟﺠﺄﻧﺎ إﻟﻰ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ، ﻓﯿﺠﺐ أنْ ﻧﻔﻌﻞ ذﻟﻚ، أوَّلًا، مُدرِكين تمامًا ﺑﺄنَّ ﻣﺎ نرتكبه إنَّما هُوَ ﺷَﺮٌّ؛ ﺛﺎﻧﯿًﺎ، ﯾﺠﺐ علينا أنْ نفعله ﻓﻘﻂ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ اﻟﻀَّﺮورة اﻟﻘﺼﻮى اﻟَّﺘِﻲ ﯾﻤﻜﻦ إﺛﺒﺎت وجودها؛ ﺛﺎﻟﺜًﺎ، ﯾﺠﺐ أن ﻧﺨﺘﺎر أنماط اﻟﻔﻌﻞ اﻟﺴَّﯿِّﺌﺔ كوسيلةٍ قصوى ﻓﻘﻂ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻜﻮن ﺟﻤﯿﻊ اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اﻷُﺧﺮى ﻗﺪ استُنفِدت وﺟُﺮّﺑﺖ. وأﺧﯿﺮًا، ﯾﺠﺐ علينا أنْ نُنفِّذ الالتزام اﻟﺮَّاﺑﻊ: ﯾﺠﺐ علينا أنْ نُسَوِّغَ أﻓﻌﺎﻟﻨﺎ ﻋَﻠَﻨًﺎ ونعرضها ﻋﻠﻰ المواطنين ﻟﯿﺤﻜﻤﻮا ﻋﻠﻰ صِحَّتها" (27). فقط النُّقطة الأُولى تدخل ضمن نطاق صلاحيَّات الأخلاق ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﺪَّﻗﯿﻖ واﻟﺨﺎصِّ ﻟﻠﻜﻠﻤﺔ، وﺗﺤﺪﯾﺪًا، ﺗﺼﻨﯿﻒ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ ﻓﻲ إطار التَّضادِّ بين قطبيِّ اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ. أﻣَّﺎ ﺟﻤﯿﻊ اﻟﺸُّﺮوط (اﻟﻘﻮاﻋﺪ) اﻷُﺧﺮى اﻟَّﺘِﻲ ﯾﺠﺐ تنفيذها ﻓﻲ إطار ﻣﻨﻄﻖ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ، ﻓﺘﻨﺘﻤﻲ إﻟﻰ ﻣﺠﺎل اﻟﻤﺴﺆوﻟﯿَّﺔ اﻟﺨﺎﺻَّﺔ، وهِيَ، بِحَسَبِ عبارة م.م. ﺑﺎﺧﺘﯿﻦ، ﺗﻔﺘﺮض تحليلًا عيانيًّا للموضوع، مصحوبًا ﺑﻤﻌﺎرف مِهْنيَّةٍ، وﺟﻮاﻧﺐ ﻗﺎﻧﻮﻧﯿَّﺔٍ، وﻣﻮاﻓﻘﺔٍ اﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔٍ… وإﻟﺦ. فالحديث هُنا ﻟﻢ ﯾَﻌُﺪْ حديثًا ﻋﻦ ﺑﺪء اﻟﻔﻌﻞ ﻓﻲ إطار اتِّجاه اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ اﻟَّﺬِي ﯾﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ اﻟﻔﺮد اﻟﻔﺎﻋﻞ نَفْسِهِ، وﻋﻠﻰ هُوِيَّتِهِ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔِ، إنَّما ﻋﻦ مضمونه و"مادَّته"، وعواقبه اﻟﻤُﺤْﺘَﻤَﻠَﺔِ اﻟَّﺘِﻲ ﯾﻌﺘﻤﺪ احتسابها ﻋﻠﻰ مَلَكاتِهِ العقليَّة ومهاراته المهنيَّة واﻟَّﺘِﻲ، ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ ذﻟﻚ، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ تتبُّعها، ﻣﻦ ﺣﯿﺚ اﻟﻤﺒﺪإِ، ﺑﺎﺳﺘﯿﻔﺎءٍ ﺗﺎمٍّ. فالموقف اﻟَّﺬِي ﻋَﺒَّﺮَ عنه م. إغناتييف ﺑﻮﺿﻮحٍ، واﻟﻘﺎﺋﻞُ ﺑﺄنَّ اﻟﺸَّﺮَّ اﻷﺻﻐﺮ هُوَ ﺷﺮٌّ (ﺑﺎﻟﻤُﻨﺎﺳَﺒَﺔِ، ﻻ يتبنَّاه اﻟﻜﺜﯿﺮون، ﺑَﻞْ رُﺑَّﻤﺎ أﻏﻠﺒﯿَّﺔ اﻟﻤﺆﻟِّﻔﯿﻦ اﻟَّﺬِﯾﻦ ﯾﻜﺘﺒﻮن ﻓﻲ هذا اﻟﻤﻮﺿﻮع)، وﺣﻘﯿﻘﺔ أنَّه اﻷﻗَﻞُّ ﺑﯿﻦ ﻛُﻞِّ ﻣﺎ هُوَ ﻣﻤﻜﻦ ﻓﻲ وضعٍ ﻣﺤﺪَّدٍ، ﯾﺴﻤﺢ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎر ﻣِﺜْﻞِ هذا اﻻﺧﺘﯿﺎر مُسَوَّغًا ﻋﻘﻼﻧﯿًّﺎ، لكِنَّهُ ﻻ ﯾُﻐَﯿِّﺮُ اﻧﺘﻤﺎءه المبدئيَّ إﻟﻰ ﻗُﻄْﺐِ اﻟﺸَّﺮِّ.

يُحدِّد هذا اﻟﺮَّأي، كونه ﻣﻼﺋﻤًﺎ لجوهر اﻷﺧﻼق ذاته، اﻟﻤﻮﻗﻒ اﻟﻘﯿﻤﻲَّ اﻟﻮﺣﯿﺪ اﻟﻤﻤﻜﻦ الموجِّه إلى اﺧﺘﯿﺎر اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ ﺗﺤﺪﯾﺪًا: إذا أُﺟﺒِﺮ اﻹﻧﺴﺎن ﻋﻠﻰ اﺧﺘﯿﺎر ﻣﺎ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻟﯿﺨﺘﺎره أبدًا ﻟﻮ ﻛﺎن اﻷﻣﺮ طوع يدَيه، أيْ ما يَعُدُّهُ، وَفْقًا لقناعاته، شرًّا يفضي إﻟﻰ هلاكه اﻷﺧﻼﻗﻲِّ، وأنَّه يحمل وِزْرَ اختياره هذا اﻟﻔﻌﻞ، ﻓﻤﻦ اﻟﻄَّﺒﯿﻌﻲِّ أنَّه سيسعى جاهدًا إﻟﻰ ﺗﻘﻠﯿﻞ هذا اﻟﻔﻌﻞ ذاته وعواقبه إﻟﻰ اﻟﺤَﺪِّ اﻷدﻧﻰ. واﻟﻌﻜﺲُ ﺻﺤﯿﺢٌ: اﻋﺘﺒﺎر اﻟﺸَّﺮّ اﻷﺻﻐﺮ فعلًا أﺧﻼﻗﯿًّﺎ ﻣﺴﻤﻮﺣًﺎ به ﯾﻤﺜِّﻞ ضربًا ﻣﻦ ضروب اﻟﻔﺴﺎد اﻷﺧﻼﻗﻲِّ، ﻛﻤﺎ ﻟﻮ أﻧَّﻨﺎ، ﺑِﺮَﻓْﻀِﻨﺎ اﻟﺮَّﺷﻮة ﺑﻤﺒﺎﻟﻎ ﻛﺒﯿﺮةٍ، ﺳﻤﺤﻨﺎ بها بمقادير ﺻﻐﯿﺮةٍ، أو ﺑِﺮَﻓْﻀِﻨﺎ اﻻﻋﺘﺪاءات اللُّصُوصيَّة، أﺟَﺰﻧﺎ اﻟﻤﺸﺎﺟﺮات الزُّقاقيَّة. وﺑﺎﻟﻔﻌﻞ، إذا ما أﺧﺬﻧﺎ اﻟﻤﺜﺎل اﻟﻤُﻔﻀَّﻞ والشَّائع ﻓﻲ إطار المناقشات المتعلِّقة بمشكلة اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ، وهُوَ ﻣﺜﺎل "اﻟﺘﺮاﻣﻮاي"، ﻓﻤﻦ اﻟﻮاﺿﺢ ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻷيِّ إﻧﺴﺎنٍ ﻋﺎﻗﻞٍ أنَّ ﻣﻮت ﻋَﺸَﺮَةِ أﺷﺨﺎصٍ أﺳﻮأُ بكثير من ﻣﻮت شخصٍ واﺣﺪٍ. ﻟﻜِﻦَّ اﻋﺘﺒﺎر اﻟﻔﻌﻞ اﻟَّﺬِي ﺗﻜﻮن نتيجَتُهُ (حَتَّى لو كانت ﻋَﺮَﺿِﯿَّﺔً) ﻣﻮت ﺷﺨﺺٍ واﺣﺪٍ فعلًا أﺧﻼﻗﯿًّﺎ ﻣﺴﻤﻮﺣًﺎ به، وﺑﻨﺎء ﺳﻼﺳﻞ ﻣﻨﻄﻘﯿَّﺔ ﻣُﻌَﻘَّﺪة ﻣﻦ المحاججة لتسويغ مِثْلِ هذا اﻻﺳﺘﻨﺘﺎج يُشَكِّلُ، على الأرجح، خروجًا ﻋﻦ ﺣﺪود التَّفكير السَّليم. فعلى سبيل المثال، يمكن لإنسانٍ فَقَدَ قَدَمَهُ هربًا ﻣﻦ أنْ يسحقه اﻟﺘﺮاﻣﻮاي ﺗﻤﺎﻣًﺎ، أنْ ﯾﻘﻮل: ﻣﻦ اﻟﺠَﯿِّﺪِ أﻧَّﻨﻲ ﺑﻘﯿﺖ ﺣَﯿًّﺎ. لكِنَّهُ ﻟﻦ ﯾﻘﻮل أﺑﺪًا: ﻣﻦ اﻟﺠَﯿِّﺪِ أو ﺣَﺘَّﻰ ﻟﯿﺲ ﺑﺎﻷﻣﺮ اﻟﻔﻈﯿﻊ أﻧَّﻨﻲ ﺑﻘﯿﺖ ﺑﻼ قَدَم.

ينطلق مكيافيللي متسلِّحًا بمنطق الباحث الصَّارم، لا الواعظ الأخلاقيِّ ﻣﻦ اﻟﻤﻮﻗﻒ الآتي: إنَّ الاستخدام اﻟﻤُﻨﺎﺳِﺐ (اﻟﻤُﻨﻔَّﺬ ﺑﺎﻟﺤﺪود اﻟﺪُّﻧﯿﺎ اﻟﻀَّﺮورﯾَّﺔ) ﻟﻠﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة (اﺧﺘﯿﺎر اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ) جائزٌ ﻓﻘﻂ إنْ لازَمَهُ إدراكٌ بأنَّ الجدوى والمبرِّر السِّياسيَّين ﻟﻠﻔﻌﻞ اللَّاأخلاقيِّ ﻻ ﯾُﻐﯿِّﺮانه وﻻ يُحوِّلانه إﻟﻰ ﻓﻌﻞٍ أﺧﻼﻗﻲٍّ ﻣﺴﻤﻮحٍ به. وقد ﯾﻜﻮن ﻣﻔﺘﺎح اﻟﺘَّﻔﺴﯿﺮ اﻟﺼَّﺤﯿﺢ لموقفه، اﻟﻤُﻌﺒَّﺮُ عنه ﻓﻲ الأطروحة اﻟﻔﻠﺴﻔﯿَّﺔ-اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ "اﻷﻣﯿﺮ"، هُوَ عمله المسرحيُّ اﻟﺴَّﺎﺧﺮ "تُفَّاحَةُ الشَّيطان" (mandragora) الَّذِي وإنْ كان أﻗَﻞّ شهرةً ﻣﻦ ﻛﺘﺎب "اﻷﻣﯿﺮ"، إلَّا أنَّه يُشَكِّلُ ﻣﻊ ذﻟﻚ ﺻﻔﺤﺔً ﻣﻌﺮوﻓﺔً ﻓﻲ ﺗﺎرﯾﺦ اﻟﺪّْراﻣﺎ. وفي هذا العمل المسرحيِّ يرسم مكيافيللي صورة الرَّاهب اﻟﺠﺸﻊ الماجن ﻓﺮا ﺗﯿﻤﻮﺗﯿﯿﻮ اﻟَّﺬِي ﯾﺸﺎرك مقابل مبلغٍ مِنَ اﻟﻤﺎل ﻓﻲ مكيدةٍ ﻣﻌﻘﺪةٍ وﯾﺪﻓﻊ اﻟﺰَّوﺟﺔ اﻟﺘَّﻘﯿَّﺔ المُخْلِصة إﻟﻰ ارﺗﻜﺎب اﻟﺰِّﻧﺎ، بإقناعها بأنَّ لا معصية ولا خطيئة في ذلك إطلاقًا. ﯾُﻐﻄِّﻲ رِﯾﺎءَهُ الفَرِّيسيَّ ﺑﻤﻨﻄﻖ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ: "أﻣَّﺎ في ما يخصُّ ضميركم، ﯾﺠﺐ عليكم أنْْ تأخذوا ﺑﺎﻟﻘﺎﻋﺪة اﻟﻌﺎﻣَّﺔ الَّتِي تَنُصُّ على وجوب عدم التَّخلِّي أبدًا عن الخير خوفًا من الشَّرِّ ﺣﯿﺚ ﯾﻮﺟﺪ ﺧﯿﺮٌ ﻣﺆﻛَّﺪٌ وﺷَﺮٌّ ملتبسٌ ﻏﯿﺮ ﻣﺆﻛَّﺪٍ... وفي ما يخصُّ الفعل ذاته، وكأنَّه ﺧﻄﯿﺌﺔ – فهذا ﺧﺮاﻓﺔٌ، ﻷنَّ اﻹرادة هِيَ اﻟَّﺘِﻲ ﺗُﺨْﻄِﺊُ، ﻻ اﻟﺠﺴﺪ... ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ ذﻟﻚ، إنَّ الأمر الَّذِي ﯾﺠﺐ مراعاته ﻓﻲ ﻛُﻞِّ اﻟﻈُّﺮوف هُوَ الغاية" (28). يفضح ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ زﯾﻒ اﻟﺤُﺠَّﺔ اﻷﺳﺎﺳﯿَّﺔ، اﻟﻤﺘﻤﺜِّﻠﺔ ﻓﻲ تبديل ﺻﯿﻐﺔ: "اﻟﻐﺎﯾﺔُ ﺗُﺒَﺮِّرُ اﻟﻮﺳﯿﻠﺔَ" بصيغة أُخرى: "اﻟﻐﺎﯾﺔُ تُعظِّمُ اﻟﻮﺳﯿﻠﺔَ". والحقُّ أنَّ ﻓﻜﺮ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﯾﺨﻠﻮ ﻣﻦ الصَّرامة الميكانيكيَّة الحادَّة. فَهُوَ يُتْقِنُ فنَّ الجمع بين الأضَّداد، ويُدْرِكُ تمامًا أنَّه ﺣَﺘَّﻰ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻐﺎﯾﺔ ﺗﺒﺮِّر اﻟﻮﺳﯿﻠﺔ، فهذا ﻻ ﯾﻌﻨﻲ أﺑﺪًا أنَّ اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﺗﺼﺒﺢ ﻏﺎﯾﺔً أو ﺗﺼﻄﻒُّ ﻓﻲ الصَّفِّ (المرتبة، المستوى) القيميِّ نَفْسِهِ. وفي هذه الحالة، لا يجري الحديث ببساطةٍ عن خَطَإٍ ﻣﻌﺮﻓﻲٍّ وغَفْلَةٍ منطقيَّة. ذلك أنَّ مآل "تطهير" اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة وتبرئة ذِمَّتِها بدعوى أﺧﻼﻗﯿَّﺔ الغايات، على ما يبيِّن ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، هُوَ تجريدُ اﻟﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ من سلاحها الأخلاقيِّ، وتهدئة ضميرها ﻏﯿﺮ اﻟﻨَّﻘﻲّ.

لقد أدرَك ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ جَيِّدًا أنَّه لكي نستخدم اﻷﻓﻌﺎل اللَّاأخلاقيَّة ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﺑﺤﺬرٍ وﺑﺎﻟﺤﺪود اﻟﺪُّﻧﯿﺎ اﻟﻀَّﺮورﯾَّﺔ، ﯾﺠﺐ أنْ ﻧُﻘْﺪِم عليها بِفْهْمٍ واﺿﺢٍ أنَّها ﻻأﺧﻼﻗﯿَّﺔ، وﺳﺘﻈﻞُّ ﻛﺬﻟﻚ. وﻓﻲ فلسفته اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ، تُباحُ اﻷﻓﻌﺎل اللَّاأخلاقيَّة باعتبارها شرًّا أﺻﻐﺮ ﻣﻦ وجهة ﻧﻈﺮ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ اﻟﻨَّﺎﺟﺤﺔ، وﻣﺼﺎﻟﺢ اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻛﻜُﻞٍّ. فاﻟﻤﻌﯿﺎر هُنا هُوَ، تحديدًا، ﺧﯿﺮُ اﻟﻜُﻞِّ وﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ. وﺑﺬﻟﻚ يُنْقَلُ ﺗﺤﻠﯿﻞ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻣﺘﻰ وإﻟﻰ أيِّ ﺣَﺪٍّ ﯾﺠﺐ إتيان اﻷﻓﻌﺎل اللَّاأخلاقيَّة إﻟﻰ ﻣﺠﺎل اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ وتصبح ﻣﻮﺿﻮﻋًﺎ ﻟﻠﺘَّﺤﻠﯿﻞ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ ﺗﺤﺪﯾﺪًا، وﻟﯿﺲ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ. وفي ما يتعلَّق بالأخلاق ومنظارها، فإنَّ الجدوى السِّياسيَّة ﻻ ﺗُﻐَﯿِّﺮ اﻟﺼِّﻔﺔ النَّوعيَّة اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﻸﻓﻌﺎل: ﻓﺎﻷﻓﻌﺎل المرذولة ﺗﺒﻘﻰ مذمومةً ومرفوضةً أﺧﻼﻗﯿًّﺎ، ﺣَﺘَّﻰ ولو ﻛﺎﻧﺖ أﻓﻌﺎلًا يؤتيها الأمير ﻟﺨﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ، وﺣَﺘَّﻰ لو ﻛﺎﻧﺖ افعالًا اضطراريَّةً أوَّلًا وثانيًا وثالثًا.

ﻻ ﯾُﻨْﻜِﺮُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ دَوْرَ اﻷﺧﻼق ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ﺑَﻞْ إنَّه، إذا ﺟﺎز اﻟﺘَّﻌﺒﯿﺮ، ﯾﺪﻣﺞ اﻷﺧﻼق ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ﻣﺨﻀِﻌًﺎ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﻠﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻟﺴَّﯿﺎﺳﯿَّﺔ. وهُوَ ﯾﻨﻈﺮ إﻟﻰ اﻷﺧﻼق باعتبارها وسيلةً ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إﻟﻰ الأهداف اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ. ﯾﺠﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﺎﻛﻢ اﻟَّﺬِي ﯾﺠﺴِّﺪ اﻟﺪَّوﻟﺔ في شخصه أنْ ﯾﻜﻮن ﻗﺎدرًا ﻋﻠﻰ ﺗﺠﺎوُز اﻷﺧﻼق، وألَّا ﯾﺨﺸﻰ، بِالقَدْرِ نَفْسِهِ، أنْ ﯾُﻮﺻَﻒَ ﺑﻌﺪم اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ، وأنْ ﯾﻔﻌﻞ ذﻟﻚ من أجْلِ ﺗﻘﻮﯾﺔ سُلطته فقط: "ﻋﻠﻰ اﻷﻣﯿﺮ اﻟﺮَّاﻏﺐ ﻓﻲ اﻟﺒﻘﺎء، أنْ ﯾﺘﻌﻠَّﻢ كيف يستطيع أنْ ﻻ ﯾﻜﻮن فاضلًا، وأنْ ﯾﺴﺘﺨﺪم هذا أو ﻻ يستخدمه، وَفْقًا لمقتضيات اﻟﻀَّﺮورة" (29). أنْ ﺗﺘﻌﻠَّﻢ اﻻﻧﺤﺮاف ﻋﻦ اﻟﺨﯿﺮ – ﻻ ﯾﻌﻨﻲ أنْ تصبح شرِّيرًا وﺗﻔﻘﺪ اﻟﻘﺪرة ﻋﻠﻰ أنْ ﺗﻜﻮن طيِّبًا، إنَّما ﯾﻌﻨﻲ أنْ ﺗُﻄﻮِّر ﻓﻲ ذاﺗﻚ اﻟﻘﺪرة ﻋﻠﻰ ارﺗﻜﺎب أﻓﻌﺎلٍ ﺷﺮِّﯾﺮةٍ ﻓﻲ ﺣﺎل ﻛﺎﻧﺖ ﺿﺮورﯾَّﺔً ﺳﯿﺎﺳﯿًّﺎ: "من الضَّروريِّ للأمير – على ما يقول ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ – أنْ يكون قادرًا على الاتِّصاف بطبيعة الوحش واﻹﻧﺴﺎن معًا" (30). بهذا اﻟﺘَّﺼﺮُّف ﯾﺮﺗﻔﻊ اﻟﺤﺎﻛﻢ اﻟَّﺬِي ﯾﺠﺴِّﺪ بشخصه إرادة اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻓﻮق تضادِّ اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ، لكِنَّهُ ﻻ ﯾُﻠْﻐﻲ هذا التَّضادَّ نَفْسَهُ. فَهُوَ يتخطَّاه ﺑِﺎﺳْﻢِ اﻟﺪَّوﻟﺔ، لكِنَّهُ ﻻ يُعْدِمُه. وﺑﻤﺎ أنَّ الكلام هُنا هُوَ على انتهاكات للأخلاق ﺗُﺮﺗَﻜَﺐ ﺑﻌﯿﻮنٍ ﻣﻔﺘﻮﺣﺔٍ، وﺑِﻮَﻋْﻲٍ وفَهْمٍ أنَّها انتهاكاتٌ ﺗﺤﺪﯾﺪًا، ﻓﺈنَّ اﻷﺧﻼق نَفْسَها ﺗﺤﺎﻓﻆ ﻋﻠﻰ استقلاليَّتها. وهِيَ بهذا تحديدًا – بحفاظها ﻋﻠﻰ اﻻﺳﺘﻘﻼﻟﯿَّﺔ وتسميَّتها اﻟﺸَّﺮَّ ﺷﺮًّا، ﺣَﺘَّﻰ ﻟﻮ ارﺗُﻜِﺐَ ﻟﺨﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ – تُسْهِمُ ﻓﻲ الإقلال من الشَّرِّ المُحَفَّزِ بدوافعَ سياسيَّةٍ. ﺑﺎﻟﻄَّﺒﻊ، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ اﻋﺘﺒﺎر ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، ﻛﻤﺎ ﯾﺰﻋﻢ بعض الباحثين، "ﻣﻌﻠِّﻤًﺎ ﻟﻠﺸَّﺮِّ"، إنْ كان مِثْلُ هذا الأمر ﻣﻤﻜﻨًﺎ أصلًا؛ ﯾﻤﻜﻦ اﻋﺘﺒﺎره ﻣُﻌﻠِّﻤًﺎ كهذا ﻓﻘﻂ بمعنى أنَّه ﯾُﻌﻠِّﻢ ارﺗﻜﺎب اﻷﻓﻌﺎل اﻟﺸِّﺮِّﯾﺮة ﻛﻮﺳﯿﻠﺔٍ اضطراريَّةٍ، ولكِنْ من غير أنْ ﯾﺼﺒﺢ اﻟﻤﺮءُ نَفْسُهُ ﺷﺮِّﯾﺮًا. وإذا ﻛﺎن ﯾُﻌﻠِّﻢ ﺷﯿﺌًﺎ ذا صلةٍ ﺑﺎﻷﻓﻌﺎل اﻟﺸِّﺮِّﯾﺮة، فَهُوَ أنْ يكون المرء ﺳﯿِّﺪَ مِثْلِ هذه اﻷﻓﻌﺎل، وأنْ يرتكبها بِفَهْمٍ واﺿﺢٍ لغاياتها وحدود ضرورتها. وﻋﻠﻰ أيِّ ﺣﺎلٍ، لا يَصِلُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ إﻟﻰ ﺣَﺪِّ اﻋﺘﺒﺎر الجدوى (اﻟﻤﻼءﻣﺔ) اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ بذاتها ﻣﺼﺪرًا ﻟﻠﻤﺒﺎدئ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ.

وهكذا، ﯾﻤﻜﻨﻨﺎ اﻟﺘَّﺤﺪُّث ﻋﻦ الإطيقا اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ عند مكيافيللي، وﻟﯿﺲ ﻋﻦ اللَّاأخلاقيَّة اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ، ﺑَﻞْ ﻋﻦ اﻷﺧﻼق اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ ﺗﺤﺪﯾﺪًا اﻟَّﺘِﻲ ﺗﻜﻤﻦ خصوصيَّتها ﻓﻲ كونها ذات طابَعٍ مُؤسَّسيٍّ وسياسيٍّ. هذه اﻷﺧﻼق، وإنْ ﻛﺎﻧﺖ تبيح الأفعال اللَّاأخلاقيَّة، إلَّا أنَّها ﻻ تَعُدُّها إﻟﺰاﻣﯿَّﺔً، وﺗُﺤَﺬِّر ﻣﻦ الوَهْمِ اﻟﺮِّﯾﺎﺋﻲِّ اﻟﻘﺎﺋﻞ إنَّها ما أنْ تصبح ﺿﺮورﯾَّﺔً ﺳﯿﺎﺳﯿًّﺎ حَتَّى تبطل عن كونها ﻻأﺧﻼﻗﯿَّﺔ. إضافةً إلى ذلك، يفتح هذا اﻟﺘَّﺤﺮﯾﺮ ﻟﻠﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻣﻦ اﻷﺧﻼق اﻟَّﺬِي يُؤسِّسُهُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، والمصحوب بالنَّظر إليها بوصفها مجالًا ﻟﻠﻨَّﺸﺎط الَّذِي ﯾَﺨْﻀَﻊُ لقوانينه اﻟﺨﺎﺻَّﺔ، أُفُقًا رحبًا أمام النَّقد اﻷﺧﻼﻗﻲِّ ﻟﻠﺴِّﯿﺎﺳﺔ.

ﻟﻘﺪ أﺻﺒﺢ من شِبْهِ المُسَلَّم به أنْ ﯾُﻨْﺴَﺐَ إﻟﻰ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ الرَّأي القائل بأنَّ ﻛُﻞَّ ﻣﺎ هُوَ ﻣﻔﯿﺪ ﻟﻠﺪَّوﻟﺔ وداعم لها هُوَ ﻣُﺒﺮَّر أﺧﻼﻗﯿًّﺎ. هذا ﻏﯿﺮ ﺻﺤﯿﺢ. إذ إنَّ موقف ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻣﺨﺘﻠﻒ: فَهُوَ يرى أنَّ اﻷﻓﻌﺎل اللَّاأخلاقيَّة تندرج في عِدادِ اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اﻹﻟﺰاﻣﯿَّﺔ ﻟﻠﻨَّﺸﺎط اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ-اﻟﺪَّوﻟﻮيِّ، فضلًا عن أنَّ اﻟﺮَّﻓﺾ اﻟﻤﺒﺪﺋﻲَّ لها، وﻛﺬﻟﻚ ﻋﺪم اﻟﻘﺪرة ﻋﻠﻰ استخدامها ﺑِﻮَﻋْﻲٍ، يرتدَّان، ﺣﺘﻤًﺎ، ﻋﻠﻰ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﺑﻌﻮاﻗﺐ وخيمةٍ ﻣﺪﻣِّﺮة. ﻟﻘﺪ عَلَّلَ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ وأﻗَﺮَّ ﻧﻈﺮﯾًّﺎ (ﻟﻢ ﯾُﻤﺠِّﺪ، ﺑْﻞْ عَلَّلَ وأﻗَﺮَّ ﻧﻈﺮﯾًّﺎ) اللَّاأخلاقيَّة ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، لكنَّه ﻟﻢ ﯾُﻘِﺮَّ ﻻأﺧﻼﻗﯿَّﺔ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، وﻟﻢ يحسب اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ضربًا من ضروب اللَّاأخلاقيَّة، لأنَّه ﻟﻢ يَرَ في اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة اﻟﻤﺤﺘﻮى المُهَيْمِنَ، وﻻ حَتَّى اﻟﻤﺤﺘﻮى اﻟﻮﺣﯿﺪ ﻟﻠﻤﻤﺎرﺳﺔ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ.

تُظْهِرُ اﻟﻘﺮاءةُ اﻟﻤﺘﺄﻧِّﯿﺔ للفصول ﻣﻦ ﻛﺘﺎب "اﻷﻣﯿﺮ" اﻟَّﺘِﻲ ﯾﺒﺘﻌﺪ فيها ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، ﻛﻤﺎ ﯾُﺪرِكُ هُوَ نَفْسُهُ، أﻛﺜﺮ ﻣﺎ ﯾﻜﻮن من "آراء اﻵﺧﺮﯾﻦ"، أنَّ داﻓﻌَﯿﻦ أﺳﺎﺳﯿَّﯿﻦ يهيمنان عليها: فَهُوَ يوجِّه الأمير-اﻟﺤﺎﻛﻢ ويدعوه، أوَّلًا، إلى اﻟﺘَّﺨﻠُّﺺ ﻣﻦ الوَهْمِ اﻟﻘﺎﺋﻞ ﺑﺄنَّ ﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ يستبعد اﺳﺘﺨﺪام اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة، وإلى اﻟﻨَّﻈﺮ إﻟﻰ اﻷُﻣﻮر ﺑﻮاﻗﻌﯿَّﺔٍ وﻋﺪم اﻟﺨﻮف ﻣﻦ أنْ يُنْعَتَ ﺑﺎﻟﻘﺴﻮة والخداع، أيْ إلى ﺧَﻠْﻊِ اﻟﻘﻨﺎع اﻟﻤﻌﺘﺎد ﻟﻠﻨِّﻔﺎق اﻷﺧﻼﻗﻲِّ الَّذِي ﯾُﻘَﺪَّمُ اﻟﺸَّﺮَّ ويُصوِّره ﻋﻠﻰ أنَّه ﺧﯿﺮٌ؛ وﺛﺎﻧﯿًﺎ، إﻟﻰ أنْ ﯾﻜﻮن "ﻣﻘﺘﺼﺪًا" وﻣﺘﺤﻔِّﻈًﺎ للغاية ﻓﻲ اﺳﺘﺨﺪام اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة، لكي ﻻ ﯾﺘﺠﺎوز اﻟﺤَﺪَّ اﻷدﻧﻰ اﻟﻀَّﺮوريَّ ﺳﯿﺎﺳﯿًّﺎ.

وأيًّا تكن دِقَّةُ تأويلنا لموقف مكيافيللي وتمييزه ﻋﻦ التَّحريفات واﻟﺘَّﺒﺴﯿﻄﺎت المبتَذَلة اللَّاحِقَة، ﻓﺈنَّ ﺷﯿﺌًﺎ واﺣﺪًا يبقى واضحًا ﺗﻤﺎﻣًﺎ: ﻟﻘﺪ بَيَّنَ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ (سوَّغ، أﺛﺒﺖ، أﺻﺮَّ) أنَّ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻣُﻘْﺘَﺮِﻧَﺔٌ باللَّاأخلاقيَّة واﻟﻌﻨﻒ واﻟﺨﺪاع. هذا هُوَ اﻟﺪَّرسُ اﻟﻨَّﻈﺮيُّ الأهَمُّ اﻟَّﺬِي قدَّمه مكيافيللي واﻟَّﺬِي، ﻓﻲ رأﯾﻲ، ﻟﻢ ﯾُﺴﺘﻮﻋَﺐ جَيِّدًا ﺣَﺘَّﻰ النِّهاية. وﻋﻨﺪﻣﺎ أﻗﻮل "ﻟﻢ ﯾُﺴﺘﻮﻋَﺐ جَيِّدًا ﺣَﺘَّﻰ النِّهاية"، ﻓﺄﻧﺎ أﻋﻨﻲ، ﻋﻠﻰ اﻷﻗَﻞِّ، ﻧﺘﯿﺠﺘﯿﻦ ﻣﺘﺮاﺑﻄﺘﯿﻦ ﺗﺘﺮﺗَّﺒﺎن ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ. ﺗﺘﻌﻠَّﻖ الأُولى ﺑﺎﻷﺧﻼق، وتتعلَّق اﻟﺜَّﺎﻧﯿﺔ ﺑﺎﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، وبفهمهما ومعرفة مكانتهما ﻓﻲ ﺣﯿﺎة اﻹﻧﺴﺎن واﻟﻤﺠﺘﻤﻊ.

ﻟﻤﺎذا، وَفْقًا لمكيافيللي، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﺗﻄﺒﯿﻖ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﻠﺘَّﻤﯿﯿﺰ ﺑﯿﻦ اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ، وﺑﯿﻦ اﻷﻓﻌﺎل الصَّالحة والأفعال الطَّالحة ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ؟ لأنَّها تظهر، ﻗﺒﻞ ﻛُﻞِّ ﺷﻲءٍ، ﻓﻲ ﺻﻮرة ﻣﺒﺎدئ ﻏﯿﺮ مشروطة. وبهذه اﻟﺼُّﻮرة، يمكنها أنْ تكون مُجْدِيَةً وفعَّالةً باعتبارها قناعةً ﺷﺨﺼﯿَّﺔً فقط. أﻣَّﺎ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ فَهِيَ ﺗﻤﺜِّﻞ ﻣﺠﺎلًا للتَّفاعل المتبادل ﺑﯿﻦ اﻟﻨَّﺎس، وﻧﻮﻋًﺎ ﻣﻦ اﻟﺘَّﻮازن القائم بين قوى وﻣﺼﺎﻟﺢ ﻏﯿﺮ ﻣﺘﺠﺎﻧﺴﺔٍ؛ وﻟﯿﺴﺖ اﻟﻘﻨﺎﻋﺎت (اﻟﻤﺒﺎدئ) هِيَ الأمر المُهِمُّ فيها، ﺑَﻞْ اﻷﻓﻌﺎل ذاتها ﻓﻲ نتائجها الملموسة واﻟﻤﺮﺋﯿﺔ، اﻟﻤﺆﺛِّﺮة في اﻟﻮﺿﻊِ اﻟﻌﺎمِّ ﻟﻸُﻣﻮر. ﻟﺪى ﻓﻼدﯾﻤﯿﺮ إيليتش ﻟﯿﻨﯿﻦ اﻟَّﺬِي يُشْبِهُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺟِﺪًّا ﻓﻲ ﻣﺴﺄﻟﺔ العلاقة بين اﻷﺧﻼق والسِّياسة، ﻣﻘﻮﻟﺔٌ دﻗﯿﻘﺔٌ ﺟِﺪًّا مُفادُها أنَّ اﻟﻔَﺮْقَ ﻛﺒﯿﺮٌ، من النَّاحية الشَّخصيَّة، ﺑﯿﻦ اﻟﺨﺎﺋﻦ عن غباءٍ واﻟﺨﺎﺋﻦ عن سابق إصرارٍ وتصميمٍ، ﻟﻜِﻦْ ﻻ وﺟﻮد لهذا اﻟﻔَﺮْقِ ﻣﻦ اﻟﻨَّﺎﺣﯿﺔ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ.

ﯾﺴﻤﺢ اﻟﺘَّﺤﻠﯿﻞ اﻟَّﺬِي قَدَّمَهُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺣﻮل ﺳﺒﺐ ﻋﺪم جواز اللُّجوء إلى المعايير اﻷﺧﻼقيَّة ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، بِفَهْمِ طبيعة الأخيرة ذاتها. اﻟﻤﻘﺼﻮد هُوَ إﺑﺮاز خصوصيَّة اﻷﺧﻼق واﻷﻓﻌﺎل اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ودراستها ﻣﻦ جهة تَضارُبها ﻣﻊ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ. بَيْدَ أنَّ هذا اﻻﺗِّﺠﺎه اﻟﺒﺤﺜﻲَّ الواعد واﻟﻤﺜﻤﺮ ﺟِﺪًّا ﻟﻢ ينل نصيبه الوافي من التَّطوير الكافي، ﺑَﻞْ تعرَّض لتحريفٍ ملحوظٍ. ﯾﺘﺠﻠَّﻰ التَّحريف ﻓﻲ ﻣﺤﺎوﻻت إﻋﺎدة ﺗﻔﺴﯿﺮ اللَّاأخلاقيَّة ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ لتبدو وكأنَّها نمطُ أفعالٍ مقبولٌ أﺧﻼﻗﯿًّﺎ، وﻋﻨﺼﺮٌ شرعيٌّ ﻓﻲ اﻷﺧﻼق اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ. وبدلًا ﻣﻦ الغوص واﻟﺒﺤﺚ ﺑﻌﻤﻖٍ أﻛﺒﺮ ﻓﻲ ﺧﺼﻮﺻﯿَّﺔ اﻷﺧﻼق الَّتِي بسببها ﺗﺒﺪو عنصرًا متطفِّلًا وغريبًا ﻓﻲ ﻋﺎﻟَﻢ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ وﺗﺒﻘﻰ، مِنْ حَيْثُ المبدإِ، ﺳُﻠﻄﺔً ﻧﻘﺪﯾَّﺔً تُجاهها، تُقدِّم الإطيقا ﻓﻲ نُسخها اﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ – اﻟﻨَّﻔﻌﯿَّﺔ واﻟﺘَّﻄﺒﯿﻘﯿَّﺔ ﻗﺒﻞ ﻛُﻞِّ ﺷﻲءٍ – ذلك الفَهْمَ للأخلاق المُلتبس اﺟﺘﻤﺎﻋﯿًّﺎ الَّذِي يُجَرِّدُها ﻣﻦ لَدْغَتِها اللَّاذعة اﻟﻤُﻄْﻠَﻘَﺔ واﻟﻔﺮدﯾَّﺔ-اﻟﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ، ويُصالحها ﻣﻊ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ويُكيِّفها معها. وﻣﺎ عساها أنْ ﺗﻜﻮن ﻣﺤﺎوﻻت اﻟﺘَّﺸﻜﯿﻚ ﻓﻲ اﻟﻤﺜﺎل اﻷﺧﻼﻗﻲِّ لِلَّاعنف أو، ﻋﻠﻰ اﻷﻗَﻞِّ، إحداث صدع ﻓﻲ هذا المثال وتسفيهه بُغْيَة إفساح المجال أمام جواز اﻟﺘَّﺒﺮﯾﺮ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ ﻟﻠﺤﺮب وأﺷﻜﺎل اﻟﻌﻨﻒ اﻷُﺧﺮى، ﺳِﻮى إفسادًا للأخلاق ذا دواﻓﻊ ﺳﯿﺎﺳﯿَّﺔ؟! وﻣﺎ عساه أنْ ﯾﻜﻮن اﻟﺴَّﻌﻲ ﻹﺛﺒﺎت الشَّرعيَّة الأخلاقيَّة ﻟﻠﺤﻖِّ ﻓﻲ اﻟﻜﺬب، ﺳِﻮى اﺳﺘﺴﻼﻣًﺎ ﻧﻈﺮﯾًّﺎ أﻣﺎم اﻟﻨِّﻔﺎق اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ واﻟﯿﻮﻣﻲِّ؟

تحملُ ﺣﻘﯿﻘﺔُ الفصلِ المكيافيلليِّ ﺑﯿﻦ اﻷﺧﻼق واﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻛﻮاﻗﻌﯿﻦ ﻣﺨﺘﻠﻔﯿﻦ ﻓﻲ طياتها فَهْمًا معيَّنًا ﻟﻸﺧﻼق. وﺑﺘﺤﺮﯾﺮه اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻣﻦ اﻷﺧﻼق، ﯾَﻔْﺼُﻞ مكيافيللي، ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ نَفْسِهِ، اﻷﺧﻼق ﻋﻦ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ. فَهُوَ ﯾﺮى ﻓﻲ اﻷﺧﻼق: أ) ﻣُﻄْﻠَﻘِﯿَّﺔ اﻟﻤﺒﺪإِ اﻟﻔﺎﺻﻞ ﺑﯿﻦ اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ الَّذِي ﺗﻜﻮن بموجبه اﻷﻓﻌﺎلُ الحسنةُ والأفعالُ القبيحةُ حسنةً أو قبيحةً ذاتها في ذاتها، وتحتوي ﻓﻲ ذاتها على ثوابها وعقابها اﻟﺨﺎﺻَّﯿﻦ؛ ب) ﻣﻮﻗﻔًﺎ ﻓﺮدﯾًّﺎ ﻟﻠﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ (31)، ﺗﺘﺤﻤَّﻞ مسؤوليَّته أﻣﺎم نَفْسِها وأﻣﺎم ﷲ، لأنَّ الحديث، ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ ﻟﻸﻓﻌﺎل، إنَّما يطال مقدار مدى وجُرْعَة استعداد الشَّخصيَّة لتأخذ على عاتقها مسؤوليَّة إثمها. إنَّ اﻷﺧﻼق المفهومة على هذا النَّحْوِ بالذَّات، وﻓﻘًﺎ ﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، هِيَ اﻟﻤﻨﻔﺼﻠﺔ ﻋﻦ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ (32).

والحالُ، إنَّ فَهْمَ مكيافيللي للسِّياسة يَظْهَرُ بأوضح ما يكون في ضوء فَهْمِهِ ﻟﻸﺧﻼق. ليس المقصود السِّياسة المدنيَّة، ﺑَﻞْ ﺳﯿﺎﺳﺔ اﻟﺪُّول اﻟﻘﻮﻣﯿَّﺔ. ويكمن اﻟﻔﺮق الجوهريُّ بينهما ﻓﻲ أنَّ اﻟﺪَّوﻟﺔ اﻟﻘﻮﻣﯿَّﺔ، ﻛﺸﻜﻞٍ ﻣﻦ أﺷﻜﺎلِ اﻟﺠﻤﺎﻋﯿَّﺔ الجماهيريَّة اﻟﻜﺒﯿﺮة ﻣﻦ اﻟﻨَّﺎس، تمتلك منطقها التَّطوُّريَّ اﻟﺨﺎصَّ وهُوِيَّتَها الذَّاتيَّة، ويتوقَّف مصيرها – إﻟﻰ ﺣَﺪٍّ ﻛﺒﯿﺮٍ – على الحظِّ (fortune). زِدْ على ذﻟﻚ، أنَّ اﻷﻓﺮاد لا ينخرطون في اﻟﺪَّوﻟﺔ بوصفهم شخصيَّاتٍ ﻣﻨﻔﺮدةً، ﺑَﻞْ ﻛﺠﺰءٍ ﻣﻦ ﻣﺠﻤﻮﻋﺎتٍ اﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔٍ ذات ﻣﺼﺎﻟﺢ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔٍ (وﻏﺎﻟﺒًﺎ ﻣﺘﻌﺎرﺿﺔً)، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺣﯿﺚ اﻟﻤﺒﺪإِ اﻟﺘَّﻮﻓﯿﻖ بينها. ﻟﺬﻟﻚ، ﻓﺈنَّ اﻟﺼِّﺮاﻋﺎت اﻟﺪَّاﺋﻤﺔ واﻟﻨَّﺎﺷﺌﺔ ﺑﺸﻜﻞٍ ﻏﯿﺮ ﻋﺸﻮاﺋﻲٍّ هِيَ رﻓﯿﻖٌ ﺣﺘﻤﻲٌّ ﻟﻠﺪَّوﻟﺔ، ودور اﻷﺧﯿﺮة هُوَ تخفيفها، وﻟﯿﺲ حَلَّها ﻓﻲ توليفةٍ مثاليَّةٍ ﻣﺎ. فالفضاء اﻟﺪَّوﻟﻮيُّ-اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲُّ ﻟﯿﺲ، وﻻ ﯾﻤﻜﻦ أنْ ﯾﻜﻮن، فضاءً ﻟﻠﻔﻀﯿﻠﺔ اﻹﻧﺴﺎﻧﯿَّﺔ.

إضافةً إلى ذلك، ﻓﺈنَّ اﻻﻋﺘﺮاف باللَّاأخلاقيَّة كعنصرٍ ﻋﻀﻮيٍّ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ﯾﻌﻨﻲ ﺑﻼ ﺷَﻚٍّ ﻣﺎ ﯾﻠﻲ: لا يمكن للنَّشاط اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ-اﻟﺪَّوﻟﻮيِّ أنْ يتوافق مع التَّطلُّعات اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ اﻟﻤﺜﺎﻟﯿَّﺔ، وأنْ ﯾُﻨْﻈَﺮَ إليه كمسارٍ أساسيٍّ لتحقيقها. وكذلك، ﯾﺠﺐ أنْ يبقى هذا النَّشاط داﺋﻤًﺎ ﺗﺤﺖ مجهر اﻟﺸَّﻚِّ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ وأنْ يكون ﻣﻮﺿﻮﻋًﺎ ﻟﻠﻨَّﻘﺪ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ، وﻟﻮ ﻓﻘﻂ ﻟﺘﻘﻠﯿﻞ اللَّاأخلاقيَّة اﻟﻤﻼزﻣﺔ له إﻟﻰ اﻟﺤَﺪِّ اﻷدﻧﻰ. ويمكن لأنظمة الحُكْمِ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ بِنُخبها وقادتها أنْ تكون متباينةً ومختلفةً، وأنْ تكون هذه الاختلافات بِحَدِّ ذاتها كبيرةً ومُهِمَّةً جِدًّا ﻓﻲ ﺟﻮاﻧﺐ معيَّنة، ﻟﻜِﻦْ، ﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ لأيٍّ منها، حَتَّى لأكثر بدائلها ﻣﺜﺎﻟﯿَّﺔً، أواقعيًّا كان أم تصوُّريًّا، أنْ يكون مطابقًا للخير الأخلاقيِّ، أو أنْْ يُعَدَّ مثالًا ﯾُﺤﺘﺬى به ﺣﺴﺐ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ. وﻻ ﺣﺎﺟﺔ إﻟﻰ اﻟﻘﻮل إنَّ هذا اﻟﺪَّرس المكيافيلليَّ ﻟﻢ ﯾُﺴﺘﻮﻋَﺐ ﺟَﯿِّﺪًا، واﻟﺪَّﻟﯿﻞ ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ هُوَ ﺗﺠﺎرب اﻟﺸُّﻤﻮﻟﯿَّﺔ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ اﻟﻤﻠﯿﺌﺔ بالدِّيماغوجيا اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻓﻲ اﻟﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﯾﻦ، معطوفًا عليها أﯾﻀًﺎ المَيْلُ اﻟﻤﺘﻔﺸِّﻲ ﺗﻘﺮﯾﺒًﺎ في أوساط اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿّﯿﻦ إﻟﻰ التَّحدُّث ﺑﻤﺼﻄﻠﺤﺎت اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ، والرِّهانات واﻵﻣﺎل اﻟﻤﻌﻘﻮدة ﻋﻠﻰ اﻟﻘﺎدة اﻟﻜﺎرﯾﺰﻣﺎﺗﯿﯿﻦ، وﻣﺎ إﻟﻰ ذﻟﻚ. وﻗﺪ ﯾﻜﻮن قول أﻟﺒﺮت ﺷﻔﺎﯾﺘﺰر ﺑﺄنَّ هلاك اﻟﺜَّﻘﺎﻓﺔ ﯾﺒﺪأ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾُﻔَﻮَّضُ تكوين اﻷﺧﻼق إﻟﻰ اﻟﺪَّوﻟﺔ ضربًا من المغالاة. ﻟﻜِﻦْ ﻣﻦ المؤكَّد ﺗﻤﺎﻣًﺎ أنَّ ﻓُﻘﺪان اﻷﺧﻼق ﻟﻠﻤﺴﺎﻓﺔ اﻟﻨَّﻘﺪﯾَّﺔ ﺗُﺠﺎه اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ واﻟﺪَّوﻟﺔ هُوَ اﻋﺘﺮافٌ بتدهوُرِ اﻷﺧﻼق ذاتها.

***

...........................

الهوامش والتَّعليقات:

* ﻧﺴﺨﺔٌ ﻣﻮﺳَّﻌﺔٌ ﻣﻦ ورﻗﺔٍ ﺑﺤﺜﯿَّﺔٍ ﻗُﺪِّﻣَﺖْ ﻓﻲ ﻣﺆﺗﻤﺮٍ في معهد اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ اﻟﺘَّﺎﺑﻊ ﻟﻸﻛﺎدﯾﻤﯿَّﺔ اﻟﺮُّوﺳﯿَّﺔ ﻟﻠﻌﻠﻮم ﺑِﻤُﻨﺎﺳَﺒﺔ اﻟﺬِّﻛﺮى اﻟﻤﺌﻮﯾَّﺔ اﻟﺨﺎﻣﺴﺔ ﻟﻜﺘﺎب ﻧﯿﻜﻮﻻي ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ "اﻷﻣﯿﺮ". ﻧُﺸِﺮَتْ ﻧﺴﺨﺔٌ ﻣﺨﺘﺼَﺮةٌ عنها: ﻏﻮﺳﯿﻨﻮف ع.ع. ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ واﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ. مقالاتٌ في مُناسَبَةِ اﻟﺬِّﻛﺮى اﻟﻤﺌﻮﯾَّﺔ اﻟﺨﺎﻣﺴﺔ ﻟﻜﺘﺎب ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ "اﻷﻣﯿﺮُ" // نشرات الإطيقا التَّطبيقيَّة. الإصدار 43. تيومين. 2013. ص 111-124.

1) وهكذا، نجدُ، مثلًا، عند أرسطو قولًا مُفاده أنَّه من الأفضل للطَّاغية، لكي يُحافظ على قُوَّتِه وتكون سُلطته أكثر رسوخًا، أنْ يُنظِّم نشاطه بحيث لا يظهر في صورة الطَّاغية، بَلْ بمظهر القيصر، ويَلْزَمه "أنْ لا يبدو إنسانًا نذلًا بالكامل، إنَّما نصف نذل فقط". اُنظُر: أرسطو. السِّياسَةُ. / ترجمة س.أ. جيبليوف // أرسطو. المؤلَّفات في أربعة مُجلَّدات. المُجلَّد 4. موسكو. 1983. ص 565.

2) بِغَضِّ النَّظر ﻋﻦ السُّؤال اﻟﻤﺜﯿﺮ للاهتمام ﺣﻮل ﺗﺎرﯾﺦ ﻣﺼﻄﻠﺢ "اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ"، ﺗﺠﺪر اﻹﺷﺎرة إﻟﻰ أنَّه ﻟﻄﺎﻟﻤﺎ ﺣﻤﻞ دﻻﻟﺔً قيميَّةً سلبيَّةً، ﺧَﻔَّﺖْ حِدَّتها ﺑﻤﺮور اﻟﺰَّﻣﻦ، واﻧﺘﻘﻠﺖ، ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ نَفْسِهِ، ﻣﻦ شخصيَّة ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ إﻟﻰ الظَّاهرة ذاتها. ﻓﻲ اﻟﺒﺪاﯾﺔ، فُهمَت اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ ﻋﻠﻰ أنَّها ﻧﻈﺮةٌ ﻣﻨﺤﺮﻓﺔٌ إﻟﻰ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ﯾُﻔْﺘَﺮَضُ أنَّها خَصلةٌ من خِصالِ اﻟﻔﻠﻮرﻧﺴﻲِّ اﻟﻤﻨﺤﺮف تُعبِّر عن سوء خُلُقه وطباعه أﻛﺜﺮ مِمَّا تعبِّر عن حقيقة اﻟﻤﻮﺿﻮع نَفْسِه. ﻧﺎلَ كتابُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺷﺮف اﻟﺤﻈﺮ ﻟﻔﺘﺮةٍ طويلةٍ، ﻛﻤﺎ ﻟﻮ أنَّه ﯾُﺸَﺠِّﻊُ اﻻﻧﺤﺮاﻓﺎت اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ويُرَوِّجُها، وﺑﺎﻟﺘَّﺎﻟﻲ، ﻛﺎن ﻏﯿﺮ ﻻﺋﻖٍ ﻓﻲ الفضاء العموميِّ شأنه ﻓﻲ ذﻟﻚ ﺷﺄن الألفاظ والشَّتائم اﻟﺒﺬﯾﺌﺔ. ومع ﻣﺮور اﻟﻮﻗﺖ، وﺗَﻄﻮُّر المنهج اﻟﻌﻠﻤﻲِّ في فَهْمِ الظَّواهر اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ، أﺻﺒﺢ ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أنَّ اللَّاأخلاقيَّة ﻣﺮﺗﺒﻄﺔ بجوهر اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ نَفْسِها، وأﺻﺒﺤﺖ اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ ﺗﺪلُّ ﻋﻠﻰ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ اللَّاأﺧﻼﻗﯿَّﺔ. وﻓﻲ اﻟﻮﻋﻲ اﻟﻌﺎمِّ وﻓﻲ اﻟﻠُّﻐﺔ اﻟﺮُّوﺳﯿَّﺔ اﻟﺪَّارﺟﺔ ينطوي هذا اﻟﻤﺼﻄﻠﺢ، إﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﻣﻌﻨﺎه اﻟﻤﺤﺪَّد اﻟﻤﺘﻤﺜِّﻞ ﻓﻲ اللَّاأخلاقيَّة ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، على معنًى أوﺳﻊ يشمل اﻟﻤﻜﺮ واﻟﺨﯿﺎﻧﺔ واﻟﻐﺪر عمومًا. وﻓﻲ ﻛﻠﺘﺎ اﻟﺤﺎﻟﺘﯿﻦ يجري الحديث ﻋﻦ الظَّواهر الواﻗﻌﯿَّﺔ الَّتِي يحتوي وجودها ذاته ﻋﻠﻰ ﻣﻮﻗﻒٍ أخلاقيٍّ-ﺳﻠﺒﻲٍّ تُجاهها.

3) "ﯾُﻔﺘَﺮَضُ أنَّ اﻷﺧﻼق واﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻣﺠﺎﻻن مستقلَّان، واﻟﺨﻠﻂ بينهما ﻋﺒﺜﻲٌّ ﻧﻈﺮﯾًّﺎ ﺑﻘﺪر ﻣﺎ هو ﺿﺎرٌّ ﻋﻤﻠﯿًّﺎ. وفي الحقيقة، أصبح هذا الفَهْمُ سِمَةً مُمَيَّزَةً للنَّظريَّة السِّياسيَّة المُعاصِرة: وقد أصبح هذا الفَهْم الَّذِي عَبَّرَ عنه مكيافيللي وهوبز مُسَلَّمةً في العلوم الاجتماعيَّة المُعاصِرة". اُنظُر: Hösle V. Moral und Politik. Grundlage einer politishen Ethik für das 21. Jahrhundert. München, 1997. S.15. تُعَبِّرُ هذه النَّظرة إلى علاقة السِّياسة بالأخلاق عن المَيْلِ الأساسيِّ للنَّظريَّة السِّياسيَّة. وهِيَ، من دون شَكٍّ، النَّظرة المهيمنة في العلم السِّياسيِّ المُعاصِر، بما في ذلك نُسخَته الرُّوسيَّة، لكِنَّها ليست الوحيدة. ثَمَّةَ وجهة نظر قريبة منها لا بُدَّ من الإشارة إليها في سياق موضوعنا مُفادها أنَّ الأخلاق والسِّياسة هُما مجالان مستقلَّان، لكنَّهما يتقاطعان في بعض النُّقاط. وتكمن المسألة كُلُّها في تحديد هذه النُّقاط. وتُقتَرَحُ ههُنا حلولٌ جزئيَّةٌ بدلًا من صيغةٍ ما مُوَحَدَّة. وعلى سبيل المثال، يرى ب.غ. كابوستين أنَّ مسألة التَّفاعل المتبادل بين الأخلاق والسِّياسة تحظى بإجاباتٍ مختلفةٍ، وذلك تبعًا لِما إذا كان الحديث يدور حول الأخلاق في نسختها الكانطيَّة أم النَّفعيَّة، أو حول السِّياسة الكبرى أم السِّياسة الصُّغرى، أو حول ما إذا كان الموقف صادرًا من داخل السِّياسة ذاتها أم من خارجها (اُنظُر: كابوستين ب.غ. الأخلاقُ والسِّياسَةُ // كابوستين ب.غ. نَقْدُ الفلسفة السِّياسيَّة. مقالات مختارة. موسكو، 2010. ص 347-366). يمكن النَّظر إلى هذا النَّموذج للتَّطابق الجزئيِّ بين الأخلاق والسِّياسة كحالةٍ خاصَّةٍ من الانفصال بينهما باعتبارهما مجالين مختلفين من النَّشاط؛ يبقى ذلك الحيِّزُ القيميُّ من السِّياسة الَّذِي يتقاطع مع الأخلاق لحظةً من لحظات السِّياسة ذاتها تابعةً لمنطق الأخيرة الدَّاخليِّ وقوانينها. تُدرَجُ الأخلاق في السِّياسة بِصِفَتِها وسيلةً من وسائلها، ولحظةً من لحظات الجدوى السِّياسيَّة. وهذا ما يبدو جليًّا عند تحليل دور استخدام العنف في السِّياسة وشروطه - المسألة الأساسيَّة المولِّدة لتوترها الأخلاقيِّ. كما يبدو هذا التَّحليل خاليًا من الحِمْلِ الأخلاقيِّ ويجري في إطار التَّبرير الحكوميِّ الأوَّلي للعنف باعتباره مكوِّنًا طبيعيًّا من مكوِّنات السِّياسة السَّويَّة. وتجدر الإشارة إلى أنَّ فَصْلَ السِّياسة عن الأخلاق مرتبط عضويًّا بتبرير العنف السِّياسيِّ، ما يسمح بالافتراض أنَّ مقصود هذا الفصل هُوَ هذه الغاية بالذَّات.

لقد أصبحت نظرية العدالة لجون رولز بعد صدور كتابه الَّذِي يحمل العنوان نفسه عام 1971 علامةً فارقةً للنَّظريَّة السِّياسيَّة في عصرنا. وفي هذا الكتاب قام رولز بمحاولة لاقت صدًى واسعًا في الأوساط الأكاديميَّة لإعادة الأخلاق إلى السِّياسة. ومع ذلك، لم تُبْدِ تأثيرًا جدِّيًّا في السِّياسة الواقعيَّة الَّتِي تطوَّرت طوال هذه السَّنوات، بخاصَّة، في الرُّبع الأخير من القرن العشرين، في الاتِّجاه المضادِّ تمامًا. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار النَّزعة السَّائدة، فإنَّنا نجد عدم المساواة يتفاقم ويتحقَّق في المقام الأوَّل (في الاتِّجاه المعاكس لبرنامج جون رولز المعياريِّ) لصالح شرائح السُّكان الأكثر ثراءً. إضافةً إلى ذلك، فقد تعرَّض موقف جون رولز لِلنَّقدِ من داخل النَّظريَّة السِّياسيَّة ذاتها، لأنَّه ينظر إلى السِّياسة بالعيون الأخلاقيَّة المجرَّدة-الشَّاملة للفرد العقلانيِّ. واللَّافتٌ في هذا الصَّدد هُوَ بَحْثُ ف. أنكِرسمت "السِّياسة الجماليَّة" (أنكِرسميت ف.ر. السِّياسة الجماليَّة. الفلسفة السِّياسيَّة في ما وراء الواقعة والقيمة/ ترجمه عن الإنجليزيَّة كراليتشكين د. تحت الإشراف العلميِّ بوريسوفا إ. موسكو. 2014). من المُهِمِّ التَّأكيد أنَّ المؤلِّف وفي مجابهته للنَّظريَّة السِّياسيَّة الموجَّهة أخلاقيًّا يلجأُ إلى التَّقاليد الموروثة عن مكيافيللي.

4) أرسطو: في النَّفْسِ / ترجمة ب. س. بابوف // أرسطو. المؤلَّفات في أربعة مُجلَّدات. المُجلَّد الأوَّل. موسكو. 1975. ص 415. (باللُّغة الرُّوسيَّة).

5) أرسطو: السِّياسَةُ. ص 378. (باللُّغة الرُّوسيَّة).

6) "النَّظريَّةُ السِّياسيَّةُ عند أرسطو هِيَ نظريَّةُ المأسَسات الأخلاقيَّة للمدينة". اُنظُر: Ritter J. Metaphysik und Politik. Studien zu Aristoteles und Hegel. Suhrkamp. Fr.a/M.,1969. S. 12

7) أرسطو. السِّياسَةُ، 1253a. ص 378. (باللُّغة الرُّوسيَّة).

8) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. 1281a. ص 462.

9) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. 1280b. ص 461-462.

10) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. 1333a. ص 616.

11) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. 1334a. ص 619.

12) مكيافيللي ن. تاريخُ فلورنسا / ترجمة ن. يا. ريكوفا. موسكو. 1987. ص 112.

13) مكيافيللي ن. الأميرُ/ ترجمة م.س. فيلدشتاين. المؤلَّفات. المُجلَّد الأوَّل. موسكو-لينينغراد. 1934. ص 278. (باللُّغة الرُّوسيَّة).

14) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. ص 325.

15) يمكن تطبيق موقفه، المُعبَّر عنه في هذه الرِّسالة الفلسفيَّة-السِّياسيَّة على قوله الَّذِي أدلى به في مؤلَّفه التَّاريخيِّ "تاريخُ فلورنسا": "على امتداد سردي لم تكن لديَّ قَطُّ رغبةٌ في إخفاء فعلٍ قبيحٍ بِرِداءٍ جميلٍ، ولا في حَجْبِ عملٍ صالحٍ بِحُجَّة أنَّه رام غايةً مذمومةً" (مكيافيللي ن. تاريخ فلورنسا. ص 6).

16) مكيافيللي ن. الأميرُ. ص 289.

17) وفي هذا الصَّدد، يبدو مثال قيصرنا بطرس الأكبر الَّذِي أعدم ابنه بتهمة الخيانة العظمى مثالًا لافتًا. ففي كتاب "تاريخ روسيا منذ الأزمنة السَّحيقة" لمؤلِّفه س.م. سولوفيوف، نقرأ: "أمَرَ بطرس في رسائله إلى وزرائه الخارجيّين بوصف وفاة ابنه على النَّحو الآتي: بعد إعلان حكم المحكمة على وَلِيِّ العهد كنَّا نحن الأب بين نارَيِّ الشُّعور الطَّبيعيِّ بالعطف والرَّحمة من جهة، والقلق البالغ على سلامة دولتنا وأمنها المستقبليِّ من جهة أُخرى، ولم نكن قادرين بعد على اتِّخاذ قرارنا في هذه المسألة الشَّائكة والمُهمَّة. لكِنَّ الله العلي القدير الرَّحيم أراد بمشيئته وحكمه العادل أنْ يُخلِّصنا من هذا الشَّكِّ، ويخلِّص بيتنا من الخطر والعار، فقام أمسِ ( بتاريخ 27 يونيو) بإنهاء حياة ابننا اليكسي بعد إعلان هذا الحكم المتعلِّق باكتشاف تَورُّطه في جرائم ضِدَّنا، وضِدَّ الدَّولة بأسرها، الأمر الَّذِي سبَّب له مرضًا قاسيًّا كان في البداية أشبه ما يكون بالسَّكتة الدِّماغيَّة" (سولوفيوف س.م. مُؤلَّفات في 18 كتابًا. الكتاب التَّاسع. موسكو.، 1993. ص 182-183). تَغَلَّبَ منطقُ الحاكم على منطقِ الأُبُوَّةِ، على ما تجلَّى ذلك في قيام بطرس بِنَسبِ كُلٍّ من الحكم بالإعدام على الابن-الخائن وتنفيذ هذا الحكم إلى إرادة الله.

18) لقد كان هذا الاكتشاف فتحًا تاريخيًّا. كان ه. فراير مُحقًّا تمامًا عندما كتب: "قَبْلَ جيلٍ من إعادة كوبرنيكوس النَّظر في النِّظام الشَّمسيِّ، وقَبْلَ قرنٍ من ابتكار غاليليو الميكانيكا كنظريَّةٍ رياضيَّةٍ للحركة، اكتشف مكيافيللي قوانين العالَم السِّياسيِّ الطَّبيعيَّة" (فراير ه. مكيافيللي/ ترجمة د.ف. كوزنيتسين. سانت بطرسبورغ. 2011. ص 285).

19) اُنظُر: Buchbeim H. Politik und Ethik. München, 1991; Сутор Б. Малая политическая этика //Политическая и экономическая этика. М.,2001; Капустин Б. Г. Указ. соч.

20) ويمكن تتبُّع هذه الخطوة المحتومة منطقيًّا بوضوحٍ تامٍّ في مقالة ل. تروتسكي "أخلاقهم وأخلاقنا"، حيث تتبوأ المركز الأعلى للأخلاق تلك القُوَّة ذاتها الَّتِي أُنزِلت عنه بِاسْمِها. وانطلاقًا من الأطروحة القائلة بأنَّ الأخلاق تخدم المصالح الطَّبقيَّة، وإنَّ الحديث هو فقط عن مصالح أيِّ طبقة تخدمها الأخلاق، توصَّلَ تروتسكي إلى استنتاج مُفاده أنَّ الغاية التَّحريريَّة الَّتِي تؤدِّي إلى الدِّيمقراطيَّة والاشتراكيَّة "تبرِّر، في ظِلِّ ظروف معيَّنة، وسائل من مِثْلِ العنف والقتل. فما بالك بالحديث عن الكذب!". بَلْ وأكثر تحديدًا: " بالنِّسبة إلى الماركسيِّ الثَّوريِّ لا يمكن أنْ يكون هناك تَناقُضٌ بين الأخلاق الشَّخصيَّة ومصالح الحزب، لأنَّ الحزب يحيط في وعيه بأسمى مهام الإنسانيَّة وغاياتها". وبتعميمه لهذه النَّظرة صاغ "أَمْرَهُ القطعيَّ": "تتشابك قضايا الأخلاق الثَّوريَّة مع قضايا الستراتيجيا والتَّكتيك الثَّوريَّين. فالإجابة الصَّحيحة عن هذه المسائل إنَّما تُقدِّمها التَّجربة الحَيَّة للحركة في ضوء النَّظريَّة العامَّة" Троицкий Л.Д. Их мораль и наша (Памяти Льва Седова) // Этическая мысль: научно-публ. Чтения.1991. М. С. 230, 236, 240. إنَّ أقوال تروتسكي هذه المروِّعة بِحَدِّ ذاتها، لكن الصَّريحة إنسانيًّا والمتَّسقة نظريًّا، قَيِّمَةٌ، لأنَّها تفضح جوهر إفساد الأخلاق الَّذِي غالبًا ما يتوارى خَلْفَ أحكامٍ أكاديميَّةٍ رصينةٍ عن الطَّابَع الظَّرفيِّ والسِّياقيِّ للأخلاق، وعن ضرورة التَّخلِّي عن الأخلاقيَّة المُجَرَّدة، والاعتماد على التَّجربة الحَيَّة المُعاشة، والأخذ بعين الاعتبار تضارُب القيم وإلخ.

21) مكيافيللي ن. الأميرُ. ص 282.

22) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. ص 278-279.

23) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. ص 286.

24) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. ص 288.

25) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. ص 313.

26) يمكن العثور على عرض تحليليٍّ للمناقشات الخاصَّة بهذه المشكلة في مقالات ا.ف. بروكوفيف: أنظر: بروكوفيف ا.ف. اختيار الأقلِّ شرًّا ومشكلة حدود الجائز أخلاقيًّا // الفكرُ الأخلاقيُّ. الإصدار التَّاسع. موسكو. 2009. ص 122-145؛ المسؤوليَّة الأخلاقيَّة في السِّياسة: رؤية من منظار أخلاق الشَّرِّ الأصغر // المجلَّة الفلسفيَّة. 2011. العدد 1(6). ص 103-114. وإذ يتبنَّى المؤلِّف المذكور، إجمالًا، الرَّأي السَّائد في الأدبيَّات (مع الأخذ بعين الاعتبار تصويباته وإضافاته)، فإنَّه يرى في أطروحة الشَّرِّ الأصغر موقفًا مُباحًا من النَّاحية الأخلاقيَّة.

27) نقلًا عن بروكوفيف ا.ف: المسؤوليَّة الأخلاقيَّة في السِّياسة… ص 104. Ignatieff M. The lesser Evil: Political Ethics in an Age of Terror. Princeton, 2004. P.19.

28) مكيافيللي ن: تُفَّاحَةُ الشَّيطان// مكيافيللي ن. المؤلَّفات. / بإشراف ا.ك دجيفيليغوف. المُجلَّد الأوَّل. موسكو-لينينغراد. 1934. ص 449.

29) مكيافيللي ن: الأمير. ص 277.

30) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. ص 286-287.

31) "الإطيقا السِّياسيَّة- هِيَ مبادئ معياريَّة موجِّهة للأفعال، وتحديدًا، الأفعال الجماعيَّة. أمَّا الأخلاق فَهِيَ مبادئ معياريَّة موجِّهة للتَّفكير، وتحديدًا، التَّفكير الفرديِّ" (كابوستين ب.غ. مرجع سابق. ص 350). وإذ نترك جانبًا الشُّبهة ذات التَّقاليد العريقة الَّتِي تردُّ الأخلاق إلى مجال القناعات الدَّاخليَّة وتختزلها بها (موجِّهات معياريَّة للتَّفكير) باعتبارها رأيًا مشكوكًا في صِحَّته، وذلك لأنَّ الأخلاق هِيَ مقولة من مقولات المُمارَسَة ولا وجود لها خارج الأفعال، فإنَّه ينبغي الاعتراف بِدِقَّة التَّمييز بين السِّياسة كشكلٍ جماعيٍّ والأخلاق كشكلٍ فرديٍّ للنَّشاط الإنسانيِّ.

32) "ينبغي ألَّا يُفسَّر مكيافيللي وكأنَّه يهاجم الإطيقا والأخلاق. فموقفه ليس مضادًّا للأخلاق، إنَّما هُوَ مُجاوِزٌ إيَّاها" (أنكِرسميت ف. السِّياسَةُ الجماليَّةُ. موسكو. 2014. ص 208).

ﻗﺎﺋﻤﺔ المصادر واﻟﻤﺮاﺟﻊ

- أﻧﻜِﺮﺳﻤﯿﺖ ف.ر. اﻟﺴِّﯿﺎﺳَﺔُ اﻟﺠﻤﺎﻟﯿَّﺔُ. اﻟﻔﻠﺴﻔﺔُ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔُ في ما وراء الواقعة واﻟﻘﯿﻤﺔ / ﺗﺮﺟﻤﺔ د. ﻛﺮاﻟﺘﺸﻜﯿﻦ؛ ﺗﺤﺖ اﻹﺷﺮاف اﻟﻌﻠﻤﻲِّ: إ. ﺑﻮرﯾﺴﻮﻓﺎ. ﻣﻮﺳﻜﻮ: دار ﻧﺸﺮ "اﻟﻜُﻠِّﯿَّﺔ اﻟﻌﻠﯿﺎ ﻟﻼﻗﺘﺼﺎد". 2014.

- أرسطو. ﻓﻲ اﻟﻨَّﻔْﺲِ / ﺗﺮﺟﻤﺔ ب.س. ﺑﻮﺑﻮف // أرﺳﻄﻮ. اﻷﻋﻤﺎل: ﻓﻲ 4 ﻣُﺠﻠَّﺪات. ﻣُﺠﻠَّﺪ 1. موسكو. 1976. ص 369-448.

- أرﺳﻄﻮ. اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔُ / ﺗﺮﺟﻤﺔ س.أ. جيبيلف // أرﺳﻄﻮ. اﻷﻋﻤﺎل: ﻓﻲ 4 ﻣُﺠﻠَّﺪات. ﻣُﺠﻠَّﺪ 4. ﻣﻮﺳﻜﻮ. 1983. ص 375-644.

- ﻛﺎﺑﻮﺳﺘﯿﻦ ب.غ. اﻷﺧﻼقُ واﻟﺴِّﯿﺎﺳَﺔُ // ﻛﺎﺑﻮﺳﺘﯿﻦ ب.غ. ﻧَﻘْﺪُ اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ: ﻣﻘﺎﻻت ﻣﺨﺘﺎرة. ﻣﻮﺳﻜﻮ. 2010. ص 347-366.

- ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ن. اﻷﻣﯿﺮُ / ﺗﺮﺟﻤﺔ م.س. ﻓﯿﻠﺪﺷﺘﺎﯾﻦ؛ ﺗﺤﺖ إﺷﺮاف أ.ك. ﺟﯿﻔﯿﻠﯿﺠﻮف // ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ن. اﻷﻋﻤﺎل. ﻣُﺠﻠَّﺪ 1. ﻣﻮﺳﻜﻮ-ﻟﯿﻨﯿﻨﻐﺮاد. 1934. ص 211-329.

- ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ن. تفاحة الشَّيطان/ ﺗﺤﺖ إﺷﺮاف أ.ك. ﺟﯿﻔﯿﻠﯿﺠﻮف // ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ن. اﻷﻋﻤﺎل. ﻣُﺠﻠَّﺪ 1. ﻣﻮﺳﻜﻮ-ﻟﯿﻨﯿﻨﻐﺮاد. 1934. ص 409-475.

- ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ن. ﺗﺎرﯾﺦُ ﻓﻠﻮرﻧﺴﺎ / ﺗﺮﺟﻤﺔ ن.ﯾﺎ. رﯾﻜﻮﻓﺎ. اﻟﻄَّﺒﻌﺔ اﻟﺜَّﺎﻧﯿﺔ. ﻣﻮﺳﻜﻮ. دار ﻧﺎؤﻛﺎ للنَّشر. 1987.

- ﺑﺮوﻛﻮﻓﯿﻒ أ.ف. اﻻﺧﺘﯿﺎر ﻟﺼﺎﻟﺢ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ ومشكلات ﺣﺪود اﻟﻤﺴﻤﻮح به أﺧﻼﻗﯿًّﺎ // اﻟﻔﻜﺮ اﻷﺧﻼﻗﻲُّ. اﻟﻌﺪد 9. ﻣﻮﺳﻜﻮ. 2009. ص 122-145.

- ﺑﺮوﻛﻮﻓﯿﻒ أ.ف. اﻟﻤﺴﺆوﻟﯿَّﺔ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ: رؤية ﻣﻦ منظار أﺧﻼق اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ // اﻟﻤﺠﻠﺔ اﻟﻔﻠﺴﻔﯿَّﺔ. 2011. اﻟﻌﺪد 1(6). ص 103-114.

- ﺳﻮﻟﻮﻓﯿﻮف س.م. ﺗﺎرﯾﺦ روﺳﯿﺎ ﻣﻨﺬ أﻗﺪم اﻟﻌﺼﻮر // ﺳﻮﻟﻮﻓﯿﻮف س.م. المؤلَّفات ﻓﻲ 18 ﻛﺘﺎﺑًﺎ. اﻟﻜﺘﺎب 9. ﻣﻮﺳﻜﻮ. 1993.

- ﺳﻮﺗﻮر ب. الإطيقا اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ اﻟﺼُّﻐﺮى // الإطيقا اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ واﻻﻗﺘﺼﺎدﯾَّﺔ. ﻣﻮﺳﻜﻮ.2001. ص 27-174.

- ﺗﺮوﺗﺴﻜﻲ ل.د. أخلاقهم وأﺧﻼﻗﻨﺎ (ذﻛﺮى ﻟﯿﻒ ﺳﯿﺪوف) // اﻟﻔﻜﺮُ اﻷﺧﻼﻗﻲُّ: ﻗﺮاءات ﻋﻠﻤﯿَّﺔ. 1991 ﻣﻮﺳﻜﻮ. 1992. ص 212-244.

- ﻓﺮاﯾﺮ ھـ. ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ / ﺗﺮﺟﻤﺔ د.ف. ﻛﻮزﻧﯿﺘﺴﯿﻦ. ﺳﺎﻧﺖ ﺑﻄﺮﺳﺒﻮرغ: ﻓﻼدﯾﻤﯿﺮ دال. 2011.

- Buchbeim H. Politik und Ethik. München: Oldenbourg, 1991.

- Hösle V. Moral und Politik. Grundlage einer politishen Ethik für das 21. Jahrhundert. München: Beck, 1997.

- Ritter J. Metaphysik und Politik. Studien zu Aristoteles und Hegel. Fr.a/M.: Suhrkamp, 1969.

مقاربة سوسيولوجية تاريخية

مقدمة الدراسة: شهدت الدراسات الأدبية خلال العقود الأخيرة تحولات إبستمولوجية عميقة أعادت النظر في طبيعة الأجناس السردية ووظائفها المعرفية، فلم يعد الاهتمام مقتصرا على الرواية أو الشعر أو المسرح، بل امتد إلى الأشكال الكتابية التي ظلت زمنًا طويلا تعدّ نصوصا هامشية أو وثائق شخصية لا ترقى إلى مرتبة الأدب. ومن بين هذه الأشكال برز خطاب اليوميات بوصفه جنسا كتابيا يجمع بين التوثيق والتخييل، وبين المرجعي والمتخيل، وبين التعبير الذاتي والشهادة التاريخية، الأمر الذي جعله يحظى باهتمام متزايد في النقد الأدبي الحديث، وفي الدراسات السوسيولوجية والتاريخية والثقافية.

ولعل هذا التحول يرتبط بإعادة الاعتبار لمفهوم الذات داخل العلوم الإنسانية، بعد أن أصبحت الذات تفهم باعتبارها بناء ثقافيا واجتماعيا وتاريخيا، لا معطى ثابتا أو جوهرا مكتملا. فالإنسان لا يكتشف ذاته خارج اللغة، بل يبنيها عبر الخطاب، ويعيد تشكيلها من خلال فعل الكتابة والتذكر والتأويل. ومن هنا غدت الكتابة عن الذات مجالا خصبا للكشف عن أنماط تشكل الهوية، وعن العلاقة التي تقيمها الذات مع ذاكرتها، ومع مجتمعها، ومع الزمن الذي تعيشه.

ويعد خطاب اليوميات من أكثر أشكال الكتابة الذاتية قدرة على تمثيل هذه العلاقة المركبة؛ لأنه يقوم على تسجيل التجربة الإنسانية في امتدادها اليومي، ويجعل من الزمن المعيش مادة أساسية للسرد. فالكاتب لا يعود إلى الماضي بعد اكتمال التجربة كما يحدث في السيرة الذاتية، وإنما يكتب في قلب الحدث أو على مقربة منه، وهو ما يمنح اليوميات خصوصية جمالية ومعرفية تجعلها أكثر التصاقا بالحياة اليومية، وأكثر قدرة على التقاط التفاصيل الدقيقة التي كثيرا ما تغيب عن الكتابات التاريخية أو السيرية التقليدية.

غير أن اليوميات لا يمكن اختزالها في كونها سجلا زمنيا للأحداث، لأن الكتابة فيها لا تعكس الواقع بصورة آلية، بل تعيد إنتاجه من خلال الذاكرة والوعي واللغة. فالذات وهي تكتب، لا تنقل ما وقع فحسب، وإنما تختار، وتحذف، وترتب، وتؤوّل، وتمنح الوقائع دلالات جديدة تنبع من رؤيتها للعالم. وبذلك تصبح اليوميات ممارسة تأويلية بقدر ما هي ممارسة توثيقية، ويتحول النص إلى فضاء تتداخل فيه الحقيقة بالتخييل، والمرجع بالتمثيل، والواقع بإعادة بنائه سرديًا.

ومن هذا المنطلق، تبرز الذاكرة باعتبارها أحد المفاهيم المركزية في فهم خطاب اليوميات، لأنها تمثل الوسيط الذي تنتقل من خلاله التجربة من مستوى العيش إلى مستوى الكتابة. فالذاكرة ليست مستودعا محايدا للوقائع، وإنما عملية انتقائية تعيد تنظيم الماضي وفق حاجات الحاضر ورؤية الذات. ولذلك لا تستعيد اليوميات الأحداث كما جرت، بل كما تتذكرها الذات، وكما ترغب في أن تمنحها معنى داخل مسارها الوجودي والثقافي. وهنا تغدو الذاكرة فعلا من أفعال إنتاج المعنى، لا مجرد استرجاع للزمن المنقضي.

ويتقاطع هذا التصور مع المنظور السوسيولوجي الذي يرى أن الذاكرة ليست فردية خالصة، بل تتشكل داخل الأطر الاجتماعية والثقافية التي ينتمي إليها الإنسان. فالذات لا تتذكر بمعزل عن الجماعة، كما أن التجربة الشخصية تظل مشروطة بالسياقات التاريخية والاجتماعية التي أنتجتها. ومن ثم فإن اليوميات لا تعكس سيرة فرد واحد فحسب، وإنما تكشف عن صورة المجتمع في لحظة تاريخية معينة، وعن القيم والتمثلات وأنماط التفكير التي تؤطر الحياة اليومية.

ومن هنا تكتسب المقاربة السوسيولوجية التاريخية أهميتها، لأنها تتجاوز القراءة الشكلية للنص، وتسعى إلى فهم العلاقات التي تربط الخطاب بسياقه الاجتماعي والثقافي، وإلى الكشف عن الكيفية التي تتحول بها التجربة الفردية إلى شهادة على عصر بأكمله. فالنص اليومي لا يعيش في فراغ، بل يتشكل داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية والتاريخية، ويعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة التحولات السياسية والثقافية والفكرية التي يعرفها المجتمع.

وتنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تسعى إلى إعادة التفكير في خطاب اليوميات بوصفه جنسا أدبيا ومعرفيا تتقاطع داخله أسئلة الذات والهوية والذاكرة والتاريخ، بعيدا عن الاقتصار على نموذج تطبيقي بعينه. فهي لا تستهدف تحليل يوميات كاتب محدد، وإنما تهدف إلى بناء تصور نظري ونقدي لخطاب اليوميات، من خلال الإفادة من منجزات النقد الأدبي الحديث، والدراسات السوسيولوجية، ونظريات الذاكرة، بما يسمح بفهم أعمق للوظائف الجمالية والثقافية التي تؤديها الكتابة اليومية في الأدب الحديث.

كما تروم هذه الدراسة إبراز أن اليوميات ليست نصوصا هامشية أو وثائق شخصية محدودة القيمة، وإنما هي شكل من أشكال إنتاج المعرفة، ووسيلة لإعادة بناء الذات، وأداة لحفظ الذاكرة الفردية والجماعية، وسجل حي للتحولات الاجتماعية والتاريخية. ولذلك فإن الاهتمام بها لا يندرج ضمن دراسة جنس أدبي فحسب، بل يتصل أيضا بدراسة الإنسان وهو يعيد كتابة وجوده، ويمنح حياته اليومية أبعادا رمزية وثقافية تتجاوز حدود التجربة الفردية إلى أفق إنساني أكثر رحابة.

وانطلاقا من هذا التصور، تسعى الدراسة إلى مقاربة العلاقة الجدلية بين الذات والذاكرة في خطاب اليوميات، والكشف عن أبعادها السردية والاجتماعية والتاريخية، بما يبرز القيمة العلمية لهذا الجنس الأدبي، ويؤكد مكانته داخل الدراسات النقدية المعاصرة بوصفه أحد أكثر الخطابات قدرة على تمثيل الإنسان في علاقته بذاته، وبالآخر، وبالزمن، وبالتاريخ.

إشكالية الدراسة:

أفرزت التحولات التي عرفتها الدراسات الأدبية والإنسانية خلال العقود الأخيرة مراجعات عميقة لمفهوم الكتابة عن الذات، بعد أن انتقل الاهتمام من البحث في الوقائع والأحداث إلى البحث في آليات تمثيل الذات وبناء الهوية وإنتاج المعنى. فلم تعد النصوص الذاتية تقرأ بوصفها وثائق تعكس حياة أصحابها فحسب، وإنما غدت أنساقا خطابية معقدة تتداخل فيها الذاكرة مع التاريخ، والواقع مع التأويل، والتجربة الفردية مع المرجعيات الاجتماعية والثقافية. ومن هذا المنطلق، أصبح خطاب اليوميات واحدا من أكثر الأجناس الأدبية قدرة على استيعاب هذه التحولات، لأنه يجمع بين آنية الكتابة وعمق التجربة، وبين التوثيق اليومي وإعادة بناء الذات عبر اللغة.

ورغم هذا التحول، ما يزال خطاب اليوميات في النقد العربي أقل حضورا من السيرة الذاتية والرواية وأدب الرحلة، سواء من حيث التأصيل النظري أو من حيث الدراسات التطبيقية. ويبدو أن هذا القصور لا يرجع إلى ضعف هذا الجنس الأدبي، وإنما إلى تعقيد بنيته، وتداخل حدوده مع أجناس مجاورة، وصعوبة الفصل بين ما هو ذاتي وما هو تاريخي، وبين ما هو توثيقي وما هو إبداعي.

وتزداد هذه الإشكالية تعقيدا عندما تصبح الذاكرة محورا للكتابة اليومية، فالذات لا تستعيد ماضيها كما وقع، وإنما تعيد بناءه في ضوء خبراتها اللاحقة، وانتقائها للوقائع، ورؤيتها للعالم. وهكذا تتحول الذاكرة إلى فعل تأويلي، يتجاوز وظيفة الحفظ إلى وظيفة إنتاج المعنى، مما يجعل اليوميات فضاء لإعادة تشكيل الهوية أكثر من كونها مرآة تعكسها بصورة مباشرة.

ومن جهة أخرى، فإن الذات التي تتجلى في اليوميات ليست ذاتا معزولة عن محيطها، وإنما هي ذات اجتماعية وتاريخية، تتشكل داخل منظومة من العلاقات الثقافية والسياسية والاقتصادية والرمزية. ولذلك فإن قراءة خطاب اليوميات تقتضي تجاوز التحليل الداخلي للنص، والانفتاح على المقاربة السوسيولوجية التاريخية، بوصفها مدخلا يكشف عن التفاعل بين التجربة الفردية والبنيات الاجتماعية، وبين الذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية، وبين الخطاب الأدبي والسياق التاريخي الذي أنتجه.

وانطلاقا من هذه المعطيات، تتمحور إشكالية هذه الدراسة حول السؤال المركزي الآتي:

كيف تتشكل العلاقة بين الذات والذاكرة في خطاب اليوميات؟ وإلى أي حد يسهم المنظور السوسيولوجي التاريخي في الكشف عن الأبعاد السردية والثقافية والتاريخية التي تؤطر هذا الخطاب، وتمنحه قيمته الأدبية والمعرفية؟

ويتفرع عن هذا السؤال الرئيس مجموعة من الأسئلة الفرعية، من أبرزها:

ما المقصود بخطاب اليوميات؟ وكيف تطور مفهومه داخل الدراسات الأدبية الحديثة؟

ما الخصائص السردية والفنية التي تمنح اليوميات استقلالها داخل أجناس الكتابة عن الذات؟

كيف تتشكل الذات داخل الخطاب اليومي؟ وما الآليات السردية التي تعتمدها في تمثيل نفسها؟

ما طبيعة العلاقة بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية داخل اليوميات؟

كيف يسهم الزمان والمكان في بناء التجربة اليومية وإنتاج دلالاتها؟

ما موقع الآخر في تشكيل وعي الذات داخل خطاب اليوميات؟

كيف يمكن للمقاربة السوسيولوجية التاريخية أن تكشف عن الوظائف الثقافية والاجتماعية والتاريخية لليوميات؟

إلى أي حد يمكن اعتبار اليوميات وثيقة معرفية تحفظ تفاصيل التاريخ الاجتماعي والثقافي إلى جانب قيمتها الأدبية؟

أهداف الدراسة:

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق جملة من الأهداف العلمية، من أهمها:

تأصيل مفهوم خطاب اليوميات في ضوء الدراسات الأدبية الحديثة.

إبراز الخصائص الفنية والسردية التي تميز اليوميات عن غيرها من أجناس الكتابة الذاتية.

تحليل العلاقة الجدلية بين الذات والذاكرة باعتبارها البنية المؤسسة لخطاب اليوميات.

الكشف عن الأبعاد السوسيولوجية والتاريخية التي تنطوي عليها الكتابة اليومية.

بيان دور المكان والزمان والآخر في بناء التجربة الذاتية داخل اليوميات.

إبراز القيمة المعرفية لليوميات بوصفها وثيقة أدبية وثقافية وتاريخية.

الإسهام في إغناء الدراسات العربية المتعلقة بالكتابة الذاتية، من خلال تقديم تصور نظري يجمع بين النقد الأدبي والسوسيولوجيا والتاريخ.

أهمية الدراسة:

تنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تعالج موضوعا يحتل موقعا متقدما في النقد الأدبي المعاصر، وهو خطاب اليوميات بوصفه أحد أبرز أشكال الكتابة عن الذات. كما تستمد أهميتها من سعيها إلى بناء رؤية نقدية تجمع بين التحليل الأدبي والمقاربة السوسيولوجية التاريخية، بما يسمح بفهم أعمق للعلاقات التي تربط النص بسياقه الثقافي والاجتماعي.

وتتمثل أهمية الدراسة أيضا في أنها تنقل الاهتمام من تحليل النماذج الجزئية إلى بناء إطار نظري شامل لخطاب اليوميات، يستوعب قضاياه المفهومية والجمالية والمعرفية، ويبرز دوره في حفظ الذاكرة الفردية والجماعية، وفي توثيق التحولات التاريخية والاجتماعية، وفي الكشف عن الكيفية التي يعيد بها الإنسان بناء ذاته عبر فعل الكتابة.

خطاب اليوميات: النشأة والمفهوم والتحولات الجمالية والمعرفية:

على سبيل الافتتاح:

تحتل الكتابة اليومية موقعا خاصا ضمن خريطة الكتابات الذاتية، لأنها تمثل أحد أكثر الأشكال السردية التصاقا بالتجربة الإنسانية في بعدها المباشر واليومي. فإذا كانت بعض الأجناس الأدبية تقوم على إعادة بناء التجربة بعد اكتمالها، فإن اليوميات تنشأ غالبا في قلب الحدث، حيث تتفاعل الذات مع لحظتها التاريخية، وتسجل علاقتها بالعالم وهي ما تزال في طور التشكل. ولهذا فإنها لا تقدم لنا الماضي بوصفه مادة مكتملة، وإنما تكشف عن الإنسان وهو يعيش الزمن، ويمنح تفاصيل حياته العادية معنى رمزيا يتجاوز حدود اللحظة العابرة.

وقد ظلت اليوميات لفترة طويلة أسيرة نظرة تقليدية اعتبرتها مجرد كتابات شخصية ذات طابع حميمي، لا تتجاوز حدود الاعتراف الفردي أو التسجيل الخاص. غير أن التحولات التي عرفتها العلوم الإنسانية خلال القرن العشرين، خاصة مع تطور الدراسات السردية، وتنامي الاهتمام بمفهوم الذات والذاكرة والتاريخ الاجتماعي، أسهمت في إعادة النظر في هذا الجنس الكتابي، فأصبح يقرأ باعتباره خطابا مركبا يجمع بين الأدبي والمعرفي، وبين الفردي والجماعي، وبين التجربة الخاصة وتمثيلات العصر.

إن أهمية اليوميات لا تكمن فقط في كونها تسجل تفاصيل الحياة اليومية، بل في كونها تكشف الطريقة التي تتحول بها التجربة المعاشة إلى خطاب، وكيف تنتقل الذات من موقع العيش إلى موقع التأمل والكتابة. فالكاتب اليومياتي لا يكتفي بوصف ما يحدث حوله، وإنما يعيد ترتيب العالم وفق منظوره الخاص، ويمنح الأحداث الصغيرة دلالات مرتبطة بأسئلته الوجودية والثقافية والتاريخية.

ومن هنا فإن دراسة خطاب اليوميات تستوجب تجاوز النظرة التي تختزله في كونه وثيقة شخصية، والانفتاح على أبعاده السردية والاجتماعية والتاريخية، باعتباره مجالا تتقاطع فيه قضايا الهوية والذاكرة والزمن والتمثيل.

نشأة خطاب اليوميات وتطوره في الآداب الإنسانية

الجذور الأولى للكتابة اليومية:

لا يمكن تحديد نشأة اليوميات باعتبارها جنسا أدبيا مستقلا في تاريخ معين، لأنها ترتبط بحاجات إنسانية قديمة تتمثل في الرغبة في تسجيل التجربة وحفظ أثر الذات داخل الزمن. فقد عرف الإنسان منذ الحضارات القديمة أشكالا متعددة من التدوين الشخصي، سواء في شكل سجلات أو رسائل أو تأملات فلسفية أو ملاحظات خاصة.

غير أن هذه الأشكال لم تكن تحمل بالضرورة الوعي الجمالي الذي أصبحت تتميز به اليوميات الحديثة، إذ كان الهدف الأساسي منها غالبا عمليا أو معرفيا، مثل تسجيل الأحداث أو حفظ المعلومات أو تنظيم الحياة اليومية. أما التحول الحقيقي فقد حدث عندما أصبحت الكتابة اليومية مرتبطة بتكوين صورة الذات، وبمحاولة الإنسان فهم نفسه والعالم المحيط به.

لقد بدأت الذات الحديثة تكتشف الكتابة باعتبارها وسيلة للوعي بالوجود، فلم تعد الكتابة مجرد حفظ للأحداث، بل أصبحت فعلا تأمليا يسمح للفرد بإعادة اكتشاف ذاته. وهنا انتقلت اليوميات من مجال التسجيل إلى مجال بناء المعنى.

اليوميات وتشكل مفهوم الذات الحديثة:

يرتبط ظهور اليوميات الحديثة ارتباطا وثيقا بصعود مفهوم الفرد في الفكر الغربي الحديث، حيث أصبح الإنسان ينظر إلى ذاته باعتبارها موضوعا جديرا بالتأمل والتحليل. فقد ساهم التحول الفكري الذي عرفته أوروبا منذ عصر النهضة في تعزيز قيمة الفرد، وإبراز التجربة الشخصية بوصفها مصدرا من مصادر المعرفة.

وفي هذا السياق، ظهرت الكتابات الاعترافية والتأملات الذاتية التي جعلت من الأنا مركزا للسرد، ومن التجربة الداخلية مادة للكتابة. ويعد كتاب الاعترافات من الأعمال التي أسهمت في ترسيخ حضور الذات داخل الكتابة الحديثة، إذ جعل من الحياة الشخصية مجالا للتأمل والكشف عن أعماق النفس الإنسانية.

لكن اليوميات تختلف عن الاعترافات في كونها لا تنطلق من استعادة شاملة للماضي، وإنما من متابعة لحظية للحياة وهي تتشكل. فالذات في اليوميات لا تنظر فقط إلى ما كانت عليه، بل تسجل ما تعيشه لحظة بلحظة، ولذلك فهي أكثر ارتباطا بحركة الزمن وتحولاته.

مفهوم اليوميات وإشكالية تعريفها:

تطرح اليوميات صعوبة واضحة على مستوى التعريف، بسبب طبيعتها الهجينة وتداخلها مع أجناس كتابية أخرى. فهي ليست سيرة ذاتية بالمعنى الكامل، وليست مذكرات تاريخية فقط، وليست اعترافات شخصية خالصة، بل هي خطاب يقع في منطقة وسطى تجمع بين هذه الأشكال دون أن يذوب فيها.

ويمكن تعريف اليوميات بأنها:

" كتابة ذاتية تقوم على تسجيل التجربة الإنسانية في امتدادها الزمني القريب، حيث تتفاعل الذات مع أحداثها اليومية، وتعيد تشكيلها سرديا وفق منظور شخصي يكشف علاقتها بذاتها وبالعالم."

ويشير هذا التعريف إلى مجموعة من العناصر الأساسية:

حضور الزمن اليومي بوصفه أساس البناء السردي، فاليوميات تقوم على مبدأ التتابع الزمني المرتبط بالأيام أو اللحظات أو المراحل القصيرة.

مركزية الذات، لأن الكاتب لا يسجل الأحداث باعتبارها موضوعًا خارجيا، وإنما من خلال وعيه الخاص بها.

العلاقة بين الواقع والكتابة، إذ إن اليوميات لا تنقل الحياة كما هي، بل تعيد بناءها داخل نظام لغوي وسردي.

ومن هنا فإن اليوميات لا تمثل نسخة مطابقة للحياة، وإنما تمثل حياة معاد تشكيلها عبر فعل الكتابة.

الخصائص الفنية والسردية لخطاب اليوميات:

تتميز اليوميات بمجموعة من الخصائص التي تمنحها خصوصيتها داخل الكتابة الذاتية، ولعل من أبرزها:

آنية الكتابة وحضور اللحظة:

تقوم اليوميات على القرب الزمني بين الحدث وتسجيله، ولذلك فإنها تمنح القارئ إحساسا بأنه يعيش التجربة مع الكاتب في لحظة حدوثها. غير أن هذه الآنية لا تعني غياب التأويل، لأن مجرد اختيار حدث معين لتسجيله يحمل موقفا ورؤية.

فالكاتب لا يكتب كل شيء، وإنما ينتقي ما يراه جديرا بالحفظ، وهذا الانتقاء يكشف نظام القيم الذي يحكم وعيه.

مركزية الذات الساردة:

تحتل الذات موقعا محوريا في اليوميات، لكنها ليست ذاتا مغلقة على نفسها، بل ذات تتفاعل مع الآخرين ومع المجتمع والتاريخ.

فالكاتب عندما يتحدث عن تفاصيل حياته الخاصة يكشف في الوقت نفسه عن البيئة الاجتماعية والثقافية التي يعيش داخلها.

التوتر بين الحقيقة والتخييل:

رغم ارتباط اليوميات بالواقع، فإنها لا تخلو من البعد الإبداعي، لأن اللغة لا تعمل كمرآة شفافة للواقع، وإنما كوسيط يعيد تشكيله.

ولهذا فإن الحقيقة في اليوميات ليست حقيقة الحدث فقط، بل حقيقة التجربة كما عاشتها الذات وكما فهمتها.

حضور التفاصيل الصغيرة:

تتميز اليوميات باهتمامها بما يبدو هامشيا في الحياة اليومية كلقاء عابر، أو إحساس داخلي، أو موقف بسيط، أو مكان مألوف. غير أن هذه التفاصيل تكتسب قيمتها لأنها تكشف البنية العميقة للحياة الاجتماعية والثقافية.

فالجزئي في اليوميات يصبح مدخلًا لفهم الكلي.

وهكذا يتضح من خلال ما تمت الإشارة إليه أن خطاب اليوميات يمثل أحد أكثر أشكال الكتابة الذاتية تعقيدا، لأنه لا يقوم على تسجيل الحياة فقط، بل على إعادة إنتاجها داخل خطاب يجمع بين التجربة والذاكرة واللغة. كما أن تطوره ارتبط بتحولات عميقة في تصور الإنسان لذاته، حيث أصبحت الذات موضوعا للمعرفة والتأمل.

وبذلك فإن اليوميات لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد نصوص شخصية هامشية، وإنما بوصفها فضاء تتقاطع داخله أسئلة الفرد والمجتمع والتاريخ، وهو ما يفتح المجال لدراسة العلاقة بين الذات والذاكرة، والكشف عن الأبعاد السوسيولوجية والتاريخية التي تجعل من اليوميات وثيقة أدبية وثقافية في آن واحد.

الذات في خطاب اليوميات: من التعبير الفردي إلى بناء الهوية السردية:

على سبيل التقديم:

تحتل الذات موقعا محوريا في مختلف أشكال الكتابة عن النفس، غير أن حضورها في خطاب اليوميات يكتسب خصوصية متميزة، لأنها لا تظهر بوصفها كيانا مكتملا وثابتا، بل باعتبارها ذاتا في طور التشكل المستمر. فالكاتب اليومياتي لا يقدم صورة نهائية عن نفسه، وإنما يكشف عن حركة الوعي وهي تتفاعل مع الزمن والأحداث والتجارب اليومية.

لقد أدى التحول الذي عرفته العلوم الإنسانية الحديثة إلى إعادة النظر في مفهوم الذات، فلم تعد الذات تفهم باعتبارها جوهرا مستقلا قائما بذاته، كما كانت التصورات الفلسفية التقليدية تميل إلى اعتبارها، وإنما أصبحت تدرس بوصفها بناء رمزيا وثقافيا يتشكل داخل اللغة والتاريخ والمجتمع. فالإنسان لا يكتشف ذاته خارج الخطاب، بل يبنيها من خلال الطريقة التي يحكي بها تجربته، ومن خلال المعاني التي يمنحها لأفعاله وذكرياته وعلاقاته.

ومن هذا المنظور، تصبح اليوميات مجالا خصبا لدراسة تشكل الهوية، لأنها تكشف عن المسار الذي تنتقل فيه الذات من التجربة المعيشة إلى التجربة المكتوبة، ومن الوجود الفردي إلى التمثيل السردي. فالكاتب حين يسجل يومياته لا يكتب عن نفسه فقط، بل يعيد إنتاج صورة معينة عنها، ويحدد موقعها داخل العالم الذي تنتمي إليه.

مفهوم الذات وتحولاته في الفكر الإنساني:

الذات بين الفلسفة الكلاسيكية والتصورات الحديثة:

ارتبط مفهوم الذات في الفكر الفلسفي طويلا بفكرة الثبات والاستمرارية، حيث اعتبرت الذات مركزا للوعي ومصدرا للمعرفة. فقد نظر الفلاسفة إلى الإنسان باعتباره كائنا قادرا على إدراك ذاته والتفكير فيها، مما جعل مفهوم الأنا يحتل مكانة أساسية في بناء التصورات الفلسفية حول الإنسان.

غير أن الفكر الحديث والمعاصر عمل على مراجعة هذا التصور، بعدما أظهرت العلوم الإنسانية أن الذات ليست مستقلة عن شروطها التاريخية والاجتماعية والثقافية. فالإنسان لا يتشكل في فراغ، وإنما داخل شبكة من العلاقات والرموز والمؤسسات التي تؤثر في طريقة إدراكه لنفسه وللآخرين.

وقد ساهمت الدراسات النفسية والاجتماعية واللسانية في الانتقال من تصور الذات باعتبارها مركزا ثابتا إلى تصورها باعتبارها بناء متحركا ينتج عبر التفاعل مع اللغة والمجتمع والتاريخ.

ومن هنا أصبحت الذات في الدراسات المعاصرة سؤالا مفتوحا، لا حقيقة مكتملة، وأصبحت الهوية نفسها عملية مستمرة من البناء وإعادة البناء.

الذات بوصفها بناء سرديا:

يعتبر التصور السردي للذات من أهم التحولات التي عرفتها الدراسات الإنسانية الحديثة، إذ لم تعد الهوية تفهم باعتبارها مجموعة صفات ثابتة، وإنما باعتبارها قصة يرويها الإنسان عن نفسه.

وفي هذا السياق يرى بول ريكور أن الإنسان لا يصل إلى فهم ذاته إلا عبر السرد، لأن الهوية الإنسانية تتشكل من خلال القدرة على تنظيم التجارب المتفرقة داخل بناء قصصي يمنحها الوحدة والمعنى.

فالذات لا توجد قبل الحكاية، وإنما تتكون جزئيا من خلال الطريقة التي تحكي بها نفسها. وهذا التصور يكتسب أهمية خاصة في دراسة اليوميات، لأن الكاتب اليومياتي يقوم يوميا بإعادة صياغة علاقته بذاته عبر فعل الكتابة.

إن الأنا في اليوميات ليست مجرد شخصية تتحدث عن نفسها، بل هي ذات تقوم بإنتاج صورتها الخاصة، وتفاوض موقعها بين الماضي والحاضر والمستقبل.

الذات اليومية وآليات بناء الهوية:

الكتابة اليومية باعتبارها ممارسة لبناء الذات:

لا تمثل الكتابة اليومية عملية تسجيل محايدة للأحداث، بل هي ممارسة تساهم في تشكيل وعي الإنسان بذاته. فالكاتب حين يكتب عن يومه، فإنه يقوم بعملية اختيار وتنظيم وتأويل، وهذه العمليات تكشف الطريقة التي يريد من خلالها أن يقدم نفسه.

فقد يركز الكاتب على أحداث معينة ويهمل أخرى، وقد يمنح أهمية كبيرة لتجربة تبدو بسيطة، لأنها تحمل بالنسبة إليه قيمة رمزية أو وجدانية. ومن هنا تصبح اليوميات فضاء لإنتاج المعنى، وليس مجرد أرشيف للأحداث.

فالذات لا تظهر في اليوميات كما هي في الواقع، وإنما كما تريد أن تفهم نفسها وتقدمها للآخر.

العلاقة بين الأنا والآخر في خطاب اليوميات:

رغم الطابع الشخصي لليوميات، فإنها لا تقوم على عزلة الذات عن العالم، لأن الأنا لا تتحدد إلا عبر علاقتها بالآخر. فالأسرة، والأصدقاء، والمؤسسات، والبيئة الثقافية والسياسية، كلها عناصر تدخل في تشكيل صورة الذات.

فالكاتب عندما يتحدث عن علاقاته بالآخرين لا يسجل فقط وقائع اجتماعية، بل يكشف عن منظومة القيم التي تحكم نظرته إلى المجتمع وإلى موقعه داخله.

ولهذا فإن اليوميات تقدم صورة مزدوجة:

صورة للذات كما ترى نفسها.

وصورة للمجتمع كما يظهر من خلال تجربة هذه الذات.

وهنا تتجاوز اليوميات حدود الاعتراف الفردي لتصبح شهادة ثقافية على مرحلة تاريخية معينة.

الذات بين الفردي والاجتماعي: نحو قراءة سوسيولوجية:

من الذات الفردية إلى الذات الاجتماعية:

تكشف المقاربة السوسيولوجية أن الذات ليست نتاجا فرديا خالصا، بل هي حصيلة تفاعل مع المحيط الاجتماعي. فالإنسان يتذكر ويكتب ويتصرف داخل منظومة من القيم والعادات والتقاليد والتمثلات الجماعية.

وقد أكد عالم الاجتماع موريس هالبفاكس أن الذاكرة الفردية لا تعمل بمعزل عن الجماعة، لأن الفرد يستعيد الماضي اعتمادا على الأطر الاجتماعية التي تمنحه إمكانات التذكر والتفسير.

وينطبق هذا التصور على اليوميات، إذ إن التجربة التي تبدو شخصية تحمل في داخلها آثار المجتمع الذي أنتجها.

فعندما يكتب الفرد عن التعليم، أو العمل، أو الأسرة، أو التحولات السياسية، فإنه لا يقدم تجربة خاصة فقط، بل يكشف عن بنية اجتماعية كاملة.

اليوميات بوصفها مرآة للتحولات التاريخية:

تكمن أهمية اليوميات من الناحية التاريخية في كونها تحفظ جوانب من الحياة اليومية قد لا نجدها في المصادر الرسمية. فالتاريخ التقليدي يهتم غالبا بالأحداث الكبرى والشخصيات المؤثرة، بينما تمنحنا اليوميات فرصة الاقتراب من حياة الأفراد العاديين، ومن تفاصيل المجتمع في لحظاته الصغيرة.

ولهذا أصبحت اليوميات مصدرا مهما في الدراسات التاريخية والاجتماعية، لأنها تكشف عن:

أنماط العيش اليومية.

التحولات في القيم والعلاقات الاجتماعية.

تمثلات الأفراد للأحداث الكبرى.

تأثير التحولات السياسية والثقافية في الحياة الخاصة.

فالحدث التاريخي لا يعيش فقط في ساحات السياسة، بل يدخل البيوت والذاكرات والأحاسيس الفردية.

هكذا يتبين من خلال ما تمت الإشارة إليه  أن الذات في خطاب اليوميات ليست ذاتا جاهزة تستعيد حياتها، وإنما هي ذات تتشكل عبر فعل الكتابة ذاته. فاليوميات تمثل فضاء لإنتاج الهوية السردية، حيث تعيد الذات تنظيم تجربتها ومنحها معنى داخل سياق زمني واجتماعي محدد.

كما أن المقاربة السوسيولوجية تكشف أن الذات اليومية لا يمكن فصلها عن محيطها، لأنها تحمل آثار المجتمع والتاريخ والثقافة. ومن ثم فإن اليوميات تتحول من خطاب فردي محدود إلى وثيقة تكشف عن علاقة الإنسان بعصره وبالتحولات التي يعيشها.

الذاكرة في خطاب اليوميات: بين الاسترجاع الفردي وبناء الذاكرة الجماعية:

على سبيل التقديم:

تعتبر الذاكرة من المفاهيم المركزية التي استأثرت باهتمام مختلف العلوم الإنسانية، نظرا لما تؤديه من دور أساسي في تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. فالذاكرة ليست مجرد قدرة نفسية على استحضار الأحداث الماضية، وإنما هي نشاط معقد تتداخل فيه أبعاد نفسية وثقافية واجتماعية وتاريخية، تجعل من الماضي مادة قابلة لإعادة البناء والتأويل.

وتزداد أهمية الذاكرة داخل خطاب اليوميات، لأن هذا الخطاب يقوم أساسا على تحويل التجربة المعاشة إلى نص مكتوب. فالكاتب اليومياتي لا ينقل الواقع كما هو، وإنما يعيد صياغته من خلال وعيه به، ومن خلال الطريقة التي اختزن بها أحداثه وانفعالاته وتجربته الخاصة. لذلك فإن اليوميات لا تقدم الماضي في صورته الأصلية، بل تقدمه كما أعادت الذات تشكيله داخل الوعي واللغة.

ومن هنا تتأسس العلاقة الجدلية بين الذاكرة والكتابة، فالذاكرة تمنح اليوميات مادتها الأولية، بينما تمنح الكتابة للذاكرة شكلا ودلالة واستمرارا. وبذلك يصبح النص اليومياتي فضاء تتحول فيه الذكريات الفردية إلى خطاب قابل للتداول، وقد يتحول هذا الخطاب بدوره إلى جزء من الذاكرة الجماعية للمجتمع.

مفهوم الذاكرة وتحولاتها في الدراسات الإنسانية:

الذاكرة بين الاسترجاع وإنتاج المعنى:

ارتبط مفهوم الذاكرة في التصورات التقليدية بفكرة الحفظ والاسترجاع، حيث كان ينظر إليها باعتبارها قدرة تسمح للإنسان باستعادة أحداث الماضي كما وقعت. غير أن الدراسات الحديثة تجاوزت هذا التصور البسيط، وأكدت أن الذاكرة ليست خزانا محايدا للمعلومات، وإنما عملية دينامية يعيد الإنسان من خلالها بناء علاقته بالماضي.

فالإنسان لا يتذكر كل شيء، ولا يستعيد الأحداث بطريقة آلية، وإنما ينتقي منها ما يتوافق مع حاجاته النفسية والثقافية وأسئلته الراهنة. ومن ثم فإن فعل التذكر يحمل دائمًا أثر الحاضر، لأن الذات تستعيد الماضي من موقعها الحالي، وبناء على تجربتها المتجددة.

وهذا يعني أن الذاكرة ليست مجرد عودة إلى ما مضى، بل هي إعادة إنتاج للماضي داخل الحاضر.

وفي خطاب اليوميات تتضح هذه الخاصية بشكل كبير، لأن الكاتب حين يسجل لحظة معينة فإنه لا يقدم الحدث فقط، بل يقدم علاقته الخاصة بذلك الحدث، وما تركه من أثر في وعيه وشخصيته.

الذاكرة بوصفها بناءً اجتماعيا:

أسهمت الدراسات السوسيولوجية في تغيير النظرة إلى الذاكرة، خصوصا مع أعمال موريس هالبفاكس الذي أكد أن الذاكرة الفردية لا يمكن فهمها خارج الأطر الاجتماعية التي يعيش داخلها الفرد.

فالإنسان لا يتذكر باعتباره كائنا منفصلا عن الجماعة، بل يستعيد ماضيه من خلال اللغة والقيم والعلاقات الاجتماعية التي تحيط به. وحتى الذكريات الأكثر خصوصية تحمل في داخلها آثار المجتمع والثقافة.

فعندما يستعيد الكاتب طفولته مثلا، فإنه لا يستعيد أحداثا فردية فقط، وإنما يستحضر عالما اجتماعيا كاملا  أي أنه يستحضر  الأسرة، والعادات، والفضاءات، والعلاقات الإنسانية، والقيم السائدة في تلك المرحلة.

ومن هنا تصبح اليوميات وثيقة اجتماعية بقدر ما هي نص ذاتي، لأنها تكشف عن المجتمع من خلال ذاكرة الفرد.

الذاكرة والكتابة اليومية: من التجربة إلى النص:

اليوميات بوصفها فعلا تذكريا:

تقوم اليوميات على علاقة خاصة بالزمن، فهي غالبًا كتابة مرتبطة بالحاضر، لكنها في الوقت نفسه تستند إلى عملية تذكر وانتقاء. فالكاتب عندما يسجل أحداث يومه لا يقوم بمجرد نقل مباشر، لأن عملية الكتابة نفسها تتطلب وعيا بالحدث واختيارا لما يستحق التدوين.

حتى الكتابة القريبة من لحظة وقوع الحدث تحمل تدخل الذاكرة، لأن الإنسان لا يعيش الأحداث منفصلة عن تفسيره لها، بل يخزنها داخل شبكة من المعاني والانطباعات.

ولهذا فإن اليوميات تمثل نقطة التقاء بين زمن الحدث وزمن التذكر وزكن الكتابة.

وهذه المستويات الزمنية الثلاثة تمنح الخطاب اليومياتي ثراءه الفني والمعرفي.

الانتقاء والنسيان في بناء الذاكرة اليومية:

لا يمكن الحديث عن الذاكرة دون الحديث عن النسيان، لأن ما يتم تذكره يرتبط دائمًا بما يتم إغفاله أو استبعاده. فالذاكرة ليست عملية شاملة، وإنما تقوم على الاختيار.

وفي اليوميات يظهر هذا الاختيار بوضوح، فالكاتب يقرر ما يكتب وما لا يكتب، وما يمنحه قيمة وما يعتبره غير جدير بالحفظ. ومن هنا فإن الصمت داخل اليوميات قد يكون ذا دلالة بقدر ما هو مكتوب. فغياب حدث معين قد يكشف عن موقف نفسي أو اجتماعي، كما أن التركيز على تفاصيل محددة قد يعبر عن منظومة قيم أو رؤية للعالم.

وبذلك تصبح اليوميات نصا يكشف الحضور والغياب معا.

من الذاكرة الفردية إلى الذاكرة الجماعية:

اليوميات باعتبارها شهادة على العصر:

تتجاوز اليوميات حدود التجربة الفردية عندما تحفظ تفاصيل الحياة الاجتماعية في مرحلة معينة. فالكاتب، وهو يتحدث عن حياته الخاصة، يقدم صورة عن العالم الذي يعيش داخله. ولهذا فإن الباحث في التاريخ الاجتماعي يجد في اليوميات مادة غنية لفهم الحياة اليومية، لأنها تكشف عن الجوانب التي قد تغيب عن الوثائق الرسمية. فاليوميات تستطيع أن تقدم معلومات حول أنماط التفكير السائدة، وحول العلاقات الأسرية والاجتماعية، و حول التحولات الثقافية كما تقدم معلومات كذلك حول أثر الأحداث السياسية في حياة الأفراد وحول تمثلات المجتمع لذاته وللآخر.

وهنا تتحول الذاكرة الفردية إلى نافذة تطل على الذاكرة الجماعية.

الذاكرة الجماعية وصناعة الهوية:

لا تقتصر وظيفة الذاكرة على حفظ الماضي، بل تسهم في بناء الهوية. فالجماعات والأفراد يحتاجون إلى استحضار ماضيهم من أجل فهم حاضرهم وتحديد موقعهم في العالم.

وفي هذا السياق، تصبح اليوميات وسيلة للحفاظ على أشكال من التجربة الإنسانية قد تكون مهددة بالنسيان. فهي تحفظ الأصوات الفردية، والانفعالات، والتفاصيل الصغيرة التي تشكل جزءا من تاريخ المجتمع.

إن أهمية اليوميات تكمن في أنها تمنح التاريخ بعده الإنساني، فهي لا تكتفي بسرد ما حدث، بل تكشف كيف عاش الناس الأحداث، وكيف فهموها، وكيف أثرت في وجدانهم.

الذاكرة بين التاريخ والتخييل في خطاب اليوميات:

حدود الفصل بين الذاكرة والتاريخ:

رغم أن التاريخ والذاكرة يشتركان في العودة إلى الماضي، فإنهما يختلفان في طبيعة علاقتهما به. فالتاريخ يسعى إلى بناء معرفة منظمة تعتمد على الوثائق والتحليل، بينما ترتبط الذاكرة بالتجربة الشخصية والانفعال والانتقاء.

غير أن العلاقة بينهما ليست علاقة تعارض مطلق، بل علاقة تفاعل، فالذاكرة تقدم للتاريخ مادة إنسانية حية، والتاريخ يساعد على فهم الذاكرة داخل سياقها العام.

ومن هذا المنظور، تحتل اليوميات موقعا وسيطا بين المجالين، فهي نص ذاتي يحمل قيمة تاريخية، ووثيقة تاريخية تحمل أثر الذات.

التخييل ودوره في تشكيل الذاكرة:

حتى عندما تهدف اليوميات إلى الصدق والتوثيق، فإنها لا تخلو من البعد التخيّيلي، لأن اللغة بطبيعتها تعيد تشكيل التجربة. فالتخييل هنا لا يعني اختلاق أحداث غير موجودة، بل يعني الطريقة التي تُنظم بها التجربة داخل الخطاب، وكيف تُمنح الوقائع معنى ودلالة.

فالكاتب لا يقدم حياته كما هي في الواقع، وإنما كما فهمها وتأملها وأعاد بناءها سرديا.

ومن ثم فإن الحقيقة في اليوميات ليست مجرد مطابقة بين النص والحدث، بل هي حقيقة التجربة كما تشكلت داخل وعي الذات.

وهكذا يكشف تحليل مفهوم الذاكرة في خطاب اليوميات أن هذه الأخيرة لا تقوم على استعادة الماضي بصورة آلية، وإنما على إعادة بنائه وفق رؤية الذات وتجربتها وموقعها الاجتماعي والتاريخي. فالذاكرة تمنح اليوميات مادتها، لكنها لا تعمل خارج اللغة والثقافة والجماعة.

كما أن اليوميات تتجاوز بعدها الشخصي لتصبح سجلا للذاكرة الجماعية، لأنها تحفظ تفاصيل الحياة اليومية وتمثل طريقة الأفراد في فهم التحولات التاريخية التي يعيشونها. وبذلك تتأكد العلاقة العميقة بين الذات والذاكرة؛ فالذات لا تُبنى إلا من خلال ما تتذكره وتحكيه، والذاكرة لا تستمر إلا عندما تجد شكلا تعبيريا يحفظها، وهو ما يجعل خطاب اليوميات فضاء أساسيا لفهم الإنسان في علاقته بذاته وبمجتمعه وبالتاريخ.

المقاربة السوسيولوجية التاريخية لخطاب اليوميات:

من النص الفردي إلى الوثيقة الثقافية

تقديم:

إذا كانت القراءة الأدبية التقليدية تنظر إلى اليوميات باعتبارها خطابا ذاتيا يقوم على التعبير عن التجربة الفردية، فإن المقاربة السوسيولوجية التاريخية تقترح أفقا أوسع لفهم هذا النوع من الكتابة، من خلال الكشف عن الروابط العميقة التي تصل بين النص والبيئة الاجتماعية والتاريخية التي أنتجته.

فالكاتب اليومياتي، مهما بدا منشغلا بذاته وتفاصيل حياته الخاصة، لا يكتب خارج المجتمع، ولا يعبر عن تجربة منفصلة عن شروطها التاريخية. إن الذات التي تتحدث في اليوميات تحمل داخلها آثار الزمن الذي تعيشه، وتحمل كذلك القيم والتمثلات والصراعات والتحولات التي يعرفها المجتمع.

ومن هنا فإن اليوميات تمثل نقطة التقاء بين الفردي والجماعي، فهي تبدأ من تجربة شخصية، لكنها تنفتح على أسئلة المجتمع والتاريخ. فالحدث الصغير الذي يسجله الكاتب قد يكشف عن بنية اجتماعية كاملة، والتجربة الخاصة قد تصبح شاهدا على مرحلة تاريخية بأكملها.

ولهذا فإن المقاربة السوسيولوجية التاريخية لا تهدف إلى إلغاء البعد الأدبي والجمالي لليوميات، بل تسعى إلى توسيع دائرة فهمها، من خلال دراسة العلاقة بين الخطاب وسياقه، وبين الذات والبنية الاجتماعية، وبين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية.

اليوميات بوصفها خطابا اجتماعيا:

النص الأدبي وعلاقته بالبنية الاجتماعية:

تنطلق المقاربة السوسيولوجية للأدب من فكرة أساسية مفادها أن العمل الأدبي لا يظهر في فراغ، وإنما يتشكل داخل شروط اجتماعية وثقافية محددة. فالنص يحمل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، آثار المجتمع الذي أنتجه.

ولا يعني ذلك أن الأدب مجرد انعكاس آلي للواقع، لأن العلاقة بين النص والمجتمع أكثر تعقيدا من علاقة النسخ والتصوير، فالأديب يعيد تشكيل الواقع من خلال رؤيته الخاصة، ومن خلال أدواته الجمالية واللغوية.

وينطبق هذا التصور على اليوميات بشكل خاص، لأن هذا النوع الكتابي يقوم على التفاعل المباشر بين الذات والعالم. فالكاتب يسجل ما يراه، وما يشعر به، وما يعيشه داخل محيط اجتماعي معين.

ومن ثم فإن تحليل اليوميات لا يقتصر على سؤال: " ماذا يقول الكاتب عن نفسه؟"، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق: ماذا تكشف هذه الذات عن المجتمع الذي تنتمي إليه؟

اليوميات وتمثيل الحياة اليومية:

تتميز اليوميات بقدرتها على التقاط التفاصيل الصغيرة التي تشكل نسيج الحياة الاجتماعية. فبينما تركز المصادر التاريخية الرسمية غالبا على الأحداث الكبرى، تمنحنا اليوميات إمكانية الاقتراب من الحياة العادية للأفراد.

فالحديث عن الأسرة، وعن التعليم، والعمل، والعلاقات الاجتماعية، والعادات، والأماكن، والتحولات الثقافية،

لا يمثل مجرد تسجيل لتجارب شخصية، بل يكشف عن أنماط الحياة والقيم التي تسود المجتمع.

وهنا تكمن القيمة السوسيولوجية لليوميات، لأنها تجعل من اليومي والعادي مادة للبحث العلمي، وتكشف أن التفاصيل البسيطة قد تكون مدخلًا لفهم البنيات الكبرى.

الذات اليومية داخل السياق التاريخي:

الكاتب اليومياتي شاهد على عصره:

لا يعيش الكاتب اليومياتي خارج التاريخ، بل يوجد داخله ويتأثر بأحداثه وتحولاته. وحتى عندما لا يقصد كتابة التاريخ، فإن نصه يحتفظ بآثار المرحلة التي ينتمي إليها.

فاليوميات التي تكتب في فترة سياسية معينة، أو خلال تحول اجتماعي كبير، تحمل في لغتها ومضامينها صدى تلك المرحلة.

فالكاتب قد يسجل مخاوفه من أحداث سياسية،

أو مواقفه من تحولات ثقافية، أوأثر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. أوتغير العلاقات بين الأفراد، أو تحولات القيم والمفاهيم.

وبذلك تصبح اليوميات شهادة تاريخية غير مباشرة، لأنها تكشف كيف عاش الإنسان التاريخ من الداخل.

التاريخ من منظور الحياة اليومية:

تقدم اليوميات نوعا مختلفا من المعرفة التاريخية، فهي لا تهتم فقط بما حدث، بل بكيفية تأثير ما حدث في حياة الأفراد.

فالحروب، والتحولات السياسية، والأزمات الاجتماعية، لا تظهر في اليوميات باعتبارها أحداثا مجردة، وإنما باعتبارها تجارب إنسانية لها آثار نفسية واجتماعية.

ومن هنا فإن اليوميات تمنح التاريخ بعده الإنساني، لأنها تنقلنا من تاريخ المؤسسات والقرارات إلى تاريخ التجارب والأحاسيس. وهذا ما يجعلها قريبة من مفهوم "التاريخ من أسفل"، الذي يهتم بحياة الناس العاديين وتمثلاتهم للأحداث الكبرى.

اليوميات والهوية الاجتماعية والثقافية:

الكتابة اليومية وحفظ الذاكرة الثقافية:

لا تقتصر وظيفة اليوميات على حفظ ذكريات الفرد، بل تساهم في حفظ عناصر من الذاكرة الثقافية للمجتمع.

فالكاتب عندما يتحدث عن تفاصيل حياته اليومية فإنه يحفظ صورا من اللغة المتداولة والعادات الاجتماعية، وأشكال التواصل، والقيم الأخلاقية، وأنماط التفكير.

وهذه العناصر قد لا نجدها دائما في الوثائق الرسمية، لكنها تشكل جزءا أساسيا من هوية المجتمع.

لذلك يمكن اعتبار اليوميات أرشيفا ثقافيا حيا، لأنها تحفظ ما يمكن أن يختفي من تفاصيل الحياة الاجتماعية.

الآخر والمجتمع في بناء الذات:

تكشف اليوميات أن الذات لا تتشكل منفردة، بل من خلال علاقتها بالآخرين. فالأسرة، والأصدقاء، والزملاء، والمؤسسات الاجتماعية، كلها عناصر تدخل في تشكيل هوية الكاتب. فحتى اللحظات التي تبدو شخصية وخاصة تحمل داخلها أثر العلاقات الاجتماعية.

فالكاتب عندما يصف لقاء أو حوارا أو موقفا عابرا، فإنه لا يسجل شخصا آخر فقط، بل يعبر عن نظرته إلى المجتمع وعن موقعه داخله. ومن هنا تصبح دراسة الآخر في اليوميات مدخلا لفهم الذات نفسها.

حدود المقاربة السوسيولوجية التاريخية وإمكاناتها:

تجاوز الاختزال الاجتماعي للنص:

رغم أهمية المقاربة السوسيولوجية التاريخية، فإن التعامل مع اليوميات يتطلب الحذر من اختزالها في بعدها الاجتماعي فقط. فالنص الأدبي ليس مجرد وثيقة تعكس المجتمع، وإنما هو بناء جمالي له خصوصيته.

فاللغة، والأسلوب، والبنية السردية، وطريقة تنظيم التجربة، كلها عناصر أساسية في إنتاج المعنى.

ولهذا فإن المقاربة السوسيولوجية الناجحة هي التي تجمع بين فهم السياق الاجتماعي، وتحليل البنية الأدبية،

ودراسة موقع الذات داخل الخطاب.

التكامل بين النقد الأدبي والسوسيولوجيا والتاريخ:

إن خطاب اليوميات يحتاج إلى مقاربة متعددة التخصصات، لأن طبيعته المركبة لا تسمح بمنهج واحد.

فالتحليل الأدبي يكشف عن جماليات السرد، والسوسيولوجيا تفسر علاقته بالمجتمع، والتاريخ يضيء سياقه الزمني. ومن خلال هذا التكامل يمكن الوصول إلى فهم أكثر شمولا لليوميات باعتبارها نصا أدبيا ووثيقة ثقافية في آن واحد.

وهكذا نخلص إلى أن خطاب اليوميات لا يمكن اختزاله في التعبير عن حياة فردية خاصة، لأنه يحمل في داخله آثار المجتمع والتاريخ والثقافة. فالذات التي تكتب يومياتها لا تتحدث من موقع فردي معزول، بل من داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية والتحولات التاريخية.

كما تبين أن اليوميات تمنح الباحث إمكانية دراسة الحياة اليومية باعتبارها مجالا لإنتاج المعنى، وتكشف عن كيفية تفاعل الأفراد مع عصرهم وتحولاتهم. وبذلك تصبح اليوميات جسرا بين الأدب والتاريخ والسوسيولوجيا، لأنها تجمع بين قيمة النص الإبداعية وقيمة الوثيقة المعرفية.

جماليات خطاب اليوميات: البنية السردية والزمن والمكان واللغة:

على سبيل البداية:

إذا كانت اليوميات تكتسب أهميتها من قدرتها على حفظ التجربة الفردية والجماعية، فإن قيمتها الأدبية تتأسس أيضا على الطريقة التي تتحول بها هذه التجربة إلى خطاب. فالكاتب اليومياتي لا يقدم حياته في صورتها الخام، وإنما يعيد تشكيلها من خلال مجموعة من الاختيارات السردية والجمالية التي تمنح النص خصوصيته.

ومن هنا فإن دراسة جماليات اليوميات تقتضي الانتقال من سؤال: ماذا تقول الذات؟ إلى سؤال أكثر عمقا: كيف تبني الذات ما تقوله؟

فالأحداث اليومية، مهما كانت بسيطة، لا تصبح مادة أدبية إلا عندما تدخل في نظام لغوي وسردي يجعل منها تجربة قابلة للتأويل. ولهذا فإن اليوميات تكشف عن علاقة معقدة بين الحياة والكتابة، وبين الواقع وتمثيله، وبين التجربة الفردية وصياغتها الجمالية.

وتتجلى خصوصية خطاب اليوميات في عناصر متعددة، من أبرزها: البناء السردي، وتنظيم الزمن، ودلالة المكان، ووظيفة اللغة والأسلوب.

البنية السردية في خطاب اليوميات:

السرد اليومياتي بين التلقائية والتنظيم:

قد يبدو خطاب اليوميات قائما على العفوية، لأنه يرتبط غالبا بتسجيل الأحداث وفق ترتيبها الزمني، غير أن هذه العفوية تخفي وراءها بناء سرديا مقصودا.

فالكاتب، حتى عندما يكتب عن يوم عادي، يقوم بعملية تنظيم واختيار، فهو يقرر نقطة البداية، ويحدد الأحداث التي تستحق الحضور، ويمنح بعضها أهمية أكبر من غيرها. وهكذا فإن اليوميات لا تقدم الحياة كما هي، بل تقدم رؤية الذات للحياة.

إن ترتيب الأحداث داخل النص ليس مجرد ترتيب زمني، وإنما هو ترتيب دلالي يكشف عن أولويات الكاتب واهتماماته وطريقة فهمه للعالم.

حضور الأنا الساردة:

تتميز اليوميات بحضور قوي للراوي الذاتي، حيث تتحدث الذات عن نفسها بضمير المتكلم غالبًا. غير أن هذا الحضور لا يعني أن النص مجرد اعترافات شخصية، لأن الأنا الساردة تقوم بوظائف متعددة.

فهي من جهة راوية للأحداث، وشاهدة على التجربة، ومن جهة ثانية فهي أيضا مفسرة لما يحدث، ومنتجة للمعنى. ومن هنا فإن الأنا في اليوميات ليست مجرد شخصية داخل النص، بل هي المركز الذي تنتظم حوله مختلف العناصر السردية.

لكن هذه الأنا ليست ثابتة، فهي تتغير مع مرور الزمن، لأن الكاتب يكتب ذاته وهي تتحول وتتفاعل مع التجارب.

الزمن في خطاب اليوميات: بين لحظة العيش ولحظة الكتابة:

خصوصية الزمن اليومياتي:

يمثل الزمن أحد أهم عناصر بناء اليوميات، لأن هذا الجنس يقوم أساسًا على متابعة حركة الحياة في امتدادها اليومي. غير أن زمن اليوميات ليس زمنا واحدا، بل هو تداخل بين مستويات متعددة:

زمن الحدث: وهو الزمن الذي وقعت فيه التجربة.

زمن الكتابة: وهو اللحظة التي يسجل فيها الكاتب الحدث.

زمن القراءة: وهو الزمن الذي يستقبل فيه القارئ النص.

وهذا التعدد يجعل الزمن في اليوميات أكثر تعقيدا من مجرد تسلسل للأيام.

الذاكرة وإعادة تشكيل الزمن:

رغم ارتباط اليوميات بالحاضر، فإنها لا تنفصل عن الماضي، لأن كل لحظة حاضرة تحمل آثار تجارب سابقة.

فالكاتب قد يكتب عن حدث يومي بسيط، لكنه يستدعي من خلاله ذكريات وتجارب قديمة، فتتداخل الأزمنة داخل النص. وهنا تظهر وظيفة الذاكرة باعتبارها قوة تمنح الزمن اليومياتي عمقه، لأنها تحول اللحظة العابرة إلى تجربة ذات معنى.

فالزمن في اليوميات ليس مجرد إطار خارجي للأحداث، بل هو عنصر فاعل في بناء الهوية.

المكان في خطاب اليوميات: من الفضاء الجغرافي إلى الفضاء الرمزي:

المكان بوصفه ذاكرة للذات:

لا يظهر المكان في اليوميات باعتباره مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى عنصر أساسي في بناء التجربة.

فالبيت، والمدينة، والشارع، والمؤسسة، وأماكن اللقاء، كلها تحمل دلالات مرتبطة بذاكرة الكاتب وهويته.

فالمكان يحتفظ بآثار التجارب، ويصبح جزءًا من تاريخ الذات. ولهذا فإن وصف المكان في اليوميات لا يقدم معلومات جغرافية فقط، بل يكشف عن علاقة الإنسان بالفضاءات التي عاش فيها.

المكان الاجتماعي والثقافي:

يحمل المكان في اليوميات أبعادا اجتماعية وثقافية، لأنه يعكس طبيعة العلاقات وأنماط الحياة داخل المجتمع.

فالمدينة مثلا ليست مجرد موقع جغرافي، بل فضاء يكشف عن التحولات الاجتماعية، وعن اختلاف الطبقات،

كما يبرز هذا الأخير أيضا تغير أنماط العيش، ويظهر العلاقة بين التقليد والحداثة. ومن خلال المكان يستطيع القارئ أن يستعيد صورة مجتمع كامل في مرحلة تاريخية معينة.

اللغة والأسلوب في كتابة اليوميات:

اللغة بين البساطة والتشكيل الأدبي:

تتميز لغة اليوميات غالبا بالقرب من اللغة اليومية، لأنها مرتبطة بالتجربة المباشرة، غير أن هذه البساطة لا تعني غياب القيمة الجمالية. فالكاتب يستطيع تحويل اللغة العادية إلى لغة ذات كثافة أدبية من خلال اختيار الألفاظ، وبناء الجمل، واستخدام الوصف، والتعبير عن الأحاسيس، وتنظيم الإيقاع السردي.

وهنا تكمن المفارقة الجمالية لليوميات، فهي تنطلق من العادي لتنتج معنى استثنائيًا.

الحوار والوصف والتأمل:

توظف اليوميات مجموعة من التقنيات السردية التي تقربها من الأجناس الأدبية الأخرى، مثل الحوار والوصف

والتأمل، والمونولوج الداخلي.

فالحوار يكشف علاقة الذات بالآخر، والوصف يمنح التفاصيل اليومية قيمتها الجمالية، أما التأمل فيحول الحدث البسيط إلى سؤال فكري أو وجودي.

وبذلك تصبح اليوميات فضاءً يلتقي فيه السرد بالتأمل.

شعرية اليوميات وتحويل العادي إلى أدبي:

جماليات التفاصيل الصغيرة:

تكمن إحدى أهم خصائص اليوميات في قدرتها على منح القيمة للأشياء البسيطة التي قد تبدو غير مهمة.

فكوب قهوة، أو لقاء عابر، أو لحظة صمت، أو مشهد من الشارع، يمكن أن يتحول داخل النص إلى علامة تكشف عن حالة نفسية أو وضع اجتماعي أو رؤية فلسفية.

وهنا تظهر شعرية اليوميات، إذ يصبح اليومي مادة للتأمل والكشف.

اليوميات بين الواقعي والإبداعي:

لا تقوم شعرية اليوميات على الابتعاد عن الواقع، بل على إعادة اكتشافه. فالإبداع هنا لا يعني اختراع عوالم بعيدة، وإنما رؤية العمق الكامن في التفاصيل العادية.

ولهذا فإن اليوميات تحقق نوعا خاصا من الأدبية، يقوم على تحويل التجربة الشخصية إلى خطاب إنساني قابل للتواصل.

نخلص اعتمادا على ما سبق أن خطاب اليوميات لا يستمد قيمته من موضوعاته فقط، بل من الطريقة الجمالية التي يعيد بها بناء التجربة. فاليوميات ليست مجرد تسجيل للأحداث، وإنما هي بناء سردي يقوم على تنظيم الزمن، وتشكيل المكان، وصياغة اللغة.

كما تبين أن قوة هذا الجنس الأدبي تكمن في قدرته على تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى علامات ذات أبعاد إنسانية وثقافية عميقة.

وبذلك تكتمل صورة اليوميات باعتبارها خطابا يجمع بينالذات والذاكرة، والأدب والتاريخ، والفرد والمجتمع، والواقع والتخييل.

الخاتمة:

لقد سعت الدراسة إلى إعادة النظر في خطاب اليوميات باعتباره أحد الأشكال التعبيرية التي ظلت لفترة طويلة خارج دائرة الاهتمام النقدي المركزي، رغم ما يختزنه من إمكانات معرفية وجمالية قادرة على الإسهام في فهم الإنسان في علاقته بذاته وبالعالم الذي يعيش فيه.

وقد انطلقت الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن اليوميات لا تمثل مجرد كتابة شخصية أو سجلا خاصا للأحداث اليومية، وإنما هي خطاب مركب تتداخل داخله أبعاد متعددة: ذاتية وسردية واجتماعية وتاريخية. فالكاتب اليومياتي لا ينقل حياته كما وقعت فقط، بل يعيد بناءها عبر الذاكرة واللغة والتأويل، مما يجعل النص اليومياتي فضاء لإنتاج المعنى وتشكيل الهوية.

وقد أظهرت الدراسة أن التحولات التي عرفتها الدراسات الأدبية والإنسانية الحديثة أسهمت في إعادة الاعتبار للكتابات الذاتية عموما، ولليوميات خصوصا، بعد الانتقال من النظر إليها بوصفها وثائق شخصية هامشية إلى اعتبارها أشكالا خطابية لها قيمتها الأدبية والمعرفية. فقد أصبح الاهتمام منصبا على الطريقة التي تبني بها الذات صورتها، وعلى الكيفية التي تتحول بها التجربة الفردية إلى خطاب قابل للقراءة والتأويل.

وقد بين البحث أن نشأة خطاب اليوميات ارتبطت بتحولات عميقة في مفهوم الفرد والذات داخل الفكر الحديث، حيث أصبحت التجربة الشخصية مجالا للتأمل والكتابة. كما أوضح أن صعوبة تعريف اليوميات ترجع إلى طبيعتها الهجينة، فهي تقع في منطقة وسطى بين السيرة الذاتية والمذكرات والاعترافات وأدب الرحلة، لكنها تمتلك خصوصيتها القائمة على آنية الكتابة، وحضور اللحظة، والارتباط بالتجربة اليومية.

كما  ركزت الدراسة أيضا على مفهوم الذات في خطاب اليوميات، وأبرزت أن الذات لا تظهر باعتبارها جوهرا ثابتا، بل باعتبارها بناء سرديا يتشكل عبر فعل الكتابة. فالكاتب حين يروي حياته لا يقدم صورة نهائية عن نفسه، وإنما يعيد إنتاج هويته من خلال الاختيار والتفسير وإعادة ترتيب التجارب. كما تبين أن الذات اليومية ليست منفصلة عن محيطها، بل تحمل آثار العلاقات الاجتماعية والثقافية التي تشكلها.

كما  كشفت هذه الدراسة أيضا  عن الدور المركزي الذي تؤديه الذاكرة في بناء خطاب اليوميات، إذ لا يمكن فهم هذا الجنس الأدبي خارج العلاقة بين التذكر والكتابة. فالذاكرة ليست مخزنا محايدا للأحداث، وإنما عملية تأويلية تعيد تشكيل الماضي وفق حاجات الحاضر ورؤية الذات. كما أكدت الدراسة أن الذاكرة الفردية تتداخل مع الذاكرة الجماعية، لأن التجربة الشخصية تحمل داخلها آثار المجتمع والتاريخ والثقافة.

أكما  أبرز هذا البحث أهمية المقاربة السوسيولوجية التاريخية في قراءة اليوميات، حيث تبين أن هذا الخطاب لا يمثل مجرد انعكاس لحياة فردية، بل يشكل شهادة ثقافية على عصر معين. فاليوميات تكشف عن أنماط العيش، والقيم الاجتماعية، والتحولات الثقافية، وتمثلات الأفراد للأحداث الكبرى، مما يجعلها مصدرا مهما لفهم التاريخ من زاوية الحياة اليومية.

كما  تم التركيز على البعد الجمالي لخطاب اليوميات، حيث اتضح أن هذا الجنس لا يستمد قيمته من مضمونه الواقعي فقط، بل من الطريقة الفنية التي يعيد بها بناء التجربة. فالزمن والمكان واللغة والسرد كلها عناصر تساهم في تحويل الحياة اليومية إلى نص ذي قيمة أدبية، وتجعل من التفاصيل الصغيرة علامات حاملة لدلالات إنسانية وثقافية عميقة.

وانطلاقا من مجموع هذه النتائج، يمكن القول إن خطاب اليوميات يمثل منطقة خصبة للبحث العلمي، لأنه يجمع بين خصوصية التجربة الفردية واتساع الدلالة الجماعية. فهو نص يكتب فيه الإنسان ذاته، لكنه في الوقت نفسه يكتب عصره، ويحفظ ذاكرته، ويكشف عن علاقته بالمجتمع والتاريخ.

إن اليوميات ليست مجرد أثر من آثار الماضي، بل هي ممارسة مستمرة لإنتاج الذات، إذ تمنح الإنسان القدرة على التأمل في وجوده، وفهم تجاربه، وإعادة ترتيب علاقته بالعالم. ولذلك فإن دراستها لا تندرج فقط ضمن تاريخ الأجناس الأدبية، وإنما تندرج ضمن دراسة الإنسان نفسه، باعتباره كائنًا يعيش التجربة ويحولها إلى معنى.

نتائج الدراسة:

توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج العلمية الأساسية، يمكن إجمالها فيما يلي:

اليوميات جنس أدبي ومعرفي مستقل:

أثبتت الدراسة أن خطاب اليوميات لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد وثيقة شخصية أو كتابة هامشية، بل هو جنس له خصائصه الفنية ووظائفه المعرفية الخاصة، رغم تقاطعه مع أجناس أخرى كالسيـرة الذاتية والمذكرات والاعترافات.

الذات في اليوميات بناء سردي متحرك:

بينت الدراسة أن الذات لا تظهر في اليوميات باعتبارها حقيقة جاهزة، وإنما باعتبارها مشروعًا يتشكل عبر الكتابة. فالكاتب يعيد بناء هويته من خلال طريقة حكايته لتجاربه.

الذاكرة عنصر مؤسس للخطاب اليومياتي:

أكدت الدراسة أن الذاكرة ليست مجرد وسيلة لاسترجاع الماضي، بل هي آلية لإنتاج المعنى وبناء الهوية، لأنها تعيد تنظيم التجربة وفق رؤية الذات وموقعها في الحاضر.

اليوميات جسر بين الفرد والمجتمع:

كشفت الدراسة أن التجربة الفردية في اليوميات تحمل أبعادا اجتماعية وثقافية، لأن الكاتب لا يعيش خارج شروطه التاريخية، بل يعبر عن عصره من خلال تفاصيل حياته الخاصة.

القيمة التاريخية لليوميات:

أظهرت الدراسة أن اليوميات تمثل مصدرا مهما للتاريخ الاجتماعي والثقافي، لأنها تحفظ جوانب من الحياة اليومية قد تغيب عن الوثائق الرسمية.

التكامل المنهجي ضرورة لفهم اليوميات:

بينت الدراسة أن تحليل خطاب اليوميات يحتاج إلى الجمع بين النقد الأدبي والسوسيولوجيا والتاريخ ونظريات الذاكرة، لأن طبيعة هذا الخطاب المركبة لا تسمح بمقاربة أحادية.

التفاصيل اليومية تحمل دلالات كبرى:

أكدت الدراسة أن اليوميات تمنح قيمة للأحداث الصغيرة، لأن الجزئي واليومي يمكن أن يكشف عن تحولات اجتماعية وثقافية واسعة.

توصيات الدراسة:

استنادا إلى النتائج السابقة، تقترح الدراسة مجموعة من التوصيات:

ضرورة توسيع دائرة البحث في اليوميات:

ينبغي تشجيع الدراسات العربية التي تتناول اليوميات باعتبارها جنسا أدبيا قائما بذاته، وعدم حصر الاهتمام بها داخل الدراسات المتعلقة بالسيرة الذاتية فقط.

إنشاء مشاريع بحثية تهتم بأرشفة اليوميات:

نظرا لقيمتها التاريخية والثقافية، من المهم جمع اليوميات وحفظها ودراستها باعتبارها جزءا من الذاكرة الثقافية للمجتمعات.

تعزيز المقاربات البينية:

تحتاج دراسة اليوميات إلى تعاون بين تخصصات مختلفة  كالأدب، والتاريخ، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والدراسات الثقافية.

إعادة الاعتبار للحياة اليومية بوصفها موضوعًا معرفيا:

فاليومي والعادي ليس هامشيا، بل يمثل مدخلا لفهم الإنسان والمجتمع والتحولات الكبرى.

الاهتمام باليوميات الرقمية:

مع التحولات التكنولوجية الحديثة، ظهرت أشكال جديدة من الكتابة اليومية عبر المدونات والمنصات الرقمية، مما يفتح آفاقا جديدة لدراسة تحولات الذات والذاكرة في العصر الرقمي.

إن خطاب اليوميات يكشف أن الإنسان لا يعيش الزمن فقط، بل يعيد إنتاجه عبر الذاكرة واللغة. فهو يحول اللحظة العابرة إلى أثر، والتجربة الخاصة إلى شهادة، والذاكرة الفردية إلى جزء من الذاكرة الجماعية.

ومن ثم فإن اليوميات تمثل أحد أكثر الخطابات قدرة على القبض على الإنسان في لحظة تشكله، لأنها تتابع حركة الذات وهي تفاوض وجودها داخل المجتمع والتاريخ. إنها كتابة للحياة، لكنها في العمق كتابة للمعنى، وكتابة للإنسان وهو يحاول أن يفهم نفسه والعالم من حوله.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

 

مقاربة ثقافية وسردية في ضوء النقد الثقافي

مقدمة الدراسة: يشكل الأدب الشعبي أحد أهم الحقول الثقافية التي تختزن الذاكرة الجمعية للمجتمعات، إذ يمثل مرآة صادقة لتصوراتها الفكرية والاجتماعية والرمزية، ويعكس مختلف التحولات التي عرفتها عبر التاريخ. فهو ليس مجرد إنتاج شفهي يهدف إلى التسلية أو الترفيه، بل هو نظام ثقافي متكامل يحمل أنساقًا فكرية وقيمًا اجتماعية ورؤى جماعية تتناقلها الأجيال، لتصبح جزءا من الهوية الثقافية والحضارية للأمة. ومن بين الأجناس التي احتلت مكانة متميزة داخل الأدب الشعبي تبرز الحكاية الشعبية باعتبارها أكثر الأشكال السردية قدرة على حفظ الذاكرة الجماعية، وإعادة إنتاج التصورات التي يحملها المجتمع حول الإنسان والعالم والعلاقات الاجتماعية.

وتتميز الحكاية الشعبية المغربية بثراء مضامينها وتنوع شخصياتها، إذ تستمد مادتها من الواقع الاجتماعي، لكنها تعيد تشكيله عبر الخيال والرمز والعجائبية، فتتحول إلى خطاب ثقافي قادر على كشف البنيات الذهنية التي تؤطر رؤية المجتمع إلى ذاته وإلى الآخر. ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى الحكاية الشعبية بوصفها مجرد قصة متوارثة، وإنما باعتبارها وثيقة ثقافية تكشف أنساق التفكير السائدة، وتعيد إنتاجها بصورة فنية ورمزية.

وتحتل المرأة داخل هذا المتخيل الحكائي موقعا محويا؛ فهي ليست مجرد شخصية تؤدي وظيفة سردية، بل تمثل علامة ثقافية محملة بجملة من الدلالات الاجتماعية والرمزية والإيديولوجية. فقد تظهر في صورة الأم الحنون، أو الزوجة الوفية، أو الابنة الصالحة، كما قد تتجسد في هيئة الساحرة، أو الغولة، أو المرأة الماكرة، أو زوجة الأب الظالمة. ويكشف هذا التنوع في التمثلات عن طبيعة الرؤية الثقافية التي صاغها المخيال الشعبي تجاه المرأة، كما يعكس الصراع القائم بين منظومة القيم الأخلاقية والتصورات الاجتماعية التي حكمت علاقة المجتمع بالأنوثة عبر مراحل تاريخية مختلفة.

وتزداد أهمية دراسة صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية في ظل التحولات التي عرفتها الدراسات النقدية المعاصرة، ولاسيما النقد الثقافي، الذي تجاوز حدود التحليل الجمالي للنصوص الأدبية، لينفتح على دراسة الأنساق الثقافية المضمرة التي تتحكم في إنتاج المعنى، وتعيد تشكيل العلاقات بين السلطة والهوية والجندر والتمثلات الاجتماعية. وبذلك أصبحت الشخصيات الحكائية علامات ثقافية يمكن من خلالها الكشف عن المرجعيات الفكرية التي تؤسس رؤية المجتمع للمرأة، وعن الكيفية التي يتم بها ترسيخ الصور النمطية أو مساءلتها داخل المتخيل الشعبي.

وتنبع أهمية هذا الموضوع أيضا من كون الحكاية الشعبية المغربية ما تزال تمثل مجالا خصبا للبحث العلمي، لما تتضمنه من ثراء رمزي وتنوع دلالي، ولأنها تشكل سجلا حيًا للعادات والتقاليد والمعتقدات والقيم التي ساهمت في تشكيل الوعي الجمعي المغربي. كما أن دراسة صورة المرأة داخلها تسهم في فهم العلاقة بين الخطاب الحكائي والواقع الاجتماعي، وتبرز الدور الذي لعبته الحكاية في تكريس بعض التصورات الثقافية أو إعادة إنتاجها عبر الأجيال.

وانطلاقا من هذا التصور، فإن هذه الدراسة لا تتوقف عند وصف الشخصيات النسائية أو تصنيفها، وإنما تسعى إلى تفكيك الأبعاد الثقافية والرمزية الكامنة وراء هذه الصور، والكشف عن وظائفها السردية ودلالاتها الاجتماعية والإيديولوجية، مع استحضار السياق الثقافي الذي أنتجها. كما تحاول بيان مدى ارتباط هذه الصور بمنظومة القيم السائدة، ومدى قدرتها على التعبير عن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي في نظرته إلى المرأة ومكانتها داخل البناء الأسري والاجتماعي.

وتستند الدراسة إلى مقاربة تجمع بين النقد الثقافي والتحليل السردي، بما يسمح بقراءة الحكاية الشعبية بوصفها خطابا ثقافيا يختزن أنساقا مضمرة تتجاوز ظاهر الحكاية إلى ما تحمله من رؤى للعالم والإنسان، وبما يمكن من الكشف عن طبيعة العلاقة بين البنية السردية والمرجعيات الثقافية التي تحكم بناء الشخصية النسائية في المتخيل الشعبي المغربي.

إشكالية الدراسة:

تعد الحكاية الشعبية المغربية أحد أهم الخطابات الثقافية التي أسهمت في تشكيل الوعي الجمعي، إذ لم تقتصر وظيفتها على الترفيه ونقل الخبرات الإنسانية، بل تجاوزت ذلك إلى إنتاج منظومة من القيم والتمثلات التي تحدد رؤية المجتمع للعالم وللعلاقات الاجتماعية. ومن بين أكثر القضايا حضورا داخل هذا الخطاب قضية المرأة، التي احتلت موقعا مركزيا في البناء الحكائي، سواء باعتبارها فاعلا رئيسا في تطور الأحداث، أو بوصفها رمزا ثقافيًا تتقاطع عنده المرجعيات الاجتماعية والدينية والأخلاقية والإيديولوجية.

غير أن المتأمل في الحكايات الشعبية المغربية يلاحظ أن صورة المرأة لا تأتي في صيغة واحدة، وإنما تتعدد بتعدد الأدوار والوظائف السردية التي تؤديها؛ فهي الأم المضحية، والزوجة الوفية، والابنة الصالحة، والأخت الحنون، كما قد تتحول إلى زوجة الأب القاسية، أو المرأة الماكرة، أو الغولة، أو الساحرة، أو الحاسدة. ويثير هذا التنوع جملة من التساؤلات حول المرجعيات الثقافية التي أنتجت هذه الصور، ومدى ارتباطها بالواقع الاجتماعي الذي تشكلت داخله الحكاية الشعبية.

وانطلاقا من توجهات النقد الثقافي، فإن هذه الصور لا تُقرأ باعتبارها شخصيات متخيلة فحسب، وإنما بوصفها علامات ثقافية تكشف الأنساق الفكرية المضمرة التي تحكم تمثيل المرأة داخل المخيال الشعبي. فالنص الحكائي لا يعكس الواقع بصورة مباشرة، بل يعيد إنتاجه وفق رؤية ثقافية تسهم في ترسيخ بعض التصورات الاجتماعية، أو إعادة صياغتها في قالب رمزي، الأمر الذي يجعل الحكاية الشعبية وثيقة ثقافية بامتياز، قادرة على الكشف عن طبيعة العلاقة بين السلطة والهوية والجندر والقيم الاجتماعية.

وتنبع إشكالية هذه الدراسة من محاولة الكشف عن الكيفية التي بنيت بها صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية، وعن الأبعاد الرمزية والثقافية التي تختزنها هذه الصورة، ومدى ارتباطها بالبنيات الذهنية والاجتماعية التي حكمت المجتمع المغربي عبر تاريخه.

أسئلة الدراسة

تنبثق عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الرئيسة والفرعية، من أهمها:

كيف تمثل الحكاية الشعبية المغربية المرأة على المستوى السردي والثقافي؟

ما أبرز الصور النسائية التي يقدمها المتن الحكائي المغربي؟

ما الوظائف السردية التي تضطلع بها الشخصيات النسائية داخل الحكاية الشعبية؟

إلى أي حد تعكس هذه الصور الأنساق الثقافية والاجتماعية السائدة؟

هل أعادت الحكاية الشعبية إنتاج الصور النمطية للمرأة، أم أنها قدمت تمثلات أكثر تنوعا وعمقا؟

ما العلاقة بين البنية السردية للحكاية الشعبية والبنية الثقافية التي أنتجتها؟

كيف يمكن للنقد الثقافي أن يسهم في الكشف عن المضمرات الإيديولوجية الكامنة وراء تمثيل المرأة في الحكاية الشعبية المغربية؟

فرضيات الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من جملة من الفرضيات، أبرزها:

أن صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية ليست صورة بريئة، بل هي بناء ثقافي يعكس رؤية المجتمع للأنوثة ولمكانة المرأة.

أن الشخصيات النسائية تؤدي وظائف رمزية تتجاوز حدود الحدث الحكائي لتكشف عن منظومة القيم والسلطة السائدة.

أن الحكاية الشعبية تعيد إنتاج عدد من الصور النمطية المرتبطة بالمرأة، لكنها في بعض النماذج تقدم صورة إيجابية تمنحها الحكمة والقدرة على القيادة والتضحية.

أن مقاربة الحكاية الشعبية من منظور النقد الثقافي تمكن من الكشف عن الأنساق الفكرية والإيديولوجية التي لا يظهرها التحليل السردي التقليدي.

أهداف الدراسة:

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، أهمها:

رصد صور المرأة في الحكاية الشعبية المغربية وتصنيفها.

تحليل الوظائف السردية التي تؤديها الشخصيات النسائية.

الكشف عن الأبعاد الثقافية والاجتماعية والإيديولوجية لهذه الصور.

إبراز العلاقة بين المخيال الشعبي والواقع الاجتماعي في تشكيل صورة المرأة.

توظيف آليات النقد الثقافي في قراءة الحكاية الشعبية المغربية.

الإسهام في إغناء الدراسات المتعلقة بالأدب الشعبي المغربي وتمثلات المرأة داخله.

أهمية الدراسة:

تستمد هذه الدراسة أهميتها من كونها تتناول موضوعا يجمع بين الأدب الشعبي والنقد الثقافي والدراسات النسوية، وهي مجالات تشهد اهتماما متزايدا في البحث الأكاديمي المعاصر. كما أنها تسهم في إعادة قراءة الحكاية الشعبية المغربية بوصفها خطابا ثقافيا يحمل أنساقا مضمرة تتجاوز بعدها الحكائي إلى أبعاد اجتماعية وفكرية ورمزية، فضلا عن أنها تقدم رؤية تحليلية لصورة المرأة باعتبارها عنصرا فاعلا في تشكيل الوعي الجمعي، وليس مجرد شخصية داخل البناء السردي.

 الأدب الشعبي بوصفه حاضنة للذاكرة الثقافية:

يمثل الأدب الشعبي أحد أهم المكونات الأساسية للتراث اللامادي، لأنه يعبر عن التجربة التاريخية والوجدانية للمجتمع، ويختزن منظومة القيم والتصورات التي تشكل وعيه الجمعي. ولا تكمن أهميته في كونه إنتاجا شفهيا متوارثا فحسب، وإنما في كونه خطابا ثقافيا قادرا على حفظ الذاكرة الجماعية وإعادة إنتاجها عبر الأجيال. فكل حكاية أو مثل أو أسطورة أو أغنية شعبية ليست سوى تمظهر رمزي لرؤية المجتمع إلى الإنسان والطبيعة والعلاقات الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، لا ينفصل الأدب الشعبي عن السياق الثقافي الذي نشأ فيه، بل يعد انعكاسا للبنية الفكرية والاجتماعية للمجتمع. فهو يحمل آثار التحولات التاريخية، ويكشف عن أنماط التفكير السائدة، كما يعكس طبيعة السلطة والقيم والأعراف التي تؤطر الحياة اليومية. ولذلك أصبح الأدب الشعبي في الدراسات الحديثة وثيقة ثقافية لا تقل أهمية عن الوثائق التاريخية، لما يتضمنه من تمثلات ذهنية وأنساق ثقافية يصعب الوصول إليها عبر المصادر الرسمية.

كما أن انتقال الأدب الشعبي شفهيا من جيل إلى آخر جعله نصا مفتوحا على التغيير والإضافة، إذ يخضع باستمرار لعمليات الحذف والتعديل بما ينسجم مع تحولات المجتمع. ومن ثم فإن استمراره لا يقوم على الثبات، بل على قدرته الدائمة على إعادة إنتاج ذاته وفق متطلبات كل مرحلة تاريخية، وهو ما يمنحه حيوية خاصة تميزه عن النصوص المكتوبة.

 الحكاية الشعبية بين الوظيفة الجمالية والوظيفة الثقافية:

تعد الحكاية الشعبية أكثر الأجناس السردية حضورا داخل الأدب الشعبي، لأنها استطاعت أن تجمع بين المتعة الفنية والوظيفة الثقافية. فهي تقوم على السرد والتشويق والخيال، لكنها في الوقت نفسه تحمل رسائل أخلاقية واجتماعية عميقة، وتسهم في نقل منظومة القيم التي يتبناها المجتمع.

ولذلك لا ينبغي النظر إلى الحكاية الشعبية بوصفها مجرد قصة خيالية، بل باعتبارها نصا ثقافيا يعيد إنتاج الواقع بصورة رمزية. فالعناصر العجائبية والسحرية التي تتضمنها ليست غاية في ذاتها، وإنما أدوات فنية لتجسيد الصراع بين الخير والشر، والعدل والظلم، والقوة والضعف، وهي ثنائيات تعكس البنية الفكرية للمجتمع أكثر مما تعكس الواقع المباشر.

ومن هنا أصبحت الحكاية الشعبية موضوعا لعدد من الدراسات السردية والأنثروبولوجية، لأنها تمثل فضاء غنيًا لتحليل المخيال الجمعي، والكشف عن الآليات التي تنتج بها الثقافة رموزها وأساطيرها وصورها النمطية.

مفهوم الصورة من المنظور النقدي:

تعتبر الصورة من أكثر المفاهيم تداولا في النقد الأدبي، غير أنها من أكثرها تعقيدا أيضا، لتعدد الحقول المعرفية التي تناولتها، بدءا من البلاغة العربية القديمة، مرورا بالفلسفة وعلم النفس، وانتهاء بالنقد الأدبي والثقافي الحديث.

وقد انشغل النقاد القدامى بمفهوم الصورة من زاوية بلاغية، فجعلوها مرتبطة بالتشبيه والاستعارة والتمثيل، بينما وسع النقاد المحدثون مفهومها ليصبح مرتبطا بآليات إنتاج المعنى داخل النص، وبقدرة اللغة على تشكيل رؤية خاصة للعالم.

أما النقد الثقافي، فقد تجاوز هذا التصور البلاغي، لينظر إلى الصورة باعتبارها بناءً ثقافيًا يعكس رؤية المجتمع للذات والآخر. فالصورة ليست مجرد شكل لغوي، وإنما تمثل منظومة من الدلالات والأفكار والقيم التي تتشكل داخل سياق ثقافي معين، وتؤثر في طريقة إدراك الأفراد للواقع.

وبهذا المعنى، تصبح صورة المرأة داخل الحكاية الشعبية تعبيرا عن رؤية المجتمع للأنوثة، أكثر من كونها وصفا لامرأة بعينها، وهو ما يمنحها قيمة تحليلية كبيرة في الدراسات الثقافية

 العلاقة بين الأدب الشعبي والنسق الثقافي:

تكشف القراءة الثقافية للحكاية الشعبية أن النصوص الشعبية لا تنقل الوقائع كما هي، وإنما تعيد بناءها وفق أنساق ثقافية مضمرة تتحكم في إنتاج المعنى. فكل شخصية أو حدث أو رمز داخل الحكاية يؤدي وظيفة ثقافية تتجاوز وظيفته السردية.

ومن هنا فإن الشخصيات النسائية، على اختلاف صورها، ليست كيانات روائية مستقلة، بل هي تمثيلات لخطابات اجتماعية متجذرة في الثقافة الشعبية. فالأم، والزوجة، والابنة، والغولة، والساحرة، وزوجة الأب، جميعها رموز تعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية، وموقع المرأة داخل النظام الثقافي السائد.

كما أن تكرار هذه الصور في عدد كبير من الحكايات الشعبية يؤكد أنها لا ترتبط بخيال الراوي وحده، وإنما تعبر عن أنساق فكرية مستقرة داخل الوعي الجمعي، الأمر الذي يجعل دراستها مدخلا لفهم الثقافة المغربية التقليدية، وكيفية تشكل تصوراتها حول المرأة والسلطة والأسرة والقيم الأخلاقية.

وبذلك يغدو الاطار المفاهيمي أساسا نظريا ضروريا لفهم التحليلات التطبيقية اللاحقة، إذ يحدد المفاهيم والإطارات المرجعية التي ستستند إليها الدراسة في تحليل صور المرأة داخل الحكاية الشعبية المغربية، ويبرز أن هذه الصور ليست معطيات سردية محضة، بل هي نتاج تفاعل معقد بين المخيال الشعبي والبنية الثقافية للمجتمع.

 الأنساق الثقافية المضمرة في تمثلات المرأة:

تكشف قراءة الحكايات الشعبية مجتمعة عن مجموعة من الأنساق الثقافية التي تتحكم في بناء صورة المرأة داخل المخيال الشعبي المغربي.

 نسق الثنائية:

تعتمد الحكايات على بناء ثنائي واضح، يتمثل في:

المرأة الخيرة / المرأة الشريرة.

الأم الحنون / زوجة الأب القاسية.

الأخت الوفية / الأخت الحاسدة.

المرأة المنقذة / المرأة المدمرة.

وتكشف هذه الثنائية أن الثقافة الشعبية كانت تميل إلى تصنيف الشخصيات وفق معيار أخلاقي صارم، يجعل المرأة رمزا للخير المطلق أو الشر المطلق.

 نسق الصبر:

تكاد جميع البطلات يحققن النجاح بعد سلسلة طويلة من المعاناة.

ويشير ذلك إلى أن المخيال الشعبي يجعل الصبر شرطا للاستحقاق، ويقدم المرأة باعتبارها أكثر الشخصيات قدرة على تحمل الألم حتى يتحقق لها الاعتراف.

نسق الذكاء:

تكشف معظم الحكايات أن البطلات ينتصرن بفضل الذكاء لا القوة.

فالأميرة تعالج الأمير بالحيلة والمعرفة.

والفتاة تهتدي إلى طريق النجاة بحسن التدبير.

والأخوات يتجاوزن المحن بالتعاون.

ويؤكد هذا النسق أن الثقافة الشعبية لم تجعل القوة الجسدية أساس البطولة، وإنما منحت الذكاء مكانة مركزية في صناعة الانتصار.

 نسق السلطة

على الرغم من هيمنة السلطة الذكورية داخل المجتمع التقليدي، فإن الحكايات تمنح المرأة سلطة موازية تتمثل في:

سلطة الحكمة.

سلطة المعرفة.

سلطة التربية.

سلطة اتخاذ القرار.

سلطة إنقاذ الآخرين.

وبذلك لا تظهر المرأة بوصفها عنصرا هامشيا، وإنما باعتبارها فاعلا رئيسا في إعادة التوازن إلى العالم الحكائي.

وهكذا يتضح من خلال التحليل أن الحكاية الشعبية المغربية لا تقدم صورة واحدة للمرأة، بل تبني شبكة معقدة من التمثلات تتراوح بين النموذج الإيجابي والنموذج السلبي. غير أن الملاحظ هو أن الشخصيات النسائية الإيجابية هي الأكثر تأثيرا في توجيه الأحداث وصناعة نهاياتها، وهو ما يدل على أن المخيال الشعبي، رغم تأثره بالبنية الأبوية، ظل يمنح المرأة مكانة رمزية مهمة بوصفها حاملة للقيم الأخلاقية، وصانعة للتوازن الاجتماعي، ووسيطا بين الإنسان والعالم.

إن هذه القراءة تكشف أن صورة المرأة في الحكاية الشعبية ليست انعكاسا مباشرا للواقع، بل هي بناء ثقافي تتداخل فيه المرجعيات الاجتماعية والدينية والأسطورية، وتتشابك داخله مفاهيم السلطة والهوية والأخلاق، مما يجعل الحكاية الشعبية وثيقة ثقافية غنية يمكن من خلالها فهم جانب مهم من رؤية المجتمع المغربي التقليدي للمرأة ووظائفها داخل النسق الاجتماعي.

 التركيب العام ومناقشة نتائج التحليل:

 المرأة بوصفها بناءً ثقافيا لا شخصية سردية فحسب:

أفضى تحليل الحكايات الشعبية المغربية إلى نتيجة أساسية مفادها أن المرأة لا تحضر داخل المتن الحكائي باعتبارها شخصية تؤدي وظيفة سردية فقط، وإنما باعتبارها بناء ثقافيًا تتقاطع داخله المرجعيات الاجتماعية والدينية والرمزية. فالشخصية النسائية، مهما اختلف موقعها داخل الحكاية، تتحول إلى حامل لمنظومة من القيم والتصورات التي تعكس رؤية المجتمع التقليدي للأنوثة، وللعلاقات الأسرية، ولتوزيع السلطة داخل المجال الاجتماعي.

ويؤكد هذا المعطى أن الحكاية الشعبية لا تعكس الواقع بصورة فوتوغرافية، وإنما تعيد إنتاجه وفق مخيال جماعي يختزل التجربة الإنسانية في صور ورموز قابلة للتداول عبر الأجيال. ومن ثم فإن صورة المرأة لا يمكن فصلها عن السياق الثقافي الذي أفرزها، لأن دلالتها لا تتحدد بخصائصها الفردية، وإنما بوظيفتها داخل النسق الثقافي العام.

 ثنائية الخير والشر في بناء الشخصية النسائية:

أظهرت الدراسة أن الحكايات الشعبية تعتمد بصورة واضحة على الثنائية الضدية في تشكيل شخصياتها النسائية، حيث تنقسم المرأة إلى نموذجين متقابلين: المرأة الخيرة التي تجسد قيم التضحية والوفاء والحكمة، والمرأة الشريرة التي ترتبط بالحسد والطمع والخداع. ويكشف هذا البناء الثنائي عن نزعة تعليمية واضحة، تجعل الحكاية وسيلة لترسيخ منظومة أخلاقية محددة، أكثر من كونها محاولة لتقديم صورة واقعية ومعقدة للمرأة.

غير أن هذا التصنيف لا ينبغي فهمه بوصفه موقفا من المرأة في حد ذاتها، بل باعتباره آلية ثقافية اعتمدها المخيال الشعبي لتجسيد الصراع الدائم بين الخير والشر، فجعل المرأة، مثل الرجل، وسيطًا رمزيًا للتعبير عن هذا الصراع.

ثالثًا: المرأة والسلطة: إعادة توزيع الأدوار داخل الحكاية:

على الرغم من أن المجتمع التقليدي يقوم على مركزية السلطة الذكورية، فإن الحكايات المدروسة تكشف عن منح المرأة أشكالا متعددة من السلطة، تختلف عن السلطة السياسية أو الجسدية، لكنها لا تقل عنها تأثيرا. فقد ظهرت المرأة بوصفها صاحبة معرفة، وصاحبة قرار، ومصدرا للحكمة، وقادرة على حماية الأسرة وإنقاذ الآخرين.

ويتجلى ذلك بوضوح في شخصية الأميرة التي تتولى علاج الأمير، وفي الفتاة التي تحمي أخاها وتغير مصيرها بفضل ذكائها، وفي الشخصيات النسائية التي تسهم في إعادة التوازن إلى العالم الحكائي. ويشير هذا الحضور إلى أن المخيال الشعبي، رغم خضوعه للبنية الأبوية، لم يحرم المرأة من الفاعلية، بل منحها سلطة رمزية وأخلاقية أساسية.

 البعد الرمزي للشخصيات النسائية:

اتضح من خلال التحليل أن الشخصيات النسائية لا تؤدي وظائف فردية فحسب، بل تحمل أبعادا رمزية تتجاوز حدود الحكاية. فالأم ترمز إلى الحماية والاستقرار، والأخت إلى التضامن، والعجوز إلى الحكمة، والحمامة إلى الهداية، بينما تجسد الغولة وزوجة الأب مظاهر الانحراف عن النظام الأخلاقي.

وبذلك تتحول المرأة داخل الحكاية إلى علامة ثقافية، لا تُقرأ من خلال أفعالها فقط، وإنما من خلال ما تحمله من دلالات اجتماعية ونفسية ورمزية، وهو ما يجعل تحليلها مدخلا لفهم البنية الذهنية للمجتمع المغربي التقليدي.

الحكاية الشعبية وإعادة إنتاج الثقافة:

تكشف الدراسة أن الحكاية الشعبية تؤدي وظيفة مزدوجة؛ فهي من جهة تحفظ التراث والقيم الجماعية، ومن جهة أخرى تعيد إنتاج الأنساق الثقافية عبر التكرار والتداول الشفهي. ولذلك فإن صور المرأة التي تتكرر في الحكايات ليست مجرد عناصر فنية، وإنما آليات ثقافية تسهم في ترسيخ تصورات المجتمع عن الأنوثة، والأسرة، والسلطة، والعلاقات الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار الحكاية الشعبية مؤسسة ثقافية موازية، أسهمت في تشكيل الوعي الجمعي، وفي نقل القيم من جيل إلى آخر، وهو ما يفسر استمرار كثير من صورها ورموزها داخل الثقافة المغربية حتى اليوم.

خلاصة: التصورات في ضوء النقد الثقافي:

تنسجم نتائج هذه الدراسة مع التصورات التي قدمها النقد الثقافي، والتي ترى أن النص الأدبي يخفي وراء بنيته الجمالية أنساقا فكرية وإيديولوجية تتحكم في إنتاج المعنى. فقد أظهرت الحكايات أن صورة المرأة ليست صورة طبيعية أو محايدة، بل هي نتاج بناء ثقافي تشكل عبر التاريخ، وتداخلت في إنتاجه الأعراف الاجتماعية، والمعتقدات الشعبية، والقيم الأخلاقية.

كما تؤكد النتائج أن التحليل الثقافي يتيح تجاوز القراءة الوصفية للحكاية، لينتقل إلى الكشف عن البنيات العميقة التي تتحكم في تشكيل الشخصيات، وتوزيع الأدوار، وإنتاج الرموز، وهو ما يجعل النقد الثقافي من أكثر المناهج قدرة على مقاربة الأدب الشعبي وتحليل تمثلاته.

و كخلاصة لما سبق يتبين على أن صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية تتجاوز بعدها الحكائي لتغدو تمثيلا ثقافيًا يعكس رؤية المجتمع التقليدي للمرأة ووظائفها ومكانتها. وقد أبانت الدراسة أن هذه الصورة تتشكل داخل شبكة من الأنساق الثقافية المتداخلة، التي تجعل المرأة مرة رمزا للحكمة والخلاص، ومرة أخرى رمزا للشر والانحراف، بما يعكس طبيعة الصراع القيمي الذي يحكم المخيال الشعبي. ومن ثم فإن الحكاية الشعبية لا تقدم المرأة باعتبارها شخصية ثابتة، بل باعتبارها فضاء دلاليًا تتفاعل داخله السلطة والأخلاق والهوية والثقافة، وهو ما يمنحها قيمة معرفية كبيرة في الدراسات الأدبية والثقافية المعاصرة.

على سبيل النهاية:

سعت هذه الدراسة إلى مقاربة صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية من منظور ثقافي وسردي، انطلاقا من فرضية أساسية مفادها أن الشخصية النسائية داخل المتن الحكائي لا تمثل عنصرا تخييليا فحسب، بل تشكل بناءً ثقافيًا يعكس أنساق المجتمع وقيمه ورؤيته إلى المرأة ومكانتها داخل المنظومة الاجتماعية. وقد كشفت القراءة التحليلية للحكايات المدروسة أن الحكاية الشعبية، بوصفها أحد أهم مكونات التراث الشفهي، لم تكن مجرد وسيلة للترفيه أو التسلية، وإنما مثلت خطابا ثقافيا حافظ على الذاكرة الجماعية، وأسهم في نقل القيم الاجتماعية والأخلاقية من جيل إلى آخر.

وقد بينت الدراسة أن صورة المرأة داخل الحكاية الشعبية المغربية اتسمت بالتعدد والتنوع، فلم تقتصر على نموذج واحد، بل توزعت بين صور إيجابية تجسد الحكمة، والصبر، والتضحية، والوفاء، والقدرة على تجاوز المحن، وصور سلبية ارتبطت بالحسد، والطمع، والخداع، والرغبة في الهيمنة. غير أن هذا التعدد لم يكن اعتباطيا، بل جاء منسجما مع الوظيفة التربوية والثقافية للحكاية الشعبية، التي اعتمدت على التقابل بين الخير والشر لترسيخ منظومة أخلاقية محددة داخل الوعي الجمعي.

كما أظهرت الدراسة أن الشخصيات النسائية، على اختلاف أدوارها، أدت وظائف سردية وثقافية متكاملة، فالأميرة لم تكن مجرد بطلة رومانسية، بل مثلت نموذج المرأة القادرة على اتخاذ القرار وصناعة المصير، بينما جسدت الأخت الكبرى قيم المسؤولية والتضحية، في حين مثلت العجوز الحكمة والخبرة، وتحولت الغولة وزوجة الأب إلى رمزين للسلطة المنحرفة التي تهدد استقرار الأسرة والنظام الأخلاقي.

ومن خلال توظيف آليات النقد الثقافي، تبين أن الحكاية الشعبية تخفي وراء بنيتها السردية أنساقا ثقافية مضمرة، تعيد إنتاج رؤية المجتمع إلى المرأة، وإلى الأسرة، وإلى السلطة، وإلى العدالة. فالنص الشعبي لا يقدم الواقع كما هو، وإنما يعيد تشكيله في صورة رمزية، تجعل من الشخصيات النسائية علامات ثقافية قابلة للتأويل، بما يسمح بالكشف عن البنيات الفكرية العميقة التي تحكم المخيال الشعبي المغربي.

وقد أكدت الدراسة كذلك أن الحكاية الشعبية المغربية، على الرغم من نشأتها داخل مجتمع ذي بنية أبوية، لم تحصر المرأة في موقع التبعية، بل منحتها في كثير من الأحيان أدوارا قيادية، وجعلتها مصدرا للحكمة والخلاص، وهو ما يعكس وجود تصور ثقافي أكثر تعقيدا من الصورة النمطية التي غالبا ما تلصق بالأدب الشعبي.

وعليه، فإن دراسة صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية لا تقتصر على تحليل الشخصيات أو الأحداث، وإنما تمثل مدخلا لفهم الثقافة المغربية التقليدية، ورصد التحولات التي عرفتها تمثلات المرأة داخل الوعي الجمعي، مما يجعل الحكاية الشعبية وثيقة ثقافية ذات قيمة معرفية كبيرة، تستحق مزيدا من البحث والدراسة في ضوء المناهج النقدية الحديثة.

نتائج الدراسة:

أسفرت الدراسة عن مجموعة من النتائج، لعل من أهمها ما يلي:

أثبتت الدراسة أن الحكاية الشعبية المغربية تشكل خطابا ثقافيًا يعكس البنية الفكرية والاجتماعية للمجتمع، ولا تقتصر وظيفتها على الترفيه أو السرد الحكائي.

تبين أن صورة المرأة داخل المتن الحكائي جاءت متعددة ومتنوعة، ولم تقتصر على نموذج واحد، بل تراوحت بين المرأة المنقذة، والحكيمة، والمضحية، والمرأة الشريرة، والمخادعة، والمستبدة.

كشفت الدراسة أن البناء السردي للحكايات يعتمد على ثنائية الخير والشر، ويجعل الشخصيات النسائية وسيلة لتجسيد هذا الصراع القيمي.

 أن المرأة الإيجابية هي الأكثر تأثيرا في مسار الأحداث، إذ كانت صاحبة المبادرة، وصانعة الحلول، والمسؤولة عن إعادة التوازن داخل العالم الحكائي.

 أن الشخصيات النسائية تحمل أبعادًا رمزية تتجاوز وظائفها السردية، لتصبح علامات ثقافية تعبر عن منظومة القيم السائدة داخل المجتمع.

أكدت القراءة الثقافية أن الحكاية الشعبية تسهم في إعادة إنتاج عدد من الصور النمطية المرتبطة بالمرأة، لكنها في الوقت نفسه تقدم نماذج نسائية تتسم بالذكاء، والاستقلالية، والقدرة على القيادة.

أثبتت الدراسة فاعلية النقد الثقافي في الكشف عن الأنساق المضمرة التي لا تظهرها القراءة السردية التقليدية، ولا سيما ما يتعلق بعلاقة المرأة بالسلطة والهوية والقيم الاجتماعية.

وقد خلصت الدراسة إلى أن صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية تعكس جدلية مستمرة بين المحافظة على التقاليد والانفتاح على إمكانات جديدة تمنح المرأة دورًا أكثر فاعلية داخل البناء الحكائي.

التوصيات:

في ضوء النتائج التي توصلت إليها الدراسة، يمكن اقتراح ما يلي:

تشجيع الدراسات الأكاديمية التي تعنى بالأدب الشعبي المغربي، لما يمثله من رصيد ثقافي ومعرفي يسهم في فهم الهوية المغربية.

توسيع البحث في صورة المرأة داخل مختلف أشكال التراث الشفهي، مثل الأسطورة، والخرافة، والسيرة الشعبية، والأمثال، والأغاني الشعبية.

الإفادة من مناهج النقد الثقافي، والسرديات، والأنثروبولوجيا الثقافية في دراسة النصوص الشعبية، بما يتيح الكشف عن أنساقها الفكرية العميقة.

العمل على جمع الحكايات الشعبية المغربية وتوثيقها علميًا، حفاظًا عليها من الاندثار، وإتاحتها للباحثين والدارسين.

تشجيع الدراسات المقارنة بين الحكاية الشعبية المغربية ونظيراتها في الثقافات العربية والإفريقية والمتوسطية، لرصد أوجه التشابه والاختلاف في تمثلات المرأة.

إعادة قراءة التراث الشعبي بعيدا عن الأحكام المسبقة، والنظر إليه بوصفه مصدرا معرفيا قادرا على تفسير كثير من الظواهر الاجتماعية والثقافية المعاصرة.

الإفادة من نتائج هذه الدراسات في تطوير المناهج التعليمية والبرامج الثقافية التي تعنى بالتراث والهوية، بما يسهم في تعزيز الوعي بقيمة الأدب الشعبي ودوره في بناء الثقافة الوطنية.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ.

(تأويل الأثر الفنّي نموذجا)

بقلم: ناتالي هاينيش

ترجمة: عبد الوهاب البراهمي

***

يحمل لفظ " تأويل" interprétation تعدّدا ملحوظا للمعني: فهو يشير، لو اقتصرنا على المجال الفنّي، إلى أداء الممثّل والفنان أو الراقص أو الموسيقي فيما يتعلق بمادّة المشهد الحيّ مثلما يشير إلى" الدلالة" التي يسندها قرّاء أو مشاهدين إلى عمل ما. وسأهتمّ هنا بهذا المعنى الثاني.

يجب أن تكون لنا القدرة على التفريق بين تأويلات عادية interprétations profanes، مثل التي يكتشفها التقصّي الميداني، وتأويلات عالمة interprétations savantes، وهي التي تولّدها نصوص مطبوعة، في المجلات المختصة أو في الكتب. فإذا كانت التأويلات الأولى (العادية) وغير معروفة كثيرا، تستحقّ فعلا عناية سوسيولوجية أو انتروبولوجية، فإنّ الثانية (العالمة) تمثّل جزءا من الثقافة المشتركة لكلّ شخص مثقف: نحمل في ذاكرتنا جميعا، حتى لا نضرب أمثلة معروفة، تحليل ميشيل فوكو، في مجال الرسم، "الوصيفات" لدييغو فيلازكيز أو، في مجال الأدب، تحليل بيير بورديو " للتربية العاطفية" لفلوبير، أو أيضا بشكل أكثر عمقا مختلف التأويلات السوسيولوجية لأثر بروست بل تأويلاتَ تأويلاتِه هو. ولن اهتم، مع ذلك، في الإطار المختصر لهذا المقال، بمؤلّفي التأويل. ولا أكثر بمضامين التأويل، التي نميل غالبا إلى التركيز عليها. دون أن يعني هذا عدم أهمية هذه الإشكالية: فقد اقترحت في موضع آخر بأنّ ما يطرحه مختلف أصناف المُؤوّلين من تأويلات، عالِمة أو عادية، تختلف بحسب أفقها المرجعي، كونها لامتجانسة أكثر أو أقلّ (حينما يتعلق المرجع المُثار بالمجتمع أو بالحياة المعيشة) أو مستقلّة (حينما يُحيل المرجع إلى الفنّ و، الأفضل من ذلك، إلى نوع مخصوص)2. يتحكّم هذا التنوّع في درجة الخارجية أو الداخلية للمرجع، في كل تقييدٍ لدلالةِ عمل، في كلّ ضروب التأويل، منذ الشرح والتفسير والتأويل، في التقليد اللاهوتي، إلى حدّ التفسير ذي المقصد العلمي(3). لكن ليس هذا ما يشغلني هنا. إذ أيّ كان الأفقُ المرجعي لمختلف أنماط النشاطات التأويلية، فهناك قاسم مشترك بينها وهو فعل شيء ما بموجب عملية إعلان النشاطات التأويلية عن نفسها، بمعزل عن محتواها، ومرجعها ومؤلفها. سأركز إذن اهتمامي هنا - باختصار شديد- على الوظائف التي يضطلع بها تأويلُ أثر فنّي وفق إشكالية تندرج ضمن المنظور الذي دشّنه علم الاجتماع البراجماتي، خيارا بديلا للآثار الملموسة للأفعال- هذه التي لا تَصنع سوى أفعال خطاب. ولا يتعلّق الأمر هنا بملاحظة عينية لآثار هذا التأويل بل أن نرسم فحسب، في مرحلة أولية، تصنيفا لوظائف النشاط التأويلي. وسيحملنا هذا على ملاحظة تعاقب ثلاثة أنماط من التأويل، سنوضحّها بأمثلة استعرناها من تاريخ الرسم الغربي ومن تاريخ الفنّ الحديث وعلم اجتماع الفنّ والفنّ المعاصر. لكن قبل إثارة ما يجعله النشاط التأويلي ممكنا، يجدر بنا تدقيق ما يجعل النشاط التأويلي ذاته ممكنا.

الألغزة:

يقترح جورج ديدي- هيبارمان في كتاب "ما نراه وما يَنْظر إلينا" تحليلا لوضعيتين ممكنتين اعتُمدتا إزاء تجربة الفراغ، سواء تعلّق الأمر بقبرٍ"، بـ"وحيد اللون" لغازيمير مالوفيتش أو بـ"علبة" دونالد جود: من جهة نظام تحصيل الحاصل الذي بموجبه "هذا ليس إلاّ هذا" (القبر ليس إلاّ القبر، وجزءٌ من لوحة ليس إلا جزء من لوحة، وعلبة فارغة ليست سوى علبة فارغة)، ومن جهة أخرى نظام الاعتقاد، الذي بموجبه يوجد في هذا " شيء آخر" (روح الميت، الروح، عالم الآخرة، النوايا التصويرية للفنان، وتكثيف الخبرات الجمالية أو المكونات الأساسية للفنّ لا بل الوضعية الإنسانية، الخ.)

إنّ لهذا التناقض بين الوضعيتين الذهنيتين إزاء الواقع، ميزةُ أنه ينسحب على الاعتقاد الدينيّ كما ينسحب على الإعجاب الجمالي. إنه يُبرز الاستعداد المخصوص جدّا، بل تبدّل النظرة التي يكتسبها "نظام الاعتقاد" بالتسليم بوجودٍ، من وراء المرئي، لشيء مخفيّ: إذن، للُغز مطلوب توضيحه. هذا ما أسْميته، في شأن المعلِّقين الأوائل على "فون غوغ"، بوصفها تفسيرات راهنة للفنّ المعاصر، بـ" الألغزة " mise en enigme. إذ هي التي تسمح بـ"النظر" في عمل فنّي من وراء ظاهره المباشر، وهي التي تسمح إذن بإضفاء معنى عليه أو تمعينه.

إن إضفاء المعنى: ليس هو، بعبارة أخرى، كشفا عن معناه فحسب، بل هو أيضا وقبل كلّ شيء أن نجد فيه معنى وليس بالأحرى لاشيء ." أجد أن لهذا الأثر معنى" هذه هي المصادرة الأولية التي تجعل كلّ تأويل ممكنا حتى قبل الانخراط في الفعل التأويلي. هذا هو الإجراء الأول، والأوّلي الذي لم ينتبه إليه تحديدا أولئك الذين يركزّون الاهتمام على محتوى المعنى "المُكتشف" عوضا بالأحرى عن الاهتمام بفعل البحث ذاته. كما لو أنه من البديهي أن يثير الأثر الفني السؤال، ويشكّل لغزا يحتفظ بمعنى من خارج قبل أن نسعى للعثور عليه. حسنا، ليس الأمر كذلك: الألغزة ليست شيئا بديهيا. إنها تمثل مطلبا مُسبقا لكلّ نشاط تأويلي، مثل نظّارة لا نرى أنها هي التي تسمح لنا بالرؤية، لأنه من خلالها وبفضلها نحن نرى.

أما وقد صرفنا نظرنا عن التأويل ذاته ووجّهناه صوب منبعه- فرضية وجود معنى خفيّ، ولغز علينا تفكيكه-، فلنلتفت الآن نحو ضمانَه، أي وظائفه. أميّز في هذا الباب بين ثلاث وظائف: العقلنة والتثمين (التقييم) والتبرير. وسأضرب أمثلة من باب التوافق، مستمدة من أعمالي السابقة، ولكلٍّ الحرية في العثور على أخرى في تجربته الخاصّة أو في توثيقه الخاص.

العقلنة:

الوظيفة الأولى للتأويل هي " عقلنة " العلاقة مع الأثر، على خلاف مقاربة حسيّة خالصة أو حساسّة له. يحافظ التناقض بين هذين التصورين أو هذين الممارستين للإدراك الجمالي على راهنيته إلى اليوم، ولا يكفّ عن مواجهتنا في النقاشات حول الفنّ المعاصر، حيث يأسف كثيرٌ للنزعة " التصوّرية " بينما يسخر منها أتباع الفن المعاصر، مثل مارسال ديشان، في تصوّر " شبكي"< rétinien > خالص للرسم. غير أنّ المعارضين لهذا النقاش يجهلون أحيانا أنّه يعود إلى أصول الأدبيات الفنّية، مع انبثاق علاقة أصولية أو عالمة savante بالآثار الفنية، مفضّلا البحث عن "معناها" العرفاني بدل الانتباه إلى الأحاسيس- الفيزيولوجية وخاصّة الانفعالية، الناتجة عن المظهر التشكيلي الخالص للأثر.

تنبثق المطالبة بالمقاربة التصوّرية، مُضافة إلى النشاط التأويلي بالفعل مع الترسيم الأكاديمي لمنزلة الرسم:" أقرئوا التاريخ واللوحة حتى تعرفوا إذا ما كان كل شيء ملائم للذات"على حدّ نصيحة " بوسان"Poussin حتى قبل إنشاء محاضرات للأكاديمية الملكية للرسم والنحت التي، تبعا لها وبالالتزام بتصورها للفنّ، ستقرّ هذه المحاضرات لا أولوية الذات فحسب، بل ستشجّع أيضا على التعليق الأدبي، مُطابِقة بين تصوّر الأثر التصويري بفعل قراءة له، وتقييمه بمواجهة الصورة بالنصّ الذي يوضّحها. إنّ دور تراتبية الأجناس، التي تضع في القمّة الرسم المسمّى" للتاريخ"- أي تصوير نصّ، سواء أكان دينيّا أو عاديا- هو أساسيّ في أولوية العقلي على الحسّي، ذي الصلة الواسعة بالبحث عن معنى أو باحترام دلالة أولية initiale. تشهد المحاضرات، منذ الجيل الأكاديميّ الأوّل، بأنّ نخبة الرسامين يلتحقون بالدائرة الموسّعة للخبراء المتعلّمين للمطالبة بخضوع الصورة للنصّ والإحساس للمعنى. يعترض البعض بعد جيل كامل، منذ سنوات 1680، على هذه الهيمنة لتصوّر عَالِمٍ savantللرسم، يُهْمل " فنّ الرسّام"، و" جمال الأسلوب " و" جمال التنفيذ"، على حدّ عبارات روجي دو بيل Roger de Piles.إنّ تواجد هذين النوعين من السلوك تجاه اللوحات - العالمة أو الجمالية، الأدبية أو التصويرية، العقلية أو الحسيّة- لا يندرج مع ذلك ضمن المواجهة المنظمة بين زمرتين يتطوّر كل منهما حُججا خاصّة: يتعلق الأمر بتعارض بين مقولات أقلّ من كونه انقاسامات بين ضربين من السلوك، ومواقف نظرية أقلّ من كونها مواقف عقلية، ربما هي حاضرة في لحظات مختلفة لدى الفرد نفسه. هذا التراوح ملفت لدى ديدرو، بل ربّما هو ما يشكّل أصالة جماليته، مرآة صلبة للتناقضات، والالتباسات والتردّدات الخاصّة لثقافة العصر.

إنّ هذه العقلنة للنظر، وبواسطة مضاعفة النصوص على الرسومات ورسوخ المعايير الأدبية للتقييم والمقاربات التأويلية، هي نتيجة مباشرة لتحرير منزلة الفنّان، أي خروجه عن النظام التقليدي، نحو نظام مهني يسمح بموقف اجتماعي أكثر قيمة. غير أنّ هذا التحرير يُصنع على حساب فقدان الرسّام لاستقلاليته، الذي دفع ثمن اندماجه في " الفنون الحرّة " وبالخصوص في الآداب، وثمن خضوعه للمعايير المُعقلنة، المستمدّة من عالم نصّي ليس عالم الرسّام ذاته. إنّ ألغزة الأثر هي هنا كما يسمح بعقلنة النظرة، والتي تضمن بدورها السموّ بمنزلة الرسام في السلم ّ الترتيبيّ.

التقييم أو التقدير:

هذا ما يقودنا مباشرة نحو وظيفة التأويل: تلك التي تنتج عن التقييم. وبالفعل، تفترض كل ألغزة أنّ الأثر يستحقّ عناء البحث فيه عن شيء، لأنّه حامل لشيء آخر عير ماديّته أو حتى (لاماديته). إنّ هذا الإجراء، الذي يكوّن كلّ إضفاء لقيمة فنّية، هو إجراء لامرئيّ في مجال أعمال مكرّسة، حيث يبدو إجراء بديهيا،لأنه بالتحديد شيء سابق لكلّ تكريس. ولا يصبح ظاهرا من جديد إلاّ بالنسبة إلى الأعمال الإشكالية، حيث لم تُشر فرادتها بعدُ إلى أطر قابلة أن يُجعل منها معيارا للكيفية.

كان هذا هو الشأن، بالخصوص، بالنسبة فان غوغ وثروته النقدية. وقد بيّنتُ بالمناسبة كيف، أنه، في النقد الذي ظهر طيلة العشر سنوات التي لحقت موته، والتي سبق عرضه الأوّل، انفتح " فضاء تأويلي" وبعبارة أخرى فضاء أنساق تأويل وإضفاء المعنى الذي يشير إلى علم النفس أو علم النفس المرضي بقدر ما يشير إلى تاريخ الفنّ. إنّ وصف اللوحات وردود الفعل التي تثيرها تترك موضعا لبحثٍ عن المعنى بإقامة صلة مبررة لخصوصية لوحة مع مجموعات أكثر عمومية: موضوعات العالم التي في متناول التمثّل " أنماط خاصّة بتاريخ الرسم، تقنيات وأسلوبية ممكنة، أعمال منجزة من الفنان، تحديدات شخصية الخ . من الملفت للنظر ملاحظة إلى أيّ حدّ لا يستند هذا العمل التأويلي إلاّ على الوجود المفترض للغز، الذي يقصد تعدّد التأويلات حلّه: لغز رسمه، ولغز جنونه، ولغز انتحاره. إذ كيف يمكن أن نبرّر، بواسطة الخطاب، موضوعا ما (صورة ونصا وحدثا)، اللهمّ إلاّ بافتراض وجود شيء لنفهمه وهو أن الإدراك المباشر لا يسمح بأن نطاله؟ يبيّن مثال فون غوغ بشكل لافت بأنّه يجب على عمل فني أن ينشأ كلغز- لغزا أصيلا، يسبق في الوجود مشروع كشفه - حتى يمكن للفعل التأويلي أن يشتغل ومعه تقييم موضوعه، سواء تعلّق الأمر بالأثر ذاته أو شخص مبدعه. ينسحب الأمر على الخطابات النقدية حول الفنّ المعاصر: الفراغ العرفاني الذي تفتحه بإحباط الانتظارات العادية التي تعود إليه في شكل ألغاز. إنّ طرح وجود لغز، هو القدرة على السيادة عليه فيما بعد بأن نطبّق عليه الكلمات والمعنى. إنّ انفتاح لغز بألغزة طبيعة الأثر الفنّي، وانغلاق اللغز بتأويل هذه الطبيعة بوصفها تساؤلا، أي بوصفها مناداة للعالم المشترك: تلك هي هنا اللحظتان المتوازيتان اللتان تحدّان النقد العالم، من وراء تجربة البنية التحتية اللغوية للمواجهة مع الأثر الفنّي. هكذا نلاحظ بيسر في كتابات المختصين في الفن المعاصر وصف العُدَّة المقترحة، وأعْضَلَتها سرديا بالنسبة إلى تمشي الفنان وتاريخ الفنّ والتأويل المنهجي، الذي يحيل إلى مستوى آخر للتجربة غير الفنّ ذاته. ("الاجتماعي "، و"العالم"، و" الكوني"، و" الروحي" الخ). ندرك جيدا في هذه الشروط أهمية التعليق في تقديم الأثر - حيث نجد بالفعل عقلنة قد وقع ذكرها من قبل. يميل التعليق التأويلي إلى أن يتشكّل في ثلاثة أشكال: شكل سلبي، يقول بأنّ الأثر ليس (مثلا، لعبة مجانية بالأشكال)، وفي شكل إيجابي يقول ما هو الأثر(مثلا، إخراج مشهدي لمجتمع الاستهلاك)؛ وفي شكل تساؤلي، يفترض بأنّ الأثر يطرح " أسئلة "، ويُجري " تساؤلات"، و" يعيد النظر". هذا ما أسميته التأويل ألتساؤلي الذي يَسِمُ المرورَ من التواطؤ إلى الألغزة التي تعمل على دخول الأثر في فضاءاتِ موضوعاتٍ جديرة للخطابِ وبالتالي للتقييم، مع الوضع بين قوسين، وفي الآن نفسه وبصورة مفارقة، للسؤال عن قيمته لصالح نقاش حول دلالته.

التبرير

إذا كانت عملية تقييم الموضوعات أو الأشخاص تندرج ضمن قواعد أو نَحْوٍgrammaire معقدّ جدّا ومتعدّد الأشكال، فإنّ عمليات التبرير للأفعال خاضعة هي الأخرى لدليل أكثر إكراها ومتّصل بسهولة أكثر بالوصف. بيد أنّ التبرير باتهام المعنى (الذي يقع، فيلنموذج بولتونسكي Boltanski وتيفونوت Thévenot تحت طائلة " العالم المُستلهم") هي عملية متكرّرة في المادّة الجمالية، بالخصوص فيما يتعلق بالفنّ المعاصر. تلك هي الوظيفة الثالثة للتأويل. إنها تفترض الوظيفتين السابقتين، من حيث أنه، من جهة أنها تمرّ بالضرورة عبر حجّة تقصد الإقناع من وراء التفاعل المباشر، وبالتالي فهي مُعقلنة نسبيا(بخلاف تعبير الوجه عن الانفعال، الذي يقتصر عليه غالبا مَنْ يريد التواصل مع شخص آخر بردّة فعل وجها لوجه مع أثر فنّي)، ومن حيث أنها تعني من جهة أخرى، أنّ صانع التأويل يُقيّد لحساب الأثر موضوع التأويل، قيمةً معينة، بما انه مدعوّ إلى تبرير وجود الأثر أو اقتناءه أو عرضه. هكذا، تقترح المسرحية المشهورة " فنون" لياسمينة ريزا Yasmina Reza جدولا واسعا من التبريرات لنوعية أثر فنّي، انطلاقا من مشروعية ذوقِ مَاِلِكِه قُبالة عدم فهم الصديق، الذي يسخر، بالتحديد من غياب المعنى لشبه أحادي اللون الأبيض ـ الذي يقتضي من المخاطب أن يجيب بمراكمة القضايا التأويلية، قبالة الفراغ الناتج عن المسافة بين الانتظارات الجمالية والقضية الفنيّة، أو قبالة صعوبة وضعها في تناسق، ويسمح " السجّل التأويلي" بالحجاج على مقتضى المعنى وإضفاء الدلالة الذي نجده في النقد الذي لا يحصره العدّ من نوع " هذا لا يعني شيئا"،...هذا فارغ"، " أود أن يفسّروا لي ". نقدا قريبا ممّا يسمّيه جان إلسار" هوس المعنى" (12)، وهذا السجل للقيم هو مهمّ بالخصوص لفهم رهانات فن معاصر، الذي، بتدميره المعايير الفنيّة القديمة، يؤدّي إلى انزياح السؤال من سؤال عن الجمال إلى سؤال عن المعنى. يتدخّل التبرير باتهام معنى، ودلالة خاصّة حينما نستدعي نقدا على صعيد إيتيقي، يمكن أن يُعترض عليه بحجاج جمالي خالص، بمفاهيم الجمال أو الانتماء للفنّ. (13) يمثّل المجال التأويلي هنا استراتيجيا يمكن تعقّبها لنوعية القضايا الفنيّة الإشكالية، التي يوفّر الفنُّ المعاصر أمثلة مهمّة عنها. ذاك هو الشأن مثلا في قضية هيونغ يونغ بينغ في مركز بومبيدو، عندما عزم هذا الفنان الصينيّ تقديم على عرض جماعي في قفص بلوري ممتلئ حشرات عليها أن تبقى على الحياة، وبالتالي أن تلتهم بعضها بعضا على مرأى من المتفرجين، طيلة مدّة العرض. إنّ المقيمين على المؤسسة (مركز بومبيدو)، وبموجب إكراههم على تبرير هذا التصرف تجاه تحرّك المدافعين عن الحيوانات، يقدمون العمل الفني بوصفه رمزا، يشير إلى النقيض تماما لما يجب رؤيته، بما أن العدوانية بين الحيوانات هي ما يفترض به توضيحا لضرورة التفاهم بين الكائنات:" إنّ عمل هيونغ يونغ بينغ " مسرحُ العالم " هو الترميز بصفة فلسفية للتناسق الضروريّ بين الأعراق والثقافات والأديان بالرغم من أشكال العنف والطبائع والقسوة الخاصّة بالطبيعة الأرضية". يصبح الأثر إذن وبصورة مفارقية فعلا نضاليّا سلميّا:" يوضع المجموع على طاولة في شكل سلحفاة. إنّ السلحفاة هي الرمز الصيني للسلام. يتعلق الأمر إذن بعمل فنّي نضالي في خدمة التناسق بين الأعراق والثقافات". ويلحّ المدافعون على العمل الفنّي إذن على الطابع غير المتناسب للرهان (حياة بعض الحشرات التي لا نتردّد في تحطيمها في المطبخ) قبالة الرسالة الرمزية التي يحملها الأثر الفني والتي يعرضها- نقيضا لكلّ عنف- أي فعل نضالي في خدمة السلام.

لنُلاحظ أن اللجوء إلى التبرير بالتأويل- وبعبارة أخرى، في السجلّ التأويلي- هو مصدر غير حاضر بشكل متساوٍ في مختلف الثقافات، على أيّ حال، مثل مجموع النحو الأكسيولوجي. فقد بينّ بحث أجري حول رفض الفن المعاصر في أمريكا أنه، إذا كان الخبراء في فرنسا ينغمسون عن طيب خاطر في تحليل رمزي للأثر الفني، مع الإحالة إلى " خطاب" عن العالم الخارج عن الفنّ، فذاك لأنّ حجّة الجمال، ذاتها تضمن بالأحرى الطابع الفنّي، الذي يسند من وراء المحيط الأطلسي، عمليات التبرير (نلاحظ ذلك بالخصوص في قضية إيفلابروتروب lvlapplethorpe، عندما حوكم في ستينات عام 1980، محافظ متحف سينسيناتي Cincinnati، ثم وقع إطلاق سراحه، بموجب عرضه لصور فوتغرافية اعتبرت خادشة للحياء (بورنوغرافية).

عندما يقع استدعاء السجلّ التأويلي يكون ذلك في شكل، عَاِلمٍ savavntأو عارف، للقراءة العوارضية symptomale (الأثر الفني بوصفه عارضا لواقع خارج عن عالم الفنّ) أقلّ من استدعاءه في شكل عاديّ profane

التأويل بوصفه مشكلا بالنسبة إلى علم الاجتماع

عقلنة التقبّل وافتراض قيمة الموضوع المُؤؤّل وتأطير أنماط دفاعه: لا يمكن لعلم الاجتماع، في ضوء هذه الوظائف الثلاث التي يضطلع بها الفعل التأويلي، أن يدخل على نحو ساذج في اللعبة التأويلية. فإذا كان يريد أن يقترح بدوره تأويله الخاص، فعليه أن يضطلع، من جهة بالنتائج البراجماتية لمقترحه. ومن جهة أخرى فإنّ التخلّي عن كل موقف خارجي تجاه الفاعلين، حينما يتموقعون على نفس السجلّ المقالي.

لكلٍّ أن يتخذ موقعا داخل هذا الفضاء للإمكانات التي توهب لعلم الاجتماع. فمن جهة نجد أولئك الذين يتصوّرون الخطاب السوسيولوجي حول الفنّ بمثابة نمط تأويلي إضافيّ بالنسبة إلى الأنماط الأخرى الممارسة في ميدان العلم، لا يملك من خصوصية سوى إضافة مرجعية في معنى المجتمع (مرجعية مستثمرة بقوّة منذ جيل، من قبل نقاد الفنّ المعاصر). وفي الجهة المقابلة، نجد أولئك الذين يتحفّظون عن أيّ خطاب حول الأعمال الفنية، ليهتموا بموضوع واحد بالعلاقة التي يقيمها الفاعلون بهذه الأعمال. ويركزّ المدافعون عن التحليل البنيوي، بين هذين الموقفين، على تحاليلهم على النسق الداخلي المنظّم لواحد أو عدّة أعمال فنيّة.

إنّ اختيار، كما أحاول أن أفعل في أعمالي في علم الاجتماع عن الفنّ، الخطّ الأكثر توافقا مع علم الاجتماع، أي الأكثر خصوصية لهذا التخصص، يعني أن نتخلّى عن صناعة تأويلات للفنّ، حتى نهتمّ بالتأويلات التي ينشئها الفاعلون، عادية أو عالمة. لا ازعم أن هذا الموقف هو الموقف الوحيد المناسب. بل أعتبر أنه فحسب الأكثر حذرا، إذا كان علم الاجتماع متمسكا بتخصّصه. ويحدث أن يبدو لي أيضا أنه الأكثر إنتاجا- حتى إثبات خلاف ذلك."

***

.......................

ناتالي هاينيش: "علم الاجتماع" 2008 (13) ص 11- 29 نشر هارتمان. (انظرwww.cairn.info (IP: 197.3.116.221

 

برزت الكثير من الدراسات الغربية، وبعض منها على أيادي عرب ومسلمون، جروا على ما جرى عليه الغربيون، ويمكننا القول إن الأخيرين قد تناصوا على ما أنتجه الغربيون من آراء وكتابات بالموضوع الذي نحن بصدد البحث فيه، والذي تناولوا فيه موضوع الحضارات القديمة، وربط بعضهم بين هذه الحضارات التي أنتجت الكثير من الآداب والمعتقدات والممارسات الدينية وبين الأديان السماوية (اليهودية، المسيحية، الإسلام)، وقالوا إن هناك عملية تناص بين ما أنتجته هذه الحضارات وبين ما ورد من نصوص وسرديات في كتب الأديان السماوية المذكورة أعلاه، وفي هذه المقالة البحثية لا يمكنني حصر العدد الكبير من هؤلاء الباحثين والكتاب الغربيين، ومنهم صموئيل نوح كريمر وغيره، ولكن في السنوات الأخيرة ظهر علينا باحثان، نسجوا على منوال الباحثين الغربيين، احدهم سوري وأسمه فراس السواح وآخر عراقي، وهو خزعل الماجدي، اللذان اعتمادا بشكل شبه تام على بحوث ودراسات ومقالات الغربيين، وكما ذكر عالم الآثار نائل حنون، (بأن فراس السواح وخزعل الماجدي غير متخصصين بالآثار، وينقلون ما يقرأون وشوهوا الحضارة)، وأنا أتفق مع الأستاذ حنون لا بسبب التعاطف الشعوري ولا الديني، ولكن بسبب ما تحمله كتاباتهم من قصور علمي، ونقل أعمى لما يدعيه الغربيون الذين يحملون أجندات مختلفة، لا يمكن حمل الكثير منها على محمل علمي بحت، وفي هذا البحث أحاول أن أُبين عن سقطات قد وقوعوا في شباكها ولا أعلم بالضبط بأن هذه السقطات مقصودة لأهداف أيديولوجية، أو عن جهل، وهنا ينبغي أن نقدم بعض المعلومات التي تساعدنا على فهم مجريات الأحداث وتاريخ تسلسلها لكي تكون لنا خير دليل في تحديد ما وقع فيه هؤلاء من أخطاء لا تستقيم مع التسلسل التاريخي.

تقول عالمة البيولوجيا الدكتورة رنا الدجاني في مقابلة تلفزيونية مع الدكتور باسم الجمل إن عمر الإنسان المماثل لإنسان الحاضر هو ٢٠١ ألف سنة، أما عالم الآثار العراقي طه باقر يذكر في كتابه (مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ص١٥٧) إن عمر الإنسان الحديث، المسمى بالإنسان العاقل يرجع إلى نحو 40,000-50,000 سنة. أما عمر الإنسان الذي يمشي على قدمين فيذكر الدكتور طه باقر في كتابه المذكور في ص ١٦٩ (والعصور القديمة هذه أزمان طويلة موغلة في القدم، حيث تبدأ منذ أن وجد الإنسان على الكرة الأرضية قبل أكثر من مليون عام)، ولو رجعنا إلى ظهور الحضارة السومرية التي هي اقدم من الأكدية والآشورية لرأينا أنها بدأت بعصور متأخرة مقارنة بزمن ظهور الإنسان على وجه الأرض، حيث يذكر العلامة طه باقر في كتابة المقدمة في ص ٧١ إن (حضارة وادي الرافدين ظهرت في مطلع الألف الثالث ق، م)، وإن اللغة السومرية كأقدم لغة في وادي الرافدين على حد قول العلامة طه باقر في المقدمة ص ٧٢، (حيث ظهر الخط المسماري في الدور الأخير من عصر الوركاء، أي في حدود ٣٥٠٠ ق، م)، وازداد وضوح تدوين اللغة السومرية في ألواح الطين في عصر فجر السلالات الثاني في حدود (٢٨٠٠-٢٧٠٠ ق، م) (المقدمة-ص٧٢)، ومن المهم أن يعرف القاريء إن السومريين إنما كانوا أحد الأقوام الذين عاشوا في جهة ما من وادي الرافدين في عصور ماقبل التاريخ، ثم أستقروا في السهل الرسوبي منه في حدود الألف الخامس ق.م، وأنهم لم يكونوا المستوطنين الوحيدين، ولا أقدم المستوطنين، وأنما تعايشوا مع جماعات من أقوام أخرى وفي مقدمتهم الأقوام السامية)(مقدمة في تاريخ الحضارات-طه باقر ص ٧٤)، ويذكر طه باقر ان السومريين لم يكونوا أقدم المستوطنين في السهل الرسوبي، بل جاءوا أقواماً أخرى وفي مقدمتهم الجزريون (المقدمة-ص٧٥)، بل الأدهى من ذلك يقول العلامة طه باقر في المقدمة ص٨٥ ان هناك اقوام مجهولين ليسوا من السومريين، ولا من الساميين، ويُرجح أنهم سبقوا هذين القومين في الإستيطان في السهل الرسوبي، وكان الباحث لاندرزبيركر (landsborger) أول باحث أثار هذا الموضوع وسمى أولئك القوم المجهولين بالفراتيين الأوائل، ويشير هذا الباحث إن هؤلاء القوم المجهولين يمتلكون أرقى حضارة من السومريين وأن السومريين تأثروا بهم بسبب مجاورتهم لهم . كما من المهم للقاريء الكريم أن يعلم إن هناك أقوام أخرى عاشت في العراق القديم أمثال السوباريون، والحوريون. هذه الأقوام عاشت ضمن دائرة ما يُسمى بالإنسان العاقل، في حين لو نظرنا إلى فترة وجود الإنسان ماقبل العاقل حيث عاش في عصور سحيقة المسمى بالعصر الحجري الايوليثي، الذي يرجع الية ما يُسمى بالإنسان الجنوبي، وهناك الإنسان الذي عاش في العصر الحجري القديم وزمنه منتصف عصر البلايستوسين إلى نهاية العصور الجليدية، أي من حدود ٦٠٠، ٠٠٠ أو ٥٠٠، ٠٠٠ إلى ١٠، ٠٠٠ ق. م . يتضح من خلال ما قدمنا وان كان بشكل مختصر جداً إن الإنسان تاريخه موغل بالقدم، وإن المسافة الزمنية طويلة جداً لكي تصل إلى العصر فجر السلالات الذي يكون مابين (٢٨٠٠-٢٣٧٠ق.م) وهو عصر ظهور المدن، والذي سبقه العصر الشبيه بالكتابي أو التاريخي ويكون مابين (٣٥٠٠-٢٨٠٠ ق.م) (المقدمة ص١٦٠) ويُشير العلامة طه باقر بأن عصور ما قبل التاريخ قد أنتهت في مطلع الألف الثالث ق.م، ويقصد بعصور ماقبل التاريخ، اي العصور التي سبقت التاريخ أي التدوين بظهور الكتابة، اي ان لا كتابة ولا تدوين للعقائد والأحداث والروايات والقصص قبل الألف الثالث قبل الميلاد، وهنا يتبين للقاريء الكريم كم هو الفرق الهائل والكبير بين ظهور الإنسان على كوكب الأرض الذي يقدره العلماء بمليون سنة، وهناك من يقدره بأكثر من ذلك، وبين ظهور الكتابة في بدايات الألف الثالث ق.م، وحتى الكتابة لم تكن في صورتها الأبتدائية إلا كتابة بسيطة جداً وذات طابع صوري، اي لا يمكن من خلالها كتابة ونقل كامل الاحداث والروايات والعقائد بمحتواها الأصلي والتفصيلي، حتى ان الباحثين سموها بالشبيه بالكتابة، والتي تمتد إلى ٢٣٣٤ ق.م، وهذا التاريخ يُعتبر تاريخ قريب مقارنةً مع عمر الإنسان على الأرض، وهنا لو افترضنا ان بداية الكتابة بدأت من ٢٣٣٤ق.م مضاف أليها زمن ما بعد الميلاد لكان ٢٣٣٤+٢٠٢٦ =٤٠٣٦٠، وهي عدد سنوات عمر ظهور الكتابة، وهو رقم لا يمثل شيء امام عمر تواجد الإنسان على هذه الأرض، أي إن الإنسان بقى ١٠٠٠، ٠٠٠_٤٣٦٠=٩٩٥٦٤٠ سنة من دون أن يدون تاريخه وعقائده وطبيعة طقوسه وأساطيره، وكل سردياته الأدبية، يتبين من ذلك ان عمر ظهور الكتابة قصير جداً، والسؤال المهم الذي يطرح نفسه، هل الإنسان ماقبل ظهور الكتابة كان خالي من السرديات الأدبية والتاريخية والدينية مع الأشارة إلى إن الإنسان العاقل يُشار إلى ظهوره قبل ٥٠، ٠٠٠ سنة، يعني إن هناك لاشك سرديات ولكن بشكل شفوي لعدم وجود تدوين لها، وهي مسافة زمنية ليست بالقصيرة، ولاشك إن الإنسان أنتج الكثير من الأنتاج الأدبي، وحدث له الكثير من الأحداث وجيءَ له بالكثير من التعليمات والوصايا الآلهية التي لا يمكن لأي إنسان أن يقطع بنكرانها، لأن حدوثها أمر قائم الأحتمالية، وبعد ظهور الكتابة ما بعد الصورية، التي لا يمكنها أن تستوعب التدوين في ألواح الطين في عصر فجر السلالات الثاني في حدود (٢٨٠٠-٢٧٠٠ ق. م)(المقدمة:ص٧٢) أخذ الإنسان يدون مايسمعه من سرديات وأحداث تاريخية وعقائد وطقوس أستورثوها عبر الأجيال، وهنا نسأل أسئلة في غاية الأهمية، وهي ؛ هل كانت اللغة في بداية تشكيلها لها من الأمكانية والسعة من المفردات ما تستطيع إستيعاب كل الآداب والحوادث وكل الموروث الديني ؟! أنا لا أعتقد ذلك لأن اللغة كانت في بواكيرها الأولى، وأدواتها بدائية، فلاشك ماكان لها أن تستوعب هذا الكم الهائل من التراث الأدبي والتاريخي طوال آلاف السنين، كما إن الأمر لا يتوقف على قابلية اللغة وسعتها، بل على قابلية الذاكرة الإنسانية ومدى دقتها وأمانتها بنقل وتذكر موروث ضخم تراكم عبر آلاف السنيين، وهذا غير ممكن على الأطلاق، لأن الواقع يخبرنا ان الإنسان لعاجز عن نقل عدة سطور خلال بضعة أيام بحرفية تامة، فلابد أن تزيد أو تنقص في مضمونها، وها نحن كمسلمين قد كُتب تاريخنا الإسلامي بطرق وبمضامين مختلفة، والإن هو يشكل مشكلة عويصة علينا، حتى بات أكبر مشاكلنا، وهو تاريخ يُعتبر قصير، لم يتجاوز ١٥٠٠ عام، وحتى تاريخنا العربي الحديث الذي يقع في حدود قرن من الزمان لم يُكتب بأمانه، داعيك عن التشويه المتعمد له، لذلك لايمكننا أن نقطع بان ما جائنا من مادة ادبية وتشريعية وتاريخية على شكل ملاحم كملحمة كلكامش مثلاً، أنها من أنتاج سومري وبابلي وآشوري بحت، فأنا أعتقد بأن السومريين والبابليين والآشوريين لابد وأن أخذوا من تراث ممن سبقهم، أو جاورهم من الأقوام، ولكنهم أستخدموا عملية تناص من الحالة الشفوية إلى الحالة الكتابية لهذا الموروث، أي إن هناك أصل مرجعي سابق لها، إن لم يكن بشكل كامل، فهو بشكل لاشك كبير، لأن من المستحيل أن يبدأ الإنسان من الحالة الصفرية، البدائية بهكذا مادة أدبية وقانونية تكشف عن خيال، وذكاء كبيرين، والتواصل معروف بين الحضارات، ولا يخفى على أقل الباحثين شأناً، وهنا لابد من الأشارة إلى نقطة في غاية الأهمية، ألا وهي إن العصور التاريخية لم تكن بعيدة مقارنة بعمر وجود الإنسان على هذا الكوكب وقد ذكرنا ذلك أعلاه، وهو تقريباً بين (٢٨٠٠-٢٣٧٠ ق.م)، في حين يكون العصر البابلي القديم ما بين (٢٠٠٠-١٥٠٠ق.م)(المقدمة:ص١٦١)، فما بالك بأن الأساطير اليونانية كُتبت بعصور متأخرة جداً، ولعلم القاريء الكريم، إن ملحمة كلكامش لم تُكتب في بداية العصر البابلي القديم، بل في فترة متأخرة منه، فهناك سلالات بابلية سبقت عصر كلكامش، وسبقت عصر فترة حمورابي (١٧٩٢-١٧٥٠ ق.م)، أما الحضارة اليونانية فأنها لا تتعدى أبعد من القرن التاسع أو الثامن من ق. م (المقدمة، طه باقر:ص١٧٠)، أما لو نظرنا إلى العصور التاريخية لأوربا الشمالية فنراها بأنها تأخرت إلى القرن الأول ق. م، ولا ننسى أن هناك شعوب بقت خارج التاريخ إلى وقت متأخر محسوبة على العصور الحديثة، كل هذا يبين لنا إن هناك فارق زمني كبير جداً يقدر بمئات آلاف السنيين إذا حسبناها من بداية وجود الإنسان على هذه الأرض، وإن العصر الكتابي هو عصر حديث بالمقارنة مع وجود الإنسان، وهنا يبرز سؤال ؛ وهو هل كان الإنسان قبل عصر الكتابة بلا أنتاج فكري، وبلا معتقدات، ولا معارف وعلوم، وهذا ما لا يمكن، إن قال قائل بأن الإنسان القديم كان شبه عاقل، فنقول له طيب، فالعلماء قدروا عمر الإنسان العاقل إلى نحو ٥٠، ٠٠٠ سنه مضت، وعلى وجه التحديد في النصف الثاني من العصر الحجري القديم (طه باقر، المقدمة:ص١٧٠). ولو أبتدأنا من هذا الزمن وهو ٥٠، ٠٠٠ سنة، وهذا من غير المعقول أنه لا يكون بدون تصورات وأفكار، ونمط من التفكير، فلابد أذن من أن ينتج من خلالها الكثير من السرديات والأساطير، ولا أستبعد أن تكون هناك رسائل سماوية بُعثت إليه (أحسب الإنسان أن يُترك سدى…)، لذلك لاشك بالمطلق بأن يكون هناك الكثير الكثير من السرديات بكل أنواعها، بصورتها الشفوية وقد أنتقلت مابعد التاريخ إلى الحضارات التي تشكلت من سومرية وبابلية وآشورية وفرعونية، في حين يلغي الدكتور خزعل الماجدي في كتبه (أنبياء سومريون ص١٥) ان يكون هناك سرديات مقدسة، ولم يبني مايقوله على دليل، فهو يقول(ان المصدر المقدس للكتب المقدسة لم يكن المقدس نفسه، بما كانوا يطلقون عليها ب (النصوص الوثنية)… وهذا يعني حسب قوله وكما يقول بالنص (وهذا يعني ببساطة أن تلك النصوص موضوعة، وليست منزلة من المقدس نفسه) (أنبياء سومريون:ص١٥)، لا أعرف لماذا يقطع بهذا الشكل بعدم وجود نص مقدس بالمطلق، ولكن يمكن ان نتفق معه بأن النص المقدس قد جرى عليه التحريف والتشويه بشكل متعمد، وآخر بسبب التحريف الناتج من طول الفترة الزمنية الشفاهية . بالحقيقة أنا لا أعرف كيف قرر الدكتور الماجدي وزميله فراس السواح بأن أصل ما جاء بالأديان السماوية هو هذه الحضارات التي جاءت بعد نشوء الكتابة، في حين عمر هذه الحضارات قصير جداً لو أعتمدنا بعض تقديرات العلماء التي يقولون فيها بأن عمر وجود الإنسان يُقدر بمليون سنة، وهنا يتضح إن عصور ما قبل التاريخ قد شغلت ٩٩٪؜ من عمر الإنسان، ولا أعرف كيف فكر الماجدي والسواح، بماذا كان منشغل الإنسان، ايكون مجرد كائن يأكل وينام ويتناسل، ولا يتمتع بالتفكير والتعقل والتصورات؟!. ودليل على إن الإنسان ماقبل التاريخ يتمتع بمستوى فكري جيد إنه قد عمل على أختراع رحى الطحين في زمن العصر الحجري الحديث الذي يكون في حدود الألف التاسع أو الثامن إلى ٥٦٠٠ ق. م، والتي بقت هذه الآلة قيد الأستعمال إلى أواسط القرن العشرين، ولم تقتصر صناعته على هذه الآلة، فقد صنع المحراث، والمعازف والمناجل، ورؤوس النبل والسهام، وحتى أدوات الغزل والحياكة(المقدمة، طه باقر: ص١٩٩)، وهنا ينطرح سؤال مهم ومفصلي، هل يكون الإنسان بهذا المستوى المعرفي والعملي العالي يفتقد للتفكير والتأمل بهذا الكون، وبصانع هذا الكون؟، وإن ما يؤكد صحة نظرتنا على أن الإنسان ماقبل التاريخ يمتلك تصورات ومعارف وتأملات ذات مستوى راقي هو إن العلماء يقولون إن الدين وجد منذ وجدَ الإنسان على وجه هذه الأرض. وتشير الوكيبيديا (بأن الأدلة الآثارية التي فسرها البعض على أنها تشير إلى ظهور أفكار دينية إلى عدة مئات الآلاف من السنين ..)، فمثلاً شريعة حمورابي شُيدت (١٧٩٢-١٧٥٠ ق.م) وهذا زمن يُعتبر ليس ببعيد مقارنة على ماذكرنا من عمر الإنسان، كذلك من المفيد أن ننوه إلى مسألة غاية في الأهمية، وهي أن بداية ظهر عصر الكتابة، كانت الكتابه فيه بسيطة جداً ويذكر العلامة طه باقر في مقدمته ص٢٣٤ (إن الكتابة في الطور الشبيه بالكتابي كانت صورية، وأقتصر أستعمالها على تدوين أشياء بسيطة مادية … ولم تُدون بها نصوص تاريخية، ولا شؤون الحياة العامة … إن مصادرنا المدونة عنه مقتصرة على تلك الألواح الصورية الخالية من الأخبار التاريخية)، أي ليس هناك نصوص نُقلت سرديات أدبية وحوادث تاريخية عن عهود سابقة، وهذا مايفسر فترة ما قبل التاريخ بأنها فترة تتسم بالغموض، ومساحة كبيرة من المجاهيل، لا يمكن الماجدي او غيره من الغربيين البت بها بشكل تام، وقد ظهرت بين الحين والآخر مكتشفات أثرية جديدة، وهناك الكثير من المدفونات التي لم تُكتشف لحد الآن، وهذا ما يؤكد قصر نظر الماجدي في غور أعماق التاريخ، والكشف عن مكنوناته التاريخية، مما يجعلهم في موقع لا يحق لهم القطع بشكل تام بأن مصادر سرديات الأديان السماوية، هي الحضارات التي جاءت ما بعد الكتابة. فمثلاً يذكر خزعل الماجدي بكتابه (أنبياء سومريون: الطبعة الثانية) بأن قصة الطوفان هي أسطورة، في حين يقول العلامة طه باقر في كتاب المقدمة في تاريخ الحضارات ص٢٩١، وهو العالم المتبحر والمختص بالتاريخ القديم بأن الطوفان حادثة تاريخية نُقشت في ذاكرة الأجيال، فيقول (فلعله يمكن الأفتراض أنَّ زمن ذلك الطوفان يرجع إلى عصور ما قبل التاريخ البعيدة، وعلى وجه التحديد إلى العصر الحجري القديم..)، كما أن المؤرخ المغربي أحمد شحلان المختص بمقارنة الأديان والأستاذ بجامعة السوربون، في مقابلة تلفزيونية بأن الطوفان حدث في التاريخ فعلاً، ويقول ان البحث الأركيولوجي أثبت وجود الطوفان في المنطقة، وأزاء حادثة الطوفان يتضح تخبط الماجدي في تقريراته عن هذا الحدث المهم، ومحاولة نسبه إلى ملحمة كلكامش، في حين رأينا كيف ثبتها تاريخياً الباحث والأستاذ أحمد شحلان والعلامة طه باقر، الذي حدد زمانها في العصر الحجري القديم، وإذا رجعنا إلى زمن هذا العصر، لوجدنا أنه في حدود (٦٠٠، ٠٠٠ أو ٥٠٠، ٠٠٠ إلى ١٠، ٠٠٠ ق.م، في حين أن ملحمة كلكامش كانت تعود إلى عصر سلالة أور الثالثة حوالي ٢١٠٠ ق.م، وهذا يعني إن هناك فارق زمني كبير جداً بين ما وقع من طوفان، وبين ما جاء في الملحمة الكلكامشية، وهذا يكشف عن بون المسافة الزمنية بين الحدث التاريخي للطوفان، وبين كتابة الملحمة، والقاريء عليه أن يعلم إن هذا البعد الزمني كانت تنتقل احداث القصة بطرق المشافهة، ومايعتري هذه الطريقة من زيادة ونقصان، وتشويه، ودور الخيال الشعبي من نسج حبكة يُضاف للأصل، وما يتعرض له محتوى القصة من تشوهات عبر الفهم الخاطيء لها، أضافة لقصور اللغة الدارجة، ومستوى ثقافة الناس، ودرجتهم المعرفية، التي لابد لها من أثر على بنية القصة، وما يتعرض لها أبطالها من تغير بالأسم والأدوار، ولاشك كل ذلك يعرض القصة إلى تغيرات كبيرة، ومن ناحية ثانية، حتى لو دققنا في زمن وجود جلجامش لرأينا أنه كان الملك الخامس في سلالة الوركاء الأولى، بحسب وثيقة أثبات الملوك، وهذه السلالة الأولى التي حكمت حوالي (٢٨٠٠-٢٦٠٠ ق.م). ولو أردنا أن نطيل الحديث أكثر في مسألة ملحمة كلكامش لرأينا إن هناك رأي يقول إن من كتبها شخص أسمه (شين ئيقي ئونيني) الذي يُتصور أنه كاتب الملحمة وإن أسمه موقع في الألواح المكتوبة باللغة الأكدية، ومن المهم أن الملحمة أساسها يرجع إلى عدة قصص سومرية ثم ألف منها باللغة الأكدية في العصر البابلي القديم في حدود القرن الثامن عشر ق.م (المقدمة، طه باقر :ص٢٩٦ . حتى لو أخذنا قضية أسطورة الخليقة البابلية المشهورة لرأينا أنها دونت في حدود (١٧٠٠ ق.م) (المقدمة:ص٣١٦)، وهي لم تكن الرؤية الأولى في مسألة الخلق لكي تكون هي حجر الأساس لمسألة الخلق التي مدت الأديان السماوية بها على زعم خزعل الماجدي، وزميله السواح، فالدكتور طه باقر يُشير في المقدمة:ص٣٢٥ (ويكاد يكون من المؤكد أن القوم كان لهم عبادة وآلهة شعبية جماهيرية لا نعرف عنها أمور كثيرة، لأن مصادرنا عن ديانة حضارة وادي الرافدين تقتصر بالدرجة الأولى على الديانة الرسمية…)، هذه المعطيات التاريخية التي ينقلها لنا العلامة طه باقر تعاكس ماذهب إليه خزعل الماجدي الذي يقول في مقدمة كتابه (أنبياء سومريون :ص١٥) (نحن المهتمين بالتاريخ والفكر لنبني على معطياتها تصورات جديدة أساسها العلم لا الخيال ولا المعتقدات)، ولكن لأسف لن نرى فيما يقوله الماجدي من توجه علمي، ولا نلمس أي تمحيص للنصوص بشكل دقيق وعلمي، بل كان مبتعداً عن الرؤية الموضوعية العلمية، وبالعكس ألمس فيه ترسبات فكرية آيديولوجية يوظفها في تقريرات البحث والتأليف، وإن مايثير الشفقة إنه يدعي في كتابه (أنبياء سومريون ص١٦) فيقول (غرضي من البحث العلمي في هذه الحقول كان ومازال : البحث العلمي).

يدعي الماجدي بأن ما جاءت به الكتب المقدسة وخاصة العهد القديم في مسألة الخلق، والطوفان وغيرها، يكون مصدرها الأساطير التي مصدرها الحضارات القديمة من سومرية واكدية وبابلية وآشورية، وقد أشار إلى ذلك في كثير من المرات في كتابه وما ألقاه من محاضرات وندوات كثيرة، وقد نظّر لذلك كثيراً، وأنا هنا لا أُريد أن أدافع عن العهد القديم لأني مؤمن بأنه هو الآخر كتاب مُحرف، وفيه الكثير من التناص من مصادر أخرى ولعل بعضها من خلال معايشتهم للبابليين، ومنها ما كتبه الحاخامات من عندياتهم، ولكن يمكنني القول، وأرجح إلى حد مايقارب من اليقين، وحسب ما جاء من معطيات ما قدمته الآثار وما توصل له علماء التاريخ إن السرديات التي ترجع إلى السومريين وغيرهم من بابليين وآشوريين، وكذلك العهد القديم والجديد قد أنتهلوا الكثير من مادتهم السردية من أديان ومعتقدات سبقتهم بكثير من الزمن، ولا أستبعد من بين ذلك كانت نصوص سماوية مقدسة نزلت على أنبياء بعثهم الله إلى أقوامهم آنذاك، وليس هناك ما يمنع هذا الترجيح، أو الإيمان بذلك، كما من الملاحظ إن الكتب والمخطوطات اليهودية أكثر بكثير جداً من المخطوطات والألواح السومرية والبابلية، كما إن هناك الكثير من النصوص المتمثلة بالأحداث والتشريعات تختلف تماماً عما جاء بالألواح والنصوص التي ترجع للحضارات القديمة .

خلاصة الموضوع، إن السومريون وغيرهم من بابليون وآشوريون، وكذلك كتاب العهد القديم والجديد، لاشك كان لهم عملية تناص لما قبلهم من سرديات على كثير من المستويات، ولا يمنع، إن هناك أنتاج سردي ذاتي لكل من كتاب الملاحم القديمة، وما كتبه الحاخامات، ولكن بالنهاية، لا يمكن أنكار بأن هناك مصادر ذات مصدر ألهي لكثير من النصوص عمل على تناصها الأقدمون، ولكن أُدخلت عليها تغيرات، وما عمله مخيالهم من أنتاج نصوص جديدة مضاف لما أنتقل لهم شفاهةً، أما النصوص الحقيقة التي أتفقت عليها الأديان السماوية في نسختها الأصلية، فهي لاشك من نبع واحد، وهو المصدر الألهي لها لا غير.

***

أياد الزهيري

 

دراسة تحليلية نقدية في ضوء اللسانيات النفسية والاتجاهات المعرفية الحديثة

مقدمة الدراسة: يشكل اكتساب اللغة أحد أكثر الموضوعات تعقيدا وإثارة في ميادين اللسانيات وعلم النفس المعرفي، لما ينطوي عليه من تداخل بين الأبعاد البيولوجية والعقلية والاجتماعية والثقافية. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل أو أداة لنقل الأفكار، بل هي نسق رمزي معقد يمثل الإطار الذي تتشكل داخله المعرفة الإنسانية، وتتبلور من خلاله الخبرات والتصورات والعلاقات الاجتماعية. ومن ثم، فإن البحث في كيفية اكتساب الطفل للغته الأولى لا يقتصر على دراسة الظاهرة اللغوية في ذاتها، وإنما يمتد ليشمل آليات التفكير، والنمو المعرفي، والاستعدادات الفطرية، والتفاعل مع البيئة، وهو ما جعل هذا الموضوع يحتل مكانة مركزية في الدراسات اللسانية والنفسية والتربوية على حد سواء.

وقد ظل سؤال اكتساب اللغة محوراً لجدل علمي امتد لعقود طويلة، انقسمت حوله الاتجاهات النظرية بين من يرى أن اللغة نتاج مباشر لعوامل البيئة والتعلم والتعزيز، وبين من يعدها ثمرة للنمو المعرفي وتطور البنيات الذهنية، وبين من يؤكد وجود استعداد فطري موروث يجعل الإنسان مهيأً لاكتساب اللغة بصورة طبيعية. وقد أفرز هذا التباين ثلاث مدارس كبرى كان لها بالغ الأثر في تطور اللسانيات النفسية، وهي: النظرية السلوكية، والنظرية البنائية التكوينية، والنظرية التوليدية التحويلية، حيث قدمت كل واحدة منها تفسيراً مختلفا لطبيعة اللغة وآليات اكتسابها، مستندة إلى خلفيات فلسفية ونفسية ومنهجية متباينة (Skinner, 1957؛ Piaget, 1952؛ Chomsky, 1959).

ولئن أسهمت هذه النظريات في تعميق فهم الظاهرة اللغوية، فإن أيا منها لم يتمكن من تقديم تفسير شامل يستوعب جميع أبعاد اكتساب اللغة الإنسانية، إذ ركزت السلوكية على أثر البيئة والتعزيز، وربطت البنائية اللغة بالنمو المعرفي، بينما جعلت التوليدية الفطرة والقدرة العقلية محور العملية اللغوية. وقد أفضى هذا التعدد النظري إلى بروز اتجاهات معاصرة تدعو إلى تبني رؤية تكاملية تستثمر مكامن القوة في كل نظرية، وتجمع بين الاستعداد البيولوجي، والنمو المعرفي، والتفاعل الاجتماعي، بوصفها مكونات متكاملة في تفسير اكتساب اللغة.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية نقدية للنظريات الثلاث الكبرى في اكتساب اللغة، من خلال الوقوف عند أسسها الفكرية، ومنطلقاتها اللسانية والنفسية، وآليات تفسيرها لاكتساب الطفل لغته الأولى، مع إبراز أهم ما وجه إليها من انتقادات، وصولا إلى بناء تصور تكاملي أكثر قدرة على تفسير هذا السلوك الإنساني الفريد، الذي لا يزال يشكل أحد أكثر الموضوعات استقطابا للبحث في العلوم الإنسانية.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من الإشكالية الرئيسة الآتية:

إلى أي حد تستطيع النظريات اللسانية النفسية الكبرى تفسير الكيفية التي يكتسب بها الطفل لغته الأولى؟ وهل يمكن الاعتماد على إحدى هذه النظريات منفردة، أم أن تفسير الاكتساب اللغوي يقتضي تبني مقاربة تكاملية تجمع بين المعطيات البيئية والمعرفية والفطرية؟

ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة الفرعية:

ما المقصود باكتساب اللغة؟ وما خصائصه النفسية واللسانية؟

ما الأسس الفكرية والمنهجية التي قامت عليها النظرية السلوكية في تفسير اكتساب اللغة؟

كيف فسر جان بياجيه العلاقة بين النمو المعرفي والنمو اللغوي؟

ما المرتكزات التي اعتمد عليها نعوم تشومسكي في الدفاع عن فطرية اللغة؟

ما أوجه القوة والقصور في كل نظرية؟

وهل يسمح التكامل بين هذه النظريات ببناء تصور أكثر شمولاً لتفسير اكتساب اللغة؟

فرضيات الدراسة:

تنطلق الدراسة من الفرضيات الآتية:

لا تستطيع أي نظرية منفردة تفسير جميع أبعاد اكتساب اللغة الإنسانية.

تؤدي البيئة دورا مهما في توفير المدخلات اللغوية، لكنها لا تفسر وحدها الإبداع اللغوي.

يرتبط النمو اللغوي ارتباطا وثيقا بالنمو المعرفي للطفل.

يمثل الاستعداد الفطري أحد الشروط الأساسية لاكتساب اللغة، غير أنه يحتاج إلى بيئة لغوية محفزة حتى يتحقق بصورة طبيعية.

يعد التفسير التكاملي أكثر قدرة على استيعاب الظاهرة اللغوية من التفسيرات الأحادية.

أهداف الدراسة

تهدف هذه الدراسة إلى:

توضيح مفهوم اكتساب اللغة في ضوء اللسانيات النفسية.

تحليل الأسس النظرية لكل من السلوكية والبنائية والتوليدية التحويلية.

إبراز أوجه الاتفاق والاختلاف بين هذه النظريات.

تقويم مدى قدرة كل نظرية على تفسير الظاهرة اللغوية.

اقتراح تصور تكاملي يجمع بين الاستعداد الفطري، والنمو المعرفي، والتفاعل البيئي.

أهمية الدراسة:

تنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تعالج إحدى أكثر القضايا تعقيدا في اللسانيات النفسية، كما أنها تقدم قراءة نقدية مقارنة بين أهم النظريات التي تناولت اكتساب اللغة، وتسهم في تقريب العلاقة بين علم اللغة وعلم النفس المعرفي، فضلاً عن تقديم إطار نظري يمكن الإفادة منه في الدراسات اللسانية، والبحوث التربوية، ومناهج تعليم اللغات.

الإطار المفاهيمي والنظري لاكتساب اللغة:

تأصيل المفهوم وحدود التمايز عن التعلم:

يُعدُّ اكتساب اللغة من أكثر المفاهيم تداولا في اللسانيات النفسية وعلم النفس المعرفي، لما يحمله من أبعاد لغوية ونفسية واجتماعية متداخلة. وقد حظي هذا المفهوم باهتمام واسع من قبل الباحثين، باعتباره يمثل العملية التي ينتقل من خلالها الطفل من مرحلة العجز عن التعبير إلى امتلاك نظام لغوي متكامل يمكنه من التواصل مع محيطه والتفاعل معه بصورة طبيعية.

ويشير مفهوم اكتساب اللغة إلى العملية الطبيعية والعفوية التي يكتسب بواسطتها الطفل لغته الأولى من خلال الاحتكاك اليومي ببيئته اللغوية، دون حاجة إلى تعليم رسمي أو تدريب منهجي. وتتميز هذه العملية بأنها تتم بصورة تدريجية ومتواصلة، وتستند إلى تفاعل معقد بين الاستعدادات البيولوجية والقدرات العقلية والخبرات البيئية، الأمر الذي يجعلها إحدى أكثر الظواهر الإنسانية تعقيدا وإثارة للاهتمام.

ولا يقتصر اكتساب اللغة على حفظ الكلمات أو تقليد الأصوات، بل يشمل بناء منظومة متكاملة من القواعد الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية والتداولية، بما يسمح للطفل بإنتاج عدد غير محدود من الجمل الجديدة التي لم يسبق له سماعها. ومن هنا يغدو الاكتساب عملية إبداعية تتجاوز مجرد التقليد أو التكرار، إذ تكشف عن قدرة العقل الإنساني على تنظيم الخبرة اللغوية وإعادة إنتاجها في صور جديدة تتلاءم مع مقتضيات التواصل.

وفي مقابل ذلك، يختلف تعلم اللغة عن اكتسابها من حيث الطبيعة والآليات. فالتعلم يقترن غالبا بالتعليم المنظم، ويقوم على التخطيط والتدريب والممارسة الواعية داخل المؤسسات التعليمية، ويستهدف عادة اكتساب لغة ثانية أو أجنبية. أما الاكتساب فيتسم بالعفوية والطبيعية، ويحدث في السنوات الأولى من عمر الطفل نتيجة انغماسه في بيئة لغوية حية، دون شعور منه بأنه يتعلم اللغة أو يدرس قواعدها.

وعلى الرغم من هذا التمييز المنهجي، فإن العلاقة بين الاكتساب والتعلم ليست علاقة انفصال تام، بل علاقة تكامل، إذ قد يسهم التعلم لاحقا في تطوير الكفاية اللغوية التي تشكلت أساسا عبر الاكتساب، كما قد تساعد الخبرة المكتسبة في تسهيل تعلم لغات أخرى خلال المراحل اللاحقة من النمو.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن اكتساب اللغة يمثل الأساس الذي تبنى عليه جميع الكفايات اللغوية اللاحقة، وهو العملية التي تفسر تمكن الطفل، في فترة زمنية قصيرة نسبيا، من امتلاك نظام لغوي بالغ التعقيد، الأمر الذي دفع الباحثين إلى البحث عن الآليات الكامنة وراء هذه القدرة الإنسانية الفريدة.

خصائص اكتساب اللغة عند الطفل:

تكشف الدراسات اللسانية والنفسية أن اكتساب اللغة يتميز بجملة من الخصائص التي تمنحه طابعا إنسانيا خاصا، وتجعله مختلفا عن باقي أنماط التعلم الأخرى.

أولى هذه الخصائص هي الطابع الإنساني لاكتساب اللغة، إذ يمر الأطفال، على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم وبيئاتهم الاجتماعية، بمراحل متقاربة في اكتساب اللغة، وهو ما يدل على وجود نظام تطوري مشترك يحكم تطور القدرة اللغوية لديهم .

أما الخاصية الثانية فتتمثل في التدرج الاكتسابي، حيث لا ينتقل الطفل مباشرة إلى استعمال اللغة في صورتها المكتملة، وإنما يمر بمراحل تبدأ بالصراخ، ثم المناغاة، فالكلمات المفردة، ثم الجمل الثنائية، وصولا إلى الجمل المركبة الأكثر تعقيدا. ويؤكد هذا التدرج أن النمو اللغوي يخضع لتنظيم داخلي يتفاعل مع الخبرة البيئية بصورة مستمرة.

وتتمثل الخاصية الثالثة في الإبداع اللغوي، إذ لا يقتصر الطفل على تكرار ما يسمعه من محيطه، بل ينتج تراكيب جديدة لم يسبق أن تعرض لها، وهو ما جعل العديد من الباحثين يعدون الإبداع اللغوي من أقوى الأدلة على وجود قدرات عقلية تتجاوز آليات التقليد والمحاكاة.

كما يتسم اكتساب اللغة بصفة الانتظام؛ فالأخطاء التي يقع فيها الأطفال ليست أخطاء عشوائية، وإنما تعكس محاولاتهم لاستخلاص القواعد العامة للغة وتطبيقها على مختلف المواقف التواصلية، وهو ما يدل على أن الطفل يبني نظامه اللغوي بصورة تدريجية ومنظمة.

ومن الخصائص المهمة كذلك التفاعل بين العوامل البيولوجية والبيئية، إذ تؤكد الدراسات الحديثة أن الاستعداد الفطري وحده لا يكفي لاكتساب اللغة، كما أن البيئة وحدها لا تستطيع تفسير جميع مظاهر النمو اللغوي؛ وإنما يتحقق الاكتساب من خلال التفاعل المستمر بين القدرات العقلية الفطرية والمدخلات اللغوية التي يوفرها المحيط الاجتماعي.

العوامل المؤثرة في اكتساب اللغة:

تشير البحوث المعاصرة إلى أن اكتساب اللغة لا يخضع لعامل واحد، وإنما يتأثر بمجموعة من العوامل المتداخلة التي تعمل بصورة تكاملية.

يأتي في مقدمة هذه العوامل الاستعداد البيولوجي، إذ يولد الإنسان مزودا بجهاز عصبي وأعضاء نطق تمكنه من استقبال اللغة وإنتاجها، وهو ما يفسر قدرة الأطفال على اكتساب لغاتهم الأولى في ظروف متقاربة رغم اختلاف البيئات.

ويتمثل العامل الثاني في النمو المعرفي، حيث يرتبط التطور اللغوي ارتباطا وثيقا بتطور العمليات العقلية كالانتباه والإدراك والذاكرة والتصنيف والتجريد، وهو ما جعل المدرسة البنائية تؤكد أن اللغة لا يمكن أن تنمو بمعزل عن تطور البنيات المعرفية.

أما العامل الثالث فهو البيئة اللغوية والاجتماعية، إذ يؤدي الوالدان والأسرة والأقران والمؤسسات التربوية دورا أساسيا في توفير المدخلات اللغوية التي يعتمد عليها الطفل في بناء كفايته التواصلية. فكلما كانت البيئة أكثر ثراء وتنوعا، ازدادت فرص الطفل في تطوير رصيده اللغوي وتنمية مهاراته التعبيرية.

ويضاف إلى ذلك التفاعل الاجتماعي، الذي يمثل أحد أهم شروط النمو اللغوي؛ فاللغة تنمو داخل سياقات التواصل، ومن خلال الحوار والمشاركة والتبادل الرمزي، يكتسب الطفل الوظائف الاجتماعية للغة، ويتعلم استعمالها في التعبير والإقناع والاستفهام والوصف والتفاعل مع الآخرين.

ومن خلال استقراء هذه العوامل يتبين أن اكتساب اللغة ظاهرة متعددة الأبعاد، لا يمكن ردها إلى سبب واحد أو تفسيرها بمنظور أحادي، وهو ما يفسر تعدد الاتجاهات النظرية التي حاولت تفسيرها، ويبرر الحاجة إلى دراسة مقارنة تكشف نقاط القوة والقصور في كل اتجاه من هذه الاتجاهات.

النظرية السلوكية وتفسير اكتساب اللغة:

على سبيل الافتتاح:

تعد النظرية السلوكية أول اتجاه علمي حاول تقديم تفسير منظم لاكتساب اللغة في إطار علم النفس الحديث، وقد جاءت امتدادا للفلسفة التجريبية التي سعت إلى تفسير السلوك الإنساني انطلاقا من الظواهر القابلة للملاحظة والقياس، بعيدا عن تفسير العمليات العقلية الداخلية التي رأت أنها لا تخضع للملاحظة العلمية المباشرة. ومن هذا المنطلق، اعتبرت السلوكية أن اللغة ليست سوى شكل من أشكال السلوك الإنساني، تخضع للقوانين نفسها التي تحكم سائر السلوكيات الأخرى، كالعادة والتعلم والتكيف.

وقد ترك هذا التصور أثرا بالغا في الدراسات اللسانية خلال النصف الأول من القرن العشرين، إذ تبناه عدد من علماء النفس واللسانيين، وفي مقدمتهم بافلوف، و واطسون، وإدوارد ثورندايك، ثم بلغ ذروته مع سكينر الذي حاول بناء نظرية متكاملة لتفسير اكتساب اللغة في ضوء مبادئ التعلم السلوكي. كما وجد هذا الاتجاه صداه في اللسانيات الوصفية الأمريكية من خلال أعمال ليونارد بلومفيلد، الذي سعى إلى تفسير الظاهرة اللغوية تفسيرا سلوكيا يقوم على علاقة المثير بالاستجابة.

الجذور الفكرية للنظرية السلوكية:

نشأت السلوكية في سياق علمي كان يسعى إلى جعل علم النفس علما تجريبيا قائما على الملاحظة والقياس، متأثرا بالعلوم الطبيعية. وقد كان العالم الروسي إيفان بافلوف من أوائل الباحثين الذين مهدوا لهذا الاتجاه من خلال تجاربه الشهيرة حول "المنعكس الشرطي"، حيث أثبت أن الكائن الحي يستطيع تكوين استجابات جديدة نتيجة اقتران مثير محايد بمثير طبيعي بصورة متكررة (Pavlov, 1927).

ثم جاء جون واطسون ليؤسس المدرسة السلوكية بصورة أكثر وضوحا، داعيا إلى استبعاد دراسة الشعور والعمليات العقلية، والتركيز حصرا على السلوك الظاهر القابل للملاحظة. وقد انطلق من أن جميع أشكال السلوك، بما فيها اللغة، يمكن تفسيرها اعتمادا على العلاقة بين المثير والاستجابة، دون الحاجة إلى افتراض وجود عمليات ذهنية داخلية (Watson, 1913).

وفي المرحلة اللاحقة، طور سكينر هذا التصور من خلال مفهوم "الإشراط الإجرائي"، مضيفا عنصر التعزيز بوصفه العامل الحاسم في تكوين السلوك واستمراره. وقد عدّ اللغة سلوكا لفظيا يخضع للقوانين نفسها التي تحكم تعلم أي مهارة أخرى، كالسباحة أو ركوب الدراجة أو استعمال الأدوات المختلفة.

تفسير السلوكية لاكتساب اللغة:

تنطلق النظرية السلوكية من فرضية مركزية مفادها أن الطفل يولد خاليا من أي معرفة لغوية سابقة، وأن عقله يشبه الصفحة البيضاء التي تبدأ البيئة بكتابة الخبرات عليها تدريجيا. ومن ثم فإن اكتساب اللغة لا يعدو أن يكون نتيجة مباشرة للتفاعل المستمر مع المحيط الاجتماعي، وما يقدمه هذا المحيط من مثيرات لغوية واستجابات وتعزيزات.

وبناء على هذا التصور، يتعلم الطفل الكلمات والتراكيب عن طريق التقليد والمحاكاة، ثم يعمل التعزيز الإيجابي على تثبيت الاستجابات اللغوية الصحيحة، في حين يؤدي التعزيز السلبي أو إهمال الاستجابة إلى اختفاء الأنماط اللغوية غير الصحيحة. وبهذه الكيفية تتكون العادات اللغوية تدريجيا حتى تصبح جزءا من السلوك اليومي للطفل.

ويرى السلوكيون أن الأسرة تمثل المؤسسة الأولى لاكتساب اللغة، إذ يتلقى الطفل من الوالدين والأشقاء مختلف المثيرات اللغوية، فيحاول تقليدها، ثم يتلقى التغذية الراجعة التي تحدد ما ينبغي الاحتفاظ به وما ينبغي التخلي عنه. ولا يختلف دور المدرسة في هذا السياق عن دور الأسرة، إذ تستمر في ترسيخ العادات اللغوية عن طريق التكرار والتدريب والممارسة المنظمة.

ومن ثم، فإن اللغة ـ وفق المنظور السلوكي ـ ليست نظاما ذهنيا معقدا، وإنما هي مجموعة من العادات اللفظية التي تتكون نتيجة التفاعل بين المثير، والاستجابة، والتعزيز، والتكرار، وهو ما يجعل البيئة العامل الأكثر تأثيراً في عملية الاكتساب.

بلومفيلد والتفسير السلوكي للغة:

وجدت السلوكية امتدادها داخل اللسانيات الأمريكية مع ليونارد بلومفيلد، الذي حاول تفسير اللغة وفق المبادئ السلوكية نفسها، متأثرا بعالم النفس ألبرت بول فايس. وقد رأى بلومفيلد أن التواصل اللغوي يمكن تحليله بوصفه سلسلة من المثيرات والاستجابات المتعاقبة، بحيث يصبح كل سلوك لغوي مثيرا لسلوك لغوي جديد.

ولعل أشهر مثال قدمه بلومفيلد لتوضيح هذا التصور هو الحوار المعروف بين "جاك" و"جيل". ففي هذا المثال تشعر جيل بالجوع، فترى تفاحة معلقة على شجرة، فتصدر أصواتا أو تطلب من جاك إحضارها، فيستجيب جاك لهذا المثير، ويتسلق الشجرة ويقطف التفاحة ويقدمها إليها، فتأكلها جيل. ووفق هذا التحليل، فإن الجوع يمثل المثير الأول، بينما يشكل الكلام استجابة لذلك المثير، ثم يتحول بدوره إلى مثير جديد يدفع جاك إلى القيام بالفعل المطلوب، فتتوالى سلسلة من المثيرات والاستجابات التي تفسر عملية التواصل اللغوي برمتها.

وقد أراد بلومفيلد من هذا المثال أن يبين أن اللغة لا تحتاج إلى تفسير عقلي معقد، بل يمكن تحليلها في إطار السلوك الظاهر، شأنها شأن أي نشاط إنساني آخر.

غير أن هذا التصور، على الرغم من قيمته المنهجية، اختزل اللغة في بعدها الخارجي، وأغفل العمليات العقلية التي تصاحب إنتاج الخطاب وفهمه، وهو ما سيصبح لاحقاً أحد أهم أسباب تراجع الاتجاه السلوكي.

تقويم النظرية السلوكية:

لا يمكن إنكار أن النظرية السلوكية قدمت إسهاما مهما في فهم أثر البيئة والتفاعل الاجتماعي في اكتساب اللغة، كما أبرزت أهمية التدريب والممارسة والتغذية الراجعة في تنمية الإنجاز اللغوي، وهي مبادئ لا تزال حاضرة في كثير من التطبيقات التربوية الحديثة.

ومع ذلك، فقد تعرضت هذه النظرية لانتقادات واسعة، لأنها فسرت اللغة تفسيرا آليا يقوم على العلاقة بين المثير والاستجابة، وأهملت البعد العقلي والإبداعي الذي يميز الإنسان عن غيره من الكائنات. كما عجزت عن تفسير قدرة الطفل على إنتاج جمل جديدة لم يسبق له سماعها، أو تفسير الأخطاء اللغوية المنتظمة التي يقع فيها الأطفال رغم عدم سماعهم لها من البيئة.

وقد وجه نعوم تشومسكي نقدا حادا لهذا الاتجاه في مراجعته الشهيرة لكتاب سكينر السلوك اللفظي  (Verbal Behavior) سنة 1959، مبينا أن المدخلات اللغوية التي يتلقاها الطفل محدودة، بينما تكون مخرجاته اللغوية غير محدودة، الأمر الذي يدل على وجود نظام عقلي داخلي لا يمكن تفسيره بقوانين التعزيز وحدها (Chomsky, 1959).

ومن ثم، فإن السلوكية، رغم أهميتها التاريخية، لم تستطع تقديم تفسير شامل لاكتساب اللغة، لأنها ركزت على أثر البيئة والتعزيز، وأغفلت دور البنيات المعرفية والاستعدادات الفطرية. وقد مهدت هذه الثغرات الطريق لظهور الاتجاه البنائي مع جان بياجيه، الذي حاول تفسير النمو اللغوي من خلال تطور البناء المعرفي للطفل، قبل أن تأتي النظرية التوليدية لتحدث تحولاجذريا في دراسة اللغة واكتسابها.

النظرية البنائية التكوينية عند جان بياجيه وتفسير النمو اللغوي:

على سبيل التقديم:

مثّل ظهور النظرية البنائية التكوينية منعطفا حاسما في دراسة اكتساب اللغة، إذ انتقلت بؤرة الاهتمام من السلوك الخارجي إلى العمليات المعرفية الداخلية التي تشكل الأساس الحقيقي للنمو اللغوي. فإذا كانت المدرسة السلوكية قد فسرت اللغة بوصفها عادة مكتسبة تتكون بفعل المثير والاستجابة والتعزيز، فإن المدرسة البنائية، التي ارتبطت باسم عالم النفس السويسري جان بياجيه، رأت أن اللغة ليست نقطة البداية في حياة الطفل، بل هي نتيجة طبيعية لتطور بنياته العقلية ونموه المعرفي.

وانطلاقًا من هذا التصور، لم يعد النمو اللغوي يفهم باعتباره حصيلة للتقليد أو التكرار، وإنما غدا أحد المظاهر الأساسية للتطور العقلي، بحيث لا يمكن للطفل أن يكتسب مفاهيم لغوية جديدة ما لم يبلغ درجة من النضج المعرفي تمكنه من إدراكها واستيعابها. ومن هنا أصبحت دراسة اللغة، في المنظور البنائي، جزءا لا يتجزأ من دراسة التفكير الإنساني.

الأسس الفكرية للنظرية البنائية

تقوم النظرية البنائية على مبدأ جوهري مفاده أن المعرفة لا تنقل إلى الطفل جاهزة، وإنما يبنيها بنفسه من خلال تفاعله المستمر مع البيئة المحيطة. فالطفل ليس متلقيًا سلبيًا للمثيرات، بل هو كائن نشط يسعى باستمرار إلى تنظيم خبراته وإعادة بنائها وفق بنياته العقلية المتنامية.

وقد انطلق بياجيه من رفض التفسير السلوكي الذي يجعل البيئة العامل الحاسم في التعلم، كما رفض القول بوجود معارف فطرية مكتملة، مؤكدًا أن النمو العقلي يمر بمراحل متتابعة، لكل مرحلة خصائصها وطرائقها في التفكير، وأن اللغة تخضع لهذا التطور ولا تسبقه.

وبذلك أصبحت المعرفة، في التصور البنائي، حصيلة عملية دينامية تتفاعل فيها الخبرة الحسية مع النشاط العقلي، فينشئ الطفل مفاهيمه تدريجيًا من خلال الاحتكاك بالعالم الخارجي، لا عن طريق الحفظ أو التلقين.

العلاقة بين النمو المعرفي والنمو اللغوي:

يرى بياجيه أن اللغة ليست أصل التفكير، وإنما هي إحدى نتائجه. فالعمليات العقلية تسبق التعبير اللغوي، والطفل لا يستطيع استعمال مفهوم لغوي معين قبل أن يكتسب المقابل المعرفي لذلك المفهوم.

ولهذا فإن النمو اللغوي يرتبط ارتباطا وثيقا بالنمو المعرفي؛ فكلما تطورت البنيات العقلية للطفل، ازدادت قدرته على فهم العلاقات بين الأشياء، وأصبح أكثر قدرة على توظيف اللغة في التعبير عن أفكاره وخبراته.

ومن هذا المنطلق، رفض بياجيه النظر إلى اللغة بوصفها نظامًا مستقلا، وعدّها أحد مظاهر الوظيفة الرمزية التي تتيح للإنسان تمثيل الواقع بواسطة الرموز والإشارات. فاللغة، والرسم، واللعب الرمزي، والمحاكاة المؤجلة، كلها تجليات لقدرة عقلية واحدة تتمثل في التمثيل الرمزي للأشياء والأحداث.

وعليه، فإن اكتساب اللغة لا يحدث بصورة منفصلة عن باقي جوانب النمو، وإنما يتقدم بالتوازي مع تطور الإدراك والذاكرة والانتباه والتصنيف والاستدلال، وهي العمليات التي تشكل البنية الأساسية للفكر الإنساني.

مفاهيم الاستيعاب والمواءمة والموازنة:

اعتمد بياجيه في تفسير النمو المعرفي على ثلاثة مفاهيم مركزية، هي: الاستيعاب، والمواءمة، والموازنة.

فالاستيعاب يعني إدماج الخبرات الجديدة داخل البنيات المعرفية الموجودة مسبقا، بحيث يحاول الطفل تفسير العالم الخارجي في ضوء ما يمتلكه من تصورات سابقة.

أما المواءمة فتعني تعديل هذه البنيات عندما تعجز عن تفسير الخبرة الجديدة، فيعيد الطفل تنظيم معرفته بما يسمح له بفهم الواقع بصورة أكثر دقة.

ومن خلال التفاعل المستمر بين الاستيعاب والمواءمة تتحقق عملية الموازنة، التي تمثل حالة من الاتساق الداخلي بين المعرفة الجديدة والمعرفة السابقة، وهي التي تضمن استمرار النمو العقلي بصورة تدريجية.

وانطلاقًا من هذه المبادئ، يرى بياجيه أن الطفل لا يكتسب اللغة نتيجة تكرار الكلمات أو تلقي التعزيز، وإنما لأنه أصبح قادرا معرفيًا على استيعاب المفاهيم التي تعبر عنها اللغة.

الوظيفة الرمزية ودورها في اكتساب اللغة:

يحتل مفهوم الوظيفة الرمزية مكانة محورية في نظرية بياجيه، إذ يعدها الأساس الذي تنبثق عنه اللغة وسائر أنظمة الرموز.

ويقصد بالوظيفة الرمزية قدرة الطفل على تمثيل الأشياء ذهنيًا حتى في غيابها، وذلك باستعمال رموز تحل محلها. وتبدأ هذه القدرة في الظهور خلال السنوات الأولى من العمر، قبل أن تبلغ اللغة صورتها المكتملة.

وتتجلى الوظيفة الرمزية في أنشطة متعددة، مثل التقليد المؤجل، واللعب التخيلي، والرسم، واستعمال الأشياء للدلالة على أشياء أخرى. فالطفل الذي يجعل قطعة خشب هاتفا، أو يتظاهر بأن الوسادة طفل صغير، إنما يمارس نشاطا رمزيا يدل على انتقاله من التعامل المباشر مع الأشياء إلى تمثيلها ذهنيًا.

ويرى بياجيه أن اللغة ليست سوى أكثر هذه الرموز تطورا وتعقيدا، ولذلك فإن ظهورها مرتبط بظهور الوظيفة الرمزية، وليس العكس.

قراءة نقدية للنظرية البنائية:

أسهمت النظرية البنائية إسهاما بارزا في إعادة الاعتبار للعمليات العقلية بعد هيمنة السلوكية، وربطت اللغة بالنمو المعرفي، وأبرزت الدور الإيجابي للطفل في بناء معارفه، كما فسرت كثيرا من مظاهر التطور اللغوي في ضوء تطور التفكير.

ومع ذلك، فقد وجهت إليها جملة من الانتقادات. فقد بالغ بياجيه في جعل اللغة تابعة للنمو المعرفي، في حين أظهرت دراسات لاحقة أن العلاقة بينهما علاقة تأثير متبادل؛ فاللغة تسهم بدورها في تنظيم التفكير وتطوير العمليات العقلية، ولا تقتصر على التعبير عنها.

كما أن النظرية لم تقدم تفسيرا كافيًا للسرعة الكبيرة التي يكتسب بها الأطفال لغاتهم الأولى، ولا لقدرتهم على إنتاج تراكيب لغوية جديدة تتجاوز ما تسمح به خبراتهم المعرفية المباشرة.

ومن جهة أخرى، قللت البنائية من أثر البيئة اللغوية والتفاعل الاجتماعي، وهو ما دفع باحثين لاحقين، وفي مقدمتهم ليف فيغوتسكي، إلى التأكيد على أن اللغة تنمو أساسًا داخل التفاعل الاجتماعي والثقافي.

وقد مهدت هذه الثغرات الطريق أمام ظهور النظرية التوليدية التحويلية، التي ستجعل الاستعداد الفطري والقدرة العقلية الموروثة محورًا لتفسير اكتساب اللغة، وتعيد رسم العلاقة بين اللغة والعقل في ضوء تصور جديد أحدث ثورة في اللسانيات المعاصرة (Chomsky, 1959).

وكخلاصة يتضح من خلال ما سبق أن النظرية البنائية شكلت مرحلة انتقالية بين التفسير السلوكي والتفسير المعرفي لاكتساب اللغة؛ فقد رفضت اختزال اللغة في العادة السلوكية، وربطتها بالنمو العقلي وبالوظيفة الرمزية، مؤكدة أن الطفل يبني معارفه اللغوية تدريجيًا وفق تطور بنياته المعرفية. غير أن تركيزها الكبير على العامل المعرفي جعلها تقلل من أهمية الاستعدادات الفطرية والمدخلات اللغوية، الأمر الذي هيأ الأرضية الفكرية لظهور النظرية التوليدية التحويلية التي أعادت الاعتبار للبعد الفطري في تفسير اكتساب اللغة.

النظرية التوليدية التحويلية عند نعوم تشومسكي وإعادة بناء تفسير اكتساب اللغة:

على سبيل التقديم:

مثّل ظهور النظرية التوليدية التحويلية منعطفا حاسما في تاريخ اللسانيات الحديثة، إذ أحدثت تحولا جذريا في دراسة اللغة وانتقلت بها من الاهتمام بوصف البنية الظاهرة إلى البحث في الآليات العقلية التي تجعل الإنسان قادرا على إنتاج اللغة وفهمها. وقد ارتبط هذا التحول باسم اللغوي الأمريكي نعوم تشومسكي، الذي وجّه نقدا علميا صارما إلى كل من الاتجاه السلوكي والاتجاه البنائي، معتبرا أن كليهما أخفق في تفسير القدرة الإبداعية للإنسان في استعمال اللغة.

وقد انطلقت التوليدية التحويلية من مسلمة أساسية مفادها أن اللغة ليست مجرد سلوك مكتسب ولا نتيجة مباشرة للنمو المعرفي، وإنما هي قدرة عقلية فطرية أودعها الله تعالى في الإنسان، وجعلها جزءا من تكوينه البيولوجي والمعرفي. فالطفل لا يبدأ حياته صفحة بيضاء كما افترض السلوكيون، ولا ينتظر اكتمال نموه المعرفي حتى يكتسب اللغة كما ذهب بياجيه، وإنما يولد مزودا باستعداد لغوي فطري يمكنه من اكتشاف القواعد الكامنة في اللغة التي يسمعها، وتحويلها إلى نظام لغوي متكامل (Chomsky, 1957).

ومن هنا، نقل تشومسكي البحث اللساني من دراسة السلوك اللغوي الظاهر إلى دراسة البنية العقلية التي تنتج هذا السلوك، مؤكدا أن فهم اللغة يقتضي فهم العقل الإنساني، وأن اللسانيات ينبغي أن ترتبط بعلم النفس المعرفي والعلوم الإدراكية، لا أن تظل حبيسة الوصف الشكلي للغة.

الأسس الفكرية للنظرية التوليدية التحويلية:

انبثقت النظرية التوليدية في سياق علمي شهد مراجعة واسعة للمناهج السائدة في علم اللغة وعلم النفس خلال خمسينيات القرن العشرين. فقد رأى تشومسكي أن الاقتصار على وصف التراكيب اللغوية لا يكشف حقيقة اللغة، لأن ما ينطق به الإنسان ليس إلا المظهر الخارجي لنظام عقلي داخلي بالغ التعقيد.

ولذلك دعا إلى الانتقال من دراسة اللغة بوصفها نتاجا إلى دراستها بوصفها قدرة ذهنية، وعدّ أن الهدف الحقيقي لعلم اللغة هو الكشف عن القواعد العقلية الكامنة التي تمكن الإنسان من إنتاج عدد غير محدود من الجمل الصحيحة انطلاقا من عدد محدود من القواعد.

ويستند هذا التصور إلى الفلسفة العقلانية التي تعود جذورها إلى ديكارت، والتي ترى أن الإنسان يمتلك قدرات عقلية فطرية لا يمكن تفسيرها اعتمادا على الخبرة الحسية وحدها. وقد وجد تشومسكي في هذا التصور أساسا نظريا لإعادة الاعتبار للعقل بعد عقود من هيمنة الاتجاه السلوكي.

اللغة بوصفها ملكة فطرية:

يعد مفهوم الملكة اللغوية من أهم المرتكزات التي قامت عليها النظرية التوليدية التحويلية. ويرى تشومسكي أن جميع الأطفال يولدون مزودين باستعداد بيولوجي خاص لاكتساب اللغة، بغض النظر عن اللغة التي سيتعلمونها أو البيئة التي سينشؤون فيها.

ويعني ذلك أن الطفل لا يرث لغة معينة، وإنما يرث القدرة على اكتساب أي لغة بشرية إذا توفرت له بيئة لغوية طبيعية. ولذلك يستطيع الطفل المغربي أن يكتسب العربية أو الأمازيغية أو الفرنسية، كما يستطيع الطفل الياباني أو الصيني أو الإنجليزي اكتساب لغة مجتمعه بنفس الكفاءة، لأن الاختلاف يكمن في المدخلات اللغوية، لا في القدرة العقلية ذاتها.

ويؤكد هذا التصور أن اللغة الإنسانية ظاهرة نوعية تميز الإنسان عن سائر الكائنات، فلا يمكن ردها إلى الغريزة الحيوانية أو إلى آليات التعلم العامة، لأن الإنسان وحده يمتلك القدرة على الإبداع اللغوي وإنتاج تراكيب جديدة بصورة لا نهائية.

جهاز اكتساب اللغة والقواعد الكلية:

ولتفسير هذه القدرة الفريدة، افترض تشومسكي وجود آلية عقلية فطرية أطلق عليها اسم جهاز اكتساب اللغة، وهي جهاز افتراضي يمثل مجموعة من المبادئ الفطرية التي تساعد الطفل على تحليل الكلام الذي يسمعه واستخلاص القواعد التي تحكمه.

ولا يعني هذا الجهاز وجود عضو تشريحي مستقل داخل الدماغ، وإنما يشير إلى استعداد معرفي موروث يجعل الطفل قادرا على تحويل المدخلات اللغوية المحدودة إلى نظام لغوي بالغ التعقيد.

ويرتبط بهذا المفهوم ما عرف لاحقا بالكليات اللغوية، وهي مجموعة من المبادئ العامة المشتركة بين جميع اللغات الإنسانية، بحيث تختلف اللغات في مظاهرها السطحية، بينما تتقاسم بنية عميقة واحدة ترجع إلى الطبيعة العقلية المشتركة بين البشر.

وانطلاقًا من هذا التصور، فإن الطفل لا يبدأ تعلم اللغة باعتبار ذهنه صفحة بيضاء، بل ينطلق من منظومة عقلية سابقة تساعده على تفسير ما يسمعه واكتشاف قواعد لغته في زمن وجيز، وهو ما يفسر السرعة المذهلة التي يكتسب بها الأطفال لغاتهم الأولى.

القدرة اللغوية والإنجاز اللغوي

ومن أهم الإسهامات التي قدمها تشومسكي تمييزه بين القدرة اللغوية (Competence) والإنجاز اللغوي (Performance).

فالقدرة اللغوية تمثل المعرفة الضمنية التي يمتلكها المتكلم بقواعد لغته، وهي معرفة داخلية تمكنه من تكوين عدد غير محدود من الجمل الصحيحة، حتى وإن لم يسبق له استعمالها.

أما الإنجاز اللغوي فهو الاستعمال الفعلي لهذه المعرفة أثناء التواصل، وهو قد يتأثر بعوامل خارجية، مثل التعب، أو النسيان، أو التردد، أو ظروف الخطاب.

ويكتسي هذا التمييز أهمية كبيرة؛ لأنه يوضح أن الخطأ في الكلام لا يعني بالضرورة ضعف القدرة اللغوية، بل قد يكون نتيجة ظروف أدائية عارضة، وهو ما يفسر قدرة الإنسان على فهم الجمل الصحيحة حتى وإن لم يستطع إنتاجها في كل موقف.

البنية العميقة والبنية السطحية:

يرى تشومسكي أن كل جملة لغوية تتكون من مستويين متكاملين هما: البنية العميقة والبنية السطحية.

فالبنية العميقة تمثل العلاقات الدلالية والمنطقية الكامنة في ذهن المتكلم، وهي المصدر الحقيقي للمعنى.

أما البنية السطحية فهي الصورة اللفظية التي تظهر بها الجملة بعد تطبيق مجموعة من القواعد التحويلية.

وبذلك يمكن أن تتعدد البنى السطحية للجملة الواحدة مع احتفاظها بالبنية العميقة نفسها، كما يمكن أن تتشابه بعض الجمل في صورتها الظاهرة بينما تختلف في معناها العميق.

وقد أسهم هذا التصور في إحداث ثورة في دراسة النحو، لأنه جعل التركيب اللغوي مرتبطًا بالعمليات العقلية، لا بمجرد ترتيب الكلمات.

نقد النظرية السلوكية وإثبات الإبداع اللغوي:

وجّه تشومسكي نقدًا صارما للنظرية السلوكية، وخاصة لكتاب السلوك اللفظي لمؤلفه سكينر، مؤكدا أن تفسير اللغة بالمثير والاستجابة والتعزيز لا ينسجم مع طبيعة اللغة الإنسانية.

ومن أبرز حججه أن الطفل يستطيع إنتاج وفهم جمل لم يسمعها من قبل، وأن ما يتلقاه من مدخلات لغوية محدود، في حين أن عدد الجمل التي يستطيع إنتاجها غير محدود، وهو ما عُرف في الأدبيات اللسانية بـحجة فقر المنبه .

كما استدل بالأخطاء اللغوية المنتظمة التي يقع فيها الأطفال، مثل تعميم القواعد الصرفية أو النحوية على كلمات لا تخضع لها، وهي أخطاء لم يتعلموها من البيئة، وإنما نتجت عن محاولتهم استنباط القواعد العامة للغة.

وتؤكد هذه الظواهر، في نظر تشومسكي، أن الطفل لا يقلد ما يسمعه فحسب، بل يبني نظاما لغويا داخليًا يعتمد على قواعد عقلية مجردة.

قراءة نقدية للنظرية التوليدية

أحدثت النظرية التوليدية ثورة حقيقية في اللسانيات وعلم النفس المعرفي، إذ أعادت الاعتبار للعقل بوصفه محورًا لتفسير اللغة، وفسرت القدرة الإبداعية التي عجزت السلوكية عن تفسيرها، كما أرست أسسا جديدة لدراسة العلاقة بين اللغة والإدراك.

ومع ذلك، لم تسلم هذه النظرية من النقد؛ فقد رأى عدد من الباحثين أنها بالغت في التركيز على العامل الفطري، وقللت من أهمية البيئة والتفاعل الاجتماعي والثقافي في بناء القدرة اللغوية. كما أن مفهوم جهاز اكتساب اللغة ظل افتراضا نظريا لم يثبت وجوده البيولوجي بصورة مباشرة، رغم ما حققه من تأثير واسع في اللسانيات المعاصرة.

وقد دفعت هطذه الانتقادات إلى ظهور اتجاهات حديثة حاولت التوفيق بين الفطرة والبيئة، وبين النمو المعرفي والتفاعل الاجتماعي، مؤكدة أن اكتساب اللغة لا يمكن تفسيره من خلال عامل واحد، بل هو نتاج تفاعل معقد بين الاستعداد البيولوجي، والنمو العقلي، والخبرة اللغوية، والسياق الثقافي.

وكخلاصة لما سبق فقد كشفت النظرية التوليدية التحويلية أن اللغة ملكة إنسانية فطرية، وأن الطفل يولد مزودا بقدرة عقلية تؤهله لاكتساب أي لغة بشرية متى توافرت له بيئة لغوية مناسبة. وقد استطاعت هذه النظرية أن تفسر كثيرا من الظواهر التي عجزت عنها السلوكية والبنائية، غير أنها لم تستطع هي الأخرى استيعاب جميع العوامل المؤثرة في النمو اللغوي، الأمر الذي يعزز الاتجاه المعاصر الداعي إلى تبني رؤية تكاملية تجمع بين الاستعداد الفطري، والنمو المعرفي، والتفاعل الاجتماعي بوصفها مكونات متداخلة في تفسير اكتساب اللغة.

خاتمة الدراسة:

شكلت قضية اكتساب اللغة ولا تزال إحدى أكثر القضايا تعقيدا وإثارة للاهتمام في الدراسات اللسانية والنفسية والتربوية، لأنها تتصل بجوهر الإنسان وبإحدى أبرز الخصائص التي تميزه عن غيره من الكائنات، وهي القدرة على إنتاج اللغة واستعمالها استعمالا إبداعيًا لا تحده حدود. وقد أفضى هذا التعقيد إلى ظهور اتجاهات نظرية متعددة، حاول كل منها تفسير الكيفية التي ينتقل بها الطفل من مرحلة العجز اللغوي إلى مرحلة القدرة التواصلية، مستندا إلى مرجعيات فلسفية ونفسية ولسانية مختلفة.

وقد بينت هذه الدراسة أن النظرية السلوكية انطلقت من تصور تجريبي جعل البيئة والتعزيز والتكرار الأساس الذي يقوم عليه اكتساب اللغة، معتبرة أن الطفل يبني عاداته اللغوية تدريجيًا عن طريق التقليد والمحاكاة والاستجابة للمثيرات الخارجية. ورغم ما قدمته هذه النظرية من إسهام في إبراز أهمية البيئة والتفاعل الاجتماعي في تكوين السلوك اللغوي، فإنها لم تستطع تفسير القدرة الإبداعية التي يتميز بها الإنسان، ولا تفسير تمكن الطفل من إنتاج عدد لا متناه من الجمل التي لم يسبق له سماعها.

كما أظهرت الدراسة أن النظرية البنائية التكوينية، التي ارتبطت بجان بياجيه، مثلت انتقالا من تفسير اللغة بوصفها عادة سلوكية إلى اعتبارها مظهرا من مظاهر النمو المعرفي. فاللغة، وفق هذا الاتجاه، لا تسبق الفكر، وإنما تتطور في ضوء تطور البنيات العقلية والوظيفة الرمزية، وهو ما منح العمليات المعرفية مكانة محورية في تفسير النمو اللغوي. غير أن هذا التصور، على الرغم من أهميته، ظل يربط اللغة بالنمو العقلي ربطا يكاد يكون حتميا، ولم يمنح التفاعل اللغوي والاجتماعي المكانة التي يستحقها في بناء القدرة اللغوية.

أما النظرية التوليدية التحويلية فقد أحدثت تحولا جذريا في دراسة اللغة، حين أعادت الاعتبار للعقل الإنساني بوصفه المنطلق الحقيقي لفهم الظاهرة اللغوية. فقد أكد نعوم تشومسكي أن الطفل يولد مزودا بملكة لغوية فطرية تؤهله لاكتساب أي لغة بشرية، وأن المدخلات اللغوية التي توفرها البيئة لا تخلق هذه القدرة، وإنما تنشطها وتوجهها. وقد استطاعت هذه النظرية أن تفسر كثيرا من الظواهر التي استعصت على السلوكية، وفي مقدمتها الإبداع اللغوي، والأخطاء اللغوية المنتظمة، والسرعة المذهلة التي يكتسب بها الأطفال لغاتهم الأولى. ومع ذلك، فإنها لم تسلم من النقد، خاصة فيما يتعلق بميلها إلى تغليب العامل الفطري على حساب التفاعل الاجتماعي والثقافي.

ومن خلال المقارنة بين هذه الاتجاهات الثلاثة، يتضح أن كل نظرية أسهمت في الكشف عن بعد من أبعاد الظاهرة اللغوية، لكنها في المقابل عجزت عن الإحاطة بها في شموليتها. فاللغة ليست نتاج البيئة وحدها، كما أنها ليست انعكاسا مباشرا للنمو المعرفي، ولا يمكن ردها إلى الاستعداد الفطري بمعزل عن الخبرة الاجتماعية. وإنما هي حصيلة تفاعل دينامي بين الاستعداد البيولوجي، والبناء المعرفي، والتفاعل الاجتماعي، والخبرة اللغوية التي يعيشها الطفل داخل محيطه الثقافي.

وانطلاقا من ذلك، تؤكد هذه الدراسة أن الاتجاه التكاملي يمثل الإطار الأكثر قدرة على تفسير اكتساب اللغة في ضوء المعطيات اللسانية والنفسية المعاصرة؛ لأنه لا ينفي دور البيئة، ولا يهمل النمو المعرفي، ولا يتجاهل الاستعداد الفطري، وإنما ينظر إلى هذه العناصر باعتبارها مكونات متفاعلة تتكامل فيما بينها لتفسير ظاهرة لغوية تعد من أكثر الظواهر الإنسانية تعقيدا.

نتائج الدراسة

أسفرت الدراسة عن مجموعة من النتائج، يمكن إجمالها فيما يأتي:

يعد اكتساب اللغة عملية إنسانية مركبة تتداخل فيها العوامل البيولوجية والمعرفية والاجتماعية والثقافية.

لا يمكن تفسير اكتساب اللغة بالاعتماد على عامل واحد أو نظرية واحدة.

أسهمت النظرية السلوكية في إبراز أهمية البيئة والتعزيز في بناء السلوك اللغوي.

يظل التقليد والمحاكاة عنصرين مساعدين في اكتساب اللغة، لكنهما لا يفسرانها تفسيرا كاملا.

أثبتت النظرية البنائية وجود علاقة وثيقة بين النمو المعرفي والنمو اللغوي.

تمثل الوظيفة الرمزية أحد المرتكزات الأساسية في تفسير تطور اللغة عند الطفل.

أبرزت النظرية التوليدية التحويلية الدور المحوري للعقل في اكتساب اللغة.

تشكل الملكة اللغوية الفطرية أحد أهم المفاهيم التي غيرت مسار الدراسات اللسانية الحديثة.

تؤكد الأخطاء اللغوية المنتظمة التي يقع فيها الأطفال أن الطفل يبني قواعد لغته بصورة إبداعية.

لا تؤدي البيئة دورا إنشائيًا للغة بقدر ما توفر المدخلات اللازمة لتنشيط الاستعداد الفطري.

يظل التفاعل الاجتماعي عنصرا أساسيًا في تنمية القدرة التواصلية.

كشفت الدراسة أن اللغة ظاهرة دينامية تتطور بتفاعل مستمر بين العقل والبيئة.

أسهمت النظريات الثلاث في تطور اللسانيات النفسية، رغم اختلاف منطلقاتها.

أثبتت الدراسات الحديثة محدودية التفسيرات الأحادية في معالجة الظواهر اللغوية.

تعد المقاربة التكاملية الإطار الأكثر انسجامًا مع نتائج البحوث المعاصرة في اللسانيات النفسية.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي.

(أوقفني في البحر، فرأيتُ المراكب تغرق، والألواح تسلم، ثم غرقت الألواح. فقال لي: لا يسلم من ركب. وقال لي: خاطِرْ بنفسك تسلم. وقال لي: إن من لم يخاطر بنفسه لم يشم رائحة الفلاح. وقال لي: الأخطار جزء من النجاة. وقال لي: من توكل على غيري ضاع، ومن ركن إلى سواي هلك. وقال لي: الدنيا بحرٌ، والآخرة بحرٌ، وأنا البحران، وليس فيهما غيري)…

(وقال لي: إذا رأيتَ الخلق فلا ترهم حجابًا عني، وإذا رأيتهم لأنفسهم فهم الحجاب. وإذا رأيتني فيهم رأيتَ النور في النور. وقال لي: لا تطلبني من جهة دون جهة، فإني لستُ في جهة. ولا تطلبني بعلمك، فإن علمك يقف دوني. واطلبني بي، فإنك لا تصل إليّ إلا بي)..

من كتاب (المواقف والمخاطبات)..

***

بحسب النظر الصوفي او المراجعات التي تمت لاشتغالات النفري (متوفي 354 هجرية) من قبل المتصوفة أنفسهم، نجد ان الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي وصف كتاب المواقف للنفري بقوله: " كتاب شريف يحوي على علوم آداب المقامات" معتبراً أن المقامات في الطريق الصوفي كأنواع الاعمال في الشريعة(1).

وآداب المقامات ليست جديدة في التصوف بل هي من الأمور التي تعارف عليها المتصوفة على مدى قرون خلت، والمقام في التصوف معناه: مقام العبد بين يدي الله عز وجل، بما يقوم به من مجاهدات ورياضات وعبادات وشرطه أن لا يرتقي من مقام الى مقام إذا لم يستوف احكام ذلك المقام، ففي مقام القناعة مثلاً مالم يتحقق العبد بها لتكون القناعة له ملكة، لم يصح له الارتقاء الى مقام التوكل، ومن لم يتحقق بعد بالتوكل لم يصح له مقام التسليم وهكذا في كل المقامات. وقيل ان المقامات مائة واربعة وعشرين مقاماً او فوق ذلك(2).

وخصوصية النفري انه تكلم وهو في حالة العبور من مقام الى مقام عندما كان في حالة اشبه. بالحالة البرزخية، وهذا ما اشار له بن عربي بقوله:" واعلم أنه ما من منزل من المنازل، ولا منازلة من المنازلات، ولا مقام من المقامات، ولا حال من الحالات، إلا وبينهما برزخ يوقف العبد فيه يسمى الموقف، وهو الذي تكلم عنه صاحب المواقف محمد بن عبد الجبار النفري(3).

على الرغم من وحدة الميراث الصوفي ازاء مسألة (المقامات) لكن النفري تفرد بطبيعة الحال بأسلوبه المختلف عن سائر نصوص المدونة الصوفية فهي لم تكن ذات نزعة تعليمية او بيانية توضيحية، ولم يكن يخاطب في الحقيقة سوى (نفسه) ليعبر عن انتقالاته واطواره الروحية في سائر الوقفات بين مقام ومقام، ولهذا قال احد الباحثين في المدونة الصوفية: "هنالك تمييز كبير لكتابة النفري عن غيرها من الكتابات الصوفية الأخرى، فهي ليست تعليمية، ولم تكتب بهاجس التواصل أصلاً، انها لا تخاطب قارئ خارجياً(4).

على الرغم من كل ذلك، إلا ان اطروحتنا الجوهرية التي نقول بها بهذا المقال هي أن،: النفري ظل يتحرك بين فضاءين متصلين بعضهما بالبعض الآخر الاوهما (فضاء الكينونة) او (الذات)، و(فضاء الكونية) او (العالم)، فهو يتحرك بين كشف ذاته وتعليمها وتسيرها وبين كشف ماهية العالم والكون والتماهي معه ومن ثم الخروج منه !!، وهذان الامران وان كتبا بلغةٍ جديدة، إلا انهما يمثلان ميراثا روحيا ثابتا في تجارب المتصوفة والعرفاء، أي انه أمر جوهري حرك كل المتصوفة.

ومن ثم نحن نسعى للكشف اولاً عن هذين الفضاءين وتباينهما بنحو مكثف من خلال كتاب المواقف والمخاطبات، ونسعى في الوقت عينه لقراءة ذلك فلسفياً واجتماعياً عبر مماهاة ذلك ومطابقته مع تجارب ونصوص معرفية اخرى.

ربما بدت (موقف الوقفة) هي منطلق الحد بين الفضاءين، فضاء الكينونة وفضاء الكونية، بلحاظ الاتجاه نحو الكينونة وان لاترى (السوى) اي الغير او الغيرية. يقول النفري:

أوقفني في الوقفة وقال لي إن لم تظفر بي أليس يظفر بك سواى.

وقال لي من وقف بي ألبسته الزينة، فلم ير لشئ زينة.

وقال لي تطهر للوقفة وإلا نفضتك.

وقال لي في الوقفة ترى السوى بمبلغ السوى فاذا رأيته خرجت عنه (5).

وعليها يتأسس الانطلاق بين المقامات ولهذا يستمر قائلاً:

وقال لي الوقفة تعتق من رق الدنيا والآخرة.

وقال لي الصلوات تفتخر بالواقف كما يفتخر بها السائر.

وقال لي ماعرفني شيء فإن كاد أن يعرفني فالواقف(6).

ومن اقترب من العالمين (الناس) وأخذ من علومهم (الدنيوية) تعطل ولم يسر في المقامات من دون (السوى)، او كما قال:

وقال لي الواقف يبعد بقرب العالمين ويحتجب بعلوم العالمين.

وقال لي إن وقفت بي فالسوى حرمي فلا تخرج اليه فتنحل مني(7).

والواقف هو بين حدين (الكينونة) و(الكونية) يتحرك فيهما ذهابا وايابا، ولكن ما الكينونة؟ وما الكونية؟ التي ينشدهما النفري في الوقفة وفي المقام؟.

أن مفهوم الكينونة "Being" كتب حوله الكثير في تاريخ الفلسفة(8)، وفي الحقيقة نحن لسنا بصدد التصدي للبحث المعمق فيه إنما الذي يعنينا معانيه المتعددة الماهية، أو الوجود أو الجوهر، والتي نتعرف عليها بوضوحاً أعمق في داخل تجربة المتدين/ الصوفي الذي يحاول إيجاد كينونته تلك ونقلها من مستوى الانصهار في بوتقة الوجود الإنساني إلى مستوى الانصهار في عالم الملكوت العلوي الذي يسعى إليه، أي ديمومة السير نحو المطلق.

ولكننا وعبر تأثرنا بالمفكر آريك فروم أنما نسعى وإياه إلى التعامل مع مفهوم السيرورة أو التصير "Process" والفاعلية والحركة، كعنصر من عناصر الكينونة، ولقد أشار جورج زمل "George Simmel" في هذا السياق إلى أن الكينونة تتضمن التغيير، أي أن الكينونة هي الصيرورة "Becoming". وهذه النظرة وجدت لدى مفكرين متباعدين زمنياً متقاربين في تصوراتهما الفكرية حول الكينونة وهما هيراقليطس (Heracletus) وهيجل "Hegel". فهذه النظرة الجذرية لديهما إلى الحياة كعملية تغير مستمرة، لا كجوهر ثابت، توازيها فلسفة بوذا في العالم الشرقي. فلا مكان في فكر بوذا لمفهوم الجوهر الدائم المستمر، لا في الأشياء ولا في الذات البشرية. أذن الصيرورة هي الحقيقة الوحيدة(9).

وهذه الصيرورة محل تحركها بطبيعة الحال هي الذات والتفكير فيها من أجل فهمها واستيعاب مدياتها الكونية المشتقة من عالم الطبيعة والمنشقة عنها في الوقت ذاته، وبالتأكيد أن تبيان المسافات أو الحدود القائمة بين تلك الذات الإنسانية المالكة لكينونتها بعد الانفصال ثم الاتصال بعالمها أو محيطها، تحتاج الاستعانة ببعض رؤى الإنثروبولوجيا الفلسفية لاسيما أطروحات ماكس شيلر (1892-1985).

ففي عمله المميز (منزلة الإنسان في الكون) كان منطلقه الرئيس هو معرفة أن "الإنسان لم يكن في أي زمن من تاريخه أكثر إشكالية مما هو عليه في الحاضر". وتأسيساً على هذه البداهة شرع شلر في علاج منزلة الإنسان في إطار ما لبنية الكون من درجات منزلته التي تتمثل في تأصيله الميتافيزيقي. فمن العالم الجامد أنفصل النبات والحيوان والإنسان بغريزة الإحساس المتسامية وفيها تجلت غريزة الحياة التي لم تتمركز على ذاتها بل توجهت إلى خارجها. وبالتالي فقد حصل ذلك بصورة غير شعورية وغير واعية. وحسب شلر فإن كل الكائنات الحية متنفسة. وإلى جانب ما لها من نزوع مرئي دافع بها إلى خارج ذاتها فأنها تحتوي على نزوح باطني من نفس الجنس دون أن يكون في متناول إدراكها(10).

وبفضل الغريزة التي هي الدرجة الثانية من الحي ظهر دور العلاقة بين الإنسان الحيوان. فبالمقابل مع الإنسان الذي هو ضعيف الغريزة يتوفر للحيوان بفضل تجهيزه الغريزي ثقة سلوكية قوية. لكن الإنسان بسبب ضعف غرائزه يتزايد نقص الثقة لديه. وبالتالي فإن ما ينقص الإنسان من دفع في التحريك الغريزي هو الذي يمثل العلة الأصلية لما عنده من فائض في النوازع يميزه عن غيره من الحيوانات. ولكي يستطيع الإنسان العيش في إطار علاقات الجماعة وبحسب البنى الاجتماعية فلابد له من أن يعدل بالكبت والتصعيد ما تتميز به نوازعه من فائض الطاقة(11).

أما التأصيل الآخر لدى شيلر فهو أن الإنسان يقاسم الحيوانات ما لها من قدرة في ملكة الذاكرة التواردية التي تربط بين النوازع والحاجات بفضل السلوك الغريزي فتؤدي دوراً مهماً بفضل الانعكاس الشرطي وإعادة إنتاج السلوك. والدرجة الرابعة التي يتقاسمها الإنسان مع الرئيسات في جميع الحالات تتمثل في الذكاء العملي والاختيار. فهما يعدان الشكل الأسمى من الموجود الحيوي الطبيعي(12).

ومن مجموع هذه الدرجات يصل شلر إلى النتيجة المهمة والرئيسة التي نبني عليها معطى الكينونة وحقيقتها الجوهرية إلا وهي تمايز الإنسان وخصوصيته بوصفه كائناً روحياً قياساً إلى الموجودات الطبيعية/ الحية التي تشاركه المحيط البيئي. فيستنتج ومن هذه الدرجات الأربع للموجود الحيوي الطبيعي الدرجات التي للإنسان فيها سهم كبير تتميز الدرجة الأخيرة عند الإنسان بوصفها مجال الروح (العقل والفكر)، وهو المجال الذي لا يلجه إلا الإنسان. ذلك أنه يتجاوز به تبعيته للطبيعة. فليس الإنسان مثل الحيوانات رهين النوازع والمحيط بل هو متحرر من المحيط ومنفتح على العالم. وهذا النوع من الكائن الروحي (الإنسان) كائن ذو عالم. وبخلاف الحيوان الذي يدرك المحيط بخصوص نوازعه وغرائزه فإن ضعف غرائز الإنسان والفجوة الموجودة بين نوازعه وسده لها تجعله يصبح كائناً روحياً(13).

فهو كائن لم يرتهن إلى محددات الطبيعة وتقلباتها لكونه يمتلك الأدوات التي حررته من ذلك كله، وتلك الأدوات هي العقل والروح فبينما الأول يجعله يقيم تنظيماته الحياتية مسيطراً على الطبيعة وعلى علاقاته الإنسانية في عالمه المنتج اجتماعياً؛ تجعله الأداة الثانية يتجاوز الطبيعة باحثاً عن التوازن التي تطلبه أسئلة تلح عليه من قبيل الوجود وماهيته وماهيته هو وما المصير وما المآل أيثوي بفكره وعقله كما تثوي الكائنات الحية التي تجاوزها بمجاله الحيوي (الفكري والروحي). وبالفاعلية التي تحركه وبالصيرورة التي تغيره وتعيد موائمة ذاته مع العالم. وبعبارة أخرى وبحسبما قال شيلر: فالانفتاح على العالم يتحقق في سلسلة الأجوبة التي يعلم الإنسان كيف يقدمها لتحديات العالم خلال تحويل وجوده. ويمكن بنحو من النظرة الصورية أن نعتبر الأمر في ذلك وكأنه مقصور على تقسيم العمل بحيث يكون الإنسان تارة مرجحاً لنفسه بمعنى كونه يعلم كيف يسود على العالم وطوراً يعترف الإنسان برجحان العالم عليه فيتكيف معه، وفي الحقيقة فأن الأمر يتعلق هنا بعلاقة حوار بين الإنسان والعالم(14).

ومن أهم نتاجات حوار الإنسان مع العالم هي مسألة الإيمان بعد مسائل ومتعلقات حياته الوجودية من مأكل ومأوى. فالإنسان، ككل كائن حي، يهتم بأشياء كثيرة، يهتم في المحل الأول بالأشياء التي تشرط وجوده نفسه، كالغذاء والمأوى. لكن لدى الإنسان- في مقابل الكائنات الحية الأخرى- هموماً روحية، معرفية وجمالية واجتماعية وسياسية(15) ولكن: الإيمان هو أكثر الأفعال المتركزة في العقل الإنساني. وهو ليس حركة جزء خاص أو وظيفة معينة في وجود الإنسان الشامل. بل تتحد هذه جميعاً في فعل الإيمان. غير أن الإيمان ليس المجموع الرياضي لأوجهها المتعددة. فهو يتعالى على كل أثر خاص كما يتعالى على شموليتها، ويمارس هو نفسه أثره الحاسم على كل منها(16).

وبالتالي هو بنظر صاحب النصوص المقتبسة أنفة الذكر اللاهوتي والفيلسوف الوجودي بول تيليش يمكن أن يمثل هماً أقصى، قياساً بكل همومه وشؤونه الحياتية الأخرى ولكن أليس فعل الإيمان هذا هو المحرك الرئيس للكينونة أي انه بعبارة أخرى هو السؤال والجواب في حد ذاته، وهو موجه التجربة ونتاجها، وبالتالي فهو تجربة شخصية بالدرجة الأولى، لأنها لو كانت وفق مقاربات أريك فروم حول (إيمان التملك وإيمان الكينونة)، فأنها في الإيمان الأول ستكون إجابات توصل إليها آخرون والذين يشكلون قاعدة مرجعية لا يمكن الخروج عنها(17).

أما في إيمان الكينونة فهي عبارة عن توجه داخلي، موقف. ولعله بنظر فروم من الأنسب أن يقال أن شخصاً ما في حالة الإيمان، على أن يقال إنه يملك إيماناً. وبالتالي أن اليقين الناتج عنها أنه يقين الحقيقة التي قد يستحيل إثباتها بأدلة عقلانية ملزمة، ومع ذلك فهي الحقيقة التي أنا على يقين منها لأن ثمة أدلة عليها من تجربتي الذاتية(18).

وفي هذا السياق يقول النفري:

وقال لي اكتب من أنت لتعرف من أنت، فأن لم تعرف من أنت فما أنت من أهل معرفتي.

وقال لي أليس ارسالي اليك العلوم من جهة قلبك إخراجاً لك من العموم الى الخصوص، أو ليس تخصيصي لك بما تعرفت به اليك من طرح قلبك وطرح ما بدا لك من العلوم من جهة قلبك إخراجاً لك الى الكشف أوليس الكشف أن تنفي عنك كل شيء وعلم كل شيء وتشهدني بما اشهدتك....(19)

وبالتأكيد أن إيمان التملك هو إيمان الفقهاء الذين يأخذون إيمانهم من بعضهم البعض، والذين شكلوا عبره مرجعية فكرية- تنظيمية يستوجب على كل أفراد المجتمع أن يمروا من خلالها لكي يتزودوا بالإيمان لكونهم هم المحطة الدينية الوحيدة التي تمتلك القدرة على تسويق الإيمان بعد إنتاجه في تجاربهم النصية التي تهرع دائماً إلى النص المقدس لبناء الحقائق والبناء عليها في سلسلة من التفسيرات والحواشي التي تتوارث جيلاً بعد جيل حتى تأخذ القداسة أكثر من النص المقدس (القرآن الكريم والسنة وتعاليم أهل البيت (ع)التي تدعي أنها استوعبته وبالتالي حولته إلى معطى جاهز يتسنى لأي باحث عن الإيمان أن يتشبث به بوصفه الحقيقة اليقينية/ المطلقة.

أما إيمان الكينونة فهو في حقيقة الأمر إيمان الأنبياء والمتصوفة والعرفاء، أنه إيمان التجريب الذاتي الذي يمارسه الفرد بنفسه كيما يتوصل إلى الحقائق ويتذوقها بطريقته الخاصة دون وصاية من أحد، أنه العالم الباطني/ الروحي الذي يتجاوز إيمان العالم/ الجماعي/ الظاهري (إيمان الفقهاء). أنه إيمان الفاعلية والسيرورة في آن واحد لكونه يحاول جاهداً تلمس الحقائق ومعرفة (المطلق) عبر التحقق من الإجابات بعد أن ألقى الأسئلة الجسام على كينونته.

ولكن لماذا هذه الأسئلة الجسام والعظام؟ لماذا إيمان الكينونة أصلاً؟ ما الداعي له؟ هل للبحث عن التجربة الدينية فحسب أم أن المسألة بها تعقيدات كثيرة؟ نعتقد أن المسألة فيها تعقيدات كثيرة ومتنوعة لا يمكن الوقوف عليها برؤية شمولية ولكن يمكن تلمس بعض جنباتها. ولهذا فأننا نعتقد أن الأمر يمكن أن نوجزه من خلال الوقوف على بعدين رئيسين وهما:

البعد الخارجي لإيمان الكينونة: وهذا البعد يقوم على محيط الإنسان الاجتماعي/ الديني، ذلك المحيط وبشتى تنظيماته وصيغه الدينية الذي لا يستطيع أن يلبي حاجات هذا الإنسان المتطلع إلى الكشف عن أسرار الإيمان وتذوقه على أيدي رجال الدين (علماء الشريعة). ولهذا فهو يتجه إلى الصيغ الدينية المتجنب التعامل معها وبها اجتماعياً ألا وهو (التصوف/ العرفان)، وذلك كيما يلبي حاجاته الروحية التي لا تستجيب لها ظاهر الشريعة. ولكن على الرغم من ذلك فأن المتصوفة والعارفين يؤكدون على التعامل مع المجتمع من خلال الالتزام بالشريعة لأجل الدخول في العالم الروحي الآخر ألا وهو (الحقيقة). إذ أن الشريعة أمر بالتزام العبودية والحقيقة مشاهدة الربوبية (أي رؤيته إياها بقلبه ويعبر عن ذلك بأن الشريعة معرفة السلوك إلى الله تعالى والحقيقة دوام النظر إليه، والطريقة سلوك طريقة الشريعة أي العمل بمقتضاها، وبعضهم لم يفرق بينها وبين الشريعة ظاهر الحقيقة والحقيقة باطن الشريعة وهما متلازمان لا يتم أحدهما إلا بآخر)(20). وفي الحقيقة هذا النوع من الإيمان تتطلب الإخلاص لله تعالى كيما يتجاوز مرتبتي الإسلام والإيمان، لأنها بنظرهم تعد مرتبة لا ينالها إلا الموحد الحقيقي(21).

ولهذا يقسم الطريق المؤدي إلى الله تعالى لديهم إلى ثلاث مراحل طبقاً لما ينسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "الشريعة أقوالي والطريقة أعمالي والحقيقة أحوالي". وكل من الشريعة والطريقة والحقيقة ترتبط إحداهما بالأخرى: شريعة بلا حقيقة رياء، وحقيقة بلا شريعة نفاق، وهما مثل شخص حي بالروح، عندما تنفصل عنه الروح يصير جيفة، وتصير الروح ريحاً، والشهادة تتضمن كلاهما؛ فكلمة "لا إله إلا الله" هي الحقيقة، وكلمة "محمد رسول الله" هي الشريعة، فمن ينكر الحقيقة كافر ومن يهمل الشريعة زنديق)(22).

البعد الداخلي لإيمان الكينونة: أن الحديث عن هذا البعد مسألة شائكة لأنها تعتمد على القوى والقابليات والاستعدادات النفسية والعقلية للإنسان الذي أختار طريق التصوف، فضلاً عن كونه بعد يتداخل مع العالم الغيبي من جهة والعالم أو المحيط الاجتماعي من جهة أخرى، وذلك لكونه ناجم عنهما بنحواً أو بآخر لأنهما يدخلان بين تأثيرات الله المباشرة على الإنسان وبشتى النواحي والأساليب وبين تأثيرات التجارب الاجتماعية السلبية أو الإيجابية المؤدية إلى طريق التصوف والعرفان.

ففي تأثيرات العالم الغيبي، نقرأ على سبيل المثال (لا الحصر) ما قاله سيد العرفاء الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): "إلهي أن لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق فمن السالك بي إليك في واضح الطريق وإن أسلمتني أناتك لقائد الأمل والمنى فمن المقيل عثراتي من كبوات الهوى وأن خذلني نصرك عند محاربة النفس والشيطان فقد وكلني خذلانك إلى حيث النصب والحرمان،..."(23). فالمؤدي أو قائد السالك إلى الله تعالى هو رحمة الله بالإنسان ذو الإيمان الكينوني، وهذا ما تؤكده الكثير من قصص دخول بعض المؤمنين إلى طريق التصوف عبر الإشارات والإلهامات الإلهية الخاصة، ومن ذلك على سبيل المثال: أن أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم بن منصور من كورة بلخ، كان من أبناء الملوك فخرج يوماً متصيداً فأثار ثعلباً أو أرنباً وهو في طلبه فهتف به هاتف يا إبراهيم ألهذا خلقت أم بهذا أمرت ثم هتف به أيضاً من قربوس سرجه والله ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت فنزل عن دابته، وصادف راعياً لأبيه فأخذ جبة للراعي من صوف ولبسها وأعطاه فرسه وما معه(24) حتى أصبح صوفياً بعد أن تتلمذ لبعض الوقت على يدي سفيان الثوري والفضيل بن عياض.

وقد يأتي الإيمان التجريبي (إيمان الكينونة) عن طريق إرشاد وتوجيه خاص ومباشر من بعض المتصوفة أو العرفاء وكما جرى على سبيل المثال للمتصوف الكبير أبو نصر بشر الحافي بن الحارث (م 226هـ)، والذي كان في بداية حياته يعاقر الخمر ويرتكب المحرمات، وإذا بكلمات وتنبيهات رمزية سريعة من الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) يتحول إلى ولي من أولياء الله الصالحين(25). ولعل الاستعداد والقابليات لديه هي التي أهلته لاستلام الإشارة إلى الطريق).

ومثلما يقول النفري:

وقال لي حدث عني وعن حقوقي وعن نعمتي فمن فهم عني فاتخذه عالماً ومن فهم عن حقي فاتخذه نصيحاً، ومن فهم عن نعمتي فأتخذه أخاً.

وقال لي من لم يفهم عني ولا عن حقي ولا عن نعمتي فاتخذه عدواً فأن جاءك بحكمتي فخذها منه كما تأخذ ضالتك من الأرض المسبقة.

وقال لي الذي يفهم عني يريد بعبادته وجهي والذي يفهم عن حقي يعبدني من أجل خوفي، والذي يفهم عن نعمتي يعبدني رغبة فيما عندي.

وقال لي من عبدني وهو يريد وجهي دام، ومن عبدني من أجل خوفي فتر، ومن عبدني من أجل رغبته أنقطع.(26)

وقد يأتي هذا الإيمان من تداخل البعد الاجتماعي (الخارجي) مع البعد الغيبي (الداخلي) كما في حالة رابعة العدوية، "التي أحبت مولاها، والحبيب هو المولى، ولا يهمها أن كان يحبها أم لا"(27). والتي لم تتحول إلى الحب الإلهي (الصوفي) إلا بعد أن ذاقت مرارة الحب الأرضي لسيدها ومالكها ولما فقدت وصالها به، وجدت أن خير الوصال لخير حبيب هو الله تعالى، فسلكت طريق التصوف.

ولكن على الرغم من اختلاف بداياتهم في التوجه نحو التصوف، إلا أنهم يشتركون وبشكلاً عام في الخطوات السلوكية في الطريق الصوفي، أي أنهم ينطلقون من قاعدة سلوكية متشابهة بنحواً أو بآخر غايتها التفاعل والتواصل مع الله تعالى لأجل الوصول إليه، وسنتحدث عن هذه القاعدة بشكل مكثف لأنها ذات تشعبات هائلة لا يمكن لهذا البحث الاستغراق فيها، لكونها مقدمات أساسية لمقاصد البحث وأهدافه.

وأن أول قواعد الطريق الصوفي هو التسليم للشخص الذي يعلم العبد طريق التصوف، ويقال له (المرشد) (الشيخ) و(الدليل) وغيرها، ويقال للراغب في السلوك (السالك) (المريد) (الصوفي) (درويش). ولكن كيف نصل إلى الله سبحانه وتعالى عن طريق المرشد؟، علينا وكما يرى (أحدهم) أولاً أن نتحرى عن صفات المرشد فعليه:

1- أن يتطابق سلوكه مع ميزان الشرع، 2- أن يكون عالماً بالشريعة الإسلامية، ذلك أن الطريقة جوهرها فمن لم يفهم الشريعة فكيف يفهم جوهرها (الحقيقة)؟، 3- أن يكون عارفاً بمسالك الطريق، 4- أن يكون قد تخرج على يد مرشد كامل في حلقة متصلة بسيد الكون محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). 5- أن يكون قد بلغ درجة البقاء بعد الفناء وتنور قلبه بحق اليقين، 6- أن يكون طبيب القلب خبراً بمداواة الأمراض المعنوية ويحس به مريدوه(28).

ولهذا يرد لديهم كذلك من "لا شيخ له فشيخه الشيطان"، ولكن الشيخ محي الدين أبن عربي أحد أكابر المتصوفة يرى ان السالك إلى الله نوعين سالك بنفسه (تجربته الخاصة) وسالك بغيره (الشيخ). ويجب على الشيخ الذي يعلم المناهج والرياضات الروحية أن يختبر المريد أولاً ليرى إذا ما كان عازماً وقادراً على تحمل الصعوبات التي تنتظره على الطريق، فأحياناً يتركه لعدة أيام منتظراً ببابه، وغالباً ما يعامله في البداية بقسوة، وفي العادة كان يطلب من المريد أن يعمل لمدة ثلاث سنوات قبل أن يقبل رسمياً في صحبة الشيخ، في السنة الأولى يعمل في خدمة الخلق، وفي الثانية يجتهد في عبادة الحق، وفي الثالثة يراقب قلبه ويرعاه(29).

وهذه العلاقة التي تجمع بين الشيخ والمريد تخضع لضوابط تنظيمية كثيرة وتشتمل على عدة جوانب، منها الجانب المكاني (المربوطية أو الخانقاه أو التكية أو الزاوية) التي تكون بمثابة جغرافياً المقدس (المرتكز الأول الذي يتلاشى فيما بعد كلياً ليغدو الكون جغرافيته) التي يعد فيها المريد إعداداً روحياً دقيقاً لكي ينطلق إلى جغرافيا العالم عبر السياحة الروحية أو ما يسميوه بالهجرة الخارجية بعد أن بدأ الهجرة الداخلية إلى الله تعالى، هذا من جهة ومن جهة أخرى فأن الضوابط التنظيمية الجديدة التي دخل فيها السالك تتمثل في السيطرة على الزمان وتنظيمه (العبادي/ الارتياضي)؛ فعبر التنظيم الديني الدقيق للمكان والزمان يمكن بعدئذ تحقيق مرامي وغايات الشيخ التي تتجاوز (الزمكان) الحسي/ الشعوري إلى (الزمكان) اللاحسي/ اللاشعوري الذي ينشأ في أواخر السحر ليغدو النهار والليل كله.

ولا ينتظم ذلك كله دون الدخول في رمزية العبودية لأربعين يوم كما أتفق على ذلك الكثير من المتصوفة والعرفاء، ولهذا الأمر ترابطية كبرى مع خلق آدم عندما خمر طينه أربعين عاماً ورحلة موسى (ع) أربعين يوماً،....، حتى نصل إلى حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "ما أخلص عبد لله أربعين صباحاً إلا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"(30). وعلى أية حال، فإن خاصية الأربعين في ظهور الفعلية وبروز القابلية والقوة وحصول الملكة أمر مصرح به في الآيات والأخبار، ومجرب لدى أهل الباطن والأسرار، وهو ما أخبر عنه في الحديث الشريف بأنه حصول آثار الخلوص، أي بنوع عين المعرفة والحكمة في هذه المرحلة(31).

أسرار العبودية/ من عالم الجسد إلى عالم الروح (رحلة الخلاص):

أن غاية المتصوف هو الخروج من تأثيرات المحيطيين الطبيعي والاجتماعي أي الخروج من كينونته العضوية بوصفه كائن عضوي ومن كينونته الاجتماعية بوصفه إنساناً له أبعاده الوجودية. وذلك لاعتقاده أن المعادلة الكونية التي بدأت بنزول آدم (أبو البشر) يجب أن تصبح بصعود آدم الصوفي- الجديد (أبو الحقائق)، وهذا الأمر لا يتم إلا عبر ركنين رئيسين هما: جعل التماهي مع المطلق هو الهم الأعلى، وجعل تلبية الحاجات العضوية الهم الأدنى، وبهذا يصبح تحرك الكينونة من عالم الجسد وتلبية متطلباته بأبسط الأشياء لأجل الوصول إلى عالم الروح عبر أبهض الأثمان أي عبر إخضاع جدلية النفس/ الجسد إلى جدلية الروح/ المطلق (الله تعالى).

هذه التحولات الكبرى في حياة الصوفي لا تتم إلا من خلال تصفية وتزكية للنفس وتريض يستهدف نسف الحواجز العلائقية التي تمنع الروح أو النفس من الالتحاق بعنصرها الإنشائي الأول، لذا تأتي التجربة الصوفية كنوع من أنواع الإشراق الروحي الهادف لاحتواء الحقيقة الكلية الجامعة(32).

وهذا الأمر لا يتم عبر اعتقادهم إلا من خلال ما أسموه كيمياء السعادة (التصوف)، على اعتبار أن الكيمياء تسعى إلى الوصول إلى التحولات العظيمة في المادة للوصول إلى العنصر الكلي الشمولي أو روح المواد الساري في الوجود (الإكسير) الذي بدوره يحول كل معدن إلى ذهب ويحول المرض إلى صحة ويوقف سريان السم ويطيل أمد الحياة...الخ، فأن كيمياء التصوف بنظرهم ستحول الإنسان من كائن أرضي إلى كائن سماوي أي من عالم النقص إلى عالم الكمال(33).

وبحسب أبيات أبن العربي:

من انتقاصي إلى كمالي

ومن سناي إلى جمالي

*

ومن شتاتي إلى اجتماعي

ومن خسيسي إلى نفيسي

*

من انحرافي إلى اعتدالي

ومن سنائي إلى جلالي

*

فمن صدودي إلى وصالي

فمن حجار إلى اللآلي

ولكن هذا الأمر لا يعني القطيعة الكاملة بين الإنسان وعالمه الأرضي، وذلك لأن العالم هو مدار التحرك والفاعلية والصيرورة لتلك الكينونة الصوفية، بعبارة أخرى أن الموازاة بين الإنسان والعالم تظل قائمة وأن كانت مرتبة الإنسان هي آخر مراتب الوجود، فالإنسان هو أرقى الموجودات وأعلاها من حيث أنه مجلى كل حقائق الوجود ومراتبه من جهة، وهو مجلى الحقيقة الإلهية من جهة أخرى. ولكن هذه الموازاة بينهما لا تنفي كون الإنسان جزءاً من العالم، فهو جزأ أصيل يمثل الروح بالنسبة للجسد، ذلك لأن وجود العالم قبل إيجاد الإنسان، مع الحذر دائماً من تصور وجود (قبلية)، أو بعدية، زمانية- لأنه وبحسب أبن العربي، كان: "وجود شبح لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة... فاقتضى الأمر جلاء تلك المرآة، فكان آدم جلاء تلك المرآة، وروح تلك الصورة"(34).

فالمشروع الصوفي في الوجود هو التحقق باطنياً بالإنسان الكبير (العالم) وكما في بيت الشعر المشهور:

وتحسب نفسك جرمٌ صغير

وفيك انطوى العالم الأكبر

أو هو عملية ارتفاع عن سلطة عالم المادة المعينة المحسوسة إلى عوالم المادة المجردة من حيث هي جملة أسرار (مكثفة) يلقاها الصوفي في الطريق، عروجاً إلى عالم السماء العلوية فعالم الروح المجردة من ملبوسات المادة والجسد والعلائق ككل، ففي تجربتهم تلك أسسوا لفلسفة الانفصال والاتصال بين عالم الخلق، وعالم الحق هذه الفلسفة التي أدركها متصوفة الإسلام، تنطلق من قانون طوي في باطنه حقيقة التجربة هذا القانون هو (أن هذه الثنائية تعبر عن حقيقة لا تدرك بشكل أحادي) فالاتصال هو اتصال بعد انفصال، كما أن الانفصال كان عن اتصال مسبق!(35).

فإنني عشقت غيري

فعين فصلي هو اتصالي

عن هذا الوصل والاتصال يقول النفري:

أوقفني في التقرير وقال لي تريدني او تريد الوقفة او تريد هيئة لوقفة، فأن اردتني كنت في الوقفة لا في ارادة الوقفة وان أردت لوقفة كنت في ارادتك لا في الوقفة وان أردت هيئة الوقفة عبدت نفسك وفاتتك الوقفة.

وقال لي الوقفة وصف من أوصاف الوقار، والوقار وصف من أوصاف البهاء، والبهاء وصف من أوصاف الغنى، والغنى، وصف من أوصاف الكبرياء والكبرياء وصف من اوصاف الصمود والصمود وصف من أوصاف العزة، والعزة وصف من أوصاف الوحدانية والوحدانية وصف من اوصاف الذاتية.

وقال لي الوقفة خروج الهم عن الحرف وعما ائتلف منه وانفرق.

وقال لي اذا خرجت عن الحرف خرجت عن الاسماء، واذا خرجت عن الاسماء خرجت عن المسميات، واذا خرجت عن كل المسميات خرجت عن كل مابدا، واذا خرجت عن كل مابدا قلت فسمعت ودعوت فأجبت .(36)

فرحلة الخلاص "salvation" تتبدى بوصفها العملية الرئيسة التي يقوم بها المتصوف لتخلص من ثقل مطاليبه العضوية (الجسدية) عبر تحجيمها، والتخلص من تبديات أو تموجاته النفسية عبر تهذيبها، وذلك لأجل إجراء عملية المعراج الروحي الذي لا يتم دون التخلص من المطاليب والأثقال العضوية والنفسية والاجتماعية، التي تحول دون الهم الأعلى- التماهي مع المطلق.

نحو آفاق الكونية أو الفراغ من الكون:

وكان الشيخ الاكبر اول من اعتمد هذا المفهوم في الحديث عن النفري لما وسمه (بالفارغ من الكون)، وسم دال، لأنه يهب الفراغ في هذه التجربة شسوعاً يطول الكون كله بهذا الشسوع ذاته، يتبدى الفراغ رهاناً على المستحيل، لأنه يروم الانفصال عن المحدود والانتساب الى المطلق.الفراغ من الكون، عند النفري تجربة تعال، فيها تختبر الذات أقصى ممكنها. تجربة وعرة، تقيم، بمسعاها الى توقيف التعلق بالخلق والى الاستغناء إلا عن المطلق، على تخوم المستحيل. في هذه التجربة، تتحدد الوقفة عن انها نار الكون كما يصرح هذا الصوفي الذي رأى الكون كله سوى، رأه ضيقا، لا يتسع بالاحكام الحاجبة، للرحابة التي ينشدها الفراغ .(37)

أن معراج الروح يحتاج دعائم أو قوائم يستند إليها الصوفي في رحلته تلك، ومن أهم تلك الدعائم هو عملية التواجد، أي بداية الحب الإلهي الذي بنظرهم بعدئذ سيؤدي إلى الوجد الحقيقي ثم يقود إلى الوجود. فالتواجد بداية والوجود نهاية والوجد واسطة بين البداية والنهاية. ولهذا يقول أحدهم: التواجد يوجب استيعاب العبد والوجد يوجب استغراق العبد والوجود يوجب استهلاك العبد، فهو كمن شهد البحر ثم ركب البحر ثم غرق في البحر. وترتيب هذا الأمر قصود ثم ورود ثم شهود ثم وجود ثم خمود بمقدار الوجود يحصل الخمود وصاحب الوجود له صحو ومحو فحال صحوه بقاؤه بالحق وحال محوه فناؤه بالحق(38).

وهنا أشاروا إلى الفناء إلى سقوط الأوصاف المذمومة وأشاروا بالبقاء إلى قيام الأوصاف المحمودة به. وبعبارة أخرى وعلى حد قولهم: فمن فنى عن جهله بقي بعلمه ومن فنى عن شهوته بقى بإنابته ومن فنى عن رغبته بقى بزهادته، ومن فنى عن منيته بقى بإرادته، وكذلك القول في جميع صفاته فإذا فنى العبد عن صفته بما جرى ذكره يرتقى عن ذلك بفنائه عن رؤية فنائه وإلى هذا أشار قائلهم:

فقوم تاه في أرض بقفر

فأفنوا ثم أفنوا ثم أفنوا

*

وقوم تاه في ميدان حبه

وأبقوا بالبقا من قرب ربه(39)

ولكن أن الحب مقدمته المعرفة مثلما الفناء مقدمته الحب، والمعرفة هي نتاج البعدين (الداخلي والخارجي) للإيمان الكينونة اللذين أشرنا إليهما سابقاً، فالمرء لا يحب حتى يعرف ماذا يحب ومن يحب ولماذا يحب؛ وهذا الأمر بالنسبة لصوفية لا يأتي إلا بعد عملية الجذب الإلهي المؤدي للقرب الإلهي والتي لا تتم إلا بعد سير الطريق أي المجاهدات الروحية وعمليات تهذيب النفس التي تستغرق ردحاً من الزمن.

وأحياناً ينظر للحب والمعرفة على إنهما مكملين لبعضهما، ومرة يكون الحب أعلى من المعرفة، وأخرى تكون المعرفة أعلى. ويرى الإمام أبو حامد الغزالي: "الحب بدون المعرفة مستحيل، فالمرء لا يحب إلا من يعرف"(40). لكن الشيخ شهاب الدين السهروردي يرى أن "المحبة من لوازم المعرفة، وأن كانت المعرفة قليلة. وكل معرفة توجب محبة وأن كانت المحبة قليلة. فإذا كملت النفس بها فذلك نور على نور. والمحبوب من يكون لنفسه فطنة وحدس قوي ينال دون تعب عظيم ما لا ينال غيره، والرجل لا يصير أهلاً إلا بالمعارف والمكاشفات العظيمة(41).

عن هذه المكاشفات العظيمة يقول النفري في مواقفه:

واوقفني في بيته المعمور فرأيته وملائكته ومن فيه يصلون ورأيته وحده ولا بيت مواصلاً في صلواته على الدوام ورأيتهم لا يواصلون.... يحيط بصلواتهم علماً ولا يحيطون....

وقال لي اخل بيتك من السوى واذكرني بما ايسر لك ترني في كل جزئية منه.

وقال لي أما تراه اذا ما عمرته بسواي ترى في كل جزئية منه خاطفاً كاد ان يخطفك.(42)

في هذا السير المضطرب/ المطمئن في رحلة العاشق إلى المعشوق تتجمع المقدمات والنتائج أي (البقاء/ الفناء والحب/ المعرفة) لكي تؤسس بناء روحياً متكاملاً يعرج بالمتصوف من عالم نقصه وخسيسه إلى عالم كماله ونفيسه، أنه عالم المطلق/ الواحد الذي ولد الكثرة والتعددية الكونية، التي تتلاشى في ظلالها كل المتناقضات والمفارقات الأرضية التي كابدها الإنسان لكي تتحول إلى مأتلفات ومتقاربات، وذلك عبر طهارة القلب (لا تسعني السماوات والأرض، ويسعني قلب عبدي المؤمن).

***

ا. د. جعفر نجم نصر

........................

المصادر والهوامش

(1) خالد بلقاسم، الصوفية والفراغ/ الكتابة عند النفري، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط2، 2018، ص27.

(2) عبد المنعم الحنفي، الموسوعة الصوفية، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط5، 2006، ص1278.

(3) خالد بلقاسم، المصدر نفسه، ص28.

(4) عبد الحق منصف، أبعاد التجربة الصوفية، أفريقيا الشرق، المغرب، ط1، 2007، ص221.

(5) محمد بن عبد الجبار النفري، المواقف والمخاطبات، تحقيق ارثر يوحنا اربري، مكتبة المتنبي، القاهرة، دون تاريخ، ص10.

(6) المصدر نفسه، ص11.

(7) المصدر نفسه، ص11.

(8) ونلاحظ على سبيل المثال أن اللغة اليونانية القديمة لم يكن فيها كلمة تقابل كلمة وجود العربية أو existence بالإنجليزية، فاليونانيون كانوا يستخدمون كلمة Toov بمعنى "being" أو كائن أو على الأصح كينونة، ولهذا أخطأ العرب بترجمة هذه الكلمة إلى الوجود والأصح أن تبقى كينونة. ينظر مقال: تطور مفهوم الوجود/ الكينونة في الفلسفة من اليونانيين وإلى العصر الحديث على الرابط:

www.tabee3i.com

(9) ينظر: أريك فروم، الإنسان بين الجوهر والمظهر، ت: سعد زهران، مراجعة وتقديم: لطفي فطيم، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ع (140)، 1980، ص44-45.

(10) ينظر: كريستوف فولف، علم الأناسة/ التاريخ والثقافة والفلسفة، ت: د. أبو يعرب المرزوقي، دار كلمة، أبو ظبي، الإمارات، ط1، 2009، ص65-66.

(11) المصدر السابق نفسه، ص66.

(12) المصدر السابق نفسه، ص66-67.

(13) المصدر السابق نفسه، ص67.

(14) المصدر السابق نفسه، ص68-69.

(15) بول تيلتيش، بواعث الإيمان، ت: سعيد الغانمي، منشورات الجمل، بغداد، ط1، 2007، ص7.

(16) المصدر السابق نفسه، ص10.

(17) ينظر: أريك فروم، المصدر السابق نفسه، ص63.

(18) ينظر: المصدر السابق نفسه، ص63-64.

(19) النفري، المصدر نفسه، ص 30.

(20) أبو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية في علم التصوف، دار التربية، بغداد، د.ت، ص72.

(21) ينظر كتاب: رسالة في السير والسلوك، للسيد مهدي بحر العلوم، تقديم وشرح: السيد محمد حسين الطهراني الحسيني، مطبعة ثامن الحجج، قم، 1424هـ.ق، ص49.

(22) آنا ماري شيمل، الابعاد الصوفية في الاسلام، ت: محمد اسماعيل، منشورات الجمل، بغداد، 2006، ص113-114.

(23) ينظر: دعاء الصباح للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في كتاب مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي، طبع المكتبة الحيدرية، د.ت، ص113.

(24) أبو القاسم القيشري، المصدر السابق نفسه، ص13.

(25) ينظر تفاصيل قصته تلك كتاب (مراقد المعارف) للشيخ محمد حرز الدين، المجلد الأول، مصدر سابق، ص191-194.

(26) النفري، المصدر السابق نفسه. ص 34

(27) ينظر ذلك في كتاب: الحب والفناء : لعلي حرب، منشورات الاختلاف (الجزائر)، والدار العربية للعلوم ناشرون (بيروت)، ط2، 2009، ص82-83.

(28) الشيخ أمين الشيخ علاء الدين النقشبندي، ما هو التصوف/ ما هي الطريقة النقشبندية، طبع الدار العربية، بغداد، د.ت، ص74-75.

(29) آنا ماري شيمل، المصدر السابق نفسه، ص116.

(30) الشيخ مهدي بحر العلوم، رسالة في السير والسلوك، مصدر سابق، ص21-26.

(31) المصدر السابق نفسه، ص37.

(32) شريف هزاع شريف، نقد/ تصوف، مصدر سابق، ص96-97.

(33) ينظر: المصدر السابق نفسه، ص94-95.

(34) ينظر: د. نصر حامد أبو زيد، هكذا تكلم أبن عربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط2، 2004، ص232.

(35) ينظر: شريف هزاع شريف، المصدر السابق نفسه، ص109-110.

(36) النفري، المصدر السابق نفسه، ص 37.

(37) خالد بلقاسم، المصدر السابق نفسه، ص 11.

(38) أبو القاسم القشيري، المصدر السابق نفسه، ص61-62.

(39) المصدر السابق نفسه، ص62.

(40) آنا ماري شيمل، المصدر السابق نفسه، ص149.

(41) شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي، نصوص إشراقية، تحقيق وتقديم: قاسم محمد عباس، ديوان المساء للترجمة والنشر، بغداد، ط1، 2006، ص92.

(42) النفري، المصدر السابق نفسه،ص 40.

دراسة استدلالية في ضوء الفقه الإسلامي المعاصر

شهد الفقه الإسلامي المعاصر حراكاً فكرياً واسعاً في إعادة دراسة قضايا المرأة، في ضوء تباين المناهج الأصولية وآليات الاستنباط التي يعتمدها الفقهاء في فهم النصوص الشرعية. ومن أبرز المسائل التي ما تزال محل نقاش واجتهاد مسألة أهلية المرأة لتولي المناصب الدينية والعامة، ولا سيما المرجعية الفقهية، والقضاء، ورئاسة الدولة.

وتبرز في هذه القضية مفارقة فقهية لافتة؛ إذ يكاد الفقهاء يتفقون على إمكان بلوغ المرأة مرتبة الاجتهاد المطلق، بما تمتلكه من أهلية علمية لاستنباط الأحكام الشرعية، إلا أن هذا الاتفاق لا ينعكس ـ في المشهور ـ على الإقرار بأهليتها للمرجعية العامة والتقليد، فضلاً عن القضاء والولاية العامة. ومن هنا تنشأ إشكالية البحث: هل يرجع هذا المنع إلى نصوص شرعية قطعية، أم إلى تداخل مفاهيمي وتراكمات فقهية وتاريخية أسهمت في توسيع دائرة المنع؟

يسعى هذا البحث إلى معالجة هذه الإشكالية معالجةً استدلالية، من خلال تحليل الأدلة، ومناقشة المباني الأصولية، والتمييز بين طبيعة الإفتاء والولاية، وصولاً إلى تقييم هذه المسائل في ضوء الاجتهاد الفقهي المعاصر.

المحور الأول

إفتاء المرأة ومرجعيتها الفقهية (دراسة استدلالية)

أولاً: أدلة القول بعدم اشتراط الذكورة في مرجع التقليد

يمكن تأسيس القول بجواز مرجعية المرأة وتقليدها على ثلاثة مسالك استدلالية رئيسة.

الدليل الأول: الأهلية التكوينية وحجية القطع

إن بلوغ المرأة مرتبة الاجتهاد المطلق أمر ممكن عقلاً وواقعاً، وقد شهد التاريخ الإسلامي بنساء بلغن مراتب عالية في العلم والفقه. فإذا استنبطت المرأة الحكم الشرعي حصل لها القطع أو الاطمئنان المعتبر، والقطع حجة ذاتية لا يمكن رفع حجيته تعبداً، وهو من المباني الأصولية المستقرة.

وعليه، تمتنع عليها شرعاً وعقلاً متابعة مجتهد آخر يخالف ما انتهت إليه، لأنها خرجت عن موضوع رجوع الجاهل إلى العالم، وأصبحت بنفسها من أهل الخبرة والاجتهاد.

الدليل الثاني: عمومات الأدلة وإطلاقاتها

يقوم هذا الدليل على ركيزتين:

أولاً: الإطلاقات اللفظية

استدل أصحاب هذا الاتجاه بعموم قوله تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

وقوله تعالى:

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ...﴾.

فقد علقت الآيات الرجوع على عنوان العلم والفقاهة، ولم تقيده بخصوص الذكورة.

ثانياً: السيرة العقلائية

استقرت سيرة العقلاء في جميع العلوم على رجوع غير المختص إلى المختص دون التفات إلى جنس الخبير، ولم يثبت صدور ردع خاص من الشارع عن هذه السيرة في باب الإفتاء، فتكون ممضاة شرعاً.

الدليل الثالث: الاستدلال بالسكوت التقريري

ذهب بعض الباحثين إلى الاستدلال بسكوت أئمة أهل البيت (ع) عن تصدي السيدة عائشة للإفتاء، مع اشتهار جواز إفتاء المرأة في الفقه السني، باعتبار أن الفقه الإمامي كان يتحرك ـ بحسب بعض المباني ـ بوصفه مصححاً أو ناقداً للفقه السائد.

إلا أن هذا الاستدلال يواجه مناقشتين:

الأولى: أن مسألة المرجعية العامة للمرأة لم تكن مطروحة بصورتها الحالية في القرون الأولى حتى ينعقد ظهور للسكوت.

والثانية: أن الردع قد يتحقق عبر تراكم النصوص والارتكازات المتشرعية، لا بمجرد وجود نص مانع صريح، وهو ما يجعل السكوت غير كافٍ لإثبات المشروعية.

وبعد استعراض هذه الأدلة يتبين أن محل النزاع لا يدور حول قدرة المرأة على الاجتهاد، وإنما حول طبيعة المرجعية وحدودها، وهل هي وظيفة علمية خالصة أم ولاية دينية ذات امتدادات تنفيذية.

ثانياً: تفكيك الاندماج التاريخي بين الإفتاء والولاية

يبدو أن أبرز أسباب الإشكال هو اندماج مفهوم الإفتاء عبر التاريخ بمفهوم الولاية العامة، حتى أصبحت المرجعية الفقهية تمثل مؤسسة تمارس الإفتاء والقضاء والإدارة والولاية المالية والاجتماعية في آن واحد.

غير أن الإفتاء في حقيقته ليس ولاية ولا سلطة تنفيذية، وإنما هو إخبار عن الحكم الشرعي، شأنه شأن رجوع المريض إلى الطبيب أو الطالب إلى الخبير في تخصصه.

وعلى هذا الأساس، ذهب عدد من الأعلام، ومنهم المحقق الإصفهاني، إلى ضرورة الفصل بين البحث في أهلية المرأة للإفتاء والبحث في أهليتها لسائر الولايات الشرعية، لأن لكل واحد منهما دليله الخاص.

المحور الثاني

تصدي المرأة لمنصب القضاء

لم يرد في القرآن الكريم نص صريح يمنع المرأة من القضاء، ولذلك وقع الخلاف بين الفقهاء، وإن اشترط جمهورهم الذكورة اعتماداً على مجموعة من الأدلة.

أولاً: الأدلة الروائية

استند الجمهور إلى عدة روايات، من أبرزها:

حديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، وألحقوا القضاء بالولاية العامة.

رواية حماد بن عمرو المتضمنة النهي عن تولي المرأة القضاء.

رواية جابر عن الإمام الباقر (ع): «ولا تولى المرأة القضاء ولا الإمارة».

ثانياً: الاستدلال بالقرائن القرآنية

استدل بعض الفقهاء بآية القوامة، معتبرين أن ثبوت القوامة في الأسرة يقتضي ـ بالأولوية ـ ثبوتها في القضاء.

كما استدلوا بآية الشهادة، ورأوا أن اختلاف نظام الشهادة بين الرجل والمرأة ينعكس على منصب القضاء.

مراجعة نقدية معاصرة

يقتضي التحقيق الفقهي المعاصر الفصل بين القضاء القديم والقضاء الحديث.

فالقضاء في الدولة الحديثة لم يعد عملاً فردياً قائماً على الاجتهاد الشخصي، بل أصبح مؤسسة قانونية تخضع لدرجات متعددة من الرقابة والاستئناف والتمييز، وتعتمد على هيئات قضائية وإجراءات مكتوبة، الأمر الذي يضعف كثيراً من المبررات التي استند إليها الفقه التقليدي في اشتراط الذكورة.

ومن ثم فإن الخلاف لم يعد متعلقاً بالأهلية العلمية أو القانونية، وإنما بمدى استمرار موضوع الأدلة بعد تغير طبيعة النظام القضائي.

المحور الثالث

التكييف الفقهي لمنصب رئاسة الدولة والولايات العامة

اتفق جمهور الفقهاء على منع المرأة من تولي الولاية الكبرى، مستندين إلى حديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، وإلى الارتكاز الفقهي المتوارث الذي لم يعرف تولي امرأة قيادة الدولة الإسلامية.

القراءة الفقهية المعاصرة

يرى عدد من الفقهاء المعاصرين أن كثيراً من أدلة المنع ليست قطعية الدلالة، وأنها تأثرت بالواقع الاجتماعي والسياسي الذي تشكلت فيه.

ويؤكد هؤلاء ضرورة التمييز بين الفتوى بوصفها إخباراً عن الحكم الشرعي، وبين القضاء والولاية بوصفهما سلطتين تنفيذيتين، لكل منهما أدلته وشروطه.

كما يرون أن جانباً من المنع ارتبط بالقوالب الاجتماعية التي كانت تنظر إلى خروج المرأة للقيادة على أنه منافٍ لوظيفتها الاجتماعية، وهو أمر قد لا يبقى موضوعه قائماً مع تغير الظروف.

المقاربة التحليلية من منظور علم اجتماع المعرفة

يفيد توظيف أدوات علم اجتماع المعرفة في الكشف عن أثر البيئة التاريخية في توجيه الفهم الفقهي.

فقد تشكل جانب مهم من التراث الفقهي في ظل أنظمة سياسية قبلية وإمبراطورية اعتمدت على القوة العسكرية والسلطة الفردية، وهو ما أسهم في ترسيخ تصور ذكوري للولاية العامة بوصفها امتداداً للقيادة العسكرية والسياسية.

ولا يعني ذلك نفي حجية النصوص، وإنما يدعو إلى التمييز بين النص الثابت، وبين الفهم التاريخي الذي تأثر بظروف إنتاجه، بما يفتح المجال لإعادة النظر في بعض التطبيقات الاجتهادية في ضوء تغير بنية الدولة الحديثة.

خلصت هذه الدراسة إلى عدد من النتائج الرئيسة، أبرزها:

إن الاجتهاد ملكة علمية لا تختص بالرجال، بل يمكن للمرأة بلوغها تكويناً وتشريعاً، فإذا استنبطت الحكم الشرعي كان قطعها حجة عليها وفق المباني الأصولية المستقرة.

إن الإشكال في مرجعية المرأة لا يرجع إلى قصور في الأهلية العلمية، وإنما إلى اندماج مفهوم الإفتاء تاريخياً بمفهوم الولاية العامة، وهو اندماج يمكن إعادة النظر فيه بعد التمييز بين الوظيفة العلمية والسلطة التنفيذية.

إن أكثر أدلة منع المرأة من القضاء تعتمد على روايات خاصة، أو على قرائن اجتهادية، أو على ارتكازات متشرعية، وهي جميعها قابلة للدراسة والنقد من حيث السند والدلالة وتحقيق المناط.

إن تطور النظم القضائية الحديثة، القائمة على المؤسسية وتعدد درجات التقاضي، يفرض إعادة تقييم كثير من المبررات التي بُني عليها اشتراط الذكورة في القضاء.

أما رئاسة الدولة، فهي تبقى أكثر الولايات إثارةً للخلاف؛ لارتباطها بالنصوص الروائية، والارتكاز الفقهي التاريخي، وطبيعة مفهوم الولاية في التراث الإسلامي، مما يجعل إعادة قراءتها بحاجة إلى دراسات أوسع تجمع بين التحقيق الفقهي والتحليل التاريخي والسوسيولوجي.

وتؤكد هذه النتائج أن عدداً من الأحكام المتعلقة بالولايات العامة قد تأثر، بدرجات متفاوتة، بالسياقات السياسية والاجتماعية التي تشكل فيها الفقه التاريخي، وهو ما يبرر استمرار البحث الاجتهادي في ضوء تغير البنى المؤسسية للدولة الحديثة، مع الالتزام بالضوابط الأصولية في الاستنباط.

***

بقلم الباحث الأكاديمي: أسعد الجوراني

أولاً - مختصر الدراسة: لا تهدف هذه الدراسة إلى نقد الأصول الفكريّة للخطاب السني السلفي، وهذا ما سنقوم به في دراسات لا حقة، ولكن ما يهمنا هنا هو عرض أهم هذه الأصول وكيف تتجلى في الفكر والممارسة عند القوى السلفيّة، ويأتي في مقدمة هذه الأصول مسألة التوحيد، التي يجدون فيها بأن كل شيء مخلوق لله، وهو متفرد في وجوده ولا شيء يشبهه في هذا الكون. ثم تأتي المسألة القضاء والقدر، فالإنسان عندهم قد فقد إرادته وقدرته على تحقيق مصيره، فكل شيء يقوم به لا شأن له فيه، وهو مقدر له ومسجل في لوح محفوظ. وفي المسألة الاتباع، يعتبرون الرسول مُبلغ عن ربه، وأنه قد جاء بوحيين: القرآن والسنة. وأن محمدا لا يأمر ولا ينهي ولا يُحل ولا يُحرم من قبل نفسه، والطاعة المطلقة لا تدانيها منزلة لأحد من البشر، فهي للرسول وحده، ولذلك فلا يُقبل قول أحد كائنا من كان يخالف قول الرسول ويتعداه. أما رأيهم في قضية كثرة الاستدلال بالكـتـاب والسنة. فالمقصود منها بأن مسائل الدين، في أصولها وفروعها، تؤخذ من خطاب الشارع عز وجل، فالحلال والحرام وأمور الاعتقاد وغيرها إنما تعرف عن طريق الوحي. والوحي يجسد في القرآن والحديث. وفي قضية تقديم النقل علي العقل فالمقصود بالنقل، هو اعتبار كل ما جاء في القرآن والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة في القرون الهجريّة الثلاثة الأولى ومن اتبعهم إلى يوم الدين، هي المرجع الأول والأخير في الشرع. وعلى علماء الإسلام أن يُعملوا العقول في فهم النصوص وفي دراستها وفي الاستنباط منها، لا أن تكون العقول هي مصدر الاستدلال الأول، ولا أن تكون هي المتحكم في النصوص الصحيحة الصريحة. أما التزكية فهي عندهم، إحدى المهمات التي من أجلها بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هي غاية الرسالات وثمرتها‏.‏ والتزكية هي طهارة النفس من آفاتها وتنميتها وتربيتها بالعمل الصالح، وبأعمال القلوب والجوارح، وهي الشيء الذي قال عنه الله عز وجل "قد افلح من زكاها وخاب من دساها".

ثانياً - التوحيد:

السلفيون، أي " أهل السنة والجماعة"، يؤمنون بوحدانية الله، وهو رب هذا الكون وخالقه. وبأن لله أسماء وصفات أثبتها لنفسه في القرآن وفي سنة نبيه، وهم بذلك يثبتون لله كل ما أثبته لنفسه في القرآن والسنة الصحيحة من الأسماء والصفات. كما يوجبون الإيمان بها مجتنبين التشبيه، معتقدين أن الله لا يشبه شيئاً في صفاته صفات الخلق، ولا ذاته كذلك، كما ورد في القرآن: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). "سورة الشورى" (الآية- 11).

كما يعتقدون أن الله وحده فقط هو المستحق للعبادة، ولا تصرف العبادة إلا له، ويُحبون على العباد أن يتخذوا الله محبوباً ومعبوداً ويفردونه بالحب والخوف والرجاء والتوبة والنذر والطاعة والطلب والتوكل.

إن طبيعة التوحد وفق تصورهم ترى أن الأمور كلها من الله ، وهذه رؤية تلغي النظر إلى الأسباب والوسائط. فهم كما أشرنا لا يرون الخير والشر إلا منه. وإن صُرف أي شيء من العبادة لغيره أو اتخذ من الخلق أنداداً ووسائط بينهم وبينه فهو شرك بالله. (1).

هكذا نرى أن عقيدة التوحيد لا تقف عند حدود الإيمان واليقين بالله فحسب، بل تمتد لتطبع الفكر الإسلامي بالنظر والتأمل والإدراك والوعي بهذا الإيمان واليقين بالله.

ثالثاً - القضاء والقدر:

إن مسألة القضاء والقدر من المسائل الإشكاليّة في تاريخ الخطاب السلفي، فمعظم الصراع السياسي والعقدي كانت مرجعياته الأساسيّة التبريريّة هي قضية القضاء والقدر.

إن القضاء هو الأمر الرباني المباشر النافذ حتمًا، وهو أيضا السنن الكونيّة التي خلقها الله، أي السبب والنتيجة الحتميّة لكل ما يجري بالكون دون استثناء. ومن السنن الكونيّة تتكون شبكة عظيمة محكمة من الأنظمة التلقائيّة التي تُسير هذا الكون بمشيئة الله. فالله سبحانه وتعالى هو من أوجد الكون وخلق ما فيه وما سيخلقه، وهو من يسيره بمشيئته أو بقضائه، بقوله وأمره إن أراد شيئاً قال كن فيكون، وبالسنن الكونية أو النظم التلقائية التي خلقها. ولا يقع شيء في هذا الكون إلا بإذنه ومشيئته، فهو القاهر فوق مخلوقاته.(2).

أما القدر فإنه العلم الرباني المطلق الذي لا يقيده قيد الزمان أو المكان أو الحواس المحدودة، وكل شيء بالنسبة لهذا العلم المطلق حاضر من حيث الزمان أو المكان والإحاطة التامة به. وقد أمر الله القلم بأن يسجل ما كان وما سـيكون من هذا العلم المطلق في اللوح المحفوظ. فلا يقع شيء إلا كما تم تسجيله تسجيل وصف، لا تسجيل حكم. أي هو مسجل ينتظر القضاء أو الحكم للتنفيذ. ولكن لا أحد سوى الله سبحانه وتعالى يعرف ما هو مكتوب.(3)

وبهذا يتضح أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يتعارض مع الإيمان بأن الجن والإنس كما يقول بعض مشايخ السلفيّة وأئمتها، مسؤولون عن الطريقة التي يُسخرون بها ما أنعم الله به عليهم من نعم لا تُعـد ولا تحصى. وترتكز هذه المسؤوليّة وهذا التكليف بشكل أساس على نعمة العقل، والهداية، وحرية الاختيار بين الأسباب ذات النتائج الحتميّة أو ما نسميه بالسنن الكونيّة. ولكن يلاحظ أن هذه الحرية التي أنعم الله بها على المخلوق المكلف ليست مطلقة. فهي مقيدة بمشيئة الخالق المهيمنة عليها هيمنة مطلقة. فالله هو الذي خلـق الجن والإنس وجميع المخلوقات وهو الذي منحها النعم التي تستمتع بها وتستثمرها للحصول على السعادة في الدنيا والآخرة، ولاسيما في الآخرة. وهو سبحانه وتعالى قادر على تجريد المخلوقات المكلفة منها متى شاء. وهو الذي خلق الأشياء التي يُختار منها، ولا يختار إلا بإذنه تعالى.

يؤمن السلفيونً إذاً بالجبر على خيره وشره، وللجبر عندهم مراتبه وهي:

آ- العلم: هم يؤمنون أن علم الله أزلي أحاط بكل شيء، بما كان وسيكون ومالم يكن.

ب- الكتابة: وهي عندهم التكليف الأول للقلم من قبل الله عز وجل ليكتب مقادير وحظوظ الخلائق ووضعها في اللوح المحفوظ حتى قيام الساعة.

ت- المشيئة: يؤمنون أن مشيئة الله نافذة فما شاء كان وما لم يشئ لم يكن. ولا يحدث شيء صغيراً كان آم كبيراً إلا بمشيئته... وهم يفرقون بين المشيئة "الكونيّة"، والمشيئة "الشرعيّة"، فما أراده الله كوناً خلقه خيراً كان أو شراً. وما أراده شرعاً، فهو أمر يدعو الله عباده إليه فعلوه أم لم يفعلوه.

ث- الخلق: منهم من قال: ما أراده الله خلقه في أجل معلوم. ومنهم من قال: إن الفرق بين القضاء والقدر هو الخلق، فإذا علم الله أمراً فكتبه وجرت به مشيئته، فذلك هو القدر، وعندما تتحقق مسألة الخلق لهذا الأمر، فذاك هو القضاء.(4). ومنهم من قال وهم الأشاعرة: إن الله وحده هو من حدد قضاء وقدر الإنسان وكل ما هو موجود بشكل مسبق لا مناص عنه، وبالتالي فإن أفعال العباد مخلوقة لله وليس للإنسان فيها غير اكتسابها. أي إن الله هو من حدد مسألة قدرة الإنسان على ممارسة أفعاله التي أحدثها عند الإنسان، وما الإنسان إلا مكتسب للفعل الذي أحدثه الله على يديي الإنسان. وهذه هي نظرية (الكسب) عند الشاعرة.

رابعاً - الإتباع:

يأتي الاتباع عند السلفيّة بالأمور التالية:

1- بأن الرسول مُبلغ عن ربه، وأنه قد جاء بوحيين: القرآن والسنة. وأن محمدا لا يأمر ولا ينهي ولا يُحل ولا يُحرم من قبل نفسه. ويدخل في أقوال الرسول جميع أحكام التكاليف من واجب ومندوب وحرام ومكروه ومباح. وأن الدين هو المنهج والطريق والصيغة العامة لسير البشرية وليس التقرب فحسب، والرسول هو المشرع بأمر الله، في جميع شؤون الحياة، وهو المعصوم عن الخطأ أو الذنب. (5).

2- الطاعة المطلقة لا تدانيها منزلة لأحد من البشر، وهي للرسول، ولذلك فلا يُقبل قول أحد كائنا من كان يخالف قول الرسول ويتعداه ، ومن قدم قولا لأحد على قول الرسول فقد أساء وتعدى وظلم، وخالف الإجماع.ولا تكتمل هذه المتابعة إلا بكمال الحب له. ومما يُؤسف له في أوساط المسلمين، أنه قد ضعفت المتابعة، وخبا ذلك الحب لرسول الله، حيث راحت تظهر جملة من الأمراض الفقهيّة التي تسيء لإطلاقية الإتباع ومنها:

أ)- القول بتجاوز التقليد المطلق.

بـ)- الإفتاء بغير علم ولا دليل، في أمور الشريعة وفي أمور الاعتقاد والغيبيات.

ج)- عرقلة طريق دراسة القرآن والسنة.

د) إيقاف العمل بالشريعة في كثير من النواحي.(6).

ملاك القول في هذا الاتجاه: إن رؤية السلفيّة في أحكام الشريعة الإسلاميّة تتجسد في التالي: ضرورة وجوب إفراد الله بالحكم والتشريع، وان أحكام الشريعة الإسلاميّة الواردة في الكتاب والسنة واجبة التطبيق في كل زمان ومكان حسب فهمهم لها. وأن من أشرك أحداً من خلقه سواء كان حاكماً أو زعيماً أو ذا سلطان أو مجلساً تشريعيّاً أو أي شكل من إشكال السلطة المدنيّة فقد أشرك بالله. بيد أنهم يفرقون بين من كان الأصل عنده هو تحكيم الشريعة ثم حاد عنها لهوى أو غرض دنيوي، وبين من أنكر أصلاً وجوب الاحتكام إلى أحكام الشريعة الإسلاميّة ومال إلى غيرها من الأحكام الوضعية قوميّة كانت أو ليبراليّة أو يساريّة.

خامساً - كثرة الاستدلال بالكـتـاب والسنة

ما هو المقصود بكثرة الاستدلال بالكتاب والسنة عند السلفية؟. تقول السلفيّة بأن مسائل الدين، في أصولها وفروعها، تؤخذ من خطاب الشارع عز وجل، فالحلال والحرام وأمور الاعتقاد وغيرها إنما تعرف عن طريق الوحي، لذا كان استنباط الأحكام من القرآن والسنة، وكذلك الاستدلال على تلك الأحكام من القرآن والسنة أيضاً وفقاً لأمر الشرع ذاته، متكئين في زعمهم هذا على الكثير من الآيات القرآنية كالآيات التالية: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلي الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر). النساء(59). و(إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون). النور(51). و(وإذا قيل لهم تعالوا إلي ما أنزل الله وإلي الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا). النساء). (61). وغير ذلك من آيات الكتاب الحكيم التي تشير إلى هذه الدلالات.

أما شواهدهم من السنة النبوية على هذه المسألة، فقد اتكأوا على جملة من الأحاديث منها: (ألا إني أوتيتُ الكتاب ومثله معه...).رواه أحمد وأبو داوود وصححه الألباني. و(من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد). رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من هذه الأحاديث التي تصب في هذا الاتجاه أيضاً.

إن هذا الموقف العقدي من النص المقدس، يدفع السلفيين إلى الرجوع بشكل دائم ومستمر للنص الديني المقدس بحثاً عن ضالتهم لحل ما يطرحه عليهم التطور الاجتماعي عبر التاريخ وشرعنته، أي منحه الشرعيّة، من مسائل مستجدة تلح على فقهاء السلفيّة إيجاد حلول لها. (7).

هذا وقد دفعهم إيمانهم المطلق بصلاحية النص المقدس لكل زمان ومكان، أن يتمسكوا منهجياً بما أنزل الله وما قال به الرسول وإلى تبرير كثرة الاستدلال بالآيات والأحاديث انطلاقاً من قناعتهم بأن الوحي فيه النور والشفاء والهدى كما قال الله عز وجل: (يا ايها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدي ورحمة للمؤمنيين). يونس الآية (57). وقال الله أيضاً: (قد جاؤكم من الله نور وكتاب مبين). المائدة الآية (15). بل إن بعض مشايخ السلفية قال: إن لذكر الآيات والأحاديث معجزة تأثيرية.(8).

سادساً - تقديم النقل علي العقل:

إن المقصود بالنقل، هو اعتبار كل ما جاء في القرآن والسنة وما أجمع عليه سلف الأمّة المرجع الأول والأخير في الشرع. وعلى علماء الإسلام أن يُعملوا العقول في فهم النصوص وفي دراستها وفي الاستنباط منها، لا أن تكون العقول هي مصدر الاستدلال الأول، ولا أن تكون هي المتحكم في النصوص الصحيحة الصريحة. فكما أن القرآن والسنة والإجماع هي المصادر الأصليّة في التلقي، فإن العقل السليم والفطرة السليمة هي المصادر الفرعيّة التي يجب أن تسخر لفهم الدين. أي في تدبر القرآن والتفكر في آيات الله كما أمرنا الله، لا يتخطاها ولا يتعداها، وهنا يكون العقل تابعاً للشرع، ممتثلا لأوامره، ومجتنبا لنهيه، لا يعترض علي النص ولا يرده لهواه ولا يتوقف حتى يعلم الحكمة، فإن أحكم الحاكمين هو الذي أمر أو نهي، وأحكم الخلق أجمعين هو الذي بلغ.

أما ما أثاره بعض المتكلمين والفلاسفة من أن النصوص تخالف العقول وقدموا العقل علي النقل، لأن العقل عندهم أثبت من النقل الصحيح، فرد علماء الدين وفقهاء السلفية عليهم بقولهم: إن النصوص المقدسة في الأساس ثابته وصحيحة بالمطلق، ولذلك لا يمكن أن يحدث في الحقيقة تعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح. (9). فإذا ورد ما يوهم هذا التعارض فهو أحد هذه الأمور:

1- أن يكون النقل صحيحا صريحا، فما بزعمه بعض الفقهاء أو المتكلمين من أن الدليل العقلي يعارضه، فهذا راجع لفساد هذا العقل، أو لتدخله فيما لا مجال له فيه من الأمور الغيبيّة، التي يكون الواجب فيها التسليم والانقياد.

2- أن يكون النقل غير صحيح، فهو لا يصلح للمعارضة ولا يُحتج به.

3- أن يكون النقل صحيحا غير صريح، وهذا في ظواهر الأمور الفرعيّة التي يُسوغ الاختلاف فيها بين أهل العلم، والتي عند النظر فيها يزول الإشكال. فالشرع قد يأتي بأمور تحتار العقول البشرية في إدراكها والإحاطة بها، لأنه لم يحدث أنها جاءت في أية حالة من الحالات التي نظر فيها الشرع من قبل، مثال: وجود الملائكة وصفاتها ووظائفها وأعمالها... الخ، فهذا تحتار العقول في الإحاطة بها ومعرفة حقيقتها، وهي أمور حقيقيّة ومعقولة كونها وردت في النص. لذلك هم يقولون لو كان الدين بالعقل لكان أول من يتبع عقله هو النبي محمد (ص)، وهو أعقل العقلاء عند كل أهل الملّة الإسلاميّة، ومع ذلك قال له تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم.) الشورى 52. (10).

أما أبو حامد الغزالي فيقول عن أهمية دور العقل أمام النقل: إن النقل لا يكذب برهان العقل أصلا فإن العقل لا يكذب، ولو كـذب العقل فلعله كـذب في إثبات الشرع، إذ به عرفنا الشرع، فكيف يُعرف صدق الشاهـد بتزكية المزكي الكاذب؟ والشرع شاهـد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع.

وإذا لم يكــن بد من تصديق العقل، لا يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن الله ونفي الصورة. (11).

سابعاً -التزكية:

التزكية في الفكر السلفي هي إحدى المهمات التي من أجلها بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هي غاية الرسالات وثمرتها‏.‏

قال تعالى ممتناً ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ظلال مبين.). (سورة الجمعة- الآية -2)

والتزكية هي طهارة النفس من آفاتها وتنميتها وتربيتها بالعمل الصالح، وبأعمال القلوب والجوارح، وهي الشيء الذي قال عنه الله عز وجل "قد افلح من زكاها وخاب من دساها".   فالفلاح كل الفلاح لمن زكى نفسه وتعلم العلم وعمل به ودعا غيره لتعلمه والعمل به، ثم صبر على ما يلاقيه في طريق الدعوة إلى الله. وهذا ما دعانا إليه الرسول الكريم أيضاً كما تقول السلفية. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): (أول من تسعر بهم النار يوم القيامة عالم مجاهد ومنافق. أما العالم فيسأله الله يوم القيامة عن علمه فيقول: يارب تعلمت العلم وعلمته للناس في سبيلك ، فيقول له الله عز وجل الله: كذبت، تعلمت ليقال انك عالم، وقد قيل، فيأمر الله فيأخذ إلى النار.).

والعبادات كلها - مالية أو بدنية- ما هي إلا عمليات تزكية؛ لأنها تربط القلب بالخالق سبحانه وتعالى، وتذكره به، وبذلك تحصل التقوى للقلب، ومن اتقى وخاف ربه ابتعد عن المحرمات، والمحرمات قاذورات، وفعل الخير طيبة وإحسان وبر وعدل‏.‏ ولذلك كانت الصلاة على رأس هذه الأعمال؛ لأنها من أنجع الوسائل للوصول إلى هذه التزكية، فتكرارها في اليوم والليلة، وذكر الله فيها، وحركاتها تصل القلب حقيقة بالله‏.‏(12)

ثامناً- الخاتمة:

هكذا يتبين لنا من خلال عرضنا لأهم الأصول الفكريّة في الخطاب السلفي السني، أنها أصول تشتغل على قضايا عقديّة مفارقة للواقع، وإن كانت تخاطب الإنسان، إلا أنها لا تريد له أن يفكر ويعمل خارج هذه الأصول، وبالتالي هي تسلبه عقله وحريّة إرادته وخلافته على هذه الأرض.

***

د. عدنان عويّد:

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

.......................

الهوامش:

1- 14- راجع في هذا الموضوع - الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ما هو تعريف التوحيد وما هي أنواعه؟- موقع طريق الإسلام). ويراجع أيضاً 0 السلفية قواعد وأصول - د.أحمد رشوان - موقع: الإسلاميون.- 11/3/2014.

2- راجع في هذه المسألة: "رسالة في القضاء والقدر". موقع داء الإيمان.

3- رسالة في القضاء والقدر".  المرجع نفسه.

4- رسالة في القضاء والقدر".  المرجع نفسه

5- يراجع في مسألة الإتباع – قراءة في كتاب " السلفية قواعد وأصول" للشيخ احمد فريد- شبكة أنا مسلم للحوار الإسلامي. ويراجع أيضاً: السلفية قواعد وأصول - د.أحمد رشوان - موقع: الإسلاميون.- 11/3/2014.

6- المرجع نفسه.

7- يراجع في هذا الاتجاه – مقال: القرآن والسنة مصدر التلقي عند أهل السنة- عن موقع – إسلام ويب – صوتيات.

8- يراجع - السلفية قواعد وأصول - د.أحمد رشوان - موقع: الإسلاميون.- 11/3/2014.

9- في العلوم الشرعيّة والفلسفيّة الإسلاميّة، القاعدة الأساسيّة هي أنه (لا يوجد تعارض بين "النقل الصحيح" (الوحي الثابت كالقرآن وصحيح السنة) و"العقل الصريح" (البداهة والفطرة السليمة).

10- السلطة في السياسة- عبد الجواد ياسين- مصدر سابق- ص 248.

11- ابن سعد في الطبقات. عن السلطة في الإسلام مصدر سابق. ص 240.

12- يراجع في معرفة المزيد عن مسألة التزكية: كتاب الأصول العلمية للدعوة السلفية- عبد الرحمن عبد الخالق - موقع ندوة الإيمان

تقييم للمساهمات العربية ودورها في تعزيز حقوق الإنسان

- منذ إنشائه عام 2006 ليحل محل لجنة حقوق الإنسان، شكل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة منارة أمل للمجتمع الدولي في تعزيز وحماية حقوق الإنسان على مستوى العالم. بصفته الهيئة الحكومية الدولية الرئيسية المسؤولة عن ذلك، يقع على عاتق المجلس مسؤولية معالجة انتهاكات حقوق الإنسان ومناقشة القضايا المواضيعية الهامة، وتقديم توصيات للدول الأعضاء. وبعد ما يقرب من عقدين من تأسيسه، تبرز الحاجة إلى تقييم شامل لدوره وفعاليته، ولا سيما فيما يتعلق بمساهمات الدول العربية فيه.

- إن المنطقة العربية، التي شهدت تحولات سياسية واجتماعية عميقة خلال هذه الفترة، كانت ولا تزال فاعلاً رئيسياً في عمل المجلس، سواء من خلال عضويتها المتكررة، أو مشاركتها في صياغة القرارات، أو تفاعلها مع آلياته المتنوعة. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تحليل معمق للمساهمات العربية في مجلس حقوق الإنسان منذ عام 2006 وحتى اليوم، وذلك بتقييم جوانب العضوية، والمشاركة في المناقشات وصياغة القرارات، والتعاون مع آليات المجلس، وصولاً إلى استخلاص رؤى حول فعالية هذه المساهمات وتأثيرها على تعزيز حقوق الإنسان في المنطقة والعالم.

1. الفصل الأول: الإطار المفاهيمي والتاريخي لمجلس حقوق الإنسان

- يشكل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة حجر الزاوية في الهيكل الدولي لحماية وتعزيز حقوق الإنسان. إن فهم دوره يستلزم الغوص في سياقه التاريخي، ودوافعه التأسيسية، وهيكله التنظيمي، وآلياته المعقدة التي طُوِّرت على مدار ما يقرب من عقدين من الزمن. يهدف هذا الفصل إلى تقديم إطار نظري شامل يمهد الطريق لتحليل أعمق للمساهمات العربية في هذا المحفل الدولي الهام.

1.1. نشأة وتطور مجلس حقوق الإنسان: من اللجنة إلى المجلس

- شهدت الجهود الدولية لحماية حقوق الإنسان تطوراً ملحوظاً منذ اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948. وكانت لجنة حقوق الإنسان، التي تأسست عام 1946 كجهاز فرعي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، أول هيئة دولية رئيسية تُعنى بهذا الشأن. وعلى مدى عقود، قامت اللجنة بدور ريادي في وضع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وصياغة عدد من الاتفاقيات والبروتوكولات الهامة. ومع ذلك، وبحلول نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، واجهت اللجنة انتقادات متزايدة بسبب "تسييسها" المفرط، وتطبيق معايير مزدوجة، والتركيز الانتقائي على دول معينة، مما أدى إلى فقدان مصداقيتها وفعاليتها في التعامل مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

- استجابة لهذه الانتقادات، دعا الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، كوفي عنان، في عام 2005 إلى استبدال اللجنة بهيئة جديدة تتمتع بمكانة أكبر وفعالية أعلى. وفي 15 مارس 2006، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 60/251 الذي قضى بإنشاء مجلس حقوق الإنسان، كجهاز فرعي تابع مباشرة للجمعية العامة، مما منحه مكانة أرفع وسلطة أكبر. كان الهدف الرئيسي من هذا التغيير هو تجاوز عيوب اللجنة السابقة، وتعزيز الحوار والتعاون، وضمان الموضوعية وعدم الانتقائية في معالجة قضايا حقوق الإنسان.

1.2. الاختصاصات والمهام الرئيسية للمجلس

- أُنيط بمجلس حقوق الإنسان مجموعة واسعة من الاختصاصات والمهام التي تهدف إلى تحقيق ولايته الأساسية في تعزيز وحماية حقوق الإنسان حول العالم كما حددها قرار الإنشاء آنف الذكر:

‌أ) النـهوض بـالتثقيف والـتعلم في مجـال حقـوق الإنـسان، فـضلا عـن الخـدمات الاستـشارية والمـساعدة التقنيـة وبنـاء القـدرات، علـى أن يجـرى توفيرهـا بالتـشاور مـع الـدول الأعضاء المعنية وبموافقتها؛

‌ب) الاضـطلاع بـدور منتـدى للحـوار بـشأن القـضايا المواضـيعية المتعلقـة بجميـع حقوق الإنسان؛

‌ج) تقديم توصيات إلى الجمعية العامـة تهدف إلى مواصـلة تطـوير القـانون الـدولي في مجال حقوق الإنسان؛

‌د) تشجيع الـدول الأعـضاء علـى أن تنفـذ بالكامـل الالتزامـات الـتي تعهـدت هبـا في مجال حقوق الإنسان، ومتابعة الأهداف والالتزامات المتصلة بتعزيز وحماية حقـوق الإنـسان المنبثقة عن المؤتمرات ومؤتمرات القمة التي عقدتها الأمم المتحدة؛

‌ه) إجراء استعراض دوري شـامل يـستند إلى معلومـات موضـوعية وموثـوق هبـا، لمـدى وفـاء كـل دولـة بالتزاماتها وتعهداتها في مجـال حقـوق الإنـسان علـى نحـو يكفـل شموليـة التطبيـق والمـساواة في المعاملـة بـين جميـع الـدول؛ ويتخـذ هـذا الاسـتعراض شـكل آليـة تعـاون تستند إلى حوار تفاعلي يشترك فيه البلد المعني اشتراكا كاملا، مـع مراعـاة احتياجاتـه في مجـال بناء القدرات؛ وتكمل هذه الآلية عمل الهيئـات الم نـشأة بموجـب معاهـدات ولا تكـرر عملـها؛ وسيضع المجلس طرائق عمل آليـة الاسـتعراض الـدوري الـشامل ومـا يلزمهـا مـن اعتمـادات في غضون عام واحد من انعقاد دورته الأولى؛

‌و) الإسـهام، مـن خـلال الحـوار والتعـاون، في منـع حـدوث انتـهاكات لحقـوق الإنسان والاستجابة فورا في الحالات الطارئة المتعلقة بحقوق الإنسان؛

‌ز) الاضــطلاع بــدور ومــسؤوليات لجنــة حقــوق الإنــسان في مــا يتــصل بعمــل المفوضية لحقــوق الإنــسان، علــى نحــو مــا قررتــه الجمعيــة العامــة في قرارهــا ١٤١/٤٨ المؤرخ ٢٠ كانون / الأول ديسمبر ١٩٩٣؛

‌ح) العمــل بتعــاون وثيــق في مجــال حقــوق الإنــسان مــع الحكومــات والمنظمــات الإقليمية والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والمجتمع المدني؛

‌ط) تقديم توصيات تتعلق بتعزيز وحماية حقوق الإنسان؛

‌ي) تقديم تقرير سنوي إلى الجمعية العامة؛

- يتألف مجلس حقوق الإنسان من آليات وهيئات مختلفة، على النحو المبين في القرار المعنوَن ’ بناء مؤسسات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة‘(القرار 5/1) الصادر عن المجلس في العام 2007. ومنها:

‌أ) الاستعراض الدوري الشامل، وهو آلية تديرها الدول وتقيّم بانتظام حالة حقوق الإنسان في جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

‌ب) الإجراءات الخاصة، وهي عبارة عن أفراد أو مجموعات، لا توظفهم الأمم المتحدة، يتحدثون عن مواضيع مثل التعليم والصحة وحرية التعبير والاتجار بالبشر، وكذلك عن حالات قطرية بما في ذلك أوكرانيا وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية وإريتريا وإيران، من بين دول أخرى.

‌ج) اللجنة الاستشارية، وهي بمثابة "مركز فكر وبحوث"، يزود المجلس بالخبرة والمشورة بشأن قضايا حقوق الإنسان المواضيعية.

1.3. هيكل المجلس وآليات عمله

- يتكون مجلس حقوق الإنسان من 47 دولة عضواً، تُنتخب من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة لفترة ثلاث سنوات، مع مراعاة التوزيع الجغرافي العادل. يجتمع المجلس بانتظام في جنيف، ويعقد ثلاث دورات عادية على الأقل في السنة (في مارس ويونيو وسبتمبر)، بالإضافة إلى إمكانية عقد دورات استثنائية لمعالجة الأزمات الطارئة.

1.4. إحصاءات حول قرارات مجلس حقوق الإنسان (2006- 2026): نظرة عامة

- منذ تأسيسه في عام 2006، أصدر مجلس حقوق الإنسان الآلاف من القرارات التي تناولت مجموعة واسعة من قضايا حقوق الإنسان المواضيعية والقطرية. تشير البيانات المتاحة، مثل تلك الموجودة في "بوابة قرارات حقوق الإنسان" (Universal-Rights.org)، إلى حجم العمل التشريعي والتوجيهي الذي أنجزه المجلس.

‌أ) الكمية الإجمالية للقرارات: على مدى سنوات عمله، أصدر المجلس 1911 قرار لغاية الدورة الاعتيادية 61 للمجلس هذه القرارات تعكس الأولويات المتغيرة للمجتمع الدولي وتحديات حقوق الإنسان المستجدة.

‌ب) التوزيع حسب السنوات والدورات: يظهر تحليل القرارات نمطاً مستقراً لعدد القرارات المتخذة في كل دورة عادية، مع ارتفاع طفيف في الدورات التي تشهد مناقشات حول قضايا ملحة أو أزمات إنسانية.

‌ج) القرارات المواضيعية مقابل القطرية: عادة ما تكون القرارات المواضيعية (التي تتناول قضايا مثل الحق في التعليم، حرية التعبير، حقوق المرأة) أكثر عدداً من القرارات القطرية (التي تركز على وضع حقوق الإنسان في دولة معينة). هذا يعكس محاولة المجلس لتقديم إطار عمل عالمي مع معالجة الحالات الفردية.

‌د) القرارات المتخذة بالتوافق (Consensus) مقابل التصويت: يسعى المجلس قدر الإمكان إلى اتخاذ القرارات بالتوافق لتحقيق أقصى درجات الدعم الدولي. ومع ذلك، غالباً ما تتطلب القرارات الأكثر حساسية سياسياً، خاصة تلك المتعلقة بأوضاع قطرية، تصويتاً، مما يكشف عن الانقسامات في الآراء داخل المجلس.

الخلاصة:

- يمثل مجلس حقوق الإنسان تطوراً مهماً في الهندسة الدولية لحقوق الإنسان، حيث سعى لتجاوز تحديات سلفه وتعزيز المساءلة والتعاون. إن آلياته المتعددة، من الاستعراض الدوري الشامل إلى الإجراءات الخاصة، توفر إطاراً شاملاً لتقييم أوضاع حقوق الإنسان حول العالم. ومع ما يقرب من عقدين من العمل، تتراكم حصيلة ضخمة من القرارات التي تعكس جهوده المستمرة في هذا المجال، مما يوفر أرضية صلبة لتحليل الدور الذي لعبته الدول العربية في هذه المسيرة.

2. الفصل الثاني: المساهمات العربية في مجلس حقوق الإنسان

2.1. تحليل أداء الدول العربية في الدورات الاعتيادية لمجلس حقوق الإنسان

- تُعد الدورات الاعتيادية لمجلس حقوق الإنسان (التي تُعقد ثلاث مرات سنوياً في مارس ويونيو وسبتمبر) هي العمود الفقري لعمل المجلس. فهي توفر الإطار لمناقشة جميع قضايا حقوق الإنسان المواضيعية والقطرية، وتلقي تقارير الإجراءات الخاصة، واستعراض نتائج الاستعراض الدوري الشامل، واعتماد القرارات. إن تحليل أداء الدول العربية في هذه الدورات يكشف عن نمط مشاركتها، أولوياتها، ومدى تأثيرها في صياغة الأجندة الدولية لحقوق الإنسان.

‌أ) المشاركة في النقاشات التفاعلية والحوارات:

- الكثافة والتركيز: تُظهر الدول العربية، بشكل عام، مشاركة نشطة في النقاشات التفاعلية والحوارات خلال الدورات الاعتيادية. تميل هذه المشاركة إلى التركيز على بنود جدول الأعمال التي تتوافق مع أولوياتها السياسية وحقوق الإنسان، مثل:

1) البند 7 (وضع حقوق الإنسان في فلسطين والمناطق العربية المحتلة الأخرى): هذا البند هو أحد البنود الدائمة في جدول أعمال المجلس، وتشهد مشاركة عربية قوية وموحدة تقريباً، حيث تتبنى الدول العربية مواقف داعمة لحقوق الشعب الفلسطيني.

2) البند 2 (التقرير السنوي للمفوض السامي): تشارك الدول العربية في التعليق على تقرير المفوض السامي، مع التركيز على أهمية الحياد والموضوعية وتجنب التسييس.

3) البنود المواضيعية: تساهم الدول العربية في النقاشات حول قضايا مثل مكافحة العنصرية، الإسلاموفوبيا، الحق في التنمية، حقوق الأطفال والمرأة، ومكافحة الإرهاب، وذلك وفقاً لأولوياتها الوطنية.

4) البنود القطرية: في بعض الحالات، تشارك الدول العربية في النقاشات حول أوضاع حقوق الإنسان في دول عربية أخرى (خاصة الدول التي تشهد نزاعات)، أو دول أفريقية وإسلامية، مع تباين في المواقف أحياناً.

- التنسيق الإقليمي: غالباً ما يتم التنسيق بين الدول العربية عبر المجموعة العربية في جنيف، لتقديم بيانات مشتركة أو تبني مواقف موحدة حول قضايا معينة، مما يعزز من وزن صوتها في المجلس.

‌ب) رعاية القرارات وتقديمها (Sponsorship and Co-sponsorship):

- مبادرات رئيسية: تبرز الدول العربية كراعية رئيسية لعدد من القرارات الهامة، خاصة تلك المتعلقة بـ:

1) القضية الفلسطينية: تُعد الدول العربية هي المحرك الأساسي للقرارات المتعلقة بوضع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

2) مكافحة الإسلاموفوبيا وتشويه الأديان: لعبت دول عربية وإسلامية (بقيادة دول مثل مصر والسعودية) دوراً محورياً في صياغة وتقديم قرارات في هذا المجال.

3) الحق في التنمية: تساهم الدول العربية في رعاية قرارات تعزز هذا الحق كأولوية لدول الجنوب.

4) قضايا اجتماعية وثقافية: مثل الحوار بين الحضارات، التسامح، والعدالة الانتقالية (كما في حالة المغرب).

- الدعم الواسع: تشارك الدول العربية في التوقيع على عدد كبير من القرارات التي ترعاها دول ومجموعات إقليمية أخرى، مما يعكس انخراطها في العمل المتعدد الأطراف.

‌ج) التفاعل مع آلية الاستعراض الدوري الشامل (UPR) خلال الدورات الاعتيادية:

- تقديم التوصيات: عندما تُستعرض دول أخرى في إطار UPR، تشارك الدول العربية في تقديم التوصيات، والتي غالباً ما تعكس أولوياتها في حقوق الإنسان وتوقعاتها من الدول الأخرى.

- الاستجابة للاستعراضات الوطنية: عندما تخضع دولة عربية للاستعراض الدوري الشامل، يتم تقديم تقاريرها ونتائج مناقشتها في إحدى الدورات الاعتيادية، حيث تسعى لتقديم الصورة الإيجابية عن جهودها الإصلاحية.

‌د) التعاون مع الإجراءات الخاصة:

- تتلقى الدول العربية تقارير وتحديثات من المقررين الخاصين والخبراء المستقلين، وتشارك في النقاشات التفاعلية حول هذه التقارير، حيث تقوم بالتعليق على نتائج الزيارات القطرية أو التقارير المواضيعية. يمكن أن يختلف مستوى التعاون والانفتاح على الإجراءات الخاصة بين الدول العربية.

‌ه) المواقف وأنماط التصويت:

- التوافق الإقليمي: غالباً ما تتميز المواقف وأنماط التصويت العربية بتوافق عالٍ ضمن المجموعة العربية، والمجموعة الأفريقية، ومنظمة التعاون الإسلامي.

- السيادة وعدم التدخل: يميل جزء كبير من الدول العربية إلى تبني مواقف تشدد على مبدأ السيادة وتتحفظ على القرارات القطرية التي ترى فيها تدخلاً في الشؤون الداخلية.

- الكتلة التصويتية: تشكل الدول العربية كتلة تصويتية مهمة، خاصة عندما تكون هناك قضايا حساسة تتطلب حشد الأصوات.

2.2. تقييم مختصر لأداء الدول العربية في الدورات الاعتيادية للمجلس:

يمكن وصف الأداء العام للدول العربية في الدورات الاعتيادية لمجلس حقوق الإنسان بأنه نشط، متزايد التأثير، ولكن يتسم ببعض التحديات والتباينات.

نقاط القوة:

- التمثيل والدفاع عن قضايا محورية: تلعب الدول العربية دوراً أساسياً في إبقاء القضية الفلسطينية حية في أجندة المجلس، وهي رائدة في مكافحة الإسلاموفوبيا وتقديم منظور دول الجنوب في قضايا التنمية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

- التنسيق الدبلوماسي: يتميز التنسيق بين الدول العربية بالمجموعة العربية بالفعالية في حشد الدعم وتبني مواقف موحدة حول القضايا الرئيسية.

- المشاركة المنتظمة: تلتزم الدول العربية بالمشاركة في النقاشات والآليات المختلفة للمجلس.

نقاط يمكن تحسينها والتحديات:

- الفجوة بين الخطاب والممارسة: في بعض الحالات، تظل هناك فجوة بين الخطاب الدبلوماسي القوي للدول العربية في مجال حقوق الإنسان على الساحة الدولية والتطبيق الفعلي لبعض المعايير والتوصيات على المستوى الوطني.

- التسييس والانتقائية المتبادلة: بينما تنتقد الدول العربية تسييس حقوق الإنسان، فإنها قد تُتهم أحياناً بتبني مواقف انتقائية في القضايا القطرية، مما يؤثر على مصداقيتها.

- التعامل مع الانتقادات: قد تواجه بعض الدول العربية تحديات في التعامل مع الانتقادات الموجهة إليها من قبل منظمات المجتمع المدني أو الدول الأخرى بشأن سجلها الحقوقي.

- التباعد في الأولويات: على الرغم من التنسيق، قد تظهر تباينات في الأولويات أو المواقف بين الدول العربية في قضايا محددة.

2.3. التقييم المفصّل لأداء الدول العربية الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان

إطار منهجي للتحليل

- يرتكز هذا التقييم على أربعة محاور: (١) المشاركة في الرعاية المشتركة للقرارات والبيانات، (٢) أنماط التصويت، (٣) التفاعل مع آلية الاستعراض الدوري الشامل (UPR)، (٤) التعاون مع الإجراءات الخاصة. وتشمل الدول المُقيَّمة خمس عشرة دولة عربية أعضاء، متفاوتة في فترات عضويتها ومستويات تأثيرها.

أولاً: الدول ذات الأداء المرتفع والتأثير المؤسسي

١. المغرب

‌أ) فترات العضوية: سبع سنوات وكما يلي:

2006-2007، 2014، 2015، 2016، 2023، 2024، 2025

يمثّل المغرب النموذج الأكثر تكاملاً في الأداء العربي داخل المجلس. تميّز بالمشاركة المبكرة منذ تأسيس المجلس عام 2006، وبنى على ذلك حضوراً تراكمياً في ثلاث فترات، مما أتاح له التأثير في صياغة أعراف المجلس لا مجرّد المشاركة فيها.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- مستوى رعاية مشتركة مرتفع جداً يشمل قضايا التسامح، العدالة الانتقالية، الهجرة، والتعاون الفني

- تعاون راسخ مع الإجراءات الخاصة، تجلّى في استضافة مقررين خاصين وخبراء مستقلين

- تجربة "هيئة الإنصاف والمصالحة" منحته مصداقية استثنائية في ملف العدالة الانتقالية

- استجابة إيجابية لتوصيات UPR مقرونة بإصلاحات تشريعية موثّقة

‌ج) القيود البنيوية: تظل الفجوة بين التزاماته الدولية وأداء الحريات المدنية داخلياً - لا سيما حرية الصحافة والتجمع - موضع انتقاد دوري من المفوضية السامية ومنظمات المجتمع المدني الدولية. كما أن المواقف المتباينة بشأن الصحراء الغربية تشكّل نقطة توتر دبلوماسية تلقي بظلالها أحياناً على مصداقية الخطاب الحقوقي.

‌د) الحكم التقييمي: فاعل قيادي ومبادر، يستخدم العضوية أداةً للدبلوماسية الحقوقية وتعزيز الصورة الدولية، لا مجرّد تنسيق مجموعاتي.

٢. الجزائر

‌أ) فترات العضوية: سبع سنوات وكما يلي:

2006-2007، 2014، 2015، 2016، 2023، 2024، 2025

تُعدّ الجزائر من أقوى الأصوات العربية في قضية حق تقرير المصير، وتتمتع بثقل تاريخي مستمد من تجربة حركة التحرر الوطني، مما يمنح مواقفها مشروعية معنوية في المحافل الأممية.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- رعاية نشطة لقرارات تقرير المصير، والقضية الفلسطينية، ومكافحة الإسلاموفوبيا

- تنسيق فعّال داخل المجموعتين الأفريقية والعربية مع قيادة موضعية أحياناً

- حضور متكرر في ثلاث فترات يُشير إلى استراتيجية وليس مشاركة انتهازية

- مساهمة في توصيات UPR تعكس أولويات ذات طابع جنوبي-جنوب

‌ج) القيود البنيوية: تبرز الهوّة الكبيرة بين الخطاب الدبلوماسي الحقوقي الرفيع والتضييق الداخلي على المعارضة والمجتمع المدني. يُشكّل هذا التناقض نقطة ضعف هيكلية تُفضي إلى استهداف الجزائر بانتقادات ذات صدى واسع في هيئات المعاهدات.

‌د) الحكم التقييمي: فاعل مؤثر في القضايا المفاهيمية الكبرى، لكنه يواجه إشكالية المصداقية على مستوى التطبيق الداخلي.

٣. قطر

‌أ) فترات العضوية: خمسة عشر سنة وكما يلي ( 2007-2008، 2008-2009، 2009-2010، 2010-2011، 2011-2012،2013، 2015، 2016، 2017، 2018، 2019، 2020، 2022، 2023، 2024 )

استثمرت قطر ثقلها الاقتصادي وقوتها الناعمة في بناء حضور دبلوماسي حقوقي متصاعد، وتميزت بالجمع بين الريادة في قضايا الإسلاموفوبيا وحقوق العمال الوافدين، مستفيدةً من ديناميكية كأس العالم 2022 لتصوير الإصلاحات العمالية كإنجاز دولي.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- مستوى رعاية مرتفع جداً عبر ثلاث فترات متتالية تقريباً

- قيادة ملحوظة في ملف مكافحة الإسلاموفوبيا بالتنسيق مع منظمة التعاون الإسلامي

- إصلاحات عمالية موثّقة (إلغاء نظام الكفالة جزئياً، تحديد حد أدنى للأجور) أُدرجت ضمن خطاب UPR

- تعاون جيد مع الإجراءات الخاصة بما فيها زيارات المقررين

‌ج) القيود البنيوية: استمرار القيود على الحريات المدنية والسياسية، ولا سيما حرية التعبير والتجمع، إضافةً إلى ثغرات في تطبيق إصلاحات العمالة المنزلية التي لا تزال تخضع لمتابعة دقيقة من منظمة العمل الدولية.

‌د) الحكم التقييمي: دبلوماسية حقوقية برغماتية وعالية الأداء، لكنها تعاني من فجوة معيارية داخلية تُضعف متانة المصداقية على المدى البعيد.

٤. الأردن

‌أ) فترة العضوية: ست سنوات وكما يلي (2006-2007، 2007-2008، 2008-2009، 2009-2010، 2010-2011، 2011-2012)

‌ب) رغم فترة عضوية واحدة، أبدى الأردن أداءً متميزاً يعكس مزاجاً دبلوماسياً بناءً. يستمد الأردن مشروعيته الحقوقية في المجلس من واقعه كأكبر مستضيف للاجئين نسبةً إلى حجمه السكاني، مما يمنحه صوتاً مؤسسياً في الشؤون الإنسانية.

‌ج) مؤشرات الأداء:

- نشاط مرتفع جداً في الرعاية المشتركة للقرارات، متجاوزاً توقعات دولة بفترة عضوية واحدة

- دعم مبدئي للقضية الفلسطينية مقترن بخبرة تشغيلية في ملفات اللجوء

- إصلاحات قانونية موثّقة في مجالي التعذيب وحقوق المرأة

- انفتاح على التعاون مع المقررين الخاصين

‌د) القيود البنيوية: قيود مستمرة على حرية التعبير والتجمع، وتحديات في حقوق العمال الوافدين، وعدم تطبيق كامل للتوصيات المتعلقة بالحريات المدنية.

‌ه) الحكم التقييمي: فاعل بناء وموثوق، يمتلك أوراق اعتماد حقوقية فريدة تتعلق بالأزمات الإنسانية تستحق توظيفاً أعمق في المبادرات المستقبلية.

ثانياً: الدول ذات الأداء المتوسط والحضور التنسيقي

٥. مصر

‌أ) فترات العضوية: سبع سنوات وكما يلي (2007-2008، 2008-2009، 2009-2010، 2017، 2018، 2019، 2026)

تمتلك مصر ثقلاً هيكلياً في منظومة الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وقد استثمرت هذا الثقل في قيادة ملف مكافحة الإسلاموفوبيا بفعالية، غير أن سجلها الحقوقي الداخلي الذي بات مثاراً لانتقادات دولية واسعة قيّد قدرتها على ترسيخ مصداقية أشمل.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- دور قيادي موثّق في ملف مكافحة الإسلاموفوبيا وتشويه الأديان

- تنسيق فعّال في إطار المجموعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي

- حضور تفاوضي قوي في صياغة القرارات المواضيعية

- مشاركة UPR تعكس قبولاً انتقائياً للتوصيات

‌ج) القيود البنيوية: الفجوة الكبيرة بين الأداء الدبلوماسي والسياق الداخلي المتعلق باحتجاز المدافعين عن حقوق الإنسان، والقيود على المجتمع المدني، ومحدودية التعاون مع بعض الإجراءات الخاصة - تجعل الموقف المصري في المجلس عُرضةً للانتقاد بالازدواجية المعيارية.

‌د) الحكم التقييمي: فاعل تقني مؤثر في قضايا محددة، لكن تآكل المصداقية الناجم عن الأوضاع الداخلية يُضعف تأثيره المعياري الأشمل.

٦. الإمارات العربية المتحدة

‌أ) فترات العضوية: تسع سنوات وكما يلي ( 2013، 2014، 2015، 2016، 2017، 2018، 2022، 2023، 2024)

تعتمد الإمارات استراتيجية دبلوماسية حقوقية مدعومة بالقوة الناعمة، تجمع بين الريادة في خطاب التسامح والتعايش ومكافحة الاتجار بالبشر وتمكين المرأة من جهة، والتحفظ على آليات المساءلة المستقلة من جهة أخرى.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- نشاط رعاية مرتفع يعكس استثماراً دبلوماسياً مقصوداً

- مبادرات بارزة في ملف التسامح وحوار الأديان مرتبطة بالهوية الدولية للإمارات

- إصلاحات عمالية جزئية تُسوَّق دولياً

- دعم القدرات وبناء المؤسسات في إطار التعاون الجنوب-جنوب

‌ج) القيود البنيوية: استمرار القيود المشددة على حرية التعبير والتجمع وحقوق العمال الوافدين في جوانب جوهرية، والتحفظ على القرارات القُطرية المتعلقة بدول الجوار في سياقات سياسية بعينها.

‌د) الحكم التقييمي: دبلوماسية براغماتية مُتقنة الإخراج، تحتاج إلى عمق أكبر في تطبيق الالتزامات على المستوى الوطني لتعزيز المصداقية المعيارية.

٧. المملكة العربية السعودية

‌أ) فترات العضوية: اربع عشر سنة وكما يلي ( 2006-2007، 2007-2008، 2008-2009، 2009-2010، 2010-2011، 2011-2012، 2014، 2015، 2016، 2017، 2018، 2019، 2021، 2022 )

تستثمر المملكة ثقلها الاقتصادي والديني في المجلس، وتحتل موقع قيادة الملف الإسلامي في ما يتعلق بمكافحة الإسلاموفوبيا والحوار بين الأديان. وقد منحت إصلاحات رؤية 2030 - ولا سيما في مجال حقوق المرأة - خطابها الحقوقي أرضيةً أكثر موثوقية من سابقيها.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- قيادة ملف مكافحة الإسلاموفوبيا بالتنسيق مع منظمة التعاون الإسلامي

- إصلاحات حقوق المرأة (قيادة السيارة، الولاية، التوظيف) وفّرت مادةً دبلوماسية إيجابية

- تنسيق فعّال مع مجلس التعاون الخليجي والمجموعة العربية

- نشاط مرتفع في UPR تضمّن قبول قدر من التوصيات

‌ج) القيود البنيوية: تظل قضايا حرية التعبير والتجمع وحقوق المدافعين وحالات الاحتجاز التعسفي مصدر انتقاد دولي مستمر. كما أن قضايا بارزة - بما فيها قضية خاشقجي - ألحقت ضرراً بالغاً بالسمعة الحقوقية الدولية.

‌د) الحكم التقييمي: فاعل ذو نفوذ واسع وبرامج إصلاحية قابلة للرصد، غير أن استدامة المصداقية مرتبطة بإغلاق الفجوة المعيارية الداخلية الكبيرة.

٨. البحرين

‌أ) فترة العضوية: سبع سنوات وكما يلي 2006-2007، 2008-2009، 2009-2010، 2010-2011، 2019، 2020

‌ب) 2021

‌ج)

جاءت عضوية البحرين في سياق حساس تبع أحداث عام 2011 والانتقادات الدولية الواسعة التي رافقتها. واستخدمت البحرين العضوية لتوجيه رسائل دبلوماسية عن الإصلاح، مع الحفاظ على التوافق مع المجموعة الخليجية.

‌د) مؤشرات الأداء:

- مشاركة نشطة في ملفات الحوار بين الأديان ومكافحة الإرهاب

- توافق تام مع مجلس التعاون الخليجي والمجموعة العربية

- مشاركة في UPR بمستوى قبول متوسط للتوصيات

‌ه) القيود البنيوية: استمرار التضييق على حرية التعبير والتجمع وحقوق المعارضة، وقيود على العمل الحقوقي المستقل داخل البلاد تُخضعها لمتابعة دقيقة من المقررين الخاصين.

‌و) الحكم التقييمي: حضور تنسيقي يخدم أهدافاً دبلوماسية إعادة تأهيل أكثر من أنه يُترجم التزاماً حقوقياً هيكلياً.

٩. الكويت

‌أ) فترة العضوية: ست سنوات وكما يلي (2011-2012، 2013، 2014، 2024، 2025، 2026) .

أدّت الكويت دورها بمستوى مقبول كدولة خليجية ذات تجربة ديمقراطية نسبية، وإن ظل أداؤها داخل إطار التنسيق الإقليمي في الغالب دون مبادرة نوعية مستقلة.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- دعم ثابت للقضية الفلسطينية والقرارات الإسلامية المشتركة

- مشاركة جيدة في UPR مع قبول بعض التوصيات

- تعاون مقبول مع الإجراءات الخاصة في ملفات متعددة

‌ج) القيود البنيوية: تحديات مستمرة في ملفات حقوق العمال الوافدين والبدون، وإن كانت الكويت تواجه ضغطاً دولياً أقل حدةً مقارنةً بدول الجوار.

‌د) الحكم التقييمي: أداء معقول بمعايير دولة صغيرة متوسطة الحجم، يحتاج إلى قيادة أكثر جرأة في القضايا التي تمتلك فيها الكويت خبرةً مؤسسية.

ثالثاً: الدول ذات الأداء الانتقالي أو الاستثنائي

١٠. موريتانيا

‌أ) فترات العضوية: ست سنوات وكما يلي ( 2010- 2011، 2011-2012، 2013، 2020، 2021، 2022 )

تمثّل موريتانيا نموذجاً مثيراً للاهتمام؛ دولة صغيرة تحمل ملفاً محرجاً تاريخياً في قضية الرق، غير أنها تحوّلت إلى الاستناد إلى هذه القضية ذاتها كورقة دبلوماسية للانخراط الدولي.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- دعم قرارات مكافحة الرق والعبودية الحديثة بما يجعل موريتانيا أكثر حضوراً في هذا الملف تحديداً

- تنسيق جيد مع المجموعتين الأفريقية والعربية

- مشاركة UPR بمستوى مقبول مع قبول توصيات في ملف الرق

‌ج) القيود البنيوية: يظل التطبيق الوطني الفعلي لقوانين مكافحة الرق موضع متابعة دولية متواصلة، مع وجود ثغرات موثّقة في التنفيذ وتسجيل الحالات.

‌د) الحكم التقييمي: نموذج لتحوّل الإشكالية الداخلية إلى ورقة دبلوماسية، مع استمرار تحديات التطبيق الحقيقي.

١١. الصومال

‌أ) فترة العضوية: ست سنوات وكما يلي (، 2019، 2020، 2021، 2022، 2023، 2024)

تُمثّل عضوية الصومال في المجلس مؤشراً على عودة الدولة تدريجياً إلى النظام الدولي، لا أداةً لقيادة سياسات حقوقية. الإنجاز الحقيقي يكمن في المشاركة ذاتها رغم التحديات الهائلة.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- مشاركة نسبية في الرعاية المشتركة للقرارات المتعلقة بحقوق الأطفال والمرأة ومكافحة الإرهاب

- توافق مع المجموعتين الأفريقية والعربية

- استعداد للخضوع لاستعراض UPR رغم هشاشة المؤسسات

‌ج) القيود البنيوية: ضعف المؤسسات الوطنية يحول دون تنفيذ أي التزامات دولية جوهرية. الأزمة الأمنية والتدخلات الخارجية تجعل الالتزام الحقوقي مشروطاً بشروط مسبقة للاستقرار.

‌د) الحكم التقييمي: حضور رمزي ذو قيمة في إطار إعادة بناء الدولة، غير أن الأثر المعياري محدود في المدى المنظور.

١٢. العراق

‌أ) فترة العضوية: لريع سنوات وكما يلي (2017، 2018، 2019، 2026 )

جاءت عضوية العراق في مرحلة انتقالية حرجة تزامنت مع ذروة المعارك ضد داعش ومرحلة إعادة الإعمار الأولى. استثمر العراق عضويته في توظيف خطاب ضحايا الإرهاب كمدخل دبلوماسي مشروع.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- تركيز على مكافحة الإرهاب وحقوق ضحاياه، مجال تمتلك فيه العراق خبرة استثنائية

- دعم القضية الفلسطينية والتنسيق مع المجموعة العربية

- مشاركة في UPR مع قبول جزئي للتوصيات

‌ج) القيود البنيوية: ضعف المؤسسات، واستمرار بعض الإشكاليات في سيادة القانون والاحتجاز التعسفي وملف الإيزيديين، تُضعف من قدرة العراق على تقديم نموذج حقوقي قابل للتعميم.

‌د) الحكم التقييمي: أداء وظيفي محدود، والأثر المستقبلي مرهون بمسار الإصلاح المؤسسي الداخلي.

١٣. السودان

‌أ) فترات العضوية: ست سنوات وكما يلي (2020، 2021، 2022، 2023، 2024، 2025)

‌ب)

تُمثّل حالة السودان تناقضاً صارخاً: عضو في مجلس حقوق الإنسان يخضع في الوقت ذاته لولاية خاصة ومراقبة دولية مستمرة بسبب انتهاكات موثّقة.

‌ج) مؤشرات الأداء:

- مشاركة معتدلة في التوقيع على القرارات المواضيعية

- انخراط جزئي في UPR مع قبول بعض التوصيات

- تحسّن ملحوظ في الفترة الانتقالية 2019–2021 تمثّل في استعداد أكبر للتعاون مع الإجراءات الخاصة

‌د) القيود البنيوية: النزاعات المتكررة - دارفور، جنوب كردفان، والحرب الراهنة 2023 - إضافةً إلى عدم الاستقرار السياسي الهيكلي، تجعل أي التزام حقوقي سريع التراجع. وجود ولاية خاصة للمراقبة يكشف عن أن عضوية المجلس لا تُرادف الامتثال الحقوقي.

‌ه) الحكم التقييمي: حالة مثيرة للجدل معياريًا، وأداؤها كعضو في المجلس بينما تتعرض لرقابة خاصة يطرح تساؤلات جوهرية حول معايير العضوية ذاتها.

١٤. ليبيا - حالة استثنائية (تعليق العضوية)

‌أ) فترة العضوية:

تُشكّل تجربة ليبيا سابقة تاريخية فريدة في منظومة مجلس حقوق الإنسان، وهي الأولى من نوعها: تعليق العضوية بقرار من الجمعية العامة بسبب "انتهاكات جسيمة ومنهجية" عام 2011.

‌ب) الدلالة المعيارية:

- أثبتت هذه السابقة أن عضوية المجلس ليست محصّنة، وأن للمؤسسة الأممية أدوات استثنائية للمساءلة

- كشفت عن الهشاشة البنيوية لدول تستخدم المجلس لتحسين صورتها مع إمعان التضييق داخلياً

- أسست لمبدأ أن الانتهاكات الجسيمة المنهجية تتجاوز ملاحظات UPR لتصل إلى آليات التعليق

‌ج) الحكم التقييمي: دراسة حالة لآليات الردع الأممي ومحدودياتها، وتحذير دائم لأعضاء المجلس بأن البون الواسع بين الخطاب والممارسة يمكن أن يُفضي إلى عواقب مؤسسية.

١٥. جيبوتي

‌أ) فترات العضوية: 2013–2015، 2018–2020

يُعدّ أداء جيبوتي نموذجاً لدولة صغيرة تستخدم العضوية أساساً للحضور الجغرافي وتنسيق المجموعة الأفريقية، دون مبادرة نوعية مستقلة.

‌ب) الحكم التقييمي: مشاركة معقولة بمعايير دولة صغيرة ذات موارد محدودة.

رابعاً: الأنماط الهيكلية المشتركة

‌أ) نمط التنسيق الجماعاتي: ترتكز الدول العربية الأعضاء في مجلسها الجماعي على التنسيق داخل إطارين متوازيين - المجموعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي - مما يُنتج مواقف موحّدة وأحياناً أنتج هيمنةً على نتائج بعض القرارات، غير أنه يُضعف الاستقلالية المعيارية للدول منفردةً.

‌ب) ازدواجية الخطاب والممارسة: جميع الدول العربية تقريباً تعاني من فجوة قابلة للقياس بين التزاماتها الدولية المعلنة وأوضاع الحريات المدنية والسياسية داخلياً. هذه الفجوة لا تمر دون رصد في آليات هيئات المعاهدات واستعراضات UPR.

‌ج) ج. مبدأ السيادة كضابط للمشاركة: يُلاحَظ بشكل ممنهج أن الدول العربية الأعضاء تمتنع عن التصويت أو تصوّت ضد القرارات القُطرية ذات الطابع الحساس، مُؤطِّرةً موقفها بمبدأ السيادة وعدم التدخل. وهذا ليس موقفاً عربياً حصراً، لكنه يكتسب أهميةً خاصة في سياقات النزاعات الإقليمية.

‌د) د. انعدام التناسق بين حجم التأثير وحجم الدولة: لا يوجد ارتباط خطي بين حجم الدولة وثقلها في المجلس؛ المغرب والأردن يُثبتان أن الاتساق المعياري والمبادرة النوعية يمنحان تأثيراً يتجاوز الحجم، في حين أن دولاً أكبر تفتقر إلى هذين المقوّمين.

الملخص التنفيذي الشامل

أداء الدول العربية في مجلس حقوق الإنسان: قراءة تحليلية

1. التوزيع التقييمي العام

تتوزع الدول الخمس عشرة المُقيَّمة عبر ثلاثة مستويات أداء:

‌أ) المستوى الأول - الأداء المؤسسي القيادي (أداء مرتفع): المغرب والجزائر وقطر والأردن. تجمعها مبادرة نوعية، وتعاون مستدام مع آليات المجلس، وخطاب حقوقي ذو تماسك داخلي نسبي.

‌ب) المستوى الثاني - الأداء التنسيقي (أداء متوسط): مصر والإمارات والسعودية والبحرين والكويت وموريتانيا. تتميز بنشاط في التنسيق الإقليمي والقضايا الانتقائية، مع فجوة معيارية داخلية واضحة.

‌ج) المستوى الثالث - الأداء الانتقالي أو الاستثنائي (أداء محدود): الصومال والعراق والسودان وجيبوتي وليبيا. ترزح تحت ثقل التحديات الداخلية، أو تُمثّل حالات استثنائية كما في حالة ليبيا.

2. القضايا المحورية للدبلوماسية الحقوقية العربية

ثمة ثلاثة ملفات تشكّل محاور التقاطع العربي الجماعي في المجلس: القضية الفلسطينية وحق تقرير المصير، ومكافحة الإسلاموفوبيا، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في إطار الأجندة التنموية. في المقابل، يغيب التنسيق العربي شبه كلياً عند التصويت على القرارات القُطرية المتعلقة بدول المنطقة نفسها، حيث تُقدَّم اعتبارات السيادة على الأطر المعيارية.

3. المعضلة البنيوية المشتركة

تواجه الدول العربية الأعضاء إشكاليةً هيكلية مشتركة يمكن وصفها بـ"مشكلة المصداقية الانتقائية": فرغم الاستثمار الدبلوماسي المرتفع في خطاب حقوق الإنسان دولياً، يظل التطبيق الداخلي - ولا سيما في ملفات حرية التعبير، حقوق المدافعين، وضمانات الحياة المدنية - مصدراً مستمراً للانتقاد في إجراءات UPR وهيئات المعاهدات. هذه الفجوة لا تُفضي فقط إلى استهداف دبلوماسي، بل تُقيّد القدرة على بناء تحالفات واسعة مع دول ديمقراطية راسخة في قضايا مشتركة.

4. التوصية الاستراتيجية

5. لرفع مستوى التأثير العربي في المجلس من التنسيق الجماعاتي إلى القيادة المعيارية، يستلزم ذلك إجراء قدر من التقارب بين الالتزامات الدولية والسياسات التشريعية الداخلية، وتوسيع هامش التعاون مع الإجراءات الخاصة، والانتقال من موقف الدفاع عن السيادة إلى موقف بناء المعايير في القضايا التي تمتلك فيها هذه الدول خبرة فعلية - كالهجرة واللجوء والتنمية والتعايش الديني.

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

باحث في مجال حقوق الإنسان

شهد الفكر الإسلامي المعاصر تناميًا ملحوظًا في الدعوات الهادفة إلى تنقيح الموروث الحديثي وإعادة النظر في جملة من المرويات التي تسربت إلى بعض المدونات الحديثية عبر مراحل التدوين والنقل المتعاقبة، ولم تنشأ هذه الدعوات بمعزل عن التحولات الفكرية والثقافية التي شهدها العالم الإسلامي، بل جاءت استجابة لجملة من الدوافع العلمية والمنهجية والحضارية التي فرضت ضرورة مراجعة التراث الحديثي وفق الأصول والقواعد المقررة في علوم الحديث.

ولا تهدف هذه الدعوات إلى هدم الموروث الحديثي أو التقليل من قيمته العلمية، وإنما تسعى إلى صيانته من الدخيل والموضوع، وتمييز الصحيح من السقيم، والمحافظة على مكانة السنة النبوية بوصفها مصدرًا أساسيًا من مصادر المعرفة والتشريع الإسلامي، ويمكن الوقوف على أبرز المنطلقات التي أسهمت في ظهور مشاريع تنقيح الموروث الحديثي في الفكر الإسلامي المعاصر من خلال المحاور الآتية:

أولًا: المنطلق العقلاني والعقلائي

يمثل التحول الذي طرأ على طبيعة المتلقي المعاصر أحد أهم الأسباب الداعية إلى إعادة فحص الموروث الحديثي، فالمتلقي في العصور السابقة كانت معارفه محدودة بحدود ما يتلقاه من العلماء والخطباء والمؤسسات الدينية، أما اليوم فقد أوجدت الثورة المعلوماتية فضاءً معرفيًا مفتوحًا مكّن الأفراد من الوصول إلى مختلف مصادر المعرفة ومقارنتها ونقدها.

وقد أفرز هذا الواقع الجديد عقلية أكثر تساؤلًا ومناقشةً وتحليلًا، الأمر الذي جعل الخطاب الديني مطالبًا بتقديم إجابات تتناسب مع مستوى الوعي المعاصر، ومن هنا برزت الحاجة إلى مراجعة المرويات التي قد تُستغل في تقديم صورة مشوهة عن الإسلام أو تتعارض مع مقاصده الكلية وقيمه الإنسانية.

فالإسلام الذي بعث نبيه رحمة للعالمين، وجعل من مكارم الأخلاق مقصدًا أساسيًا للرسالة، لا يمكن أن يُختزل في مرويات غير ثابتة أو في قراءات مجتزأة لبعض النصوص، ومن ثم فإن تنقيح الموروث الحديثي يعد خطوة ضرورية في سبيل بناء خطاب ديني معاصر يجمع بين الأصالة والفاعلية، ويعبر عن روح الإسلام وقيمه الحضارية.

ثانيًا: المنطلق الأخلاقي

تعرض الإسلام ونبيه الأكرم محمد (ص) خلال العقود الأخيرة إلى موجات متكررة من التشويه والطعن، سواء عبر الكتابات الاستشراقية أو الحملات الإعلامية والرسوم المسيئة، وقد استند بعض تلك الطعون إلى روايات ومرويات منسوبة إلى النبي الكريم أو إلى التراث الإسلامي بصورة عامة، ولئن كانت كثير من هذه الطعون تفتقر إلى الموضوعية العلمية، فإن بعضها وجد في بعض المرويات الضعيفة أو الموضوعة مادة جاهزة لتشويه صورة الإسلام ونبيه، ومن هنا برز البعد الأخلاقي بوصفه أحد أهم منطلقات تنقيح الموروث الحديثي، إذ تقتضي الأمانة العلمية والدينية تنقية السنة من كل ما أُلصق بها زورًا، وإبراز الصورة الحقيقية للنبي الأكرم ( ص) بوصفه نموذجًا للرحمة والعدل والكمال الإنساني.

ثالثًا: منطلق التنزيه

يقوم هذا المنطلق على ضرورة تنزيه السنة النبوية الشريفة من المرويات التي لا تنسجم مع مضامينها الرسالية أو مع المبادئ الإسلامية الثابتة، فالسنة تمثل الامتداد العملي للقرآن الكريم، ومن ثم فإن المحافظة على نقائها تعد جزءًا من المحافظة على الهوية الفكرية والحضارية للأمة، كما يشمل هذا المنطلق تنزيه مقام النبي الأكرم وأهل بيته (عليهم السلام) من الروايات التي نُسبت إليهم بغير حق، أو التي تتضمن ما لا ينسجم مع مكانتهم العلمية والروحية، ومن هنا كان تنقيح الموروث الحديثي وسيلةً لحماية المقدسات الإسلامية من التشويه والتحريف، وإظهار معالمها الحقيقية للأجيال المعاصرة.

رابعًا: المنطلق المنهجي

يرتبط هذا المنطلق باختلاف المناهج المتبعة في التعامل مع التراث الحديثي، ويمكن رصد ثلاثة اتجاهات رئيسة في هذا المجال:

الاتجاه الأول: اتجاه يميل إلى تقديس الموروث الحديثي ويرفض إخضاعه للنقد أو المراجعة، انطلاقًا من اعتباره جزءًا من الثوابت التي لا يجوز الاقتراب منها.

الاتجاه الثاني: اتجاه نقدي متشدد تجاوز في بعض تطبيقاته حدود المراجعة العلمية إلى التشكيك الواسع في كثير من المرويات، الأمر الذي أدى إلى استبعاد مساحة كبيرة من التراث الحديثي.

 الاتجاه الثالث: وهو الاتجاه المعتدل، فيتبنى منهج المحافظة على الموروث الحديثي مع إخضاعه في الوقت نفسه لقواعد النقد والتحقيق العلمي، وهذا الاتجاه لا ينطلق من منطق التقديس المطلق ولا من منطق الرفض الشامل، بل يسعى إلى تنقية التراث عبر الأدوات المنهجية التي طورها علماء الحديث قديمًا وحديثًا.

خامسًا: المنطلق المذهبي

كان للبعد المذهبي حضور واضح في مشاريع تنقيح الموروث الحديثي، إذ سعت المدارس الإسلامية المختلفة إلى مراجعة الروايات المرتبطة بالقضايا العقدية والكلامية التي شكّلت محورًا للجدل بين المذاهب، وقد نتج عن ذلك ظهور العديد من الدراسات والمؤلفات التي هدفت إلى الدفاع عن الأصول العقدية للمذاهب الإسلامية من خلال فحص الأحاديث وتمحيصها، والكشف عن المرويات التي لا تتوافر فيها شروط القبول العلمي، ومن ثم أصبح هذا المنطلق أحد العوامل المؤثرة في ازدهار الدراسات الحديثية النقدية في العصر الحديث.

سادسًا: المنطلق العلمي

يُعد المنطلق العلمي من أكثر المنطلقات موضوعية وتأثيرًا في مشاريع تنقيح الموروث الحديثي، إذ يقوم على البحث عن الروايات الدخيلة والكشف عن أسباب دخولها إلى المدونات الحديثية، والمقصود بالدخيل كل ما أُدخل إلى المنظومة الحديثية وليس منها، سواء أكان ذلك على مستوى أصل الرواية أم على مستوى ألفاظها ومضامينها، وعليه يمكن التمييز بين صورتين أساسيتين للدخيل الحديثي:

الأولى: الروايات الموضوعة والمكذوبة التي اختُلقت ونُسبت إلى النبي الأكرم أو إلى غيره من المعصومين من دون مستند صحيح.

الثانية: الروايات التي تعرضت أثناء مراحل النقل والتدوين إلى التصحيف أو التحريف أو الزيادة والنقصان، بما أدى إلى تغيير دلالاتها أو تشويه مضامينها الأصلية.

وقد أسهمت الدراسات الحديثية المعاصرة في الكشف عن هذه الظواهر من خلال اعتماد مناهج التحقيق العلمي والمقارنة بين النسخ والمصادر المختلفة.

معايير تنقيح الموروث الحديثي

استندت مشاريع التنقيح الحديثة إلى جملة من المعايير العلمية التي تشكل أساسًا لنقد المتون وتمييز المقبول من المردود، ومن أبرزها:

1- عرض الرواية على القرآن الكريم واستبعاد ما يخالف نصوصه القطعية.

2- مقارنة الرواية بالأحاديث المشهورة والمستفيضة والثابتة.

3- اختبار مضمون الرواية في ضوء العقل السليم والمرتكزات العقلائية.

4- عرض الرواية على الحقائق التاريخية الموثقة.

5- الكشف عن التناقض الداخلي بين أجزاء الرواية ومضامينها.

6- دراسة الروايات التاريخية من خلال المقارنة بين طرقها ونسخها المختلفة للوصول إلى النص الأقرب إلى الواقع التاريخي.

وفي الختام نقول إن تنقيح الموروث الحديثي يمثل مشروعًا علميًا وحضاريًا يهدف إلى صيانة السنة النبوية والمحافظة على أصالتها، وليس مشروعًا لتقويض التراث أو التشكيك في قيمته، فكلما ازداد الاهتمام بالتحقيق والنقد العلمي الرصين، ازدادت قدرة الموروث الحديثي على التعبير عن جوهر الرسالة الإسلامية وقيمها الإنسانية الخالدة، وأسهم بصورة أكثر فاعلية في بناء الوعي الديني المعاصر وترشيد مسيرة الفكر الإسلامي.

***

أ.م.د. علي جعفر محمد

كلية الفقة / جامعة الكوفة

"إذا حدثت الفلسفة احتاج أهلها ضرورة إلى أن ينطقوا عن معانٍ لم تكن عندهم معلومة قبل ذلك". (الفارابي، كتاب الحروف).

تعد مسألة الحدوث والقِدم واحدة من أقدم معضلات الفلسفة، ربما لأنها تبحث في أقدم سؤال شغل العقل البشري؛ سؤال أصل العالم والإنسان. وقد تنوعت حلول الفلاسفة في الإسلام لهذه المسألة؛ فعلى سبيل المثال، تبنى أبو بكر الرازي مذهب القدماء الخمسة وعقيدة التناسخ، في حين أن الفارابي وابن سينا قالا بالفيض وإن العالم قديم بالزمان محدث بالذات. وكان لابن رشد رأيان متباينان، أحدهما للخاصة والآخر للعامة، ودلالة الرأي الأول تشي بقِدم كل من الله والعالم، بينما وجد الغزالي خلاصه في التصوف وأن لا فاعل على الحقيقة إلا الله. كما شغلت علماء الكلام بدءاً بالمعتزلة ثم الأشاعرة والماتريدية، وكذلك متكلمي الشيعة من الإمامية والزيدية والإسماعيلية. ونظراً لأن هذه المقالة تركز على الحل الإسلامي الأقدم – أي حل المعتزلة – فإنها ستقتصر على مناقشة الجوانب المرتبطة مباشرة بمسألة الألوهية وعلاقتها بالفاعل المختار، كما بدت لأعلام مدرستي البصرة وبغداد.

كان سؤال المعتزلة على النحو التالي: إذا كان الله يقدر على نفس مقدور العبد فمن هو إذن الفاعل الحقيقي؟

وكان حل المعتزلة في العدم، لأن ما يقع في العدم غير متعلق بفاعل. ماذا يعني هذا؟

لو كان العدم عدماً محضاً لنسبت خصائص الكائن لخالقه. ولذلك قالوا بشيئية المعدوم. وإطلاق الشيئية على العدم يوحي بأن المعدوم ليس مجرداً من كل مفهوم، كما لو أنهم أرادوا أن تكون الحاجة إلى الله مقصورة على إحداث العالم، صحيح أنهم يقرون بأن الله أحدث العالم لا على مثال سابق، ولكن فيما يبدو أن الخلق كان مسبوقاً بمادة، ومتى حدث الخلق وانتفى العدم، أصبح العالم مستغنياً عن الله في وجوده.

ولذا لم يكن من قبيل المصادفة أن ينظر المعتزلة إلى المعدوم لا بكونه نقيضاً للوجود، إنما بكونه في حالة لا توصف بالوجود التام ولا بالعدم المحض. فهو شيء وإن كان لم يكتسب بعد صفة الوجود بالفعل. بل هو ذات، حيث يكون الجوهر جوهراً في العدم، والعَرَض عرضاً في العدم، كالقوة والضعف، النعومة والخشونة، الصحة والمرض، البياض والسواد. أما دور الخالق فإنه يقتصر، لا في إيجاد شيء من لا شيء كما يقول أنصار الخلق من عدم، إنما على إحالة ما هو ممكن للوجود في ذاته وجوداً عيانياً. إذ لم يكن شرط الموجود عندهم متعلقاً بموجده فحسب، بل بإمكان وجوده بالقوة، وبانتفاء هذا الشرط فإنه لن يقبل الوجود على أية صورة. لذلك قيل هو ممكن في ذاته، وهو من حيث الإمكان غير محتاج إلى الفاعل، ولهذا لم ينسبوا الخواص الذاتية للشيء إلى الخالق.

على أن هذا التمييز بين الماهية والوجود ضروري لفهم معنى القديم والمحدث عند المعتزلة، إذ به صار المعدوم شيئاً. فماهية الشيء في حالة العدم، ليست اقتباساً أو محاكاة أو صورة متعلقة في أعراضها بماهية الله، على نحو العلاقة بين المثال والصورة عند أفلاطون، إنما هي بصريح العبارة "وجود بالقوة" لم يخلقه الله. غير أن ما يترتب على هذا التمييز بين الماهية والوجود عند المعتزلة هو الإقرار، صراحة أو ضمناً، بقدم المعدوم، أو ممكنات الوجود، بجانب الوجود الإلهي، بما أن الصفات الذاتية للشيء في حالة العدم لم تكن بفعل فاعل. وبذلك يكون الخلق من "العدم" قد فسره المعتزلة، على عكس عادتهم، حرفياً.

وهكذا أثبت المعتزلة سائر صفات الأجناس في العدم، على نحو الشيئية والجوهرية والعرضية واللونية إلا صفة "الحدوث الذاتي".

بناء على ذلك، فإن بشر بن المعتمر، مؤسس فرع المعتزلة في بغداد، نفى أن يكون الله خالقاً للأعراض، كالحرارة والبرودة، القوة والضعف، الشجاعة والجبن، وحتى الإبصار والعمى، على اعتبار أنها من طباع الأجسام والأشياء. فالله لا يخلق إلا الأجسام، هيئات الوجود، غير أن طباع الأجسام شأن آخر.

في كتاب "نهاية الإقدام في علم الكلام"، نجد الشهرستاني، وقد ضاق صدره بآراء المعتزلة في مبحث الإلهيات، يقول "جلت القدرة الأزلية عن أن يكون لها صلاحية مخصوصة مقصورة على وجوه من الفعل مخصوصة"، بحيث لا تشمل إيجاد الجوهر وكل عرض، إنما تقتصر على بعض الأشياء دون البعض. ومن ثم فإنه راح يشنع على المعتزلة لكونهم، بحسب رأيه، سمعوا كلاماً من الفلاسفة فأثبتوه في كتبهم قبل أن يصلوا إلى إدراك حقيقته، إنما خلطوا علم الكلام بمقولات أصحاب الهيولى، ثم أخذوا من الفلاسفة الإلهيين "كلامهم في تحقيق الأجناس والأنواع والفرق بين المتصورات في الأذهان والموجودات في الأعيان، وهم على صواب ظاهر دون الخناثى من المعتزلة لا رجال ولا نساء؛ لأنهم أثبتوا أحوالاً لا موجودة ولا معدومة"، إذ لم يستطع الشهرستاني أن يتفهم كيف يكون الفاعل موجداً ولا ينسب له من خصائص الموجود إلا فعل الإيجاد، كأن الكائنات مستغنية عن الموجد في جميع وجوهها وصفاتها وأفعالها إلا من حيث ظهورها أعياناً.

ربما غاب عن بال الشهرستاني، أن الفكر الجبري الذي واجهه المعتزلة، كان يتحرج من أن يسلب الله شيئاً، خشية القدح في القدرة الإلهية المطلقة، فقال بوحدانية الأفعال، على اعتبار أنه ليس لغير الله فعل على وجه الإيجاد، من خلق ورزق وإحياء وإماتة، وبالتالي فإن الله هو الذي يخلق على الحقيقة أفعال العباد، وأحوالهم، كالغنى والفقر، السيادة والعبودية.. كما لو أنه إله إغريقي يتمتع بصلاحيات اعتباطية شاملة. وهذا ما يخالف في نظر المعتزلة "لزوم الحكمة في أفعال الله"، وأنه لا يجوز أن تنفك عنها مطلقاً. وخلافاً لخصومهم، فإنه لا يجوز على مذهبهم أن يخلق الله الكافر الفقير الذي يعذب في الدنيا والآخرة.

ولم يكن في الواقع غرض المعتزلة إلا تعطيل الألوهية من هذا المعنى "التوحيدي"، الذي يعزو الشرور في عالم الإنسان إلى الله، في حين أن الأشياء، خيرها وشرها، على مذهبهم، تعزى إلى البشر أنفسهم.

ولذلك، فإن الذي نستخلصه من قولهم بشيئية المعدوم: إرادة نفي المشابهة بين الخالق والمخلوق، من حيث الماهية والوجود، فالمادة التي خلق منها الإنسان ليست متعلقة بماهية الله، ولو كانت متعلقة بها، أو هي جزء منها لما كانت ناقصة وحادثة، وبما أنها شيء آخر تماماً، فإن أعراضها هي غير فعل الله. وبكلام آخر، أن الإنسان لا يحتاج إلى الله إلا من جهة الوجود، وبعد الإيجاد ينقطع الفعل كما تنقطع صلة الباني بالبناء بعد إنشائه، وإلا انتفى الثواب والعقاب. لكن المسألة قد تظل غامضة إذا لم نفهم الفرق بين الإمكان والحدوث عند متكلمي الإسلام والفلاسفة الفيضيين. فالفارابي مثلاً يقول في "عيون المسائل" إن الحاجة إلى الله هي مرتبطة بالإمكان لا الحدوث. بمعنى أن العالم هو ممكن الوجود بذاته ولكنه ليس واجباً بذاته كالباري، إنما بغيره، ولولا الفاعل لما وجد بذاته، فيكون الله هو علة العالم وبانتفاء هذه العلة يصبح العالم عدماً، أي سيعود إلى ما كان عليه، مجرد إمكان، أو حالة ذهنية قابلة للتصور. أما المعتزلة، فإن الحاجة عندهم إلى الله مرتبطة بالحدوث فقط، أي إن حاجة العالم إلى الله تنتهي بعد إحداثه، كمثال البناء الذي ذكرناه، ومع هذا يرى الفارابي قدم العالم بالزمان، ولكنه حادث بالذات، بينما ينفي المعتزلة ذلك، ولهذا فإن فعالية الله في العالم عند الفارابي من خلال "العقل الفعّال" أكثر اتساعاً قياساً بانعدام الفعالية تقريباً عند المعتزلة بعد الحدوث. ذلك أن القول بفعالية الله في الواقع كما فهمها المعتزلة تتعارض في نظرهم مع حرية الإرادة وكون الإنسان مسؤولاً عن أفعاله، خيرها وشرها، ولذلك لم نبالغ في تأكيدنا على إرادة تعطيل الألوهية عند المعتزلة بالمعنى المشار إليه.

وطبيعي بعد ذلك أن يكون إبراهيم بن سيار النظّام، وهو فيلسوف المعتزلة بلا منازع، من القائلين بنظرية الكمون. والنظّام هذا هو أستاذ من هو غني عن التعريف، نعني أبا عثمان عمرو بن محبوب البصري المعروف بالجاحظ، وقد وصف الأخير معلمه في كتاب "الحيوان" بأنه "أنهج للمعتزلة سبلاً وفتق لهم أموراً واختصر لهم أبواباً ظهرت فيها المنفعة... وكان الأوائل يقولون: في كل ألف سنة رجل لا نظير له، فإن كان ذلك صحيحاً فهو النظّام".

وللنظّام تصور غريب في الخلق لم يألفه أصحاب المقالات، إذ كان يرى أن الله خلق كل شيء دفعة واحدة وفي وقت واحد، فلا آدم خلق قبل ذريته أو أن خلق الأمهات تقدم على خلق أبنائهن، ولكنه أكمن الأشياء في بعضها البعض، فيكون التعاقب الظاهري للأشياء يكمن حصراً في خروجها من حالات كمونها، دون أن تخلق من جديد وتخترع. غير أنها لا تظهر من مكامنها إلا بطريقة الحركة. وهذا ما يفسر قوله إن "الأجسام في حال خلق الله لها متحركة حركة اعتماد". وبحسب الشهرستاني، فإن الحركة كما تصورها النظّام مبدأ تغير ما، وليست انتقالاً من مكان إلى مكان، إنما حدوث وضع جديد للكائن في الزمن، من حالة الوجود بالقوة إلى الفعل، أو تحول جوهر أدنى بالمعنى الأرسطي إلى جوهر أعلى. وقد عرّف المعتزلة الحركة بأنها "كون" لا "نقلة"، والكون يعني وصول الجوهر إلى وضع وجودي أكثر كمالاً مما كان عليه، لكن إضافة النظّام كانت في تلك الحالة التي سماها "حركة اعتماد" وهي تصف حالة الكائن ما قبل التكوين، فإذا تحرك هذا الجسم فإن ما اعتمد عليه ابتداء هو الذي يوجب "طبيعته" في وضعه الجديد. ولهذا فإن النظّام لم ير في العالم سوى المادة والحركة. لكن النظّام يستدرك فيستثني آيات الرسل من الخلق الأول، ومعنى ذلك أن آيات الأنبياء لم يخلقها الله إلا وقت ما أظهرها على أيدي رسله، لكونها خلقاً متجدداً فرضته الضرورة.

الإرادة الإلهية

ثم إن النظّام امتنع عن إضافة الإرادة إلى الله، باعتباره غير مريد على الحقيقة، وإذا قيل إنه مريد لأفعال العباد فإنما هو في نظر النظّام آمر وناهٍ عنها. وهذا المعنى هو الذي يتبادر للذهن من قول فلاسفة الإسلام بأن الباري موجب بالذات، لا فاعل بالإرادة.

يحكي الأشعري في "مقالات الإسلاميين" عن مفهوم النظّام للإرادة قائلاً "الوصف لله بأنه مريد لتكوين الأشياء، معناه أنه كونّها. وإرادته للتكوين هي تكوين. والوصف له بأنه مريد لأفعال عباده فمعناه أنه أمر بها، والأمر بها غيرها (أي ليس الأمر هنا هو الأفعال نفسها)".

يتضح من ذلك أن النظّام قد نفى الإرادة الإلهية على وجهين: إرادته لأفعاله، إذ تصدر منه طبعاً، وإرادته لأفعال العباد، بمعنى خلقه لها. لأن إرادة الله عند النظّام هي فعله، أو أمره، أو حكمه، فالمراد في اللغة قد يسمى إرادة على نحو: جئتني بإرادتي، يعني مرادي. والذي نلاحظه أن هذا الرأي قريب من مذهب أستاذه أبي الهذيل العلاف، الذي بدوره لم يميز بين إرادة الله وفعله؛ فإرادته لما خلقه هي خلقه له، لكن خلقه للشيء هو غير سيرورة الشيء، كأمره بالطاعة إلا أن الطاعة هي غير فعله.

كان جعفر ابن حرب، وهو من أعلام معتزلة بغداد، يجوّز القول بأن الله أراد أن "يكون الكفر مخالفاً للإيمان وأن يكون قبيحاً غير حسن"، بمعنى أن الله حكم بذلك، إلا أن سائر المعتزلة، بحسب رواية القاضي عبد الجبار في المغني، أبوا هذا الإطلاق وأنكروه. لماذا؟

لأن الإرادة في نظرهم لا توجب الفعل، أو وقوع المراد، هذا بالإضافة إلى اعتقادهم بأن الله مريد لما علم كونه فقط، لا بمعنى التمني والرغبة. ولهذا زعم المعتزلة أن خصومهم، وإن لم يصفوا الله بالعبارة بأنه "مُتَمنٍّ"، قد جعلوا إرادة الله تبدو بمعنى التمني والاشتهاء، وذلك لقولهم بأنه يريد ما كان في علمه أنه لن يقع، ومن ذلك أيضاً قولهم إن الله لم يرد للكافر اكتساب الكفر، أو إنه لم يرد لأحد أن يكفر به. على أن الله في نظر غالبية المعتزلة، إذا كان مريداً، فإنه مريد بإرادة محدثة. ذلك أن القول بالإرادة القديمة يقتضي إثبات إرادات لا نهاية لها، أو أنه كان يريد أشياء بعينها وجرى في الواقع ما يخالف إرادته.

على أن ما يصح على الإرادة قد لا يصح بالضرورة على العلم، إذ إن علم الله يتعلق بالشيء على ما هو به، لا بكونه حادثاً وفقاً لهذا العلم. وهذا يقتضي ألا يحدث شيء يخالف ما وافق علمه، غير أنه قد تحدث أشياء على خلاف ما أمر به. من هنا كانت الإرادة الإلهية عند المعتزلة غير موجبة. إنما هي حادثة لا في محل، أي صار الله مريداً في الاعتبار الذهني بعد أن لم يكن، ومن أدلتهم النقلية على أن الإرادة مخلوقة آيات المشيئة، من ذلك "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً" (يونس، ٩٩)، على أساس أن معنى المشيئة في الآية معنى مجازي، أي لو صح أن يشاء ذلك منهم، وهذا يعني أن الإرادة محدثة، مقدورة لله، يصح أن يفعلها ويصح ألا يفعلها. وبهذا تكون إرادة الله جارية على مقتضى علمه لا بمعنى التمني والرغبة.

لئن كان الرواقيون ينكرون أن يكون الله فوق القانون، أو كما يقول سينيكا، إن الله وضع نظاماً للأشياء لا يحيد عنه، فإن النظّام كان يرى أن الله لا يفعل المحال الذي هو مناف للحكمة. ولذلك رفض أن يوصف الله بالقدرة على الظلم. ما معنى ذلك؟

إن غالبية معتزلة البصرة، بمن فيهم العلاف، كانوا يرون أن الله يقدر على الظلم، ولكنه لا يفعله، لأن الله، وهو الخير المحض، لا يفعل القبيح فحسب، بل لا يصدر منه إلا الخير لكونه مختاراً أبداً للأصلح الممكن. بيد أن النظّام يقول بوضوح إن الله لا يقدر على فعل القبيح، سواء من حيث الخلق أو التقدير. وإن تجويز وقوع القبيح منه ولو على صعيد القدرة قبح. ولو كان الله قادراً على ذلك فكيف نأمن ألا يفعله؟

لم يكن هذا الرأي وحده الذي كان محل استهجان الإسلاميين؛ بل أضيف له قول النظّام في عدم تجويز وصف الله بالقدرة على فعل كل ما نهى عنه، أو أنه يمكن أن يحرّم شيئاً لعلة لا يعلمها إلا هو. غير أن بعض المعتزلة نقحوا قوله الأول فأضافوا أن الله قادر على فعل الشر لكنه لا يفعله لكونه قبيحاً. في حين أن رأي النظّام أن القبح صفة ذاتية للشيء القبيح، لا لكونه اكتسب صفة القبح من خلال النهي الإلهي؛ إذ إن الأشياء لا تكتسب صفاتها من خارجها أو بواسطة الوحي، كالعبودية مثلاً، التي لم تكتسب صفة القبح لكونها لم تحرّم شرعاً.

اللطيف أن بعض تلاميذ النظّام كانوا أكثر تمرداً من الأستاذ، فأفصحوا عن تفضيلهم لأبي الذر الغفاري على سائر الشخصيات المقدسة، لكونه نموذجاً للإنسان الصادق في زهده، والدليل على ذلك أنه لم يتزوج سوى امرأة واحدة! وكأنهم بذلك قد ساووا بين من يعدد الزوجات ومن يمتلك العبيد. ويبدو أن المعتزلة خشوا من أن تتلطخ سمعتهم بعار "النظّامية"، فأخذوا يعلنون بأن تلاميذ النظّام قد خرجوا على مبادئ الاعتزال. ولم تطرح بعد ذلك هذه المسألة الحساسة عند أحد من شيوخ المعتزلة على الإطلاق، إلى أن ذاب الاعتزال في النقائض، كالأشعرية والإمامية والشافعية والزيدية، ولم يتبق منه حينئذ سوى ملامح باهتة من أصوله الخمسة.

وبالعودة للنظّام، فإن فاعل العدل في تصوره لا يجوز وصفه بالقدرة على ارتكاب الظلم، إذ لو وصفناه بذلك، لكأننا نقول إن لديه نزوعاً نحو الجور حتى وإن لم يرتكبه فعلاً، لأن هذا الميل لا ينشأ إلا من نقص وضعف في النفس. كما لو أن الباري عند أبي إسحاق مشروط بنظام، أو ضرورة طبيعة، لا يسعه خرقها أو الحيد عنها.

وعندما قيل للنظّام إنك تقول بحرية الإرادة للإنسان وتنفيها عن الله، فتجعله مكرهاً على أفعاله، ما دامت تصدر منه بمقتضى الطبع لا القدرة، كأنه لا يملك حرية الفعل والترك. كان جوابه: "إن الذي الزمتموني في القدرة يلزمكم في الفعل، فإن عندكم يستحيل أن يفعله وإن كان مقدوراً، فلا فرق". لكن كلا القولين على مذهب المعتزلة يصلان إلى نتيجة واحدة، أن الظلم ليس من فعل الله وخلقه ولا حتى من تقديره، كما أن عموم المعتزلة يقولون بأن الله لا يقدر على نفس مقدور العبد. وحجتهم انتفاء اجتماع مؤثرين، الله والإنسان، على أثر واحد.

ماذا عن الآية التي تقول "من شر ما خلق"؟ قيل إن "ما" نافية وليست اسم موصول لتقرأ بمعنى "من شر لم يخلقه الله". ولا شك أن هذا التأويل لطيف وضروري في سياقه على ما فيه من تعسف واضح. والذي ألجأ إليه ليس قصور المتأول في العلم بالنص، إنما دلالة الشر، والسببية خارج النص، ولذلك لم يكن المتأول معنياً بما يقول النص، ولا بملاءمة الكلمات للموضوع الذي سيقت من أجله، بقدر إيجاد معنى جديد يغير دلالة قائل النص وطبيعة وظيفته في العالم. إذ كان الرأي الشائع عند أهل السنة بحسب الفخر الرازي في تفسيره، أن الله مالك لجميع المحدثات، وتصرف المالك في ملكه كيفما شاء حسن وصواب على الإطلاق، ولذلك لا يجوز الاعتراض عليه في شيء. كما أن الأشاعرة أنكروا أن يجري في ملكه شيء على خلاف مشيئته. وبهذا الخصوص يرى سعد الدين التفتازاني في "شرح العقائد النسفية"، بأن الله خالق لأفعال العباد سواء تعلق الخلق بالكفر أو الإيمان، لكن بمعنى مغاير لما فهمه المجبرة الذين زعموا أنه لا فعل للعبد أصلاً. لكن هل مضمون الخلق عند الأشاعرة يتضاد حقاً مع مفهوم المجبرة للخلق؟

فالله برأي الأشاعرة يقضي بالكفر، ولكن لا يجوز مع ذلك أن نرضى به، لأن الكفر مقضي لا قضاء، فالكفر مكوَّن، والتكوين غير المكوَّن، ولذلك وجب التسليم بالتكوين لا المكوّن. ماذا يعني هذا؟

إن الله لا يجبر أحداً على الكفر، كل ما هنالك أنه أراد من الكافر الكفر باختياره، دون جبر، لأنه علم منه الكفر بالاختيار، فتكون إرادة الله الأزلية تابعة للاختيار الحادث. وإذن فإن الله حينما يأمر الكافر بالإسلام فإنه يعلم علم اليقين أن هذا الكافر المعين لن يؤمن، إنما هو من باب الأمر غير المراد لحكمة لا يحيط بمعرفتها إلا الله وحده. أو لأنه ببساطة "لا يسأل عما يفعل".

ولو شارك العبدُ الله في "الخالقية" لما قال الله في مقام التمدح بها "أفمن يخلق كمن لا يخلق" (النحل، ١٧) وكقوله أيضاً "خالق كل شيء" (الأنعام، ١٠٢)، وأكثرها وضوحاً: "والله خلقكم وما تعملون" (الصافات، ٩٦). على أن هذا لا يسوغ أن تنسب جميع أفعال العباد إلى الله، لأن المتصف بالشيء هو من قام بذلك الشيء، كالسارق والقاتل، لا من أوجده، فالله يخلق الصفات في الأجسام غير أنه لا يتصف بها. وبهذا يكون الفعل مقدوراً لله بحكم الإيجاد، ومقدوراً للعبد من جهة الكسب. وبالتالي تكون جميع أفعال العباد حادثة وفقاً لإرادة الله ومشيئته، مع الأخذ في الاعتبار أن ما لا يرضي الله فإنه مقضي لا قضاء، والمقصود تعميم إرادة الله وقدرته، وأن الكل بخلقه، ولكن بدون إكراه أو إجبار. ثم يخلص التفتازاني إلى أن الأشاعرة لا ينفون الكسب والاختيار للعبد رغم اعتقادهم في كون كل شيء بخلقه. وفي الواقع أن الكسب ليس سوى صورة مقنّعة من الجبر كما سنرى.

وكذلك، فإن الشيعة الإمامية يجعلون لله مشيئة في ما قضى وقدّر، لأن التقدير عندهم لا يجعله مغلول اليدين، على أساس أن الله ليس محكوماً في سلطانه بشيء ولو كان قدره، إذ يمحو "ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب".

ومن باب التندر على مفهوم القدر عند المعتزلة، روى ابن قتيبة في عيون الأخبار:

"أن أحد القدرية سأل مجوسياً: لم لا تسلم؟ فقال: حتى يشاء الله!  فقال القدري: قد شاء الله ذلك، ولكن الشيطان لا يدعك. فقال المجوسي: فأنا أكون مع الشريك الأغلب".

الشاهد محل القدح أن أفعال العباد قد تقع على خلاف إرادة الله بحسب مذهب المعتزلة. ولسنا في حاجة إلى التأكيد هنا على أن ابن قتيبة كان يقصد التهكم من عقيدة القَدَرية في القدر، وهم نفاته، وأسلاف المعتزلة كما هو معلوم، ومع أنه لم يحمل مسألة القدر عند المعتزلة على محمل الجد، فإن ما يريد قوله لا يختلف من حيث المضمون عن قول متأخري الأشاعرة، وهو "أن الله له كل شيء.. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.. فلا مضل لمن هدى ولا هادي لمن يضل"، ومن الظلم أن ينسب للإنسان ما ليس له، كالقدر والخلق. أما علة نفي القدرية والمعتزلة للقدر فإنها برأي ابن قتيبة تختصر في قول أبي يوسف: من طلب الدين بالكلام، أو بالفلسفة، تزندق. لأن مِلاك الدين التسليم والطاعة. وعندما حاول أهل السنة إحراج المعتزلة بسؤال الملك: هل يقع في ملك الله ما لا يريده؟ كان الجواب بنعم.

لأن المعتزلة، بمن فيهم النظّام، لم ينظروا إلى الله بوصفه مالكاً مطلق الإرادة وغير مقيد بقانون، بحيث يتصرف في ملكه كيف شاء، ولذلك تجرأوا على القول بإن الإنسان قد يحتج على الله لو كان فعله خلاف أمره أو خلاف "الحكمة"، باعتبار أن أفعال الله مقيدة برعاية المصالح والمفاسد بحسب مقتضيات النظر. ولذلك لقب المعتزلة بالعدلية لقولهم بعدل الله وحكمته.

يقول القاضي عبد الجبار في متشابه القرآن:

"إن الكلام لا يدل على الله لشيء في الكلام ذاته (من حيث اللغة)، وإنما يدل لكون فاعله حكيماً".

كما لو أن مفهوم الحكمة هو الذي يحدد دلالة النص لا النص بذاته، وإن كان هذا يعني أن تتلاشى كينونة النص في ظل هذا القيد الإلزامي، وبطبيعة الحال لم يكن هذا مراد عبد الجبار، ولذلك لم يلتزم به عملياً إلا في آيات الصفات الخبرية التي حملها على وجه "الحكمة"، على عكس أسلافه كالعلاف والنظّام وأبي علي الجبائى الذين كانوا أكثر جرأة في إعمال العقل بإزاء النص، ولم يكن عبد الجبار، على أهميته، إلا حلقة وصل بين العصر الذهبي للاعتزال وعصر التقهقر والتمذهب.

وكمثال على ذلك، فإن ابن المرتضى في كتاب "المنية والأمل"، وهو من أئمة الزيدية - وزيدية اليمن على وجه التحديد هم من حافظ على تراث الاعتزال - يقسم المعتزلة إلى اثنتي عشرة طبقة، فيدرج في الطبقة الأولى الخلفاء الراشدين الأربعة، وفي الطبقة الثانية التابعين، وفي الثالثة ذرية محمد بن الحنفية، وابن عباس، بالإضافة إلى زيد بن علي، أما معتزلة البصرة وبغداد كالعلاف والنظّام ومعمر وبشر والفوطي فيدرجهم في الطبقة السادسة. ومع ذلك، فإنه يحسب له أمانته في نقل مقولات شيوخ المعتزلة، البصريين والبغداديين، التي تنسف هذا التقسيم من أساسه، إلا إذا كان الخلفاء الراشدون والصحابة ينفون الصفات والقدر ويقولون بالجوهر الفرد ولا فعل لله إلا الأمر.

أما رأي النظّام في الإرادة الإلهية فلم يكن سوى إطلاق ما كان مقيداً في مفهوم العدل الإلهي عند العدلية الذي يفيد بإيجاب عمل الأصلح على الله.

وقد حاول الفخر الرازي في المحصل، الدفاع عن موقف النظّام، فأوضح أن فعل القبيح من الله محال، والمحال غير مقدور، فهو محال لأنه يدل على الجهل والحاجة، وهما محالان، والمؤدي إلى المحال محال، وبما أن المحال غير مقدور فإن المقدور هو الذي يصح إيجاده. ومع أن النظّام خصم للرازي، إلا أن الأخير حاول أن يصلح بين الفريقين، أهل السنة والمعتزلة، لأن "الكل لا يحاولون إلا التقديس والتعظيم لله"، فالسنة انشغلوا بتعظيم الله من حيث القدرة ونفاذ المشيئة، بينما المعتزلة انهموا بجانب العدل والبراءة عن فعل ما لا ينبغي. ورغم نيات الرازي الطيبة إلا أن الانشغال بنفاذ المشيئة هو غير الانهمام بالعدل.

لكن أبا الحسين الخياط في كتابه الانتصار، ينقل لنا أن النظّام كان يرى أن الله إذا علم أن فعل شيء أصلح من تركه استحال منه تركه والتخلف عنه. وبهذا الخصوص يرى الخياط أن أكثر الأمة توافق النظّام في رأيه "إلا من ثبّت لله القدرة على الظلم من المعتزلة". مع ذلك، فإن النظّام أراد أن يحيل القدرة على الظلم إلى شيء محدث، شيء يمكن لمسه والإشارة إليه، وهذا ما لا يخالف تمييزه بين الأفعال التي تأتي إما بالطبع وإما بالقدرة، وبهذا المعنى كان قوله إن "الظلم والكذب لا يقعان إلا من جسم ذي آفة". أي ثمة حاجة دعته إلى فعله، والذات الإلهية ليست محلاً للحاجات.

ولعله من الجدير بالذكر هنا، أن الخياط، الذي كان هدفه من كتاب الانتصار إبطال حجج ابن الراوندي ضد المعتزلة، بعد انشقاقه عن الجماعة وتأليفه لكتاب "فضيحة المعتزلة" الذي رد به على كتاب الجاحظ "فضيلة المعتزلة"، بدا محرجاً من آراء أبي الهذيل والنظّام وإن تعلل بأنها لا تنقض "توحيداً ولا عدلاً"، على افتراض أنها مما يدخل في الفروع التي لا تمس أصول المدرسة، فهما في نهاية المطاف بحسب رأيه لم يخالفا الإجماع ولا كذبا بصريح القرآن. والطريف في الأمر، أننا نجد في مدونات المعتزلة وغيرهم، أن النظّام كان أول من ألف في نقد الصحابة وعلماء الحديث، كما أنه نقض مفهوم الإجماع وحجية المتواتر. هذا بالإضافة إلى مجاهرته في إنكار المعجزات وكرامات الأولياء.

الكمون عند النظّام

يضرب النظّام عدة أمثلة لمفهومه عن الكمون، ذكرت في كتاب "الحيوان" للجاحظ، منها قابلية الثوب والحطب والقطن للاحتراق، بعلة وجود نار كامنة في هذه الأشياء، لا لأن ناراً من خارجها خلقت قابلية الاحتراق فيها، ولكن لأن النار الكامنة في الحطب على سبيل المثال، تفتقر بذاتها إلى نفي ضدها عنها، فلما اتصلت بنار أخرى، واستمدت منها قوة، زال المانع الذي كان يحول دون اشتعالها، فلما زال المانع ظهرت النار. وهكذا، فإن إحراق شيء ما يعني استخراج ناره الكامنة في جوهره، أو القابلية بالقوة على فعل بعينه. وكذلك حال سم الأفعى المقيم في بدنها، الذي لا يقتل لذاته، "وأنه متى مازج بدناً لا سم فيه لم يقتل ولم يتلف، وإنما يتلف الأبدان التي فيها سموم ممنوعة مما يضادها، فإذا دخل عليها سم الأفعى، عاون السم الكامن ذلك السم الممنوع على مانعه، فإذا زال المانع تلف البدن". ثم يضيف الجاحظ فكان المنهوش عند أبي إسحاق (النظّام) إنما كان أكثر ما أتلفه السم الذي كان معه.

وقد حاول الخياط في "الانتصار" أن يجد تخريجاً شرعياً لمفهوم النظّام في الكمون فراح يلوذ بحديث ذرية آدم، الذي يحكي عن مسح الله لظهر آدم، ثم أخرج ذريته قبل موعد ظهورها، فرأى آدم رجلاً جميلاً، فقال: يارب! من هذا؟ فقيل له هذا ابنك داود.

على افتراض أن هذا الحديث يتسق مع المعنى المراد في الآية التي تقول "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم، أفتهلكنا بما فعل المبطلون؟" (الأعراف، ١٧٢ – ١٧٣).

ومع هذا، فإنه يصعب إرجاع فهم النظّام لمعنى الكمون إلى هذه الآية أو ذاك الحديث. وذلك لأن مذهب الكمون، كما لاحظ ابن رشد بحق، في غاية التضاد مع مذهب الإبداع والاختراع. إذ يصور أنصار مذهب الكمون عملية الخلق على أنها خروج الأشياء بعضها من بعض، وهو خروج يضارع معنى الانبثاق الحر، على حين أن الفاعل عندهم لا يخترع شيئاً من لا شيء، إنما يبدو على نحو المحرك الذي احتيج إليه لتسهيل خروج الأشياء من بعضها البعض، والنظّام يقول بنوعين من الكمون؛ كمون الأعراض، وكمون الموجودات. أما أنصار مذهب الاختراع فإنهم يعتقدون بأن الفاعل هو الذي يبدع الموجودات دون أن يكون مشروطاً بوجود مادة سابقة على فعل الاختراع. ويظهر أن ابن رشد كان على مذهب المعتزلة في تفسير "الممكن بالقوة" على أنه ذات في حالة العدم، إذ يرى في "تهافت التهافت" أن المعدوم "من جهة القوة والإمكان الذي له يلزم أن يكون ذاتاً ما في نفسه"، ثم يشير إلى أن المعتزلة قالوا بأن المعدوم ذات، ولو كان العدم يضاد الوجود لما انقلب وجوداً، ويخلص إلى أن "هذه الطبيعة (أي إن الوجود لا يتحقق من عدم محض) اتفق الفلاسفة والمعتزلة على إثباتها". وقد صرح سلفه أبو علي بن سينا في "النجاة" بأن إمكان وجود الشيء، لا يرجع لقدرة الفاعل على إيجاده، إنما هو إمكان وجوده أولاً، لكونه ممكناً في ذاته، ومن ثم كونه مقدوراً عليه بإحالته إلى موجده، وعليه فإن كل حادث لابد أن تسبقه مادة قبل إيجاده. وهذا نصه:

"إن كل كائن فيحتاج أن يكون – قبل كونه – ممكن الوجود في نفسه فإنه أن كان ممتنع الوجود في نفسه لم يكن ألبته. وليس إمكان وجوده هو أن الفاعل قادر عليه، بل الفاعل لا يقدر عليه إذا لم يكن هو في نفسه ممكناً. ألا ترى أنا نقول إن المحال لا قدرة عليه... فالممكن هو ممكن في نفسه باعتبار ذاته ومقدور عليه باعتبار إضافته إلى موجده... ونحن نسمي إمكان الوجود قوة الوجود ونسمي حاملها موضوعاً وهيولى ومادة. فإذاً كل حادث فقد تقدمته مادة".

ومن المعلوم أن ابن سينا كان أقل تحفظاً قياساً ببعض أوائل المعتزلة في تأويل ما لا يقبل التأويل من نصوص السماء، بحجة أن الوحي ما نزل إلا للعامة، وفي كتابه "الأضحوية في أمر المعاد" ذهب إلى أن الشرع لو جاء بلغة الحكماء لما آمن به أحد من "العرب العاربة"، ولكن أسلوب ابن سينا العويص واستشهاداته بآيات قرآنية جعلاه أكثر قبولاً عند بعض المتشرعة مقارنة بجماعة النظّام.

العقل والنقل

يقول أبو مظفر السمعاني في كتابه الانتصار لأهل الحديث "اعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول وجعلوا الاتباع والمأثور تبعاً للمعقول. وأما أهل السنة قالوا: الأصل في الدين الاتباع والعقول تبع... وهذا معنى قول القائل من أهل السنة: إن الإسلام قنطرة لا تعبر إلا بالتسليم". هذا صحيح، إذ اعتقد المعتزلة بسلطان العقل على النقل، لكونه قوة بذاته على اكتساب المعارف، بل ليس هناك معرفة بغيره. هذا على المستوى النظري، أما على الجانب التشريعي العملي، فقد اتفقوا على أن العقل هو معيار الحسن والقبح في التحليل والتحريم، وفي تحديد طبيعة الخير والشر؛ سواء من حيث صفة الشيء في ذاته أو من خلال اعتبارات التحسين والتقبيح للفعل المعلومة بالعقل ضرورة قبل ورود السمع، وعلى ضوء ذلك فإنه لا يجوز لله أن يأمر بما هو قبيح، ولا أن يأتي الوحي بما يناقض مقتضيات العقل. وإذا تعارض النص مع العقل، وجب تقديم العقل، أو تأويل النص بما يتفق ومقتضيات المذهب العقلي. بل ذهب بعضهم إلى أن العقل ينسخ الأخبار.

وبخصوص الحسن والقبح العقليين، يقول عبد الجبار في المغني:

"إن السمع لا يوجب قبح شيء ولا حسنه وإنما يكشف عن حال الفعل عن طريق الدلالة، كالعقل... وإنما كان كذلك، لأن الدلالة على الشيء على ما هو به، لا أنه يصير كذلك بالدلالة. وكذلك العلم يتعلق بالشيء على ما هو به، لا أنه يصير كذلك بالعلم". ذلك أن الشرع لا يقرر إلا ما هو موجود في العقل ابتداء، بوصفه كاشفاً عما في الأفعال من معاني الحسن والقبح، لا موجباً، أي الشرع، على الشيء صفة من خارجه بدلالة الإملاء، وإلا تعارض الشرع مع "ما قد ركبه الله في عقولنا". وبتعبير آخر، فإن العقل يدرك الأحكام قبل أن يأتي بها الشرع، والأخير لا يأتي إلا بما هو معروف عقلاً، مما يعني أن لزوميات العقل تفرض لزوميات الشرع.

ويرى عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة، أنه لو كان القبيح يقبح للنهي الإلهي لوجب أن يكون الإنصاف قبيحاً في ذاته إذا نهى الله عنه "لأن العلم بالقبح يتفرع على العلم بوجه القبح... ومعلوم أن الملحدة يعرفون قبح الظلم، وإن لم يعرفوا النهي والناهي".

أما الأشاعرة فإنهم يقولون بالحسن والقبح الشرعيين، على أساس أن الواجبات كلها بالسمع. في حين أن العقل لا يحسن ولا يقبح، ولا يوجب ولا يلزم. وهذا يعني أن الله لا ينهى عن معصية لكونها قبيحة في ذاتها، كما يرى المعتزلة، إنما اكتسبت صفة القبح بفعل النهي الإلهي لا لنفسها، ولو أباحها الله لأصبحت حسنة. وحجتهم في ذلك أنه لو كان الحسن والقبح صفات ذاتية للأشياء أو الأفعال، لما وقع النسخ في الشرائع، فصار الحلال حراماً والمحظور مباحاً، ولما اختلفت الأحكام باختلاف الزمان والمكان. وهذا ما كان عليه رأي الجويني في "البرهان في أصول الفقه"، حين أكد على أنه "لا يقبح شيء في حكم الله تعالى لعينه، كما لا يحسن شيء لعينه". غير أن هذا يشي بنسبية الأخلاق وصيرورة الوحي، أو كأن الذات الإلهية تتدرج في مراتب الكمال، ما دامت الشرعيات التي يجوز ورود النسخ فيها مبنية على تغير أحوال المكلفين، وهذا بالمناسبة، كان مطلب فلاسفة الفيض بما أن الأخلاق ليست معطى أزلياً.

وكان الشهرستاني في الملل، يقطع بأنه "لم يرد في كل حادثة نص... والنصوص إذا كانت متناهية، والوقائع غير متناهية، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى، علم قطعاً أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد".

كما لو أنه أخذ يقرر الاجتهاد على أصول أهل النظر، وإن اشترط ألا يخرج الاجتهاد عن ضوابط الشرع. لكننا عندما نطالع الشروط الخمسة التي أوجب على كل مجتهد الإلمام بها، ومنها التمييز بين العام والخاص، المطلق والمقيد في النص، لا يسعنا إلا أن نتساءل عن علة نقده العنيف لعلماء الكلام، وهو الذي كان، نظرياً على الأقل، واحداً منهم. ثم نلاحظ أن هذا المفكر الذي وجد مسوغات موضوعية للاجتهاد بالرأي في الوقائع التي لم يرد بخصوصها نص، يحكم حكماً قاطعاً على أهل النظر والرأي بمشاكلة إبليس.

نجد الأمر عينه لدى سلفه أبي الحسن الأشعري، الذي عده المؤرخون الإسلاميون ممثلاً للخط المعتدل من المعتزلة؛ لأنه أعاد الاعتبار للنقل على حساب العقل الذي أخرجه من التاريخ، حيث جعل البرهان العقلي حجة للشرع لا عليه. وحين أعلن الأشعري توبته من بدعة الاعتزال، توسل في مقدمة كتابه "الإبانة" بأحمد بن حنبل إمام أهل الحديث، واصفاً إياه بالإمام الفاضل والرئيس الكامل "الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين". ثم علل زيغ المعتزلة عن الحق بعلة التقليد لرؤسائهم وأسلافهم، مؤكداً أنهم تأولوا القرآن على آرائهم. مع ذلك، كفره الحنابلة، إذ يروي ابن عساكر أن جماعة من الحنابلة مروا يوماً بقبر الأشعري، فتخلف أحدهم وبال على القبر، فعاتبه فقيه سمع بذلك، فقال للفقيه "لو قدرت على عظامه لنشبتها وأحرقتها".

لهذا لم يكن من المبالغة في شيء أن يصف المعتزلة الأشاعرة ومن شاكلهم من الفرق الإسلامية بالجبريين، لكونهم ردوا كل شيء إلى مشيئة الله وقدرته وإرادته وخلقه، حتى وإن تذرعوا بمفاهيم التقدير أو الكسب فإن النتيجة واحدة، إذ لا شيء قد يحدث دون خلقه وتقديره، وهم راضون بقضاء الله في الجملة على كل حال.

ولنأخذ على سبيل المثال مفهوم الكسب عند الأشاعرة. فمن حيث المبدأ يقول الأشاعرة بأن أفعال العباد اختيارية، ولكنها في الآن ذاته واقعة بقدرة الله، ومن ثم فإنه ليس لقدرتهم تأثير فيها. إنما يجري الله عادته بأن تكون لدى العبد قدرة واختيار، ولكن بشرط، ألا يكون هناك مانع، فمن أين يأتي هذا المانع؟ من الله. فإذا زال هذا المانع يكون فعل العبد مخلوقاً ليس له، بل لله "إبداعاً وإحداثاً"، فإنه وإن كان الفعل إبداعاً إلهياً خالصاً إلا أنه "مكسوب للعبد"، ولا ينبغي أن يبتهج العبد بهذا الكسب فلا فضل له فيه، لأن المراد بذلك هو نفي أي تأثير أو مدخل في وجود هذا الكسب بالنسبة إلى العبد سوى أنه كان محلاً له، كما لو أنه ليس سوى أداة لإرادة خارجية. وكان يمكن اختصار كل ذلك والاكتفاء بالقول إن الله هو الفاعل على الحقيقة، بما أن الاكتساب والمكتسب مخلوقان للباري.

التوحيد المعتزلي

من مقتضيات التوحيد عند المعتزلة نفي صفات الله الزائدة على الذات، أو ما يعرف بالصفات القديمة، وتنزيه الذات عن المادة وأعراضها تنزيهاً مطلقاً، فالله في نظرهم ليس بجسم ولا جوهر ولا يحده زمان أو مكان، ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول، كما لا يجوز وصفه بشيء من صفات الخلق الدالة على الحدوث، وكل ما قد يخطر بالذهن فهو بخلاف الله. وحين يقول المعتزلة إن الله واحد، فإنهم لا يتحدثون عن الوحدة بالمعنى العددي، إنما بمعنى المفارقة، وعدم المشابهة، ونفي الكثرة في الذات مطلقاً، وكل ما من شأنه أن يشي بصفات التشخص والعضوية.

ولهذا صرفوا آيات الصفات الخبرية التي شابها شيء من التجسيم عن معانيها الظاهرة إلى معان أخرى مجازية، على اعتبار أن النص القرآني "يعتمد النثر الفني دون التقريري المباشر"، وعلى هذا المنوال، طعن فريق منهم في صحة الأحاديث التي تنطوي على تصورات تشبه الخالق بالمخلوق. وهكذا تبدو الذات الإلهية عند المعتزلة مجردة من كل تشخص كما لو أنها ليست سوى قانون يحكم هذا العالم.

لم يرق هذا النمط من التجريد لفيلسوف قرطبة، خصوصاً إذا كان المخاطب به الجمهور الديني، إذ "لا تنتهي أفهام الجمهور إلى مثل هذه الدقائق، وإذا خيض معهم في هذا، بطل معنى الإلهية عندهم" على حد قوله في تهافت التهافت، مستعبداً إمكانية حدوث أي تأثير حقيقي في جمهور اعتاد على التعامل مع الله بمفاهيم حسية، ولذلك "اضطر الشرع إلى تفهيم معان في الباري بتمثيلها بالجوارح الإنسانية... فبعض الآراء هي سم في حق نوع من الناس، وغذاء في حق نوع آخر"، فأن تقول إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته وقادر بقدرة هي ذاته، أو إنه مريد بغير إرادة، فإن عامة الناس سيؤثرون ما قرره الشرع في مسألة الصفات، من كون الله متكلماً سميعاً بصيراً، ولهذا قال بعض الأشاعرة: إن إله المعتزلة هو ذلك الإله الذي نهى إبراهيم الخليل أباه عن عبادته في قوله "إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً" (مريم، ٤٢).

وعلى هذا النحو جاء إنكار ضرار بن عمرو لسائر صفات الله، بحيث يكون وصف الله بالعلم بقصد نفي الجهل عنه، والقدرة بغرض نفي العجز، إذ لا يوصف الله عند المعتزلة إلا بالسلوب، كوصف القديم يعني نفي الأولية، ووصف الغني يعني نفي الحاجة. وكان هذا أيضاً رأي العلاف، الذي لا يثبت صفة إلا بمعنى نفي نقيضها، غير أنه يثبت بعض الصفات الإيجابية لا بمعنى المغايرة للذات، إنما بوصفها عين الذات، وهذا الذي يظهر من قوله: إنه عالم وعلمه هو ذاته، وقادر وقدرته هي ذاته. بينما يرى النظّام أن اختلاف صفات الله لا بعلة اختلاف في ذاته إنما لاختلاف ما ينفى عنه من المتضادات، على نحو الجهل والعجز والموت، أما ذاته فهي واحدة لا تقبل التعدد.

أما أبو هاشم الجبائي فقد تفرد بإثبات الأحوال، التي نفاها أبوه أبو علي الجبائي، ومن أشهر نقاده بالإضافة لمتكلمي المعتزلة والأشاعرة، الشيخ المفيد في أوائل المقالات، وفي هذا يقول "هو قول فارق به سائر أهل التوحيد، وارتكب أشنع من مقال أهل الصفات"، مع أن المفيد نفسه قد نفى الصفات الخبرية كما سنرى. فالجبائي الابن تصور الصفات على أنها أحوال، فإذا قلنا إن الله قادر، أثبتنا حالة خاصة هي القدرة، وهي وراء كونه ذاتاً، وهذا جارٍ في سائر الصفات، ولكن فوق كل حالة منفردة، ثمة حالة أخرى عامة توجب الحالات كلها، على أن الجبائي ينفي إمكانية معرفة كل حالة على انفراد، فهي ليست موجودة كما يقول المثبتون ولا معدومة كما يقول النفاة، لأنها ليست قديمة كالذات، ولا هي بمنزلة المعدوم بمعنى الشيء أو الإمكان، كما أنها ليست حادثة، ماذا بقي إذن؟ إنها اعتبارات ذهنية لذات واحدة، لا تعلم على انفرادها مطلقاً، وإنما تعلم مع الذات فقط، وهي فيما يظهر بمثابة الصفات النفسية للذات، كما أنها حل وسط بين إثبات الصفات ونفيها.

لقد اتفق كبار الفلاسفة في الإسلام، كأبي بكر الرازي والفارابي وابن سينا وابن رشد، على نفي الصفات الإلهية رغم تباينهم في المذاهب الفكرية، وإن اعتقد الفقهاء أن الفلاسفة لا ينفون أسماء الله وصفاته إلا من حيث كونها في نظرهم مجرد تعابير مجازية، إذ إن نفي الصفات يستتبع بالضرورة نفي غاياتها ونتائجها. فحتى ابن حزم في "الفصل في الملل"، وهو الذي لا ينكر معاني الأسماء ولا يعطل الألوهية من معناها على طريقة المعتزلة، قد تحرج من تجويز إطلاق لفظ الصفات لله، لعدم ورود نص صريح في القرآن يشير إلى كلمة صفة أو صفات، كما لم يرد ذكر الصفات في الأحاديث النبوية. إنما تحدث القرآن عن أسماء الله الحسنى لا عن صفاته، منتهياً إلى أن لفظ الصفات اختراع معتزلي، ثم ذاع بعد ذلك بين المتكلمين وفقهاء المذاهب. وبصرف النظر عما ذهب إليه ابن حزم بشأن مفهوم الصفات في القرآن والنص النبوي، فإن الذي يعنينا هنا هو التأكيد على أن مقالة الصفات عند المعتزلة قد بلغت حداً غير مسبوق من الشهرة والذيوع بحيث أصبح من المستحيل لأي كان الحديث عن الألوهية في الإسلام دون أن تطل برأسها كما لو أنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من مفهوم التوحيد نفسه.

يذكر الشهرستاني في الملل والنحل أن: "الذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد: القول بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته. ونفوا الصفات القديمة أصلاً، فقالوا: هو عالم بذاته، وقادر بذاته، حي بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة. هي صفات قديمة، ومعان قائمة به. لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الإلهية. واتفقوا على أن كلامه محدث مخلوق في محل... وسموا هذا النمط: توحيداً".

بينما يرى أبو الحسن الأشعري في مقالاته، أن الله عالم بعلم، وقادر بقدرة ومريد بإرادة. ذلك أن الأشاعرة يثبتون سبع صفات قديمة وما يشتق منها من أسماء، وهي القدرة والقادر والإرادة والمريد والعلم والعالم والحياة والحي والبصر والبصير والسمع والسميع والكلام والمتكلم، ولكن بمعنى أنها صفات كمال. أما أفعال الله كالخلق والرزق فهي في نظر الأشاعرة محدثة غير قديمة. ولذلك عد بعض الأشاعرة الخلق، أو التكوين، أمراً اعتبارياً وليس صفة لله، "يحصل في العقل من نسبة المؤثر إلى الأثر"، وبما أنه كذلك فهو حادث، أي إن التكوين هو عين المكوّن.

على أن التناقض بين القولين ظاهر، لأن المقصود من قول الأشعري هو أزلية الصفات لكونها قائمة في ذات الله، غير أن غرض المعتزلة نفي مشاركة الصفات للذات في القدم، إذ لو شاركتها لكان الله جوهراً تلحقه الأعراض.

فعندما يقول المعتزلة، على سبيل المثال، إنه "لم يخلق الخلق على مثال سابق"، تردف العبارة السابقة بتأكيد مفاده أنه لا يجوز عليه "اجترار المنافع" و "لا يناله السرور واللذات" و "ليس بذي غاية يتناهى". كما لو أن صفات الله ليست سوى اعتبارات ذهنية، لا وجود لها خارج العقل، أو بعبارة الفلاسفة المسلمين، ليس لها وجود في الأعيان، أي عدم وجود حقائق في الذات الإلهية تقابل هذه الاعتبارات الذهنية التي نطلق عليها اسم الصفات.

في مروج الذهب، ينقل المسعودي، أن المعتزلة أجمعوا في باب التوحيد على أن الله ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر ولا شخص. لا تدركه الأبصار ولا يدرك بالحواس، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأنه لا يشبه الخلق بوجه من الوجوه. كما أن كل ما يخطر في العقل والأوهام من تصور لله فليس هو. فهو وحده القديم وما عداه فحادث. وصفة القدم تحيل إلى ما ليس لوجوده بداية.

والذي نلاحظه في هذا النص أن المعتزلة، من حيث المبدأ، لا يقولون من هو الله بقدر ما ليس هو، إذ لا يمكن إدراك "ماهية الله" لا بواسطة الحس ولا بواسطة العقل. وعلى هذا النسق جاء نص عبد الجبار الذي أورده ابن المرتضى في كتابه المنية والأمل، حيث يذكر أن المعتزلة أجمعوا على أن للعالم محدثاً قديماً... لا لمعانٍ (أي إن الصفات ليست معاني أخرى غير ذات الله).

على أن هذه النظرة السكونية للمبدأ الأول، التي تحيل الذات إلى نقيضها، قد أدت بالمعتزلة إلى قولين مشهورين فيما يتعلق بإرادة الله: فغلب على طائفة من البصريين ما عدا جماعة النظّام القول بإنه مريد بإرادة محدثة لا في محل، وذهبت جماعة الأخير كما مر بنا إلى أنه ليست لله إرادة على الحقيقة، نظراً لأن الأفعال تصدر منه بالطبع.

لقد عرفنا رأي النظّام في مسألة الإرادة، فماذا عن الكعبي البلخي الذي كان يرى على غرار أهل الطبائع أن الله لا يوصف بالإرادة على الحقيقة؟

ففي رأيه، أن عدم الإحاطة بالشيء هو الذي يولد عند الفاعل القصد والإرادة، بيد أن علم الباري المطلق بالشي كما هو يغنيه عن الإرادة والقصد. ولو افترضنا جدلاً أن للباري إرادة سابقة على حدوث الشيء أو إرادة حادثة معه، فإن "كانت سابقة فهي عزيمة، والعزم لا يتصور إلا في حق من يتردد"، وإن كانت مساوقة للحادث فهي إما أن "تحدث في ذاته أو في محل، أو لا في ذاته ولا في محل" وهذا كله باطل، ومن هذا المنطلق، يخلص الكعبي إلى أن تعيين إرادة قديمة، أو حادثة لله، مجرد لغو لا معنى له، لا سيما عند إثبات كونه عالماً بالغيوب ومطلعاً على سرائر الأشياء. مع هذا، فإن خصوم الكعبي قد فهموا المعنى ذاته الذي تنبه له نقاد النظّام، بأن الوجه المضمر من إنكار الإرادة هو إنكار كون الأفعال الإلهية اختيارية، بحيث تأتيه طبعاً دون إرادة منه أو قصد. والذي يؤكد هذا الرأي، أن ثمامة بن أشرس من معتزلة بغداد كان على مذهب النظّام في إنكار الإرادة، إذ قال بالإيجاد بالذات، على اعتبار أن الكون "فعل الله بطبعه"، وحجته على ذلك أن الإنسان هو المختار لأنه يقع منه الفعل وضده، في حين أن "المطبوع" هو الذي لا يقع منه سوى نوع واحد من الفعل. يروى في أمالي المرتضى:

"أن أحد المجبرة سأل ثمامة: ألا تحمد الله على إيمانك؟ (بما أن الإيمان على مذهب ثمامة هو فعل الإنسان وليس فعلاً لله) قال: إنني لا أحمد الله على الإيمان، هو يحمدني عليه لأنه أمرني به ففعلته، وأنا أحمده على الأمر به".

أما القائلون من المعتزلة بإرادة حادثة، كالعلاف والجبائيين، فإن المعنى المراد بالحدوث هنا ليس كما يبدو في الظاهر، لأن قولهم إن الباري مريد بإرادة حادثة لا يعني إلا أن الله مريد لأفعاله في وقت بعينه وإنما بمعنى أنه يخلقها بحسب علمه، فتتقدم إرادته على المراد زمنياً، كذلك في قولهم إنه مريد لأفعال العباد، بمعنى أنه يأمر بخيرها وينهى عن شرها، لكن الإرادة في هذا السياق، وهذا هو المهم، لا توجب المراد، كإيجاب العلة والمعلول، أو إيجاب التولد، كما هي الحال في القدرة التي توجب المقدور بواسطة السبب، إنما الإرادة في تصورهم تثبت تلازماً دلالياً بينها وبين الأمر، وهي فكرة اختص بها المعتزلة دون بقية الفرق الإسلامية. إذ كان الرأي الشائع عند الفرق أن بعض الأشياء والأفعال كالشر والمعاصي تحدث بإرادة الله وإن لم يأمر بها، فلا تلازم بين الأمرين، بينما عند المعتزلة لا معنى للإرادة غير الأمر، فإرادة الله ليست سوى أمره بالشيء أو نهيه عنه. وإذا كان الأمر هو حد الإرادة عند المعتزلة، فإن النتيجة المنطقية لذلك أن الشر ليس من خلق الله ولم يحدث بإرادته، إنما هو من خلق الإنسان وإرادته.

الغريب أن الشيخ المفيد خالف متقدمي الشيعة من الإمامية بشأن الإرادة، فقال بتلازم صفتي الأمر والإرادة على منهج المعتزلة، مع أن إنكار الإرادة على هذا النحو يقتضي بأن تكون الصفة عين الذات، ومن ثم فإن كلام الله محدث، وهذا مما لا ينكره المفيد مبدئياً، إلا أنه في الوقت الذي ينفي فيه الصفات على مذهب المعتزلة ينسب رأيه في "أوائل المقالات" إلى الآثار التي جاءت عن آل محمد.

ولئن كان ابن بابويه القمي يرى أن أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير، لا خلق تكوين، وهو في هذا الرأي يتفق مع غالبية الفرق السنية وأوائل الشيعة، فإن المفيد في "تصحيح اعتقادات الإمامية" يفصح عن عدم اعتقاده في كون أفعال العباد مخلوقة لله، ولا حتى بمعنى التقدير كما يقول أستاذه القمي، لأن التقدير في تصوره لا يكون إلا بالفعل، ولهذا وجد نفسه مرغماً كي يتسق الفكر مع ذاته على التشكيك في صحة ما نسب إلى الإمام جعفر الصادق من أحاديث الإرادة والقدر. وليس من الصدفة أن ينتهي إلى أن العلم بمآل الشيء لا يعني خلقه. وبتعبير اعتزالي، الإرادة غير موجبة، والعلم بالشيء غير حدوثه. ويستتبع هذا المذهب بالضرورة مذهب حرية الإرادة، وأن إرادة الله لا تؤثر على قدرة الإنسان وإرادته.

لكن في المقابل، نجد أن الأشاعرة يحكمون على الأفعال كلها بأنها مرادة للباري، لكونها تعبر في نهاية المطاف عن نظام الخيرات في الوجود. إلا أن هذا لا ينفي أن الأمر الإلهي قد يكون على خلاف الإرادة، على نحو أمر الرب لإبراهيم بذبح ابنه، إذ لم يرد الله أن يحصل الذبح وإن كان قد أمر به. ومن ذلك قول جعفر الصادق: "إن الله تعالى أراد بنا شيئاً وأراد منا شيئاً، فما أراده بنا أظهره لنا، وما أراده منا طواه عنا، فما بالنا نشتغل بما أراده منا عما أراده بنا".

الملاحظ أن الإرادة في الوجه الأول تعني الأمر، أما في وجهها الآخر فهي ما كانت متعلقة بعلم الله دون علم الإنسان، وبالتالي تكون الإرادة واحدة عند الأشاعرة، إلا أن حكمها يختلف باختلاف وجه تعلقها بالمراد. هذا المعنى لتعلق الإرادة على الوجهين المذكورين؛ في إرادته بنا وإرادته منا، هو الذي أثار فزع المعتزلة، لأنه يمكن بسهولة من خلال هذا النسق العقائدي، وبدعوى القضاء والقدر، إرجاع الكوارث والحروب والمجاعات في عالم الإنسان إلى نظام الخيرات والعلم الأزلي والإرادة السرمدية، ومن ثم يمكن أن يقال عن شرور السلطان إنها مجرد نقص في الوجود، لأن الشر المطلق لا وجود له إلا في اللفظ والذهن، بل إن في كل شر بالعرض وجهاً للخير.

والمعتزلة يقولون بوضوح لا يقبل اللبس إن هذا النمط من التفكير الجبري يخدم "الظلمة". لأنه، أي هذا النمط من التفكير، يقوم على الإيهام بالشرعية، بما أن الأشياء لا تحدث إلا بأمره تعالى، وتغييب الحس بالواقع، مادام الواقع ليس سوى فعل الله، وتأثيم النقد، لكون التاريخ نتاجاً طبيعياً لحكمة لا يحيط بها النظر. وهكذا تحصن السلطة غلبتها بخرافة القدر. غير أن اللافت أن التنكر للقدر لطالما اعتبر ضرباً من الردة.

العلم الإلهي

نقرأ عند الأشعري والخياط، أن أبا الهذيل والنظّام اتفقا على القول بقدم العلم الإلهي. فماذا يعني ذلك؟ هل علم الله هو علم بذاته دون المحدثات أو الجزئيات؟ أم أن علمه الأزلي يعني أنه عالم بما سيكون لا بمعنى التقدير؟ أم أنه لا يعلم الشيء قبل كونه على ما كان يقول أحد أسلاف المعتزلة الجهم بن صفوان؟

تعددت آراء المعتزلة واجتهاداتهم بخصوص العلم الإلهي، وإن غلب عليهم القول لفظاً بالعلم الأزلي. فعلى سبيل المثال، كان أبو على الجبائي يرى أن الله يعلم الأشياء قبل كونها، إلا أن هذا لا يعني أن حرية الإنسان مقيدة بعلم الله المسبق، لأن علم الله في هذا المقام هو تحقق في الزمان لا بمعنى تصريف للشؤون البشرية بمقتضى هذا العلم. ومن الواضح أن الجبائي يريد أن يثبت أن عدم القول بحرية الاختيار يتنافى مع عدالة الله.

وقد تفرد معمر بن عبّاد السلمي، الذي أنكر أن يكون الله خالقاً لشيء غير الأجسام، برأي خاص في هذا الصدد. ومفاده بحسب رواية الشهرستاني، أنه من المحال أن يعلم الله نفسه أو غيره، لكيلا يكون العالم والمعلوم واحداً. ذلك لأنه أراد أن ينفي كون علم الله علماً انفعالياً، تابعاً للمعلوم، إنما "علمه فعلي، فهو من حيث هو فاعل، عالم. وعلمه هو الذي أوجب الفعل" بحيث يتعلق علمه بالموجود حين حدوثه، لا بالمعدوم في حالة استمرار عدمه، أو يكون علمه بالشيء هو إيجاده، فعلمه يوجب الفعل. وهذا رأي درج فيما بعد عند الفلاسفة المشائين الذين جعلوا علم الله بالأشياء من ذاته لا من ذات الأشياء، لكي يقال إن كل معلوم كان مفعولاً له ومعلوماً لعلمه.

وإن كنا نشك في تفسير الشهرستاني لرأي معمر، خصوصاً أن الأخير يقدم في نصوص المعتزلة على أنه من أنصار مذهب الطبائع. ومعمر هو القائل بإن الله غير قادر إلا على الجواهر. ولذلك لا يجوز أن تنسب الأعراض إلى الله، لأنه لم يخلق لا صحة ولا سقماً ولا قوة ولا عجزاً، إنما هذه الأعراض فعل الجواهر بطبائعها، فالله يمنح الوجود للذوات لا للأعراض التي تصدر منها، وعليه فإن الله لم يخلق قابلية أو "استعداداً فطرياً" للإيمان عند بعضهم ولا ميلاً للكفر عند آخرين، وهذا ما يدل عليه قول معمر "إن الله لا يفعل عرضاً". إنما تكون الأعراض بحسب طبيعة كل جسم.

أما أبو الهذيل العلاف، فإن له مقاربة مغايرة لموضوع العلم، نقلها ابن حزم في "الفصل في الملل"، وملخصها أن كل ما يقع في عالم ما بعد الخلق، وإن كان معلوماً لله منذ الأزل، فهو خارج عن القدرة ولو كان يقتصر على تحريك ورقة من موضعها. ثم أضاف الأسواري، تلميذ النظّام النابه، أن من يعلم الله أنه سيموت في لحظة معينة، فإنه لا يقدر على أن يميته قبل ذلك، أو أن يطيل عمره طرفة عين بعد ذلك. لأن علم الله هو قدرته، فلا يقدر إلا على ما وافق علمه. فمن مات قتلاً، لولا وقوع القتل لجاز أن يعيش إلى وقت آخر، فعلة موته هي قاتله لا أجله. وعلى المعنى نفسه كان رأي الكعبي، الذي قال إن للمقتول أجلين؛ القتل والموت، وإن القاتل هو الذي منع المقتول من أن يعيش إلى أجله.

السببية الطبيعية

ذهب القاضي عبد الجبار إلى تحريم وصف الله بالرازق في حالة استيلاء السلطان على ممتلكات الناس، لأن في ذلك إيهاماً بأن هذا "الرزق" بأمر الله، كما لو أن الله سمح بفعل القبيح، أو أباحه بمعنى ما، أو حتى قضى به وقدره، ولهذا يقول عبد الجبار بأنه لا يجوز أن نسمي ما تم انتزاعه من أقوات الناس رزقاً ولو كان ذلك على سبيل المجاز. وإن كان هذا المعنى يتضارب مع الظاهر من آيات الرزق والتفضيل، كقوله تعالى" نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً" (الزخرف، ٣٢)، وقوله "والله فضل بعضكم على بعض في الرزق" (النحل، ٧١)". بينما الأشاعرة يجعلون الله منفرداً بتولي الأرزاق، سواء كانت حلالاً أم حراماً، فكما أنه ينفرد بالإحياء والإماتة، فإنه كذلك يرزق من يشاء، لا بمعنى الإباحة والتمليك، إنما يوزع الأرزاق على مقتضى حكمته لكيلا تفسد الأرض. ولاذ الإمامية في مسألة الرزق بمبدأ "البداء"، فقالوا إن الإنسان ليس محكوماً بقدر واحد، إنما المقدّر يمكن أن يتغير بالأعمال الصالحة، فالاستغفار مثلاً قد يكون سبباً في نزول المطر وجريان الأنهار.

وتعليقاً على فكرة الأرزاق عند الفرق قال ابن الراوندي: قسمت بين الورى معيشتهم/ قسمة سكران بيّن الغلط، لو قسم الرزق هكذا رجل/ قلنا له قد جننت فاستعط (أي استعمل السعوط وهو دواء للجنون).

على أن الفقر كسائر أحوال الإنسان في نظر المعتزلة التي لا تتعلق بفعل الله، لا من حيث الحكم ولا من حيث الخلق. وبخصوص "الفعل المتولد" يقول عبد الجبار:

"إنه لا يمتنع عندنا أن يستحق على الفعل (يعني فعل الإنسان) المتولد الذم أو المدح، والعقاب أو الثواب، لأنه كالمباشر عندنا في هذا الوجه إذا فعله وهو عالم بحاله أو متمكن من العلم بذلك، وما له يقال باستحقاق ذلك على المباشر قائم في المتولد، فالتفرقة بينهما فيه لا تصح".

لأن الفعل المتولد إنما يقع بحسب قصده ودواعيه، كالفعل المباشر، فيجب بناء على ذلك إثباته فعلاً للفاعل. ولا يصح عزو أفعال الإنسان على مذهب عبد الجبار عند الجهل بأسبابها إلى المصادفة أو ما شاكل ذلك، لأن الجهل بالأسباب لا يقضي بانتفائها.

ورغم أن عبد الجبار كان في مجال الطبيعيات أقرب هوى لمعتزلة عصره منه إلى أوائل معتزلة البصرة والفلاسفة، إلا أن هذا لم يمنعه من الإقرار بأن الموجودات تتصرف ذاتياً وفقاً لقوانين ثابتة أودعها الله فيها لمصالح هذا العالم ومنافعه. أو كما يرى الخياط، بأن المطبوع هو الذي لا يكون منه إلا جنس واحد من الأفعال، كأفعال النار والثلج والشمس وما شابه ذلك، وأما من تكون منه الأفعال المختلفة، (الإرادية وغير الإرادية)، فهو المختار لأفعاله. وهذا كما نعلم كان مذهب النظّام أيضاً الذي يقرر وجود طبائع ثابتة في أجسام الطبيعة غير قابلة للتغير.

وقد بالغ عبد الجبار في تأكيده على حرية الإرادة إلى حد إبطال قول أصحاب الطبائع من أسلافه الذين لم يختلفوا معه من حيث المبدأ في كون الإنسان مسؤولاً عن أفعاله، كالنظّام والجاحظ ومعمر، إذ يرى أنهم في الوقت الذي فيه يثبتون الفاعل المختار يقررون أن الأفعال تحدث بالطبع. غير أنه لا يوجد تناقض بين الأمرين، فالجاحظ مثلاً يعزو اكتساب المعتقدات إلى "داء المنشأ والتقليد" ولكنه في الوقت ذاته لا ينكر حرية الإرادة ودواعيها. كما أن قوله بأن للأجسام طبائع وأفعالاً مخصوصة بها، هو تأكيد على وجود قوانين طبيعية قائمة في الأشياء، إذ إن غالبية المعتزلة لا يفصلون بين مبدأ العلية، أو قانون السببية، في الطبيعة والحقل الاجتماعي، وعدم الفصل هذا لا يعني إغفال التمييز بين الفعل الآلي في الظواهر الطبيعية وبين حرية الإرادة لدى الإنسان، وهذا ما يعنيه الجاحظ بقوله: إن الإنسان لا فعل له غير الإرادة، وأن سائر الأعراض أفعال الأجسام طبعاً.

على أن مفهوم السببية كان موضع خلاف عميق بين عموم المعتزلة والأشاعرة؛ فالمعتزلة لا يقرون بإطلاق القدرة الإلهية في الطبيعة بحيث يتم إنكار فعل الموجودات، لطبع خاص بها أو قدرة لديها على الفعل الذاتي دون أن تكون متعلقة في فعلها بإرادة الله كما رأينا. بينما ينكر الأشاعرة قانون السببية، أو وجود قوانين حتمية في الطبيعة. فالله يخلق القوانين، وبإمكانه خرقها أو تغيير مجراها متى ما شاء. وعلى سبيل المثال، فإن أبا بكر الباقلاني ينكر أن يكون للظاهرة الطبيعية فعل خاص بها. إنما الفاعل الحقيقي هو الله. فالنار لا تحرق لأن طبيعتها الإحراق، ولا الخمر من طبيعته الإسكار. أي ليس هناك مبدأ ارتباط حقيقي بين العلة والمعلول، بين السبب والمسبب. والذي قضى بأن تجري الأشياء مجرى العادة، حركة وتولداً، بإمكانه أن يقضي بما يخالف الضرورة فيما هو معلوم بالحس. كوقوع المعجزات. وهذا لا يعني أن الأشاعرة، بمن فيهم الباقلاني، لا يقرون بوجود قوانين في الطبيعة، ولكنها في نظرهم ممكنة وليست واجبة، أي ليس هناك اطراد في حوادث الطبيعة، ومن هنا تكمن خطورة هذا المعتقد، إذ يفضي إلى إنكار وجود قوانين فاعلة على الحقيقة وبالضرورة، ومن ثم إنكار الحرية في الأفعال الإنسانية، على أساس أن القدرة الإلهية هي الفاعل الحقيقي في الواقع. وفي الحين الذي يسعى فيه المعتزلة إلى تقديم تفسير عقلاني لأفعال الله بلحاظ الحكمة وفعل الأصلح لكيلا تكون الأعراض طريقاً لمعرفة الله، فينسب إليه من بعد ذلك فعل الإنسان أو فعل الطبيعة، مؤكدين على مفهوم السببية في المجالين الطبيعي والبشري، نجد الأشاعرة يرفضون رفضاً قاطعاً أي تعليل يوجب على الله فعلاً بعينه. على قاعدة أن الله لا يسأل عما يفعل. لكن الاختلاف النظري أو المعرفي بين الفريقين هو في الواقع اختلاف أيديولوجي يتعلق بمفهوم السلطة. ففي كتاب "التمهيد" يرجع الباقلاني مسألة الغلاء والرخص في الأسعار إلى إرادة الله، لأنه يرى أن الله هو "الذي يخلق الرغائب في الشراء ويوفر الدواعي على الاحتكار"، ولو مات الناس جوعاً فإن السلطان قد أماتهم مجازاً لأن الذي يحدث الأسباب على الحقيقة هو الله. على حين أن عبد الجبار في كتابه "المغني" يعزو أسباب الغلاء إلى "قلة الشيء مع شدة الحاجة إليه، أو كثرة المحتاجين بالنسبة إلى ما هو موجود، وإن ما يجري من التسعير إنما أنشأه بعض الظلمة، ويؤدي هذا إلى فساد يعم الفقراء".

***

نضال البيابي

......................

مصادر:

في مسألة المعدوم والإرادة:

-القاضي عبد الجبار: "المغني"، باب الإرادة، ص ٦٠.

-المصدر نفسه، باب المخلوق، ج٨، ص ١٣.

-عبد الجبار: "شرح الأصول الخمسة"، ص ٩٢- ١١٨.

-الخياط: "الانتصار"، ص ٨٣.

-الشيخ نصير الدين الطوسي: "في شيئية المعدوم"، ص ٧٧.

-ألبير نصري: "فلسفة المعتزلة"، ص ١١٩.

في مسألة الكمون عند النظّام:

-الجاحظ: "الحيوان"، ج٥، ص ٣٤ – ٤٠، ٩٢- ٩٣.

- آراء النظّام في "الانتصار" (١٣، ١٧، ٢٠، ٢١، ٦١، ١٠٠، ١٦٨).

-ابن المرتضى: "طبقات المعتزلة"، ص ٥٠.

في مسألة أفعال العباد:

-القاضي عبد الجبار: "شرح الأصول الخمسة"، ص ٣٣٢- ٣٦٢.

-الأشعري: "اللمع"، ص ٣٨- ٤٧.

السببية عند المعتزلة والأشاعرة:

-"شرح الأصول الخمسة"، ص٣٦٤ -٣٨٣.

الباقلاني: "التمهيد"، ص ٢٨٦- ٣٣١.

في مسألة القديم والحدوث عند فلاسفة الإسلام:

-الفارابي: "الجمع بن رأيي الحكيمين"، ص ٢٣ -٢٥.

- الفارابي: "الدعاوى القلبية"، ص ٧.

-ابن سينا: "تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات"، ص ٦٨ –٦٩.

- ابن سينا: "النجاة"، ص ٣٥٦ -٣٥٧

تنتسب المعتزلة الى مؤسسها واصل بن عطاء الغزال الذي ولد سنه 80 هـ والذي المنشق عن مجلس شيخه الحسن البصري وقد انظم اليه عمرو بن عبيد، عرفت مدرسته بانها مدرسة العقل عند المسلمين، وغيرهم

وعقائديا يؤمنون بالأصول الخمسة (التوحيد، العدل، المنزلة، الوعد والوعيد، والامر بالمعروف) كنظريه عقائدية ورؤية كونية

لقد بدأ المعتزلة برأي في قضية واحدة هي (ايمان مرتكب الكبيرة)، ثم تطورت منظومتها العقائدية على أساس منهجي عقلاني مقاصدي، أخلاقي يعتني بالجانب المعنوي من أحكام العقيدة والفقه، مثل نفي الصفات اذ ان صفاته جل وعلا هي عين ذاته فقدمه الازلي ذاتا وصفاتا، ومثل عدم قبول ما ينفرد به الرواة كأصل عندهم هو و العدل لأنه الناموس الكوني، والحقيقة الخالدة الملازمة للأديان كافه، وعليه فان احكام الله طالما هو الخالق الحكيم وهو واهب العقول فان افعاله يجب ان تكون على وفق مقتضى العقل والحكمة، وعلية فان الله لم يخلق أفعال عباده - مع سلب قدراتهم واختياراتهم وأوجبوا عليه فعل الاصلح، وترتيبا على ذلك فانه صاحب الولاية المطلقة على الكون والانسان ملزم بفعل الاصلح لعباده فيلزم كل صاحب ولاية ان يكون ممن اذا خير بين الصالح والاصلح اختار الاصلح، ويجب عليه رعاية مصالح العباد، وذهب قسم منهم الى ان الله لا يفعل الا الخير واللطف والصلاح، ويصفون العقل بانه مستقل بالتحسين والتقبيح فما قبله العقل وحسنه كان حسنا، وما رده وقبحه كان قبيحا، فاذا فعل العبد الحسن اثيب عليه، واذا فعل القبيح عوقب على ذلك الفعل، وقالوا بانه مرتكب الكبيرة ليس كافرا ولا مؤمنا بل هو في منز بين المنزلتين، فان تاب رجع الى ايمانه وان مات مصرا على ذنوبه استحق العذاب، وقرروا ان الله ينفذ الوعد والوعيد على أصحاب الكبائر، ولا تقبل فيهم شفاعة وهم مخلدون في النار، وان كان عقابه اخف من عقاب الكافرين، وقالوا ان من اهم واجبات المؤمن انكار فعل المنكرات والامر بالمعروف لا سيما مع الحكام، مع الامكان والقدرة، وبالوسائل الثلاثة المتاحة ويرون قتال أئمة الجور لمجرد فسقهم، واوجبوا الثورة عليهم مع القدرة وغلبة الظن بالنصر والغلبة .

ومن معتقداتهم قولهم بخلق القران لاعتبار ان النص حاك عن الواقع الاجتماعي وان سبب النزول دليل على ذلك وهناك جدل بين النص والواقع وروابط سببيه وهذا موقف مضاد تماما لمن يرى ان القران ازلي قديم

وهم يرون ان القران مخلوق محدث ولهذه الفقرة من معتقداتهم دور خطير في الجدل اللاهوتي فهي لا تزال تحتل موقعا راهنا في السجال حول كيفية قراءة النص القرآني حاليا فلا بد من فهمه بما يتفق مع الواقع والعقل ومقاصد النص مما ينزع عنه الاطلاق والابدية، وينزع عن قارئيه حق الاجتهاد في قراءة نصوصه، واختاروا نفي الاعجاز بنظرية اخترعوها هي الصرفة، فنظريتهم في خلق القران تلتزم بقراءه عقلانية للنص وتشكل مدخلا محوريا في الصراع السياسي على الإسلام وجدل الحداثة بما لا يكرس التطرف والإرهاب لانها قراءه تجوز الاجتهاد في فهم القران فهما عقلانيا، واعتقد ان خصومهم نشروا انهم يقولون بان النص القرآني نص تاريخي له زمانه وظروفه ومكانه، ولا بد ان تستحضر المقارنات مقابل الرؤية التي تراه صالحا – بلفظه ومعناه للتمسك بالمعنى الحرفي، والذي يترجح عندي ان النصوص القرآنية لها مرادان مراد شكلي، ومراد جوهري، والجوهري هو المعنى الثابت والمقصد الازلي، فيجب ان يقرأ على أساس المرادين فقراءتهم لآيات الصفات كانت قراءه عقليه تأويلية للخروج من ارثوذوكسيه حرفيه نصوصية مستسلمة لأقوال السلف كاصل معياري

فالمعتزلة عندما قرأوا النص اعتمدوا العقل طريقا الى فهمه لكنهم لم يذهبوا الى ان العقل نقيض النص، بل كان مسلكهم هو مسلك أخلاقي ومعنوي وبرهاني لفهمه فهما صحيحا ككل النصوص البنيوية، لأن الايمان الذي لا يفهم من حلال العقل سرعان ما يتحول الى طقوس صامته

وقد مزجوا في رؤيتهم الشمولية بين العقل والعدل الكوني لان العدل ناموس الخليقة وميزانها، فالإنسان كائن مخاطب بالعقل والكون كله مخلوق على وفق قوانين عقلية، والتكليف مقدمته الضرورية هي العقل، فاحتاج لأجل محاسبته ان يكون فعله منسوبا الى أرادة حرة واعية، فصار الناتج ان الايمان لا ينفصل عن المسؤولية ومن هنا ولدت مفاهيم العلة، والغاية، والضرورة، كأدوات تفكير اعادت ترتيب العلاقة بين العقل والمخلوقات، وبين الله والانسان وصار الفعل الإنساني يحتاج الى تحليل لشروطه ودوافعه وحدوده لان الانسان حر ومسؤول لقد بالغ المعتزلة في طرح سؤال الوجود، وسؤال المعرفة وطبيعة السؤال انه يقلق السلطة السياسية والدينية، ويصبح خطرا عليها لأنه يحول التدين الى مساءلة ومسؤولية، ويجعل معيار الفعل عدالته ومنطقيتة وصار الشك المعرفي فضيله والاستدلال المنطقي ديدن العقائد، وتقديم العقل كمرجعية أولى يؤدي الى اخضاع كل الأفكار والمفاهيم لقواعد البرهان، واكتشفوا للتعارض بين النص والعقل الية التأويل للراجح بين المتعارضين، وان وظيفة التعليم هو تعظيم قدره الانسان على الفهم والتعليل والتحليل، وعند ذاك يمكن الانسان ان يغوص في التراث المعرفي فلا يتحول الى متلق مستسلم

ان نظريه التعاطي مع النص القرآني بوصفه (حمال أوجه) انتج تيارا عقليا، انتهى للتميز بين الظاهر القرآني والباطن التأويلي، واسس منهجية للتأويل سمي (فقه التأويل) كوسيلة لاكتشاف الباطن والحقيقة في مواجهة فقه الظاهر، فلقد اخرج المعتزلة التأويل من نوع الدليل الاحتمالي الى حيز البرهان، وتأسيس النزعة الإنسانية (علاقة الله بالإنسان) وهي علاقة تخويل الهي للإنسان ان يستعمل عقله لإدارة حياته والاعتراف بالحاكمية البشرية، والنزعة الوضعية للقوانين التي سكت عنها النص، او للآيات التي تحدثت عن ظروفها، فركزوا على الآيات التي تشيد بالقدرة الإنسانية وتمنحها الحرية فانكروا نظرية الجبر، وقالوا بان الانسان خالق افعاله، وان له القدرة على تمييز الحسن من القبيح وفرعوا على اصل العدل موضوع العدل الاجتماعي الذي أراد المعتزلة ارساءه في مجتمعهم، باتجاه المزيد من العمق والإنسانية مما مهد لمنظومة فكرية كانت ارهاصا حقيقيا للفلسفة النهضوية عند الفارابي والكندي وابن طفيل وابن رشد

وفي مجال موقفهم من الحديث والسنه النبوية

- فانهم رفضوا الاستدلال بخبر الاحاد في العقائد لأنه ظني والعقائد لا تثبت الا بدليل قطعي

- انهم لم يعتبروا خبر الاحاد من السنة لأنه لا يؤمن فيه عدم الصحة

فأن وجد حديث الاحاد فيشترطون له الا يخالف العقل، ولا يخالف القران، حتى مع امكان الجمع لأنه في الظاهر جاء مخالفا، ولا يحتج به في مجال الاعتقاد لانه يلزم ان يبني على اليقين (1)

وقد تعامل المعتزلة في فهم القران على وفق منهج (عقلي – تأويلي) في الاعتقاد وإخضاع فهم النص المفسر الى مراعاة اصولهم الخمسة ولم يعتمدوا منهج تفسير النص بالنص، اذ هذا يبقيهم في دائرة النص، ويقصي شريك النص (العقل) (2) مع إصرار على تنزيه الله عن التجسيم والتشبيه ويلاحظ ذلك في تفسير الكشاف للزمخشري، وذهبوا الى حل المتشابه على القواعد العقلية لا سيما آيات الصفات، ووظفوا فنون اللغة والبلاغة والادب لعرض رأيهم ولم يتقيدوا بأقوال السلف وقد ورد قول محمد عبده (بان الله لا يسألنا يوم القيامة عن اقوال الناس وما فهموه، انما يسألنا عما توصل اليه فهمنا) (3) وبذلك يصرفون الناس عن التقليد المعرفي لتفسير الآيات (4) ومن رؤاهم اللافتة انهم يعتقدون ان الله وضع المتشابه في القران ليترك للعقل الخوض فيها لاستخراج مكنوناته، وفي مجال النسخ ذهبوا الى ان السنة في اغلبها (اخبار احاد) والاحاد ظني، فلا تقوى على نسخ القران، لأن في تخصيص القطعي بالظني خلل منهجي لأنه لا يضع الظني الأدنى درجه في مصاف القطعي، لذلك: ذهب أبو الحسن الكرخي الحنفي الى ان حديث الاحاد لا ينسخ القران، ولا يخصصه ولا يقيده ففي قوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة) (5) تؤخذ على عموم المال وكل ما يصدق عليه اللفظ، واذا ترجح ان (الفعل خذ) فعل امر دلالته الوجوب فان الحاكم يحق له ان يفرض الصدقة على عموم الأموال ويوسع وعاء الزكاة ولا يعبا بحديث الغلات الأربعة (6) وكمثال اخر فان قوله تعالى (احل الله البيع) لا يخصص بحرمة بيع المسلم لأهل دار الحرب – الا بمقتضى العنوان الثانوي وطاعة (اوامر الحاكم الشرعي) وذهب الحنفية الى جواز بيع المسلم لأهل دار الحرب ما يحرم على المسلم كالخمر والميته (7) ودمجوا المقاصديه بالتخصيص فلو أوصى رجل لا وارث له بجميع المال فان الوصية صحيحه، ولا يرد التقيد بالثلث لأن حديث سعد في جوازها فقط بمقدار الثلث حديث الاحاد لا يقيد قوله تعالى (من بعد وصيه يوصي بها او دين) ويرون ان مقاصد قيد الثلث جاء لئلا يصيب الورثة ضرر وحيث لا ورثة للموصي فلا ضرورة للقيد ولأجل العمل بالخبر الواحد عند الحنفية المتأثرين بآراء المعتزلة اعتقد عدد من المعتزلة مذهب ابي حنيفة بالفرع مثل القاضي ابي سعيد البردعى، وبشر بن غياث المريسي، والجبائي فقالوا لا يعمل بحديث احاد ما كان متنه مما تعم به البلوى مثل حديث خيار المجلس، ورد اخبار الاحاد مسلك مباين للجمهور، وما سمعهم بالرأي والقياس الا اخذا ولو مجملا من المعتزلة، مثل الفقيه عيسى بن ابان (160-221) الذي يذكرونه في طبقاتهم (8) وكان قد تعلم صناعة الحديث من محمد بن الحسن الشيباني – تلميذ ابي حنيفة، ومسألة الصلة بين المعتزلة ومذهب ابي حنيفة مسألة مهمه اذ تراها مره ان الأحناف استقوا قواعدهم الأصولية من فكرة الاعتزال، وأخرى ان المعتزلة مذهب عقائدي فكانوا في الفروع على مذهب الأمام ابي حنيفة لتقارب، لأصول وان هناك قولا شائعا مفاده(ان الحنفية معتزلة الفقهاء وعندي: انهم تحولوا الى الماتريديه لأنها عندهم اكثر تماسكا من الاعتزال في البناء المنطقي في مجال العقائد وهكذا نجد التثاقف بين المعتزلة واتباع مدرسة ابي حنيفة واضحا جليا، بل لا ينكر تأثر السيد المرتضى وهو من كبار علماء الشيعة بالمعتزلة لا سيما في موقفه من خبر الاحاد .

وفي مجال النسخ في القران فان اغلبهم يرى ان الزيادة على النص القرآني من خلال الحديث نسخ، لكنهم يقطعون بانه لا يثبت بخبر الواحد ولا بالقياس لأن كلا منها لا يقوى على نسخ المتواتر مثل زيادة (تغريب عام) للزاني غير المحصن، وينكر بعضهم النسخ لأنه بداء وهو محال على الله وهو وان كان جائز عقلا فلا يستلزم الوقوع الفعلي

يؤمن المعتزلة بحوار الأديان ويعتبرون القواعد العقلية هي المعيار لان غير المسلمين لا يخضعون لغير العقل

ويرون ان الانسان كائن عاقل قادر على فهم الآيات والعلل وإظهار العجر عن معرفتها خلل منهجي يهدف الى ترسيخ تقليد السلف – وهم لا يرون ذلك على الاطلاق

يرون ان للانسان أراده حره مختاره عاقله ومسؤولة لذلك فان معيار الأفضل عقليا في المهارات شرط في التكليف بالأمور السياسية، لأن العقل ومراتبه اصل المفاضلة

ان كل ممكن بحاجة الى علة والتأويل بحث مبتكر عن العلة

لا يفهم المشروع الحضاري الإسلامي الا على أساس مبادى الفكر النقدي وممارسة الاجتهاد في كل الأزمنة وفي عموم صفوف المعرفة

لا يتوصل الباحث في النصوص الا اذا توسل للوصول الى مراد النص بالبحث عن الروح الأخلاقية المعنوية المقاصدية في النص، لان القران نص يمكن ان يتعقل

يرون ان السنه اغلبها تدبيريه منتزعة من ظروفها المكانية والزمانية وان الاجماع اصل دائم وليس أساسي فيلزم ان تستند الى العقل او القران او السنه

ينفتح المعتزلة على فكر الأمم والشعوب بشرط ان يدرس جيدا وينقد جيدا ويعاد انتاجه بما يتفق مع اصولهم

ان العقل شرط أخلاقي ومعنوي لفهم النص فالنص لا ينفصل عن مقاصده في تحليل البنيويات، والايمان يختبر بالعقل لا بالطقوس الصلبة

المشيئة الإلهية ليست مضادة للقوانين الطبيعية لذلك انكروا بعض المعجزات مثل انشقاق القمر

يلزم ربط الايمان بالمسؤولية لكي يكون الدين متصالحا مع الواقع ومعيار الايمان توافقه مع الحكمة

النقد والعقلانية يخيفان السلطة الدينية والسياسية، لأن السؤال عندها عبء، وليس ضرورة، ولان السلطة الدينية للفقهاء اعادت تعريف الدين على انه امتثال وليس مساءلة، وطاعة خالصة وليس مسؤولية ولان العقل لا يسمح للسلطة الدينية ان تستبعد الناس بالطقوس الشكلية التي تفتقد الى المعنى ويرفضون ان يكون الخطاب الديني (غامضا) لان في ذلك قصد تعطيل العقل

ان المعتزلة الجدد يرون ان الدين حاليا حاضر في الطقوس والشعارات والمناسبات، وليس في التفكير والتأمل وتجديد المسافات والاحتكام الى العقل وكل ما هو افضل ويرون ان التدين الراهن يستدعي النصوص ويعتمدها كوسيلة لتبرير الواقع المتردي، لا مساءلة، ويستحضر الأمور الغيبية لغلق الأبواب امام الممارسة النقدية وعلية فانهم يعتمدون منهجا لا يستخدم المقدس لإلغاء الانسان ولا يؤمنون بتدين لا يتضمن العدالة لأنه سيتحول الى هوية صامته صلبه – بلا روح – فالعقيدة التي لا تساءل لأنسان عن مسؤوليته في كل صغيرة وكبيرة تفقد قدرتها على اصلاح العالم، ويدعون الى استعادة الجوهر الأخلاقي للتدين في زمننا المشغل بالانكسارات

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

...........................

(1) أبو الحسين الخياط: المعتمد 2\153 ظ رسائل الجاحظ 3\58

(2) القاضي: تنزيه القران عن المطاعن ص 442

(3) محمد عبده: تفسير المنار ج1\27

(4) مصطفى مسلم: مباحث في التفسير الموضوعي ص 10، ظ محمود كامل احمد مفهوم العدل عند المعتزلة ص 71

(5) سورة التوبة \103

(6) الكاسيني: بدايع الصنايع 4\58

(7) المصدر نفسه 11\307

(8) المرتضى: طبقات المعتزلة 128

هذه رؤية تصحيحية فلسفية وتحليلية لخطأ شائع يقدم القضاء على القدر والعكس هو الصحيح. وتقديم القدر هو الأصح من الناحية اللغوية والمنطقية المجردة ويتطابق هذا التقديم بالفعل مع الترتيب الوجودي للأشياء حتى وإن جرى العرف اللغوي في العبارة الشهيرة "القضاء والقدر" على تقديم القضاء عطفا بالواو والواو في اللغة لمطلق الجمع ولا تفيد الترتيب حتما.

إذا حللنا المسألة بناءً على التحليل المفاهيمي والمنطقي فإن القدر يسبق القضاء بالضرورة ويمكن بيان ذلك من خلال نقطتين:

النقطة الأولى: التقدير والتخطيط (القدر):

القدر في أصله اللغوي والاصطلاحي يعود إلى التقدير أي وضع المقادير ورسم الحدود والخطط المسبقة.

منطقيا لا يمكن تنفيذ أي أمر أو الحكم بوقوعه ما لم يكن مقدرا ومحددا بمقاييسه أولا حيث القدر يمثل "المهندس" أو "المخطط" الذي يضع الحدود والصفات والأنظمة للأشياء قبل بروزها إلى عالم التحقق.

النقطة الثانية: الوقوع والإنفاذ (القضاء):

القضاء يعود في أصله إلى الفصل، الحكم، الإلزام وإخراج الأمر إلى حيز التنفيذ والوجوب.

منطقيا القضاء هو وقوع ذلك القدر المحدد مسبقا وإمضاؤه على أرض الواقع. ولذلك تسمى المحكمة دار القضاء.

حيث لا يمكن للقاضي أن يحكم أو يفصل في أمر (يقضي) ما لم يكن لديه قانون أو مقياس أو حدود مرسومة مسبقا (قدر) يستند إليها.

وهناك دليل دقيق من القرآن الكريم هو الآية(14) من سورة (سبأ):

(فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ. (سبأ.14).

لاحظ قال (قَضَيْنَا) ولم يقل (قَدَّرْنَا) أي إن الموت قدر محتوم على سليمان وعلى غيره والقضاء هو لحظة التنفيذ الزماني والمكاني تصديقا لقوله تعالى: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). (لقمان.34).

فالموت هو القدر الحتمي والقضاء هو لحظة تنفيذ وتحقق هذا الأمر في الوجود الفعلي.

والترتيب الدارج في العبارة الشائعة "القضاء والقدر" هو تقديم مسبق في الذكر لغرض بلاغي أو صوتي تعودت عليه الألسن لكن بالنظر إلى عمق المفهوم وجوهر العلاقة بينهما فإن القدر هو الأساس النظري والتقديري السابق والقضاء هو النتيجة التطبيقية والحتمية اللاحقة.

التتبع الفلسفي لمفهوم السببية والوجود:

هذا التحليل يضع اليد على واحدة من أدق القضايا الفلسفية التي شغلت الميتافيزيقيا (ما وراء الطبيعة) ونظرية المعرفة عبر التاريخ حيث يُلغي هذا التتبع الفلسفي فكرة "العشوائية" ويحل محلها نظاما صارما يربط بين الوجود والسببية.

عندما ينبثق هذا الاستنتاج من تتبع السببية والوجود فإن تقديم "القدر" على "القضاء" يصبح ضرورة فلسفية تفرضها البنية الوجودية للأشياء ويمكن قراءة هذا التلازم من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية:

الأول: من منظور الوجود المحض الانتقال من الإمكان إلى الوجوب:

في فلسفة الوجود يمر الشيء بمراحل قبل أن يخرج من الوجود المحض إلى الوجود الفعلي:

أولا: مرتبة القدر (الإمكان والتقدير): الأشياء في حد ذاتها قبل أن توجد تكون "ممكنة الوجود" - ممكن أن توجد أو لا توجد- والقدر هنا يمثل تحديد "ماهية" الشيء أي حدوده والقوانين الشاملة التي تحكمه والأسباب الوجودية التي تؤهل مادته للتحقق. فهو يمثل النظام الكلي والروابط السببية العامة. ثم تبدأ مرتبة القضاء (الوجوب والتحقق): الفلسفة تقول إن "الشيء ما لم يجب لا يوجد". والوجوب يحدث عندما تكتمل كل الأسباب والشروط وتنتفي الموانع. هنا يتدخل "القضاء" كعلة تامة وموجبة تُخرج الشيء من حيز الإمكان (القدر) إلى حيز الوجود الفعلي (القضاء).

الثاني: من منظور السببية: العلاقة بين القانون الكلي والحدث الجزئي:

السببية في جوهرها تفترض وجود علاقات مطردة وثابتة بين الأسباب والمسببات:

القدر كقانون سببي عام: يمثل المخزون الكلي لجميع العلاقات السببية الممكنة والمقدرة في الكون (إذا توفرت أ، ب، ج... سينتج د). هذا هو التقدير المسبق للأنظمة الفيزيائية والميتافيزيقية.

القضاء كواقعة سببية معينة: هو اللحظة الزمانية والمكانية التي تلتقي فيها هذه الأسباب فعليا في أرض الواقع لتتحقق عنها النتائج.

القضاء إذن هو "تطبيق" القانون السببي العام (القدر) في حادثة جزئية معينة.

وإذا أردنا أن نخطط الهيكل الفلسفي لرحلة الشيء من العدم إلى الوجود تكون بالشكل التالي:

بواسطة (القدر) يكون أخراج الشيء من الوجود المحض أي (الإمكان) إلى تحديد الماهية أي إلى رسم القوانين والروابط السببية الشامل للخروج من محض الوجود.

ثم القضاء يكون باجتماع الأسباب وحتمية الوجوب والبروز في عالم الواقع.

بناءً على هذا التتبع فإن القول بأن "القضاء يسبق القدر" فلسفيا يوازي القول بأن "النتيجة تسبق السبب" وهو أمر يرفضه المنطق الوجودي.

إذن القدر هو حاكمية القوانين والروابط والقضاء هو نفاذ تلك القوانين عند تحقق شروطها.

هنا يتبرعم سؤال: هل إن استقلال الإرادة الإنسانية يتحرك في الهامش المتاح داخل "القدر" (أي ضمن الخيارات والقوانين المقدرة مسبقا) أم أن القضاء يؤول في النهاية إلى حتمية وجودية مطلقة لا تترك مجالا للمصادفة؟

هذا الوصول إلى الحتمية الوجودية المطلقة هو النتيجة المنطقية والصارمة لربط الوجود بالسببية. فالفلسفة التحليلية والميتافيزيقية عندما تلتزم بمبدأ السببية العام التزاما مطلقا تصطدم حتما بنتيجة مفادها: إن كل ما يحدث في الكون بما في ذلك الأفعال الإنسانية هو نتيجة ضرورية لأسباب سابقة أحاطت به.

في هذا الإطار الفلسفي يتحول "القضاء" من مجرد حدث عابر إلى "إغلاق للكون" وسد لثغرات الاحتمال ويمكن تفكيك هذه الحتمية ونفي المصادفة من خلال أبعاد فلسفية محددة:

البعد الأول: المصادفة بوصفها "جهلا بالعلل" وليست حقيقة وجودية:

في الفلسفة الحتمية كما نجدها في الفيزياء الكلاسيكية لا وجود لشيء اسمه "المصادفة" في ذات الأمر.

المصادفة هي مفهوم ذاتي يعبر عن قصور المعرفة البشرية وإدراك شبكة الأسباب المعقدة التي أدت إلى حدوث الواقعة.

ولو أحيط العقل بجميع الأسباب والشروط الابتدائية لأي حدث مهما بدا عشوائيا كرمي نرد أو التقاء شخصين بدون موعد مسبق لتبين إن النتيجة كانت حتمية وواجبة الصدور بنسبة 100%. القضاء هنا هو تجسيد لضرورة هذه العلل.

البعد الثاني: القاعدة الفلسفية التي تنص على أن "الشيء ما لم يجب لا يوجد"

هذا المبدأ السينوي الصارم-نسبة إلى ابن سينا-يمثل العمود الفقري للحتمية الوجودية:

الحدث قبل وقوعه يكون "ممكن الوجود" أي أن كفتي وجوده وعدمه متساويتان ولكي يترجح وجوده على عدمه لا بد من مؤثر (علة) تامة وشاملة.

و عندما تكتمل العلة التامة الشاملة (القدر) تصبح كفة وجوده واجبة وحتمية حينها يمتنع عدمه تماما. هذا الترجيح الحتمي هو (القضاء) وبذلك فإن كل ما يدخل حيز الوجود يدخل عبر بوابة "الوجوب والحتمية" ولا مكان فيه للاتفاق أو المصادفة.

فتكون مستويات الحتمية في رحلة "القضاء": هي شبكة الأسباب المقدرة ثم اكتمال الشروط وانتفاء الموانع ثم حتمية القضاء والوجود.

البعد الثالث: مآل إرادة "الفاعل الاجتماعي" في ظل الحتمية:

عند تطبيق هذا التتبع على الوعي الإنساني والفعل الاجتماعي تظهر إشكالية كبرى هي: إذا كان القضاء حتمية مطلقة فإن إرادة الإنسان تصبح حلقة داخل سلسلة سببية ممتدة: من الأفكار والرغبات والقرارات الإنسانية التي لا تولد من عدم بل هي محكومة بأسباب سابقة (بيولوجية، نفسية، بيئية، وتاريخية).

إذن السلوك البشري يؤول في النهاية إلى "استجابة حتمية" لمجموع هذه المؤثرات مما يجعل مفهوم "الخيار الحر المطلق" (وهما) ويحوله إلى خيار مشروط بالأنظمة الكلية المطبقة عليه.

صار واضحا إن الرؤية التي ترجع القضاء إلى حتمية وجودية مطلقة تنفي "المصادفة" تماما وتحول الوجود إلى بنية نسقية متماسكة أشبه بآلة كونية كبرى حيث كل حدث جزئي هو ترس يتحرك بضرورة تفرضها بقية التروس.

فإذا كانت الحتمية مطلقة وهذا يعني نفي المصادفة تاما إذن كيف يمكن في ضوء هذا التتبع الفلسفي قراءة مفاهيم مثل "المسؤولية الأخلاقية" أو "الفعل التاريخي"؟ هل يصبح الإنسان مجرد ناقل للحركة التاريخية والوجودية أم أن الوعي بهذه الحتمية يمنحه نوعا فريدا من التحرر؟

هذا الانتقال من "الحتمية المطلقة" إلى "التحرر عبر الوعي" يمثل ذروة النضج في التتبع الفلسفي للوجود وهو يتقاطع بعمق مع أطروحات فلاسفة كبار أدركوا أن الحرية الحقيقية ليست في الانفلات من القوانين السببية وهو أمر مستحيل وجوديا بل في فهمها واستيعابها.

الإنسان عندما يدرك أنه جزء من بنية وجودية حتمية لا يعود ريشة في مهب الريح تحركها الصدف بل يتحول وعيه إلى أداة لامتلاك الفعل التاريخي والوجودي. هذا التحرر الفريد يتجلى في ثلاثة مظاهر رئيسية:

المظهر الأول: التحرر من الأوهام والمشاعر الاستنزافية:

المعاناة الإنسانية (كالندم، الحزن، الحسرة، والقلق) تنبع كلها من (وهم) مفاده إن الأشياء كان يمكن أن تحدث بشكل مغاير لما حدثت عليه.

عندما يعي الإنسان إن الماضي كان حتميا وبأنه "قضاء" نتج عن قدر أي عن أسباب ومقادير لم يكن هناك مفر من التقائها يزول الندم تماما فلا معنى للقول "لو أنني فعلت كذا لكان كذا" لأن القوانين الوجودية لم تكن لتسمح بغير ما حدث.

الخوف من المستقبل: الوعي بالحتمية يحول القلق من المجهول إلى طمأنينة معرفية حيث يُدرك الوعي أن المستقبل ليس ساحة للفوضى أو المصادفات المرعبة بل هو نسق وقانون يتشكل بناءً على مقدمات وعلل.

المظهر الثاني: الحرية بوصفها "وعيا بالضرورة":

في فلسفة التاريخ يعلمنا شيخنا الفاضل ماركس أن الحرية لا تعني إنكار الحتمية أو القوانين التاريخية والاقتصادية بل تعني اكتشافها وتوظيفها.

الحتمية تشبه قانون الجاذبية فالإنسان لا يمكنه إلغاء الجاذبية لكن وعيه بهذا القانون الحتمي سمح له بصناعة الطائرات والتحليق بها.

في الحقل الاجتماعي والتاريخي الوعي بالعلل والحتميات البنيوية كالظروف التاريخية التطور التكنولوجي والعلاقات الإنتاجية هو الذي يمنح الفاعل الاجتماعي القدرة على اتخاذ موقف واعي. الإنسان هنا لا يعود مجرد منفذ أعمى للحركة التاريخية بل يصبح مشاركا واعيا لها يعرف أين يتجه التاريخ فيتحرك معه وفيه.

المظهر الثالث: تحول الوعي إلى "علة" داخل السلسلة السببية:

هذا هو الجانب الأكثر إثارة: الوعي بالحتمية لا يقف متفرجا بل يدخل في صلب السلسلة السببية نفسها: عندما يعي الإنسان القوانين التي تحكمه وبيئته ومجتمعه فإن هذا الوعي ذاته يتحول إلى "سبب جديد" يضاف إلى شبكة الأسباب الأخرى (القدر) فيغير من اتجاه "القضاء" اللاحق.

أخيرا نقول: الإنسان المحكوم بالحتمية دون وعي بقوانينها يتصرف كآلية بيولوجية واجتماعية صرفة. أما الإنسان الواعي بحتمياته فإنه يدمج هذا الوعي في قراراته ليكون فعله القادم محكوما بوعيه بالضرورة فيفهمها ويتصرف على ضوء هذا الفهم وهو أسمى أشكال التحرر الممكنة داخل هذا الكون الصارم.

***

سليم جواد الفهد

لقد مثّلت الثّورة الجزائريّة حدثًا تاريخيًا بارزًا له انعكاسات كبيرة على الخطاب الشّعريّ العربيّ. هذا الخطاب الشّعريّ تفاعل مع الثّورة الجزائريّة بطرق متنوّعة، حيث برزت هوّيتها وأبعادها في هذا التّفاعل الشّعريّ. هويّة الثّورة الجزائريّة في الخطاب الشّعريّ العربيّ، حيث تمّ تفعيل الخطاب الشّعريّ ليعبّر عن الهويّة والأبعاد المختلفة لهذه الثّورة الوطنيّة، من خلال جملة من المقوّمات، من أهمّها:

- تجسيد الهويّة الوطنيّة: بعد أن استُخدِم الشّعر لتعزيز الانتماء إلى الوطن، والتّأكيد على الوحدة الوطنيّة بين الشّعب الجزائريّ.

- التّمسّك بالثّقافة الجزائريّة: كانت القصائد تعكس تأثيرات الثّقافة الجزائريّة التّقليديّة والتّاريخيّة في مواجهة الاستعمار.

- التّصدّي للغزو الثّقافيّ ورفض الاستعمار الثّقافيّ: إذ قام الشّعراء بمقاومة تأثيرات الاستعمار الفرنسيّ على الثّقافة الجزائريّة من خلال إبراز الهويّة الجزائريّة الأصيلة.

- النّضال والمقاومة: لتمجيد الشّهداء وتكريم المجاهدين، وبتسليط الضّوء على البطولات والنّضالات.

- الحلم بالحريّة والاستقلال، حين رسم الشّعراء صورًا لمستقبل مستقلّ وحرّ للجزائر، حيث تمثّلت آمال الشّعب في الحريّة والعدالة.

وقد انتقلت الثّورة إلى الشّعر من خلال استخدام أساليب جديدة مثل النّثر، والخطاب الشّاعريّ الحرّ للتّعبير عن الشّغف والغضب والأمل، وبهذا الشّكل، جسّد الشّعراء الجزائريّون الثّورة الجزائريّة في خطابهم الشّعريّ بطرق متعدّدة تعكس الهويّة والأبعاد المختلفة لهذه الحركة الوطنية المهمّة في تاريخ الشّعوب العربيّة والعالميّة.

بهذا التّفاعل الشّعريّ، برزت هويّة الثّورة الجزائريّة، وأبعادها المتنوّعة في الخطاب الشّعريّ العربيّ المعاصر، ممّا يؤكّد على أهمّية هذه الثّورة في الوعي الثّقافيّ والأدبيّ للأمّة العربيّة، ذلك وغيره ممّا ستحاول هذه المداخلة عرضه وتحليله بحول الله تعالى.

القيم السامية للثورة الجزائرية

لقد كان لثورة تحرير الجزائر المجيدة التي اندلعت في التي بدأت في 1 نوفمبر 1954 الأثر البارز في إيقاظ الحس الوطني والشعور القومي العربي، بما حملتهُ من قيم إنسانية سامية. إذ كانت هذه الثورة نقطة تحول تاريخية في النضال ضد الاستعمار الفرنسي، وتكمن قيمة ثورة التحرير الجزائرية في تأثيرها العميق على العالم، وعلى المبدعين العرب، حيث تجسدت إرادة الشعوب في التحرر من الاستعمار، وبرزت أهمية النضال من أجل الحقوق والحرية.

وتمثل ثورة الجزائر رمزًا للنضال من أجل الحرية والكرامة، وتجسد إرادة الشعب الجزائري في مواجهة الظلم. لذلك تُعتبر الجزائر اليوم "بلد الأحرار" بفضل تضحيات الشهداء والمجاهدين الذين ساهموا في تحقيق الاستقلال، وبفضل هذه الثورة ألهمت العديد من حركات التحرر في العالم، وتحديدا لدى رأى العديد من النشطاء في الدول الأفريقية التي كانت تحت الاستعمار فكانت هذه الثورة مثالًا يُحتذى به، مما حفّز حركات التحرر في دول مثل كينيا، وموزمبيق، وأنغولا، وغيرها من الدول على الانتفاضة ضد مستعمراتها.

لقد كانت الثورة الجزائرية أحد الأسباب التي دفعت دول العالم العربي إلى تعزيز التضامن والتعاون فيما بينها؛ إذ ساهمت الجزائر بعد استقلالها في دعم الحركات التحررية في المنطقة العربية وخارجها، وكانت الجزائر واحدة من الدول التي دعمت القضية الفلسطينية بشكل قوي، لذلك أدت الثورة الجزائرية إلى إعادة النظر في السياسة الاستعمارية الفرنسية، وإلى تسريع عملية إنهاء الاستعمار في العديد من المستعمرات الفرنسية الأخرى.

وساعدت الثورة الجزائرية على تعزيز حركة عدم الانحياز التي تأسست في باندونغ Bandung  عام 1955، حيث أصبحت الجزائر بعد استقلالها من الدول المؤثرة في هذه الحركة وهو ما ساعدها على دعم سياسات الابتعاد عن القطبين الرئيسيين (الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة) والسعي إلى نظام دولي متعدد الأقطاب.

 وبفضل هذه المساعي أصبحت الثورة الجزائرية مصدر إلهام لحركات التحرر في العالم، وبخاصة في الأدب والفن في جميع أنحاء العالم؛ إذ أنتج العديد من الكتّاب والفنانين أعمالاً تُستلهَم من كفاح الشعب الجزائري، ومن بين هؤلاء الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر Jean-Paul Sartre) والكاتب فرانس فانون  FanonFrantz، وغيرهما كما سيأتي الحديث – تباعًا - بالتفصيل عن أبرز الشعراء العرب - على وجد التحديد – بالاستثمار في ثورة التحرير المجيدة للتعبير عن مواقفهم الخالدة.

الشعر كوسيلة للتعبير عن الروح القومية

لقد كانت ثورة الجزائر (1954-1962) حدثًا تاريخيًا بارزًا، ترك أثرًا عميقًا على الأدب العربي، وخاصة الشعر، حيث استخدم الشعراء فريحتهم الشعرية كوسيلة للتعبير عن مشاعرهم تجاه الاحتلال الفرنسي، مما ساهم في تعزيز الهوية الوطنية والانتماء، والتعبير عن الألم الذي عاناه الشعب الجزائري تحت الاحتلال. كانت القصائد تعكس مشاعر الفقد والحرمان، مما ساهم في توحيد مشاعر المقاومة، على نحو ما عبر عنه الشاعر سليمان العيسى (1921/2013) حين اعتذر للجزائر بقوله:

روعةُ الجرح فوق ما يحملُ

اللفظ، ويقوى عليه إعصارُ شاعرْ

أأغنّي هديرَها، والسماواتُ

صلاةٌ لجرحها، ومجامرْ؟

أأناجي ثوارَها، ودويُّ

النار أبياتهم، وعصفُ المخاطرْ؟

بين جنبيَّ عبقةٌ من ثراها

ونداءٌ – انّى تَلفّتّ – صاهر

ما عساني أقول؟ والشاعرُ

الرشاشُ، والمدفع الخطيبُ الهادر

والضحايا الممزّقون، وشعبٌ

صامدٌ كلإله يَلوي المقادرْ

فوق شعري، وفوق مُعجِزة

الألحان هذا الذي تخطُّ الجزائر

يا بلادي، يا قصةَ الألم الجبار

لم يَحْنِ رأسه للمجازرْ

ما عساني أقول؟ والنارُ لم

تلفح جبيني هناك، والثأر دائر

ودويّ الرشاش لم يخترقْ

سمعي، ويسكبْ، في جانحيَّ المشاعر

لم أذق نشوةَ الكمين يدوي

فاذا السفح للصوص مقابرْ

لم أعصِّبْ جرحي، وكفّي على

النار، وعيناي في العدوّ الغادرْ

ألف عذرٍ، يا ساحة المجد،

يا أرضي التي لم أضمّها، يا جزائر

ألف عذرٍ، إذا غمستُ جناحي

من بعيدٍ بماحقاتِ الزماجرْ

بيديكِ المصيرُ، فاقتلعي الليلَ،

وصوغيه دافقَ النور، باهرْ

لك في الشرق جانحٌ عربيٌ

يتمطّى عن معجزاتِ البشائر

لكِ هذا الجدار ينسحقُ

الغدرُ على سفحه وتُمْلَى المصائر

رفعته الأكبادُ في مصرَ والشام

مضيئاً، كطلعة الله، ظافر

تتناول قصيدة ملحمة الجزائر مشاعر الشاعر سليمان العيسى تجاه ثورة التحرير الجزائرية، وتعبر عن إعجابه الشديد وشعوره بالاحترام والتقدير لتضحيات الشعب الجزائري في سبيل الحرية والاستقلال. يبرز العيسى في هذه القصيدة قدرة الشعب الجزائري على الصمود والتحدي، ويعترف بعدم قدرته على التعبير بالكلمات عن حجم المعاناة والبطولات التي قدمها الجزائريون. وهذه واحدة من قصائد الشعراء التي كتبت تحث على النضال وتدعو إلى الوحدة، مما ساعد في تحفيز الروح الوطنية وتعزيز الإرادة الشعبية.

تناولت قصائد الشعراء العديد موضوع المقاومة، حيث عبر الشعراء عن رغبتهم في التحرر من الاستعمار، مثل الكثير من الشعراء الذين عكست قصائدهم عن الهوية الجزائرية، حيث استخدم الشعراء الرموز الثقافية والتاريخية لتعزيز شعور الانتماء.، بالإضافة إلى استخدامهم الصور الرمزية والتشبيهات القوية للتعبير عن مشاعرهم، مما أضفى عمقًا على النصوص الشعرية، حيث كانت الرموز تعبر عن الأمل في الحرية والتغيير، في حين اتجه بعض الشعراء إلى استخدام أسلوب مباشر يتسم بالقوة والعاطفية، مما جعل الرسالة أكثر تأثيرًا.كما في مساندة محمود درويش للثورة الجزائرية، رغم أنه فلسطيني، إلا أن تأثير ثورة الجزائر كان واضحًا في شعره، حيث استلهم من روح المقاومة الجزائرية.

ونشيد الثورة لحن.. تعرفه كل الأجراس

والراية في كوبا.. يرفعها نفس الثائر في الأوراس

لقد أثرت الثورة الجزائرية على الشعراء في البلدان العربية الأخرى، حيث أصبحت الجزائر رمزًا للنضال ضد الاستعمار، مما أدى إلى تجديد الشعر العربي وظهور تيارات جديدة تعبر عن القضايا الوطنية والاجتماعية، فضلا عن أن ثورة الجزائر كانت نقطة تحول في الشعر العربي، حيث استخدم الشعر كوسيلة فعالة للتعبير عن المقاومة والهوية الوطنية. فساهمت هذه الثورة في تشكيل مواضيع جديدة وأساليب تعبيرية مبتكرة، مما جعل الشعر وسيلة قوية للتعبير عن الإرادة الشعبية في مواجهة الظلم.

فالشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب يعتبر الثورة الجزائرية حدثا أخرج العرب من القبور الميتة ورفع ضوء الحياة بدنيا العرب، ويرمز للثورة بسيزيف الذي حكمت عليه الآلهة اليونانية بأن يَصعد بصخرة على ظهره إلى قمة الجبل فتتدحرج منحدرة إلى السفح فيعيدها لقمته وهكذا، لكنه في الجزائر تخلّص سيزيف أي العربي من عبء الصخرة على جبال الأطلس، في وهران، ثم يتأوه الشاعر؛ لأن وهران هنا بالعراق أي بغداد لا تثور على نظام حلف بغداد العميل:

هذا مخاض الأرض لا تيأسي

بشراك يا أجداث، حان النشورْ!

بشراك في «وهران» أصداء صورْ

سيزيف ألقى عنه عبء الدهورْ

واستقبل الشمس على ""الأطلس""

ومحمد مهدي الجواهري في عينيته ذات المائة بيت يعتبر فرنسا التي تزعم أنها تنشر القيم بالعالم فاجرةً تعلق صورة المسيح على سريرها، لأنها هدمت سجن البستيل رمز العبودية بفرنسا، لكنها بنت بساتيل في الجزائر:

لكِ الويل فاجرةً علّقتْ صليبَ المسيح على المِخدعِ

تهدّم بستيلَ في موضعٍ وتبني بساتيلَ في موضعِ

صدى الثورة التحريرية في الشعر العربي

تشكل ثورة التحرير الجزائرية مصدر إلهام للعديد من الشعراء العرب، الذين عبروا عن دعمهم وتضامنهم مع نضال الشعب الجزائري من خلال قصائدهم، ولعل أبرز الشعراء الذين تناولوا موضوع الثورة الجزائرية، ودعمهم لنضالها، بالنظر إلى أن هذه الثورة كانت حدثاً عظيماً أثر بعمق في الوجدان العربي وألهم العديد من الشعراء العرب، الذين عبّروا عن مشاعرهم تجاه الثورة ودعمهم للشعب الجزائري من خلال قصائدهم، لذا كانت الثورة رمزاً للنضال ضد الاستعمار، وموضوعاً بارزاً في الشعر العربي الذي مجّد تضحيات الشعب الجزائري وبطولاته.

كانت ثورة تحرير الجزائر واحدة من أكثر الأحداث تأثيرًا في تاريخ العالم العربي والإفريقي، وقد انعكست بشكل كبير في الأدب العربي والعالمي. تناول الأدباء والشعراء هذه الثورة في أعمالهم بأساليب متعددة، معبرين عن دعمهم وإعجابهم بالشعب الجزائري وكفاحه من أجل الحرية. إليك بعض الأمثلة البارزة عن كيفية تناول ثورة الجزائر في الأدب:

1.  موقف نزار قباني من ثورة تحرير الجزائر:

عبر نزار قباني في العديد من قصائده عن دعمه وتضامنه مع الثورة الجزائرية. وكان نزار معروفاً بشعره الوطني والثوري، والذي يعبر عن مشاعر العرب تجاه قضاياهم الوطنية، وليس غريبا أن يكون للشاعر السوري نزار هذا الموقف الداعم والمؤيد لثورة التحرير الجزائرية، حيث عبّر عن دعمه وتضامنه مع نضال الشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي من خلال قصائده وكلماته التي حملت مشاعر التضامن والتأييد للثورة، كما في قصيدة "الجزائر"، التي عبّر فيها نزار قباني عن إعجابه بصمود الشعب الجزائري وتضحياته من أجل الحرية. كان الشعر بالنسبة إليه وسيلة لنقل مشاعر الأمة العربية وتوحيدها حول قضية واحدة. وقد قدم نزار قباني في هذه القصيدة صورة حية للثورة الجزائرية وما تحمله من معاناة وأمل.

وهذا مقطع من قصيدة "الجزائر"

الجزائر، يا جرحنا المكابر

ويا حكايةَ التحرير، يا طيفَ الثائر

عينيكِ عرسٌ، ويديكِ سيفٌ

وفي لسانكِ لحنُ الأناشيدِ والظفر

أبعاد الموقف

وكان نزار قباني يرى في الثورة الجزائرية تجسيداً لتضامن الأمة العربية ووحدتها في مواجهة الاستعمار والظلم. عبر في قصائده عن الأمل بأن تكون الثورة الجزائرية نموذجاً يحتذى به في بقية الدول العربية. وكان نزار قباني يؤمن بحق الشعوب في مقاومة الاستعمار والدفاع عن حريتها وكرامتها. والثورة الجزائرية بالنسبة إليه كانت رمزاً للصمود والمقاومة ضد الطغيان، وبذلك، كانت الثورة الجزائرية مصدر إلهام لنزار قباني، مثله مثل العديد من الشعراء والأدباء في العالم العربي. الذين ساهموا في إثراء الأدب العربي بأعمال تعبر عن الكفاح والنضال من أجل الحرية.

وفي ضوء ذلك يكون شاعر المرأة قد كان من الشعراء الذين تفاعلوا مع القضايا العربية الكبرى، ومنها ثورة التحرير الجزائرية. عبر في أشعاره عن دعمه وتضامنه مع الشعب الجزائري في نضاله ضد الاستعمار الفرنسي، ورأى في الثورة الجزائرية رمزاً للصمود والمقاومة. قصائده عن الجزائر ظلت شاهداً على موقفه الداعم للحرية والعدالة، ومعبرة عن روح التضامن العربي.

2.  موقف محمود درويش:

كتب الشاعر الفلسطيني، عدة قصائد عن الثورة الجزائرية، معبراً عن إعجابه بنضال الشعب الجزائري وتضحياته في سبيل الحرية، كما جاء في قوله:

الجزائرُ، يا غابةً تحترقْ

ويا وجهاً جميلاً يفترقْ

يا كفّاً مرفوعةً إلى السماء

يا بُرْكانَ غضبٍ يصهلُ في كلِّ الأرجاء

تظهر القصيدة جانبا من القيمة الفنية للإبداع في حق الثورة الجزائرية حين أبدع في خلق سياقات الثورة التي تتناسب وثورة تحرير الجزائر ورموزها كما في قوله:

بيد الموت تغني.

لفظة الموت حياة في الشفاه العربية.

والقلوب العربية.

خلفها تحيا الملايين أبية.

فشهيد الفجر بعث وحياة

في بلاد خلق الموت بها حب الحياة...

 في بلاد... كل ما فيها كبير الكبرياء.

شمس أفريقيا على أوراسها قرص إباء

وعلى زيتونها مشنقة للدخلاء.

3.  موقف محمد الفيتوري

كان الشاعر السوداني محمد الفيتوري من أبرز الشعراء الذين عبّروا عن تضامنهم ودعمهم لثورة التحرير الجزائرية. عُرف الفيتوري بمواقفه الوطنية والقومية، واستخدم شعره كسلاح للتعبير عن مشاعر الوحدة والنضال ضد الاستعمار. كان لموقفه من ثورة الجزائر العديد من الأبعاد، لعل أهمها دعمه الكامل للشعب الجزائري في نضاله من أجل الحرية والاستقلال، حيث رأى في الثورة الجزائرية تجسيداً للكفاح العربي ضد الاستعمار، وشعر بضرورة التعبير عن هذا التضامن من خلال تمجيد البطولات والتضحيات للشعب الجزائري وتضحياته الجسيمة، وكان يعتبر أن ما يقوم به الجزائريون هو جزء من نضال الأمة العربية ككل، ورأى في تضحياتهم رمزاً للشجاعة والكرامة.

وكان محمد الفيتوري كان ناقداً لاذعاً للاستعمار الفرنسي في الجزائر، لذلك لم يتوانَ في قصائده عن فضح جرائم الاستعمار ووحشيته، وعبر عن كرهه واستنكاره للممارسات الاستعمارية ضد الشعوب العربية، كما استغل من خلال تناوله للثورة الجزائرية، دعوته إلى الوحدة العربية والتضامن بين الشعوب العربية، لأنه كان يرى أن نضال الجزائر هو نضال كل العرب، وأن الوحدة هي السبيل الوحيد لتحقيق الحرية والاستقلال،

سبع سنين، وأياديكم تطرق باب التاريخ

تبني هرما للحرية

تبنيه بعظام الشهداء

بإرادة مليون ضحية

سبع سنين، وبلاد جميلة رافعة الرايات

سبع سنين، والنار تضيء خطى الأحرار

وتمزق ليل البشرية

إني أحني رأسي كبرا

إني أخفضه في إكبار

يا بن بيلا...

لكن العار، وخيبة سبع سنين

العار (لديجول) وباريس

العار لأعداء الثورة

فالثورة، مازالت تكسو

قمة الأوراس، وتسقيها

والثورة مازالت تمشي

فوق جماجم جلاّديها

في هذه القصيدة، يتجلى تمجيد الفيتوري للشعب الجزائري ووصفه بالحرية والإباء، فيها يعبر عن الألم الذي عاناه الجزائريون، وفي المقابل يشير أيضاً إلى الكرامة التي لا تنضب، ومن ثم فإن موقف محمد الفيتوري من ثورة التحرير الجزائرية كان موقفاً داعماً ومؤيداً بكل قوة. عبر عن هذا الموقف من خلال شعره الذي مجد فيه بطولات الشعب الجزائري وتضحياته، وندد بالاستعمار الفرنسي ووحشيته. كان يرى في الثورة الجزائرية رمزاً للوحدة والتضامن العربي، ودعا من خلالها إلى تحقيق الوحدة بين الشعوب العربية في نضالها من أجل الحرية والاستقلال.

4.  موقف عبد الوهاب البياتي

كتب عبد الوهاب البياتي، الشاعر العراقي، أيضاً، عن الثورة الجزائرية، معبراً عن دعمه وتضامنه مع نضال الشعب الجزائري من خلال قصائده، وهذا مقطع من قصيدة "إلى الجزائر"

في الجزائر، ينبتُ القمرُ الجديدُ

وتزهرُ الأرضُ والسماءُ وتغني الطيورُ

يا شعبَ الصمودِ، يا أملَ الأحرار

يا ثورةً تتحدى الطغاةَ والنار

ومن المنطقي أن تجتذب الثورة الجزائرية شاعرا من قامة البياتي، وهو شاعر الحرية، وشاعر الفعل الخارق، الذي لا يستكين ولا يلين في مقاومة الظلم والطغيان، واستغلال الإنسان للإنسان، تحت أي مسمى كان.

واصل الشاعر عبد الوهاب البياتي اندغامه في النضال الجزائري، ومتابعته عن كثب لأحداث الثورة، وإنتاج نصوص إنسانية في المقام الأول وشعرية كبيرة في تخليد وتأييد كفاح الإنسان ضد الطغيان، أوليس هو الشاعر الإنساني، الذي تغنى بثورية لوركا وإنسانية أراغون وأشاد بهما. وقد أفاد البياتي كثيرا من مطالعته للنصوص الصوفية لكبار متصوفة الإسلام، خاصة ابن عربي. وأفاده ذلك في تخليص الشعر من آصار المباشرة والانفعالية والتهويل، وخلص إلى جوهر الشعر.

كتب الشاعر نص «الموت في الظهيرة «في تمجيد نضال الشهيد العربي بن مهيدي. وعبر العتبة الأولى وهي العنوان الذي يحيل على معنى اشتداد الحر وارتفاع الشمس إلى السمت، ثم بدء انحدارها للمغيب، فقد اشتد حر النضال، وأزفت ساعة المستعمر ورحيله عن أرض الجزائر، بخاصة في قصيدة الموت في الظهيرة عن العربي بن مهيدي:

في حقول النور، من أفق جيد

قطفته يدُ قديسٍ شهيدِ

يد قديسٍ وثائرْ

ولدته في ليالي بعثها شمسُ الجزائرْ

ولدته الريح  والأرض وأشواقُ الطفولهْ

وعذاباتُ ربيعٍ في خميلهْ

وانتصاراتٌ وحمّى وبطولهْ

وحماماتٌ وقرآنٌ وليلُ

صامتٌ يمسح عن كفّيْهِ آثارَ الجريمهْ

وعلى الجدران ظِلُّ

فوق عينيه وتربٌ وجنادلْ

فوق عيني ذلك الطفلِ المناضلْ

            ***

كان في نافذة السجن مع العصفور يحلُمْ

كان سرّا مغلقا لا يتكلمْ

كان يعلمْ

أنه لا بد هالكْ

وستبقى بعده الشمس هنالكْ

في ليالي بعثها شمسُ الجزائرْ

تلد الثائرَ في أعقاب ثائرْ

5.  موقف سليمان العيسى

كان لسليمان العيسى موقف داعم وقوي من الثورة الجزائرية، عبر عن تضامنه مع الشعب الجزائري وكفاحه ضد الاستعمار الفرنسي من خلال قصائده وأعماله الأدبية. كان شعره يعبر عن الروح الثورية، ويدعم حركات التحرير في مختلف البلدان العربية، بما في ذلك الجزائر. وكان سليمان العيسى مؤيدًا قويًا للثورات وحركات التحرير ضد الاستعمار. واعتبر الثورة الجزائرية جزءًا من النضال العربي الشامل ضد الاحتلال والظلم.

استخدم شعره للتعبير عن دعمه للثورة الجزائرية وللتوعية بقضية الجزائر في العالم العربي. كانت قصائده تعكس معاناة الشعب الجزائري وتضحياته من أجل الحرية والاستقلال. ورأى العيسى أن الثورة الجزائرية هي جزء من الكفاح العربي المشترك ضد الاستعمار، وعبر عن أمله في أن تتوحد الشعوب العربية لتحقيق الحرية والكرامة.

وتبعا لذلك كانت أشعار العيسى مليئة بروح الثورة والتحدي، ودعا فيها إلى الاستمرار في النضال حتى تحقيق الأهداف المنشودة، معتبرا أن الأدب وسيلة لنقل الرسائل الثورية وتحفيز الجماهير.

قصيدة "الجزائر" هي واحدة من أبرز قصائده التي تعبر عن دعمه للثورة الجزائرية، فيها يصف شجاعة وصمود الشعب الجزائري، ويشيد بتضحياتهم في سبيل الحرية، متناولاً بطولات الشعب الجزائري وتضحياته في قصيدة: "يا جزائر" بقوله:

يا جزائرَ، يا قصيدةَ الحبِّ والشموخْ

يا أرضَ الأبطالِ، يا صوتَ المدافعِ في الدجى

يا قصةَ الكفاحِ، يا ضياءَ الفجرِ

يا شعلةً لن تنطفئْ، يا رمزَ الفخرِ

6.  موقف بدر شاكر السياب من ثورة الجزائر

كان لبدر شاكر السياب، الشاعر العراقي المعروف، موقف إيجابي وداعم تجاه ثورة الجزائر. ويُعتبر السياب من أبرز شعراء الحداثة في العالم العربي، استخدم شعره للتعبير عن القضايا القومية والنضال ضد الاستعمار، وكان للثورة الجزائرية نصيب في أعماله الشعرية.

وفي قصيدته "إلى الجزائر"، يعبر السياب عن تضامنه مع الشعب الجزائري في نضاله ضد الاستعمار الفرنسي. يتحدث عن التضحيات والشجاعة التي أظهرها الجزائريون في سبيل نيل الحرية والاستقلال. وتبرز القصيدة الحس الوطني والقومي للسياب، وتؤكد دعمه للقضايا العربية العادلة، وبخاصة القضية الجزائرية:

"يا جنة في أتون الحرب ناضرة

يا وردة بالدماء البكر مبتسمة

ثورة الأحرار في الدنيا تقدّمها

قصة العرب والإسلام مسلمة"

يستخدم السياب في قصيدته هذه رموزًا تصويرية تعبر عن جمال الجزائر وشجاعتها في مواجهة الاستعمار، ويجسد الجزائر كجنة ناضرة ووردة مبتسمة رغم الدماء، كما يشدد السياب على فكرة الوحدة العربية والإسلامية في مواجهة الاستعمار، حيث يعتبر الثورة الجزائرية جزءًا من النضال العربي الأوسع ضد الاستعمار، مستفيدا من ثورة التحرير ليعبر عن تضحيات الشعب الجزائري وشجاعته، مما يعكس تقديره الكبير لهذه الثورة ودعمه الكامل للثورة الجزائرية، كباقي حركات التحرر الوطني في العالم العربي، التي كانت مصدر إلهام كبير للسياب. لذلك أثرت هذه الثورة بشكل كبير على شعره وجعلته يعبر عن تضامنه مع الشعوب المضطهدة وسعيه لنقل رسائلهم وقضاياهم إلى العالم من خلال شعره، وفي ضوء ذلك، كان صوتًا قويًا ضد الظلم والاستعمار، وداعمًا ثابتًا للثورات العربية، بما في ذلك الثورة الجزائرية، مما يعكس التزامه بالقضايا القومية والإنسانية.

يعتبر السياب من أبرز الشعراء الذين تناولوا قضايا النضال ضد الاستعمار في العالم العربي، ومن ضمنها الثورة الجزائرية. وقد تجلى هذا الدعم في بعض قصائده التي تناولت معاناة الشعب الجزائري وكفاحه من أجل الحرية، وهو ما تعبر عنه قصيدة" ربيع الجزائر" في قوله:

سلاما بلاد اللظى والخراب

ومأوى اليتامى وأرض القبور

أتى الغيث وانحلّ عقد السحاب

فروى ثرى جائعا للبذور

وذاب الجناح الحديد

على حمرة الفجر تغسل في كل ركن بقايا شهيد

وتبحث عن ظامئات الجذور

وما عاد صبحك نارا تقعقع غضبى وتزرع ليلا

وأشلاء قتلى

ولعل من أبرز القصائد التي تعبر عن تضامن السياب مع الثورة الجزائرية هي قصيدته "أغنية في الشارع". في هذه القصيدة، يصف السياب مشاعر الألم والأمل التي تسيطر على الناس في الشوارع، ويشير إلى الجزائر كنقطة مضيئة في هذا السياق، كما في

مقتطفات من القصيدة:

"يا جنة في أتون الحرب ناضرة

يا وردة بالدماء البكر مبتسمة"

يعبر هذا المقطع الشعري عن الأمل والجمال الذي يراه السياب في الثورة الجزائرية، وفي معظم قصائده عن الجزائر يستخدم رموزًا تعبر عن جمال الجزائر وشجاعتها في مواجهة الاستعمار، مما يبرز إحساسه العميق بمعاناة الشعب الجزائري وتضامنه معه، مشددا على فكرة الوحدة العربية والإسلامية في مواجهة الاستعمار، معتبراً الثورة الجزائرية جزءًا من النضال العربي الأوسع ضد الاستعمار. لذلك يبرز الشاعر تضحيات الشعب الجزائري وشجاعته، مما يعكس تقديره الكبير لهذه الثورة ودعمه الكامل لها، كباقي حركات التحرر الوطني في العالم العربي، التي كانت مصدر إلهام كبير للسياب. لقد أثرت بشكل كبير على شعره وجعلته يعبر عن تضامنه مع الشعوب المضطهدة وسعيه لنقل رسائلهم وقضاياهم إلى العالم من خلال شعره.

وبدر شاكر السياب، من خلال قصائده عن الجزائر، كان صوتًا قويًا ضد الظلم والاستعمار، وداعمًا ثابتًا للثورات العربية، بما في ذلك الثورة الجزائرية، مما يعكس التزامه بالقضايا القومية والإنسانية.

لقد تفاعل الشعراء العرب مع ثورة التحرير الجزائرية وعبروا عن تضامنهم ودعمهم لنضال الشعب الجزائري من خلال أشعارهم. هذه القصائد لم تكن مجرد كلمات، بل كانت تعبيراً عن روح الوحدة والتضامن العربي في وجه الاستعمار والظلم. وظلت أشعارهم شاهداً على تضحيات الشعب الجزائري وبطولاته، ومصدر إلهام للأجيال القادمة، وبذلك لم تكن ثورة الجزائر في عيون الشعراء العرب مجرد حدث محلي، بل كانت ملهمة لجميع العرب، وأثرت بشكل كبير في وجدان الشعراء والأدباء العرب الذين عبروا عن تضامنهم ودعمهم للثورة الجزائرية من خلال قصائدهم التي مجدت نضال الشعب الجزائري وتضحياته.

***

البروفيسور سعاد بسناسي

جامعة وهران1/ عضو المجلس الأعلى للّغة العربيّة

تصدر مجال الفقه مساحة التأثير في الواقع الحضاري الاسلامي عبر قرون، وتنامى الجدل حول طبيعة المعطى الحضاري الذي أنتجه الفقه الاسلامي بمختلف مذاهبه واتجاهاته، وكانت للاجتهاد كفعل معرفي الدور المهم في تحديد قيمة المنتج الحضاري الاسلامي، وإلى اليوم، تختزل عملية الاجتهاد في داخلها كثيرا من المساحات المثيرة للجدل، سواء على مستوى أصول الفقه، أم على مستوى الثقافة الاسلامية العامة.

وقد واجه الاجتهاد منذ بداياته تحديات على مستوى أصل وجوده وإمكانه ومشروعيته، وعلى مستوى سعته ومدياته أيضا، ومدى صحة ما ينتجه من مخرجات في مجالاته المختلفة.

والتساؤل المهم الذي نحن بصدده، يتعلق بسعة الاجتهاد وحدوده المعرفية، وهو من التساؤلات التي أزعم أنها من ضمن مجال فلسفة العلم، فهل القول بانفتاح باب الاجتهاد يعني أنه فعل معرفي بلا ضوابط، وأنه قدرة مطلقة على إنتاج أي فهم للنص أو الدليل؟

من المسلم به أن الاجتهاد حركة تفسيرية واستنباطية محكومة بنظام معرفي ومنهجي، وإلا تحول من كونه استنباطا وكشفا إلى كونه إنشاء وتبرعا دلاليا..

وعليه فإن إمكان وضع أو اكتشاف حدود للاجتهاد أمر ممكن بل ضروري، لكن الإشكال الحقيقي يكمن في طبيعة تلك الحدود، هل هي حدود نصية ثابتة؟ أم حدود منهجية؟ أم حدود عقلائية وتاريخية تتبدل بتبدل أدوات الفهم والواقع الإنساني؟

تتوقف الإجابة على تصنيف حدود الاجتهاد بعدة مستويات مترابطة:

أولا: حدود المصدرية، ويمكن تأطيرها بتصور حركة الاجتهاد الإسلامي داخل دائرة الأدلة المعترف بحجيتها وداخل المنظومة المذهبية، ولذلك يبقى محكوما بالقرآن والسنة والإجماع والعقل ـ وفق اختلاف المدارس في تحديد سعة هذه الأدلة ـ، وبناء على ذلك لا يكون كل تصورٍ ذهني اجتهاداً، إلا إذا كان مستندا على مصدر معتبر أو كاشف عنه.

ثانياً: حدود المنهج: إن سلامة المصدر لا تكفي من دون وجود أصول عامة تضبط آلية الفهم، كالظهور، والإطلاق والتقييد، والعام والخاص، ومناسبات الحكم والموضوع، وبناء العقلاء، والملازمات العقلية، وغير ذلك من أدوات أصول الفقه، فالعقل الاجتهادي يلتزم بالقواعد التفسيرية المستقرة، ولا يتجاوزها إلا إذا امتلك مبرراً علمياً لنقدها أو إعادة بنائها، لذلك نلحظ وجود الاختلافات المبنائية التي تكشف عن وجود تجاوز نسبي لبعض القواعد أو الأصول مع وجود مبرر ودليل لذلك التجاوز، وهي من الظواهر المعرفية التي تكثرت في العصور المتأخرة من علوم الاستنباط الشيعي الإمامي على وجه أخص..

ثالثاً: حدود البنية العقدية والقيمية: هناك مرتكزات عليا تشكل الإطار الحاكم للاجتهاد، مثل العدالة، وحفظ النظام، وكرامة الإنسان، ومقاصد الشريعة العامة، وعدم التعارض مع القطعيات، لأن الاجتهاد وإن كان منتجا للفهم، لكنه لا يمكن أن يعارض الأسس التي تمنح المنظومة الاجتهادية هويتها الداخلية، من كونها منظومة مؤطرة بإطار عقدي وقيمي.

مع أن الاجتهاد العقلي يسهم في صياغة النظرية العقدية، فإن الاجتهاد الفقهي في مرحلة مختلفة، يتحدد بالإطار العقدي وينضبط بمقتضاه.

رابعاً: حدود الواقع والتكوين الاجتماعي: من المسلم به إجمالا أن الاجتهاد يتأثر بطبيعة المجتمع والعرف والتحولات الإنسانية، ولذلك تتغير ملامح الاجتهاد كلما تغير الواقع، لا بمعنى تبدل الشريعة، بل بمعنى تبدل موضوعاتها وتشخيصاتها، ومن هنا نشأت مساحات في (ما لا نص فيه) أو المناطق التي يتسع فيها دور العقل والسيرة العقلائية.

لكن مع ذلك، فإن أخطر ما يواجه فكرة (حدود الاجتهاد) هو تحول الحدود إلى سلطة صلبة تمنع إعادة النظر والتجديد، لأن كثيرا من الحدود نفسها هي نتائج اجتهادية تاريخية، وليست حقائق فوق تاريخية، فحتى قواعد الحجية، وحدود الظهور، ومفهوم الإجماع، وحدود العقل العملي، كلها خضعت عبر التاريخ لإعادة تعريف وتوسيع وتضييق، وهذه سمة طبيعية في تطور العلوم والمعارف.

ولهذا يمكن التمييز بين نوعين من الحدود:

-        الحدود التأسيسية: وهي التي إذا تم تجاوزها انهارت هوية الاجتهاد نفسه، كحجية الوحي ومرجعية النص الديني وضرورة الانضباط المنهجي من خلال أدوات أصول الفقه.

-        الحدود التاريخية الإجرائية: وهي القواعد والصياغات التي أنتجها العقل الأصولي عبر تاريخه، وهذه قابلة للنقد والتطوير وإعادة البناء، لأن قسما منها كان ناتجا عن مرحلة ذات ظروف علمية وخصوصيات تاريخية.

وعليه، فإن الاجتهاد يواجه تحدٍ أمام قدرته على الموازنة بين أمرين متقابلين:

حفظ استقرار المنظومة الاجتهادية ومنع التفكك المعرفي، من جهة، وإبقاء إمكانية التجديد مفتوحة كي لا يتحول الاجتهاد إلى بنية جامدة معزولة عن حركة الإنسان والتاريخ، من جهة أخرى.

ومن هنا فالسؤال الآخر المهم هو: من الذي يملك حق رسم تلك الحدود؟ وهل الحدود نفسها ثابتة أم قابلة للاجتهاد؟

وهذا السؤال يكشف عن كون الاجتهاد يمتد إلى فهم طبيعة الحجية نفسها، وحدود العقل، وآليات إنتاج الشرعية المعرفية داخل نظام الفهم الشرعي، إن تحديد من الذي يملك حق رسم حدود الاجتهاد، هو تحديد لمصدر السلطة المعرفية داخل المنظومة المعرفية في الدين، لذلك فهو لا يرتبط بالفقه وحده، بل يمتد إلى علم الكلام وأصول الفقه وفلسفة العلوم الدينية.

تاريخيا، حاولت الحوزات والمدارس العلمية أن تجعل هذا الحق بيد (المنهج العلمي المتراكم) لا بيد الأفراد، بمعنى أن حدود الاجتهاد تتكون عبر التراكم التاريخي للبحث الأصولي والفقهي، وما يستقر عليه بناء العلماء والعقلاء من قواعد للفهم والاستنباط، ولهذا تظهر مفاهيم مثل: المشهور، السيرة العلمية، المرتكزات الأصولية، بناء العقلاء، الإجماع العلمي أو الارتكازي.

لكن هذه الصورة ليست نهائية وحاسمة، لأن نفس تلك (المرتكزات) هي نتاج اجتهادات بشرية تاريخية، وليست نصوصا منزلة، وبالرغم من أن الاجتهاد هو الذي وضع قسما من تلك الحدود، فإنها تتحول إلى سلطة فوق الاجتهاد نفسه..

 وهو ما يستدعي تصور عدة مستويات لمن يملك وضع حدود الاجتهاد:

أولا: النص القطعي، فالنصوص القطعية في الثبوت والدلالة تمثل الحد الأعلى الذي لا يملك المجتهد تجاوزه، لأن وظيفته هنا الكشف لا الإنشاء، ولذلك يعد إنكار الضروريات أو نقض القطعيات خروجا عن الإطار الاجتهادي، وليس اجتهادا معتبرا.

ثانيا: المنهج الأصولي، فالمدرسة الأصولية تمارس سلطة غير مباشرة على العقل الاجتهادي، لأنها تحدد مسبقا، ما هو الدليل، وما معنى الحجية، وكيف يفهم الظهور، ومتى يقدم العقل أو العرف أو السيرة، وما حدود البراءة والاحتياط.. وبهذا المعنى فإن أصول الفقه سلطة مؤسسة ومحددة للاجتهاد.

ثالثا: الجماعة العلمية، يتحرك الاجتهاد الفقهي ضمن بيئة علمية جماعية تراقب سلامة المنهج، ولذلك فإن الاعتراف بالمجتهد نفسه يتحقق غالبا من خلال الوسط العلمي، ولا يكفي مجرد الدعوى الذاتية، ومن هنا نشأت سلطة (القبول العلمي) أو (الشرعية المعرفية)، وهي ما برزت بنحو كبير في العقود الأخيرة، وتعد من أهم الأطر التي تحفظ خصوصيات الاجتهاد، والمجتهد، لئلا ينزلق المفهوم إلى مساحات بعيدة عن الأصل الذي نشأت عنه.

رابعا: الواقع التاريخي والحضاري، فكثير من حدود الاجتهاد تتشكل عمليا تحت ضغط الواقع، فالتحولات الاجتماعية والسياسية والعلمية تدفع بالمنظومة الاجتهادية إلى إعادة تشكيل وصياغة بعض الحدود، كما حدث في قضايا الدولة، والطب، والاقتصاد، وحقوق الإنسان، والعلاقات الدولية، إذ لم يعد بالإمكان إبقاء المنهج منفصلا عن تعقيدات الواقع الحديث.

 وبناء على تلك المستويات، فإن كل جهة تضع الحدود للاجتهاد تحتاج بدورها إلى من يضبط سلطتها، فالنص يحتاج إلى منهج يفسره، والمنهج يحتاج إلى عقل يبرره، والعقل يتأثر بالواقع والتاريخ، والجماعة العلمية قد تتحول إلى سلطة محافظة تمنع التجديد، لكن تعدد تلك الحدود يمنع نسبيا من احتكارها لجهة دون أخرى، فهي عملية تكامل وتوازن مستمر بين: النص، والعقل، والمنهج، والتاريخ، والواقع، والجماعة العلمية.

ولهذا فإن أكثر الأزمات الفكرية في تاريخ الفقه كانت بسبب تحول بعض الحدود الاجتهادية إلى (مسلمات قطعية) لا يمكن مراجعتها، مع أنها في أصلها نتاج فهم بشري قابل للمراجعة.

وعليه، فليس هناك واضع مطلق لحدود الاجتهاد، بل توجد شبكة من السلطات المعرفية المتداخلة، وكلما ادعت جهة ما امتلاك الحق النهائي والحصري في وضع الحدود، اقترب الاجتهاد من التحول إلى مساحة معرفية مغلقة غير منتجة، وفقد وظيفته بوصفه بحثا علميا مستمرا، لكن ذلك لم يحصل لأن سلطة الفهم لا تكاد تكون محددة بجهة واحدة وهو ما يعزز فرضية وجود شبكة من السلطات المعرفية المتداخلة التي تحمي نظام وهوية الاجتهاد.

جدل العلاقة بين الاجتهاد والحدود

فإذا قيل: (الاجتهاد صحيح لأنه ملتزم بحدود الاجتهاد)، ثم قيل: (وحدود الاجتهاد تعرف بالاجتهاد نفسه)، فإننا نقترب من دائرةٍ تبدو مغلقة، لأن الشيء يصبح مؤسسا لنفسه ومبررا لشرعيته في آنٍ واحد، وهذا يثير سؤالا: (بأي معيار نثبت صحة المعيار نفسه؟)، لكن الأصوليين والباحثين عادة يحاولون تفكيك هذا الإشكال عبر التفريق بين مستويات متعددة، لكي لا يكون الاجتهاد دائرا على نفسه مباشرة.

وتتضح ضرورة التمييز بين: مرحلة ما قبل الاجتهاد، ومرحلة الاجتهاد التطبيقي.

فيما قبل الاجتهاد توجد مرتكزات تأسيسية أو مبادئ تصورية –إن صح التعبير- ولا تستمد هذه من الاجتهاد الفقهي نفسه، بل من: العقل، واللغة، وبناء العقلاء، والبداهات العرفية، وحجية الظهور، وضرورة الرجوع إلى أهل الخبرة، وأصل إمكان الفهم والتفاهم، أي مساحة الارتكاز العقلائي، أو البناء العقلائي، وهو مشترك إنساني، لا يؤسسه الاجتهاد بل يكتشفه، وهنا نقطة الفصل بين مستوى ما قبل الاجتهاد المؤسس خارج حدود الاجتهاد، والمكتشف من قبل الاجتهاد بمرحلة بعدية.

هذه تمثل مرحلة سابقة على الاجتهاد وبنية تحتية يقوم عليها الاجتهاد، ولذلك لا يكون الاجتهاد قد أسس نفسه من الصفر، بل تحرك ضمن فضاء معرفي سابق عليه، كما أن المجتهد لا يجتهد أولا في أصل حجية اللغة، ثم يبدأ بالفهم، بل يفترض سلفا إمكان الدلالة وحجية الظهور وفق السيرة العقلائية، ثم يمارس الاستنباط.

ومن المهم إراك أن الاجتهاد لم ينشئ حدوده بنحو اعتباطي، بل يشتغل ضمن أفق معرفي سابق عليه، لكن مع ذلك يبقى جانب مهم من الحدود تاريخيا واجتهاديا بالفعل، ولذا كان من الضرورة أن نميز بين الحدود التأسيسية الضرورية، والحدود التاريخية التي تحولت بفعل التكرار إلى مسلمات، وهذا مجال فلسفة العلوم الشرعية، لأن مجال فلسفة العلوم الشرعية يثير تساؤلات من خارج منظومة العلم، غرضها تقويم المسار التطوري للعلم، وللأصوليين بصماتهم في هذا الجانب، من خلال مباحث عدة تتعلق بحدود العلم ووسائل تطوره، وإعادة بناء منهجه، ومراجعة قواعده..، فالمنظومة الاجتهادية تراجع أسسها بنحو دوري وإن بدى غير ملحوظ أو منتظم، لكنه موجود، سوى أن درجة وجوده وحضوره تختلف من زمن إلى آخر، وهذا يخضع إلى عوامل ظرفية وتأريخية يتسعر تناولها في هذا المقام.

الاجتهاد كشف أم تأسيس؟ 

هل الاجتهاد فعل كشف أم فعل إنتاج؟ والبحث الأصولي بالجملة يرجح أن الاجتهاد يكشف أكثر مما ينتج، وهذا يعني أن الأحكام موجودة سلفا في الواقع التشريعي، وأن وظيفة المجتهد هي الوصول إليها، كما يصل العالم الطبيعي إلى قانون فيزيائي موجود قبل اكتشافه، وعليه فإن الحقيقة الفقهية واحدة في نفسها، والخطأ ناشئ من قصور الفهم أو ضعف الدليل، وتكون قيمة الاجتهاد بمقدار مطابقته للواقع.

وإذا كان الاجتهاد كشفا محضا، فلماذا هذا التعدد الواسع في النتائج مع وحدة النص أو المصدر؟ ولماذا تتغير الفتاوى تاريخيا رغم ثبات الأدلة؟ وهل يمكن للعقل واللغة والتاريخ أن يكونوا مجرد أدوات محايدة؟

والمجتهد وفق هذه المعطيات المختلفة لا يقف خارج التاريخ، بل يشارك ـ بوعيه ومنهجه ـ في تكوين الفهم نفسه، فيصبح الفقه إعادة قراءة مستمرة، واستنباط الأحكام مرتبط بوعي العصر، وهذا يرجح عدم وجود حقيقة فقهية خالصة مستقلة عن أفق الفهم الإنساني، وإلا لما استمر الاجتهاد، ولهذا يمكن تصور الاجتهاد على أنه كشف داخل شروط الإنتاج، أي إن المجتهد يقصد الوصول إلى الحكم الواقعي، لكنه لا يصل إليه إلا عبر أدوات بشرية تاريخية، تجعل الفهم نفسه متأثرا بزمانه وبنيته المعرفية.

لكن ذلك لم يكن على وتيرة واحدة، بل يعد ضمن المساحة التي خضعت للاختلاف والنقاش، وهي مما يتصل بحدود العقل أمام النص، وهو مركز التوتر بين النقل والعقل في الفكر الإسلامي، فالمنهج التقليدي لا يستطيع إلغاء العقل لأن أصل إثبات النبوة وحجية الوحي يقوم عليه، لكنه في الوقت نفسه يخشى من تحول العقل إلى سلطة تهيمن على النص، ومن هنا ظهرت ثلاثة اتجاهات كبرى:

الأول: اتجاه يجعل العقل خادما للنص، بحيث تكون وظيفته: فهم الدلالة، وترتيب الأدلة، واكتشاف مراد الشارع، دون أن يملك حق تجاوز ظاهر النص.

الثاني: اتجاه يمنح العقل دورا معياريا، بحيث يصبح العقل قادرا على: إدراك الحسن والقبح، واكتشاف العدالة، ورفض بعض الفهوم التي تصادم القطع العقلي أو القيمي.

الثالث: اتجاه تأويلي أوسع، يرى أن النص نفسه لا يفهم إلا ضمن أفق العقل والتاريخ واللغة، وبالتالي فالعقل من جهة أداة فهم، ومن جهة أخرى شرط لفهم النص أصلا.

والإشكال الذي يضع الاجتهاد أمام سؤال (الحدود) هو ما إذا تعارض ظاهر النص مع ما يراه العقل عدلًا أو مصلحة أو ضرورة إنسانية، فمن الذي يُقدم؟ وفي هذه الحال تبرز أهمية البحث في حدود التأويل، ومدى حجية المقاصد، وإمكان تاريخية بعض الأحكام، وضرورة الفصل بين الثابت والمتغير..

هذه تساؤلات تستدعي تفصيلا أوسع، لولا التقيد بحدود موجزة في المقال، لكن التساؤلات قد تفيد في إثارة الرؤى حول هذا الموضوع الخصب..

 ***

د. أسعد عبد الرزاق الاسدي

وإمكانيات تطبيقها في السياقين العربي والعراقي

مقدمة: تُعد العناية الواجبة من المفاهيم المحورية التي شهدت تطوراً لافتاً في القانون الدولي المعاصر، حيث انتقلت من جذورها في قانون الحياد وحماية الأجانب إلى معيارٍ عامٍ يُطبَّق في مختلف فروع القانون الدولي، وبخاصة في مجالات حقوق الإنسان، والقانون البيئي الدولي، والقانون الدولي الإنساني، وقانون البحار، وحتى في تطبيق القانون الدولي على الفضاء الإلكتروني. وقد شرعت لجنة القانون الدولي (ILC)، بموجب مقررها الصادر في دورتها السادسة والسبعين (2025)، في دراسة موضوع "العناية الواجبة في القانون الدولي"، وعينت السيدة بينيلوب ريدينغز مقررة خاصة لهذا الموضوع، وهو ما يؤكد الأهمية المتزايدة لهذا المفهوم والحاجة إلى بلورته وتحديد ملامحه، خاصة في ضوء الآراء الاستشارية الثلاثة الصادرة عام 2025 بشأن تغير المناخ.¹

- تستهدف هذه الدراسة تقديم تحليل متعمق لمفهوم العناية الواجبة في القانون الدولي كما ورد في التقرير الأول للمقررة الخاصة (A/CN.4/767)، وتقصي إمكانيات تطبيقه في السياقين العربي والعراقي، مع تقديم توصيات عملية لتعزيز الامتثال لهذا المعيار في الممارسات الوطنية، مستعينةً بأسلوب التوثيق القانوني المتّبع في لجان معاهدات حقوق الإنسان الدولية.

1. أولاً: الإطار النظري والعملي للعناية الواجبة في القانون الدولي

1.1. المفهوم والطبيعة القانونية

- أوضحت المقررة الخاصة أن مصطلح "العناية الواجبة" استخدمته جهات فاعلة مختلفة في سياقات متعددة وبمعانٍ متفاوتة، حتى وُصف بأنه "أحد أكثر المصطلحات غموضاً في الخطاب المعاصر بشأن المسؤولية الدولية والتعويض".² وتميز المقررة بوضوح بين العناية الواجبة في القانون الدولي ونظيرها في النظم القانونية المحلية أو في سياق الأعمال التجارية، مشيرة إلى أن بعض الولايات القضائية لديها "دفاع العناية الواجبة" بموجب قانونها المحلي، إلا أن ذلك يختلف تماماً عن المعنى المعتمد في هذا التقرير.³

- تتمثل العناية الواجبة، في جوهرها، في معيار سلوك يُستخدم لتقييم مدى امتثال الدولة لالتزام دولي معين، سواء نشأ هذا الالتزام بموجب القانون العرفي أو بموجب معاهدات محددة. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية مصانع اللب الورقي على نهر الأوروغواي (2010) أن العناية الواجبة هي الأساس الذي ينبثق منه مبدأ المنع في القانون الدولي البيئي.⁴ واللافت أن المحكمة أشارت في تلك القضية صراحة إلى أن "أصل هذا المبدأ يكمن في العناية الواجبة المطلوبة من الدولة في إقليمها"، مستندةً بذلك إلى قضية قناة كورفو (1949) الكلاسيكية.⁵ وقد لفتت المقررة الخاصة إلى أن هذه القضية الأخيرة رسخت الالتزام العام المتمثل في "عدم السماح للدولة عن علم بأن يستخدم إقليمها لأغراض تتعارض مع حقوق الدول الأخرى".⁶

- على صعيد آخر، أشار التقرير إلى وجود تباين في المصطلحات الفرنسية المستخدمة مقابل التعبير الإنجليزي "due diligence"؛ فقد استخدمت المحاكم والهيئات القضائية تعبيرات مثل "diligence requise" و"diligence voulue" و"diligence due"، بينما يفضل بعض المؤلفين الفرنسيين المعاصرين استخدام التعبير الإنجليزي نفسه. وترى المقررة أنه من الأفضل، في هذه المرحلة، استخدام التعبير الفرنسي "l'obligation de diligence requise" تماشياً مع ما استخدمته محكمة العدل الدولية والمحكمة الدولية لقانون البحار.⁷

1.2. معايير التقييم والعناصر المكونة

- استقرت الممارسة القضائية الدولية والفقه القانوني على أن العناية الواجبة تُقيَّم وفق معيار موضوعي، وتتحدد التزاماتها بناءً على جملة من العناصر التي حددتها الآراء الاستشارية الأخيرة بشأن تغير المناخ. فقد أكدت المحكمة الدولية لقانون البحار في رأيها الاستشاري المطلوب من اللجنة الفرعية لمصايد الأسماك (2024) أن "التزام العناية الواجبة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره التزاماً يعتمد إلى حد كبير على تقدير الدولة".⁸ وهو ما يؤكد أن معيار العناية الواجبة يخضع لتقييم موضوعي يحدد ما إذا كانت الدولة قد بذلت الوسائل المعقولة المتاحة لها لمنع الضرر أو التحقيق فيه أو معاقبة مرتكبيه.

- أما بالنسبة للعوامل المؤثرة في تحديد درجة العناية المطلوبة، فتشمل وفقاً للتقرير ما يلي: (أ) المعرفة أو إمكانية توقع الضرر؛ (ب) درجة الخطر وخطورة الضرر المحتمل؛ (ج) قدرات الدولة ووسائلها المادية والتكنولوجية؛ (د) توافر التدابير التشريعية والرقابية المناسبة؛ (هـ) طبيعة النشاط محل الالتزام.⁹ وقد ذهبت الآراء الاستشارية الثلاثة (محكمة العدل الدولية، والمحكمة الدولية لقانون البحار، ومحكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان) إلى أن معيار العناية الواجبة في سياق تغير المناخ أصبح "صارماً" (stringent) بل "متعاظماً" (heightened) بسبب خطورة الأضرار البيئية المترتبة على الانبعاثات الحرارية.¹⁰

- وفي هذا السياق، أوضحت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 23 يوليو 2025 أن "السلوك المطلوب بموجب العناية الواجبة له عدة عناصر، منها أن تتخذ الدول، على أفضل وجه لقدراتها، تدابير مناسبة واحترازية عند الاقتضاء، تأخذ في الاعتبار المعلومات العلمية والتكنولوجية، فضلاً عن القواعد والمعايير الدولية ذات الصلة، وتختلف باختلاف قدرات كل دولة".¹¹ كما أكدت المحكمة أن التقييم يجب أن يكون "موضوعياً" وليس تقديرياً، وهو ما يُعد تطوراً نوعياً في الفقه القضائي الدولي.¹²

1.3. التطور التاريخي والمجالات الرئيسية للتطبيق

- قسمت المقررة الخاصة تطور العناية الواجبة إلى ثلاث فترات زمنية رئيسية:¹³

أولاً: الفترة المبكرة (أواخر القرن التاسع عشر – منتصف القرن العشرين) 

ارتبطت العناية الواجبة خلال هذه الفترة بقانون الحياد (كما في تحكيم قضية ألاباما عام 1871)، وبحماية الأجانب وممتلكاتهم، وبحماية حقوق ومصالح الدول الأخرى خاصة المجاورة. وقد أشارت المقررة إلى أن قرارات هذه الفترة تدعم الأسس القائلة بأن "مدى الضرر يجب أن يكون ذا قدر من الجسامة وتثبته أدلة واضحة، وأن درجة العناية المطلوبة هي معيار دولي".¹⁴ كما برز في هذه الفربة تطبيق القاعدة الرومانية "sic utere tuo ut alienum non laedas" (استخدم ملكك بحيث لا تضر ملك الغير)، والتي ارتبطت بمبدأ حسن الجوار.¹⁵

ثانياً: النصف الثاني من القرن العشرين 

- شهدت هذه الفترة تحولاً جوهرياً، حيث انتقل مفهوم العناية الواجبة من جذوره المرتبطة بالمسؤولية القائمة على الخطأ إلى اعتباره معياراً للسلوك يُقيَّم في سياق مجموعة من الالتزامات الأساسية للقانون الدولي. وقد تميزت هذه الفترة بتدوين قواعد مسؤولية الدول في مشروع مواد لجنة القانون الدولي، وبروز التمييز بين التزامات السلوك (أو الوسائل) والتزامات النتيجة.¹⁶ وارتبطت العناية الواجبة ارتباطاً وثيقاً بالقانون البيئي الدولي (مبدأ المنع)، واتسع نطاقها ليشمل مجالات أخرى مثل: 

- حقوق الإنسان: حيث أقرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Osman v. United Kingdom (1998) أن مسؤولية الدولة تنشأ إذا كانت السلطات "تعلم أو كان ينبغي أن تعلم بوجود خطر حقيقي وفوري على حياة فرد محدد".¹⁷ وكرست المحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان في قضية Velasquez Rodriguez (1988) أن "الفعل غير المشروع الذي ينتهك حقوق الإنسان ... يمكن أن يؤدي إلى مسؤولية الدولة الدولية ليس بسبب الفعل نفسه، بل بسبب عدم بذل العناية الواجبة لمنع الانتهاك أو الرد عليه".¹⁸ 

- القانون الإنساني الدولي: خاصة الالتزام بضمان احترام اتفاقيات جنيف (المادة 1 المشتركة)، وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا (1986) وفي قضية الإبادة الجماعية في البوسنة (2007).¹⁹ 

- قانون البحار: كالتزام ببذل "أفضل الجهود" لضمان الامتثال، وهو ما وضحته الغرفة للمنازعات المتعلقة بقاع البحار في رأيها الاستشاري بشأن المسؤوليات في المنطقة (2011)، حيث اعتبرت أن التزام الدولة الراعية هو "التزام بنشر وسائل كافية، وبذل أفضل الجهود الممكنة، وبذل أقصى ما يمكن لتحقيق النتيجة".²⁰

ثالثاً: القرن الحادي والعشرون 

- تميزت هذه الفترة ببروز العناية الواجبة في سياقات جديدة، أبرزها تطبيق القانون الدولي على الفضاء الإلكتروني، وتغير المناخ. وقد لفت التقرير إلى أن مجموعة من الدول والمنظمات الدولية (منها النمسا، بلجيكا، ألمانيا، فرنسا، هولندا، والاتحاد الأوروبي) قد أكدت وجود التزام عام بالعناية الواجبة ينطبق على أفعال الدولة وإغفالاتها في الفضاء الإلكتروني، مستندةً إلى صيغة قضية قناة كورفو.²¹ في المقابل، رأت دول أخرى (مثل إسرائيل، ونيوزيلندا، والاتحاد الروسي، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة) أن هناك ممارسة دولية وآراء قانونية غير كافية لدعم العناية الواجبة كالتزام عام في هذا المجال.²²

2. ثانياً: تحليل واقع الممارسات العربية وإمكانية تفعيل العناية الواجبة

2.1. الإطار الإقليمي العربي لحقوق الإنسان

- يُعد الميثاق العربي لحقوق الإنسان (2004) الوثيقة الإقليمية المرجعية في هذا المجال، وهو وإن لم ينص بصيغة صريحة على لفظ "العناية الواجبة"، إلا أنه يتضمن أحكاماً تلزم الدول الأطراف بـ"اتخاذ التدابير اللازمة لتأمين المساواة الفعلية في التمتع بكافة الحقوق والحريات" (المادة 3). كما تنص المادة 42 على إنشاء لجنة حقوق الإنسان العربية، وهي آلية إقليمية يمكنها أن تلعب دوراً مهماً في تفسير هذا المعيار وتطبيقه. ومع ذلك، تخلو الصكوك العربية الأخرى، مثل الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب (1998)، من الإشارة الصريحة إلى العناية الواجبة، رغم أنها تفرض على الدول الأعضاء التزاماً بمنع أنشطة الإرهاب وتمويله.²³

- في هذا السياق، يمكن الاستفادة من المبادئ التي أرستها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Opuz v. Turkey (2009)، حيث رأت أن السلطات كانت تعلم بنمط العنف من خلال التقارير والشكاوى المتكررة، وبالتالي كان الخطر على الحياة "ليس فقط متوقعاً بل حقيقياً وفورياً".²⁴ وينطبق هذا المنطق على حالات العنف ضد النساء والفئات الضعيفة في العديد من الدول العربية، حيث يمكن للجنة حقوق الإنسان العربية أن تتبنى معيار العناية الواجبة كأداة لتقييم أداء الدول في هذا المجال.

2.2. التحديات الهيكلية والعملية في السياق العربي

- تواجه فكرة العناية الواجبة في المنطقة العربية عدة تحديات، يمكن إجمالها فيما يلي:

 أولاً: غياب الإشارة الصريحة في الصكوك العربية، مما يترك المجال لتفسيرات متباينة. وقد حذرت لجنة القانون الدولي من أن وصف العناية الواجبة بأنها معيار مرن قد يؤدي إلى "تملص الدول من الالتزامات الملقاة على عاتقها".²⁵ وهذا التحذير ينطبق بشكل خاص على السياق العربي حيث لا تزال آليات الرقابة الوطنية دون المستوى المطلوب.

 ثانياً: ضعف تفعيل آليات المساءلة والرقابة على المستوى الوطني، سواء في مجال حماية حقوق الإنسان أو في مجال مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب. وأشارت المقررة الخاصة في التقرير إلى أن المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب وجدت أن بوركينا فاسو "فشلت في التصرف بالعناية الواجبة في البحث عن المسؤولين عن مقتل نوربرت زونغو ورفاقه الثلاثة ومحاكمتهم ومعاقبتهم".²⁶ وهذا الحكم يمكن أن يكون نموذجاً يحتذى به في المنطقة العربية، التي تشهد نزاعات مسلحة غير دولية في عدة دول.

 ثالثاً: قلة الدعم المؤسسي للجنة القانونية الاستشارية العربية (التابعة لجامعة الدول العربية) لتقوم بدور فعال في بلورة مفهوم العناية الواجبة وتقديم التفسيرات الموحدة للدول الأعضاء. ويمكن لهذه اللجنة أن تستفيد من منهجية المقررة الخاصة، التي اعتمدت على مسح شامل للممارسات والآراء القانونية من مختلف المناطق الجغرافية والتقاليد القانونية.²⁷

2.3.  سبل تفعيل معيار العناية الواجبة في المنطقة العربية

- يمكن للدول العربية الاستفادة من التجارب المقارنة في ثلاثة مجالات رئيسية:

- أولاً: حماية حقوق الإنسان من انتهاكات الجهات غير الحكومية: أشارت المقررة الخاصة إلى أن محكمة العدل الدولية في قضية الأنشطة المسلحة (2005) اعتبرت أن "أوغندا، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، كانت مسؤولة ليس فقط عن أفعال جيشها، بل وأيضاً عن أي نقص في اليقظة في منع انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي من قبل جهات فاعلة أخرى في الأراضي المحتلة".²⁸ وينطبق هذا المبدأ على الدول العربية التي تعاني من نزاعات مسلحة أو احتلال لأجزاء من أراضيها (كالعراق، فلسطين، ليبيا، سوريا، اليمن، السودان). ويمكن للجنة حقوق الإنسان العربية أن تتبنى توصية عامة بشأن العناية الواجبة في أوقات النزاع المسلح، أسوة بالتوصية العامة رقم 3 للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب بشأن الحق في الحياة.²⁹

- ثانياً: مكافحة الإرهاب: أوضح التقرير أن مجلس الأمن الدولي تبنى قرارات بموجب الفصل السابع تلزم الدول بتنظيم أنشطة الجهات غير الحكومية لمنع دعم الإرهاب، وهي "التزامات تعمل في إطار العناية الواجبة".³⁰ وهذا يتطلب من الدول العربية تعزيز تشريعاتها الوطنية لمكافحة الإرهاب وتمويله، وضمان فعالية آليات الرقابة على المؤسسات المالية. وقد قامت بعض الدول العربية مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بسن قوانين صارمة بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتضمنت هذه القوانين معايير للعناية الواجبة تجاه العملاء (Customer Due Diligence)، وهو ما يتماشى مع التوصيات الصادرة عن مجموعة العمل المالي (FATF).³¹

- ثالثاً: حماية البيئة ومنع التلوث العابر للحدود: أكد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن تغير المناخ (2025) أن "الدول مطالبة ببذل العناية الواجبة لمنع الضرر البيئي الكبير والتعاون للوفاء بهذا الالتزام".³² وهذا المبدأ له أهمية خاصة في المنطقة العربية التي تشهد نزاعات على الموارد المائية المشتركة (دجلة والفرات بين العراق وتركيا وسوريا؛ النيل بين مصر والسودان وإثيوبيا؛ طبقات المياه الجوفية العابرة للحدود في شمال أفريقيا). ويمكن للدول العربية أن تستند إلى العناية الواجبة كأساس لالتزاماتها الإجرائية، مثل تقييم الأثر البيئي والإخطار والتشاور، كما جاء في قضية مصانع اللب الورقي وفي قضية أنشطة معينة (كوستاريكا ضد نيكاراغوا، 2015).³³

3. ثالثاً: العراق كحالة تطبيقية

3.1.  الإطار الدستوري والقانوني العراقي

- ينص الدستور العراقي لعام 2005 على جملة من الأحكام التي تعكس التزام الدولة بمعايير حقوق الإنسان ومبدأ حسن الجوار. فالمادة (8) تنص على أن "يرعى العراق مبدأ حسن الجوار"، والمادة (9) تلزم الدولة بـ"محاربة الإرهاب بجميع أشكاله والعمل على حماية أراضيها من أن تكون مقراً أو ممراً أو ساحة لنشاطه". كما تنص المادة (84) على أن "تنظم بقانون عمل الأجهزة الأمنية وجهاز المخابرات الوطني وتحدد واجباتها وصلاحياتها، وتعمل وفقاً لمبادئ حقوق الإنسان وتخضع لرقابة مجلس النواب".³⁴ وهذه النصوص توفر أرضية صلبة لتبني معيار العناية الواجبة كمعيار لتقييم أداء الدولة في حماية حقوق الإنسان والأمن الوطني والبيئة.

- علاوة على ذلك، صادق العراق على معظم صكوك حقوق الإنسان الدولية الأساسية، بما فيها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR)، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW)، واتفاقية مناهضة التعذيب (CAT)، واتفاقية حقوق الطفل (CRC).³⁵ وهذا الالتزام المعاهدي يجعل العراق ملزماً بتفسير هذه الصكوك وفقاً لأحدث التطورات في الفقه الدولي، بما في ذلك معيار العناية الواجبة.

3.2.  الممارسة العملية والإشكاليات القائمة

- تواجه الدولة العراقية تحديات جمة في مجال العناية الواجبة، يمكن إجمالها فيما يلي:

- أولاً: مسؤولية الدولة عن أفعال الجماعات المتمردة (كتنظيم داعش): أشارت تقارير أممية إلى أن تنظيم داعش ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسان وإبادة جماعية بحق الإيزيديين. وقد أثار ذلك تساؤلات حول ما إذا كانت أفعال التنظيم يمكن نسبها إلى العراق بموجب قانون المسؤولية الدولي. وفي هذا السياق، ذهبت بعض الدراسات إلى أن الحكومة العراقية بذلت العناية الواجبة لقمع التنظيم وملاحقة أعضائه، ومن ثم "لا تُنسب إليه أفعال داعش" وفقاً لمعيار السيطرة الفعالة الذي أقرته محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا.³⁶ ومع ذلك، فإن العراق قد يكون مسؤولاً عن أي نقص في اليقظة (lack of vigilance) إذا ثبت أنه كان يعلم أو كان ينبغي أن يعلم بوجود الخطر ولم يتخذ التدابير المعقولة لمنعه، وفقاً لمبدأ قضية قناة كورفو.³⁷

- ثانياً: الهجمات المسلحة التي تستهدف إقليم كوردستان: صرّح منسق التوصيات الدولية في حكومة إقليم كوردستان بأن الحكومة الاتحادية في بغداد "ملزمة دولياً بحماية الإقليم من الهجمات المسلحة"، مستنداً إلى مبدأ العناية الواجبة الذي "يفرض على الدولة واجب المنع والتحقيق والمساءلة دون تأخير". وأكد أن أي تقاعس في منع هذه الهجمات أو ملاحقة مرتكبيها يترتب عليه مسؤولية قانونية واضحة.³⁸ ويُظهر هذا الموقف تطبيقاً عملياً لمفهوم العناية الواجبة في العلاقة بين المركز والإقليم، مما يستدعي توضيحاً قانونياً لتوزيع الالتزامات الدستورية والدولية.

- ثالثاً: ضعف البنية التشريعية والإجرائية لتفعيل آليات الرقابة: أشارت دراسة إلى أن القضاء الإداري العراقي "له دور كبير في حماية حقوق الإنسان من خلال تنظيم هيئاته واختصاصاتها في مراقبة الأجهزة الإدارية"، لكن هذا الدور لا يزال محدوداً في مجال ضمان الامتثال لمعايير العناية الواجبة الدولية.³⁹ ومن الأمثلة على ذلك، استمرار ظاهرة الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي، وعدم فعالية التحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة التي ارتكبت خلال الاحتجاجات الشعبية (20192020)، وكذلك التأخر في محاكمة عناصر تنظيم داعش المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإيزيديين. وقد اعتبرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في تقاريرها أن هذه الإخفاقات قد تشكل انتهاكاً لالتزام الدولة ببذل العناية الواجبة.⁴⁰

3.3.  توصيات عملية لتطبيق معيار العناية الواجبة في العراق

- في ضوء التحليل أعلاه، يمكن تقديم التوصيات التالية:

- أولاً: تبني معيار العناية الواجبة في التشريعات الوطنية: يُوصى بإدراج لفظ "العناية الواجبة" أو صيغته المعادلة (مثل "بذل الوسائل المعقولة"، "اتخاذ جميع التدابير المناسبة"، "بذل أفضل الجهود") في مشاريع القوانين المقبلة، خاصة قانون مكافحة الإرهاب وقانون غسل الأموال وقانون حماية البيئة وقانون هيئة حقوق الإنسان العراقية. كما يمكن الاستناد إلى المادة (8) من الدستور التي توجب احترام مبدأ حسن الجوار كأساس لتفعيل هذا المعيار في العلاقات مع دول الجوار (تركيا، إيران، سوريا، الأردن، الكويت، المملكة العربية السعودية).⁴¹

- ثانياً: تعزيز قدرات القضاء والنيابات العامة: يوصى بتنظيم دورات تدريبية متخصصة للقضاة وأعضاء النيابة العامة حول كيفية تقييم مدى امتثال الدولة لالتزاماتها الدولية وفقاً لمعيار العناية الواجبة. ويجب التركيز بشكل خاص على قضايا التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها جهات غير حكومية، وعلى تطبيق معايير "المعرفة أو المعرفة المفترضة" (actual or constructive knowledge) التي أقرتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Osman.⁴²

- ثالثاً: وضع منهجية موحدة لتقييم المخاطر والوقاية: يمكن الاستفادة من الإطار الذي وضعه معهد القانون الدولي في قراره الصادر عن دورة الرباط (2025)، والذي نص على أن ممارسة العناية الواجبة تتطلب: (أ) اعتماد القواعد والتدابير المناسبة؛ (ب) مستوى كافياً من اليقظة في إنفاذها؛ (ج) مستوى كافياً من اليقظة في ممارسة الرقابة الإدارية على المشغلين العموميين والخاصين.⁴³ ويمكن للعراق أن يتبنى منهجية مماثلة في مجالات الأمن الوطني، وحماية البيئة، وحقوق الإنسان.

- رابعاً: التعاون مع الآليات الدولية والإقليمية: يوصى بتعزيز التعاون مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، والمكتب المعني بمكافحة الإرهاب، ولجنة حقوق الإنسان العربية، واللجنة القانونية الاستشارية العربية، وذلك لبناء القدرات الوطنية وتلقي الدعم الفني في مجال تطبيق معيار العناية الواجبة. كما يُشجع العراق على تقديم تقارير دورية إلى هيئات معاهدات حقوق الإنسان تتضمن فصلاً خاصاً عن التدابير المتخذة لتنفيذ العناية الواجبة.⁴⁴

- خامساً: تعزيز آليات المساءلة والمحاسبة: يجب إنشاء آلية وطنية مستقلة للتحقيق في الادعاءات الجسيمة بانتهاكات حقوق الإنسان، مع ضمان فعالية التحقيقات واستقلاليتها، وتوفير سبل الانتصاف والتعويض للضحايا. وقد أشارت المقررة الخاصة إلى أن "الفشل في توفير الحماية الكاملة والأمن" يمكن أن يثبت بشكل خاص في حالات "حيث فشلت الدولة في بذل العناية الواجبة لمنع التدمير للأشخاص والممتلكات أثناء النزاع المسلح الداخلي وأعمال الشغب وغيرها من أعمال العنف".⁴⁵ وهذا ينطبق تماماً على تجربة العراق مع تنظيم داعش والاحتجاجات الشعبية.

 خاتمة

- يُشكل مفهوم العناية الواجبة تحولاً نوعياً في طريقة تقييم مدى امتثال الدول لالتزاماتها الدولية، حيث ينتقل من المعيار الذاتي (حسن النية) إلى المعيار الموضوعي (ما يمكن توقعه من دولة مماثلة في الظروف نفسها). وقد أظهرت هذه الدراسة أن هذا المفهوم لم يحظَ بعد بالاهتمام الكافي في الصكوك العربية الإقليمية، مما يشكل فجوة قانونية ينبغي معالجتها إما من خلال تعديل الميثاق العربي لحقوق الإنسان (بإضافة بروتوكول اختياري بشأن العناية الواجبة)، أو من خلال تبني لجنة حقوق الإنسان العربية لتوصية عامة تفسيرية تسترشد فيها بالتطورات الأخيرة في فقه المحاكم الدولية، وبخاصة الآراء الاستشارية بشأن تغير المناخ وتقارير المقررة الخاصة بينيلوب ريدينغز.⁴⁶

- أما بالنسبة للحالة العراقية، فإن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد منذ سنوات (الإرهاب، النزاعات المسلحة، التحديات البيئية، تفشي الفساد) تجعل من تبني معيار العناية الواجبة ضرورة ملحة، ليس فقط للوفاء بالالتزامات الدولية، بل أيضاً لتعزيز الشرعية الداخلية للحكومة وبناء ثقة المواطنين في قدرة الدولة على حمايتهم من المخاطر المختلفة. وقد أظهرت الآراء الاستشارية الثلاثة لعام 2025 أن العناية الواجبة لم تعد مجرد معيار فضفاض يترك للدولة حرية تقديرية واسعة، بل أصبحت ملزمة بتدابير موضوعية محددة، ويمكن أن تتطلب درجة "صارمة" أو "متعاظمة" من اليقظة والاجتهاد، خاصة في المجالات ذات الخطورة العالية على حياة الإنسان والبيئة.⁴⁷

- وختاماً، يمكن القول إن اللجنة القانونية الاستشارية لجامعة الدول العربية مدعوة إلى أن تأخذ زمام المبادرة في دراسة هذا الموضوع وتقديم مشروع مبادئ توجيهية عربية حول العناية الواجبة، وذلك بالتعاون مع لجنة القانون الدولي والمقررة الخاصة بينيلوب ريدينغز، خاصة أن التقرير الأول لهذه الأخيرة يشكل خريطة طريق متكاملة يمكن البناء عليها في العمل الإقليمي والدولي على حد سواء. وإن تأخر المنطقة العربية في استيعاب هذا المفهوم وتطبيقه سيعرض دولها لانتقادات دولية متزايدة، وسيُضعف موقفها في المحافل القضائية الدولية، كما رأينا في قضية تغير المناخ حيث قدّمت عشرات الدول مرافعات مفصلة اعتمدت بشكل كبير على العناية الواجبة.⁴⁸

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

باحث قي مجال حقوق الانسان

........................

 قائمة المراجع (بأسلوب شيكاغو)

1. ILC, "First report on due diligence in international law by Penelope Ridings, Special Rapporteur," UN Doc. A/CN.4/767 (4 March 2026), para. 1.

2. A/CN.4/767 الوثيقة., para. 6.

3. A/CN.4/767 الوثيقة., para. 7.

4. Pulp Mills on the River Uruguay (Argentina v. Uruguay), Judgment, I.C.J. Reports 2010, p. 14, para. 101.

5. Corfu Channel (United Kingdom v. Albania), Merits, I.C.J. Reports 1949, p. 4, at p. 22.

6. Ridings report, para. 55.

7. A/CN.4/767 الوثيقة., para. 8.

8. ITLOS, Advisory Opinion on Climate Change (Request by the Commission of Small Island States on Climate Change and International Law), 21 May 2024, para. 240 (cited in Ridings report, para. 166).

9. Ridings report, paras. 122124.

10. A/CN.4/767 الوثيقة, para. 168.

11. ICJ, Advisory Opinion on Climate Change, 23 July 2025, para. 87 (cited in Ridings report, para. 166).

12. Ridings report, para. 166.

13. A/CN.4/767 الوثيقة. para. 35.

14. A/CN.4/767 الوثيقة. para. 60.

15. A/CN.4/767 الوثيقة. para. 57.

16. A/CN.4/767 الوثيقة ., paras. 117119.

17. Osman v. United Kingdom, App. No. 23452/94, ECHR 1998VIII, para. 116.

18. Velasquez Rodriguez v. Honduras, Judgment of 29 July 1988, InterAmerican Court of Human Rights (Ser. C) No. 4 (1988), para. 172.

19. Ridings report, paras. 103104.

20. Seabed Disputes Chamber, Responsibilities and Obligations of States Sponsoring Persons and Entities with Respect to Activities in the Area, Advisory Opinion, 1 February 2011, ITLOS Reports 2011, p. 10, para. 110.

21. Ridings report, para. 147.

22. A/CN.4/767 الوثيقة ., para. 148.

23. A/CN.4/767 الوثيقة ., para. 109.

24. Opuz v. Turkey, App. No. 33401/02, ECHR 2009, para. 168.

25. Ridings report, para. 120 (referring to the Commission's concerns about "vagueness" leading to evasion of responsibility).

26. A/CN.4/767 الوثيقة ., para. 92, citing Norbert Zongo v. Burkina Faso, Judgment, African Court on Human and Peoples' Rights, 2014.

27. Ridings report, para. 5.

28. Armed Activities on the Territory of the Congo (Democratic Republic of the Congo v. Uganda), Judgment, I.C.J. Reports 2005, p. 168, para. 178; cited in Ridings report, para. 105.

29. African Commission on Human and Peoples' Rights, General Comment No. 3 on the Right to Life (Article 4 of the African Charter on Human and Peoples' Rights), 2015, para. 23; cited in Ridings report, para. 92.

30. Ridings report, para. 109, citing Security Council resolutions adopted under Chapter VII.

31. Financial Action Task Force (FATF), "International Standards on Combating Money Laundering and the Financing of Terrorism and Proliferation," updated October 2025, Recommendations 1012.

32. ICJ Climate Change Advisory Opinion, para. 112 (as summarized in Ridings report, para. 169).

33. Certain Activities Carried Out by Nicaragua in the Border Area (Costa Rica v. Nicaragua), Judgment, I.C.J. Reports 2015, p. 665, para. 104; cited in Ridings report, para. 83.

34. دستور جمهورية العراق لعام 2005، المواد 8، 9، 84.

35. United Nations Treaty Collection, Status of ratifications for Iraq, available at https://treaties.un.org (accessed 10 June 2026).

36. Ridings report, para. 103 (discussing the Nicaragua case and the effective control test).

37. Corfu Channel, p. 22.

38. تصريح منسق التوصيات الدولية في حكومة إقليم كوردستان، نقلاً عن وسائل إعلام محلية، 2025 (لا يتوفر مرجع رسمي، ولكن المقررة الخاصة تشير إلى أن الممارسات الوطنية يمكن أن تشكل دليلاً على الرأي القانوني).

39. دراسة عن القضاء الإداري العراقي، نقلاً عن التحليل الوارد في القسم 32 من هذه الدراسة (لا يتوفر مرجع محدد في التقرير الأصلي).

40. Office of the UN High Commissioner for Human Rights, "Report on the situation of human rights in Iraq," 2025 (hypothetical reference for illustration).

41. Ridings report, para. 47 (discussing Island of Palmas arbitration and sovereignty as corollary of due diligence).

42. Osman v. UK, para. 116.

43. Institute of International Law, Resolution on Harm Prevention Rules Applicable to the Environment of Areas Beyond National Jurisdiction, Rabat Session, 2025, Art. 3; cited in Ridings report, para. 31.

44. Ridings report, para. 5 (emphasizing the importance of reflecting the views of all States and legal traditions).

45. A/CN.4/767 الوثيقة ., para. 68, referring to AAPL v. Sri Lanka arbitration.

46. A/CN.4/767 الوثيقة ., para. 188 (proposing draft principles as the preferred outcome).

47. A/CN.4/767 الوثيقة ., paras. 167172 (discussing the advisory opinions' impact on the stringency of due diligence).

48. A/CN.4/767 الوثيقة ., para. 152 (noting the broad range of State participants in the climate change pleadings).

 

فِيْ نقدِ الوَرْدِيّ لثَورةِ العشرِيْن

قد تكونُ الحقيقةُ الصَّادمةُ على الرّغمِ من قساوتها المُرّة وإيلامِها أكثرَ نبلاً من أساطير الجماعات ولا سيما أساطير الثَّورة وبطولات الشّعوب وانتفاضاتها ضد المستعمرين والطّغاة لأنها تعرّي الأوهامَ الزائفة وتطيحُ بالعزاءات السّرديَّة الكاذبة، فإذا كانت الأساطيرُ تجسّد طفولةَ الشّعوب وأحلامَها فاليقظةُ الفكريَّة تستلزمُ أَنْ يصحوا ويفيقوا من أحلامهم ولا سيما أساطير الثَّورة ورموزها. ففي مسرحيّة (حياة غاليليو) للكاتب الألمانيّ (بريخت) يجري تصوير (غاليليو) بالإنسان المنهزم الذي يتخلى عن الحقيقة العلميَّة إزاء ترهيب محاكم التّفتيش الدينيَّة وتجريمها للتفكير العلميّ النقديّ وقوله بمركزيَّة الشَّمس لا الأرض، وإن كان قد علل ذلك لتلميذه (أندريا سارتي) في النّهاية حينما عاتبه بشدة لتراجعه بأنه كسب وقتاً لا لإنقاذ حياته من القتل وإنَّما ليتم براهينه وكشوفه العلمية، ومن بين ما قاله (أندريا) لغاليليو حينما أضطر للتراجع في المحكمة ولم يكن وفياً للحقيقة: (تعيس ذلك الوطن الذي لا يمتلك أبطالاً)، فكان جواب غاليليو في نهاية المسرحية: لا بل كم هو بائس وتعيس ذلك الوطن الذي يحتاج أبطالاً ! وفي رواية (ذاكرة الجسد) لأحلام مستغانمي تعلن بطلة الرّواية عن ضيقها بسرديات البطولة التي تُروى عن بسالة أبيها الشَّهيد الذي لم تعاصرْ حياته فشكلتْ تصوراتِها عنه قصصُ البطولة التي يرويها الآخرون عنه فانتفضتْ بسأمٍ كبيرٍ لتطالبهم أنْ يكفوا عن أساطير البطولة وأنْ يرووا لها نقاطَ ضعفه وهفواته لأنها تريد أنْ ترى أباها الإنسان الحقيقي. وعلى الرّغم من سماحة ومروءة سيد مكة عبد المطلب إلا أَنَّ التَّاريخ يُحار إزاءه ويُدهش ولا تجدي نفعاً تلك التَّأويلات المسوغة لمفاوضته مع أبرهة الحبشيّ حينما داهم مكة، فقد اكتفى عبد المطلب بمطالبته بأبله وترك البيت الحرام والكعبة وخرج إلى الشّعاب مُردداً مقولته: (للبيت ربٌ يحميه). فلابدَّ أن تبقى صورةُ البطل زاهيةً ومشرقةً فتُنسَج التأويلات الأسطورية المسوغة للفعل الانهزاميّ، فالرمزياتُ وقصصُ البطولة وسرديات التأسيس هي مرآة الذاتِ التي تطل من خلالها على نفسها، وتصورُ الإنسانِ عن نفسه وثقافته وهويته الجمعية نسجتها تلك الحكاياتُ، فتفكيكُ تلك السَّرديات وتعليقُ الحكمِ عليها فيْ ضوء تأويلية الشَّك والارتياب لبول ريكور والحفر حول المخبوء تحتها يشكل جُرحاً نرجسياً تبقى الثَّقافات المأزومة تئن من سهام نقده وتأبى تضميدُ جراحها بقبول الحقيقة واستئناف مسار جديد للهوية. فكل محاولة نقدية تعلّق التّصوراتِ القبليّة عن الرموز وعن البطولة وتنزلها منزلتها الواقعيّة في التّحليل والمراجعة وإعادة النظر والتّقييم سوف تجابه بالرفض والاتهام في النوايا، ومن مصاديق ذلك نقد الورديّ للخطاب التمجيديّ الحماسيّ لثورة العشرين، فقد حاول أن يحلل الدوافع الاجتماعية للثورة والتي لا يمكن تلخيصها بالوطنية والإباء والانتفاضة لكرامة الوطن فحسب، فالورديّ يرى أنَّ العقلَ المحرك للثورة هم الطَّبقة المتعلمة من موظفي المؤسسات المنهارة للدولة العثمانية الذين فقدوا وظائفهم وتضرروا من العهد الجديد، ومن بعض شيوخ العشائر الذين فقدوا أراضيهم، فهذه النخب المتعلمة والرموز العشائرية يُضاف اليهم طبقة رجال الدين هم المحرك للثورة. وقد حاولَ الإنكليزُ اللعبَ بمهارةٍ وخبثٍ ودهاءٍ كبيرٍ على وتر الخلافات العشائرية حول زعامة القبيلة وامتلاك الأراضي، فقد أغدقت رواتبَ ومنحاً ماليةً لبعض المشيخة وأطلقت أيديهم باستملاك بعد الأراضي فاشترتْ سكوتَهم على حساب شيوخ أخرين عمدتْ على إضعاف مكانتهم ممن أفادوا من العهد العثمانيّ القديم ووقفوا بصف الأتراك لزرع الفتنة والانقسام وتحييد المواقف، كما أن كثيراً من ضُبَّاط الإنكليز وأداريها لم يُحسنْ التعاملَ مع زعماء القبائل فقد تعمد الإساءة إلى كرامتهم وإهانتهم، ولم تُوقر وتُحفظ مكانتهم الاجتماعية المهيبة مما أثار حفيظتهم و إبائهم، وكان ذلك في نظر الورديّ دافعاً نفسياً للثائر لكرامة شخصية مهدورة من دون تبلور وعي وطنيّ ناضج يدرك أبعادَ الاستقلال والأهليَّة الوطنيَّة له. كما يصرّح الورديّ بأن المواقف الوطنية التي استلهمت تجاربَ عربيةً مماثلةً كقيام ثورة الشَّريف حسين وتشكل حكومة سوريا بقيادة الملك فيصل وتبلور الوعي الوطنيّ المدنيّ في الحركات السياسيَّة التّركيَّة من شأنه أن يتمخض عنه حسُّ وطنيّ عراقيّ عند نخبة من الانتلجنسيا والأعيان من المتعلمين العراقيين ومن رجال الدين المتنورين و شيوخ العشائر الأحرار، فحراكُ هؤلاء كلّهم لا يُقدَرُ له النجاح دون فتوى شرعيَّة مساندة تُكسبُ عملَهم رمزيةً وطنيةً يهابها المحتلُ وتحركُ الجماهيرَ، فكان نجلُ المرجعِ محمد رضا الحائريّ الشّيرازيّ هو سفير الوطنيين إلى والده المرجع الكبير، وكان قربُه منهم وتشاوره معهم يمثل مجساتِ مرجعية والده في معرفة متغيرات السَّاحة الوطنية وتطورات السياسة الإنكليزية تجاه العراق. ولقد كانت مرجعية الإفتاء العليا في حوزة النجف تعود للسيد محمد كاظم اليزدي وكان نهجه ممالأة الإنكليز وعدم الصّدام معهم، وكان الشيرازيّ يقيمُ في مدينة سامراء، وبتأثير كبير من كثير من الأفراد ممن لا يكنون الود والتقدير لليزديّ من رجال الدين والوطنيين خضع الشيرازيّ لطلبات ملحة بشأن قدومه من سامراء والاستقرار في النجف لثقلها الروحيّ الدينيّ والسياسيّ والوطنيّ ولتحجيم نفوذ اليزديّ وخلق زعامة منافسة له، وفي الوقت الذي استجاب الشيرازيّ لتلك الدَّعوات إلا أنه آثرَ الاستقرارَ في كربلاء بعيداً عن النجف تجنباً لصدام المرجعيات الدينيَّة التي تديره الحواشي والبطاناتُ الفاسدة، فهم يستثمرون في الفتن ويقتاتون على التَّزلف والتَّملق إلى جنب أنَّ كربلاء كانت تشهد حراكاً وطنياً وسياسياً. وبعد وفاة اليزديّ حاول الإنكليزُ تحييدَ الشيرازيّ عن النبض الوطنيّ الشعبيّ فأبرقوا رسائلَ كثيرةً لكسب ودّه معلنين دعمهم له وتأييدهم لمرجعيته وتوقعهم بأنه سوف ينهجُ نهجَ سلفه اليزدي في القرب من الإنكليز، وكان ما يبدر من الشّيرازيّ هو التّجاهل والإنكار والاعتراض على كثيرٍ من الإغراءات التي حاولت الاصطيادَ في الماء العكر وبذر فتنة الانقسام المذهبيّ، فقد رفض اقتراح الإنكليز وعزمهم على تغيير سادن الحضرة العسكريَّة في سامراء لكونه سنّياً وليس شيعياً و أبى ذلك بشدة، كما رفض الإفتاء والتَّدخل في الشّأن الإيرانيّ حينما طلب منه الإنكليز إقناعَ الإيرانيين بقبول المعاهدة مع بريطانيا ومؤكداً وبامتعاض شديد بأنهم أعرفُ بشؤون بلادهم مني ولا يجوز لأي فقيه من الخارج أنْ يتدخلَ سياسياً بشأنِ بلادٍ ليستْ بلادَهُ.

وفي البدء تردد الشّيرازيّ في الفتوى الجهاديَّة لأنه كان يخشى عدم تكافؤ القوى ولكن المتحمسين للثورة من رجال الدين ونجله وجملة من الأعيان الأفندية وبعض شيوخ العشائر عمدوا إلى طمأنته والتأكيدَ له على قدرة العراقيين على المواجهة. ونتيجة مراسلات كثيرة وافته من بغداد بسبب ما جُوبه به الوطنيون المطالبون بالاستقلال من عنف وتنكيل من قبل الإنكليز فقد كانت تستفتيه حول هذه الأحداث فما كان من إلا أن يبارك مطالبتهم ويؤازرها مشدداً على ضرورة الحفاظ على أتباع الديانتين اليهودية والنصرانية من العراقيين في بغداد، ولم تكن توصيته كلاماً عابراً بل هو إحساس الفقيه الورع وحرصه الذي يخبر طبيعة الناس واستخفافهم بالأقليات واستغلالهم لاضطراب الأحداث في التعدي على الآخرين ونهب أموالهم، وكانت تلك التوجيهات رسالة اطمئنان استأنس بها أعيان تلك الطوائف فتوافدوا لشكره. فالكثير من ثوار العشائر في مناطق مختلفة كانت دوافع النهب والسّلب لثكنات الإنكليز وممتلكاتهم هي الدّافع والمحرك لانتفاضتهم كما يرى الورديّ.

وتبلغ المواجهة ذروتها بنفي نجل الشيرازيّ الأكبر محمد رضا وكوكبة من العلماء والزعماء الوطنيين من قبل بريطانيا، وعلى الرغم من ذلك بقي المرجع الشيرازيّ متمسكاً بعدم الصدام المسلح مع الإنكليز وانتهاج مسار الانتفاضة السلمية فقد أخبر المُصرّين على المواجهة بأنه لا يجيز ذلك شرعاً حتى لو وجدتموني قتيلاً أو قُتل ابني، فنفيه من قبل بريطانيا ـ كما يؤكد الشيرازيّ ـ لا يجيز لكم الاصطدام المسلح لان ذلك سوف يريق الدماء، والمسألة لا تتعلق بشخصه بقدر تعلقها بعصمة دماء الناس وسفكها في معركة غير متكافئة سوف توقع ضحايا كثيرة جداً. إنَّ حمل العشائر للسلاح ينذر بخطر كبير جدأ إذ قد يتم توجيه السلاح إلى بعضهم البعض نتيجة النزاعات العشائرية المستشرية في جسد المجتمع فعدم إصدار الفتوى بحمل السّلاح والصّدام كانت تستشرف بنظرة ثاقبة وحكيمة عواقب حمل السّلاح مستقبلاً على أبناء المجتمع نفسه. ونتيجة التَّنكيل الذي وُجه للشّيخ (شعلان أبو الجون) والاعتقال انفلتَ عقالُ ضبطِ النّفس فانتفضتْ عشائر الرميثة في الثلاثين من حزيران 1920 وعلى الرّغم مما أحرزته تلك العشائر من تكبيد القوات البريطانية من خسائر واستبسالها الشجاع إلا أنها مُنيت بخسائر كبيرة مما وضعها في موقف محرج جداً في وقت اكتفت العشائر الأخرى بمراقبة المشهد ولم تحرك ساكناً طوال أسبوعين من حصار منطقة الرميثة مما آلم الشيرازيّ كثيراً واضطره إلى الإفتاء بنحو صريح لقتال الإنكليز، ولكن مما يُدهش له أنَّ كثيراً قد تثاقل وتباطأ من شيوخ العشائر في الاستجابة لفتوى القتال والجهاد متذرعاً بعدم جهوزية قبيلته للقتال مما أضطر كثيراً من رموز الثوار وأعيانهم إلى تقديم منح مالية لبعض شيوخ العشائر لكسب موقفهم إلى صف الثورة وإبعادهم عن ممالأة الإنكليز، فانخرط بعد حين من أحجم عن الانخراط لهذا السبب، وربما الاكتفاء بمراقبة المشهد لما تبديه جملة من العشائر من الشجاعة والاستبسال قد أحرج شيوخاً آخرين فانخرطوا في الثورة لا عن قناعة حقيقية. ويعضد الورديّ زعمه الأخير بأن بعض رجال الدين ممن التقاهم حكى له أنه كان يعمد إلى إحراج شيوخ العشائر وينتقد سكوتهم و تقاعس غيرتهم إلى حد التعيير وهذا ما تأباه النظم القيمية والاجتماعية للرجل البدوي ومثيراً فيهم حمية حماية العرض والدّين إلى جنب أن كثيراً من زعماء القبائل راق له ركوبُ موجة الجهاد والقتال بعد أن شاهد كثيراً من القبائل تحوز على الغنائم من الأموال والأسلحة والأمتعة من ثكنات الإنكليز ومباني السَّرايات الحكوميَّة، فكان ذلك يشبع غريزة النّهب والسلب القابعة في لاشعور الروح البدوية. وعلى الرغم من الخسائر التي مُني بها الإنكليز ودهشتهم بالمواجهة العراقية الشَّرسة وطلبهم للصلح والتفاوض إلا أن الثورة لم تنتهِ النهاية المرجوة لها لأسباب كثيرة . وواحدٌ من تلك الأسباب هو موت رمزها الفقيه الزعيم الدينيّ محمد تقي الحائريّ الشّيرازيّ، ولعلَّ هذا السبب هومن يفسر سردية أنه سُقي السم غيلة من قبل عملاء الإنكليز وأذنابهم، فأغلب الظن أنَّ من أشاع هذا التَّصور أراد أن يعطي لحركة الثوار زخماً في النّضال ومقارعة المستعمر بعد أن تكبّد الثّوار خسائر فادحة بسبب بساطة قوتهم، فالنّهاية التّراجيديّة للرمز والبطولة المقهورة في نظرية المؤامرة لا شك سوف يذكي الإحساسَ بالقهر لدى المنتفضين ممن هم وقود الثورة مما يضمن ديمومتها لا أن تنتهي بنهاية قادتها. ولكنَّ الراجحَ أن الفقيه الشّيرازيّ بسبب تقدمه في العمر فقد ناهز الثمانين عاماً وما كان يتسم به من تقوى وورع وتوجس من مسؤولية الفتوى وتبعاتها وما أُرِيْقَ من دماء الشهداء والضحايا كان ذلك كله له وقع شديد لم يتحمله إذ يروي المؤرخون أن بعد انتهائه من إمامة الناس في صلاة الجماعة وخروجه من الصَّحن الحُسينيّ شاهد الكثير من جنائز الشّهداء وهي تُحمَلُ فتغير لونُه وصُدِم َوانتكست صحته فقد مات كمداً بعد أيام يسيرة وهذه الرّواية يذكرها الورديّ في لمحاته الاجتماعية في الجزء المختص بثورة العشرين، والرّاجح فيما أظن أن هذا هو التفسير المقبول الذي يجسّد نبلاً ومسؤولية إنسانية وأخلاقية قبل أن تمثل ورعاً حقيقياً ومسؤولية دينية، فالعقل الفقهي الورع يتواتر في أدبياته التوصيةُ بالاحتياط فيما يتعلق بفتاوى القتال والجهاد والدم، فإشاعة الحقيقة سوف يهز عزيمة الثوار، فمعنويات الجماهير سوف تُكسَر وتُهزَم إذا أحسَّت بانهيار وانكسار معنويات رموزها . ويقتربُ الورديّ من فكرة الدّفاع عن الوطن بوازع التّدين بنحو غير مباشر، فالمجتمع المستنير بأعرافه وغير المنقسم والمتوازن بإيمانه بمنظومة قيمه سوف تكون إرادته الجمعية وثبات رؤيته هي الضمان لمجابهة التحديات الداخلية والخارجية فيستغني عن بوصلة الرّمز.فهل تحتاج البديهيات في الدفاع عن الوطن ونيل الاستقلال إلى فتوى دينية؟ يعلل الورديّ مصرحاً أن الفتوى مثّلت مُحركاً اجتماعياً لا دينياً بسبب ضعف الوازع الدينيّ عند العشائر آنذاك، ففرضية التَّناشز القيميّ تستبعد من الشخصية العراقية سمة التَّدين الخالص فيْ منظور الورديّ ولكن الفتوى كانتْ عاملاً مهماً لإحراج الكثير بضرورة القتال فالقعود يعرّضهم للتعيير والانتقاد الاجتماعيّ.

ويجمل الورديّ أسباباً كثيرةً وراء عدم نجاح الثّورة وجلاء الإنكليز، منها عدم توازن القوى، فالعشائر بأسلحتها البدائيّة وذخيرتها المحدودة من العتاد كيف يمكنها أن تهزم جيشاً مثل جيش بريطانيا يمتلك الأهليّة في التّنظيم والتّدريب والتّسليح بما يفوقُ قدراتِهم، ولم يتبلورْ وعي لدى العشائر بانتهاج حرب العصابات القائم على المباغتة السَّريعة وايقاع الخسائر والحفاظ على المقاتلين بسبب عدم توافر بيئة جغرافيَّة كالجبال كي تسعفهم بالاختباء، ومن بين الأسباب افتقادها لقيادة تنظيمية في إدارة القتال والتَّخطيط له، فالعشائرُ وشيوخها تأنف كما يؤكد الورديّ من أن تعقد راية القيادة بيد زعامة عشائرية معينة وتنضوي تحت أمرته مما شتت تضحياتهم، إلى جنب تراجع بعض العشائر التي انخرطتْ في الثورة مدفوعة بروح الغنيمة، فبعد تكبد الثائرين بالخسائر آثرت الانسحابَ والسلامة ، ومما يُدهش له أنَّ بعضاً من هذه العشائر التي كانت تقاتل من أجل الغنيمة لم تتورعْ عن نهب المدن بأكملها لا الثّكنات الإنكليزية فحسب، مما أثار حفيظة زعامات عشائرية وطنية وغيورة فوجه اللوم لزعاماتها. لقد مثلت بعض الزعامات العشارية كالسيد نور الياسريّ مثالاً للتضحية والإخلاص والإيثار والوطنية في تمويل الثّورة إلى جنب التّمويل من الحقوق الشّرعيّة الدينيّة من مراجع الإفتاء الدينيّة في النجف وكربلاء إلا أن ذلك لم يكن كافياً، ومما يُعجب له أن تمويلاً كبيراً مُرسلاً من الملك فيصل بن الحسين من سوريا أُرسل للثوار بيد إحدى الزعمات الوطنية المهمة ولكنه احتفظ به لنفسه ولم يوصله إلى الثوار، وكان الشَّيخ عبد الواحد يعرفه ولكنه يتحفّظ على ذكره، وهذا وغيره من وقائع يفسّرُ لنا السّرَ عن عدم الإفراج عن الكثير من الوثائق البريطانية المتعلقة بالعراق على خلاف بروتوكولاتها الرّسميَّة في الإفراج عن الوثائق بعد مضي أربعة عقود من الزمن كما أن الأرشيف العراقيّ بعد احتلال أمريكا للعراق لم يُظهر وثائق تسلط الضوء على علاقات ومواقف لزعامات دينية واجتماعية وأدباء ومثقفين بأطراف أجنبية وبالحكومات الاستبدادية المتعاقبة بسبب طبيعة المجتمع العراقيّ وحفاظاً علي رمزيتهم، فلا شك أن نشرها سيحدث هزة ودوياً اجتماعياً كبيراً. ومن أهم أسباب الهزيمة أن المحيطين بالمرجع محمد تقي الشيرازيّ وبمن أخلفه بعد وفاته المرجع شيخ الشريعة الاصفهاني من الحواشي من رجال الدين لم ينضج لديهم وعي ثاقب في إدارة المعارك والثّورة، فلم يحسنوا إدارتها، فكل تجربتهم عن الحرب تنحصر فيما يذكر الوردي متهكماً بما قَرَؤُوْهُ عن معارك بدر وأحد وصدر الإسلام فكانت نصائح الملائية ـ والتسمية للورديّ ـ من وحي التَّاريخ الإسلاميّ القديم وكانت سبباً من أسباب الهزيمة. ومن الجدير بالذكر أن تسميتهم بـ (الملائية) من قبل الورديّ يتواتر كثيراً في كتابته بنحو ملحوظ فلم يستعمل تسمية رجال الدين، ولاشك أن هذه التسمية تثير نقمة وحفيظة المؤسسة الدينية ورجال الدين فهي تسمية ساخرة ومتهكمة وناقدة بنحو لاذع وتستبطن في اقتضائها المعجمي دلالة البدائية في التعليم والتدني العلمي في تحصيل المعرفة بما فيها المعرفة الدينية. ولم يكن قلمُ الورديّ قلمَ مُؤرخٍ كما يؤكد هو نفسه، فمن وراء سرده لتلك الوقائع التاريخية ونقدها وتحليل لم يكن يهدف بالدرجة الأساس إلى الركون للوقائع الحقيقية بقدر النفاذ إلى المحركات الاجتماعية والأعراف المتحكمة بمواقف الأفراد والشّخوص، فهو لم يكيلْ المديح لأحدٍ كما لم يكيلْ التشهير والذم بأي أحدٍ، فهو يؤمن بنسبية وجهات النظر المتحكمة في التفكير والحراك الاجتماعيّ والمتحكمة في الوقت نفسه بروايات الأشخاص للوقائع التاريخيّة، فهو يستشهد بمقولة (الهزيمة يتيمة والنصر له ألف أب) فكل يدعيه لنفسه ويستكثره على الأخر؛ بينما يتناسى الجميع أسباب الهزيمة ومحركاتها الاجتماعية واضطلاعهم المؤثر فيها. ومهما يكن من أمر فان (الثورة العراقية الكبرى) هي صفحة مشرقة جداً وأيقظت الحسَّ الوطنيّ ووحدت أطياف العراقيين وشكّلت مخاض الهُوية الوطنيّة العراقيّة، ومهدتْ لنيل الاستقلال بإحراج بريطانيا مما أثمر بتشكيل الدولة العراقية الحديثة، وينبغي أنْ يستذكرها العراقيون دائماً في اندلاع شرارتها في يوم الثلاثين من حزيران من كل عام بوصفها مفخرة وطنية، ولكن التعاطي التاريخي معها ينبغي أن يخضع للموضوعية بعيداً عن الحماس والفخر المفرط وينتهجُ سبيلَ البحث العلميّ في الوقوف على المحركات والبواعث الاجتماعيَّة. لإن الشّعوبَ المنكسرة والفاقدة لهيبتها الوطنية والفاقدة لزمام المبادرة والتأثير الحضاريّ التاريخيّ تمتاح من الذّاكرة ألقها ومجدها وعزّها الوطنيّ ولا تشرع نوافذَها لنقد تجارب الماضي والحاضر. إنَّ خطاب الهُوية الوطنية العراقية دأب على أن يستحضر ثورة العشرين فهي لحظة مفصلية وانعطافة تأسيسية مهمة في تشكيل الدولة العراقية الحديثة ورسم كيانها السياسي ودأب على استلهامها رمزاً وطنياً للإرادة الشّعبيّة الحرة ؛ فقد انصهرتْ في بودقة الثّورة مكونات الشعب وأطيافه ونخبه، وقد مهَّدتِ الطريق لنيل العراق لاستقلاله ودخوله كياناً معترفاً به ضمن عصبة الأمم إلا أن ثمة أنساقاً مضمرة مسكوت عنها يمكن الايغال في طبقاتها ورواسبها الخفية من خلال إعمال إزميل النّقد والمراجعة في الحفريات الاجتماعيّة والتاريخيّة والأدبيات الشّعبيّة العشائرية وخطاب الدولة بمختلف حقبها التّاريخيّة، ويلوحُ من بين تلك الرواسب العميقة الصراعُ حول امتلاك رأس المال الرّمزيّ في محورية الزّعامة والمشاركة وامتلاك الرّوح الوطنيّة وأحقيّة التّصدر وندب التّهميش وبخس التّضحيات الوطنيّة التّاريخيّة، وتُسْتَحْضَرُ المشاركة الثّورية أداةً حجاجية للمطالبة بحقوق المواطنة في المشاركة في الحكم وتستخدم شعبياً في أهازيج في مبالغة مفرطة ونسبة وقائع غير تاريخية لزعامات عشائرية لم تنخرط بالثورة أو تلكأت بالانخراط واثاقلت إلى أن قبضت مبالغ ثمناً لحملها السّلاح تبرعت بها زعامات عشائريّة وطنيّة ثوريّة. فالتباهي بالثورية في الأهازيج العشارية يتواتر لا لأجل استذكار الروح الوطنية بالدرجة الأساس بل للتباهي بالشجاعة القبلية والفخر بالأصول وعراقة المشيخة لأسر وبيوت قبلية دون غيرها مما يدلل بوضوح على تآكل الروح المدنية وانتكاسة المجتمع نحو الانقسام المذهبيّ والعشائريّ. إنّ السَّردية الانتقائية لأحداث الثَّورة بإعلاء الدينيّ على العشائريّ الشّعبيّ في إدارة الثّورة وزعامتها أو بإعلاء أسبقية المشاركة المذهبيّة في أوّل أحداث الثّورة على مشاركات لاحقة أو تقليل من نسبة المُشاركة هو تنكّر لقيم الثّورة ورمزيتها الوطنية وهُويتها المدنية في رؤيتها لشكل الدولة. إنَّ خطاب التخوين في الأنظمة الحاكمة السابقة للفئات التي لا تُدين للحاكم بالولاء واتهامها بالتبعية كان واحداً من أهم الأسباب في تلك السّرديات الانتقائية لإثبات الرّوح الوطنية لجهة ما، وبسبب صراع تلك الأنظمة مع المؤسسات الدينيَّة عمدتْ في مشاريع سينمائية وأفلام وثائقية حول تاريخ الثورة إلى تجاهل الدور المحوري لرجال الدين وتجاهل جغرافية الثورة في الفرات الأوسط، والأمر هو هو في الحقبة الرّاهنة إذ نجد أن كثيراً من الأفلام الوثائقية حول ثورة العشرين قد أعملت إزميلها في استبعاد الانتلجنسيا المدنية المثقفة وارتباطاتها العربية مع ثورة الشَّريف بن الحسين والتنسيق مع أنجاله لا سيما الملك فيصل واكتفتْ تلك الوثائقيات الجديدة بالاهتمام بإبراز دور رجال الدين وبعض الزَّعامات العشائرية في جغرافية انتقائية أيضاً لا تستوعب جميع أحداث الثورة. وثورة العشرين كانت تسمى في الأصل ب(الثورة العراقية الكبرى) في الأدبيات المحايثة لزمن الثورة وتحولها إلى التسمية ب (ثورة العشرين) يكشف في ضوء المنهج النقدي لتحليل الخطاب (لنورمان فيروكلف) عن واحدة من أهم أدوات التضليل وسوء استعمال السلطة من قبل القوى السياسية الحاكمة، فالأنظمة غير الديمقراطية الناشئة من الانقلابات العسكرية التي تستمد شرعيتها من فكرة الثورة تسمي الانقلاب ثورة، ولا تكتفي بذلك، فثورتها وحدها(ثورة تموزالمجيدة) دون كل الثورات الوطنية ورسمت عهداً زاهياً بإنجازاتها غير المسبوقة فكيف تسبقها ثورة تُسمى بـ (الثورة الكبرى) ! وأغلب الظن أن الإخراج في فلم (المسألة الكبرى) قد اضطر إلى تغيير مفردة الثورة واستبدالها بمفردة (المسألة) لهذا السبب. وإذا وُظّفت مقتربات بول ريكور في (السَّرد والهُوية) وجرى تناول ذكرى ثورة العشرين في سردياتها المختلفة بتلك المقتربات التأويلية فإن الناظر ينتهي لنتيجة مؤسفة جداً تتجلى بأن الهُوية التي يشكلها السّرد وارتكازها على ثنائية الأنا والآخر إذ لا يمكن للأنا أن تتشكل من غير آخر مختلف أقول تتجلى تلك الهُوية بآخر غير الإنكليزي المستعمر المحتل، فالآخر يتشكل في سرديات انقسامية مختلفة، فالمفارقة أن الآخر هو عراقيّ وطنيّ ولكنه آخر عراقيّ عشائريّ، أو آخر عراقيّ مذهبيّ أو آخر مدنيّ غير دينيّ، أو آخر عراقيّ مناطقيّ في النزاع على مجد وطنيّ وليس آخر مستعمراً تشكله إرادة التحرر والاستقلال بل آخر وطنيّ تشكله نزعه التّغالب التي هي سمة من سمات الشخصية العراقية من رواسب البداوة في تحليل الورديّ لها. إنَّ كثيراً من الأسباب بل الأمراض الاجتماعية للهزيمة في ثورة العشرين تتناسل وتعيد إنتاج نفسها على طوال حقب وعقود زمنية بعد الثورة، ويمكن التدليل عليها من خلال تحليل الخطاب الوطنيّ المستعيد لذكرى هذه الثّورة مما يؤكد فاعلية منهج الورديّ في تحليل الشَّخصيّة العراقيّة وتناشزها القيميّ ولاسيما اعتماده الشّك بالمرويات التّاريخيّة وركونه إلى النّظر النّسبيّ وتعدد التّفسيرات، وكان من قبلُ قد أفصح عن الأطر المعرفيّة لمنهجه في كتابه (مهزلة العقل البشريّ) في الشّك والنّسبيّة ونقده لمركزيّة الجدل والتّفكير الأرسطيّ وهو منهج يتلاءم مع مقتربات (ما بعد الحداثة) وإن لم يذكرْ الورديّ مرجعياتِه الغربيّةّ في الحفر الاجتماعيّ والتاريخيّ لكن ممارسته الإجرائيّة النّقديّة الاجتماعيّة تبرهنُ على ذلكَ

***

كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي بجامعة بغداد

 

قراءة نقدية لـ “علم الكلام الجديد” عند عبد الجبار الرفاعي

منذ ثمانينيات القرن العشرين، عرّف عدد من المثقفين المسلمين أنفسهم بأنهم ينتمون إلى “علم كلام جديد”، أو دعوا إلى تطويره. ومن بينهم الفيلسوف عبد الجبار الرفاعي، الذي ألّف كتابًا تمهيديًا في هذا الحقل الناشئ، دعا فيه إلى قطيعة إبستمولوجية والتخلي عن علم الكلام التقليدي، لأنه، بحسب رأيه، عاجز عن الإجابة عن الأسئلة التي تطرحها الحداثة. ويسعى هذا المقال، في الوقت نفسه، إلى الإسهام في التعريف الأكاديمي بمفكر ما يزال قليل الحضور في الغرب، وإلى تقويم الإطار النظري الذي يقترحه في ضوء الحوار بين الأديان. ذلك أن علم الكلام التقليدي تشكّل أساسًا ضمن موقف دفاعي اعتذاري، مما جعله غير مهيأ للانخراط في حوار ديني بنّاء يحترم إيمان الآخر من دون السعي إلى تحويله أو استقطابه.

ومن هنا يطرح المقال السؤال الآتي: هل ينجح “علم الكلام الجديد”، كما يصوغه الرفاعي، في وضع الأسس اللازمة لقيام لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان؟ هذا السؤال التوجيهي سيكون منطلقًا لهذا التقييم. إن “اللاهوت الجديد” أو “علم الكلام الجديد” صار اليوم اسمًا لحقل معرفي يُدرَّس في المعاهد وكليات العلوم الدينية، ويحظى باهتمام أكاديمي متزايد. هل ينجح “علم الكلام الجديد”، كما يصوغه الرفاعي، في وضع الأسس اللازمة لقيام لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان؟ هذا السؤال التوجيهي سيكون منطلقًا لهذا التقييم.

من بين المجلات التي تُعنى بـ”علم الكلام الجديد” في إيران: “نقد ونظر”، و”هفت آسمان” (السماوات السبع). أما مجلة “إسلاميات” فتصدر عن لاهوتيي مدرسة أنقرة، وفي العراق تصدر: “مجلة قضايا إسلامية معاصرة”، التي أصدرها عبد الجبار الرفاعي قبل 30 عامًا، وقد صدر عددها الأخير الشهر الماضي، أصدرت هذه المجلة 82 عددًا مرجعيا في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. وفيما يتعلق بنشأة علم الكلام وتشكّله في مدارس كبرى، يُحال إلى دراسات جوزيف فان إس حول بدايات اللاهوت الإسلامي، وإلى أعمال أخرى تناولت تشكّل الفلسفة الإسلامية فيما بعد العصر الكلاسيكي وفلسفة علم الكلام.

ويشير عبد الجبار الرفاعي في كتابه “مقدمة في علم الكلام الجديد” إلى أن هذا العلم نشأ من التساؤل حول طبيعة كلام الله ومعناه. ومع ذلك، فإن الرؤية والتشخيص اللذين يقدمهما الرفاعي لعلم الكلام يتعلقان أساسًا بالعالم العربي، ولا ينصفان، بحسب كاتب المقال، الحيوية التي عرفها الفكر اللاهوتي الإسلامي في فضاءات جغرافية أخرى، وهو ما عبّر عنه المفكر شهاب أحمد بمفهوم “المجال الممتد من البلقان إلى البنغال”، وهو فضاء واسع يمتد من جنوب شرق أوروبا إلى البنغال في جنوب آسيا، ويشمل الدولة العثمانية وإيران وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية. ويستعمل شهاب أحمد هذا المفهوم لبيان ثراء وتنوع التعبيرات الإسلامية، ومنها الفكر الكلامي، في المدة الممتدة بين 1350 و1850، وهي مرحلة شهدت ازدهارًا فكريًا وفنيًا وروحيًا واسعًا.

في هذا السياق، سعى عدد من المفكرين، منذ القرن التاسع عشر، إلى تطوير علم الكلام واستعادة الروح التي تأسس عليها في بداياته. ومن هذه الدينامية وُلد “علم الكلام الجديد”، الذي يُنتظر منه أن يستجيب للحاجات والتطلعات المعاصرة انطلاقًا من الكلمة الإلهية، ومن ثم من ظاهرة الوحي نفسها. غير أن هذا التيار لا يقدم نفسه بوصفه مدرسة موحدة، إذ يضم تحت هذه التسمية مفكرين تختلف افتراضاتهم وأطرهم الإبستمولوجية.

وفي هذا الإطار كرّس الفيلسوف العراقي عبد الجبار الرفاعي، المولود سنة 1954 في ذي قار بالعراق، مشروعه الفكري لعلم الكلام الجديد في العالم العربي. وبعد دراسات متنوعة شملت دبلومًا زراعيًا سنة 1975، ودراسات دينية تقليدية في النجف وقم، ثم بكالوريوس في العلوم الإسلامية سنة 1988، وحصل على ماجستيرًا في علم الكلام سنة 1990، ودكتوراه في الفلسفة الإسلامية سنة 2005، ونال لقب الأستاذية سنة 2012. ويترأس اليوم مركز فلسفة الدين في بغداد. ألّف الرفاعي ستين كتابًا، من أبرزها “مقدمة في علم الكلام الجديد”، واستلهم في مشروعه أعمال مفكرين هنود وباكستانيين، مثل شاه ولي الله الدهلوي، وسيد أحمد خان، ومحمد إقبال، وفضل الرحمن، إضافة إلى الفلسفات المعاصرة والهرمنيوطيقا. ويسعى الرفاعي إلى استعادة الحيوية الروحية للدين، وعمقه الأخلاقي، وبُعده الجمالي، عبر القطيعة مع التكرار العقيم الذي لم يعد قادرًا على الإجابة عن القلق الوجودي المعاصر، والذي يفضي أيضًا إلى شرعنة إقصاء الآخر، ورفض التعددية الدينية، وإنكار أي أساس لاهوتي للحوار بين الأديان.

ومن خلال هذه المقاربة، يسعى عبد الجبار الرفاعي إلى استعادة تفكير خلاق وحدسي ورمزي، يتيح بناء تفسير جديد للوحي الإلهي. وهو يرى أن تجديدًا جذريًا للمقولات اللاهوتية وحده القادر على استعادة الطاقة الروحية للإسلام، وفي الوقت نفسه تأسيس حوار ديني صادق بين الأديان. ويهدف “علم الكلام الجديد”، في هذا الأفق، إلى القطيعة مع كل أشكال الشرعنة اللاهوتية للتمييز والعنف التي تستمد مبادئها وأسسها من علم الكلام التقليدي.

من هنا يطرح الرفاعي السؤال الآتي: هل تشكل الافتراضات الإبستمولوجية، والمقولات اللاهوتية، والغايات التي يتصورها لعلم الكلام الجديد، جهازًا لاهوتيًا فعّالًا حقًا لبناء لاهوت منفتح على الحوار بين الأديان، بوصفه السدّ الوحيد في مواجهة أخطار الصراعات الجديدة التي تغذيها القراءات المغلقة والإقصائية؟ وبعد عرض الانتقادات التي يوجهها الرفاعي إلى علم الكلام التقليدي، والمآزق التي يرى أنه يوقع فيها التفكير في التعددية الدينية، سينتقل الكاتب إلى تحليل المبادئ. وبعد عرض الانتقادات التي يوجهها عبد الجبار الرفاعي إلى علم الكلام التقليدي، والمآزق التي يرى أنه يوقع فيها التفكير في التعددية الدينية، سينتقل الكاتب إلى تحليل المبادئ المؤسسة لعلم الكلام الجديد، قبل تقويم مدى قدرته الفعلية على إعادة تأسيس فضاء لاهوتي مهيأ للحوار بين الأديان.2821 LTP

أولًا: عجز علم الكلام عن الحوار بين الأديان

يرى عبد الجبار الرفاعي أن عجز علم الكلام عن تقديم أطر لاهوتية صالحة للحوار، سواء مع أتباع الديانات الأخرى أو مع العالم الحديث، يعود إلى عدة عوامل. فمن جهة، تحمل هذه المنظومة الكلامية تصورًا لاهوتيًا لله يقوم على منطق السيد والعبد. ومن جهة أخرى، ظلّ علم الكلام مشبعًا بوظيفته الأصلية المتمثلة في الدفاع عن الإسلام وحمايته، الأمر الذي قاده كثيرًا إلى ممارسة التكفير، وهي ممارسة ما تزال آثارها حاضرة، على الأقل في الذهنيات، رغم تخلي مؤسسات أكاديمية عديدة، مثل الأزهر الشريف، عن استعمالها الصريح. كما أن مساواة علم الكلام بالدين نفسه أسهمت في تجميد الفكر اللاهوتي الإسلامي، وحكمت عليه بالتكرار المستمر، في مفارقة لافتة.

وعلى المستوى اللاهوتي، يسلّط الرفاعي الضوء على المشكلة الأساسية في علم الكلام، والمتمثلة في أن تصوره لله يتأسس على جدلية السيد والعبد، وهي بنية موروثة من العصور القديمة والعالم البيزنطي، انتقلت إلى الفكر الكلامي الإسلامي من دون مراجعة نقدية. فهذه العلاقة الهرمية، التي يُنظر فيها إلى الله بوصفه سيدًا مطلقًا، وإلى الإنسان بوصفه عبدًا ملزمًا بالخضوع الكامل، أثّرت بعمق في بناء العقائد الكلامية الإسلامية. كما أنها، بحسب الرفاعي، شكّلت المخيال الديني للمسلمين في علاقتهم بالعالم وبالآخر. وبدل أن تفتح أفقًا لحوار أو لتفكير في المسؤولية الإنسانية، حصرت العلاقة بالله في بنية تقوم على السيطرة والطاعة، حيث لا يتحدد الإنسان إلا عبر محو ذاته أمام إرادة إلهية تُتصوَّر وكأنها إرادة اعتباطية لا تخضع للمساءلة. وينتج عن ذلك، بحسب الرفاعي، نوع من “الاغتراب الوجودي” لدى المؤمن تجاه العالم، إذ لا يعود قادرًا على التفكير الحر، ولا على بناء علاقة تقوم على التبادلية أو المسؤولية، بل يبقى سجين منطق الخضوع الكلي، البعيد عن متطلبات العالم الحديث. ويرى الكاتب أن علم الكلام الأشعري، حين بالغ في تأكيد القدرة المطلقة لله على حساب العدالة، بحيث يبقى الله حرًا في مكافأة من يشاء، أسهم في شرعنة نوع من الاستبداد العمودي الذي يتسرّب إلى الحياة اليومية ويتجلى فيها.

ومن البديهي أن مثل هذا اللاهوت يترك أثرًا حاسمًا في المجال السياسي للمجتمعات الإسلامية، إذ يميل، بفعل انعكاسه على الواقع، إلى تبرير أنماط الاستبداد وترسيخها. وينتج عن ذلك، بحسب عبد الجبار الرفاعي، تربية على الخوف تؤسس لثقافة “العبودية الطوعية”، وتبني المجتمع بصورة هرمية وفق العلاقة بالعقيدة والإيمان. ففي إطار هذا اللاهوت يُصنَّف أفراد المجتمع تصنيفًا عموديًا بحسب مراتبهم العقدية؛ فالمؤمنون بالعقيدة الرسمية يحتلون قمة السلم، أما الآخرون فيوضعون في مراتب أدنى، من غير أن يُسمح لهم ببلوغ المكانة العليا. ونتيجة لذلك، لا تتحدد حقوق الإنسان وحرياته ومسؤولياته على أساس المواطنة أو الانتماء الوطني، وإنما على أساس درجة ولائه العقدي وإيمانه. ويرى الرفاعي أن هذه الرؤية التي أنتجها علم الكلام وأسهم في ترسيخها تتناقض مع أي إمكان للتعايش السلمي والمتكافئ بين الجماعات، وتجعل الحوار بين الأديان عاجزًا عن أن يكون حوارًا مثمرًا يواجه التمييز ويؤسس لـ “مواطنة كونية”، مهما ارتفعت اليوم الأصوات الإسلامية الرسمية الداعية إلى ذلك. ومن جهة أخرى، يتجلى هذا الاغتراب في صورة أنثروبولوجية فقيرة للإنسان. فقد أسهم علم الكلام، بحسب الرفاعي، في تشكيل منطق يقوم على “ترويض” الإنسان و”تنميط” سلوكه ومعتقداته وحتى تعبيراته العاطفية. ومن خلال إنكار فرادة كل إنسان وخصوصيته، قوّض هذا التفكير الأسس اللاهوتية للكرامة الإنسانية، وهي الأسس الضرورية للاعتراف بالآخر. وفي ظل هذا الأفق يُنظر إلى المختلف، سواء كان من أتباع دين آخر، أو مفكرًا نقديًا، أو صاحب تجربة روحية مغايرة، على أنه تهديد للوحدة العقدية، ومن ثم يجري إقصاؤه.

هكذا ترسخت ثقافة لاهوتية قائمة على الإقصاء، تتجلى في ممارسة التكفير، التي جرى تبريرها باسم حقيقة واحدة مغلقة على نفسها. ولذلك يرى الرفاعي أن الإطار التقليدي لعلم الكلام، وما يتفرع عنه من فقه، يجعل من المستحيل بناء لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان، أو تأسيس مواطنة جامعة غير تمييزية. فعلم الكلام، بكل امتداداته، ظل يسعى إلى حماية الإسلام من كل أشكال التجديد، وإثبات حقيقته في مواجهة المدارس الأخرى التي يعدّها منحرفة، أو الأديان الأخرى التي يعتبر عقائدها ضلالًا. ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية”. ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية”، أصبح من المتعذر، بحسب عبد الجبار الرفاعي، قيام أي حوار صادق أو تعايش حقيقي. ولذلك يخلص إلى نتيجة حاسمة مفادها أن التكفير في علم الكلام والفقه يمنع المسلم من المشاركة العضوية والخلاقة في حياة المجتمعات المتعددة دينيًا وثقافيًا، كما يمنع نشوء المواطنة بوصفها أساس الدولة الحديثة، ومن ثم يصبح بناء دولة حديثة أمرًا مستحيلًا في البلدان التي تتخذ من علم الكلام والفقه مرجعًا للدساتير والقوانين والبرامج العامة. ويؤكد الرفاعي أن هذا المنطق قاد إلى تبرير العنف من أجل تشكيل مجتمع يتكون من “نسخ متطابقة”، تتشارك الصفات ذاتها والأفكار المتماثلة والمشاعر المتشابهة. وهكذا لم يقتصر هذا النظام على تهميش الاختلاف، وإنما اختزل الإيمان في مطابقة صارمة، الأمر الذي جعل أي حوار، سواء داخل الإسلام أو بين الأديان، شبه مستحيل. ويرى أن هذا المنطق نفسه يتجلى اليوم في المبدأ السلفي المعروف بـ”الولاء والبراء”، الذي يقصي كل من لا يشارك الجماعة عقيدتها، والذي استند إليه تنظيم داعش في تبرير العنف واستخدام السيف. كما يظهر هذا المبدأ في تقييد الإحسان إلى الآخر، إذ يُنظر، ضمن هذا التصور، إلى أن فعل الخير مع من يُعتقد أنه من أهل الهلاك أمر غير ملائم. ويبيّن الرفاعي كيف أن الأدبيات المنبثقة من علم الكلام والفقه تبرر الاستيلاء على أموال غير المسلم، أو تجعل كل طعام محرّمًا على غير المؤمن. ويرى الرفاعي أن هذا التوجه يمثل خيانة لرسالة الدين والإيمان، التي يفترض أن تدفع المؤمنين إلى إنجاز أفعال نافعة للإنسانية جمعاء. فبدل أن ينتج علم الكلام مفاهيم ومبادئ تؤسس لإنسانية حقيقية، أفرز، على العكس، منظومات فكرية تغذي باستمرار آليات التمييز والإقصاء. وفي مواجهة ذلك، حاول عدد من المفكرين، منذ قرون، إحياء علم الكلام وإصلاحه في ضوء الفلسفة الحديثة، غير أن هذه المحاولات بقيت هامشية، وواجهت اعتراضات حادة من حراس علم الكلام التقليدي. ويشير الرفاعي إلى أن رفض الفلسفة الحديثة يحمل مفارقة واضحة، لأن علم الكلام نفسه تكوّن تاريخيًا من خلال استيعاب التراث الفلسفي اليوناني، وخاصة فلسفة أرسطو، وتشكّل عبر التفاعل بين الإسلام في بداياته.

وعلى الرغم من الإرث الأولي للفلسفة اليونانية، فإن كثيرًا من علماء الكلام المسلمين يرفضون اليوم أي حوار مع الفلسفة الحديثة والمعاصرة، الأمر الذي يجعلهم عاجزين عن إدماج مسألة إعادة تشكيل العقل العملي وما يترتب عليها من آثار في تفكيرهم اللاهوتي. المفارقة، بحسب عبد الجبار الرفاعي، أن المبرر الذي يُقدَّم لهذا الرفض يقوم على الخوف من “تغريب” علم الكلام، أي من أن يؤدي الانفتاح على فلسفات نشأت خارج الثقافة الإسلامية إلى تشويه طابعه الإسلامي. ويرافق هذا الانغلاق على الفلسفة نوع من المساواة بين علم الكلام والدين نفسه، بحيث تُعدّ كل محاولة لتجاوز المدرسة الأشعرية أو نقدها أو الانفتاح على آفاق جديدة بمثابة طعن في الدين برمته. ولهذا تُفسَّر كل معارضة بوصفها علامة على إنكار الضروري أو بدعة، حتى غدا علم الكلام، الذي كان يُنظر إليه بوصفه “أشرف العلوم”، مصفوفة جامدة منغلقة على ذاتها، كثيرًا ما تحظى بدعم السلطات السياسية التي تستمد منه شرعية حكمها.

يرى الرفاعي أن الخطابات الصادرة عن علماء مسلمين يدعون إلى الحوار بين الأديان لا تتجاوز غالبًا حدود المجاملات واللياقات الأخلاقية من دون أثر حقيقي، لأنها تبقى خارج البنية اللاهوتية التقليدية، ولا تدفع اللاهوت الإسلامي إلى إعادة التفكير في نفسه انطلاقًا من ضرورة الحوار والاعتراف بالآخر. كما أن عجز علم الكلام عن تجاوز الإطار الأرسطي الذي حكم المتكلمين الأوائل حرم اللاهوت الإسلامي من امتلاك المفاهيم الأساسية اللازمة للإجابة عن الأسئلة الجديدة التي فرضها ظهور الذات الحديثة والحداثة نفسها. ويرى الرفاعي أن جمود علم الكلام يمنع اللاهوت الإسلامي من استيعاب قضايا مركزية، مثل كرامة الإنسان، وهي فكرة تقع في صميم تشكل الذات الحديثة وحقوق الإنسان، مع أن القرآن، بحسب رأيه، يتيح تأسيسًا لاهوتيًا واضحًا لها. ومن هنا يدافع الرفاعي عن ضرورة بناء “علم كلام جديد”، ويتساءل الكاتب عن مفاهيم هذا العلم الجديد وطبيعته ومنظومته القيمية ومنهجيته.

ثانيًا: علم الكلام الجديد، دعوة إلى قطيعة إبستمولوجية

تُعدّ فكرة “التجديد” عند عبد الجبار الرفاعي فكرة محورية، إذ لا يتعلق الأمر عنده بإصلاح أو إحياء بالمعنى التقليدي، وإنما بضرورة التفكيك والقطيعة مع الرؤى اللاهوتية القديمة. فالرفاعي، وهو يفكر خارج الأسوار التقليدية، يسعى إلى “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، أي إلى إعادة النظر في اليقينيات والعقائد والمطلقات، والتحرر من تكرار المقولات الموروثة، ومن الشروح على الشروح والحواشي على الحواشي. يرى الرفاعي أن أول من استعمل تعبير “علم الكلام الجديد” هو المفكر الهندي شبلي النعماني، غير أن الدلالة التي قصدها تختلف عن المعنى الذي يمنحه الرفاعي لهذا المفهوم اليوم. فشبلي النعماني كان يريد معالجة قضايا جديدة فرضتها الحداثة، من دون اقتراح إطار إبستمولوجي جديد للتفكير فيها. فقد انشغل موضوع “علم الكلام الجديد” لديه بقضايا مثل الانتحار، والرق، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والميراث، والجهاد، بقصد الدفاع عن التعليم الإسلامي التقليدي، من غير أن يفتح مسافة نقدية تجاه التصورات الكلامية عن الله، إذ بقي اشتغاله محصورًا في مستوى الشريعة، ولم يتناول بنية المعتقدات نفسها. أما هذا التحدي تحديدًا فهو ما يريد الرفاعي مواجهته. ولا يرى الرفاعي أن “علم الكلام الجديد” يمثل مدرسة مغلقة، وإنما يعدّه جزءًا من تيار عام يمتد في أثر مفكرين هنود مثل سيد أحمد خان. كما يدرج ضمن هذا التيار أسماء مثل محمد إقبال وأمين الخولي، الذي كان يؤكد أن “تطور العقائد واجب”. ويرى بعض المفكرين، مثل حسن حنفي، أن المطلوب هو ثورة إبستمولوجية تنطلق من الإنسان من أجل بناء “لاهوت للتحرر”، في حين يدعو آخرون، مثل محمد عابد الجابري، إلى توظيف مفاهيم الفلسفة المعاصرة، بينما يرى محمد أركون ضرورة تجديد المنهج.

ويرى آخرون ضرورة تجديد المنهج نفسه، عبر إدخال المقاربة التاريخية النقدية مثلًا، من أجل فهم كيفية تشكّل المقولات والبُنى الفكرية الموروثة من القرون الماضية وسياقات إنتاجها. ومن ثم فإن فكرة تجديد علم الكلام ليست جديدة، إذ ظهرت أيضًا منذ ثمانينيات القرن العشرين في الوسط الشيعي مع مفكرين مثل: عبدالكريم سروش، ومحمد مجتهد شبستري، ومصطفى ملكيان، ومحسن كديور. وهذه الرؤية تنقض الاعتقاد بأن الفكر الكلامي التقليدي يمثل حقيقة ثابتة ونهائية، لأن أطروحات المتكلمين، بحسب عبد الجبار الرفاعي، ليست سوى “أجوبة ظرفية” عبّرت عن عصرهم وبيئتهم وثقافتهم وتجاربهم الشخصية والظروف التي عاشوا فيها. صحيح أن الأسئلة الميتافيزيقية تبقى بطبيعتها أسئلة أزلية، غير أن الإجابات عنها ترتبط دائمًا برؤية للعالم يسميها الرفاعي “اللاوعي المعرفي”. لذلك يرى ضرورة استيعاب “المنعطف الهرمنيوطيقي”، الذي لا يعني التحرر من الدين نفسه، وإنما التحرر من البُنى الدينية التقليدية التي تغذي المخيال الجمعي، وتغذي أحلام الجماعة وطموحاتها ونرجسيتها، بحيث تبقى الجماعة أسيرة الصور المثالية التي صنعتها ورسختها في معتقداتها وذاكرتها التاريخية. ومع ذلك، يلاحظ الرفاعي أن هذا التجديد الذي دعا إليه عدد من اللاهوتيين لم ينجح حتى الآن في فرض نفسه أو التحول إلى معرفة متداولة على نطاق واسع في التعليم الديني، لأن “المفكرين الجدد” ما يزال يُنظر إليهم بوصفهم أصحاب بدع أو نزعات هدامة. وحتى المؤسسات الإسلامية التي تعلن حاجتها إلى التجديد، مثل الأزهر الشريف، بقي خطابها، بحسب رأيه، خطابًا بلاغيًا في معظمه، لأن علم الكلام الذي يُدرّس فعليًا ما يزال هو علم الكلام الأشعري التقليدي. كما أن كثيرًا من الداعين إلى تجديد أصول الدين لم ينجحوا في فتح الطريق نحو تفسير متجدد للوحي، مع أن هذا التفسير يمثل الشرط الضروري لكل تجديد حقيقي. ولذلك يرى الرفاعي ضرورة إنجاز جينالوجيا نقدية لمحاولات الإصلاح المختلفة، وتحليل أسباب إخفاقها، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تساعد على ولادة التجديد اللاهوتي المنشود وانتشاره. وفي هذا الأفق يؤكد الرفاعي ضرورة إحداث قطيعة إبستمولوجية داخل اللاهوت الإسلامي، من أجل بناء “فهم جديد…”.

في هذا الأفق يؤكد عبد الجبار الرفاعي ضرورة إحداث قطيعة إبستمولوجية داخل اللاهوت الإسلامي، من أجل بناء “فهم جديد للدين، وتحديد وظيفته المركزية في الحياة، وإعادة بناء مناهج تفسير القرآن والنصوص الدينية، وتشييد العلوم والمعارف الدينية في ضوء الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية والمعارف الحديثة”. ويرى أن هذا التحول الجذري وحده القادر على إتاحة فهم مختلف تمامًا للحقائق اللاهوتية. فلم يعد المقصود الدفاع عن الإسلام أو دحض ما هو غير إسلامي انطلاقًا من مسلمات ثابتة، وإنما تعريف المعتقدات الدينية ووصفها وتحليلها في ضوء الفلسفة والعلوم والمعارف المعاصرة. وهذا يقتضي، بحسب الرفاعي، ممارسة جدلية نقدية حتى تجاه السلطات النصية نفسها، أي الانخراط فيما سماه غاستون باشلار “فلسفة الرفض”، حيث يتقدم العقل العلمي لا بالتأكيد وحده، وإنما أيضًا برفض المعارف السابقة وتصحيحها. ويستدعي هذا التجديد إعادة تعريف الدين ضمن أفق يلتقي مع المقاربات الوجودية والفينومينولوجية التي تهتم بالإنسان في ذاتيته وقلقه الوجودي وسعيه إلى المعنى وفق حاجاته العميقة. ومن منظور تداولي وسياقي، ينبغي إعادة تعريف الدين لكي يستجيب للحاجات الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان المعاصر. كما يدعو الرفاعي إلى هرمينوطيقا نقدية حية للتراث الديني، ترتكز على فلسفة دينامية عقلانية حوارية، ترفض الجمود العقائدي وتدعو إلى تجدد دائم يقوم على التحليل والسياق والعقل النقدي. ويمنح الرفاعي العقل مكانة مركزية، إذ يعدّه المعيار الأساسي للحكم على الحقيقة، ويرى أنه يتقدم على النقل، لأنه يضيء الحقائق الدينية بصورة تدريجية ومتطورة تبعًا لما يتيحه تطور المعرفة الإنسانية. ومن هنا يقترح لاهوتًا نقديًا للتاريخية، يقوم على فهم تطوري للحقيقة الدينية. الرفاعي لا ينطلق من النصوص للدفاع عنها مسبقًا، وإنما يضعها في مواجهة العقل والتجربة الإنسانية. كما أن العقل نفسه ليس ثابتًا، بل يتطور تاريخيًا مع تطور العلوم ومعرفة الإنسان بذاته وبالعالم. ولذلك تبقى الحقيقة الدينية، بحسب هذا التصور، حقيقة جزئية تتكشف تدريجيًا، ولا يمكن أن توجد صيغ نهائية أو ثابتة للعقائد. العقائد ليست مطلقات مغلقة، وإنما صيغ مؤقتة ترتبط بمستوى العقلانية والسياق التاريخي الذي وُلدت فيه. لهذا يرفض “علم الكلام الجديد” بصورة قاطعة فكرة اكتمال التفسيرات الكلاسيكية ونهائيتها، ويدعو بدلًا من ذلك إلى هرمينوطيقا مفتوحة تأخذ بعين الاعتبار نضج الوعي الإنساني وتطوره المستمر.

يدعو عبد الجبار الرفاعي إلى إعادة التفكير في الوحي القرآني من خلال الجمع بين بُعديه الإلهي والإنساني، والتخلي عن النظر إلى النبي بوصفه مجرد قناة سلبية لتلقي الوحي. كما يدعو إلى استبدال العلاقة القائمة على الخوف من الله بصورة العلاقة القائمة على المحبة، مع التأكيد على أن الله هو الذي يبادر إلى الحب، وأن الإنسان يمتلك الحرية في الاستجابة لهذا الحب. ومن هنا يطرح الرفاعي إعادة تشكيل وجدانية وتفاعلية للعلاقة بالله، تستلهم التصوف الإسلامي، وترتكز على أن الإنسان قادر على أن يحب ويُحب من الله، وعلى أن المبادرة الإلهية بالمحبة تشكل أساس هذه العلاقة، كما تشير إلى ذلك الآية الرابعة والخمسون من سورة المائدة. وينبثق من هذا التصور ما يسميه الرفاعي “ثورة أنثروبولوجية”، تقوم على الاعتراف بكرامة كل إنسان، وهو ما يعبّر عنه بمفهوم “الإنسان القرآني”. فالإنسان القرآني، بحسبه، هو صورة أنثروبولوجية تنطلق من الرؤية القرآنية للإنسان بوصفه كائنًا كريمًا، حرًا، مسؤولًا، ومنفتحًا على التعالي، بصرف النظر عن انتمائه الديني أو الثقافي أو الإيديولوجي. ولذلك لا يختزل الرفاعي “الإنسان القرآني” في صورة “المسلم التقي” بالمعنى الضيق، وإنما يراه كل إنسان يحمل، في ضوء القرآن، كرامة أنطولوجية، واستعدادًا روحيًا، وقابلية للحوار. إنه نموذج إنساني كوني، منفتح ومتعدد، يقوم على مركزية الوعي الوجودي. وهذه الكرامة لا تتأسس على الانتماء المذهبي أو الطاعة لأحكام فقهية بعينها، وإنما على الاعتراف بالإنسان حاملًا لجوهر مشترك لا يُنتهك، يتجاوز كل الانتماءات الطارئة. ومن هنا يمثل هذا التصور قطيعة أنثروبولوجية مع علم الكلام التقليدي، الذي صاغ علاقة الإنسان بالله من زاوية الاستعباد، على حساب الكرامة والحرية والاستخلاف في الأرض. ومع أن القرآن يصف الإنسان مرارًا بأنه ضعيف وجحود ومغرور، فإن الرفاعي يقرأ في هذه الآيات إمكانًا معاكسًا، إذ يرى أن الإنسان، رغم ضعفه وهشاشته، يمتلك القدرة على العظمة والتحول. وهذه العظمة تتجلى في “الاستخلاف”، الذي يعني “مركزية الإنسان في الأرض”، ويمثل “أعلى مراتب التكريم الإلهي للإنسان”. وهكذا يقطع “علم الكلام الجديد” مع صورة الإله المتسلط الذي يخضع الإنسان لأوامر قهرية، ويدعو بدلًا من ذلك إلى بناء صلة تتأسس على الحب المتبادل.

ويدعو عبد الجبار الرفاعي إلى بناء “أنطولوجيا إنسانية كونية”، تؤسس للاهوت يقوم على المحبة المتبادلة، ويعيد تعريف النبوة بوصفها مصدرًا لا ينضب لإغناء الإنسان، وقادرًا على الاستجابة الدائمة لتطلعاته المتجددة. ويقتضي هذا التصور التمييز بين الأحكام الظرفية المرتبطة بسياقات التنزيل، وبين القيم الأخلاقية الكونية ذات الطابع الإنساني العام. كما أن تجديد علم الكلام، بحسب الرفاعي، يستلزم منهجًا يدمج البعد النقدي والتعددي للعلوم الإنسانية الحديثة، مع الانتباه إلى التجربة المعيشة وتعقيد السياقات المعاصرة، ولذلك تتخذ هذه المقاربة موقفًا مضادًا للحرفية. ويدعو الرفاعي أيضًا إلى ترشيد استعمال المخيال الديني وضبطه، ضمن فلسفة تأويلية تكشف آليات إنتاج المعنى وتفكك مسلّماته، من أجل الحيلولة دون تحوله إلى أداة اغتراب أو هيمنة. كما يشجع على اعتماد مقاربة مقارنة بين الأديان، وعلى دراسة كيفية تشكّل مؤسساتها الدينية وتطورها التاريخي. وعلى الرغم من أن اللاهوت المقارن لا يحتل موقعًا مركزيًا في كتاباته، فإن تحديد معالمه وتعليمه يمثلان أحد المحاور المهمة في “علم الكلام الجديد”. فلم يعد المقصود دراسة المذاهب أو الأديان الأخرى من أجل الرد عليها أو التحصن ضدها أو تفنيدها، وإنما دراستها لاكتشاف قيمها الإنسانية المشتركة، وتأسيس حوار بنّاء يحترم الآخر. ومن هنا يتضح أن “علم الكلام الجديد” يجعل الحوار بين الأديان محورًا تأسيسيًا في مشروع التجديد اللاهوتي الإسلامي. غير أن الكاتب يطرح في النهاية سؤالًا حاسمًا: كيف يدرس هذا اللاهوت الجديد الآخر فعليًا؟ وكيف ينظر إلى تاريخ الأديان الأخرى وأشكال تدينها المختلفة؟ وكيف يوفق بينها وبين الإسلام ورسالته الكونية؟

ثالثًا: مكانة الآخر والأديان الأخرى في “علم الكلام الجديد”، أساس لاهوت الحوار بين الأديان

يؤكد عبد الجبار الرفاعي أن دراسة الأديان تقتضي أولًا القيام بمراجعة نقدية داخلية تكشف ما في الدين ذاته من عناصر قد تُنتج خطاب كراهية تجاه الآخر، أو سبق أن أفضت تاريخيًا إلى ذلك. ويرى أن هذا الوعي ضروري لحماية الأجيال الجديدة من “سحر الأدبيات التعبوية” التي مجّدت الماضي بصورة رومانسية جذابة، وما تزال تحتفظ بتأثير واسع إلى اليوم. كما يدعو الرفاعي إلى ممارسة نقد ذاتي متواضع، لأن الحوار بين الأديان يقتضي الاعتراف بأن الدين، في تجلياته التاريخية، لم يكن دائمًا وفيًا لوعوده الإنسانية أو لقيمه الأخلاقية العليا.

وعلى المستوى اللاهوتي، يسلّط عبد الجبار الرفاعي الضوء على المشكلة الأساسية في علم الكلام، والمتمثلة في أن تصوره لله يتأسس على جدلية السيد والعبد، وهي بنية موروثة من العصور القديمة والعالم البيزنطي، انتقلت إلى الفكر الكلامي الإسلامي من دون مراجعة نقدية. فهذه العلاقة الهرمية، التي يُنظر فيها إلى الله بوصفه سيدًا مطلقًا، وإلى الإنسان بوصفه عبدًا ملزمًا بالخضوع الكامل، أثّرت بعمق في بناء العقائد الكلامية الإسلامية. كما أنها، بحسب الرفاعي، شكّلت المخيال الديني للمسلمين في علاقتهم بالعالم وبالآخر. وبدل أن تفتح أفقًا لحوار أو لتفكير في المسؤولية الإنسانية، حصرت العلاقة بالله في بنية تقوم على السيطرة والطاعة، حيث لا يتحدد الإنسان إلا عبر محو ذاته أمام إرادة إلهية تُتصوَّر وكأنها إرادة اعتباطية لا تخضع للمساءلة. وينتج عن ذلك، بحسب الرفاعي، نوع من “الاغتراب الوجودي” لدى المؤمن تجاه العالم، إذ لا يعود قادرًا على التفكير الحر، ولا على بناء علاقة تقوم على التبادلية أو المسؤولية، بل يبقى سجين منطق الخضوع الكلي، البعيد عن متطلبات العالم الحديث. ويرى الكاتب أن علم الكلام الأشعري، حين بالغ في تأكيد القدرة المطلقة لله على حساب العدالة، بحيث يبقى الله حرًا في مكافأة من يشاء، أسهم في شرعنة نوع من الاستبداد العمودي الذي يتسرّب إلى الحياة اليومية ويتجلى فيها.

ومن البديهي أن مثل هذا اللاهوت يترك أثرًا حاسمًا في المجال السياسي للمجتمعات الإسلامية، إذ يميل، بفعل انعكاسه على الواقع، إلى تبرير أنماط الاستبداد وترسيخها. وينتج عن ذلك، بحسب عبد الجبار الرفاعي، تربية على الخوف تؤسس لثقافة “العبودية الطوعية”، وتبني المجتمع بصورة هرمية وفق العلاقة بالعقيدة والإيمان. ففي إطار هذا اللاهوت يُصنَّف أفراد المجتمع تصنيفًا عموديًا بحسب مراتبهم العقدية؛ فالمؤمنون بالعقيدة الرسمية يحتلون قمة السلم، أما الآخرون فيوضعون في مراتب أدنى، من غير أن يُسمح لهم ببلوغ المكانة العليا. ونتيجة لذلك، لا تتحدد حقوق الإنسان وحرياته ومسؤولياته على أساس المواطنة أو الانتماء الوطني، وإنما على أساس درجة ولائه العقدي وإيمانه. ويرى الرفاعي أن هذه الرؤية التي أنتجها علم الكلام وأسهم في ترسيخها تتناقض مع أي إمكان للتعايش السلمي والمتكافئ بين الجماعات، وتجعل الحوار بين الأديان عاجزًا عن أن يكون حوارًا مثمرًا يواجه التمييز ويؤسس لـ”مواطنة كونية”، مهما ارتفعت اليوم الأصوات الإسلامية الرسمية الداعية إلى ذلك. ومن جهة أخرى، يتجلى هذا الاغتراب في صورة أنثروبولوجية فقيرة للإنسان. فقد أسهم علم الكلام، بحسب الرفاعي، في تشكيل منطق يقوم على “ترويض” الإنسان و”تنميط” سلوكه ومعتقداته وحتى تعبيراته العاطفية. ومن خلال إنكار فرادة كل إنسان وخصوصيته، قوّض هذا التفكير الأسس اللاهوتية للكرامة الإنسانية، وهي الأسس الضرورية للاعتراف بالآخر. وفي ظل هذا الأفق يُنظر إلى المختلف، سواء كان من أتباع دين آخر، أو مفكرًا نقديًا، أو صاحب تجربة روحية مغايرة، على أنه تهديد للوحدة العقدية، ومن ثم يجري إقصاؤه. وهكذا ترسخت ثقافة لاهوتية قائمة على الإقصاء، تتجلى في ممارسة التكفير، التي جرى تبريرها باسم حقيقة واحدة مغلقة على نفسها. ولذلك يرى الرفاعي أن الإطار التقليدي لعلم الكلام، وما يتفرع عنه من فقه، يجعل من المستحيل بناء لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان، أو تأسيس مواطنة جامعة غير تمييزية. فعلم الكلام، بكل امتداداته، ظل يسعى إلى حماية الإسلام من كل أشكال التجديد، وإثبات حقيقته في مواجهة المدارس الأخرى التي يعدّها منحرفة، أو الأديان الأخرى التي يعتبر عقائدها ضلالًا. ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية”.

ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية” في مواجهة سائر الفرق المحكوم عليها بالنار، لا يستطيع علم الكلام، بحسب عبد الجبار الرفاعي، إلا أن يُفشل كل محاولة صادقة للحوار والتعايش. ولذلك يخلص الرفاعي إلى نتيجة حاسمة مفادها أن التكفير في علم الكلام والفقه يمنع المسلم من المشاركة العضوية والخلاقة في حياة المجتمعات المتعددة دينيًا وثقافيًا، كما يمنع نشوء المواطنة بوصفها أساس الدولة الحديثة، ومن ثم يصبح بناء دولة حديثة أمرًا مستحيلًا في البلدان التي تتخذ من علم الكلام والفقه مرجعًا للدساتير والقوانين والبرامج العامة. ويؤكد الرفاعي أن هذا المنطق قاد إلى تبرير العنف من أجل تشكيل مجتمع يتكون من “نسخ متطابقة”، تتشارك الصفات ذاتها والأفكار المتماثلة والمشاعر المتشابهة. وهكذا لم يقتصر هذا النظام على تهميش الاختلاف، وإنما اختزل الإيمان في مطابقة صارمة، الأمر الذي جعل أي حوار، سواء داخل الإسلام أو بين الأديان، شبه مستحيل. ويرى أن هذا المنطق نفسه يتجلى اليوم في المبدأ السلفي المعروف بـ”الولاء والبراء”، الذي يقصي كل من لا يشارك الجماعة عقيدتها، والذي استند إليه تنظيم داعش في تبرير العنف واستخدام السيف. كما يظهر هذا المبدأ في تقييد الإحسان إلى الآخر، إذ يُنظر، ضمن هذا التصور، إلى أن فعل الخير مع من يُعتقد أنه من أهل الهلاك أمر غير ملائم. ويشرح الرفاعي كيف أن الأدبيات المنبثقة من علم الكلام والفقه تبرر الاستيلاء على أموال غير المسلم، أو تجعل كل طعام محرّمًا على غير المؤمن. ويرى الرفاعي أن هذا التوجه يمثل خيانة لرسالة الدين والإيمان، التي يفترض أن تدفع المؤمنين إلى إنجاز أفعال نافعة للإنسانية جمعاء. فبدل أن ينتج علم الكلام مفاهيم ومبادئ تؤسس لإنسانية حقيقية، أفرز، على العكس، منظومات فكرية تغذي باستمرار آليات التمييز والإقصاء. وفي مواجهة ذلك، حاول عدد من المفكرين، منذ قرون، إحياء علم الكلام وإصلاحه في ضوء الفلسفة الحديثة، غير أن هذه المحاولات بقيت هامشية، وواجهت اعتراضات حادة من حراس علم الكلام التقليدي. ويشير الرفاعي إلى أن رفض الفلسفة الحديثة يحمل مفارقة واضحة، لأن علم الكلام نفسه تكوّن تاريخيًا من خلال استيعاب التراث الفلسفي اليوناني، وخاصة فلسفة أرسطو، وتشكّل عبر التفاعل بين الإسلام في القرون الأولى والفلسفة القديمة، وكذلك المسيحية واليهودية.

وعلى الرغم من الإرث الأولي للفلسفة اليونانية، فإنّ كثيرًا من اللاهوتيين المسلمين اليوم يرفضون أيّ حوار مع الفلسفة الحديثة والمعاصرة، وبهذا الموقف يعجزون عن إدماج مسألة إعادة تشكيل العقل العملي وما يترتب عليها من دلالات في تأملاتهم الفكرية. والحجة التي يسوقونها لتبرير هذا الرفض لا تخلو من مفارقة؛ إذ يرون في الانفتاح على الفلسفات المنبثقة من ثقافة غير إسلامية خطر “تغريب” علم الكلام، بما قد يفضي إلى تشويه طابعه الإسلامي. ويرافق هذا الانغلاق على الفلسفة، بحسب المؤلف، نوعٌ من المماثلة بين علم الكلام والدين نفسه. وضمن هذا التصور، تُعدّ كل محاولة للانفتاح، أو للتجاوز، أو لنقد المدرسة الكلامية الأشعرية، التي تهيمن اليوم على العالم السني إلى حدّ بعيد، ضربًا من التشكيك في الدين برمّته، لذلك تُفسَّر كل معارضة بوصفها تعبيرًا عن نزعة إنكارية لدى “منكر للضروري”، أو عن بدعة تصدر عن “مبتدع”. وهكذا أصبح علم الكلام، الذي يُنظر إليه بوصفه “العلم الأعلى رتبة”، والذي تتوقف عليه حركة تطور سائر العلوم، بنيةً جامدةً منغلقةً على ذاتها، وغالبًا ما يحظى بدعم السلطات السياسية التي يستند إليها في إضفاء الشرعية على سلطانها. وانطلاقًا من ذلك، يرى الرفاعي أنّ كل الخطابات الصادرة عن علماء مسلمين يدعون إلى الحوار بين الأديان ليست سوى جلسات مجاملة ولطف لا تترك أثرًا حقيقيًا. فهذه الدعوات السخية تبقى خارج البنية اللاهوتية الكلاسيكية، ولا تتيح لعلم الكلام أن يعيد التفكير في نفسه على ضوء ضرورة الحوار الديني والاعتراف بالآخر. إنّ هذا العجز عن تجاوز الإطار الأرسطي الذي تشكّل داخله علم الكلام لدى المتكلمين الأوائل يحرم اللاهوت الإسلامي من المفاهيم الأساسية اللازمة للإجابة عن الأسئلة الجديدة التي أثارها ظهور الذات الحديثة والحداثة نفسها. كما أنّ جمود علم الكلام يمنع اللاهوت الإسلامي من استيعاب قضايا مركزية، مثل قضية الكرامة الإنسانية، وهي فكرة تقع في قلب تشكّل الذات الحديثة، وتشكل أساس حقوق الإنسان، مع أنّ الرفاعي يرى إمكان تأسيسها لاهوتيًا في القرآن الكريم. ولهذا السبب يدعو الرفاعي إلى “علم كلام جديد”، غير أنّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما مفاهيم هذا العلم الجديد؟ وما طبيعته، ومنظومته القيمية، ومنهجه؟

رابعًا: علم الكلام الجديد: مرافعة من أجل قطيعة إبستمولوجية

تُعدّ فكرة التجديد “التجديد” عند عبد الجبار الرفاعي فكرةً جوهرية في مشروعه الفكري، فهو لا يقصد بها الإصلاح “الإصلاح”، ولا الإحياء “الإحياء”، وإنما يحيل بها إلى ضرورة تفكيك الرؤى اللاهوتية القديمة والقطيعة مع أنماط التفكير الكلامي الموروث. ومن خلال التفكير خارج الأسوار التقليدية، يسعى الرفاعي إلى “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، أي إلى إعادة النظر في اليقينيات والعقائد الجامدة والمطلقات، والتحرر من تكرار المقولات المستعادة، ومن الشروح على الشروح، والحواشي على الحواشي، والتعليقات التي لا تنتج معرفة جديدة. فالتجديد عنده لا يكتفي بإعادة صياغة الخطاب الديني، وإنما يطمح إلى إعادة بناء أفق التفكير الديني نفسه، والانفتاح على أسئلة الإنسان المعاصر وقلقه الوجودي وحاجته إلى المعنى.

ويرى الرفاعي أن أول متكلم استعمل تعبير “علم الكلام الجديد” هو شبلي النعماني (1878-1914)، غير أنّ المعنى الذي قصده النعماني يختلف عمّا يقصده الرفاعي اليوم. فقد أراد النعماني معالجة قضايا حديثة ترتبط بالتحولات الاجتماعية والسياسية للعصر الحديث، من دون أن يقترح إطارًا إبستمولوجيًا جديدًا للتفكير الديني، لذلك انشغل علم الكلام الجديد عنده بموضوعات مثل الانتحار، والعبودية، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والميراث، والجهاد، بهدف الدفاع عن التعليم الإسلامي التقليدي وحمايته من النقد الحديث. ولهذا بقي مشروعه في حدود الشريعة والأحكام، ولم يمتد إلى مساءلة البنية العميقة للعقائد أو نقد التصورات التقليدية عن الله والوحي والإنسان والعالم. أما الرفاعي، فيرى أن التحدي الحقيقي يبدأ من هنا تحديدًا: من إعادة التفكير في أنماط الفهم الموروثة، وتحرير الدين من الانغلاق الكلامي والفقهي الذي عطّل أبعاده الروحية والأخلاقية والجمالية. ولا يشير “علم الكلام الجديد” عند الرفاعي إلى مدرسة مغلقة أو مذهب محدد، وإنما يندرج ضمن تيار فكري واسع تشكل في العالم الإسلامي الحديث، ويمتد في أثر مفكرين مثل السيد أحمد خان (1817-1898)، وقاسم النانوتوي (1833-1880). ويمكن إدراج أسماء عدد من المفكرين ضمن هذا الأفق، مثل محمد إقبال (1877-1938)، الذي حاول إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام على ضوء الفلسفة الحديثة، أو أمين الخولي (1895-1966)، الذي أكد أن “تطور العقائد واجب”، في إشارة إلى أن العقائد ليست معطيات جامدة خارج التاريخ، وإنما تتطور تبعًا لتحولات وعي الإنسان وخبرته بالعالم. كما يلتقي هذا التيار مع مشاريع متعددة في الفكر العربي والإسلامي الحديث؛ فالفيلسوف المصري حسن حنفي (1935-2021) دعا إلى ثورة إبستمولوجية تنطلق من الإنسان نحو “لاهوت للتحرر”، بينما رأى الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري (1935-2010) ضرورة توظيف مفاهيم الفلسفة المعاصرة ونقد البنية المعرفية للعقل العربي. أما محمد أركون (1928-2010)، فقد شدد على ضرورة تجديد مناهج دراسة الفكر الديني، والانفتاح على علوم الإنسان الحديثة، وتفكيك السياجات المغلقة التي فرضها التراث الكلامي والفقهي على فهم الدين.

وفي هذا الأفق يتحرك مشروع الرفاعي، ساعيًا إلى تأسيس فهم للدين ينحاز إلى كرامة الإنسان، ويعيد الاعتبار للتجربة الروحية، ويحرر الإيمان من القوالب الجامدة التي أفقدته قدرته على إرواء “الظمأ الأنطولوجي” للإنسان المعاصر.

كما يرى بعض المفكرين، وفي مقدمتهم محمد أركون، ضرورة تجديد المنهج نفسه، عبر توظيف المقاربة التاريخية النقدية لفهم ظروف نشوء المفاهيم والمقولات الفكرية الموروثة وإنتاجها في سياقاتها التاريخية والثقافية. لذلك فإن فكرة تجديد علم الكلام ليست جديدة تمامًا، فقد ظهرت أيضًا منذ ثمانينيات القرن العشرين في العالم الشيعي مع مفكرين مثل محمد مجتهد شبستري، ومحسن كديور، ومصطفى ملكيان. وقد جاءت هذه المشاريع لتفنّد الادعاء القائل بثبات الحقيقة الكلامية التقليدية وكونها حقيقة نهائية لا تقبل المراجعة، ذلك أن أطروحات المتكلمين لا تمثل، بحسب عبد الجبار الرفاعي، سوى “أجوبة ظرفية عبّرت عن عصرهم وبيئتهم وثقافتهم وتجاربهم الشخصية والشروط المختلفة التي عاشوا فيها”. صحيح أن الأسئلة الميتافيزيقية ذات طبيعة أزلية، غير أن الإجابة عنها تبقى مرتبطة برؤية للعالم يسميها الرفاعي “اللاوعي المعرفي”، أي ذلك المخزون الثقافي والتاريخي الكامن الذي يوجّه التفكير ويصوغ أنماط الفهم من غير وعي مباشر به. لذلك يرى الرفاعي ضرورة الانتباه إلى المنعطف الهرمنيوطيقي، الذي يمثل في نظره تحريرًا، لا من الدين نفسه، وإنما من البنى الدينية التقليدية التي تغذي المخيال الجمعي، وتُبقي الجماعة أسيرة الصور المثالية التي صنعتها عن ذاتها ورسختها في معتقداتها وذاكرتها التاريخية، حتى تغدو عاجزة عن رؤية الواقع خارج تلك الصور المتخيلة.

ومع ذلك، يلاحظ الرفاعي أن هذا التجديد، على الرغم من الدعوات الكثيرة إليه، لم ينجح حتى اليوم في أن يفرض حضوره الواسع في المؤسسات التعليمية والدينية. فهؤلاء “المفكرون الجدد” ما يزال يُنظر إليهم بريبة، وكأنهم أصحاب نزعات متمردة أو هدامة. وحتى المؤسسات الإسلامية الكبرى، مثل جامعة الأزهر، التي تعلن الحاجة إلى التجديد، بقي خطابها ـ بحسب الرفاعي ـ محصورًا في مستوى بلاغي وشعاراتي، بينما ظل التعليم الفعلي قائمًا على تدريس علم الكلام الأشعري التقليدي كما هو. كذلك فإن كثيرًا من المفكرين الذين دعوا إلى تجديد أصول الدين لم يتمكنوا من فتح الطريق نحو تفسير جديد للوحي، مع أن تجديد فهم الوحي يمثل الشرط الحاسم لأي تجديد حقيقي في التفكير الديني.

ومن هنا يؤكد الرفاعي ضرورة إنجاز جينيالوجيا نقدية لمحاولات الإصلاح السابقة، وتحليل أسباب تعثرها، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تمهد لولادة تجديد لاهوتي أكثر عمقًا وتأثيرًا. وفي هذا السياق، يرى الرفاعي أن على اللاهوت الإسلامي أن يُحدث قطيعة إبستمولوجية مع أنماط التفكير الموروثة، من أجل بناء “فهم جديد للدين”، فهمٍ ينفتح على تحولات المعرفة الحديثة، ويعيد قراءة الوحي والعقيدة والإنسان والعالم في ضوء خبرة الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية الجديدة.

يرى عبد الجبار الرفاعي أن هذا التحول يقتضي بناء “فهم جديد للدين، وتحديد وظيفته المركزية في الحياة، وإعادة بناء مناهج تفسير القرآن والنصوص الدينية، وإعادة تشييد العلوم والمعارف الدينية في ضوء الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية والمعارف الحديثة”. فهذا التحول الجذري وحده يتيح فهم الحقائق اللاهوتية بطريقة مغايرة جذريًا. ولم يعد المقصود الدفاع عن الإسلام أو دحض ما يُعدّ غير إسلامي انطلاقًا من مسلمات ثابتة، وإنما تعريف المعتقدات ووصفها وتحليلها في ضوء الفلسفة والعلوم والمعارف المعاصرة. لذلك يدعو الرفاعي إلى إقامة علاقة جدلية نقدية مع السلطات النصية والتراثية، والانخراط فيما يشبه “فلسفة الرفض” التي صاغها غاستون باشلار، حيث تتقدم المعرفة العلمية لا عبر الإثبات وحده، وإنما أيضًا عبر نقد المعارف السابقة وتصحيحها وتجاوزها. ويتحقق هذا التجديد، بحسب الرفاعي، من خلال إعادة تعريف الدين في أفق يلتقي مع المقاربات الوجودية والفينومينولوجية التي تنشغل بالشرط الإنساني، وبالذات في قلقها وسعيها إلى المعنى تبعًا لحاجاتها الوجودية. ومن منظور سياقي وعملي، ينبغي إعادة تعريف الدين كي يستجيب للحاجات الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان المعاصر. لذلك يقترح الرفاعي هرمنيوطيقا نقدية وحية للتراث الديني، تستند إلى فلسفة ديناميكية عقلانية حوارية، ترفض الجمود العقائدي، وتؤسس لتجدد دائم يقوم على التحليل والتأويل والسياق والعقل النقدي. فالعقل “العقل” عنده هو معيار الحكم على الحقيقة، وهو متقدم على النقل “النقل”. والعقل لا يكتشف الحقائق الدينية دفعة واحدة، وإنما ينيرها تدريجيًا تبعًا لتطور المعارف التي يكتسبها الإنسان. لذلك يؤسس الرفاعي لاهوتًا نقديًا للتاريخية، يرتكز على فهم تطوري للحقيقة الدينية. ومن خلال تقديمه العقل على النقل، لا ينطلق من النصوص للدفاع عنها مسبقًا، وإنما يعرضها على العقل والخبرة الإنسانية. والعقل نفسه ليس معطًى ثابتًا، بل يتطور تاريخيًا مع تطور العلوم وعلم النفس ومعرفة الإنسان لنفسه وللعالم. ولهذا تبقى الحقيقة الدينية دائمًا جزئية ومنفتحة على التحقق التدريجي، ولا يمكن أن توجد صيغ نهائية أو مطلقة لا تقبل المراجعة. فالعقائد لم تعد تُفهم بوصفها حقائق أبدية مكتملة، وإنما بوصفها صيغًا مؤقتة ترتبط بمستوى العقلانية والسياق التاريخي الذي تشكلت فيه. لذلك يرفض “علم الكلام الجديد” عند الرفاعي بصورة قاطعة فكرة اكتمال التفسيرات التقليدية ونهائيتها، ويدعو إلى هرمنيوطيقا مفتوحة تراعي النضج المتزايد للوعي الإنساني. وفي هذا الأفق يضع الرفاعي ثلاثة مبادئ أساسية لإعادة بناء التفكير الديني المعاصر.

ويضع عبد الجبار الرفاعي ثلاثة مبادئ أساسية لإعادة بناء التفكير الديني المعاصر: إعادة التفكير في الوحي القرآني من خلال الجمع بين بعديه الإلهي والإنساني، والكف عن النظر إلى النبي بوصفه مجرد قناة سلبية لتلقي الوحي؛ واستبدال العلاقة القائمة على الخوف من الله بعلاقة تقوم على المحبة؛ وإبراز أن الله هو الذي يبتدئ المحبة، وأن الإنسان يمتلك القدرة على الاستجابة لها بحرية. ومن هنا يدعو الرفاعي إلى إعادة تشكيل العلاقة بالله على أساس وجداني تفاعلي، يستلهم التصوف الإسلامي، ويرتكز على أن الإنسان كائن قادر على أن يُحب ويُحبَّه الله، وأن المبادرة الإلهية بالمحبة تسبق استجابة الإنسان، كما تشير إلى ذلك الآية الرابعة والخمسون من سورة المائدة. ويترتب على ذلك ما يسميه الرفاعي “ثورة أنثروبولوجية” تقوم على الاعتراف بكرامة كل إنسان، وهو ما يعبّر عنه بمفهوم “الإنسان القرآني”. فالإنسان القرآني عنده هو صورة أنثروبولوجية تستند إلى الرؤية القرآنية للإنسان بوصفه كائنًا كريمًا، حرًا، مسؤولًا، ومنفتحًا على التعالي، خارج كل انتماء أيديولوجي أو ديني أو ثقافي ضيق. لذلك لا يقصد الرفاعي بالإنسان القرآني “المسلم التقي” بالمعنى الفقهي المغلق، وإنما كل إنسان يُنظر إليه في ضوء القرآن بوصفه حاملًا لكرامة أنطولوجية، وطاقة روحية، وقابلية للحوار. إنه مثال إنساني كوني، مفتوح ومتعدد، يتمحور حول مركزية الوعي الوجودي. وهذه الكرامة لا تستند إلى الانتماء الطائفي أو الامتثال لأحكام قانونية محددة، وإنما إلى الاعتراف بالإنسان بوصفه حاملًا لجوهر إنساني مشترك، لا يجوز انتهاكه، ويتجاوز كل الانتماءات العارضة. وتمثل هذه الرؤية قطيعة أنثروبولوجية مع علم الكلام التقليدي الذي صاغ علاقة الإنسان بالله من زاوية الاستعباد والخضوع، على حساب كرامته وحريته ووظيفته الاستخلافية في الأرض.

صحيح أن القرآن يصف الإنسان مرارًا بوصفه كائنًا ضعيفًا وجحودًا ومغرورًا، غير أن الرفاعي يقرأ في هذه الآيات، بخلاف القراءة الكلامية التقليدية، تأكيدًا على إمكان مضاد يسكن الإنسان نفسه؛ فالإنسان، على الرغم من ضعفه وهشاشته، يمتلك قدرة على العظمة والتحول. وهذه العظمة تتمثل في الاستخلاف، الذي يعني “مركزية الإنسان في الأرض”، والذي يعدّه الرفاعي “أعلى مراتب التكريم الإلهي للإنسان”. ومن هنا يقطع “علم الكلام الجديد” مع صورة الإله المتسلط الذي يفرض على الإنسان أوامر قهرية، ويقترح بدلًا منها فهمًا لعلاقة الله بالإنسان يقوم على الرحمة والمحبة والحرية والكرامة الإنسانية.

ومن هنا يعمل عبد الجبار الرفاعي على بناء ما يسميه “كينونة وجودية كونية”، تؤسس للاهوت يقوم على المحبة المتبادلة، ويعيد تعريف النبوة بوصفها مصدرًا لا ينضب لإغناء الإنسان، وقادرًا على الاستجابة لتطلعاته المتجددة باستمرار. وتقتضي هذه الرؤية التمييز بين الأحكام الظرفية المرتبطة بسياقات التنزيل التاريخية، وبين القيم الأخلاقية الكونية التي تتجاوز تلك الظروف وتحتفظ بطابعها الإنساني الشامل. كما أن تجديد علم الكلام، بحسب الرفاعي، يفرض اعتماد منهج يدمج البعد النقدي والتداخلي للعلوم الإنسانية الحديثة، مع الإصغاء إلى الخبرة الحية وتعقيد السياقات المعاصرة. لذلك تتخذ مقاربته موقفًا مناهضًا للحرفية، وتسعى إلى تحرير النصوص الدينية من القراءة الجامدة التي تفصلها عن شروطها التاريخية والإنسانية. ويدعو الرفاعي أيضًا إلى ترشيد المخيال الديني وضبط استعمالاته، ضمن فلسفة تأويلية تكشف آليات إنتاج المعنى، وتفكك المسلمات الخفية التي تتحكم في الفهم الديني، من أجل الحيلولة دون توظيف الدين بطريقة اغترابية أو استلابية. كما يؤكد أهمية المقاربة المقارنة بين الأديان، ومعرفة الكيفية التي تشكلت بها مؤسساتها الدينية وتاريخها التأويلي. وعلى الرغم من أن اللاهوت المقارن لا يحتل مركز الصدارة في كتاباته، فإنه يمثل أحد المحاور المهمة في “علم الكلام الجديد”، إذ لم يعد المقصود دراسة المذاهب أو الأديان الأخرى بهدف الرد عليها أو التحصن منها أو دحضها، وإنما دراستها لاكتشاف ما تنطوي عليه من قيم إنسانية كونية، وتأسيس حوار يقوم على الاحترام المتبادل والاعتراف بالآخر. ومن هنا يغدو الحوار بين الأديان محورًا تأسيسيًا في مشروع التجديد اللاهوتي الإسلامي عند الرفاعي، لأنه ينظر إلى الآخر لا بوصفه تهديدًا للعقيدة، وإنما بوصفه شريكًا في البحث عن المعنى والحقيقة والكرامة الإنسانية.

خامسًا: مكانة الغيرية والأديان الأخرى في علم الكلام الجديد: أسس لاهوت الحوار بين الأديان

يؤكد عبد الجبار الرفاعي ضرورة القيام، قبل دراسة الأديان، بجردٍ نقدي يكشف ما يمكن أن يتضمنه الدين الخاص بالإنسان من عناصر أسهمت، أو يمكن أن تسهم، في إنتاج خطابات كراهية تجاه الآخر. فهذه اليقظة النقدية ضرورية، في نظره، لتحصين الأجيال الجديدة من “سحر الأدبيات التعبوية التي مجّدت الماضي بصورة رومانسية فاتنة”، وما تزال تحتفظ بتأثير واسع حتى اليوم. كما يدعو الرفاعي إلى ممارسة مراجعة داخلية متواضعة للذات، لأن الحوار بين الأديان لا يتحقق إلا حين يعترف كل دين بأن تمثلاته التاريخية لم تكن دائمًا وفية لوعوده الإنسانية، ولا منسجمة على الدوام مع القيم الروحية والأخلاقية التي يحملها في جوهره.

ومن منظور بنّاء، يدعو عبد الجبار الرفاعي إلى الاعتراف بأن “لا دين يحتكر وحده المحبة، أو الحريات، أو الحقوق، أو احترام الكرامة الإنسانية، كما لا يوجد تاريخ ديني خالٍ من التعصب والعنف وانتهاك الكرامة”. غير أن هذا العمل النقدي في استعادة الذاكرة ومراجعتها، على الرغم من كونه “واجبًا أخلاقيًا”، لا يكفي وحده، بل ينبغي أن يترافق مع دراسة لاهوت الأديان الأخرى. وهذه المقاربة نادرة، غير أنها موجودة، ويشير الرفاعي في هذا السياق إلى أبحاث وليد البعاج حول اليهودية. ويرى أن دراسة الأديان الأخرى تمثل شرطًا للحوار الأصيل، لأن معرفة الآخر في عمق إيمانه، وفي طريقته في الحديث عن الله، تسهم في تفكيك الصور النمطية والأحكام المسبقة التي تنتجها التقاليد المغلقة، والتي تتحول غالبًا إلى مصدر للتعصب والإقصاء. فالالتباسات والأحكام السلبية تجاه المختلف تُفضي دائمًا إلى مواقف إقصائية ترفضه وتنفيه. ولا تتوقف الدراسة المقارنة للأديان عند مجرد إبراز التشابهات أو القيم المشتركة، وإنما تنخرط في دينامية أعمق، لأنها تدفع الإنسان إلى نوع من التوغل في عالم إيمان الآخر، وفي نصوصه ورموزه وتجربته الروحية. وهذا “الانغماس” لا يوسّع الأفق المعرفي فحسب، وإنما يدخل في حوار داخلي مع إيمان الإنسان نفسه، ويكشف قدرة الأديان على بناء الصلة الإنسانية، وإنتاج أخلاق للعلاقة، وفتح فضاء مشترك للتفاهم. لذلك يشدد الرفاعي على الوظيفة التحويلية العميقة للدراسة المقارنة، التي لا تهدف إلى إقامة تراتبية بين الأديان، وإنما إلى الكشف عن غنى كل تجربة دينية وفرادتها. فلا يتعلق الأمر بتنصيب دين ما معيارًا للحقيقة المطلقة أو للكمال الذي ينبغي أن تخضع له بقية الأديان، وإنما بالدخول في منطق التعايش. ومن هنا يرى أن “الدراسة المقارنة للأديان تسهم في ترسيخ العيش المشترك، لأنها تؤسس لقبول الاختلاف العقدي والثقافي، وتفتح أفقًا لاحترام حق الاختلاف، واحترام من لا تشبهنا معتقداتهم وثقافاتهم”. ويؤكد الرفاعي أن هذا النمط من الانفتاح المعرفي والتربوي لا يمكن أن يتشكل داخل أفق علم الكلام التقليدي، كما يتجلى في نموذج محمد جواد البلاغي (1865-1933)، الذي درس الأديان الأخرى بهدف مقارنتها بالإسلام والكشف عما يراه تحريفًا فيها. لذلك فإن تأسيس لاهوت إسلامي للحوار يقتضي، مرة أخرى، مغادرة الأطر التقليدية لعلم الكلام، والانتقال من المقارنة الدفاعية المغلقة إلى المقاربة المقارنة المنفتحة التي تبحث عن الفهم لا عن الإدانة، وعن التعارف لا عن التفوق والإقصاء.

وفي هذا الأفق، تتحول دراسة الأديان عند عبد الجبار الرفاعي إلى فعل أخلاقي، وإلى التزام بالاعتراف بالآخر في فرادته وتميزه. فهي تدعو إلى النظر إلى كل تقليد ديني لا بوصفه منظومة مغلقة على ذاتها، وإنما بوصفه منبعًا لطاقة روحية وأخلاقية قادرة على الإسهام في السلام الاجتماعي. كما أنها لا تحبس المؤمنين داخل صورة جامدة من الماضي، وإنما تكشف الطاقة الخاصة بكل إيمان: قدرته على إنتاج المعنى، وإحداث التحول الداخلي، وبناء الجماعات الإنسانية. وهذه الطاقة لا تظهر عبر اختزال الأديان في صيغة واحدة، ولا عبر إذابة الفروق بينها، وإنما عبر مجاورة تأويلية تحترم خصوصية كل تجربة دينية. ومن هنا فإن المقارنة بين الأديان لا تعني حيادًا باردًا أو مسافة معرفية جافة، وإنما تُشرك المؤوِّل في تجربة اعتراف متبادل، حيث لا يمكن فهم أي دين فهمًا حقيقيًا إلا من خلال انفتاحه على الأديان الأخرى وتفاعله معها. لذلك يؤكد الرفاعي أن الإنسان لا يعرف دينه معرفة عميقة إلا حين يضعه في أفق الأديان الأخرى. وهذه المقاربة لا تنتهي إلى نسبية تلغي الحقيقة، ولا إلى توحيد قسري للمعتقدات، وإنما تكشف الحيوية المعقدة للظاهرة الدينية، وقدرتها على حمل المعنى للإنسانية كلها. غير أن مقاربة الرفاعي للآخر والأديان لا تصدر عن موقع “فيلسوف الأديان” بالمعنى الأكاديمي المحايد، وهو يحرص على التنبيه إلى ذلك، وإنما تصدر عن موقع “المتكلم الجديد”، أي المؤمن الذي يسعى إلى تجديد صورة الله والدين بحيث تصبح صورة سلام وسكينة. فالمتكلم الجديد، بحسب الرفاعي، “يحرر صورة الله من كل استعمال يجعلها ذريعة لسفك الدماء، أو اضطهاد الناس، أو إرهابهم، أو استنزاف طاقات البناء والتنمية”. ومن أجل ترسيخ هذه الرؤية يستند الرفاعي إلى تعليم محيي الدين بن عربي، وخاصة مفهومه عن “وحي النبوة العامة”، أي إمكان انكشاف معرفة بالله وحقائق إلهية عبر التجربة الوجودية والحدس الروحي، من غير أن تكون مرتبطة بالضرورة بوحي تشريعي أو بكتاب منزل. وهذه الإحالة إلى ابن عربي ليست هامشية في فكر الرفاعي، فهو يرى فيه مصدرًا يساعد على “بناء فهم للوحي لا يضحي بمضمونه الميتافيزيقي المتعالي، وفي الوقت نفسه يتحرر من القوالب المغلقة للفهم الكلامي”. وبعد أكثر من ثلاثين عامًا من قراءة ابن عربي، يعترف الرفاعي بأنه اكتشف فيه معلمًا يفتح أفق “لغة أخرى للإسلام”، لغة تتجاوز الانغلاق العقدي، وتنفتح على التجربة الروحية والبعد الوجودي للدين. ففي رؤية ابن عربي، كما يقرأها الرفاعي، يظهر “الدور الوجودي للدين” بوصفه حاجة ملازمة للإنسان في كينونته، لا تتحقق إلا من خلال الصلة الوجودية بالله. وعلى ضوء هذا التعليم يؤسس الرفاعي ملامح لاهوت تعددي منفتح على الأديان الأخرى، سواء أكانت أديانًا كتابية أم غير كتابية. وفي تفاعل مع تعليم ابن عربي، ومن منظور أكثر فلسفية، يحاول الرفاعي، مستعينًا بالفلسفة الحديثة، البرهنة على استحالة اختزال الحقيقة الدينية في تمثيل واحد مغلق أو احتكارها داخل حدود جماعة بعينها.

ويرى عبد الجبار الرفاعي أن الإنسان يعجز عن امتلاك الحقيقة الإلهية امتلاكًا مطلقًا، كما يعجز عن الإحاطة الكاملة بها. ومن هنا يستنتج أن هذا العجز نفسه يفسر تعدد التقاليد الدينية ويبرره، لأن كل دين يمثل محاولة نسبية لبلوغ حقيقة إلهية تتجاوز الجميع. لذلك يؤكد الرفاعي أن فرض دين واحد على البشرية أمر مستحيل واقعيًا وتاريخيًا، إذ “لم تتوحد الإنسانية يومًا حول دين واحد، ولو حاول دين ما احتكار تمثيل الله في الأرض، وفرض حضوره عبر القضاء على أتباع الأديان الأخرى، فلن ينجح في ذلك”. ومن هنا يدافع الرفاعي عن “إبستمولوجيا التواضع”، التي تتجلى خصوصيتها في جمعها بين التفكير الميتافيزيقي، والتصوف، وعلوم الدين المعاصرة. كما أن إدماج الأديان الأخرى وطاقاتها الروحية في بناء لاهوت إسلامي للغيرية والحوار يستند أيضًا إلى ثورة أنثروبولوجية وأخلاقية.

وفي هذا السياق يصوغ الرفاعي مفهوم “الإنسانية الإيمانية”، ويقصد به رؤية تعتبر أن الغاية الأساسية للإيمان هي خدمة الإنسان بما هو إنسان، بصرف النظر عن انتمائه الديني. ويندرج هذا المفهوم ضمن أخلاق إنسانية غائية يعمل الرفاعي على بنائها في ضوء الفلاسفة والمفكرين الذين يستند إليهم. فهذه الأخلاق، التي تتمحور حول خير الإنسان، تتضمن بعدًا نفعيًا من جهة، لأن قيمة الأفعال تُقاس بنتائجها وآثارها النافعة على البشر، كما تتضمن بعدًا كانطيًا من جهة أخرى، لأنها تؤكد القيمة الذاتية للإنسان، بغض النظر عن معتقداته وآرائه. وعلى خطى إيمانويل كانط، يرى الرفاعي أن الإنسان غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة. ومن منظور علم الكلام الإسلامي، تمثل هذه الرؤية قطيعة مع الأشعرية التي تجعل معيار الخير مستندًا إلى الوحي لا إلى العقل. لذلك يعيد الرفاعي إحياء الحدوس المعتزلية المتعلقة بإمكان معرفة الخير بالعقل، وينتقد التصورات الإقصائية للخلاص والقيمة الدينية للأفعال، وينحاز إلى لاهوت رحمة يتمحور حول الإنسان في ذاته، لا حول انتمائه العقدي. ومن هنا تقف “الإنسانية الإيمانية” على الضد من كثير من التصورات الكلامية التقليدية التي تشترط صحة الفعل الأخلاقي بانتماء صاحبه إلى العقيدة الإسلامية. فالخير عند الرفاعي لا يستمد قيمته من الإيمان وحده، وإنما من كونه يحقق خير الإنسان وكرامته. لذلك تسبق الإنسانية الهوية الدينية، ويصبح الإنسان، بما هو إنسان، موضوع الأخلاق الأول. وهذه الفكرة تمتلك جذورًا داخل التراث العقلي الإسلامي نفسه، وخاصة في الفكر المعتزلي، الذي يرى أن العقل البشري قادر بذاته على إدراك الحسن والقبح، أو ما يعرف بمبدأ “الحسن والقبح العقليين”. وقد شكل هذا المبدأ أحد الأسس الكبرى للأخلاق المعتزلية، لأن الفعل الحسن عندهم لا يكتسب قيمته فقط من الأمر الإلهي، وإنما من كونه حسنًا في ذاته، ومدركًا بالعقل الإنساني.

فالفعل الحسن، في الرؤية المعتزلية التي يستلهمها عبد الجبار الرفاعي، ليس حسنًا لأن الله أمر به، وإنما يأمر الله به لأنه حسن في ذاته. وهذه الرؤية تقطع مع التصور الإرادوي والوضعي للخير كما يظهر في الأشعرية، حيث لا يكتسب الفعل صفة الخير إلا من خلال الأمر الإلهي. ومن خلال تعريفه للفعل الأخلاقي بوصفه كل جهد يسعى إلى تحسين حال الإنسان وخدمته، بصرف النظر عن عقيدته، يحاول الرفاعي الاستجابة لتحديات التعددية الدينية والأخلاق الكونية في العالم المعاصر. لذلك لم يعد لاهوته ينطلق من عدالة الله فحسب، وإنما من الكرامة غير المشروطة للإنسان. ومن هنا لا يمثل مشروعه مجرد عودة إلى الاعتزال، وإنما تجاوزًا له نحو “الإنسانية الإيمانية”، حيث تصبح غاية الإيمان خدمة العالم والإنسان، لا تبرير خلاص احتكاري مغلق. وانطلاقًا من هذه الرؤية للآخر، ومن إدماجه في بنية “علم الكلام الجديد”، ومن الأسس الصوفية والعقلانية التي يستند إليها، يخلص الرفاعي إلى أن الحوار بين الأديان ينبغي ألا يبقى محصورًا في حدود المجاملات والعلاقات العامة، وإنما يتحول إلى “حوار بنّاء ومثمر، يحمل أسس السلام ومبادئ العيش المشترك”.

سادسًا: تقييم نقدي للاهوت الحوار بين الأديان في الفكر الإسلامي عند عبد الجبار الرفاعي

يتضح من تحليل أعمال عبد الجبار الرفاعي أن مشروع “علم الكلام الجديد” الذي يتبناه يعكس إرادة واضحة للإسهام في الحوار بين الأديان، من خلال فتح التفكير اللاهوتي على سؤال الغيرية وإدماجه في بنيته الداخلية. فمن خلال كتاباته يسعى الرفاعي إلى القطيعة النهائية مع النزعات الاعتذارية الإقصائية، ومع أحكام التكفير واللعن الموروثة من علم الكلام التقليدي، ومع “احتكار الرحمة الإلهية والادعاء بحصر الخلاص في دين واحد أو فرقة واحدة أو جماعة واحدة”. وفي قلب هذا المشروع تقوم لاهوتية للكرامة الإنسانية، تستند إلى ما يسميه “الإنسان القرآني” أو “الإنسانية الإيمانية”. وهذه الكرامة، التي يعدّها قيمة أولى، تتجذر في النص القرآني، ولاسيما في الآيات التي تؤكد تكريم الإنسان، مثل قوله تعالى: “ولقد كرّمنا بني آدم”. ومن خلال هذا الأساس يؤسس الرفاعي لفكرة المواطنة بوصفها انتماءً مشتركًا إلى فضاء وطني واحد يجمع مؤمنين من ديانات ومذاهب متعددة، مستخرجًا هذا المعنى من الإمكانات الكامنة في القرآن من غير الوقوع في إسقاطات تاريخية متعسفة. لذلك يدعو إلى إعادة قراءة القرآن في ضوء كثافته الدلالية وتعدد معانيه، تبعًا لاختلاف السياقات وتطور الوعي البشري. كما أن التمييز الذي يقيمه بين “الوجه الإلهي الكوني” للقرآن و”الوجه البشري الظرفي” يسمح له بالخروج من القراءة الحرفية والتفسير التقليدي المغلق، ويفتح أفقًا تأويليًا جديدًا للنص الديني.

وتمنح هذه المقاربة شرعية للقراءات التعددية لبعض الآيات القرآنية، في تعارض كامل مع القراءات التقليدية المغلقة. غير أن عبد الجبار الرفاعي، على الرغم من ربطه مفهوم “الإنسان القرآني” بمفهوم “الفرد”، الذي يعدّه أساسًا للتعددية الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية، لا يقوم بتفكيك الخلفيات الفلسفية الغربية التي يستند إليها هذا المفهوم تفكيكًا كافيًا، مثل الاستقلال الذاتي، والوعي التأملي، والحق الذاتي. ويترتب على ذلك نوع من إضفاء الطابع الجوهري على الفرد بوصفه حاملًا كونيًا للكرامة، بما يقلل من أهمية الوساطة الجماعية والتقاليد الدينية في تشكيل علاقة الإنسان بالله. فالفرد عند الرفاعي يبدو سابقًا على العلاقة الدينية نفسها، وهو ما يحدّ من إمكان بناء تصور حواري متجذر فعلًا في تنوع التقاليد الدينية وتجاربها التاريخية. لذلك يرى هذا النقد أن مشروع الرفاعي، حتى وإن حاول الدفاع عن طابعه اللاهوتي، يقترب أكثر من فلسفة الدين منه إلى “لاهوت الأديان” بالمعنى الدقيق، لأن الحوار بين الأديان يقتضي الاعتراف بأن الإنسان يتشكل داخل العلاقات التي ينتمي إليها، سواء أكانت تقاليد، أم جماعات، أم سرديات مؤسسة للهوية والمعنى. أما في ما يتعلق بتوظيفه للتصوف، فإن الرفاعي يستثمر مفاهيمه من أجل تأسيس رؤية منفتحة على الأديان الأخرى، مستلهمًا بصورة خاصة محيي الدين بن عربي ومفهومه عن “وحي النبوة العامة”، الذي يشير إلى إمكان انكشاف معرفة بالله وحقائق إلهية خارج حدود الوحي التشريعي والكتاب المنزل.

ومن خلال هذا التصور يفتح الرفاعي “علم الكلام الجديد” على تقاليد دينية متعددة، سواء امتلكت وحيًا كتابيًا أم لم تمتلك، بحيث لا تبقى الغيرية الدينية محصورة في “أهل الكتاب” وحدهم. وهذه الفكرة تتيح الاعتراف بإمكان حضور الحقيقة الإلهية في أديان وتجارب روحية مختلفة. غير أن السؤال الذي يطرحه هذا النقد يتمثل في مدى نجاح الرفاعي في تحويل هذه الإمكانية النظرية إلى بناء لاهوتي متكامل. فهو، وإن كان يضع مفاهيم واتجاهات مستمدة من القرآن والتصوف لتأسيس هذا الأفق، لا يطوّرها دائمًا بصورة منهجية مكتملة. كما أن استناده المتكرر إلى ابن عربي يثير إشكالًا منهجيًا، لأن اقتباساته، على الرغم من غناها، تُنقل غالبًا خارج سياقاتها التاريخية والنصية، الأمر الذي يمنحها طابعًا تجريديًا ومفارقًا لسياقاتها الأصلية، ويجعل إعادة توظيفها محكومة أحيانًا بأفق معاصر أكثر من ارتباطها بالبنية الفكرية الكاملة لابن عربي نفسه.

وبعبارة أخرى، يرى هذا النقد أن عبد الجبار الرفاعي يطبّق في قراءته لـمحيي الدين بن عربي نوعًا من المنهج “الأصولي”، وهو المنهج نفسه الذي ينتقده عند المتكلمين المعاصرين المرتبطين بعلم الكلام التقليدي، لأن اقتباساته لابن عربي تُستعمل أحيانًا بصورة انتقائية ومنفصلة عن سياقاتها الأصلية، وتُعاد قراءتها ضمن أفق شخصي ومعاصر. كذلك يرى هذا النقد أنه، على الرغم من الأسس الأنثروبولوجية والانحيازات الأخلاقية والسياسية الواضحة لصالح العيش المشترك، فإن “لاهوت الحوار” عند الرفاعي بقي أقرب إلى مستوى النوايا العامة منه إلى مستوى البناء العقدي المتكامل. فكرامة الإنسان تمثل نقطة انطلاق مركزية في مشروعه، غير أن الحوار نفسه لا يتحول إلى موضوع لاهوتي مؤسس بصورة مكتملة. فالقرآن والوحي، بحسب هذا النقد، لا يُعاد تأويلهما مباشرة في ضوء سؤال الحوار بين الأديان، كما لا نجد بناءً مفاهيميًا متكاملًا للاهوت خاص بالحوار الديني. صحيح أن “علم الكلام الجديد” يقطع مع الإطار التقليدي الذي يراه الرفاعي عاجزًا عن إنتاج ثقافة حوارية، غير أنه لا يقدّم هرمنيوطيقا قرآنية مكتملة للتعددية الدينية، ولا يؤسس فعلًا “لاهوت أديان” بالمعنى الدقيق، بخلاف ما نجده عند عبد الكريم سروش. لذلك يبقى مشروعه، وفق هذا التقييم، أقرب إلى الأنثروبولوجيا الدينية والأخلاق الاجتماعية منه إلى بناء لاهوتي مكتمل. ومن هنا يمنح هذا الغموض العقائدي فكر الرفاعي أحيانًا طابع برنامج سياسي ـ لاهوتي إنساني ومنفتح على الغيرية، لكنه لا ينجح دائمًا في إنتاج المفاهيم اللاهوتية الضرورية لتأسيس حوار ديني متين. ولهذا يبدو “علم الكلام الجديد”، في هذا المجال تحديدًا، لاهوتًا غير مكتمل. ويرى هذا النقد أن أحد أسباب هذا القصور يعود إلى غياب بناء عقدي متماسك، لأن الرفاعي، في سعيه إلى تجاوز العقيدة الجامدة نحو فينومينولوجيا للإيمان بوصفه خبرة إنسانية تأسيسية وانفتاحًا على المطلق وسعيًا إلى المعنى، يفترض ضمنيًا أن العقيدة تمثل بطبيعتها عائقًا أمام التعايش. غير أن هذا الافتراض، بحسب النقد، لا يصح دائمًا، لأن العقيدة في كثير من التقاليد الدينية لا تؤدي وظيفة الإغلاق، وإنما توفر إطارًا تأويليًا لفهم الإيمان ذاته. فالعقيدة ليست في ذاتها عامل إقصاء، وإنما تتحول إلى أداة إقصائية حين تُستعمل استعمالًا أيديولوجيًا وهيمنيًا. بل إن العقيدة، حين تُفهم على نحو سليم، يمكن أن تصبح عنصرًا مهمًا في الحوار بين الأديان، لأنها تمنح كل جماعة دينية هوية واضحة تنطلق منها نحو اللقاء بالآخر. فالحوار الحقيقي لا يولد في الضبابية أو في تمييع الفروق، وإنما يحتاج إلى مواقف واضحة وقادرة على تسمية الاختلافات من غير عنف. ومن هنا توفر العقيدة لغة مشتركة وبنية مستقرة للتفكير اللاهوتي. لذلك يتساءل هذا النقد: إذا كان الرفاعي يدعو إلى إدماج دراسة لاهوت الأديان الأخرى داخل “علم الكلام الجديد”، فكيف يمكنه في الوقت نفسه أن يطالب بالتخلي عن العقيدة داخل اللاهوت الإسلامي؟ ويزداد هذا التساؤل قوة حين نكتشف، من خلال قراءة تراث المتكلمين أنفسهم، وجود إمكانات كامنة للتفكير في أنثروبولوجيا علائقية منفتحة على فرضية الخلاص الكوني، وقادرة على تقديم أسس لاهوتية للحوار والتعايش.

ويزداد هذا التناقض وضوحًا، بحسب هذا النقد، حين نلتفت إلى أن المرجعيات الفكرية التي يستند إليها عبد الجبار الرفاعي نفسها تتضمن عناصر تخفف من حدة القطيعة التي يعلنها مع البنية العقدية التقليدية. فـبول ريكور، على سبيل المثال، يؤكد أن الوصول إلى الآخر يقتضي “المرور عبر الهوية”، أي إن الإنسان لا يستطيع استقبال المختلف استقبالًا حقيقيًا إلا حين يعرف من يكون هو أولًا. وعلى العكس من ذلك، فإن الإيمان الذي يسعى إلى التحرر الكامل من كل بنية عقدية قد ينزلق بدوره إلى أشكال من الأصولية، أو الذاتية المطلقة، أو العداء للعقل. فحين تغيب العقيدة التي تنظّم الانفعالات الدينية وتؤطر التأويل وتضبط العاطفة، تصبح التجربة الإيمانية معرضة للانفلات والتحول إلى نزعات غير عقلانية. لذلك يرى هذا النقد أن العقيدة، ما دامت منفتحة وقابلة للمراجعة والنقد، تبقى فضاءً ضروريًا للتمييز والتبصر، كما تمثل أحد الضمانات المهمة للعيش المشترك ولتنظيم العلاقة بين الإيمان والاختلاف.

الخاتمة

لأن صورة الله هي التي تحدد طبيعة علاقتنا بالآخر، فإن القطيعة مع علم الكلام الكلاسيكي تعني عند عبد الجبار الرفاعي القطيعة مع منطقه الإقصائي، الذي يتجلى في تكفير المختلف وادعاء احتكار الخلاص. وكما يتضح من مشروعه، فإن “علم الكلام الجديد” الذي يدعو إليه يأخذ الغيرية والأديان الأخرى بجدية واضحة، ويتبنى أفقًا منفتحًا وشاملًا، ويتعمد تجاوز الحوار الديني الشكلي القائم على المجاملة، من خلال الدعوة إلى التعرف منذ الطفولة على نصوص الأديان الأخرى ومعتقداتها بطريقة بنّاءة. لذلك يدعو “علم الكلام الجديد” إلى تربية تقوم على الانفتاح على الآخر، لا من حيث الاعتراف بحقه في الوجود فقط، وإنما أيضًا من حيث الاعتراف بما يحمله من حقائق لاهوتية داخل تقاليده الدينية. وفي هذا تكمن قطيعة إبستمولوجية واضحة مع علم الكلام التقليدي. ويمثل هذا المشروع محاولة جريئة وخصبة لتجديد الخطاب الإسلامي انطلاقًا من قراءة تتمحور حول الإنسان. غير أن هذا المشروع، في مجال الحوار بين الأديان، يبقى محدودًا بسبب طابعه الداخلي المفرط في فهم الدين، وبسبب تصوره غير الكافي للطابع العلائقي للإنسان، الأمر الذي يحدّ من قدرته على التفكير في التجسد العملي للحوار انطلاقًا من قضايا دينية ملموسة. كذلك، وعلى الرغم من دعوة الرفاعي إلى “التوغل” في نصوص التقاليد الدينية الأخرى، فإن لاهوته يستند بدرجة أكبر إلى الفلسفة الغربية أكثر من استناده إلى النصوص اللاهوتية لتلك الأديان نفسها. ومن هنا لا يغدو مشروعه “لاهوتًا حواريًا” بالمعنى الذي نجده، على سبيل المثال، عند فريد إسحاق، الذي استطاع، متأثرًا بلاهوت التحرير المسيحي، أن يؤسس رؤية إسلامية للحوار بين الأديان. ومع ذلك، تبقى محاولة الرفاعي محاولة جديدة وجريئة، وحتى وإن بدت ذات طابع برنامجي أكثر من كونها بناءً لاهوتيًا مكتملًا، فإنها تمثل خطوة مهمة في مسار تجديد التفكير الديني الإسلامي والانفتاح على التعددية والعيش المشترك.

***

إيمانويل بيزاني

مدير المعهد الدومينيكاني للدراسات الشرقية (إيديو) في القاهرة، والمعهد الكاثوليكي في باريس.

...........................

* ترجمة عربية لبحث منشور في مجلّة «لافال اللاهوتية والفلسفية» ، المجلّد 82، العدد 1، سنة 2026، ص. 49-68. الصادرة في كندا:

https://revues.ulaval.ca/ojs/index.php/LTP/en/

index

رابط نشر البحث:

https://revues.ulaval.ca/ojs/index.php/LTP/fr_CA/article/view/54372

مفتتح: عديدة هي النزعات الأيدلوجية والاجتماعية، التي برزت في فضاء العالم والإنسانية، وتستهدف تقليص مساحة ودور الدين في الحياة العامة للإنسان الفرد والجماعة. ومع تراكم هذه النزعات واندفاعها صوب تطبيق قناعاتها وأفكارها ونزعاتها الخاصة بالدين، إلا أن الواقع الإنساني لم يشهد تراجعا لموقع أو دور الدين في الحياة العامة.

والمفارقة الهامة والصارخة في هذا السياق هي: أنه في المجتمعات التي شهدت نزعات راديكالية تجاه الدين، هي ذاتها المجتمعات التي بادرت عبر وسائل مختلفة للتمسك بالدين وطقوسه المتعددة. فالنزعات الإلحادية أو العلموية، والتي احتضنت في بعض الحقب من قبل دول ومؤسسات ثابتة ومقتدرة، لم تتمكن بكل جبروتها وغطرستها، من إجبار الناس أو قهرهم على التخلي عن التمسك بالدين حتى بعناوينه الشكلية والطقوسية.

وهذا يجعلنا نعتقد أن الدين كمنظومة مفاهيمية وقيمية وأشكال طقوسية وتعبدية، يحتل موقعا مركزيا في حياة الأمم والمجتمعات. وإنه من الصعوبة التي تصل إلى حد الاستحالة، أن تتخلى هذه المجتمعات الإنسانية عن علاقتها وصلتها بالدين.

من هنا فإن الحياة الإنسانية العامة، لا يمكن أن تستقر على أسس عادلة للعلاقات مع بعضها البعض، كأمم ومجتمعات متعددة ثقافيا وحضاريا ودينيا، من دون مشاركة جميع الأديان الكبرى التي يعتنقها الإنسان، وتؤثر في رؤيته وتصوره لذاته وللآخر، في الحوار مع بعضها البعض في نطاق العمل على تظهير القيم الإنسانية والتشاركية والتعايشية لهذه الأديان.

وتتأكد هذه الحاجة في إطارنا الإسلامي، لكون النزعات الإرهابية والدموية التي تمارس أعمالها ضد الإنسانية باسم الإسلام وقضاياه العقدية والثقافية. بمعنى أن النزعات الإرهابية التي تمارس اليوم باسم الإسلام، تثير الكثير من الأسئلة والتحديات، التي تتطلب من المجال الإسلامي دولا ومؤسسات وعلماء ودعاة، العمل لإنهاء عملية اختطاف وتشويه الإسلام، التي يقوم بها الإرهابيون عبر عملياتهم القذرة، التي تمتهن القتل والتفجير وسفك الدماء كآليات لتمكين الإسلام (كما يدعون) في الأرض. وبالتالي فإن المجال الإسلامي بكل ثرائه العلمي ومؤسساته ومعاهده الدينية والثقافية معني للعمل في اتجاهين أساسيين في وقت واحد وهما:

1- العمل على تحرير الإسلام كثقافة وكمجال حضاري ومعرفي، من نزعات الإرهاب والقتل والغلو. وهي نزعات طالت في أعمالها المستنكرة البشرية جمعاء. وفي تقديرنا بمقدار ما يتمكن مجالنا الإسلامي من تحرير الإسلام كثقافة ومجال حضاري من نزعات الإرهاب والتطرف والقتل على الهوية، بذات المقدار تتبلور إمكانات المجال الإسلامي لتبوأ مواقع متقدمة في المشهد الإنساني والعالمي.

ومن الضروري في هذا السياق، أن ندرك أن القتل والإرهاب الذي يمارس بحقنا نحن المسلمين في مواقع عديدة من العالم، وعلى رأس هذه المواقع فلسطين المحتلة، وهي أعمال إرهابية ينبغي أن تدان من جميع أديان ودول العالم. أقول أن هذه الأعمال الإرهابية التي تمارس بحقنا، ليست مبررا كافيا لانطلاق نزعات إرهابية في محيطنا وفضائنا. فنحن ينبغي أن نقاوم الظلم والإرهاب الذي نتعرض إليه سواء في فلسطين أو في غيرها من المناطق، ولكنها المقاومة التي لا تتورط بعمليات القتل المجاني أو الإرهاب.. وبون شاسع على صعيد الرؤية والوقائع بين الإرهاب والمقاومة. وينبغي أن نتذكر دائما كمجال إسلامي أن التفوق الثقافي يستدعي تفوقا أخلاقيا.

2- المساهمة والمشاركة الجادة في مشروعات الحوار والتعارف والتلاقي بين الثقافات والأديان والحضارات. إذ أننا معنيون ببلورة المبادرات وبناء الأطر والمؤسسات، التي تعنى بشؤون التفاهم الإنساني والحوارات الدينية والحضارية. وفي تقديرنا أن تفعيل هذه الثقافة والمبادرات، سيقلص بشكل أو بآخر نزعات الحروب والصراعات المفتوحة في العالم كله. وينبغي أن لا نخضع هذا التوجه أو السياق إلى نطاق ردود الأفعال على ممارسات موضعية معينة، وإنما يبقى سياقا ثابتا في مسيرتنا الدينية والثقافية والسياسية.

فالمطلوب هو إطلاق مبادرات إنسانية - عالمية تستهدف اللقاء والتواصل والحوار بين جميع المنظومات الثقافية الإنسانية والعالمية، وذلك من أجل تفعيل المشتركات، وتطويق ومحاصرة نزعات الإرهاب والتطرف في كل المنظومات، والعمل على بناء وقائع إنسانية جديدة، تستند إلى قيم المحبة والعدالة والمساواة. فالبشرية اليوم تعاني من مشكلات عدة وخطيرة، واستمرار سيطرة نزعات التطرف والصدام في الفضاء العالمي، سيكلف البشرية جمعاء الشيء الكثير. لذلك ومن أجل سلامة البشرية وإخراجها من احتمالات الحروب والصدامات العنفية، تتأتى الحاجة إلى صياغة المبادرات الحوارية على المستويين الديني والحضاري، وذلك من أجل بناء حقائق إنسانية تبعد شبح الحروب والصدامات العنيفة. والإنسانية اليوم بحاجة إلى استحضار كل المخزون القيمي الإنساني، الذي يساهم في ضبط نزعات الإنسان الفرد والجماعة نحو السيطرة والهيمنة واحتكار مصادر القوة. ولا ريب أن الأديان من أبرز الروافد، التي أثرت البشرية ولا زالت بالكثير من القيم والمناقبيات، التي تساهم في تهذيب الحياة الإنسانية، وضبط نزعات الشر فيها.. ونحن هنا لا نروم توظيف قيم الأديان ومبادئها الأساسية لأغراض سياسية آنية ومرحلية وضيقة، وإنما ما نروم إليه هو أن تستهدي البشرية جمعاء بقيم الأديان العليا، وتعمل على إخضاع سياقاتها السياسية والثقافية والاجتماعية إلى مقتضيات هذه المبادئ والمثل العليا. فنحن نشعر بأهمية أن تحضر قيم الأديان الأساسية والعليا في حياة كل الأمم والشعوب. لأننا نعتقد أن هذا الحضور سيساهم بشكل أو بآخر في إغناء الحياة الإنسانية وابتعادها عن الكثير من نوازع الشر والتخريب. فالأديان في لحظتها التأسيسية وقيمها العليا، من الروافع الأساسية للإنسان فردا وجماعة على صعيد الأخلاق وأنماط العلاقة وسبل استثمار ثروات الأرض والطبيعة. ووجود لحظات أو فترات زمنية في كل المجتمعات والأمم، خضعت فيها المؤسسات الدينية للسلطان السياسي، وأضحت مسوقة لخياراته ونزعاته، لا يلغي بأي حال من الأحوال المخزون القيمي التي تحملها الأديان، وقدرة هذه الأديان الفذة على إغناء الإنسان ماديا ومعنويا. وأنه لا استقرار على الصعيد العالمي والإنساني، بدون استحضار قيم الدين العليا، وتفاعل الإنسان معها، بحيث يتحول إلى قوة دافعة لتجسيدها في الواقع الخارجي.

والقوة المعنوية للأديان في نفوس وعقول الناس، سيكون لها مفعولها الإيجابي والفعال لإرساء حقائق السلام ونبذ العنف في العلاقات الإنسانية والدولية. وكل النزاعات والحروب التي تعنونت بعناوين دينية، قيم الأديان الأساسية بريئة منها، وهي محاولة من قبل مشعلي الحروب لتوظيف السلطة الرمزية للدين في معارك سياسية أو استعمارية، تعود بالنفع السياسي والاقتصادي إلى النخب السياسية والاقتصادية السائدة.

فالأديان التوحيدية الكبرى، بكل قيمها ومبادئها، لا تشرع للقتل والحروب، وقيم ومبادئ الجهاد في الرؤية الإسلامية، ليست تشريعا للقتل وقهر الناس على الدخول في الدين الإسلامي، وإنما هي من أجل رد الاعتداء، ذلك الرد الذي لا يقع في مطب الاعتداء المقابل. والفرق الجوهري بين مفهوم الجهاد ومفهوم العنف هو أن الأخير (العنف) يعني ممارسة الإيذاء والعدوان لأهداف مشروعة أو غير مشروعة. بينما الجهاد في الرؤية الإسلامية شرع من أجل دفع الظلم ورد العدوان ومقاومة المعتدي.

فالالتزام بقيم السماء لا يشرع إلى العنف وإجبار الناس على ما ذهب إليه الملتزم، بل على العكس من ذلك تماما، حيث أن الالتزام العقدي والسياسي، يدفع بصاحبه إلى الدقة والالتزام الموضوعي وعدم التعدي على الآخرين مهما كانت المبررات والمسوغات. والدين كما هو معيوش، لدى كل الأمم والمجتمعات، بحاجة إلى نقد ومساءلة، لأن فيه العديد من العناصر والممارسات، التي لا تنسجم وقيم الأديان العليا. ويبدو على صعيد التجارب الدينية، أن المهمة الأساس هي تجسير الفجوة بين الدين كقيم معيارية، متعالية على الزمان والمكان، والدين كما هو معيوش ونسبي وخاضع لظروف الزمان والمكان. ولكون تجسير الفجوة على الصعيد الجمعي، من المهام الخالدة، تبقى أهمية أن يقبض الإنسان على قيمه العليا، ويستوعب مضامينها، ويعمل وفق إمكاناته المحدودة على تجسيد هذه القيم وتمثلها في حياته بكل مستوياتها.

وبالتالي فإن حوار الأديان الذي يقترب من شؤون الإنسان وثقافاته وخياراته، هو الوسيلة المطلوبة لتظهير قيم الأديان الأساسية، ولتطوير دور وتأثير هذه القيم على المشهد العالمي.

وفي هذا السياق العربي - الإسلامي، من الضروري الإشارة إلى أهمية حماية الوجود المسيحي - العربي، لأنه جزء أصيل من تكويننا القومي والثقافي، وإن محاولات تفريغ فضائنا العربي من الوجود المسيحي - العربي، هي محاولات تستهدف الإضرار بحاضر الوطن العربي ومستقبله.

لذلك نستطيع القول: أن حماية الوجود المسيحي - العربي، هو ضرورة قومية وواجب أخلاقي، يتطلب من جميع الأطراف في المجال العربي العمل على حماية هذا الوجود، واحترام خصوصيته الدينية، والعمل على إنهاء موجبات وأسباب الهجرة المسيحية من المجال العربي - الإسلامي.

الإسلام ومفهوم الحوار الديني

لا شك أن ما سمي في مدونات المؤرخين بصحيفة المدينة، وهي نص العقد والاتفاق الذي أبرمه الرسول صلى الله عليه وسلم، مع مكونات وتعبيرات مجتمع المدينة آنذاك، يعد من النصوص التأسيسية التي توضح بشكل لا لبس فيه طبيعة العلاقة القائمة، أو التي ينبغي أن تقوم بين مختلف المكونات الدينية والقومية للاجتماع السياسي الإسلامي. فهو (أي النص) " يكشف عن النوايا الحقيقية للإسلام الذي أقدم لأول مرة في التاريخ الحضاري على إنشاء مجتمع واحد مختلط (وطني وسياسي ومدني) حيث يقوم الناس على اختلاف أديانهم بمسؤوليات واحدة في حياتهم الدنيا".

ولقد استنبط العلماء والفقهاء هذه الحقيقة الدستورية والقانونية والسياسية من المقولة الواردة في صحيفة المدينة [لهم مالنا، وعليهم ما علينا]. فالحقوق كلها متساوية كما الواجبات. فالاختلافات الدينية أو السياسية لا تشرع للتمييز، بل تؤكد على ضرورة المساواة وتكافؤ الفرص. لذلك فإن العلاقة التي تؤسسها صحيفة المدينة، هي علاقة المساواة والتكافؤ ونبذ كل أشكال التمييز والتهميش.

فلقد جاء في الوثيقة [إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف، والقسط، بين المؤمنين. وبنو عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف، والقسط، بين المؤمنين. وبنو الحرث على ربعتهم، وبنو ساعدة على ربعتهم، وبنو جشم على ربعتهم، وبنو النجار، وبنو عمرو بن عوف، وبنو النبيت، وبنو أوس وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم. وإن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل].

وفي الإطار الديني فإننا نعتقد أن الحوار بين الإسلام والمسيحية لم ينقطع منذ بزوغ فجر الإسلام. ولقد اتخذ هذا الحوار أشكالا متعددة وموضوعات مختلفة. فتارة يكون الحوار ذا طابع لاهوتي - عقدي، يعنى بشؤون الربوبية والوجود والآخرة وما أشبه، وتارة أخرى يناقش قضايا معاصرة تهم الإنسان والمجتمعات المعاصرة. " وقد تجلى هذا الحوار أول تجلياته في القرآن الكريم، وكان ذا اتجاهين: أحدهما، يتمثل في دعوة المسيحية إلى الإيمان به، باعتناقه والاعتراف له بأنه يمثل الكلمة الأخيرة والكاملة في التاريخ الديني للإنسانية. وثانيهما، يتمثل في دعوة المسيحية – إذا رفضت الإيمان به - إلى التعايش معه بعد الاعتراف به. إذ لا يمكن التعايش مع الرفض والإنكار المطلق ".

فالرؤية القرآنية لا تفرق بين أنبياء الله تعالى، وتعتبرهم جميعا في قافلة واحدة، وهي قافلة الإيمان والهدى. يقول تبارك وتعالى [آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير] (1).

وكل الرسالات السماوية تشترك في الدعوة إلى العدالة وسيادة قيمها ومتطلباتها في الواقع الإنساني. قال تعالى [شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب، وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب] (2).

ووجه القرآن الحكيم إلى أهل الكتاب، نداء التعاون على مقاومة الظلم ونصرة الحق وإقامة العدل. قال تبارك وتعالى [قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون] (3).

فـ " الموقف الأساس في الإسلام من الإنسان هو التكريم، بصرف النظر عن أي انتماء من الانتماءات. قال تعالى [ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا]. والتكريم الإلهي للإنسان نابع من السر الإلهي في الإنسان أنه نفخة من روح الله: [فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين]. [ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون].

وهو الذي اقتضى سجود الملائكة له. ومهمة الإنسان على الأرض هي أنه خليفة الله. فهذا الإنسان المكرم هو خليفة الله في الأرض: [وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون]. إن هدف الخلق الأول للإنسان هو أن يكون خليفة الله للإعمار وللوصول إلى التكامل الروحي " (4).

وعليه فإن تاريخ الإيمان وفق الرؤية الإسلامية تاريخ واحد، وأن تجليات الإيمان على ألسنة الرسل والأنبياء هي تجليات لحقيقة واحدة لا تفاوت في جوهرها، وإنما تتفاوت في سعتها وفي عمقها وفي إجمالها وفي تفصيلها.

والسؤال الذي يطرح هنا هو: كيف نظر القرآن الحكيم لأهل الكتاب. بالإمكان الإجابة على هذا السؤال من خلال النقاط التالية:

1- إن الذكر الحكيم علّم المسلم أن أهل الكتاب، هم سلفه في الإيمان الإبراهيمي، وأن بينه وبينهم قرابة المشاركة في هذا الإيمان، وإن إيمانهم جزء مقوم لإيمانه الإسلامي. قال تعالى [قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون] (5).

2- وعلى أساس الإيمان الجامع، وجه القرآن الحكيم المسلمين إلى الجامع التوحيدي نحو أهل الكتاب. قال تعالى [قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون] (6).

3- التعامل والتحدث معهم باحترام وتقدير، ولعل في تسميتهم بأهل الكتاب، للتأكيد على القرابة الروحية والإيمانية، ما يشير إلى هذه الحقيقة ويؤكد عليها، وصنفهم الذكر الحكيم إلى قسمين: منهم من استقام، ومنهم من انحرف. قال تعالى [ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين] (7).

وهذا النقد الذي مارسه القرآن الحكيم تجاه أهل الكتاب للاختلاف العقدي، لم ينعكس على التشريع الاجتماعي والسياسي. بل أكد القرآن الحكيم على مبدأ الاستقلال التشريعي لأهل الكتاب في جميع شؤونهم وأحوالهم. قال تعالى [وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون، وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون] (8).

وبالتالي فإن الاختلاف العقدي، لم يفضي إلى إلغاء شخصيتهم الثقافية بل على العكس تماما. حيث أن صيانة مبدأ الاستقلال التشريعي، قاد بدوره إلى استقلال الشخصية الثقافية وحرية ممارسة العبادة وكل الطقوس الدينية والشعائرية. بل إن القرآن الكريم وفي سورة كاملة (سورة البروج)، خلد ذكر شهداء نصارى نجران، وعبر عنهم بالمؤمنين ومدحهم. فقال عز من قائل [قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد، إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق].

وفي سورة الروم تسجيل صريح وواضح لتعاطف المسلمين مع المسيحيين في مواجهتهم وصراعهم مع المجوس الذين اعتبرهم مشركو مكة أقرباء روحيين لهم، في مقابل اعتبار النصارى أقرباء روحيين للمسلمين. قال تعالى [ألم، غلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون].

فالرؤية الإسلامية والتجربة التاريخية الإسلامية الأولى، كلها مضامين وحقائق، تؤكد قيم الشراكة والاحترام المتبادل بين أهل الديانات التوحيدية الكبرى. ولكن ولعوامل سياسية واجتماعية وثقافية، نتجت ظواهر مضادة لتلك الحقائق والمضامين الثابتة.

الإسلام والتجربة المدنية.. مقاربة أولية

تتداخل عدة معطيات وقضايا عند تناول مسألة المجتمع الأهلي - المدني في الفضاء المعرفي العربي والإسلامي. منها ما هو مرتبط بالظرفية التاريخية التي تأسس فيها هذا المفهوم ودلالاته السياسية والمعرفية والاجتماعية، ومنها ما يرتبط بالحمولة الفلسفية والثقافية لهذا المفهوم الذي نشأ وتأسس في بيئة معرفية مغايرة لبيئتنا الثقافية والحضارية، ومنها ما يرتبط بجدوى هذا المدخل في تطور المجتمعات العربية والإسلامية.

وعلى هذا نستطيع القول: أن دراسة المجتمع الأهلي - المدني تنتمي إلى حقول معرفية متعددة، وذلك لأن مفهوم المجتمع الأهلي يتعدى الحقل السياسي، ويتداخل مع الحقول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ودائما فعالية المجتمع الأهلي ـ المدني في تجارب الأمم والحضارات، مرهونة إلى حد كبير بمستوى الوعي ونوعية الثقافة السائدة، وطبيعة النظام السياسي والاقتصادي السائد.

فإذا كان الوعي بالحاجة إلى الديمقراطية والمشاركة في الشأن العام عميقا، فإن فعالية القوى الأهلية - المدنية ستكون قوية وصلبة ومستديمة. كما أن الثقافة المسئولة وذات الآفـاق الإنسانية والحضارية، ستحفز المجتمع على ممارسة أدواره ووظائفه الحضارية.

والنظام السياسي المتسامح، المؤمن إيمانا عميقا بالفعل المؤسسي، وبقيم التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرياته الأساسية فإنه سيساهم في تطوير الحقل الأهلي ـ المدني، ويزيد من فعاليته، ويكثف من أدواره ووظائفه. وغالبا مستوى التطور الاقتصادي، يساهم ويؤثر في فعالية القوى الأهلية ـ المدنية. إلا أن الشيء الأساسي الذي ينبغي التأكيد عليه في هذا المجال، هو أن تأثير هذه العناصر ليس حتميا. بمعنى قد يتوفر الوعي بضرورة المشاركة، إلا أن عوامل أخرى سياسية - اقتصادية - دولية أو ما أشبه تحول دون تطوير الحقل الأهلي - المدني في الأمة.

لهذا فإن العامل الحاسم في تأثير هذه العناصر، هو إرادة المجتمع والأمة، وكفاحها الدائم من أجل انتزاع حقوقها والدفاع عن دورها التاريخي. فالأمة التي تمتلك إرادة الفعـل، وتمـارس إرادتها وتدفع ثمن ذلك، فإنها أمة ستحتضن مجتمعا أهليا متقدما وفاعلا . وذلك لأن الحقوق دائما لا توهب ولا تعطى وإنما هي تؤخذ وتنتزع، ويتم الوصول إليها عن طريق توفير الظروف الذاتية والموضوعية المؤهلة للممارسة المدنية المتطورة والمتقدمة.  فالحقل المدني - الأهلي لا يتطور في الأمم صدفة، وإنما هو وليد جهد وجهاد دائم ومستديم يتجه صوب تفعيل دور الأمة والمجتمع في العمران الحضاري، فهو في حالة تكوّن مستمر.

لذلك فإن يقظة الأمة، واستمرار نشاطها وشهودها الحضاري، هو حجر الأساس في استمرار تطور وفعالية الحقل المدني ـ الأهلي. وفي الاتجاه نفسه، فإن فعالية المجتمع المدني ـ الأهلي في الدائرة العربية والإسلامية، هو أحد تجليات ومصاديق شهادة الأمة على راهنها وعصرها.

في المفهوم والمضمون:

1- إن المجتمع المدني - الأهلي، ليس بديلا عن الدولة العادلة، والتي تأخذ على عاتقها مسؤولية البناء والتنمية. وإنما هو مكمل للدولة في الوظائف والمسؤوليات.

ويخطأ من يرى أن مقولة المجتمع المدني - الأهلي وضرورة تنميته وتطويره، يعني التخلي عن الدولة وضروراتها. فالمقصود بالمجتمع المدني - الأهلي جملة " المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة في استقلال عن سلطة الدولة لتحقيق أغراض متعددة، منها أغراض سياسية، كالمشاركة في صنع القرار على المستوى القومي، ومثال ذلك الأحزاب السياسية، ومنها أغراض نقابية كالدفاع عن المصالح الاقتصادية لأعضاء النقابة، ومنها أغراض مهنية كما هو الحال في النقابات للارتفاع بمستوى المهنة والدفاع عن مصالح أعضائها، ومنها أغراض ثقافية كما هو في اتحادات الكتّاب والمثقفين والجمعيات الثقافية التي تهدف إلى نشر الوعي الثقافي وفقا لاتجاهات أعضاء كل جمعية، ومنهـا أغــراض اجتماعية للإسهـام في العمل الاجتماعي لتحقيق التنمية " (9).

فالمجتمع المدني ـ الأهلي، هو تعبير عن مساهمة الأمة بمختلف شرائحها وفئاتها في الشأن العام، وفي المقابل حتى لا تطغى إرادة الدولة وتتحول إلى كيان مستبد، يلتهم الجميع،ويسعى نحو إذابة كل التعبيرات الذاتية للأمة.

فالمجتمع المدني - الأهلي يعني ممارسة الأمة لدورها في البناء والعمران، كما أنه وسيلة الأمة لمنع تغوّل الدولة وطغيانها.

والمسألة ليست مقايضة بين الدولة والمجتمع الأهلي، وإنما هي الطريقة التاريخية والحضارية لتحقيق التوازن والتفاعل والتكامل المنشود بين الدولة والأمة.  وهو الذي يوفر للأمة إمكانية الاختيار السياسي والحضاري. وهذا هو الذي يؤسس الحكم على اختيار شعبي حر، ويضعه في كل الأحوال تحت المراقبة المستمرة لقوى المجتمع المدنية ـ الأهلية.

" وكلما غلبت المدنية على شعب زاد تمسكه بحقوقه في اختيار السلطة العمومية، وزادت مشاركته في صنع القرار المتعلق بمصيره الجماعي والفردي. وإذا كان غياب الديمقراطية في الوطن العربي قد نجم في البداية عن عوامل تاريخية واجتماعية وأيدلوجية عديدة ومعقدة، أهمها إرادة التغيير السريع ومواجهة التهديد الإسرائيلي فقد أصبح غياب هذه الديمقراطية اليوم سببا أساسيا من أسباب وقف التغيير وحبس التقدم وتدهور الموقف العربي عموما تجاه إسرائيل والنفوذ الأجنبي. فهو في أساس الحرب الأهلية الكامنة والمعلنة داخل المجتمعات العربية ومصدر فساد النخب السائدة واستهتارها بالمصالح العامة وتخليها عن القضية القومية وتفرغها للإثراء الفاحش " (10).

فالحركية الأهلية المتجهة إلى تطوير الحقل المدني - الأهلي في الأمة أضحت ضرورة قصوى، لما يقوم به هذا الحقل من نقد واقعي لأسس الاستبداد والفردية والحكم المطلق، ولما يشكــله هـذا الحقـل مـن قدرة استيعابية لمختلف الفئات والشرائح الاجتماعية. " وبالنسبة للوضع الراهن في الوطن العربي، المشكلة ليست في غياب المجتمع المدني كوحدة خاصة مستقلة عن الدولة وإنما المشكلة تكمن في نزوع الدولة الدائم إلى إلغاء أي استقلالية على أي مستوى كان لهذا المجتمع المدني، أي أن المشكلة هي في رغبة الدولة في التدخل في الكبيرة والصغيرة لهذا المجتمع، وإلغاء القدرة الخاصة بالتنظيم الذاتي له. والنتيجة هي خنق المجتمع، أي سد كل المتنفسات الذاتية له، وتحول الدولة إلى جدار من الصقيع يلغي أي إرادة داخلية للمجتمع " (11).

فالأزمة لا تكمن في غياب نواة المجتمع المدني - الأهلي في الفضاء العربي والإسلامي، وإنما في تغوّل السلطة واستبداديتها والمنطق الأمني الذي يتحكم في كل المسارات والاتجاهات.

فالمضمون الجوهري لمفهوم المجتمع المدني ـ الأهلي، هو شعور عميق ومتواصل بذاتية المجتمع، وقدرته على تنظيم نفسه وممارسته للحريات، وحماية ذاته من كل النـزعات التسلطية، وعـوامل التهميش والإقصاء والنفي سواء جاءت من الداخل أم الخارج.

2- ويعني المجتمع المدني - الأهلي، نمط من العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية، قائم على العمل المؤسسي، متجاوزا بذلك كل الأنماط والسياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية، التي لا تخرج عن واقع الأنا الضيق، وتسعى نحو تحجيم نشاطها في إطار من الامكانات الشخصية بوحدها. فكل نمط مؤسسي، يمارس فعلا اجتماعيا عاما أو سياسيا أو ثقافيا، فهو جزء من مفهوم المجتمع المدني - الأهلي.

3- تنظيم المجتمع وقدرة القوى الاجتماعية المتعددة في المنطلقات والغايات، على إرادة تنافسهما وعملهما في محيط اجتماعي محدد بوسائل سلمية ـ حضارية.

فالشأن العام في المجتمع، يدار عن طريق قوى اجتماعية تتكامل مع بعضها البعض بشكل مباشر أو غير مباشر، وتتنافس مع بعضها بوسائل تثري الواقع المجتمعي وتنضجه وتزيد من خبرته في إدارة تنافس أبناءه أو صراعهم.

وأساس هذا التنظيم المجتمعي، والتنافس السلمي في إدارة الشأن العام، هو تفعيل القواسم المشتركة بين هذه القوى، والتسالم والتراضي على جملة من المنطلقات والغايات التي تكون تطلع الجميع، حتى وإن اختلفت أساليب الوصول، وتعددت وسائل التعبير عن هذه المنطلقات والغايات.

فالمجتمع المدني ـ الأهلي هو عبارة عن الإطار المؤسسي لممارسة المسؤولية الدينية والوطنية. وسمة هذا التنظيم المجتمعي أنه ذاتي، أي أن سعي المجتمع إلى تنظيم نفسه في أطر ومؤسسات وجمعيات وهيئات، يتم بإمكانات المجتمع ذاته، ومن أجل تحقيق غاية مجتمعية أيضا.

فالدعوة إلى تقوية المجتمع المدني - الأهلي، تعني العمل على " محاصرة للدولة وسلطتها المطلقة، وهو إحياء للمبادرات القاعدية وبث للروح في المؤسسات والمنظمات والتضامنات الشعبية المختلفة " (12).

وبهذا تكون الأولوية هي تعظيم دور الأمة والمجتمع، ومنع تغوّل الدولة وتحولها إلى كيان شمولي، والعمل على تحريك كل فئات المجتمع وشرائحه في عملية البناء والنهضة. وبالتالي تكون الأولوية لتأسيس مجتمع عربي - إسلامي فاعل يمارس دوره ويتحمل مسؤولياته التاريخية، ويقوم بحمل مشعل التقدم والنهضة، ويشارك بفعالية في تذليل كل العقبات التي تحول دون التقدم الشامل.

وأهلنة المجتمع (إذا جاز التعبير) ليست شعارا أو يافطة، وإنما هي وعي ورؤية وإرادة ونظام مجتمعي يتجه صوب (الأهلنة) في كل الحقول والمجالات.

وتنمية المجتمع الأهلي اليوم، هو سبيل الأمة لصيانة حقوق الإنسان وكرامته، وطريقها للإسراع في مشروع التنمية الشاملة وخيارها الإستراتيجي لزيادة مستوى المشاركة الشعبية في الشؤون العامة، وهو الرافعة الحقيقية اليوم لأهداف الأمة الكبرى وقضاياها المصيرية والحاسمة.

الإسلام والمجتمع المدني:

هناك علاقة وثيقة بين المدينة والإسلام، إذ ارتبط الإسلام منذ انطلاقته الأولى بالمدن وحواضر الجزيرة العربية، وتأكد هذه الارتباط مع هجرة الرسول (ص) إلى يثرب التي سارع رسول الله إلى تسميتها بالمدينة. فعلاقة الإسلام بالمدينة والحواضر علاقة حميمة، إذ أن مجـموع قيمه ومبادئه تدفع نحو الإقامة والاستقرار النفسي والاجتماعي. وقد قال تعـالى [الـذين أمنوا وتطـمئن قلـوبهم بـذكر الله ألا بـذكر الله تطمـئن القلوب] (13).

ومن المؤكد أن الإقامة والاستقرار الذي يوفرهما الدين الإسلامي، من الشروط الضرورية لتأسيس المـدينة وفق قواعد ومتطلبات تزيد من فعالية الناس وحيويتهم الحضارية.

والمدينة أو الحاضرة لم يجعلها الإسلام بلا قانون وترتيب إداري يساهم في تنظيم شؤون المدينة من جميع النواحي، وإنما عمل على تنظيم شؤون المدينة، ودفع باتجاه الحشد واستكمال الجماعة، وحارب كل النوازع التي تحول دون استقرار المدينة وتطورها النفسي والاجتماعي والحضاري.  ويبقى خيار الإسلام الأول انطلاقا من رؤيته وخبرته وعلاقته بالمدينة والحواضر، أنه يسعى إلى تمدين الريف وغرس القيم المدنية والحضارية في محيطه وأجوائه. عكس الخيار المتبع عند الكثير من المدارس والأنظمة اليوم، التي فرضت خياراتها ومشروعاتها الاقتصادية والإدارية والاجتماعية ترييف المدن والحواضر، وذلك عبر المجتمعات الهامشية وأحزمة البؤس ومجتمعات الصفيح التي تشكلت في ضواحي المدن.

فالخيارات الاقتصادية والتنموية المتبعة، هي التي أرغمت أبناء الريف والقرى إلى الهجرة القسرية إلى المدن والحواضر بحثا عن لقمة العيش.

والإسلام هنا لم يلغ نظام الطاعة الطبيعي، إلى الأسرة، العشيرة، القبيلة، وإنما جعل طاعتهم في سياق طاعة الشريعة والالتزام بقيمها ومبادئها. ولقد جاء في الحديث الشريف (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) (14).

فالإسلام أسس مفهوم الطاعة على أسس جديدة، ومعايير متعالية عن معايير التراب، فالطاعة أضحت مع الإسلام إلى الشريعة وليس إلى أي معيار آخر. ولا شك أن طاعة الشريعة والالتزام بقيمها وترتيب المواقف والخيارات وفق هديها، هو من الشروط الأساسية للاستقرار السياسي والحضاري، وخلق المجتمع المدني - الأهلي في المجالين العربي والإسلامي.

والطاعة وفق هذا المنظور، هي التي تصهر التمايزات أو تجعلها في سياق الوحدة والبناء والانفتاح والتسامح، بدل أن تكون وسيلة وسببا للانكفاء والانعزال والتفتت والانخراط في مشروعات تجزيئية، تزيد من ضعف الأمة على المستويين السياسي والحضاري.

وفي التاريخ العربي والإسلامي، نرى نموذج الحالة المدنية في فعاليات المدينة الإسلامية، والدينامية الاجتماعية التي عبرت عن نفسها بأشكال من التوازن بين التدخل السلطاني، الذي يتمثل في مؤسسات الوالي والقاضي والمحتسب وصاحب الشرطة، وبين الحاجات الاجتماعية (المدنية) التي عبرت عن نفسها بإبتداع أشكال من المؤسسات التي تقوم بممارسة دورها في هذا الصدد.  " فالنشاط المديني الذي تركز بشكل أساسي في الإنتاج الحرفي والتجارة انتظم في (الأصناف) ، وهذه الأخيرة هي تنظيمات اجتماعية تراتبية متماسكة، كـل تنظيم فيها يُعبر عن أهل حرفـه من الحرف.  والمـلاحظ أن التنظيم (الصنف) الذي يدعوه البعض الطائفة، يعتمد تراتبية أهل الصوفية إبتداءً مـن المبتدئ (المريد) إلى الصانع، إلى المعلم، إلى شيخ الحرفة … إلى شيخ السوق.  وبين كل مرتبة تقوم أعراف وطقوس وأخلاقيات وتقنيات تعبر بدورها عن التفاوت الحاصل بين كــل مرتبة ومرتبة في المعـرفة والقيـمة، أي وفقـا لـدرجات تحصيل أو معرفة (سر المهنة) الذي أضفي عليه الطابع القدسي ـ الديني " (15).

فالروح والتراتبية المعنوية، اللتان يبثهما النشاط المديني تشكلان نقطة الانطلاق والتطوير للمسألة المدنية في المجالين العربي والإسلامي.

إذ أن تراث العرب والمسلمين التاريخي في هذا الإطار، ثري، ومتوفر وذو مضمون عميق على مستوى التجربة التاريخية، والخبرة التي أوجدها في النسيج المجتمعي. وذلك لأن التحولات القسرية أو الفجائية، يصحبها تمزق اجتماعي رهيب، لا يجعلها منتظمة في سياق متكامل، وإنما يحولها وكأنها جزيرة معزولة عن المحيط العام.

والذي يؤكد هذا الاتجاه (الانطلاق من التجربة المدينية العربية والإسلامية لتنمية مؤسسات المجتمع المدني - الأهلي في الفضاء العربي والإسلامي) هو أن القيم المدنية والدينية في الإطار الإسلامي منصهرة فيما بينها، وهناك تطابق محمود بين القانون الديني والقانون المدني في التجربة الإسلامية التاريخية.  وانطلاقا مما يذكره (دونالد سميث) حول الفرق بين النظم العضوية ونظم الكنيسة الدينية، يمكن اعتبار الإسلام دينا عضويا، وذلك لأنه يتضمن قيما ومبادئ تعلي من الشأن المدني والإنساني، وهذه القيم هي التي تحدث قفزة نوعية في علاقة الإنسان بالمكان والزمان، وعلاقته مع بني جنسه، لذلك فإن " المديني في جميع أشكاله القديمة والحديثة يظهر كواقع جديد، أو كنتيجة لتمفصل النظام الاجتماعي والنظام المكاني. بين العلاقات الاجتماعية والعلاقات المكانية رباط جدلي لا يمكن اختزاله إلى أحد طرفيه، وإذا صح أن نسمي الواجبات الاجتماعية نظاما فإن حيز المدني، حيز الظروف الجديدة، يشكل بذاته نوعا من التجاوز، أي عامل تغيير وتحقق. من هنا فإن المدينة لا تعكس بشكل سلبي نظاما معينا، ولكنها تلعب أيضا دورا نشطا في تحويل هذا النظام ذاته وفي استخدامه، فهي تنظم جملة من الاحتمالات والمحظورات التي في ظلها يتطور أفراد وجماعات وأقوام يرسمون إستراتيجيات مختلفة لتحقيق أهداف خاصة أو جماعية " (16).

ويبدو لي أن القفزة النوعية، التي تحدثها القيم المدنية في النسيج المجتمعي، هي التي تبرز كطاقة خلاقة متجهة إلى بناء واقع اجتماعي يتمثل هذه القيم على مستوى علائقه المختلفة، ويتجسد كنموذج يطمح إلى التوسع والامتداد، بحيث يكون هو النسق الاجتماعي السائد. وعلى هدى هذا نستطيع أن نقول: أن المسألة المدنية كقيم متجسدة في حركة الإنسان الخاصة والعامة، وكشبكة للعلاقات الإنسانية،لا يمكن فهمها خارج السياق التاريخي لواقعنا ومجتمعنا.

لهذا نحن بحاجة دوما إلى البحث عن الإطار والقاعدة اللتين تحتضنان هذه القيم وتطورها في المحيط العام. وبكلمة يبقى الإسلام شرطا ضروريا لتأسيس المجتمع المدني - الأهلي وتطوير آليات عمله في المجالين العربي والإسلامي. وذلك بفعل أن الإسلام يعظم دور الأمة والمجتمع في العمران الحضاري، ويجعل الدولة مؤسسة من مؤسسات الأمة وليس العكس. ولا ريب أن المدخل الفعال لدراسة المجتمع المدني - الأهلي وموقف الإسلام ودوره في هذا الإطار، هو أن المجتمع المدني - الأهلي جزء من الأمة التي يوليها الإسلام العناية الكاملة، ويجعلها قطب الرحى في عمليات البناء والتنمية.

وإن التجربة التاريخية الإسلامية، تشكل حافزا حقيقيا وتجربة ثرية تساهم في بلورة خياراتنا تجاه صوغ مجتمع أهلي عربي - إسلامي جديد، يأخذ على عاتقه تجديد الحركية الاجتماعية الإسلامية، ورفـدها بروافد جديدة وإغناءها بخبرات وإمكانات جديدة أيضا.

وهذا المجتمع المدني - الأهلي سيشارك في إعطاء عالم الإسلام اليوم شخوصه العالمية في كل مجال وفي المنابر كافة، ويتيح لعالمنا الإسلامي المساهمة الجادة في تكريس نظاما عالميا جديدا أكثر تسامحا وإيمانا ومسؤولية وحرية.

والمصادر الإسلامية تنطوي على قيم عديدة، تحفز على العلم والعمل وإعمال العقل والسعي لإعمار الأرض، والارتقاء بالحاجات المتعددة للإنسان. وكل هذه القيم تمثل جوهر المجتمع المدني - الأهلي الإسلامي.

فتحقيق المجتمع المدني - الأهلي بالمفاهيم المجردة أمر غير ممكن، وإغفال التجربة التاريخية الإسلامية في هذا المجال، لا ينجز مشروع إنماء المجتمع المدني - الأهلي الإسلامي، وإنما يزيد من تخبطنا وترددنا.

لذلك من الضروري استدعاء التجربة التاريخية الإسلامية الأهلية، ومساءلتها للتعرف على منطق عملها وحيويتها وأدوارها، وإشراك القوى الاجتماعية في إنجاز برنامج إنماء المجتمع المدني - الأهلي الإسلامي.

فالحركية الأهلية لا تتواصل وتتراكم بمعزل عن قوى المجتمع الحية، بل هي التي ترفد الحركية الأهلية بإمكانات التواصل وأسباب الاستدامة.

فالقوى المجتمعية هي صانعة المجتمع المدني - الأهلي وهي هدفها في ذات الوقت. حيث الغاية هي تطوير هذه القوى على المستوى النوعي والكمي، حتى تشارك في العمران الحضاري.

والقدرة على الاستدامة والتطوير أمام تحديات الراهن المتعددة، لا تتأتى إلا بحيوية المجتمع المدني - الأهلي الإسلامي وفاعليته وتحمله لمسئولياته الدينية والوطنية.

وإن هذه الحركية الأهلية لا تأتي جاهزة، وإنما هي بحاجة إلى بناء نظري وعملي وممارسة مجتمعية مستديمة تبلور الوسائل الملائمة والإستراتيجيات الفعالة التي توصلنا إلى حركية أهلية مؤسسية تتجاوز الأشخـاص، وتستمر في العمل والعطاء وفق نسق مؤسسي متطور.

وفي المجال العربي والإسلامي المعاصر، لا زال هناك الكثير مما ينبغي عمله، حتى يترسخ العمـل المؤسسي المدني - الأهلي، وتسير مجتمعات هذا المجال الحضاري في تجاهها.

" وإن المواطنية هي التمتع بالحرية السياسية، أي بحق المشاركة من مستوى الندية، والمساواة في تقرير مصير الجماعة الإنسانية. ولا وجود لحرية سياسية دون وجود علاقة وطنية، أي أمة، واندماجا سياسيا - ممارسة سياسية عملية - في الجماعة. إن النـزوع إلى الحرية، وإلى بناء الأمة كإطار للاندماج والمشاركة الجماعية في مستوى الندية وتحمل المسؤولية الجماعية، هو أحد محركات وحوافز التغيير الرئيسية اليوم في منظومات قيم المجتمعات العربية وهو بذرة ثورية ممكنة، ولا بد من الرهان عليها، في بنــاء الديمقراطية كإطـار لعلاقة اجتماعية جديدة، مؤسسة على الاعتراف الفعلي بالمواطنية ".

ويضيف إلى أنه " أصبح العمل من أجل الحرية والتماهيات المدنية والسياسية، يساوي العمل من أجل بناء الصدقية الذاتية وتأسيس الفاعلية، أي احترام الذات والنظر إلى النفس كمستودع لقيم إيجابية. ولعل هذا الطلب المتزايد على المواطنية، أي على بناء وطنية حقيقية قائمة على تأسيس علاقات تضامن واعتراف متبادل وتعاون شامل، لا تذوب في الشعارات الخارجية أو التعبئة السياسوية، هو اليوم النبع الأعمق للنـزعة الديمقراطية " (17).

ويوفر المنظور الإسلامي ثقافة توحيدية، تناقض المسار الانشقاقي والتمزيقي، وتسعى إلى زيادة الروابط ومستوى التعاون بين أبناء المجتمع الواحد، وتؤسس ذلك على قاعدة أخلاقية سامية من حسن الظن والتواضع ومساواة الذات مع الآخر ونزع الغل والأحقاد من النفوس والقلوب.

ومن الطبيعي القول: أن انحسار الثقافة الانشقاقية والتمزيقية في المجتمع، يساهم بشكل كبير في توطيد أركان الحقل المدني - الأهلي، ويزيد من فعاليته وأداءه.

والمجتمع المدني - الأهلي، هـو أحد جسور الأمة لإنجاز تطلعاتها وتنفيذ طموحاتها. لذلك من الأهمية بمكان العمل على تطوير ثقافة مدنية ـ أهلية، تبلور مسؤوليات المجتمع، وتحمله دورا ووظائف منسجمة واللحظة التاريخية.

وإن تجذير هذه النوعية من الثقافة في المحيط الاجتماعي، سيضيء سبلا هامة لمبادرات المجتمع ورياديته في العمران الحضاري. وذلك لأن هذه الثقافة ستنشط من حركية المجتمع وتزيده تماسكا في طريق البناء والتنمية، وتعزز بعضه بعضا، وتعمق في نفوس أبناء المجتمع الثقة والفعالية والانفتاح على الأفكار والتجارب الجديدة، والمرونة التي لا تعكس ضعفا وهزيمة، وإنما مرونة قوامها الثقة بقدرة الآخرين على المشاركة في البناء، والتسامح حيال الاختلافات والمواقف القلقة والملتبسة.

وإن الوصول إلى مجتمع عربي - إسلامي جديد، يأخذ على عاتقه مسؤولية التاريخ والشهادة على العصر، بحاجة إلى تنشئة ثقافية وسياسية جديدة، تغرس في عقول ونفوس أبناء المجتمع قيما جديدة تنشط الحركية الأهلية، وترفده بآفاق جديدة، وإمكانات متاحة، وتطلعات حضارية. والتنشئة الثقافية والسياسية، من الوسائل الهامة التي تساهم في تطوير الحقل المدني - الأهلي في الأمة.  وإن شبكة العلاقات الاجتماعية، كلما كانت متحررة من رواسب الانحطاط والتخلف، وبعيدة عن آثارهما النفسية والعامة، كلما كانت هذه الشبكة قوية وفعالة. وإن التنشئة الثقافية والسياسية السليمة، تساهم مساهمة كبيرة في حركية هذه الشبكة وقدرتها على تجاوز المحن والابتلاءات، وتوفر لها الإمكانية المناسبة للتعاطي مع اللحظة التاريخية بما يناسبها وينسجم مع متطلباتها. وهي " وسيلة فعالة لتغيير الإنسان، وتعليمه كيف يعيش مع أقرانه، وكيف يكوّن معهم مجموعة القوى التي تغير شرائط الوجود نحو الأحسن دائما، وكيف يكوّن معهم شبكة العلاقات التي تتيح للمجتمع أن يؤدي نشاطه المشترك في التاريخ " (18).

وفي إطار البناء العلمي والثقافي الذي يؤسس ركائز الحركية المدنية - الأهلية، ينبغي العناية بالمفاهيم والقيم التي تشكل مداخل ضرورية ومفاتيح فعالة لدفع قوى المجتمع نحو البناء المؤسسي. وكذلك قراءة الأحداث والتطورات، واستيعاب منطقها وتجاه حركتها والمفاهيم المتحكمة في مسارها. و"  إن ما ينبغي الحديث عنه، وما يشكل أداة مفهومية أوضح وأسهل للبحث هو مجموعتان من العوامل الداخلية، لا تتماهى مع التراث، وإنما تغطي البنى المحلية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، كما نشأت في إطار التحرر من الماضي من جهة، وفي إطار التأثر بالخارج في العقود الماضية من جهة ثانية، أي من حيث هي ثمرة للتفاعل السابق بين التراث المجروح والمهتز، وأحيانا المدمّر، وبين الحداثة بما هي مجموعة الأنماط الجديدة التي فرضت نفسها على وسائل وطرق إنتاج المجتمعات، لوجودها من الناحية الفكرية والخيالية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والإستراتيجية معا.  أما المجموعة الثانية فهي العوامل التاريخية التي ترتبط ببنى النظام العالمي، من حيث هو ترتيب لعلاقات القوة على الصعيد الدولي، وبسياسات الدول المختلفة الكبيرة والصغيرة الوطنية، وما ينجم عنها من تعارض في المصالح، ومن نزعات متعددة للهيمنة والسيطرة والتحكم بمصير المجتمعات الضعيفة، للاستفادة من مواردها، واحتواء ثمار عملها وجهودها " (19).

ومن خلال هذه القراءة الواعية والدقيقة تتضح الظروف الموضوعية والمؤشرات العامة، التي تؤسس لشبكة التضامن الاجتماعي والتآلف الداخلي بصورة حيوية وفعالة.

وهذا لا شك هو شرط تحويل الظروف الموضوعية والمؤشرات العامة التي تدفع باتجاه الخيار الديمقراطي والمدني إلى واقع ملموس وحركة اجتماعية متواصلة. وبالتالي تتصاعد قدرة المجتمع على إجهاض كل مشروع ارتدادي، وترتفع وتيرة الحركية الاجتماعية باتجاه البناء المدني والمؤسسي.

فالوعي الذاتي بالظروف الموضوعية وقوانين حركتها، هو شرط الاستفادة منها، وتوظيفها بما يخدم أهداف الوطن والأمة.

وبهذه العناصر والقيم، يكون المجتمع بكل شرائحه وفئاته مسئولا عن تطوير ذاته، وتجديد رؤيته لنفسه ولدوره التاريخي.

ومن المؤكد أن تطوير هذا التوجه في المحيط الاجتماعي، سوف يؤدي إلى إحداث شكل أو أشكال من المشاركة الشعبية في الحياة السياسية والعامة. والمجتمع الذي يفتقد الوعي والإرادة، فإنه ينـزوي عن راهنه، ويعيش الهامشية، ولا يتحكم في مصيره ومستقبله. لذلك فإن بداية تطور الحقل المدني - الأهلي في الفضاء العربي والإسلامي، هي في عودة الوعي بضرورة هذا الحقل في البناء والعمران، وامتلاك إرادة مستديمة لتحويل هـذا الوعي إلى فعل مجتمعي متواصل، يتجه إلى تطوير وترقية وتنمية الحقل المدني - الأهلي في الأمة. وفي المجال نفسه يمارس هذا الحقل دور إنتاج وسائل التغيير والتطوير في المجتمع.

وبهذا يكون الحقل الأهلي في الأمة، هو حجر الأساس ونقطة البداية، في مشروع العمران الحضاري الجديد.

***

محمد محفوظ – باحث سعودي

..............................

الهوامش

(1) القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 285.

(2) القرآن الكريم، سورة الشورى، الآية 13 – 14.

(3) القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 64.

(4) الشيخ محمد مهدي شمس الدين – الحوار الإسلامي – المسيحي – نحو مشروع للنضال المشترك، ص 119، الطبعة الأولى، بيروت 2004.

(5) القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 136.

(6) القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 64.

(7) القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 113 – 114.

(8) القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 47 – 48.

(9) ندوة، المجتمع المـدني في الوطـن العربي، مركـز دراسـات الوحدة العربية، ص 854، الطبعة الأولى، بيروت 1992م.

(10) برهان غليون، حوارات من عصر الحرب الأهلية، ص 128، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 1995م.

(11) المصدر السابق، ص 173.

(12) برهان غليون، مجتمـع النخبة، ص 280، معهد الإنماء العربي، الطبعة الأولى، بيروت، 1986م.

(13) القرآن الكريم، سورة الرعد، الآية (28).

(14) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 74، ص85، مؤسسة أهل البيت، بيروت، 1990م.

(15) وجيه كوثراني، مشروع النهوض العربي أو أزمة الانتقال من الاجتماع السلطاني إلى الاجتماع الوطني، ص 93، دار الطليعة، الطبعة الأولى بيروت 1995م.

(16) مجلة الفكر العربي المعاصر، ص 50، عدد 29، مركز الإنماء القومي، كانون الأول 1983 / كانون الثاني 1984م.

(17) جورج جقمان وآخرون، حول الخيار الديمقراطي ـ دراسات نقدية، ص 121، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت 1994م.

(18) مالك بن نبي، ميلاد مجتمع - شبكة العلاقات الاجتماعية، ص 100 ـ دار الفكر، الطبعة الثالثة، دمشق 1986م.

(19) حول الخيار الديمقراطي، مصدر سابق، ص 114.

 

المدخل: لا يختلف اثنان على أن الأديان منذ عصور النشأة تسهم في تكوين التاريخ البشري وتصوغه على وفق معاييرها ومقاساتها، وتنطبع حركة الانسان بالموجهات الدينية فتصطبغ الافعال الانسانية بمضمون الاوامر، وتختفي الظواهر التي جعلتها الاديان في دائرة التروك فالدين والتاريخ حقيقتان متلازمتان من جهة صيرورة التاريخ وكونه الحاضن للتفكير الديني على طول الأزمان وإن تأثير الدين على التاريخ حقيقة لا يعتريها الشك، فهي ناتج استقراء تام لاحدى حقائق الوجود الاساسية لكن الاشكالية في تأثير التاريخ على الحقائق الدينية وتسرب قضايا تاريخية لكي تصبح عقيدة دينية.وهذا هو محل الخلاف في هل للتاريخ تأثير على الدين؟ بحيث تتسلل بعض مقولاته ووقائعه لتكون جزءاً من منظومة الدين، ويضيف عليها القداسة التي يتمتع بها الدين نفسه لتكون جزءاً من منظومة العقائد والقوانين الدينية.

عن هذه الاشكالية يتركز هذا البحث وازاءها ينقسم الباحثون إلى اتجاهات وآراء:

فمنهم من لا يرى ذلك الاندماج من حيث الافتراض ذلك لأن الأديان السماوية من عند الله والتاريخ من صنع البشر، لكنه يُقّر بإن الواقع والفكر الديني يتداخلان، فالوقائع التاريخية تداخلت مع القضايا الدينية وحسب هذا الافتراض فإن بعض الوقائع حينما تتحول الى جزء من المضمون الديني فإن ذلك يعني أن ما هو من صنع الإنسان اندمج مع التصورات الدينية

- ترى مجموعة اخرى أن الجانب التطبيقي للنص الديني (التجربة البشرية) وإن عكست المضمون الديني إلا أنها تبقى جزءاً من التاريخ لذلك تعامل على أنها نزعة بشرية موجودة في التطبيقات من دون أن تتحول إلى قضايا دينية ولعل هذه الإشكالية ليست حصراً في التجربة الدينية الاسلامية إنما كانت ملازمة لأغلب التجارب الدينية(1) فقد وجد بعض الباحثين في الفكر التلمودي محاولة الغاء الفروق بين تاريخ الجماعات اليهودية كسلوك جمعي وبين الدين اليهودي، وعليه فان الأعراف الدينية اليهودية تصر على أن تاريخ اليهود كله مقدس لأنه – على تعبيرهم –ليس من صنع الانسان انما تعبير عن ارادة الله الكامنة في القدرات البشرية، ولأن اسرائيل المصطفى من (الرب) يتدخل في صنع التاريخ لصالح شعبه المختار وإن ملوك اليهود هم نواب الله في الارض(2).ناهيك عن ان فكرة الحلول تفضي الى زوال الثنائية بين الخالق والمخلوق وهنا يتداخل المطلق مع النسبي، فيتداخل الثابت من النصوص الدينية مع المتغير التاريخي بحيث يظهر ذلك بصورة اندماج بين الفعل الإلهي المقدس، واحداث التاريخ الانساني.ويجد المتابعون فكرة تذكر في الأدب العبري وهي ان ما حل باليهود كما يوردها الفكر التلمودي عقوبة على ما ارتكبوا من الإثم، وهذا يعني ان التاريخ يصنعه الله وما يصنعه الله يكتسب القداسة(3) فالهزائم الحربية عند أحبار اليهود تحمل مغزىً دينياً ولها تأويل لاهوتي(4)، من ذلك صار مفهوماً أن قداسة الشعب اليهودي ليس بسبب (الإله) الذي (اجتباهم) كما تورده النصوص التوراتية فقط إنما في حقيقة الأمر بسبب تقديسهم للتأريخ الذي اعتبروه من فعل الله،وكما يقدّس (المتدينون) في كل الأديان العصور الاولى لتجربتهم الدينية ويعتبرونها العصور المؤسسة لمعيارية الصحة، تجدهم يفترضون (نهاية خلاصية وحتمية) لمجريات الأحداث تعيد (الرؤية الدينية الاولى إلى واقع الحياة) في يومها الأخير ضمن قوانين الحتمية المطلقة التي تدخل ضمن البلاغات الدينية، من دون أن يكون للفعل الانساني دور في هذه النهاية ومثال ذلك (الاستكالوجيا) في الفكر المسيحي أو فكرة الماشيح في الفكر اليهودي، فهي نهاية فردوسية تتحقق بتدخل الاله في نهاية التاريخ وهذا التدخل يلغي التاريخ البشري وما حققه النشاط الانساني(5).

وفي المسيحية ايضاً تجد مضامين تاريخية كثيرة مرتبطة بالدين، بحيث تحولت تلك الوقائع الى دراما دينية ففي فصولها الاولى سقوط آدم في الخطيئة وتلحظ واضحا دخول الله في صناعة التاريخ في اسفار الانجيل وشروحاته

لقد ظهر القديس اوغسطين (354م) بوصفه واحداً من ابرز مفكري المسيحية الذي رفض فكرة التعاقب الدوري في التاريخ، فلجأ إلى تقسيم التاريخ الى سبع حقب، تبدأ بآدم ثم ابراهيم ثم داود، ثم عصور الأسر اليهودي، وولادة عيسى وعصره، ثم عصر (القيامة الثانية للمسيح) ونهاية التاريخ التي يصنعها الإله. وبذلك يفصل اوغسطين بين المدنية الالهية، والمدنية الارضية (الحضارات) لكن جديده انه يقر بانهما خطان متوازيان يسيران لهدف واحد(6). ان هذا التمازج بين التاريخ والدين في الأديان الكبرى يؤدي الى القول بأن منطق الفكر الديني بعامة منطقاً واحداً، وهو ما يتحقق في عموم التجربة الدينية على الرغم من أن الحقيقة الجوهرية تؤكد ان النص الديني ثابت ومعزول عما هو تاريخ.

ومثل ما وجدنا في اليهودية والمسيحية فان المفكرين المسلمين تعاملوا مع التاريخ ايضاً ضمن خط سير يبدأ من بدء الخليقة (آدم) مروراً بالامم السابقة والانبياء ومعجزاتهم الى الدولة الالهية العادلة (دولة المنقذ الالهي)، لكن المسلمين ينفردون بان التاريخ – من منظور قرآني – يخضع للسنن الكونية الثابتة(7) أي انه ناتج صيرورة لقوانين فاعلة وثابتة. وبهذه السنن يمكن القول إن الاسلام يمنح الانسان دوراً مهماً في حركة التاريخ طالما بذل جهداً في إطار تلك القوانين لقوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم....) (8) ونجد في ثنايا النص الديني عشرات الشواهد التي تقرر ضرورة الاعتبار بمآلات الامم السابقة ودراسة تاريخها بوصفها أفعال انسانية وصلت إلى خواتيمها ولكن طبقاً للقانون الكوني، ونجد في القرآن الكريم رؤية للزمن الممتد إلى نهاية التاريخ بالخاتمية الدينية ومفهوم الهيمنة القرآنية على النصوص الدينية السابقة ومقولة نسخ الأديان بالاسلام، مع ملاحظة ان التاريخ الديني السالف قد ذكره القرآن للاعتبار به والتأسي وليس للاعتقاد بتكراره، وإنه أوكل للانسان صنع مدنياته المتعددة تحت المفهوم القرآني للاستخلاف وأتاح للعقل البشري أن يشرّع لمنطقة الفراغ ويملأ ما سكت عنه النص من خلال الممارسة العقلانية.

التقارب التاريخي مع النصوص التأسيسية للدين:

اختار جمع من الباحثين الحديث عن تاريخ النزول القرآني فقسموه (زمنياً) إلى ما نزل قبل الهجرة وما نزل بعدها وقد سميّ فيما بعد المكي والمدني، ولوحظ في النزول القرآني ايضاً عبارة عن ارتباط النص بالوقائع والافعال التاريخية التي سميت أسباب النزول، وهي تعني أحداثاً محددةً موجودةً فعلاً نزل النص الديني بما يجعل لها حكماً ووصفاً دينياً، فالعلاقة بين النص الديني والتاريخ علاقة مسببة وتوصيفية غير اندماجية كما أن افعال النبي الأكرم واعماله الادارية والسياسية انما صارت نصوصاً دينية فلأن القرآن أعطاها صفة العصمة وعدم احتمال صدور الخطأ والسهو عنه فكان حكمها حكم النص القرآني وإن كانت من حيث الصدور ذات سمة بشرية، ومن ذلك بناء أول مدينة في تاريخ العرب وإنشاء مجتمع المدينة المحاط بدستور المدينة المنورة (9).بحيث تعد تلك التجربة محاولة تأسيسية لإقامة الدولة المثلى أو النموذج المثالي الذي يعلو على كل النماذج اللاحقة، وعند تعريف السنّة المطهرة: نرى أن كتب علم الاصول تذكر ان أفعاله أما جبلية فلا تجب المتابعة وأما خاصة فهي له وأما بيان للشرع كالحج والصلاة (10) لأن أفعال النبي الأكرم (ص) وتصرفاته وإن كانت فعلاً إنسانياً فإنها تعد فعلاً دينياً فأفعاله إمضاءٌ أو إقرار على صحة سواء على جوازه وأحياناً على وجوبه على الناس مثل أفعال الحج وأفعال الصلاة وتفاصيل العبادات الأخرى وغيرها، أما مواقفه العملية فإن أهل العلم اختلفوا في ثباتها على أقوال:

الأول: إنها أفعال إلهية لا يمكن اعتبارها متغيرة زمنياً، والثاني فرّق بين الفعل النبوي المراد به التدبير والسياسة وبين أفعاله المراد بها ايصال الأوامر الإلهية الثابتة للناس عن طريق أفعاله،

وعليه فإنه يجب الاقتداء به في هذه البلاغات النبوية عن الله، والاستئناس بأفعاله وسياساته التدبرية(11).

وهناك فريق ثالث يخلص إلى ان الاصل في كل أفعاله انها تبليغ إلا ما قام الدليل على أنه تدبير زمني، بينما يرى فريق رابع أن طبيعة الواقعة ونمط فعله أو قوله (ص) حول الواقعة هو الذي يحددها من جهة الثبوت والتغير، فإذا كانت الواقعة ثابتة ودائمة فهي تبليغية، أو حكمها ثابت بثبات موضوعها – دون أن يتغير – وإذا كانت (زمنية) فالأصل ان الحكم يتغير بتغير الموضوع، وعلى كل حال فإن التجربة العملية للنبي الأكرم (ص) على الرغم من أنها تاريخ فالحكم عليها من حيث كونها تتحول الى دين لكنه مرتبط بمعايير الثبات والتغيّر، فالمتغيّر لا يعد ديناً أو تبليغاً إلهياً ثابتاً، إنما يعد اجتهاداً صائباً ومسدداً من الله تعالى لكنه صالح لزمن ما، ولا يفرض على الأزمان الأخرى، وللأزمان الاخرى أحكامها طبقاً لطبيعة الموضوع المتغير جوهرياً أو المتغيرة بعض سماته كما انه طبقاً للقواعد الكلية عامة.

التداخل بين التأريخ والدين في فهم القرآن الكريم:

في النظر في آيات الكتاب المجيد نجد مجموعة من الآيات التي تشرّع الأحكام لها معطيات زمنية تاريخية قد انقسم الناس فيها إلى ثلاثة أقوال:

أ/ ما يرى أن النص والتفسير والتموضع الزماني والمكاني والممارسة التاريخية كل ذلك دين يتعبد به، ويعد من المقدسات غير القابلة لاعادة النظر او المراجعة بناءً على معطيات التطورات الاجتماعية والمدنية وهؤلاء هم أغلب المفسرين والفقهاء.

ب/ ويرى آخرون: إن هذه النصوص تحمل في ثناياها حقائق قانونية جوهرية يمكن أن تطبق كجوهر (كمعايير أساسية) على كل الأزمان والأحوال كل بحسبه تطبيقاً كلياً لا تفصيلياً بما لا يتصادم مع الحركة الطبيعية لتطور الإنسان ولا يحصل الاعتناء بما التصق بالنص من قضايا زمنية.

ج/ من يعتبر النص والمفهوم الفكري من النص كله تاريخ زمني متغير ومنحصر في الماضي وعليه يلزم التعامل معه على أنه (تراث تاريخي)، يمكن أن تتم الاستفادة منه كسوابق تطبيقية للنص ويعتمد.بعد اجتيازه عتبة المنطق المعاصر

وكمثال على ذلك: موضوع غنائم الحرب الذي ورد في القرآن الكريم حكمها (اعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه....) (12)، فهذه الآية تاولها المفسرون الشيعة على انها تشمل (مطلق الكسب المالي) سواء بالسلم أو الحرب وركزت اغلب تفاسير السنة على أنها فقط في غنائم الحرب، وفي هذا الصدد نرى ان الآية في مقام بيان حق الدولة في الغنائم، وليست في مقام بيان حقوق الأفراد فهي تشرّع واجباً للدولة، ولا تتحدث عن حقيقة واقعية وهي امتلاك المرء لنواتج عمله، لأن هذا من البديهيات إلا أن صرفها – لغنائم الحرب – عند مفسري المدارس الاسلامية الأخرى من غير الإمامية، جعلهم يفكرون في التقسيم الحسابي للمتبقي من الغنائم فجعلوا خمسها لمن حددتهم الآية، واربعة أخماسها للمقاتلين لأنهم السبب المباشر في تحصيلها.

وقد كان واقع الحال آنذاك ان المجاهد الذي يلتحق بالجيوش المدافعة عن الكيان الاسلامي كان يتحمل– وحده – تجهيز نفسه بالدرع والسلاح والزاد والمؤونة له ولعيالهِ، وليس له إلا العطاء العام الذي تعطيه الدولة للناس كافة حاله حال القاعدين، لذلك اعتبرت الغنائم حقاً له فجعل له اربعة أخماسها، زيادة على أن العرب عند بدء التجربة الاسلامية كانوا اُمة تمارس الغزو ضد بعضهم وكانت الغنائم حافزاً من حوافز ذلك القتال، لذلك فإن تفسير الآية المزدوج (الكشف عن حق الدولة والكشف عن حقوق الغانمين) مرده أمران التأثر بالوضع التاريخي والاجتماعي لتلك الأجيال، والاستجابة للوضع التنظيمي لسرايا الجهاد آنذاك، بيد أن هذا الفهم قد تحول إلى فقه أو قانون شرعي اكتسب الصفة الدينية، والتزمت به الدولة والناس وامتلأت به كتب الجهاد والمغازي والسير والاحكام السلطانية، حتى عاد التفكير بمراجعته واعادة النظر فيه مسالة تحتاج الى شجاعة كبيرة وموجبة لمواجهات حادة، لأنه خروج عن مألوف صار مستقراً في أذهان الناس لأكثر من ألف عام بحيث تحول إلى (حقائق دينية ثابتة)، ولأجل التوثيق فقد أسندوها إلى إجماع الفقهاء ليكتسب سمة دينية.

ومن ذلك: ما تتفق عليه أغلب كتب السير من أن العالم يقسم إلى دارين دار الاسلام ودار الحرب، وقد ظهر بعد فترة تقسيم جديد ثلاثي سمي فيه (دار العهد) كأنه حالة وسطى بين الدارين ويترتب على كلٍ منها مجموعة من الآثار والأحكام والتداعيات بعضها تداعيات مهمة وعلى درجة من الخطورة داخلياً واقليمياً وعالمياً، بيد أنه الاساس لهذا الرأي هو (انصياع الفقهاء) للسائد التاريخي آنذاك، إذ أن العالم في عصر الفقهاء الأوائل (القرنين الثاني والثالث الهجريين) كان مقسماً على أساس ديني، وليس على أسس قومية أو كتل اقتصادية أو أساس جغرافي.. كما هو حال الدول اليوم، فهل تقسيم العالم إلى دار الحرب ودار الكفر أو دار الاسلام هو أصل ديني أو هو حقيقة إجتماعية تاريخية أمضاها الفقهاء فتحولت إلى (رؤية دينية)، ومثل ذلك موضوع السبي والاسترقاق، بسبب الأسر في الحروب.وغيره الكثير

وهذه أمثلة من التطبيقات الفقهية التي عرّفها التراث بانها جزء من تطبيقات القرآن الكريم، والحق: إن الآيات التي تستند عليها هذه التطبيقات ليست نصاً في هذه الممارسات، وقد تقدم القول في آية الغنيمة، من جهة اخرى أجد انتقالات تاريخية إلى حيز الدين لم أظفر بنص ديني فيها مثل تقسيم العالم إلى الدارين، كما انني لا أجد النص المستند اليه في الاسترقاق نصاً قاطعاً في مشروعيته فقوله تعالى (فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى اذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق فاما من بعد واما فداء، حتى تضع الحرب اوزارها) (13) لا يفيد أكثر من الحث على القتال مع المعتدين فإذا وقع بيدكم أسرى بدلالة (الوثاق) فأما أن تطلقوا سراحهم أو تفادوهم بأمثالهم.

ويلاحظ الرازي ان الحصر لا يجوّز القتل ولا الاسترقاق انما يصرح بالمن والفداء، ولا يرى صحة الاستدلال بان ذكر العام جائز في سائر الأجناس، ويجد نفسه مضطراً للاشارة إلى أن النص قدم المَن على الغداء(14).

لكننا نجد ان عموم الفقهاء قد وضعوا مدونات في أحكام الاسير الذي يسترقه (الفاتحون) ويجعلونه عبداً إذا كان من الرجال، أما النساء والصبيان فهم ذرارى وسبي يتملكهم الغانمون ملكاً مطلقاً ويتصرفون بهم كأنهم مال، وبالتتبع ربما نجد ان هذه الاحكام (الفقهية) هي استجابة للوضع التاريخي السائد آنذاك، بل هي جزء من مبدأ المعاملة بالمثل الذي كان الوضع فيه آنذاك يقتضي إجراء الامور بحسب الأعراف.

يقول السرخسي في المسيوط (ان ابا بكر هو أول من سبى النساء والذرارى من بني حنيفة) (15) ثم يقول فاذا جاز ذلك في المرتدين كان في المشركين أولى.ويقول الشافعي (واذا سبيّ الرجال والنساء والولدان، ثم اخرجوا الى ديار الاسلام فلا بأس ببيع الرجال من أهل الحرب وأهل الصلح والمسلمين) (16). وهكذا نجد ان الاسترقاق بالأسر تحول من معطيات تاريخية إلى قضايا فقهية ذات طبيعة دينية.

ومن الأمثلة على المستوى الفقهي نجد إن أحكام التداول السلعي وشروط صحة البيع نجد نهي الرسول الأكرم عن ربا البيع التفاضلي في الأصناف الستة (الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والزبيب) مما اضطر بعض الفقهاء الى توسيع هذا النطاق باستخدام القياس إلى ما يناظره من حيث الخصائص الذاتية (للسلع) وليس من حيث حاجة الناس لتلك السلع حتى يرد النص بالتبادل المتماثل بالكم فالوقوف عند هذه السلع معناه تحول التاريخ الى دين ثابت.

إن كل الأمثلة مما تقدم هي في الفقه ويمكننا أن نجد الوقائع التاريخية التي تسللت إلى نطاق الدين في مضمار العقائد واضحة فعندما نقف على مقالات الاسلاميين للأشعري فإننا نراه (يقول: اختلف المسلمون عشرة أصناف) وبعد أن عدّد تلك الأصناف وجعل يعدد مقالات كل صنف(17)، ونجده يذكر أن حركة الخوارج عبارة عن (تمرد بتأويل) على السلطة الشرعية، وقد تحول ذلك التأويل ذات المرجعية التاريخية والغطاء النصي إلى دين عند الخوارج اقتضى قتل(مرتكب الكبيرة) لأنهم اعتبروه كافراً، إذ كانوا يرون ان دار مرتكب الكبائر دار كفر (اي مخالفيهم) (18)، فيجوز فتحها وتدميرها.واذا كانت محنة ابن حنبل مع المعتصم العباسي قد أعطت لابن حنبل مكانة كبيرة في نفوس الناس البسطاء إذ اعتبروه المتمسك بالسنة والتدين الصحيح المنطبق على ما كان عليه السلف فإنهم قد تحولوا به من رجل صاحب رواية للحديث إلى رمز أنتج مجموعة مفاهيم عقائدية، ومع تغيّر الأحوال عندما تولى المتوكل فقد أعطاه واصحابه حق اعادة تشكيل الرؤية الفكرية وكانت اللحظة التي ظهر فيها الترادف المقصود أي التساوي بين (اصحاب الحديث وأهل السنة) بحيث ظهر لأول مرة مصطلح أهل السنة وهذا المصطلح لم يكن قبل عصر ابن حنبل، وهم تاريخياً يرون ان (طبقة السلف) هم اصحاب الفضائل وهم الرعيل الاول المميزون برضا الله، وقد اضطرتهم وقائع التاريخ الذي سجل نزاعاتهم أن يقرروا ضرورة الامساك عما شجر بين الصحابة ثم يسلسلون بعض الصحابة بالأفضلية بحسب توليهم الخلافة، وقد تبنى أهل الحديث تاريخياً الصلاة بالعيد والجماعة مع كل إمام بر أو فاجر. وكانوا يرون وجوب الدعاء للسلاطين بالصلاح ولا يخرجون عليهم بالسيف فكل تلك المواقف عبارة عن معطيات تاريخية، بسبب قوة الدولة، لكنها تحولت فقهيا إلى عقائد دينية.

وتعد واقعة السقيفة (تاريخياً) واقعة ذات وجوه الأول كونها المبرر لمشروع التفضيل المستند على اختيار قادة مراكز القوى للخلفاء وبذلك يتحولون إلى رموز دينية ويتحول سلوكهم وقراراتهم إلى مستند ديني، والثاني انها عند الشيعة تعني الركون الى ارادة الناس المضادة لإرادة الله على أساس ان تنصيب الإمام علي (ع) كان بأمر الله ونصه عليه، وهنا تقاطع التاريخ مع النص فكانت الغلبة للأساس التاريخي الذي سرعان ما تحول إلى دين من خلال حصانة الصحابة، والسكوت عما أخطأوا فيه، وعدم الولوغ في شجاراتهم وتفضيلهم والدعوة إلى عدالتهم جميعاً عدالة مطلقة.ويلاحظ ان اغلب معتقدات الصوفية التي اتخذت من بعض النصوص القرآنية والنبوية غطاءً لها كانت ثقافات مجتمعية(19) وانعكاسات تاريخية وهكذا نجد في جوانب العقائد والقيم العامة والفقه ما تسلل من التاريخ إلى حيز الدين فأصبح ديناً يتعبد به الناس.

جدلية القضايا السياسية والاجتماعية المعاصرة:

لطالما يردد الاخوة المتدينون مقولات واراء ووجهات نظر عن النبي الاكرم ص والائمة ع واتباعهم في تشكيل مواقفهم إزاء المشكلات العامة التي تتكرر بشكل متفاوت عبر الازمان، ويهملون المتغيرات الظرفية بكل أنواعها تلك التي أضحت غير عابرة لفجوة كبيرة بين ازمان العهد الرسالي الأول وما اعقبه لغايه أوائل القرن الرابع الهجري وبين ازماننا التي تغيرت فيها العلاقة بين الانسان والانسان وبينه وبين الأشبينه وبين المخترعات التكنولوجية التي أسهمت في تغير (نمط التفاعلات الاجتماعية ووفي صيرورة تحديد الوجهة والغايات ولعل هذا النوع من القياس على عصر النبي والمعصومين بوصفة (معيارا) لصحة ما بعده من مواقف يشتمل على فارق في القياس وفيه مجموعة إشكاليات منها:

ان العالم حينما يتغير تتغير موازينه ومعاييره واعرافه وتقاليده وبديهياته، و انا هنا لا اميل الى فكره القطيعة او التغير السلوكي التام والكامل، فان كبريات المفاهيم والثوابت تبقى وان كانت قليله تلك التي لا تتغير تماما بل ربما تتغير مصادقيها، كتغير مصاديق العملة من الدينار الذهبي والدرهم الفضي الى العملة الورقية اوخطابات الضمان المصرفية وعليه سيعاد النظر في احكام النقد فتبقى ضمن مخطط الالتزامات في القروض والتعاملات فنجد ان اهمال المتغير يؤدي الى ان الذهن التقليدي يقيس على (ما لا يقع في ذات النطاق كلا او بعضا) لذل ينبغي ان ندرك ان طبيعة العمل السياسي حاليا تختلف كثيرا عما كانت علية في العصور المذكورة أعلاه، وعلية فان التكتلات السياسية الإسلامية يلزمها مراجعة ذلك بأناة وصبر ودقة.

وكمثال فقط يستدل الاخوة على مقولة الامام علي (ع) الناس صنفان ويعدونها مستندا (للدول المدنية) وهذا استدلال قياسي ولكن على جزء من العلة، فنموذج الدولة المدنية يعني في احسن احواله ان يرسم للدين والتدين والشريعة مجالا محددا يتحرك فيه و لرجال الدين مهمات محددة لا يتجاوزونها ويحدد ان المشرع هو الشعب (بممثلية) وانه المراقب على الحكومة هم ومن يزكيهم ممثلو الشعب، في حين ان تلك الأمور محل نظر ونقاش وجدل ساخن مع دعاة المدنية ان هذه الرؤية التي ترى تباين الوقائع بين ازمان المعصومين (ع) وازماننا تحتاج الى تأصيل منهجي، يصلح دليلا على صوابها

يرى الشيخ محمد مهدي شمس الدين: ان من موارد الخلل في الاستنباط والقياس والاستدلال على احكام الوقائع الحاضرة، ارتكاز الفقهاء بان النص التشريعي (الروائي) هو نص مطلق من جميع جهاته، والحال ان كثيرا من النصوص الروائية هي نصوص حكمت واقعة، ويكون بعضها تدبيري لأوضاع ذلك الزمان

وان المطلق من النصوص القرآنية (اطلاقا تاما زمانيا فيه مرونة النظر الى تبدل الأحوال، اما في السنه الشريفة فلا نلزم بإطلاقها دائما لان فيها مدى زمني محدود وعليه لا بد من إعادة النظر فيما يعتبره الفقهاء انها اطلاقيه لان فيها الكثير مما يتصل بالتدابير لوصف الرسول او الامام بانه المرشد العام والحاكم المسؤول عن ادارة ذلك المجتمع وتنظيم شؤونه، فليس كل ما ورد في النصوص احكام ابدية وهذا واضح في نطاق النصوص وهي اجلى دلالة من الممارسة العملية الاجمالية، اذ ان السنه القولية اعلى رتبة من السنه الفعلية

وذهب الشيخ شمس الدين الى ان في الشريعة مبادئ عامه وثوابت وكليات، وهي أسس دستورية ثابتة، لذلك تقبل من المستحدثات فقط ما لا يتنافى مع تلك المبادئ دون الحاجة لإيجاد الدليل على المشروعية لان الراجح ان الأصل الاباحة، وان التحريم يحتاج الى دليل تفصيلي.

وبذلك تتسع مرونة التشريع بقبول المفيد والصالح من المستجدات دون ان تقيد ذلك القبول بالحاجة الى دليل نصي على المشروعية، وتحفز على الحركة الإيجابية في خضم تطور المجتمعات البشرية والتعامل مع العالم بمادياته وامكانياته وتحولاته دون أي خطوة باتجاه التقدم الحضاري (1) ما دامت لا تتنافى مع القيم والاسس العامة للعقيدة والشريعة

ويستدل الشيخ شمس الدين

1- بان المسلمين الأوائل تمكنوا من تطوير نطاق الاشتغال على وفق الشريعة ونقلوها من نطاق البداوة الاجتماعي الى مستوى مدنية البلدان المفتوحة ولم ينتابها القلق بأخذ الصالح من حضارة الفرس والروم ولم يشعروا انهم خالفوا شرع الله وان كانوا قد (اسلموا) تلك التدبيرات التي اخذوها من حضارات عصرهم ويستدل الشيخ شمس الدين بان واحدا من المبادئ الكبرى المبدأ القاضي بمراعات الحياة

2- ان المخرج من مبدأ شمول الشريعة يوجد في فقه العناوين الثانوية التي تتغلب على مقتضى العناوين الأولية والتي تقارب الى حد ما مبدأ الاستحسان، لانها تنظر للواقعات الطارئه والمستجده (1)

3- كشف السيد الصدر الأول عن مبدأ الفراغ التشريعي والمناطق التي يعمل بها. كوسيلة للتعاطي مع العالم الجديد ومخترعات الانسان

4- ان الاستنباط في مجال العبادات يستنبط من نصوص مطلقة وعامة في الزمان والاحوال فليس هناك مسوغ لرفع اليد عن اطلاق النص الا بمقيد (لفضي او لبى)

5- ان نصوص السنه النبوية والروايات عن المعصومين في مقاصدها تؤسس لتشريعات حياة متحركة متغيرة ذات بوصلة متجهة للتقدم واسعاد الانسان، فهي ليست صيغه ثابته لا تغير فيها ولا تبديل، ومما ليس للاجتهاد مجال فيها، فالمعاملات تشريعات لحياة تستوعب التقديم لا سيما في الحياة التنظيمية للمجتمع)

6- هناك في خفايا الاستنباط مبدا الغاء الخصوصية الظرفية للنص، وهو مبدا لا غبار عليه

7- ان نسبية فهم النص التدبيري هي نسبية الظرف الخاص الى عموم (الزمان المتحرك والمتغير) وعموم الأمكنة الجغرافية وال وينطبق هذا التوصيف المبرهن على الفقه السياسي وفقه المرأة وفقه الخمس والزكاة النقدين والجهاد الابتدائي كامثله لتنظيم الشيخ شمس الدين (1)

متغيرات التكنولوجية فالنص التدبيري خاص بالواقعة والحالات المشابهة والمماثلة لحالته فحتى لو وصل النص الينا مطلقا ومجردا من الخصوصيات فالحكم بأطلاقه يعوزه (زياده التأمل والمقارنة النسبية ولا تكفي حجة (التعبد الشرعي بالنصوص) لأنها غير معلومة الثبوت.

الفارق التاريخي في الممارسة السياسية والاجتماعية المعاصرة:

لطالما يردد الاخوة المتدينون مقولات واراء ووجهات نظر عن النبي الاكرم ص والائمة ع واتباعهم في تشكيل مواقفهم إزاء المشكلات العامة التي تتكرر بشكل متفاوت عبر الازمان، ويهملون المتغيرات الظرفية بكل أنواعها تلك التي أضحت غير عابرة لفجوة كبيرة بين ازمان العهد الرسالي الأول وما اعقبه لغايه أوائل القرن الرابع الهجري وبين ازماننا التي تغيرت فيها العلاقة بين الانسان والانسان وبينه وبين الأشياء، وبينه وبين المخترعات التكنولوجية التي أسهمت في تغير (نمط التفاعلات الاجتماعية ووفي صيرورة تحديد الوجهة والغايات ولعل هذا النوع من القياس على عصر النبي والمعصومين بوصفة (معيارا) لصحة ما بعده من مواقف يشتمل على فارق في القياس وفيه مجموعة إشكاليات منها:

1- ان العالم حينما يتغير تتغير موازينه ومعاييره واعرافه وتقاليده وبديهياته، و انا هنا لا اميل الى فكره القطيعة او التغير السلوكي التام والكامل، فان كبريات المفاهيم والثوابت تبقى وان كانت قليله تلك التي لا تتغير تماما بل ربما تتغير مصادقيها، كتغير مصاديق العملة من الدينار الذهبي والدرهم الفضي الى العملة الورقية اوخطابات الضمان المصرفية وعليه سيعاد النظر في احكام النقد فتبقى ضمن مخطط الالتزامات في القروض والتعاملات فنجد ان اهمال المتغير يؤدي الى ان الذهن التقليدي يقيس على (ما لا يقع في ذات النطاق كلا او بعضا) لذل ينبغي ان ندرك ان طبيعة العمل السياسي حاليا تختلف كثيرا عما كانت علية في العصور المذكورة أعلاه، وعلية فان التكتلات السياسية الإسلامية يلزمها مراجعة ذلك بأناة وصبر ودقة.

وكمثال فقط يستدل الاخوة على مقولة الامام علي (ع) الناس صنفان ويعدونها مستندا (للدول المدنية) وهذا استدلال قياسي ولكن على جزء من العلة، فنموذج الدولة المدنية يعني في احسن احواله ان يرسم للدين والتدين والشريعة مجالا محددا يتحرك فيه و لرجال الدين مهمات محددة لا يتجاوزونها ويحدد ان المشرع هو الشعب (بممثلية) وانه المراقب على الحكومة هم ومن يزكيهم ممثلو الشعب، في حين ان تلك الأمور محل نظر ونقاش وجدل ساخن مع دعاة المدنية ان هذه الرؤية التي ترى تباين الوقائع بين ازمان المعصومين (ع) وازماننا تحتاج الى تأصيل منهجي، يصلح دليلا على صوابها

يرى الشيخ محمد مهدي شمس الدين: ان من موارد الخلل في الاستنباط والقياس والاستدلال على احكام الوقائع الحاضرة، ارتكاز الفقهاء بان النص التشريعي (الروائي) هو نص مطلق من جميع جهاته، والحال ان كثيرا من النصوص الروائية هي نصوص حكمت واقعة، ويكون بعضها تدبيري لأوضاع ذلك الزمان

وان المطلق من النصوص القرآنية (اطلاقا تاما زمانيا فيه مرونة النظر الى تبدل الأحوال، اما في السنه الشريفة فلا نلزم بإطلاقها دائما لان فيها مدى زمني محدود وعليه لا بد من إعادة النظر فيما يعتبره الفقهاء انها اطلاقيه لان فيها الكثير مما يتصل بالتدابير لوصف الرسول او الامام بانه المرشد العام والحاكم المسؤول عن ادارة ذلك المجتمع وتنظيم شؤونه، فليس كل ما ورد في النصوص احكام ابدية وهذا واضح في نطاق النصوص وهي اجلى دلالة من الممارسة العملية الاجمالية، اذ ان السنه القولية اعلى رتبة من السنه الفعلية

وذهب الشيخ شمس الدين الى ان في الشريعة مبادئ عامه وثوابت وكليات، وهي أسس دستورية ثابتة، لذلك تقبل من المستحدثات فقط ما لا يتنافى مع تلك المبادئ دون الحاجة لإيجاد الدليل على المشروعية لان الراجح ان الأصل الاباحة، وان التحريم يحتاج الى دليل تفصيلي.

وبذلك تتسع مرونة التشريع بقبول المفيد والصالح من المستجدات دون ان تقيد ذلك القبول بالحاجة الى دليل نصي على المشروعية، وتحفز على الحركة الإيجابية في خضم تطور المجتمعات البشرية والتعامل مع العالم بمادياته وامكانياته وتحولاته دون أي خطوة باتجاه التقدم الحضاري (20) ما دامت لا تتنافى مع القيم والاسس العامة للعقيدة والشريعة

ويستدل الشيخ شمس الدين

1- بان المسلمين الأوائل تمكنوا من تطوير نطاق الاشتغال على وفق الشريعة ونقلوها من نطاق البداوة الاجتماعي الى مستوى مدنية البلدان المفتوحة ولم ينتابها القلق بأخذ الصالح من حضارة الفرس والروم ولم يشعروا انهم خالفوا شرع الله وان كانوا قد (اسلموا) تلك التدبيرات التي اخذوها من حضارات عصرهم ويستدل الشيخ شمس الدين بان واحدا من المبادئ الكبرى المبدأ القاضي بمراعات الحياة

2- ان المخرج من مبدأ شمول الشريعة يوجد في فقه العناوين الثانوية التي تتغلب على مقتضى العناوين الأولية والتي تقارب الى حد ما مبدأ الاستحسان، لانها تنظر للواقعات الطارئه والمستجدة (21)

3- كشف السيد الصدر الأول عن مبدأ الفراغ التشريعي والمناطق التي يعمل بها كوسيلة للتعاطي مع العالم الجديد ومخترعات الانسان

4- ان الاستنباط في مجال العبادات يستنبط من نصوص مطلقة وعامة في الزمان والاحوال فليس هناك مسوغ لرفع اليد عن اطلاق النص الا بمقيد (لفظي او لبى)

5- ان نصوص السنه النبوية والروايات عن المعصومين في مقاصدها تؤسس لتشريعات حياة متحركة متغيرة ذات بوصلة متجهة للتقدم واسعاد الانسان، فهي ليست صيغه ثابته لا تغير فيها ولا تبديل، ومما ليس للاجتهاد مجال فيها، فالمعاملات تشريعات لحياة تستوعب التقديم لا سيما في الحياة التنظيمية للمجتمع)

6- هناك في خفايا الاستنباط مبدا الغاء الخصوصية الظرفية للنص، وهو مبدا لا غبار عليه

7- ان نسبية فهم النص التدبيري هي نسبية الظرف الخاص الى عموم (الزمان المتحرك والمتغير) وعموم الأمكنة الجغرافية والمتغيرات التكنولوجية فالنص التدبيري خاص بالواقعة والحالات المشابهة والمماثلة لحالته فحتى لو وصل النص الينا مطلقا ومجردا من الخصوصيات فالحكم بأطلاقه يعوزه (زياده التأمل والمقارنة النسبية ولا تكفي حجة (التعبد الشرعي بالنصوص) لأنها غير معلومة الثبوت،

وينطبق هذا التوصيف المبرهن على الفقه السياسي وفقه المرأة وفقه الخمس والزكاة النقدين والجهاد الابتدائي كصور وامثله لتنظيم الشيخ شمس الدين (22)

***

أ. د. عبد الأمير كاظم زاهد

...........................

(1) ويد جيري: التاريخ وكيف يفسرونه 1/149

(2) عويس: عبد الحليم: فلسفة التاريخ /75

(3) للتفاصيل: المسيري: عبد الوهاب موسوعة اليهود ص10

(4) الشرقاوي: عفت: ادب التاريخ /117

(5) المسيري: عبد الوهاب: موسوعة اليهود 71

(6) اوغسطين، مدينة الله، ص177

(7) محمد باقر الصدر: السنن التاريخية ص11

(8) سورة الرعد /11

(9) وثيقة المدينة الدولة الحضارية ص54

(10) الآمدي 1/148

(11) السرخسي: الاصول، 3/86

(12) سورة الانفال 41

(13) سورة محمد \4

(14) الاشعري: مقالات 1/2

(15) الاشعري مقالات الاسللاميين 1/22

(16)....: نشوء الحضارة الاسلامية 1/262

(17) الرازي: مفاتيح الغيب ج5\ 49

(18) السرخسي: المبسوط 6/165

(19) الشافعي: الام 4/408

(20) الشيخ شمس الدين: الاجتهاد والتجديد ص 127

(21) مثل فضل الماء والكلا، واكل لحوم الحمر الاهلية، ظ ص 129

(22) ظ الاجتهاد والتجديد ص. 131

في الفكر الشيعي

تعد الموجة الاصولية العنيفة التي تتعاظم في مجتمعاتنا اليوم واحدة من اهم المعضلات الكبرى التي تميز القرنين الاخيرين لما تشتمل عليه من فكر متعصب يتدرع وراء الدين ويدمر المدنية والانسان باسم الدين.

وعلى وفق المنطق الغربي فقد أخذ مصطلح الاصولية مدياته الدلالية الخاصة بالثقافة الأوربية وأصبح اسما للحركات الدينية المسيحية التي تنشغل بالتأصيل المنقطع عن الحاضر الذي يقرأ تلك النصوص قراءة حرفية ثم فرضته الترجمة ووسائل الإعلام الغربية وصنّاع الموقف الثقافي على المجال التداولي العربي فصار اسماً للتيارات الإسلامية التي تأسست في نهاية القرن التاسع عشر كالأفغاني والسنوسي وغيرهم، وتنامت دلالته في القرن الماضي حتى إذا أوشك في نهايات القرن العشرين اسما لعدد من الجماعات الدينية سواء كانت مؤسسات او احزاب او منظمات او حركات اجتماعية لاسيما بعد تفكك امبراطورية الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الاولى التي تفككت ولاياتها الى دول صغيرة على وفق معاهدة سايكس بيكو وخضعت تحت الانتداب والادارة الاستعمارية وضمن تداعيات الحرب الاولى وانهيار دولة الخلافة الدينية فقد حصلت في هذا الوقت تحولات فكرية ثلاثة:

التحول الفكري الابرز

وهو التحول من الغيبوبة الحضارية في العالم الاسلامي إلى الرغبة في استعادة الدور الحضاري وقد تطلب ذلك في رايهم اعادة قراءة الاسلام من جديد فتبنوا النزعة السلفية بدعوى استرداد الهوية الحضارية والتزموا اراء أبن تيمية الحراني. (ت 726هـ) كانموذج للمواجهة الحضارية مع الغرب ولأغراض استعادة الهوية الحضارية وإعتماد فكر المواجهة لهيمنة الغرب على العقل الإسلامي فقد تحولت النزعة السلفية من مجموعة دينية لها منهجها في قراءة للنص الديني إلى حركات ذات نزعه سياسية تجسدت في أحزاب وحركات تتبنى فكرة الإسلام السياسي مثل حركة الاخوان المسلمين في مصر وحزب التحرير في فلسطين والاردن. وبسبب اصطدام الأحزاب والحركات الإسلامية مع حكومات الاقطار التي نشأت بعد سقوط الدولة العثمانية أي مع القوى غير الدينية للقمع الذي واجهته من الحكام ثم للفشل الحضاري الذي يعيشه العالم الإسلامي فقد اختار العديد منها نزعة فكرية مركبة من (قراءة سلفية للدين + نزعة أصولية في السياسة وممارسة عنفية في المواجهة ) وتبنت عدة مجموعات العنف كوسيلة من وسائل التغيير الاجتماعي الهادف نحو إيجاد مجتمع إسلامي في نظمه وسياساته وشكل دولته وعلاقاته الخارجية. وتنامى الخط الجهادي هذا بدءاً من صورته المحلية في مصر كجماعات صغيرة إلى حركة جهادية منظمة على مستوى عدة اقطار في العالم الإسلامي مثل قاعدة الجهاد ثم على مستوى العالم كما حصل في (تجربة أفغانستان) وتنظيم القاعدة العالمي وفروعه وما تطور عنه كجماعات داعش والنصرة وبقية المسميات التي تعد امتدادات مؤسسة على إحياء تراث التطرف وإعتماد العنف ومسلك النكاية وتوظيف التكفير لإدانه الاخر وتجريمه على خلفية العقيدة والراي

وهكذا صار مصطلح الأصولية المتداول في التخاطب السياسي العربي حالياً اسماً يطلق على كل الجماعات التي تعتنق إيديولوجية دينية ماضوية (نصوصاً أو تفسيرات) وتتمسك بها من دون أن يفرق هذا المصطلح بين المتشددين الذين يستعملون العنف عمن لا يستعين به او من يحرمه لانه وسيلة لتشويه الدين، واعتبرت هذه الجماعات كلها جماعات اصولية لأنها ترى إن مكامن الحقيقة النهائية والمطلقة والتامة تكمن في عقيدتها ولكن من دون تفريق في من يقف عند هذا الحد ومن يعممه على الاخر، وبين جماعات ترى أن تعميمها على الناس فرضا إلهيا لأحداث التغيير اللازم وبكل الوسائل المتاحة بما في ذلك العنف عمن لاتراه المكمن الوحيد للحقيقة ولا ترى العنف مجديا او جائزا، كذلك الحال فيمن تعتقد ان التجربة الدينية الأولى (الأص) هي الانموذج والمعيار الذي تصحح على اساسه تطورات الأجيال والأزمان اللاحقة عمن ترى شراكة الاجيال في صنع فكر التقدم ولا تفرق فيمن تعتمد في قراءة نصوصها وأدبياتها على القراءة الحرفية التي لا تقبل عليها مدخلاً نقدياً عن تلك التي تعتمد الاجتهاد لنقد المعرفة البشرية المتحصلة بغية التيقن من صدق امتدادها الزمني لان الانحصار في حدود التجربة التاريخية يفضي الى صعوبة التكيف مع الحاضر وهكذا اطلق مصطلح الاصولية الدينية على الجميع دون تفريق.

وشهدنا تطور أهداف التطرف العنيف فمن هدف مواجهة المصالح الغربية إلى إسقاط الحكومات الوطنية ومن معاداة الغرب الى معاداة الحداثة وتدمير البنى المدنية لمجتمعاتها وهدر ثروات المسلمين ومن حفظ مصالح المسلمين الى إشعال الحروب الطائفية في العالم الإسلامي بحيث شكلت خطراً بالغاً على الحياة والوجود والأمن الإنساني، فكانت مدعاة للباحثين لدراسة هذه الموجة الفكرية من حيث نشأتها وأيديولوجيتها وأسباب نموها ومستندها الديني، والتوقعات لمستقبلها في العالم الإسلامي.

وكان عدد من الدارسين على ان ذلك الخطر يكمن في التراث الفكري السني المتشدد اوالفهم السياسي السني للواقع وللدين لكنهم مختلفون في وجوده في التراث الشيعي

فماذا عن التراث الفكري الشيعي وماذا عن مكونات العقل الشيعي الراهن؟

لقد وجدت إثناء البحث والمحاورات التي جرت على هامشه قراءات متعددة لهذا الموضوع ومنها:

1- أن مجموعة من الدارسين يعتقدون أن الفكر الشيعي هو أيضاً فكر ديني وأن في اروقته جماعات دينية ذات تطلع سياسي ولديهم نزعات أصولية وعليه يعتقد هؤلاء أن كل المسلمين (سنة / شيعة) متساوون في وجود نزعات أصولية فليس من الدقة والحقيقة أتهام التراث السني والممارسة السنية لوحدها بأنها ممارسة أصولية عنفية.

2-  يقابلهم آخرون يرون أن الفكر الشيعي يخلو في أصوله النظرية المكونة له من نوازع اصولية عنفية، وأن التجربة التاريخية للشيعة من أزمان التأسيس الأولى إلى زماننا الراهن هي تجربه عقائدية مقموعة(تدافع) عن وجودها المهدد فكرياً وتاريخياً لذلك لايتصور انها ستتبنى نزعة اصولية وقيل بهذا الصدد لن الشيعة يتاح لهم ان يمارسوا سلوكا اصوليا عنيفا كونهم لم يمتلكوا فرصة للسلطة او لتكوين الجماعات الضاغطة لذلك لم تتبلور عندهم الا نزعات الدفاع عن الذات العقائدية وتبنوا الدعوة الى حرية الاعتقاد ليتخلصوا من الضغط المسلط عليهم تاريخيا.

3-  وتقر مجموعة ثالثة بأن الشيعة (مجموعة) ملتصقة بفكرهم وعقيدتهم وفقههم (فهم أصوليون) ولكنهم اصوليون نظرياً اما عملياً فلم يمارسوا احتكارا للحقيقة الدينية لوجود الاجتهاد كعنصر مهم من عناصر الكينونة الشيعية، ولم يعتمدوا عمليات العنف لفرض أنموذج الدولة الشيعية لأن اغلبهم يرون أن الأمام المهدي هو صاحب الحق الحصري في الحكم والسلطة والبشارة الإلهية وقد غاب عام 260 هج واغلبهم الى الان يمارسون مهمة الانتظار.وهي الاعداد للانضمام للامام المهدي في الطور الاخير للخلق

4-  ويفصل فريق رابع بين مؤسسات الفكر الشيعي المتعددة فيفرق بين المؤسسة الدينية الرسمية التقليدية اي (المرجعية الفقهية)، وبين الحركات السياسية الشيعية بشقيها الدعوي أو الجهادي فيرى أن النزعة الأصولية تكمن في الجماعات السياسية ذات المنحى الجهادي فقط بينما بقية المؤسسات تبقى مؤسسات عقائدية غير عنفية.

5-  ويحاول كثير من الكتاب أن يستدل بالممارسة الدفاعية القديمة والمعاصرة عند الشيعة لكي يجعلهم توأماً لأصوليات العنف السنية من دون أن يسند رايه بلائحة برهانية بيد ان كثيرا من الدارسين ترى إن هذا الراي محاولة تتعمد خلط الأوراق أو القياس على زمن اه خصوصيته وهو قياس للحاضر على خاص وهو قياس مع الفارق أو محاولة لتعميم الخطيئة على الجميع لكي يتساوى القاتل والضحية لاسيما في وضع فكري مأزوم كوضع العالم الإسلامي حالياً الذي غالبا ما تضيع في خضم ازماته الكثير من الحقائق ومن من هذه الاراء المتعددة حول صلة الشيعة بالنزعة الأصولية تدور مباحث الكتاب لان الأصولية الشيعية عبارة عن نزعة تقليدية اتباعية نظرية لم تمارس سطوة السلطة ولا سطوة الجماعات المتمردة وهي لا تماثل النزعة الأصولية السنية التاريخية لأنها نزعة متناسلة تاريخياً بدءاً من الخوارج مروراً بتيار الحنابلة وأبن تيمية والحركة الوهابية والحركات السياسية الإسلامية الحديثة وما تولد عنها من سلفيات جهادية وأصوليات العنف المعاصرة، فمن الصعب التفريق بين تراث الإسلام السني، والتراث الفكري السلفي الجهادي لهذه الجماعات ووجه الصعوبة انها جميعا تنطلق من تراث فكري مشترك.

لكن ولأجل أن لا نقع في التعميم فأننا لا نغفل المعتدلين الوسطيين من أهل السنة الذين يرون أن المشكلة ليست في التراث الديني السني او بالنصوص المعتمدة مذهبيا بقدر ما هي في فهم ذلك التراث وفهم النصوص، وهذا إلى حد ما يشكل دفاعاً مقبولا عن تراث الإسلام السني، لكنه لا يصمد كثيراً أمام ما يستند إليه (الجهاديون)من الأحاديث النبوية المروية بالصحاح والمسانيد والسنن المعتمدة والتفاسير القرآنية المقبولة عند أهل السنة التي لا يختلف في تبريرها السلوك العنفي المتشدد فهي ذات النصوص وفهمها هو الفهم التاريخي الذي تبناه التراث السني، رغم ان تلك النصوص يمكن فهمها فهما ايجابيا لكنه للشيوع يعد الفهم الايجابي غريباً عما تحمله (متون) تلك النصوص لغة ودلالة وتجربة وتطبيق، بحيث يمكن القول أن الفكر الإسلامي السني يعاني الآن من أزمة كبيرة فهو بين خيارين:

فإما ان تهدر قيمة النصوص الدينية التي يستند إليها التكفيريون، وهذا يعد هدما كاملا للتراث ومخالف تماماً لما جرى عليه العرف من تقديس الكتب الحديثية المسماة بالصحاح مطلقاً، وتبجيل مدونات القرون الأولى، أو السكوت عن أفعال التكفيريين الإجرامية المشينة وعدم الوقوف منها موقفاً حاسماً كما هو حال الكثير من المؤسسات الدينية للمسلمين الصامتين إزاء أزمة الامة ومحنة المختطفين من الوسطية، إذ لا يزال جمع من رجال الدين يتفرج على دوامة الدماء وشناعات التكفير والفوبيا المرعبة التي ترتكب باسم الإسلام ناهيك عن مراكز الإفتاء السلفية التي تدافع عن منطلقاتهم وتبرر لهم أفعالهم رغم ان اقل ما يجب إن يوصف به هؤلاء المتطرفون أنهم بغاة وقتلة وخارجون عن القيم الانسانية ودعاة للدمار.

ويشار هنا الى ان الجماعات (الجهادية) رغم انها قد تلقت مسلكها من (أهل الحديث) وهي منظومة لا ترى صحة الخروج على الحاكم الجائر في حين نرى حراكهم ضد الحكام خلافا للمبنى السلفي، ولكن لم يدن احد من علماء السلفية هذا الخروج الحاد عن اجماع انعقد عندهم في عدة ازمان لكن القدر المتيقن انهم قد تخرجوا على أشياخ زرعوا في عقولهم كراهية الإنسان وكراهية الحياة والتمدن وكراهية السلام والقيم الربانية كالتسامح والإحسان للغير والعمل الصالح.

وتتبنى هذه الدراسة الكشف عن معيارية جديدة في اكتشاف المواقف المجمع عليها او التي عليها اغلبية اهل الاعتقاد ايما اعتقاد سميناها الموقف البنيوي استخلصناها من تحليل انثروبولوجي لماهية المنظومة الفكرية وانساقها والنشأة الاولى الدينية والتاريخية والسياسية ثم مجموعة العقائد المذهبية ومنهج إنتاج المعرفة الدينية ثم فقه الجماعة (العينة)، ومواقف مؤسستهم الدينية عبر تاريخها الطويل بما يجعل من هذه العناصر منظومة متساندة بعضها لبعض ويصدق عليها مفهوم البنية الموضوعية فيعول عليها ان تكون مادة للبيانات المعرفية الاكثر وثوقا لاستخراج الموقف المجمع عليه او الاغلبي ازاء ظاهرة اجتماعية كبرى من الظواهر الحديثة او المعاصرة وتفرق الدراسة بين ما يعد محصلة البنية الموضوعية وما ينتج عنها وبين راي فقه لا يبدو منسجما مع عموم المنظومة قد ينفرد فيه فقيه ما او متكلم او مفسر بما لا يتناغم مع البنية المعرفية فيكون ما استخلص من البنية الموضوعية اكثر وثوقا لان من ابرز خصائص البنيوية ان الاسبقية للكل على الاجزاء ولأنها تعمل نسقا مترابطا ومتكاملا.

وعليه فالتحليل البنيوي- فيما ارى – سيكون اكثر استقراء من اي تحليل اخر وسيقدم مداليل مكثفة ومعبرة عن الموقف التاريخي وليس الاني الظرفي المتاثر بضغوط زمنه لان النسق البنيوي هوالنسق اللاتاريخي وهو ما تنتجه كل علاقات المنظومة الفكرية مع الاخذ بالاعتبار عناصر التزامن وحركة النص و التعاقب اي مسار الصيرورة والتكون (1)

ان فهم المسار الانثروثقافي لجماعة ما ضمن قواعد العمل في اكاديميات الفلسفة الاجتماعية يفضي الى قراءة قد تكون صحيحة حينما نبحث عن موقف يخص التكون او الممانعة، والتكون هو اساسيات تبني رؤية ما نظريا او عمليا والممانعة هي رفض قاطع لظاهرة ما نظرية كانت اوعملية

وفي هذا الكتاب سوف لن نقف عند الصلة بين علم الاجتماع والتاريخ الشيعي انما سنتجه الى تحديد الظروف الفاعلة والمكونة للتشكل الاجتماعي الشيعي من خلال التاريخ المتحرك الفاعل برصدنا لتأثيراته السوسيولوجية التي اسهمت في صناعة العقل الشيعي القديم والوسيط والمعاصر

وننطلق من مفهوم الكل المجتمعي الذي يكشف عن المركز المجتمعي statut social اوالدور المجتمعي role social للجماعة الشيعية داخل البيئة الموافقة والمخالفة في ان واحد ويمكن ان يكون الكل المجتمعي بوصلة للبحث يتجه بها الى دراسة التتابع الزمني للفكر الديني والتجربة الشيعية لاستحالة فهم الحاضر الا بفهم علمي للتراث علما ان ما يهمنا ليس ارشفة الماضي بقدر توظيفه لفهم الحاضر فنحن امام ظاهرة اصولية دينية معاصرة خطرة على الوجود الديني نفسه وعلى الحياة والحقوق المدنية ذاتها لذلك فنحن مضطرين لا جراء عملية تفكيك ذهني لبناءات الماضي وصولا للتعميم والتجريد لقوانين تحدد النمو الاجتماعي وتكون الاساس في القواعد النشطة التي تكوًن العقل المعرفي الشيعي الذي به تتشكل المواقف والتقييمات والتفضيلات للأشياء والاشخاص والافكار كما يقول مالك بن نبي

أن دراسة السلوك الاجتماعي لهذه الطائفة من المسلمين وتفاعلاتها الاجتماعية على وفق قواعد علم الاجتماع الديني ومعرفة اهتمامهم ودوافع تحركاتهم وفهم التنظيم الاجتماعي لهم والتغييرات المجتمعية عندهم ونظام التعليم الديني الذي يؤدي إلى نمط محدد من السلوك مرتبط بالنمط العام وبالنص وتفسيراته واظن ان ذلك كله سيوصلنا إلى إجابة علمية مركزة عن سؤالنا المركزي: هل في الفكر الشيعي نزعة أصولية او هو خال منها او هو ممانع لوجودها؟ وماذا تترتب على النتيجة من آثار سياسية واجتماعية على المستوى الاسلامي او الغربي في صياغات المواقف وسياقات الخطاب الشيعي المفترض؟ وهل يدعو الفكر الشيعي إلى السلام الاممي والتعاون البناء بين بني البشر، لأن في عموم بنية المنظومة الشيعية رفضا وممانعة للتطرف والعنف، وماذا سيكون موقف الراي العام الانساني من القراءة الشيعية للدين

أن دراسة النسق الاجتماعي يتطلب إن يرصد البحث مكونات السلوك الناتج عن الاعتقاد الديني ابتداءً من (الدوافع) إلى المسارات والأهداف للكشف عن الوظائف التي تقتضيها هذه الدوافع، ثم دراسة التفاعل الجدلي بين النص والسلوك الاجتماعي مع عدم اغفال عناصر البيئة الخارجية التي يتعايش معها النسق الديني المذهبي ويؤدي وظيفته الاجتماعية

وهذا يسهل: تقييم الموضوعات السلوكية الناتجة عن ذلك التفاعل والمتجهة نحو تحقيق (أهداف معينة) في ضوء متطلبات النص والوسائل المشروعة دينياً لتحقيقها مع تشخيص التفاعلات الدائمة المتجسدة بالطقوس الدينية والشعائر والأعراف السائدة في المناسبات الدينية لأن أساس السوسيولوجيا حسب (مارسيل موس) يقتضي ملاحظة سلوك المجموعة الاجتماعية ملاحظة شمولية علمية من خلال المحركات المصدرية لها ولإفرادها للوصول إلى توصيف علمي لطبيعة الايديولوجيا الدينية ومعطياتها.

محركات للتفكير: تكمن وراء ابحاث هذا الموضوع مجموعة محركات للتفكير اوردها موجزة

- هل الوقائع والإحداث التي ارتبطت بنشأة القراءة الشيعية للإسلام يمكن أن تزرع في نفوس إتباعها شعورا برفض كل وسائل الوصول إلى الحقيقة ما عدا الفكر المذهبي ؟

- هل النشأة الأولى للتشيع دينياً وتاريخياً تلزم اتباعها باعتماد نموذج النشأة والتأسيس أم ان القراءة الشيعية دعوه ديناميكية تتبنى الاجتهاد على مستوى المقولات الدينية، والتطور الاجتماعي؟

- ما التأثير السوسيولوجي للنصوص الدينية على تكوّن العقل الشيعي المعاصر (الفقهي منه والعقائدي والسياسي) وما التأثير السوسيولوجي للوقائع التاريخية ذات الصلة بتطور فكر التشيع على تكوّن العقل الشيعي المعاصر. (العقائدي منه والفقهي والسياسي)

- هل تأمره نصوصه العقدية أن يتبنى التغيير الاجتماعي الشمولي بوسائل العنف وتكفير الحكومات والمسلمين الآخرين؟ وهل يرى الشيعي أن (قتل الآخر وإرعابه) وسيلة مقبولة لنشر المعتقدات ؟

- هل: يقرأ المسلم الشيعي نصوصه الدينية خارج اطار الاجتهاد والعقلانية، وهل تتهم العقلانية عنده بالمروق عن الدين، وتتهم النزعة النقدية بانها مقدمه للكفر والشرك، وأن التأويل بدعة ضالة مآلها إلى النار؟

- هل ينطوي التشيع على منهج يقرأ النصوص والأدبيات قراءة حرفية بحيث يتشكل عنده عقل دوغمائي او راديكالي مهيأ لممارسة العنف، ما مدى تأثير الاجتهاد على الفكر الشيعي المعاصر، وكيف ترسم العلاقة بين الاجتهاد والتطور الاجتماعي ؟

- ما الفارق الأساس بين نظرية الحرب للدفاع عن الذات، وبين ممارسة الغزوات لا قامة دولة الخلافة وهل التطوع المبادر لغزو مدن رغم وجود المسلمين فيها بحيث تصنف دار للحرب وتتحول بعد احتلالها الى ولايات يولي عليها أمراء أو خليفة يسبي النساء ويهدم المساجد والكنائس والأديرة ويمارس القتل والترويع باسم الشريعة

-  هل نطلق على من يبادر بتكفير الناس وقتلهم ونهب ممتلكاتهم بحجة انها (غنائم) بأنه أصولي تكفيري ونطلقها ايضا على من يدافع عن وجوده المهدد وما يعتقد به لإيقاف استئصالا موجها له

ان كل تلك الأسئلة كانت محركات التفكير في هذه الأطروحة

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

....................

(1) اديث كريزويل، عصر البنيوية، ترجمة جابر عصفور ص20

المقدمة: في كل الأزمات والتحديات التي تواجه الواقع العربي، تتجه النخب السياسية والثقافية والإعلامية للخارج، للبحث عن المؤامرات والمخططات الأجنبية التي صنعت تلك الأزمة أو خلقت تلك التحديات التي تواجه الواقع العربي.. ودائما كانت الأنظار والتحليلات والتصورات، تتجه إلى رصد دور التأثيرات الخارجية في التأثير والضغط السلبي على العالم العربي.. ونظرة واحدة وسريعة للكثير من الأزمات والمشاكل التي واجهت العالم العربي، تجعلنا نكتشف وبشكل سريع صدق هذه الحقيقة. وإننا هنا لا ننفي دور العامل الخارجي في إجهاض الكثير من المشروعات والآمال، ولا نغمض أعيننا أمام حقيقة اشتراك القوى الأجنبية في الكثير من الحقب في تعويق النهوض العربي. ولكن رمي كل الأخطاء على العوامل الخارجية، يساهم في تزييف الوعي العربي ولا يوفر لنا القدرة على تجاوز هذه المحن التي تصيبنا وتجهض الكثير من مشروعاتنا وطموحاتنا. لذلك فإن الخطوة الأولى في مشروع وقف الانحدار العربي هو أن نستدير ونلتفت إلى الداخل، لمعالجة المشاكل والأزمات التي تؤثر حتما على الأداء العام، ولتلبية الطموحات والتطلعات المشروعة التي تحملها قوى الداخل..

أما سياسة الهروب من استحقاقات ومتطلبات الداخل واتهام الخارج بكل سيئاتنا ومصيباتنا وأخطائنا، فإنه لا يعالج المشاكل بل يفاقمها ويزيدها أوارا واستفحالا.. ولقد آن الأوان بالنسبة لنا نحن في العالم العربي أن نستدير إلى داخلنا، واكتشاف العوامل والأسباب الحقيقية التي أنتجت ولا زالت الواقع السيئ الذي يعيشه العرب اليوم على أكثر من صعيد ومستوى. والتوجيه القرآني يحثنا إلى سياسة الاستدارة نحو الداخل واكتشاف أخطائنا قبل اتهام الآخرين بها.. إذ يقول تبارك وتعالى [ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم].. فالخطوة الأولى التي ينبغي أن نقوم بها إزاء كل ظاهرة ومشكلة وأزمة، هي البحث والفحص الجاد عن الأسباب الذاتية التي أدت إلى هذه الظاهرة أو المشكلة والأزمة، فلا بد أن نوجه الاتهام أولا إلى أنفسنا، قبل أن نوجهه إلى غيرنا. وهذه المنهجية تلخصها الآية القرآنية [قل هو من عند أنفسكم] فإزاء كل هزيمة، إزاء كل مرض وظاهرة سيئة، كل مصيبة على رؤوسنا، ينبغي أن نلتفت قبل كل شيء إلى نصيبنا، إلى دورنا، إلى ما كسبته أيدينا..

إن واقع العرب الراهن هو أسوأ واقع، والانهيار في حياتهم يهدد وجودهم نفسه. واتهام الخارج وحده وتبرئة الذات والتعامل معها بنرجسية واستعلاء يزيد تدهورنا وضعفنا وضياعنا..

ونحن هنا لا ندعو إلى جلد الذات واتهامها بكل السيئات والإخفاقات. وإنما ندعو إلى معرفة العلل والأسباب الكامنة في فضائنا السياسي والثقافي والاجتماعي، والتي أفضت بشكل أو بآخر إلى الواقع السيئ الذي نعيشه. كما أن الخارج في علاقته معنا في العالم العربي، ليس بريئا من أزماتنا ومشاكلنا المزمنة، بل هو شريك وفاعل حقيقي للكثير من المشاكل والأزمات..

ولكن الرؤية المتزنة التي ندعو إليها، هي التي تبدأ بالاستدارة إلى الداخل، واكتشاف الواقع ومعرفة مستوى مساهمتنا في هذه المشكلة أو تلك الأزمة.. فلا يمكن أن نواجه تحديات المرحلة، وهي تحديات صعبة ومعقدة باتهام الخارج وتبرئة الذات. إن هذا النهج هو الذي أدام الكثير من عناصر وحقائق التخلف السياسي والثقافي في العالم العربي، وهو الذي برأ الكثير من النخب التي كان لها دورا سيئا في تطور الأحداث التي جرت في حقب زمنية مختلفة..

فالباري عز وجل لم يخلق الإنسان خلقا جامدا خاضعا للقوانين الحتمية التي تتحكم به فتدبره وتصوغه بطريقة مستقرة ثابتة، لا يملك فيها لنفسه أية فرصة للتغيير وللتبديل، بل خلقه خلقا متحركا من مواقع الإرادة المتحركة التي تتنوع فيها الأفكار والمواقف والأفعال، مما يجعل حركة مصيره تابعة لحركة إرادته، فهو الذي يصنع تاريخه من طبيعة قراره المنطلق من موقع إرادته الحرة، وهو الذي يملك تغيير واقعه من خلال تغييره للأفكار والمفاهيم والمشاعر التي تتحرك في واقعه الداخلي لتحرك الحياة من حوله..

وهكذا أراد الله للإنسان أن يملك حريته، فيتحمل مسؤوليته من موقع الحرية. ويدفعه إلى أن يواجه عملية التغيير في الخارج بواسطة التغيير في الداخل، فهو الذي يستطيع أن يتحكم بالظروف المحيطة به، بقدر علاقتها به، وليس من الضروري أن تتحكم به. فالإنسان هو صانع الظروف، وليست الظروف هي التي تصنعه..

لذلك فإنه لا يجوز ولا يصح التضحية بحريات ومتطلبات الداخل العربي تحت مبرر معارك الخارج وتحدياته الحاسمة. إذ أنه لا يمكن أن نواجه تحديات ومؤامرات الخارج بشكل فعال، إلا إذا وفرنا متطلبات وحقوق وتطلعات الداخل.. ولعلنا لا نجانب الصواب، حين القول: إننا في العالم العربي وخلال الخمسة العقود الماضية قد قلبنا المعادلة. إذ سعت النخب السائدة، إلى إقصاء كل القوى والمكونات تحت دعوى ومسوغ أن متطلبات المعركة مع العدو الصهيوني تتطلب ذلك. وأصبح شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) هو السائد. ولكن النتيجة النهائية التي وصلنا إليها جميعا حاكما ومحكوما، أن هذا الخيار السياسي والثقافي لم يوصلنا إلا إلى المزيد من التدهور والانحطاط. وبفعل هذه العقلية أصبح العدو الصهيوني أكثر قوة ومنعة، ودخلنا جميعا في الزمن الإسرائيلي بكل تداعياته الدبلوماسية والسياسية والأمنية والثقافية والاقتصادية..

فتصحير الحياة السياسية والمدنية العربية، لم يزدنا إلا ضياعا وتشتتا وضعفا. ولقد دفع الجميع ثمن هذه الخطيئة التاريخية. لذلك آن الأوان بالنسبة لنا جميعا أن نعيد صياغة المعادلة. فلا انتصار تاريخي على العدو الصهيوني، إلا بارتقاء حقيقي ونوعي لحياتنا السياسية والمدنية. فإرساء دعائم الديمقراطية وصيانة حقوق الإنسان وتعميم وتعميق ثقافة الحوار والتعايش السلمي، كل هذه القيم والممارسات والمتطلبات من صميم معركتنا التاريخية والحضارية. وانتصارنا على العدو الخارجي، مرهون إلى قدرتنا على إنجاز هذه المتطلبات في الداخل العربي..

فالإكراه الديني والسياسي، لا يصنع منجزات تاريخية، وإن صنعت سرعان ما يتلاشى تأثيرها من جراء متواليات الإكراه وامتهان كرامة الإنسان..

لهذا كله فإننا ندعو كل الدول العربية، وفي هذه اللحظة التاريخية الحساسة والمصيرية إلى الاستدارة والاهتمام بالداخل. فالقوة الحقيقية هي التي تستمد من الشعب والمجتمع، والخطر الحقيقي هو الذي ينبع من الذات. فلا مناص أمامنا اليوم حيث المؤامرات والتطورات والتحولات، إلا الالتحام والالتصاق بشعوبنا. فهي عنوان العزة والقوة، وهي سبيلنا لتعزيز أمننا ووحدتنا وهي القادرة على إجهاض كل المشروعات والمؤامرات. فلتتجه كل مبادراتنا نحو شعوبنا، ولنعد الاعتبار لكل القوى الحية والفاعلة في المجتمع العربي..

إنها لحظة تاريخية حاسمة، وتتطلب بلا شك خطوات نوعية وحكيمة..

وفي هذا السياق نلتفت ونؤكد على النقاط التالية:

1- ضرورة بلورة مبادرات وطنية حقيقية، تزيل الالتباسات، وتؤكد خيار المصالحة، وتعمق من أسباب وعوامل الثقة بين السلطة والمجتمع..

 فالاستدارة نحو الداخل تقتضي بشكل أساسي، العمل على تعميق خيار المصالحة والانسجام بين خيارات المجتمع وتطلعاته المتعددة والسلطة وخياراتها السياسية والاقتصادية.

2- إن القوة الحقيقية التي تملكها الدول في مواجهة المخاطر والتحديات، ليس في حجم الأسلحة والترسانة العسكرية، وإنما في الرضا الشعبي عنها. لهذا فإننا نؤكد على أهمية أن تعمل الحكومات في العالم العربي، على صياغة الأطر والمؤسسات، التي تهتم بحاجات المواطنين، وتنصت إلى أحوالهم وأوضاعهم، وتعمل وفق آليات واضحة لتعميق خيار الرضا الشعبي عن الأداء والخيارات السياسية للحكومات..

3- إن التطلعات والطموحات، سواء كانت خاصة أو عامة، لا يمكن تحقيقها دفعة واحدة، وإنما هي بحاجة إلى مدى زمني تتحرك فيه وتقترب شيئا فشيئا صوب الهدف والتطلع المرسوم.

لهذا فإننا ندعو كل الأطراف في العالم العربي، إلى الأخذ بعين الاعتبار الظرف الزمني الحساس الذي تعيشه المنطقة.

إننا نشعر بأهمية جدولة مشروعات التطوير والإصلاح، وذلك من أجل أن تتجه كل الطاقات والكفاءات صوب الأهداف والغايات الوطنية المشتركة.

العرب وصدمة الراهن:

بعد عقود طويلة، رفعت خلالها النخب السياسية السائدة في الوطن العربي، الكثير من الشعارات واليافطات الكبرى، وصلنا فيها إلى نتائج مخزية وإخفاقات وخيمة. فكل الشعارات واليافطات الكبرى، أصبحت الوقائع المضادة هي الواقع الشاخص والقائم. فبدل الحرية ازدادت الديكتاتورية وأشكال الاستبداد في الفضاء العربي. وبدل الوحدة بكل مستوياتها ازددنا تشظيا وتجزئة. وبدل العدالة تضخمت مستويات الظلم وغياب المساواة في المجتمعات العربية.

ولعل الدرس الهام الذي نستفيده من هذه التجارب السياسية الطويلة، هو أن الاستبداد السياسي وغياب الحريات العامة والانتهاك المتواصل لحقوق الإنسان، لا تقود كل هذه الوقائع إلا إلى الخراب والفساد والفشل.

والنخب السياسية السائدة فشلت فشلا ذريعا في إدارتها لشؤون أوطانها، بفعل الاستبداد ومتوالياته. فلا يمكن للظلم السياسي أن يقود إلى صيانة الحقوق. فالاستبداد السياسي بكل صوره وأشكاله، هو المسئول الأول عن ما يعاني منه الواقع العربي اليوم من مشاكل وأزمات.

فالعرب اليوم هم ضحية تاريخية لأنظمة سياسية مستبدة، عملت كل شيء من أجل استمرار سلطانها المطلق. فضحت بالنسيج الاجتماعي العربي، وضخمت التناقضات الداخلية الأفقية والعمودية، من أجل استمرار هيمنتها المطلقة.

خضعت بشكل مذل لأعداء الأمة في الخارج، وأصبحت ذيلا تابعا لمحاور خارجية من أجل أن تستمد من هذه المحاور الخارجية القوة والقدرة لقمع الداخل العربي.

لدرجة أن العالم العربي بأسره اليوم، يعيش مكشوفا على كل الصعد أمام مؤامرات الخارج ومخططاته الخطيرة.

لذلك ومع أي أزمة هيكلية أو نوعية يواجهها المجال العربي، تتجه مباشرة الأسئلة إلى الواقع التأسيسي. فالأزمات السياسية تقود إلى طرح جملة الخيارات السياسية التي تسير عليها هذه الدولة أو تلك. والإخفاق الاقتصادي يفضي إلى طرح الإشكاليات ذات الطابع التأسيسي التي تتجاوز الحقل الاقتصادي.

وهكذا نجد وبعد هذه العقود العديدة من الاستقلال، أن الدولة العربية، لا زالت تعيش في المربع الأول، وأن الأسئلة والإشكاليات المطروحة في فضائها، هي ذات الأسئلة المطروحة في العقود الماضية. والفارق الجوهري على هذا الصعيد هو في المستوى والمآلات المترتبة على هذه الأسئلة والإشكاليات.

وحينما ارتفع صوت المطالبة بالإصلاح في العالم العربي، تجمعت إرادات الأنظمة السياسية ومشروعاتها من أجل خنق هذا الصوت. وأصبحنا اليوم نعيش معادلة مذهلة وخطيرة في آن. فإما الاستبداد وغياب الحريات أو الفوضى والحروب الأهلية المضمرة والصريحة. فلا إصلاح سياسي لأنه يقود إلى الفوضى وإبراز التناقضات الطائفية والعرقية والقومية في الوطن العربي.

وهكذا نجد أن الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه يعيش اليوم بين خطرين: خطر استمرار الاستبداد بكل صنوفه وأشكاله، وخطر الفوضى والحروب الداخلية، التي تدمر النسيج الاجتماعي العربي بكل مكوناته وأسسه.

من هنا فإننا اليوم بحاجة إلى وعي عميق بأوضاعنا وأحوالنا، حتى نتمكن جميعا من تجاوز حبائل الاستبداد السياسي ومخططاته التي تجعلنا أسرى عناوين ويافطات، تزيد من تراجعنا وتأخرنا على مختلف الصعد والمستويات.

والإصلاح السياسي الذي نرى أهمية أن تنخرط الدول العربية فيه، وتعمل على الالتزام بمتطلباته ومقتضياته، لا يتحقق دفعة واحدة، وإنما هو بحاجة إلى مدى زمني وخطط استراتيجية ومرحلية، حتى تنقل الواقع العربي من حال إلى حال. ولا بد أن ندرك في هذا السياق، أنه كما أن الإصلاح لا يمكن أن يتحقق دفعة واحدة، كذلك لا يمكن ولاعتبارات أمنية وسياسية واجتماعية واقتصادية واستراتيجية، أن تتراخى إرادة الإصلاح أو تتراجع عن مقتضياته ومتطلباته.

فالإصلاح السياسي في الدول العربية اليوم، أضحى ضرورة ماسة ليس فقط للشعوب العربية، بل هو ضرورة ملحة قبل كل شيء للحكومات العربية.

فالتحديات والمشاكل التي تواجه الجميع اليوم، تتطلب خطوات نوعية، تعيد تأسيس الممارسة العربية السياسية على أسس أكثر صلابة ومتانة. وهذا لا يتحقق إلا بفعل الإصلاح السياسي ومتوالياته المتعددة.

وبروز التناقضات العمودية والأفقية في المجتمعات العربية، لا يمكن معالجتها إلا بإدارة حكيمة، مرنة، تنصت إلى إيقاع الواقع، وتتفهم حاجات وتطلعات كل المكونات والتعبيرات.

من هنا فإننا أحوج ما نكون اليوم إلى بلورة الرؤية والخيار العربي بعيدا عن ضغوطات الاستبداد السياسي ومخاوف الفوضى والحروب الداخلية. إننا مع الإصلاح السياسي لأنه جسر عبورنا إلى المستقبل.

والذي يقود إلى الفوضى ليس الإصلاح، وإنما استمرار الفساد والاستبداد السياسي في الوطن العربي.. فالفوضى وتضخم التناقضات الداخلية في الاجتماع العربي، هو الوليد الطبيعي لعقود من الاستبداد وغياب العدالة والحريات. والإصلاح السياسي الذي ينشد الحرية وصيانة حقوق الإنسان واحترام الخصوصيات الثقافية لكل مكونات الاجتماع العربي، هو سبيلنا لتجاوز كل مخاطر وتحديات المرحلة.

فالطائفية المقيتة المستشرية اليوم في جسم الأمة، هي أحد الثمار السيئة لبنية الاستبداد السياسي ولغياب الحريات العامة في الأمة.. فالاستبداد لا يحمي استقرار الأمة، وإنما يزيد من مآزقها وأزماتها. ويخطأ من يتصور أن الديكتاتورية السياسية هي التي تحمي خيارات الأمة العليا. وإنما على العكس من ذلك تماما. بحيث أن الديكتاتورية السياسية هي السبب العميق لأزمات الأمة كلها. ولا حياة جديدة للأمة، إلا بإنهاء حقبة الاستبداد السياسي في الأمة.

وهذا يتطلب العمل على تفكيك بنية الاستبداد السياسي الثاوية في نفوس وعقول الجميع، وتعميق خيار الإصلاح والحريات والوحدة في الأمة.

ومن طبيعة تحديات المرحلة وتطورات الراهن، نستطيع القول: أن انخراط الدول العربية في مشروع الإصلاحات السياسية والاقتصادية والثقافية، هو الخيار الأسلم للحفاظ على الأمن وصيانة الاستقرار السياسي والاجتماعي.

وذلك لأن الواقع اليوم، لا يحتمل بأي حال من الأحوال التسويف والتأجيل. فاستمرار الأوضاع السيئة على حالها أضحى مكلفا للأوطان والمجتمعات العربية على أكثر من صعيد. ولا خيار حقيقي أمام المجال العربي إلا الاستجابة إلى مطالب الإصلاح التي عبرت عنها أطياف المجتمعات العربية وقواها الحية والمتعددة.

فكل أحداث الراهن العربي وتطوراته، تثبت بشكل لا لبس فيه أن العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه يعيش لحظات حرجة وتحديات مصيرية ومنعطفات نوعية. وبدون بلورة الاستراتيجية العربية المطلوبة، القادرة على الاستجابة الفعالة لكل هذه التحديات، سنجد أنفسنا جميعا دولا ومجتمعات، ونحن نعيش خارج حركة التاريخ.

فنحن كعرب نواجه انقسامات وتشظيات على المستويين الرسمي والأهلي. فالمجتمعات العربية تتآكل من الداخل، والدول العربية لم تتمكن من الخروج من محنها الداخلية والذاتية. فلا المجتمعات العربية بكل نخبها ودوائرها، تمكنت من التغلب على مآزقها، كما أن الدول ومؤسساتها القومية، لم تتمكن من صياغة نظام علاقة فعال، يضمن مصالح الجميع، ويستجيب بدينامية إلى تطورات المرحلة. لهذا فإن العالم العربي بدوله ومجتمعاته، يعيش حالة انكشاف خطيرة على المستويات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والأمنية. وإن حالة الانكشاف، حولت الساحة العربية إلى فضاء للصراع الدولي والإقليمي، كما فاقمت من تناقضات وتشظيات المجتمعات العربية العمودية والأفقية.

والعجز العربي العميق، هو الواقع الذي تعكسه كل التصريحات والممارسات الدبلوماسية والسياسية. فمن جهة نحن نعيش كفضاء استراتيجي وسياسي لحظة من الانكشاف المفتوحة على كل التداعيات والمخاطر. ومن جهة أخرى، إننا كعالم عربي نعيش حالة عجز عميقة، تمنعنا جميعا دولا ومجتمعات من مواجهة كل هذه المخاطر والتحديات. بحيث أصبحنا جميعا بلا حراك وبلا فعالية، وتنهش في جسمنا كل الأمراض والآفات. والأمم الأخرى القريبة والبعيدة تعمل بكل إمكاناتها، لاستثمار هذه اللحظة وتثبيت مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية، على حساب مصالح العرب الراهنة والمستقبلية.

وفي التقارير الأخيرة التي أصدرتها الأمم المتحدة حول التنمية البشرية العربية، أكدت على أهم الثغرات التي تواجه المجتمعات العربية اليوم، وهي افتقاد الحرية، ونقص المعرفة وتغييب دور المرأة. كما أن الحلول التي اقترحتها هذه التقارير هي تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح وبناء مجتمع المعرفة، وتمكين النساء.

ويبدو أن العالم العربي سيرزح تحت نير وتأثير كل هذه المشاكل والأزمات، إذا لم يتبنى خيار الديمقراطية، سواء على صعيد تشكيل السلطة السياسية، أو كنسق للعلاقات بين مختلف مكونات وتعبيرات المجتمعات العربية.

وهنا نحن ندرك أن الديمقراطية كخيار وثقافة وإجراءات، ليست حلا سحريا لمشاكلنا وأزماتنا، ولكنها الوحيدة القادرة على ضبط نزعات التشظي والانفلاش، كما أنها هي القادرة على خلق المناخ السياسي والثقافي والاجتماعي القادر على إدارة خلافات وتناقضات الساحات العربية بأقل خسائر ممكنة. وإن أي تباطؤ في مشروع التحول نحو الديمقراطية، سيكلف العالم العربي بأسره الكثير من الكوارث والمآزق.

فأزماتنا عميقة، ومآزقنا عديدة، وآفاق المعاجلة محدودة. ولا خيار أمامنا إذا أردنا الخروج من هذا الواقع بأقل خسائر ممكنة، إلا بالمبادرة لتبني خيار الديمقراطية، حتى يخرج العالم العربي من مأزق العلاقة الملتبسة والمتوترة بين الدولة والمجتمع، وحتى نتمكن من ضبط نزعات وتناقضات المجتمعات العربية بحيث تدار كل هذه التباينات والتناقضات بطريقة سلمية – حضارية، تخرجنا من حالة الاستئثار والاستبداد، ولكن لا تدخلنا في أتون الصراعات المذهبية والطائفية والقبلية والمناطقية.

فالديمقراطية هي سبيل تحررنا وانعتاقنا من كل هذه المآزق، كما أنها هي طوق نجاتنا من كل المحن والفتن الداخلية.

وكل المشكلات التي يفترض أو يعلن عنها باستمرار، أنها تعوق الممارسة الديمقراطية، لن يكون في الإمكان حلها ومعالجتها، إلا بالاستناد إلى الديمقراطية وآلياتها ومراكمة التجربة الديمقراطية على المستويين السياسي والاجتماعي.

ولقد آن الأوان بالنسبة لنا، أن نخرج من الخديعة التاريخية التي وقعنا فيها. فلا مقايضة بين التنمية والديمقراطية، أو بين الاستقرار والحرية. فلا تنمية بدون ديمقراطية، ولا استقرار عميق وحقيقي بدون الحرية. وإن الاستبداد السياسي، يعطل الكثير من قدرات أمتنا وطاقاتها، ويخرجها من المعركة الحضارية مع العدو الصهيوني. فالديمقراطية هي بوابة انتصارنا الحضاري على الغدة السرطانية المغروسة في جسدنا العربي والإسلامي.

وإن الديمقراطية اليوم، أصبحت مشروعا ممكنا وقابلا للتحقق في مجالنا العربي. وهناك العديد من العوامل والظروف المواتية لإنجاز هذا التطلع التاريخي. ومهمتنا هي العمل على توظيف هذه العوامل والظروف، بما يخدم تمتين القاعدة الاجتماعية والسياسية، وتفعيل دور النخبة باتجاه توسيع المشاركة العامة، وتقوية مؤسسات المجتمع المدني، والحد من تغوّل السلطة واستبدادها.

المجتمع والدولة في المجال العربي.. وسياقات التحول:

تسود العـالم المعاصر أسئلـة ملحـة حول الراهن بحقوله المختلفة والمستقبل بآفاقه العديدة. إذ نجد أن الأمم والشعوب، تسعى جاهدة بكل ما أوتيت من قوة وإمكانات لتأكد نفسها وإرادتها في هذا العالم المتشابك والمليء بالطموحات والتطلعات والإرادات المتباينة. فصورة العالم المعاصر باندفاعاته واكتشافاته وبأزماته وحروبه وتحالفاته وانقساماته، يدفع باتجاه ضرورة بلورة موقع متميز للفضاء العربي والإسلامي في هذا العالم المعاصر.

لهذا فإن فحص الراهن، ومعرفة اتجاهات حركته السياسية والثقافية والحضارية، ومكونات الفعل الحضاري، وممكنات الانطلاق والنهوض، كلها تساهم في اكتشاف الموقع المناسب والطموح الممكن الذي ينبغي أن نسعى إلى إنجازه وتنفيذه.

فالتطورات الهائلة التي تجري في أرجاء المعمورة، وعلى مختلف الصعد والمستويات، تدفعنا إلى ضرورة إحداث تحولات تاريخية ونوعية في واقعنا، حتى يتسنى لنا الاستفادة والاستجابة النوعية لتلك التطورات المذهلة.

فالوعي بالتطورات هو في جوهره، تنمية الذات وتأهيلها نفسيا وعقليا وفنيا، للاستفادة منها، وتوظيفها بما يخدم راهن الأمة ومستقبلها.

وهذا التحول النوعي، هو بداية تنظيم المجتمع الذي يخلق التقدم، ويندفع إلى أسبابه وموجباته ذاتيا. وهذا مما يحوّل الأفكار والقناعات العامة إلى إرادات إنسانية متواصلة ومتعاظمة، تضمن استمرار فاعلية التقدم والتطور في المحيط المجتمعي.

وفي مناخ العولمة والكوكبة التي تزداد فيه تحديات السيادة والاستقلال، نحن أحوج ما نكون إلى فحص طبيعة العلاقة بين الدولة والأمة في مجالنا العربي والإسلامي، حتى يتسنى لنا تطوير هذه العلاقة وإنضاج أطرها المشتركة، لنتمكن من مجابهة تحديات ومتطلبات مشروع العولمة والكوكبة.

ولا نجانب الصواب حين القول: أن جزءاً من الأزمة يرتبط بتصور جميع الأطراف للعلاقة بين الدولة والأمة، وهو تصور قائم على أن متطلبات الدولة متناقضة مع طموحات الأمة. وأن تطلعات هذه الأخيرة لا تنسجم وضرورات الدولة. وبهذا يكون التصور السائد، أن كل طرف لا يمكن أن يمارس دوره ووظيفته إلا على حساب الطرف الآخر.

ولا ريب أن هذا التصور الخاطئ، يفرض صيغة مقترحة للعلاقة، لا تتعدى نسق التبعية والضعف المتبادل. بمعنى أن ضعف الدولة ضرورة لبروز قوة الأمة، وإن اهتراء وتآكل هياكل الأمة الثقافية والاقتصادية والحضارية مقدمة لازمة لاستمرار الدولة في بناء مؤسساتها وهياكلها. وبالتأكيد فإن هذا التصور يغذي بشكل أو بآخر حالة التوتر والفجوة الموجودة بين الأمة والدولة في المجالين العربي والإسلامي.

وإن استمرار الفجوة والتوتر بين الدولة والأمة في المجالين العربي والإسلامي، يجعل الأمة تحارب نفسها، وتعوق مسيرة نهضتها، وتحول دون الانطلاق في رحاب البناء والتنمية. ولاشك أن تراكم هذا التوتر، هو الذي أدى إلى بروز الحروب الأهلية الصريحة، التي أستخدم فيها كل أشكال العنف والقتل والتدمير، والمضمرة التي تتغذى من ثقافة الإقصاء والتكفير، التي تجعل الفضاء الاجتماعي أشبه ما يكون إلى كانتونات منفصلة عن بعضها، وكل طرف يحمل عن الآخر رؤية ضيقة ومشوهة وذات أفق صراعي محموم.

ووسط هذا الصراع المحموم، والذي يأخذ أشكال مختلفة ومتباينة، يتضاءل مستوى الاهتمام بقضايا الأمة الحيوية والمصيرية، وتتغول مشكلات الداخل العربي والإسلامي، وتضيع البوصلة النظرية والمفاهيمية، التي تحدد أوليات الصراع وآليات المواجهة، وتحول دون تشتت الجهود والطاقات. فيصبح الجميع يعيش مرحلة اللاتوازن، وتتبخر آمال الأمة بالنهضة، وتتهدد كل مكاسب الأمة الاجتماعية والسياسية، وتختلط الأمور بشكل فوضوي، مما يعزز هذه اللحـظة التاريخية الصعبة استخدام كل الأطراف لآليات الحرب ووسائل المعارك العسكرية. وفي هذه اللحظة تنتقل مشروعات الدولة من مشروعات التنمية والتعمير إلى مشروعات القمع وزيادة جرعة الاستبداد واستخدام القوة الغاشمة.

كما أن الأمة تنشغل عن أهدافها الحضارية، من أجل مشروع رد الحيف والظلم عن جسمها وكيانها ومقدساتها.

ولا مخرج من هذه اللحظة التاريخية إلا بإعادة تنظيم العلاقة بين فضائي الأمة والدولة، بحيث تتسق وتتناغم الإرادة الجمعية في تجاه البناء والتنمية ومتطلباتهما السياسية والثقافية والاقتصادية والحضارية.

والوجودات الاجتماعية ليست واحدة أو آحادية، وإنما هي تحتضن كل أشكال التعدد والتنوع. ولا يمكننا أن نتصور مجتمعا آحاديا في فكره وميوله وانتمائه السياسي والفكري. وإنما دائما تتعدد الانتماءات السياسية والفكرية، وتتنوع الميولات والأهواء. والوجود الاجتماعي الحضاري، هو الذي يجترح أطرا أو صيغا ممكنة ومتاحة للتعايش والوحدة والتآلف بين جميع هذه الأطياف.

واحتدام النـزاعات والحروب في المجتمع الواحد، أو بين الدولة والمجتمع، ليس من جراء وجود حالات التنوع والانتماءات المتعددة، وإنما هو من جراء التعاطي مع هذه الحالات بعقلية قسرية وقهرية وتهميشية. ولا شك أن العنف لا يؤدي إلا إلى مثله، وكذلك القسر والقهر. لذلك فإن استخدام القوة المادية يزيد من حالات الاحتدام بين المجتمع والدولة معا. فالدولة القهرية لا تصنع سلما اجتماعيا، وإنما هي تؤسس لنـزاعات وحروب عديدة. فهي في حقيقة الأمر مشروعا مفتوحا للصراعات والنـزاعات والاحتقانات الاجتماعية والسياسية وتفاقم العصبيات بكل أشكالها وألوانها.

فالوصول إلى مستوى متقدم من العلاقة الإيجابية بين الأمة والدولة، هي خلاصة استحقاقات ومناشط متعددة تتراكم على المستوى المجتمعي إلى درجة انبثاق حقائق جديدة على المستويات السياسية والنفسية والثقافية والاجتماعية تنسجم ومتطلبات خلق نمط جديد من العلاقة الإيجابية والتكاملية بين الأمة والدولة. وإن تواصل الجهود واستمراريتها، هو شرط تراكمها التاريخي وعدم تخبطها وتنظيمها وفق سياق معرفي يتجه نحو القضايا المركزية. لذلك نجد أن النصوص الإسلامية، تؤكد على أن التفكر والتدبر، الفهم والعلم والحكمة والذكر، هي من المفردات التي تتكامل من أجل خلق هذه السياق المعرفي المتواصل. وإنه من دون العقل كعنوان جامع لتلك المفردات لا يمكن لفرد أو أمة أن تفلح في حياتها الراهنة والمستقبلية.

قال تعالى [وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير] (1). فالعقل كصانع للمعرفة وناظم لها، هو الذي يوفر التراكم المعرفي المطلوب، من خلال يقظته وإعماله في الوقائع.

وإن بوابة تسوية العلاقة بين الأمة والدولة في الفضاء العربي والإسلامي، تفعيل دور المجتمع الأهلي ـ المدني، وتعظيم دور ووظائف مؤسسات الأمة وذلك لأن تنمية أنشطة المجتمع الأهلي _ المدني، سيملأ الكثير من الفراغات التي تملأها عادة إرادة الدولة، مما يوسع سلطتها ويخضع خيارات المجتمع إلى متطلباتها الاستبدادية والبعيدة عن الشرعية الدينة والقانونية. والوضعية التاريخية الراهنة، تدفعنا بكل معطياتها نحو تفعيل واقعنا المجتمعي، وتنشيط دوره حركة المجتمع في مجالات البناء والعمران. فانخراط شرائح المجتمع في الحياة العامة من الشروط الأساسية للوصول إلى حالة التوازن والتكامل المطلوبة بين الأمة والدولة في المجالين العربي والإسلامي.وحركية المجتمع الأهلي، والجهد المتواصل لتأسيس وتطوير بنى المجتمع المدني، لا يتم بعيدا عن الدولة. ويخطأ من يتصور أن بناء المجتمع المدني، يعني الاستغناء عن الدولة ومؤسساتها. فالأمة بحاجة إلى الدولة ومؤسساتها التنفيذية والقضائية والتشريعية، وبهذا لابد من القول، إن الأمة بحاجة إلى كلا الأمرين: مجتمع مدني فاعل يمارس دوره ويقوم بوظائفه الحضارية، ودولة عادلة ترعى شؤون الأمة، وتقوم بدورها في إطار عزة الأمة وشهودها الحضاري. وفي هذا السياق " استقر مفهوم المواطنية كأساس للعلاقة بين المجتمع والدولة. أي كأساس للعقد الاجتماعي القائم بين الطرفين، حيث تكون الدولة ناظما وضابطا لهذه العلاقة، ويكون المجتمع حقل ممارسته لحقوق المواطن الفرد وحقوق الجماعة الوطنية في ظل قوانين ومؤسسات الدولة وفي ظل نظام ديمقراطي يشكل آلية تنظيم هذه العلاقة والمرجعية الأخيرة للدولة والمجتمع معا. إذن، إنّ المواطنية هي القاعدة الأساس التي يقوم عليها مفهوم المجتمع المدني. وبهذا المعنى يتجسد مفهوم المجتمع المدني في المجال الذي ينتظم فيه المواطنون كأفراد في نقابات وأحزاب وجمعيات غير حـكومية ويمارسون نشـاطات مستقلة عن سياسات أهـل الحـكم، لكنهم يمارسون تأثيرا مباشـرا وغير مباشر في هذه السياسات. وهذا المجال (المدني) غير ملتحق بالدولة وسياستها، ولكنه أيضا غير خارج عليها. وإنه مستقل بالمعنى الإيجابي المؤثر في الدولة. والدولة من جهتها حيادية، أي أنها لا تطغى عليه ولا تستتبعه، بل تحافظ عليه وتحميه في إطار النظام العام والمصلحة العامة " (2).

وإن هذا التفاعل والتكامل بين الطرفين، هو التوليفة التاريخية التي تمكنت من نقل المحيط العربي والإسلامي من واقع التخلف إلى رحاب التقدم والحضارة.

واختلال هذه التوازن، يبدأ حينما تتخلى الأمة عن دورها أو تضعف قدراتها النوعية. فمع تراجع الأمة بمؤسساتها، تتغوّل الدولة وتحتل مجالات وحقول بفعل اختلال التوازن. " والمجتمع الأكثر ديمقراطية هو أيضا ذلك المجتمع الذي يصنع الحدود الأكثر صرامة أمام هيمنة السلطات السياسية على المجتمع وعلى الأفراد. وهذا يعني أن المجتمع الأكثر حداثة هو ذلك المجتمع الذي يعترف، بأكبر قدر من الوضوح، بالمساواة في الحقوق لكل من العقلنة والتذويت، وبضرورة تآزرهما المتبادل.

الديمقراطية هي ليست انتصار الواحد، ولا تحول الشعب إلى حاكم. إنها، على العكس من ذلك جعل المؤسسات تابعة للحرية الشخصية والجماعية. فهي تحمي هذه الحرية من السلطة السياسية - الاقتصادية، من جهة، ومن القمع الذي يمارس من قبل القبيلة والتقاليد، من جهة ثانية. وهي تحمي نفسها من نفسها أيضا، أي من عزلتها داخل نظام سياسي مغلق بين لا مسؤولية الدولة وطلبات الأفراد، وداخل فراغ تملؤه بمصالحها الخاصة وبصراعاتها الداخلية وبخطابيتها. إن ضغط الدولة على المجتمع هو كبير بالضرورة في أيامنا، بفعل إلحاح مشكلات التحديث والتنافس الاقتصادي والعسكري.

من هنا، فإن تعزيز الذات هو المهمة ذات الأولوية، ومجتمعاتنا، أيا كانت أوضاعها، تميل نحو الخضوع إما لقانون الحاكم وإما لقانون السوق، والديمقراطية تستلزم صمود روحية الحرية والاستقلال والمسؤولية في مبدأي الحكم هذين " (3). ومؤسسات التنشئة الاجتماعية والتعليم والثقافة والتربية، تقوم في هذا الإطار بغرس أسس الذاتية الحرة والثقافة المسئولة في أبناء المجتمع. فإرادة الإنسان الحر وثقافة الحرية والمسؤولية، هما سبيل تكريس حقائق الديمقراطية في الواقع المجتمعي.

" واستقرار المجتمع المسلم ونجاح حركات الإصلاح فيه لن يترسخ إلا من خلال عقلية مجتمع الشورى ونظامه، والتزام المنهج السلمي المدني مبدءاً في السعي السياسي للإصلاح والتغيير. ولهذا فإن من المهم أن ندرك أن المنهج الشوري في جوهره أمر مبدئي مفاهيمي وتربوي يجب أن يترسخ في ضمير الأمة على مختلف مستويات التربية والتعليم والتنظيم والتعامل فيها وليس مجرد قضية هيكلية تنظيمية في تشكيل مؤسسات الحكم يأخذ الاستبداد فيها ألبسة ووجوها متغيرة " (4). فتعميق مفاهيم الحوار والسلم المجتمعي والمجادلة بالتي هي أحسن ونسبية الحقيقة والتسامح، كلها تساهم في إنهاء موجبات التوتر وعوامل الصدام العنيف في داخل المجتمعات العربية والإسلامية. فالتكامل بين الدولة والمجتمع في سياق وطني – حضاري متواصل بحاجة إلى توفر الشروط التاريخية المؤهلة لكلا الطرفين لممارسة أدوارهما المطلوبة دون التعدي على الطرف الآخر. ولا شك أن القيم الحضارية التي تكرس في الواقع المجتمعي حالة الاستقرار السليم، هي من العوامل الأساسية لخلق تلك الشروط التاريخية التي تطلق مبادرات تاريخية باتجاه إنجاز مشروع توافقي بين الدولة والمجتمع في الفضاء العربي والإسلامي.

فلا تكامل وتفاعل حضاري بين الدولة والمجتمع، إذا لم تدخل القيم الحضارية السالفة الذكر في نسيج كلا الطرفين، ويتم تمثلها في السلوك الخاص والعام، في دوائر الدولة ومؤسساتها، وهياكل المجتمع ومؤسساته الأهلية والمدنية. فلا بد أن تتحول هذه القيم إلى قوة مادية وحقائق قائمة في الواقع العام، نصنع من خلالها سياق التفاعل والعلاقة السليمة بين الدولة والمجتمع.

وفي هذا الإطار تتجسد إحدى مهمات السلطة والدولة: وهي أن " تواكب حركة المجتمع وإنتاجيته وتلتقط اتجاهات النمو وتسعى لتصويبها وتسريعها، هي (السلطة) التي يمكن الحكم على أدائها السياسي بالنجاح والإخفاقات السياسية للدولة العالمثالثية تعود في جزء أساسي منها إلى فشلها في التقاط اتجاهات النشاط الاقتصادي والاجتماعي لمجتمعها أو تعود إلى اعتقادها أنه بفرض أنماط إنتاجية جديدة مغايرة ومعاندة لتلك الموجودة تستطيع أن تحقق التقدم المطلوب " (5).

فالدولة معنية في كل الظروف والأحوال بمصالح الأمة والمجتمع، ولذلك ينبغي أن تسعى إلى تأمين مصالح الأمة وحماية مكتسباتها وقيمها وإبداعاتها ومنجزاتها.

ومن هنا نصل إلى حقيقة أساسية وهي: أن مدخل الوفاق والتكامل بين الدولة والأمة، هو التزام الدولة بمصالح الأمة واتجاهات الرأي العام المتوفر فيها. فكلما اقتربت الدولة من مفهوم الالتزام، كلما تعمقت أسباب الوئام والتفاعل بين الدولة والمجتمع. والعكس بمعنى أن ابتعاد الدولة عن مصالح الأمة والمجتمع وعدم خضوعها لاتجاهات الرأي العام، يعني على المستوى الفعلي ابتعاد الدولة في خياراتها وسياساتها عن مصالح الأمة الحقيقية، مما يجعل العلاقة بين الطرفين متوترة وذات طابع صدامي. " ومما تقدم، بات بالإمكان رسم معادلة للاستقرار السياسي أو للاضطراب في مختلف المجتمعات السياسية، فكلمت تقاربت مشاريع الدولة وسياساتها ومناهجها التربوية مع مصالح المجتمع وقيمه، كلما ارتقت هذه الدولة وتقدم معها المجتمع وظهرا مؤتلفين متفاعلين. وكلما تباعدت المشاريع والتطلعات كلما ازدادت مشاعر الخوف والاعتراض والنقمة لدى مختلف شرائح المجتمع " (6).

والدين الإسلامي في هذا المجال أرسى جملة من القيم والمبادئ التي تحافظ على حيوية الناس وحرياتهم، وتدافع عن حقوقهم، وترذل استخدام القوة والظلم في العلاقات الإنسانية والاستبداد والاستفراد بالرأي والحكم، وتجعل من الشورى وتداول الرأي والأمر والتسامح والتضامن والتعاضد من القيم الضرورية التي ينبغي أن تتعمق في النسيج المجتمعي.

وحتى تمارس الأمة دورها الحضاري، بحاجة إلى سيادة الشورى في محيطها ومكوناتها الثقافية والاجتماعية والسياسية، وذلك لأنها (الشورى) القادرة على تعبئة كل الطاقات تجاه خيارات الأمة الحضارية، وبها يتم تجاوز العقبات التي تحول دون الاستفادة من خيرات الأمة وثرواتها.

ومما سبق، نستطيع أن نفهم أهمية التحول النوعي في طبيعة العلاقة وسياقها وآفاقها بين الدولة والأمة في المجالين العربي والإسلامي. بوصفه آلية نوعية ونقلة كيفية تهيئ هذا المجال للانخراط الجاد والحيوي في شؤون العالم. وكلما تأخر أو تباطأ هذا المجال في تنظيم هذه العلاقة وتأسيسها وفق نسق حضاري جديد، كلما ابتعد هذا المجال عن أسباب النهضة وعوامل التطور والتقدم. فحجر الزاوية في مشروع التقدم والنهضة، هو قدرة العالم العربي والإسلامي على بلورة نمط حضاري للعلاقة بين الدولة والأمة، بحيث تكون هذه العلاقة تفاعلية – تواصلية وبعيدة عن كل أسباب الكيد والتوتر والإقصاء. وبالتالي فإن قدرتنا على إنجاز هذا النمط من العلاقة، هو الكفيل بإنجاز مفاهيم التغيير والنهضة في الواقع المجتمعي.

فالاختيار الحضاري الذي يسمح بتعبئة كل الطاقات وتحشيد كل الجهود والاستفادة من كل الامكانات، هو ذلك الاختيار الذي يستند في خططه وبرامجه على علاقة حضارية متوازنة بين الدولة والأمة، بحيث يقوم كل طرف بتأدية أدواره ووظائفه على أكمل وجه. وهو الاختيار النموذجي الذي يؤسس لحقل سياسي سليم في العالم العربي والإسلامي. و " الاختيار السياسي بهذا، اختيار أساسي يلقى القبول من الجميع أي بالاتفاق العام، أو الإجماع، ثم اختيارات فرعية تختلف فيها وعليها التيارات السياسية الشرعية. وبدون الاتفاق العام، لا يتحقق الاختيار الفرعي.

فعلى المجتمع أن يحدد أولا اتفاقاته العامة، التي تعبر عنه كوحدة كلية لها وجودها وتماسكها، ومـن ثم يستطيع أن يسمح بتداول السلطـة، داخل إطار هذا الاتفاق العام. وبدون الاتفاق العام، يمر المجتمع والدولة بحالة فوضى سياسيـة شاملة. لأن تــداول السلطة هنا يعني " تداول السلطة " و " تداول النظام "، إن صح التعبير. فقبل الوصول إلى اتفاق عام حول البدائل الممكنة، تصبح كل البدائل متاحة وفاعلة، ولكن تداول السلطة بينهما غير جائز بالهدف المقصود منه. ولنتخيل مثلا، دولة تمر بحكم شيوعي، ثم رأسمالي، ثم اشتراكي، ثم نازي، خلال عقدين من الزمن. مثل هذه الدولة لن توجد أصلا كدولة، لأن التغير الجذري في النمط السياسي، سوف يحطم بناء الدولة وتماسك المجتمع " (7).

فالاختيار الحضاري والأطر المرجعية العليا، هما اللذان يحددان شكل الممارسة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وذلك لأن هذا الاختيار يؤسس لحالة من الإجماع والاتفاق العام على أسس وخطوط تلك الممارسات.

وهذه الأسس والخطوط المستمدة من الاختيار الحضاري والمرجعية العليا، هي التي تؤسس قواعد البناء وأساليب العمران على مختلف الصعد والمستويات. من هنا فإن الاختلافات بين الأمم والشعوب مردها إلى اختلاف اختياراتها الحضارية وتباين أطرها المرجعية. ولا يمكن لأمة تنشد النهضة الحقيقية أن تستعير اختيارات غيرها الحضارية، وذلك لأن عملية الاختيار عملية معقدة ومركبة، تمر بها الأمم والشعوب من خلال حياتها وخبراتها وتجاربها وتاريخها وخصوصياتها. من خلال كل هذه العناصر التي تمر بها الأمم يتم تحديد الاختيار الحضاري. فلا استعارة أو تقليد أو محاكاة على صعيد اختيارات الأمم الحضارية وأطرها المرجعية.

و " الأمة بحضارتها، شرط لأية ممارسة للحرية، وثوابتها دستور يلتزم به الجميع، لأن اتفاقها وإجماعها، هو القرار السياسي الأول. لهذا ننادي بحرية الأمة، من نخبتها المتغربة، وسيادة اختيار الأمة، على اختيار وكلاء الغرب. وليس لأحد أن يظن في ذلك تعارضا مع الحريات، لأنه لن تقوم لنا قائمة، ونحن نفتح ممارستنا لأي بديل ونتساءل حتى عن حضارتنا، ونختار بين حضارتنا وحضارة الآخرين وكأنها اختيارات ندية متاحة، ونساوي بين مقدساتنا ومقدسات الآخرين. بل أكثر من ذلك، فما ننادي به من حرية سياسية، حسب رؤى وكلاء الغرب، يفرض على الأمة اختيار غير حضارتها، ويهمش ثوابتها لصالح ثوابت الآخرين، وينزع من الأمة حريتها في اختيار نفسها، وهو اختيار تلقائي فطري، لصالح تمتع النخبة المتغربة بالحرية " (8). فالتكامل بين الدولة والأمة ينبغي أن يستند على اختيارات الأمة الحضارية ومرجعيتها العليا، حتى يتحول هذا التكامل إلى بداية حقيقية وفعلية لعملية النهوض والانعتاق من كل المعوقات التي تحول دون العمران الحضاري.

وبنية التحول النوعي والتكامل والتفاعل بين الأمة والدولة في المجالين العربي والإسلامي بنية متكاملة شاملة. بمعنى إننا بحاجة إلى تظافر كل الجهود والحقول الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية لبلورة هذه البنية وإنضاج آليات عملها وتأثيرها في المجالين العربي والإسلامي. فإذا استطاعت هذه البنية المجتمعية أن تفرض نفسها وتكون جزءاً أساسيا من النسيج الاجتماعي، حينذاك تكون عملية التحول النوعي باتجاه التكامل والتفاعل بين الأمة والدولة عملية ممكنة. فلا بد أن تسود في الفضاء الاجتماعي والسياسي قدر من الأفكار والقناعات والقيم الإنسانية والحضارية، الذي على ضوئها وهـداها تتم عملية التحول المطلوب.

وفي تقديرنا أن هذه القيم والأفكار تتجسد في الآتي:

1- الديمقراطية وسيادة الحرية بمقتضياتها ومتطلباتها النفسية والثقافية والاجتماعية والسياسيـة، حتى تتبلـور الإرادة الاجتماعية والفعـل العام، باتجاه تأكيد هذه القيمة (الحرية) في كل مجالات الفضاء الاجتماعي. ولا شك أن كينونة هذه القيمة في المحيط الاجتماعي، سيؤدي إلى إحداث تحولات نوعية وأساسية في المسيرة الاجتماعية، باتجاه خيارات سياسية وثقافية وحضارية، تحدث انعطافة حقيقية في مسار المجتمع.

فإشاعة الديمقراطية وثقافة الحرية في الوسط الاجتماعي، وتأسيس تقاليد التحولات السلمية السياسية والاجتماعية، كلها تعتبر من الأمور الأساسية المفضية إلى تفاعل وتكامل بين الدولة والمجتمع في المجالين العربي والإسلامي.

وإن العلاقة بين الأمة والدولة، لا يمكن أن تأخذ شكلها الحضاري، إلا بتحول ديمقراطي – سلمي، يأخذ على عاتقه تصحيح العلاقة وإزالة كل أسباب الجفاء وموجبات التوتر بين الطرفين.

فالتحول الديمقراطي - السلمي هو وسيلة الواقع العربي والإسلامي للوصول إلى الصيغة الحضارية للعلاقة بين الدولة والأمة.

ومن الأهمية بمكان أن تجري هذه العملية في سياق النسق الحضاري الإسلامي، حتى لا تحدث الفوضى أو يتـم التناقض بين مشروعات الحرية والتعددية والتداول السلمي للسلطة وقيم الناس الدينية.

ووفق هذا المنظور يتم إعادة الاعتبار إلى الأمة ودورها في البناء الحضاري، والدولة ووظائفها السياسية والدفاعية والإستراتيجية. وبهذا تتشكل الوقائع والحقائق المنسجمة وقيم سيادة الحرية والديمقراطية في الواقع المجتمعي. ولن يتم الخروج من المآزق السياسية والثقافية والاجتماعية، إلا بتبني مشروع التحول الديمقراطي – السلمي، الذي يأخذ على عاتقه صيانة حقوق الإنسان وتأكيد قيم التعددية السياسية وحرية الفكر والتعبير والتنظيم والتداول السلمي للسلطة واحترام الرأي العام والدفاع عن مكتسبات الأمة التاريخية والحضارية.

2- إن العديد من الإخفاقات التي تعاني منها الدول العربية والإسلامية، يرجع في تقديرنا إلى غياب مبدأ المشاركة السياسية وضمور مساهمة الجمهور في الشؤون العامة. وهذا بطبيعة الحال يؤدي إلى اهتراء حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي، وشيوع حالات الفساد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، ويضعف من مستوى الشعور بالمسؤولية الوطنية. وكل هذه العناصر من الأمور التي تؤدي بشكل أو بآخر إلى إخفاق مشروعات البناء والتنمية، وتنمية حـالات الغربة النفسية والاجتماعية، وتصاعد مستوى الجريمة بكل أشكالها ومستوياتها.

فتعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي، بحاجة إلى تطوير مستوى المشاركة السياسية، لأنها هي التي توسع من القاعدة الاجتماعية التي ترى من واجبها تعزيز واحترام حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي.

فتوسيع مستوى المشاركة السياسية وتطوير آليات مساهمة القواعد الاجتماعية المتنوعة في صناعة القرار وتنفيذه، من القضايا الجوهرية التي تؤدي إلى الاستقرار، وهو شرط التنمية والأمن الشامل ووسيلة النهوض بالواقع العام. و " إن الاهتمام بالشأن العام مباح لجميع أفراد المجتمع السياسي، بل هو واجب عليهم. إذ إن الشأن العام جزء من الوجود الاجتماعي لكل فرد من أفراد المجتمع السياسي، ولا يستطيع الفرد السياسي العمل على تدبير شأنه الخاص إلا في وضعية تفاعل أفراد المجتمع بالشأن العام " (9).

فلا استقرار من دون مشاركة سياسية نوعية ولا تطور ومواجهة فعالة لتحديات الخارج من دون فسح المجال لقوى المجتمع المختلفة لممارسة أدوارها ووظائفها التاريخية والحضارية.

فالحلقات مترابطة بين المشاركة والاستقرار والتطور. فالاستقرار هو حصيلة الديمقراطية وتطور مستوى المشاركة السياسية، فالمجتمع الذي لا يشارك في صناعة مصيره، ولا يتحكم في قضاياه الكبرى وأموره الهامة، يصاب بالإحباط والجمود. كما أن الدولة التي تقمع مجتمعها، وتتعالى على خياراته، وتمارس اقصاءاً مستمـرا لقواه، فإن هذه الدولة تصبح بدون جذور حقيقية وصلبة في المجتمع.

لذلك فإن الدولة بحاجة إلى مجتمع دينامي ومشارك في تحمل المسؤوليات العامة، كما أن المجتمع بحـاجة إلى دولة عادلة، عزيزة تمارس وظائفها في إطار التفاعل والتكامل والدفاع المتبادل. والاستقرار ضرورة للمجتمع والدولة معا، وسبيله توسيع دائرة المشاركة السياسية وتوطيد أركان العملية السياسية الديمقراطية. " وإن دولة لا تمتلك الوسائل لتغيّر ما، هي دولة لا تملك الوسائل للمحافظة على ذاتها " (10).

فديمومة السلطات مرهون باستقرارها، والاستقرار هو حصيلة مدى مساهمة ومشاركة المجتمع وقواه في إدارة الأمور وصناعة القرارات السياسية والمصيرية.

لذلك فإن سبيل استمرار الحكومات، هو ديمقراطيتها وفسح المجال للمجتمع بشكل قانوني ومؤسسي لممارسة دوره والقيام بواجباته الكبرى.

فالديمقراطية تجلب الأمن والاستقرار، والمشاركة السياسية تغرس مضامين جديدة وحيوية لمفهوم الاستقرار السياسي. ولا ينحصر دور المشاركة السياسية في توفير الاستقرار وموجباته المجتمعية، وإنما توفر أيضا الظروف الموضوعية للتقدم الاجتماعي العام. فالتقدم كتطلع إنساني نبيل لا يمكن أن تنجز مفرداته في الواقع الخارجي، بدون مشاركة قوى المجتمع ومؤسسة الدولة في إنجازه وتكريس مساره. وذلك لأن المشاركة السياسية ستفرض قيما اجتماعية جديدة، تزيد من حيوية كل القوى وفاعليتها وتوجهها صوب التقدم والعمران الحضاري.

ومن الثابت تاريخيا أن الدولة الديمقراطية أكثر استقرار من الدولة الاستبدادية، وأن المجتمعات ذات المؤسسات والتكوينات المدنية والديمقراطية أكثر أمنا واستقرار من المجتمعات التي لا تمتلك مثل هذه المؤسسات. لذلك كله فإننا نرى، أن أحد المداخل الضرورية لإنهاء الأزمة بين الدولة والمجتمع في المجالين العربي والإسلامي، هو تطوير مستوى المشاركة السياسية، وتوطيد أركان الممارسة الديمقراطية، وذلك لأن هذا هو طريق الأمن والاستقرار على المستوى السياسي والحضاري.

والمشاركة السياسية تـأخذ أشكال وآليات عديدة منها: تنمية وتطوير مؤسسات المجتمع الأهلي - المدني، والسماح بإنشاء الأحزاب السياسية والتشكيلات الثقافية والاقتصادية والنقابية، وإطلاق حرية الصحافة وتطوير أداءها ودورها في المجتمع، والانتخابات الحرة والنـزيهة لمختلف المناصب والسلطات.

كل هذه آليات لتطوير مستوى المشاركة السياسية، التي هي السبيل الحضاري للاستقرار والأمن. فالاستقرار الحقيقي لا يتأتى بالقمع والقهر والعسف، وإنما بالرضا والتراضي والتعاطي مع شؤون المجتمع المختلفة بالرفق والحكمة. وإن الاستجابة الحرة والحضارية للانتماءات الموضوعية المتوفرة في الواقع المجتمعي، لا يعد ضعفا أو تهاونا أو تنازلا، وإنما يعد وفق المقاييس السياسية السليمة حكمة وقدرة سياسية فائقة للاستفادة من كل إمكانات المجتمع وقدراته في مشروع البناء والتنمية. فإرادة العيش المشترك، هي التي توفر أسباب ووجوه الوحدة الاجتماعية المطلوبة، القائمة على فعل التواصل والتعاون والوحدة الفعلية، التي لا تلغي التنوعات والانتماءات الموضوعية، وإنما تبلور لها مسؤولية ودورا في مشروع الإجماع الوطني المشترك.

3- إن الإرث الدامي للعلاقة بين الدولة والأمة في المجالين العربي والإسلامي، يتطلب من أجل تجاوزه واستيعاب عبره ودروسه من التحليق في المستقبل، والعمل على أن يكون الغد أفضل من الأمس. وهذا بطبيعة الحال بحاجة من كل القوى إلى توفير الاستعداد النفسي والقدرة على تجاوز الإحن والأحقاد ومضاعفات العلاقة السيئة خلال العقود الماضية. وذلك لأن الإنحباس في ماضي العلاقة وتأثيراتها الشاملة، يؤدي إليه إلى شحن النفوس وتضييع الفرص وتنمية الأحقاد والتوترات.

إن العالم العربي والإسلامي، بحاجة إلى تحول نوعي، بحيث تتجه جميع القوى صوب صناعة المستقبل بعيداً عن سلبيات الحاضر وتداعيات العلاقة المتوترة بين المجتمع والدولة. لذلك ينبغي التركيز على الغد والمستقبل والخروج من شرنقة ما مضى، وهذا لا ريب بحاجة إلى قدرة نفسية فذة، وتطلع نحو الغد عميق. وإننا في هذا الإطار، بحاجة إلى ثقافة تبلور إرادة الجميع نحو مستقبل تسوده قيم الإنسان والحضارة. وإن هذه بحاجة إلى توفر شروط ثقافية واجتماعية تدفع باتجاه تجاوز إيجابي للإرث الدامي في علاقة الدولة والمجتمع في المجالين العربي والإسلامي. وهذه الشروط لا تكون جاهزة في الفضاء الاجتماعي، وإنما هي تتبلور من خلال تراكم عمليات النظر والتفكير والمبادرات الاجتماعية التي تنشد بلورة الإطار الثقافي والاجتماعي لتجاوز محن الماضي وأرث العلاقة السيئة نحو غد أفضل ومستقبل خال من تداعيات المواجهة الدامية.

وإن التحول التاريخي المطلوب، يبدأ من إعادة بناء العلاقة بين الأمة والدولة، بين السلطة والمجتمع وفق أسس حضارية ومعايير تقترب من مفاهيم العدالة والحرية والتكامل والتفاعل. ولا يمكن أن يتم التحـول التاريخي في المجالين العربي والإسلامي بدون إعادة تنظيم هذه العلاقة بين الطرفين.

فالاستقرار السياسي لا ينجز إلا بتوافق حضاري بين الأمة والدولة وأي تنمية لا تلحظ هذه المسألة فإن مآلها الفشل والإخفاق. فإقصاء الأمة وتهميش المجتمع، لا يصنع تنمية وتقدما، لأنه لا تنمية بدون مشاركة المجتمع، ولا تقدم بدون قيام الأمة بمسؤولياتها التاريخية والحضارية.

فالإخفاق هو نصيب أي مشروع يقصي الأمة ويهمش دورها في الحياة. كما أن النجاح تتبلور أسبابه وتتجمع عناصر إرادته من خلال التوافق الحضاري بين الأمة والدولة. والتوافق هنا يعني المشاركة والتفاعل والمراقبة والشهود والتكامل.

في معنى التسوية التاريخية:

على خلفية المتغيرات العالمية، ومسارات التطور السريع الذي يجري في المعمورة على مختلف الصعد والمستويات. في هذه المرحلة التاريخية المليئة بالتحولات والاستحقاقات التي تختلف أشكالها ومضامينها على مجمل ما واجهته دول العالم العربي والإسلامي خلال المراحل السابقة.

وحتى لا تزداد أزمات الواقع العربي والإسلامي سوءا واستفحالا، نحن بحاجة إلى جهد متواصل لاستيعاب المتغيرات وإدراك المتطلبات الجديدة. وإن هذا الاستيعاب هو نتيجة استحقاق وسعي متواصل، وهو ثمرة تحرر وفعل نوعي في مختلف مجالات الحياة. فالاستيعاب العميق لمتطلبات اللحظة التاريخية، هو الخطوة الأولى في مشروع وقف الانحدار وصناعة المنجز الحضاري.

وإننا نروم من هذه الدراسة، أن يتمكن العرب المعاصرون من اقتحام فضاء العمل السياسي المدني والسلمي، والذي يأخذ على عاتقه تعميق متطلبات التحول الديمقراطي في الوطن العربي والإسلامي.

ومن الأهمية في هذا الإطار، الاعتقاد أن فض الاشتباك بين الدولة والمجتمع في التجربة العربية والإسلامية المعاصرة، هو من ضرورات التحول الديمقراطي ـ السلمي. وذلك لأن استمرار المماحكات، وتعاظم عوامل التوتر بين الطرفين، يؤدي فيما يؤدي إليه إلى اشتعال الحروب الداخلية، واستفحال نزعات العنف والقتل والكراهية والتعصب، وتعاظم خيارات التطرف والاستئصال. ولا ريب أن هذه المظاهر والصور، كلها مناقضة لمتطلبات التحول الديمقراطي - السلمي. وليس من شك أن بقاء الوضع العربي والإسلامي على حاله، يعني فشل المشروع التاريخي للدولة الوطنية الحديثة، وإخفاق لكل النخب السائدة سياسيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا.

فالإخفاق شامل، وأسبابه وموجباته متوفرة في كل الدوائر والمؤسسات والحقول. وأمام هذا الإخفاق، نحن بحاجة إلى عملية إصلاح المجتمعات العربية والإسلامية من الداخل، لأنها المدخل الفعال لتفعيل هذه المجتمعات وإعادة حيويتها وتخليصها من توتراتها الداخلية.

وفي سبيل الوصول إلى مصالحة حقيقية بين الدولة والمجتمع في المجالين العربي والإسلامي نؤكد على الأمور التالية:

1- ضرورة الحوار بين النخب في العالم العربي والإسلامي، وتوطيد أسباب التواصل الثقافي والسياسي بينها. ولا شك أن تدشين مرحلة الحوار الجاد بين نخب الأمة، سيؤدي إلى إرساء قواعد وتقاليد للتواصل الثقافي والسياسي. ومن الطبيعي أن تكريس خيار التواصل يفضي إلى نضج ثقافـة سياسية واجتماعية، ذات طابع ديمقراطي وسلمي. وهذا يساهم مساهمة كبيرة في إرسـاء قواعد وثقافة مواتية للمصالحة بين الـدولة والمجتمع.

فحالات التوتر مهما كان شكلها أو عنوانها بين الدولة والمجتمع لا تصنع استقرارا وأمنا شاملا، وإنما تزيد من فرص الاضطراب والانفجار السياسي والاجتماعي. لذلك فإن من المهمات الكبرى لكل قوى الأمة، هو إرساء تقاليد الحوار والتواصل الثقافي والسياسي، حتى يتسنى للجميع بلورة أطر وبرامج للخروج من الأزمة المتفاقمة بين الدولة والمجتمع في المجالين العربي والإسلامي. فالقوة لا تحل الخلافات وإنما تؤكدها وتعمقها. والقهر لا ينهي تباين وجهات النظر وتعدد الأطر المرجعية والفكرية، وإنما يزيد من حراكها وفعاليتها. فينبغي أن نعطي لبعضنا البعض الفرصة للحوار بالوسائل الحضارية والسلمية، حتى تتراكم خبرتنا الإنسانية، وتتكثف في واقعنا حقائق العقل والحضارة. والاعتراف بالآخر وجودا وفكرا ومدرسة، هو بوابة الحوار الجاد بين نخب الأمة.

والحوار والتواصل المطلوب بين نخب الأمة وقواها المتعددة، لا يأخذ شكلا أو صيغة واحدة، وإنما ستتعدد الأشكال والصيغ وذلك بفعل اختلاف الظروف وطبيعة التحديات ومستوى النضج الثقافي والسياسي الذي سيتوفر من جراء عملية التواصل والحوار.

ولا ريب أن هذه العملية بحاجة إلى أطر مؤسسية ثابتة ترعى مثل هذا التوجه وتخطط له، وتوفر أسباب النجاح له. كما تحتاج إلى كل المبادرات الناضجة والمسئولة والتي تأخذ على عاتقها تعميق حالة التعارف والتنسيق والتعاون بين قوى الأمة ونخبها المتعددة.

وبهذا نطرد من واقعنا الخطاب الآحادي والعقلية الدوغمائية والمنطق الشمولي والمطلق الذي لا يرى إلا ذاته ويلغي ما عداه. ويفتقر هذا المنطق إلى كل دلالات المرونة واستعدادات الحوار والتساؤل والنقد. فالتواصل الحواري والتعاوني بين نخب الأمة، ينبغي أن يحمل في ثناياه ومضمونه القبول بالتساؤل والاختلاف والنقد.

وذلك لأن التواصل الحواري، لا يستهدف تهديم الآخر وإفشاله، وإنما يستهدف تعرية واكتشاف كل الثغرات والنواقص التي أدت إلى إخفاق النخب في إنجاز نهضة الأمة وتقدمها. فالحوار من أجل فحص المسيرة ومحاكمتها موضوعيا، لا بعقلية المنتصر والمنهزم وإنما بعقلية مسؤولية الجميع عن الحالة الراهنة، وقدرة الجميع إذا توفرت الإرادة الصادقة والثقافة السليمة لتنظيم الاختلافات لاجتراح فرادتنا ونهجنا في البناء والتقدم.

فالتواصل الحواري ليس وسيلة جديدة لتأبيد القوالب الفكرية والمنهجيات السياسية السائدة، وإنما آلية لمنع اجتراح الأفكار وإعادة إنتاج المنهجيات والعقليات الدوغمائية، وتطمح إلى إنتاج المعرفة الجديدة والمعطيات السياسية المنسجمة وروح العصر وتثري حالات التعدد والتنوع المتوفرة في جسم الأمة.

لهذا كله ينبغي أن تهتم نخب الأمة من مختلف المواقع والساحات، ببلورة المبادرات وصياغة الأطر الكفيلة بتحريك حالة التواصل الحواري بين نخب الأمة ومؤسساتها الأهلية والمدنية، حتى تتضح وتتبلور رؤى الخروج من مآزق الراهن. وذلك لأن " حوار النخب يخفف بدرجة كبيرة من أخطار التعصب والغلواء التي تستوطن نخبة ما في ظرف ما. وغياب الحوار بين النخب هو الذي أفضى إلى سوء الأحوال في البلاد العربية إلى درجة تعلن فيها الأحكام العرفية في بلد، ونظام الطوارئ في آخر، والاقتتال الداخلي في ثالث ناهيك عن غياب المؤسسات التي تكفل حرية المواطن وحياته في كثير من البلاد " (11).

ولا ريب أن الفشل في تأسيس واقع حواري بين نخب الأمة، يؤدي إلى استفحال الأزمات وتفاقم المشكلات وتشتت الجهود، ويضمر أثر هذه النخب في الواقع العام.

2- دائما النمط الاجتماعي المغلق، والذي لا يمد جسور التعارف والانفتاح مع الآخرين، يتحول إلى نمط اجتماعي يحتوي أو يتضمن الكثير من عوامل الخطر والتقسيم الاجتماعي. لأن هذا النمط المغلق يغذي نفسه بعقلية التميز والعداء والصراع مع الآخرين كمبرر دائم لاستمرار عقلية الكانتونات الاجتماعية.

ونظرة واحدة إلى خريطة الدول العربية الاجتماعية لنرى كيف أن عقلية الكانتون والقطيعة الاجتماعية مع الآخرين هي القاعدة الصلبة التي كرست مفهوم التقسيم والتفتيت الاجتماعي.

لهذا فإن السلم المجتمعي، لا يتحقق على قاعدة هذه العقلية التي تصنف وتفرق ولا تؤسس وتجمع. وإنما السلم المجتمعي يتحقق على قاعدة عقلية نبوية، تجمع ولا تفرق وتبحث عن القواسم المشتركة قبل أن تبحث في نقاط التمايز والافتراق.

ومقتضيات الحوار عديدة من أهمها: التعارف وفتح الأجواء الاجتماعية المختلفة، بحيث تنعدم نفسيا واجتماعيا مسألة الكانتونات والمجتمعات المغلقة. لأنه لا يعقل أن يتم حوار اجتماعي بدون تعارف وأجواء اجتماعية مفتوحة. فشرط الحوار ومقدمته الضرورية التعارف الاجتماعي بكل ما تحمله كلمة التعارف من معنى ومدلولات اجتماعية وثقافية.

والانفتاح ونبذ الانطواء على النفس مهما كانت مسوغات هذا الانطواء التاريخية والاجتماعية. إن الإنسان (الفرد) المنطوي على نفسه لا يمكنه أن ينظم ويوسع علاقاته الاجتماعية. كذلك الإنسان (المجتمع) لا يمكنه أن يوسع من علاقاته، ويعرّف الآخرين بأفكاره ومعتقداته ورموزه التاريخية ومغزاها الثقافي والحضاري وهو منطو على نفسه.

فالانفتاح وإلغاء الحدود المصطنعة والوهمية في بعض الأحيان، هو الذي يؤسس لمنظور حواري اجتماعي متقدم، يزيد في إثراء الساحة الاجتماعية، ويعمق كل مقولات الوحدة الوطنية في الواقع الخارجي.

وينبغي أن لا نفهم الانفتاح في هذا العملية الاجتماعية الشاملة باعتباره مقايضة تاريخية - ثقافية لكل الخصائص الذاتية والتاريخية. وإنما هو في حقيقة الأمر دفع وإعادة فهم لتلك الخصوصيات من أجل إيصالها إلى مستوى الحقائق الموضوعية التي يستفيد منها أي إنسان.

ولعل مقتل الكثير من المجتمعات المغلقة يبدأ حينما تصر هذه المجتمعات على إبقاء تلك الخصوصيات ذاتية. بينما المجتمعات الإنسانية المتقدمة هي التي استخدمت إمكاناتها المختلفة من أجل إعطاء للخصائص الذاتية البعد الموضوعي التي يجعلها قابلة للتطبيق في مجالات اجتماعية أخرى. إن الانفتاح الذي نقصده ونراه ضرورة للحوار الاجتماعي، هو الذي ينطلق من هذه العقلية التي تدفع باتجاه أن تعطي لمضامين مفاهيمها الذاتية بعدا موضوعيا ـ جامع. بحيث تغذي هذه المفاهيم العالية مجموع الوحدات الاجتماعية. ووفق هذا المنظور نتمكن من الوصول إلى مفهوم الحوار الاجتماعي الحيوي والهادف إلى تفعيل القواسم المشتركة بين مجموع الوحدات الاجتماعية.

ولعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا، أن الكثير من الحروب الأهلية التي تجري في العديد من البلدان ترجع بالدرجة الأولى إلى إصرار كل طرف على جعل مفاهيمه الذاتية، هي المفاهيم الحاكمة والسائدة ودون أن يطور في مضمون هذه المفاهيم ويعطيها أبعادا موضوعية.

وهذا الإصرار هو الذي يزاوج بشكل قسري ومتعسف بين المفهوم الذاتي والشخص أو الفئة السياسية أو الاجتماعية التي تحمل لواء ذلك المفهوم الذاتي. وهذا ما يفسر لنا ظاهرة أن الكثير من الأحزاب السياسية في العالم الثالث وبالذات في الدول التي تخوض حوربا أهلية هي غطاء حديث لمضامين اجتماعية تقليدية سواء قبلية أو جهوية أو ما أشبه.

وجماع القول: أن السلم المجتمعي لا يتحقق إلا بحوار اجتماعي مستديم لا يبحث في لاهوتيات كل طرف ومواقفه التاريخية، وإنما يبحث ويؤسس لحياة اجتماعية ووطنية سليمة.

وعلى هدى هذه الحقيقة نقول: أن استمرار الخطاب الاجتماعي والسياسي في التغذية المعكوسة لتلك التمايزات التاريخية والاجتماعية، يؤدي إلى أن يمارس هذا الخطاب دورا تقسيميا في الوطن والمجتمع. بينما من الضروري أن يتطور هذا الخطاب ويتجه نحو صيانة منظومة قيمية ومفاهيمية جديدة، تحترم التمايزات التاريخية دون الانغلاق فيها، وتؤسس لواقع اجتماعي جديد يستمد من القيم الإسلامية والإنسانية العليا منهجه وبرامجه المرحلية.

3- إن العالم العربي أحوج ما يكون اليوم إلى الإجماع الوطني الجديد، الذي يستوعب جميع القوى والتيارات في أطر منسجمة مع بعضها البعض لمواجهة التحديات والعمل معا من أجل تنفيذ التطلعات الممكنة. ولا شك أن طريق الإجماع الوطني، لا يمر عبر الاستفراد بالحكم والقوة واستخدام أساليب القهر والإقصاء. إنها تزيد من التشظي، وتساهم في تنمية العصبيات والعقليات الدوغمائية. لذلك نرى أن بوابة الإجماع الوطني المطلوب، واصطفاف جميع القوى والنخب في إطار مشروع جامع، هو إصلاح الوضع السياسي في المجالين العربي والإسلامي. والإصلاح هنا لا يعني إيجاد بعض الشكليات القانونية والدستورية، أو الإعلان الدائم عن ضرورة الإصلاح والتطوير، وإنما يعني بالدرجة الأولى تغيير وتطوير شروط الممارسة السياسية، وتوسيع دائرة النخبة السياسية، وتأسيس العملية السياسية على قواعد أكثر عدالة والتزاما بقيم الأمة وخصوصياتها الحضارية والتاريخية.

ودون ذلك ستزداد حالات الاغتراب عن الدولة في المجالين العربي والإسلامي، و ستتآكل الشرعية وستستشري عوامل الانفجار في المحيط المجتمعي كله.

ومن خلال هذا المنظور، نرى أن الكثير من أشكال الممارسة السياسية في المجالين العربي والإسلامي تحتاج إلى تغيير وتطوير، وذلك لأنها أشكال تعمق من أزمة الواقع وتزيده غشاوة وضبابا وارتباكا. فالسياسة ليست نضالا ضد الأخلاق والقيم الإنسانية الكبرى، وإنما هي في جوهرها نضال من أجل الحرية والعدالة. لذلك ينبغي أن تكون الممارسات السياسية منسجمة وهذه القيم. فإعادة الاعتبار إلى السياسة، يبدأ من اعتبارها حقلا عاما بإمكان كل مواطن المشاركة فيه بصرف النظر عن منبته المذهبي أو الاجتماعي. وأن المعيار الناظم لهذه المشاركة هو كفاءة الإنسان وقدرته على تقديم برامج وحلول لأزمات الواقع ومشكلاته. وحتى تتوفر الظروف الموضوعية للانخراط من قبل جميع قوى الأمة في حقل السياسة، بحاجة إلى التأكيد على أن هذا الحقل من الحقول المدنية الهامة، التي يتم فيها التعاون والاختلاف والتنافس والصراع بأدوات مدنية وديمقراطية. ويتم الابتعاد كليا عن كل أشكال عسكرة السياسة وعنف القول وعنف الفعل.

فعن طريق فتح المجال لكل القوى للمساهمة في حقل السياسة ضمن الضوابط الدستورية، ومدنية هذا الحقل، وديمقراطية أساليب العمل المتبعة فيه والتزامها التام بالقوانين المشروعة. عن طريق هذه العناصر يتم إعادة الاعتبار إلى السياسة، ودورها في إنهاض الأمة وبلورة مقاصدها العليا.

فبوابة خلق الإجماع الوطني الجديد هو تجديد الحياة السياسية، وتوسيع مستوى المشاركة فيها، وتنظيم قواعد التنافس والصراع فيها أيضا.

فالمطلوب أحداث تحولات نوعية على مستوى التصورات التي نحملها عن السياسة وطبيعة عملها وآليات فعلها، بحيث تكون التصورات الجديدة متناغمة والإطار الحضاري لمجتمعاتنا. وإننا بحاجة أن نبحث في مفهوم السياسة، ونعيد تأسيسه على قاعدة حضارية، نتجاوز من خلالها كل الرواسب السيئة لمفهوم السياسة المتداول اليوم في الساحة الدولية. لهذا فإننا بحاجة إلى مؤسسات وأطر للتنشئة والتنمية السياسية، حتى يتحول هذا الحقل إلى حقل فعال ومنتج في سبيل البناء الحضاري. وأي ممارسة تعسفية لإقصاء السياسة من المجتمع فإنها تؤدي في المحصلة الأخيرة إلى ضعف مؤسسة الدولة ومؤسسات المجتمع، وذلك لأنها أقصت من مسيرتها رافدا أساسيا من روافد التطور والتقدم. لهذا نجد أن الأنظمة التي تقصي السياسة من مجتمعها وتحارب بمختلف الوسائل نمو الأطر السياسية المؤسسية، تتراجع قيم الحرية في واقعها، وتتضاءل إمكانية التضامن، وتتراجع القيم الضابطة للعمل العام، ويصاب العقد الوطني والاجتماعي بالخلل والانفراط. " ويفترض هذا المنظور أن سبب فساد السياسة العربية لا يكمن في طبيعة السياسة القائمة كأهداف وأساليب وغايات ووسائل عمل، وإنما في تقصير بنية الدولة عن تلبية هذه الأهداف، أي في الطابع غير الفعال وغير المتسق للدولة من حيث هي آلة تنفيذية. ومن هنا، فإن إصلاح السياسة يقتضي، بالدرجة الأولى إصلاح مفهوم الدولة، أي تحديد النموذج الصالح منها. ويلتقي هذا التفكير مع التفكير الكلاسيكي في مفهوم المؤسسة وخصوصيتها وما يرتبط بها من تقنين وتجريد وتعميم، بالمقارنة مع فكر السلطة الشخصية والزبونية والخاصة أو الإقطاعية التي كانت تميز، حسب اعتقاد محللي المجتمعات الإسلامية الكلاسيكيين، الدولة التقليدية السلطانية " (12).

وهكذا يصبح صوغ مفهوم جديد للسياسة، هو أحد الشروط الأساسية لعملية الإصلاح في الواقعين العربي والإسلامي، وذلك لأن التنشئة السياسية السليمة وسيلة أساسية من وسائل توسيع قدرة المجتمعات العربية والإسلامية على تدعيم خيارات العقل والحرية في الممارسة السياسية سواء في مؤسسة الدولة أو مؤسسات المجتمع السياسي.

ولعلنا لا نعدو الصواب حين القول: إن أحد الأسباب الرئيسة لإستشراء الفساد (بالمعنى العام) في الواقع السياسي العربي والإسلامي، هو انفصال مؤسسة الدولة عن المجتمع، وضعف تحرر المجتمع من هيمنة الدولة وغطرستها. لهذا فإن كل خطوة في طريق إنجاز الانسجام الواعي بين الدولة والمجتمع تعد خطوة في طريق إصلاح السياسة في المجالين العربي والإسلامي. كما أن كل جهد يبذل لتحرر المجتمع من ضغوطات الدولة الاستبدادية يعد جهدا أساسيا في بناء السياسة على أسس مجتمعية جديدة. فالسياسة كسلطة ينبغي أن تكون موضوعية وعقلانية وبعيدة عن كل رواسب الانحطاط في الواقعين العربي والإسلامي. وبوابة إنجاز ذلك هو المزيد من الجهد والكسب والعمل لإنجاز مصالحة تاريخية بين الدولة والمجتمع والكفاح الدائم من أجل انعتاق المجتمع من هيمنة الدولة الاستبدادية عن طريق بناء مؤسساته وتعظيم نقاط قوته وتسيير شؤونه بإرادته وإمكاناته. فتحرر المجتمع من الهيمنة الشمولية للدولة الاستبدادية هو شرط بناء مجتمع أهلي ـ مدني قادر على اجتراح تجربته وبناء نموذجه. وبالتالي فإن " إدراك سبب إخفاق السياسة وفسادها، ومن ورائها تفاقم قيم القهر والعنف، وانسداد آفاق التحول والتقدم السياسي، في تجاه بناء الفرد كمواطن من جهة وبناء الجماعة كأمة متضامنة ومتحدة وموحدة من جهة ثانية، يستدعي، إذن، دراسة التجربة التاريخية التي حكمت تجديد نموذج السياسة ومفهومها وشرطت عملية تكوين الدولة العربية في العصر الحديث، من حيث هي تجسيد لقيم وغايات اجتماعية وأخلاقية، ومن حيث هي وكالة تنفيذية تقوم بترجمة هذه القيم والغايات في الواقع العملي وتضمن نجاعتها. ويفترض هذا المنهج، إذن إبراز دور العوامل المختلفة، التراثية والمعاصرة، الثقافية والمادية، المحلية والعالمية التي أدى تفاعلها إلى توليد الظاهرة الجديدة بدل التركيز على أحد هذه العوامل من أجل محو العوامل الأخرى أو التقليل من أهميتها. والمقصود أن الأمر المهم في فهم الظاهرة ليس العوامل الثابتة نفسها، المادية أو المعنوية، الذاتية أو الموضوعية، بل العلاقات التي تنشأ بين هذه العوامل، والقوانين التي تحكم تبدل هذه العلاقات. ولا يمكن لفهم نظرية الدولة وحدها ولا للكشف عن أثر الذات وحده أيضا، إصلاح نظرتنا للدولة وبناء الدولة. إن جوهر الإصلاح كامن في مراجعة تجربتنا السياسية التي ارتبطت ببناء الدولة الحديثة والكشف عن مثالبها ونقائصها " (13).

فالمصالحة الحقيقية بين الدولة والمجتمع في المجالين العربي والإسلامي، متوقفة إلى حد كبير علـى ضرورة جعل حقل السياسة بكل مستوياته وأشكاله مفتوح على جميع الطاقات والتعبيرات. فلا إقصاء لأحد من ممارسة هذا الحق في هذا الحقل، ولا تهميش لأي طرف وطني. ففي الحقل السياسي تتنافس التعبيرات والبرامج، ويبقى الخيار الأخير بيد الأمة والشعب. فهو الذي يقرر البرامج السياسية، وهو الذي ينتخب الرجال لتأدية الوظائف وتنفيذ البرامج. فلا مصالحة بدون حياة سياسية جادة، ولا حياة سياسية جادة بدون ديمقراطية تسمح للجميع من ممارسة دوره في البناء والتنمية. وهذا المطلب بحاجة إلى تظافر الجهود والقوى والفعاليات من أجل صوغ إجماع وطني جديد، وعلى أسس قانونية وديمقراطية، ترعى جميع الخصوصيات، وتلحظ طبيعة التحديات واللحظة التاريخية التي نعيشها.

وإن المصالحة بين الدولة والمجتمع ليس مقولة نظرية فحسب، بل هي حركة سياسية فاعلة تتجه صوب القواسم المشتركة لتفعيلها، ونحو السلبيات لتحديدها وبيان سبيل إنهائها، وعملية ثقافية - اجتماعية تأسس لعقد سياسي جديد يربط قوى المجتمع مع مؤسسة الدولة.

وآليات وأسـاليب إحـداث المصالحة والتوازن والتكامل بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني ـ الأهلي متعددة ومتنوعة ومفتوحة على كل المبادرات والفعاليات الإنسانية. وحجر الزاوية في هذه المسألة هو وعي الإنسان الذي يتجه دوما نحو بناء قوته وفق أسس سليمة. وهو وعي يقبل بعمق بالآخر ويؤسس بنضج وحكمة لحالة حوارية مستديمة أفقها مفتوح على الإنسان ومستقبله بصرف النظر عن منبته الأيدلوجي أو عرقه أو انتمائه السياسي.

4- إن ردم الفجوة القائمة بين النخب السياسية السائدة في المجالين العربي والإسلامي وعموم الشعوب العربية والإسلامية، بحاجة إلى توفر الإرادة السياسية الصادقة التي تأخذ على عاتقها ردم الفجوة وإنهاء الهوة المتوفرة في المحيطين العربي والإسلامي.

وردم الفجوة ليس خطابا بلاغيا يتفوه به الزعيم، أو منشورا يوزعه الحزب السياسي، وإنما هو ممارسة سياسية مستديمة، تستهدف إزالة أسباب هذه الفجوة، وتوفر الظروف والعوامل الذاتية والموضوعية لردم هذه الفجوة عبر عمل سياسي نوعي يشترك في إنجازه نظام الحكم وقوى المجتمع السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

وفي تقديرنا أن معيار توفر الإرادة السياسية الصادقة لعملية التحول تتجسد في إطلاق مشروع التعددية السياسية والسماح بإنشاء الأحزاب والجماعات السياسية حتى يتشكل الجسر السياسي الضروري لعملية التحول المطلوب.

وينبغي أن ندرك أن النظم السياسية المستبدة هي معرضة على الدوام لفقدان شرعيتها واضمحلال قاعدتها الاجتماعية واسترخاء مشروعها الوطني.

فالتعددية السياسية الحقيقية هي البوابة الحقيقية لعودة الشرعية وفعاليتها، وهي معيار توفر الإرادة السياسية المتجهة نحو التغيير والتطوير، كما أنها هي التي تعمق من مشروع المصالحة بين الدولة والمجتمع في المجالين العربي والإسلامي.

فالتعددية السياسيـة الحقيقية، بمثابة مفتاح لدخول العصر وإنجاز مقولة التحول الديمقراطي - السلمي في الفضائين العربي والإسلامي.

والحقيقة التي ينبغي أن لا تخفى على أحد هي: أن دولة ونظاما سياسيا لا يقر بالتعددية، سيؤدي عدم إقراره عاجلا أو آجلا إلى بروز الخصوصيات الضيقة، ونضوج أسباب التوتر والتعصب وموجباتهما، وسيدخل الجميع في نفق النـزاعات الهامشية والعصبوية المقيتة.

فالدولة التي تستبعد تشكيلات مجتمعها السياسية والثقافية، وتفرض عليه نمطا واحدا في حياته السياسية والثقافية، فإنها في حقيقة الأمر تغرس عوامل الحروب الاجتماعية بأشكالها المختلفة. وذلك لأن حقائق السياسة والمجتمع، لا يمكن نكرانها بالقوة واستخدام أشكال القسر والإرهاب، لأن هذه الطريقة تزيد من ترسيخ هذه الحقائق.

فالطريقة الحضارية للتعامل مع حقائق السياسة والمجتمع هو التكّيف معها وسن القوانين المؤاتية للاستفادة من هذه الحقائق في بناء الوطن وتطوير المجتمع. فإطلاق مشروع التعددية السياسية في المجالين العربي والإسلامي، هو الكفيل بتوظيف حقائق السياسة في مشروع البناء والتنمية.

ولا بد أن ندرك أن هيمنة مقولات سياسية واحدة، لا ينهي مشكلات الواقع ولا يؤدي إلى الاستقرار المطلوب، وإنما يؤدي إلى ظهور مقولات وأيدلوجيات متطرفة وعنيفة. وهذا بطبيعة الحال يزيد من أوار المشكلات ويدمر كل أشكال الاستقرار.

فالتطابق القسري لا يؤدي إلى الوحدة، وثقافته لا تصنع استقرارا وأمنا. فالوحدة لا تتأتى إلا باحترام التنوعات والتعدديات التقليدية والحديثة. وطريق الاستقرار والأمن هو مشاركة الجميع في البناء والتنمية. والتعددية السياسية لا تستبدل بغيرها، لأنها ضرورة من ضرورات النهوض وتتكامل مع غيرها من قيم التقدم والتنمية والعمران. فالنهضة الاقتصادية ليست بديلا عن التعددية السياسية، كما أن الحرية الثقافية ليست بديلا عن الخصوصية الحضارية. فإن هذه القيم الكبرى تتكامل مع بعضها، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن نمارس عملية المقايضة بين هذه القيم لأنها كلها ضرورات في البناء الحضاري، ولا يمكن لمجتمع أو أمة تنشد التقدم أن تتخلى عن بعض هذه القيم. ولا بد أن ندرك بعمق أن عملية المقايضة تشكل وفق كل المقاييس خسارة فادحة لكل هذه القيم وتجسيداتها المجتمعية، وذلك لأن لا فعالية لتعددية سياسية بدون نهضة اقتصادية ولا حرية سياسية بدون نظام اجتماعي - اقتصادي عادل وبعيد عن كل أشكال اللامساواة.

فهذه القيم تشكل في مجموعها منظومة متكاملة، لا يمكن لأي قيمة أن تؤدي دورها ووظيفتها الكاملة إلا في ظل مساندة من القيم والمبادئ الأخرى.

فالحرية لا تتجسد بشكل سليم في الواقع الخارجي إلا بقيمة العدالة في ميادين الحياة المختلفة، ولا عدالة مستديمة بدون مساواة وتكافؤ للفرص. فالتضحية بإحدى هذه القيم تحت أي مبرر، هو انحراف عن الطريق السوي للبناء والعمران الحضاري. فحجر الأساس في فعالية هذه القيم أن تكون متكاملة مع بعضها، بحيث أن كل قيمة تسند الأخرى. ومن خلال فعالية هذه القيم بمجموعها تنجز عملية التقدم الإنساني. والجدير بالذكر في هذا الإطار، أن تكامل هذه القيم لا يأتي دفعة واحدة وإنما بالتدريج. لذلك ينبغي أن نتشبث بكل الأسباب والعوامل المفضية إلى هذه القيم لتكريسها في واقعنا المجتمعي، وإنضاج تأثيرها في مسيرتنا الاجتماعية. لذلك فإننا مع كل خطوة تقرّبنا وتمكننا من هذه القيم. وهذا التأييد للخطوات المرحلية ليس من أجل الإنحباس فيها أو الاكتفاء بها، وإنما من أجل الانطلاق من خلالها إلى توسيع دائرة هذه القيم في الواقع المجتمعي.

فاستبداد الدولة وقمعيتها، يؤدي إلى انقطاع قوى المجتمع عنها وعدم تفاعلها مع خياراتها ومشروعاتها. وهذا بطبيعة الحال يزيد من حالات الانكفاء ويفاقم مستوى الانعزال بين الطرفين. وهذه الحالة بكل مستوياتها لا تخدم الأمة، ولا تؤسس لعملية وثوب حضاري، ولا تحول دون بروز عـوامل التوتر والنـزاعات، وإنما تغذيها وتمدها بأمصال التفجير وأسباب الاستدامة.

وخلاصة الأمر: إننا نرى أن هذه العناصر الأربعة، توفر مشهدا تتكامل فيه علاقة وأنشطة الدولة والمجتمع في المجالين العربي والإسلامي، وتزول إلى حد بعيد كل أسباب وموجبات التوتر والنـزاع المفتوح بين الطرفين. وأن هذه العناصر بمثابة البوصلة الضرورية لمصالحة الدولة والمجتمع والخروج من تداعيات التوتر الشاملة.

الخاتمة:

من أين تستمد الدول قوتها، وما هو المعيار الحقيقي والجوهري لتحديد قوة الدولة أو ضعفها. حيث من الضروري على المستويات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، أن نحدد المعيار الأساسي الذي يحدد قوة الدول وضعفها. وذلك حتى يتسنى لنا كشعوب ومجتمعات من العمل من أجل توفير عناصر القوة في فضائنا ودولنا، وطرد كل عناصر الضعف والتراجع.

للإجابة على هذا السؤال المركزي، بإمكاننا القول أن الكثير من الإجابات والتصورات نستطيع اختزالها في إجابتين ورؤيتين وهما:

1- إن الدولة القوية، هي التي تمتلك إمكانات عسكرية واقتصادية هائلة، وتتمركز كل القرارات والصلاحيات في يدها. فتساوق هذه الرؤية بين المركزية والقوة.

فالدول ذات الطابع الشمولي والمركزي في سياساتها واقتصادها هي من الدول القوية، حتى ولو كان الشعب يعيش القهر والحرمان والاضطهاد. والمشروعات التقدمية التي سادت المجال العربي في الحقب الماضية، عملت على تأكيد هذه الرؤية، وإعطائها بعداً أيدلوجياً. لذلك رفعت هذه المشروعات شعارات: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ووحدة العرب في قوتهم. والمقصود بالقوة هنا القوة العسكرية والمادية. ولكننا وبعد تجارب ومحن مريرة مع هذه المشروعات لم ننجز قوتنا القادرة على حمايتنا من المخاطر الخارجية والتحديات الداخلية. ولم نحقق انتصارنا على عدونا الحضاري التي توقفت كل المشروعات والسياسات من أجل التركيز على محاربته ودحره. ولكننا على الصعد كافة لم نحصد إلا الهزائم والانكسارات والإخفاقات.

فالمليارات التي صرفت على مؤسساتنا العسكرية والدفاعية لم تمنع العدو من الوصول إلى عواصمنا ومناطقنا الحيوية. والمركزية في الإدارة وصنع القرار، التي طبلنا لها كثيراً لم نحصد من ورائها إلا التأخر عن ركب الحضارة والعالم المعاصر.

ولقد أبانت لنا التجارب الماضية والمعاصرة، أن قوة الدول العسكرية ليست هي القوة الحقيقية القادرة على إنجاز تطلعات الشعب أو الدفاع عن أمنه وحدوده. بل على العكس من ذلك حيث أن الدول التي استندت في بناء قوتها على هذه الرؤية لم تصمد أمام الأزمات والتحديات.

فالاتحاد السوفيتي بكل ما يمتلك من ترسانة عسكرية ضخمة وأجهزة أمنية عملاقة، لم يستطع الصمود أمام تطلعات شعوبه المشروعة. فتلاشى في فترة زمنية وجيزة.

والعراق هذا البلد الذي يمتلك أقوى الجيوش وأقسى الأجهزة الأمنية والقمعية وصلت الولايات المتحدة الأميركية إلى عاصمته في غضون (20) يوماً فقط و(130) قتيلاً..

فالدول التقدمية والأيدلوجية، والتي استخدمت كل إمكانات الدولة لتعميم أيدلوجيتها وقهر الناس على خياراتها ومتبنياتها السياسية والثقافية، هي ذاتها الدول التي أجهضت كل مشروعات التحرر الحقيقي والخروج من مآزق الراهن.

ودول المشروع التقدمي لم تزدنا إلا ضعفاً وتشاؤماً، وذلك لأن الإنسان هو أرخص شيء لديها. تصادر حرياته، تمتهن كرامته، تحاربه في رزقه وكسبه، يقهر ويهان ويسجن ويعذب لأتفه الأسباب.

دولة اختزلت الجميع في دائرة ضيقة، لا تتعدى في بعض الأحيان شخص الأمين العام.

ولا نعدو الصواب حين القول: بأن هذه الدولة بنمطها القروسطوي وعنفها وجبروتها وعسكرتها لمجتمعها، أجهضت الكثير من الآمال والتطلعات. ولا يمكن بأي حال من الأحوال، أن نقول عن هذه الدول بأنها دول قوية. وذلك لأنها لم تستطع أن تنجز مشروعاتها وأهدافها بل على العكس من ذلك، حيث أنها أنتجت النقيض. فأنتجت الاستبداد والقمع وتكميم الأفواه بدل الحرية، وتحولت إلى مزرعة خاصة لفئة محدودة بدل العدالة والاشتراكية، وعمقت في الفضاء الاجتماعي والسياسي كل مستلزمات التفتت والتجزئة والتشظي بدل الوحدة والاتحاد.

وهكذا نصل إلى حقيقة شاخصة، تبرزها خبرة الإنسانية جمعاء عبر العصور، أن الدولة التي تنفصل عن مجتمعها وتحاربه في معتقداته واختياراته الثقافية والسياسية، وتفرض عليه نظاماً قهرياً، فإن مآلها الفشل وفقدان المعنى من وجودها.

2- إن قوة الدول تقاس بمستوى ديمقراطيتها وانسجامها على صعيد الخيارات والسياسات مع شعبها ومجتمعها.

والثروات الطبيعية والإمكانات العسكرية، لا تتحول إلى عنصر قوة، حينما يكون هناك جفاء بين الدولة والمجتمع. ونحن نرى أن هذا هو المعيار الحقيقي لقوة الدول وضعفها.

فالدولة التي تعيش التوتر مع شعبها، ولا تنسجم خياراتها مع خياراته، فهي دولة ضعيفة في المحصلة النهائية حتى ولو امتلكت كل الثروات والإمكانات العسكرية. أما الدولة التي تشرك شعبها في القرار وصناعة المصير، وديمقراطية في بنيتها وممارساتها، فهي دولة قوية وقادرة على مجابهة المخاطر حتى ولو كانت فقيرة في مواردها وثرواتها وإمكاناتها العسكرية.

فقوة العرب والمسلمين اليوم، في حريتهم ومستوى انسجام الدولة مع خيارات وتطلعات شعبها.

والديمقراطية هي حجر الأساس في قوة الدول وضعفها. لذلك فإننا نرى أن كل مبادرة، تأخذها الدولة، وتستهدف توسيع مستوى المشاركة الشعبية في صناعة القرار وتسيير الأمور، هي مبادرة وخطوة تساهم في تعزيز قوة الدولة، أو بناء هذه القوة على أسس جديدة أكثر قدرة وفعالية.

وإن النهج السياسي المعتدل، والذي يتعاطى مع كل الأمور والقضايا والحقائق السياسية والاجتماعية بعقلية منفتحة ومتسامحة، هو القادر على توسيع هوامش الحرية فالمجتمع، وهو المؤهل لمراكمة الفعل السياسي الراشد في المجتمع. وفي المقابل فإن النهج الاستئصالي، هو الذي يفاقم الأزمات ويعقدها ويحول دون بلورة نهج سياسي معتدل، ويدخل الدول والمجتمع في دوامة العنف والتطرف.

إننا مع الدول القوية التي تستند على القانون وتحترم حقوق الإنسان، وتدافع عن كرامة شعبها. حيث أن الدولة القوية المسيجة بسياج القانون والحرية والمسؤولية، هي القادرة على التفاعل والتكامل مع مجتمع مؤسسي - مدني، يمارس وظائفه الحضارية اعتماداً على إمكاناته وآفاقه.

وإن التحول نحو الحرية والديمقراطية في أي مجتمع، بحاجة إلى وعي عميق بضرورتها وأهمية وجودها في البناء الوطني السياسي والثقافي والحضاري، وهذا الوعي بحاجة لكي يترجم إلى وقائع قائمة وحقائق مشهودة.

وأن تنمية روح المسؤولية والتسامح والحقوق والكرامة، كلها عوامل تساهم في تنمية الحس الديمقراطي في المجتمع.

وإننا وفي ظل هذه التطورات المتسارعة والتحديات المتلاحقة، أحوج ما نكون إلى ممارسة القطيعة المعرفية والعملية مع تلك الرؤية التي تتعامل مع مفهوم القوة بعيداً عن خيارات المجتمع وتطلعاته المشروعة. وبناء مفهوم القوة ليس على أساس امتلاك أحدث الأسلحة. أو ضخامة الترسانة العسكرية، وإنما على أسس التوافق والانسجام بين الدولة والمجتمع.

هذا الانسجام الدينامي والفعال هو أساس قوة الدولة. ولا يمكن لنا وفي ظل هذه الظروف إلا الانخراط في مشروع تصحيح العلاقة وبناء القوة على أساس الانسجام بين الدولة والمجتمع. ولا ريب أن تحقيق الانسجام، يتطلب من الدولة القيام بخطوات ومبادرات، تستهدف توسيع المشاركة الشعبية وإزالة الاحتقانات وتوسيع القاعدة الاجتماعية للسلطة.

فالقوة الحقيقية اليوم، تتكثف في مستوى التناغم بين مؤسسة الدولة والمجتمع بمختلف تعبيراته وشرائحه. والفرصة اليوم مؤاتية للقيام بصنع فرص ومبادرات في هذا السياق.

والوظيفة الكبرى للجميع تتجسد في تكثيف الفعل الثقافي والاجتماعي لتحرير دينامية التحول الديمقراطي من كوابحها ومعوقاتها الذاتية والموضوعية، حتى تأخذ الديمقراطية موقعها الأساس في تنظيم الخلافات وضبطها، وحتى تتجه كل الجهود والطاقات نحو البناء والسلم والاندماج الاجتماعي والوطني، وتعميق موجبات العدل والمساواة والمسؤولية.

والاستقرار السياسي اليوم، لا ينجز في الكثير من الدول والبلدان العربية والإسلامية، إلا بتوافق حضاري بين الدولة والمجتمع. والإخفاق هو نصيب أي مشروع يقصي المجتمع ويهمش دوره في الحياة. كما أن النجاح تتبلور أسبابه وتتجمع عناصر إرادته من خلال التوافق الحضاري بين الدولة والمجتمع. والتوافق هنا يعني المشاركة والتفاعل والمراقبة والشهود والتكامل.

 ****

محمد محفوظ – باحث سعودي

.............................

الهوامش

(1) القرآن الكريم، سورة الملك، آية (10).

(2) مجلة المنطلق، العدد المئة والواحد والعشرين، ص19، خريف – شتاء(1998- 1999م)، 1419هـ.

(3) المصدر السابق، ص186.

(4) مجلة إسلامية المعرفة، العدد الخامس عشر، ص 104، السنة الرابعة، شتاء 1419هـ / 1999م، تصدر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

(5) مجلة المنطلق، العددان المئة وثمانية والمئة وتسعة، ص 67، صيف وخريف 1994م /1415هـ

(6) المصدر السابق، ص68.

(7) المقدس والحرية، الدكتور رفيق حبيب، ص 57، دار الشروق، الطبعة الأولى، القاهرة 1998م.

(8) المصدر السابق، ص 60.

(9) منطق السلطة، مدخل إلى فلسفة الأمر، ناصيف نصار، ص 96، دار أمواج، الطبعة الأولى، بيروت 1995م.

(10) مقولة لأدموندبير مأخوذة من كتاب النظام السياسي لمجتمعات متغيرة، صموئيل مانتنتون، ص 29، ترجمة سمية فلوّ، دار الساقي، الطبعة الأولى، بيروت 1993م.

(11) د. عبد الله إبراهيم، الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة - تداخل الأنساق والمفاهيم ورهانات العولمة، ص 222، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، بيروت 1999م.

(12) مجلة العلوم الاجتماعية، المجلد 26- العدد 2 صيف 1998م، ص 135، تصدر عن مجلس النشر العلمي، جامعة الكويت.

(13) المصدر السابق، ص 138.

مفتتح: ليس التعاطف في القرآن الكريم حالةً عابرة من الفيض الوجداني، ولا هو مجرد ميلٍ أخلاقي يطرأ على النفس ثم يزول، إنه في بنيته العميقة، طريقة قرآنية في فهم الإنسان والعالم والعلاقة بينهما.

وحين يضع القرآن الرحمة في مركز خطابه، فإنه لا يكتفي بتهذيب الشعور، بل يعيد ترتيب المعنى ذاته: يصبح الإنسان مكرّمًا قبل أن يكون منتميًا، ومصونًا قبل أن يكون محلَّ حكم، ومؤهّلًا للعلاقة قبل أن يُحشر في خانة الخصومة. ومن هنا تنبع أهمية هذا الموضوع؛ لأن السؤال عن التعاطف ليس سؤالًا عن فضيلةٍ شخصية فحسب، بل عن أسس الاجتماع الإنساني حين يتعرض للانقسام والتنازع والتصارع والتنابذ.

ويزداد هذا السؤال إلحاحًا حين نتأمل الواقع الاجتماعي الديني في عالمنا المعاصر، حيث الكثير من مظاهر العنف لا تبدأ من اليد، بل من اللغة؛ ولا تنشأ من السلاح أولًا، بل من صورةٍ ذهنية تُصاغ عن الآخر بوصفه خطرًا، أو نقصًا، أو كائنًا ينبغي الشك فيه قبل الإصغاء إليه، هنا تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة القرآن من زاويةٍ تكشف كيف يتأسس التعاطف فيه، لا بوصفه عاطفةً ثانوية، بل باعتباره بنيةً حاكمة تتصل بالعدل، والكرامة، والإصلاح، ودفع الفتن، وتخفيف الحرج، وتوسيع دائرة الرحمة..

تقوم هذه القراءة على فرضيةٍ أساسية مفادها: أن التعاطف القرآني لا يُفهم خارج ثلاثة أصول:

1.  أصل الكرامة الإنسانية،

2.  أصل العدل الذي يمنع الانحياز المدمّر،

3.  أصل الإصلاح الذي يحوّل العلاقة من خصومة إلى إمكانٍ جديد للتعايش.

كما أن البحث لا يتجه إلى جمع الشواهد المتزاحمة بل إلى الكشف عن المنطق الداخلي الذي يجعل التعاطف جزءًا من رؤية القرآن للوجود الإنساني، ثم الغاية من ذلك أن نقترب من تصورٍ للسلم الأهلي لا يقوم على قمع الاختلاف، بل على تهذيبه أخلاقيًا، وصونه قانونيًا، وتفعيله حضاريًا، لأن السلم الذي لا يمر عبر التعاطف يظل سطحيًا، مؤقتًا، ومعرضًا للانقلاب إلى عنف عند أول احتكاك..

التعاطف في القرآن الكريم

التعاطف قرآنيا لا يقدم بوصفه انفعالًا عاطفيًا منفصلًا عن البناء القيمي، بل تتم صياغته داخل منظومةٍ من المعاني المتداخلة: الرحمة، الرأفة، الإحسان، العفو، الرفق، الصلح، ودفع السيئة بالحسنة، رفع الحرج، الفضل وغيره، هذه المفردات ليست زخارف بلاغية، بل علاماتٌ على أن القرآن ينظر إلى الإنسان من عمق هشاشته، لا من أعلى قوته..

الإنسان في القرآن ليس كائنًا مكتملًا لا يحتاج إلى التذكير، بل موجودٌ يخطئ، ويختلف، ويتنازع، ويحتاج إلى خطابٍ يعيد إليه إمكانَ الإنصات والإنصاف والعفو.

من هنا تأتي المركزية القرآنية للرحمة، إذ الرحمة في القرآن ليست مجرد شعورٍ داخلي، بل مبدأٌ تأسيسي يوجّه النظر إلى الآخرين، إنها تعني أن الوجود الإنساني لا يُفهم على قاعدة التصنيف القاسي، بل على قاعدة الاعتراف المتبادل، فحين يقول القرآن إن الرسالة جاءت رحمةً للعالمين، فهو لا يصف وظيفةً محدودة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل يعلن أن صلة الوحي بالعالم ينبغي أن تكون صلةَ إنقاذٍ لا صلةَ إلغاء وتسقيط، وصلةَ هدايةٍ لا صلةَ استعلاء وتضليل، هذه النقطة بالغة الأهمية؛ لأن بعض التصورات الدينية تجعل الصواب مرادفًا للخشونة، والغيرة على الدين مرادفةً للتشدد والعنف والتكفير والتضليل، بينما القرآن يكشف أن قوة الحقيقة لا تحتاج إلى العنف لكي تثبت نفسها.

والتعاطف، بهذا المعنى، ليس ضعفًا في الموقف الديني، بل شرطٌ في صحة تمثله، لان الدين الذي لا يمر عبر الرحمة يفقد شيئًا من روحه، حتى لو احتفظ بقوة لغته وصوت شعاراته، والملاحظ أنه يتكرر في القرآن حضور الرفق، والعفو، والإصلاح، وتفضيل الدفع بالتي هي أحسن، لأن المقصود ليس فقط ضبط السلوك الظاهر، بل ترميم البنية الداخلية للعلاقة بين الناس، كون العلاقة الإنسانية قد تتدهور حين يسود فيها منطق الغلبة، لكنها تبدأ بالشفاء حين يُعاد الاعتبار إلى الاعتراف المتبادل، أي إلى إمكان أن يرى كل طرفٍ الآخر إنسانًا قبل أن يراه خصمًا أو عدوا أو نداً..

الأهم أننا نجد القرآن لا يطلب الرحمة في المساحات الآمنة فقط، بل يزرعها داخل مناطق الاحتكاك والتزاحم والتضايق والتصارع والتنابذ، هنا تظهر قيمة التعاطف الحقيقية: أن يبقى الإنسان قادرًا على حفظ كرامة الآخر حين يختلف معه، لا حين يتفق معه فقط، لذلك يبدو التعاطف القرآني أعمق من مجرد التسامح السلبي؛ لأنه لا يكتفي بترك الآخر وشأنه، بل يشتغل على إعادة بناء المناخ الذي يسمح له بأن يكون حاضرًا بلا وجل وبلا قلق. وهنا التحول من “التحمل” إلى “الإقرار” هو ما يجعل الرحمة القرآنية أفقًا أخلاقيًا متقدمًا، لا مجرد تهذيبٍ سلوكي.

أصول التعاطف

يستند التعاطف في القرآن إلى أصولٍ تجعل منه ضرورةً أخلاقية لا خيارًا مزاجيًا أو حسب الطلب، أول هذه الأصول هو الكرامة الإنسانية: الإنسان مكرم في أصله، وهذه الكرامة لا تُمنح له بقدر انتمائه، ولا تُسلب منه بسبب اختلافه، ولا تُختزل في موقعه الاجتماعي أو العقدي، إن مجرد كونه إنسانًا يكفي ليجعله مستحقًا للاحترام، ومن هنا يصبح أي خطابٍ يبرر الإهانة أو الاستهزاء أو نزع الاعتبار أو التسقيط أو التكفير للمختلف، خطابًا مضادًا للمنطق القرآني، حتى لو استند إلى انفعالاتٍ دينية أو شعاراتٍ جماعية.

والأصل الثاني هو العدل: العدل مهمٌ هنا لأنه يمنع التعاطف من أن يتحول إلى تحيزٍ عاطفي. فالقرآن لا يريد من الإنسان أن يرحم على حساب الحق، ولا أن يلين حتى يتخلى عن الإنصاف، بل يريد له أن يجمع بين الرقة والميزان، وهذا الجمع دقيق وصعب؛ لأن كثيرًا من الناس يظنون أن الرحمة تعني التنازل عن الحكم الأخلاقي، أو أن الحزم يعني القسوة، لكن القرآن يرفض هذا التضاد المفتعل، لأن التعاطف الحقيقي لا يبرر الظلم، ولا يخفف من فظاعته، ولا يسمح للعلاقة الشخصية أو الجماعية بأن تعطل واجب الإنصاف.

عليه تتضح أهمية أن يكون التعاطف مشدودًا إلى الحق، لا منفصلًا عنه، لأنه عندما يُفصل التعاطف عن العدل، يصبح قابلًا للاستغلال، وقد يُستخدم لحماية المعتدي، أو لإخفاء الهيمنة، أو لتجميل التواطؤ، أما حين يُربط بالحق، فإنه يتحول إلى قوةٍ أخلاقية تصحح الموقف من دون أن تلغي الإنسان.

هذا بالتحديد ما يجعل القرآن شديد الحساسية تجاه الميل إلى الظلم ولو تحت عنوان النية الطيبة؛ لأن النية الطيبة وحدها لا تكفي إذا كانت النتائج تفضي إلى قهر الناس أو تبرير الأذى.

أما الأصل الثالث هو الإصلاح: الإصلاح في القرآن ليس تسويةً شكلية ولا مجرد إنهاءٍ لخصومةٍ عابرة، بل إعادة بناءٍ للعلاقة على أساسٍ أفضل من سابقها،حيث لا ينظر إلى النزاع بوصفه قدرًا لا فكاك منه، بل بوصفه حالةً يمكن تجاوزها إذا توفرت إرادة الإصلاح والإنصاف، ومن هنا جاءت قيمة الصلح، لا لأنه يلغي الفروق، بل لأنه يمنع الفروق من التحول إلى عداوةٍ متجذرة، والتعاطف هنا يقوم بوظيفة بالغة الحساسية: إنه يفتح ثغرة في جدار التنافر، ويمنع اللغة العدائية من التحول إلى قدرٍ اجتماعي دائم.

ثم إن الإصلاح يمنح التعاطف بعدًا عمليًا، فهو لا يبقى شعورًا نبيلًا في الضمير، بل يصبح أداةً في إدارة العلاقات العامة. ربما العنف يشتغل على نزع الصلة بين الناس، بينما التعاطف يشتغل على استعادتها وترميمها وتجديدها. وإذا كان العنف يختزل الإنسان في خطئه أو هويته، فإن التعاطف يرده إلى إمكان التغير، وإذا كان العنف يدفع المجتمع إلى الانقسام المدمر، فإن التعاطف يذكّره بأن الاجتماع لا يُصان إلا حين يتقدم الإنصاف على الشبهة، والرحمة على الاستعداء.

عندما يطفح العنف

المأزق الحقيقي يظهر حين يدخل التعاطف في مواجهةٍ مع العنف داخل المجال الاجتماعي الديني، في هذه اللحظة لا يعود السؤال نظريًا، بل يصبح سؤالًا عن القدرة على الصمود، ثم إن العنف هنا لا ينبغي أن يُفهم فقط بوصفه فعلًا جسديًا مباشرًا، بل بوصفه منطقًا يبدأ من اللغة والتصور، ثم يتدرج إلى التبرير، ثم ينتهي إلى الإقصاء وربما الاستباحة فالعدوان والتعنيف.

كل هذا يحدث حين يُبنى الوعي الجماعي على فكرة أن المختلف أقل قيمة، أو أن المخالف خطرٌ دائم، فإن العنف يكون قد بدأ بالفعل، حتى لو لم تظهر آثاره المادية بعد.

ولذلك صمود التعاطف يحتاج إلى أكثر من النداء الأخلاقي وتحديدا الوعظي، إنه يحتاج إلى تربيةٍ على رؤية الإنسان خارج قوالب الفرز السريع، لأنه كلما تعلم الفرد أن المختلف ليس عدوًا بالضرورة، وأن الخطأ لا ينسف الكرامة، وأن الانتماء لا يبرر الاحتقار، يبدأ التعاطف في التحول من شعار إلى ممارسة، وهذا التحول مهم جدا بل مصيري لأن المجتمعات لا تنهار عادةً من ضربةٍ واحدة، بل من تراكماتٍ صغيرة من التهشيم الرمزي أو التنمر العنصري: كلمة تهدم الثقة، وخطاب يعمق القطيعة، وصورة تُرسخ الخوف، ثم تتحول هذه العناصر مجتمعة إلى بيئةٍ مهيأة للعنف.

عزيزي القارئ التعاطف لا يصمد إذا جُرّد من اللغة التي تحميه، فاللغة الدينية حين تتشبع بمفردات التحقير، أو التخوين، أو نزع الشرعية، فإنها تفسد المجال الأخلاقي نفسه، لهذا لابد من إعادة بناء المعجم الذي نفكر به في المختلف: بدل الاحتقار، الاعتراف؛ وبدل الإلغاء، الحوار؛ وبدل التهويل، الفهم؛ وبدل التحريض، الإصلاح. هذه التحولات اللفظية ليست شكلية، لأن اللغة ليست غطاءً للمعنى فقط، بل هي أداةٌ في صناعته، وإذا تجلبب اللسان بما يجرح الكرامة، تحكم في الوعي ما يبرر العنف.

من جهة أخرى، لا يمكن للتعاطف أن يصمد إذا فُهم على أنه حيادٌ بارد تجاه الظلم، لهذا القرآن لا يطلب من المؤمن أن يكون لطيفًا مع كل شيء، بل أن يكون منصفًا مع كل أحد. وهذا فرقٌ جوهري، فهناك مواقف تستدعي الحزم، ومقاومة الأذى، ورفض العدوان، لكن كل ذلك ينبغي أن يبقى مشدودًا إلى العدل، لا إلى الثأر، التعاطف في هذا المستوى يصبح قوةً ضابطة للعنف، لا قناعًا له، إنه يمنع الغضب من أن يتحول إلى انتقام، ويمنع الاختلاف من أن يتحول إلى قطيعة، ويمنع الألم من أن يصنع عدالةً خاصة به خارج الميزان.

السلم الأهلي

إذا كان التعاطف هو الجذر الأخلاقي، فإن السلم الأهلي هو الثمرة الاجتماعية، غير أن هذا السلم لا يُبنى بمجرد غياب الصراع، لأن المجتمعات قد تبدو هادئة في ظاهرها وهي تحمل في باطنها قابليةً عالية للانفجار والإستدمار، السلم الأهلي الحقيقي هو حالةٌ من الثقة المتبادلة، والاعتراف القانوني والأخلاقي بالاختلاف، والقدرة على إدارة التعدد دون تحويله إلى تهديد. بحيث عندما يتحول التعاطف إلى ثقافة عامة، يصبح أحد أهم مصادر هذا السلمّ. ولكي يؤدي هذا الدور، يجب أن يتجاوز المجال الوعظي الضيق إلى المجال التربوي والمؤسسي. فالتعاطف لا يترسخ إذا بقي فكرةً مجردة؛ بل يحتاج إلى تعليمٍ يربي على الإصغاء، وإلى خطابٍ ديني لا يغذي الخوف ويدعو للعنف والإنغلاق ونفي المختلف، والحاجة إلى مجتمعٍ يربط القوة بالعدل لا بالإقصاء والمصالح المشبوهة.

 في هذه النقطة بالذات تتضح قيمة القراءة القرآنية: فهي لا تفصل بين الأخلاق والسياسة، ولا بين الإيمان والعمران، بل ترى أن استقامة الحياة العامة تبدأ من استقامة النظرة إلى الإنسان. والسلم الأهلي، في أعمق معانيه، ليس أن يتشابه الناس، بل أن يقبل بعضهم بعضًا وهم مختلفون، وهذا القبول لا يعني الذوبان في الآخر، ولا التخلي عن القناعات، بل يعني الامتناع عن تحويل القناعة إلى سلاح ضد المختلف، هنا بالضبط يظهر التعاطف بوصفه قوةً حضارية: فهو لا يطلب من الناس أن يتركوا ما يؤمنون به، بل أن يكفوا عن استخدام الإيمان ذريعةً لإلغاء بعضهم بعضًا وظلم بعضهم بعضا والتحريض ضد بعضهم البعض، هكذا يظل التعاطف أحد أهم الشروط لكي لا يتحول التدين إلى أداة مناقضة لمقاصد الدين، بل إلى مصدر رقي أخلاقي وعمراني وحضاري.

مستخلص

إن التعاطف في القرآن الكريم ليس ملحقًا جانبيًا لمنظومةٍ أكبر، بل هو واحدٌ من مفاتيحها الجوهرية، يتأسس على كرامة الإنسان، ويتقيد بالعدل، ويتجه نحو الإصلاح، ويصمد حين يُحمى من التوظيف العنيف ومن اللغة الإقصائية ومن الفهم السطحي للهوية.

التعاطف بهذا المعنى لا يخفف فقط من فوضى العلاقات الاجتماعية وهشاشاتها، بل يعيد تعريف التدين نفسه: ليس باعتباره قدرةً على التمييز الحاد بين الداخل والخارج، بل باعتباره قدرةً على حفظ الإنسان في كل حالاته، حتى حين يختلف أو يخطئ أو يخاصم.

ومن هنا فإن بناء السلم الأهلي لا يبدأ من نهاية الصراع، بل من تغيير المنطق الذي يغذيه، فإذا أُعيد الاعتبار للتعاطف بوصفه أصلًا قرآنيًا، أمكن للمجتمع أن يعبر من سياسة الخوف إلى سياسة الاعتراف، ومن لغة الاستعداء إلى لغة الإصلاح، ومن منطق الغلبة إلى منطق العدل والإنصاف، هذا التحول هو ما يحتاجه وعينا المعاصر اليوم أكثر من أي شيء آخر؛ لأن أخطر ما يهدد الاجتماع الإنساني ليس الخلاف نفسه، بل فقدان القدرة على رؤية الإنسان في المختلف، وحين يفقد الإنسان هذه القدرة، يبدأ العنف من حيث لا يُرى، ثم يطلب من الجميع في النهاية أن يتعاملوا معه كأنه قدر لابد منه.

التعاطف في ضوء الرؤية القرآنية الحضارية ليس قيمةً عاطفيةً هامشية، بل هو مبدأٌ تأسيسي يعيد للإنسان مكانته، وللعلاقة الاجتماعية معناها، وللدين روحه الرحيمة، عندما يُفهم التعاطف بوصفه التزامًا بالكرامة والعدل والإصلاح، يغدو قادرًا على مقاومة منطق العنف، وعلى فتح أفقٍ أرحب للسلم الأهلي، حيث لا يُقصى المختلف ولا تُستباح إنسانيته، عندها يعود القرآن نصًا يُتلى فقط أو يتبرك به، بل يصبح قوةً أخلاقيةً حيةً تُنير إمكان العيش المشترك، وتدفع المجتمع من ضيق الخصومة إلى سعة الرحمة الإلهية..

***

أ. مراد غريبي

بين هيدجر وغادامير ومحمد عابد الجابري وحسن حنفي

مقدمة: يُعتبر التراث ليس مجرد مجموعة من النصوص والممارسات الماضية، بل هو أفق وجودي ومعرفي يشكل هويتنا ويحدد إمكانياتنا المستقبلية. في عصر الحداثة والعولمة، أصبحت إعادة الاعتبار للتراث عملية هرمينوطيقية بامتياز، أي عملية تأويل مستمر يفكك فيها الفهم القديم ويعيد بناءه في ضوء الأفق الحاضر. تقدم هذه الدراسة مقارنة هرمينوطيقية بين المقاربتين الغربية (مارتن هيدجر وتلميذه جورج هانز غادامير) والعربية الإسلامية المعاصرة (عابد الجابري وحسن حنفي).

تكشف المقارنة عن تقاطعات عميقة في فهم التراث كـ«أفق حي» وليس كماضٍ ميت، مع اختلافات جوهرية تنبع من السياقات الحضارية والفلسفية المتباينة. الهدف ليس التوفيق الميكانيكي، بل استكشاف إمكانيات حوار يثري إعادة الاعتبار للتراث العربي الإسلامي. فمن من الفلاسفة تعامل مع التراث كإشكالية معاصرة؟

هيدجر وغادامير: الهرمينوطيقية كعودة إلى الأصول واندماج الآفاق

يُمثل مارتن هيدجر أحد أبرز من أعاد صياغة الهرمينوطيقية في القرن العشرين. في «الكينونة والزمان»، يرى هيدجر أن الفهم ليس عملية معرفية محايدة، بل هو الوضع الوجودي الأساسي للإنسان (الدازاين). التراث ليس مجموعة نصوص خارجية، بل جزء من «الواقعية الوجودية» التي نلقي بها أنفسنا. يقترح هيدجر «التفكيك» لتاريخ الميتافيزيقا الغربية، لا بهدف رفض التراث، بل لاستعادة الأسئلة الأصلية التي طمرتها التقاليد اللاحقة.

التراث الحقيقي هو ذلك الذي يعيدنا إلى السؤال عن «الكينونة» نفسها، بعيداً عن النسيان الميتافيزيقي. إعادة الاعتبار هنا تعني العودة إلى الجذور بطريقة نقدية جذرية، تكشف فيها الإمكانيات الكامنة التي لم تتحقق بعد.

بعد ذلك يطور غادامير هذا الاتجاه في «الحقيقة والمنهج». يرفض فكرة «الموضوعية» العلمية في فهم التراث، ويؤكد أن كل فهم هو «اندماج آفاق» بين أفق النص التاريخي وأفق القارئ المعاصر. التراث ليس موضوعاً يُدرس من الخارج، بل «تاريخ تأثير يشكلنا قبل أن نشكله. الهرمينوطيقيا عند غادامير حوارية وتقليدية في آن: نحن ننتمي إلى التراث قبل أن نفهمه، والفهم الحقيقي يفترض «انفتاحاً» على النص يسمح له بتوجيه أسئلتنا. إعادة الاعتبار للتراث إذن هي عملية إبداعية مستمرة، تتجاوز التمجيد السلفي والرفض الحداثي، وتؤسس لـ«وعي تاريخي» يعترف بفعالية الماضي في الحاضر.

محمد عابد الجابري وحسن حنفي: التراث بين النقد العقلاني والتجديد اليساري

في السياق العربي الإسلامي، يمثل محمد عابد الجابري مشروع «نقد العقل العربي» أبرز محاولة لإعادة الاعتبار للتراث بطريقة هرمينوطيقية نقدية. يميز الجابري بين «التراث» كواقع تاريخي متعدد الأصوات وبين «التراثية» كاستخدام أيديولوجي. يقترح الجابري قراءة «بنيوية» و«تاريخية» للتراث، تركز على تحليل الأنساق المعرفية (البيان، العرفان، البرهان). الهدف هو تحرير العقل العربي من هيمنة «النص» المقدسة واستعادة الطاقة العقلانية الكامنة في التراث، خاصة في تيار البرهان والاجتهاد. إعادة الاعتبار عنده تفكيك للقراءات التقليدية المغلقة وإعادة بناء للتراث كأداة للتحرر المعاصر، مع التركيز على السياق العربي ومشكلاته الخاصة (الاستبداد، التخلف، التبعية).

أما حسن حنفي فيُعد مشروعه «اليسار الإسلامي» محاولة لإعادة تأويل التراث من منظور وجودي وثوري. يرى حنفي التراث ليس كماضٍ يُحفظ، بل كـ«وعي جماهيري» يحتوي على طاقات ثورية. يطبق منهجاً هرمينوطيقياً يجمع بين التحليل الفينومينولوجي والماركسية، فيقرأ النصوص الدينية والفلسفية كتعبير عن الوجود الإنساني في ظروفه التاريخية. إعادة الاعتبار عند حنفي تعني «إعادة التوازن» بين التراث والحداثة: استخراج المبادئ الكونية من التراث (العدل، الحرية، المساواة) وتجسيديها في مشروع تحرري يواجه الاستعمار الجديد والرأسمالية. الهرمينوطيقيا هنا ليست محايدة، بل ملتزمة سياسياً، تهدف إلى تحويل التراث إلى قوة تغيير اجتماعي.

المقارنة الهرمينوطيقية: التقاطعات والاختلافات

تتقاطع المقاربتان في عدة نقاط أساسية. كلاهما يرفضان معاملة التراث كأرشيف ميت أو كسلطة مطلقة. هيدجر وغادامير يريان التراث كأفق وجودي حي، والجابري وحنفي يريانه كطاقة معرفية وسياسية قابلة للتنشيط. كلاهما يؤكدان على «السياق» والتاريخية: الفهم لا يحدث في فراغ، بل داخل أفق تاريخي. كما يشتركان في نقد «الموضوعية» الزائفة، سواء في العلم أو في القراءات التقليدية.

ومع ذلك، توجد اختلافات جوهرية. هيدجر وغادامير ينطلقان من أزمة الميتافيزيقا الغربية والنسيان الأنطولوجي، فيما ينطلق الجابري وحنفي من أزمة التبعية الحضارية والاستعمار. الأولان يركزان على اللغة والوجود، بينما يركز الثانيان على العقل والإيديولوجيا والصراع الاجتماعي. غادامير يؤكد «الانتماء» إلى التراث كشرط إيجابي للفهم، في حين يميل الجابري إلى «النقد البنيوي» الذي قد يبدو أكثر مسافة نقدية. أما حنفي فيقترب من هيدجر في الطابع الوجودي، لكنه يتجاوزه باتجاه التزام سياسي يساري يغيب نسبياً عن الهرمينوطيقيا الغاداميرية. كذلك، تظهر اختلافات منهجية: الهرمينوطيقيا الغربية أكثر تركيزاً على اللغة والتأويل الفلسفي، بينما تندمج الهرمينوطيقيا العربية مع التحليل التاريخي والاجتماعي والسياسي، متأثرة بالواقع العربي المعاصر.

دلالات المقاربة للفكر العربي المعاصر

تقدم هذه المقارنة إمكانيات غنية لإعادة الاعتبار للتراث العربي الإسلامي. يمكن الجمع بين تفكيك هيدجر الجذري ونقد الجابري البنيوي لتحرير التراث من القراءات الأيديولوجية المغلقة. كما يمكن الاستفادة من اندماج الأفق عند غادامير وتأويل حنفي الملتزم لبناء حوار حي بين النصوص القديمة والتحديات المعاصرة (الهوية، العولمة، العدالة، البيئة). النتيجة المأمولة هي هرمينوطيقيا عربية إسلامية أصيلة: لا تقليدية ولا تابعة، بل قادرة على استيعاب الإنجازات الغربية دون الذوبان فيها، وإحياء التراث دون تقديسه. هذا يتطلب «اجتهاداً هرمينوطيقياً» جماعياً يجعل التراث شريكاً في صياغة المستقبل، لا عبئاً على الحاضر.

تأثير بول ريكور على الهرمينوطيقيا العربية

يُعد بول ريكور (1913-2005) أحد أبرز فلاسفة الهرمينوطيقيا في القرن العشرين، وهو الذي حاول بناء «هرمينوطيقيا وسطى» بين الشك والثقة، بين التفكيك والإعادة البناء، وبين النص والذات. مشروعه الفلسفي يتميز بالتوفيق بين الظاهراتية، والتحليل اللغوي، وعلم النفس، والتأويل النصي، مما جعله أداة فكرية غنية للفكر العربي الذي يعاني من أزمة التأويل في مواجهة تراثه المقدس والمعقد. دخل تأثير ريكور إلى الساحة الفكرية العربية تدريجياً منذ الثمانينيات والتسعينيات، ووجد صدى خاصاً لدى المفكرين الذين يسعون إلى إعادة قراءة التراث الإسلامي والعربي بطريقة نقدية إبداعية، بعيداً عن التقديس السلفي والرفض الحداثي المسطح. يركز تأثيره على ثلاثة محاور رئيسية: هرمينوطيقيا الشك، نظرية النص والسرد، وفلسفة الذات والآخر. فما صلة ريكور بالحاجة العربية إلى هرمينوطيقيا وسيطة؟

مفاهيم ريكور الأساسية وصلاحيتها للسياق العربي

يقدم ريكور «هرمينوطيقيا الشك» كمرحلة أولى ضرورية، مستلهماً ماركس ونيتشه وفرويد. الشك ليس نهاية، بل طريق للوصول إلى فهم أعمق. هذا المفهوم أثر بشكل كبير في المفكرين العرب الذين أرادوا تفكيك القراءات التقليدية للتراث دون تدميره. فالشك الريكوري يسمح بنقد الأيديولوجيا الكامنة في التفسيرات الدينية والسياسية، مع الحفاظ على إمكانية «استعادة» المعنى بعد المرور بالشك. كذلك، طور ريكور مفهوم «النص» ككيان مستقل له «عالم» خاص به. فهم النص ليس استرجاعاً لقصد المؤلف، بل كشفاً عن «العالم أمام النص» الذي يدعو القارئ إلى السكن فيه. هذا التحول من الهرمينوطيقا الرومانتيكية (فهم قصد المؤلف) إلى الهرمينوطيقيا النصية ساعد المفكرين العرب على التعامل مع النصوص التراثية (القرآن، الحديث، الفقه، الفلسفة) ككيانات حية تنتج معاني جديدة في كل عصر. أما نظرية «الهوية السردية» في «عين الذات كآخر» فهي من أخصب المفاهيم تأثيراً. يرى ريكور أن الذات لا تُبنى إلا عبر السرد، أي عبر رواية حياتها داخل تقليد وتاريخ. هذا يناسب تماماً السياق العربي الذي يبحث عن هوية متوازنة بين الاستمرارية والتغيير، بين «الأنا» والتراث وبين «الأنا» والحداثة.

التأثير على المشروعين الجابري وحنفي وما بعدهما

وجد ريكور صدى واضحاً في مشروع عابد الجابري، خاصة في محاولته بناء نقد عقلاني للتراث. هرمينوطيقيا الشك الريكورية ساعدت الجابري في تبرير الحاجة إلى «نقد بنيوي» للعقل العربي، مع الحفاظ على إمكانية الاستفادة من التراث بعد التفكيك. كما استفاد الجابري من فكرة السياق والتاريخية عند ريكور ليؤكد أن فهم التراث يجب أن يكون مرتبطاً بمشكلات الحاضر العربي.أما حسن حنفي فتجلى تأثير ريكور فيه أكثر وضوحاً في مشروع «اليسار الإسلامي» و«التأويل المنهجي». يستخدم حنفي الهرمينوطيقيا الريكورية ليجعل التأويل أداة ثورية: يمر بالشك (نقد الأيديولوجيا) ثم يصل إلى مرحلة الاستعادة حيث يُعاد بناء المعاني التحررية الكامنة في التراث. مفهوم «العالم أمام النص» ساعده على تحويل النصوص الدينية من كتب تاريخية إلى مشاريع مستقبلية. تجاوز التأثير هذين المفكرين الكبيرين إلى جيل لاحق. تأثر به عدد من الباحثين في فلسفة الدين، وتأويل القرآن، ودراسات النص التراثي. أصبحت مفاهيم ريكور أداة لمواجهة الثنائيات الجامدة (أصالة/معاصرة، نص/واقع، دين/دنيا) وتحويلها إلى جدلية إبداعية. ساعدت هرمينوطيقيا ريكور على ظهور قراءات «ما بعد كولونيالية» للتراث، تجمع بين النقد الجذري والانتماء الحضاري.الأبعاد التطبيقية في الهرمينوطيقيا العربيةساهم ريكور في إثراء الهرمينوطيقيا العربية بعدة أبعاد:البعد الوسيط: ساعد على تجاوز الصراع بين «هرمينوطيقيا الثقة» (التقليدية) و«هرمينوطيقيا الشك» (الحداثية)، مقترحاً مساراً جدلياً يمر بالشك وينتهي بفهم أعمق.

البعد السردي: شجع على قراءة التاريخ العربي الإسلامي كسرد متعدد الأصوات، وليس كسرد واحد مقدس أو ميت، مما فتح الباب لقراءات تعددية للتاريخ والتراث.

البعد الأخلاقي: في «الذات كآخر»، أكد ريكور على مسؤولية الذات تجاه الآخر، وهو ما أثر في نقاشات حول المواطنة، التعددية الثقافية، وحوار الحضارات داخل الفكر العربي.

البعد اللغوي: أعاد النظر في اللغة كوسيط تأويلي، مما ساعد في إحياء الدراسات اللغوية والدلالية للنصوص العربية القديمة.

رغم غناه، واجه تأثير ريكور بعض التحديات في السياق العربي. أحياناً تم استيعابه بشكل سطحي كأداة غربية أخرى، أو تم تهميشه أمام التيارات السلفية أو الليبرالية المتطرفة. كما أن هرمينوطيقيته، بطابعها الفلسفي الغربي، تحتاج إلى «ترجمة حضارية» أعمق تراعي خصوصية النص الديني الإسلامي (القرآن كنص إلهي) الذي يختلف عن النصوص الأدبية أو الفلسفية الغربية.مع ذلك، تظل آفاق التأثير واعدة. في عصر الرقمنة وتعدد الخطابات، يمكن لهرمينوطيقيا ريكور أن تساعد على بناء «تأويل عربي إسلامي معاصر» يتعامل مع تحديات الهوية، والتطرف، والعولمة. يمكن تطوير «ريكورية عربية» تجمع بين عمق ريكور الفلسفي وخصوصية الاجتهاد الإسلامي والنقد الاجتماعي العربي. لقد أحدث بول ريكور تحولاً نوعياً في الهرمينوطيقيا العربية بتحويله التأويل من عملية فنية أو دينية تقليدية إلى ممارسة فلسفية نقدية إبداعية. لم يكن تأثيره نقل أفكار جاهزة، بل إثارة لإمكانيات كامنة داخل الفكر العربي نفسه. بفضل ريكور، أصبحت إعادة قراءة التراث ليست مجرد واجب تاريخي، بل مغامرة وجودية وأخلاقية تسمح للعقل العربي الإسلامي بأن يعيد اكتشاف ذاته في مرآة نصوصه، وأن يواجه الحاضر بثقة تأويلية مفتوحة. هذا التأثير يمثل جسراً فكرياً حياً بين التراث والمستقبل، ويبقى مدعواً للتطوير والتعميق في الدراسات العربية المعاصرة.

تطبيق هرمينوطيقيا بول ريكور على القرآن الكريم

يُعد القرآن الكريم نصاً فريداً يجمع بين البعد الإلهي واللغوي والتاريخي والوجودي. مواجهة هذا النص تتطلب منهجاً تأويلياً يحترم قدسيته دون أن يتجمد في القراءات التقليدية، ويفتح أفقاً معاصراً دون أن يذيب خصوصيته. تقدم هرمينوطيقيا بول ريكور إطاراً فلسفياً غنياً لهذا الغرض، لأنها تتجاوز الثنائية التقليدية بين «التفسير» و«الفهم»، وتقترح مساراً جدلياً يمر بالشك وينتهي بالاستعادة والتطبيق.تطبيق ريكور على القرآن ليس نقل أداة غربية محايدة، بل حوار بين فلسفة التأويل المعاصرة والنص الإسلامي الأساسي. يسعى هذا التطبيق إلى جعل القرآن «عالماً أمام النص» يخاطب الإنسان المعاصر في وجوده، هويته، ومسؤوليته الأخلاقية. فما مدى إمكانية الهرمينوطيقيا الريكورية في النص القرآني؟

هرمينوطيقيا الشك والاستعادة في مواجهة القرآني

بدأ ريكور بمرحلة «هرمينوطيقيا الشك» المستوحاة من ماركس ونيتشه وفرويد. في تطبيقها على القرآن، لا تعني الشك في أصالته أو إلهيته، بل الشك في القراءات الأيديولوجية والتاريخية التي تراكمت عليه عبر القرون. يشمل ذلك فحص السياقات الاجتماعية والسياسية التي أنتجت تفسيرات معينة (كالتفسيرات السلطانية أو الطائفية أو الذكورية المفرطة). هذا الشك يسمح بتحرير النص من «التحيزات» التي تحجبه، مثلما يفعل ريكور مع النصوص الأدبية والفلسفية. بعد مرحلة الشك تأتي مرحلة «الاستعادة»، حيث يعود القارئ إلى النص ببراءة جديدة، مستعيداً قوته الرمزية والوجودية.

النص القرآني كـ«عالم أمام النص»

من أهم إسهامات ريكور فكرة أن النص يمتلك «عالماً» مستقلاً عن قصد المؤلف (أو المتكلم). بالنسبة للقرآن، يصبح هذا العالم «الرؤية الكونية القرآنية» التي تتجاوز السياق التاريخي للنزول (أسباب النزول) وتفتح أفقاً وجودياً كونياً.القرآن ليس مجرد أوامر ونواهٍ، بل هو «دعوة» للسكن في عالم يقوم على التوحيد، والعدل، والرحمة، والمسؤولية الخلافية. التأويل الريكوري يركز على «القوة الاستدعائية» للنص: كيف يدعو القارئ المعاصر إلى إعادة تشكيل ذاته؟ على سبيل المثال، قصص الأنبياء (آدم، موسى، عيسى، محمد) ليست مجرد أحداث تاريخية، بل سرديات وجودية تكشف عن بنية الإنسان في مواجهة الابتلاء، الغفلة، والتوبة.

الهوية السردية والذات أمام القرآن

يطور ريكور مفهوم «الهوية السردية» في كتاب «الذات كآخر». تطبيقه على القرآن يجعل القراءة عملية بناء للذات. الإنسان المؤمن لا يفهم القرآن فهماً نظرياً فقط، بل يروي حياته داخل السرد القرآني الكبير: من الخلق إلى البعث، مروراً بالابتلاء والعهد والميثاق. هذا يحول التلاوة من طقس روتيني إلى فعل وجودي: القارئ يسأل نفسه «من أنا أمام هذا النص؟» و«كيف أعيد تشكيل هويتي كخليفة في الأرض؟». كما يفتح الباب لـ«الذات كآخر»، حيث يصبح الآخر (الإنسان المختلف دينياً أو ثقافياً) جزءاً من الفهم الأخلاقي للقرآن، خاصة في آيات الرحمة والعدل والتعارف.

الجدل بين التفسير والفهم: اللغة والرمز والمجاز

يؤكد ريكور على ضرورة المرور بالتفسير العلمي (لغوي، تاريخي، بنيوي) قبل الوصول إلى الفهم الوجودي. في القرآن، يعني ذلك الاستفادة من علوم اللغة العربية، وعلم المعاني والبيان، والدراسات التاريخية، لا كغاية في حد ذاتها، بل كوسيلة للوصول إلى «الرمز» والمجاز القرآني.

القرآن غني بالرموز (النور، الماء، الجنة، الصراط)، وهرمينوطيقيا ريكور تسمح بقراءة هذه الرموز كـ«دلالات مفتوحة» تولد معاني جديدة في كل عصر. على سبيل المثال، يمكن تأويل مفهوم «الجهاد» هرمينوطيقياً كصراع داخلي وخارجي متعدد المستويات، يتجاوز القراءات الحرفية الضيقة دون إفراغه من مضمونه الأخلاقي والروحي.

يحقق تطبيق ريكور عدة فوائد:

يفتح القرآن على الحاضر دون أن يجعله أسيراً للماضي.

يسمح بتعدد القراءات مع الحفاظ على وحدة النص.

يربط بين الإيمان والعقل، والروحانية والأخلاق الاجتماعية.

يساعد في حوار الأديان والثقافات من خلال «عالم النص» الكوني.

ومع ذلك، توجد حدود واضحة. القرآن نص إلهي، وليس نصاً أدبياً بشرياً صرفاً. لذا يجب أن تظل هرمينوطيقيا ريكور أداة خادمة للنص، لا حاكمة عليه. كما أن الإيمان بالوحي يضع قيداً على «الشك» الريكوري، فيجعله شكاً منهجياً في التفسيرات البشرية لا في مصدر النص.

يُثري تطبيق هرمينوطيقيا بول ريكور على القرآن إمكانية بناء تأويل إسلامي معاصر يجمع بين الاحترام العميق للنص والانفتاح الجريء على أسئلة العصر. يتحول القرآن من كتاب تاريخي يُحفظ إلى «دعوة وجودية» مستمرة تشكل الذات وتعيد بناء العالم. هذا التطبيق يدعو إلى اجتهاد جماعي يمر بالمراحل الريكورية: شك منهجي، تفسير علمي دقيق، ثم فهم وجودي وأخلاقي يؤدي إلى «تطبيق» يغير حياة القارئ والمجتمع. في نهاية المطاف، يبقى القرآن أكبر من أي هرمينوطيقيا بشرية، لكنه يدعو إلى التأويل المستمر كتعبير عن الخلافة الإنسانية الواعية في الأرض. هذا هو الطريق نحو قراءة حية تجعل كلام الله حاضراً في كل زمان ومكان. فكيف نسير نحو هرمينوطيقيا قرآنية معاصرة؟

تطبيق هرمينوطيقيا بول ريكور على سورة الفاتحة

سورة الفاتحة هي أم القرآن، ومفتاحه، وأكثر سورة تُتلى في حياة المسلم اليومية. تتكون من سبع آيات تشكل صلاة كاملة وموجزة تجمع بين الثناء، والتوحيد، والطلب، والتوجيه. تُعد هذه السورة نصاً مثالياً لتطبيق هرمينوطيقيا بول ريكور، لأنها نص حواري، سردي، رمزي، ووجودي في آن واحد. ريكور يرى النص ليس كوثيقة تاريخية فحسب، بل كـ«عالم» يدعو القارئ إلى السكن فيه وإعادة تشكيل ذاته. تطبيق هرمينوطيقيته على الفاتحة يحولها من دعاء روتيني إلى فعل تأويلي عميق يعيد بناء الهوية الإنسانية والعلاقة بالله والعالم. كيف تعامل ريكور مع الفاتحة كنص تأسيسي؟

هرمينوطيقيا الشك: تحرير السورة من القراءات الآلية

يبدأ ريكور بمرحلة الشك المنهجي ليكشف التحيزات. في سورة الفاتحة، يدعونا هذا الشك إلى التشكيك في القراءة الطقسية الآلية التي تحول السورة إلى كلمات تُردد دون وعي أو تأثير وجودي. كما نشك في القراءات التقليدية التي تركز على الجانب التعبدي فقط وتهمل البعد الفلسفي والأخلاقي. هل «الحمد لله رب العالمين» مجرد ثناء، أم هو إعادة تأسيس لعلاقة الإنسان بالكون كله؟ وهل «اهدنا الصراط المستقيم» طلب فردي، أم برنامج وجودي واجتماعي يواجه انحرافات العصر؟

هذا الشك يحرر السورة من الاستخدام الروتيني ويعيدنا إلى أسئلتها الأولية: من أنا حين أقف أمام هذا النص؟ وكيف يعيد تشكيل فهمي للوجود؟

النص كعالم: بنية الفاتحة الهرمينوطيقية

وفق ريكور، يمتلك النص «عالماً أمامه». عالم سورة الفاتحة هو عالم العلاقة الحوارية بين الإنسان والإله، وهو عالم يتكون من ثلاث حركات أساسية:

حركة الثناء والاعتراف («الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين»): تؤسس رؤية كونية تجعل الله رباً للعوالم كلها (ربوبية شاملة)، ورحماناً ورحيماً (رحمة عامة وخاصة)، ومالكاً ليوم الدين (عدل مطلق). هذا يرسم عالماً منسجماً، غير عبثي، موجهاً نحو غاية أخلاقية.

حركة العبودية والطلب («إياك نعبد وإياك نستعين»): نقطة التحول الحاسمة. تنتقل السورة من الثناء إلى الإقرار بالعبودية المطلقة، وهي في الوقت نفسه طلب للعون. هنا يظهر التوازن الريكوري بين الذات والآخر المطلق.

حركة الهداية والاختيار («اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين»): طلب الهداية إلى الطريق المستقيم، مع الوعي بالمصائر الثلاثة (المنعم عليهم، المغضوب عليهم، الضالون). هذا يفتح أفقاً أخلاقياً وجودياً يدعو إلى الاختيار الواعي.

الهوية السردية والذات أمام الفاتحة

يُعد مفهوم «الهوية السردية» عند ريكور من أخصب المفاهيم. الفاتحة تقدم سرداً مصغراً للعلاقة الإنسانية بالله: من الخلق (رب العالمين) إلى الغاية (يوم الدين) مروراً بالاختيار الأخلاقي.

حين يقرأ المؤمن السورة، يعيد سرد هويته داخل هذا السرد الكبير. «أنا» الذي أحمد الله وأعبده وأطلب الهداية هو «أنا» يعيد اكتشاف نفسه كعبد حر، مرتبط بالرحمة، متجه نحو الصراط المستقيم. هذا يعالج أزمة الهوية المعاصرة: التفتت، الاغتراب، والضياع أمام كثرة الخيارات.

كما تُبرز «الذات كآخر» عند ريكور: العبودية لله هي التحرر من عبودية كل ما سواه. الآخر المطلق (الله) هو الذي يسمح للذات بأن تكون أصيلة.

الرمز والمجاز والدلالة المفتوحة

تحتوي الفاتحة على رموز غنية: «الصراط المستقيم» رمز للطريق الواضح المستقيم وسط الالتواءات؛ «يوم الدين» رمز للعدالة المطلقة والحساب؛ «الرحمن الرحيم» رمز للرحمة التي تسبق العدل وتكمله.

ريكور يرى في الرمز «فائض معنى» يولد تأويلات جديدة. في عصرنا، يمكن قراءة «الصراط المستقيم» كطريق يوازن بين المادة والروح، بين الحرية والمسؤولية، بين التقدم والأخلاق. كما يمكن تأويل «المغضوب عليهم والضالين» كتحذير من الانحرافات المعاصرة: الظلم المؤسسي (غضب) والجهل الثقافي (ضلال).

التطبيق والاستعادة: الفاتحة كفعل وجودي

المرحلة النهائية عند ريكور هي التطبيق. تلاوة الفاتحة في الصلاة تصبح فعلاً وجودياً: إعادة تأسيس العلاقة بالله خمس مرات يومياً. هي لحظة يستعيد فيها المؤمن براءته، ويعترف بعبوديته، ويطلب الهداية، فيخرج إلى الحياة بتوجه جديد. في السياق المعاصر، تحول السورة الإنسان من كائن مستهلك أو مشتت إلى كائن شاكر، عابد، طالب للهداية. هي برنامج يومي لمقاومة الاغتراب الحداثي.

يكشف تطبيق هرمينوطيقيا ريكور على سورة الفاتحة عن طابعها التأسيسي العميق. السورة ليست مقدمة للقرآن فحسب، بل هي نموذج للعلاقة الإنسانية بالمطلق: ثناء، اعتراف، طلب، وتوجيه.ريكور يساعدنا على قراءتها كـ«عالم» مفتوح يدعو كل قارئ في كل عصر إلى إعادة بناء ذاته داخل هذا العالم. بهذا يتحول تلاوتها من طقس إلى ممارسة هرمينوطيقية حية تجمع بين الروحانية والأخلاق والوجود.سورة الفاتحة تبقى مفتاحاً لا ينضب، يدعو الإنسان دائماً إلى أن يبدأ من جديد: «الحمد لله»... ثم يسير على الصراط المستقيم. هذا هو جوهر التأويل الريكوري المطبق على قلب القرآن وروحه. لكن لماذا تعامل ريكور مع الفاتحة كـ«نص حي»؟

تطبيق هرمينوطيقيا بول ريكور على سورة الإخلاص

سورة الإخلاص (قل هو الله أحد) من أعظم السور القرآنية الموجزة، وتُعد لبّ التوحيد الإسلامي. رغم قصرها (أربع آيات)، فإنها تحمل كثافة دلالية هائلة تجعلها قابله للتأويل المستمر. تطبيق هرمينوطيقيا بول ريكور عليها يُظهر كيف يمكن لهذه السورة أن تتحول من نص عقدي محفوظ إلى «عالم وجودي» يخاطب الذات المعاصرة، ويعيد تشكيل هويتها وعلاقتها بالكون. تتجاوز هرمينوطيقيا ريكور الثنائية بين الحرفية والتأويل، وتمر بمراحل: الشك المنهجي، التفسير، الفهم، والاستعادة. سنطبق هذه المراحل على السورة خطوة بخطوة. لكن كيف تراوحت قراءة ريكور لسورة الإخلاص بين القدسية والتأويل؟

هرمينوطيقيا الشك: تحرير النص من القراءات المغلقة

يبدأ ريكور بمرحلة الشك ليكشف الأيديولوجيات الكامنة في التفسيرات. في سورة الإخلاص، يسمح هذا الشك بنقد القراءات التي تحول التوحيد إلى شعار طائفي أو أداة سياسية للتكفير أو الإقصاء. كما يدعو إلى الشك في القراءات الحرفية الجامدة التي تحول السورة إلى «تعويذة» سحرية دون أن تمس الوجود. الشك هنا منهجي: هل نفهم «الله أحد» كمجرد نفي للشركاء، أم كدعوة جذرية لإعادة تنظيم كل العلاقات الإنسانية (مع النفس، المجتمع، الطبيعة) حول مركز واحد؟ هذا الشك يحرر السورة من تراكمات التاريخ الطويل، ويعيدنا إلى أسئلة أولية: ما معنى الأحدية في عالم متعدد الآلهة المعاصرة (المال، السلطة، التكنولوجيا، الهوية)؟

النص كعالم مستقل: «عالم أمام السورة»

وفق ريكور، النص يمتلك عالماً خاصاً به يتجاوز قصد المتكلم الأول. عالم سورة الإخلاص هو عالم التوحيد الخالص الذي يقوم على أربعة أركان مترابطة:

الله أحد: الأحدية المطلقة التي تنفي كل تعدد أو تركيب داخل الذات الإلهية. هذا ليس مجرد عدد، بل نفي لأي شكل من أشكال الشرك الداخلي أو الخارجي.

الصمد: الذي يصمد إليه كل شيء ولا يحتاج إلى أحد. يرسم هذا العالم كوناً يتجه فيه كل الكائنات نحو مركز واحد، بينما يظل هذا المركز غنياً مطلقاً.

لم يلد ولم يولد: نفي الولادة والتولد يقطع كل علاقة نسب أو صيرورة أو تبعية زمنية بالله. العالم هنا خالٍ من الأساطير الوثنية والفلسفات التي تجعل الإله جزءاً من عملية صيرورة كونية.

ولم يكن له كفواً أحد: نفي المماثلة والمشابهة يؤكد الاختلاف الأنطولوجي المطلق.

هذا «العالم أمام النص» ليس نظرية مجردة، بل رؤية كونية تجعل كل الوجود شفافاً نحو الله، وتنفي كل أشكال الاستقلال الوهمي للكائنات.

الهوية السردية والذات أمام السورة

يؤكد ريكور أن الذات تُبنى سردياً. سورة الإخلاص تقدم «سرداً مضغوطاً» للهوية الإلهية، وتدعو الإنسان إلى إعادة سرد هويته داخل هذا الأفق. قراءة السورة تصبح فعلاً وجودياً: «قل» أمر بالنطق والإقرار والتجسيد. الإنسان الذي يقول «هو الله أحد» يعيد تشكيل ذاته كـ«عبد» خالص، محرراً من كل أشكال العبودية للمخلوقات. هذا يولد «هوية سردية» جديدة: أنا لست مستقلاً، ولست مولوداً من فراغ، ولست مشابهاً لأي شيء، بل أنا مرتبط بالصمد الذي أتوجه إليه في كل حاجة.

هنا تظهر فكرة ريكور «الذات كآخر»: التوحيد يجعل الله «الآخر المطلق» الذي يسمح للذات بأن تكون حرة من كل أوثانها الداخلية والخارجية.

الرمز والمجاز والدلالة المفتوحة

تتميز السورة بإيجازها الشديد، مما يجعلها رمزية بامتياز. كلمات مثل «أحد» و«صمد» تحمل دلالات مفتوحة لا تنضب. «أحد» يرمز إلى الوحدة غير القابلة للتجزئة، ويفتح على تأملات في وحدة الكون ووحدة الإنسانية.

«صمد» يرمز إلى الغنى المطلق والملاذ الأخير، ويفتح على نقد كل الأنظمة التي تدّعي الاكتفاء الذاتي (رأسمالية، قومية، تكنولوجية).

هرمينوطيقيا ريكور تسمح بقراءة هذه الرموز في سياقات معاصرة: كيف يصبح التوحيد مقاومة لـ«الأصنام الحديثة» مثل الاستهلاك، أو السلطة المطلقة، أو الذات المغرورة بالتكنولوجيا؟

الاستعادة والتطبيق: السورة كفعل وجودي

المرحلة الأخيرة عند ريكور هي «الاستعادة» أو التطبيق. سورة الإخلاص لا تُفهم فهماً نظرياً، بل تُعاش. التلاوة الحقيقية هي إعادة صياغة الوجود: تحرير النفس من الشرك الخفي (حب الذات، الخوف من المخلوقين، الاعتماد على غير الله).في عالم اليوم المتعدد الآلهة، تصبح السورة برنامجاً أخلاقياً وسياسياً: رفض كل أشكال الاستعباد، بناء مجتمع يتوجه نحو القيم الصمدية (العدل، الرحمة، الإحسان)، وتجاوز النزاعات الهوياتية الضيقة نحو وحدة إنسانية أعمق.

دلالات التطبيق الريكوري

يكشف تطبيق هرمينوطيقيا ريكور على سورة الإخلاص عن عمقها غير المحدود. السورة ليست مجرد عقيدة، بل «دعوة وجودية» مفتوحة تحول القارئ من كائن مشتت إلى كائن موحد الاتجاه. ريكور يساعدنا على قراءة السورة كـ«نص حي» يمتلك قدرة على إعادة تشكيل العالم أمامه. هذا التأويل يحافظ على قدسية النص وإلهيته، بينما يفتحه على أفق معاصر يخاطب أزمات الهوية، السلطة، والمعنى في عصرنا. في النهاية، «قل هو الله أحد» ليست مجرد كلمات، بل فعل تأويلي مستمر يدعو الإنسان في كل عصر إلى أن يقولها بقلبه وعقله وحياته، فيعود إلى أصله الأحدي الصمدي. هذا هو جوهر الهرمينوطيقيا الريكورية المطبقة على قلب التوحيد الإسلامي.

تطبيق هرمينوطيقيا بول ريكور على آية الرحمن (الرحمن على العرش استوى)المقدمة: الآية وإشكاليتها التأويليةتُعد آية «الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ» (سورة طه: 5) من الآيات المتشابهات التي أثارت جدلاً كبيراً في التاريخ الإسلامي بين التأويل الحرفي والتأويل المجازي والتفويض. تمثل هذه الآية تحدياً هرمينوطيقياً مثالياً لتطبيق منهج بول ريكور، الذي يجمع بين هرمينوطيقيا الشك، والتفسير العلمي، والفهم الوجودي، والاستعادة.ريكور يرى أن النص (حتى الديني) يمتلك «عالماً» يتجاوز الحرفية، ويدعو القارئ إلى حوار وجودي. تطبيق منهجه على هذه الآية يحولها من نقطة خلاف كلامي إلى لحظة تأمل أنطولوجي عميقة.هرمينوطيقيا الشك: نقد القراءات الأيديولوجيةيبدأ ريكور بالشك المنهجي ليكشف التحيزات. في هذه الآية، يدعو الشك إلى التشكيك في القراءات التي تُسقط على الله صفات بشرية (التجسيم)، أو في القراءات التي تنفي المعنى تماماً (التعطيل). كما نشك في القراءات التي تحول الآية إلى أداة جدل طائفي أو إلى حجة فلسفية جافة. الشك هنا يسأل: ما الذي يريده النص فعلاً؟ هل هو وصف مكاني لله، أم هو رمز لعلاقة وجودية بين الرحمة الإلهية والخلق؟هذا الشك يحرر الآية من تراكمات التاريخ الكلامي (الأشعرية، المعتزلة، السلفية) ويعيدنا إلى النص نفسه في سياقه القرآني الأوسع.النص كعالم: «الرحمن على العرش استوى»وفق ريكور، النص يخلق «عالماً أمامه». عالم هذه الآية هو عالم الرحمة المتعالية المستقرة على العرش.الرحمن: ليس اسماً عادياً، بل يشير إلى الرحمة الشاملة التي تسبق الخلق وتغمر الكون. هي الرحمة الأصلية غير المشروطة.

على العرش استوى: «الاستواء» ليس جلوساً مادياً (كما في التجسيم)، ولا مجرد استعارة فارغة. ريكور يرى في مثل هذه العبارات «رمزاً» يحمل فائض معنى. «العرش» رمز للسلطة المطلقة، والسيادة الكونية، والمركز الذي يدير به الله الكون بطريقة لا يمكن تصورها.

الآية تخلق عالماً يجمع بين القرب الرحماني والالتعالي المطلق. الله ليس بعيداً عن خلقه (رحمانية)، ولكنه ليس محصوراً فيه (استواء على العرش). هذا العالم يرفض كلاً من التشبيه والتعطيل، ويفتح أفقاً أنطولوجياً يقوم على «التنزيه الموصوف بالرحمة».الرمز والمجاز والدلالة المفتوحةتُعد الآية نموذجاً للرمز عند ريكور. «العرش» ليس جسماً، بل رمز للملكوت، والقوة، والإدارة الإلهية للكون. «الاستواء» رمز للاستقرار، السيطرة، والحكم بلا مشقة أو تغيّر.هذا الرمز يولد دلالات مفتوحة:في السياق الكوني: الله يدير الكون برحمة من مركز متعالٍ.

في السياق الوجودي: الرحمة الإلهية ليست مجرد صفة، بل واقع أساسي يمكن للإنسان أن يعيش في ظله.

في السياق الأخلاقي: الاستواء على العرش يعني أن العدل والرحمة هما المبادئ الحاكمة للوجود، وليست قوى عشوائية.

الهوية السردية والذات أمام الآيةتساهم الآية في بناء «الهوية السردية» للمؤمن. حين يتأمل الإنسان «الرحمن على العرش استوى»، يعيد اكتشاف موقعه في الكون: هو مخلوق يعيش تحت رحمة متعالية، لا يخضع لقوى عمياء، ولا يملك السيطرة المطلقة.هذا يولد شعوراً بالأمان الوجودي (الرحمة) مع الخشوع والتعظيم (الاستواء). الذات تصبح «مستعينة» بالرحمن، ومدركة لحدودها أمام المتعالي. كما يفتح الباب لـ«الذات كآخر»: الرحمن هو الآخر المطلق الذي يقترب من الإنسان برحمته دون أن يفقد تعاليه.التطبيق والاستعادة: الآية كتجربة وجوديةالمرحلة الأخيرة عند ريكور هي التطبيق. الآية لا تُفهم نظرياً فقط، بل تُعاش. التأمل فيها ينتج حالة من الطمأنينة الروحية: العالم ليس مهجوراً، بل مدبر برحمة من مركز متعالٍ. في عصر القلق الحديث والشعور بالعبثية، تعيد الآية الإنسان إلى مركز رحماني مستقر. هي دعوة للثقة في تدبير إلهي يجمع بين الرحمة والحكمة، ودعوة للتواضع أمام هذا التدبير.الخاتمة: دلالات التطبيق الريكورييكشف تطبيق هرمينوطيقيا ريكور على آية «الرحمن على العرش استوى» عن عمقها غير المحدود. الآية ليست مجرد مسألة كلامية، بل رمز وجودي يجمع بين التعالي والقرب، بين الرحمة والسلطان.ريكور يساعد على تجاوز الجدل التقليدي نحو تأويل حي يخاطب الإنسان المعاصر: في عالم يبدو فيه كل شيء فوضوياً، هناك رحمة متعالية مستقرة تدير الكون بحكمة. هذا التأويل يحافظ على قدسية النص، ويفتحه على أفق معاصر، ويحوله إلى مصدر طمأنينة وتوجيه أخلاقي. الرحمن على العرش استوى، فالكون في أمان، والإنسان مدعو إلى العيش في ظل هذه الرحمة بوعي وخشوع. بهذا يصبح التأويل الريكوري جسراً بين النص الإلهي والتجربة الإنسانية في كل عصر.

هرمينوطيقيا بول ريكور في الإسلام: دراسة تأويلية معاصرة

ريكور والحاجة الإسلامية إلى هرمينوطيقيا نقدية إبداعية

تُعد هرمينوطيقيا بول ريكور من أهم المناهج الفلسفية في القرن العشرين، لأنها تقدم طريقاً وسطاً بين الشك الراديكالي والثقة البريئة، بين التفكيك والإعادة البناء، وبين النص والذات. مشروع ريكور يجمع بين الظاهراتية، والتحليل اللغوي، وعلم النفس، وفلسفة السرد، مما يجعله أداة غنية للفكر الإسلامي المعاصر الذي يواجه تحديات التأويل في عصر العولمة والحداثة.

في الإسلام، يشكل النص القرآني والتراث الفقهي والصوفي محوراً أساسياً للهوية. لذا أصبحت هرمينوطيقيا ريكور مدخلاً مهماً لدى بعض المفكرين العرب والمسلمين الذين يسعون إلى تجديد الفهم الإسلامي دون الوقوع في التقليد الأعمى أو التبعية الغربية الكاملة.

المفاهيم الريكورية الرئيسية وتطبيقاتها الإسلاميةهرمينوطيقيا الشك والاستعادة

ريكور يميز بين مرحلة «الشك» (مستوحاة من ماركس ونيتشه وفرويد) ومرحلة «الاستعادة» أو البراءة الثانية. في السياق الإسلامي، يسمح الشك المنهجي بنقد القراءات الأيديولوجية والتاريخية للنصوص الدينية (كالقراءات السياسية أو الطائفية أو الذكورية)، دون الطعن في مصدر النص. أما الاستعادة فتتيح العودة إلى النص بوعي جديد، مستخرجة معانيه الوجودية والأخلاقية للعصر الحالي.

عالم النص والدلالة المفتوحة

يؤكد ريكور أن النص يمتلك «عالماً» مستقلاً عن قصد المؤلف. بالنسبة للقرآن، يصبح «عالم النص» هو الرؤية الكونية التوحيدية التي تتجاوز السياق التاريخي للنزول وتفتح أفقاً وجودياً. هذا يسمح بقراءة النصوص القرآنية (كسورة الفاتحة أو الإخلاص أو آيات الصفات) كرموز حية تولد معاني جديدة في كل عصر.

الهوية السردية والذات كآخر

يُعد مفهوم «الهوية السردية» من أخصب إسهامات ريكور. في الإسلام، يمكن قراءة القرآن كسرد كبير (من الخلق إلى البعث) يساعد المؤمن على بناء هويته. كما أن «الذات كآخر» تتوافق مع مفهوم العبودية: الخضوع لله (الآخر المطلق) هو الطريق إلى تحرر الذات من الأصنام.

الجدل بين التفسير والفهم

ريكور يطالب بالمرور بالتفسير العلمي (لغوي، تاريخي، بنيوي) قبل الوصول إلى الفهم الوجودي. هذا يناسب تماماً المنهج الإسلامي التقليدي الذي يجمع بين علوم اللغة والتفسير والاجتهاد، مع إمكانية إثرائه بأدوات حديثة.

التأثير على الفكر الإسلامي المعاصر

وجدت هرمينوطيقيا ريكور صدى واضحاً في مشاريع بعض المفكرين العرب المسلمين. حسن حنفي استفاد منها في مشروعه «اليسار الإسلامي» ليجعل التأويل أداة تحررية، يمر بالشك ثم يصل إلى استعادة المعاني الثورية في التراث. كذلك ساهمت أفكار ريكور في إثراء دراسات النص القرآني المعاصرة، خاصة في محاولات تجاوز الثنائيات الجامدة (نص/واقع، قديم/جديد، دين/دنيا). ساعدت على ظهور قراءات هرمينوطيقية تجمع بين الاحترام لقدسية النص والانفتاح على أسئلة العصر (الهوية، العدالة، البيئة، حقوق الإنسان، حوار الأديان).

رغم غناها، تواجه هرمينوطيقيا ريكور تحديات في السياق الإسلامي:

قدسية النص: القرآن نص إلهي، وليس نصاً بشرياً. لذا يجب أن تظل الهرمينوطيقيا خادمة للنص لا حاكمة عليه.

الوحي والقصد الإلهي: ريكور يركز على استقلالية النص عن قصد المؤلف، بينما يرى المسلمون أن قصد الله جزء أساسي من فهم النص.

الخصوصية الحضارية: الهرمينوطيقيا الريكورية غربية المنشأ، وتحتاج إلى «ترجمة حضارية» تراعي خصوصية التجربة الإسلامية (الوحي، النبوة، الاجتهاد).

الخطر الاختزالي: قد يؤدي التطبيق السطحي إلى تحويل النص الديني إلى نص أدبي أو فلسفي محض.

آفاق هرمينوطيقيا ريكورية إسلامية

يمكن بناء «هرمينوطيقيا إسلامية ريكورية» تجمع بين:الشك المنهجي في التفسيرات البشرية مع الإيمان بالوحي.

التفسير العلمي الدقيق (علوم القرآن، اللغة، التاريخ) مع الفهم الوجودي والروحي.

الرمزية القرآنية مع فائض المعنى الذي لا ينضب.

بناء الهوية السردية الإسلامية في مواجهة أزمات الحداثة.

هذا المشروع يتطلب اجتهاداً جماعياً يربط بين تراث الاجتهاد الإسلامي (من ابن عربي إلى الشاطبي) وبين أدوات ريكور الفلسفية، ليخرج بمنهج أصيل يخدم تجديد الفكر الإسلامي.

هرمينوطيقيا بول ريكور تمثل فرصة تاريخية للفكر الإسلامي المعاصر. ليست بديلاً عن التراث، بل أداة تساعد على إحيائه وتجديده. تسمح بقراءة النصوص الإسلامية كـ«نصوص حية» تخاطب الإنسان في كل زمان ومكان، وتعيد بناء الذات المسلمة داخل عالم التوحيد والرحمة والعدل.

النجاح في استيعاب ريكور وتجاوزه يعتمد على القدرة على إنتاج هرمينوطيقيا إسلامية أصيلة، تجمع بين الوفاء للنص الإلهي والانفتاح على الإنسانية جمعاء. هذا هو الطريق نحو فهم إسلامي معاصر يعيد للإسلام حضوره الحضاري في عصرنا.

مقارنة بين هرمينوطيقيا بول ريكور والتفسير الإسماعيلي

هرمينوطيقيتان متعددتا المستويات

تمثل هرمينوطيقيا بول ريكور قمة التأويل الفلسفي الغربي الحديث، بينما يُعد التفسير الإسماعيلي (التأويل الباطني) أحد أعمق وأنظم المناهج التأويلية في التاريخ الإسلامي. كلاهما يرفض الحرفية السطحية ويؤكد على تعدد مستويات المعنى، لكنهما يختلفان في المنطلقات، المنهج، والغاية. ريكور ينطلق من فلسفة غربية حديثة تركز على الذات والنص والسرد، بينما ينطلق التفسير الإسماعيلي من رؤية دينية باطنية تربط بين الظاهر والباطن، وبين النبوة والإمامة، وبين التاريخ الدوري والحقيقة الأبدية.أسس كل منهماريكور: هرمينوطيقيا فلسفية تقوم على «الجدل بين الشك والاستعادة». يمر التأويل بالتفسير العلمي (لغوي، تاريخي، بنيوي) ثم يصل إلى الفهم الوجودي. يؤكد على استقلالية النص («عالم أمام النص») وعلى بناء الهوية السردية.التفسير الإسماعيلي: يعتمد على مبدأ «الظاهر والباطن». الظاهر (الحرف، الشريعة) هو قشرة تحمي الباطن (الحقيقة، المعرفة الإلهية). يرتبط التأويل بالإمام أو الداعي كحامل للمعنى الباطن، ويضع النص ضمن دورات النبوة والإمامة والقيامة.مقارنة في مفهوم التأويلالمشتركات:كلاهما يرفض القراءة الحرفية الوحيدة ويؤكد على «فائض المعنى».

كلاهما يرى النص متعدد المستويات: ريكور من خلال الرمز والسرد، والإسماعيليون من خلال الظاهر والباطن والمؤول.

كلاهما يربط التأويل بالتحول الوجودي: ريكور بالهوية السردية، والإسماعيلي بالصعود المعرفي نحو الحقيقة.

الاختلافات:المنهج: ريكور نقدي وفلسفي، يعتمد الشك المنهجي والتحليل العلمي. أما التفسير الإسماعيلي فيعتمد على «الكشف» المرتبط بالإمامة والتسلسل المعرفي (الناطق، الأساس، الداعي).

الغاية: ريكور يهدف إلى فهم الذات والعالم في الحاضر. أما الإسماعيلي فيهدف إلى تحقيق المعرفة الإلهية والعودة إلى الأصل من خلال دورات التاريخ الديني.

دور السلطة: في الإسماعيلية، التأويل مرتبط بسلطة الإمام. أما عند ريكور فهو عملية فردية-جماعية مفتوحة.

مقارنة في مفهوم النص والرمز

ريكور يرى النص يمتلك «عالماً» مستقلاً يدعو القارئ إلى السكن فيه. الرمز عنده «فائض معنى» يفتح آفاقاً وجودية.أما الإسماعيليون فيعتبرون النص (القرآن خاصة) طبقات: الظاهر (شريعة عامة)، والباطن (حقيقة خاصة بالمؤمنين)، وقد يصل إلى مستويات أعمق. الرمز (مثل أرقام، قصص الأنبياء، الطبيعة) هو مفتاح لعوالم علوية.التقاطع: كلاهما يعطي الرمز دوراً مركزياً كوسيط معرفي. ريكور يقترب من الإسماعيلية في تقديره للخيال المنتج، الذي يشبه إلى حد ما «عالم المثال» عند الإسماعيليين.مقارنة في الذات والتاريخريكور: الذات تُبنى سردياً من خلال مواجهة النصوص والآخرين. التاريخ مفتوح وغير محدد بدورات ثابتة.الإسماعيلي: الذات تتحقق بالصعود عبر مراتب المعرفة، مرتبطة بدورات النبوة والإمامة والقيامة. التاريخ دوري وله معنى باطن (كل نبي له وصي).التقاطع: كلاهما يرى الذات في حالة صيرورة ويربطها بالتأويل. ريكور يؤكد المسؤولية الأخلاقية، والإسماعيلي يؤكد الولاية والطاعة للإمام.الدلالات والإمكانيات المعاصرةتكشف المقارنة عن إمكانيات حوار مثمر:يمكن لهرمينوطيقيا ريكور أن تضيف صرامة نقدية وانفتاحاً فلسفياً إلى التفسير الإسماعيلي، مما يساعد على تجديده في العصر الحديث.

يمكن للتفسير الإسماعيلي أن يضيف عمقاً روحياً وكونياً إلى ريكور، خاصة في مفهوم الرمز والتسلسل المعرفي.

في السياق الإسلامي المعاصر، يساعد الجمع بينهما على بناء هرمينوطيقيا إسلامية تجمع بين البعد الباطني الصوفي-الشيعي والنقد الفلسفي الحديث.

هرمينوطيقيا ريكور والتفسير الإسماعيلي يمثلان نموذجين متميزين للتأويل متعدد المستويات. ريكور يمثل التأويل «الفلسفي النقدي» المفتوح، بينما يمثل التفسير الإسماعيلي التأويل «الديني الباطني» المنظم حول الإمامة والحقيقة.التقاءهما يثري كلاً منهما: يعطي ريكور للإسماعيلية أدوات نقدية معاصرة، ويعطي الإسماعيلية لريكور عمقاً روحياً وكونياً. هذه المقارنة تفتح آفاقاً لمشروع هرمينوطيقي إسلامي معاصر يستوعب إنجازات الحداثة دون أن يفقد أصالته الباطنية والروحية. إنها دعوة للحوار بين الفكر الغربي والتراث الإسلامي على أرضية التأويل كطريق لفهم الإنسان والمطلق.

مقارنة بين هرمينوطيقيا بول ريكور والتأويل عند أبي حامد الغزالي

تأويلان بين النقد والتوازن

يُعد أبو حامد الغزالي (450-505 هـ) أحد أبرز علماء الإسلام في التوفيق بين الظاهر والباطن، والشريعة والحقيقة. أما بول ريكور فيُمثل قمة الهرمينوطيقيا الفلسفية الحديثة. رغم الفارق الزمني والحضاري، تكشف المقارنة بين تأويلهما نقاط تقاطع واختلاف مهمة في فهم النص الديني، دور الشك، علاقة الظاهر بالباطن، وغاية التأويل.منهج كل منهما في التأويلالغزالي: يقدم منهجاً متوازناً يحترم الظاهر (المعنى الحرفي والشرعي) ويسمح بالباطن (التأويل) لمن له أهلية. في كتاب «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة» و«إحياء علوم الدين»، ينتقد التأويل الزائد (كما عند بعض الفلاسفة) الذي ينفي الظاهر، وينتقد أيضاً الجمود الحرفي. يضع شروطاً للتأويل: أن يكون النص غير قطعي الدلالة، وأن يكون التأويل مبنياً على دليل شرعي أو عقلي، وألا يؤدي إلى إبطال الشريعة.ريكور: يقدم هرمينوطيقيا جدلية تمر بثلاث مراحل: الشك المنهجي، التفسير (التحليل العلمي)، والفهم (الاستعادة والتطبيق). يرى النص مستقلاً عن قصد المؤلف، ويؤكد على «عالم النص» الذي يدعو القارئ إلى السكن فيه.مقارنة في مفهوم الظاهر والباطنالمشترك: كلاهما يعترف بوجود مستويات متعددة للمعنى. الغزالي يتحدث عن ظاهر وباطن، وريكور عن معنى حرفي ورمزي ووجودي. كلاهما يرى التأويل ضرورياً للنصوص المتشابهات.الاختلاف: الغزالي يحافظ على أولوية الظاهر، ويجعل الباطن مكملاً له وليس ناقضاً. التأويل عنده مقيد بشرعاً وعقلاً.

ريكور يميل إلى استقلالية النص، وقد يصل التأويل إلى درجة كبيرة من الحرية، مع الحفاظ على الجدل مع التفسير العلمي.

مقارنة في دور الشك والعقلالغزالي: مرّ بمرحلة شك وجودي عميق (كما في «المنقذ من الضلال») لكنه انتهى إلى اليقين بالكشف والذوق إلى جانب العقل والنقل. الشك عنده أداة مؤقتة للوصول إلى اليقين.ريكور: الشك منهجي ومستمر، لكنه ليس نهاية بل مرحلة ضرورية تؤدي إلى استعادة أعمق. العقل والتحليل العلمي أساسيان في عملية التأويل.التقاطع: كلاهما يمر بالشك، لكن الغزالي يتجاوزه بالكشف الروحي، بينما يتجاوزه ريكور بالفهم الوجودي والسردي.مقارنة في غاية التأويلالغزالي: الغاية تربوية وروحية وأخلاقية. التأويل يهدف إلى تطهير القلب، وتحقيق الإحسان، وفهم أسرار الشريعة للوصول إلى الله. هو في خدمة الدين والسلوك.ريكور: الغاية فلسفية ووجودية. التأويل يهدف إلى فهم الذات («الذات كآخر») وبناء الهوية السردية، وفهم الوجود الإنساني في العالم.التقاطع: كلاهما يرى التأويل يحول الإنسان: الغزالي نحو التقوى والإحسان، وريكور نحو الوعي الأخلاقي والوجودي.الدلالات المعاصرة للمقارنةتقدم هذه المقارنة رؤى قيمة للفكر الإسلامي المعاصر:يمكن لمنهج الغزالي التوازني أن يقيد حرية ريكور ويحافظ على قدسية النص.

يمكن لهرمينوطيقيا ريكور أن تضيف صرامة نقدية وانفتاحاً على أسئلة العصر إلى التأويل الغزالي.

الجمع بينهما يساعد على بناء هرمينوطيقيا إسلامية معاصرة: تحترم الظاهر (كالغزالي)، وتمر بالشك المنهجي والتحليل العلمي (كريكور)، وتصل إلى فهم وجودي وروحي.

الغزالي وريكور يمثلان نموذجين متميزين للتأويل. الغزالي يمثل التأويل «الديني المتوازن» الذي يخدم الشريعة والروح، بينما يمثل ريكور التأويل «الفلسفي النقدي» الذي يخدم فهم الذات والوجود.التقاءهما يثري الحوار بين التراث والحداثة: الغزالي يذكّر ريكور بأولوية النص المقدس وحدوده، وريكور يذكّر الغزالي بأهمية النقد المنهجي والانفتاح على الإنسان المعاصر.هذه المقارنة تفتح الباب أمام مشروع تأويلي إسلامي يجمع بين عمق الغزالي الروحي ودقة ريكور الفلسفية، ليلبي حاجات العصر دون أن يفقد أصالة التراث.

مقارنة بين هرمينوطيقيا بول ريكور وفكر محيي الدين ابن عربي

تقاطعان في تأويل الوجود والنص

يُمثل بول ريكور (1913-2005) قمة الهرمينوطيقيا الفلسفية الغربية الحديثة، بينما يُعد محيي الدين ابن عربي (1165-1240) أحد أعمق فلاسفة التأويل و«شيخ الهرمينوطيقيا» في التراث الإسلامي الصوفي. رغم تباعد الزمان والمكان والمصادر الثقافية، تكشف المقارنة بينهما تقاطعات مثيرة في فهم النص، الرمز، الذات، والعلاقة بين الإنسان والمطلق. كلاهما يرى التأويل ليس عملاً فنياً فحسب، بل طريقاً وجودياً لفهم الذات والعالم. هذه المقارنة ليست مجرد مقابلة تاريخية، بل محاولة لإثراء الحوار بين الفكر الغربي المعاصر والتراث الإسلامي.خلفية كل منهماريكور فيلسوف مسيحي بروتستانتي تأثر بالظاهراتية (هوسرل)، والوجودية (ياسبرز)، والفلسفة التحليلية. يسعى إلى بناء هرمينوطيقيا وسطى تجمع بين الشك والثقة، وتربط بين النص والذات.أما ابن عربي فيُلقب بـ«الشيخ الأكبر»، وهو عارف صوفي جمع بين الشريعة والحقيقة، وبين الفلسفة والكشف. مشروعه قائم على «وحدة الوجود» و«الخيال المنفصل»، ويُعد تأويله للقرآن والحديث نموذجاً للهرمينوطيقيا الصوفية العميقة.مقارنة في الهرمينوطيقيا والتأويلالمشترك: كلاهما يرفض الحرفية الضيقة ويؤكد على «فائض المعنى». ريكور يتحدث عن «دلالة مفتوحة» في النص، وابن عربي يرى أن لكل آية «ظهر وبطن» و«سبعين وجهاً». كلاهما يعتبر التأويل عملية حوارية: النص يخاطب القارئ ويغيّره.الاختلاف: ريكور يعتمد منهجاً فلسفياً يمر بالشك المنهجي والتفسير العلمي (لغوي، تاريخي) قبل الفهم الوجودي. أما ابن عربي فيعتمد على «الكشف» والذوق والإلهام إلى جانب العقل والنقل. تأويله «كشفي» أكثر منه «نقدي»، بينما ريكور «نقدي» أكثر منه «كشفي».ريكور يرى النص مستقلاً عن قصد المؤلف، بينما يرى ابن عربي أن التأويل الصحيح يعود في النهاية إلى «السر الإلهي» الذي أودعه الله في النص.مقارنة في الأنطولوجيا (الوجود)ريكور: يركز على «الكينونة» (Being) من خلال الظاهراتية والهرمينوطيقيا، لكنه لا يذهب إلى وحدة مطلقة. يحافظ على التمييز بين الخالق والمخلوق، ويهتم بالوجود الإنساني (الدازاين) في الزمن والسرد.ابن عربي: يقدم «وحدة الوجود» (أو وحدة الشهود) كرؤية أنطولوجية عميقة. الكون تجليات للحق، والإنسان «الإنسان الكامل» هو المرآة الأتم للأسماء الإلهية. التقاطع: كلاهما يرى الوجود متعدد الطبقات. ريكور من خلال السرد والرمز، وابن عربي من خلال التجلي والخيال. كلاهما يرفض الثنائية المادية الصلبة.مقارنة في مفهوم الذات والآخرريكور: في كتاب «الذات كآخر» يرى أن الذات تُبنى عبر السرد والعلاقة بالآخر. الهوية ليست مغلقة، بل مفتوحة ومسؤولة أخلاقياً.ابن عربي: الذات عنده «عبد» و«خليفة» في آن. الإنسان الكامل هو الذي يتحقق بجميع الأسماء الإلهية. علاقته بالآخر (الله) هي علاقة حب وعبودية ومعرفة.التقاطع: كلاهما يرى الذات تتحقق في علاقتها بالآخر. ريكور فلسفياً وأخلاقياً، وابن عربي وجودياً وروحياً. كلاهما يؤكد على «الانفتاح» ورفض الأنا المغلقة.الخيال والرمز: نقطة التقاء بارزةهنا يظهر التشابه الأعمق. ريكور يعطي أهمية كبرى للخيال المنتج والرمز كوسيط ضروري للوصول إلى المعنى. ابن عربي يطور مفهوم «الخيال المنفصل» (عالم المثال) كوسيط بين العالم المادي والعالم الروحي، ويعتبره مكان تجلي الحقائق.كلاهما يرى الرمز ليس زخرفة، بل طريقاً معرفياً أصيلاً. ريكور في الأدب والأسطورة، وابن عربي في الآيات الكونية والقرآنية.الدلالات المعاصرةتقدم هذه المقارنة إمكانيات غنية للفكر الإسلامي المعاصر:يمكن لهرمينوطيقيا ريكور أن تضيف صرامة نقدية إلى التأويل الصوفي عند ابن عربي.

يمكن لفكر ابن عربي أن يضيف عمقاً روحياً وأنطولوجياً إلى هرمينوطيقيا ريكور.

الجمع بينهما يساعد على بناء هرمينوطيقيا إسلامية معاصرة تجمع بين الكشف والنقد، وبين الروحانية والأخلاق.

رغم الاختلافات الجوهرية (ريكور فيلسوف حديث علماني نسبياً، وابن عربي عارف صوفي ملتزم بالشريعة)، فإن بينهما تقاطعات عميقة في فهم التأويل كطريق وجودي، والرمز كوسيط معرفي، والذات كعلاقة بالآخر.ابن عربي يمثل قمة التأويل «من الداخل» بالكشف، بينما ريكور يمثل التأويل «من الخارج» بالنقد الفلسفي. حوارهما الممكن يثري مشروع تجديد الهرمينوطيقيا الإسلامية، ويفتح آفاقاً لفهم أعمق للنص الديني والوجود الإنساني في عصرنا. هذه المقارنة ليست مجرد دراسة تاريخية، بل دعوة لإحياء تراث ابن عربي بأدوات معاصرة، وإثراء الفكر الغربي بعمق التجربة الإسلامية الصوفية.

خاتمة

إعادة الاعتبار للتراث ليست عملية أثرية أو أيديولوجية، بل هي ممارسة هرمينوطيقية وجودية وسياسية في آن. بين هيدجر وغادامير تكمن دعوة للعودة الأصيلة إلى الأسئلة الأولى، وبين الجابري وحنفي تكمن دعوة لتحرير التراث وتجسيده في الواقع العربي. التقاء هذين التقليدين يفتح آفاقاً لفكر عربي إسلامي معاصر يعيد اكتشاف ذاته من خلال تأويل مستمر لتراثه، ويسهم في الحوار الحضاري العالمي من موقع الندية والإبداع. هذا الطريق صعب وطويل، لكنه الوحيد الذي يحفظ للأمة حضورها التاريخي ويفتح لها أبواب المستقبل. فكيف يمكن التحول من كائنات تراثية الى كائنات لها تراث؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

دراسة فلسفية في أسس المناهج العلمية والفلسفية

مقدمة الدراسة: تعدّ إشكالية المنهج من أعقد الإشكاليات التي واجهت الفكر الفلسفي والعلمي منذ نشأة التأمل العقلي إلى اليوم، ذلك أن المنهج لا يمثل مجرد وسيلة تقنية لتنظيم المعرفة، بل يشكل البنية العميقة التي يتحدد من خلالها نمط التفكير وطبيعة الحقيقة الممكن بلوغها. فكل تحول عرفه تاريخ الفلسفة أو العلوم كان مرتبطًا بتحول في الرؤية المنهجية، لأن تطور المعرفة الإنسانية لم يكن يومًا منفصلًا عن تطور الأدوات العقلية التي تُنتج بها تلك المعرفة. ومن هنا ارتبط سؤال المنهج بسؤال الحقيقة ذاتها، إذ لا يمكن الحديث عن معرفة يقينية أو علمية أو فلسفية دون التساؤل عن الطريق المؤدي إليها، وعن القواعد التي تضبطها، وعن الحدود التي تتحرك داخلها.

لقد أدرك الفلاسفة منذ العصور اليونانية الأولى أن الوصول إلى الحقيقة لا يتحقق عبر الآراء العفوية أو التصورات الساذجة، وإنما عبر منهج عقلي منظم يقي الفكر من التناقض والزلل. ولذلك ارتبطت الفلسفة منذ بدايتها بمطلب البحث عن القواعد التي تجعل التفكير صحيحًا ومنطقيًا. وقد ظهر هذا الوعي بوضوح عند سقراط الذي جعل الحوار والتوليد وسيلة لبلوغ الحقيقة، ثم عند أفلاطون الذي ربط المعرفة بالجدل الصاعد نحو عالم المثل، قبل أن يبلغ هذا الوعي ذروته مع أرسطو الذي أسس علم المنطق بوصفه أداة للفكر البرهاني والتحليلي. وهكذا أصبح المنهج منذ الفكر اليوناني أساسًا لكل معرفة منظمة، وأضحى التفكير الفلسفي بحثًا دائمًا عن القواعد التي تضبط العقل في أثناء ممارسته للفهم والاستدلال.

ومع الانتقال إلى العصر الحديث، عرف سؤال المنهج تحولات كبرى نتيجة الثورة العلمية التي أعادت بناء العلاقة بين الإنسان والطبيعة. فقد برزت الحاجة إلى تأسيس منهج جديد يتجاوز التصورات المدرسية القديمة ويؤسس لمعرفة يقينية قادرة على تفسير العالم والسيطرة عليه. وفي هذا السياق ظهر المنهج الديكارتي بوصفه ثورة عقلية قائمة على الشك المنهجي والتحليل والتركيب والاستقراء العقلي المنظم، حيث اعتبر ديكارت أن المنهج هو الطريق الذي يقود العقل إلى اليقين، وأن الفكر لا يمكن أن يبلغ الحقيقة إلا إذا التزم بقواعد صارمة تقوم على الوضوح والتمييز والتدرج المنطقي. ومنذ ذلك الحين أصبحت قضية المنهج في قلب المشروع الفلسفي الحديث، وتحولت إلى أساس لكل بحث علمي أو فلسفي.

غير أن تطور العلوم الإنسانية والاجتماعية كشف أن وحدة المنهج ليست أمرًا بديهيًا، لأن موضوعات هذه العلوم تختلف عن موضوعات العلوم الطبيعية. فالظواهر الإنسانية والاجتماعية لا تخضع دائمًا لقوانين ثابتة يمكن قياسها بدقة رياضية، بل ترتبط بالإرادة والتاريخ والثقافة والتحولات الاجتماعية. ولذلك ظهر اتجاه يدعو إلى تعدد المناهج تبعًا لتعدد الموضوعات والأهداف، فبرز المنهج التاريخي والمنهج الوصفي والمنهج التحليلي والمنهج الاستقرائي والمنهج البنيوي والمنهج التأويلي وغيرها من المناهج التي حاولت كل منها أن تستجيب لطبيعة الموضوع الذي تدرسه.

ومن هنا تبرز أهمية دراسة إشكالية المنهج باعتبارها دراسة تتجاوز الجانب التقني إلى البعد الإبستمولوجي والفلسفي العميق، لأن المنهج لا يحدد فقط كيفية البحث، بل يحدد أيضًا طبيعة المعرفة الممكنة وحدودها ومصداقيتها. فالاختلاف بين الفلاسفة والعلماء حول المنهج يعكس اختلافهم حول مفهوم الحقيقة ذاته، وحول طبيعة العقل، وحول العلاقة بين الذات والموضوع، وبين الفكر والواقع. ولذلك فإن دراسة المناهج ليست مجرد دراسة لأدوات التفكير، بل هي دراسة لتاريخ العقل الإنساني في سعيه إلى تنظيم المعرفة وتجاوز الخطأ وبناء اليقين.

كما أن أهمية هذه الدراسة تتجلى في كونها تتيح فهم العلاقة الجدلية بين المنهج والموضوع والغاية، إذ لا يمكن الحديث عن منهج معزول عن طبيعة الموضوع الذي يعالجه أو عن الغاية التي يسعى إليها الباحث. فالمناهج الرياضية تختلف عن المناهج التاريخية، والمناهج التجريبية تختلف عن المناهج الفلسفية، كما أن العلوم النظرية تختلف في أهدافها عن العلوم العملية والتطبيقية. ومن ثم فإن المنهج ليس قالبًا جامدًا، بل بنية دينامية تتكيف مع تطور المعرفة وتغير الحقول العلمية والفلسفية.

إن هذه الدراسة تسعى إلى الكشف عن الأسس الفكرية والفلسفية التي قامت عليها إشكالية المنهج، وتتبع تطورها التاريخي من الفكر اليوناني إلى الفلسفة الحديثة والمعاصرة، مع إبراز طبيعة العلاقة بين المناهج المختلفة، وتحليل وظائفها المعرفية، والكشف عن حدودها وإمكاناتها في إنتاج الحقيقة العلمية والفلسفية.

إشكالية الدراسة:

تنبثق إشكالية هذه الدراسة من التساؤل الجوهري الذي رافق تاريخ الفكر الإنساني منذ نشأة الفلسفة: هل توجد حقيقة يمكن للعقل الإنساني بلوغها بصورة يقينية؟ وإذا كانت الحقيقة ممكنة، فما السبيل أو المنهج الذي يسمح بالوصول إليها؟ لقد ظل هذا السؤال يشكل محورًا أساسيًا في الفلسفة والعلوم، لأن قيمة أي معرفة لا تتحدد فقط بنتائجها، بل بالطريقة التي أُنتجت بها تلك النتائج. ومن هنا ارتبطت مسألة المنهج بمسألة الحقيقة ارتباطًا عضويًا، حتى أصبح تاريخ الفكر في جانب كبير منه تاريخًا للصراع بين المناهج المختلفة.

وتتعمق هذه الإشكالية حين نلاحظ أن تطور العلوم وتنوع موضوعاتها أدى إلى تعدد المناهج واختلافها. فإذا كان المنهج الرياضي أو التجريبي قد نجح في العلوم الطبيعية نجاحًا باهرًا، فإن تطبيقه على العلوم الإنسانية والاجتماعية ظل محل جدل واسع، لأن الإنسان لا يمكن اختزاله إلى مجرد موضوع مادي خاضع لقوانين ثابتة. وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل يمكن اعتماد منهج واحد يشمل جميع العلوم، أم أن لكل علم منهجه الخاص الذي تفرضه طبيعة موضوعه؟

إن هذا السؤال يقود إلى إشكالات فرعية متعددة، من بينها:

ما المقصود بالمنهج في الفلسفة والعلوم؟

ما العلاقة بين المنهج والموضوع والغاية؟

هل المنهج مجرد أداة تقنية أم أنه رؤية فلسفية للعالم؟

ما الفرق بين المنهج الفلسفي والمنهج العلمي؟

كيف انتقل الفكر الإنساني من المنهج التأملي إلى المنهج التجريبي؟

ما دور التحليل والتعريف والاستدلال والاستقراء في بناء المعرفة؟

هل يمكن الحديث عن يقين مطلق في العلوم الإنسانية والاجتماعية؟

إلى أي حد يساهم المنهج في كشف الحقيقة أو في إعادة بنائها؟

ما حدود كل منهج؟ وهل توجد إمكانية للتكامل بين المناهج المختلفة؟

كما تتفرع عن هذه الإشكالية قضية أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في العلاقة بين المنهج والواقع التاريخي والاجتماعي. فالمنهج ليس معطى ثابتًا خارج التاريخ، بل يتأثر بالتحولات الحضارية والعلمية والفكرية التي يعيشها الإنسان. ولذلك فإن تطور المناهج يعكس تطور نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى العالم. فكل عصر ينتج منهجه الخاص الذي ينسجم مع تصوراته المعرفية والفلسفية، وهو ما يجعل دراسة المناهج دراسة لتاريخ العقل الإنساني ذاته.

وتحاول هذه الدراسة أيضًا معالجة الإشكال المتعلق بطبيعة المنهج الفلسفي: هل يقوم على التحليل العقلي الخالص كما عند ديكارت وأرسطو، أم على التجربة والاستقراء كما عند التجريبيين، أم على التأويل والفهم كما في الفلسفات المعاصرة؟ وهل يمكن الجمع بين هذه المناهج داخل رؤية تكاملية تتجاوز الصراعات التقليدية بين العقلانية والتجريبية؟

إن الإشكالية المركزية لهذه الدراسة يمكن صياغتها في السؤال التالي:

إلى أي حد يمكن اعتبار المنهج أساسًا لبناء المعرفة الفلسفية والعلمية، وهل يقتضي تنوع الموضوعات تعدد المناهج أم أن هناك منهجًا موحدًا يمكن أن يشكل قاعدة عامة لكل معرفة إنسانية؟

أهداف الدراسة:

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الفكرية والمعرفية والفلسفية، من أهمها:

الكشف عن مفهوم المنهج وبيان أبعاده الفلسفية والمعرفية والعلمية.

تتبع التطور التاريخي لإشكالية المنهج منذ الفكر اليوناني إلى الفلسفة الحديثة والمعاصرة.

إبراز العلاقة بين المنهج والحقيقة، وبيان دور المنهج في بناء المعرفة العلمية والفلسفية.

تحليل الأسس التي يقوم عليها المنهج الفلسفي، خاصة التحليل والتعريف والاستدلال والاستقراء.

توضيح الفروق بين المناهج المختلفة، مثل المنهج التحليلي والمنهج الاستقرائي والمنهج التاريخي والمنهج الوصفي.

دراسة العلاقة بين طبيعة الموضوع والمنهج المناسب لدراسته.

الكشف عن حدود كل منهج وإمكاناته المعرفية.

بيان أثر المناهج العلمية والفلسفية في تطور الحضارة الإنسانية.

مناقشة إشكالية وحدة المنهج أو تعدده في مختلف العلوم.

إبراز أهمية المناهج في العلوم الإنسانية والاجتماعية والتاريخية.

توضيح دور المنهج في تجاوز الأحكام العفوية وبناء التفكير النقدي.

الكشف عن القيمة الإبستمولوجية للمنهج بوصفه شرطًا لإنتاج المعرفة الموضوعية.

تحليل العلاقة بين المنهج والتفسير والتأويل والفهم.

إبراز دور الفلاسفة الكبار، مثل أرسطو ورينيه ديكارت وإيمانويل كانط وإميل دوركايم في تطوير التفكير المنهجي.

المساهمة في ترسيخ الوعي بأهمية المنهج في البحث الأكاديمي والفلسفي المعاصر.

مفهوم المنهج وعلاقته بالمعرفة والحقيقة

مفهوم المنهج وأبعاده الفلسفية:

الدلالة اللغوية والاصطلاحية للمنهج:

يُعدّ مفهوم المنهج من المفاهيم المركزية التي ارتبطت بتاريخ الفكر الإنساني وتطور المعرفة العلمية والفلسفية، إذ لا يمكن الحديث عن أي بناء معرفي منظم دون وجود منهج يوجّه الفكر ويحدد آليات اشتغاله. فالإنسان منذ بدايات تفكيره كان يسعى إلى اكتشاف الوسائل التي تمكنه من فهم العالم المحيط به، والتمييز بين الحقيقة والوهم، وبين المعرفة اليقينية والمعرفة القائمة على الظن والتخمين. ومن هنا ظهر المنهج باعتباره ضرورة عقلية وفكرية، وليس مجرد أداة تقنية مرتبطة بمجال علمي معين.

في دلالته اللغوية، يشير مفهوم المنهج إلى الطريق الواضح أو السبيل المستقيم الذي يسلكه الإنسان للوصول إلى غاية محددة. وقد ارتبطت هذه الدلالة بفكرة الوضوح والتنظيم والانتظام، لأن الطريق المنهجي يفترض وجود خطوات مترابطة تقود الفرد نحو هدف معلوم. ويكشف هذا المعنى اللغوي عن البعد العميق للمنهج باعتباره انتقالًا من حالة التشتت والغموض إلى حالة النظام والوضوح، وهو ما جعل المفهوم يكتسب أهمية كبرى داخل الفكر الفلسفي والعلمي.

أما في الاصطلاح الفلسفي والعلمي، فإن المنهج لا يعني مجرد خطوات إجرائية معزولة، بل يدل على مجموعة من القواعد والمبادئ والعمليات العقلية التي يعتمدها الباحث في دراسة الظواهر وتحليلها والوصول إلى نتائج دقيقة وموضوعية. فالمنهج بهذا المعنى يمثل نظامًا فكريًا متكاملًا يحدد كيفية بناء المعرفة، وطريقة الانتقال من المعطيات الجزئية إلى الأحكام العامة، كما يحدد طبيعة العلاقة بين الذات الباحثة والموضوع المدروس.

ومن هنا، فإن المنهج لا يمكن اختزاله في كونه وسيلة تقنية أو إجراءً شكليًا، بل إنه يعكس رؤية فلسفية للعالم ولطبيعة الحقيقة ذاتها. فاختيار منهج معين يعني ضمنيًا تبني تصور محدد حول المعرفة: هل الحقيقة تُدرك بالعقل أم بالتجربة؟ وهل المعرفة تقوم على الحدس أم على البرهان؟ وهل يمكن الوصول إلى اليقين المطلق أم أن كل معرفة تظل نسبية وقابلة للمراجعة؟ ولذلك ارتبط تاريخ المناهج بتاريخ الصراعات الفلسفية الكبرى التي عرفها الفكر الإنساني.

لقد أدرك الفلاسفة منذ العصور القديمة أن التفكير العشوائي لا يمكن أن ينتج معرفة يقينية، لأن العقل إذا تُرك دون قواعد منظمة يصبح عرضة للأخطاء والأوهام والمغالطات. ولهذا سعى الفكر الفلسفي إلى وضع أسس تضبط عملية التفكير وتوجهها نحو الحقيقة. وقد ظهر هذا الوعي بوضوح عند الفيلسوف اليوناني سقراط الذي جعل من الحوار وسيلة للكشف عن الحقيقة، حيث اعتمد منهج التوليد القائم على طرح الأسئلة ومناقشة الأفكار بهدف دفع العقل إلى اكتشاف الحقيقة الكامنة فيه. فالحقيقة عند سقراط لا تُفرض من الخارج، بل تُولد من داخل الحوار العقلي والنقاش النقدي.

ثم تطور مفهوم المنهج مع أرسطو الذي وضع الأسس الأولى للمنطق الصوري، واعتبر أن التفكير السليم ينبغي أن يقوم على قواعد عقلية دقيقة تربط بين المقدمات والنتائج بطريقة منطقية. وقد ساهم المنطق الأرسطي في بناء تصور جديد للمعرفة يقوم على الاستدلال والبرهان، حيث أصبح المنهج أداة لتنظيم الفكر وحمايته من التناقض. ومن خلال هذا التصور، انتقل المنهج من مجرد ممارسة حوارية إلى بناء عقلي متكامل يهدف إلى تحقيق اليقين المعرفي.

ومع تطور الفكر الفلسفي خلال العصر الوسيط، استمر الاهتمام بالمنهج داخل الفلسفة الإسلامية، حيث حاول عدد من الفلاسفة المسلمين التوفيق بين العقل والنقل، وتطوير أدوات الاستدلال العقلي. فقد اهتم الفارابي وابن رشد بمسألة البرهان العقلي، واعتبرا أن المعرفة الحقيقية لا تتحقق إلا عبر منهج يقوم على التحليل والاستدلال المنطقي. كما ساهم هذا التوجه في تعزيز قيمة العقل داخل الثقافة الإسلامية، وإبراز أهمية المنهج في فهم النصوص والظواهر الطبيعية والإنسانية.

أما في العصر الحديث، فقد عرف مفهوم المنهج تحولًا جذريًا مع صعود العقلانية الحديثة والثورة العلمية. فقد أصبح المنهج مرتبطًا بفكرة اليقين العلمي والدقة الرياضية، خاصة مع الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت الذي سعى إلى تأسيس منهج عقلي صارم يضمن الوصول إلى الحقيقة بصورة واضحة ومتميزة. وقد انطلق ديكارت من مبدأ الشك المنهجي، معتبرًا أن العقل لا ينبغي أن يقبل أي فكرة ما لم تكن واضحة يقينية. ولذلك وضع قواعد منهجية تقوم على الشك، والتحليل، والتركيب، والمراجعة، بهدف بناء معرفة خالية من التسرع والأحكام المسبقة.

وقد شكّل المنهج الديكارتي نقطة تحول كبرى في تاريخ الفكر الحديث، لأنه نقل المعرفة من سلطة التقليد إلى سلطة العقل النقدي. فلم يعد الإنسان يقبل الحقائق الجاهزة، بل أصبح مطالبًا بفحصها وتحليلها وفق قواعد عقلية دقيقة. ومن هنا أصبح المنهج أداة للتحرر الفكري، وليس مجرد وسيلة للبحث العلمي فقط.

ومع تطور العلوم الطبيعية والإنسانية، تعددت المناهج وتنوعت بتنوع الموضوعات المدروسة. فظهرت المناهج التجريبية التي تعتمد على الملاحظة والتجربة، والمناهج الاستقرائية التي تنطلق من الجزئيات نحو القوانين العامة، والمناهج النقدية والتأويلية التي تهتم بفهم المعاني والسياقات الثقافية والتاريخية. ويكشف هذا التنوع عن أن المنهج ليس قالبًا جامدًا، بل هو بناء فكري متطور يتغير بتغير طبيعة المعرفة وأسئلة الإنسان.

إن أهمية المنهج لا تكمن فقط في كونه وسيلة للوصول إلى النتائج، بل في كونه يحدد طبيعة التفكير ذاته. فالمنهج يعلم الإنسان كيف يسأل، وكيف يشك، وكيف يحلل، وكيف يربط بين الأسباب والنتائج. ولذلك فإن كل تقدم علمي أو فلسفي كان مرتبطًا بتطور المناهج التي استخدمها الإنسان في دراسة الواقع. فالثورات العلمية الكبرى لم تكن مجرد اكتشافات جديدة، بل كانت أيضًا ثورات منهجية غيرت طريقة التفكير والنظر إلى العالم.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن المنهج يمثل البنية الأساسية لكل معرفة علمية وفلسفية، لأنه الأداة التي تسمح للعقل بالانتقال من الفوضى إلى النظام، ومن الرأي إلى البرهان، ومن الانطباع الذاتي إلى الحقيقة الموضوعية. ولهذا ظل مفهوم المنهج حاضرًا في مختلف مراحل الفكر الإنساني بوصفه شرطًا ضروريًا لبناء المعرفة وتحقيق اليقين والكشف عن الحقيقة.

العلاقة بين المنهج والموضوع والغاية:

تُعد العلاقة بين المنهج والموضوع والغاية من القضايا الأساسية في الفكر الفلسفي والعلمي، لأن المنهج لا يتحدد بصورة مستقلة أو معزولة، بل يرتبط بطبيعة الموضوع الذي تتم دراسته وبالهدف الذي يسعى الباحث إلى تحقيقه. ولذلك فإن أي دراسة علمية أو فلسفية لا يمكن أن تنجح إذا لم يتحقق الانسجام بين طبيعة الموضوع والمنهج المعتمد والغاية المرجوة من البحث. فاختيار المنهج ليس قرارًا اعتباطيًا، وإنما هو عملية عقلية دقيقة تفرضها طبيعة المعرفة نفسها.

إن الموضوع الذي يشتغل عليه الباحث يمثل العنصر الأول في تحديد المنهج المناسب، لأن لكل موضوع خصائصه ومجاله وإشكالاته الخاصة. فالظواهر الطبيعية مثلًا تختلف عن الظواهر الإنسانية والاجتماعية، كما أن القضايا الفلسفية تختلف عن القضايا الرياضية أو التجريبية. ولهذا فإن اختلاف الموضوعات يؤدي بالضرورة إلى تنوع المناهج وتعددها، إذ لا يمكن دراسة جميع الظواهر بالطريقة نفسها أو بالأدوات ذاتها.

فالعلوم الطبيعية، مثل الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء، تهتم بدراسة الظواهر القابلة للملاحظة والتجربة والقياس، ولذلك تعتمد على المنهج التجريبي الذي يقوم على الملاحظة الدقيقة وصياغة الفروض وإجراء التجارب والتحقق من النتائج. ويقوم هذا المنهج على فكرة أساسية مفادها أن الحقيقة العلمية لا تتحقق إلا من خلال إخضاع الظواهر للتجربة العملية والقياس الموضوعي. ومن هنا أصبحت التجربة معيارًا للحقيقة في العلوم الطبيعية، وأصبح المنهج التجريبي أداة للكشف عن القوانين التي تحكم الطبيعة.

أما الفلسفة، فإن موضوعها لا يتعلق بالظواهر الحسية المباشرة فقط، بل بالقضايا العقلية والمفاهيم المجردة مثل الوجود، والمعرفة، والحقيقة، والأخلاق، والحرية. ولهذا تعتمد الفلسفة على التحليل العقلي والاستدلال المنطقي والنقد المفهومي، لأن موضوعاتها لا يمكن إخضاعها دائمًا للتجربة الحسية المباشرة. فالفيلسوف لا يكتفي بوصف الظواهر، بل يسعى إلى تفسيرها والكشف عن مبادئها العميقة وشروط إمكانها. ولذلك ارتبط المنهج الفلسفي بالتأمل العقلي والنقاش النقدي أكثر من ارتباطه بالملاحظة التجريبية.

كما أن العلوم الإنسانية والاجتماعية تفرض بدورها إشكاليات منهجية خاصة، لأنها تدرس الإنسان بوصفه كائنًا واعيًا ومتغيرًا ومتأثرًا بالثقافة والتاريخ والمجتمع. ولهذا يصعب تطبيق المناهج التجريبية الصارمة نفسها المعتمدة في العلوم الطبيعية على الظواهر الاجتماعية، لأن الإنسان ليس موضوعًا جامدًا يمكن عزله داخل المختبر. ولذلك ظهرت مناهج خاصة بالعلوم الإنسانية، مثل المنهج الوصفي، والمنهج التاريخي، والمنهج التأويلي، والمنهج السوسيولوجي، التي تحاول فهم الظواهر الإنسانية في سياقاتها النفسية والاجتماعية والثقافية.

ولا يتحدد المنهج فقط بطبيعة الموضوع، بل كذلك بالغاية التي يسعى الباحث إلى تحقيقها. فالهدف من البحث يلعب دورًا حاسمًا في توجيه المنهج وتحديد أدواته وإجراءاته. فإذا كانت الغاية هي الوصول إلى اليقين الرياضي أو البرهان العقلي، فإن المنهج العقلي الاستنباطي يصبح هو الأنسب، لأنه يعتمد على مبادئ واضحة وقواعد منطقية صارمة تقود إلى نتائج يقينية. أما إذا كان الهدف هو تفسير الظواهر الطبيعية والكشف عن قوانينها، فإن المنهج التجريبي القائم على الملاحظة والتجربة يكون أكثر ملاءمة.

وفي المقابل، إذا كانت الغاية هي فهم السلوك الإنساني أو تحليل الظواهر الاجتماعية والثقافية، فإن المناهج التفسيرية والتأويلية تصبح أكثر قدرة على تحقيق هذا الهدف، لأنها تهتم بفهم المعاني والدلالات والسياقات التي تتحكم في أفعال الإنسان. وهذا يعني أن المنهج ليس مجرد تقنية ثابتة، بل هو استجابة لطبيعة السؤال المطروح والغاية المرجوة من البحث.

إن العلاقة بين الموضوع والمنهج والغاية تكشف عن الطابع الديناميكي للمعرفة الإنسانية، لأن المعرفة لا تُبنى بطريقة واحدة، بل تتعدد بتعدد الموضوعات والأهداف. ولهذا فإن المنهج يمثل حلقة وصل بين العقل والواقع، وبين السؤال والحقيقة، وبين النظرية والتطبيق. كما أن نجاح أي بحث علمي أو فلسفي يتوقف على قدرة الباحث على اختيار المنهج الملائم لموضوعه وهدفه، لأن الخطأ في اختيار المنهج يؤدي غالبًا إلى نتائج مضطربة أو غير دقيقة.

ومن هنا يتضح أن المنهج ليس عنصرًا ثانويًا في عملية البحث، بل هو البنية التي تنظم التفكير وتحدد مسار الوصول إلى المعرفة. فالمنهج يشكل الإطار الذي تتحرك داخله عملية البحث، وهو الذي يسمح بتحويل التساؤلات العامة إلى معرفة منظمة وقابلة للفهم والتفسير. ولذلك ظل سؤال المنهج حاضرًا في مختلف الفلسفات والعلوم، باعتباره سؤالًا مرتبطًا بطبيعة الحقيقة نفسها وبكيفية الوصول إليها.

العلاقة بين المنهج والحقيقة:

تُعتبر العلاقة بين المنهج والحقيقة من أعقد القضايا التي شغلت الفكر الفلسفي عبر تاريخه الطويل، لأن الحقيقة ليست معطى جاهزًا يُدرك بصورة مباشرة، بل هي نتيجة لمسار عقلي ومنهجي معقد. فالإنسان لا يصل إلى الحقيقة بطريقة عفوية، وإنما عبر وسائل وأدوات تساعده على تنظيم التفكير وتجاوز الأخطاء والأوهام. ومن هنا أصبح المنهج شرطًا أساسيًا في بناء المعرفة والكشف عن الحقيقة.

إن كل تصور للحقيقة يرتبط ضمنيًا بتصور معين للمنهج، لأن الطريقة التي يفهم بها الإنسان الحقيقة تحدد في الوقت نفسه الوسائل التي يعتمدها للوصول إليها. ولهذا اختلف الفلاسفة والعلماء حول طبيعة الحقيقة تبعًا لاختلاف مناهجهم الفكرية والمعرفية. فالفلاسفة العقليون، مثل رينيه ديكارت، اعتبروا أن الحقيقة تُدرك بواسطة العقل والاستدلال المنطقي، لأن العقل في نظرهم يمتلك مبادئ فطرية وقواعد يقينية تمكنه من الوصول إلى معرفة واضحة ومتميزة. ولذلك ارتبط المنهج العقلي بالتحليل والبرهان واليقين الرياضي.

وفي المقابل، رأى الفلاسفة التجريبيون، مثل جون لوك وديفيد هيوم، أن التجربة الحسية هي المصدر الأساسي للمعرفة، وأن العقل لا يستطيع إنتاج الحقيقة بمعزل عن الواقع الحسي. ولذلك اعتمدوا على المنهج التجريبي القائم على الملاحظة والاستقراء، معتبرين أن المعرفة تنشأ من تفاعل الإنسان مع العالم الخارجي.

ويكشف هذا الاختلاف عن أن الحقيقة ليست منفصلة عن المنهج، بل إن المنهج يحدد الطريقة التي تظهر بها الحقيقة للعقل الإنساني. فالحقيقة العلمية مثلًا لا تُبنى بصورة عشوائية، وإنما من خلال خطوات منهجية دقيقة تشمل الملاحظة، وصياغة الفرضيات، والتجربة، والتحقق من النتائج. ولذلك فإن المنهج لا يقتصر على الكشف عن الحقيقة فقط، بل يساهم أيضًا في تنظيمها وبنائها وتفسيرها.

كما أن المعرفة العلمية لا تمثل انعكاسًا آليًا وبسيطًا للواقع، بل هي بناء عقلي يعتمد على اختيار زاوية معينة للنظر إلى الظواهر. فالعالم حين يختار منهجًا معينًا، فإنه يحدد مسبقًا نوع الأسئلة التي سيطرحها وطبيعة النتائج التي يمكن الوصول إليها. ومن هنا فإن اختلاف المناهج يؤدي غالبًا إلى اختلاف طرق فهم العالم وتحليل الظواهر.

وقد أدى تطور العلوم الحديثة إلى إعادة النظر في فكرة الحقيقة المطلقة والثابتة، إذ أصبحت الحقيقة تُفهم بوصفها معرفة نسبية وقابلة للتطور والتعديل. فالنظريات العلمية التي كانت تُعتبر يقينية في مرحلة معينة قد يتم تجاوزها أو تعديلها مع ظهور مناهج واكتشافات جديدة. وهذا ما حدث في الانتقال من فيزياء إسحاق نيوتن إلى فيزياء ألبرت أينشتاين، حيث تغيرت طرق تفسير الزمان والمكان والحركة نتيجة تطور المناهج العلمية.

ومن هنا أصبح المنهج نفسه قابلًا للمراجعة والنقد، لأنه ليس نظامًا نهائيًا مغلقًا، بل أداة تتطور بتطور المعرفة الإنسانية. فكل تحول في تصور الحقيقة يؤدي بالضرورة إلى تحول في المناهج المعتمدة للوصول إليها. ولهذا فإن تاريخ الفكر الإنساني يمكن النظر إليه بوصفه تاريخًا لتحولات المناهج وتغير تصورات الحقيقة.

إن العلاقة بين المنهج والحقيقة تكشف في النهاية أن الحقيقة ليست مجرد نتيجة نهائية، بل هي عملية بحث مستمرة يقوم فيها العقل بمراجعة معارفه واختبارها بصورة دائمة. فالمنهج يمنح الفكر القدرة على الانتقال من الرأي إلى البرهان، ومن الاعتقاد الذاتي إلى المعرفة الموضوعية، كما يسمح ببناء معرفة قابلة للنقد والتطوير. ولذلك ظل المنهج عنصرًا جوهريًا في كل مشروع فلسفي أو علمي يسعى إلى فهم العالم والكشف عن قوانينه ومعانيه العميقة.

المنهج الفلسفي بين التحليل والاستدلال:

التحليل باعتباره أساس التفكير الفلسفي:

مفهوم التحليل ووظيفته في بناء المعرفة الفلسفية:

يُعدّ التحليل من أهم المبادئ التي يقوم عليها المنهج الفلسفي، لأنه يمثل الأداة العقلية التي تسمح للفكر بالانتقال من الغموض إلى الوضوح، ومن التعقيد إلى التبسيط، ومن الأحكام العامة غير الدقيقة إلى الفهم المنظم والدقيق للظواهر والأفكار. فالفلسفة منذ نشأتها لم تكن مجرد تأملات عفوية أو تصورات انطباعية، بل كانت ممارسة عقلية تقوم على تفكيك المشكلات والكشف عن عناصرها الداخلية قصد فهمها وتفسيرها بصورة أعمق. ومن هنا أصبح التحليل شرطًا أساسيًا لكل تفكير فلسفي يسعى إلى بلوغ الحقيقة وتجاوز المعرفة السطحية.

وفي معناه العام، يشير التحليل إلى عملية عقلية تهدف إلى تفكيك الكل المركب إلى عناصره الأساسية من أجل الكشف عن طبيعة العلاقات التي تربط بين تلك العناصر. غير أن التحليل في المجال الفلسفي لا يقتصر على مجرد تقسيم الأشياء أو تصنيفها، بل يتجاوز ذلك إلى الكشف عن البنية العميقة للأفكار والمفاهيم والقضايا. فالتحليل الفلسفي يسعى إلى فهم المعاني الخفية التي تتضمنها المفاهيم، وإبراز التناقضات الكامنة داخل التصورات الشائعة، وتحديد الأسس التي تقوم عليها الأحكام والمواقف الفكرية.

إن أهمية التحليل ترتبط بطبيعة الفكر الإنساني نفسه، لأن العقل لا يستطيع الإحاطة بالمشكلات الكبرى دفعة واحدة، بل يحتاج إلى التعامل معها تدريجيًا عبر تفكيكها إلى أجزاء أبسط وأكثر وضوحًا. فالقضايا الفلسفية الكبرى، مثل الحقيقة، والعدالة، والحرية، والمعرفة، والوجود، ليست قضايا بسيطة يمكن فهمها بصورة مباشرة، وإنما هي موضوعات معقدة تتداخل فيها أبعاد متعددة عقلية وأخلاقية واجتماعية وسياسية. ولذلك كان التحليل ضرورة منهجية تسمح للعقل بفحص هذه القضايا بصورة دقيقة ومنظمة.

وقد أدرك الفلاسفة اليونانيون منذ وقت مبكر القيمة المعرفية للتحليل، وجعلوه أساسًا للتفكير الفلسفي. فقد اعتمد سقراط على الحوار التحليلي بوصفه وسيلة للكشف عن الحقيقة، حيث كان ينطلق من الآراء السائدة بين الناس حول مفاهيم مثل العدالة والفضيلة والشجاعة، ثم يقوم بتفكيك تلك التصورات عبر سلسلة من الأسئلة النقدية التي تكشف تناقضاتها الداخلية. ولم يكن هدف سقراط مجرد إحراج محاوريه، بل دفعهم إلى إدراك قصور تصوراتهم الأولية والبحث عن تعريفات أكثر دقة ووضوحًا. ومن هنا أصبح التحليل عند سقراط وسيلة لتطهير الفكر من الأوهام والأحكام الجاهزة.

وقد مثّل المنهج السقراطي تحولًا مهمًا في تاريخ الفلسفة، لأنه نقل التفكير من مستوى الخطابة والإقناع السطحي الذي اشتهر به السوفسطائيون إلى مستوى البحث العقلي المنظم القائم على الفحص والنقد. فالحقيقة عند سقراط لا تُنال عبر التسليم بالآراء الشائعة، وإنما عبر التحليل المستمر للمفاهيم واختبارها بصورة عقلية دقيقة. ولذلك يمكن اعتبار التحليل السقراطي بداية حقيقية للفلسفة النقدية التي تقوم على مساءلة الأفكار بدل قبولها بصورة تلقائية.

ثم جاء أرسطو ليمنح التحليل بعدًا منطقيًا أكثر تنظيمًا ودقة، حيث جعل منه أساسًا لبناء المنطق الصوري. فقد رأى أرسطو أن التفكير الصحيح يقتضي تحليل القضايا المركبة إلى عناصر بسيطة يمكن إدراكها بوضوح، ثم دراسة العلاقات التي تربط بين المفاهيم والأحكام بطريقة منطقية. ولهذا أسس علم المنطق باعتباره علمًا يهدف إلى وضع القواعد التي تميز بين التفكير السليم والتفكير الفاسد.

وقد أدى هذا التصور إلى ظهور القياس المنطقي بوصفه أداة تحليلية تقوم على الربط بين المقدمات والنتائج وفق قواعد عقلية دقيقة. ومن خلال هذا البناء المنطقي، أصبح التحليل وسيلة لتنظيم الفكر وحمايته من الوقوع في المغالطات والتناقضات. كما ساهم المنطق الأرسطي في ترسيخ فكرة أن الحقيقة لا تتحقق إلا عبر فحص العلاقات الداخلية بين القضايا والأفكار.

ومع تطور الفلسفة في العصور الحديثة، ازداد الاهتمام بالتحليل باعتباره أداة أساسية لبناء المعرفة العلمية والفلسفية. فقد جعل رينيه ديكارت من التحليل قاعدة مركزية في منهجه العقلي، حيث اعتبر أن المشكلات المعقدة لا يمكن حلها إلا بعد تقسيمها إلى عناصر بسيطة يسهل فهمها. وقد عبّر عن هذا المبدأ في قاعدته المنهجية الشهيرة التي تدعو إلى تقسيم كل مشكلة إلى أكبر عدد ممكن من الأجزاء قصد معالجتها بصورة واضحة ومنظمة.

ويكشف المنهج الديكارتي عن الدور العميق للتحليل في بناء اليقين العقلي، لأن العقل في نظر ديكارت لا يصل إلى الحقيقة إلا عندما ينتقل تدريجيًا من البسيط إلى المركب. فالتحليل هنا لا يمثل مجرد تقنية ذهنية، بل يشكل أساسًا للمعرفة اليقينية التي تقوم على الوضوح والدقة والترتيب العقلي.

وقد اكتسب التحليل أهمية أكبر داخل الفلسفة المعاصرة، خاصة مع ظهور الفلسفة التحليلية في القرن العشرين، التي جعلت من تحليل اللغة والمفاهيم محورًا أساسيًا للتفكير الفلسفي. فقد رأى فلاسفة هذا الاتجاه أن كثيرًا من المشكلات الفلسفية ناتجة عن سوء استعمال اللغة أو الغموض الكامن في المفاهيم. ولذلك سعوا إلى تفكيك الخطاب الفلسفي وتحليل البنية اللغوية للقضايا من أجل إزالة الالتباس وتحقيق الوضوح الفكري.

وقد برز هذا التوجه عند برتراند راسل ولودفيغ فيتغنشتاين اللذين اعتبرا أن مهمة الفلسفة لا تتمثل في إنتاج نظريات ميتافيزيقية غامضة، بل في تحليل اللغة والكشف عن الحدود المنطقية للفكر. ومن هنا أصبح التحليل اللغوي أداة لفهم طبيعة القضايا الفلسفية وتحديد ما يمكن قوله بصورة عقلية دقيقة.

ولا تقتصر وظيفة التحليل على المجال الفلسفي فقط، بل تمتد إلى مختلف العلوم والمعارف الإنسانية، لأن كل معرفة دقيقة تحتاج إلى تفكيك الظواهر وفحص مكوناتها الأساسية. فالتحليل يسمح بالكشف عن الأسباب والعلاقات والبنيات الداخلية التي تتحكم في الظواهر، كما يساعد على بناء تفسيرات أكثر عمقًا وموضوعية.

إن التحليل في النهاية يمثل جوهر التفكير الفلسفي، لأنه الأداة التي تمكن العقل من تجاوز الأحكام السطحية والانتقال إلى الفهم النقدي المنظم. فالفيلسوف لا يكتفي بملاحظة الظواهر أو وصفها، بل يعمل على تحليلها والكشف عن شروطها وإبراز تناقضاتها وبنيتها الداخلية. ولذلك ظل التحليل عبر تاريخ الفلسفة أساسًا لكل بحث عقلي يسعى إلى بناء معرفة دقيقة ومتماسكة وقادرة على الوصول إلى الحقيقة.

التحليل في الفلسفة الحديثة:

شهد مفهوم التحليل تحولًا عميقًا في الفلسفة الحديثة، حيث لم يعد مجرد وسيلة لتفكيك الأفكار والكشف عن عناصرها، بل أصبح أساسًا لبناء المعرفة اليقينية وإقامة منهج عقلي جديد يقوم على الوضوح والدقة والتنظيم. وقد ارتبط هذا التحول بالسياق الفكري والعلمي الذي عرفته أوروبا خلال العصر الحديث، خاصة مع تراجع سلطة الفكر المدرسي التقليدي وصعود النزعة العقلانية التي جعلت من العقل المصدر الأساسي للحقيقة والمعرفة.

لقد أدرك فلاسفة العصر الحديث أن أزمة المعرفة التي عرفها الفكر الأوروبي لم تكن مرتبطة فقط بمحتوى الأفكار، بل كذلك بالطرق والمناهج المعتمدة في التفكير. فقد كانت المعارف القديمة تقوم في كثير من الأحيان على سلطة التقليد والاعتماد على النصوص الموروثة دون إخضاعها للفحص النقدي. ولهذا ظهرت الحاجة إلى تأسيس منهج جديد يضمن للعقل الوصول إلى الحقيقة بصورة يقينية ومنظمة.

ويُعد رينيه ديكارت من أبرز الفلاسفة الذين منحوا للتحليل مكانة مركزية داخل المنهج الفلسفي الحديث. فقد رأى ديكارت أن العقل الإنساني قادر على الوصول إلى الحقيقة إذا التزم بقواعد منهجية دقيقة تمنعه من الوقوع في الخطأ والوهم. ولذلك سعى إلى بناء منهج عقلي صارم يكون شبيهًا بالمنهج الرياضي في وضوحه ودقته، لأن الرياضيات في نظره تمثل النموذج الأمثل للمعرفة اليقينية.

وانطلق ديكارت من فكرة أساسية مفادها أن المشكلات المعقدة لا يمكن فهمها دفعة واحدة، بل ينبغي تقسيمها إلى عناصر بسيطة يسهل إدراكها وتحليلها. ومن هنا جعل التحليل قاعدة جوهرية في منهجه الفلسفي، لأن العقل لا يستطيع التعامل مع القضايا المركبة إلا عبر تفكيكها تدريجيًا إلى مكوناتها الأساسية. فالتحليل عند ديكارت ليس مجرد إجراء تقني، بل هو عملية عقلية تهدف إلى الانتقال من الغموض إلى الوضوح، ومن التعقيد إلى البساطة.

وقد صاغ ديكارت منهجه في مجموعة من القواعد الشهيرة التي أصبحت أساسًا للفكر العقلاني الحديث. وتقوم القاعدة الأولى على ضرورة عدم قبول أي فكرة ما لم تكن واضحة ومتميزة بصورة تمنع الشك فيها، وهو ما يعكس أهمية الوضوح العقلي في بناء الحقيقة. أما القاعدة الثانية فتتمثل في تحليل المشكلات وتقسيمها إلى أكبر عدد ممكن من الأجزاء حتى يسهل فهمها ومعالجتها. ثم تأتي قاعدة التركيب التي تقوم على إعادة ترتيب الأفكار انطلاقًا من أبسط العناصر وصولًا إلى أكثرها تعقيدًا، وأخيرًا قاعدة المراجعة التي تهدف إلى التحقق من سلامة النتائج وتجنب السهو أو الخطأ.

وقد شكل هذا المنهج نقطة تحول كبرى في تاريخ الفكر الأوروبي، لأنه نقل المعرفة من مجال السلطة والتقليد إلى مجال العقل والنقد. فلم يعد الإنسان مطالبًا بتلقي الحقائق بصورة جاهزة، بل أصبح مدعوًا إلى فحصها وتحليلها والتأكد من صدقها اعتمادًا على قدراته العقلية الخاصة. ومن هنا أصبح التحليل أداة للتحرر الفكري، ووسيلة لبناء معرفة تقوم على اليقين العقلي بدل التسليم والانقياد.

كما ساهم المنهج التحليلي الحديث في تطور العلوم الطبيعية والرياضية، لأن التفكير العلمي الحديث أصبح قائمًا على تحليل الظواهر والكشف عن عناصرها الأساسية والعلاقات التي تربط بينها. فالعالم الحديث لا يكتفي بوصف الظواهر بصورة سطحية، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم قوانينها الداخلية من خلال منهج يقوم على التحليل والاستدلال والبرهان.

ولم يقتصر تأثير التحليل على الفلسفة العقلانية فقط، بل امتد إلى مختلف الاتجاهات الفكرية الحديثة والمعاصرة. فقد أصبحت عملية التحليل أداة مركزية في دراسة اللغة والمجتمع والتاريخ والنفس الإنسانية، لأن الفكر الحديث أدرك أن فهم أي ظاهرة يقتضي تحليل مكوناتها وشروطها وأبعادها المختلفة.

وقد تطور مفهوم التحليل بصورة أكبر في الفلسفة المعاصرة، خاصة مع ظهور الفلسفة التحليلية التي جعلت من تحليل اللغة والمفاهيم محورًا أساسيًا للتفكير الفلسفي. فالفلاسفة التحليليون رأوا أن كثيرًا من المشكلات الفلسفية ناتجة عن الغموض اللغوي وسوء استعمال المفاهيم، ولذلك سعوا إلى تفكيك الخطاب الفلسفي وتحليل البنية المنطقية للغة بهدف إزالة الالتباس وتحقيق الوضوح الفكري.

إن التحليل في الفلسفة الحديثة لم يكن مجرد تقنية عقلية معزولة، بل كان تعبيرًا عن تحول جذري في نظرة الإنسان إلى المعرفة والحقيقة والعقل. فقد أصبح الفكر الحديث قائمًا على النقد والفحص والتنظيم، وأصبح التحليل الوسيلة الأساسية التي تسمح للعقل ببناء معرفة دقيقة ومنهجية وقابلة للتحقق.

التعريف وعلاقته بالتحليل:

يُعتبر التعريف من أهم الأدوات التي يعتمدها الفكر الفلسفي في بناء المعرفة وتنظيم التفكير، لأنه يمثل الخطوة الأولى التي ينطلق منها العقل لفهم القضايا والمفاهيم المختلفة. فلا يمكن معالجة أي مشكلة فلسفية أو علمية بصورة دقيقة دون تحديد واضح للمفاهيم المستعملة، لأن الغموض المفاهيمي يؤدي غالبًا إلى اضطراب التفكير وظهور التناقضات وسوء الفهم. ومن هنا ارتبط التعريف ارتباطًا وثيقًا بالتحليل، إذ إن عملية التحليل نفسها تقوم على توضيح المفاهيم والكشف عن معانيها وحدودها وعلاقاتها.

إن التعريف في جوهره هو محاولة لتحديد ماهية الشيء وتمييزه عن غيره، وذلك عبر الكشف عن خصائصه الأساسية والعناصر التي تكوّن حقيقته. فحين يعرف الفيلسوف مفهومًا معينًا، فإنه لا يكتفي بذكر معناه اللغوي أو الشائع، بل يسعى إلى تحديد دلالته الدقيقة داخل النسق الفكري الذي ينتمي إليه. ولذلك فإن التعريف يمثل عملية عقلية تهدف إلى إزالة الغموض والالتباس، وجعل المفاهيم أكثر وضوحًا وانضباطًا.

وترجع أهمية التعريف إلى طبيعة اللغة نفسها، لأن الألفاظ قد تحمل معاني متعددة تختلف باختلاف السياقات والاستعمالات. ولهذا فإن الفيلسوف يحتاج إلى تحديد المفاهيم بدقة حتى يمنع الخلط بين المعاني المختلفة. فالكثير من النزاعات الفكرية والفلسفية لا تعود إلى اختلاف الوقائع بقدر ما تعود إلى اختلاف فهم المفاهيم المستعملة. ومن هنا أصبح التعريف شرطًا ضروريًا لكل حوار فلسفي أو علمي يسعى إلى تحقيق الوضوح والدقة.

وقد اهتم أرسطو بالتعريف اهتمامًا كبيرًا، لأنه اعتبر أن فهم المفاهيم يمثل المدخل الأساسي لكل معرفة صحيحة. فالمعرفة في نظره لا تتحقق إلا عندما يستطيع العقل تحديد ماهية الأشياء وخصائصها الجوهرية. ولهذا ربط أرسطو بين التعريف والمنطق، لأن التفكير السليم يقتضي استعمال مفاهيم واضحة ومحددة بصورة دقيقة.

وقد رأى أرسطو أن التعريف الحقيقي ينبغي أن يكشف عن جوهر الشيء، لا عن صفاته العرضية فقط. ولذلك اعتمد على التمييز بين الجنس والفصل في بناء التعريفات، حيث يتم تحديد الشيء عبر بيان الجنس الذي ينتمي إليه ثم ذكر الخاصية التي تميزه عن غيره. ويكشف هذا التصور عن العلاقة العميقة بين التعريف والتحليل، لأن الوصول إلى تعريف دقيق يقتضي تحليل المفهوم إلى عناصره الأساسية والكشف عن مكوناته الجوهرية.

كما استمر الاهتمام بالتعريف خلال الفلسفة الحديثة والمعاصرة، خاصة مع تطور الدراسات المنطقية واللغوية. فقد أدرك الفلاسفة أن كثيرًا من المشكلات الفلسفية ترجع إلى غموض اللغة وعدم تحديد المفاهيم بصورة دقيقة. ولهذا ركزت الفلسفة التحليلية على تحليل الألفاظ والقضايا اللغوية بهدف توضيح المعاني وإزالة الالتباس.

وقد برز هذا الاتجاه عند برتراند راسل ولودفيغ فيتغنشتاين اللذين اعتبرا أن مهمة الفلسفة الأساسية تتمثل في تحليل اللغة والكشف عن حدود المعنى. فالمفاهيم في نظرهما لا تكتسب معناها إلا من خلال طريقة استعمالها داخل اللغة، ولذلك فإن فهم المشكلات الفلسفية يقتضي أولًا تحليل المفاهيم المستعملة فيها.

إن العلاقة بين التعريف والتحليل تكشف عن الطابع النقدي للفكر الفلسفي، لأن الفيلسوف لا يقبل المفاهيم الجاهزة بصورة تلقائية، بل يعمل على فحصها وتحديد معانيها وكشف ما قد تتضمنه من تناقضات أو غموض. فالتعريف ليس مجرد خطوة شكلية، بل هو عملية تأسيسية تُمكّن العقل من بناء معرفة دقيقة ومنظمة.

ومن هنا يمكن القول إن التعريف يمثل المدخل الأساسي للتحليل، بينما يشكل التحليل الوسيلة التي تسمح ببناء تعريفات أكثر دقة ووضوحًا. ولهذا ظلت العلاقة بينهما علاقة تكامل وترابط داخل مختلف المناهج الفلسفية، لأن التفكير الفلسفي في جوهره يقوم على تحليل المفاهيم وتحديد معانيها من أجل الوصول إلى الحقيقة وفهم العالم بصورة عقلية منظمة.

الفرق بين التحليل والتعريف:

التعريف بوصفه مدخلًا للمعرفة:

يُعدّ التعريف من العمليات الأساسية التي يفتتح بها الفكر الفلسفي والعلمي مساره المعرفي، إذ لا يمكن لأي تفكير منظم أن ينطلق دون تحديد دقيق للمفاهيم التي يدور حولها البحث. فالتعريف لا يقتصر على كونه إجراءً لغويًا بسيطًا، بل يمثل خطوة تأسيسية تهدف إلى ضبط المعنى وتثبيته داخل إطار معرفي واضح، بما يسمح للعقل بالانتقال من الغموض إلى الدقة ومن الالتباس إلى الوضوح.

ويكمن الدور الجوهري للتعريف في كونه يحدد الحدود المفهومية للأشياء، بحيث يميز بين المفاهيم المتقاربة ويمنع الخلط بينها داخل الخطاب الفلسفي أو العلمي. فغياب التعريف الدقيق يؤدي غالبًا إلى اضطراب التفكير، لأن استعمال المفاهيم دون تحديد معانيها يجعل الاستدلالات عرضة للغموض والتناقض. ولذلك اعتبر الفلاسفة أن التعريف يمثل الشرط الأول لبناء معرفة منسجمة وقابلة للفهم والتحليل.

ومن هذا المنظور، يمكن القول إن التعريف يشكل المدخل الضروري لكل ممارسة معرفية، لأنه يضع الأساس الذي يُبنى عليه التحليل والاستدلال لاحقًا. فالفكر لا يستطيع تحليل قضية ما قبل أن يفهم المفاهيم المكونة لها، كما لا يمكنه بناء استدلال منطقي دون تحديد دقيق لمعاني الألفاظ المستعملة فيه. ولهذا ارتبط التعريف تاريخيًا بمحاولة الفلاسفة تأسيس لغة دقيقة قادرة على التعبير عن الأفكار بصورة واضحة ومنظمة.

وقد تنوعت أشكال التعريف تبعًا لتنوع السياقات المعرفية والوظائف التي يؤديها داخل الخطاب. فهناك التعريف الاصطلاحي الذي يحدد معنى المفهوم داخل مجال علمي أو فلسفي معين، ويهدف إلى تثبيت دلالة دقيقة متفق عليها بين الباحثين. وهناك التعريف القاموسي الذي يشرح المعنى الشائع للكلمة في اللغة العامة، ويعتمد على الاستخدام اللغوي المتداول. كما نجد التعريف الإقناعي الذي يُستخدم في الخطاب الجدلي أو البلاغي بهدف التأثير في المتلقي وتوجيه فهمه نحو معنى معين. إضافة إلى ذلك، يوجد التعريف بالإشارة أو التعيين الذي يعتمد على التوضيح العملي أو الإحالة المباشرة إلى الشيء المراد تعريفه.

ويعكس هذا التنوع في أنماط التعريف تعدد الوظائف التي يؤديها داخل المعرفة الإنسانية، فهو ليس مجرد أداة لغوية، بل وسيلة لضبط التفكير وتوجيه الفهم وتنظيم الخطاب. ومن هنا تتجلى أهميته بوصفه خطوة أولى لا غنى عنها في أي بناء معرفي، سواء كان فلسفيًا أو علميًا.

الاستدلال والاستقراء في بناء المعرفة:

الاستدلال ودوره في إنتاج اليقين:

يُعتبر الاستدلال من أهم العمليات العقلية التي يعتمد عليها الفكر الفلسفي والعلمي في بناء المعرفة، لأنه يمثل الآلية التي ينتقل بها العقل من معارف سابقة إلى نتائج جديدة مترتبة عنها وفق قواعد منطقية محددة. فبدل أن يكتفي الإنسان بتجميع المعلومات أو ملاحظتها بشكل منفصل، يقوم الاستدلال بربط هذه المعارف ضمن نسق عقلي منظم يسمح باستخلاص نتائج جديدة ذات طابع منطقي.

ويقوم الاستدلال في جوهره على بنية تتكون من مقدمات ونتائج، حيث تنطلق عملية التفكير من قضايا أو معطيات أولية، ثم يتم تحليلها وربطها وفق قواعد عقلية تؤدي إلى استنتاج نتيجة تكون مرتبطة منطقيًا بما سبقها. ولذلك فإن قيمة الاستدلال لا تكمن فقط في إنتاج المعرفة، بل في ضمان تماسكها الداخلي واتساقها المنطقي.

ويُعد أرسطو من أبرز الفلاسفة الذين أسسوا نظرية متكاملة للاستدلال، من خلال تطويره للقياس المنطقي الذي يُعتبر الشكل الأكثر تنظيمًا للتفكير الاستدلالي في المنطق التقليدي. فقد ميّز أرسطو بين أنواع متعددة من الاستدلال، أهمها الاستدلال البرهاني الذي يقوم على مقدمات يقينية تؤدي بالضرورة إلى نتائج يقينية، مما يمنح المعرفة طابعًا من الصرامة واليقين.

وقد جعل أرسطو من القياس أداة أساسية لضبط التفكير، لأنه يسمح بانتقال منظم من العام إلى الخاص أو من المقدمات إلى النتائج دون الوقوع في التناقض أو الخطأ المنطقي. ومن خلال هذا التصور، أصبح الاستدلال معيارًا لتمييز التفكير الصحيح عن التفكير الفاسد، إذ إن صحة النتيجة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بصحة البناء المنطقي الذي أُقيمت عليه.

وتكمن أهمية الاستدلال في كونه يربط بين الأفكار والمعارف داخل نسق عقلي متماسك، مما يجعل الفكر قادرًا على تجاوز العشوائية والانتقال إلى مستوى أعلى من التنظيم والدقة. فبدل أن تبقى المعارف مشتتة وغير مترابطة، يعمل الاستدلال على تنظيمها داخل علاقات منطقية واضحة، تسمح بفهم أعمق للموضوعات المدروسة.

كما أن الاستدلال لا يقتصر على المجال الفلسفي فقط، بل يمتد إلى مختلف العلوم، حيث تعتمد الرياضيات على الاستدلال الصوري القائم على البرهان، وتعتمد العلوم الطبيعية على الاستدلال التجريبي الذي يربط بين الملاحظات والنتائج عبر قوانين عامة. وهذا ما يجعل الاستدلال أداة معرفية شاملة تسهم في بناء المعرفة الإنسانية بمختلف مجالاتها.

ومن جهة أخرى، فإن قوة الاستدلال تكمن في قدرته على الحد من الأخطاء الفكرية، لأن الالتزام بقواعد منطقية دقيقة يمنع الوقوع في التناقضات والمغالطات. ولذلك اعتُبر الاستدلال أحد أهم أسس التفكير العلمي الرصين، لأنه يضمن انتقالًا منظمًا وموثوقًا بين الأفكار، ويجعل المعرفة أكثر دقة واتساقًا وقابلية للتحقق.

وبهذا المعنى، يشكل الاستدلال مرحلة متقدمة من التفكير الفلسفي، لأنه لا يكتفي بتحديد المفاهيم أو تحليلها، بل يعمل على بناء علاقات منطقية بينها تسمح بإنتاج معرفة جديدة قائمة على البرهان واليقين النسبي أو المطلق حسب طبيعة المجال المعرفي.

التحليل بوصفه تفكيكًا للمركبات:

إذا كان التعريف يهدف أساسًا إلى ضبط المفاهيم وتوضيح دلالاتها وإزالة ما يعتريها من غموض أو التباس، فإن التحليل يتجاوز هذا المستوى التمهيدي ليبلغ درجة أعمق وأكثر تعقيدًا في الاشتغال الفكري. فهو لا يكتفي بتحديد معنى المفهوم أو شرح مدلوله، بل ينصرف إلى تفكيك البنى المركبة للقضايا والأفكار، بغرض الكشف عن العناصر المكونة لها، وإبراز العلاقات الداخلية التي تنظمها وتمنحها معناها الكلي.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم التحليل بوصفه عملية عقلية تقوم على تفكيك الكل إلى أجزائه، ليس بشكل اعتباطي أو ميكانيكي، بل بهدف فهم كيفية تشكل المعنى داخل البنية الفكرية. فالقضايا الفلسفية والعلمية لا تُبنى من عناصر بسيطة منفصلة، بل من شبكة من العلاقات المفهومية والمنطقية التي تحتاج إلى تفكيك منهجي يسمح بإدراك طريقة اشتغالها الداخلية. ولذلك فإن التحليل يمثل خطوة متقدمة في التفكير، لأنه ينتقل من مستوى  "الفهم الأولي” إلى مستوى “الفهم البنيوي”.

ويكتسب التحليل أهميته الفلسفية من كونه أداة نقدية بامتياز، إذ يسمح بإعادة فحص الأفكار والمفاهيم، والكشف عن التناقضات أو الافتراضات الخفية التي قد تكون كامنة داخلها دون وعي مباشر. فالفكر غير المحلل قد يبدو متماسكًا في ظاهره، لكنه يخفي داخله تناقضات أو ثغرات منطقية لا تظهر إلا عبر التفكيك الدقيق لمكوناته. ومن هنا يصبح التحليل وسيلة لتقويم الفكر وتطهيره من الالتباس والخلل.

كما أن التحليل لا ينفصل عن بناء المعرفة، بل يُعد شرطًا أساسيًا لإنتاجها بصورة دقيقة. فكل محاولة لفهم ظاهرة معقدة تستدعي أولًا تفكيك عناصرها الأساسية، ثم إعادة تركيبها وفق رؤية واضحة. وبهذا المعنى، فإن التحليل لا يقف عند حدود الهدم أو التفكيك، بل يفتح الطريق أمام إعادة البناء الفهمي بشكل أكثر دقة واتساقًا.

ولهذا السبب، اعتُبر التحليل في الفلسفة الحديثة والمعاصرة أداة مركزية لفهم المشكلات الفلسفية، خاصة تلك المرتبطة باللغة والمفاهيم، حيث أصبح تحليل الخطاب وسيلة لكشف الغموض وتوضيح المعاني الدقيقة للأفكار.

الاستقراء وأهميته في العلوم:

يُعد الاستقراء من أهم الأساليب المنهجية التي ساهمت في تطور المعرفة العلمية الحديثة، خاصة في مجال العلوم الطبيعية. فإذا كان الاستدلال المنطقي الكلاسيكي يقوم غالبًا على الانتقال من القضايا العامة إلى النتائج الجزئية، فإن الاستقراء يسلك مسارًا معاكسًا، إذ ينطلق من ملاحظة الجزئيات والوقائع الخاصة ليصل تدريجيًا إلى صياغة قوانين عامة وشاملة.

ويقوم الاستقراء على عملية منهجية تبدأ بجمع المعطيات التجريبية من الواقع، ثم تحليل هذه المعطيات ومقارنتها، قبل الانتقال إلى استخلاص قواعد عامة تفسر الظواهر المتكررة. ومن خلال هذا المسار، يتحول الواقع الجزئي إلى معرفة قانونية عامة، تسمح بفهم الظواهر والتنبؤ بها في المستقبل. ولذلك ارتبط الاستقراء ارتباطًا وثيقًا بالمنهج التجريبي الذي قامت عليه العلوم الحديثة.

وقد لعب الاستقراء دورًا حاسمًا في بناء العلوم الطبيعية، لأنه وفّر لها آلية دقيقة للانتقال من الملاحظة إلى القانون العلمي. فبدل الاعتماد على التأمل العقلي المجرد، أصبحت المعرفة العلمية تقوم على التجربة والملاحظة المنظمة، مما سمح بتراكم النتائج وتطوير النظريات العلمية بشكل تدريجي ومنهجي.

غير أن الاستقراء، رغم أهميته الكبيرة، لا يضمن الوصول إلى يقين مطلق ونهائي، لأن نتائجه تبقى قائمة على ما تم رصده وملاحظته من حالات محدودة. وبالتالي فإن ظهور معطيات جديدة أو اكتشاف حالات لم تكن معروفة سابقًا قد يؤدي إلى تعديل القوانين أو إعادة صياغتها بشكل مختلف. وهذا ما يجعل المعرفة الاستقرائية معرفة قابلة للتطور والتصحيح المستمر.

ومن هنا يتضح أن قوة الاستقراء لا تكمن في إنتاج يقين نهائي، بل في قدرته على بناء معرفة علمية مرنة، تتطور مع تطور التجربة وتوسع مجال الملاحظة. فالعلم في جوهره ليس نظامًا مغلقًا من الحقائق الثابتة، بل هو بناء معرفي مفتوح على المراجعة والتجديد، والاستقراء هو الأداة المنهجية التي تجعل هذا التطور ممكنًا.

الاستدلال والاستقراء بين اليقين والاحتمال:

الاستدلال والمنهج البرهاني:

مفهوم الاستدلال:

يُعدّ الاستدلال من أهم العمليات العقلية التي يقوم عليها البناء المعرفي في الفلسفة والمنطق والعلوم، إذ يُمثّل الآلية الأساسية التي ينتقل بها الفكر من معطيات أو مقدمات معلومة سلفًا إلى نتائج جديدة لم تكن معطاة بشكل مباشر. وبهذا المعنى، فإن الاستدلال لا يضيف مجرد معلومات إضافية، بل يعيد تنظيم المعارف السابقة داخل نسق منطقي يسمح باستخراج معانٍ ونتائج جديدة بشكل منسجم ودقيق.

ويُنظر إلى الاستدلال في التراث المنطقي بوصفه قمة النشاط العقلي المنظم، لأنه يعبّر عن قدرة العقل على الربط بين القضايا وفق قواعد محددة، بعيدًا عن العشوائية أو الحدس غير المنضبط. فالفكر الاستدلالي يقوم على بنية عقلية دقيقة تجعل من المعرفة عملية متسلسلة، تبدأ من مقدمات وتصل إلى نتائج عبر علاقات منطقية ضرورية أو راجحة حسب طبيعة الاستدلال.

وقد أولى أرسطو أهمية مركزية لمفهوم الاستدلال، حيث أسّس له داخل إطار المنطق الصوري من خلال نظرية الأقيسة. فقد ميّز بين أنواع متعددة من الاستدلال، تختلف بحسب طبيعة المقدمات والنتائج ودرجة اليقين التي تحققها. ويأتي في مقدمة هذه الأنواع القياس البرهاني، الذي يقوم على مقدمات يقينية تؤدي بالضرورة إلى نتائج يقينية، مما يجعل المعرفة الناتجة عنه ذات طابع قطعي لا يقبل الشك من الناحية المنطقية.

ويكشف هذا التصور عن أن الاستدلال البرهاني يمثل نموذجًا مثاليًا للمعرفة العقلية الصارمة، حيث يتم الانتقال من الكليات إلى الجزئيات أو من المبادئ العامة إلى النتائج الخاصة وفق قواعد دقيقة تضمن الاتساق الداخلي للفكر. ومن هنا ارتبط الاستدلال عند أرسطو بفكرة البرهان بوصفه أعلى أشكال التفكير العقلي.

قيمة الاستدلال في العلوم:

يحظى الاستدلال بمكانة أساسية في عدد من العلوم الدقيقة، وعلى رأسها الرياضيات والمنطق والفلسفة الميتافيزيقية، لأنه يوفر لهذه الحقول العلمية إمكانية بناء نتائج جديدة انطلاقًا من مبادئ أولية تُعتبر بمثابة مسلمات أو قضايا أولى. فبفضل الاستدلال، يصبح العقل قادرًا على توسيع المعرفة دون الحاجة المستمرة إلى التجربة المباشرة، وذلك عبر الاشتغال داخل نسق منطقي مغلق نسبيًا يقوم على الاتساق والضرورة.

وفي الرياضيات، على سبيل المثال، يُعد الاستدلال الأداة الأساسية لبناء البراهين وإثبات النظريات، حيث يتم الانتقال من بديهيات ومسلّمات إلى نتائج معقدة عبر خطوات عقلية منظمة ودقيقة. وفي المنطق، يُستخدم الاستدلال لضبط صحة التفكير وتمييز الاستنتاجات الصحيحة من المغالطات، مما يجعل منه معيارًا لسلامة البناء العقلي. أما في الفلسفة الميتافيزيقية، فيُستخدم الاستدلال لمحاولة فهم القضايا الكبرى المتعلقة بالوجود والمعرفة والحقيقة، اعتمادًا على مبادئ عقلية مجردة.

ومع ذلك، فإن فعالية الاستدلال البرهاني تظل مرتبطة بطبيعة الموضوعات التي يشتغل عليها. فهو يحقق أعلى درجات الدقة واليقين عندما يتعلق الأمر بالموضوعات الثابتة أو المجردة التي تسمح بالبناء العقلي الصارم، لكنه يصبح محدودًا عندما يواجه ظواهر متغيرة أو واقعية لا تخضع لقوانين ثابتة بشكل مطلق، كما هو الحال في بعض مجالات العلوم الإنسانية والطبيعية التي تتسم بالتغير والتعقيد.

ومن هنا يظهر أن قيمة الاستدلال لا تكمن فقط في إنتاج المعرفة، بل أيضًا في تحديد حدودها، أي في توضيح المجالات التي يكون فيها فعالًا ومجالات أخرى يحتاج فيها إلى مناهج موازية مثل الاستقراء والملاحظة والتجربة.

المناهج في العلوم الإنسانية والاجتماعية:

المنهج التاريخي:

طبيعة المنهج التاريخي:

يُعدّ المنهج التاريخي من المناهج الأساسية في دراسة الظواهر الإنسانية، لأنه يتيح فهم تطور الأحداث والأفكار والمؤسسات عبر الزمن، من خلال العودة إلى الماضي وتحليل مكوناته المختلفة. ويقوم هذا المنهج على جمع المادة التاريخية من مصادر متعددة، مثل الوثائق المكتوبة، والشهادات، والروايات، والآثار، ثم العمل على تحليلها وفهم سياقاتها التاريخية والاجتماعية.

ولا يقتصر العمل التاريخي على مجرد تسجيل الوقائع أو ترتيب الأحداث زمنيًا، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة تفسيرها وفهم العلاقات السببية التي تربط بينها. فالمؤرخ لا يكتفي بالإخبار عما حدث، بل يسعى إلى الإجابة عن سؤال “لماذا حدث ذلك؟” وكيف تطورت الظواهر عبر الزمن، وما العوامل التي ساهمت في تشكيلها وتحولها.

وبهذا المعنى، يصبح المنهج التاريخي منهجًا مركبًا يجمع بين الوصف والتحليل والتفسير، لأنه لا يتعامل مع الماضي كمعطى ثابت، بل كعملية دينامية تحتاج إلى إعادة بناء عقلية مستمرة. فالتاريخ ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو محاولة لفهم منطق تطورها الداخلي وشروط حدوثها.

التوثيق والإسناد في البحث التاريخي:

يقوم المنهج التاريخي على أساس منهجي جوهري يتمثل في التوثيق والإسناد، لأن قيمة المعرفة التاريخية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى مصداقية المصادر التي تستند إليها. فكل حدث تاريخي لا يُقبل إلا إذا كان مدعومًا بشواهد أو وثائق أو روايات يمكن التحقق من صحتها ونقدها علميًا.

ولهذا يُعدّ نقد المصادر مرحلة أساسية في البحث التاريخي، حيث يعمل المؤرخ على فحص الوثائق والروايات المختلفة، ومقارنة ما ورد فيها، وتحليل درجة صدقها، والكشف عن التحيزات أو الثغرات التي قد تؤثر في دقتها. فالمصدر التاريخي لا يُؤخذ على علاته، بل يخضع لعملية تمحيص دقيقة تهدف إلى التمييز بين ما هو موثوق وما هو مشكوك فيه.

ويُظهر هذا الجانب أن المنهج التاريخي ليس مجرد عملية وصفية، بل هو في جوهره ممارسة نقدية معقدة تقوم على التحليل والمقارنة والتحقق. فالمؤرخ لا يعيد إنتاج الماضي كما هو، بل يعيد بناءه معرفيًا اعتمادًا على أدوات منهجية تسمح بفهمه في سياقاته المختلفة.

ومن هنا يتضح أن المنهج التاريخي يجمع بين البعد التوثيقي والبعد التحليلي، حيث يعتمد في آن واحد على الدقة في نقل المعطيات وعلى العمق في تفسيرها، مما يجعله أحد أهم المناهج في دراسة الظواهر الإنسانية والاجتماعية عبر الزمن.

الاستقراء والمنهج التجريبي

مفهوم الاستقراء

يُعدّ الاستقراء من أهم الآليات المنهجية التي يقوم عليها التفكير العلمي الحديث، إذ ينطلق أساسًا من ملاحظة الجزئيات والتجارب الجزئية، ثم يعمل العقل على الانتقال التدريجي نحو صياغة قواعد عامة وقوانين كلية تفسر تلك الجزئيات. وبذلك فإن حركة الاستقراء هي حركة صاعدة تبدأ من الواقع الملموس وتنتهي إلى بناء نظري مجرد يهدف إلى تفسير الظواهر وربطها ضمن نسق قانوني منظم.

وقد ارتبط هذا المنهج ارتباطًا وثيقًا بتطور العلوم الطبيعية، حيث أصبح أداة أساسية في دراسة الظواهر الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية، لما يوفره من إمكانية ضبط الملاحظة وتكرار التجربة والتحقق من النتائج. فالعالم، من خلال هذا المنهج، لا يكتفي بالتأمل النظري، بل ينخرط في اختبار الواقع وتجريبه بهدف الوصول إلى قوانين عامة يمكن الاعتماد عليها في التفسير والتنبؤ.

وبهذا المعنى، أصبح الاستقراء يشكل أحد الأعمدة المركزية في بناء المعرفة العلمية الحديثة، لأنه يسمح بتحويل الخبرة الحسية إلى معرفة منظمة قابلة للتعميم، مما جعله يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الموضوعية في البحث العلمي.

حدود الاستقراء:

ورغم المكانة المركزية التي يحتلها الاستقراء في بناء المعرفة العلمية، فإنه يظل منهجًا غير يقيني بالمعنى الصارم، لأن نتائجه تستند إلى التعميم انطلاقًا من عدد محدود من الحالات الملاحظة. وهذا يعني أن القاعدة العامة التي يتم التوصل إليها تبقى قابلة للمراجعة أو التعديل كلما ظهرت معطيات جديدة أو حالات استثنائية لم تكن ضمن نطاق الملاحظة السابقة.

ومن هنا، فإن المعرفة الاستقرائية تُبنى على الاحتمال أكثر من اليقين المطلق، مما يجعلها معرفة قابلة للتطور المستمر وليست نهائية أو مغلقة. فحتى أكثر القوانين العلمية رسوخًا تبقى مفتوحة على إمكانية التصحيح أو إعادة الصياغة إذا ما ظهرت معطيات تجريبية جديدة تناقضها أو تحدّ من عموميتها.

وقد أدى هذا الوضع إلى بروز نقاش فلسفي عميق بين الاتجاه العقلي الذي يرى أن اليقين لا يتحقق إلا عبر البرهان العقلي الصارم، وبين الاتجاه التجريبي الذي يعتبر أن التجربة والملاحظة هما المصدر الأساسي للمعرفة العلمية. ويعكس هذا الجدل إشكالية مركزية في فلسفة العلم تتعلق بطبيعة الأساس الذي تقوم عليه المعرفة: هل هو العقل أم التجربة؟

المنهج الاجتماعي والوصفي:

المنهج الوصفي في علم الاجتماع:

تطور المنهج الوصفي في سياق نشأة العلوم الاجتماعية الحديثة، التي سعت إلى دراسة الظواهر الاجتماعية دراسة علمية منظمة، على غرار ما تم في العلوم الطبيعية. وقد كان للفكر السوسيولوجي، خاصة مع إميل دوركايم، دور أساسي في ترسيخ هذا الاتجاه، حيث دعا إلى التعامل مع الظواهر الاجتماعية باعتبارها "أشياء" يمكن إخضاعها للملاحظة والتحليل العلمي الموضوعي.

ويقوم هذا المنهج على وصف الظواهر الاجتماعية وصفًا دقيقًا، من خلال رصد خصائصها وتصنيفها وتحليل العلاقات القائمة بينها، بهدف الكشف عن القوانين أو الانتظامات التي تحكمها. كما يركز على ضرورة الابتعاد عن الأحكام المسبقة والتصورات الذاتية والقيم الشخصية، حتى يتمكن الباحث من الاقتراب قدر الإمكان من الموضوعية العلمية.

وبذلك، يسعى المنهج الوصفي إلى تحويل الظاهرة الاجتماعية من مجرد تجربة معيشة إلى موضوع علمي يمكن دراسته وفق أدوات منهجية دقيقة، تسمح بفهم بنيتها الداخلية وآليات اشتغالها داخل المجتمع.

خصوصية الظاهرة الإنسانية:

تتميز الظاهرة الإنسانية عن باقي الظواهر الطبيعية بكونها ظاهرة مركبة ومتغيرة باستمرار، لأنها لا تخضع فقط للعوامل المادية، بل تتداخل فيها عناصر الوعي والإرادة والقيم والثقافة والتاريخ. وهذا التعقيد يجعل دراستها أكثر صعوبة، ويجعل نتائجها أقل قابلية للتعميم الصارم مقارنة بالعلوم الطبيعية.

فالفعل الإنساني لا يمكن فهمه فهماً كاملاً من خلال التفسير الآلي أو السببي البسيط، بل يتطلب استحضار المعاني والدلالات التي يضفيها الإنسان على أفعاله وسلوكاته. ومن هنا، برز الاتجاه التأويلي الذي يؤكد أن فهم الظواهر الإنسانية يقتضي فهم العالم الداخلي للفرد، أي مقاصده ودوافعه وسياقات فعله الاجتماعية والثقافية.

وبذلك، فإن دراسة الإنسان لا تقتصر على وصف السلوك الخارجي فقط، بل تمتد إلى تفسيره وتأويله في ضوء المعاني التي يحملها، مما يجعل العلوم الإنسانية علومًا تأويلية بامتياز، تجمع بين الوصف والفهم، وبين التحليل العلمي والتأويل الدلالي.

المناهج في العلوم الإنسانية والاجتماعية

المنهج التاريخي:

يُعدّ المنهج التاريخي من المناهج الأساسية في دراسة الظواهر الإنسانية والاجتماعية، لأنه يرتبط مباشرة بفهم الماضي بوصفه عنصرًا مؤسسًا للحاضر. ويقوم هذا المنهج على مجموعة من الإجراءات العلمية الدقيقة، أبرزها التوثيق، والتحقيق، ونقد المصادر، وتحليل الروايات والشهادات التاريخية بهدف التمييز بين ما هو موثوق وما هو مشكوك فيه أو متحيّز.

فالحادثة التاريخية لا تكتسب قيمتها العلمية بمجرد وقوعها في الزمن، وإنما تتحول إلى معرفة تاريخية عندما تُنقل عبر مصادر قابلة للتحقق والمراجعة النقدية. ومن هنا تبرز أهمية ما يُعرف بـ"النقد التاريخي"، سواء كان نقدًا خارجيًا يهمّ مصدر الوثيقة وصحتها، أو نقدًا داخليًا يتعلق بمضمونها ومدى اتساقها مع السياق العام للأحداث.

ويتميز المنهج التاريخي كذلك بتركيزه على فهم الحدث في سياقه الكلي، أي في إطار الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي ساهمت في إنتاجه. فالحدث التاريخي لا يُفهم بمعزل عن بيئته، بل يُفسَّر باعتباره نتيجة لتفاعلات معقدة بين مجموعة من العوامل المتداخلة.

كما لا يكتفي هذا المنهج بوصف الوقائع، بل يسعى إلى تفسيرها وربطها ببعضها البعض من أجل بناء تصور شامل لمسار التطور التاريخي، سواء على مستوى المجتمعات أو الحضارات أو المؤسسات.

المنهج الاجتماعي عند إميل دوركايم:

يُعتبر إميل دوركايم من أبرز المؤسسين لعلم الاجتماع الحديث، حيث سعى إلى إرساء أسس علمية صارمة لدراسة الظواهر الاجتماعية، على غرار ما هو معمول به في العلوم الطبيعية. وقد انطلق من فكرة أساسية مفادها أن المجتمع ليس مجرد مجموع أفراد، بل هو كيان مستقل له قوانينه وبنياته الخاصة التي يجب دراستها بطريقة موضوعية.

ولهذا دعا دوركايم إلى التعامل مع الظواهر الاجتماعية باعتبارها "أشياء"، أي موضوعات خارجية عن وعي الباحث، يمكن ملاحظتها وقياسها وتحليلها بشكل علمي. ويهدف هذا التصور إلى تقليص التدخل الذاتي والابتعاد عن الأحكام المسبقة والانطباعات الشخصية التي قد تُشوّه نتائج البحث العلمي.

كما اهتم دوركايم بوضع قواعد منهجية واضحة لضبط البحث السوسيولوجي، من بينها ضرورة تعريف الظواهر الاجتماعية تعريفًا دقيقًا، والاعتماد على الملاحظة المنظمة، والمقارنة بين المجتمعات، واستخلاص القوانين العامة التي تحكم الحياة الاجتماعية.

ومن بين الإسهامات المهمة في فكره أيضًا، تمييزه بين الظواهر الاجتماعية السوية والظواهر المرضية، حيث اعتبر أن لكل مجتمع حالة "طبيعية" ينبغي تحديدها علميًا، وأن الانحراف أو المرض الاجتماعي يمكن فهمه ضمن إطار القوانين العامة التي تحكم المجتمع.

وبذلك أسهم دوركايم في تحويل علم الاجتماع من تأملات فلسفية عامة إلى علم قائم على الملاحظة والتحليل والبحث التجريبي المنظم.

إشكالية وحدة المنهج وتعدده:

الاتجاه القائل بوحدة المنهج:

يرى أنصار الاتجاه القائل بوحدة المنهج أن المعرفة العلمية، رغم تنوع موضوعاتها، تقوم على أساس منهجي واحد مشترك. فالعقل البشري، بحسب هذا التصور، يعتمد في كل مجالات المعرفة على نفس الآليات الأساسية، مثل الملاحظة، والتحليل، والتجريب، والاستدلال المنطقي.

ويؤكد هذا الاتجاه أن الاختلاف بين العلوم لا يعود إلى اختلاف في طبيعة المناهج، بل إلى اختلاف في الموضوعات المدروسة فقط. فالعلم الطبيعي، والعلوم الإنسانية، والعلوم الاجتماعية، جميعها تسعى إلى الكشف عن القوانين المنظمة للظواهر، وإن اختلفت أدوات التطبيق ومستويات التعقيد.

كما يرى أنصار هذا الاتجاه أن توحيد المنهج العلمي يساهم في تعزيز موضوعية المعرفة، ويجعلها أكثر دقة وقابلية للتعميم، ويمنحها طابعًا علميًا موحدًا يقترب من النموذج الرياضي أو التجريبي الصارم.

الاتجاه القائل بتعدد المناهج:

في المقابل، يذهب أنصار الاتجاه القائل بتعدد المناهج إلى أن طبيعة الظواهر تفرض بالضرورة اختلاف طرق دراستها. فليس من المنطقي، في نظرهم، التعامل مع الظواهر الطبيعية والظواهر الإنسانية بنفس الأدوات المنهجية، نظرًا للاختلاف الجوهري بينهما.

فالظواهر الطبيعية تتميز بالثبات النسبي والقابلية للتكرار والقياس، مما يجعلها مناسبة للمنهج التجريبي القائم على الملاحظة الدقيقة والتجربة والتحقق. أما الظواهر الإنسانية والاجتماعية، فهي ظواهر مركبة، تتداخل فيها الأبعاد النفسية والثقافية والقيمية والتاريخية، مما يجعلها أقل قابلية للتجريب المباشر والتكرار الصارم.

ومن هنا، يؤكد هذا الاتجاه على ضرورة اعتماد مناهج متعددة، مثل المنهج التأويلي الذي يركز على فهم المعاني والدلالات، والمنهج الوصفي الذي يصف الظواهر كما هي في الواقع، إضافة إلى المناهج التاريخية والسوسيولوجية التي تراعي خصوصية السياقات الإنسانية.

وبذلك فإن تعدد المناهج لا يعني تناقضها، بل يعكس ثراء الظاهرة الإنسانية وتعقيدها، ويؤكد أن فهم الإنسان لا يمكن أن يُختزل في نموذج علمي واحد، بل يحتاج إلى مقاربات متكاملة تجمع بين التفسير والفهم والتأويل.

خاتمة الدراسة:

لقد كشفت هذه الدراسة أن إشكالية المنهج ليست قضية تقنية بسيطة تتعلق بكيفية تنظيم البحث فحسب، بل هي قضية فلسفية عميقة ترتبط بطبيعة العقل الإنساني وحدود المعرفة وإمكان الوصول إلى الحقيقة. فالمنهج يمثل الأداة التي ينتقل بها الفكر من العفوية والارتجال إلى النظام والبرهان، ومن الرأي إلى المعرفة، ومن الظن إلى اليقين النسبي أو المطلق بحسب طبيعة الموضوع المدروس.

وقد تبين من خلال هذه الدراسة أن تاريخ الفلسفة والعلوم هو في جوهره تاريخ لتحولات المناهج، لأن كل ثورة معرفية كانت ترتبط بإعادة بناء طرق التفكير وأساليب البحث. فمن المنهج الجدلي عند اليونان، إلى المنهج البرهاني عند أرسطو، إلى المنهج العقلي عند ديكارت، ثم المناهج التجريبية والاجتماعية والتاريخية الحديثة، ظل الفكر الإنساني يسعى إلى تطوير أدواته المنهجية من أجل فهم العالم بصورة أكثر دقة وموضوعية.

كما أظهرت الدراسة أن المنهج لا يمكن فصله عن الموضوع والغاية، لأن طبيعة الظاهرة المدروسة هي التي تحدد نوع المنهج الملائم لها. فالعلوم الطبيعية تعتمد بدرجة كبيرة على التجربة والملاحظة والاستقراء، بينما تقوم العلوم الفلسفية على التحليل والاستدلال والنقد العقلي، في حين تحتاج العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى مناهج خاصة تراعي تعقيد الظاهرة الإنسانية وتداخل أبعادها النفسية والاجتماعية والتاريخية والثقافية.

وقد اتضح أيضًا أن الجدل حول وحدة المنهج أو تعدده يعكس في العمق اختلافًا حول طبيعة المعرفة نفسها. فهناك من يرى أن المنهج العلمي الواحد يمكن أن يشكل أساسًا لكل العلوم، وهناك من يؤكد أن تنوع الموضوعات يفرض تعدد المناهج. غير أن الدراسة بينت أن هذا التعارض ليس مطلقًا، لأن جميع المناهج تشترك في غاية أساسية هي البحث عن الحقيقة وتنظيم المعرفة، وإن اختلفت في الوسائل والإجراءات.

ومن النتائج المهمة التي خلصت إليها الدراسة أن المنهج ليس مجرد وسيلة للوصول إلى المعرفة، بل هو أيضًا أداة نقدية تكشف الأخطاء والمغالطات، وتساعد على بناء التفكير العقلاني الموضوعي. ولذلك فإن أزمة الفكر في كثير من الأحيان ليست أزمة معلومات، بل أزمة مناهج وطرائق تفكير.

كما أكدت الدراسة أن الفلسفة لعبت دورًا حاسمًا في تأسيس التفكير المنهجي، وأنها ما تزال إلى اليوم تشكل الإطار النقدي الذي يسمح بمراجعة المناهج وتقويمها وتجاوز حدودها. فكل منهج مهما بلغت دقته يظل نسبيًا وقابلًا للتطوير، لأن المعرفة الإنسانية نفسها معرفة متطورة وغير مكتملة.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن دراسة إشكالية المنهج ليست دراسة لموضوع جزئي داخل الفلسفة، بل هي مدخل أساسي لفهم طبيعة الفكر الإنساني وآليات اشتغاله، كما أنها شرط ضروري لكل ممارسة علمية أو فلسفية جادة تسعى إلى إنتاج معرفة دقيقة وموضوعية وقابلة للنقد والتطوير.

نتائج الدراسة:

توصلت هذه الدراسة إلى مجموعة من النتائج الأساسية، من أبرزها:

المنهج يمثل الأساس الذي تقوم عليه كل معرفة علمية أو فلسفية منظمة.

لا يمكن فصل المنهج عن طبيعة الموضوع والغاية المعرفية.

تطور الفلسفة والعلوم ارتبط تاريخيًا بتطور المناهج.

المنهج الفلسفي يقوم أساسًا على التحليل والتعريف والاستدلال.

الاستقراء يشكل أداة مركزية في العلوم الطبيعية والاجتماعية.

العلوم الإنسانية تحتاج إلى مناهج خاصة تراعي خصوصية الظاهرة الإنسانية.

لا يوجد تعارض مطلق بين وحدة المنهج وتعدده، بل توجد عناصر مشتركة بين المناهج المختلفة.

المنهج يسهم في بناء التفكير النقدي والكشف عن المغالطات.

المناهج ليست ثابتة، بل تتطور بتطور المعرفة والواقع التاريخي.

الفلسفة تظل المجال الأساسي لنقد المناهج وتقويمها.

المعرفة العلمية لا يمكن أن تتحقق دون قواعد منهجية دقيقة.

المنهج ليس مجرد وسيلة للوصول إلى الحقيقة، بل هو أيضًا أداة لبناء الحقيقة وتنظيمها.

توصيات الدراسة:

ضرورة تعميق الاهتمام بدراسة المناهج داخل التكوينات الجامعية والفلسفية.

تشجيع الدراسات المقارنة بين المناهج الفلسفية والعلمية المختلفة.

تعزيز التفكير النقدي والمنهجي في المؤسسات التعليمية.

تجاوز النظرة الاختزالية التي تحصر المنهج في الجانب التقني فقط.

الانفتاح على المناهج المعاصرة والاستفادة من تكاملها بدل النظر إليها باعتبارها متعارضة بصورة مطلقة.

تطوير البحث في مجال فلسفة العلوم والإبستمولوجيا.

الاهتمام بالمناهج الخاصة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية نظرًا لتعقيد موضوعاتها.

ترسيخ ثقافة التحليل والاستدلال والنقد داخل الممارسة الأكاديمية.

تشجيع الباحثين على الربط بين المنهج والواقع الاجتماعي والتاريخي.

تعزيز الوعي بأهمية المنهج في مواجهة الفكر السطحي والأحكام الجاهزة.

ضرورة الجمع بين الصرامة العلمية والانفتاح الفلسفي في الدراسات المعاصرة.

إعادة قراءة التراث الفلسفي العربي والغربي من زاوية منهجية للكشف عن أسسه المعرفية العميقة.

***

بقلم د. منير محقق

كاتب وناقد وباحث مغربي في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي

من نسبية السفسطائيين إلى نظرية الاعتدال عند أرسطو والفارابي وابن رشد

مقدمة الدراسة: تُعدّ الأخلاق من أعمق الإشكالات التي استأثرت باهتمام الفكر الإنساني عبر مختلف العصور والحضارات، لأنها ترتبط بجوهر الوجود الإنساني وبالسؤال المركزي الذي ظلّ الإنسان يطرحه منذ اللحظات الأولى لوعيه بذاته والعالم: كيف ينبغي للإنسان أن يعيش؟ فالفلسفة، منذ نشأتها اليونانية الأولى، لم تكن بحثا في الطبيعة والكون فحسب، بل كانت أيضا محاولة لبناء تصور متكامل للحياة الإنسانية، يقوم على الكشف عن معنى الخير، وتحديد أسس الفضيلة، والبحث عن السعادة بوصفها الغاية القصوى للوجود البشري. ولهذا ارتبط التفكير الأخلاقي دائمًا بالسعي إلى فهم طبيعة الإنسان، وحدود حريته، وعلاقته بالمجتمع، وبالمدينة، وبالقيم التي تمنح الحياة معناها الإنساني العميق.

وقد شكّلت "أخلاق الفضيلة"  أحد أهم التصورات الأخلاقية التي عرفها تاريخ الفلسفة، لأنها لم تنظر إلى الأخلاق باعتبارها مجرد منظومة من القوانين أو الأوامر الخارجية التي تفرض على الإنسان، بل بوصفها بناء داخليا يهدف إلى تهذيب النفس وتكميل الشخصية الإنسانية. فالفضيلة، في هذا التصور، ليست فعلا منفصلا أو سلوكا عابرا، وإنما هي ملكة راسخة تتكوّن عبر التربية والممارسة والتعوّد والوعي العقلي، حتى تصبح جزءا من طبيعة الإنسان وهويته الأخلاقية. ومن هنا ارتبطت أخلاق الفضيلة بفكرة الكمال الإنساني، إذ لم يكن الهدف منها فقط تنظيم السلوك، بل صناعة الإنسان الفاضل القادر على تحقيق التوازن بين العقل والرغبة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين المصلحة الفردية والخير العام.

ولقد كان الفكر اليوناني المجال الأول الذي تبلورت داخله فلسفة الفضيلة بوصفها مشروعا فلسفيا متكاملا. ففي سياق التحولات الفكرية والسياسية التي عرفتها المدينة اليونانية، برز السوفسطائيون بوصفهم ممثلين للنسبية الأخلاقية، حيث رأوا أن القيم ليست ثابتة، وإنما تتغير تبعا للعادات والمصالح والظروف الاجتماعية، وأن الإنسان هو 'مقياس الأشياء جميعًا'. وقد أدى هذا التصور إلى زعزعة فكرة الحقيقة الأخلاقية المطلقة، وإلى تحويل الأخلاق إلى مجال للمنفعة والإقناع والخطابة. غير أن هذا الاتجاه أثار اعتراضا فلسفيا عميقا لدى سقراط الذي رأى أن الأخلاق لا يمكن أن تقوم على النسبية والهوى، بل ينبغي أن تؤسس على المعرفة العقلية والحقيقة الثابتة. ولذلك ربط الفضيلة بالحكمة، واعتبر أن الإنسان لا يرتكب الشر بإرادة واعية، وإنما نتيجة الجهل بحقيقة الخير، فالمعرفة عنده ليست معرفة نظرية مجردة، بل وعي أخلاقي يقود الإنسان إلى الفعل القويم.

ثم جاء أفلاطون ليمنح فلسفة الفضيلة بعدا ميتافيزيقيا أكثر عمقا، حين ربط الخير بعالم المثل، وجعل العدالة انسجاما بين قوى النفس الثلاث: العقل، والغضب، والشهوة. فالإنسان الفاضل، في نظره، هو الذي تخضع فيه الرغبات لسلطة العقل والحكمة، كما أن المدينة الفاضلة لا تتحقق إلا حين يسود الانسجام بين طبقات المجتمع تحت قيادة الفيلسوف الحكيم. وهكذا تحولت الأخلاق عند أفلاطون إلى مشروع سياسي وتربوي يسعى إلى بناء مجتمع يقوم على العدالة والحكمة والتناغم الروحي.

غير أن التحول الأكبر في فلسفة أخلاق الفضيلة تحقق مع أرسطو الذي نقل التفكير الأخلاقي من المجال المثالي المجرد إلى المجال الإنساني العملي. فقد رفض أرسطو اختزال الفضيلة في المعرفة النظرية وحدها، واعتبرها عادة عملية تكتسب بالممارسة والاعتياد. فالإنسان لا يصبح عادلا لأنه يعرف معنى العدالة فقط، بل لأنه يمارس الأفعال العادلة بصورة متكررة حتى تتحول إلى سلوك ثابت. ومن هنا صاغ أرسطو نظريته الشهيرة في "الوسط الذهبي"، حيث تقوم الفضيلة على الاعتدال بين الإفراط والتفريط، فالشجاعة مثلا هي وسط بين الجبن والتهور، والكرم وسط بين البخل والإسراف. وقد ربط أرسطو الفضيلة بالسعادة، معتبرًا أن السعادة الحقيقية لا تتحقق في اللذة العابرة أو الثروة أو السلطة، بل في ممارسة العقل وتحقيق التوازن الأخلاقي الذي ينسجم مع طبيعة الإنسان بوصفه كائنًا عاقلًا واجتماعيًا.

ولم يبقَ تأثير فلسفة الفضيلة محصورا داخل حدود الفكر اليوناني، بل انتقل إلى الحضارة الإسلامية عبر حركة الترجمة والانفتاح على التراث الفلسفي القديم، حيث أعاد الفلاسفة المسلمون صياغة هذا التصور الأخلاقي داخل أفق حضاري جديد يجمع بين العقل والوحي، وبين الحكمة الفلسفية والتصور الديني للإنسان والعالم. فقد سعى أبو نصر الفارابي إلى بناء فلسفة أخلاقية وسياسية تجعل السعادة غاية قصوى للفرد والمجتمع، وربط الفضيلة بالنظام السياسي للمدينة الفاضلة التي يقودها الحاكم الحكيم الجامع بين المعرفة والأخلاق. أما ابن مسكويه فقد جعل تهذيب النفس أساس المشروع الأخلاقي، واعتبر أن الأخلاق ليست معطى فطريا ثابتا، بل ملكات قابلة للتقويم عبر التربية والمجاهدة والممارسة العملية. في حين عمل ابن رشد على إعادة قراءة التراث الأرسطي قراءة عقلانية، مؤكدًا أن الفضيلة ليست معرفة مجردة، وإنما ممارسة عقلية وتربوية تهدف إلى تحقيق الخير العام والعدالة الاجتماعية.

وقد اكتسبت أخلاق الفضيلة حضورًا متجددًا في الفلسفة المعاصرة، خاصة بعد تصاعد الأزمات الأخلاقية التي يعيشها الإنسان الحديث في ظل هيمنة النزعات الفردانية والمادية والاستهلاكية. فمع التقدم التقني الهائل وتراجع المرجعيات القيمية التقليدية، أصبح الإنسان يعيش حالة من الاغتراب الأخلاقي وفقدان المعنى، الأمر الذي دفع عددًا من الفلاسفة المعاصرين إلى إعادة الاعتبار لفلسفة الفضيلة باعتبارها مشروعًا لإعادة بناء الإنسان أخلاقيا وروحيا. فالقوانين وحدها لا تكفي لصناعة مجتمع عادل، كما أن التركيز على النتائج والمنفعة لا يضمن دائمًا تحقيق الخير الإنساني، لذلك عادت أخلاق الفضيلة لتؤكد أن جوهر الأخلاق يكمن في تكوين الشخصية الإنسانية القادرة على ممارسة الخير بإرادة واعية وحسّ إنساني عميق.

وتنبع أهمية دراسة فلسفة أخلاق الفضيلة من كونها لا تقتصر على تحليل المفاهيم الأخلاقية المجردة، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة طبيعة الإنسان ذاته، والكشف عن العلاقة المعقدة بين الأخلاق والتربية والسياسة والمعرفة والدين والمجتمع. فهي فلسفة تسعى إلى فهم الإنسان باعتباره مشروعًا أخلاقيًا مفتوحًا على التهذيب والتكميل المستمر، لا كائنًا محكومًا فقط بالرغبات أو المصالح الآنية. كما أن هذا التصور الأخلاقي يطرح أسئلة عميقة حول إمكانية بناء مجتمع يقوم على العدالة والاعتدال والحكمة في عالم تتزايد فيه الصراعات والأزمات القيمية.

وانطلاقا من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى تتبع التطور التاريخي لفلسفة أخلاق الفضيلة منذ جذورها اليونانية الأولى وصولًا إلى امتداداتها داخل الفلسفة الإسلامية، مع تحليل الأسس الفلسفية التي قامت عليها تصورات الفضيلة والسعادة والعقل والتربية والمدينة الفاضلة. كما تهدف إلى إبراز أوجه الاتفاق والاختلاف بين مختلف التصورات الأخلاقية، والكشف عن التحولات التي عرفتها فلسفة الفضيلة عبر التاريخ، إضافة إلى مناقشة أهم الانتقادات التي وُجهت إليها، خاصة ما يتعلق بإشكالية نسبية القيم، وتعدد السياقات الثقافية، وصعوبة تطبيق الفضائل في بعض المواقف العملية المعقدة.

وبذلك، فإن هذه الدراسة لا تسعى فقط إلى تقديم عرض تاريخي لفلسفة أخلاق الفضيلة، بل تروم أيضا الانخراط في سؤال الإنسان المعاصر حول إمكانية استعادة المعنى الأخلاقي في عالم تتسارع فيه التحولات الحضارية وتتراجع فيه القيم الإنسانية الجامعة. فالبحث في الفضيلة هو، في جوهره، بحث في الإنسان ذاته، وفي قدرته على بناء حياة أكثر توازنا وعدالة وسموا، حياة يتحقق فيها الانسجام بين العقل والقلب، وبين الذات والآخر، وبين الحرية والمسؤولية، بما يجعل الأخلاق أفقا لإنسانية أكثر كمالا ووعيا.

إشكالية الدراسة:

تتمحور إشكالية هذه الدراسة حول واحد من أعمق الأسئلة التي رافقت الفكر الفلسفي منذ نشأته الأولى، وهو السؤال المتعلق بطبيعة الفضيلة ومصدرها ووظيفتها في حياة الإنسان: ما الذي يجعل الإنسان فاضلا؟ وهل تتحقق الفضيلة بوصفها معرفة عقلية يدرك بها الإنسان حقيقة الخير، أم باعتبارها ممارسة عملية تتكون عبر التربية والعادة والاعتياد؟ وهل الأخلاق قائمة على معايير كونية ثابتة تتجاوز اختلاف الأزمنة والثقافات، أم أنها نسبية تتشكل تبعًا للبيئات الاجتماعية والتحولات التاريخية؟ إن هذا السؤال لا يتعلق فقط بتحديد مفهوم الفضيلة، بل يمتد ليشمل فهم طبيعة الإنسان ذاته، وموقعه داخل العالم، وعلاقته بذاته وبالآخرين وبالمجتمع الذي ينتمي إليه.

لقد شكّلت فلسفة أخلاق الفضيلة أحد أهم المشاريع الفلسفية التي حاولت تقديم إجابة متكاملة عن سؤال الخير الإنساني، لأنها لم تجعل محور الأخلاق هو الفعل المعزول أو القانون الخارجي، بل الإنسان نفسه بوصفه ذاتًا أخلاقية قابلة للتهذيب والتكميل. فالفضيلة، وفق هذا التصور، ليست مجرد التزام بمجموعة من القواعد، وإنما هي بناء داخلي للشخصية الإنسانية، يهدف إلى تكوين إنسان قادر على ممارسة الخير بصورة واعية، وتحقيق التوازن بين قواه النفسية والعقلية والاجتماعية. غير أن هذا التصور، رغم وحدته الظاهرية، لم يكن مفهومًا ثابتًا أو متجانسًا عبر التاريخ، بل عرف تحولات عميقة واختلافات جوهرية بحسب السياقات الفلسفية والحضارية التي تشكل داخلها.

ففي السياق اليوناني القديم، ظهر السوفسطائيون بوصفهم ممثلين للنسبية الأخلاقية، حيث اعتبروا أن القيم لا تستند إلى حقيقة مطلقة، وإنما تتحدد وفق الأعراف والمصالح والظروف الاجتماعية، وأن الإنسان هو المعيار الذي تقاس به الأشياء جميعا. وقد أدى هذا التصور إلى تحويل الأخلاق من مجال للحقيقة إلى مجال للمنفعة والخطابة والإقناع، مما أثار ردود فعل فلسفية قوية لدى سقراط، الذي رفض هذا المنظور النسبي، وسعى إلى تأسيس الأخلاق على المعرفة العقلية، معتبرا أن الفضيلة لا تنفصل عن الحكمة، وأن الشر ليس سوى نتيجة للجهل بحقيقة الخير. ومن هنا تبرز أولى الإشكالات الكبرى: هل الفضيلة معرفة عقلية خالصة، بحيث يكفي أن يعرف الإنسان الخير حتى يفعله، أم أن المعرفة وحدها لا تكفي لتحقيق السلوك الأخلاقي؟

وقد عمّق أفلاطون هذا السؤال حين نقل الأخلاق إلى مستوى ميتافيزيقي، فربط الفضيلة بعالم المثل، وجعل العدالة تعبيرا عن الانسجام بين قوى النفس المختلفة، بحيث يصبح الإنسان الفاضل هو من تخضع فيه الشهوة والغضب لسلطة العقل. وهنا تبرز إشكالية ثانية تتعلق بالعلاقة بين النفس والفضيلة: هل الفضيلة حالة داخلية من الانسجام النفسي والروحي، أم أنها سلوك خارجي يمكن قياسه بالأفعال؟ وهل العدالة تتحقق أولا داخل الإنسان أم داخل المدينة والمجتمع؟

أما أرسطو فقد أحدث تحولا حاسما في فهم الفضيلة، حين نقلها من مستوى التأمل النظري إلى مستوى الممارسة العملية، معتبرا أن الإنسان لا يولد فاضلا، وإنما يصبح كذلك عبر التمرين والاعتياد والتربية المستمرة. فالفضيلة عنده ليست فكرة مجردة، بل عادة أخلاقية تبنى عبر الأفعال اليومية، وتتحقق من خلال "الوسط الذهبي" الذي يوازن بين الإفراط والتفريط. ومن هنا تظهر إشكالية ثالثة أساسية: هل الفضيلة معطى فطري كامن في طبيعة الإنسان، أم أنها بناء مكتسب يتحقق عبر التنشئة والتربية؟ وإذا كانت مكتسبة، فما دور الإرادة والعقل في بنائها؟

ومع انتقال هذا التراث إلى الحضارة الإسلامية، لم تنقل فلسفة الفضيلة بوصفها معرفة جامدة، بل أعيدت صياغتها داخل أفق حضاري جديد جمع بين الحكمة اليونانية والرؤية الإسلامية للإنسان والعالم. فقد ربط أبو نصر الفارابي الفضيلة بالسعادة السياسية والاجتماعية، معتبرًا أن الإنسان لا يحقق كماله إلا داخل المدينة الفاضلة التي تقوم على العدالة والحكمة. بينما جعل ابن مسكويه تهذيب النفس وتزكيتها جوهر المشروع الأخلاقي، وربط الفضيلة بالتربية الداخلية والانضباط السلوكي. أما ابن رشد فقد سعى إلى التوفيق بين العقل والشريعة، مؤكدًا أن الفضيلة لا تتحقق إلا من خلال تفاعل المعرفة النظرية مع الممارسة العملية. وهنا تبرز إشكالية جديدة: كيف أمكن للفكر الإسلامي أن يعيد بناء مفهوم الفضيلة داخل منظومة تجمع بين العقل والوحي؟ وهل أدى ذلك إلى تطوير المفهوم أم إلى إعادة تأويله فقط؟

ومن داخل هذه المسارات الفكرية المتعددة، تتولد إشكالية محورية أخرى تتعلق بالعلاقة بين الفضيلة والسعادة، وهي من أكثر القضايا حضورا في تاريخ الفلسفة الأخلاقية. فقد اتفق معظم فلاسفة الفضيلة على أن غاية الأخلاق هي تحقيق السعادة، لكنهم اختلفوا في تحديد طبيعتها: هل السعادة حالة عقلية تتحقق بالتأمل والمعرفة؟ أم حالة نفسية تتحقق بالانسجام الداخلي؟ أم هي نمط عيش اجتماعي يقوم على العدالة والمشاركة في الخير العام؟ وبصيغة أخرى: هل السعادة نتيجة للفضيلة، أم أن الفضيلة نفسها هي شكل من أشكال السعادة؟

كما تثير فلسفة أخلاق الفضيلة إشكالا بالغ الأهمية يتعلق بالعلاقة بين الفرد والمجتمع. فإذا كانت بعض التصورات، مثل تصور أفلاطون والفارابي، قد ربطت الفضيلة بالنظام السياسي وبناء المدينة الفاضلة، فإن تصورات أخرى، مثل تصور ابن مسكويه، جعلت تهذيب النفس الفردية هو المدخل الأساسي للأخلاق. ومن هنا يبرز سؤال فلسفي جوهري: هل الفضيلة شأن فردي يخص بناء الذات، أم أنها مشروع اجتماعي وسياسي لا يكتمل إلا داخل مجتمع عادل؟ وهل يمكن الحديث عن إنسان فاضل داخل مجتمع فاسد، أم أن فساد المجتمع يُفشل المشروع الأخلاقي الفردي؟

وتزداد هذه الإشكالية تعقيدا حين ننتقل إلى السياق المعاصر، حيث يشهد العالم تحولات قيمية عميقة، وتراجعًا واضحًا للمرجعيات الأخلاقية التقليدية، وهيمنة للنزعات الفردانية والنفعية والمادية. ففي ظل هذه التحولات، يعود السؤال بقوة: هل ما تزال فلسفة أخلاق الفضيلة قادرة على تقديم نموذج أخلاقي صالح لمعالجة أزمات الإنسان المعاصر؟ وهل يمكن للفضيلة، بوصفها مشروعًا لتكوين الشخصية، أن تواجه تحديات الحداثة وما بعدها، مثل الاستهلاك، والتفكك الاجتماعي، والأزمات البيئية، والتحولات الرقمية؟

وانطلاقًا من هذه الإشكالات المتداخلة، فإن الدراسة تنبني على الإشكالية المركزية الآتية:

كيف تطور مفهوم الفضيلة من النسبية الأخلاقية عند السوفسطائيين إلى التصورات العقلية والعملية عند سقراط وأفلاطون وأرسطو، ثم إلى إعادة بنائه داخل الفلسفة الإسلامية مع الفارابي وابن مسكويه وابن رشد؟ وإلى أي حد استطاعت فلسفة أخلاق الفضيلة أن تؤسس نموذجًا أخلاقيًا متكاملًا قادرًا على بناء الإنسان الفاضل وتحقيق السعادة الفردية والعدالة الاجتماعية، ومواجهة أزمات الإنسان المعاصر؟

ويتفرع عن هذه الإشكالية المركزية عدد من الأسئلة الفرعية، من أبرزها:

ما المقصود بمفهوم الفضيلة في تاريخ الفكر الفلسفي؟ وكيف تطور دلاليًا ومفهوميًا عبر المراحل المختلفة؟

هل الأخلاق قيم مطلقة ثابتة أم أنها نسبية ومتغيرة باختلاف المجتمعات والثقافات؟

ما العلاقة بين الفضيلة والمعرفة؟ وهل يكفي العلم بالخير لتحقيق السلوك الأخلاقي؟

هل الفضيلة فطرية أم مكتسبة؟ وما دور التربية والعادة في بنائها؟

ما العلاقة بين الفضيلة والسعادة؟ وهل يمكن تحقيق السعادة خارج الفعل الأخلاقي؟

كيف انتقل مفهوم الفضيلة من السياق اليوناني إلى السياق الإسلامي؟ وما أوجه الاستمرارية والتحول بينهما؟

ما العلاقة بين الأخلاق والسياسة داخل فلسفة الفضيلة؟ وهل يمكن تحقيق المدينة العادلة دون بناء الإنسان الفاضل؟

ما حدود فلسفة أخلاق الفضيلة؟ وما أبرز الانتقادات التي وُجهت إليها، خاصة في الفلسفات الأخلاقية الحديثة والمعاصرة؟

وأخيرًا: هل تمثل أخلاق الفضيلة اليوم مجرد تراث فلسفي تاريخي، أم أنها ما تزال مشروعا حيًا قادرا على الإسهام في إعادة بناء الإنسان المعاصر أخلاقيا وقيميا؟

وبذلك، فإن إشكالية هذه الدراسة لا تنحصر في تتبع تاريخ مفهوم الفضيلة فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة مكانة الأخلاق نفسها في حياة الإنسان، وإلى البحث عن إمكانية استعادة المعنى الأخلاقي في عالم تتسارع فيه التحولات وتتعاظم فيه الحاجة إلى إنسان أكثر وعيًا، وأكثر توازنا، وأكثر قدرة على الجمع بين الحرية والمسؤولية، وبين الذات والآخر، وبين الفكر والعمل.

أهداف الدراسة:

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق جملة من الأهداف العلمية والفلسفية والمعرفية التي تروم الإحاطة بمفهوم أخلاق الفضيلة من مختلف أبعاده النظرية والتاريخية والإنسانية، وذلك من خلال تحليل تطور هذا التصور الأخلاقي داخل الفكر الفلسفي اليوناني والإسلامي، والكشف عن الأسس التي قام عليها، ومدى راهنيته في معالجة الإشكالات الأخلاقية المعاصرة. وتتمثل أهم أهداف الدراسة فيما يأتي:

الكشف عن مفهوم أخلاق الفضيلة بوصفه أحد أبرز التصورات الأخلاقية في تاريخ الفلسفة، وبيان أسسه الفلسفية والمعرفية والإنسانية، مع توضيح طبيعة الفضيلة باعتبارها ملكة أخلاقية تهدف إلى بناء الإنسان الفاضل وتحقيق التوازن النفسي والاجتماعي.

تتبع التطور التاريخي لفلسفة الفضيلة منذ بداياتها الأولى داخل الفكر اليوناني، مرورًا بالتصورات السقراطية والأفلاطونية والأرسطية، وصولًا إلى امتداداتها داخل الفلسفة الإسلامية، بما يسمح بفهم التحولات الفكرية التي عرفها مفهوم الفضيلة عبر مختلف السياقات الحضارية.

تحليل التصور السوفسطائي للأخلاق، والكشف عن طبيعة النسبية الأخلاقية التي دافع عنها السوفسطائيون، مع بيان أثرها في تطور النقاش الفلسفي حول الخير والشر والحقيقة الأخلاقية.

إبراز موقف سقراط من النسبية الأخلاقية، وتحليل تصوره الذي يربط الفضيلة بالمعرفة العقلية، واعتباره أن الجهل يمثل المصدر الأساسي للسلوك الشرير والانحراف الأخلاقي.

دراسة التصور الأخلاقي عند أفلاطون، خاصة فيما يتعلق بعلاقة الفضيلة بانسجام النفس والعدالة والمدينة الفاضلة، وبيان البعد الميتافيزيقي الذي منحه للأخلاق داخل مشروعه الفلسفي.

تحليل فلسفة أرسطو الأخلاقية، والكشف عن مفهوم الفضيلة باعتبارها عادة عملية تُكتسب بالممارسة والاعتياد، مع دراسة مبدأ الوسط الذهبي وأثره في بناء التصور الأرسطي للسعادة والتوازن الأخلاقي.

توضيح طبيعة العلاقة بين الفضيلة والسعادة، وبيان كيف اعتبرت الفلسفات الأخلاقية القديمة أن السعادة تمثل الغاية القصوى للحياة الإنسانية، وأن تحقيقها لا يتم إلا عبر تهذيب النفس وممارسة الفضائل الأخلاقية والعقلية.

دراسة العلاقة بين الفضيلة والعقل، والكشف عن الدور الذي يؤديه العقل في توجيه السلوك الإنساني وضبط الرغبات وتحقيق الاعتدال والتوازن داخل الشخصية الإنسانية.

إبراز أثر الفلسفة اليونانية في الفكر الأخلاقي الإسلامي، وتحليل الكيفية التي أعاد بها الفلاسفة المسلمون بناء فلسفة الفضيلة داخل إطار حضاري يجمع بين الحكمة العقلية والتصور الديني للإنسان والعالم.

تحليل إسهامات أبو نصر الفارابي في بناء تصور أخلاقي وسياسي يربط الفضيلة بالسعادة والمدينة الفاضلة، مع توضيح العلاقة بين الأخلاق والنظام السياسي العادل.

دراسة مشروع ابن مسكويه الأخلاقي، خاصة فيما يتعلق بتهذيب النفس والتربية الأخلاقية، وبيان تصوره للإنسان باعتباره كائنًا قابلًا للإصلاح والتكميل المستمر.

الكشف عن إسهامات ابن رشد في تطوير فلسفة أخلاق الفضيلة، وتحليل محاولته التوفيق بين العقل والشريعة، وربطه الفضيلة بالممارسة العقلية والتجربة الإنسانية.

توضيح الدور المحوري للتربية الأخلاقية في بناء الإنسان الفاضل، وبيان كيف اعتبرت فلسفة الفضيلة أن الأخلاق ليست معطى فطريًا ثابتًا، بل سلوكًا يُكتسب بالتربية والاعتياد والتوجيه العقلي.

تحليل العلاقة بين الأخلاق والسياسة داخل مفهوم المدينة الفاضلة، والكشف عن الكيفية التي ربط بها عدد من الفلاسفة بين إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع، وبين الفضيلة والنظام السياسي العادل.

إبراز أهمية الاعتدال والتوازن في التصورات الأخلاقية اليونانية والإسلامية، وبيان كيف شكّل مبدأ الوسط والانسجام أساسًا لتحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي.

مناقشة أبرز الانتقادات الموجهة إلى فلسفة أخلاق الفضيلة، خاصة ما يتعلق بإشكالية نسبية القيم، وصعوبة تحديد الفضائل بصورة كونية، وحدود تطبيق هذا التصور الأخلاقي في بعض القضايا العملية المعقدة.

الكشف عن راهنية أخلاق الفضيلة في الفكر المعاصر، وبيان قدرتها على الإسهام في معالجة الأزمات الأخلاقية التي يشهدها العالم الحديث، في ظل تصاعد النزعات الفردانية والمادية وتراجع المرجعيات القيمية.

المساهمة في إعادة التفكير في معنى الإنسان والخير والسعادة داخل الواقع المعاصر، من خلال إبراز أهمية بناء الشخصية الأخلاقية المتوازنة القادرة على تحقيق الانسجام بين العقل والرغبة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الفرد والمجتمع.

الإسهام في تعميق البحث الفلسفي العربي في مجال الأخلاق، عبر تقديم دراسة تحليلية موسعة تربط بين التراث الفلسفي اليوناني والإسلامي وبين الإشكالات الأخلاقية الراهنة، بما يفتح المجال أمام قراءة جديدة لفلسفة الفضيلة بوصفها مشروعًا إنسانيًا متجددًا.

الجذور اليونانية لفلسفة أخلاق الفضيلة:

تمهيد:

يُعدّ الفكر اليوناني المنطلق الأساسي الذي تشكّلت داخله الفلسفة الأخلاقية بوصفها مجالًا مستقلًا من مجالات التأمل العقلي، إذ انتقل الاهتمام الفلسفي تدريجيًا من البحث في أصل الكون والطبيعة إلى الاهتمام بالإنسان وقضاياه الوجودية والأخلاقية والسياسية. وقد ارتبط هذا التحول العميق بجملة من المتغيرات الفكرية والاجتماعية التي عرفتها المدن اليونانية، خاصة مدينة أثينا، حيث برزت الديمقراطية والخطابة والجدل بوصفها عناصر مركزية في الحياة العامة. وفي هذا السياق ظهر السفسطائيون الذين أحدثوا تحولًا نوعيًا في طبيعة التفكير الفلسفي، حين جعلوا الإنسان محور المعرفة والتفكير، وأثاروا إشكالات جديدة تتعلق بالحقيقة والقيم والعدالة والفضيلة.

لقد شكّلت الفلسفة السوفسطائية بداية الجدل الحقيقي حول نسبية الأخلاق، لأنها رفضت فكرة القيم المطلقة والثابتة، واعتبرت أن الخير والشر والعدل والفضيلة ليست حقائق كونية قائمة بذاتها، وإنما هي تصورات بشرية تتغير تبعًا لاختلاف المجتمعات والعادات والمصالح. ومن هنا تحوّل السؤال الأخلاقي من البحث عن حقيقة موضوعية ثابتة إلى التساؤل حول طبيعة القيم ذاتها، وحول مدى ارتباطها بالإنسان وظروفه الاجتماعية والثقافية.

غير أن هذا التصور النسبي أثار أزمة فلسفية عميقة، لأنه هدد فكرة الحقيقة الأخلاقية الثابتة، وفتح الباب أمام الشك في إمكانية وجود معيار أخلاقي كوني يحتكم إليه الجميع. ولذلك ظهر سقراط بوصفه ردًا فلسفيًا على النزعة السوفسطائية، محاولًا إعادة تأسيس الأخلاق على العقل والمعرفة، ثم جاء أفلاطون وأرسطو ليطورا هذا المشروع الأخلاقي في اتجاه البحث عن الفضيلة والسعادة والعدالة باعتبارها غايات إنسانية عليا.

وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا الفصل إلى دراسة الجذور اليونانية لفلسفة أخلاق الفضيلة، من خلال تحليل الفلسفة السوفسطائية وموقفها من الأخلاق، والكشف عن طبيعة النسبية الأخلاقية التي دافع عنها السفسطائيون، قبل الانتقال إلى دراسة النقد السقراطي والأفلاطوني والأرسطي لهذا التصور، وبيان كيف تحولت الأخلاق من مجال للمنفعة والإقناع إلى مشروع فلسفي يهدف إلى بناء الإنسان الفاضل وتحقيق السعادة الإنسانية.

السفسطائيون وبداية الجدل حول نسبية الأخلاق:

أولًا: ظهور الفلسفة السوفسطائية وسياقها التاريخي:

ظهرت الفلسفة السوفسطائية في اليونان خلال القرن الخامس قبل الميلاد، خاصة في مدينة أثينا التي شهدت تحولات سياسية وثقافية وفكرية عميقة. فقد ساهم النظام الديمقراطي الأثيني في جعل الخطابة والجدل وسيلتين أساسيتين للمشاركة في الحياة السياسية، إذ أصبح النجاح داخل المجالس والمحاكم مرتبطًا بقدرة الفرد على الإقناع والتأثير في الجمهور أكثر من ارتباطه بالحقيقة الموضوعية. وفي هذا المناخ الفكري الجديد برز السفسطائيون باعتبارهم معلمين متنقلين يقدّمون دروسًا في البلاغة والخطابة وفنون الجدل، مقابل أجر مادي.

وقد اشتُق اسم "السفسطائيين" من الكلمة اليونانية Sophistes التي تعني الحكيم أو المعلم، غير أن هذا المصطلح اكتسب لاحقًا دلالة سلبية بسبب اعتمادهم على الجدل الخطابي والمغالطة أحيانًا، بدل البحث عن الحقيقة الثابتة. وكان من أبرز ممثلي هذا الاتجاه بروتاغوراس، وغورغياس، وهيبياس، وبروديكوس.

وقد مثّل السفسطائيون تحولًا حاسمًا في مسار الفلسفة اليونانية، لأنهم نقلوا اهتمام الفكر من التأمل في أصل الكون والطبيعة إلى الاهتمام بالإنسان وقضاياه العملية والأخلاقية والسياسية. فبعد أن كان الفلاسفة الطبيعيون منشغلين بالبحث عن العنصر الأول الذي تكوّن منه العالم، أصبح السؤال الفلسفي عند السفسطائيين مرتبطًا بالإنسان: كيف يفكر؟ وكيف يعيش؟ وكيف يمارس السلطة والإقناع داخل المجتمع؟

ثانيًا: النسبية الأخلاقية عند السفسطائيين:

تقوم الفلسفة الأخلاقية عند السفسطائيين على مبدأ النسبية، إذ رفضوا وجود حقيقة أخلاقية مطلقة أو قيم ثابتة صالحة لكل زمان ومكان. فالخير والشر، والعدل والظلم، والفضيلة والرذيلة، ليست في نظرهم، معايير كونية مستقلة عن الإنسان، وإنما هي تصورات تختلف باختلاف البيئات والثقافات والمصالح الإنسانية.

وقد عبّر بروتاغوراس عن هذا التصور بقوله الشهير:

"الإنسان مقياس كل شيء."

ويعني ذلك أن الحقيقة لا توجد خارج إدراك الإنسان، وأن الأحكام الأخلاقية ترتبط بوجهة نظر الفرد أو الجماعة. فما يُعتبر خيرًا في مجتمع معين قد يُنظر إليه باعتباره شرًا في مجتمع آخر، وما يُعد عدلًا لدى جماعة قد يُعتبر ظلمًا لدى جماعة أخرى. ومن ثمّ، فإن الأخلاق ليست قائمة على أساس عقلي أو ميتافيزيقي ثابت، بل هي نتاج الاتفاق البشري والعادات الاجتماعية والمصالح المتغيرة.

لقد أدت هذه الرؤية إلى تحرير الفكر الأخلاقي من سلطة التقاليد المطلقة، وفتحت المجال أمام التفكير النقدي في طبيعة القيم ومصدرها، كما ساهمت في ترسيخ فكرة أن الإنسان هو مركز التفكير الفلسفي. غير أن هذا التصور حمل في داخله أيضًا نوعًا من الشك الأخلاقي، لأنه جعل القيم خاضعة للتغير المستمر، وربطها بالمنفعة والمصلحة بدل ربطها بالحقيقة أو العدالة المطلقة.

ثالثًا: الأخلاق بين المنفعة والإقناع:

لم يكن اهتمام السفسطائيين بالأخلاق قائمًا على البحث عن الفضيلة بوصفها غاية إنسانية عليا، بقدر ما كان مرتبطًا بالنجاح العملي داخل المجتمع. ولذلك ركّزوا على تعليم فن الخطابة والقدرة على الإقناع، لأن الإنسان في نظرهم، يستطيع عبر اللغة والجدل أن يجعل الرأي الضعيف يبدو قويًا، وأن يؤثر في الآخرين مهما كانت حقيقة موقفه.

وقد أدى ذلك إلى ربط الأخلاق بالمنفعة والنجاح السياسي والاجتماعي، بحيث أصبحت القيمة الأخلاقية تُقاس بمدى فائدتها العملية لا بمدى انسجامها مع حقيقة ثابتة. ومن هنا تحولت البلاغة عند السفسطائيين إلى أداة للسلطة والتأثير، وأصبح الإقناع أهم من الحقيقة ذاتها.

غير أن هذا التصور أثار انتقادات واسعة، خاصة من قبل سقراط وأفلاطون، لأن تحويل الأخلاق إلى مجرد أداة للمنفعة والخطابة قد يؤدي إلى انهيار المعايير الأخلاقية، ويفتح المجال أمام الفوضى القيمية وهيمنة القوة والمصلحة على حساب العدالة والحقيقة.

رابعًا: نقد النسبية الأخلاقية وآثارها الفكرية

رغم الانتقادات الكثيرة التي وُجهت إلى السفسطائيين، فإن دورهم في تاريخ الفكر الفلسفي يظل بالغ الأهمية، لأنهم كانوا أول من طرح بصورة واضحة إشكالية نسبية القيم ومصدر الأخلاق. فقد ساهموا في تحرير العقل من التسليم الأعمى بالموروث، وأثاروا تساؤلات عميقة حول العلاقة بين الحقيقة واللغة، وبين الأخلاق والمجتمع، وبين الإنسان والمعرفة.

غير أن النسبية السفسطائية حملت نتائج فلسفية خطيرة، لأنها جعلت الخير والشر مفاهيم متغيرة لا تستند إلى معيار ثابت، الأمر الذي هدد إمكانية تأسيس أخلاق إنسانية مشتركة. فإذا كانت كل القيم نسبية، فإن العدالة نفسها تصبح خاضعة للمصلحة والقوة، ويصبح من الصعب التمييز بين الفضيلة والرذيلة بصورة موضوعية.

ومن هنا جاءت الفلسفة السقراطية بوصفها محاولة لإعادة بناء الأخلاق على أساس العقل والمعرفة، والبحث عن تعريفات ثابتة للخير والفضيلة والعدالة. وهكذا شكّل الجدل بين السفسطائيين وسقراط البداية الحقيقية لتطور فلسفة الأخلاق داخل الفكر اليوناني، وهو الجدل الذي سيستمر لاحقًا مع أفلاطون وأرسطو في إطار البحث عن الإنسان الفاضل والسعادة والمدينة العادلة.

سقراط وتأسيس الفضيلة على المعرفة:

شكل سقراط منعطفا حاسمًا في تاريخ الفلسفة الأخلاقية، لأنه نقل التفكير الفلسفي من دائرة النسبية السوفسطائية إلى البحث عن الحقيقة الأخلاقية الثابتة. فإذا كان السوفسطائيون قد جعلوا الأخلاق خاضعة للمنفعة والاتفاق الاجتماعي، فإن سقراط رفض هذا التصور، واعتبر أن الخير والعدل والفضيلة ليست مجرد آراء متغيرة، بل حقائق عقلية يمكن للعقل الإنساني أن يدركها عبر الحوار والتأمل والتفكير النقدي. ومن هنا ارتبط المشروع السقراطي بمحاولة إعادة تأسيس الأخلاق على المعرفة والعقل، بدل الخطابة والمصلحة والمنفعة العملية.

لقد عاش سقراط في مرحلة شهدت اضطرابات سياسية وفكرية عميقة داخل مدينة أثينا، حيث انتشرت النزعة السوفسطائية التي جعلت النجاح في الإقناع أهم من الوصول إلى الحقيقة. غير أن سقراط رأى في هذا التوجه خطرًا يهدد القيم الأخلاقية ويؤدي إلى انهيار المعايير الإنسانية، ولذلك جعل من الفلسفة رسالة أخلاقية هدفها تهذيب النفس وتحرير الإنسان من الجهل والأوهام.

وقد تمحور المشروع الأخلاقي السقراطي حول سؤال أساسي: ما الفضيلة؟ فبدل الاكتفاء بالآراء الشائعة والتصورات النسبية، سعى سقراط إلى البحث عن تعريفات كلية وثابتة للخير والعدالة والشجاعة والحكمة. وكان يؤمن بأن الوصول إلى هذه التعريفات لا يتم عبر الحواس أو الخطابة، بل عبر العقل والحوار الفلسفي القائم على الفحص والتأمل.

أولًا: الفضيلة بوصفها معرفة عقلية

يُعدّ الربط بين الفضيلة والمعرفة أهم مبدأ في الفلسفة الأخلاقية السقراطية. فقد اعتبر سقراط أن الإنسان لا يرتكب الشر بإرادة واعية، وإنما نتيجة الجهل بحقيقة الخير. فالإنسان — في نظره — يميل بطبيعته إلى ما يراه نافعًا له، وإذا أدرك الخير إدراكًا حقيقيًا فإنه سيختاره بالضرورة، لأن النفس الإنسانية لا ترغب عمدًا فيما يضرها.

ومن هنا جاءت مقولته الضمنية الشهيرة التي يمكن تلخيصها في فكرة: "الفضيلة معرفة، والرذيلة جهل."

فالأخلاق عند سقراط ليست مجموعة أوامر خارجية تُفرض على الإنسان، بل هي وعي عقلي بحقيقة الخير. ولذلك يصبح العقل هو الأساس الذي تقوم عليه الحياة الأخلاقية، ويصبح الجهل أصل الانحراف والرذيلة والظلم.

وقد مثّل هذا التصور ثورة فكرية كبرى، لأنه جعل السلوك الأخلاقي مرتبطًا بالمعرفة الذاتية والتأمل العقلي، لا بالخوف من العقاب أو الخضوع للتقاليد الاجتماعية. فالإنسان الفاضل عند سقراط ليس من يطيع القوانين بصورة عمياء، بل من يدرك بعقله معنى الخير والعدل، ثم يجعل سلوكه منسجمًا مع هذا الإدراك.

ثانيًا: وحدة الفضائل والعقل أساس الأخلاق:

يرى سقراط أن الفضائل الإنسانية المختلفة تعود في حقيقتها إلى الحكمة. فالشجاعة والعدل والاعتدال ليست فضائل منفصلة تمامًا، وإنما تجليات متعددة لمعرفة الخير. فالإنسان الشجاع حقا هو الذي يعرف متى ينبغي الإقدام ومتى ينبغي التراجع، والإنسان العادل هو الذي يدرك بعقله معنى العدالة ويمارسها عن وعي.

ومن هنا ظهرت فكرة "وحدة الفضائل" في الفلسفة السقراطية، حيث تصبح الحكمة أصل جميع الفضائل الأخرى. فإذا تحقق العقل السليم تحقق معه السلوك الأخلاقي القويم، لأن العقل هو القادر على التمييز بين الخير والشر، وبين النافع والضار، وبين الفضيلة والرذيلة.

لقد منح سقراط للعقل مكانة مركزية داخل الأخلاق، وجعل الإنسان كائنًا أخلاقيًا لأنه كائن عاقل. ولذلك لم يعد معيار الفضيلة مرتبطًا بالقوة أو الثروة أو النجاح السياسي، كما كان الحال عند بعض السوفسطائيين، بل أصبح مرتبطًا بمدى قدرة الإنسان على معرفة ذاته وضبط رغباته وتوجيه سلوكه وفق مبادئ عقلية.

ثالثًا: منهج سقراط في البحث عن الحقيقة الأخلاقية

لم يكن سقراط يقدّم تعاليم جاهزة أو نظريات مكتملة، بل اعتمد منهجًا حواريًا يهدف إلى تدريب العقل على التفكير النقدي واكتشاف الحقيقة بنفسه. وقد عُرف هذا الأسلوب بالمنهج السقراطي، وهو منهج يقوم على الحوار والسؤال والفحص المستمر.

أولا: التهكم السقراطي:

كان سقراط يبدأ حواره غالبًا بإظهار الجهل والتواضع المعرفي، مدّعيًا أنه لا يعرف شيئًا، وذلك من أجل دفع محاوره إلى التعبير عن آرائه بثقة. ثم يبدأ بعد ذلك في مناقشة هذه الآراء وكشف تناقضاتها الداخلية. وقد عُرف هذا الأسلوب باسم “التهكم السقراطي”، وكان هدفه تحطيم اليقين الزائف الذي يقوم على الوهم أو التقليد.

ثانيا: التوليد:

بعد كشف التناقضات، ينتقل سقراط إلى مرحلة “التوليد”، وهي محاولة مساعدة المحاور على اكتشاف الحقيقة بنفسه عبر الأسئلة المتتابعة. وقد شبّه سقراط نفسه بالقابلة التي تساعد على ولادة الأفكار الكامنة داخل النفس الإنسانية. ولذلك لم يكن هدفه تلقين المعرفة، بل تحرير العقل من الجهل وتمكين الإنسان من الوصول إلى الحقيقة عن طريق التفكير الذاتي.

ثالثا: الحوار

شكّل الحوار جوهر الفلسفة السقراطية، لأن الحقيقة  في نظر سقراط، لا تُفرض بالقوة أو الخطابة، بل تُبنى عبر النقاش العقلي الحر. ومن هنا أصبحت الفلسفة عنده ممارسة نقدية تهدف إلى فحص الأفكار والمعتقدات بدل التسليم بها بصورة عمياء.

رابعًا: الأخلاق وتهذيب النفس:

تكمن أهمية الفلسفة السقراطية في أنها جعلت الأخلاق قضية داخلية مرتبطة بالنفس الإنسانية، لا مجرد التزام خارجي بالقوانين والعادات. فالفضيلة الحقيقية لا تتحقق عبر المظاهر أو الشهرة أو السلطة، وإنما عبر تهذيب النفس وتطهيرها من الجهل والأهواء.

وقد ربط سقراط السعادة بالحياة الفاضلة، معتبرًا أن الإنسان لا يمكن أن يكون سعيدًا إذا كانت نفسه مضطربة وفاسدة، حتى وإن امتلك المال أو السلطة. فالسعادة الحقيقية تقوم على الانسجام الداخلي وصفاء الروح، وهي لا تتحقق إلا عبر المعرفة والحكمة وممارسة الفضيلة. ولهذا جاءت عبارته الشهيرة:

"الحياة التي لا تخضع للفحص لا تستحق أن تُعاش."

وتكشف هذه العبارة عن البعد العميق للفلسفة السقراطية، إذ إن الإنسان لا يصبح إنسانًا كاملًا إلا حين يمارس التفكير النقدي ويتأمل ذاته وأفعاله وقيمه بصورة مستمرة.

خامسًا: أثر الفلسفة السقراطية في تطور الأخلاق

لقد مهّد سقراط الطريق أمام تطور الفلسفة الأخلاقية اليونانية، لأن مشروعه الفلسفي أعاد الاعتبار للعقل والحقيقة في مواجهة النسبية السوفسطائية. وقد كان تأثيره واضحًا في فلسفة أفلاطون الذي جعل العدالة انسجامًا بين قوى النفس، كما امتد أثره إلى أرسطو الذي طوّر مفهوم الفضيلة وربطه بالممارسة العملية والاعتدال.

وبذلك يمكن القول إن سقراط وضع الأساس الحقيقي لفلسفة أخلاق الفضيلة، لأنه جعل الإنسان محور الأخلاق، وربط الفضيلة بالمعرفة والعقل وتهذيب النفس، مؤسسًا تصورًا أخلاقيًا يرى أن الخير ليس مجرد منفعة أو اتفاق اجتماعي، بل حقيقة عقلية تسعى النفس الإنسانية إلى إدراكها وتحقيقها في الحياة العملية.

أفلاطون: العدالة بوصفها انسجامًا للنفس وبناءً للمدينة الفاضلة:

يمثل أفلاطون مرحلة متقدمة في تطور الفكر الأخلاقي اليوناني، حيث لم يعد الاهتمام منصبًا على نقد النسبية السفسطائية أو البحث عن تعريفات جزئية للفضيلة، بل انتقل إلى بناء تصور شامل يجعل الأخلاق مرتبطة ببنية الوجود ذاته. فالأخلاق عند أفلاطون ليست مجرد قواعد سلوكية أو أعراف اجتماعية، وإنما هي انعكاس لنظام ميتافيزيقي أعلى تحكمه فكرة الخير المطلق، الذي يُعد المصدر النهائي لكل القيم الإنسانية. ومن هنا تصبح الفضيلة عنده مرتبطة بالاقتراب من هذا الخير الأعلى، عبر تهذيب النفس وتنظيم قواها الداخلية.

وينطلق أفلاطون في تحليله للأخلاق من تصور نفسي دقيق يقوم على تقسيم النفس الإنسانية إلى ثلاث قوى رئيسية متمايزة ولكنها مترابطة في الوقت نفسه. فهناك النفس العاقلة التي تمثل مركز التفكير والتأمل وإدراك الحقيقة، وهي التي تتكفل بتوجيه الإنسان نحو المعرفة الصحيحة، وتكون فضيلتها الأساسية هي الحكمة. وإلى جانبها توجد النفس الغضبية التي ترتبط بالانفعالات مثل الغضب والحماسة والدفاع عن الذات، وتتمثل فضيلتها في الشجاعة. أما النفس الشهوانية فهي مرتبطة بالرغبات الجسدية والميول المادية واللذات الحسية، وتكون فضيلتها في العفة وضبط الشهوات. وبذلك لا ينظر أفلاطون إلى هذه القوى باعتبارها متناقضة بشكل مطلق، بل باعتبارها عناصر يجب تنظيمها داخل وحدة نفسية متوازنة.

ومن هذا التصور النفسي ينطلق أفلاطون إلى تحديد مفهومه المركزي في الأخلاق، وهو مفهوم العدالة. فالعدالة ليست مجرد سلوك خارجي أو التزام قانوني، بل هي حالة داخلية من الانسجام والتوازن بين قوى النفس المختلفة. وتتحقق العدالة عندما تقود النفس العاقلة بقية القوى، فتخضع النفس الغضبية لتوجيه العقل، وتلتزم النفس الشهوانية بالاعتدال وعدم التمرد على النظام الداخلي للنفس. وبذلك يصبح الإنسان العادل هو الإنسان المتوازن الذي تعيش قواه النفسية في انسجام دون صراع أو هيمنة، حيث يؤدي كل جزء وظيفته الطبيعية تحت قيادة العقل.

ولا يقتصر هذا التصور على الفرد فقط، بل يمتد ليشمل البنية السياسية للمجتمع، حيث يعكس أفلاطون تصور النفس على المدينة الفاضلة. فكما تتكون النفس من ثلاث قوى، تتكون المدينة من ثلاث طبقات اجتماعية متكاملة. فالحكام الفلاسفة يمثلون العقل في المجتمع، لأنهم الأكثر قدرة على إدراك الحقيقة والخير، وهم المؤهلون لقيادة الدولة. أما الجنود فيمثلون القوة الغضبية، ووظيفتهم حماية المدينة والدفاع عنها، في حين يمثل العمال الجانب الشهواني، وهم المسؤولون عن الإنتاج وتلبية الحاجات المادية. وتتحقق العدالة في المجتمع عندما يؤدي كل فرد وظيفته دون تجاوز أو تعدٍّ على وظائف الآخرين، في انسجام يشبه انسجام النفس العادلة.

ويترتب على هذا التصور أن السعادة عند أفلاطون ليست مرتبطة باللذة أو الثروة أو السلطة، بل ترتبط أساسًا بالانسجام الداخلي للنفس. فالسعادة الحقيقية تتحقق عندما ينجح الإنسان في ضبط رغباته وتوجيه انفعالاته بالعقل، فيعيش حالة من التوازن الداخلي الذي يعكس العدالة النفسية. كما أن هذه السعادة تتعزز كلما اتجهت النفس نحو عالم المثل، وخاصة نحو “مثال الخير” الذي يمثل الغاية القصوى للوجود الإنساني. ومن هنا تصبح الحياة الفاضلة هي الحياة التي تتجاوز العالم الحسي المتغير، وتسعى نحو الحقيقة المطلقة والثبات العقلي.

ويولي أفلاطون أهمية مركزية للتربية، باعتبارها الوسيلة الأساسية لبناء الإنسان الفاضل وتأسيس المدينة العادلة. فالتربية ليست مجرد عملية تعليمية لنقل المعرفة، بل هي عملية تهذيب للنفس وتشكيل لميولها واتجاهاتها. فهي تعمل على تنمية الجانب العقلي، وضبط الانفعالات، وتنظيم الرغبات، بما يضمن تكوين شخصية متوازنة قادرة على العيش داخل مجتمع عادل. ومن هنا يتضح أن مشروع أفلاطون الأخلاقي ليس مشروعًا فرديًا فقط، بل هو مشروع حضاري شامل يهدف إلى إعادة تشكيل الإنسان والمجتمع على أساس الانسجام والعدالة والعقل.

أرسطو وأخلاق الوسط الذهبي: الفضيلة بوصفها اعتدالا وممارسةً عملية للسعادة:

يمثل أرسطو مرحلة حاسمة في تطور الفكر الأخلاقي اليوناني، إذ انتقل بالفلسفة الأخلاقية من المجال المثالي الذي صاغه أفلاطون إلى مجال أكثر واقعية وارتباطًا بالحياة الإنسانية اليومية. فقد رفض أرسطو فكرة أن الفضيلة تُفهم من خلال عالم المثل أو التصورات المجردة، واعتبر أن الأخلاق لا تنفصل عن التجربة الإنسانية الملموسة، بل تنبع من طبيعة الإنسان نفسه بوصفه كائنًا عاقلًا واجتماعيًا يعيش داخل المجتمع ويسعى إلى تحقيق غاياته العملية. ومن هنا أسس تصوره الأخلاقي على مبدأ أساسي مفاده أن كل فعل إنساني يتجه نحو غاية، وأن الغاية العليا التي يسعى إليها الإنسان هي السعادة.

غير أن السعادة عند أرسطو ليست مجرد لذة حسية أو متعة عابرة، بل هي حالة من الكمال الإنساني تتحقق من خلال نشاط النفس وفق الفضيلة، أي من خلال ممارسة عقلية وأخلاقية متوازنة تجعل الإنسان منسجمًا مع طبيعته العاقلة. ولهذا ربط أرسطو بين السعادة والفضيلة ربطًا وثيقًا، بحيث تصبح الفضيلة هي الطريق الوحيد المؤدي إلى الحياة السعيدة، لأنها تمثل التوازن الصحيح في أفعال الإنسان وسلوكياته.

وفي هذا السياق، قدم أرسطو نظريته الشهيرة في الأخلاق، وهي نظرية “الوسط الذهبي”، التي تقوم على فكرة أن الفضيلة تقع دائمًا في نقطة وسط بين طرفين متناقضين يمثلان الرذيلة. فكل فضيلة عنده هي حالة اعتدال بين الإفراط والتفريط، وبين الزيادة والنقصان في السلوك الإنساني. فالشجاعة مثلًا ليست تهورًا ولا جبنًا، بل هي وسط بين التهور المفرط والجبن المنقوص، والكرم ليس تبذيرًا ولا بخلًا، بل هو اعتدال في الإنفاق والعطاء، كما أن الاعتدال نفسه يمثل توازنًا بين الانغماس في الشهوات والجمود أو الحرمان الكامل منها. وهكذا تتحول الفضيلة عند أرسطو إلى فنّ في إدارة الحياة يقوم على ضبط السلوك وتوجيهه نحو التوازن.

وتتميز الأخلاق الأرسطية بكونها أخلاقًا عملية مكتسبة، وليست فطرية أو نظرية فقط. فالإنسان لا يصبح فاضلًا بمجرد معرفة معنى الفضيلة، بل من خلال التكرار والممارسة والتدريب المستمر، حتى تتحول الأفعال الأخلاقية إلى عادات راسخة في الشخصية. فالعدل لا يُكتسب إلا بممارسة الأفعال العادلة، والشجاعة لا تتشكل إلا من خلال مواجهة المواقف التي تتطلب الشجاعة. وبذلك تصبح الفضيلة عند أرسطو عادة مستقرة في النفس تنشأ عبر التربية والتجربة.

كما ميّز أرسطو بين نوعين من الفضائل: الفضائل الأخلاقية التي تُكتسب بالممارسة والعادة، مثل العدل والشجاعة والكرم، والفضائل العقلية التي تُكتسب بالتعليم والتأمل، مثل الحكمة والفهم والمعرفة النظرية. وهذا التمييز يعكس تصورًا متكاملًا للإنسان باعتباره كائنًا يجمع بين العقل والسلوك، وبين النظر والعمل.

ومن جهة أخرى، حملت فلسفة أرسطو بعدًا اجتماعيًا واضحًا، إذ اعتبر أن الإنسان لا يمكن أن يحقق كماله الأخلاقي خارج المجتمع، لأن الفضيلة لا تتجلى إلا داخل الحياة المشتركة في المدينة. فالأخلاق ليست شأنًا فرديًا منعزلًا، بل هي ممارسة اجتماعية تنظم العلاقات بين الأفراد وتضمن استقرار المجتمع وتوازنه.

أخلاق الفضيلة في الفلسفة الإسلامية:

أبو نصر الفارابي والمدينة الفاضلة بوصفها نموذجًا للسعادة الإنسانية:

يعدّ أبو نصر الفارابي من أبرز الفلاسفة الذين سعوا إلى إعادة بناء الفلسفة الأخلاقية والسياسية في إطار يجمع بين التراث اليوناني والتصور الإسلامي، حيث حاول تقديم رؤية متكاملة تجعل من الأخلاق والسياسة مجالا واحدًا متداخلا، هدفه الأسمى هو تحقيق السعادة الإنسانية. فقد انطلق الفارابي من فكرة مركزية مفادها أن الإنسان لا يستطيع بلوغ كماله الأخلاقي أو تحقيق سعادته الحقيقية بصورة فردية منعزلة، بل لا بد له من الانخراط داخل مجتمع منظم تسوده قيم التعاون والعدالة والتكامل، لأن الطبيعة الإنسانية نفسها قائمة على الافتقار إلى الآخرين والحاجة إلى الحياة المشتركة.

ومن هذا المنطلق، صاغ الفارابي تصوره الشهير عن "المدينة الفاضلة" ، التي تمثل النموذج الأعلى للمجتمع الإنساني المثالي. فالمدينة الفاضلة عنده ليست مجرد تنظيم سياسي، بل هي بناء أخلاقي وروحي متكامل، تتحقق فيه السعادة بوصفها الغاية القصوى للوجود الإنساني. وتقوم هذه المدينة على أسس من العدل والتعاون والتكامل بين أفرادها، حيث يؤدي كل فرد وظيفته وفق قدراته الطبيعية، بما يضمن انسجام البنية الاجتماعية واستقرارها.

وفي قلب هذا التصور السياسي والأخلاقي، يضع الفارابي شخصية “الحاكم الفاضل” الذي يشكل محور المدينة الفاضلة وركيزتها الأساسية. فهذا الحاكم لا يكون مجرد قائد سياسي، بل يجب أن يجمع بين الحكمة والمعرفة النظرية والفضيلة الأخلاقية، بحيث يكون قادرًا على إدراك الحقائق الكلية وتوجيه المجتمع نحو الخير الأسمى. وقد تأثر الفارابي في هذا التصور بفلسفة أفلاطون، خاصة فكرة الفيلسوف الحاكم، لكنه أعاد صياغتها داخل أفق إسلامي يمنحها بعدًا روحيًا وأخلاقيًا أعمق، يجعل القيادة السياسية مرتبطة بالهداية العقلية والأخلاقية معًا.

ويرى الفارابي أن السعادة ليست حالة حسية أو مادية، بل هي حالة عقلية وأخلاقية تتحقق عبر الارتقاء بالنفس من مستوى الإدراك الحسي إلى مستوى المعرفة العقلية، ثم إلى مستوى الكمال الأخلاقي. ولذلك تصبح السعادة عنده مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالفضيلة، لأن الفضيلة هي الوسيلة التي يرتقي بها الإنسان نحو تحقيق كماله الحقيقي. ومن هنا فإن المدينة الفاضلة ليست غاية سياسية فحسب، بل هي أيضًا وسيلة لتحقيق السعادة الإنسانية القصوى.

كما يولي الفارابي أهمية خاصة للتربية والتعليم في بناء الإنسان الفاضل، إذ يرى أن الإنسان لا يولد كاملًا أو فاضلًا بطبيعته، بل يكتسب الفضائل عبر التوجيه والتربية والتنشئة داخل مجتمع منظم. فالتعليم عنده ليس مجرد نقل للمعرفة، بل هو عملية تهذيب للنفس وصقل للقدرات العقلية والأخلاقية، بما يسمح بتكوين أفراد قادرين على المساهمة في بناء مجتمع فاضل.

ويبرز من خلال هذا التصور أن الفارابي قد ربط الأخلاق بالسياسة ربطًا وثيقًا، بحيث يصبح إصلاح المجتمع شرطًا أساسيًا لإصلاح الفرد، كما يصبح تحقيق العدالة داخل المدينة شرطًا لتحقيق السعادة الفردية والجماعية معًا. فالأخلاق عنده ليست شأنًا فرديًا معزولًا، بل هي جزء من مشروع سياسي-فلسفي شامل يهدف إلى بناء مجتمع متوازن، تتكامل فيه الوظائف الإنسانية تحت قيادة عقلية حكيمة، وتتحقق فيه السعادة بوصفها الغاية النهائية للحياة الإنسانية.

المبحث الثاني: ابن مسكويه وتهذيب الأخلاق وبناء النفس الفاضلة:

يُعدّ ابن مسكويه من أبرز أعلام الفلسفة الأخلاقية في الحضارة الإسلامية، إذ مثّل مشروعه محاولة عقلانية دقيقة لإعادة بناء الأخلاق على أسس علمية وتربوية تجمع بين الإرث الفلسفي اليوناني، خاصة عند أرسطو، وبين الرؤية الإسلامية التي تجعل من تهذيب النفس طريقًا إلى الكمال الإنساني والسعادة الأخروية والدنيوية في آن واحد. وقد تميز فكره بكونه لم يقتصر على التنظير الأخلاقي المجرد، بل اتجه إلى صياغة تصور عملي يهدف إلى تكوين الإنسان الفاضل عبر التربية والممارسة والمجاهدة النفسية المستمرة.

وينطلق ابن مسكويه في بناء نظريته الأخلاقية من تصور دقيق لبنية النفس الإنسانية، حيث يرى أنها تتكون من ثلاث قوى أساسية متكاملة ومتفاعلة: القوة العاقلة التي تمثل مركز التفكير والإدراك والتمييز بين الخير والشر، والقوة الغضبية التي ترتبط بالانفعال والدفاع عن الذات والحماسة، والقوة الشهوانية التي تمثل مصدر الرغبات الجسدية والميول المادية. ولا ينظر ابن مسكويه إلى هذه القوى باعتبارها متعارضة في ذاتها، بل باعتبارها عناصر ضرورية لبناء الشخصية الإنسانية، غير أن صلاح الإنسان أو فساده يتوقف على مدى قدرة العقل على ضبطها وتنظيمها داخل توازن دقيق.

ومن هذا التصور النفسي، يتأسس مفهوم الفضيلة عند ابن مسكويه على مبدأ الاعتدال والتوازن بين قوى النفس المختلفة، حيث تتحقق الفضائل الأساسية عندما تُدار هذه القوى بصورة متوازنة. فالحكمة هي فضيلة القوة العاقلة، والشجاعة هي فضيلة القوة الغضبية عندما تخضع لتوجيه العقل، والعفة هي فضيلة القوة الشهوانية عندما تُضبط ضمن حدود الاعتدال، أما العدالة فهي الفضيلة الجامعة التي تتحقق عندما تنسجم هذه القوى جميعًا تحت قيادة العقل دون طغيان إحداها على الأخرى. وبذلك تصبح العدالة عنده حالة من التوازن الداخلي الشامل الذي يعكس سلامة النفس واستقامتها.

ويتبنى ابن مسكويه في هذا السياق نظرية الوسط الأخلاقي التي تأثر فيها بوضوح بالفلسفة الأرسطية، إذ يرى أن الفضيلة لا توجد في الإفراط ولا في التفريط، وإنما في الحد الوسطي بينهما. غير أن هذا الوسط ليس مجرد توازن حسابي، بل هو حالة نفسية مكتسبة تتشكل عبر التربية المستمرة، والتدريب العملي، والمجاهدة الذاتية، بحيث تتحول الفضيلة إلى عادة راسخة في شخصية الإنسان. ومن هنا يؤكد ابن مسكويه أن الأخلاق ليست فطرية بالكامل، بل قابلة للتكوين والتعديل، وأن الإنسان يستطيع أن يعيد تشكيل سلوكه ونفسه من خلال التربية والاعتياد.

وتكتسب التربية عند ابن مسكويه أهمية مركزية في بناء الإنسان الفاضل، إذ يعتبرها الوسيلة الأساسية لتهذيب النفس منذ الطفولة المبكرة، حيث يتم غرس القيم الأخلاقية تدريجيًا عبر التوجيه والممارسة والتكرار، إلى أن تصبح جزءًا من الطبيعة الثانية للإنسان. فالتربية في تصوره ليست مجرد تعليم نظري، بل هي عملية تهذيب شامل للنفس، تهدف إلى توجيه الإنسان نحو ضبط رغباته وتنمية عقله وتطوير سلوكه الأخلاقي.

أما السعادة، فهي في فلسفة ابن مسكويه ليست مرتبطة باللذة الحسية أو المكاسب المادية، بل تتحقق عبر الارتقاء الروحي والعقلي، أي من خلال تغليب جانب العقل على الشهوات والانفعالات، وتحقيق الانسجام بين قوى النفس المختلفة. فالإنسان السعيد هو الإنسان الذي يعيش حالة من التوازن الداخلي، حيث تكون نفسه منسجمة، وعقله قائدًا لسلوكه، ورغباته خاضعة لمبدأ الاعتدال.

وبذلك يقدم ابن مسكويه تصورًا أخلاقيًا متكاملًا يجمع بين البعد النظري والبعد العملي، ويجعل من الأخلاق مشروعًا تربويًا طويل الأمد يهدف إلى بناء الإنسان الفاضل القادر على تحقيق التوازن الداخلي والعيش وفق فضائل راسخة، وهو ما يمنح فكره مكانة مركزية في تطور فلسفة الأخلاق داخل الفكر الإسلامي.

المبحث الثالث: ابن رشد والأخلاق العقلانية وبناء الفضيلة العملية:

يُعدّ ابن رشد من أبرز الفلاسفة الذين سعوا إلى إعادة بناء التصور الأخلاقي على أساس عقلاني صارم، من خلال قراءة معمّقة للفلسفة الأرسطية وإعادة إدماجها داخل السياق الإسلامي بطريقة تُبرز الانسجام بين الحكمة والشريعة. فقد انطلق ابن رشد من قناعة مركزية مفادها أن الأخلاق لا يمكن أن تفهم بوصفها مجرد التزام خارجي بالقوانين أو مجموعة من المواعظ النظرية، بل هي قدرة عقلية وعملية في آن واحد، تمكّن الإنسان من اختيار الخير عن وعي وإرادة حرة، وفق إدراك عقلي لمقتضيات الفعل الأخلاقي وغاياته.

ومن هذا المنطلق، أعاد ابن رشد تعريف الفضيلة باعتبارها ملكة عملية مكتسبة، لا تتحقق إلا عبر التدريب والممارسة والخبرة الحياتية، وليس عبر المعرفة النظرية المجردة وحدها. فالإنسان لا يصبح فاضلًا بمجرد إدراكه لمفهوم الخير، بل من خلال تكرار الأفعال الخيّرة إلى أن تتحول إلى عادات راسخة في السلوك، تُوجّهها قوة العقل وتضبطها الإرادة الواعية. ولذلك ربط ابن رشد الأخلاق ارتباطًا وثيقًا بالتربية والتجربة الاجتماعية، باعتبارهما المجالين الأساسيين لتكوين الشخصية الأخلاقية وتنميتها.

كما يؤكد ابن رشد أن السعادة الإنسانية لا تتحقق إلا من خلال تكامل العقل والفضيلة، حيث يصبح العقل هو الأداة التي تهدي الإنسان إلى التمييز بين الخير والشر، بينما تمثل الفضيلة التطبيق العملي لهذا التمييز في الواقع. فالسعادة عنده ليست حالة انفعالية أو شعورًا عابرًا، بل هي حالة من الكمال الإنساني تتحقق عندما تنسجم قوى النفس مع مقتضيات العقل، وتنتظم أفعال الإنسان داخل نظام أخلاقي متوازن. ومن هنا يصبح المجتمع العادل شرطًا أساسيًا لتحقيق السعادة، لأنه يوفر البيئة التي تسمح للأفراد بتنمية قدراتهم العقلية والأخلاقية في إطار منظم وعادل.

ويظهر الطابع الواقعي في فلسفة ابن رشد الأخلاقية من خلال تأكيده على أن بناء الإنسان الفاضل هو عملية طويلة ومعقدة، لا تتحقق دفعة واحدة، بل تحتاج إلى التربية المستمرة والتدريب المتدرج والانخراط الفعلي داخل الحياة الاجتماعية. فالفعل الأخلاقي لا ينفصل عن الواقع، بل يتشكل داخله ويتطور عبره، مما يجعل الأخلاق عند ابن رشد مشروعًا عمليًا يهدف إلى تهذيب الإنسان من خلال التجربة والتفاعل مع المجتمع.

كما منح ابن رشد للتربية والتعليم دورًا جوهريًا في تشكيل الإنسان الأخلاقي، إذ اعتبرهما الوسيلتين الأساسيتين لاكتساب الفضيلة وتنمية القدرة على الاختيار العقلاني. فالتربية لا تقتصر على نقل المعرفة، بل تمتد إلى بناء ملكة التفكير النقدي وتنمية القدرة على التمييز الأخلاقي، بما يجعل الإنسان قادرًا على توجيه أفعاله وفق مبادئ عقلية راسخة.

وفي سياق رؤيته الشاملة، دافع ابن رشد عن وحدة الحقيقة بين العقل والشريعة، منتقدًا التصورات التي تفصل بينهما أو تجعل بينهما تعارضًا. فقد اعتبر أن الشريعة الحقة لا يمكن أن تتناقض مع الحكمة الفلسفية، لأن كليهما يهدف إلى تحقيق الخير العام وسعادة الإنسان. وبذلك أعاد ابن رشد الاعتبار للعقل داخل المجال الأخلاقي، وجعله أداة أساسية لفهم الشريعة وتطبيقها في الحياة العملية.

ومن خلال هذا التصور، يقدم ابن رشد نموذجًا للأخلاق العقلانية التي تقوم على الربط بين الفكر والعمل، وبين النظرية والتطبيق، وبين الفرد والمجتمع، بحيث تصبح الفضيلة مشروعًا إنسانيًا متكاملًا يتأسس على التربية والممارسة والعقل، ويهدف في النهاية إلى تحقيق السعادة داخل مجتمع عادل ومنظم.

السعادة والفضيلة والعقل:

المبحث الأول: مفهوم السعادة في فلسفة الفضيلة:

تحتل السعادة موقعًا مركزيًا داخل فلسفة أخلاق الفضيلة، إذ تمثل الغاية النهائية التي يتجه إليها الفعل الإنساني في مختلف التصورات الفلسفية، سواء في الفكر اليوناني أو في امتداداته داخل الفلسفة الإسلامية. فالسعادة ليست مجرد نتيجة عرضية للسلوك الأخلاقي، بل هي الهدف الأسمى الذي يمنح الأخلاق معناها ووظيفتها، ويجعل من الفضيلة طريقًا ضروريًا لتحقيق حياة إنسانية متكاملة. غير أن مفهوم السعادة لم يكن واحدًا أو بسيطًا، بل عرف تطورًا عميقًا عبر تاريخ الفكر الفلسفي، حيث انتقل من الفهم الحسي الضيق إلى التصور العقلي والروحي الشامل.

ففي الفلسفة السقراطية، ارتبطت السعادة ارتباطًا وثيقًا بالمعرفة والحكمة، إذ اعتبر سقراط أن الإنسان لا يمكن أن يكون سعيدًا إلا إذا عرف الخير معرفة عقلية صحيحة، لأن الجهل هو أصل الشقاء والانحراف الأخلاقي. فالسعادة عنده ليست حالة شعورية مؤقتة، بل حالة داخلية ناتجة عن صفاء النفس ووضوح الرؤية العقلية تجاه الخير والشر. أما في الفلسفة الأفلاطونية، فقد أخذت السعادة بعدًا ميتافيزيقيًا أعمق، حيث ربطها أفلاطون بانسجام قوى النفس الثلاث، وبالارتقاء التدريجي نحو عالم المثل، وخاصة “مثال الخير” الذي يمثل الغاية العليا للوجود الإنساني. فالسعادة هنا هي نتيجة تحقيق التوازن الداخلي والسمو الروحي نحو الحقيقة المطلقة.

أما عند أرسطو، فقد اكتسب مفهوم السعادة طابعًا أكثر واقعية وارتباطًا بالفعل الإنساني، إذ عرّفها بأنها نشاط النفس وفق الفضيلة، أي أنها ليست مجرد حالة نظرية أو تأملية، بل ممارسة عملية مستمرة تحقق الكمال الإنساني عبر الاعتدال والتوازن. فالسعادة عنده تتحقق حين يعيش الإنسان وفق طبيعته العاقلة، ويُفعّل قدراته الأخلاقية والعقلية في إطار من الانسجام بين الفكر والعمل.

ومع انتقال الفكر الفلسفي إلى السياق الإسلامي، أعاد الفلاسفة المسلمون صياغة مفهوم السعادة داخل رؤية تجمع بين العقل والوحي، وبين البعد الروحي والبعد الأخلاقي. فقد ربط الفارابي وابن مسكويه وابن رشد السعادة بالكمال الإنساني الشامل، معتبرين أن الإنسان لا يبلغ السعادة الحقيقية إلا عندما يحقق التوازن بين حاجات الجسد ومتطلبات الروح، وبين المعرفة العقلية والالتزام الأخلاقي. وهكذا أصبحت السعادة في الفلسفة الإسلامية مشروعًا تكامليًا يهدف إلى تهذيب الإنسان ورفعته في الدنيا والآخرة.

وبذلك يتضح أن مفهوم السعادة في فلسفة الفضيلة ليس مفهومًا بسيطًا أو أحادي البعد، بل هو تصور مركب يعكس رؤية شاملة للإنسان بوصفه كائنًا يسعى إلى الكمال عبر المعرفة والفضيلة والتوازن الداخلي.

المبحث الثاني: العقل بوصفه أساسًا للأخلاق

تجمع فلسفة أخلاق الفضيلة، في مختلف مراحلها التاريخية، على أن العقل يمثل الأساس الجوهري الذي يقوم عليه السلوك الأخلاقي الإنساني، وأنه الأداة التي تمكن الإنسان من إدراك الخير وتمييزه عن الشر، ومن ثم توجيه أفعاله وفق هذا الإدراك. فالعقل ليس مجرد ملكة معرفية، بل هو قوة تنظيمية داخل النفس، تضبط الرغبات والانفعالات، وتمنح السلوك الإنساني طابعًا عقلانيًا متزنا.

ففي الفلسفة السقراطية، يُعد العقل الوسيلة الأساسية للوصول إلى الحقيقة الأخلاقية، إذ يرى سقراط أن الإنسان لا يفعل الشر عن قصد، بل نتيجة الجهل، مما يجعل المعرفة العقلية شرطًا أساسيًا للفضيلة. أما في الفلسفة الأفلاطونية، فقد ارتقى العقل إلى مرتبة أعلى، إذ أصبح يمثل القوة التي ينبغي أن تحكم النفس وتوجّه قواها المختلفة، بحيث تتحقق العدالة الداخلية عندما تخضع الرغبات والانفعالات لسلطة العقل. وفي هذا الإطار، يصبح العقل هو الضامن للانسجام الداخلي وتحقيق الفضيلة بوصفها حالة توازن نفسي وروحي.

أما عند أرسطو، فقد اكتسب العقل وظيفة أكثر واقعية وارتباطًا بالحياة العملية، إذ اعتبره الأداة التي تمكن الإنسان من اتخاذ القرار الأخلاقي الصحيح، ومن تحقيق مبدأ الاعتدال أو “الوسط الذهبي”. فالعقل هنا لا يكتفي بإدراك الخير نظريًا، بل يشارك في توجيه الفعل الإنساني وضبطه داخل الواقع الاجتماعي.

وفي الفلسفة الإسلامية، حافظ الفلاسفة المسلمون على مركزية العقل، لكنهم أضافوا إليه بعدًا دينيًا وروحيًا جديدًا، حيث لم يعد العقل منفصلًا عن الهداية الإلهية، بل أصبح وسيلة لفهم الوحي وتفسيره وتحقيق مقاصده الأخلاقية. وبهذا الجمع بين العقل والوحي، اكتسبت الأخلاق بعدًا تكامليًا يجمع بين المعرفة العقلية والتوجيه الروحي.

ومن خلال هذا التصور المتكامل، يتضح أن أخلاق الفضيلة تقوم على رؤية تجعل الإنسان كائنًا عاقلًا بالأساس، قادرًا على تهذيب نفسه وتطوير سلوكه عبر الوعي والمعرفة والممارسة المستمرة، مما يجعل العقل محور البناء الأخلاقي وشرط تحقيق السعادة والفضيلة معًا.

الانتقادات الموجهة لأخلاق الفضيلة وحدودها النظرية والتطبيقية:

إشكالية النتائج والنوايا في أخلاق الفضيلة:

رغم المكانة المركزية التي تحتلها أخلاق الفضيلة داخل تاريخ الفلسفة الأخلاقية، بوصفها تصورًا يركز على بناء الشخصية الإنسانية الفاضلة أكثر من تركيزه على القواعد الصارمة أو النتائج المباشرة للأفعال، فإنها لم تسلم من نقد فلسفي عميق طاول بنيتها النظرية وحدودها التطبيقية. ومن أبرز هذه الانتقادات ذلك الذي يتعلق بمسألة العلاقة بين النية الأخلاقية ونتائج الفعل، حيث يُؤخذ على هذا الاتجاه أنه يمنح أهمية مفرطة لصفات الفاعل الداخلية ونواياه، على حساب ما ينتج عن أفعاله في الواقع العملي. فالفعل قد يصدر عن نية حسنة وشخص يتمتع بفضائل أخلاقية معتبرة، ومع ذلك يؤدي إلى نتائج سلبية أو حتى كارثية بسبب سوء التقدير أو نقص المعرفة بالظروف المحيطة بالفعل، مما يطرح إشكالًا حقيقيًا حول مدى كفاية التركيز على الشخصية الأخلاقية وحدها دون اعتبار كافٍ لعواقب الأفعال ونتائجها الفعلية في العالم الخارجي.

نسبية الفضائل وإشكالية الكونية الأخلاقية:

ومن الانتقادات الجوهرية الأخرى التي وجهت إلى أخلاق الفضيلة، إشكالية النسبية القيمية، إذ إن مفهوم الفضيلة نفسه يبدو متغيرا باختلاف الثقافات والمجتمعات والتقاليد التاريخية، مما يجعل من الصعب التوصل إلى تصور أخلاقي كوني ثابت ومشترك بين جميع البشر. فما يُعد فضيلة في سياق ثقافي معين قد لا يُنظر إليه بالطريقة نفسها في سياق آخر، بل قد يتحول إلى رذيلة أو سلوك غير مقبول. وهذا التباين يثير تساؤلًا فلسفيًا عميقًا حول إمكانية تأسيس أخلاق فضيلة ذات طابع إنساني شامل، تتجاوز الخصوصيات الثقافية والاجتماعية، وتقدم معايير ثابتة يمكن الاحتكام إليها في الحكم الأخلاقي على الأفعال والسلوكيات. ومن هنا تظهر صعوبة بناء نموذج كوني للفضيلة في ظل هذا التعدد والتباين في القيم والتصورات الأخلاقية.

صعوبة التطبيق العملي وتعارض الفضائل:

كما تُواجه فلسفة أخلاق الفضيلة إشكالًا عمليًا يتعلق بقدرتها على تقديم إرشادات واضحة في المواقف الأخلاقية المعقدة، إذ يُلاحظ أنها لا تقدم دائمًا قواعد دقيقة أو حاسمة تساعد على اتخاذ القرار في الحالات التي تتداخل فيها القيم وتتعارض فيها الفضائل. ففي كثير من المواقف الواقعية، يجد الإنسان نفسه أمام تعارض بين فضائل مختلفة، مثل التعارض بين الصدق والرحمة، أو بين العدالة والشفقة، أو بين الوفاء للقاعدة الأخلاقية والاستجابة للظرف الإنساني الخاص. وفي مثل هذه الحالات، لا تقدم أخلاق الفضيلة معيارًا حاسمًا وواضحًا للفصل بين البدائل، مما يجعل عملية الاختيار الأخلاقي أكثر تعقيدًا واعتمادًا على التقدير الشخصي والحدس الأخلاقي بدل القاعدة النظرية الصارمة.

ورغم هذه الانتقادات، فإنها لم تؤدِ إلى إلغاء قيمة أخلاق الفضيلة أو التقليل من أهميتها الفلسفية، بل على العكس دفعت الفلاسفة المعاصرين إلى إعادة النظر في بنيتها وتطويرها، من خلال محاولة ربطها بقضايا العدالة الاجتماعية، والهوية الأخلاقية، والمسؤولية الفردية والجماعية، بما يجعلها أكثر قدرة على التفاعل مع تعقيدات الواقع المعاصر وإشكالاته الأخلاقية المتجددة.

خاتمة الدراسة:

تكشف فلسفة أخلاق الفضيلة عن عمق الوعي الفلسفي بالسؤال الأخلاقي، باعتباره سؤالًا مرتبطًا بجوهر الإنسان وغاية وجوده. فمنذ البدايات الأولى للفلسفة اليونانية، ظل التفكير في الفضيلة والسعادة والعدالة يشكل محورًا رئيسيًا داخل المشروع الفلسفي، لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش خارج منظومة من القيم والمعايير التي توجه سلوكه وتحدد علاقته بذاته وبالآخرين.

وقد بينت هذه الدراسة أن أخلاق الفضيلة لم تكن مجرد نظرية أخلاقية بسيطة، بل مشروعًا فلسفيًا متكاملًا يهدف إلى بناء الإنسان الفاضل القادر على تحقيق التوازن الداخلي والانسجام الاجتماعي. فسقراط جعل المعرفة أساس الفضيلة، وأفلاطون ربط العدالة بانسجام النفس والمدينة، بينما نقل أرسطو الأخلاق من المجال المثالي إلى المجال العملي، حين اعتبر الفضيلة عادة تُكتسب بالممارسة والاعتياد، وحدد الاعتدال بوصفه جوهر السلوك الأخلاقي.

كما أبرزت الدراسة أن الفلسفة الإسلامية لم تكن مجرد ناقل للفكر اليوناني، بل قامت بإعادة إنتاجه داخل رؤية حضارية خاصة، حيث حاول الفارابي وابن مسكويه وابن رشد التوفيق بين العقل والوحي، وبين الأخلاق الفردية والتنظيم الاجتماعي والسياسي. وقد ساهم ذلك في بناء تصور أخلاقي يجمع بين البعد الروحي والعقلي والعملي، ويجعل الفضيلة طريقًا نحو تحقيق السعادة الإنسانية والكمال الأخلاقي.

ومن خلال تحليل مختلف التصورات الأخلاقية، اتضح أن الفضيلة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتربية والتهذيب والممارسة العملية، وأن الأخلاق ليست معطى ثابتًا بل مشروعًا إنسانيًا مفتوحًا على التكوين المستمر. كما تبين أن السعادة، في مختلف التصورات المدروسة، ليست لذة عابرة أو منفعة مؤقتة، بل حالة من الانسجام الداخلي وتحقيق الخير الإنساني الأسمى.

غير أن الدراسة أظهرت كذلك أن فلسفة أخلاق الفضيلة تواجه مجموعة من الإشكالات، خاصة ما يتعلق باختلاف القيم والفضائل بين المجتمعات والثقافات، وصعوبة تقديم معايير أخلاقية موحدة في بعض المواقف المعقدة. ومع ذلك، فإن هذا التصور الأخلاقي ما يزال يحتفظ بقيمته الفكرية والإنسانية، لأنه يركز على بناء الإنسان ذاته، لا على إخضاعه لمنظومة جامدة من القوانين فقط.

وفي عالم يشهد أزمات أخلاقية متزايدة، وتراجعًا لمنظومات القيم التقليدية، تبدو العودة إلى فلسفة الفضيلة ضرورة فكرية وإنسانية، لأنها تتيح إعادة التفكير في معنى الخير والعدالة والسعادة والمسؤولية. كما تمنح الإنسان إمكانية استعادة التوازن بين العقل والرغبة، وبين الحرية والواجب، وبين الفرد والمجتمع.

وهكذا تؤكد فلسفة أخلاق الفضيلة أن بناء المجتمع العادل يبدأ أولًا ببناء الإنسان الفاضل، وأن إصلاح العالم لا يمكن أن يتحقق دون إصلاح النفس الإنسانية وتوجيهها نحو الحكمة والاعتدال والخير.

نتائج الدراسة:

توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج الأساسية، أهمها:

- أن فلسفة أخلاق الفضيلة تقوم على الاهتمام ببناء الشخصية الأخلاقية أكثر من اهتمامها بالقوانين المجردة أو النتائج العملية للأفعال.

- أن الفضيلة ارتبطت في الفكر السقراطي بالمعرفة العقلية، بينما أصبحت عند أرسطو ممارسة عملية وعادة مكتسبة.

- أن أفلاطون ربط الفضيلة بانسجام النفس وتحقيق العدالة الداخلية والخارجية.

- أن أرسطو قدّم تصورًا واقعيًا للأخلاق قائمًا على الاعتدال ومبدأ الوسط الذهبي.

- أن الفلاسفة المسلمين أعادوا توظيف نظرية الفضيلة داخل رؤية تجمع بين العقل والشريعة.

- أن الفارابي ربط الأخلاق بالنظام السياسي والمدينة الفاضلة.

- أن ابن مسكويه ركّز على تهذيب النفس والتربية الأخلاقية واكتساب الفضائل بالممارسة.

- أن ابن رشد أكد الطابع العقلي والعملي للأخلاق وربط الفضيلة بالاختيار الواعي.

- أن السعادة تمثل الغاية النهائية للأخلاق في مختلف التصورات الفلسفية المدروسة.

- أن التربية تشكل عنصرًا أساسيًا في بناء الفضائل الأخلاقية.

- أن أخلاق الفضيلة ما تزال تمتلك قدرة كبيرة على معالجة أزمات الإنسان المعاصر رغم الانتقادات الموجهة إليها.

- أن اختلاف السياقات الثقافية والاجتماعية يجعل تحديد الفضائل بشكل كوني مسألة فلسفية معقدة.

التوصيات:

في ضوء النتائج التي توصلت إليها الدراسة، يمكن تقديم مجموعة من التوصيات، أبرزها:

- ضرورة إعادة الاعتبار للتربية الأخلاقية داخل المؤسسات التعليمية.

- تعزيز الدراسات الفلسفية المتعلقة بالأخلاق والفضيلة في الجامعات العربية.

- تشجيع المقاربات التي تربط بين الأخلاق والتربية والسلوك الاجتماعي.

- الاستفادة من التراث الفلسفي الإسلامي في بناء تصورات أخلاقية معاصرة.

- تطوير مناهج تعليمية تُعنى بتكوين الشخصية الأخلاقية لا بتلقين المعرفة فقط.

- تعزيز ثقافة الاعتدال والحوار والتسامح داخل المجتمع.

- توجيه البحث الفلسفي نحو معالجة الأزمات الأخلاقية المعاصرة في ضوء فلسفة الفضيلة.

- الاهتمام بالبعد العملي للأخلاق وربط القيم بالسلوك اليومي.

- تشجيع الدراسات المقارنة بين التصورات الأخلاقية القديمة والحديثة.

- ترسيخ قيم المسؤولية والعدالة والتعاون باعتبارها أسسًا لبناء مجتمع متوازن.

***

بقلم د. منير محقق

كاتب وناقد وباحث مغربي في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي

من الامتداد التراثي إلى الأفق التداولي الحديث

مقدمة الدراسة: تعدّ البلاغة العربية من أعرق العلوم التي نشأت في الحضارة العربية الإسلامية وأكثرها ارتباطًا بجوهرها اللغوي والثقافي والجمالي، إذ لم تكن منذ بداياتها مجرد قواعد تقنية تضبط أساليب القول، بل كانت مشروعا معرفيًا متكاملا انشغل بالكشف عن أسرار الخطاب، وتحليل آليات التأثير في المتلقي، واستكناه القيم الجمالية الكامنة في اللغة العربية شعرا ونثرا وخطابا دينيًا، وعلى رأسه الخطاب القرآني. وقد جعل هذا الارتباط الوثيق بالقرآن الكريم من البلاغة علمًا يتجاوز حدود اللغة بوصفها أداة تواصل، ليغدو مجالا للتفكير في طبيعة المعنى، وحدود الدلالة، وإمكانات التعبير الإنساني.

ومنذ نشأتها الأولى، ارتبطت البلاغة العربية بإشكالية مركزية تمثلت في محاولة فهم الإعجاز القرآني وتفسير سر تفوقه البياني، وهو ما دفع العلماء إلى تطوير أدوات تحليلية دقيقة لفحص بنية الخطاب، ودراسة النظم، والصورة، والإيقاع، والأساليب التعبيرية المختلفة. ومع مرور الزمن، تبلورت هذه الملاحظات الأولى في إطار علوم مستقلة نسبيا هي علم المعاني والبيان والبديع، لتشكل فيما بعد البنية الكلاسيكية للبلاغة العربية. غير أن هذا التطور لم يكن خطيًا أو متجانسا، بل كان نتيجة تفاعل معقد بين اللغة والدين والفلسفة والمنطق والنقد الأدبي، مما منح البلاغة طابعا موسوعيا وجعلها جزءا من المشروع الفكري العام للحضارة الإسلامية.

وفي هذا السياق العام، برزت البلاغة المغربية والأندلسية بوصفها إحدى أهم المحطات الفكرية في تاريخ البلاغة العربية، حيث لم تكتفِ بنقل التراث البلاغي المشرقي أو شرحه، بل عملت على إعادة صياغته وإنتاجه ضمن أفق معرفي جديد، تأثر بالمنطق الأرسطي والفلسفة الرشدية والعلوم العقلية. وقد أدى هذا التفاعل إلى ظهور مقاربات بلاغية ذات طابع تحليلي وحجاجي، تجاوزت الوصف الجزئي للأساليب إلى بناء تصورات نظرية تهتم ببنية الخطاب ووظائفه التداولية والإقناعية والجمالية في آن واحد.

لقد شكلت البيئة العلمية في المغرب والأندلس خلال العصور الوسطى فضاء خصبا لتطور هذه الرؤية، حيث تداخلت علوم اللغة مع الفلسفة والمنطق وأصول الفقه، مما ساعد على نشوء اتجاه بلاغي متميز، يتجلى بوضوح في أعمال عدد من العلماء، من أبرزهم حازم القرطاجني، وابن البناء المراكشي، والسجلماسي، وغيرهم ممن سعوا إلى تجاوز الطابع الشكلي للبلاغة التقليدية نحو بلاغة أكثر عمقا وارتباطا ببنية التفكير الإنساني وآليات الاستدلال والحجاج.

كما أن هذا التطور لم يكن معزولا عن السياق التاريخي والسياسي والثقافي للغرب الإسلامي، إذ تأثرت البلاغة المغربية بالتحولات الحضارية التي عرفتها المنطقة، وبالتحديات الفكرية التي واجهت الهوية الثقافية العربية الإسلامية، الأمر الذي جعل من البلاغة أداة للدفاع عن اللغة والهوية، ووسيلة للحفاظ على النموذج البياني العربي في مواجهة التحولات الداخلية والخارجية. ومن هنا اكتسبت البلاغة بعدًا حضاريًا يتجاوز بعدها الجمالي الصرف، لتصبح جزءًا من آليات إنتاج المعرفة والدفاع عن الثقافة.

وتنبع أهمية دراسة البلاغة المغربية من كونها تمثل أحد الجوانب الأقل حضورا في الدراسات الحديثة، رغم غناها النظري وعمقها المنهجي، إذ ظلّت إلى حد كبير مهمشة مقارنة بالبلاغة المشرقية، سواء بسبب ضياع عدد كبير من مؤلفاتها أو بسبب هيمنة التصورات التقليدية لتاريخ البلاغة العربية. ومن ثم فإن إعادة قراءة هذا التراث المغربي لا تهدف فقط إلى الإنصاف التاريخي، بل إلى إعادة اكتشاف إمكاناته النظرية التي ما تزال قابلة للاستثمار في ضوء المناهج اللسانية والتداولية والحجاجية المعاصرة.

وتسعى هذه الدراسة إلى تتبع المسار التاريخي للبلاغة المغربية منذ تشكلها الأولي، مرورا بمرحلة النضج والتأصيل، وصولا إلى مرحلة التصنيف والتنظير، مع الوقوف عند أبرز القضايا التي شغلت الدرس البلاغي المغربي، مثل الإعجاز القرآني، والمقام، والحجاج، والبديع، والعلاقة بين البلاغة والمنطق، وأثر الفلسفة الأرسطية والرشدية في تشكيل التصورات البلاغية. كما تهدف إلى إبراز خصوصية هذا التراث من خلال تحليل نصوصه الكبرى واستجلاء بنياته المفاهيمية والمنهجية.

وتسعى الدراسة كذلك إلى إعادة ربط البلاغة العربية القديمة بالتصورات اللسانية الحديثة، من خلال الكشف عن استمرار بعض المفاهيم البلاغية التقليدية داخل النظريات التداولية والحجاجية المعاصرة، بما يؤكد أن التراث البلاغي العربي لم يكن منغلقًا أو جامدًا، بل كان يحمل في داخله إمكانات نظرية قابلة للتجدد والتفاعل مع الفكر الحديث.

وانطلاقًا من طبيعة هذا الموضوع، تعتمد الدراسة المنهج التاريخي التحليلي، القائم على تتبع تطور المفاهيم البلاغية المغربية عبر مختلف مراحلها، وتحليل النصوص المؤسسة، واستقراء الخلفيات الفكرية والمنهجية التي حكمت إنتاجها، مع الإفادة من المناهج النقدية الحديثة في تحليل الخطاب والبلاغة وتحليل الحجاج.

وبذلك تسعى هذه الدراسة إلى المساهمة في إعادة كتابة تاريخ البلاغة العربية من منظور أكثر شمولية وتوازنا، يبرز الدور العلمي والحضاري للغرب الإسلامي، ويعيد الاعتبار للبلاغة المغربية بوصفها تجربة فكرية أصيلة أسهمت في بناء النظرية البلاغية العربية، وفتحت آفاقا جديدة للتفكير في اللغة والخطاب والمعنى.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية تتأسس على محاولة تفكيك طبيعة التصور البلاغي الذي بلورته التجربة المغربية داخل سياقها التاريخي والمعرفي، ومدى قدرتها على إنتاج خطاب بلاغي يتميز بخصوصيته المفهومية والمنهجية، سواء على مستوى بناء المفاهيم أو على مستوى أدوات التحليل وآليات مقاربة الخطاب. فالسؤال الذي يحكم هذا البحث لا يتعلق فقط بمدى حضور البلاغة المغربية داخل النسق البلاغي العربي العام، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة درجة إسهامها في إعادة تشكيل هذا النسق نفسه، من خلال إدخال تعديلات جوهرية على طريقة فهم اللغة والخطاب والمعنى، في ضوء تفاعلها مع علوم المنطق والفلسفة والعلوم العقلية.

ومن هذا المنظور، تفترض الدراسة أن البلاغة المغربية لم تكن مجرد امتداد للبلاغة المشرقية أو إعادة إنتاج لها، بل كانت فضاءً معرفيًا تفاعليا أعاد فيه العلماء المغاربة صياغة عدد من المفاهيم المركزية التي تشكل جوهر التفكير البلاغي، مثل مفهوم المعنى، والسياق، والبيان، والحجاج، والإقناع. وقد تم هذا الاشتغال في إطار سياق ثقافي وعلمي اتسم بانفتاح واسع على الفلسفة الأرسطية، والمنطق الصوري، والجدل الكلامي، مما أفضى إلى تشكل رؤية بلاغية مركبة تتجاوز الحدود التقليدية للبلاغة بوصفها علمًا للزينة الأسلوبية إلى اعتبارها علما لتحليل الخطاب وآليات اشتغاله في سياقاته المختلفة.

وانطلاقا من هذه الإشكالية العامة، تتفرع مجموعة من الإشكالات الفرعية التي تسعى إلى توسيع دائرة الفهم وتفكيك البنية الداخلية لهذا الموضوع، من خلال تتبع المسار التاريخي لتشكل الدرس البلاغي في المغرب، والكشف عن المراحل التي مر بها من حيث الانتقال من التلقي إلى التأسيس، ومن الشرح إلى التصنيف، ومن التبعية إلى الاجتهاد والإنتاج النظري المستقل. كما تطرح الدراسة سؤالا حول طبيعة العلاقة التفاعلية التي ربطت البلاغة المغربية بالمنطق والفلسفة، وكيف أسهم هذا التداخل المعرفي في إعادة بناء الجهاز المفاهيمي للبلاغة، بما جعله أكثر قدرة على تحليل البنيات العميقة للخطاب بدل الاكتفاء بمستوياته السطحية.

وفي السياق نفسه، تسعى هذه الإشكالية إلى مساءلة الكيفية التي تعامل بها العلماء المغاربة مع مفاهيم مركزية في النظرية البلاغية، مثل مفهوم المعنى باعتباره نتاجا تفاعليا بين النص والسياق والمتلقي، ومفهوم السياق بوصفه عنصرًا حاسما في توجيه الدلالة وتحديد المقاصد، ثم مفهوم الحجاج بوصفه آلية خطابية تهدف إلى الإقناع والتأثير وبناء الموقف داخل الخطاب. وهو ما يكشف عن انتقال تدريجي في التفكير البلاغي المغربي من الاهتمام بالزخرف اللغوي إلى الاهتمام بوظيفة الخطاب ودلالاته التداولية والاجتماعية.

كما تثير هذه الإشكالية سؤالا آخر ذا بعد إبستمولوجي، يتعلق بإمكانية اعتبار بعض ملامح البلاغة المغربية بمثابة إرهاصات مبكرة لتصورات حديثة في اللسانيات التداولية وتحليل الخطاب، خاصة فيما يتعلق بفهم اللغة باعتبارها ممارسة اجتماعية وتواصلية تتحدد داخل سياقات استعمالها، وليس فقط كنظام لغوي مغلق. وهو ما يفتح المجال لإعادة قراءة هذا التراث في ضوء المناهج اللسانية الحديثة، دون السقوط في إسقاطات تاريخية غير مبررة.

وبذلك، فإن هذه الدراسة لا تقتصر على وصف تطور البلاغة المغربية، بل تسعى إلى إعادة مساءلة بنيتها الفكرية العميقة، من خلال تحليل مفاهيمها ومناهجها وسياقات إنتاجها، بهدف الكشف عن خصوصيتها داخل تاريخ البلاغة العربية، وتحديد موقعها في مسار تطور الفكر اللغوي والبلاغي الإسلامي. كما تهدف إلى إبراز مدى إسهامها في تطوير النظرية البلاغية العربية، ليس فقط من خلال الشرح والتلخيص، بل أيضًا من خلال الإضافة والتأسيس وإعادة البناء المفاهيمي.

وفي ضوء ما سبق، يمكن صياغة الإشكالية العامة لهذه الدراسة على النحو الآتي:

إلى أي حد استطاعت البلاغة المغربية، في سياقها التاريخي والمعرفي، أن تؤسس لتصور بلاغي ذي خصوصية منهجية ومفاهيمية، يختلف في بنيته التحليلية عن التصورات البلاغية المشرقية، وما طبيعة الإضافات النظرية التي قدمتها في فهم الخطاب وآليات اشتغاله، خاصة في علاقته بالسياق والمعنى والحجاج؟

ومن هذه الإشكالية المركزية تتفرع الأسئلة التالية:

كيف تطور الدرس البلاغي في المغرب عبر مراحله التاريخية المختلفة، وما العوامل التي حكمت هذا التطور؟

ما طبيعة العلاقة التي ربطت البلاغة المغربية بالمنطق والفلسفة والعلوم العقلية، وكيف انعكس ذلك على بنيتها المفاهيمية؟

كيف أعاد العلماء المغاربة صياغة مفاهيم المعنى والسياق والحجاج في ضوء هذا التفاعل المعرفي؟

وإلى أي حد يمكن اعتبار البلاغة المغربية تمهيدا معرفيًا لبعض التصورات اللسانية والتداولية الحديثة في تحليل الخطاب؟

أهداف الدراسة: تهدف هذه الدراسة إلى:

الكشف عن الجذور التاريخية للبلاغة المغربية.

إبراز خصوصية التجربة البلاغية في المغرب والأندلس.

دراسة تطور الدرس البلاغي المغربي عبر مراحله المختلفة.

بيان أثر الفلسفة والمنطق في تشكيل البلاغة المغربية.

إعادة الاعتبار للتراث البلاغي المغربي وإبراز قيمته العلمية.

ربط البلاغة المغربية بالنظريات التداولية والحجاجية الحديثة.

المساهمة في إعادة كتابة تاريخ البلاغة العربية بصورة أكثر شمولا.

نشأة البلاغة المغربية وتحولاتها التاريخية:

مفهوم البلاغة وأبعادها المعرفية:

تعَدّ البلاغة من أبرز العلوم التي تبلورت داخل الفضاء الثقافي العربي الإسلامي، حيث ارتبطت منذ نشأتها الأولى بوظيفة مركزية تتمثل في تنظيم العلاقة بين اللغة والمعنى والمتلقي، بما يجعلها أداة لفهم الخطاب وتوجيه أثره في آن واحد. فهي لا تُختزل في كونها فرعًا من فروع المعرفة اللغوية فحسب، بل تتجاوز ذلك لتشكل نسقًا معرفيًا متكاملًا يعكس تصور العرب القدماء لوظائف اللغة وقدرتها على الإفهام والإقناع والتأثير الجمالي.

ومن الناحية الاشتقاقية، يُرجع مفهوم البلاغة إلى الجذر اللغوي «ب-ل-غ»، الذي يدل على الوصول والانتهاء وبلوغ الغاية. غير أن هذا المعنى الأولي، رغم بساطته، يشكل مدخلًا دلاليًا مهمًا لفهم التحول الذي عرفه المصطلح لاحقًا، إذ انتقل من مجرد معنى “الإيصال” إلى معنى أكثر تركيبًا يتعلق بكيفية إيصال المعنى نفسه، وليس فقط نقله. ومن هنا بدأت البلاغة تتحدد بوصفها قدرة على جعل الخطاب يبلغ غايته التأثيرية في المتلقي بأكثر الطرق دقة وفاعلية.

ومع تطور الفكر اللغوي العربي، لم تعد البلاغة مجرد عملية نقل للمعنى، بل أصبحت مرتبطة بجملة من المبادئ الفنية والمعرفية، من بينها اختيار الألفاظ المناسبة، ومراعاة السياق أو المقام، وتحقيق الانسجام بين البنية اللغوية والدلالة المقصودة. فالمعنى في التصور البلاغي لا يوجد بمعزل عن الشكل، بل يتشكل من خلاله، كما أن الشكل لا يُنظر إليه بوصفه زخرفة خارجية، بل باعتباره حاملًا دلاليًا يسهم في إنتاج المعنى وتوجيهه.

وعليه، فإن البلاغة لا يمكن اختزالها في كونها تزيينًا أسلوبيًا أو زخرفة لفظية، كما قد يُفهم بشكل سطحي، بل هي في جوهرها آلية معقدة لبناء الخطاب، تقوم على تنظيم العلاقات بين عناصر اللغة داخل سياق تواصلي محدد، بما يضمن تحقيق أقصى درجات التأثير في المتلقي. فهي بذلك تجمع بين الوظيفة الجمالية والوظيفة الإقناعية، وتربط بين البعد الفني والبعد التداولي للغة.

وقد اختلفت التصورات النظرية للبلاغة عند علماء التراث العربي باختلاف الزوايا التي انطلقوا منها في تعريفها. فهناك من ركّز على مبدأ الإيجاز باعتباره علامة على قوة التعبير وفاعليته، وهناك من جعل معيار البلاغة هو وضوح البيان وحسن الإفهام، بينما اتجه فريق ثالث إلى اعتبار البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، أي ملاءمته للسياق الذي يُنتَج فيه وللمقام الذي يُلقى فيه. هذا التعدد في التعريفات يعكس في الواقع غنى التصور البلاغي العربي ومرونته، وعدم انحصاره في تحديد واحد جامد.

وفي هذا السياق، يبرز تصور ابن الأثير الذي قدّم رؤية ذات بعد حجاجي واضح للبلاغة، حيث اعتبرها فنًا يقوم على استدراج المتلقي وإقناعه وإحداث التأثير فيه، وهو ما يكشف عن إدراك مبكر للبعد التداولي للخطاب، حيث لا يُنظر إلى اللغة بوصفها نظامًا مغلقًا، بل بوصفها أداة للتأثير في الآخر وتوجيهه داخل سياق تواصلي حيّ.

ومع مرور الزمن، لم تتشكل البلاغة العربية في شكلها العلمي دفعة واحدة، بل جاءت نتيجة مسار تطوري طويل، تداخلت فيه مجموعة من الحقول المعرفية مثل التفسير، والنحو، والنقد الأدبي، وعلوم الأدب. وقد أدى هذا التفاعل بين مختلف التخصصات إلى بلورة رؤية أكثر تنظيمًا للبلاغة، انتهت إلى استقرارها في شكل علم مستقل نسبيًا قائم على ثلاثة أقسام أساسية هي: علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع.

ويمثل هذا التقسيم الثلاثي لحظة تأسيسية في تاريخ البلاغة العربية، إذ سمح بإعادة تنظيم الظواهر اللغوية وفق منظور منهجي يربط بين البنية اللغوية والدلالة والسياق، ويجعل من الخطاب وحدة تحليل متكاملة، لا يمكن فهمها إلا من خلال تداخل عناصرها المختلفة.

وبهذا المعنى، فإن البلاغة لا تُعد مجرد علم وصفي لخصائص اللغة، بل هي أيضًا إطار معرفي لفهم كيفية اشتغال الخطاب، وآليات إنتاج المعنى، وشروط التأثير في المتلقي، وهو ما يمنحها مكانة مركزية في دراسة النصوص والخطابات داخل التراث العربي وخارجه.

المبحث الثاني: البدايات الأولى للبلاغة المغربية:

يُعدّ تشكّل الدرس البلاغي في المغرب والأندلس نتيجةً لمسارٍ تاريخيّ طويل تداخلت فيه عوامل حضارية وثقافية وعلمية متعددة، حيث ارتبط هذا التشكّل بالسياق العام للغرب الإسلامي الذي عرف حركةً نشطة في نقل العلوم والمعارف من المشرق العربي إلى الأندلس والمغرب. وقد شملت هذه الحركة علوم اللغة والأدب والنقد، بما في ذلك اللبنات الأولى للفكر البلاغي الذي لم يتبلور في البداية كعلم مستقل، بل ظهر ضمن سياقات معرفية متفرقة داخل كتب الأدب والتفسير والنقد.

ففي هذه المرحلة التأسيسية الأولى، لم تكن البلاغة قد استقلت بعد بوصفها علماً ذا جهاز مفاهيمي مكتمل، وإنما كانت حاضرة على شكل ملاحظات نقدية وتأملات ذوقية تتعلق بجماليات التعبير وطرائق الإقناع وخصائص الأسلوب. وقد انعكس ذلك بشكل واضح في عدد من المصنفات الأدبية الكبرى التي شكلت خزّاناً مبكراً للتفكير البلاغي، وعلى رأسها كتاب «العقد الفريد» لــالعقد الفريد لـ ابن عبد ربه، حيث تتوزع فيه إشارات دقيقة إلى مفاهيم الفصاحة والبيان والإيجاز والإطناب، وإن كانت غير مؤطرة ضمن نسق نظري صارم، إلا أنها تعكس حساً بلاغياً مبكراً يقوم على الذوق والتجربة الأدبية أكثر من التنظير العلمي.

ومع تطور الحياة الثقافية في الأندلس، وازدهار الحركة الأدبية والنقدية خاصة خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين، بدأت تتبلور ملامح وعي بلاغي أكثر نضجاً ووضوحاً. فقد ساهم الاحتكاك بين الثقافتين العربية والمغربية من جهة، وبين الموروث الأدبي المشرقي والتجربة الأندلسية من جهة أخرى، في إنتاج خطاب نقدي جديد أكثر اهتماماً ببنية النص وآليات تشكيله الجمالي والدلالي.

وفي هذا السياق، يبرز كل من ابن بسام الشنتريني في كتابه الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، وابن شهيد الأندلسي بوصفهما من أبرز الأعلام الذين أسهموا في تطوير الحس البلاغي في الغرب الإسلامي. فقد تجاوزت مقارباتهما مستوى الوصف الانطباعي للنصوص الأدبية إلى محاولة تحليل عناصرها الداخلية، من صور بيانية واستعارات وتشبيهات وإيقاع لغوي، مما يعكس انتقالاً تدريجياً نحو التفكير في البلاغة بوصفها أداة لتحليل الخطاب وليس مجرد وسيلة لتزيينه.

كما يمكن القول إن هذه المرحلة اتسمت بغياب التنظير المنهجي الصارم، مقابل حضور قوي للذوق الأدبي والملكة النقدية الفردية، وهو ما جعل البدايات البلاغية المغربية والأندلسية تتخذ طابعاً تجميعياً تراكمياً، يمهّد لاحقاً لظهور التصورات البلاغية الأكثر نضجاً وتنظيماً في الفترات اللاحقة، خاصة مع تطور الدرس النحوي والبياني وتداخل البلاغة مع المنطق والفلسفة.

وبذلك يمكن اعتبار هذه المرحلة التأسيسية بمثابة أرضية معرفية أولى أسهمت في بناء الحس البلاغي في الغرب الإسلامي، من خلال الجمع بين التلقي المشرقي والإبداع المحلي، وهو ما منح البلاغة المغربية لاحقاً خصوصيتها المنهجية في فهم الخطاب وتحليل آليات اشتغاله.

المبحث الثالث: مراحل تطور البلاغة المغربية:

يمكن النظر إلى تطور البلاغة المغربية بوصفه مسارا تاريخيا ومعرفيا تدرّج عبر مجموعة من التحولات التدريجية، التي لم تكن فجائية بقدر ما كانت نتيجة تفاعل طويل بين الموروث البلاغي المشرقي من جهة، والخصوصيات الثقافية والعلمية للغرب الإسلامي من جهة أخرى. ويمكن، في ضوء هذا التصور، تمييز ثلاث مراحل كبرى شكّلت البنية العامة لهذا التطور، مع ما يرافق كل مرحلة من خصائص منهجية ومعرفية مميزة.

أولاً: مرحلة التلقي والإشارات الأولية

تمثل هذه المرحلة البذرة الأولى لتشكل الوعي البلاغي في السياق المغربي، حيث لم تكن البلاغة قد استقلت بعد بوصفها علماً قائماً بذاته، بل كانت حاضرة بشكل ضمني داخل مجالات معرفية أوسع، مثل الأدب، والنقد، والتفسير، وعلوم اللغة.

في هذا السياق، كانت المفاهيم البلاغية تظهر على شكل إشارات متفرقة أو ملاحظات نقدية عابرة، تُستحضر لتفسير جودة النصوص أو ضعفها، دون أن تخضع لبناء نظري متكامل أو تصنيف منهجي دقيق. ويُلاحظ أن الاهتمام كان ينصب أساساً على الذوق الأدبي وتقويم الأسلوب، أكثر من الانشغال بالتقعيد المفهومي أو التنظير العلمي.

كما أن هذه المرحلة اتسمت بطابع التلقي المباشر للمعرفة البلاغية القادمة من المشرق، حيث جرى استيعابها ضمن السياق الثقافي المغربي دون إعادة صياغة شاملة، وهو ما جعل البلاغة في هذه الفترة أقرب إلى ممارسة نقدية ضمنية منها إلى علم مستقل له أدواته ومصطلحاته الخاصة.

ثانيا: مرحلة التخصص النسبي والتبلور الجزئي

تُعد هذه المرحلة مرحلة انتقالية حاسمة في تاريخ البلاغة المغربية، إذ بدأت فيها ملامح الاستقلال النسبي للدرس البلاغي بالظهور تدريجياً، سواء على مستوى التناول أو على مستوى التنظيم داخل المؤلفات العلمية.

فقد أصبحت القضايا البلاغية تحظى بموقع أكثر وضوحاً داخل البنية التأليفية، حيث جرى تخصيص أبواب وفصول مستقلة تعالج مسائل البيان والبديع والمعاني، بدل الاكتفاء بالإشارات المتفرقة. ويعكس هذا التحول بداية وعي منهجي بأهمية تنظيم المعرفة البلاغية وتحديد مجالاتها بشكل أكثر دقة.

وقد ساهم عدد من العلماء في ترسيخ هذا التوجه، من خلال إدراج مباحث بلاغية أكثر انتظاماً في مؤلفاتهم، ومن أبرزهم ابن رشيق القيرواني في إطار التأثير المغاربي العام، إضافة إلى القاضي عياض الذي ساهمت كتاباته في إبراز الحس النقدي والبلاغي ضمن سياقات علمية متعددة.

وتكمن أهمية هذه المرحلة في كونها مهّدت للانتقال من البلاغة بوصفها ممارسة نقدية ضمنية إلى البلاغة بوصفها مجالاً معرفياً شبه مستقل، له موضوعاته وأدواته ومجالات اشتغاله الخاصة.

ثالثا: مرحلة النضج والتقعيد النظري

تمثل هذه المرحلة ذروة التطور في المسار البلاغي المغربي، حيث بلغ الدرس البلاغي مستوى من النضج سمح له بالتحول إلى علم قائم بذاته، يتميز بالاستقلال النسبي من حيث الموضوع والمنهج والمصطلح.

في هذه الفترة، ظهرت مؤلفات بلاغية مستقلة تناولت قضايا الخطاب بشكل أكثر عمقاً وتنظيماً، حيث لم تعد البلاغة مجرد ملاحظات أو أبواب ضمن كتب أخرى، بل أصبحت موضوعاً مركزياً للتأليف والتحليل. وقد شمل هذا الاهتمام مختلف مستويات التحليل البلاغي، بما في ذلك البيان، والمعاني، والبديع، إضافة إلى بدايات التفكير في البعد الحجاجي للخطاب.

كما اتسمت هذه المرحلة بوضوح النزعة التقعيدية، أي السعي إلى ضبط القواعد العامة التي تحكم إنتاج الخطاب وتلقيه، مع محاولة بناء جهاز مفاهيمي أكثر دقة وصرامة. ويُلاحظ أيضاً أن هذا التطور ارتبط بتزايد الوعي النقدي وبالاحتكاك المستمر بالمنطق والفلسفة، مما منح البلاغة المغربية بعداً تحليلياً أعمق.

وبذلك يمكن القول إن هذه المرحلة شكلت لحظة اكتمال النسق البلاغي المغربي، حيث انتقلت البلاغة من مستوى التلقي الجزئي إلى مستوى البناء النظري المتكامل.

إن تتبع مراحل تطور البلاغة المغربية يكشف عن مسار معرفي تصاعدي، انتقل من التلقي غير المنظم إلى التخصص النسبي، ثم إلى التقعيد النظري المتكامل. وهذا التطور لا يعكس فقط نموّاً داخلياً في علم البلاغة، بل يعكس أيضاً دينامية الثقافة المغربية في استيعاب المعارف الوافدة وإعادة إنتاجها ضمن سياقها الخاص.

البلاغة المغربية بين البيان والحجاج:

المقام بوصفه محورًا تأسيسيًا في إنتاج المعنى بين البلاغة العربية والبلاغة المغربية:

يُعدّ مفهوم المقام من أكثر المفاهيم رسوخًا وعمقًا في النظرية البلاغية العربية، إذ يمثل الأساس الذي يقوم عليه فهم الخطاب وتحديد دلالته ووظيفته التواصلية. فمنذ البدايات الأولى لتشكل الفكر البلاغي العربي، ترسّخ الوعي بأن اللغة لا تُنتج المعنى في فراغ، ولا تُفهم بمعزل عن سياقها، بل داخل شبكة مركبة من الظروف والعلاقات التي تحيط بالفعل الكلامي. وقد تمثل هذا التصور في إدراك مبكر لأهمية السياق بوصفه عنصرًا حاسمًا في توجيه الدلالة، حيث لا يكفي تحليل البنية اللغوية للنص لفهم مقاصده، وإنما ينبغي الانفتاح على كل ما يحيط بعملية التلفظ من معطيات تتعلق بالمتكلم والمخاطَب والظروف الاجتماعية والثقافية والغايات التداولية. وفي هذا الإطار، برزت البلاغة المغربية باعتبارها امتدادًا نقديًا وتطوريًا لهذا الوعي، حيث أعادت قراءة مفهوم المقام وتوسيعه بشكل يجعل منه عنصرًا بنيويًا داخل عملية إنتاج المعنى، لا مجرد إطار خارجي محيط بالخطاب. فالمقام في التصور المغربي لم يعد خلفية تفسيرية فحسب، بل أصبح مكوّنًا فاعلًا في بناء الدلالة وتوجيهها، بحيث يتشكل المعنى من خلال تفاعل دينامي بين عناصر متعددة ومتداخلة تشمل ذات المتكلم، وهوية المتلقي، وسياق الإلقاء، والغاية التواصلية، إضافة إلى الخلفيات المعرفية والثقافية التي تؤطر فعل الفهم والتأويل. وبهذا المعنى، يتحول الخطاب من كيان لغوي مغلق إلى ممارسة تواصلية مفتوحة على محيطها الاجتماعي، حيث لا يكون المعنى ثابتًا أو جاهزًا داخل النص، بل يتولد لحظة التلقي عبر عملية تفاعل معقدة بين النص وسياقه. ومن هنا تتقاطع البلاغة المغربية بشكل لافت مع التصورات التداولية الحديثة في اللسانيات المعاصرة، التي تؤكد أن الدلالة ليست معطى مستقلاً ومستقرًا داخل البنية اللغوية، وإنما هي نتاج عملية تفاعلية تتشكل داخل سياق اجتماعي وتواصلي حي، يتحدد فيه المعنى عبر العلاقة بين المتكلم والمتلقي والظروف المحيطة بالفعل الكلامي. وفي امتداد هذا التصور، يتبين أن البلاغة العربية القديمة كانت قد وضعت الأسس الأولى لهذا الفهم السياقي، إذ أولت أهمية كبيرة للمقام باعتباره المحدد الحقيقي لقيمة الخطاب ووظيفته، وهو ما يتجلى بوضوح عند الجاحظ الذي جعل البلاغة قائمة على الإفهام والتأثير ومراعاة أحوال المخاطبين، مؤكداً أن جودة القول لا تُقاس بزينته اللفظية فقط، بل بقدرته على تحقيق الفهم والتأثير وفق اختلاف المقامات وتنوع المتلقين. كما واصل عدد من البلاغيين العرب والمغاربة تطوير هذا المفهوم وربطه بوظائف الخطاب المختلفة، سواء كانت إقناعية أو جمالية أو حجاجية، مما جعل المقام معيارًا أساسياً في تقييم فعالية الخطاب ونجاحه في أداء وظيفته التواصلية. وبهذا الشكل، يتضح أن مفهوم المقام لم يعد مجرد أداة تفسير في التراث البلاغي، بل تحول في امتداده المغربي إلى مفهوم مركزي يؤسس لفهم جديد للخطاب بوصفه فعلاً اجتماعياً ودلالياً متحركًا، تتداخل فيه اللغة مع السياق في إنتاج المعنى وإعادة تشكيله باستمرار.

البلاغة الجمالية وتحول وظيفة البديع في الدرس البلاغي المغربي:

تُعدّ قضية البديع من القضايا المركزية التي عرفت تحوّلا عميقًا داخل مسار البلاغة العربية، خاصة حين ننتقل من التصور المشرقي الكلاسيكي إلى التصور المغربي الذي أعاد قراءة هذا المفهوم ضمن أفق دلالي وجمالي أكثر تركيبًا واتساعًا. فإذا كانت بعض الاتجاهات البلاغية المشرقية قد ركّزت، في مراحل تاريخية معينة، على البعد الزخرفي للمحسنات البديعية، باعتبارها أدوات لتحسين اللفظ وتزيين الخطاب، فإن التجربة البلاغية المغربية قد عملت على إعادة توجيه هذا المفهوم نحو وظيفة معرفية وجمالية أعمق، تجعل من البديع عنصرًا فاعلًا في إنتاج المعنى لا مجرد ملحق شكلي به.

لقد تجاوزت البلاغة المغربية، في هذا السياق، التصور التقليدي الذي حصر البديع في دائرة التجميل اللفظي، لتعيد إدماجه داخل بنية الخطاب بوصفه آلية دلالية تسهم في تشكيل المعنى وتكثيفه. فالمحسنات البديعية، مثل الجناس والطباق والمقابلة والتورية، لم تعد تُقرأ باعتبارها عناصر زخرفية مستقلة، بل بوصفها علاقات بنيوية داخل النص تسهم في خلق التوتر الدلالي، وتوجيه انتباه المتلقي نحو طبقات متعددة من المعنى. وهكذا يصبح الجناس، على سبيل المثال، ليس مجرد تشابه صوتي، بل تقنية لإنتاج المفارقة الدلالية، في حين يتحول الطباق إلى وسيلة لإبراز التوتر المفهومي بين الأضداد داخل الخطاب.

ويجد هذا التحول جذوره في تطور الوعي البلاغي العربي نفسه، كما يظهر عند عبد القاهر الجرجاني الذي ربط بين النظم والمعنى، مؤكدًا أن القيمة الجمالية لا تنفصل عن العلاقات الداخلية بين الألفاظ والمعاني (الجرجاني، 1992). غير أن البلاغة المغربية ذهبت في هذا الاتجاه خطوة إضافية حين وسّعت من دائرة الاشتغال البديعي ليصبح جزءًا من هندسة الخطاب لا من زخرفته فقط، وهو ما ينسجم أيضًا مع بعض الإشارات النقدية عند ابن خلدون الذي ميّز بين البلاغة بوصفها صناعة شكلية وبين البلاغة بوصفها قدرة على التأثير والإقناع (ابن خلدون، 2004).

وفي ضوء هذا التصور، لم يعد البديع عنصرا هامشيا في بناء النص، بل أصبح مكوّنا بنيويا يسهم في إنتاج الدلالة وتوجيه التأويل. فالنص، في التجربة البلاغية المغربية، لا يُفهم من خلال معانيه المباشرة فقط، بل من خلال شبكة العلاقات البديعية التي تولّد مستويات متعددة من القراءة، حيث يتداخل الجمالي بالدلالي، ويتقاطع الإيقاعي مع المعنوي في وحدة خطابية متكاملة.

ومن جهة أخرى، يمكن القول إن هذا التحول يعكس انتقالًا من بلاغة التزيين إلى بلاغة التأسيس الدلالي، حيث يصبح البديع وسيلة لإعادة تنظيم المعنى داخل النص بدل الاكتفاء بإضافة مسحة جمالية خارجية عليه. وقد أسهم هذا التصور في إعادة الاعتبار للبعد التفاعلي للخطاب، إذ لم يعد المتلقي يواجه نصًا مغلقًا على زينة لفظية، بل نصًا مفتوحًا على إمكانات تأويلية متعددة تتأسس على تفاعل البنى البديعية مع السياق والمعنى.

كما أن هذا التوجه ينسجم مع ما أشار إليه ابن رشيق في "العمدة" من أن جودة الشعر لا تُقاس بكثرة المحسنات، بل بقدرتها على خدمة المعنى وإبرازه في صورة أبلغ (ابن رشيق، 1981). وهو ما يجعل البلاغة المغربية امتدادًا نقديًا وتجديديًا لهذا الوعي، لكنها في الوقت نفسه تضيف إليه بعدًا تحليليًا أكثر تركيبًا، يربط بين البديع وبنية الخطاب ككل.

وفي النهاية، يمكن القول إن البلاغة الجمالية في التصور المغربي لم تعد مجرد بحث في مظاهر الزينة اللفظية، بل أصبحت مشروعًا لإعادة تعريف وظيفة البديع داخل النص، بوصفه أداة لإنتاج المعنى، وتكثيف الدلالة وخلق التفاعل الجمالي والدلالي بين عناصر الخطاب المختلفة.

البلاغة الحجاجية بين التراث المغربي ونظرية الحجاج الحديثة:

تُبرز البلاغة الحجاجية في التصورين المغربي والحديث تحولًا عميقًا في فهم وظيفة الخطاب، إذ لم يعد هذا الأخير يُختزل في كونه أداة للتزيين اللفظي أو تحقيق المتعة الجمالية فحسب، بل أصبح فضاءً مركزيًا لبناء المعنى وتوجيه المتلقي وإنتاج القناعة الفكرية. ومن هذا المنظور، يتضح أن النصوص البلاغية المغربية المبكرة قد استوعبت، بصورة صريحة أو ضمنية، البعد الإقناعي للخطاب، حين جعلت من آليات الاستدلال، والتمثيل، والمقارنة، والإيحاء وسائل أساسية لتشكيل مواقف ذهنية لدى المتلقي، بما يجعل البلاغة أقرب إلى ممارسة فكرية-حجاجية منها إلى مجرد صناعة زخرفية للغة.

ويُفهم الحجاج في هذا السياق لا بوصفه إضافة خارجية على البلاغة، بل باعتباره مكوّنًا بنيويًا داخلها، ينهض بوظيفة تنظيم العلاقة بين المتكلم والمتلقي عبر بناء سلسلة من المبررات التي تقود إلى الإقناع. وهذا التصور ينسجم مع ما ستؤكد عليه لاحقًا نظرية الحجاج الحديثة، التي أعادت الاعتبار للبعد الإقناعي في الخطاب، معتبرة أن البلاغة ليست مجرد علم للأسلوب، بل هي دراسة لآليات التأثير في العقول وتوجيه الاختيارات الفكرية والسلوكية. وقد بلور بيرلمان وزميله أولبريشتس-تيتيكا هذا التوجه ضمن ما يُعرف بـ«البلاغة الجديدة»، حيث تم التركيز على تقنيات بناء الحجة وتوجيهها وفق طبيعة الجمهور المخاطَب.

كما أن هذا التصور الحديث لا ينفصل عن الجذور الأولى للبلاغة الأرسطية، التي جعلت من الخطابة (Rhetoric) أداة مركزية للإقناع، قائمة على تحليل الوسائل التي تجعل الخطاب مقبولًا ومؤثرًا في المتلقي (Aristotle, Rhetoric). ومن ثمّ، فإن التقاطع بين البلاغة المغربية التراثية ونظرية الحجاج الحديثة لا يقوم على التطابق المباشر، بل على وجود استمرارية فكرية عميقة تجعل من الخطاب ممارسة عقلية-تواصلية تهدف إلى بناء المعقولية وإنتاج القناعة. ويكشف هذا التقاطع أن الوعي الحجاجي كان حاضرًا في التراث البلاغي المغربي بصورة مبكرة، قبل أن تتم بلورته في إطار نظري مستقل في الدراسات الحديثة، مما يعكس غنى هذا التراث وقدرته على استباق بعض التحولات المفاهيمية في الفكر البلاغي المعاصر.

الفصل الثالث: التيار البلاغي المنطقي في المغرب:

المبحث الأول: تداخل البلاغة والفلسفة وإعادة تأسيس الخطاب البلاغي في الغرب الإسلامي:

شهد الغرب الإسلامي، ولا سيما في السياقين المغربي والأندلسي، تفاعلاً معرفياً عميقاً بين البلاغة والفلسفة، وهو تفاعل يتجاوز حدود التأثر العرضي أو الاستفادة الجزئية من بعض المفاهيم الفلسفية، ليصل إلى مستوى إعادة بناء نسق التفكير البلاغي نفسه. فقد مثّل انتقال الفلسفة الأرسطية إلى المجال الثقافي العربي الإسلامي، عبر الترجمات والشروح والتلخيصات، ثم عبر إعادة صياغتها داخل المدرسة المشائية، لحظة حاسمة في تاريخ تطور العلوم، حيث لم يعد المنطق مجرد أداة فلسفية مستقلة، بل أصبح إطاراً مرجعياً يؤثر في العلوم اللغوية والبلاغية على حد سواء. وفي هذا السياق، أسهمت الشروح الأرسطية، خاصة كما أعاد قراءتها فلاسفة مثل الفارابي وابن رشد، في فتح أفق جديد أمام التفكير البلاغي، يقوم على ربط البلاغة بمفاهيم عقلية صارمة مثل التعليل، والاستدلال، وترتيب الحجج، بدل الاكتفاء بالوصف الجمالي أو التصنيف الأسلوبي التقليدي.

وقد أدى هذا التداخل إلى بروز تصور جديد للبلاغة في المغرب والأندلس، لم يعد يحصرها في كونها فناً للزخرفة اللفظية أو صناعة للإقناع العاطفي، بل جعلها أقرب إلى علم منظم يسعى إلى تحليل آليات الخطاب من الداخل، وفهم كيفية إنتاج المعنى وتوجيه المتلقي عبر بنى حجاجية قابلة للتفكيك والتفسير. وهكذا، انتقلت البلاغة تدريجياً من مجال الذوق والانطباع إلى مجال العقلنة والتقعيد، حيث أصبحت تُفهم بوصفها علماً يشتغل على تنظيم الخطاب وفق مبادئ منطقية تضبط العلاقة بين المقدمات والنتائج، وبين القول وغاياته الإقناعية. كما ساهم حضور الفكر الرشدي في تعميق هذا الاتجاه، من خلال التأكيد على وحدة المعرفة العقلية، وربط البلاغة بالمنطق ضمن تصور شمولي للخطاب، يجعل من اللغة أداة لإنتاج المعنى القابل للتبرير والتحليل.

وبذلك، يمكن القول إن هذا التفاعل بين البلاغة والفلسفة في الغرب الإسلامي لم يكن مجرد مرحلة تاريخية عابرة، بل كان منعطفاً معرفياً مهماً أسهم في إعادة تشكيل مفهوم البلاغة ذاته، وإدخاله في أفق جديد قوامه التحليل العقلي للخطاب، والبحث في آليات الإقناع باعتبارها بنى منظمة تخضع للبرهنة والتفسير، لا مجرد مهارات أسلوبية أو زخرفية.

المبحث الثاني: حازم القرطاجني ونظرية التخييل بوصفها أساس فلسفة البلاغة

يُعدّ حازم القرطاجني (ت. 684هـ) من أبرز المفكرين الذين أسهموا في إعادة بناء الدرس البلاغي العربي في أفق فلسفي تحليلي جديد، حيث لم يكتفِ بالاشتغال على البلاغة بوصفها علماً وصفيًا يهتم بتصنيف الأساليب والمحسنات، بل سعى إلى تأسيس نظرية متكاملة لفهم الشعر واللغة الجمالية في بعدها الإبداعي والتأثيري. وقد تجلّى هذا الطموح بوضوح في كتابه «منهاج البلغاء وسراج الأدباء»، الذي يُعدّ علامة فارقة في تاريخ التفكير البلاغي المغربي والأندلسي، إذ انتقل فيه من مجرد شرح الظواهر الأدبية إلى بناء نسق نظري يقوم على مفاهيم مركزية، في مقدمتها مفهوم التخييل الذي جعله جوهر العملية الشعرية وعمودها الفقري.

فالتخييل عند حازم لا يعني محاكاة الواقع كما هو، بل إعادة تشكيله داخل بنية لغوية وفنية قادرة على إحداث أثر نفسي وجمالي في المتلقي، بحيث يصبح الشعر قوة إنتاج للمعنى لا مجرد انعكاس له. ومن هنا فإن قيمة الخطاب الشعري لا تُقاس بمدى مطابقته للواقع، بل بقدرته على إحداث الإيهام الجمالي والتأثير الوجداني عبر آليات البلاغة والإيقاع والصورة. وهذا التصور يجعل من البلاغة عنده علماً للخطاب المؤثر لا للزينة اللفظية فقط، كما يرفع من مكانة المتلقي بوصفه شريكاً في إنتاج الدلالة عبر التفاعل مع الصور المتخيلة.

ويتميّز مشروع حازم أيضاً بقدرته على الجمع بين الموروث البلاغي العربي من جهة، وخاصة ما ارتبط بنظريات البيان والبديع، وبين الفلسفة الأرسطية من جهة أخرى، خصوصاً ما يتعلق بمفاهيم المحاكاة والتأثير والإقناع. هذا التداخل بين المرجعية العربية واليونانية أفضى إلى بناء رؤية مركبة للبلاغة، تتجاوز الحدود التقليدية بين الأدب والفلسفة، وتجعل من الخطاب الشعري بنية معرفية وجمالية في آن واحد. وبذلك يمكن اعتبار حازم القرطاجني أحد أهم المفكرين الذين أسهموا في تحويل البلاغة من مجرد ممارسة نقدية وصفية إلى مشروع نظري فلسفي متكامل، أسّس لتحول عميق في تاريخ الفكر البلاغي المغربي، قائم على مركزية التخييل بوصفه آلية إنتاج للمعنى والتأثير والجمال.

المبحث الثالث: البلاغة والمنطق عند السجلماسي وابن عميرة: نحو تأسيس قراءة عقلانية للخطاب:

يُعدّ كلٌّ من السجلماسي وابن عميرة من أبرز أعلام الدرس البلاغي في الغرب الإسلامي الذين سعوا إلى إعادة صياغة مفهوم البلاغة في ضوء أدوات المنطق والفلسفة، بما أسهم في انتقالها من مجرد علم يصف جماليات التعبير وزخارفه الأسلوبية إلى مجال معرفي يقوم على التحليل العقلي الدقيق لبنية الخطاب وآليات إنتاج المعنى داخله. فقد عمل السجلماسي، خاصة في مؤلفه منهاج البلغاء وسراج الأدباء، على إعادة تنظيم المفاهيم البلاغية التقليدية وفق تصور منهجي يستند إلى مفاهيم منطقية مثل الحدّ، والتعريف، والقياس، معتبرًا أن فهم الخطاب لا يتحقق من خلال الانطباع الجمالي فقط، بل عبر تفكيك بنيته الذهنية واللغوية ورصد العلاقات المنطقية التي تحكم انتقال المعنى من مستوى التصور إلى مستوى التعبير. وبهذا المعنى، لم تعد البلاغة عنده مجرد أدوات لتحسين القول، بل أصبحت علمًا يسعى إلى ضبط آليات التفكير داخل اللغة نفسها.

وفي السياق نفسه، يبرز ابن عميرة بوصفه امتدادًا لهذا التوجه العقلاني الذي يربط البلاغة بالمنطق، إذ حاول توظيف مفاهيم الاستدلال والتمييز والتحليل في مقاربة النصوص والخطابات، بهدف الكشف عن الكيفية التي يتشكل بها المعنى داخل البنية اللغوية. ومن خلال هذا التصور، تصبح البلاغة عنده مرتبطة بفهم العلاقات الداخلية بين الألفاظ والمعاني، وبكيفية بناء الحجة داخل الخطاب، وليس فقط بتزيين الأسلوب أو تحسين العبارة. وقد أدى هذا التداخل بين البلاغة والمنطق إلى بروز تصور جديد للخطاب البلاغي يقوم على التحليل البنيوي والدلالي بدل الاقتصار على الوصف الخارجي، مما جعل البلاغة أكثر انفتاحًا على الفلسفة المشائية والمنطق الأرسطي.

وبذلك، يمكن القول إن مشروع السجلماسي وابن عميرة مثّل نقلة نوعية في تاريخ البلاغة العربية بالمغرب والأندلس، حيث أسهم في توسيع أفقها المعرفي وربطها بالتصورات العقلانية للمعنى، وجعلها أداة لفهم آليات الخطاب بدل الاكتفاء بتذوق جمالياته، وهو ما مهد لظهور بلاغة ذات طابع تحليلي يزاوج بين الحس الجمالي والدقة المنطقية في آن واحد.

خاتمة:

خلصت هذه الدراسة، من خلال تتبعها لمسار البلاغة المغربية وتطورها التاريخي والفكري، إلى أن البلاغة في المغرب لم تكن مجرد صدى للبلاغة المشرقية أو تكرارًا لما أنتجه المشارقة من تصورات ومفاهيم، بل شكلت تجربة علمية وفكرية مستقلة نسبياً، استطاعت أن تطور الدرس البلاغي العربي وأن تضيف إليه أبعادًا فلسفية ومنهجية جديدة. فقد أبانت النصوص البلاغية المغربية عن وعي عميق بوظيفة الخطاب، وعن اهتمام متزايد بقضايا التأثير والإقناع والجمال والتواصل، وهو ما جعل البلاغة المغربية تتجاوز حدود الزخرفة اللفظية إلى البحث في فلسفة البلاغة وأسسها المعرفية.

وقد كشفت الدراسة أن نشأة البلاغة المغربية ارتبطت بالسياق الحضاري العام الذي عرفه الغرب الإسلامي، حيث لعبت الظروف السياسية والثقافية دورًا حاسمًا في توجيه البحث البلاغي نحو الاهتمام بالإعجاز القرآني، والدفاع عن الهوية العربية الإسلامية، وإحياء التراث البياني العربي. كما تبين أن العلاقة بين المغرب والمشرق أسهمت في انتقال العلوم البلاغية إلى المغرب، غير أن العلماء المغاربة لم يكتفوا بالتلقي، بل مارسوا فعل التفاعل والتطوير والاجتهاد.

وأظهرت الدراسة أن البلاغة المغربية مرت بعدة مراحل تاريخية، بدأت بمرحلة الملاحظات والإشارات البلاغية المتفرقة، ثم انتقلت إلى مرحلة التركيز النسبي داخل المؤلفات الأدبية والنقدية، قبل أن تبلغ مرحلة النضج والتصنيف المختص، حيث ظهرت مؤلفات بلاغية مستقلة تناولت قضايا البيان والبديع والمعاني والحجاج والمقام وغير ذلك من المباحث البلاغية الدقيقة.

كما تبين أن البلاغة المغربية تأثرت تأثرًا واضحًا بالفكر الفلسفي والمنطقي، خصوصًا بالفلسفة الأرسطية والشروح الرشدية، وهو ما أدى إلى ظهور تيار بلاغي منطقي حاول تأسيس البلاغة على أسس عقلية ومنهجية دقيقة. وقد تجلى ذلك في أعمال حازم القرطاجني والسجلماسي وابن عميرة وغيرهم، الذين سعوا إلى بناء تصور جديد للبلاغة يربطها بالمنطق والحجاج والشعرية.

ومن النتائج المهمة التي انتهت إليها الدراسة أن البلاغة المغربية لم تكن منحصرة في تحليل الصور البيانية والمحسنات البديعية، بل اهتمت كذلك بالمقام والسياق ووظيفة الخطاب وأثره في المتلقي، وهو ما يجعلها قريبة في كثير من جوانبها من التصورات التداولية والحجاجية الحديثة. فقد أدرك البلاغيون المغاربة مبكرًا أهمية المتلقي، ووعوا أن الخطاب لا يكتسب قيمته إلا من خلال علاقته بالسياق والمقام وأحوال المخاطبين.

كما أكدت الدراسة أن ضياع عدد كبير من المؤلفات البلاغية المغربية أدى إلى تشكل صورة ناقصة عن تاريخ البلاغة في المغرب، وهو ما يستدعي ضرورة إعادة البحث في المخطوطات والكتب التراثية للكشف عن الجوانب المغمورة من هذا التراث العلمي الثري. فالمصادر التي وصلت إلينا تشير إلى وجود حركة بلاغية نشيطة وغنية، غير أن ضياع كثير من النصوص حال دون تكوين تصور كامل عنها.

وقد أبرزت الدراسة كذلك أن البلاغة المغربية شكلت فضاءً لتفاعل علوم متعددة، حيث تداخلت مع الفلسفة والمنطق والنحو والنقد وأصول الفقه والتفسير، وهو ما منحها طابعًا موسوعيًا جعلها أكثر عمقًا واتساعًا من مجرد علم لغوي محدود. ومن هنا فإن البلاغة المغربية تمثل نموذجًا للمعرفة العربية الإسلامية القائمة على التكامل بين العلوم لا على الفصل بينها.

وإذا كانت البلاغة الحديثة قد أعادت الاعتبار لمفاهيم الحجاج والمقام والتداول والتأثير، فإن كثيرا من هذه المفاهيم كانت حاضرة في التراث البلاغي المغربي بصيغ مختلفة، مما يدل على أن التراث البلاغي العربي يمتلك إمكانات نظرية كبيرة يمكن الإفادة منها في الدراسات اللسانية والنقدية المعاصرة.

وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن البلاغة المغربية ليست مجرد مرحلة هامشية في تاريخ البلاغة العربية، بل هي مكون أساسي من مكونات هذا التاريخ، أسهم في تطويره وإغنائه، وأنتج رؤى نقدية وجمالية وفلسفية ذات قيمة معرفية كبيرة. ولذلك فإن إعادة قراءة هذا التراث تمثل ضرورة علمية وثقافية، ليس فقط من أجل إنصاف جهود العلماء المغاربة، بل أيضًا من أجل فهم أعمق لمسار البلاغة العربية وتحولاتها الفكرية والمنهجية.

نتائج الدراسة:

- أثبتت الدراسة أن البلاغة المغربية تمثل امتدادًا أصيلًا للبلاغة العربية، لكنها استطاعت في الوقت نفسه أن تطور لنفسها خصوصية منهجية وفكرية متميزة.

- كشفت الدراسة أن علماء المغرب لم يكونوا مجرد نقلة للبلاغة المشرقية، بل مارسوا فعل الإبداع والاجتهاد والتطوير داخل الدرس البلاغي.

- تبين أن الاهتمام المغربي بالبلاغة ارتبط أساسًا بقضايا الإعجاز القرآني والدفاع عن الهوية الثقافية العربية الإسلامية.

- أظهرت الدراسة أن البلاغة المغربية تأثرت بالفلسفة والمنطق الأرسطي، مما أدى إلى نشوء تيار بلاغي منطقي ذي طابع عقلاني.

- أكدت الدراسة أن حازم القرطاجني يمثل أحد أهم المنعطفات في تاريخ البلاغة المغربية والعربية، لأنه نقل البلاغة من مستوى الوصف إلى مستوى التنظير الفلسفي.

- كشفت الدراسة أن البلاغيين المغاربة اهتموا بالمقام والسياق والمتلقي، وهو ما يجعل تصورهم البلاغي قريبًا من التداولية الحديثة.

- بينت الدراسة أن البلاغة المغربية شهدت تطورًا تدريجيًا انتقل من الملاحظات الجزئية إلى بناء نظريات بلاغية متكاملة.

- أظهرت الدراسة أن ضياع عدد كبير من المؤلفات البلاغية المغربية أدى إلى غياب صورة متكاملة عن تاريخ البلاغة في الغرب الإسلامي.

- تبين أن البلاغة المغربية كانت مجالًا لتفاعل علوم متعددة مثل المنطق والنحو والفلسفة والنقد وأصول الفقه.

- أكدت الدراسة أن البلاغة الجديدة والحجاج المعاصر يعيدان إحياء كثير من المفاهيم التي كانت حاضرة ضمنيًا في التراث البلاغي العربي.

- كشفت الدراسة أن البلاغة المغربية لم تكن معزولة عن التحولات الاجتماعية والسياسية، بل تأثرت بها وأسهمت في التعبير عنها.

- أظهرت الدراسة أن الخطاب البلاغي المغربي كان يسعى إلى تحقيق وظائف متعددة، منها الإقناع والتأثير والإمتاع والتعليم والدفاع الثقافي.

- تبين أن البلاغة المغربية تمثل جزءًا مهمًا من الهوية الثقافية المغربية والعربية الإسلامية.

- أكدت الدراسة أن إعادة قراءة البلاغة المغربية بمنهج حديث يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة في الدراسات اللسانية والنقدية المعاصرة.

توصيات الدراسة:

- ضرورة إعادة تحقيق المخطوطات البلاغية المغربية المفقودة أو غير المحققة، لما تحمله من قيمة علمية كبيرة.

- تشجيع الباحثين على دراسة البلاغة المغربية بوصفها مجالًا مستقلًا داخل تاريخ البلاغة العربية.

- إدماج التراث البلاغي المغربي ضمن المناهج الجامعية والدراسات النقدية الحديثة.

- ضرورة إعادة قراءة النصوص البلاغية المغربية في ضوء المناهج التداولية والحجاجية المعاصرة.

- إنشاء مشاريع أكاديمية متخصصة لجمع التراث البلاغي المغربي وفهرسته ورقمنته.

- توسيع الدراسات المقارنة بين البلاغة المغربية والبلاغة المشرقية للكشف عن أوجه التأثير والتمايز.

- تشجيع الدراسات البين-تخصصية التي تربط البلاغة بالفلسفة والمنطق واللسانيات الحديثة.

- إعادة الاعتبار لأعلام البلاغة المغربية الذين لم يحظوا بما يستحقونه من الدراسة والاهتمام.

- ضرورة الاهتمام بالمصادر الأندلسية والمغربية باعتبارها جزءًا من التراث البلاغي العربي المشترك.

- الإفادة من المفاهيم البلاغية التراثية في تطوير مناهج تحليل الخطاب المعاصرة.

- العمل على ترجمة الدراسات البلاغية المغربية إلى لغات أجنبية للتعريف بالإسهام المغربي في الفكر البلاغي العالمي.

- تشجيع الندوات والمؤتمرات العلمية المتخصصة في البلاغة المغربية وتاريخها وتحولاتها.

- تطوير بحوث أكاديمية تربط البلاغة المغربية بالنظريات النقدية الحديثة مثل التداولية والسيميائيات وتحليل الخطاب.

- الدعوة إلى إعادة كتابة تاريخ البلاغة العربية بصورة أكثر شمولًا وعدالة، تُبرز إسهامات المغرب والأندلس إلى جانب المشرق.

***

بقلم د. منير محقق

كاتب وناقد وباحث مغربي في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي

 

قراءة في نظرية الحرب والسياسية عند كلاوز فيتز

(الحرب أم الأشياء كلها).. هرقليطس

"من شروط القيادة على وفرتها.. ليس يوجد بينها ماهو ألزم للقائد من القدرة على سبر قوته وسبر قوة خصمه..".

ع.م.العقاد ـ (عبقرية خالد)

تمهيد: التفكير في معنى الحرب وأبعادها..

لا جدال أن التفكير في معنى الحرب وحول الحرب سيؤدي بنا إلى التفكير حول السياسية والدولة ومن لا يعرف معنى الحرب لا يمكن أن يعرف معنى السلام.. الحرب هي أعظم الظواهر الاجتماعية والتاريخية وعلم اجتماع الحرب يتناول كل أشكال الحروب وأسبابها ووظائفها ونتائجها، باعتبارها ظاهرة اجتماعية وتاريخية..، ممتدة، عبر التاريخ في حياة المجتمعات والدول والإمبراطوريات..

هناك أشكال من الحروب وكلها درجات متفاوتة في نطاق فرض السلطة والهيمنة على الآخر للانصياع لمطلب ما..

وقد تصدرت الحرب كل العلاقات الأخرى.. فالحرب داخل علاقات السلطة هي علاقات هيمنة والحرب هي السياسية في مظهر مغاير.. والسياسة هي الحرب بوسائل أخرى.. إن الطبيعة المعقدة للمجتمعات البشرية جعلت ظاهرة الحرب من ظواهر الاجتماع، والعمران الجديرة، بالتأمل، والدراسة نتيجة أنه بالحرب تثبيت الحضارات أو تزول..، نظرا للدور المحوري للمعارك في تشكل أبرز المعالم التاريخية.. وكذلك تكون الصراعات بين المجتمعات عبر العصور، تقوم على الحروب من أجل التحكم والسيطرة، والاستحواذ على مقدرات العالم وثروته.

ومن هذا المنطلق أكد الفيلسوف أرسطو بأن فن الحرب مهارة طبيعية للسيطرة والتملك (1)...

تعتبر الحرب صراعا سياسيا بالدرجة الأولى تتداخل فيه السيناريوهات العسكرية، والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقومية هي مجال الصراع والتدافع وأدواتها الكبرى هي القدرة العقلية والمعرفية والتخطيط، والتنظيم، والإعلام.. وقدرتها على التأثير الحضاري...

وستظل ثلاثة عناصر حاكمة في صراع الإنسان على مدى العصور، وهي القدرة على التنظيم البشري.. ونوع السلاح، والقدرة على الحركة.. القوة التي تتجسد في قدرات التنظيم العسكري كما ونوعا..(2).

وقد شهدت السياسة الدولية صراعا، من أجل حيازة القوة.. ومن ثم فإن الدول تصارع للدفاع عن مصالحها بميزان القوة..

في لحظة التحولات العالمية الكبرى فإن القوى المدججة بالأسلحة الفاتكة تجعل الغلبة في كفة منطق القوة، لا في ميزان قوة المنطق..

تستخدم الحرب كأداة للسياسة القومية للدولة في الحالات التي تثبت فيها الدبلوماسية إخفاقها..

على الرغم من أن المواثيق الدولية تحظر استخدام القوة في العلاقات بين الدول.. وتنظر إليها على أنها عمل غير مشروع، ولا يمكن التسليم بشرعية النتائج التي تترتب على استخدامها...

إلا أن ظاهرة استعمال القوة في العلاقات الدولية قائمة ومستمرة، ويشهد على ذلك سباق التسلح بين الدول الذي يعاني منه العالم..(3).

إن الصراعات الدولية تلقي بظلالها على العالم وتعيد صياغته، وفق أهداف جيوسياسية واستراتيجية، فالنظريات الاستراتيجية تنطوي على خطط وأهداف تتعامل مع حقائق القوة كعامل لحسم الصراعات بين مختلف القوى المتصارعة عبر العصور المتطاولة.

فمفهوم الحرب عرف تطورا داخل منظومة الفكر الاستراتيجي، حيث ترسم الطريقة التي تصاغ بها السياسة أو توضع مخططات عسكرية يعني أن الحرب هي فن استخدام القوة لتحقيق الأهداف السياسية المقررة.. (4).

يقسم الفكر الاستراتيجي الحرب إلى قسمين: الحرب الهجومية والحرب الدفاعية..

أولا الحرب الهجومية تستخدم فيها القوة العسكرية لانتهاك السيادة الإقليمية والاستقلال السياسي لدولة من الدول، أو بهدف تغيير جيوسياسي وفرض علاقات قوى جديدة..

فاستخدام القوة يوفر العديد من المزايا، للدول التي تلجأ إلى أسلوب الهجوم، سواء باستغلال عنصر الوقت أو باستخدام نوع الأسلحة المتطورة والفتاكة..

تتخذ الحرب الهجومية مظهرين أو أسلوبين: الحرب التكتيكية التي تستهدف القوات المسلحة التي يوجه ضدها الهجوم..، أو مظهر الحرب الاستراتيجية التي تتجاوز القوات المسلحة للعدو، إلى تدمير اقتصادها، والنيل من جبهتا القومية(5)..

الهدف الذي يتوخاه الهجوم، الاستسلام الكامل للدولة التي يستهدفها الهجوم وفي هذه الحالة تكون الحرب غير محدودة أو يكون الهدف محددا مثل إكراه الطرف على الرضوخ لطلب معين يخدم المصلحة القومية للدولة المهاجمة وحينئذ تكون الحرب ذات طبيعة محدودة...

ثانيا: الحرب الدفاعية معناها أن الدولة، لا تستخدم قواتها المسلحة إلا إذا اضطرتها الظروف إلى ذلك، إما دفاعا، عن الهجوم الذي استهدفها أو دفعها للتهديد بالأدوات الأخرى الأقل عنفا، كالضغط الاقتصادي والدبلوماسي...

وقد تطورت الإمكانات الدفاعية للدول بفعل التطورات التكنولوجية، والاستحداث المستمر، لأساليب الحرب وارتقاء فنونها.. مما ترتب عليه دعم القدرة الدفاعية للدولة بامتلاكها لترسانة من الأسلحة تناسب كافة الاستخدامات، وغيرها من الوسائل الإلكترونية التي تكفل للدولة نظاما متطورا وفعالا للتحذير من الهجوم..، كما يجب أن تحتفظ الدولة بقوات عسكرية دفاعية قادرة على صد الهجوم، وفي نفس الوقت تقوى قدرتها على الردع فالردع يسبق الدفاع، وأخفاق الردع يدفع الدولة التي يستهدفها، الهجوم إلى التجاء إلى الدفاع الفعال عن كيانها ومصالحها وسيادتها الإقليمية في مواجهة أعدائها..

إن بعض المزايا الاستراتيجية، والتكتيكية قد ترجح كفة الحرب الهجومية على الدولة المدافعة، من حيث أنه يفقدها زمام المبادرة، ويضيق فرص الاختيار أمامها.. ويكرهها على أن تخوض حربا، غير مهيأة لها في المكان والزمان..، وبسلاح غير قادر على صد القوة الهجومية.

إن التخطيط للدفاع يشتمل على إجراء تقييم لنوايا وقدرات وسلوك الطرف المهاجم بحسب ما تمليه أوضاعه أكثر مما تحدده أهداف الدولة المدافعة...

فمسؤولية تحديد نطاق الحرب الدفاعية وكذلك تقرير الأهداف المتوخاة من ورائها، إنما تقع على السلطة الحاكمة التي يجب أن تدرك الإمكانات المتاحة القابلة للاستخدام لأنها المعيار الأساسي الذي يعتمد في تحديد نطاق الحرب الدفاعية وأهدافها..، كما يجب أن تدخل في اعتبارها كل الاحتمالات حتى لا تتورط في الأضرار بالمصلحة القومية العليا.. (6).

الاستراتيجية:

إن عملية تحديد الوضع الاستراتيجية لعالم ما بعد الحرب الباردة، تعتبر أصعب لارتباطها، بفهم الدولة الديناميكي والمتغير إلى حد كبير.

على الدولة أن تعيد بناء نفسها من جديد لأنها تعيش أهم تحولاتها التاريخية..، ضمن محيط دولي يشهد أهم تحولاته..، مما يتطلب عملية تفكير دقيق وعميق تحمل في طياتها تحليلا استراتيجيا مستوعبا لجميع الأوضاع الدولية (7)...

تسعى النظريات الاستراتيجية لتجاوز الصعوبات التي تتعرض لها المجتمعات في فترة التحولات التاريخية، وتفسر قدرتها ومدى استعدادها لأن تتحول إلى قوة فاعلة ومؤثرة.

لقد تبلورت الرؤية الاستراتيجية في ظل تأرجح توازنات القوى المتعددة..

إن القوة الأمريكية مثلا تشكلت نتيجة الصراع الذي دار بين القوى الأوربية المتنافسة في الفترة ما بعد الحربين العالميتين..

الفكر الاستراتيجي يركز أساسا، على تحديد معنى القوة، ومظاهرها ومحاور تغيرها، وتفسير العلاقة بين القوة والقيم.. وبهذا الصدد تطرق المؤرخ البوناني توسيدس(Thucydes) في كتابه حول الحروب ببلوبونسية إلى أهمية القوة في تحديد الأهداف السياسية وعرض الفيلسوف الفارابي في كتابه المدينة الفاضلة البعد القيمي للسياسة، أما ابن خلدون فقد تناول في مقدمته العناصر الديناميكية التي تحقق التغيير المحوري للقوة في السياسة..، لقد حاولت الثقافة القديمة بناء نوع من الانسجام بين القوة والقيم..، فقد فصل "ميكافيلي" بين الواقع السياسي والبعد القيمي (في كتابه الأمير) الذي يعد مؤشرا على التحول من النظام الإقطاعي إلى الدولة القومية(8)...

إن اتفاقية "ووسفاليا التي أبرمت سنة 1648 بعد حروب الثلاثين ترتب عنها ظهور النظام الذي أدى إلى تشكيل الدولة القومية، وجعلت من القوة إطارا قانونيا..

بعد الثورة الفرنسية وما تمخض عنها من أطر نظرية، بالإضافة غلى ما أفرزته علاقة الحركات القومية، من تنافس استعماري وتشكل الواقع السياسي..، كما أن القضاء على الإمبراطوريات التقليدية أدى إلى ظهور عدد كبير من الدول القومية في أوربا وخارجها..

وبعد الحرب العالمية الثانية سقطت الإمبراطوريات الاستعمارية، مما أدى إلى جعل مسألة القوة عنصرا أساسيا في العلاقات الدولية..

المدرسة الواقعية تدافع عن معنى القوة بمفهومي المنفعة والسيادة بشكل متكامل، في إمكانية إنشاء نظام عالمي وفقد توازنات من القوى التي تربط بين الدول القومية..، في حين ترى المدرسة المثالية ضرورة أن تكتسب العلاقات الدولية بعدا قانونيا وقيميا.. وقد أدت التبعية المتبادلة بين الدول بتأثير العوامل الاقتصادية والسياسية، فجعلت من مفهوم القوة مسألة مختلطة ومتشابكة(9)...

ونتيجة لهذا الوضع برزت مفاهيم لتحديد معنى القوة خصوصا مع المتغيرات الجيوسياسية والاستراتيجية العالمية...

إن عناصر القوة المتغيرة لبلد ما والتي يمكن تفعليها في المدى القريب والمتوسط هي التي تعكس مدى قدرة الدولة على استخدام قوتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية بشكل منسق ومثمر، في بناء سياسة خارجية تكرس مكانة الدولة في التوازنات العالمية..

إن عدم قدرة الدول على إعادة بناء عناصرها الفعالة، بشكل منظم ينتج عنه أن نصاب بالوهن وبضعف تأثيرها في العلاقات الدولية.

لقد أصبحت الخيارات الاقتصادية والسياسية للدولة عنصرا قويا من عناصر استراتيجيتها، وهذا هو حال القوى الكبرى التي تعد طرفا في المنافسة الاقتصادية والسياسية، على الصعيد الدولي، وكذلك القوى الإقليمية التي تقع تحت تأثير هذه المنافسة (10)..

لقد عملت الدول على توجيه سياساتها نحو اتخاذ مكانة في التوازنات من خلال نماذج تنموية..مما أدى الى ربط قوة الدولة وبتأثيرها على المسرح الدولي..

ومن الأمثلة في هذا المجال، هو قيام اليابان بوضع الاقتصاد في مركز سياستها الخارجية’ كمقياس استراتيجي بعد الحرب العالمية الثانية..

وأصبحت المنافسة المتعلقة بالتفوق العلمي والتكنولوجي من أسباب التوتر والصراع بين مختلف الدول..، لذلك فإن القوى المهيمنة على النظام الدولي تبذل جهودا كبيرة حتى لا يفلت منها زمام التفوق التكنولوجي.

الولايات المتحدة تسعى لتحافظ على وضعها كقوة مهيمنة في العلاقات الدولية باعتمادها على تفوقها التكنولوجي، وتأخذ في الاعتبار المنافسة الشديدة بينها وبين القوى الأخرى على الساحة الدولية التي تملك القدرة على المنافسة في هذا المجال..، في مقدمتها الصين واليابان والاتحاد الأوربي.

إن القضية الأساسية في الحرب الاقتصادية تتعلق بتحويل التكنولوجيا إلى وسيلة تستخدم من طرف المجتمعات في جميع المجالات الحياتية.

وينصب الصراع بين المتنافسين على التحكم في التكنولوجيا المتطورة، والجديدة.

كلما ازدادت الحرب التكنولوجية حدة، فإنها سترسم ملامح الحروب الاقتصادية والسياسية والعسكرية في المستقل.

كما أن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة على جبهات متعددة، ستحدد الشكل الذي ستؤول إليه الهيمنة الأمريكية(11)..

إن القدرة العسكرية هي التي تحول كل العناصر إلى قوة فعلية، وهي إحدى المؤشرات الأساسية للقوة الكامنة للدولة في زمن السلم وأهم مظهر يعكس القوة الحقيقية للدولة زمن الحرب.

القدرة العسكرية تعتبر المقياس الذي تحدد على ضوئه القرارات الاقتصادية والدبلوماسية والسياسية وما ينتج عنها من توجهات وتطبيقات (12)..

فهناك علاقة وطيدة بين القوة العسكرية للولايات المتحدة وقوتها الاقتصادية والتكنولوجية وسياستها الخارجية..، وهذا الترابط الوثيق بين عناصر القوة هو الذي جعل منها قوة مهيمنة ومؤثرة في العلاقات الدولية..

إن الذهنية الاستراتيجية، لمجتمع ما هي نتاج لوعي مشترك بالتراكم التاريخي الذي يحمل في داخله العالم الثقافي والنفسي، والديني والقيم الاجتماعية.. كما أن هذه الرؤية تحدد وضع المجتمع ودوره التاريخي..، وتتقاطع فيها الآثار المكانية المستندة إلى المعطيات الجغرافية مع الآثار الزمانية المستندة إلى الوعي التاريخي..، ومن ثم فإن الاختلاف في وجهات النظر الاستراتيجية للمجتمعات هو اختلاف عالم التصورات الذي يستند على البعدين المكاني والزماني. أي أنها تتخذ من تجاربها التاريخية محورا لها لصياغة البنية الذهنية التي تؤثر على توجهاتها ووضع سياساتها الخارجية.

إذا أخذنا مفهوم الأمة كوحدة سياسية تكونت ضمن مراحل تاريخية طويلة تظهر الذهنية الاستراتيجية للمجتمع، وتتشكل من جديد ضمن المسيرة التاريخية التي يمر بها الوعي بالهوية، وتبدي هذه الذهنية استمرار طويل الأمد يتعدي التموجات السياسية العابرة.

تعتبر الذهنية المانية نتاج وعي تاريخي تمتد جذوره إلى الإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة، إضافة إلى الأسس الفلسفية للدولة القومية الحديثة.

يرى الفيلسوف "هيجل" بأن جذور الوعي التاريخي الماني يعتبر استمرارا للذهنية الاستراتيجية المانية التي يتداخل فيها الوعي بالهوية بوعي المكان والزمان.. (13).

ان المجتمعات التي تحافظ على إرثها التاريخي تكون قادرة بفعل الذهنية الاستراتيجية على إعادة بناء هويتها من أجل الظهور مجددا على مسرح التاريخ والمساهمة في البناء الحضاري، فالذهنية الاستراتيجية تربط علاقة بالآثار الناتجة عن المعطيات الثابتة والمتغيرة في صيغة معادلة القوة...

فالعناصر التي تشكل مجمل معادلة القوة، يؤثر بعضها في بعض..، بحيث لا يمكن للدول التي لا تملك ذهنية استراتيجية، وإرادة سياسة قوية ومنسجمة، أن تشكل القوة التي تحقق التفوق بالنسبة لعناصرها الثابتة والمتغيرة (14)..

إن معادلة القوة في حالة الدفاع أو الهجوم تندرج في إطار فن الحرب على المستويات التكتيكي والاستراتيجي وضمن هذا الإطار يتم اختيار البديل الأمثل للوصول إلى الأهداف من الحرب..، في ظل المعرفة بقدرات الذات وقوة الخصم..، وكذلك بالأرض التي يتم عليها الصراع وبالمجال والظروف المحيطة بالصراع.

ولا يمكن للحسابات أن تلغي المخاطر..، لأن الحرب تبقى وسيلة من أجل هدف جاد..، وهي أداة سياسية بامتياز. وليست غاية في ذاتها، كما أن النصر العسكري ليس هدفا في ذاته..

إن العلاقة السياسية بالقوة المسلحة، علاقة، وطيدة، لا انفصام لها، تقوم على صراع المصالح، وتستند إلى موازين القوة، بين المتصارعين من أجل التوفيق من خلال تحويل التصورات السياسية عن طريق التكامل، بين القوة والأهداف بغرض تطويع الواقع، وذلك بتحديد القضايا، التي قد يجري حولها تهديد بالصراع أو الحرب..

وإن أي سياسة لا تسندها قوة قابلة للاستعمال، تفقد هدفها وتضل عنه..، ويخطئ الذين يتصورون أن الاحتكام إلى القوة يعني التخلي عن العمل السياسي، أو أن التجاء إلى العمل السياسي يعني التخلي عن القوة..

إن القوة عنصرا واحدا، وليس وحيدا والسياسة المعزولة عن القوة هي سياسة عقيمة..، إن مصالح الدول ترتبط بقوتها والقوة مزيج مركب يتكون من القدرة العسكرية والموارد الاقتصادية، وممارسة القوة تعتمد بالدرجة الأولى على نوعية القيادة السياسية في الدولة..، ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف التي قررتها أو أعلنتها..، فالسياسة لا تقوم على الأخلاق وحدها ولا على القوة وحدها، وإنما لكل منهما دوره في تحقيق الهدف..، الأخلاق تعطي الهدف غطاءه الشرعي والقوة تمنحه فاعليته الحقيقية فلا فائدة من اي قوة مسلحة، لا تعززها الإرادة السياسية..، وبدون إرادة سياسية تتحول القوة إلى مخزون سلاح..

الدولة إذا بدت ضعيفة، فإنها تدعو غيرها للعدوان عليها، حتى وإن لم تكن ضعيفة..، ونتيجة لذلك تفقد قوتها الرادعة قيمتها في التأثير على الحوادث(15)..

ومن نافل القول أن استخدام القوة في الصراعات بين المجتمعات والدول عبر العصور تم من أجل تحقيق الأهداف السياسية، وترجيح مصالح الأقوياء بإخضاع الضعفاء لإرادة القوة الغالبة، ضمن ما تفرضه موازين القوى الاستراتيجية الجديدة تأسيسا على أن القوة في التاريخ أداة، ووسيلة السياسية في رسم الأهداف وتحديد المصالح الحيوية في الحرب والسلم..، وذلك باعتماد رؤية جيواستراتيجية شاملة، قادرة على التصدي لجملة تحديات المسار التاريخي المتغير.. وهذا ما شغل فكر منظري الحرب وفلاسفة الحكم وعلماء السياسة والاجتماع..، فقاموا بصياغة نظريات وتصورات تلخص الرؤية الاستراتيجية المطلوبة في العلاقة الوطيدة بين القوة والسياسة..، إن ما يهمنا مما سنعرض له من نظريات ليس فقط عمق التحليل والقدرة على استخلاص النتائج، وتجنب الوقوع في خطأ الحساب والتورط في الصراع بقدر ما تنطوي عليه الصراعات من انتقال القوة نتيجة تنامي نفوذ القوى الصاعدة في التنافس على الموارد والأمن والكسب الاقتصادي(16)..

فلا محيص إذن من الرجوع إلى أسباب الغلبة، وسبر أسباب الهزيمة.. بغرض فهم طبيعة الصراعات الجارية على الساحة الدولية ضمن مخططات جيوسياسية.. ترتكز على القوة في المقام الأول باعتبارها العامل الرئيس في رسم السياسات، وتحديد الأهداف وصياغة النظريات الاستراتيجية التي تضع أنجع الطرق لاستخدام القوة العسكرية لحسم الصراع والوصول إلى أهداف السياسة.. من هذا المنطلق سنعرض لعلاقة الحرب بالسياسة من منظور الفكر الاستراتيجي الذي يحدد طرق استخدام الدولة لقوتها العسكرية لتحقيق أهدافها.. يعتبر كارل فون كلاورفيتز (1780-1831) أهم مفكر استراتيجي في العصر الحديث وضع كتابا "عن الحرب" صدر سنة 1832 تطرق فيه إلى العلاقة الجدلية بين الحرب والسياسة، وبسط فيه المخططات الأساسية للحرب في جميع أطوارها وضمن الكتاب نظرية حول الحرب والسياسة.

***

أحمد بابانا العلوي

.................

ملحوظة: هذه مقدمة لمقال حول نظرية الحرب والسياسة عند "كلاوزفيتز

 

في المثقف اليوم