دراسات وبحوث

دراسات وبحوث

سيمياء التأويل والسرد ونظريات الإنتاج الدلالي

ملخص البحث: تتناول هذه الدراسة الخامسة ضمن المشروع البحثي الشامل مفهوم التأويل كأداة فلسفية وسيميائية مركزية لفهم الخطاب السردي والحكاية والأدب العجائبي. وتعتمد الدراسة على ما تم التوصل إليه في الدراسات السابقة ضمن المشروع، من تحليل الخطاب السردي وفق المنهج الشكلاني إلى التحليل البنيوي، مرورًا بسيمياء البنية وصولًا إلى سيمياء الأهواء، لتقدم رؤية متكاملة تُظهر التجاور بين التحليل الغربي للمفكرين البارزين مثل أمبرتو إيكو ورولان بارت وميشيل فوكو وجوليا كريستيفا وفولفغانغ إيزر، ومن ثم المقاربات العربية التي صاغها محمد مفتاح ونصر حامد أبو زيد وطه عبد الرحمن.

وتؤكد الدراسة على تعددية المعاني والمرجعية الثقافية والبعد الرمزي والفلسفي للتأويل، كما تُبرز العلاقة الحية بين النص والقارئ والسياق الاجتماعي والثقافي، ما يجعل التأويل أداة محورية في التحليل المتقدم للخطاب السردي والأدب العجائبي، ويُثري فهم البنية الدلالية للنصوص ضمن الإطار الثقافي والفلسفي.

الكلمات المفتاحية: التأويل، الخطاب السردي، السرد، الحكاية، الأدب العجائبي، التحليل السيميائي، الدراسات العربية والغربية

Academic Abstract

The fifth study within this comprehensive research project examines interpretation (hermeneutics) as a central philosophical and semiotic tool for understanding narrative discourse, storytelling, and fantastic literature. The study builds upon the findings of previous research within the project, ranging from formalistic approaches to structuralist analysis, passing through the semiotics of structure and culminating in the semiotics of passions, offering an integrated perspective that juxtaposes the Western analyses of prominent thinkers such as Umberto Eco, Roland Barthes, Michel Foucault, Julia Kristeva, and Wolfgang Iser, with Arabic interpretations by Mohamed Meftah, Nasr Hamid Abu Zayd, and Taha Abderrahman.

The study emphasizes the multiplicity of meanings, cultural reference, and the symbolic and philosophical dimensions of interpretation, highlighting the dynamic relationship between the text, the reader, and the socio-cultural context. Hence, interpretation is positioned as a pivotal tool in the advanced academic analysis of narrative discourse and fantastic literature, enriching the understanding of the semantic structure of texts within their cultural and philosophical framework.

Keywords: interpretation, narrative discourse, storytelling, tale, fantastic literature, semiotic analysis, Arabic and Western studies

على سبيل التقديم

تعتبر هذه الدراسة امتدادًا طبيعيًا لمشروع بحثي شامل تناول تطور تحليل الخطاب السردي من مختلف المقاربات النظرية، حيث بدأت الرحلة بالدراسة الأولى المعنونة ب- "الاتجاه الشكلاني في تحليل الخطاب السردي – فلاديمير بروب نموذجًا"، والتي ركزت على الأسس الشكلانية للخطاب والحكاية السردية، مستعرضة بنيتها الداخلية وعناصرها الثابتة والمتكررة.

تلتها الدراسة الثانية بعنوان "الاتجاه البنيوي في تحليل السرد - من القواعد التحويلية عند تودوروف إلى المفارقات السردية والزمنية عند جيرار جنيت"، والتي وسعت الأفق التحليلي إلى دراسة الزمن السردي والمفارقات والبنى التحويلية، مع التركيز على التفاعلات الداخلية للنصوص.

أما الدراسة الثالثة، الموسومة "من البنية إلى المعنى: الدلالة البنيوية وآفاق التحليل السيميائي - مشروع غريماس ومدرسة باريس نموذجًا"، فقدمت خطوة متقدمة في فهم المعنى من خلال تحليل الدلالة البنيوية وتوظيف السيمياء في كشف الرموز والبنيات الثقافية للنصوص.

ثم جاءت الدراسة الرابعة "سيمياء الأهواء: من الاستهواء إلى الجسد السردي - قراءة لمشروع غريماس وفونتني"، والتي سلطت الضوء على أبعاد التأويل الجسدي والنفسي في السرد، وكيفية تحليل الأهواء والرغبات الإنسانية كجزء من البنية السيميائية للنص، مما أتاح فهمًا أعمق للعلاقات بين القارئ والنص والثقافة.

وتأتي هذه الدراسة الحالية، بعنوان " الدلالة التأويلية والخطاب السردي: سيمياء التأويل والسرد ونظريات الإنتاج الدلالي"، استكمالًا لهذا المشروع البحثي المتسلسل، لترسخ فكرة أن تحليل الخطاب السردي لا يقتصر على البنية وحدها، بل يمتد إلى التأويل والفهم الرمزي، مستفيدًا من تجارب كبار المفكرين الغربيين مثل أمبرتو إيكو ورولان بارت وميشيل فوكو وجوليا كريستيفا وفولفغانغ إيزر وبول ريكور وإرنيست كاسيرير، ومن المفكرين العرب مثل محمد مفتاح ونصر حامد أبو زيد وطه عبد الرحمن.

ويهدف هذا المشروع البحثي، من خلال هذه الدراسة الحالية والخامسة ضمن سلسلة الدراسات السابقة إلى استكشاف التأويل كأداة فلسفية وسيميائية لفهم الخطاب السردي والحكاية والأدب العجائبي، وربطه بالذاكرة الثقافية الجماعية وإمكانات القارئ في استكشاف الرموز والمعاني العميقة.

تعريف الخطاب

تنتمي العبارات المشتقة من جذر (خ ط ب) إلى حقول دلالية مختلفة، بحيث يمكن اعتبار الخطاب نظام القول أو الفعل العقلي، أي القائم على الحجة والدليل، وفي قوله تعالى:﴿لا يملكون منه خطابا﴾ (1)، وهذا يقتضي أن الخطاب نظام القول المؤثر والمقنع لكل الأطراف.

ففي معجم مقاييس اللغة لابن فارس'' الكلام المتبادل بين اثنين، يقال: خاطبه يخاطبه خطابا، والخطبة من جنس الخطاب ولا فرق، وفي النكاح: الطلب أن يزوج وقال تعالى "لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النكاح " والخطبة: الكلام المخطوب به، والخطب، الأمر يقع ، وإنما سمي بذلك لما يقع فيه من التخاطب والمراجعة''(2).وفي أساس البلاغة للزمخشري: نجد "خطب فلان، أحسن الخطاب، والخطاب هو المواجهة بالكلام، وأختطب القوم فلانا: إذا توجهوا إليه بخطاب يحثونه فيه على تزوج صاحبتهم وتقول له: أنت الأخطب، البين الخطبة'' (3).

وفي العين للخليل: "الخطاب هو مراجعة الكلام، والخطبة مصدر الخطيب، وكان الرجل في الجاهلية إذا أراد الخطبة قام في النادي فقال: خطب، ومن أراده قال: نكح، والخطب: المرأة وهو الزوج والخطبة إن شئت في النكاح وإن شئت في الموعظة''(4). وفي الكشاف ''نجد أن الخطاب ''في أصل اللغة توجيه الكلام نحو الغير للإفهام ثم نقل إلى الكلام الموجه نحو الغير للإفهام وقد يعبر عنه بما يقع به التخاطب''(5).

جاء في أساس البلاغة للزمخشري ''خطب فلان: أحسن الخطاب، والخطاب هو المواجهة بالكلام، واختطب القوم فلانا: إذا توجهوا إليه بخطاب يحثونه فيه على تزوج صاحباتهم. وتقول له: أنت

الأخطب: البين الخطبة''(6).

وعموما الخطاب اسم مصدر مشتق من خاطب، وهو يدل على ما ينجزه المخاطب المتمثل في

توجيه الكلام إلى الغير، وقد يتقاطع الخطاب في معناه مع مصطلحين آخرين هما: الكلام باعتباره مرادفا للمخاطبة، وقد سبق لابن منظور أن ميز بينهما من خلال معنى التبادل والمشاركة حين قارن بين المصطلحين إذ يقول 'والخطاب والمخاطبة مراجعة الكلام وقد خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابا وهما يتخاطبان (7) وهو تعريف يجعل الخطاب أعم وأشمل من معنى المخاطبة، إذ أن هذه الأخيرة لا تمث-----ل

سوى نوع مخصوص من ذاك.

إن لفظ الخطاب يتردد كثيرا بالاقتران بوصف الآخر مثل: الخطاب الثقافي، الخطاب السياسي، الخطاب التاريخي، الخطاب الاجتماعي، الخطاب الصوفي.

ولذلك ورد الخطاب بتعريفات متنوعة بهذه الميادين العديدة بوصفه فعلا، يجمع بين القول والعمل، فهذا من سماته الأصلية، وليس في هذا تشتت بقدر ما فيه من غنى وسعة في التصنيف، وقد ورد لفظ الخطاب عند العرب قديما، كما ورد عند الغربيين.

الخطاب عند العرب

ورد لفظ الخطاب في الثقافة العربية في عدة مواضع، إذ ورد في القرآن الكريم بصيغ متعددة منها: صيغة الفعل في قوله تعالى: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾(8)، وفي قوله تعالى عن داوود عليه السلام ﴿وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾(9).

ولقد عد الرازي صفة فصل الخطاب من الصفات التي أعطاها الله تعالى لداوود معتبرا إياها من علامات حصول قدرة الإدراك والشعور، والتي يمتاز بها الإنسان على أجسام العالم الأخرى من الجمادات والنباتات وجملة الحيوانات.

وقد ورد اسم المفعول (المخاطَب) عند النحاة للدلالة على طرف الخطاب الآخر، أي الذي يوجه المرسل كلامه إليه، وقد وردت كثير من الاشتقاقات في مادة "خ ط ب" ومن بين الأدلة على ذلك إيراد النحاة العرب لاسم الفاعل (مخاطِب) ولاسم المفعول (مخاطَب)، بوصفهما طرفي الخطاب"(10). ويعرفه الآمدي بأنه "اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيئ لفهمه " أما الجويني فيرى:

"بأن الكلام والخطاب والتكلم والتخاطب والنطق واحد في حقيقة اللغة وهو ما به يصير الحي متكلما"(11).

الخطاب عند الغربيين

تعددت مصطلحات الخطاب وتنوعت بتنوع الدراسات واختلافها، وعموما يطلق مصطلح الخطاب على أحد هذين المفهومين: الأول أنه ذلك الملفوظ الموجه إلى الغير، بإفهامه قصدا معينا، والثاني الشكل اللغوي الذي يتجاوز الجملة.

والخطاب حسب بنفنيست Benveniste هو كل تلفظ يفترض متحدثا ومستمعا، تكون للطرف الأول نية التأثير في الطرف الثاني بشكل من الأشكال (12).

ومن ثمة يميز بنفنيست Benveniste بين نظامين للتلفظ هما: الخطاب والحكاية التاريخية، ذلك أن الخطاب لا يقتصر في كونه وحدة لسانية مفرغة، بل يتشابك مع الثقافة والمجتمع، ''فالخطاب قوامه جملة الخطابات الشفوية المتنوعة ذات المستويات العديدة، وجملة الكتابات التي تنقل خطابات شفوية شأن المراسلات والمذكرات والأعمال التعليمية، حيث يختلف عن الحكاية التاريخية في مستويين اثنين هما: الزمن وصيغ الضمائر"(13).

أما فوكو فقد أخذ يحدد مفهوم الخطاب على أساس أنه لا يمكن فصل مفهوم الخطاب عن مفهوم اللغة، وعن ذلك التمييز القائم بين لغة جدلية ولغة غير جدلية؛ حيث تمتاز اللغة غير الجدلية أو غير الخطابية في منظور فوكو، بالاختراق والتجاوز والتعدي وبالطابع الوجودي، بينما اللغة الجدلية أو الخطابية أو الخطاب بصورة دقيقة يمتاز بتلك الخصائص التي بها يختلف عن مفهوم اللغة، وإن كانت اللغة تلتقي مع الخطاب في مرجع الطابع الوجودي.

ويقول فوكو نطلق مصطلح الخطاب على مجموع الملفوظات التي تنتمي إلى تشكيلة خطابية واحدة (14)، ويقصد بالتشكيلة الخطابية المنظومة المنطوقية العامة التي تحكم مجموع الإنجازات اللفظية(15).

مفهوم السرد لغة واصطلاحا

السرد لغة: تقدمة شيء إلى شيء، تأتي به متسقا بعضه إثر بعض متتابعاً، وقيل سرد الحديث ونحوه، يسرده سرد إذا تابعه، وكان جيد السياق له(16). ومن المجاز نجوم سرد أي متتابعة، وتسرَّد الدر: تتابع في النظام، وماش مسرد يتابع خطاه في مشيه (17).

أما اصطلاحا: فالسرد خطاب غير منجز، وله تعريفات شتّى، تتمركز في كونها طريقة تروي بها القصة، وسنعتمد في هذا النطاق على تعريف "جيرار جنيت" للسرد، بحيث عرّفه من خلال تمييزه القصّة، أي مجموع الأحداث المروية "من الحكاية" أي الخطاب الشفهي أو المكتوب الذي يرويها "ومن السرد"، أي الفعل الواقعي أو الخيالي الذي ينتج هذا الخطاب، وقد رأى "الشكلانيون" أن السرد وسيلة توصيل القصة إلى المستمع أو القارئ، بقيام وسيط بين الشخصيات والمتلقي الذي هو الراوي (18).

مفهوم الحكاية

إن مصطلح الحكاية يتضمن كل الإجراءات السردية القائمة على بنيات حدثية وشخصيات أي عوامل تنجز هذه الأحداث في سياق زمني ومكاني اعتمادا على علاقات متفاعلة ومتناقضة والتي يقوم بها عنصر الحكي، هذا الأخير الذي يؤطِّره وجود سارد يختار التموضع وفق وجهة نظر معينة.

أما إذا انتقلنا إلى مفهوم الحكاية لدى الغرب فنجد نموذجا في هذا السياق، وهو الفيلسوف الألماني "هيجل"، الذي اعتبر الحكاية في الفلسفة أداة منحطة لعرض الفكر مؤكدا أنه حتى عندما يلجأ الفلاسفة إلى سرد الحكايات، فإن الفكرة هي التي تأتيهم في البداية، أمّا الصور فتأتي فيما بعد، وهذا يعني أن الحكاية غير قائمة بذاتها، بل هي بمثابة الحرص الطارئ على الجوهر (19).

مثلت اجتهادات "الشكلانيين الروس" حول النظرية الأدبية وأعمال "فلاديمير بروب" حول الحكاية العجيبة وكذلك السرديات وسيميوطيقا الحكي ونظريات لسانيات النص وتحليل الخطاب ومرورا باجتهادات الأنتروبولوجيين (ستروس) وعلماء الأديان (ميرسيا) الإنسياب في الاشتغال بالسرد الذي حظي بمكانة متميزة سواء تجلى من خلال الخطاب اليومي أو الصحفي أو التاريخي أو الأسطوري أو الأدبي...، وقد ساهمت أهم هذه الإنجازات في ظهور علوم عديدة تعنى بالسرد أي صارت علوم سردية خاصة منذ أواسط هذا القرن لها قضاياها ومناهجها الخاصة سواء بالسرد الحديث المتمثل في الرواية - القصة... أو السرد القديم الذي يمثل الحكايات العجيبة – الأساطير – القصص الديني...

وفي هذا النطاق نجد "جيرار جنيت" يضيق مجال السرديات بحصر موضوعها من خلال صيغة، السرد (الخطاب)، أما المشتغلون بالحكي والبنيات الحكائية فيوسعون مجال اهتمامهم بانطلاقهم من المحتوى(20)، ويحيل مصطلح "السرد" إلى الكيفية التي يتم بها بناء النص الأدبي وهو يختلف عن "القصة" التي تمثل المادة الأولية الخام كما يختلف عن "النص" الذي يمثل الشكل النهائي والواقع المادي الناجم عن امتزاج "القصة" "بالسرد"، فالقصة القصيرة منظومة أدبية يطلعنا فيها الكاتب (المبدع) على ما يتضمنه عالمه التخيلي من وقائع وشخصيات تبدو لنا مألوفة تارة وغريبة تارة أخرى، وعملية نقل هذا العالم الخيالي إلى القارئ إنما يقوم به السارد "الراوي" إذ بفضله يعرض الكاتب مادته العملية القصصية بالكيفية التي يشاء أن يستخدمها وعليه يكون الراوي هو الشخصية التي تمثل "الأنا الثانية للكاتب " غير أن الفرق بين الإثنين يتمحور في أن الأخير منشئ النص ومانعه "فهو الذي اختار الأحداث والشخصيات والبدايات والنهايات كما اختار الراوي، لكنه لا يظهر ظهورا مباشر في النص القصصي" فهو لا يسترسل في سرد حكايته بنفسه، بل يحول هذا النمط إلى الشخصية الخيالية.

فالكاتب مثلما يكون مؤلفا للمادة القصصية فهو "ينسج أيضا صورة مسقطة عن ذاته"، يلجأ بتجسد هذه الرؤية في شخصية الراوي الذي يلزمها بأداء دورها الوظيفي، المتمثل في الكشف عن عالم قصته الإبداعية، فلا تتوقف وظيفة الراوي فقط عند حدود نقل مروي، بما فيه ذلك من أحداث ووقائع فحسب، بل قد يكون فاعلا في تلك الأحداث أو ربما يتدخل في سياقها السردي ببعض التعليقات، ويتخذ الراوي وضعيتين: فإما يكون داخل الحكي، أو أن يكون موجودا خارج الحكي، وعلى هذا النحو فإن العلاقة التي تربط الراوي بأحداث القصة وشخصياتها تتضمنها علاقة أخرى، تربطه والأحداث بركن آخر هو "المروى له" "ذلك أن عملية التلقي يحددها حجم المعلومات التي يقدمها الراوي للقارئ والكيفية التي يقدم بها هذه المعلومات"؛ ومن تم كانت السردية هي "العلوم التي تبحث عن تشكيل نظرية لعلاقات النص السردية (الحكي والقصة)، إنها لم تهتم بالنص السردي مفردا أو بالقصة".

ويدل الخطاب السردي على النص المقرر من حقيقته المادية، ومن حيث هو نص مكتوب بلغة معينة تستغرق قراءته زمنا معلوما كما يخضع إلى ترتيب زمني معين، وإلى فضاء الانتظام والتمظهر، وعليه فإن مجال السرد أضحى يشمل شتى الخطابات الأدبية وغيرها، مروية كانت أم مقروءة، يقول بارت "يمكن أن يؤدى الحكي بواسطة اللغة المستعملة، شفاهية كانت أو مكتوبة...إنه حاضر في الأسطورة والخرافة والملحمة والتاريخ...".

ومنه تتشكل البنية السردية للمؤلف القصصي بتفاعل الأركان الثلاثة الراوي، والمروي له، باعتبار الراوي صلة وصل بين الطرفين الآخرين، فهو المكلف بإدارة أحداث القصة، وتقديم شخصياتها للقارئ إلا أنه قد يتيح الفرصة لشخصية من الشخصيات بممارسة العملية السردية، بل قد يكون هو نفسه إحدى هذه الشخصيات فيؤدي بذلك دورين في الان ذاته، دور الراوي ودور الشخصية القصصية الرئيسية.

لكن يظل السؤال يطرح نفسه: أين يوجد السرد؟

فللإجابة عن هذا السؤال سوف ندرج في هدا الصدد رأيين متناقضين على النحو الآتي:

الأول: يعتبر أن السرد يرتبط بخطابات معينة مثل ما هو الشيء في الكتابات الروائية والقصصية وأنه يدرس اعتمادا على العلوم السردية أو السرديات.

الثاني: يعتبر أن السرد لا يوجد في خطاب بعينه بل إنه يوجد في كل الخطابات، وقد كان "رولان بارت" سباقا لذلك حيث يعتبر أن السرد موجود في الأسطورة والملحمة والحكاية والتاريخ...فهو يتمظهر في أشكال متعددة ومتنوعة لأنه بنية لا يمكن ضبطها أو حصرها، ومعنى ذلك أنه لا يوجد شعب من دون سرد فهو كوني ويرتبط بثقافة معينة.

ويكشف "جيرار جينت" على كون الحكاية خطاب سردي، حيث يعدها جوهر السرد باعتبارها ثابتة وأساسية، فالسرد يقوم على حكاية خيالية أو واقعية أعيد إنتاجها بطابع خيالي أو واقعي في نموذج لفظي يندرج تحت أنواع أدبية، وقد صنّف "جيرار جينيت" دلالة كلمة حكاية في ثلاثة اتجاهات:

أ - إنها الخطاب الشفوي أو المكتوب الذي يضطلع برواية حدث أو سلسلة من الأحداث.

ب - تشير إلى سلسلة الأحداث الحقيقية أو التخيلية، بغض النظر على الوسيط اللساني.

ج - إنها تدل على حدث، إلا أنه ليس حدثا يروى؛ بل هو الحدث الذي يقوم على أن شخصا ما يروي شيئا، إنه فعل السرد متناول بوصفه غاية (21).

فالحكاية بمعناها الأخير تدل على الخطاب المنطوق به من الجهة التركيبية والدلالية، فهي تطلعنا على الأحداث التي ترويها عن طريق السرد الذي أنتجها، من خلال وسيط، هو الخطاب الذي يحمل علامات أو قرائن تدل على أسبقية العمل المروي على العمل السردي (22)، مما يجعل الحكاية لاحقة بالسرد، فالحكاية في تحققها الأول الشفهي أو حتى المكتوب تنتظم لتشكيل الأحداث، ويفرَّق فيها بين مستويين اثنين:

الأول: أنها متوالية من الأحداث المروية بما تتضمنه من استرجاع واستباق وحذف، واصطلح الشكلانيون الروس على هذا المستوى ب-: "المبنى".

أما الثاني: "الاحتمال" المنطقي لنظام الأحداث واصطلحوا عليه ب- "المتن"، فالمبنى يحيل على الانتظام الخطابي للأحداث في سياق البنية السردية. أما المتن فيحيل على المادة الخام التي تنظم جوهر الأحداث في سياقها التاريخي (23).

وفي السياق نفسه نجد " ت--وماشفسكي " يميز بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي فجعل الأول: مقترن بالحكاية والوقائع والأحداث كما يفترض وقوعها في الواقع، وجعل الثاني: هو التجلي الكتابي لعناصر المتن الحكائي، مما يجعله منتجا لغوياً صرفا ويمكنه ألا يكون لغويا فقط.

نستنتج من خلال رأي "ت--وماشفسكي" إذا أنه قد بيّن عن اختلاف بين المستويين؛ فالمتن الحكائي يخضع لمبدأ السببية والتعلق بينما المبنى الحكائي يتأسس لعالم متخيل حيث زمن الخطاب.

ويشير "تودوروف" إلى أن الحكاية تتكون من مجموعة من الأفعال القابلة للسرد من قبل مجموعة مختلفة ومتعددة من الرّواة، ومن ثم فهي غير ثابتة المعالم من حيث الأداء؛ إذْ إن كل راو يقدمها بحسب رؤيته الخاصة، ويتساءل "رولان بارت" عن وجود بنية الحكاية، وينتهي إلى أنها موجودة في المحكيات، ولكن ليس في كل المحكيات (24).

أمّا فيما يخص مستوى الحكاية فنجد وفق منظور" كلود ليفي شتراوس" أنه يعتمد فيه على تحديد بنية الحكاية، من خلال دراسته للأنساق الثقافية والبنية الاجتماعية، حيث يرى أن الأشكال الثقافية المحكومة بعلاقات التشابه في البُنى تفضي إلى نظام من المفاهيم والدلالات والتي تفسر حقيقة المجتمعات البشرية، أي فكرة ارتباط السرد بالحياة الاجتماعية وتعبيره عن مظاهر الواقع المادي والاجتماعي وارتباطه بأشكال ثقافية أخرى، والاهتداء إلى بناه السطحية والعميقة في إقامة عملية التواصل (25).

مفهوم السردية

يعرف الدكتور رشيد بن مالك السردية بقوله: "يطلق مصطلح السردية على تلك الخاصية التي تخص نموذجا من الخطابات ومن خلالها نميز بين الخطابات السردية والخطابات غير السردية" وقد لاحظ إميل بنفنيست استخدام هذا الطرح للتمييز بين الحكاية التاريخية والخطاب في معناه الضيق، معتمدا في ذلك على مقياس مقولة المتكلم، حيث يميز استخدام الغائب الحكاية والمتكلم الأنا الخطاب، ومفهوم الخطاب حسب بنفنيست هو كل تلفظ يتصور متكلما ومتلقيا، تكون فيه نية الأول التأثير على الثاني بطريقة ما، أما الحكاية (القصة) فهي ما جرى فعل الطرح الموضوعي التاريخي. فإذا كان الخطاب هو الكيفية التي يقدم بها السارد الأحداث، فإن تحليل الحكاية هو تحليل للمضمون، أما تحليل الخطاب فهو تحليل للشكل أي كيفية الأداء.

وقد أظهرت السرديات في مقاربتها المختلفة وجود تنظيمات مجردة وعميقة تحتوي على معنى ضمني منظم لإنتاج هذا النموذج من الخطابات. وعملت السردية بالتدريج كقاعدة لتنظيم كل خطاب سردي وغير سردي باعتباره يمثل امكانيتين إما أن يكون الخطاب تسلسلا منطقيا بسيطا للجمل وبالتالي فإن المعنى لا يكون إلا نتيجة لاطراد يتجاوز إطار اللسانيات والسيميائيات. وإما أن يكون الخطاب دالا وفعلا لغويا واعيا ومحتويا على تنظيمه الخاص.

ويعني السرد فعل الحكي المنتج للمحكي، او إذا شئنا التعميم، مصوغ الوضع الخيالي الذي يندرج فيه والذي ينتجه السارد.

مفهوم الأدب العجائبي

تعتبر الحكاية العجيبة بمثابة نوع سردي شعبي ، لا يكتمل إلا بتوافر مجموعة من الشروط التكوينية الأساسية ، إذ تهيمن عليها الظواهر الخارقة من سحر وجن وأفعال خارجة عن المنطق والمعقولية، ولا يخضع إلى سلطة المكان والزمان دون التركيز على المغزى الوعظي والأخلاقي المباشر، فهي تقدم عوالمها العجائبية كما لو كانت أمرا طبيعيا، كما يعد الأدب العجائبي فضاء حافلا بالمغامرات الخارقة والعجائب المبهرة التي تحمل القارئ إلى عوالم مثيرة، يمتزج فيها الواقع بالخيال والحلم بالوهم والحقيقة بالسحر، والتي تدفعه اٍلي تصور ما هو أبعد من الواقع وأغرب من الخيال، ليجد نفسه في عالم يلتقي فيه العجيب بالغريب، والملاحظ أن هناك عدة مصطلحات تستخدم كمرادف لمفهوم العجائبي من قبيل العجيب والغرائبي والخارق والخرافي، ولتحديد مصطلح العجائبي وضبطه ، رأينا أنه من الضروري أن نقف عند مفهومي العجيب والغريب، معتمدين في ذلك على تصور تزفيتان تود وروف من خلال كتابه "مدخل إلى الأدب العجائبي" الصادر سنة 1970، الذي كان يحاول من خلاله موقعة الأدب العجائبي بين الأجناس الأدبية (26)، والذي يرى على أن مفهوم العجائبي لا يعرف اٍلا من خلال مفهومي العجيب merveilleux والغريب étrange.

مفهوم العجيب في المعاجم العربية

إن مفهوم "العجب معناه اٍنكار ما يرد عليك لقلة اٍعتياده " (27).

والعجيب في هذا الطرح يعكس غموضا يستند على نقيض المألوف الذي تحدثه العادة، فقلة الاٍعتياد تخلق حالا من الالتباس والغموض القائمين على التردد والحيرة المولدين للدهشة. وقريب من هذا المفهوم ما يقوله "الزجاج:" أصل العجب في اللغة أن الاٍنسان اٍذا رأى ما ينكره قال عجبت من كذا...) (28). وتعريف الزجاج يشير اٍلي موقف المتلقي لهذه العجائب والذي يعبر عن اٍنكاره للشيء الخارج عن حدود الحقيقة والاعتيادي والمألوف، وكل ما هو متعارف عليه. ويذهب "اٍبن الأعرابي" في نفس السياق فيعرف العجب بأنه النظر اٍلى شيء غير مألوف ولا معتاد ويستشهد بقوله تعالي: "واٍن تعجب فعجب قولهم" وحسب هذا التعريف فاٍن خروج العجب عن المألوف يضع الاٍنسان وجها لوجه أمام المجهول. ويرى الرماني" أن من شأن الناس أن يتعجبوا مما لا يعرف سببه (29) فمصدر العجب يأتي من اٍحساس الاٍنسان أن ما يحدث له الان لم يحدث له من قبل، ولا بد من الاٍشارة الي أن هذا الاٍعتقاد يفترض وجود تصورات عن العالم قد تكون خفية أو غيبية، ولكنها تؤثر في طريقة اٍدراكه لما يحيط به.

وزعم "الخليل" أن بين" العجيب" و"العجاب " فرقا فأما العجيب والعجب متله فالأمر يتعجب منه وأما العجاب فالذي يتجاوز حد العجيب والاٍستعجاب شدة التعجب والتعاجيب، العجائب لا واحد لها من لفظها، ويقال رجل يعجب بالكسر أي ذو أعاجيب وهي جمع أعجوبة (30).

واستكمالا للمعني اللغوي لكلمة العجب لابد من ذكر العلاقة بين هذه الكلمة والاٍستحسان يقال أعجبني هذا الشيء وأعجبت به، وهو شيء معجب اٍذا كان حسنا جدا.

وهكذا نجد أن مفهوم العجيب بالنسبة لأغلبية المعاجم العربية قد حصر في نطاق الاٍنفعالات النفسية للإنسان، فالعجب يتحدد انطلاقا من معرفة السبب، ولهذا قيل اٍذا عرف السبب بطل العجب. وأما بالنسبة للمعاجم غير العربية، فسنتطرق إلى هذا المفهوم من خلال بعض القواميس الأجنبية مكتفين في ذلك بثلاثة نماذج.

مفهوم العجيب في المعاجم الغربية

ورد في قاموس Le petit Larousse، أن " العجيب هو الذي يبعد عن ساحة المألوف والعادي للأشياء، والذي يظهر فوق الطبيعي"؛ أما بالنسبة لقاموس "le petit Robert، "فهو عالم ما فوق طبيعي" (31)؛ في حين نجد في القاموس الموسوعي أن "العجيب هو كل ما يبعد عن ساحة المألوف للأشياء... فالعجيب في هذه القواميس الأجنبية يكمن في الاشياء فوق الطبيعية والتي يصعب اٍيجاد تفسير لها في العالم المألوف اٍذا فهو كل شيء خارق للعادة والطبيعة.

مفهوم الغريب

"الغريب" في اللغة: الغامض من الكلام وأغرب الرجل، جاء بشيء غريب وأغرب له، وأغرب به صنع به قبيحا. وأغرب الرجل اٍن اٍشتد وجعه من مرض أو غيره واٍستغرب في الضحك واٍستغرب منه أكثر منه. (32). والغريب كما أورده القزويني كل أمر عجيب قليل الوقوع مفارق للعادات المعهودة، والمشاهدات المألوفة، وذلك اٍما بتأثير نفوس قوية أو أمور فلكية وكل ذلك بقدرة الله تعالي واٍرادته. (33) والغريب يكشف سيرورات مخالفة لمجريات الحياة المألوفة، وهو يعرض مقابلة بين ما هو غريب ومألوف، والشيء الغريب يأتي من منطقة خارج منطقة الألفة"

ومن هنا يتضح لنا أن كلا المفهومين يعبران عن حالة من التعجب والغرابة اٍزاء موقف أو حادثة يصعب اٍيجاد سبب لها في اٍطار ما هو واقعي ومألوف.

العجائبي عند تود وروف

يعتبر كتاب تود وروف Introduction à la littérature fantastique مدخل إلى الأدب العجائبي, المطبوع سنة 1970 من أبرز الأثار النقدية المنظرة لموضوع العجائبية ,والمحددة لأطره وضوابطه وجميع تفرعاته النظرية والتطبيقية, لكن وقبل تحديد هذا المفهوم ومحاولة ضبطه، لابد من الوقوف عند أصل الكلمة ,حيث نجد في قاموس اللغة الفرنسية أن كلمة العجائبية fantastique تعود الي المفردة اللاتينيةphantations المأخوذة بدورها عن الكلمة الاٍغريقية phantastikos والتي

تخص المخيلة وتعني في القرن السادس عشر كل ما هو شارد الذهن، خارق، ثم خيالي، وكذلك نجد أن العجائبية هي كل ما يقع خارج الواقع، ويتجاوز حدود المألوف، فالعجائبية في مفهومها العام تعني كسر حدود المنطق, وخرق الواقع وتحطيم الحواجز العقلية والمنطقية والاٍنتقال من منطقة الوعي اٍلا منطقة اللاوعي. وبالتالي فهي محاولة للتملص من الواقع ومعانقة كل ما يقع خارج حدوده والاٍبحار في الخيال واللاوعي، وقد نمت بوادر هذا الجنس في القرون الوسطى.

ويحدد تودوروف ثلاثة وضائف أساسية هي:

- الوظيفة التداولية: إذ إن فوق الطبيعي يثير مشاعر الخوف والرعب التي تبت في العقول القلق والتردد.

- الوظيفة الدلالية: حيث يتخذ الفوق الطبيعي تجليه الخاص.- الوظيفة التركيبية: تتجلى في قدرتها على تنظيم الحبكة وتطويرها من خلال عناصر الغرابة.

ومن أهم الأسباب التي تدفع المبدعين اٍلى استثمار العجائبي في نصوصهم التأليفية هو أن الخارق يشكل وسيلة ناجعة في تناول الأشياء الواقعية والتي لا يمكن تناولها بواقعيتها بل بوصفها كأشياء خارجة عن كل ما هو مألوف، لأن الخارق يسمح بتجاوز الحدود المغلقة واٍختراق الرقابة الذاتية وكل الطابوهات المحرمة، فيصبح العجائبي بذلك وسيلة لخوض الصراع ضد الرقابة بمختلف أشكالها سواء أكانت ذاتية أم اٍجتماعية.

مفهوم التأويل

المفهوم اللغوي للتأويل بين الهيرمينوطيقا والفهم

يحتل مفهوم التأويل موقعًا إشكاليًا في الحقل الفلسفي والسيميائي، إذ تتجاور معه مصطلحات أخرى مثل الفهم والشرح والتفكير والترجمة. غير أن هذا التجاور لم يكن دائمًا وديًا؛ بل كثيرًا ما صاحبه نوع من التداخل والالتباس، بل وحتى التناقض. ويرجع ذلك إلى الحمولة الدلالية التي يمنحها كل فيلسوف لهذه المصطلحات، وإلى إشكالات الترجمة التي تؤدي أحيانًا إلى إفقادها وضوحها، خصوصًا عند انتقالها من اليونانية أو الألمانية إلى اللغات الحديثة.

أما مصطلح الهيرمينوطيقا، فقد أثار نقاشًا واسعًا في الفكر العربي المعاصر. فهناك من يعترض على نقله كما هو بدعوى صعوبة نطقه أو غربته عن الذائقة اللغوية العربية، وهناك من يرى أنّ الاحتفاظ بصيغته الأصلية أقرب إلى روحه الدلالية. ويرجع أصل الكلمة إلى الفعل اليوناني hermeneuein (يفسّر)، ومنها اشتقت كلمة hermeneia (التأويل-التفسير). كما ارتبطت بالإله هرمس، وسيط الآلهة والمكلف بترجمة رسائلها إلى البشر. وبذلك حملت الهيرمينوطيقا منذ بداياتها معنى الوساطة بين الغامض والواضح، وبين ما هو خارج الفهم وما يمكن إدراكه.

في العصر الكلاسيكي، ارتبط التأويل بالجهود الرامية إلى شرح الملاحم الهوميرية، بعد أن أصبحت لغتها عصية على الفهم المباشر. وفي القرن الثاني الميلادي، كما يشير أومبرتو إيكو، سادت النزعة الهرمسية في سياق التعدد الثقافي للإمبراطورية الرومانية، مما أضفى على التأويل بعدًا أنطولوجيًا وثقافيًا يتجاوز مجرد الفهم اللغوي (34).

مع العصر الحديث، تبلور التأويل في إطار النقاشات الدينية حول قراءة النصوص المقدسة. فالإصلاح الديني حرر القراءة من سلطة الكنيسة، وفتح الباب أمام قضايا هيرمينوطيقية كبرى مثل تثبيت النصوص الإنجيلية، وبناء العقائد على خلفية فلسفية إغريقية. وقد سيطر في البداية الاتجاه السيكولوجي الذي ظهر مع شلايرماخر ودلتاي، حيث عُومل النص بوصفه مرآة لمقاصد المؤلف وتجربته الذاتية. غير أن هانز غيورغ غادامير أحدث تحولًا نوعيًا عندما دعا إلى فصل النص عن ذهنية المؤلف وروح عصره، مركّزًا على عملية الفهم ذاتها بوصفها حدثًا تاريخيًا يتجدد باستمرار (35) .

أما بول ريكور فقد أقام جسرا بين الهرمسية ذات النزعة الدينية واللسانيات والفينومينولوجيا من جهة، والسيميائيات الحديثة من جهة أخرى. وقد رأى أنّ التأويل ليس مجرد تفسير لغوي، بل هو اشتغال الفهم على الرموز لفك عتمة الوجود. لذلك ميّز بين التفسير الذي يعيد المعنى الظاهر إلى أصله الباطني، والتأويل الذي يتجاوز ذلك نحو الإمساك بالكائن ذاته عبر وساطة الرموز والعلامات. وهكذا يصبح التأويل وساطة وجودية تمكّن الذات من فهم ذاتها عبر النصوص التي تنتجها.

التأويل كمهوم فلسفي وسيميائي

يمثل التأويل أحد الركائز الأساسية لفهم النصوص الأدبية والسردية، فهو العملية التي تكشف عن البنية العميقة للمعنى، متجاوزًا الحرفية الظاهرية للملفوظات النصية. فالتأويل لا يقتصر على مجرد تفسير النص وفق معناه المباشر، بل يتعداه إلى تأويل رمزي وثقافي وفلسفي يربط بين النص والقارئ والسياق الاجتماعي والثقافي الذي أنتج النص نفسه. وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار التأويل أداة لفهم التجربة الإنسانية بأبعادها الرمزية والفكرية، كما يتيح إدراك الدور الإبداعي للغة في تشكيل العالم الرمزي للإنسان.

وقد تطور مفهوم التأويل عبر الفكر الغربي والعربي، حيث تناول كبار المفكرين الغربيين أمثال أمبرتو إيكو ورولان بارت وميشيل فوكو وجوليا كريستيفا وفولفغانغ إيزر وبول ريكور وإرنيست كاسيرير وغيرهم هذا المفهوم من زوايا متعددة، مؤكدين على أنه ليس مجرد نشاط معرفي أو لغوي، بل ممارسة فلسفية وثقافية، تجمع بين التحليل السيميائي وقراءة الخطاب، وفهم البنية الرمزية للنصوص. كما تطور التأويل في الدراسات العربية على يد مفكرين عرب مثل محمد مفتاح وطه عبد الرحمن وغيرهم الذين أضفوا بعدًا معرفيًا وقيميا مرتبطًا بالثقافة العربية والذاكرة الجماعية.

فالتأويل إذن يمثل من هذه الزاوية، جسرًا بين النص والقارئ والثقافة والوجود الإنساني، ويعتبر أداة مركزية في تحليل الخطاب السردي والحكاية والأدب العجائبي، إذ يسمح بفهم المعنى الرمزي والوظائف العميقة للنصوص، ويكشف عن قدرة الإنسان على التعامل مع الرموز واستكشاف المعاني الممكنة في سياقها الثقافي والفلسفي.

أولا- التأويل عند كبار المفكرين الغربيين:

يمكن فهم التأويل عند المفكرين الغربيين كإطار شامل يجمع بين اللغة، النص، الثقافة، والسلطة.

أ- أمبرتو إيكو: تعددية المعنى والنص المنظم

يرى أمبرتو إيكو أن التأويل نشاط يتيح تعددية المعاني، لكنه نشاط مقيد بالقوانين الداخلية للنص، بحيث يحافظ على التماسك السردي والدلالي، ويمنع الانزلاق نحو التأويل الفوضوي. فالتأويل عند إيكو ليس حرية مطلقة للقارئ، بل هو نشاط منظم يسمح بالتحرك ضمن فضاء النص وتوظيف المعجم والموسوعة الثقافية لفهم أبعاد المعنى العميق. ففي تحليل رواية اسم الوردة، استخدم إيكو التأويل المنظم لكشف المعاني المتعددة ضمن النص، مع الالتزام بالقوانين الداخلية للنص. وقد أتاح هذا التحليل للقراء فهم الطبقات الرمزية والدلالية للنص دون الانزلاق نحو عشوائية المعنى، مستفيدًا من الموسوعة الثقافية والسياق التاريخي للرواية(36)

ب - ميشيل فوكو: التأويل والسلطة والمعرفة

أما ميشيل فوكو، فقد ربط التأويل بمفهوم السلطة والمعرفة، حيث أن المعنى النصي يتشكل ضمن إطار السلطة الثقافية والاجتماعية، أي أن التأويل ليس نشاطًا محايدًا، بل ممارسة معرفية وسياسية تعكس السياقات السوسيو ثقافية. ففي دراسة Madness and Civilization، يوضح فوكو أن المعنى النصي والسردي يتشكل ضمن إطار السلطة الثقافية والاجتماعية. فالتحليل التأويلي هنا

يكشف كيف يمكن للخطاب الأدبي والطبي والتاريخي أن يعكس علاقات القوة والمعرفة في المجتمع(37)

ج. جوليا كريستيفا: التناص وعلاقات النصوص

من جانبها، ركزت جوليا كريستيفا على مبدأ التناص، معتبرة أن كل نص هو شبكة نصوص، والتأويل يتم عبر كشف العلاقات التفاعلية بين النصوص المختلفة، مما يوسع أفق القراءة من النص المفرد إلى فضاء النصوص الأخرى، ويكشف عن الإمكانيات السيميائية الضمنية للنص.

وتبين قراءة الحكايات الشعبية الأوروبية أن كل نص هو شبكة من النصوص الأخرى، والتأويل يتم عبر كشف العلاقات التفاعلية بين النصوص المختلفة، ما يسمح بفهم أبعاد السرد العجائبي وإمكانياته الرمزية والثقافية(38)

رولان بارت وموت المؤلف

بينما أشار رولان بارت إلى أن النص مساحة متعددة الأصوات، وأن التأويل يتيح تفكيك البنية السيميائية للنصوص وكشف تعددية المعنى، مستفيدًا من مفهوم موت المؤلف، الذي ينقل سلطة إنتاج المعنى من المؤلف إلى القارئ، مما يجعل النص مجالًا ديناميكيًا للتأويل المستمر.

إن رولان بارث عندما يرى أن القراءة والنقد هي لعبة المرايا اللامتناهية ، فذلك لأن الأثر آلمقروء يوحي بقراء ات متعددة (39) كما أن النص مجال منهجي لا يعرف النهايات ولا تحده التقسيمات ، ولا يخضع لسلطة التسلسلات الهرمية، فهو استشارة مفتوحة على عدد لا نهائي من المعاني والدلالات والتأويلات ، لأنه بناء بلا إطار ، يتميز بالحرية والفاعلية المستمرة. ويطوي على تعددية المعنى الذي لا يمكن أن تقتنصه شبكة التفسيرات لأن له طبيعة انفجارية ، كما أنه يتفاعل مع غيره من النصوص وينتهي إلى مجال تناصي ولكنه يطيح في تفس الوقت بخرافة الأصول والمصادر ، ولا يعترف بمفهوم الأبوة لأن مفهوم التناص يقضي عليه.

د- فولفغانغ إيزر: التلقي وملء الفراغات

وقدم فولفغانغ إيزر مفهوم نظرية التلقي، معتبرًا التأويل عملية يقوم بها القارئ لملء الفراغات (Gaps)التي يتركها النص، فالمعنى لا يتحقق إلا من خلال التفاعل بين النص والقارئ، ما يجعل التأويل نشاطًا تفاعليًا وديناميكيًا.

اعتبر إيزر التأويل عملية يقوم بها القارئ لملء الفراغات (gaps) التي يتركها النص، فالمعنى لا يتحقق إلا من خلال التفاعل بين النص والقارئ، ما يجعل التأويل نشاطًا تفاعليًا وديناميكيًا(40)

هـ - بول ريكور وإرنيست كاسيرير: السرد والرمز

ويكمل بول ريكور هذه الرؤية، حيث يرى أن التأويل عملية لإعادة بناء المعنى الإنساني من خلال السرد والرمز واللغة، ما يسمح بفهم التجربة الثقافية والوجودية للإنسان. بينما يؤكد إرنيست كاسيرير أن الإنسان حيوان رامز وأن التأويل أداة لفهم العالم الرمزي الذي يخلقه الإنسان، سواء في الفن أو الأسطورة أو الدين، وأن هذا العالم الرمزي هو المفتاح لفهم التجربة الإنسانية. (41)

ثانيا- التأويل في الدراسات العربية:

في السياق العربي، تبنى المفكرون نهجًا متوازيًا، لكنه ملتزم بالسياقات الثقافية واللغوية العربية.

أ- محمد مفتاح: التأويل والنص العربي

اعتمد محمد مفتاح على التأويل كآلية لتفجير طاقات النصوص وربطها بالثقافة المحلية والذاكرة الجماعية، مما يسمح بتعدد القراءات واكتشاف البنية العميقة للنصوص الشعبية وتتيح توظيفها في السياق المعرفي والثقافي. (42)

ب- نصر حامد أبو زيد: البعد العقلاني والتاريخي

ركز أبو زيد على التأويل كأداة عقلية وثقافية لفهم النصوص، خصوصًا الدينية، متجاوزًا المقاربة الحرفية، معتبرًا أن التأويل يتيح إعادة إنتاج المعنى ضمن أفق تاريخي ومعرفي متجدد(43)

ج- طه عبد الرحمن: التأويل الفلسفي والقيمي

منح طه عبد الرحمن التأويل بعدًا فلسفيًا وأخلاقيًا، معتبرًا أن التأويل عملية تعكس العلاقة بين الإنسان والقيم الإنسانية، فهو ليس مجرد نشاط معرفي، بل ممارسة قيمية وثقافية لفهم العالم والنصوص(44)

ثالثا- الخصائص المشتركة لمفهوم التأويل

تعددية المعاني: التأويل يتيح استخراج أكثر من معنى من النص الواحد، دون دون الوقوع في القراءات المغرضة والتأويلات الاعتباطية

المرجعية الثقافية: المعنى يتشكل من التفاعل بين النص وسياق القارئ الثقافي والمعرفي.

الوظيفة الرمزية: التأويل يكشف البنية الرمزية للنصوص ويتيح فهم دلالاتها العميقة.

البعد الفلسفي: التأويل يجمع بين اللغة والنص والوجود الإنساني، ما يتيح رؤية النص كفضاء ثقافي وفلسفي متكامل.

استنتاج

يتضح من هذا العرض أن التأويل يشكل ركيزة أساسية لفهم الخطاب السردي والحكاية والأدب العجائبي. فهو ليس مجرد نشاط لغوي أو معرفي، بل ممارسة ثقافية وفلسفية وسيميائية، تجمع بين النص والقارئ والثقافة، وتسمح بفهم الرموز وإعادة بناء المعنى واستكشاف العمق الإنساني للنصوص. كما أن التأويل يمثل جسرًا بين التراث الغربي والعربي، إذ يستفيد من التجارب الفكرية لكبار المفكرين الغربيين ويستثمر المعرفة والثقافة العربية لإثراء فهم النصوص وتحليلها سيميائيًا وتأويليا.

يمكن القول إن الحالات التطبيقية التي تناولناها عند كل من إيكو وفوكو وكريستيفا ومفتاح وطه عبد الرحمن تؤكد أن التأويل ليس نشاطًا انفراديًا أو عشوائيًا، بل ممارسة منظمة وثقافية وفلسفية، ترتكز على فهم البنية الرمزية للنصوص وعلاقتها بالثقافة والسياق التاريخي، وتكشف عن قدرة الإنسان على الإبداع في قراءة العالم والنصوص، وهو ما يعزز أهمية التأويل كأداة حيوية في الدراسات السردية والأدب العجائبي والتحليل المتقدم للخطاب.

الدلالة التأويلية والخطاب السردي

الدلالة التأويلية وتحليل الخطاب السردي

الدلالة التأويلية إطار نظري واسع لا يتنكر للاجتهادات السابقة. لأنه عمل على تطويرها اعتمادا على آلية تركيبية تستحضر التأويل الذي غيب في الدراسات الأخرى. لكن كيف تتم عملية تأويل النص السردي دون السقوط في القراءة المغرضة؟

وصفت بعض القراءات السابقة بالقراءات الإسقاطية، وهي تهمة وجهت للمنهجين الاجتماعي والنفسي. لكن نظريات أخرى وصفت بالتفكيكية (التأويل المفرط) لأن أصحابها اعتمدوا تأويلات مفرطة تجعل القارئ موجها للمعنى وفق ما يريد. هكذا في مقابل البنيوية التي تعاملت مع الخطاب السردي باعتباره كيانا مغلقا؛ وجعلت دراسته وصفية؛ وفي مقابل الدلالة البنيوية التي بحثت في شكل المعنى أكثر مما بحثت في المعنى ذاته. نجد الدلالة التأويلية التي ستعتبر الخطاب السردي ملتقى لخطابات متعددة، تتداخل فيها التجربة الذاتية باللغة (المعجم) بالسياقات الثقافية وغير الثقافية (الموسوعة). فكلما ابتعدنا عن حالات التعيين والوصف وكل ما يدور في فلك المعاني الظاهرة، إلى نظام الفكر والثقافة والرمز كلما اقتربنا من حقائق الوجود الإنساني. فعبر الأشكال الرمزية تستطيع الذات الإنسانية الإمساك بكل الممكنات في أبعادها الواقعية أو المتخيلة، "ولأن الفكر الإنساني فكر رمزي فله القدرة على إجراء تمييز بين الواقعي والممكن"(45)، وبذلك يكون التأويل "تجاوزا للنفعي في الحياة في اتجاه إنتاج ممارسات لا تدرك إلا من خلال استحضار الأشكال الرمزية والثقافية"(46).

وبذلك يكون التأويل "تجاوزا للنفعي في الحياة في اتجاه إنتاج ممارسات لا تدرك إلا من خلال استحضار الأشكال الرمزية والثقافية"(47)، وبذلك يمكن القول إن السيميائيات في أبعادها الثقافية، يمكن أن ينظر إليها بوصفها عملية التحرر التدريجي للذات الإنسانية، " واللغة والأسطورة والدين والفن والعلم هي اللحظات المختلفة لهذه العملية. وفي كل لحظة من هذه اللحظات يكتشف الإنسان سلطة جديدة ويبرهن عليها، إنها سلطة بناء عالمه الخاص"(48). على حد تعبير إرنيست كاسيرير.

لقد كان أمبرتو إيكو صاحب فكرة مؤداها أن السيميائيات شكل من أشكال التحليل الاجتماعي، إذ تلعب دورا في تغيير المجتمع، وهي فكرة شرحها شرحا ولفيا في كتابه: "النظرية السيميائية". ففي مقدمة الكتاب يبادر بشرح مقصده بقوله: "هدفنا في هذا الكتاب أن نستكشف الإمكانيات النظرية وكذلك الوظيفة الاجتماعية لمقاربة موحدة تتصدى لكل ظاهرة من ظواهر الدلالة و/أو التواصل"(49).

وقريبا من نهاية الكتاب يقول: "إن السيميائيات أيضا تعد شكلا من أشكال النقد الاجتماعي ومن ثم فهي واحدة من أشكال الممارسات الاجتماعية المتعددة"(50). وبعبارة أخرى، تعد السيميائيات ضربا من فهم الثقافة بعد أن أصبحت بفضل إمكانياتها التحليلية، منهجا نقديا كاشفا، وأن الثقافة كلها يجب أن ندرسها بوصفها ظاهرة تواصلية تقوم على أنساق دلالية هدفها إنتاج المعنى.

سيقود السيميائي الإيطالي أمبرتو إيكو والفرنسي راسيي هذا الاتجاه حيث قدموا الشروط الأساسية لإنجاز قراءة دلالية تأويلية للخطابات عموما وللخطاب السردي خصوصا. إذ حددوا شروط التأويل وقيدوه بقوانين ومواضعات تحضر فيها اللغة إلى جانب المكونات الأخرى.

فكيف يتحقق ذلك؟ وما المفاهيم الأساسية التي تسمح بقراءة دلالية تأويلية للنص؟

- المفهوم الأول: المتن الحكائي والمحور النصي: يقول أمبرتو إيكو "إن المتن الحكائي هو خطاطة السرد الأساسية، ومنطلق الأفعال، وتركيب الشخصيات ومسار الأحداث حسب ترتيبها الزمني. ويمكن للمتن الحكائي ألا يكون متتالية من الأفعال الإنسانية وأن يتناول سلسلة من الأحداث المتعلقة بأشياء جامدة أو بأفكار".

لنلاحظ أن مفاهيم البنيوية، ومفاهيم الدلالة البنيوية حاضرة في هذه القولة مما يعني أن الدلالة التأويلية لم تخلق القطيعة المطلقة مع الاتجاهات السابقة لكنها استثمرتها بطريقة أخرى.

- المفهوم الثاني: المبنى الحكائي: "إنه الحكاية كما هي مروية، وكما تظهر على مستوى السطح بتفاوتاتها الزمنية ورتباتها إلى الأمام وإلى الخلف".

لنلاحظ حضور المفاهيم الشكلانية والبنيوية؛ لكن ما الذي أضافته الدلالة التأويلية ولماذا سميت تأويلية؟ وكيف نقلت التأويل من مجال الإسقاط الذاتي إلى التأويل المقنن أو التأويل المحلي كما أسمته؟

لفهم ذلك نبرز الكيفية التي تشتغل بها هذه المدرسة أثناء تعاملها مع الخطاب الحكائي.

- المرحلة الأولى في هذا التعامل تنطلق من التأويل المبني على المعنى الحرفي؛ أي على الملفوظات السردية ذاتها. وهو ما يمكن تسميته البنية السطحية للخطاب الحكائي، وهنا يوظف "المعجم" . بمعنى أن التفسير في هذه الحالة يكون مقترنا بالمعنى المباشر للملفوظ اللغوي. فإذا قلنا (أبو موسى) فإننا سنتحدث عن مقوماته المعجمية "رجل". التي تعني رجلا مع ما لكلمة رجل من مقومات.

- المرحلة الثانية: تأويلية لكن هذا التأويل ينبغي أن يكون موجها بالمحور النصي للحكاية، أي إن الانتقال من المعنى الحرفي إلى المعنى المؤول ينبغي أن يكون من داخل الحكاية ذاتها. فعندما نقول "جارات أبي موسى" فإننا قد نحدد المحور النصي في الكرامة أي التي تظهر بزوال غمة الجفاف.

هذا المحور النصي الذي يكاد يماثل مفهوم البنية العامة للسرد هو الذي يوجه التأويل؛ معنى ذلك أن القارئ ليس حرا بشكل مطلق في أن يؤول كما يحلو له، لذلك يقيد تأويله بشروط هي:

شرط التقيد بالمحور النصي، أي التقيد بالمعنى العام الذي تقدمه الحكاية.

الاشتغال بالمعجم في مرحلة أولى أي الاشتغال بالدلالات المباشرة أو لنقل الحرفية.

ج- الاشتغال بالموسوعة فما المقصود بها؟

"  الذاكرة الجماعية المتضمنة لمجموع المعطيات الثقافية المنتشرة في سياق سوسيوثقافي، فكلمة البدر مثلا تأخذ في الموسوعة العربية دلالات قد تختلف عما يمكن أن نجده في سياقات ثقافية أخرى. هكذا تكون الموسوعة آلية إجرائية تخرج الدلالة من معناها السطحي إلى معناها العميق، لكن مشكلا آخر يبرز وهو: يقود مفهوم الموسوعة إلى الوصول إلى دلالات لامتناهية يسميها أصحاب هذا الاتجاه "السيرورات التأويلية"؛ وبما أن التأويل ينبغي أن يصل إلى دلالة محددة. فإن مفاهيم أخرى تبرز لحل الإشكال وهي:

المؤولة: "كل علامة أو سلسلة علامات مختلفة تتولد عن العلامة الأولى والتي يمكن أن تولد بدورها علامة أخرى"؛ مثلا، إذا أخذنا علامة رواية فإن مؤولاتها قد تكون "إبداع"؛ "أدب" ويمكن لإبداع أن تؤول إلى حكي أو تجمل أو تشكيل، ويمكن لتشكيل أن تؤول إلى علامات أخرى. معنى ذلك أننا نسير في اتجاه تأويلات لانهائية لكن من الضروري أن نصل إلى مؤولة نهائية وهذه المؤولة هي التي يقف عندها التأويل.

مثلا: إذا أخذنا رواية "جارات أبي موسى" فإن المؤول النهائي قد تكون الكرامات الصوفية، وانطلاقا من هذه المؤولة نستطيع قراءة الحكاية. وسيمكن ذلك من استحضار الموسوعة التي ستسمح باستحضار المعطيات التداولية التي تعني السياق الخارجي.

إن الإنسان لا يعيش في عالم مادي خالص، بل في عالم رمزي. واللغة والأسطورة والفن والدين هي عناصر من هذا العالم. " فالعالم العملي للإنسان ليس عالم وقائع وأحداث خام حيث يعيش وفق رغباته وحاجاته المباشرة، بل إنه يعيش أهواءه وأحلامه، وسط الانفعالات الخيالية، إنه يعيشها في الأمل والرهبة والأوهام والحقائق"(51) .هذا الكون الرمزي هو ما يجعل الإنسان يبتعد عن المواجهة المباشرة للعالم المادي، حيث يتعذر إدراكه إلا عبر وساطة الرموز. ومادامت عمليات الإدراك لا تتم بطريقة مباشرة، وإنما بأشكال تأويلية ورمزية، فإن التأويل سوف يستند إلى سنن ثقافية مشتركة تم إنتاجها انطلاقا من أشكال رمزية تختزنها الذاكرة الجماعية بوصفها " تسنينا، وتكثيفا لمجموعة من الممارسات الإنسانية الدالة"(52).

إن الدلالة الرمزية إذن هي دلالة مركبة، بحيث لا ندرك منها سوى الدلالة الثانوية عن طريق الدلالة الحرفية أو الدلالة الأولية؛ لذلك تكون الدلالة الثانوية الوسيلة الوحيدة للاقتراب من المعنى المتعدد. إن الرمز من هذه الزاوية يظهر قصدية مزدوجة؛ قصدية حرفية يتم بموجبها تحديد معنى العلامة كما هو متعارف عليه في أبعاده المباشرة، ولكن انطلاقا من هذه القصدية الأولى يمكن التطلع إلى قصدية ثانوية؛ " وهكذا ففي مقابل العلاقات التقنية، الشفافة كليا، والتي لا تقول إلا ما ترغب في قوله، فإن العلامات الرمزية تكون كثيفة، هذه الكثافة هي التي تشكل العمق الذاتي للرمز"(53).

فالرمز هو الذي يسهم في تحريك المعنى الأول ويجعلنا ننخرط في صلب المعنى الكامن. وهو يقوم على بنية دلالية محددة، هي بنية التعابير ذات المعنى المزدوج على حد تعبير بول ريكور.

فكلما ابتعدنا عن حالات التعيين والوصف وكل ما يدور في فلك المعاني الظاهرة، إلى نظام الفكر والثقافة والرمز كلما اقتربنا أكثر من جوهر الوجود الإنساني. فعبر الأشكال الرمزية تستطيع الذات الإنسانية الإمساك بكل الممكنات في أبعادها الواقعية أو المتخيلة؛ "ولأن الفكر الإنساني فكر رمزي، فله القدرة على إجراء تمييز بين الواقعي والممكن"(54).

بناء على ذلك، فحاجة الإنسان إلى السيميائيات والتأويل السيميائي عامة، "تبقى ضرورية بوصف السيميائيات فعالية دلالية ونشاطا معرفيا وفلسفيا لفهم الحياة واستعادة لمناطق أكثر غورا داخل الذات الإنسانية" (55).

والتأويل السيميائي للنص ينشأ أصلا من:

المؤلف إذا ما تم إليه بوصفه أصلا للمعنى النصي، وبحسب نزوعه الإبداعي.

النص بحسب أدواته (مجازات ورموز وأساطير وأقنعة...) أي النص إذا ما تم النظر إليه بوصفه بناء رمزيا.

المتلقي ومرجعياته الثقافية سواء كانت فنية أو جمالية أو إيديولوجية وممارسته التأويلية إذا ما تم النظر إليه كطرف حاضر في بناء المعنى النصي.

وهي تغدو مسألة شاملة حينما يتعلق الأمر بنظرة فلسفية، تجعل التأويل مسألة، يمكن من خلالها تحديد علاقة الكائن بكينونته (56).

التأويل بين بيرس ودريدا

ركز جاك دريدا في أعماله على دراسة السلطة التي تمنح شرعية لمحاولات ضبط حدود السيميوزيس، أي اللعب اللامتناهي للعلامات، والانحراف المستمر في التأويل (57)، مع التركيز على ما يمكن تسميته بالنموذج اللولبي للتأويل. ومن هذا المنطلق، يرى دريدا أن كل محاولة للتأويل تنطوي على مفارقة جوهرية: فهي تسعى لتحديد معنى، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن لامحدودية الإحالات بين العلامات.

على الجانب الآخر، ذهب تشارلز ساندرز بيرس إلى تطوير نظرية يُطلق عليها تفكيك المدلول، حيث يسعى المدلول في لحظة ما لوضع حد نهائي للإحالة من علامة إلى أخرى، متجسدًا في نوع من التمركز الذاتي وميتافيزيقا الحضور. (58) ومع ذلك، يرى بيرس أن لامحدودية الإحالة ليست ثغرة، بل هي مؤشر على وجود نسق متكامل من العلامات. فالعلامة نفسها، بما هي شيء يحدد شيئًا آخر، تفتح المجال لإطلاق الدلالة، لكنها بنفس الوقت تجعل توقفها أمرًا مستحيلًا.

ويتمثل جوهر هذه النظرية في أنّ المثال أو الشيء الممثل (methol) يمتلك خاصية مزدوجة: فهو في الوقت ذاته ذاته وشيء آخر، مما يجعله بنية للإحالة قادرة على الانفصال عن نفسها، وفي نفس الوقت لا وجود له في ذاته، أي أنه قريب من ذاته المطلقة دون أن يكونها فعليًا. ومن ثم، فإن العلامات لا تتحقق إلا عبر وجود المعنى، إذ أنّ الفعل التأويلي يخلق دائرة متجددة من العلامات والمؤولات التي تعيد إحالة المعنى بلا نهاية. (59)

تتلاقى أفكار بيرس مع تطلعات دريدا التأويلية المتقدمة نسبيًا، حيث يرى الأخير أن لا شيء خارج النص، مما يعزز مفهوم السيميوزيس اللامتناهية. فالعلامة، حسب بيرس، تشير إلى موضوع ما، بينما يقوم المؤول بإحالة هذا الموضوع بدوره، وهكذا تتسلسل المؤولات بلا نهاية، لتصبح العلامة في حالة مستمرة من التأويل والتجاوز، بما يتفق مع نموذج التأويل اللولبي.

وفي هذا السياق، أقر دريدا بوجود معايير نقدية للتحقق من صحة تأويل النص، إذ أن كل أعماله تذكّر القارئ بأهمية أدوات النقد التقليدي كضابط للتأويل، لكنها في الوقت نفسه لا تحد من الانفتاح على قراءة جديدة. فهذه الأدوات تعمل كوسيلة وقائية تمنع الانحراف، لكنها لا تشكل عائقًا أمام الإبداع التأويلي، مما يعكس التوتر الدائم بين القيود النقدية والانفتاح على لامحدودية المعنى.

إيكو ونظرية الإنتاج الدلالي

تستند نظرية الإنتاج الدلالي عند أومبرتو إيكو إلى نقد الثلاثية البيرسية: الأيقونة والمؤشروالرمز، مع تركيز خاص على نقد الاستعمال الشائع للأيقونات، وذلك بهدف الوصول إلى صياغة دقيقة للدلالة وفق قواعد نظرية محددة وضعها الباحث لوي يالمسليف (60) ويُستثمر هذا النموذج في توجيه تنميط ضروب الإنتاج والتأويل، بما يتيح تحليل السلاسل التعبيرية للعلامات والعلاقات الدلالية بينها.

تتحقق الوظيفة الدلالية عندما يظهر المثير على صعيد التعبير، ويكون الاستجابة المتوقعة متحققة على صعيد المحتوى. ويشير إيكو إلى أنّ استعمال الخطاب للمثيرات المبرمجة يهدف غالبًا إلى استمالة المخاطب، كما أنّ وضع هذه المثيرات بين النسخة والاختراع، واقترابها من الحيل والصنعة السيميائية، يضعها عند عتبة سيميائية متشابكة (61). وعلى الرغم من إمكانية تحليل السلاسل التعبيرية إلى وحدات مميزة، يبقى المحتوى المقابل غالبًا خطابيًا يصعب اختزاله في علامات محددة.

يرى إيكو أن مادة المحتوى والوظيفة السيميائية تشكلان نسبة متفقًا عليها عرفيًا بين عنصر التعبير وصورة المحتوى، مما يجعل الكون السيميائي مؤلفًا من الوظائف السيميائية وليس مجرد دلائل منفصلة. ومن ثم، يصبح التأويل أداة أساسية، إذ يتيح استنطاق كل دليل ضمن دائرة تدلالية كاملة، لا يقتصر على الاستبدال بين الدلائل بل يشمل إمكانية توسيع الفهم عبر استنفاد العلاقات التأويلية بين العناصر المختلفة (62)

وتسعى ضروب الإنتاج، كما يصفها إيكو، إلى تحديد أنماط الجهات الإنتاجية للدلائل، حيث لا تحيل مقولات مثل النسخة والإظهار إلى دلائل خاصة بحد ذاتها، بل إلى سيرورات تكوينية تُظهر الظواهر التأويلية في أنساق متعددة، سواء أكانت لسانية أو غير لسانية. وبذلك تصبح هذه المقولات مستقلة وسيميائية، محددة لظواهر إنتاج المعنى داخل النصوص والممارسات الثقافية المختلفة، ومؤهلة للتحليل التأويلي الدقيق.

المفاهيم الإجرائية لسيمياء التأويل

الموسوعة والمعجم

يُعَدّ مفهوما الموسوعة والمعجم من الركائز المركزية في نظرية التأويل عند أمبرتو إيكو، إذ يمثلان نموذجين متقابلين في مقاربة العلاقة بين اللغة والمعرفة. فإذا كان المعجم ينحصر في كونه جهازًا دلاليًا يحصر المعنى في بعده اللغوي الصرف، فإن الموسوعة تتجاوز هذا الحصر لتُدرج المعرفة بالعالم، بما تحمله من سياقات اجتماعية وثقافية وتاريخية، ضمن سيرورة إنتاج المعنى. ومن هنا، يغدو التأويل فعلًا يتجاوز حدود البنية اللغوية إلى فضاء أوسع يستدعي المخزون الجماعي من المعارف والتجارب.

يرى إيكو أن المعجم، رغم طابعه التحليلي، عاجز عن التمييز الصارم بين ما هو لساني صرف وبين ما هو معرفي وثقافي. فالسمات الدلالية التي ينهض عليها المعجم ينبغي أن تكون أولية وغير قابلة للتجزئة، أي بمثابة كليات دلالية يدركها القارئ عن طريق الحدس أو التسليم. لكن هذا التصور يظل محدودًا أمام طبيعة التواصل الإنساني المعقّد، وهو ما دفع إيكو إلى إعادة النظر في مفهوم "الشفرة" التقليدي، الذي طالما اختُزل في مقابلة ميكانيكية بين علامة وأخرى، ليطرح بديلًا أكثر ثراءً يتمثل في مفهوم الموسوعة.

الموسوعة عند إيكو ليست مجرد مخزون معلوماتي، بل ذاكرة جماعية تختزن مجموع التمثلات والمعارف التي تراكمت داخل ثقافة معينة. لذلك فإن عملية التأويل، في جوهرها، ليست سوى استدعاء انتقائي لهذه الموسوعة في ضوء السياق النصي. إن القارئ، في لحظة تلقيه، لا يواجه النص فارغ الذهن، بل يستند إلى شبكة من القراءات السابقة والخبرات المعرفية التي تؤطّر فهمه للنصوص الجديدة. وهنا يلتقي إيكو مع تصورات باحثين آخرين مثل بول وبروان في مفهوم المعرفة الخلفية (Background Knowledge)، وكذا مع إيزر في تصوره ل- السجل الضمني الذي يفترضه النص ويُفعّله القارئ خلال الفعل التأويلي (63).

ولتقريب الفكرة، يقدّم إيكو مثال "القطار": حين يسمع الفرد هذه الكلمة، قد يستحضر تجربة شخصية كالسفر مع جدته، غير أن ذلك لا يدخل في التعريف الموسوعي. أما ما يدخل فهو المعطيات المتفق عليها ثقافيًا: أن القطار وسيلة نقل للأشخاص والبضائع، أنه يسير على عجلات، اخترع في القرن التاسع عشر، وأن بداياته ارتبطت بالطاقة البخارية. هذه المعرفة الموسوعية، على سعتها، لا يستحضر منها القارئ إلا ما يفرضه سياق النص الذي يرد فيه ذكر القطار.

النص الأدبي، وفقًا لهذا التصور، ليس سوى توسيع لجزء من الموسوعة، يفعّل القارئ إمكانياته التأويلية لاستكشافه. وقد استعان إيكو في ترسيخ هذا النموذج بمفاهيم من علوم معرفية حديثة مثل الذكاء الاصطناعي وعلم النفس الإدراكي، نظرًا لتقاطعها مع آليات اشتغال الموسوعة باعتبارها جهازًا ديناميًا مفتوحًا على التطور المستمر (64)

إن ما يميز تصور إيكو هو إدراكه للطابع التفاعلي للمفاهيم: فالمعجم والموسوعة والشفرة والمعرفة الخلفية ليست كيانات متمايزة تمامًا، بل مصطلحات تتقاطع وتتداخل، وقد تُستعمل أحيانًا بشكل تبادلي. ومع تراكم البحوث في مجال السيميائيات، تضاءلت الفوارق بينها لتغدو تسميات متعددة لمسعى واحد: الكشف عن الكيفية التي يُنتَج بها المعنى داخل النصوص، في تفاعل دائم بين اللغة والثقافة والتاريخ.

المقصدية كآلية سيميائية وتأويلية

تُعَدّ المقصدية إحدى الركائز المركزية في التمييز بين لغة الإنسان وأنماط التواصل الأخرى، إذ يرى معظم الباحثين أن ما يمنح اللغة الإنسانية خصوصيتها هو كونها فعلًا قصديًا يتأسس على إرادة التواصل وإنتاج الدلالة. غير أنّ هذا المفهوم لم يُتناول بالمعنى ذاته لدى الجميع؛ فقد اختصر رولان بارت المقصدية فيما يرد صراحة أو ضمنًا داخل النص، بينما نظر إليها غريماس باعتبارها نزوعًا سابقًا يوجّه عملية التلفظ. أما فلاسفة أفعال الكلام مثل أوستن وسيرل وغرايس، فقد تعاملوا معها بوصفها آلية ميكانيكية موجهة تحكمها قواعد التداولية، تربط الملفوظ بالفعل الذي ينجزه داخل سياق محدّد(65)

وليس القصد حكرًا على المتكلم وحده، بل يمتد ليشمل المخاطَب أيضًا، إذ يمكن أن تلتقي قصدية المرسل مع قصدية المتلقي في درجات من التوافق أو التباين، كما بينت ذلك نظرية التلقي. ومن هنا تنبع إشكالية المقصدية في بعدها الفلسفي والمنهجي: فهي ليست دائمًا معطىً ظاهرًا في النص، بل تُفترض كقوة كامنة خلفه، الأمر الذي دفع العديد من الباحثين إلى إخراجها من حقل علم النفس لتصير موضوعًا لسانياً وسيميائياً.

على هذا الأساس، تُفهم المقصدية باعتبارها نزوعًا ذاتيًا نحو موضوعٍ ذي قيمة. فهي الأصل الذي يقوم عليه كل فعل أو تفاعل، والشرط الضروري لقيام أي سيرورة سيميائية. إذ لا تصل الذات إلى موضوعها إلا عبر حركة ما، قد تكون يسيرة أو عسيرة، وتنطوي على صراع أو مقاومة. وفي كل الحالات، يتحقق هذا الفعل القَصدي في فضاء زماني ومكاني محدَّد، ويتجسد من خلال العلامات اللغوية والرمزية.

وقد حافظت المقصدية على حضورها في معظم الدراسات النقدية والاجتماعية والفلسفية، حتى داخل الأطر البنيوية والسيميائية الصارمة. لكن التحولات التأويلية المعاصرة دفعت إلى إعادة النظر فيها، ليس فقط كخاصية للمتكلم، بل أيضًا كمكوّن من مكوّنات النص نفسه، يتصل بآفاقه التداولية والإيحائية. ومن ثَمّ لم يعد سؤال القصدية سؤالًا بسيطًا حول "ما يريد المؤلف قوله"، بل صار سؤالًا معقّدًا حول كيفية انبثاق الدلالة من خلال التفاعل بين النص، والمتكلم، والمتلقي(66).

إن المقصدية، بوصفها ممارسة ذهنية، تقتضي اختيار الأشكال التعبيرية التي يتيحها قيد الجنس الأدبي نفسه، بحيث تتحول هذه الأشكال إلى مواد دلالية. وبذلك يغدو النص الأدبي في الآن ذاته تطويرًا للجنس الذي ينتمي إليه، وإسهامًا في إبراز إمكاناته الكامنة. ومن هنا تأتي أهمية اعتماد رؤية إنتاجية للنصوص، لأن الرؤية التلقائية - رغم اعتمادها على آليات إنتاجية - ظلت تواجه عدة إشكالات، أهمها أن التلقي نفسه مشروط بسياقات المتلقي، وأن أي إدراك تلقائي هو تأويل شخصي، محدود واختزالي بطبيعته.

على النقيض من ذلك، فإن سؤال الإنتاج الأدبي يسعى إلى مقاربة النصوص من خلال ما تحمله من أدلة قصدية ذهنية، أي بوصفها تمثيلات للواقع عبر وسيط تخييلي. ولا يتحقق هذا الفهم إلا باستحضار النصوص على نحو مماثل لما فعله أرسطو وهو يؤسس للشعرية، حين اعتبر أن العمل الأدبي يُدرك من خلال آليات إنتاجه وتمثّله للعالم. ومن هنا يصبح لزامًا النظر إلى المقصدية ليس فقط كآلية لسانية، بل كأفق تأويلي يكشف عن تداخل الأبعاد: النفسية، النصية، والسيميائية في آن واحد.

وعليه، فإن المقصدية في الخطاب الأدبي ليست مجرّد نية مسبقة أو آلية تداولية، بل هي بنية دينامية تنظم العلاقة بين الذات والعالم عبر النص، وتوجّه التأويل في ضوء تفاعل متغير بين المؤلف والنص والمتلقي. وهذا ما يمنحها موقعًا حيويًا داخل السيميائيات التأويلية، باعتبارها الضامن الأساسي لفاعلية العلامة في إنتاج المعنى وإعادة إنتاجه باستمرار.

العوالم الممكنة: من الميتافيزيقا إلى التحليل السيميائي

تُعَدّ نظرية العوالم الممكنة إحدى الإسهامات الكبرى التي أعادت تجديد التفكير الفلسفي واللساني المعاصر. ف- ياكو هينتيكا يُعتبر من أبرز الفلاسفة الذين قاموا بإعادة صياغة هذا المفهوم في إطار تحليلي جديد، حيث نقل الفرضية من فضاء الميتافيزيقا، كما صاغها ليبنتز، إلى مجال معرفي إبستيمولوجي ملموس(67). وإذا كان ليبنتز قد ربط فكرة العالم الممكن بالمطلق الإلهي، فإن هينتيكا أعاد إنزالها إلى مستوى التداول البشري، جاعلاً منها أداةً لدراسة العلاقة التي يقيمها الإنسان مع الواقع عبر اللغة، بعد أن ظلت لقرون طويلة محصورة في دائرة التأمل الميتافيزيقي.

لقد برهنت هذه النظرية على جدواها في معالجة إشكالات فلسفية ومنطقية متعددة، سواء مع هينتيكا نفسه أو مع تلامذته مثل كريبكه، الذي أسهم في تطوير البعد الدلالي للنظرية في سياق المنطق المودي. غير أن قيمتها الكبرى ظهرت حين تم نقلها، عبر أعمال أومبرتو إيكو وتيون فان ديك، إلى مجال السيميائيات وتحليل الخطاب. ففي هذا الإطار لم تعد "العوالم الممكنة" مجرد فرضيات منطقية، بل أضحت آليات منهجية لفهم كيفية تشكل العوالم السردية، وكيفية تفاعلها مع العوالم المرجعية للقارئ. وهكذا صار بإمكان الباحث أن يقارن بين بنيات مختلفة، ويستكشف إمكانات التناقض أو الاتساق بين عالم وآخر، بل وأن يقدم هذه العلاقات في صيغ جداول دقيقة ترصد المكونات والخصائص.

إن الانتقال من التصورات المرجعية الصارمة إلى أفق العوالم الممكنة شكّل ثورة حقيقية، لأنه تجاوز النزعة الاسمية(Nominalism) التي مثلها فلاسفة مثل كوَين، والتي حصرت الوجود في ما هو مُعطى للتجربة الحسية. على العكس من ذلك، فإن العوالم الممكنة تتيح للخطاب الأدبي والسردي أن ينتج دلالات حتى حين لا تكون قابلة للتحقق في الواقع المعيش. ذلك أن القارئ، وفق هذا التصور، لا يظل متلقياً سلبياً، بل يمارس فعلاً تأويلياً عبر التوقع، والتخمين، والمشاركة في بناء الدلالة(68).

وقد صاغ إيكو تعريفاً دقيقاً للعالم الممكن، باعتباره مجموعة من القضايا تُبنى وفق مبدأ الثنائية (إما "ب" أو "لا ب")، وتضم أفراداً مزودين بخصائص محددة. وبما أن بعض هذه الخصائص تُترجم إلى أفعال، فإن العالم الممكن يُنظر إليه كذلك بوصفه مجرى من الأحداث، أي فضاءً ديناميكياً لا يكتفي بكونه كياناً ثابتاً، بل يظل مفتوحاً على الاحتمال والتوقع. من هنا فإن السرد لا يُقرأ فقط بوصفه تمثيلاً لواقعٍ ما، بل باعتباره شبكة من الإمكانات التي يتعين على القارئ أن يشارك في تفعيلها وتأويلها.

ملاحظات واستنتاجات

الدلالة التأويلية إطار نظري يختلف عن النظريات السابقة. فإذا كانت الاتجاهات النفسية والاجتماعية قد ركزت على المضامين والمحتويات، وإذا كانت القراءة البنيوية قد ركزت على المعطيات اللغوية، وإذا كانت الدلالة البنيوية قد ركزت على شكل المعنى، فإن الدلالة التأويلية استثمرت كل ذلك. لكنها تصرفت في سعة البحث عن المعنى، إذ تنطلق من الوصف أولا، بمعنى أن المعطيات الداخلية للنص هي التي توجه التأويل، في مقابل الدراسات النفسانية والاجتماعية التي كانت تنطلق من خارج النص لتسقط الأحكام عليه. هكذا تصبح الحكاية مؤولة انطلاقا من معطياتها الداخلية. ليأتي استحضار المعطي الخارجي بهدف تأكيد صحة التأويل. من هنا نفهم وظيفة التأويل.

على سبيل الختام

تؤكد هذه الدراسة أن النص السردي ليس مجرد سرد متتابع للأحداث، بل هو فضاء تأويلي متعدد الأبعاد، يتيح للباحث الغوص في بنية العلامات الرمزية والثقافية وفهم آليات إنتاج المعنى داخل النصوص الأدبية. فقد أظهرت مقاربات كبار المفكرين مثل أمبرتو إيكو ورولان بارت وبول ريكور وإرنيست كاسيرير أن التأويل ليس مجرد ممارسة شخصية أو عابرة، بل هو إجراء منهجي يربط بين النص والسياق الثقافي والفكري ووعي المتلقي، بما يجعل النص وسيلة فعالة لاستكشاف الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للفعل السردي.

لقد ساهمت الدراسة في توسيع مفهوم التأويل ليشمل الأدوات السيميائية والإجرائية، بدءًا من الموسوعة والمعجم اللذين يوفران مخزونا معرفيا تمكن القارئ من استحضار الخبرات والتصورات الثقافية أثناء عملية التأويل، مرورًا بمفهوم المقصدية الذي يبرز دور قصد المتكلم والمخاطب في توجيه المعنى، وصولًا إلى العوالم الممكنة التي تتيح استكشاف الإمكانات السردية، وتفعيل قدرة القارئ على توقع الاحتمالات المختلفة داخل النص وتحليل التناقضات أو التوافق بين العوالم المرجعية والعوالم السردية.

كما بينت الدراسة أن التأويل السيميائي يعتمد على تفاعل ديناميكي بين النص والمؤلف والمتلقي، حيث تشكل الذاكرة الجماعية والمعرفة الخلفية للمتلقي حجر الزاوية في إنتاج المعنى. هذا التفاعل لا يقتصر على استدعاء المعلومات السابقة، بل يشمل أيضًا إعادة إنتاج المعنى وفق شروط النص وأفق توقعاته، وهو ما يجعل العملية التأويلية مستمرة ومتجددة.

علاوة على ذلك، بينت الدراسة أن الأدب العجائبي يمثل أداة مركزية لفهم وظيفة النص في نقل التجربة الإنسانية، ولفتح آفاق للتخييل والاستكشاف، إذ يكشف عن مستويات غير مرئية من الدلالة، ويتيح للقارئ والمحلل التفاعل مع نصوص تتجاوز الواقع الحسي إلى فضاءات إمكاناتها المتعددة.

وأخيرًا، فإن دمج هذه المفاهيم) الموسوعة والمعجم والمقصدية والعوالم الممكنة (وآليات التأويل ضمن إطار سيميائي وتأويلي متكامل يجعل الدراسة نموذجًا حديثًا لتطبيق الدلالة التأويلية على الخطاب السردي. فهي توضح أن النصوص الأدبية ليست مجرد منتجات ثقافية، بل أجهزة معرفية وتأويلية قادرة على كشف طبقات الرمزية والثقافة، وإظهار العلاقة الحيوية بين النص والثقافة والإنسان، بما يوفر للباحثين أفقًا تأويليا غنيا ومتعدد المستويات لكل نص سردي يتم دراسته.

***

بقلم: د. منير محقق

وناقد وباحث جامعي مغربي

..............................

الهوامش

(1) - سورة النبأ، الآية 37.

(2) - ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، دار إحياء التراث العربي الطبعة الأولى 2001، ص: 304، مادة خطب.

(3) - عبد الواسع الحميري، الخطاب والنص، دار مجد المؤسسة الجامعية للجراسات والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، ط1، (2008)، ص12.

(4) - عبد الواسع الحميري، الخطاب والنص المفهوم-العلاقة -السلطة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 2008، ص: 13

(5) - محمد علي بن علي التهانوي كشاف اصطلاحات الفنون، دار قهرمان للنشر والتوزيع، إستانبول، 1984، ج1 ص: 403

(6) - الزمخشري، أساس البلاغة، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، 1992، ص: 168/ 167

(7) - ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بيروت العرب الجزء 1، ص: 1149.

(8) - سورة الفرقان، الآية: 63.

(9) - سورة ص، الآية: 20.

(10) - عبد الهادي بن ظافر الشهيري، استراتيجية الخطاب، دار الكتاب الجديدة المتحدة، ط1، (2004)، ص36

(11) - نفس المرجع نفس الصفحة.

(12) - محمد البارد، إنشائية الخطاب في الرواية العربية الحديثة، مركز النشر الجامعي، تونس، 2004 ص: 1.

(13) - المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

(14) - دومينيك مانغونو، المصطلحات المفاتيح لتحليل الخطاب، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، (2008)، ص40

(15) - عبد الواسع الحميري، الخطاب والنص، دار مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، ط1، (2008)، ص1043

(16) - ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بيروت، مادة(سرد)

(17) - الزمخشري، أساس البلاغة، دار الكتب المصرية، الجزء الأول، 1922، مادة (سرد)

(18) - ميساء سليمان الإبراهيم، البنية السردية في كتاب الامتناع والمؤانسة، ط. 2011 ص11 ! 13.

(19) - الكرمل" مجلة الاتحاد العام للكاتب والصحافيين الفلسطينيين 1993. محور، التاريخ والحكاية ل-مصطفى كاك ص 91.

(20) - قال الراوي: البنيات الحكائية في السيرة الشعبية ل- سعيد يقطين ص 13، 16/ ط I، 1997 الناشر: المركز الثقافي العربي.

(21) - جنيت، جيرار، خطاب الحكاية، تر: عبد الجليل الأزدي ومحمد معتصم الأزدي، المجلس الأعلى للثقافة ط2، 1997، ص 37.

(22) - جنيت، جيرار، خطاب الحكاية، ص40

(23) - ميساء سليمان الابراهيم، البنية السردية في كتاب الإمتاع والمؤانسة، ط. 2011 ص18. 20

(24) - نفس المرجع.نفس الصفحة.

(25) - نفس المرجع ص32 – 33.

(26) - فائزة عليلو، الأنماط الحكائية العربية، قراءة في نماذج من "ألف ليلة وليلة" و"كليلة ودمنة"، الطبعة الأولى، 2016، ص.51

(27) – اٍبن منظور، لسان العرب: جمال الدين محمد بن مكرم –دار الصادر بيروت –المجلد الاول ط6-1997ص580.

(28) – المصدر السابق: ابن منظور

) - مصدر نفسه: اٍبن منضور، ص580(29)(

(30) - ابن فارس، أبي الحسين احمد بن زكرياء (مقاييس اللغة) حققه علي بشري، اتحاد كتاب العرب ، دمشق ج4 2002، ص243،244.

)(31)( -le petit Robert .Nouvelle edition.paris1987.p1186

) - لسان العرب، أبو فضل جمال الدين بن منضور، دار الصادر، بيروت، ط 1- مج.10، ص38(32)(

) -حسين علام، العجائبي في الادب من منظور شعرية السرد ، منشورات الاختلاف ط1,2010م.(33)(

(34)Eco, U. (1992). Interpretation and Overinterpretation. Cambridge University Press

(35)Gadamer, H.-G. (1975). Truth and Method. Continuum.

)(36)( - Eco, Umberto. The Name of the Rose. London: Harcourt, 1983, pp. 112-145.

)(37)( - Foucault, Michel. Madness and Civilization: A History of Insanity in the Age of Reason. London: Routledge, 1965, pp. 57-89.

)(38)( - Kristeva, Julia. Desire in Language: A Semiotic Approach to Literature and Art. New York: Columbia University Press, 1980, pp. 122-158.

)(39)( - Roland Barthes, Le degré zéro de l’écriture

)(40)( - Kristeva, Julia. Desire in Language: A Semiotic Approach to Literature and Art. New York: Columbia University Press, 1980, pp. 122-158.

)(41)( - Ricoeur, Paul. The Conflict of Interpretations: Essays in Hermeneutics. Evanston: Northwestern University Press, 1974, pp. 275-302.

(42) - مفتاح، محمد. النص والحكاية: دراسات في التأويل الأدبي العربي. الرباط: المركز الثقافي العربي، 2009، ص. 88-115.

(43) - أبو زيد، نصر حامد. مفهوم النص وتجاوز الحرفية. القاهرة: دار الشروق، 2002، ص. 45-78.

(44) - عبد الرحمن، طه. اللغة والفكر: دراسات في التأويل الفلسفي والأدبي. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2012، ص. 145-178.

)(45)( - Nicole ( Evreat_Desmedt ): Le Processus Interprétatif ; Introduction à la sémiotique ;. de C.S ; Mardaga Editeur, 1990 ; p.105

(46) ) - عبد الله بريمي، السيميائيات الثقافية والضرورة التأويلية، في الحاجة إلى التأويل، منشورات مختبر التأويلات والدراسات النصية واللسانية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان، ص.278.

(47) ) - نفس المرجع، نفس الصفحة.

-Ernest Cassirer. Essai sur l’homme. Paris Minuit, 1975, p.317.(48) )

-ECO, Umberto. A Theory of Semiotics, Indiana: Indiana University Press, 1975. P.3.(49) )

-Ibid, p.298. (50) )

-Ernest Cassirer. Essai sur l’homme. Paris Minuit, 1975, p.p.44/43 (51) )

(52) ) - عبد الله بريمي، السيميائيات الثقافية والضرورة التأويلية، في الحاجة إلى التأويل، منشورات مختبر التأويلات والدراسات النصية واللسانية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان، ص.279.

-Paul, Ricœur. Le Conflit des interprétations ; Ed ; Seuil ; ¨Paris ; 1969 Coll L’ordre. Philosophique ; (53) ) PP:285/286

-Nicole (Evereat_Desmedt): Le Processus Interprétatif ; Introduction à la sémiotique. De C.S. Peirce ; Ed ; Mardaga Editeur, 1990 ; P: 105 (54) )

(55) ) - عبد الله بريمي، السيميائيات الثقافية والضرورة التأويلية، في الحاجة إلى التأويل، منشورات مختبر التأويلات والدراسات النصية واللسانية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان، ص.280.

(56) ) - فريد ( الزاهي): النص والجسد والتأويل، أفريقيا الشرق 2003 ، ص: 99/100.

(57) Peirce, C. S. (1931–1958). Collected Papers of Charles Sanders Peirce. Harvard University Press.

(58) Derrida, J. (1967). Of Grammatology. Johns Hopkins University Press.

.

(59) Eco, U. (1992). Interpretation and Overinterpretation. Cambridge University Press.

(60) Umberto Eco, A Theory of Semiotics, Bloomington: Indiana University Press, 1976, pp. 45–48.

(61) Gadamer, H.-G. (1975). Truth and Method. Continuum, pp. 65–70.

(62) Ricoeur, P. (1986). Hermeneutics and the Human Sciences. Cambridge University Press, pp. 15–20.

(63) Wolfgang Iser, The Act of Reading: A Theory of Aesthetic Response, Johns Hopkins University Press, 1978, p. 35.

(64) Umberto Eco, Semiotics and the Philosophy of Language, Indiana University Press, 1984, p. 68.

(65) John R. Searle, Intentionality: An Essay in the Philosophy of Mind, Cambridge University Press, 1983, p. 7.

(66) Hans-Georg Gadamer, Truth and Method, Continuum, 2004, p. 259.

(67) Gottlob Frege & Jaakko Hintikka, Possible Worlds: An Approach to the Theory of Modality, Springer, 1969, p. 42.

(68) Umberto Eco, The Role of the Reader: Explorations in the Semiotics of Texts, Indiana University Press, 1979, p. 65.

قراءة نقدية وبيداغوجية للرؤية الاستراتيجية 2015 ـ 2030

ملخص البحث باللغة العربية:

تركز هذه الدراسة النقدية على تحليل الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم بالمغرب 2015–2030، باعتبارها وثيقة محورية تهدف إلى تعزيز جودة التعليم وتحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص، وتطوير المدرسة المغربية كمؤسسة تربوية حديثة. كما تستعرض الدراسة الركائز الأساسية للرؤية الاستراتيجية، بما في ذلك تحسين المناهج والمقررات وتطوير أداء المدرس والمتعلم والريادة ناجعة وتدبير التغيير، والارتقاء الفردي والمجتمعي للمتعلمين، مع إبراز الإنجازات الملموسة التي تحققت على صعيد السياسات التعليمية.

كما تقارن الدراسة بين الميثاق الوطني للتربية والتكوين والرؤية الاستراتيجية 2015–2030، موضحة التقدمات والإضافات التي أدخلتها الرؤية على صعيد الإصلاحات الهيكلية والبيداغوجية، مع تقييم مدى تكاملها مع أهداف المدرسة المغربية الحديثة.

وتخلص هذه الدراسة إلى أن نجاح الرؤية الاستراتيجية يعتمد على استمرار تطوير السياسات التعليمية وتفعيل التدابير التطبيقية، وحرص جميع الفاعلين على الانخراط الفعّال في العملية التعليمية لضمان تعليم شامل وفعال ومتكامل يواكب تطلعات المجتمع المغربي.

الكلمات المفتاحية:الرؤية الاستراتيجية  2015–2030-إصلاح التعليم - المدرسة المغربية - الميثاق الوطني للتربية والتكوين - الجودة الشاملة - الإنصاف وتكافؤ الفرص - القيادة وتدبير التغيير

Abstract (English(

This critical study analyzes Morocco’s Strategic Vision for Education Reform 2015–2030, considering it a central document aimed at enhancing educational quality, achieving equity and equal opportunities, and developing the Moroccan school as a modern educational institution.

The study examines the core pillars of the Strategic Vision, including curriculum and program development, teacher and learner performance, effective leadership and change management, and the individual and societal development of learners, highlighting tangible achievements in educational policy.

Furthermore, the study compares the National Charter for Education and Training with the Strategic Vision 2015–2030, illustrating the progress and additions introduced by the Vision in structural and pedagogical reforms, and evaluating its alignment with the goals of the modern Moroccan school.

The study concludes that the success of the Strategic Vision depends on the continuous development of educational policies, the effective implementation of measures, and the active engagement of all stakeholders, ensuring comprehensive, effective, and integrated education that meets the aspirations of Moroccan society.

Keywords (English) :

Strategic Vision 2015–2030- Education Reform- Moroccan School National - Charter for Education and Training - Comprehensive Quality - Equity and Equal Opportunities - Leadership and Change Management-

Individual and Societal Development

على سبيل التقديم

شهدت المنظومة التعليمية المغربية منذ الاستقلال سلسلة من المحاولات الإصلاحية التي اتخذت أشكالًا متعددة، تراوحت بين المخططات القطاعية المحدودة والبرامج الاستعجالية، غير أن معظمها لم ينجح في تجاوز الاختلالات البنيوية التي يعاني منها النظام التربوي، مثل الهدر المدرسي، وتدني جودة التعلمات، واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية. وقد أبانت هذه التجارب عن محدودية المقاربات الجزئية في إحداث التحول المطلوب.

في هذا المسار، يمكن اعتبار صدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999 لحظة مفصلية؛ إذ مثّل بمثابة دستور تربوي وضع المبادئ الكبرى والقيم المؤطرة لعملية الإصلاح. غير أن صعوبة التنزيل، وضعف آليات التتبع والتقييم، جعلت نتائجه دون الطموحات المعلنة. أما الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية 2015-2030، التي أعدها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، فهي تشكل وثيقة مرجعية جديدة جاءت تحت شعار: من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء. وتطمح هذه الرؤية إلى إعادة بناء المدرسة المغربية وفق منظور شمولي يستجيب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية، وينسجم مع التوجهات الكونية الكبرى وأهداف التنمية المستدامة 2030.

إن هذه الرؤية لا تُعد مجرد برنامج قطاعي مرحلي، بل هي مشروع مجتمعي متكامل يستهدف إعادة تأسيس المدرسة المغربية على قاعدة ثلاثية: الإنصاف في الولوج وتكافؤ الفرص وتحسين جودة التعلمات وجعل التربية رافعة للارتقاء الفردي والمجتمعي. ومع ذلك، يبقى التساؤل الإشكالي مطروحًا: هل تمكنت الرؤية الاستراتيجية من بلورة قطيعة فعلية مع اختلالات الماضي؟ وهل نجحت في اقتراح نموذج إصلاحي قابل للتنفيذ يضع المغرب على سكة التميز التعليمي في أفق 2030؟

بناءً على هذه الإشكالية، يسعى هذا البحث إلى تقديم قراءة تحليلية نقدية لكتاب الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، وذلك من خلال:

أولا- تأطير المفاهيم المرتبطة بالرؤية التربوية والإصلاح التعليمي.

ثانيا - استعراض السياق المغربي الذي أدى إلى صياغة هذه الوثيقة.

ثالثا - تحليل محاورها الكبرى في ضوء الأدبيات التربوية الوطنية والدولية.

رابعا - رصد مواطن القوة والقصور في مضامينها.

خامسا - مقارنتها مع بعض التجارب الدولية الرائدة في مجال إصلاح التعليم.

وتعتمد هذه الدراسة على مقاربة تحليلية-نقدية تستند إلى الوثائق الرسمية والتقارير الوطنية والدولية ذات الصلة، مع توظيف منهج مقارن يسمح بتحديد موقع التجربة المغربية في خريطة الإصلاحات التربوية عالميًا، واستشراف إمكانات نجاحها أو تعثرها في أفق 2030.

المبحث الأول: تعريف الرؤية الاستراتيجية

تُعدّ الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية (2015-2030) وثيقة مرجعية ذات طابع

إصلاحي وتوجيهي، صاغها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي باعتباره هيئة دستورية استشارية أحدثها الملك محمد السادس سنة 2014) (1) ( . وقد جاءت هذه الرؤية ثمرة لمسار تشاوري واسع أطلقته وزارة التربية الوطنية ما بين أبريل ويونيو 2014، انخرطت فيه مختلف الفعاليات التربوية والمهنية عبر الحوارات المحلية والجهوية والوطنية، فضلًا عن الاستنارة بالتجارب الدولية) . (2) (

وترتكز هذه الرؤية، من جهة أولى، على التوجيهات الملكية السامية وعلى المرجعيات الوطنية الكبرى، وعلى رأسها الميثاق الوطني للتربية والتكوين) (3) ( ومن جهة ثانية على التقرير الأول للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي (2015) ، الذي حدّد الاختلالات البنيوية للمنظومة التربوية ورسم معالم التحول المنشود ) (4) ( .

وقد بدأت عملية التفعيل العملي لهذه الرؤية من خلال إطلاق تدابير ذات أولوية) (5) (، قصد إرساء أسس مدرسة جديدة تقوم على الإنصاف وتكافؤ الفرص والجودة والارتقاء الفردي والمجتمعي. وهي رؤية شمولية متكاملة، تتوزع إلى أربعة فصول كبرى وتتفرع إلى ثلاثٍ وعشرين رافعة إصلاحية، تروم جميعها إحداث نقلة نوعية في النظام التربوي المغربي وفق أفق يمتد إلى سنة 2030. ) (6) (

المبحث الثاني: الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 بين النظرية والممارسة في إصلاح المدرسة المغربية

تمثل الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية (2015-2030) نموذجًا متقدمًا لمحاولة المزج بين النظرية التربوية المعاصرة ومتطلبات التطبيق العملي على أرض الواقع. فقد حرص واضعوها على الاستناد إلى أحدث النظريات في إصلاح التعليم، لا سيما ما يتعلق بالتحول من منطق التعميم الكمي إلى منطق الجودة والإنصاف ) (7) (، واستحضار المقاربات البيداغوجية الحديثة التي تركز على المتعلم محور العملية التعليمية ) (8) ( .

سياق ظهور الرؤية الاستراتيجية

تضافرت عدة عوامل داخلية وخارجية في إصدار الرؤية الاستراتيجية، إذ كانت تهدف إلى وضع خطة شمولية لمعالجة الاختلالات البنيوية في المنظومة التعليمية.

أولًا: المردودية الداخلية للمدرسة المغربية

شهدت المدرسة المغربية خلال السنوات السابقة مجموعة من الإشكالات الجوهرية، ومن أبرزها:

ضعف التمكن من اللغات والمعارف والكفايات والقيم الأساسية ) (9) ( .

. استمرار تزايد الهدر المدرسي.

ركود البحث العلمي وانخفاضه في السنوات الأخيرة ) (10) ( .

الفشل في تعليم اللغات وتمكين المتعلمين منها، خاصة لغة التدريس الرسمية واللغات الأجنبية، ما قلل من فرصهم الأكاديمية والمهنية.

ثانيًا: المردودية الخارجية للمدرسة المغربية

شملت التحديات أيضًا البعد الخارجي، إذ شهدت المدرسة مجموعة من العراقيل التي أثرت على اندماج خريجيها في المجتمع وفي محيطهم الاقتصادي والثقافي، ومن أبرزها:

ضعف الاندماج الاجتماعي والثقافي والقيمي بالنسبة للخريجين التربويين ) (11) ( .

ضعف انفتاح المدرسة على محيطها الخارجي وعدم مواكبتها لتحولات البيئة المحلية والدولية) (12) (.

وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى إعادة طرح إشكالية جودة المدرسة المغربية، ليس فقط على مستوى المسؤولين، بل أيضًا لدى المهتمين بالشأن التربوي والمجتمع المدني، حيث أصبحت المدرسة مجرد هياكل فارغة من المناخ التربوي الفعّال.

وعليه، جاءت الرؤية الاستراتيجية كرد اعتبار شامل لشؤون المدرسة، واستجابة للتوجيهات الملكية السامية الصادرة في أكتوبر 2014، وبتعيين من المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بتاريخ 14 ماي 2014 ) (13) ( ، بهدف انتشال المدرسة المغربية من وضعها الهش ومعالجة الاختلالات البنيوية على المستويين الداخلي والخارجي ووضع أسس متينة لإصلاح شامل ومستدام يمتد إلى أفق 2030.

- الرؤية الاستراتيجية بين النظرية والممارسة

تجمع الرؤية الاستراتيجية بين البعد النظري، من خلال اعتمادها على مبادئ إصلاح التعليم الحديثة وإدماج المقاربات البيداغوجية المعاصرة، وبين البعد التطبيقي عبر إطلاق تدابير وأولويات عملية تهدف إلى تحسين جودة التعليم وتعزيز الإنصاف، كما لم تغفل الأبعاد المؤسساتية والهيكلية للإصلاح، بما في ذلك تعزيز الحكامة وتطوير آليات التتبع والتقييم وتنمية الموارد البشرية والتربوية ) (14) ( .

وبذلك، تمثل الرؤية استراتيجية شمولية قادرة على وضع خريطة طريق واضحة للانتقال بالمدرسة المغربية نحو مستويات أعلى من الجودة والإنصاف والارتقاء الفردي والمجتمعي ) (15) ( .

المبحث الثالث: وصف مشروع الرؤية الاستراتيجية

يشكل مشروع الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية 2015-2030 وثيقة محورية تهدف إلى إحداث تحول شامل ومستدام في منظومة التعليم المغربية. وتعكس هذه الوثيقة الحرص على الجمع بين الأسس النظرية للتربية الحديثة ومتطلبات التطبيق العملي، من خلال مقاربة شمولية تراعي جميع مكونات المدرسة المغربية، سواء على مستوى المتعلم أو الأستاذ أو الإدارة أو المجتمع المدني.

محتويات الكتاب

يتألف الكتاب من أربعة فصول رئيسية، تتضمن ثلاث وعشرين دعامة إصلاحية، بالإضافة إلى ملحقين توضيحيين، ويصل حجم الكتاب إلى خمس وثمانين صفحة ) (16) (. وتقدم هذه الفصول خريطة طريق متكاملة لتحقيق أهداف الإصلاح، بما يضمن تحسين جودة التعليم وتعزيز الإنصاف والارتقاء بالموارد البشرية.

المرجعيات والمبادئ التي تقوم عليها الرؤية الاستراتيجية

مرجعيات الرؤية

اعتمدت الرؤية الاستراتيجية على مجموعة من المرجعيات الأساسية، التي شكلت الأساس القانوني والمنهجي لتحديد أهدافها ومحتواها:

الخطابات الملكية، التي وضعت التوجيهات العليا للإصلاح التربوي وأكدت على أولوية تطوير المدرسة المغربية ) (17) (.

الميثاق الوطني للتربية والتكوين، باعتباره الإطار الدستوري والسياسي المنظم للوزارة ومسار إصلاح التعليم.

تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، التي قدمت تشخيصًا موضوعيًا للاختلالات التربوية ومقترحات للتحسين ) (18) (.

الدستور المغربي لسنة 2011، الذي ضمن مبادئ الديمقراطية والحقوق الأساسية والالتزام بالتعليم كحق لجميع المواطنين.

الاتفاقيات الدولية المصادقة عليها، التي تحدد معايير الجودة والمساواة والحقوق التعليمية المعترف بها عالميًا ) (19) (.

الحوارات الجهوية والوطنية، التي ساهمت في تأهيل المدرسة المغربية عبر إشراك مختلف الفاعلين المحليين والمجتمع المدني ) (20) (.

مبادئ الرؤية الاستراتيجية

تقوم الرؤية الاستراتيجية على مجموعة من المبادئ التوجيهية، والتي تتوافق مع المبادئ الأساسية للميثاق الوطني للتربية والتكوين، وتشمل:

مبادئ حقوق الإنسان، لضمان تعليم منصف ومتساوي لجميع المتعلمين ) (21) (.

الهوية المغربية، من خلال ترسيخ القيم الوطنية والثقافية في المناهج التعليمية.

اعتماد المقاربة التشاركية في دعم الإصلاح، عبر إشراك جميع الهيئات والفاعلين في المدرسة المغربية وفق اختصاص كل جهة.

نظرة شمولية لمكونات المدرسة المغربية، تشمل المتعلم، الأستاذ، الإدارة، وأولياء الأمور) (22) ( .

احترام وترسيخ الثوابت الدستورية للأمة المغربية، بما في ذلك الدين، الوحدة الوطنية، والاختيار الديمقراطي.

إعطاء الأولوية للمتعلم والأستاذ والتعلمات، لضمان تركيز الإصلاح على صميم العملية التعليمية ورفع جودة التعلمات.

تحليل المحاور الكبرى والرافعات الثلاث والعشرين

تقوم الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 على أربعة محاور رئيسية، تتفرع إلى ثلاث وعشرين رافعة إصلاحية، تهدف جميعها إلى تحقيق تحول شامل ومستدام في المنظومة التعليمية المغربية) (23) ( .

المحور الأول: تطوير الجودة والإنصاف في التعليم

يركز على رفع مستوى التحصيل الدراسي وتحقيق تكافؤ الفرص بين المتعلمين.

يشمل تحسين المناهج والبرامج الدراسية، تحديث طرق التدريس، وإدماج التكنولوجيا الرقمية في التعلمات) (24) ( .

المحور الثاني: تطوير حكامة المنظومة التعليمية

يهدف إلى تعزيز الحكامة المؤسساتية وتفعيل آليات التتبع والتقييم، وضمان الشفافية والمساءلة.

يشمل تطوير القيادة المدرسية وتحفيز فرق العمل التربوي.

المحور الثالث: تنمية الموارد البشرية والتكوين المستمر

يركز على رفع كفاءة الأساتذة والموظفين الإداريين عبر برامج تكوين مستمر.

يشمل تكوين المتخصصين في اللغة والعلوم الأساسية والتقنيات الرقمية ) (25) (.

المحور الرابع: الانفتاح على المحيط وتطوير البحث العلمي

يتعلق بتوسيع انفتاح المدرسة على المجتمع والسوق العالمي، وتعزيز ثقافة البحث العلمي والابتكار في التعليم) (26) (.

الرافعات الثلاث والعشرون

تمثل أدوات عملية لتنفيذ المحاور الاستراتيجية، وتشمل مجالات متعددة مثل: تحديث المناهج، تطوير البنية التحتية، تحسين التكوين الأولي والمستمر للأساتذة، إدماج التكنولوجيا في التعليم، تعزيز الحكامة، دعم البحث العلمي، وترسيخ القيم الأساسية لدى المتعلمين.

المبحث الرابع: دراسة تحليلية لكتاب الرؤية الاستراتيجية - محور تكافؤ الفرص في التربية والتكوين

الفصل الأول: من أجل مدرسة تكافؤ الفرص

الرافعة الأولىً: تحقيق المساواة في ولوج التربية والتكوين

تؤكد الرؤية الإستراتيجية على ضرورة تمكين جميع الأطفال المغاربة من حقهم في التعليم الإلزامي في المرحلة الممتدة من سن 4 سنوات إلى 15 سنة، دون أي شكل من أشكال التمييز القائم على أساس الجنس أو الانتماء الاجتماعي أو اللغة أو الإعاقة أو الوضعية الاقتصادية للأسر. وتعمل الدولة على تعزيز آليات الدعم المادي للأسر المعوزة حتى لا تشكل الظروف الاقتصادية عائقاً أمام متابعة الأبناء للدراسة إلى غاية نهاية السلك الإعدادي) (27) (.

وتولي الرؤية الإستراتيجية أهمية لتوسيع قاعدة المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي والتربوي، مع التركيز على استثمار الشراكات المحلية والجماعية لتعبئة الجهود في مواجهة ظاهرة الهدر المدرسي. كما تؤكد على دور مدرسة الفرصة الثانية التي تهدف إلى إعادة إدماج الشباب المنقطعين عن الدراسة من خلال برامج تعليمية وتكوينية ملائمة، تمكّنهم من الاندماج السوسيو-مهني.

الرافعة الثانيةً: إلزامية التعليم الأولي وتعميمه

تسعى الرؤية الاستراتيجية إلى تمكين جميع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين أربع وست سنوات من الولوج إلى التعليم الأولي، اعتماداً على نموذج بيداغوجي موحّد الأهداف ومتعدد الغايات ومتنوع الأساليب، بما يضمن تكافؤ الفرص منذ المراحل الأولى للعملية التربوية) (28) (.

الرافعة الثالثة: التمييز الإيجابي لفائدة الأوساط القروية وشبه الحضرية والمناطق ذات الخصاص

تسعى هذه الرافعة إلى معالجة التفاوتات المجالية في الولوج إلى التربية والتكوين من خلال مقاربة شمولية تعتمد على الشراكات مع الجماعات الترابية والقطاع الخاص. وتستند إلى مبدأ الإنصاف الذي يشكل أحد مرتكزات الرؤية الاستراتيجية، حيث تُولي اهتمامًا خاصًا للمناطق التي تعاني من الخصاص في البنيات التحتية والخدمات التعليمية) (29) (.

فالبرغم أن هذه الرافعة تحمل وعيًا مهمًا بالمشاكل المجالية، إلا أن نجاحها يبقى رهينًا بوجود آليات حقيقية للتنفيذ والمتابعة. فالعديد من الشراكات تبقى حبيسة الخطاب دون التفعيل الميداني، إضافة إلى تحديات الموارد المالية التي قد تعيق التنفيذ الفعلي.

الرافعة الرابعة: تأمين الحق في ولوج التربية والتكوين للأشخاص في وضعية إعاقة أو وضعية خاصة

تركّز هذه الرافعة على التربية الدامجة باعتبارها حقًا أساسيًا داعيةً إلى إدماج الأطفال ذوي الإعاقة في المنظومة التعليمية النظامية، مع تكوين الأطر التربوية لتمكينها من الاستجابة لهذه الحاجات الخاصة.

ويُعد هذا التوجه تقدميًا ويستجيب للمواثيق الدولية، لكنه يصطدم في الواقع بضعف الإمكانيات اللوجستية والبشرية، وعدم توفر برامج تكوين معمقة للمدرسين في مجال التربية الدامجة. ويُلاحظ أن مدارس قليلة فقط تتوفر على الشروط الحقيقية لاستقبال هؤلاء المتعلمين، مما يُفرغ هذا المبدأ من محتواه أحيانًا) (30) (.

الرافعة الخامسة: استدامة التعلم وبناء المشروع الشخصي والاندماج

تروم هذه الرافعة إتاحة التعلم مدى الحياة عبر مسارات متعددة تشمل التعليم النظامي والعتيق والتكوين المهني والتعليم العالي، إضافة إلى محاربة الأمية والتربية غير النظامية.

حيث تعكس هذه الرافعة وعيًا بأهمية تنويع العرض التعليمي، لكنها تفتقر إلى آليات تنسيق فعّالة بين هذه المسارات، مما يجعلها مشتتة وغير قادرة على ضمان تكامل حقيقي. كما أن التوجيه نحو سوق الشغل لا يزال ضعيفًا، وهو ما يقلل من قيمة المشروع الشخصي كمحفز للاندماج الاجتماعي والاقتصادي) (31) (.

الرافعة السادسة: تمكين المؤسسات من التأطير والتجهيز والدعم اللازم

تتمحور هذه الرافعة حول تحسين البنيات التحتية وتوفير الأطر التربوية والإدارية المؤهلة، مع إدماج الوسائل الديداكتيكية والتقنيات الحديثة في العملية التعليمية.

ورغم الطابع الشمولي لهذه الرافعة، تواجه المنظومة تحديات على مستوى التمويل المستدام، إذ لا تزال مدارس كثيرة تعاني من الاكتظاظ وضعف التجهيزات كما أن إدماج التكنولوجيا يحتاج إلى تكوين متواصل للأطر وإلى دعم مستمر وهو ما لا يزال بعيد المنال في كثير من المناطق) (32) (.

الرافعة السابعة: إرساء مدرسة ذات جدوى وجاذبية

تسعى هذه الرافعة إلى جعل المدرسة فضاءً محفزًا عبر إدماج برامج الدعم التربوي للمتعثرين وتعزيز الدعم الاجتماعي لطلبة التكوين المهني.

وبالرغم من أن هذا التوجه يمثل محاولة لمعالجة ظاهرة الهدر المدرسي وضعف التحصيل، لكنه يحتاج إلى تغيير ثقافة المدرسة نفسها نحو مزيد من الشمولية والتفرد في الاستجابة للحاجات. إذ غالبًا ما يتم الاقتصار على حلول ظرفية دون بناء برامج دعم عميقة وشاملة) (33) (.

الرافعة الثامنة: التعليم الخاص شريك للتعليم العمومي

تعترف هذه الرافعة بدور القطاع الخاص كشريك استراتيجي في التعميم وتحقيق الإنصاف، لكنها تشدد على ضرورة التزامه بمبادئ المرفق العمومي والخضوع لآليات الفحص البيداغوجي والتدبيري المنتظم.

وعليه وبالرغم من أن إشراك القطاع الخاص قد يسهم في توسيع العرض التعليمي، إلا أن المخاطر المتعلقة بتكريس الفوارق الاجتماعية تبقى حاضرة. فالقدرة المالية للأسر تحدد جودة التعليم، مما قد يُعمّق الفجوة بين الفئات، ما لم تُفرض رقابة صارمة ومعايير موحدة للجودة

وهكذا يتضح من خلال تحليل هذه الرافعات أن الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 حاولت الجمع بين الإنصاف والجودة والتحديث، إلا أن نجاحها يتوقف على إرادة سياسية واضحة وموارد بشرية ومالية كافية وتقييم دوري صارم.

الفصل الثاني: من أجل مدرسة الجودة للجميع

الرافعة التاسعة: تجديد مهن التدريس والتكوين والتدبير

تؤكد الرؤية الإستراتجية على أن جودة التعليم تبدأ بالموارد البشرية، لذا تعطي الأولوية للرفع من جاذبية المهنة عبر تكوين أساس متين وتكوين مستمر وفعال وربط الترقي المهني بالكفاءات والإنجازات. هذا يتقاطع مع ما تؤكد عليه التقارير الدولية حول دور المدرس كعنصر مركزي في أي إصلاح تربوي ) (34) (.

نقد: الرؤية لم تحدد بدقة آليات جذب الكفاءات، كما لم تعالج إشكالات ضعف الحافزية وهجرة الأطر التعليمية، وهي معضلات معروفة في المنظومة المغربية.

الرافعة العاشرة: هيكلة أكثر انسجامًا ومرونة لمكونات المدرسة وأطوارها

ترى الرؤية ضرورة إحداث مسار للتعليم المهني ينطلق من الإعدادي، ودمج التعليم الأولي مع الابتدائي لتوحيد التوجه التربوي.

إذ على الرغم من أهمية هذا الدمج في بناء مسار تعليمي متكامل، فإن غياب البنيات التحتية الكافية وضعف تكوين الأطر المتخصصة في التعليم الأولي والمهني يمثل عائقًا أمام التنزيل الفعلي.

الرافعة الحادية عشرة: مأسسة الجسور بين مختلف أطوار وأنواع التربية والتكوين

تتمثل هذه الرافعة في تطوير آليات التنسيق بين القطاعات التعليمية المختلفة وتحديث نظام التوجيه والممرات البيداغوجية. كما تستهدف تطوير منظومة التوجيه المدرسي والتكوين المهني، مع إعادة هيكلة الممرات البيداغوجية التي يسلكها المتعلم داخل المنظومة التعليمية. فالممرات البيداغوجية تُعرَّف على أنها المسارات التعليمية المنظمة التي توجه المتعلم من مرحلة إلى أخرى، وتتيح له اختيار خيارات تعليمية وتكوينية مناسبة وفق ميوله وقدراته ) (35) (. وتشمل هذه المسارات التعليم النظامي والتكوين المهني والتعليم العالي وكذلك التعليم غير النظامي ما يضمن استدامة التعلم وتمكين المتعلم من بناء مشروعه الشخصي والاندماج الفعّال في المجتمع

حيث تركز هذه الرافعة على جانبي التوجيه والتخطيط للمسار التعليمي، ما يجعلها أكثر شمولية من الاكتفاء بتحديث نظام التوجيه فقط. فهي لا تقتصر على تقديم الاستشارات الأكاديمية للمتعلمين، بل تشمل تنظيم المسارات التعليمية بمرونة واستجابة لحاجياتهم المتنوعة، وهو ما يُعد من الركائز الأساسية لضمان فعالية التكوين ونجاعة التعليم في تحقيق أهداف الرؤية الاستراتيجية 2015-2030

لكن وبالرغم من كل هذا يظل التحدي الأكبر هو غياب قاعدة بيانات موحدة، وضعف التنسيق المؤسسي بين وزارات التربية والتعليم العالي والتكوين المهني، ما يجعل التوجيه غالبًا شكليًا لا استشرافيًا ) (36) (.

الرافعة الثانية عشرة: تطوير نموذج بيداغوجي قوامه التنوع والانفتاح والنجاعة والابتكار

تركز الرؤية الاستراتيجية هنا على تحديث المناهج والبرامج وتبني المقاربات البيداغوجية الحديثة، ووضع المتعلم محور العملية التربوية، والمدرس ميسر ومشرف على التعلمات ) (37) (.. كما تؤكد على تطوير الوسائط التعليمية والمكتبات المدرسية وإدماج التكنولوجيا وتخفيف كثافة البرامج وإعادة النظر في الإيقاعات الزمنية.

فالبرغم من أن هذا التوجه متقدم وينسجم مع نظريات التعلم البنائي والابتكار التربوي. غير أن الإشكال يبقى في غياب خطط تكوين فعالة للمدرسين وضعف الوسائل التقنية في المؤسسات خصوصًا بالعالم القروي.

تعكس هذه الرافعات وعيًا استراتيجيًا بأهمية الموارد البشرية والهندسة البيداغوجية والانفتاح على التكنولوجيا. غير أن تنزيلها يتطلب إرادة سياسية قوية وتمويلًا مستدامًا وتأطيرًا مؤسساتيًا فعالًا.

الفصل الثالث: من أجل مدرسة الارتقاء بالفرد والمجتمع

يسعى هذا الفصل إلى تقديم قراءة نقدية وتحليلية للفرص والإمكانات التي توفرها الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم بالمغرب (2015-2030) من خلال الرافعات 16-21، مع التركيز على تعزيز جودة التعليم وتمكين الفرد وتحقيق التكامل الاجتماعي والثقافي والاقتصادي ) (38) (.

الرافعة السادسة عشرة: ملائمة التعلمات والتكوينات مع حاجات البلاد ومهن المستقبل والتمكين من الإدماج

تركز هذه الرافعة على مواءمة التعلمات والتكوينات مع متطلبات سوق الشغل واحتياجات التنمية الوطنية والعالمية ) (39) (.، بما يمكن المدرسة من تطوير كفايات عملية وابتكارية لدى المتعلمين.

فبينما تؤكد الرؤية على ربط التعليم بالاقتصاد، يظل التحدي الرئيسي في تحديد الأولويات بدقة وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف المؤسسات التعليمية، خصوصًا بين الحضرية والقروية ) (40) (.

الرافعة السابعة عشرة: تقوية الاندماج السوسيو-ثقافي

تهدف هذه الرافعة إلى تعزيز الانفتاح الثقافي للمدرسة، وضمان نقل التراث الثقافي والحضاري المغربي مع الانفتاح على ثقافات أخرى ) (41) (.

حيث أن نجاح هذه الرافعة مرتبط بقدرة المدرسة على تجديد المناهج لتكون شاملة ومرنة بحيث تحترم الهوية الوطنية وتتيح التفاعل مع الثقافات العالمية ) (42) (.

الرافعة الثامنة عشرة: مجتمع المواطنة والديمقراطية والمساواة

تؤكد هذه الرافعة على أن المدرسة يجب أن تكون فضاء لترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية والمساواة، عبر المناهج والبرامج التعليمية ) (43) (.

فنجاح هذه الرؤية يعتمد على تدريب الأساتذة على مقاربة قيمية شاملة وربط التعليم بالقيم اليومية

للمتعلمين، إضافة إلى ضرورة وجود متابعة وتقييم مستمر.

الرافعة التاسعة عشرة: تأمين التعلم مدى الحياة والمساواة

تشجع هذه الرافعة على التعلم المستمر لكل الفئات العمرية مع التركيز على التعليم الحضوري والتعلم عن بعد والتكوين المهني والتقني، غير أن التحدي الرئيسي يكمن في كيفية توفير الموارد البشرية والمادية الكافية وفي كيفية ضمان جودة التعلم عن بعد خاصة في المناطق النائية ) (44) (.

الرافعة العشرون: الانخراط الفاعل في اقتصاد ومجتمع المعرفة

تركز هذه الرافعة على تهيئة المدرسة لتكون فاعلة في اقتصاد المعرفة من خلال أربعة محاور رئيسية وهي كالآتي:

المحور الأول: تكنولوجيا الإعلام والتواصل

المحور الثاني :اللغات الأكثر استعمالًا عالمياً

المحور الثالث: البحث العلمي والابتكار التقني

المحور الرابع: التفوق والتميز الدراسي والتكويني ) (45) (.

غير أن التطبيق الفعلي لهذه الرؤية يحتاج إلى استثمارات في التكنولوجيا وتطوير مهارات المعلمين وتعزيز ثقافة البحث والابتكار منذ المستويات الأولى.

الرافعة الواحدة والعشرون: تعزيز توقع المغرب ضمن البلدان الصاعدة

تسلط هذه الرافعة الضوء على ربط المدرسة بالنمو الاقتصادي الوطني عبر:

تعزيز الاستثمارات في التربية والتكوين ) (46) (.

إدماج التكنولوجيات الحديثة

التأهيل السوسيو-ثقافي والقيمي

تحقيق الإدماج الاقتصادي للمؤسسات التعليمية

إن التطبيق الناجح يتطلب استراتيجية وطنية متكاملة تربط المدرسة بالاقتصاد، وتشجع الابتكار والاستثمار في الإنسان.

خلاصة الفصل الثالث: من أجل مدرسة الارتقاء بالفرد والمجتمع (من الرافعة السادسة عشرة إلى الرافعة الواحدة والعشرين)

وكخلاصة يؤكد هذا الفصل على أن المدرسة المغربية مدعوة إلى الاضطلاع بدور مركزي في تحقيق النهضة المجتمعية والاقتصادية، من خلال جعل التعلمات والتكوينات في انسجام تام مع حاجات البلاد التنموية، بما يضمن تهييئ المتعلمين للانخراط المنتج في سوق الشغل وفي ديناميات التنمية. وفي السياق ذاته، تسعى المدرسة إلى تعزيز الاندماج السوسيو-ثقافي عبر جعلها فضاءً لترسيخ قيم الانفتاح والتعايش واحترام التنوع الثقافي واللغوي، بما يعزز الانتماء الوطني والهوية المغربية في تفاعلها الإيجابي مع القيم الكونية.

كما يبرز هذا الفصل أهمية إرساء مجتمع المواطنة والديمقراطية والمساواة عبر إشاعة ثقافة الحقوق والواجبات وتربية الناشئة على مبادئ العدالة والحرية والمسؤولية المشتركة. ويوازي ذلك إرساء مفهوم التعلم مدى الحياة، بوصفه ركيزة أساسية لتجديد الكفايات وتطوير القدرات لمواكبة التحولات المجتمعية والتكنولوجية المتسارعة.

ومن جهة أخرى، يتم التركيز على ضرورة الانخراط الفاعل في اقتصاد ومجتمع المعرفة، عبر تمكين المدرسة من مقومات الابتكار والإبداع والبحث العلمي، مما يجعلها قاطرة لإنتاج المعرفة وتوظيفها في خدمة التنمية. كل ذلك من شأنه أن يعزز تموقع المغرب ضمن البلدان الصاعدة، ويجعل المدرسة الوطنية أداة استراتيجية لتحقيق التنمية الشاملة والارتقاء بالفرد والمجتمع على حد سواء.

الفصل الرابع: من أجل ريادة ناجعة وتدبير جديد للتغيير

الرافعة الثانية والعشرون: تعبئة مجتمعية مستدامة

تشير الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 إلى أن نجاح أي إصلاح تعليمي رهين بتعبئة وطنية شاملة، حيث تم إعلان الفترة الممتدة بين 2015 و2030 كمدى زمني مخصص لتجديد المدرسة المغربية. هذه التعبئة تتطلب إشراك كل الفاعلين: الدولة والجماعات الترابية ومؤسسات التربية والتكوين والبحث العلمي والمنظمات النقابية والقطاع الخاص والأسرة والمجتمع المدني والمثقفين والفعاليات الفنية والإعلامية. ويظهر هذا التوجه في تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي التي اعتبرت المدرسة قضية مجتمعية لا يمكن فصلها عن التنمية الوطنية ) (47) (.

وبالرغم من أهمية هذا التوجه، تبرز تساؤلات حول مدى جاهزية المجتمع المدني والقطاع الخاص للانخراط الفعلي خاصة في ظل التفاوتات المجالية والبشرية بين الوسط الحضري والقروي. وتجارب التعبئة السابقة مثل برنامج "مدرسة النجاح" سنة 2009 أظهرت أن غياب رؤية تشاركية واضحة يحدّ من الفعالية ) (48) (. لذا فإن نجاح التعبئة يتطلب إرادة سياسية وآليات تحفيزية قوية لضمان الاستمرارية، لا الاكتفاء بالشعارات.

الرافعة الثالثة والعشرون: ريادة وقدرات تدبيرية ناجعة

تؤكد هذه الرافعة على ضرورة إرساء حكامة رشيدة في المنظومة التربوية، من خلال تعزيز القدرات التدبيرية والقيادية في مختلف مستويات المدرسة. ويستدعي هذا اعتماد آليات ريادة فعالة ومقاربات استباقية، وترجمة الرؤية إلى واقع ملموس. ويأتي هذا في انسجام مع ما نص عليه الدستور المغربي لسنة 2011 في الفصل 31 بخصوص الحق في التعليم وواجب الدولة في تعبئة الوسائل الملائمة ) (49) (.

بالرغم من وضوح التوجه، يبقى التحدي في تحويل هذه المبادئ إلى ممارسات عملية. إذ ما زالت بعض المؤسسات تعاني من البيروقراطية وضعف التنسيق، كما بيّنت تقارير المجلس الأعلى في تقييم برنامج إصلاح التعليم 2000-2013 ) (50) (. كما أن مفهوم الريادة يحتاج إلى تأهيل الكفاءات وتحفيز الموارد البشرية وضمان المرونة في اتخاذ القرار وهو ما تؤكد عليه أيضًا تجارب دولية مثل فنلندا وسنغافورة حيث ربطت جودة القيادة التعليمية بتحسن النتائج الدراسية.

وكخلاصة أولية يتضح أنه ومن خلال هاتين الرافعتين، يتضح أن الرؤية الاستراتيجية تراهن على الجودة والارتقاء بالمدرسة المغربية شكلًا ومضمونًا عبر تضافر جهود جميع الأطراف المعنية. لأن الهدف ه كله من هذا هو بناء منظومة تربوية حديثة وفعالة قادرة على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل معا مع اعتماد منهج التدرج بين المدى القريب والمدى البعيد. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض ذاته يظل قائمًا: ما موقع الميثاق الوطني للتربية والتكوين في هذه الإصلاحات؟ وما طبيعة العلاقة بين دعاماته ورافعات الرؤية الاستراتيجية ؟

كما تجدر الإشارة إلى أهمية الملحقين المرفقين بكتاب الرؤية الاستراتيجية: الأول يتناول مقتضيات الدستور المتعلقة بالتربية والتكوين والبحث العلمي، والثاني يشرح المفاهيم المفتاحية.

الفصل الثاني: الإصلاح التربوي في المغرب بين الميثاق الوطني والرؤية الاستراتيجية

مقاربة تحليلية نقدية

يمثل الميثاق الوطني للتربية والتكوين إطارًا مرجعيًا شاملاً لإصلاح منظومة التعليم بالمغرب، إذ يجسد توافق مختلف القوى الاجتماعية الحية على مشروع مجتمعي يسعى إلى تطوير منظومة التربية والتكوين وتجديدها على جميع الأصعدة والمستويات. ووفق قراءة تحليلية مقارنة، يمكن اعتبار الميثاق منظومة متكاملة من الإصلاحات تشمل مكونات وآليات ومعايير تهدف إلى إرساء مؤسسة تعليمية مؤهلة، قادرة على المنافسة والانفتاح على المحيط الاجتماعي والاقتصادي، مع مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية وتكييف التعليم مع الواقع الموضوعي الوطني والدولي ) (51) (.

حيث صدر الميثاق عن اللجنة المكلفة بالإصلاح في سنة 1999، وخصصت له عشرية كاملة لتحقيق الإصلاحات المقررة، مما أدى إلى تسمية الفترة بعشرية الميثاق الوطني. ويضم الميثاق ثلاث وثمانين صفحة مقسمة إلى قسمين أساسيين:

القسم الأول: والذي خصص للمبادئ الأساسية، حيث يشمل المرتكزات الثابتة لنظام التربية والتكوين والغايات الكبرى المتوخاة منه وحقوق وواجبات الشركاء وسبل التعبئة الوطنية لإنجاح الإصلاح ) (52) (.

القسم الثاني: الذي خصص لمجالات التجديد ودعامات التغيير، حيث يضم هذا الأخير ستة مجالات رئيسية تتفرع إلى تسعة عشر دعامة للتغيير والتي تتناول مختلف جوانب تطوير التعليم من البنية التربوية إلى الموارد البشرية والتسيير والشراكة والتمويل.

ويهدف هذا التمهيد إلى تقديم قراءة تمهيدية تحليلية للمحتويات الأساسية للميثاق الوطني للتربية والتكوين، تمهيدًا لإجراء مقارنة دقيقة بينه وبين الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم، مع التركيز على أوجه الاختلاف والتقاطع بين كل منهما في سياق تطوير منظومة التربية والتكوين بالمغرب.

المبحث الأول: الإصلاحات التي جاء بها الميثاق الوطني للتربية والتكوين

أولا- على سبيل التقديم

يعتبر الميثاق الوطني للتربية والتكوين وثيقة أساسية لإصلاح النظام التعليمي بالمغرب، إذ يمثل تعاقدًا بين مختلف القوى الاجتماعية الفاعلة، بهدف وضع مشروع مجتمعي شامل يهدف إلى تحسين جودة التعليم وتمكين المؤسسات التربوية من الانفتاح على المحيط الاجتماعي والاقتصادي والتكنولوجي. ويعرف الميثاق بأنه منظومة متكاملة من الإصلاحات تشمل مكونات وآليات ومعايير صالحة لتجديد التعليم على جميع الأصعدة والمستويات بما يجعل المدرسة المغربية مؤهلة للمنافسة محليًا ودوليًا ومواكبة كل التطورات المعرفية والتكنولوجية ) (53) (.

وقد صدر الميثاق عن اللجنة المكلفة بالإصلاح التربوي عام 1999، وتم تخصيص عشرية كاملة لتنزيل إصلاحاته وأصبح ما يُعرف بعشرية الميثاق الوطني. ويضم الميثاق ثلاث وثمانين صفحة مقسمة إلى قسمين رئيسيين:

القسم الأول: المبادئ الأساسية، ويشمل المرتكزات الثابتة للمنظومة، الغايات الكبرى، حقوق وواجبات الشركاء، وآليات التعبئة الوطنية لإنجاح الإصلاح.

القسم الثاني: مجالات التجديد ودعامات التغيير، ويشمل ستة مجالات متفرعة إلى تسعة عشر دعامة للإصلاح.

تهدف هذه الوثيقة إلى تحليل شامل لكل هذه العناصر في ضوء التوجيهات السامية مع مقاربة مقارنة لاحقة مع الرؤية الاستراتيجية لإظهار أوجه التشابه والاختلاف في آليات الإصلاح والتجديد.

ثانيا - المبادئ الأساسية

أ. المرتكزات الثابتة

تشمل المرتكزات الثابتة مجموعة من القيم والمعايير التي يجب أن تقوم عليها منظومة التربية والتكوين، من أهمها:

- قيم العقيدة الإسلامية، باعتبارها إطارًا ثقافيًا وروحيًا.

- مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، كقيم كونية تضمن إشراك جميع الفاعلين واحترام الحريات الأساسية.

- مبادئ الملكية الدستورية بما يضمن التوافق مع النظام السياسي المغربي.

- مبادئ الهوية المغربية والأصالة والمعاصرة، لضمان حماية التراث الثقافي ومواكبة المستجدات العالمية.

- القيم المعرفية والأخلاقية، حيث يُلزم الأستاذ باحترام المعرفة ومراقبة الجودة والالتزام بأخلاقيات المهنة.

ب. الغايات الكبرى

تهدف الغايات الكبرى للميثاق إلى:

- تكوين مواطن صالح ومنتج، قادر على خدمة وطنه ومجتمعه.

- جعل المتعلم مركز العملية التعليمية، مع تعزيز قدراته المعرفية والمهارية.

- انفتاح المدرسة على محيطها الاجتماعي والاقتصادي، لضمان تكامل التعلم مع الواقع المعيشي.

- التعليم والمعرفة: تزويد المتعلم بالمعارف الأساسية والضرورية للتأهيل الاجتماعي والاقتصادي.

- مواكبة التطور المعرفي والتكنولوجي بما يتيح اندماج المدرسة في السياق الدولي المعاصر.

- التشبع بالقيم : ترسيخ القيم الوطنية والأخلاقية لتكوين شخصية متكاملة.

- إتقان اللغتين الرسميتين والانفتاح على اللغات الأجنبية، لتعزيز التواصل والتنافسية الدولية.

- تيسير سبل الانفتاح الثقافي، بما يضمن التعرف على ثقافات متعددة واحترام التنوع.

ثالثا- الترويج لإنجاح الإصلاح والتوجيهات السامية

تجسدت استراتيجية الميثاق في ترويج الإصلاح على كل المستويات الوطنية والدولية عبر:

- تخصيص عشرية كاملة لإصلاح التعليم وهو مؤشر على أولوية هذا الإصلاح وطنياً.

- وضع إصلاح التعليم كثاني أولوية بعد قضية الوحدة الترابية ما يعكس الأهمية الاستراتيجية للقطاع التربوي.

- الترويج للمشروع في الملتقيات الدولية والمحلية لضمان مصداقية الإصلاح وتشجيع المشاركة الواسعة من مختلف الفاعلين.

- التوجيهات السامية الصادرة عن الملك التي توفر الإطار السياسي والتوجيهي لتنفيذ الإصلاحات وضمان انسجامها مع السياسات الوطنية العليا ) (54) (.

هذه التوجيهات السامية تمثل خريطة الطريق للإصلاح، وتضمن متابعة دقيقة لآليات التنفيذ وربط المسؤولية بالمحاسبة، ما يعزز جدية العملية الإصلاحية على الأرض.

رابعا- حقوق وواجبات الشركاء

يولي الميثاق الوطني أهمية خاصة للشركاء التربويين وخصوصًا المدرسين، حيث تحدد الوثيقة حقوقهم وواجباتهم بما يضمن:

- توفير بيئة عمل مستقرة ومحفزة.

- احترام أطر التشريع المدرسي.

- الالتزام بالمعايير التربوية والأخلاقية، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة.

خامسا- مجالات التجديد ودعامات التغيير

تنقسم مجالات التجديد في الميثاق إلى ستة مجالات رئيسية تغطي تسع عشر دعامة أساسية:

- المجال الأول: نشر التعليم وربطه بالمحيط الاقتصادي

دعامة 1: تعميم تعليم جيد في مدرسة متعددة الأساليب.

دعامة 2: التربية غير النظامية ومحاربة الأمية.

دعامة 3: السعي إلى أكبر تلاؤم بين النظام التربوي والمحيط الاقتصادي.

المجال الثاني: التنظيم البيداغوجي

دعامة 4: إعادة هيكلة وتنظيم أطوار التربية والتكوين.

دعامة 5: التقويم والامتحانات.

دعامة 6: التوجيه التربوي والمهني.

المجال الثالث: الرفع من جودة التربية والتكوين

دعامة 7: مراجعة البرامج والمناهج والكتب المدرسية والوسائط التعليمية.

دعامة 8: تنظيم الفضاءات المدرسية والإيقاعات الزمنية.

دعامة 9: إتقان اللغتين الرسميتين والانفتاح على اللغات الأجنبية.

دعامة 10: استعمال التكنولوجيا ووسائل الإعلام.

دعامة 11: تشجيع التفوق والتجديد والبحث العلمي.

دعامة 12: إنعاش الأنشطة الرياضية والتربية البدنية والموازية.

المجال الرابع: الموارد البشرية

دعامة 13 و14: تحفيز الموارد البشرية وإتقان تكوينها وتحسين ظروف العمل ومراجعة مقاييس التوظيف والتقويم والتربية.

المجال الخامس: التسيير والتدبير

دعامة 15: إقرار اللامركزية واللاتمركز في قطاع التربية والتكوين.

دعامة 16: تحسين التدبير العام لنظام التربية والتكوين المستمر.

دعامة 17: تنويع أنماط البنايات والتجهيزات، ملاءمتها لمحيطها، ترشيد استغلالها وحسن تسييرها.

المجال السادس: الشراكة والتمويل

دعامة 18: حفز قطاع التعليم الخاص وضبط معايير وتسيير الاعتمادات.

دعامة 19: تعبئة موارد التمويل وترشيد تدبيرها.

سادسا- قراءة تحليلية للمبحث

فمن خلال قراءة نقدية للمبادئ والدعامات يمكن استخلاص ما يلي:

- التكامل بين المبادئ والغايات: جميع المبادئ والغايات الكبرى متكاملة حيث تربط بين التعليم

و التأهيل الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والتطور التكنولوجي ) (55) (.

- الربط بين التوجيهات السامية والتنفيذ: يضمن وجود التوجيهات السامية متابعة دقيقة لتنفيذ الإصلاحات وربط المسؤولية بالمحاسبة وهو ما يقلل من الهفوات السابقة في التخطيط والتنزيل.

- الشمولية والتدرج: يشمل الميثاق الوطني جميع المستويات من التمدرس والجودة والموارد البشرية والتسيير والتمويل مما يعكس رؤية متكاملة للإصلاح.

- الإطار التحفيزي للشركاء: من خلال تحديد الحقوق والواجبات وتحفيز الموارد البشرية حيث يضمن الميثاق التزام الفاعلين بتحقيق النتائج المرجوة.

. المبحث الثاني: مقارنة بين إصلاح الرؤية الاستراتيجية والميثاق الوطني للتربية والتكوين على مستوى التخطيط والتجديد

بعد استعراضنا للمرتكزات والمبادئ الأساسية التي جاء بها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، يظهر جليًا أن العديد من الدعامات التي يؤطرها الميثاق تتقاطع مع رافعات الرؤية الاستراتيجية للإصلاح. فالغاية النهائية لكليهما تكمن في تعزيز الجودة والارتقاء بالمدرسة المغربية فضلاً عن إصلاح كل ما يتعلق بقطاع التربية والتعليم. ومع ذلك، فإن الفارق بينهما يظهر جليًا على مستوى التخطيط، ومنهجية التنفيذ وآليات التجديد وهو ما يتطلب تحليلًا نقديًا متأنيا.

أولًا: أوجه التشابه

الأساس الملكي للإصلاحات:

كلا الإصلاحين لكل من الميثاق الوطني والرؤية الاستراتيجية يستندان إلى خطاب ملكي سامٍ كمرجعية أساسية لتحديد الأولويات الوطنية. فقد جاء الميثاق استجابةً للخطاب الملكي بتاريخ فاتح الدورة التشريعية الثالثة سنة 1999، بينما تأسست الرؤية الاستراتيجية على عدة خطابات ملكية منها خطاب ثورة الملك والشعب (2012 و2013) وخطاب افتتاح الدورة التشريعية لسنة 2014. ويُظهر هذا التشابه أن كلا الإصلاحين يعتمدان على السلطة العليا للبلاد لتحديد الأولويات، ما يضمن انسجام الإصلاحات مع الرؤية الوطنية الشاملة للبلاد ) (56) (.

الاهتمام بالجودة والارتقاء بالمدرسة المغربية:

يركز كل من الميثاق والرؤية على تحقيق مدرسة ذات جودة عالية، قادرة على تلبية متطلبات التنمية الشاملة. إذ يعتبر ضمان الجودة محورًا مشتركًا يربط بين التخطيط الاستراتيجي للميثاق والرؤية، ويعكس إدراك صناع السياسة التعليمية لأهمية تطوير الموارد البشرية والبنية التربوية ) (57) (.

الإصلاح كأولوية بعد الوحدة الترابية:

يظهر الاهتمام بإصلاح نظام التربية والتكوين باعتباره من الأولويات الوطنية الأساسية بعد استكمال الوحدة الترابية، وهو عامل مشترك بين الميثاق والرؤية. هذا الانسجام يعكس التوجه السياسي الوطني نحو الاستثمار في العنصر البشري كرافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ثانيًا: أوجه الاختلاف

الإطار الدستوري والمرجعية القانونية:

أبرز الفروقات تكمن في السياق القانوني الذي أُنشئت فيه كل من المبادرتين. فالرؤية الاستراتيجية استفادت من مقتضيات دستور 2011، الذي يُعد المصدر الأعلى للتشريع في المغرب مما منح الإصلاحات الجديدة ميزة في التجديد والالتزام القانوني غير أنه وفي المقابل صدر الميثاق الوطني قبل دستور 2011، وبالتالي اعتمد على أسس قانونية أقدم ما حد من قدرته على تجاوز بعض الإشكالات البنيوية في القطاع التعليمي ) (58) (.

التخطيط الاستراتيجي وآليات التنفيذ:

تميل الرؤية الاستراتيجية إلى منهجية أكثر شمولية وديناميكية مقارنة بالميثاق. فهي لا تكتفي بوضع الأهداف العامة، بل تعتمد على مؤشرات أداء واضحة، وآليات متابعة وتقويم دقيقة، وهو ما لم يكن متاحًا بشكل كامل في الميثاق. هذا التباين يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية التخطيط الاستباقي والتنفيذ المبني على بيانات ومعايير علمية ) (59) (.

تجاوز الهفوات السابقة:

تحاول الرؤية الاستراتيجية معالجة النقائص التي أظهرها الميثاق سواء على مستوى التخطيط أو على مستوى تنزيل البرامج على أرض الواقع مما يشير إلى أن الرؤية ليست مجرد استمرارية للمبادئ السابقة بل محاولة نقدية لتطوير نموذج إصلاحي أكثر فعالية واستجابة للتحديات المعاصرة ) (60) (.

حيث يمكن القول إن الرؤية الاستراتيجية، بفضل سياقها الدستوري ومقترحاتها الأكثر دقة في التخطيط والتنفيذ تمثل محاولة للإصلاح الذكي والفعال الذي يستفيد من تجارب الميثاق الوطني السابقة. ومع ذلك، يبقى التحدي في مدى قدرة كل من الميثاق والرؤية على ترجمة الأهداف النظرية إلى نتائج ملموسة على مستوى التعلمات والمردودية المدرسية وهو ما يستدعي تقييمًا دوريًا مستندًا إلى مؤشرات الأداء النوعية والكمية. كما يبرز جليًا أن اعتماد الإصلاحات على الخطاب الملكي وحده، رغم أهميته الرمزية والسياسية لا يكفي لضمان الاستدامة إذا لم يُواكب بتقنيات التخطيط والتنفيذ العلمية والمبتكرة.

المبحث الثالث: تقييم وإعادة النظر في أوجه التشابه والاختلاف بين الميثاق الوطني للتربية والتكوين والرؤية الاستراتيجية 2015–2030

إن مقارنة الإصلاحات التي جاء بها الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999) مع الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015–2030 تظهر تفوقًا واضحًا للرؤية الاستراتيجية من حيث قابلية التنفيذ والمرونة الزمنية في الأهداف كما تكشف عن تقدم في أطر التخطيط والتجديد البيداغوجي وتنظيم منظومة التعليم برمتها.

أولا - الإطار الزمني وأولويات التنفيذ

تميزت الرؤية الاستراتيجية بوضع أهداف زمنية متدرجة:

المدى القريب (2015–2018) ،

المدى المتوسط (2018–2021) ،

المدى البعيد (بعد 2021) ،

وقد رافق هذا التقسيم صدور وثائق تحدد الأولويات والإصلاحات الأساسية لكل مرحلة ) (61) (. بالمقابل، جاء الميثاق الوطني في صياغة عامة وواسعة ولم يتمكن من تحقيق أهدافه إلا بعد صدور تقرير 2008 الصادر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الذي أفضى إلى وضع المخطط الاستعجالي لإجرائه ) (62) (.

ثانيا - المتعلم والمدرس والمادة التعليمية

المتعلم: انتقل من كونه متلقيًا سلبيًا إلى محور العملية التعليمية، مشاركًا في بناء التعلمات، وهو ما يمثل تحولًا جوهريًا في الرؤية والمثاق على حد سواء ) (63) (.

المدرس: أصبح موجهاً ومشاركًا في وضع البرامج الدراسية، وأحد عناصر المثلث الديداكتيكي ) (64) (.

المادة التعليمية: عمل الميثاق الوطني على ضبط معايير الكتب المدرسية وفق دفتر التحملات، مع فتح باب التباري بين لجان التأليف المختلفة، بينما عملت الرؤية الاستراتيجية على تنويع محتوى البرامج وتحسين جودة التدريس وفق معايير علمية وحديثة.

البيداغوجيا: تم الانتقال تدريجيًا من بيداغوجيا الأهداف التقليدية إلى بيداغوجيا الكفايات، وهو ما عززه الميثاق، فيما الرؤية استكملت هذا المسار بتطوير المناهج وتكييفها مع حاجيات القرن الواحد والعشرين ) (65) (.

ثالثا- إلزامية التعليم

نص الميثاق الوطني على إلزامية التعليم من سن ست سنوات إلى الخامسة عشرة، في حين وسعت الرؤية الاستراتيجية هذا الإطار ليشمل التعليم الأولي والابتدائي والثانوي، مع التأكيد على ضرورة إعداد متعلم متكامل ) (66) (.

رابعا - اللغات في التعليم

اعتمد الميثاق اللغة العربية كلغة إلزامية مع مراعاة اللغة الأمازيغية في التعليم الأولي، في حين أكدت الرؤية الاستراتيجية على إلزامية اللغتين العربية والفرنسية، وجعلت الأمازيغية لغة ثانية كما نصت على تنويع اللغات في التدريس لتحسين التحصيل الدراسي ) (67) (.

خامسا- تكوين الأطر والتنظيم البيداغوجي

أعادت الرؤية الاستراتيجية النظر في تكوين الأساتذة والمفتشين وتجديد مهن التربية والتكوين وتحديد الأدوار، في حين لم يولي الميثاق الوطني هذا الجانب اهتمامًا كافيًا ) (68) حيث أن الأطر التربوية، من مدرسين وإداريين تعد الفاعل المحوري في إنجاح مشاريع الإصلاح التربوي، باعتبارها الركيزة الأساسية التي يقوم عليها الارتقاء بجودة المدرسة وتجويد منظومة التعليم برمتها.

سادسا - اللغة القانونية في الوثيقتين

اتسمت لغة كل من الميثاق الوطني والرؤية الاستراتيجية باللغة القانونية الواضحة والدقيقة وهي لغة:دقيقة وواضحة وشاملة للمعلومات ومتوافقة مع النصوص القانونية السارية، ومحدودة الحجم لتكون مفهومة للمخاطب العادي، ومقيّدة لمعاني الجمل لتجنب التأويلات الخاطئة) (69) (.

وقد أشار ميشال ريفاتير إلى أن اللغة القانونية تنفصل عن اللغة العادية بوظيفتين أساسيتين: الأولى عملية للإشارة إلى الواقع، والثانية تركّز على الرسالة بوصفها غاية في ذاتها ) (70) (

وهكذا واستنتاجا لما سبق يمكن القول بأن الرؤية الاستراتيجية قد تجاوزت أغلب محدوديات الميثاق الوطني، سواء على مستوى الإطار الزمني أو التخطيط المرحلي أو تجديد المناهج أو اللغات المستخدمة، بالإضافة إلى الاهتمام بتكوين الأطر التعليمية. كما ساهمت لغة الرؤية الاستراتيجية القانونية الدقيقة في جعل الإصلاح أكثر وضوحًا وقابلية للتنفيذ. هذا التقدم يعكس تحولًا نوعيًا في فهم الدولة المغربية لضرورة ربط الإصلاح التربوي بالحقوق والجودة والإنصاف، وهو ما لم يكن متحققًا بالشكل الكافي في الميثاق الوطني.

المبحث الثاني: مرتكزات الرؤية الاستراتيجية ومقارباتها المقارنة

أولا - تشخيص الواقع التعليمي المغربي وانبثاق الحاجة إلى إصلاح جديد

لقد شكّل التعليم في المغرب منذ الاستقلال إحدى القضايا المركزية التي ظلت حاضرة في الأجندة السياسية والاجتماعية، نظرًا لارتباطه الوثيق بالتنمية الشاملة وبناء الدولة الحديثة. غير أنّ محاولات الإصلاح السابقة وفي مقدمتها الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999) والمخطط الاستعجالي (2009-2012) ، لم تُفض إلى النتائج المرجوة بسبب صعوبات التنزيل وضعف الحكامة، وغياب التتبع والتقييم الصارم للسياسات العمومية في هذا القطاع الحيوي) (71) ( .

وانطلاقًا من هذا التشخيص عمل المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي على إعداد الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، التي جاءت استجابة لمجموعة من التحديات التي واجهت المدرسة المغربية في بدايات الألفية الثالثة. وقد ارتكزت هذه الرؤية على تقارير وطنية ودولية تؤكد تراجع المغرب في مؤشرات الجودة والإنصاف والمردودية، الأمر الذي استوجب صياغة استراتيجية بعيدة المدى تعالج الإشكالات البنيوية وتفتح آفاقًا جديدة للتطور.

ثانيا - مرتكزات الرؤية الاستراتيجية: الإنصاف، الجودة، والارتقاء

انطلقت الرؤية الاستراتيجية من ثلاثة مرتكزات أساسية ) (72) ( :

الإنصاف وتكافؤ الفرص: ضمان تعليم جيد لكافة الفئات، مع إيلاء أهمية خاصة للفئات الهشة والمناطق القروية.

الجودة للجميع: تحسين المناهج وتكوين الأساتذة وتجويد التعلمات وتوفير بيئة مدرسية محفزة.

الارتقاء الفردي والمجتمعي: اعتبار المدرسة فضاءً لبناء المواطن الفاعل والارتقاء بالمجتمع ككل.

وقد حسمت الرؤية الاستراتيجية في مسألة التناوب اللغوي، من خلال الجمع بين اللغات الرسمية (العربية والأمازيغية) والانفتاح على اللغات الأجنبية، معتبرة أن التعددية اللغوية خيار استراتيجي يواكب الانفتاح الحضاري للمغرب. هذا من جهة ومن جهة ثانية أكدت الرؤية أيضا على أهمية القسم الدراسي باعتباره النواة الصلبة للعملية التعليمية التعلمية، حيث يتم التفاعل بين المدرس والمتعلم والمناهج، لأجل تحديد مخرجات أي إصلاح تعليمي.

ثالثا - آليات التنزيل ومأزق التنفيذ

من أجل تجاوز عثرات الماضي، أحدث المجلس الأعلى للتربية والتكوين آلية مؤسساتية تضم رئاسة المجلس وأمانته العامة ووزراء القطاع ورؤساء اللجان الدائمة، مهمتها تتبع تنزيل الرؤية الاستراتيجية وتقييمها بشكل دوري. إلا أن أبرز تحدٍّ ظل مطروحًا هو الفجوة بين التصور والتنفيذ، حيث أن الإصلاحات غالبًا ما تبقى حبيسة الوثائق الاستراتيجية دون أن تصل إلى فضاء القسم حيث يوجد المتعلم. ولذلك، ركزت الرؤية على ضرورة مأسسة الإصلاح عبر تحويلها إلى قانون إطار ملزم لكافة الفاعلين، بغض النظر عن تغير الحكومات أو الوزراء) (73) ( .

رابعا - المقارنة مع التجارب الدولية

التجربة الفرنسية

تتميز فرنسا باعتمادها منذ عقود على مركزية القرار التربوي مع وجود وزارة قوية تشرف على البرامج والمناهج والتكوين. غير أن هذه المركزية أدت أحيانًا إلى بطء التكيف مع التحولات المجتمعية. في المقابل، استفادت الرؤية المغربية من التجربة الفرنسية في مجال توحيد المناهج والصرامة في تكوين المدرسين، لكنها حاولت تجاوز عائق المركزية المفرطة باعتماد المقاربة التشاركية والمشاورات الجهوية.

التجربة الأمريكية

تُعتبر الولايات المتحدة نموذجًا مغايرًا، حيث يسود اللامركزية التعليمية، إذ تمتلك كل ولاية صلاحيات واسعة في وضع المناهج وتنظيم الامتحانات. فما يمكن للمغرب أن يستفيد منه هنا هو تجربة المساءلة والتقييم المستمر للأداء المدرسي، وربط الدعم العمومي بنتائج المؤسسات. غير أن هذه التجربة تعاني من فجوات حادة في الإنصاف وهو ما حاولت الرؤية الاستراتيجية المغربية معالجته بجعل تكافؤ الفرص في صميم الإصلاح.

التجربة الفلندية والسويدية

تُعد فنلندا والسويد من أبرز النماذج الناجحة عالميًا، حيث تقوم أنظمتهما التعليمية على:

- جعل المتعلم محور العملية التعليمية التعلمية، مع منح استقلالية واسعة للمدرس.

- المساواة والإنصاف باعتبار التعليم حقًا أساسيًا للجميع.

- التقويم التكويني المستمر بدلًا من الامتحانات الموحدة الصارمة.

إن ما يميز هذه التجارب هو الثقة في المدرس، إذ يخضع لتكوين عالٍ ويُنظر إليه كفاعل مركزي في الإصلاح. وقد حاولت الرؤية الاستراتيجية المغربية الاقتراب من هذا النموذج عبر التشديد على أهمية تأهيل المدرس وإعادة الاعتبار له.

وهكذا ومن خلال هذه المقارنة يتضح أن الرؤية الاستراتيجية المغربية حاولت الجمع بين خصائص متعددة ولعل من أهمها: صرامة التكوين الفرنسية ومرونة التسيير الأمريكية، وإنصاف التجارب الاسكندنافية. غير أن التحدي الأكبر يظل متمثلًا في التنزيل الفعلي وتجاوز الهوة بين الوثيقة الإصلاحية والواقع الميداني.

فالمدرسة المغربية مطالبة اليوم ليس فقط بتلقين المعارف بل أيضًا بتربية المتعلمين على القيم ونبذ العنف ومواجهة الظواهر السلبية المنتشرة داخل المؤسسات، وهو ما يقتضي إعادة جاذبية المدرسة وتعزيز ثقة المجتمع فيها.

المبحث الثالث: خلاصات واستنتاجات

انطلقت الرؤية الاستراتيجية 2015–2030 من خلال تشخيص دقيق وتقييمي قامت به الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، حيث أعدت تقريرًا مفصلًا عن المجهودات والمكتسبات التي تمت خلال عشرية الإصلاح (2000–2013) ، والتي شملت الميثاق الوطني للتربية والتكوين والمخطط الاستعجالي، باعتباره محاولة لإصلاح التعثرات والصعوبات التي شابت هذه الفترة ) (74) ( .

وقد شكل هذا التقرير مرتكزًا أساسيًا لإعداد الرؤية الاستراتيجية، إلى جانب استماع المجلس الأعلى لمجموعة واسعة من التشاورات والاقتراحات لكافة الفاعلين في قطاع التربية والتكوين، من أحزاب سياسية وشركاء ومؤسسات مدنية وجمعيات وهيئات المجتمع المدني، لتحديد الأولويات والإصلاحات المطلوبة.

أولا- السياق الوطني والدولي

ظهرت الرؤية الاستراتيجية في مرحلة دقيقة على المستوى الوطني والدولي، حيث شهد العالم أحداث ما يسمى بالربيع العربي (2011) ، بينما حافظ المغرب على استقرار سياسي واجتماعي بفضل حنكة القيادة الملكية والإجماع الشعبي، ما أتاح التركيز على الإصلاحات الداخلية المهمة خاصة في قطاع التعليم. كما شكل دستور 2011 قطيعة مع الماضي وأسس لمجموعة من المبادئ الجديدة المتعلقة بالتربية والتكوين والبحث العلمي، ما فرض على المجلس الأعلى إعداد خريطة طريق واضحة للإصلاح، لتتمكن المملكة من تحسين ترتيبها الدولي في المجالات التعليمية والعلمية) (75) ( .

ثانيا- المقومات الأساسية للرؤية

انطلقت الرؤية الاستراتيجية على أساس أربعة مرتكزات رئيسية:

الإنصاف وتكافؤ الفرص: يشكل مبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص أحد المرتكزات الجوهرية للرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين. وفي هذا السياق، يقتضي الإصلاح ضمان وصول التعليم الجيد إلى جميع الفئات الاجتماعية دون استثناء، بما في ذلك الفئات الهشة والمناطق القروية، باعتبارهما الفضاءين الأكثر عرضة لتفاوتات بنيوية تحول دون تحقق العدالة التعليمية. ومن ثَمّ، فإن تجاوز مظاهر الإقصاء والحرمان يستلزم سياسات عمومية مندمجة قادرة على رفع العوائق السوسيو اقتصادية والجغرافية التي ما زالت تحد من تعميم الإنصاف في الولوج إلى فرص التعلم. ) (76) (

الجودة الشاملة: تُعتبر الجودة الشاملة ركيزة مركزية ضمن الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين، إذ تهدف إلى رفع مستوى التعليم من خلال تطوير المناهج والمقررات الدراسية، وتحسين أداء المدرس والمتعلم على حد سواء. ويستلزم هذا التوجه اعتماد معايير علمية دقيقة وتطبيق استراتيجيات تربوية حديثة، بما يضمن تحقيق نتائج تعليمية فعالة ومستدامة، ويعزز قدرة النظام التعليمي على الاستجابة لمتطلبات التنمية الاجتماعية والاقتصادية ) (77) (

الارتقاء الفردي والمجتمعي: يشكل الارتقاء الفردي والمجتمعي ركيزة أساسية ضمن الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين، حيث يركز هذا التوجه على تطوير مهارات المتعلم وتمكينه من المشاركة الفاعلة في المجتمع. ويهدف إلى تهيئة بيئة تعليمية محفزة تشجع على التفكير النقدي والإبداعي، وتزود المتعلم بالأدوات والقدرات اللازمة لمواجهة تحديات الحياة والمساهمة بفعالية في التنمية الاجتماعية والاقتصادية. كما يعزز هذا التوجه دور التعليم في بناء مواطنين مسؤولين وفاعلين قادرين على المشاركة الإيجابية في مجتمعهم والمساهمة في رقي وازدهار وطنهم مما يضمن تكامل الإصلاحات التعليمية مع أهداف التنمية المستدامة وتحقيق أثر ملموس على الفرد والمجتمع على حد سواء ) (78) (

ريادة ناجعة وتدبير جديد للتغيير: تشكل هذه الأخيرة ركيزة أساسية ضمن الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين، حيث تهدف إلى ضمان فعالية الإصلاحات وكفاءتها عبر اعتماد مقاربة تشاركية واستراتيجية لتسيير الموارد والإصلاحات. ويعتمد هذا التوجه على إشراك جميع الفاعلين المعنيين، من أساتذة وإداريين ومجتمع مدني، في صياغة وتنفيذ السياسات التعليمية، بما يعزز الالتزام المشترك ويضمن استدامة النتائج. كما يُسهم التدبير الجيد للتغيير في تحسين كفاءة الموارد وتنسيق الإصلاحات، بما يتيح تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتعزيز ثقافة الابتكار والمسؤولية على مستوى النظام التربوي ككل) (79) (

ثالثا- التحليل النقدي لإكراهات التنزيل

رغم وضوح الرؤية الاستراتيجية وتفصيل أهدافها إلا أن تنزيل الإصلاحات على أرض الواقع واجه عدة إكراهات لعل من أهمها ما يلي :

ضعف الربط بين التخطيط والتنفيذ: حيث تبقى معظم المشاريع الإصلاحية على مستوى التصورات والوثائق، ولا تصل إلى الفصول الدراسية وبالتالي لا يستفيد منها المتعلم بشكل كامل) (80) (

تفاوت التوزيع الجهوي والموارد: بعض الأكاديميات والجهات تواجه نقصًا في الموارد البشرية والمادية، الشيء الذي يحد من قدرة المؤسسات على تطبيق الإصلاحات) (81) (

الفصل الدراسي كالنواة الأساسية: بالرغم من أن الرؤية أولت اهتمامًا كبيرًا بالثالوث التربوي (المعلم، المتعلم، المنهاج) ، إلا أن التطبيق العملي يتطلب تأهيل المدرسين بشكل مستمر وتوفير وسائل التدريس الحديثة) (82) (

الأوضاع السلوكية في المؤسسات التعليمية تشير الأوضاع السلوكية الراهنة في المؤسسات التعليمية إلى انتشار بعض الظواهر السلبية، بما في ذلك العنف والمخدرات والنزاعات بين التلاميذ داخل الفصول، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في البيئة المدرسية والعمل على استعادة جاذبية المدرسة المغربية وتعزيز مكانتها وقيمتها وهيبتها وسمعتها المرموقة. ويتطلب ذلك تبني استراتيجيات فعّالة لتقويم السلوك التربوي وتهيئة بيئة تعليمية آمنة ومحفزة، قادرة على دعم التعلم الفعّال وتعزيز الانضباط والمسؤولية الفردية والجماعية) (83) (

رابعا - التدابير والإصلاحات المقترحة

استجابت الرؤية الاستراتجية لهذه الإكراهات عبر مجموعة من التدابير:

- تطوير تكوين الأطر التربوية، وإعادة النظر في الأدوار والوظائف داخل المنظومة.

- اعتماد مقاربة تشاركية تشمل جميع الفاعلين في الميدان، من أكاديميات ولجان وهيئات المجتمع المدني.

- اختيار اللغات: اعتماد الرؤية الاستراتيجية اللغتين العربية والأمازيغية كلغات رسمية، والانفتاح على اللغات الأجنبية بمبدأ التناوب اللغوي وهو تقدم نوعي مقارنة بالميثاق الوطني.

- التركيز على المتعلم كمحور العملية التعليمية التعلمية، لضمان مشاركة فاعلة وتمكينه من تطوير مهاراته الفردية) (84) (

- آليات التقييم والمتابعة: إحداث لجنة دورية تضم رئيس المجلس الأعلى والأمين العام والوزراء ورؤساء اللجان، لتقييم ما تم انجازه ومعالجة مواطن الخلل) (85) (

- الضمان القانوني للرؤية: اقتراح تحويل الرؤية الاستراتيجية إلى قانون إطار لضمان استمراريتها مهما تغيرت الحكومات) (86) (

واستنادًا إلى ما تم عرضه أعلاه تتضح مجموعة من الخلاصات الرئيسة والجوهرية التي يمكن استخلاصها من هذا المبحث.:

أولا- الرؤية الاستراتيجية تستند إلى تشخيص دقيق للمرحلة السابقة، وتعمل على تجاوز ثغرات الميثاق والمخطط الاستعجالي، مع التركيز على الجودة والإنصاف والتطوير المستدام.

ثانيا- المقاربة التشاركية واعتماد الرقمنة وتكوين الأطر المتواصل يمثل عامل نجاح أساسي - للرؤية في تحسين التعليم المغربي ورفع مكانته دوليًا.

ثالثا- نجاح الرؤية الاستراتيجية في دمج البعد القيمي والسلوكي للمدرسة، مع التأكيد على التعليم على القيم ونبذ كل أشكال العنف والظواهر السلبية داخل المؤسسات التعليمية.

رابعا- تحديات التطبيق العملي ما زالت قائمة وتتطلب تكثيف الجهود لضمان أن تصل الإصلاحات إلى الفصول الدراسية وتحقق الفائدة المباشرة للمتعلم.

وهكذا يمكن اعتبارهذا المبحث بمثابة خلاصة نقدية للرؤية الاستراتيجية التي تجمع بين التشخيص والتحليل واستشراف مستقبل الإصلاح التربوي وتوضح مدى قدرة الرؤية على تجاوز ثغرات الميثاق والمخطط الاستعجالي مع إبراز أهم نقاط القوة والضعف، وإتاحة قاعدة صلبة للانتقال إلى الخاتمة التي ستلخص كل نتائج هذا البحث وهذه الدراسة النقدية وتبرز أهم الاستنتاجات والتوصيات العملية للارتقاء بالمنظومة التعليمية المغربية.

على سبيل الختم

نخلص في نهاية البحث إلى أن الرؤية الاستراتيجية 2015–2030 جاءت لرد الاعتبار إلى المدرسة المغربية والنهوض بقطاع التعليم، باعتباره المجال الخصب الذي تتكامل فيه باقي المجالات الأخرى

لاسيما التعليم الابتدائي حيث أنه في هذه الصفوف الابتدائية يُصاغ مستقبل الأستاذ والطبيب والمهندس والقاضي والعالم والفيلسوف، فالتعليم هو بؤرة الإبداع ومركز المواهب والطاقات التي تساهم في تقدم المجتمع. لذلك، كان من الضروري لكل غيور على مستقبل بلاده، ولكل من يأمل في التطور، أن يسعى إلى تعزيز مكانة التعليم وإعطاء قيمة للمعلم، فهو المربي والمرشد والقدوة والموجه والذي يحمل رسالة علمية وتربوية وأخلاقية تهدف إلى غرس قيم المواطنة والخلق السليم. فنجاح المعلم يعكس نجاح المجتمع وفشله يؤدي إلى فقدان جيل جديد قادر على العطاء والإبداع، مما يجعل المدرسة المغربية مركزًا استراتيجيًا للإصلاح المجتمعي.

وقد عمل المجلس الأعلى للتربية والتكوين على تجاوز عقبات الإصلاحات السابقة والاستفادة من هفوات الميثاق الوطني والمخطط الاستعجالي، ليخرج لنا رؤية استراتيجية تمكننا من استشراف واقع التعليم بمنظار جديد يجعلنا نتطلع لغد أفضل. لكن يبقى السؤال المطروح: هل ستكرر التجارب السابقة نفسها أم أن هذه الرؤية تحمل شعلة التغيير لإعادة المدرسة المغربية إلى جاذبيتها ورونقها وقيمتها التي اندثرت على مر السنين ؟

وبالمقارنة مع التجارب الدولية نخلص إلى ما يلي:

أولا - فنلندا والسويد:

ركزت هذه الدول على التعليم الشامل والمجاني والجودة العالية للمعلمين مع منحهم استقلالية كبيرة في إدارة الفصول الدراسية، ما انعكس إيجابيًا على تحصيل المتعلمين ورضاهم الدراسي.

ومن خلال المقارنة مع الرؤية الاستراتيجية المغربية، نجد أن المغرب بدأ يتحرك نحو هذا النموذج الأوروبي عبر تعزيز تكوين المعلمين، وتبني مناهج حديثة، وتشجيع البيداغوجيا النشطة التي تجعل المتعلم محور العملية التعليمية .

ثانيا - فرنسا:

التعليم الفرنسي يعتمد على مناهج موحدة ودقيقة مع رقابة مركزية صارمة حيث يولي اهتمامًا خاصًا لتطوير المعرفة العامة والثقافة الأكاديمية.

حيث استعادت الرؤية الاستراتيجية المغربية هذا المبدأ جزئيًا من خلال تنظيم المناهج الدراسية ووضع معايير دقيقة للكتب المدرسية، لكنها أضافت عنصر المشاركة المحلية والجهوية، ما يجعلها أكثر مرونة مقارنة بالنموذج الفرنسي التقليدي.

ثالثا - الولايات المتحدة الأمريكية:

يعتمد النظام الأمريكي على التقييم المستمر والابتكار التعليمي والتكنولوجيا التعليمية، مع منح حرية كبيرة للولايات في وضع سياسات التعليم.

و تحاكي الرؤية المغربية هذا النموذج جزئيًا من خلال آليات المتابعة والتقييم الدورية واعتماد المقاربة التشاركية بين جميع الفاعلين، لكنها تواجه تحديات تنفيذية أكبر نظرًا للفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين المناطق المختلفة.

وكاستنتاج نهائي لهذه الدراسة والقراءة النقدية والتحليلية لكتاب الرؤية الاستراتيجية يمكن القول إن الرؤية الاستراتيجية المغربية تمثل محاولة جادة لتجاوز أخطاء الماضي وجعل المدرسة المغربية مركزًا للإبداع والتربية على القيم، مع الاهتمام بجودة التعلم وإنصاف الفرص. ومع ذلك، يبقى التنفيذ العملي على الأرض هو المقياس الحقيقي لنجاح هذه الرؤية، فالرؤية وحدها لا تكفي، بل يجب أن تترافق مع سياسات داعمة واستثمارات مستمرة في الموارد البشرية والمادية.

وهكذا نأمل أن يكون هذا البحث قد أضاف لبنة جديدة في الدراسات المتخصصة حول إصلاح التعليم في المغرب وقدم تحليلًا نقديًا ومقارنًا مع التجارب الدولية، ليكون مرجعًا للمطلعين والباحثين على حد سواء، مع إبراز مسار الإصلاح المغربي المتميز ضمن السياق العالمي.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث جامعي

................................

الهوامش

(1) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تقرير إنشاء الهيئة الدستورية الاستشارية، الرباط، 2014.

(2) وزارة التربية الوطنية، محضر المشاورات الوطنية حول الرؤية الاستراتيجية، الرباط، 2014.

(3) الملك محمد السادس، التوجيهات الملكية للميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرباط، 2010.

(4) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، التقرير الأول حول الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، الرباط، 2015.

(5) وزارة التربية الوطنية، تقرير حول التدابير ذات الأولوية لتفعيل الرؤية الاستراتيجية، الرباط، 2016.

(6) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية 2015-2030، الرباط، 2015.

(7) UNESCO, Education for All Global Monitoring Report, Paris, 2015.

(8) وزارة التربية الوطنية، التقرير الأول للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي حول الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، الرباط، 2015.

(9) وزارة التربية الوطنية، التقرير التشخيصي حول مستوى التمكن من اللغات والمعارف والكفايات الأساسية في المدارس المغربية، الرباط، 2014.

(10) وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، تقرير حول ركود البحث العلمي في المغرب، الرباط، 2014.

(11) وزارة التربية الوطنية، تقرير حول اندماج الخريجين التربويين في المجتمع، الرباط، 2014.

(12) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تقرير حول انفتاح المدرسة المغربية على محيطها المحلي والدولي، الرباط، 2015.

(13) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية 2015-2030، الرباط، 2015.

(14) وزارة التربية الوطنية، خطة التدابير ذات الأولوية لتفعيل الرؤية الاستراتيجية، الرباط، 2016.

(15) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية 2015-2030، الرباط، 2015.

(16) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية 2015-2030، الرباط، 2015.

(17) Mohammed VI, Discours Royaux sur l’Éducation, Rabat, 2014.

(18) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تقارير المجلس الأعلى حول التشخيص التربوي، الرباط، 2014-2015.

(19) UNESCO, Convention on the Rights of the Child, Paris, 1989.

(20) وزارة التربية الوطنية، تقرير حول الحوارات الجهوية لتأهيل المدرسة المغربية، الرباط، 2014.

(21) وزارة التربية الوطنية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرباط، 2000.

(22) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، الرباط، 2015.

(23) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، الرباط، 2015.

(24) وزارة التربية الوطنية، تقرير تطوير المناهج والبرامج الدراسية، الرباط، 2015.

(25) وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، برنامج تكوين الأساتذة في اللغات والعلوم الأساسية، الرباط، 2016.

(26) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تقرير حول الانفتاح على المحيط الاجتماعي والاقتصادي، الرباط، 2015.

(27) العربي السليماني، المعين في التربية، ص. 80.

(28) المصدر نفسه، ص. 81.

(29) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. (2015) . الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030: من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء. الرباط: CSEFRS، ص. 41-42.

(30) (SNRT News. (2023. التربية الدامجة: التحديات والرهانات. استرجع من

https://snrtnews.com/article/37854

(31) مجلة المعارف التربوية. (2022) . التكوين المهني ومسارات التعلم مدى الحياة.

(32) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المرجع نفسه، ص. 49-.51

(33) المرجع نفسه، ص. 54

(34) OECD. Education Policy Outlook 2019: Working Together to Help Students Achieve their Potential. Paris: OECD Publishing, 2019

(35) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. (2015) . الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030: من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء. الرباط: CSEFRS، ص. 60-61.

(36) Fullan, M. The New Meaning of Educational Change. Teachers College Press, 2016

(37) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030: من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء. الرباط، 2015.

(38) Ministère de l’Éducation Nationale, 2015, p. 42

(39) UNESCO, 2015, p. 88

(40) Ministère de l’Éducation Nationale, 2015, p. 44

(41) Bourdieu & Passeron, 1977, p. 23

(42) Ministère de l’Éducation Nationale, 2015, p. 51

(43) Ministère de l’Éducation Nationale, 2015, p. 63

(44) UNESCO, 2015, p. 95

(45) Bourdieu & Passeron, 1977, p. 45

(46) Ministère de l’Éducation Nationale, 2015, p. 80

(47) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم 2015-2030، الرباط، 2015، ص. 10-12

(48) وزارة التربية الوطنية، تقرير تقييم برنامج مدرسة النجاح 2009-2012، الرباط، 2013.

(49) المملكة المغربية، دستور 2011، الفصل 31.

(50) المجلس الأعلى للتربية والتكوين، تقرير التقييم المرحلي لإصلاح التعليم 2000-2013، الرباط، 2014.

(51) وزارة التربية الوطنية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرباط، 1999، ص. 12

(52) حمداوي، ج.، مدخل إلى الإصلاح التربوي بالمغرب: قراءة تحليلية مقارنة، الرباط، 2005، ص. 45.

(53) حمداوي، ج.، مدخل إلى الإصلاح التربوي بالمغرب: قراءة تحليلية مقارنة، الرباط، 2005، ص. 45.

(54) المجلس الأعلى للتربية والتكوين، تقرير تتبع تنفيذ الميثاق الوطني، الرباط، 2003، ص. 14-18

(55) بلحاج، م.، الإصلاح التربوي بين النظرية والتطبيق: تجربة المغرب، الدار البيضاء، 2010، ص. 102-110.

(56) الخطاب الملكي خلال افتتاح الدورة التشريعية الثالثة، أكتوبر 1999؛ خطاب ثورة الملك والشعب، 2012 و2013؛ خطاب افتتاح الدورة التشريعية 2014.

(57) وزارة التربية الوطنية المغربية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرباط، 1999..

(58) دستور المملكة المغربية، 2011، الفصول المتعلقة بالتربية والتكوين.

(59) . Benmoussa, R. (2017) . Planification stratégique et gouvernance de l’éducation au Maroc. Rabat: Publications du Ministère.

(60) . Ministère de l’Éducation nationale (2015) . Vision stratégique de réforme du système éducatif 2015–2030. Rabat: Éditions officielles

(61) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015–2030: من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء، الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 2015، ص. 12–15.

(62) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تقرير 2008 حول تقييم الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرباط، 2008، ص. 34–36

(63) وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرباط، 1999، ص. 22–25.

(64) سعيد حليم، تطوير الكتب المدرسية والمعايير البيداغوجية، الدار البيضاء: دار المعارف، 2010، ص. 78–80.

(65) لحسن اللحية، بيداغوجيا الكفايات وإصلاح التعليم بالمغرب، الرباط: مطبعة النجاح، 2012، ص. 41–44.

(66) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المرجع نفسه، ص. 60–62

(67) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المرجع نفسه، ص. 70–73.

(68) يونس محمد، إصلاح التعليم بالمغرب: رهانات وتحديات، الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2018، ص. 45–47.

(69) رامان سلدن، ميشال ريفاتير، النظرة الأدبية المعاصرة، ترجمة: جابر عصفور، القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر، 1998، ص. 179.

(70) المرجع نفسه، ص. 180–182.

(71) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تقرير تقييمي لعشرية الإصلاح 2000-2013.

(72) المجلس الأعلى للتربية والتكوين، الرؤية الاستراتيجية 2015-2030.

(73) كلمة عمر عزيمان، رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين، أمام جلالة الملك محمد السادس بمناسبة تقديم الرؤية الاستراتيجية

(74) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تقرير عشرية الإصلاح 2000–2013، الرباط، 2014، ص. 5–12

(75) عبد اللطيف جراد، الربيع العربي والسياسات التعليمية في المغرب، الدار البيضاء: مطبعة النجاح، 2015، ص. 34–36.

(76) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية 2015–2030، الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 2015، ص. 12–15.

(77) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية 2015–2030، الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 2015، ص. 22–25.

(78) يونس محمد، إصلاح التعليم بالمغرب: رهانات وتحديات، الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2018، ص. 41–44.

(79) المرجع نفسه، ص. 50–52.

(80) المجلس الأعلى للتربية والتكوين، تقرير تقييم الرؤية الاستراتيجية 2018، الرباط، 2018، ص. 33–36.

(81) المرجع نفسه، ص. 38–40.

(82) سعيد حليم، تطوير الأداء التربوي في المغرب، الرباط: دار المعارف، 2016، ص. 60–63.

(83) مقابلات مع أطر تربوية من أساتذة وإداريين، الرباط، 2019.

(84) المجلس الأعلى للتربية والتكوين، الرؤية الاستراتيجية 2015–2030، ص. 33–35.

(85) المجلس الأعلى للتربية والتكوين، تقرير المتابعة السنوي للرؤية 2017، الرباط، 2017، ص. 12–15.

(86) كلمة السيد عمر عزيمان، رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين، في تقديم الرؤية لصاحب الجلالة، الرباط، 2015.

يهدف هذا البحث إلى مقاربة الاتجاه الشكلاني في تحليل الخطاب الأدبي، بالتركيز على نموذج فلاديمير بروب الذي يُعد من أبرز منظّري السرد في القرن العشرين. ينطلق العمل من فرضية مركزية مفادها أن الخطاب السردي، مهما تنوعت تجلياته الثقافية والجمالية، يخضع لبنى ثابتة يمكن رصدها وتحليلها وفق منهج وصفي علمي. في هذا الإطار، يُبرز البحث إسهام بروب من خلال كتابه المرجعي "مورفولوجيا الحكاية" (1928)، حيث اقترح تصنيفًا وظيفيًا للحكاية العجيبية يقوم على 31 وظيفة سردية وسبعة أدوار أساسية للشخصيات، بما يتيح تجاوز المقاربة الانطباعية إلى بناء علم للسرد قائم على قواعد دقيقة.

كما يتناول البحث الصلة بين الشكلانية الروسية وميلها إلى تفكيك النصوص إلى وحدات بنيوية قابلة للتحليل، وبين تطور الدراسات السردية لاحقًا، خاصة مع غريماس وتودوروف و جيرار جنيت الذين وجدوا في عمل بروب مرجعًا تأسيسيًا. ويبيّن أن القيمة المعرفية لمشروع بروب لا تكمن فقط في تقديم أداة منهجية لتحليل الخطاب الحكائي، بل أيضًا في فتح آفاق للتفكير في علاقة البنية السردية بالثقافة و التمثلات الذهنية الجمعية.

وبذلك، يخلص البحث إلى أن الاتجاه الشكلاني، ممثلاً في نموذج بروب، قد أسّس لمسار جديد في النقد الأدبي يقوم على مقاربة علمية للخطاب السردي، مما جعله مرجعًا لا غنى عنه في دراسات الأدب الشعبي والحديث على السواء.

الكلمات المفتاحية : الاتجاه الشكلاني ـ تحليل الخطاب ـ فلاديمير بروب ـ مورفولوجيا الحكاية ـ الوظائف السردية ـ السيميائيات الثقافية

المسار النظري لتحليل الخطاب السردي

مقدمــة: توجت الدراسة الأدبية في القرن العشرين بنقلة نوعية أخرجت النقد من دائرة الانطباعات وأحكام القيمة، فأصبح النقد تعبيرا عن موقف كلي متكامل مبني على دعائم خاصة، في النظر للفن عموما والأدب خصوصا. فمن النقاد من استند للتاريخ في دراسته للأدب، وهناك من اعتمد على علم النفس كما فعل فرويد، ومنهم من اعتبر أن الأدب ما هو إلا انعكاس واضح للمجتمع. في مقابل ذلك نجد الشكلانية الروسية أو الشكلانيون الروس أو المورفولوجيين، الذين انبثقوا في العقد الثاني من القرن العشرين، بواسطة جماعتين، حلقة موسكو اللغوية وجمعية دراسة اللغة الشعرية. وقد كانوا بمثابة ردة فعل عنيفة، على المناهج النقدية التي كانت مسيطرة على النقد لمدة من الزمن، خاصة المناهج النفسية، والاجتماعية، والتاريخية، لكونهم الشكلانيون الروس رفضوا اعتبار النص الأدبي انعكاسا للواقع، أو مرآة لصاحبه، أو تعبيرا عن مبدعه. بل رأوا أن النص تنظيم خاص للغة، له أدواته وإجراءاته وقوانينه. ونظروا للمضمون بوصفه انفعالات وأفكار وواقع بوجه عام. حيث سنسعى وسنحاول العمل على إبراز مفاهيمهم التي نادوا بها والاشتغال عليها لمعرفة مدى إمكانية تطبيقها على النصوص السردية قصد الإجابة على مجموعة من الأسئلة من قبيل: كيف نظر الشكلانيون الروس للنص الحكائي؟ وما هي المفاهيم التي جاءوا بها لدعم أطروحاتهم؟ وإلى أي حد يمكن تطبيق هذه المفاهيم على نصوص الحكاية الشعبية المغربية من خلال المتن الحكائي المتضمن في كتاب" أجمل حكايات الفلكلور المغربي، لمؤلفه يسري شاكر"؟

الشكلانيون الروس

كانت منطلقات هذا الاتجاه مرتبطة بالبحث في الأسس التي يمكن الاعتماد عليها في دراسة الأدب دراسة علمية، فناقشوا قضية الشكل والمحتوى والفرق بين اللغة الشعرية واللغة اليومية. ثم انتقلوا بعد ذلك إلى دراسة النصوص دراسة تطبيقية واستمر عملهم خلال الفترة الممتدة من 1914 إلى 1930. وقد أطلق اسم الشكلانيين على هذا الاتجاه من قبل خصومه، لأنهم ركزوا على الشكل والبناء، وأهملوا جانب الدلالة، خصوصا وأن الاتجاه الذي ساد قبل ذلك ارتبط بدراسة المضامين، وقد كان المنهج الاجتماعي والواقعي مثلا بارزا على ذلك. في مقابل هذه التسمية أطلق الشكلانيون على أنفسهم مصطلح: المورفولوجيين؛ وهو مصطلح مستمد من علم النباتات والذي يعني دراسة الأجزاء المكونة للنبتة، أي القيام بدراسة بنيتها، كما أن المصطلح يعني دراسة الأشكال.

ويعرف تشوفسكي هذا الاتجاه بقوله: "إن الشكلانية هي الرجوع إلى المهارة في الصنعة، ومعنى ذلك أن جوهر عمل الشكلانيين هو التركيز على العمل الأدبي مع الإلحاح على استقلالية الدراسة الأدبية.

وقد كانت قيمة ما قدمه الشكلانيون الروس في مجال السرد جلية في المفاهيم والإجراءات فقد ميز "توماشوفسكي" في الخطاب السردي بين مستويين: المتن الحكائي والمبنى الحكائي، بحيث لهما خصوبة إجرائية قوية.

-  المتن الحكائي fable: مجموع الأحداث المرتبطة فيما بينها، التي يطلعنا عليها العمل. وقد تعرض تلك الأحداث بطريقة عملية، تبعا لترتيبها الطبيعي، أي نظامها الكرونولوجي والسببي. بغض النظر عن طبيعة ورودها في العمل (1). فالمتن الحكائي إذا يرتبط بالوقائع والأحداث اليومية كما يفترض وقوعها.

-  أما المبنى الحكائي  sujet: فيعني التجلي الكتابي أو الشفهي المروي لعناصر المتن الحكائي، مما يجعله منتجا لغويا صرفا.

وهكذا نستنتج أن هناك إذن اختلاف بين المستويين:

فالنص السردي مكون من مجموعة من العناصر الموضوعاتية، وهذه العناصر تأخذ طابع الخطية في المتن الحكائي، لكنها تتخلى عن هذا المبدأ في المبنى الحكائي. لأن حكيها سيعرض دون اعتبار سببي أو زمني خطي، ومعنى ذلك أن المبنى الحكائي يؤسس لعالم متخيل وأن زمن الحكاية(الواقع) لا يمكن أن يماثل زمن الخطاب وأن وجود شخصيتين فقط يقود بالضرورة إلى تكسير المتن الحكائي.

وهكذا يكون توماشفسكي قد أقام تمييزا رائدا بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي، حيث أصبح على سيره تتبع اشتغال الزمن ضمن المحكي، وعلى هذا الأساس يمكن للمتن الحكائي " أن يعرض بطريقة عملية، حسب النظام الطبيعي، بمعنى النظام الوقتي والسببي للأحداث، وباستقلال عن الطريقة التي نظمت بها تلك الأحداث، في مقابل المبنى الحكائي الذي يتألف من نفس الأحداث، بيد أنه يراعي نظام ظهورها في العمل"(2).

خلاصة أولية

أ ـ بظهور الشكلانيين الروس تكون السرديات الحديثة قد أعلنت ميلادها.

ب ـ كان للشكلانيين الروس الفضل في تقديم مفاهيم إجرائية أساسية ستصبح إرثا يتداوله محللوا الخطاب السردي مثلما هو الحال مع مفهومي المتن الحكائي والمبنى الحكائي.

ج ـ قدم الشكلانيون الروس الأساس النظري لما يمكن تسميته "بالسرديات المغلقة"، وهي سرديات حصرت اهتمامها في المبنى الحكائي.

وهكذا فقد درس فلاديمير بروب الحكايات الشعبية الروسية فاختار متنا حكائيا من مائة حكاية وأصدر كتابه "مورفولوجية الخرافة والحكاية العجيبة"(3) سنة 1928م. وكان هدفه من هذه الدراسة، هو بلورة مشروع، يهتم بالبحث عن بنية مفترضة للخرافة (4) بشكل خاص، وللمحكي بصفة عامة، بغية تحديد الثوابت والمتغيرات في هذه الحكايات من أجل نمذجة نمطية قادرة على التعميم.

وينطلق بروب في سبيل دراسة القواعد الشكلية للخرافة الروسية، من مجموعة من الأهداف تعد في الأصل قوام ما سماه الدراسة المورفولوجية (5)، ووسيلته تجاوز المقاربات الخارجية، أي التخلي عن المقاربات التي كانت تدرس السرد اعتمادا على علوم أخرى مثل: التاريخ، وعلم النفس وعلم الاجتماع، والتركيز على المعطيات الداخلية أي على بنية الحكاية.

التعريف بكتاب "مورفولوجيا الحكاية الشعبية لفلاديمير بروب

ارتأينا أن نعرف بكتاب "مورفولوجيا الحكاية الشعبية لفلاديمير بروب، من الناحية العلمية، ثم إبراز أهميته في مجال الدراسات الأدبية، خاصة أن معظم الدارسين يعتبرونه نقلة جديدة في مجال تحليل النصوص الأدبية عامة، والنص الحكائي خاصة. وهو كتاب معروف على الصعيد العالمي، حيث نال إعجاب الجميع فيما يخص الدراسات الفلكلورية، مما دفع إلى ترجمته لمختلف اللغات العالمية.

ففي الوقت الذي هيمنت فيه المناهج القديمة على تحليل النصوص الأدبية، وذلك بدراستها للنص الأدبي من الخارج، محاولة إبراز العلاقة التي تربط العمل الأدبي بذات المبدع من جهة، ثم البيئة التي أنتج فيها من جهة أخرى؛ ويدخل في هذا الإطار مجموع العوامل والمؤثرات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وفي وقت كانت فيه الدراسات التي تهتم بالحكاية باعتمادها على ما هو متغير في البنية الحكائية، أي إلى: حكايات عجائب، حكايات عادات وتقاليد، حكايات حيوانات. وأمام هذه الوضعية التي كانت تعيشها النصوص الأدبية عامة، والنصوص الحكائية خاصة، ظهر تيار جديد ثار على المناهج القديمة، وقدم منهجا جديدا في التحليل، إنها المدرسة الشكلانية التي انطلقت من الإيمان بكفاءة المنتج الأدبي في حد ذاته، واعتبرته أساس التحليل، دون اللجوء إلى الظروف الخارجية التي أدت إلى إنتاجه، ثم رفضت الاستعانة بالعلوم المجاورة من علم نفس، وعلم اجتماع، وغيرها في التحليل، بل إنها اعتبرتها مجرد عوائق تقف أمام المحلل للنص الأدبي، وفي هذا الإطار نجد ياكبسون يحدد المنهج الشكلي في قوله: "إن هدف علم الأدب ليس هو الأدب في عمومه، وإنما في أدبيته: أي تلك العناصر المحددة التي تجعل منه عملا أدبيا". وبالإضافة إلى ذلك فقد اعتبرت المنتج سوى عنصرا من الدلالة المتكاملة في الترتيب الفني، ورفضت أن تكون هناك علاقة بين الأدب والمجتمع، خصوصا في مجال الحكاية.

وقد كان فلاديمير بروب رائدا من رواد هذه الحركة الجديدة، خصوصا في مجال الحكاية الشعبية، حيث رفض التصنيفات التي كانت تصنف إليها الحكاية الشعبية، ففكر في منهج جديد يعطي لعمله هذا صبغة علمية. وهكذا نجده يستعير المنهج الخاص بعلم النبات، فدرس الحكاية انطلاقا من الوحدات البنيوية التي تتعلق منها. وهو بهذا يقوم بنفس العمل الذي قام به دي سوسير وغيره من اللسانيين في مجال اللسانيات، عندما حددوا مستويات الجملة الصوتية والتركيبة والدلالية. غير أن بروب عمل على مجال أوسع وهو النص، وفي هذا الإطار نجد بارت الذي يحدد العلاقة بين الجملة والنص، وذلك في قوله: "إن القصة تشارك الجملة من حيث هي مجموعة من الجمل، وهي تظهر عند القراءة كإرسالية لها وحداتها ولها قواعدها. إذن فقد نظر بروب إلى النص الأدبي على أساس أنه مجموعة من الجمل؛ حيث تجدر الإشارة إلى أن بروب انطلق من مسلمتين اثنتين:

أولا: الاعتماد في منهجه على نموذج حكائي روسي موروث، حيث جمع ما يناهز المائة حكاية مستقيا منها ما دعاه بالمثال الوظائفي الذي يعني به عمل الفاعل معرفا من حيث معناه في سير الحكاية (6).

ثانيا: الاشتغال على دراسة الحكاية الخرافية، مركزا على الشكل دون المحتوى، مفرقا بين أفعال الشخوص من جهة والشخوص التي تقوم بهذا الفعل من جهة أخرى.

وبذلك يرى ستروس أن بروب عزل الحكايات الخرافية عن دراسة الأساطير وأعطاها أولوية كبرى، بالرغم من وجود علاقة وطيدة بينهما، وفي ضوء ذلك يقول فلاديمير بروب: "إننا سنعمل على مقارنة الأبنية الحكائية لهذه الخرافات فيما بينها ولأجل ذلك في البدء الأجزاء المكونة لها، متتبعين مناهج متميزة وبعد ذلك سنقوم بمقارنة الخرافات وفق أجزائها المكونة، وتتكون نتيجة هذا العمل مورفولوجيا، أي وصفا للخرافات حسب أجزائها المكونة، وللعلاقات فيما بينها وبين المجموع(7)، وهذا كله لإبراز التشابه والاختلاف عبر حقب زمنية، بغية التحقيق و البحث عن التطورات التي مر بها النص الأدبي.

ويعتبر فلاديمير بروب الوحيد الذي عمق دراسة الشكل الحكائي بحيث عمل على استخراج البنية الحكائية، فبالنسبة إلى ما يسميه فلاديمير بروب الحكاية العجيبة، تبدو "بنيتها مركبة معقدة التركيب وذات بنية علائقية متشابكة يتم الكشف عن اليات الرابط التي تربط فيما بينها، عن طريق التفكيك واستنباط تلك العلاقات والوظائف التي تؤديها في سياق قصصي معين"(8).

وقد كان هدفه الأساسي هو كشف خصائص "الحكاية العجيبة" كنوع حكائي للوصول في نهاية المطاف إلى تفسير تاريخي لتماثلها. فبحث عن العناصر الثابتة، وهي العناصر الموجودة دائما، حتى ولو انتقل الباحث من موضوع إلى آخر، كما أبرز أن تناسب وتجانس هذه العناصر الثابتة في التأليف الحكائي هو الذي يميز بنية حكايات العجائب.

وعندما حاول تحليل الحكاية إلى مجموعة من الوحدات البنيوية، لاحظ وجود نوعين من الوحدات: وحدات ثابتة وأخرى متغيرة. ثم حاول إقامة تمييز بينهما، وهو يطابق التمييز الذي أقامه بارت بين وحدات القصة، حين وجد وحدات توزيعية وهي ما أطلق عليها الوظائف الأساسية وأخرى تكميلية أي الوظائف الثانوية.

وقد قدم لنا فلاديمير بروب في كتابه نموذجين بنيويين: الأول مفصل والثاني موجز؛ أما الأول فخلاله قدم لنا الوظائف الواحد والثلاثين، التي تشتمل عليها الحكاية، باعتبار أن هذه الأخيرة لها أصولها التي تقوم عليها وقوانينها التي تسير فيها(9) وهي كالتالي:

1 ـ الابتعاد؛

2 ـ الحظر (المنع)؛

3 ـ مخافة الحظر؛

4 ـ التحري أو البحث؛

5 ـ الإخبار؛

6 ـ المكيدة؛

7 ـ التواطؤ؛

8 ـ الفعل السيء (الضرر) أو النقص؛

9 ـ التوسط؛

10 ـ بداية العمل المضاد؛

11 ـ الرحيل؛

12 ـ وظيفة الواهب الأولى؛

13 ـ رد فعل البطل؛

14 ـ تسليم الشيء السحري؛

15 ـ تنقل البطل عبر المكان؛

16 ـ الصراع ضد المعتدي؛

17 ـ علامة البطل؛

18 ـ الفوز على المعتدي؛

19 ـ إصلاح الفعل السيء أو النقص؛

20 ـ عودة البطل؛

21 ـ المطاردة؛

22 ـ النجدة؛

23 ـ الوصول غير المنتظر؛

24 ـ ادعاءات البطل الزائف الكاذبة؛

25 ـ المهمة الصعبة؛

26 ـ التعرف على البطل؛

27 ـ كشف البطل الزائف؛

28 ـ تحول الشكل؛

29 ـ القصاص؛

30 ـ الزواج (المكافأة).

إن مجموع هذه الوظائف، يشكل الركيزة الأساسية لنموذجه البنيوي التفصيلي. إلا أنه قدم أيضا نموذجا يطبعه الإيجاز، وذلك عندما لاحظ أن هناك علاقة منطقية تتحكم في توالي الوظائف، فكل وظيفة تستدعي وظيفة أخرى، وهكذا توصل إلى أن الوظائف تتجمع في ثنائيات كالحظر ومخالفة الحظر، الصراع والفوز... الخ.

وأن هناك وظائف أخرى تلتقي في مجموعات أكبر. لذلك نجده في نموذجه الموجز يقدم سبع مجالات. حيث كل مجال يشمل عددا من الوظائف، وهذه المجالات السبع هي كالتالي:

1 -  مجال عمل المعتدي أو الشرير، ويشتمل على الوظائف التالية:

-  الفعل السيئ (الضرر)؛

-  الصراع الناشئ ضد البطل؛

-  المطاردة.

2 -  مجال عمل الواهب، ويشمل الاعداد لتسليم الشيء السحري وحصول البطل عليه.

3 -  مجال عمل المساعد، ويتضمن الوظائف التالية:

-  تنقل البطل مكانيا؛

-  إصلاح الضرر؛

-  النجدة خلال المطاردة؛

-  تحولات البطل.

4 -  مجال متعلق بعمل الأميرة أو الشخصية التي يجري البحث عنها، وأبوها. ويضم الوظائف

التالية:

-  تكرار المهام الصعبة؛

-  وضع العلامات المميز؛

-  اكتشاف البطل الزائف.

التعرف على البطل الحقيقي.

-  معاقبة المعتدي؛

-  الزواج.

5 -  مجال عمل الحاكم أو الآمر، الذي يقوم بإرسال البطل في اللحظة الحرجة الانتقالية.

6 -  مجال عمل البطل ويتضمن الوظائف التالية:

-  الرحيل للبحث؛

-  رد الفعل أمام متطلبات الواهب.

-  الزواج.

7-  مجال عمل البطل الزائف، ويشمل الوظائف التالية:

-  الرحيل للبحث؛

-  رد الفعل أمام متطلبات الواهب؛

-  وظيفته الأساسية هي: مقاصده الخادعة.

نستخلص من هذا النموذج الموجز ثلاثة احتمالات:

أ -  قيام شخصية واحدة بمجال عمل واحد؛

ب -  قيام شخصية واحدة بمجالات عمل متعددة؛

ج -  قيام عدة شخصيات بالاشتراك في مجال عمل واحد.

وبعد تسليط هذه الأضواء على كتاب "مورفولوجيا الحكاية الشعبية" مبينة الإطار العام، الذي يسير وفقه هذا النموذج، ثم القيمة العلمية المتمثلة في المنهج الذي تبناه بروب في تحاليله، متجاوزا بذلك أعمال سابقيه، وحتى معاصريه. نكون قد أعطينا صورة مقتضبة عن المنهج الشكلاني وعن الكتاب ككل.

خلاصة

لعلّ من أهم النتائج التي توصل إليها فلاديمير بروب ما يلي:

أ - توصل فلاديمير بروب إلى ما مفاده أن الحكايات تتضمن عناصر ثابتة، وأخرى متحولة.

ب - العناصر الثابتة في كل الحكايات هي: الأعمال والوظائف المنجزة من قبل الشخصيات، والعناصر المتحولة هي: أسماء الشخصيات وأوصافهم. (بطل- أمير- شرير...)؛

ج - الوظائف في الحكايات محدودة والشخصيات غير محدودة.

ح- تتابع الوظائف في جميع الخرافات واحد، وأن غياب بعضها لا يغير من نظام التتابع.

خ- كل الحكايات تنتمي فيما يتصل نسبيتها إلى النمط نفسه. (10)

د- كل الخرافات تصدر عن بنية واحدة، وإن تباينت أشكال تحققها.

لذلك سيتم التركيز على الوظائف، ووفق هذا التصور تصبح الوظيفة fonction حسب بروب "فعل الشخصية قد حدد من وجهة نظر دلالته في سيرورة الحبكة"(11) مادامت الشخصيات، لا يهتم بها، إلا من خلال أفعالها التي تنحصر في الوظائف التي حددها سلفا، وكما تمت الإشارة إلى ذلك سابقا فقد حصرها بروب في واحد وثلاثين وظيفة تنجز من طرف سبع شخصيات (12) والتي سيعمل غريماس فيما بعد على تطويرها وهي المعتدي (الشرير)، والمانع (الواهب)، والمساعد، والأميرة، والمرسل، والبطل، والبطل الزائف (13).

هذه الشخصيات تنجز وظائف بل إن تسميتها تسمية وظيفية باستثناء الأميرة. هناك إذن وظائف تنجزها شخصيات وما ينجز يسمى "دوائر الأعمال" فهناك: دائرة أعمال المعتدي ودائرة أعمال

المساعد... وبناء على ما سبق يعرف "بروب" الحكاية بأنها: "متتالية من الأعمال والوظائف"؛ وتكمن أهمية دراسة بروب أنها عملت على نمذجة وصورنة خصائص نظرية للحكاية، حيث تظهر لنا أهمية

منهجه، من خلال إدخاله النسقية في عملية الوصف، والاعتماد على مفهوم إجرائي هو مفهوم الوظيفة، باعتبارها فعل لشخصية ما، حيث قام بفصل الفعل بعد تجريده من الشخص الذي يقوم به (14).

وقد اعتبر الشكلانيون الروس الصنعة في العمل السردي أهم من المضمون نفسه وقدموا مفاهيم مفسرة أهمها:

مفهوم المتن الحكائي الذي يعني الوقائع والأحداث كما يفترض أنها جرت في الواقع.

المبنى الحكائي: يقصد به نظام ظهور الأحداث في الحكي ذاته.

استنتاج

يقود هذا الفهم إلى الحديث عن الزمن السردي، فالحكاية كما وقعت في الأصل ذات بنية زمنية معينة. وهذه البنية لا يمكنها أن تتكرر بالصيغة ذاتها في المبنى الحكائي الذي يعيد تشكيلها وفق منطق خاص.

ج - مفهوم الوظيفة: يقصد به البنية المجردة والنظرية التي تحتوي مجموع الحكايات وتخضع لقانون واحد وقد حصرت في واحد وثلاثين وظيفة حيث تنجزها سبع شخصيات.

د- مفهوم الأعمال: يقصد به ما تنجزه الشخصيات من أعمال ومواقف مثل وظيفة الاعتداء والهبة والمساعدة والبطولة والبطولة الزائفة.

خاتمــة

يعتبر فلاديمير بروب من الأوائل الذين وضعوا اللبنات الأولى للتحليل الحكائي وذلك من خلال كتابه" مورفولوجيا الحكاية الشعبية" الذي كان بمثابة نقلة جديدة في تحليل البنيات الحكائية، فهو أول من طبق منهجا علميا في التحليل يرتكز على إبراز المميزات والخصائص البنيوية للنص الحكائي. وقد ترك بأعماله هذه، بصمات كان لها تأثير عميق، في من تلاه من الدارسين، فكان بمثابة نقطة البدء الذي أعطت الانطلاقة لكل الباحثين والمهتمين بهذا الحقل المعرفي، حيث سيعملون على تطوير وتنقيح وإدخال لبعض التعديلات عل نظرية بروب.

والحقيقة أن كتاب بروب هذا قد فتح المجال أمام العديد من الباحثين البنيويين، والتصنيفيين، في ميدان التحليل الحكائي خاصة، والفن السردي عموما. فأصبح يستعمل كنموذج للتحليل البنيوي للنصوص الفولكلورية. كما كان له تأثير واضح على أعمال الدلالة اللسانية.

إن الأبحاث البنيوية والتصنيفية في مجال الفلكلور، لم تظهر في فرنسا والولايات المتحدة إلا في الخمسينيات، لكنها بدأت متأثرة بالتطور، الذي طرأ على اللسانيات البنيوية والسيميولوجية. ففي سنة 1955 صدر كتاب "التحليل البنيوي للخرافة" لكلورد لفي ستراوس، وبالإضافة إلى أنه حاول تطبيق المبادئ البنيوية على الفلكلور، فأنه أكثر من ذلك اعتبر الخرافة ظاهرة لغوية تتعدى مستوى الفونيم والمورفيم، والوحدات الدلالية. وقد حدد الوظائف التي يمكن استخراجها من الخرافة. فتوصل إلى أن هناك طابع علائقي بين الوحدات الخرافية، أي أن كل وظيفة تسند إلى شخصية محددة، وهنا بالخصوص تظهر مدى المقاربة الكبيرة بين بروب وليفي ستراوس، لكن هناك اختلافات كثيرة بينهما. لعل أكثرها يرجع إلى اختلاف منطلقيهما، فالأول اهتم بحكاية العجائب، بينما اهتم الثاني بالخرافة.

لقد اهتم ليفي ستراوس بالجانب السردي، لكنه في الحقيقة كان يولي كل اهتمامه لمجموعة العلاقات ودلالتها المنطقية والرمزية. أما بروب فقد درس السرد قبل كل شيء، فحلل التطور التاريخي والتركيبي، وذلك حتى يسلط الأضواء على دلالة كل مركب داخل موضوع معين، ولهذا اعتبر نموذجه خطيا؛ ولقد تضمن مقال ليفي ستراوس حول كتاب "مورفولوجيا الحكاية الشعبية" مجموعة من الأحكام العامة، علاوة على سلسلة من الملاحظات والانتقادات.

إن بروب يعتبر تحليله التركيبي، كمدخل لتاريخ الحكاية ولدراسة البنية المنطقية المتميزة. مما يساعد على دراسة الحكاية باعتبارها خرافة؛ وهذا ما يشير إليه ليفي ستراوس إذ أن تحليل البنية التركيبية ليس فقط مرحلة ضرورية من أجل دراسة البنية العامة للحكاية. بل إنها تخدم بصفة مباشرة الهدف الذي اقترحه بروب، وهو المتعلق بتحديد مميزات الحكاية، ثم وصف وتفسير تشابهها البنيوي. ومن بين الذين تأثروا أيضا بأعمال بروب، وصاروا على نهجه، نجد العالم الفرنسي كريماس الذي استفاد من بروب حتى فيما يخص بعض الدراسات المتعلقة بجانب الدلالة اللسانية.

ومن بين الذين انتقدوا بروب، والشكلانيين عامة نجد باختين الذي يأخذ على الشكلانيين ماديتهم وهو لا ينتقدهم إلا من حيث ابتعادهم عن الرومانسية الخالصة، التي يبدو أنه يحاول تجديدها، ويؤسس عليها تنظيرا فلسفيا جديدا للنقد.

لقد دعا باختين إلى إعادة الوحدة، بين الذات والموضوع، خلال العمل الأدبي، ولقد ارتكزت أعماله، حول العلاقة بين الكاتب والنص. وخصوصا في مجال الرواية، حيث سيقترح الحوارية كخاصية، على اعتبار أن للرواية عدة مستويات، ترتكز كل لغة فيها على إشارة بقية اللغات حواريا إلى درجة أن يغيب المؤلف وسطها لكي يبقى في كل رواية مهما تعددت مستوياتها مركزا لغويا يتمثل في الخطاب الأيديولوجي، ولغات الرواية ما هي إلا صور عن الحياة بأكملها (15). كما يرى باختين أيضا أن الرومانسية تستند على عناصر محايثة، وليست متعالية إذ أنها لا تهتم كثيرا بالعناصر التجاوزية النصية، كالاستعارة والايقاعات التفعيلية، أو السياقات المعرفية، كما قال بأن العملية الابداعية يجب أن تشمل عدة عناصر: النص واللغة والظروف الاجتماعية أو التاريخية.

أما ماكنون فيرى بأن البنيوية بتأكيدها على سبر المثالية في دراستها لنصوص معينة، كمسألة مركزية في دراستها للنصوص، أي دراسة النصوص في ذاتها، ولذاتها، يغض النظر على كل الاعتبارات الخارجية للنص ذاته، كما تقصي كل الاعتبارات اللالغوية.

كما أكد على نجاح الشكلانيين الروس، في استخراج منطق للترابط الجملي، خاصة في مجال الحكاية الشعبية، انطلاقا من هذا المبدأ، بالإضافة إلى إحداث قطيعة مع المقاربات الانطباعية والفيلولوجية للنصوص الأدبية. غير أنهم لم يفكروا في علاقة هذه النصوص بشروطها السوسيوتاريخية، والإيديولوجية، والسوسيوثقافية.

الحقيقة أن هذه الانتقادات لا تنقص من قيمة فلاديمير بروب العلمية، حيث كان له السبق في التحليل الحكائي وإخراجه من القوقعة، التي كان يعيش فيها في مطلع هذا القرن، حيث أنه اهتم بالأنساق البنيوية للحكاية الشعبية واستخلاص الوحدات الدلالية، والعناية بالمبنى الحكائي من خلال التركيز على الوظائف، وأفعال الشخصيات، وعدم الاهتمام بمضامين الحكاية ومتغيراتها السردية، وهذا يعني أن بروب كان قريبا من التحليل البنيوي السردي والسيميائي على الرغم من اهتمامه بالمبنى الحكائي وأشكاله السردية(16) وهنا تبرز الإضافة التي أدرجها بروب على المنهج الشكلاني الذي اهتم أساسا بالجانب الخارجي للنصوص مهملين البنية الداخلية له والتي تتجه للمتلقي بالأساس والتي تتمركز على الحكاية والأفعال والحوار ومختلف العناصر الأساسية لأي عمل أدبي أو فني.

استنتاج: ستحضر هذه المفاهيم في الدراسات اللاحقة التي ستعمل على تطويرها أو انتقادها وهو ما نجده لدى الاتجاه البنيوي الذي يمكن وصفه بالاتجاه الإجرائي.

لائحة المراجع والمصادر

المراجع والمصادر باللغة العربية

-  القرآن الكريم.

-  إبراهيم الخطيب، ترجمة مؤلف "مورفولوجية الخرافة" لفلاديمير بروب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

-  الجلالي الكدية، أنطولوجيا الحكاية الشعبية المغربية، الطبعة الأولى " أنفوبرانت" ، فاس، 2014.

-  أحمد زياد محبك، الحكاية الشعبية، دراسة ونصوص، مقاربات للنشر والصناعات الثقافية، الطبعة الأولى 2018، فاس، المملكة المغربية.

-  مصطفى يعلى، امتداد الحكاية الشعبية، موسوعة شراع الشعبية، طنجة، سبتمبر- دجنبر 1999.

-  محمد حجو، الإنسان وانسجام الكون، سيميائيات الحكي الشعبي، الطبعة الأولى، الرباط 2012.

-  محمد فخر الدين، الحكاية الشعبية المغربية، بنيات السرد والمتخيل، دار نشر المعرفة، الطبعة الأولى، الرباط 2014.

-  محمد فخر الدين، موسوعة الحكاية الشعبية المغربية، دار نشر معهد الشارقة، الطبعة الثانية، 2018.

مصطفى الشاذلي، ظاهرة الحيز في الخرافة الشعبية، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، ع.10/1984، ص.169- 177.

-  إدريس كرم، اختيار الزوجة كما تقدمه الحكاية الشعبية المغربية، مجلة التراث الشعبي، ع.6، س.9، وزارة الإعلام، بغداد، 1978، ص.113- 129

- حسن السائح، القصة والملحمة في الأدب الشعبي، مجلة التعاون الوطني، ع35/1966.

-  صلاح الدين الخالدي، الحكاية المرحة في الأدب الشعبي المغربي، مجلة المعرفة، ع149، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، تموز 1974، ص.86.

-  عبد الكبير الخطيبي، صوت الحكاية، في كتاب " الاسم العربي الجريح" ، ط.1 ، دار العودة ، بيروت ، 1980 ، ص.153- 183.

-  عباس الجراري، حكايات من الفلكلور المغربي، مجلة المناهل، ع.5، س.3، وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية، الرباط، مارس 1976، ص.370- 376.

- عبد الله بن شقرون، ما قيمة القصة الشعبية المغربية، هل الخرافة من الأدب؟ مجلة الإذاعة الوطنية، ع.14، س.2/1959.

-  عائشة بلعربي، صورة الطفل في الحكاية الشعبية، أعمال ندوة التربية والتغيير الاجتماعي المنعقدة بالمدرسة العليا للأساتذة، جامعة محمد الخامس من 28 ماي إلى 2 يونيو 1979، منشورات جامعة محمد الخامس، الرباط ص.86

- محمد الفاسي، الخرافات في الأدب الشعبي، ضمن بحث "نظرة عن الأدب الشعبي بالمغرب، مجلة البينات، ع.4، س.1، وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الإسلامية، الرباط، غشت 1962، ص8- 9

-  مصطفى يعلي، القصص الشعبي بالمغرب، دراسة مورفولوجية، رسالة لنيل دكتوراه الدولة في الأدب العربي الحديث من كلية اداب الرباط، السنة الجامعية، 1992- 1993

-  مصطفى يعلى، ظاهرة المحلية في الفن القصصي بالمغرب من أوائل الأربعينيات إلى نهاية الستينيات، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا بكلية الآداب بفاس، السنة الجامعية 1983- 1984، تحت إشراف الدكتور إبراهيم السولامي.

-  الزمخشري، أساس البلاغة، الهيئة المصرية العامة للكتاب.ط.3. ج 1910.

-  شحاذة خوري، 2012، أوراق ثقافية، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق.

-  واقع الرميحي، واقع الثقافة ومستقبلها في أقطار الخليج العربي، الثقافة والمثقف في الوطن العربي.

-  الخطة الشاملة للثقافة العربية، المجلد الأول، الكويت، 1986م.

-  مجموعة من الكتاب، يوليوز/أكتوبر 1997، نظرية الثقافة، ترجمة علي سيد الصاوي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، رقم 223، عن E.B. Tylor: Primitive Culture.

-  عبد الرحمن الزنيدي، المثقف العربي بين العصرانية والإسلام، ط 3، دار كنوز، اشبيليا للنشر والتوزيع،

الرياض، السعودية،2009.

-  علي كريت، موسوعة التراث الشعبي، دار الحكمة (الجزائر)، الجزء الأول 2007.

-  براترانتروادك، علم النفس الثقافي، دار الفارابي، ط1 .

-  جيروم برونير، الثقافة وصيغ الفكر، الفكر الإنساني في آثاره، 2000.

-  براتر انتروادك، علم النفس الثقافي، دار الفارابي، ط1، 2009.

-  د. محمد الجوهري، 2008، ثقافات الحضارات اختلاف النشأة والمفهوم، ط 1، القاهرة، الدار

المصرية اللبنانية.

-  الطاهر لبيب، سوسيولوجيا الثقافة، ط3، دار ابن رشد، عمان، 1986م.

-  دنيس كوش، مارس2007مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ط1 .

-  ابن منظور، لسان العرب، دار صادر.ج.3. د.ت بيروت.

-  محمد بن أبي بكر عبد القادر الرازي، مختار الصحاح.

-  محمود فهمي الكردي، تأثير أنماط العمران على تشكيل بعض عناصر الثقافة الشعبية.

-  سعيدي محمد، الأدب الشعبي بين النظرية والتطبيق.

-  أحمد زياد محبك، من التراث الشعبي، الطبعة الأولى 1426ه/2005م، دار المعرفة، بيروت، لبنان.

-  مالكة العاصمي، أنواع الأدب الشعبي بالمغرب، مجلة المناهل، عدد 30، س.11، وزارة الشؤون الثقافية، الرباط، يوليو 1984، ص.360- 366.

-  عبد القادر زمامة، الأمثال المغربية، دراسات ونصوص، إعداد وتقديم السعيد بنفرحي، 2010، الطبعة الأولى، المطبعة، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط.

-  عبد السلام هارون، التراث العربي، دار المعارف. سلسلة كتابه. 30 القاهرة (ج.ت).

-  نخبة من الأساتذة، معجم العلوم الاجتماعية، القاهرة 1975.

- بدير حلمي، شعر الأدب الشعبي في الأدب الحديث، القاهرة، ط1986،1.

-  رفعت سلام، بحثا عن التراث العربي دار القلم، القاهرة، ط1989/1.

-  حمود العودي، التراث الشعبي وعلاقته بالتنمية، بيروت 1986.

-  فاروق خورشيد، الجذور الشعبية للمسرح العربي، القاهرة 1991م.

-  د. أحمد مرسي، مقدمة الفلكلور، ص.5، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة 1976.

-  مجموعة كتاب، 2008، مقدمة في دراسة التراث الشعبي، القاهرة.

-  محمد الجوهري، علم الفولكلور، القاهرة 1977.

-  د. أحمد مرسي، مقدمة الفلكلور، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة 1976.

-  عباس الجراري، في الإبداع الشعبي، مطبعة المعارف الجديدة/ الرباط، ط1988/1.

-  إدريس كرم، "الأدب الشعبي المغربي" الأدوار والعلاقات في ظل العصرنة، منشورات اتحاد كتاب

المغرب، ط1.

-  عبد الحميد يونس، التراث الشعبي، سلسلة كتابك، دار المعارف، 1979.

-  حسين عبد الحميد أحمد رشلان، الفولكلور والفنون الشعبية، مكتبة مدبولي، سنة 1989بتصرف

-  محمد الفاسي، "دراسات مغربية من وحي البيئة"، ط.1990.

-  جمال بنسليمان، "موسوعية البحث العلمي عند أعالم المغرب في ق20، عباس الجراري نموذجا"،

نشر النادي الجراري )29(مطبعة الأمنية / الرباط.

-  أحمد عيدون، رقصة الاحيدوس، مذكرات التراث المغربي، تحت إشراف العربي الصقلي، 1980،

ج. 2.

-  الطيب الصديقي، في مذكرات من التراث المغربي، ج2، إشراف العربي الصقلي، 1986.

-  ابن سيدة: المحكم والمحيط العظم في اللغة، ت.د. عائشة عبد الرحمان بنت الشاطئ، ط 2، ج3.

-  المنجد الأبجدي، دار المشرق، بيروت، ط 5، (د.ت).

-  نبيلة إبراهيم: أشكال التعبير في الأدب الشعبي، دار مكتبة غريب للطباعة، القاهرة، ط 1، 1991م.

-  عمر أحمد مختار، معجم اللغة العربية المعاصرة، المجلد الأول، عالم الكتاب.

-  عبد الحميد يونس، الحكاية الشعبية، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، ط.1،1968م.

-  عبد الرحمن الساريسي، الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني، المؤسسة العالمية للدراسات والنشر، ط 1، 1986م.

-  عبد الحميد بورايو، الأدب الشعبي الجزائري، دار القصبة للنشر، الجزائر، (د.ط) 2007م.

-  صفوة كمال، الحكاية الشعبية الكويتية، ط 1، 1986.

-  محمود تيمور، فن قصص دراسات في القصة والمسرح، المطبعة اللغوية.

-  فراس السواح، مغامرة العقل الأولى.

-  فراس السواح، الأسطورة.

-  مصطفى الجوزو، الأساطير العربية وخرافاته.

-  يوسف الحلاوي، الأسطورة في الشعر العربي.

-  أحمد إسماعيل النعيمي، الأسطورة في الشعر العربي قبل الإسلام.

-  رابح العوفي، أنواع النثر الشعبي، منشورات جامعية، باجي المختار، عنابة.

-  حكايات شارل برُّو، جمع وتأليف الكاتب والشاعر الفرنسي شارل برُّو، ترجمة الدكتور محمود المقداد، الهيئة العامة السورية للكتاب.

- مصطفى يعلى، ظاهرة المحلية في الفن القصصي بالمغرب من أوائل الأربعينيات إلى نهاية الستينيات، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا بكلية الآداب بفاس، السنة الجامعية 1983- 1984، تحت إشراف الدكتور إبراهيم السولامي.

-  الأستاذ الدكتور عبد الرحمان عبد الهاشمي، أدب الأطفال، فلسفته.أنواعه. تدريسه.

-  لينكيتا إيليسيف، كتاب: رحلة ليلة وليلة بين الشرق والغرب.

-  محمود مفلح البكر، مدخل البحث الميداني في التراث الشعبي، منشورات وزارة الثقافة، دمشق

(د.  ط)، 2009 م، ص20.

-  فردريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافية، نشأتها، مناهج دراستها، فنيتها، ترجمة: د.نبيلة إبراهيم، دار غريب للطباعة، القاهرة، (دط)، (دت).

-  نظمي لوقا، أليس في بلاد العجائب، مجلة تراث الإنسانية، مج2.

-  شريفي عبد الواحد، موسوعة ثقافة الأطفال من إليس إلى بوتر.

-  مربية أمريكية، من مؤلفتها: كيف نسرد الحكايات على أطفالنا.

-  بسمة الخطيب، موقع العربي الجديد.

-  د. سناء غيلان، القصص الشعبي في أصيلة، دراسة ثقافية نقدية، مؤسسة منتدى أصيلة.

-  أحمد زغب، الأدب الشعبي الدرس والتطبيق، مطبعة سخري، الوادي، ط.2، (2012).

-  مصطفى يعلى، القصص الشعبـي دراسة مورفولوجيا، شركة النشر والتوزيع المـدارس، الدار البيضاء، ط. 1، (1999).

-  سعيدي محمد، الأدب الشعبي بين النظرية والتطبيق.

-  ثريا التيجاني، دراسة اجتماعية لغوية للقصة الشعبية في منطقة الجنوب الجزائري (وادي سوف

أنموذج).

-  بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة بن عبد العالي، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية 1990.

-  جون سكوت، علم الاجتماع، المفاهيم الأساسية، طبعة الأولى بيروت 2009.

-  جيل فيريول، معجم مصطلحات علم الاجتماع، طبعة الأولى، 2011.

-  جوردن مارشال، موسوعة علم الاجتماع، مراجعة وتقديم محمد الجوهري. طبعة الأولى 2000.

-  مجلة مواقف للبحوث والدراسات في المجتمع والتاريخ.

-  حليمة كريم 2007 ص .120، المرجع: التمثلات وعلاقتها بالعملية التعليمية، مجلة علوم التربية، دورية مغربية نصف سنوية، أكتوبر 2007، العدد 35.

-  رولان بارت، مبادئ في علم الأدلة، ترجمة محمد البكري، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا، اللاذقية، الطبعة الثانية، 1987.

-  مجمع اللغة العربية، معجم علم النفس والتربية، الجزء الأول، الهيأة العامة لشئون المطابع الأميرية،1984.

-  ريجيس دوبري، مفهوم الصورة عند ريجيس دوبري.

-  شاكر عبد الحميد، عصر الصورة.

-  فرانسوا مورو: البلاغة مدخل لدراسة الصور البيانية، ترجمة: محمد الولي وعائشة جرير، إفريقيا الشرق- الدار البيضاء، 2003م.

-  شرف الدين مجدولين: الصورة والنوع والمتخيل الثقافي قراءة في نموذجين نقديين، مجلة نزوى، العدد.36، أكتوبر2003.

-  صلاح عبد الفتاح الخالدي، نظرية التصوير الفني عند السيد قطب، الفنون المطبعية، الجزائر،

1988.

-  عمر عتيق، ثقافة الصورة دراسات أسلوبية، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى،2010.

-  شاكر عبد الحميد، عصر الصورة.

-  علي بن محمد الشريف الجرجاني، كتاب التعريفات، مكتبة لبنان، طبعة جديدة، بيروت، 1985.

-  إيناسيورامونه، ترجمة نبيل الدبس، الصورة وطغيان الاتصال، دمشق، 2009.

-  عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة المدني بالقاهرة، ودار المدني بجدة، الطبعة الثالثة، 1992 م.

-  كامل حسن البصير، بناء الصورة الفنية في البيان العربي.

-  عبير عليوة إبراهيم، الصورة الفنية في شعر حسان بن ثابت، رسالة ماجستير مخطوطة بكلية الآداب، جامعة الزقازيق،1990م.

-  الولي محمد، الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1،

1990.

-  عبد القادر القط، الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر، دار النهضة العربية، ط2، 1981.

-  ابن كثير، تفسير القرآن الكريم، (4/ 106. (

-  القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص. 328.

-  الجاحظ، عمرو بن بحر، كتاب الحيوان، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، ج3.

-  د. كامل البصير، بناء الصورة الفنية في البيان العربي.

-  د. إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب.

-  الراغب أحمد، وظيفة الصورة في القران الكريم، ص 21, عن: قدامة بن جعفر، نقد الشعر.

-  الدكتور محمد إبراهيم عبد العزيز شادي، الصورة بين القدماء والمعاصرين.

-  العسكري ابو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل، كتاب الصناعتين، تحقيق علي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركائه، 1952م.

-  الدكتور محمد محمد أبو موسى، البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري.

-  الراغب احمد، وظيفة الصورة في القران الكريم، ص.30، عن ابن الاثير، المثل السائر.

-  حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب الخوجة – بيروت – دار الغرب الاسلامية، ط. 2، 1981.

-  محمد بوزاوي، معجم مصطلحات الأدب، الدار الوطنية للكتاب، الجزائر، د ط، 2009.

-  أحمد جمعة أحمد نايل، التحليل الأدبي أسسه وتطبيقاته التربوية، دار الوفاء، الإسكندرية، ط1،

ص.206.

-  جابر عصفور، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، دار الثقافة للطباعة والنشر، مصر،

ط3، 1992.

-  مصطفى ناصف، الصورة الأدبية، مكتبة مصر، القاهرة، ط. 1، 1998م.

-  عز الدين إسماعيل، التفسير النفسي للأدب، مكتبة غريب، القاهرة، ط4، د.ت.

-  أبو أديب كمال، جدلية الخفاء والتجلي، دار العلم للملايين، بيروت، طبعة 3، ص. 20.

-  اليافي نعيم، الصورة في القصيدة العربية المعاصرة، القاهرة، ص. 2.

-  ماجدة حمود، مقاربات تطبيقية في الأدب المقارن، تحاد كتاب العرب، سوريا، ط. 1، 2011م.

-  أهمية الصورة في العملية التعليمية التعلمية – الحوار المتمدن العدد 2826 – المحور: الفلسفة،

علم النفس، وعلم الاجتماع.

-  أحمد فرشوخ، الطفولة والخطاب.

-  الدكتور أحمد أوزي، الطفل والمجتمع.

-  مصطفى الورياغلي، الصورة الروائية.

-  كيليطو، الأدب والغرابة.

-  بروب، مورفولوجيا الخرافة.

-  جمال بندحمان، سيمياء الحكي المركب – البرهان والعرفان، الصفحة 11، الطبعة الأولى I، السنة 2014، القاهرة، رؤية للنشر والتوزيع.

-  عبد السلام بنعبد العالي، سوسيولوجية الحياة اليومية.

-  د. محمد مفتاح تحليل الخطاب الشعري إستراتيجية التناص، دار السنوبر ط1 1985.

-  جوزيف كورتيس، مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية، ترجمة: د. جمال حضري، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف.

-  هامون، سيميولوجية الشخصية.

- أدوار سعيد، الاستشراق والاستشراق المعكوس.

-  فيكتور هيجو، البؤساء.

-  د. مرشد أحمد، مرجع، البنية والدلالة في روايات إبراهيم نصر الله: دراسة، طبعة أولى، 2018.

الناشر بمقاربات للنشر والصناعات الثقافية.

-  أحمد مرشد، جدل الإنسان والمكان في رواية عبد الرحمان منيف، دار النشر، الاسكندرية.

-  لوكاش جورج، دراسات في الواقعية، ترجمة د فايق يلوز، وزارة الثقافة، دمشق.

-  يسري شاكر، أجمل حكايات الفلكلور المغربي، ص.4.

-  أروى بريجية، أهمية الحوار، الموقع الإلكتروني: موضوع mawdoo3.com.

-  عماد بن صوله، الأصول والبدايات في السرديات الشفوية، الموقع الإلكتروني: الثقافة الشعبية  polkulturebh.

-  كورتيس، مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية، ص 208، ترجمة د. جمال حضري، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، السنة 2007.

-  غريماس، تقديم لكتاب جوزيف كورتيس مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية.

- جون لوك، مقالتان في الحكم المدني، ترجمة ماجد فخري، بيروت، اللجنة الدولية لترجمة الروائع، 1959.

- جان جاك روسو، في العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي.

- توماس هوبز، اللفياثان - الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة- ، ترجمة دينا حبيب حرب وبشرى صعب، أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، كلمة، الفارابي، 2011.

-  المراجع والمصادر بغير العربية

- Hofstede, Geert et Gert Jan Hofstede, Cultures et organisations: software of

the mind,    McGraw Hill, Inc, New York, 2005.

Spradley James, Culture and Cognation, Chandle Publishing Company,

USA, 1973.

Elisséeff (N) : Thèmes et motifs des Mille et une Nuits, I.F.D Beyrouth, 1949.

P. Bowles.whithout stopping: an autobiography/ New york. The Ecco Press ; 1972. Trad. Française. Mémoire d’un nomade. Paris. Quai Voltaire 1989.

DRISS Ben Hamed Charhadi : A Life full of holes. New york. Grove 1964, trad.

Française CelineZins (une vie pleine de trous). Paris. Ed. Galimard. 1965.

Robert Briatte : Paul Bowles, Collection Biographique, Paris. Ed. Plon ; 1989.

Larbi Layachi : Yesterday and Today (الأمس واليوم).

Black Sparrow Press, Santa Barbara. CA. 1985 : The Jealous Lover.

Tambouctou Books. CA. 1985.

Le petit robert.

Flament. C. 447 : 1989.

P. Mannoni, 1989.

G. Thines, et, A. Lempreur, 1975.

Thines et Lempreur, 1975.

E.durkeheim : " forme élémentaire de la vie religieuse" puf. Paris 1968.

Baudrillard, Jean. Simulacra and Simulations. The Precession of Simulacra.

La sociologie de A à Z. Frédéric lebaron. paris.2009.p 103.

Jodolet, D. 1984.

Langenfeld 2005.

N. Sillamy ,1980.

Moscovici, " son image et son publique" édition puf, 1961.

Yves Alpe, 2005.

Ferdinand de Saussure, Cours de linguistique générale dans Bougnoux, D.

Sciences de l’information,

Larousse, Paris, 1993, p. 12.

Gremas, sémiotique structurale.6

G. Courtes, Introduction à la sémiotique narrative et discursive.

Analyse sémiotique du texte, p.15, Groupe d  entre vernes.

Le roman à thèse ou L’autorité fictive puf 1983.

الهوامش

(1)  - Voir B. Tomachevsky، Thématique، in Théorie de la littérature textes des formalistes russes، tr , T. Todorov, Paris, éd. Seuil, 1996, p.p.276.268

(2) ) ـ توماشفسكي، نظرية الأغراض، ضمن نصوص الشكلانيين الروس، ص.180.

(3) ) ـ فلاديمير بروب، مورفولوجيا الخرافة، ترجمة إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، ط1، 1986م، ص27- 30.

(4) ـ منصوري مصطفى، سرديات جيرار جينيت، في النقد العربي الحديث، رؤية، ص.97.

(5) ـ يقصد بالدراسة المورفولوجية وصف الخرافات وفقا لمكوناتها الجزئية وعلاقة تلك الأجزاء بعضها ببعض ثم علاقتها بمجموع الخرافة. وواضح أن المصطلح مستعار من علم النبات حيث تتم من خلاله دراسة الأجزاء المكونة للنبات.

(1) ـ فلاديمير بروب، مورفولوجيا الخرافة، ص. ص8- 9

(2) ـ فلاديمير بروب، مورفولوجيا الخرافة، ترجمة إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، ط1، 1986م، ص27- 30.

(8) ) ـ فلاديمير بروب، مورفولوجيا الخرافة، ترجمة إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين ،ط1، 1986م، المقدمة، ص.9.

(9) ) ـ بنية الحكاية في البخلاء للجاحظ ( دراسة في ضوء منهجي بروب وغريماس)، عدي عدنان محمد ، دار الكتب الحديثة ودار نيبور، الأردن، العراق،، ط1. 2011. ص9.

(1) – فلاديمير بروب، مورفولوجيا الخرافة، ص.33

(2) – نفس المرجع، ص.35

(3) – منصوري مصطفى، سرديات جيرار جينيت في النقد العربي الحديث، رؤية، ص.100

(4) – فلاديمير بروب، مورفولوجيا الخرافة، ص.ص.40.41

(5) – فلاديمير بروب ومورفولوجيا الحكاية العجيبة، حميد لحمداني، العدد 2885، الأربعاء 30- 07- 2014.

(1) فيصل الأحمر، معجم السيميائيات، ط1، منشورات الاختلاف، الدار العربية للعلوم، ناشرون، 2010

(2)–نظرية البنائية في النقد الأدبي. صلاح، فضل، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط3، 1987، ص 91

 

” الآخر ليس مجرد انعكاس للذات، بل هو المرآة التي تكشف حدود فهمنا للهوية، ومفتاح إدراكنا للعدالة المجتمعية، والتعايش، والاعتراف المتبادل في المجتمع “.

” يعتبر مفهوم " الآخر " من المفاهيم المركزية في علم الاجتماع والفكر الإنساني المعاصر، إذ يشكل مدخلاً لفهم آليات التمايز الاجتماعي وبناء الهوية. فالآخر ليس مجرد شخص أو جماعة مختلفة، بل هو نتاج لعمليات اجتماعية وثقافية ورمزية تحدد من نحن في مقابل من لسنا نحن “. (الكاتب)

- الملخص:

تركز هذه الدراسة على فهم الآخر من منظور سوسيولوجي، مع إبراز جدلية الهوية والاختلاف وآليات بناء صور الآخر في المجتمع. اعتمدت الدراسة المنهجية التحليلية النقدية، مستندة إلى الفلسفة الكلاسيكية (هيجل، سارتر، ليفيناس) والسوسيولوجيا المعاصرة (جوفمان، بورديو، سعيد)، مع التركيز على دور الخطاب الإعلامي والسياسي والثقافي في إنتاج الصور النمطية.

خلصت الدراسة إلى أن الآخر ليس كائناً خارجياً فحسب، بل عنصر أساسي في تشكل الهوية والوعي الذاتي، وأن الاعتراف المتبادل يمثل إطاراً فعالاً لبناء العدالة الاجتماعية وتعزيز التعددية الثقافية. بالمقابل، يمكن للخطاب الإعلامي والسياسي أن يعيد إنتاج الإقصاء إذا لم يُراع الاعتراف بالآخر.

وفي النهاية أوصت الدراسة بضرورة تعزيز الاعتراف المتبادل في السياسات الثقافية والاجتماعية، وإعادة النظر في الصور النمطية للآخر في الإعلام والتعليم، وتوسيع الدراسات حول الآخر في سياق العولمة لضمان فهم متكامل للهوية والاختلاف في المجتمعات المعاصرة.

- المقدمة:

تعتبر مسألة الآخر من أكثر القضايا جوهرية وإشكالية في الدراسات الإنسانية والاجتماعية، إذ لا تقتصر أهميتها على كونها كياناً منفصلاً عن الذات، بل تتصل مباشرة بفهم كيفية تشكّل الهوية الإنسانية في علاقتها بالاختلاف والتنوع. فالآخر، في بعده النظري، ليس مجرد كيان موضوعي للبحث، بل هو المرآة التي تعكس للذات حدودها وإمكاناتها، وشرط لإدراك الإنسان لأبعاده الأخلاقية والثقافية والاجتماعية. لقد أشار الفلاسفة الكلاسيكيون مثل هيجل وسارتر وليفيناس إلى أن الآخر يلعب دوراً محورياً في تكوين الوعي الذاتي، فالاعتراف بالآخر، أو الصراع من أجل الاعتراف، هو ما يمنح الذات معناها ويحدد حدود وجودها الأخلاقي والفكري.

ومع تطور علم الاجتماع، أخذ مفهوم الآخر أبعاداً تحليلية تتجاوز الفلسفة إلى فهم العلاقات الاجتماعية والثقافية المبنية على القوة، والتمييز، والرموز الثقافية، والوصم الاجتماعي. فقد أظهر إرفنج جوفمان كيف يساهم الوصم الاجتماعي في تشكيل صور الآخر داخل الجماعات، بينما حلل بيير بورديو دور التمييز ورأسمال الثقافي في إنتاج الفوارق بين الذات والآخر. أما إدوارد سعيد فقد ركز على تحليل الخطاب الغربي للشرق، موضحاً لنا كيف تصاغ صور الآخر في سياق الهيمنة الثقافية والسياسية. هذه التحليلات مجتمعة تؤكد أن الآخر ليس مجرد كائن خارجي، بل جزء من عمليات إنتاج الهويات والسلطة في المجتمع.

وفي العصر الحديث، ومع انفتاح المجتمعات على العولمة، أصبح الآخر حاضراً ليس فقط في الفضاء الرمزي، بل في الحياة اليومية للمجتمعات من خلال الهجرة، واللاجئين، والتعددية الثقافية. هذا التحول يعيد صياغة العلاقات بين الهوية والاختلاف، ويستدعي إدراكاً جديداً للعلاقات الاجتماعية القائمة على الاعتراف والتفاعل، بدلاً من الإقصاء والصراع. إذ لم يعد الآخر كياناً خارجياً، بل عنصراً فاعلاً في بناء الذات والجماعة، وفي تكوين الهويات الفردية والجماعية ضمن فضاءات متعددة الثقافات.

من هذا المنطلق، تهدف هذه الدراسة إلى تقديم رؤية شاملة لسوسيولوجيا الآخر، تبدأ بالجذور الفلسفية، مروراً بالتحليل السوسيولوجي للآليات التي تنتج صور الآخر، وصولاً إلى دراسة جدلية الهوية والاختلاف، وانعكاسات العولمة على العلاقات بين الذات والآخر. كما أنه من خلال هذا النهج، يمكن استخلاص فهم متكامل للآخر ليس كتهديد للذات، بل كفرصة لإعادة تشكيل الهوية، وبناء الاعتراف المتبادل، وتعزيز التنوع الاجتماعي والثقافي. إن هذه الدراسة تعكس إدراكاً أن الآخر عنصر محوري لفهم الذات الإنسانية في سياق متغير، وأن معالجة العلاقة بين الذات والآخر هي مفتاح لفهم ديناميات العدالة، الثقافة، والسياسة في المجتمعات المعاصرة.

أولاً- الجذور الفلسفية والسوسيولوجية لمفهوم الآخر:

يعتبر مفهوم " الآخر " من أكثر المفاهيم الفلسفية والسوسيولوجية ثراءً في الفكر الإنساني الحديث والمعاصر، إذ يشكل مدخلاً نظرياً لفهم طبيعة الهوية والعلاقة مع الغير ضمن أطر فلسفية، وثقافية، واجتماعية متشابكة. وقد تنقل المفهوم بين حقلين أساسيين: الفلسفة التي أرست أسسه الميتافيزيقية والأنطولوجية، وعلم الاجتماع الذي أعاد تأويله في ضوء البنى الرمزية والسلطوية داخل المجتمع.

في الفلسفة، تناول هيجل فكرة الآخر في إطار الصراع الجدلي من أجل الاعتراف كما ورد في فينومينولوجيا الروح. فالوعي بالذات، عنده، لا يتحقق إلا من خلال علاقة متوترة مع وعي آخر يسعى هو أيضًا إلى الاعتراف. هذه العلاقة الجدلية بين " السيد والعبد " تخلق عملية وعي متبادلة تظهر أن الحرية لا تبنى في عزلة، بل في تفاعل وصراع مع الآخر الذي يحدّها ويكشفها في آن واحد.

أما سارتر فقد أعاد صياغة المسألة في أفق وجودي، معتبراً أن الآخر هو المرآة التي تُعرّف الذات بذاتها. وفي كتابه " الوجود والعدم " يقدم مفهوم " النظرة "، حيث يشعر الإنسان في مواجهة نظرة الآخر بأنه يتحول إلى موضوع منظور، فيفقد جزءاً من حريته، ويتعين داخل وعي غريب يراه من الخارج.  ومن هنا تولد مأساة الذات التي تسعى إلى الحرية بينما تقيدها موضوعية الآخر.

بينما قدم إيمانويل ليفيناس انعطافة جذرية، إذ حول اللقاء مع الآخر من علاقة معرفية إلى علاقة أخلاقية. ففي الكلية واللانهائي، يرى ليفيناس أن وجه الآخر يمثل النداء الأخلاقي الأول، وأن الاستجابة له هي ما يجعل الإنسان إنساناً. فالآخر هنا ليس مجرد انعكاس للذات أو شرط لوعيها، بل أساس لمسؤوليتها الأخلاقية، ومن ثم تغدو الأخلاق " الفلسفة الأولى " التي تسبق الوجود والمعرفة.

ومع تطور علم الاجتماع، انتقل مفهوم " الآخر " من بعده الفلسفي إلى دراسة علاقات القوة والتمييز الاجتماعي والتمثل الثقافي. لقد صار يفهم باعتباره بنية اجتماعية تنتجها الخطابات والمؤسسات التي تعرف من هو " الطبيعي " ومن هو " المنحرف " أو " المختلف ". ففي هذا الإطار قدم إرفنج جوفمان إسهاماً محورياً في دراسته الكلاسيكية الوصم: ملاحظات حول تدبير الهوية المشوهة، حيث حلل كيف يبنى   " الآخر " من خلال آليات الوصم الاجتماعي التي تعرف الأفراد المختلفين أو المهمشين كذوات منقوصة، وكيف تؤثر هذه التصنيفات في تفاعلهم اليومي داخل البنية الاجتماعية. فالمجتمع، بحسبه، ينتج " الآخر " عبر تصنيفاته الرمزية والإجرائية التي تُعيد إنتاج علاقات الهيمنة.

أما بيير بورديو فقد نقل دراسة " الآخر " إلى مستوى الحقول الاجتماعية والرأسمال الثقافي. ففي كتابه " التميُّز: نقد اجتماعي للحكم " عام 1979، حلل كيف تُنتج الفئات الاجتماعية اختلافاتها ورموزها عبر ذوقها واستهلاكها وثقافتها، وكيف تعمل هذه الرموز على ترسيخ التراتب الطبقي وإعادة إنتاجه. فالآخر هنا ليس فقط من يقصى أو يهمش، بل من يُعرّف داخل حقل القوة بوصفه أدنى أو مختلفاً ثقافياً. وبذلك يغدو     " الاختلاف " أداة اجتماعية للتمييز والفرز الطبقي.

في حين قدم إدوارد سعيد قراءة سوسيولوجية وثقافية عميقة لمفهوم " الآخر " في سياق العلاقة بين الشرق والغرب. ففي كتابه " الاستشراق "، بيّن سعيد كيف شكل الخطاب الغربي صورة " الشرق " كآخر غريب، متخلف، وساكن، في مقابل " الذات " الغربية المتفوّقة والعاقلة. فالمعرفة الاستشراقية، كما يؤكد سعيد، لم تكن محايدة بل كانت مرتبطة بعلاقات السلطة والإمبريالية التي أسست لهيمنة الغرب الثقافية والمعرفية على الشرق. ومن هنا، يلتقي التحليل السوسيولوجي للآخر مع النقد الثقافي لما يسميه فوكو " أنظمة الحقيقة " التي تنتج وتشرعن الاختلاف والتفوق.

إن هذا التطور من هيجل إلى غوفمان وبورديو وسعيد يكشف عن انتقال المفهوم من حقل الوعي الذاتي إلى حقل البنية الاجتماعية، ومن التأمل الفلسفي إلى تحليل القوة والمعنى والتمثيل. فالآخر في الفلسفة كان شرطاً لتكون الذات، أما في علم الاجتماع والثقافة، فقد أصبح أداة لتفسير أنماط التمايز والهيمنة داخل المجتمع. وهكذا يغدو مفهوم " الآخر " محوراً جامعاً بين الذاتي والموضوعي، بين الوعي الفردي والنسق الاجتماعي، وبين الفعل الأخلاقي وبنية السلطة.

خلاصة القول، إن الانتقال من التصورات الفلسفية إلى التحليل السوسيولوجي يظهر كيف يتداخل مفهوم    " الآخر " بين مستويات متعددة: في الفلسفة يؤسس الآخر كشرط لوعي الذات والأخلاق، بينما في علم الاجتماع يدرس كأداة لإنتاج الاختلاف، ولتفكيك علاقات القوة والتمييز الاجتماعي والثقافي. وهكذا، يصبح الآخر محوراً جامعاً لفهم الذات والهوية في بعديه النظري والعملي، متكاملاً بين الحرية الفردية، والمسؤولية الأخلاقية، والنسق الاجتماعي الثقافي، مما يتيح للباحث تحليل كيف تشكل العلاقات الاجتماعية والرمزية الهوية الفردية والجماعية في آن واحد.

ثانياً- سوسيولوجيا الآخر (المفهوم، الموضوع، والأهمية):

تعتبر " سوسيولوجيا الآخر " أحد الاتجاهات الحديثة في الفكر السوسيولوجي التي نشأت استجابةً للتحولات المعرفية الكبرى التي أعادت النظر في علاقة الذات بالآخر داخل المجتمع والثقافة. لقد تجاوزت المقاربة السوسيولوجية الحديثة الفهم الفلسفي التقليدي للآخر بوصفه مُعطى وجودياً أو جدلياً بين الذات والوعي، لتضعه في سياقه البنيوي والاجتماعي والثقافي، بوصفه نتاجاً لعلاقات القوة والمعرفة والتمثيل. بهذا المعنى، لا يفهم الآخر ككيان معزول أو مغاير فحسب، بل كنتاج لتفاعلات تاريخية ومؤسساتية تحدد من يكون في موقع " الاختلاف " ومن يحتل موقع " المرجعية ".

1- تعريف سوسيولوجيا الآخر: تُعرف سوسيولوجيا الآخر بأنه المجال السوسيولوجي الذي يبحث في كيفية تشكل مفهوم الآخر داخل البنى الاجتماعية والثقافية، وفي الآليات التي تنتج بها المجتمعات صوراً وتمثلات للفئات المختلفة، بما يرسخ أنماط التمييز والاستبعاد أو يعيد إنتاجها.

يركز هذا التخصص على أن الآخر ليس وجوداً سابقاً على الفعل الاجتماعي، بل هو بناء اجتماعي تنتجه الخطابات، والمؤسسات، وممارسات الحياة اليومية. ومن هذا المنطلق، تهتم سوسيولوجيا الآخر بتحليل ديناميات التفاعل بين الذات والآخر من خلال ما يُعرف بـ " سياسات الاختلاف " التي تشتغل ضمن منظومة السلطة والرموز والمعرفة.

ومن الناحية النظرية، تستند سوسيولوجيا الآخر إلى الإرث الفلسفي لهيغل الذي رأى في الآخر ضرورةً لوعي الذات بذاتها عبر جدلية الاعتراف، وإلى تأملات سارتر في " الوجود والعدم " حين اعتبر أن نظرة الآخر هي ما يجعل الذات موضوعاً لنفسها، كما تستلهم رؤية ليفيناس الذي جعل من اللقاء بالآخر أصلاً للأخلاق والمعنى الإنساني. غير أنّ المقاربة السوسيولوجية نقلت هذا النقاش من الحقل الميتافيزيقي إلى الواقع الاجتماعي، عبر دراسة كيف تترجم هذه الجدليات في العلاقات اليومية، في التمييز الطبقي، وفي التمثلات الثقافية التي تصوغ الهويات الفردية والجماعية.

بناءً على ما تقدم يمكننا تعريف سوسيولوجيا الآخر " بأنها فرع من فروع علم الاجتماع يهتم بدراسة الكيفية التي يُبنى بها مفهوم " الآخر" داخل البنى الاجتماعية والثقافية، وكيف تنتج المجتمعات تصورات وتمثلات عن المختلف عنها في الهوية أو الثقافة أو الطبقة أو الدين أو الجنس ". وتسعى هذه المقاربة إلى تحليل العلاقات الاجتماعية التي تنشأ بين الذات والآخر، وما يرافقها من أنماط الإقصاء أو الاعتراف أو التهميش أو الهيمنة، بوصفها آليات اجتماعية وثقافية تُسهم في تشكيل الهويات الفردية والجماعية.

وهكذا تنطلق سوسيولوجيا الآخر من فرضية أن الهوية لا تتحدد إلا في سياق العلاقة بالغير، أي       إن " الأنا " تُعرف ذاتها من خلال التمايز عن " الآخر "، بما يجعل دراسة الآخر مدخلاً أساسياً لفهم ديناميات السلطة والاختلاف داخل المجتمع.

2- موضوع سوسيولوجيا الآخر: ينصرف موضوع هذا الحقل إلى دراسة العمليات الاجتماعية التي تُنتج الآخر وتحدد موقعه ضمن النظام الاجتماعي. ويتجلى ذلك في تحليل آليات الوصم الاجتماعي بوصفها وسيلة لتمييز " المختلف " وإقصائه، وفي تفكيك البنى الرمزية والطبقية التي وصفها بورديو باعتبارها أنظمة تحدد الذوق والشرعية والمعنى. كما يتناول الحقل التمثلات الثقافية والسياسية التي تحدد صورة الآخر في الخطاب العام، كما أوضح إدوارد سعيد في دراسته النقدية للاستشراق، حيث يصبح الشرق - بوصفه   " الآخر " - بناءً معرفياً يخدم علاقات الهيمنة والاستعمار.

بهذا المعنى، يتضمن موضوع سوسيولوجيا الآخر عدة مستويات: (من التفاعل اليومي إلى المؤسسات الكبرى، ومن الخطاب إلى الممارسة، ومن المحلي إلى العالمي). وتتكامل هذه المستويات في هدف أساسي هو الكشف عن أنماط إنتاج الاختلاف والتمييز، وتحليل نتائجها في إعادة توزيع السلطة والمكانة داخل المجتمع.

3- أهمية سوسيولوجيا الآخر: تتجلى أهمية هذا الحقل في كونه يمكن الباحث من فهم آليات تشكل الهويات، ومصادر التمييز، والعنف الرمزي، والإقصاء الاجتماعي. فهو يتيح دراسة نقدية للعلاقات الاجتماعية تكشف عن كيفية تداخل البنى الاقتصادية والسياسية والثقافية في إنتاج " الآخر " وتثبيت موقعه في الهامش.

ومن الناحية العملية، تبرز أهميته في إسهامه في إعادة بناء سياسات الإدماج والمواطنة، إذ يساعد في صياغة رؤى جديدة للتربية والإعلام والسياسة العامة تقوم على الاعتراف المتبادل بدل الهيمنة أو التمثيل الأحادي. كما أن تحليل ديناميات الآخرية يوفر أدوات لتفكيك الصور النمطية التي تغذي النزاعات الإثنية والدينية والطبقية، بما يفتح المجال أمام مجتمعات أكثر عدلاً وتسامحاً وتنوعاً ثقافياً.

خلاصة القول، لا تقف سوسيولوجيا الآخر عند حدود دراسة العلاقات بين الذات والمجتمع، بل تمثل مشروعاً نقدياً لفهم البنية العميقة للعلاقات الإنسانية، تلك التي تُنتج فيها القوة والمعرفة صوراً للآخر تستخدم لتبرير التراتب الاجتماعي والثقافي. ومن ثم، فإنها تمثل جسراً بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية، وبين الوعي الذاتي والممارسة السياسية، بما يجعلها من أهم الحقول التي يمكن أن تسهم في بناء وعي إنساني نقدي يُعيد التفكير في معنى الانتماء والمواطنة والاختلاف في العالم المعاصر.

ثالثاً- آليات بناء صورة الآخر:

تعد عملية بناء صورة " الآخر" من أكثر الظواهر الاجتماعية تركيباً وتشابكاً، إذ تتداخل فيها البنى الرمزية والمؤسساتية التي تشكل وعي الأفراد والجماعات بأنفسهم وبمَن يختلف عنهم. فالآخر ليس معطًى طبيعياً، بل هو نتاج عملية اجتماعية وثقافية طويلة المدى، تتفاعل فيها منظومات القيم، والخطابات المهيمنة، وآليات التنشئة التي تنقل الصور النمطية وتعيد إنتاجها عبر الأجيال. ومن ثم فإن فهم صورة الآخر لا يتم بمعزل عن تحليل السياقات التي تنتجها، سواء كانت تربوية أو إعلامية أو دينية أو ثقافية.

ويمكننا تعريف آليات بناء صورة الآخر بأنها الوسائل والعمليات التي تساهم في تكوين تصورات الأفراد والمجتمعات حول من يعتبر مختلفاً أو خارجاً عن المعايير الاجتماعية والثقافية السائدة. هذه الآليات تعمل على إنتاج صورة الآخر من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية: التنشئة الاجتماعية، الخطاب الإعلامي والسياسي، والدين والثقافة، وكلها تساهم في تشكيل وعي الأفراد والجماعات بطريقة منظمة أو ضمنية.

1- التنشئة الاجتماعية وبناء التصورات الأولية: تبدأ صورة الآخر بالتكون منذ المراحل الأولى من حياة الفرد، في إطار مؤسسات التنشئة الاجتماعية كالأسرة والمدرسة. فالطفل يتشرب عبر هذه القنوات الأولى منظومة القيم والمعايير التي تحدد ما هو " نحن " وما هو " هم ". يوضح بورديو أن التنشئة الاجتماعية تؤدي إلى بناء " هابيتوس " جماعي Habitus يوجه الإدراك والتمييز بين الفئات، بحيث تغرس في الفرد أنماط الاستقبال الاجتماعي للمختلف.

بمعنى أوسع، في بداية الحياة الاجتماعية للفرد، تنشئ الأسرة شبكة رمزية وثقافية تحدد من ينتمي إلى " الداخل " ومن يقع ضمن " الآخر ". وفي هذا الإطار، يؤكد لنا بورديو أن الذوق ليس محايداً أو تلقائياً، بل إنه اختيار يتم في مواجهة ما لا نريد أن نكون، هنا يكشف كيف أن الاختيارات الثقافية تحمل مضامين تمييزية، وتتشكل على أساس تموضع اجتماعي مسبق. ومن ثم، حين تنشأ الأسرة ضمن موقع اجتماعي معين، فإنها تعلم أطفالها أنماطاً من التمييز الرمزي: كيف ننظر إلى الطعام، الفن، الكتب، وحتى الترفيه، باعتبارها دلائل هوية هذا من جهة. ومن جهة أخرى نجد أن المدرسة كمؤسسة تربوية - تلك التي يفترض أن تنشئ مواطنين متساوين - غالباً ما تعيد إنتاج نفس التمايزات الثقافية من خلال المناهج الدراسية، التمثيلات التاريخية، اللغة المستخدمة في التعليم، كل ذلك يسهم في ترسيخ مقولات من " نحن " ومن " هم ". فحين يصور التعليم المدرسي جماعة معينة كمهملة أو متخلفة أو غير متحضرة، فإن ذلك يغذي الشعور بالآخرية لديهم. ثم تأتي العلاقات بين الأقران والمؤسسات المحلية التي تكمل هذا البناء فيما يسميه جوفمان بآليات " إدارة الهوية الملوثة " التي يمارسها الفرد داخل محيط اجتماعي مترابط. بذلك، نجد أن التنشئة الاجتماعية ليست عملية سلبية فقط بل صيرورة إنتاج للجاهزية الذهنية لقبول الآخر أو رفضه، مع ما ينجم عن ذلك من ممارسات العزل أو الإقصاء.

2- الخطاب الإعلامي والسياسي كآلية لإنتاج الصور النمطية للآخر:

يؤدي الإعلام والسياسة دوراً حاسماً في إعادة إنتاج صورة الآخر على نطاق أوسع. فوسائل الإعلام لا تنقل الواقع فقط، بل تعيد تشكيله عبر اختيار ما تظهره وكيف تقدمه. يشير تيون دايك إلى أن الخطاب الإعلامي الغربي كثيراً ما يعرض الأقليات والمهاجرين في سياق سلبي يربطهم بالجريمة أو التهديد. هذه الطريقة في التمثيل تؤدي إلى خلق " آخر " جمعي يبدو غريباً أو خطيراً. وبالطريقة نفسها، تستعمل الخطابات السياسية مفاهيم مثل " الأمن القومي " أو " الهوية الوطنية " لتبرير الإقصاء أو التشكيك في انتماء مجموعات معينة.

ويبين إدوارد سعيد أن هذا النمط من الخطاب ليس جديداً، بل هو امتداد لتاريخ طويل من تصوير الشرق كفضاء مختلف ومتخلف مقابل " الغرب المتحضر ". وبالتالي، يصبح الآخر بناءً ثقافياً يخدم مواقف القوة والهيمنة أكثر مما يعكس حقيقة موضوعية.

أما الخطاب السياسي، فغالباً ما يستثمر هذه الصور في تبرير السياسات الإقصائية أو النزعات القومية، حيث يقدم الآخر بوصفه خطراً وجودياً أو ثقافياً يهدد هوية الجماعة. وهكذا يتحول " الاختلاف " من حقيقة إنسانية إلى حد فاصل يعرف الذات عبر نفي الآخر.

3- الدين والثقافة بين التسامح والإقصاء: يمكن للدين والثقافة أن يكونا مصدرين للتسامح أو وسيلتين لإعادة إنتاج التمييز بمعنى أن يشكل الدين والثقافة معاً مجالين حاسمين في إعادة إنتاج أو تفكيك صورة الآخر. فمن ناحية، يمكن أن يقدما رؤية أخلاقية شاملة تقوم على مبدأ الكرامة الإنسانية كما لدى إيمانويل ليفيناس الذي يرى أن اللقاء بالآخر هو أساس الأخلاق ذاتها، لأن الآخر يدعونا إلى المسؤولية والاعتراف.

ومن ناحية أخرى، يمكن للدين والثقافة أن يتحولا إلى أدوات ترسيخ لثنائية ( نحن - هم ) عبر قراءة ضيقة للنصوص أو عبر رموز ثقافية تكرس التفوق الجمعي، ومن خلال هذه التأويلات الدينية والثقافية يتغذى الشعور بالتفوق والانغلاق، فينقسم العالم الاجتماعي إلى " نحن " و" هم ". ومع ذلك، يمكن لتأويلات أخرى أن تفتح المجال للاعتراف المتبادل.

وهكذا تمارس الثقافة دور " المرآة المشوهة " التي تعكس الذات من خلال اختلاف الآخر، فتجعل الاختلاف مصدراً للتهديد بدل أن يكون فضاءً للتكامل.

خلاصة القول، يظهر تحليل آليات بناء صورة الآخر أنها ليست مجرد عمليات إدراكية أو تمثيلية، بل هي نتاج شبكات معرفية وسلطوية تشكّل الوعي الجمعي ضمن ما يسميه فوكو " نظام الخطاب ". فكل معرفة بالآخر تنطوي على سلطة كامنة، إذ تحدد من يملك حق التعريف والتصوير والتمثيل. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة ابستمولوجية نقدية تعيد مساءلة أسس إنتاج هذه الصور، وتفكك البنى اللغوية والرمزية التي تحكمها، سعياً نحو بناء علم اجتماع إنساني يعيد الاعتبار للتعدد والاختلاف بوصفهما مجالي إثراء لا تهديد.

رابعاً- جدلية الهوية والاختلاف وعلاقتها بالآخر:

تعتبر جدلية الهوية والاختلاف من أكثر المفاهيم إشكالاً في الفكر الفلسفي والسوسيولوجي المعاصر، إذ تتقاطع فيها أسئلة الذات والمعنى والاعتراف والآخر، لتشكل بنية معرفية متشابكة تربط بين الوجود الاجتماعي والتاريخي للإنسان وبين علاقاته الرمزية والقيمية بالآخرين. فالهوية ليست معطى ثابتاً، بل عملية تشكل تاريخي- تواصلي تتأسس عبر شبكة العلاقات الاجتماعية والثقافية التي يواجه فيها الفرد ذاته في مرآة الآخر. هذه الجدلية لا تفهم في بعدها الأنطولوجي فحسب، بل في بعدها التواصلي الذي يجعل الاعتراف بالآخر شرطًا لإمكان الذات نفسها. بناء على ما سبق سنحاول مناقشة ما يلي:

1- الهوية بوصفها علاقة بالآخر: منذ الجدلية الهيجلية بين السيد والعبد، تبلور الوعي بأن الهوية لا تُعرف إلا عبر الاختلاف، وأن الذات لا تعي نفسها إلا من خلال صراع الاعتراف بالآخر. غير أن التحول السوسيولوجي في القرن العشرين، ولا سيما مع جورج هربرت ميد، جعل الهوية تنشأ من التفاعل الرمزي، فالذات تتكون من خلال استبطان تصورات الآخرين عنها في عملية تواصل اجتماعي مستمرة.

لكن هابرماس طوّر هذا التصور من منظور أكثر تركيباً حين رأى أن الهوية لا تكتمل إلا داخل فعل تواصلي عقلاني يسعى نحو التفاهم لا الهيمنة، وأن الاعتراف المتبادل هو الشرط الأخلاقي والمعياري الذي يتيح للذات أن تبني وعيها بذاتها ضمن فضاء اجتماعي منفتح. بذلك تصبح الهوية عند هابرماس مشروعاً تواصلياً يتجاوز الانغلاق الثقافي، حيث يعاد بناء الذات عبر حوار العقل العمومي الذي يمنح الأفراد إمكان الاندماج دون محو اختلافهم.

2- الاعتراف بوصفه أساس العدالة والهوية: يعد مفهوم الاعتراف عند هونيث امتداداً نقدياً لمشروع هابرماس، إذ يرى أن العلاقات الاجتماعية العادلة تقوم على ثلاثة أنماط من الاعتراف: الحب، والحقوق، والتقدير الاجتماعي. ومن خلال هذه المستويات، تبنى الهوية الأخلاقية للفرد، ويعاد إنتاج النظام الاجتماعي بطريقة تنصف المختلفين وتدمجهم ضمن نسق قيمي جامع.

إن إنكار الاعتراف، كما يؤكد هونيث، يؤدي إلى ما يسميه " الازدراء الاجتماعي " الذي يولد الإقصاء والتهميش وفقدان الكرامة، في حين أن الاعتراف المتبادل يتيح تحقيق الذات عبر علاقة تفاعلية تعيد للفرد إنسانيته وتثبت هويته في المجال العمومي. وفي هذا الإطار، يصبح الاختلاف ليس نقيضاً للهوية بل شرطاً لوجودها، لأن الاعتراف بالآخر المختلف هو ما يمنح الذات إمكانية الوجود الأخلاقي والاجتماعي.

3- نحو سوسيولوجيا للاختلاف والتنوع: من منظور سوسيولوجي نقدي، يظهر تحليل الخطابات المعاصرة أن المجتمعات الحديثة تواجه أزمة هوية ناجمة عن التوتر بين التوحيد الثقافي والعولمة من جهة، والتعدد والاختلاف من جهة أخرى. غير أن الاعتراف، بوصفه ممارسة اجتماعية، يمكن أن يعيد التوازن بين هذين القطبين عبر بناء فضاء مشترك يتأسس على العدالة التواصلية والمساواة الرمزية.

وبهذا يصبح مفهوم الاختلاف محركاً لتجديد النسق الاجتماعي لا تهديداً له، فالمجتمع الذي يضمن اعترافاً متبادلاً هو المجتمع الذي يتيح لأفراده إمكان التميز دون الوقوع في التهميش. هذا ما يجعل الهوية مشروعاً تاريخياً – تواصلياً يتجدد مع كل علاقة إنسانية تؤسس على الفهم المتبادل لا على الإقصاء.

خلاصة القول، تبرز جدلية الهوية والاختلاف أن الوعي بالذات لا يمكن فصله عن بنية المعرفة بالآخر. فالهوية ليست كياناً مغلقاً، بل حقل ابستمولوجي مفتوح يتشكل ضمن التفاعل الاجتماعي والمعرفي المستمر.

وعلى المستوى النقدي، تُظهر أعمال هابرماس وهونيث أن كل محاولة لتعريف الذات بمعزل عن الآخر تنتهي إلى أزمة معرفية وأخلاقية، لأن الذات تعرف نفسها فقط عبر اعتراف الآخر بها. من هنا يمكن القول إن تجاوز الثنائيات التقليدية (الهوية/الاختلاف، الذات/الآخر) يقتضي بناء ابستمولوجيا الاعتراف، التي تجعل من التواصل أساساً للمعرفة ومن الاختلاف شرطاً للفهم.

إن مستقبل الهوية، في ضوء هذا التحليل، لا يقوم على الانغلاق أو الدفاع عن النقاء الثقافي، بل على الانخراط في حوار إنساني كوني يعيد تعريف الذات بوصفها كائناً تواصلياً ينفتح على العالم من خلال الآخر لا ضده.

خامساً- سوسيولوجيا الآخر في سياق العولمة:

مع تسارع عملية العولمة وانفتاح الأسواق والاتصالات عبر الحدود، تغيرت طبيعة " الآخر " من كائن موضوع للنظر أو الإقصاء إلى جزء لا يتجزأ من نسيج المجتمعات المحلية والعالمية على حد سواء. هذه التحولات لم تكن فقط اقتصادية أو تقنية، بل أدت إلى إعادة تشكيل علاقات القوة والثقافة والهوية، مما يجعل من " سوسيولوجيا الآخر " في عصر العولمة مجالاً مركزياً لفهم كيف يعاد تعريف الذات والجماعة والآخر في فضاءات ما بعد الحدود. إذ ليس الأمر مجرد تدفق للبشر أو البضائع، بل إعادة تركيب للمعاني والهوية ولقوى الهيمنة والاعتراف. بناء عليه سوف نحلل الأفكار التالية:

1- تحول الآخر إلى جزء من النسيج المحلي والعالمي: في ظل العولمة، تصبح الهجرات، تنقل رؤوس الأموال، وانتشار وسائل الإعلام، عوامل تجعل الآخر ليس بعيداً أو خارجياً فحسب، بل حاضراً داخل الحياة اليومية للمجتمعات المضيفة. فمثلاً يتجاوز الفرد في مدينة عالمية أن يكون " أنا - الوطن " ليصبح جزءاً من شبكة علاقات تضم مهاجرين (لاجئين) وثقافات مختلطة. هذه الظاهرة تضع " الآخر " في مركز بناء الهوية ليس كتهديد وإنما كفرصة لإعادة تعريف ما هو " نحن ". المناقشات الأكاديمية تؤكد أن العولمة تفكك الحدود التقليدية للهوية الوطنية والثقافية، وتعيد تشكيلها عبر نماذج من التعددية والتداخل. وبالتوازي، يشير البعض إلى مفهومي " العولمة المحلية glocalization " و" الشبكات العابرة للقطر " التي تجعل الآخر قريباً داخل السياق المحلي، فتزداد الحاجة إلى إعادة بناء مفاهيم المواطنة والاختلاف.

2- إعادة تشكيل علاقات القوة بين الهويات: تعيد العولمة توزيع قوى الهوية والاختلاف، فالآخر لم يعد فقط موضوعاً للتمييز بل طرفاً في مفاوضات الاعتراف وإعادة التمثيل الثقافي. تشير الدراسات إلى أن الدول والمجتمعات التي تتعامل مع التنوع كميزة وليس كعبء تحقق مستويات أعلى من الإدماج والاستقرار. مثلاً، في سياق الهجرة إلى المدن العالمية، تستعمل سياسات الإدماج والتعددية لإدراج الآخر ضمن النسيج الاجتماعي بدلاً من تغييره بالكامل، ما يعكس تحولاً في مفهوم " الآخر " من تهديد إلى مورد.

لكن في المقابل، تبقى هناك قوى هيمنة ثقافية واقتصادية تعيد إنتاج الآخر في موقع التبعية أو التهديد وهو ما يشير إلى استمرار " تعبير الآخر" بوصفه مرآة للذات الثقافية أو الاقتصادية. لهذا فإن سوسيولوجيا الآخر في العولمة تتطلب تحليلاً لكل من قوة الدمج وقوة الإقصاء، مع النظر إلى كيف تستخدم الهجرة، اللاجئون، والتعددية الثقافية كفضاءات لصراع الهوية أو لإعادة إنتاجها.

3- الاعتراف المتبادل كبديل عن منطق الصراع والإقصاء: في هذا السياق، يبرز مفهوم " الاعتراف   المتبادل " بوصفه أفقاً ممكناً لإدارة الآخر في زمن العولمة. إذ بدلاً من أن يُنظر إلى الآخر كتهديد أو عبء، يصبح شريكاً في بناء الهوية والثقافة والمواطنة. تشير بعض الدراسات إلى أن النماذج التي تعتمد سياسات الاعتراف (وليس فقط التوزيع) تحقق اندماجاً أفضل وتنوعاً أكثر استقراراً.

فالتعددية الثقافية، كما تُناقش في الأدبيات، لا تعني مجرد التعايش، بل التواصل عبر الثقافات، حيث يتم الاعتراف بالتنوع والاختلاف بوصفهما جزءاً من الهوية المشتركة. وهكذا يصبح الآخر ليس لا موضوعياً أو هامشياً، بل جوهرياً في بناء الذات والجماعة في سياق عالمي. ومع ذلك، يتطلب هذا الاعتراف شروطاً من ضمنها تمثيل متساوٍ، حقوق مدنية، واحترام التعدد الثقافي كمكون إيجابي لا كتهديد.

خلاصة القول، إن تحليل سوسيولوجيا الآخر في سياق العولمة يكشف أن الآخر قد يكون بين خيارين: أن يدمج كجزء من النسيج الاجتماعي أو يحافظ على موقعه كمنحرف أو مهدد. ومن منظور إبستمولوجي، ينبغي ملاحظة أن المعرفة بهذا الآخر لا يمكن أن تكون محايدة أو خارج علاقات القوة. فإما أن تنتج المعرفة عن الآخر ضمن منطق الهيمنة، وإما في منطق الاعتراف والتفاعل.

لكن التحدي الحقيقي هو أن مفهوم الاعتراف المتبادل نفسه لم ينشأ أصلاً في سياق عالمي بالكامل، فهو غالباً مرتبط بالدولة القومية أو الجماعات داخلها. لذلك، فإن تطبيقه على مستوى ما بعد القطري ليس أمراً تلقائياً، بل يتطلب إعادة بناء أطر المواطنة، العدالة، والحقوق بما يتجاوز الحدود الوطنية التقليدية. كما أن الانخراط في العولمة لا يلغي الفوارق والتمييزات فقد يستبدل الآخر التقليدي بآخر رقمي أو اقتصادي أو ثقافي بمعنى جديد. وهكذا تظل المعرفة التي ننتجها عن الآخر ضمن العولمة معرضة للنقد، فلابد من تطبيق منهجية انعكاسية يدرك من خلالها الباحث أنه ليس خارج التأثيرات الثقافية أو الاقتصادية التي يدرسها.

في النهاية، يمكن القول إنه لكي تصبح سوسيولوجيا الآخر فعالة في زمن العولمة، فإنها تحتاج أن تحول الآخر من موقع الاستهلاك أو التمثيل إلى موقع الشراكة والاعتراف، وتعيد تعريف الهوية والمواطنة في فضاء مفتوح التأثير متعدد المستويات (المحلي، الإقليمي، والعالمي).

- الخاتمة: يمكننا القول إن دراسة الآخر، سواء من المنظور الفلسفي أو السوسيولوجي، تكشف عن عمق الجدلية بين الذات والآخر، بين الهوية والاختلاف، وبين الاعتراف والإقصاء. لقد بدا لنا جلياً منذ مناقشة الجذور النظرية أن الفلاسفة من هيجل إلى سارتر وصولاً إلى ليفيناس، اعتبروا الآخر عنصراً مركزياً في تكوين الذات: ففي هيجل يظهر الآخر في صراع الاعتراف، بينما يرى سارتر أنه مرآة تكشف الذات لنفسها، ويضع ليفيناس الآخر أساساً للأخلاق وشرطاً لإنسانية الإنسان. هذه الخلفية الفلسفية وفرت الأساس لمفهوم الآخر ككائن مرتبط بالوعي والذاتية، وليس مجرد كائن خارجي.

وعلى صعيد السوسيولوجيا، تم تحويل مفهوم الآخر من بعده الفلسفي إلى موضوع دراسي مرتبط بالسلطة والتمييز والهوية والتمثلات الثقافية. أظهرت مساهمات جوفمان في الوصم الاجتماعي، وبورديو في التمييز ورأسمال الثقافي، وإدوارد سعيد في تحليل خطاب الشرق، أن الآخر ليس مجرد فئة معرفية بل يتأثر بالعلاقات الاجتماعية والثقافية، ويعاد إنتاجه عبر الخطاب والسياسات الاجتماعية.

ثم تناولنا آليات بناء صورة الآخر، إذ تتشكل هذه الصورة منذ الطفولة عبر التنشئة الاجتماعية في الأسرة والمدرسة والإعلام، كما تتأثر بالخطاب السياسي والديني والثقافي. وقد أظهر التحليل أن هذه الآليات ليست محايدة، بل تعمل ضمن منظومات قوة يمكن أن تعزز الاعتراف أو الإقصاء، وأن الصورة النمطية للآخر هي نتيجة تراكم اجتماعي وثقافي مركب.

وفي جدلية الهوية والاختلاف، يتضح أن الهوية لا يمكن أن تفهم بمعزل عن الآخر، فالاختلاف ليس تهديداً بل شرطاً للتنوع الاجتماعي. ومن منظور التفاعل الرمزي، تمنح العلاقات مع الآخر المعنى للذات، بينما تؤكد نظرية الاعتراف عند هابرماس وهونيث أن الاعتراف المتبادل هو الأساس الأخلاقي والاجتماعي الذي يمكن الفرد من تطوير هويته والانخراط في فضاء من العدالة والتفاعل الثقافي.

وأخيراً، في سوسيولوجيا الآخر في سياق العولمة، أضحى الآخر جزءاً من النسيج الاجتماعي اليومي، سواء من خلال الهجرة أو اللاجئين أو التعددية الثقافية، مما يفرض إعادة التفكير في مفاهيم الهوية الوطنية والثقافية. وتظهر أهمية الاعتراف المتبادل هنا كبديل عن منطق الإقصاء، إذ يتيح إدماج الآخر كعنصر فاعل في البناء الاجتماعي والثقافي، مع مراعاة إعادة توزيع القوة والتمثيل الرمزي والثقافي.

بناءً على ما تقدم نستنتج توصي دراسة سوسيولوجيا الآخر أن فهم الذات لا يتحقق إلا في سياق علاقاتها بالآخر، وأن الهوية والاختلاف هما عنصران متكاملان يتفاعلان ضمن فضاءات السلطة، الثقافة، والتاريخ. بذلك يعتبر منهج الاعتراف المتبادل إطاراً أساسياً لتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء التنوع، بينما يظل التمثيل الإعلامي والسياسي والثقافي وسيلة لإعادة إنتاج الإقصاء أو الاعتراف. وفي زمن العولمة، تصبح سوسيولوجيا الآخر أداة لفهم كيفية إدماج الاختلافات المتعددة ضمن نسق اجتماعي واحد، مع ضرورة إعادة النظر في هياكل الهوية الوطنية والثقافية بما يسمح بالتعددية والاندماج الحقيقي.

بهذه الرؤية، تقدم سوسيولوجيا الآخر إطاراً تحليلياً شاملاً يجمع بين الفلسفة، السوسيولوجيا، والسياسة الثقافية، ويكشف عن أهمية إعادة تعريف العلاقة بين الذات والآخر، بين الاعتراف والإقصاء، وبين الهوية والاختلاف في عالم مترابط ومتعدد.

***

د. حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين (تركيا)

................

- المراجع المعتمدة:

1.  هيجل. (2006). فنومينولوجيا الروح. ط1. ( ترجمة وتقديم، ناجي العونلي). بيروت: المنظمة العربية للترجمة.

2.  بورديو، بيير. (2024). التميز: نقد اجتماعي للحكم. ط1. (ترجمة، نصير مروة). بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

3.  سعيد، إدوارد. (2024). الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق. ط3. (ترجمة، محمد عناني). المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي.

4.  هابرماس، يورغن. (2020). نظرية الفعل التواصلي: عقلانية الفعل والعقلنة الاجتماعية. ط1. المجلد الأول (ترجمة، فتحي المسكيني). الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

5.  هابرماس، يورغن. (2020). نظرية الفعل التواصلي: في نقد العقل الوظيفي. ط1. المجلد الثاني (ترجمة، فتحي المسكيني). الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

6.  هونيث، أكسل. (2015). الصراع من أجل الاعتراف (القواعد الأخلاقية للمآزم الاجتماعية). ط1. (تعريب، جورج كتورة). بيروت. المكتبة الشرقية.

7.  بومنير، كمال. (2010). النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت من ماكس هوركهايمر إلى أكسل هونيث. ط1. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون وآخرون.

8.  الزواوي بغوره، محمد. (2012). الاعتراف (من أجل مفهوم جديد للعدل): دراسة في الفلسفة الاجتماعية. ط1. (تقديم، فهمي جدعان). بيروت: دار الطليعة.

9.  مصطفى، مهند. (2016). سياسة الاعتراف والحرية: سجال وإطار نظري تحت طائلة الراهن العربي. مجلة تبين. 5(17). بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

10. فياض، حسام الدين. (2022). مقالات نقدية في علم الاجتماع المعاصر (النقد أعلى درجات المعرفة). ط1. سلسلة نحو علم اجتماع تنويري، الكتاب الثالث. أنقرة: دار الأكاديمية الحديثة.

11. فوكو، ميشيل. (1994). المعرفة والسلطة. ط1. (ترجمة، عبد العزيز العيادي). بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.

12. ماتلار، أرمان. (2008). التنوع الثقافي والعولمة. ط1. (ترجمة، خليل أحمد خليل). بيروت: دار الفارابي ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم.

13. ساسن، ساسكيا. (2014). علم اجتماع العولمة. ط1. العدد 2048. (ترجمة، عبد الرازق جلبي). القاهرة: المركز القومي للترجمة.

14. بورديو، بيير. (1994). العنف الرمزي: بحث في أصول علم الاجتماع التربوي. ط1. (ترجمة، نظير جاهل). الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

15. بورديو، بيير. (2007). الرمز والسلطة. ط3. (ترجمة، عبد السلام بنعبد العالي). الدار البيضاء: دار توبقال للنشر.

16. تشيرتون، ميل. براون، آن. (2012). علم الاجتماع: النظرية والمنهج. ط1. العدد 2075. (ترجمة، هناء الجوهري). القاهرة: المركز القومي للترجمة.

17. غوفمان، إرفنغ. (2021). تقديم الذات في الحياة اليومية. ط1. الرياض: دار معنى للنشر والتوزيع.

18. Hegel, Georg Wilhelm Friedrich. (1977). The Phenomenology of Spirit. (Translated by A. Vincent Miller). Oxford: Oxford University Press.

19. Sartre, Jean-Paul. (1992). Being and Nothingness: An Essay on Phenomenological Ontology. (Translated by Hazel Estella Barnes). New York: Washington Square Press.

20. Levinas, Emmanuel. (1969). Totality and Infinity: An Essay on Exteriority. (Translated by Alphonso Lingis). Pittsburgh, Pennsylvania: Duquesne University Press.

21. Goffman, Erving. (1963). Stigma: Notes on the Management of Spoiled Identity. Englewood Cliffs, New Jersey: Prentice-Hall.

22. Said, Edward Wadie. (1978). Orientalism. New York, New York: Pantheon Books.

23. Bergo, Bettina. (2023, Fall Edition). Emmanuel Levinas. The Stanford Encyclopedia of Philosophy. Retrieved from https://plato.stanford.edu/archives/fall2023/entries/levinas/

24. Reynolds, Jack. (2022, Winter Edition). Jean-Paul Sartre. The Stanford Encyclopedia of Philosophy. Retrieved from https://plato.stanford.edu/archives/win2022/entries/sartre/

25. Iser, Matt. (2024, Spring Edition). Recognition. The Stanford Encyclopedia of Philosophy. Retrieved from https://plato.stanford.edu/archives/spr2024/entries/recognition/

26. van Dijk, Teun Adrianus. (1991). Racism and the Press. London: Routledge.

27. Fraser, Nancy. (2019). Recognition or Redistribution? A Critical Reading of the Politics of Recognition. New York: Verso.

28. Habermas, Jürgen. (1981). The Theory of Communicative Action. Boston: Beacon Press.

29. Habermas, Jürgen. (1992). Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy. Cambridge, Massachusetts: MIT Press.

30. Honneth, Axel. (1995). The Struggle for Recognition: The Moral Grammar of Social Conflicts. Cambridge: Polity Press.

المبحث الأول: الجذور التاريخية للإسلام السياسي في العراق

جذور الإسلام السياسي في العراق تمتد إلى بداية القرن العشرين، متأثرة بالسياقات الاستعمارية والوطنية وطبيعة تطور البيئة المجتمعية. وفق نقاش (1994)، فإن النجف الأشرف شكلت مركزًا لتطور الفكر السياسي الشيعي منذ العهد العثماني[1]. المرجعية الدينية لعبت دورًا سياسيًار ( عدا جماعة الحفيز ) في مقاومة الاحتلال البريطاني، خاصة في ثورة العشرين التي شكلت لحظة فارقة في تبلور الوعي الوطني العراقي المقاوم للاستعمار.

هذه المقاومة، مع ذلك، وأن تداخل  رد فعل الديني، كانت تعبيرًا عن تداخل معقد بين الهوية الدينية والمصالح الاجتماعية-الاقتصادية للنخب التقليدية التي رأت في الاحتلال تهديدًا لنفوذها. المرجعية الدينية في النجف، التي قادها آنذاك الشيرازي ثم الخالصي، استطاعت تعبئة قطاعات واسعة من العشائر والفلاحين، لكنها فشلت في بلورة مشروع سياسي متماسك بعد نجاح الثورة في إضعاف القبضة البريطانية المباشرة.إضافة إلى اختراق جسيم لجسم المرجعية قبل البريطانيين.

يشير فرانكل (2009) إلى أن حزب الدعوة الإسلامية، المؤسس عام 1957 على يد محمد باقر الصدر وآخرين، يمثل أول تنظيم إسلامي سياسي شيعي حديث في العراق[2]. الحزب نشأ كرد فعل على صعود الشيوعية والقومية العلمانية وتأثرًا بحركة الأخوان المسلمين، ساعيًا لتقديم بديل إسلامي شيعي. لكن نشأة الدعوة تكشف أيضًا عن أزمة عميقة في الخطاب الديني التقليدي الذي عجز عن استيعاب التحولات الاجتماعية والسياسية في العراق الملكي ثم الجمهوري.

محمد باقر الصدر، الذي طور نظرية "اقتصادنا" و"فلسفتنا" كبدائل إسلامية للماركسية والرأسمالية، حاول تقديم أيديولوجية إسلامية شاملة تستطيع منافسة الأيديولوجيات العلمانية. لكن هذا المشروع الفكري، رغم عمقه النظري، ظل محدود التأثير على القواعد الاجتماعية الواسعة التي انجذبت أكثر للخطاب الشيوعي أو القومي بسبب وضوح موقفهما من القضايا الاجتماعية والوطنية المباشرة.

في السياق السني، يلاحظ الحمداني (2013) أن الإخوان المسلمين دخلوا العراق في الخمسينيات، لكن حضورهم ظل محدودًا مقارنة بالتيارات القومية والبعثية والشيوعية[3]. التصادم مع السلطة لاحقًا دفع الحركة الإسلامية السنية إلى الهجرة للمنفى. الحزب الإسلامي العراقي، الذراع السياسي للإخوان، واجه تحديات بنيوية: فمن جهة، كان يحاول تقديم نفسه كبديل إسلامي للقومية العربية، لكنه من جهة أخرى لم يستطع التحرر من الخطاب القومي العروبي الذي هيمن على الساحة السنية العراقية.

هذه الازدواجية في الخطاب - بين الإسلامي والقومي - ستظل تطارد الحركات الإسلامية السنية في العراق حتى ما بعد 2003، حيث ستجد نفسها عاجزة عن تقديم بديل متماسك أمام صعود التيارات الجهادية التكفيرية التي حسمت هذا التوتر لصالح أيديولوجيا إسلامية متطرفة رافضة للقومية العربية ذاتها.

يميز الجواهري (2008) بين ثلاث مراحل في تطور الإسلام السياسي العراقي: مرحلة النشأة والتأسيس (1950-1970)، مرحلة القمع والمنفى (1970-2003)، ومرحلة الصعود والسلطة (بعد 2003)[4]. كل مرحلة شكلت الخطاب والممارسة بطرق مختلفة. مرحلة المنفى، على وجه الخصوص، كان لها تأثير حاسم: فالأحزاب الإسلامية الشيعية التي لجأت إلى إيران بعد 1980 تأثرت عميقًا بتجربة الثورة الإسلامية ونموذج ولاية الفقيه، لكنها أيضًا أصبحت أدوات في الصراع الإقليمي الإيراني-العراقي، مما جعلها في نظر قطاعات واسعة من العراقيين، حتى الشيعة منهم، "عملاء" لإيران.

من منظور جندري، تشير العلي (2007) إلى أن الحركات الإسلامية المبكرة في العراق لم تطور خطابًا جندريًا واضحًا، مركزة على المقاومة السياسية الفارغة من أي برنامج عمل حقيقي [5].  الصمت هذا لم يكن حياديًا؛ كان يعكس تبنيًا ضمنيًا للبنى الأبوية التقليدية السلفية المتوارثة. المنفى في إيران خلال الثمانينيات عرّض هذه الحركات لنموذج الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسياساته الجندرية التي تجمع بين خطاب "تكريم المرأة" من جهة، وفرض قيود صارمة على حرياتها من جهة أخرى والذي ظهرت متناقضاته في الأصطرابات الأخيرة في إيران.

النساء في الحركات الإسلامية الشيعية العراقية في المنفى لعبن أدوارًا هامشية محدودة: إما كزوجات وأمهات لـ"المجاهدين"، أو كناشطات في مجالات محددة (خدمات اجتماعية، تعليم ديني). لم تكن هناك مساحة لخطاب نسوي إسلامي يطالب بإعادة تفسير النصوص الدينية من منظور جندري، كما حدث في سياقات إسلامية أخرى (مصر، إيران، ماليزيا). الخطاب الجندري للحركات الإسلامية العراقية ظل محافظًا ودفاعيًا، يرى في أي نقد للأدوار الجندرية التقليدية "غزوًا ثقافيًا غربيًا" وانعكس ذلك على تخلف عميق في النظرة للتطبيقات والممارسات العامة والقوانين بعد جلوسهم المتقدم في سدة الحكم بعد 2003.

المبحث الثاني: الإسلام السياسي في مواجهة النظام ما بعد 1968

شهدت العلاقة بين النظام البعثي والحركات الإسلامية تطورًا معقدًا يكشف عن براغماتية سياسية من الطرفين. وفق بطاطو (1978)، فإن البعث، رغم علمانيته الأيديولوجية، استخدم الخطاب الديني براغماتيًا، خاصة بعد حرب الخليج الثانية[6]. فالنظام أطلق "الحملة الإيمانية" في التسعينيات لكسب شرعية دينية في مواجهة الحصار الدولي والأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي عصفت بالعراق.

هذا التحول من الخطاب القومي العلماني إلى التوظيف البراغماتي للدين كان أكثر من مناورة تكتيكية، لانه يعكس أزمة شرعية عميقة في نظام الحكم بعد هزيمة 1991. "الحملة الإيمانية" تضمنت بناء المساجد، إدخال التربية الدينية إلى المناهج، السماح للخطاب الديني بمساحة أوسع في الإعلام، وحتى ظهور صدام نفسه في صورة "القائد المؤمن" الذي يصلي ويحج. هذا الأداء الديني المسرحي كان يهدف إلى استقطاب القواعد الشعبية المحافظة، خاصة في المناطق السنية والريفية.

لكن هذا التحول كان له عواقب وخيمة غير متوقعة: فمن جهة، شرعن الخطاب الديني في الفضاء العام بعد عقود من الهيمنة العلمانية، مما فتح المجال لنمو التيارات الإسلامية بعد 2003. من جهة أخرى، خلق تناقضًا عميقًا داخل النظام نفسه بين خطابه العلماني-القومي التقليدي وبين توظيفه الانتهازي للدين، مما أفقده المصداقية لدى النخب العلمانية دون أن يكسبه شرعية حقيقية لدى المتدينين وهذا المأزق انعكس في سلوك العوام من الناس الذي اتسم بالأزدواجية .

يشير الورور (2012) إلى أن قمع السلطة للحركات الإسلامية الشيعية كان وحشيًا: إعدام محمد باقر الصدر عام 1980، تهجير عشرات الآلاف من "التبعية الإيرانية"، وقمع انتفاضة 1991[7]. هذا القمع عمّق الطائفية ودفع الحركات الإسلامية نحو التطرف والعنف. إعدام الصدر وأخته بنت الهدى كان نقطة تحول: فقد حوّل الصدر من مفكر ومرجع ديني إلى "شهيد" في الوعي الشيعي والأعلام الحركي، وأعطى الحركات الإسلامية الشيعية رمزًا للمظلومية والمقاومة كانت بحاجة له.

التهجير القسري لمئات الآلاف من الشيعة العراقيين بحجة "التبعية الإيرانية" في الثمانينيات كان كارثة إنسانية واستراتيجية: فقد خلق جيلًا كاملًا من الشيعة العراقيين في المنفى الإيراني، نشأ على عداء عميق للنظام البعثي ولأي مشروع وطني عراقي قد يستبعدهم من السلطة. هؤلاء سيشكلون لاحقًا العمود الفقري للأحزاب الإسلامية الشيعية التي ستعود مع الاحتلال الأمريكي عام 2003 إضافة إلى عدد ممن غادر العراق بعد انتفاضة 1991 رغم أن العديد منهم لم يكن لهم أي دور في الانتفاضة .

قمع انتفاضة 1991، التي اندلعت في الجنوب والوسط الشيعي بعد هزيمة النظام في الكويت، كان وحشيًا بشكل خاص بعد الأعمال العشوائية التي نجمت عنها. الروايات عن استخدام الطائرات والدبابات ضد المدنيين، حرق المراقد المقدسة، وعمليات الإعدام الجماعية بغض النظر عن مصداقية جميع الروايات المتداولة شعبيًا، تركت ندوبًا عميقة في الذاكرة الجماعية الشيعية. هذا القمع، الذي تم بصمت دولي وعربي وتواطؤ أمريكي (رفض الإدارة الأمريكية دعم الانتفاضة رغم دعوتها لها) مع الحملة الإعلامية الشعواء التي قادتها إيران والقوى والأحزاب العراقية التي كانت قد لجأت إليها، عزز الشعور بالمظلومية والخذلان لدى الشيعة العراقيين.

في المجال السني، يلاحظ حداد (2011) أن النظام البعثي، رغم طابعه السني ظاهريًا ومشاركة الشيعة فيه بشكل واسع، قمع أيضًا التيارات الإسلامية السنية التي رأى فيها تهديدًا لاحتكاره السلطة[8]. لكن في التسعينيات، سمح النظام بنمو التيار السلفي كثقل مقابل للشيعة كواحدة من تداعيات الحملة الإيمانية. هذه السياسة كانت لعبة خطيرة: فالنظام ظن أنه يستطيع احتواء التيار السلفي واستخدامه، لكنه في الواقع كان يزرع بذور التطرف الذي سيتفجر بعد 2003 في صورة القاعدة ثم داعش.

السماح ببناء المساجد السلفية، استقدام الدعاة من الخليج، وتسهيل نشر الأدبيات السلفية، كلها ساهمت في نشر خطاب ديني متشدد، خاصة في المناطق السنية. هذا الخطاب كان يركز على "الخطر الشيعي" و"التهديد الإيراني"، مما عزز الاستقطاب الطائفي والخطاب المنفلت. النظام البعثي، في سعيه لاستخدام الدين كأداة سياسية، ساهم في تقويض أسس المجتمع المدني العلماني وفتح الباب أمام الطائفية الدينية فلا توجد أي إمكانية لتطور فكر إسلامي دون بعد طائفي كما اثبتت التجارب .

من منظور جندري، ترى الخطيب (2013) أن النظام البعثي تبنى "نسوية الدولة" في الستينيات والسبعينيات، منح النساء حقوقًا قانونية متقدمة، لكن هذه السياسات تراجعت في التسعينيات تحت ضغوط الحصار[9]. "الحملة الإيمانية" وتأثيرات منظمة التعاون الإسلامي (وكانت تُعرف سابقًا باسم منظمة المؤتمر الإسلامي بين عامي 1969 و2011) ومن خلفها الرجعية العربية والمملكة العربية السعودية ودوائر غربية أعادت خطابًا محافظًا حول أدوار النساء.

"نسوية الدولة" البعثية كانت مشروعًا من أعلى، يهدف إلى تحديث المجتمع وتعبئة النساء في خدمة المشروع القومي، لكنها لم تكن نتيجة نضال نسوي من أسفل. قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959، الذي منح النساء حقوقًا في الطلاق والحضانة والإرث، كان تقدميًا لزمنه ومتقدمًا على قوانين مماثلة في المنطقة، لكنه ظل محل جدل بين القوى الدينية المحافظة التي رأت فيه "تغريبًا" للمجتمع يتعارض مع مناهجها ومبانيها الفكرية.

في السبعينيات والثمانينيات، شجع النظام تعليم البنات ومشاركة النساء في سوق العمل، وظهرت نساء في مواقع قيادية في الحزب والدولة. لكن هذا لم يكن تحررًا حقيقيًا بقدر ما كان تعبئة براغماتية في الجانب العملي السياسي رغم كونه صدى أفكار نظرية قائمة : فالنظام كان يحتاج إلى المزيد من العمالة والكوادر، خاصة مع الحروب المتتالية التي استنزفت الرجال. النساء العاملات في الوظائف الحكومية أو في المصانع كن يخدمن المشروع الوطني للدولة، لكنهن لم يكن يتمتعن بحريات شخصية حقيقية أو بمساحة للتنظيم النسوي المستقل بله هن غير مؤهلات للعمل النسوي المستقل.

في التسعينيات، تحت وطأة الحصار الاقتصادي والأزمة الاجتماعية، تراجعت السياسات "النسوية" للنظام. "الحملة الإيمانية" أعادت خطابًا محافظًا حول دور المرأة كزوجة وأم، حامية للقيم الأسرية. وبتأثير كبير من دولة منظمة التعاون الإسلامي وبالذات دول الخليج ظهرت قوانين جديدة تمنح الرجال حق "غسل العار" بقتل النساء المتهمات بالزنا أو "الفساد الأخلاقي" بعقوبات مخففة. هذه القوانين، التي تتناقض صارخًا مع الخطاب "التقدمي" السابق للنظام ومنطلقاته النظرية، تعكس تحولًا عميقًا نحو المحافظة الاجتماعية،وهذا أحدث شروخ عميقة في البنية الفكرية للحزب الحاكم وتركيبته البشرية.

تشير سنارا (2011) إلى أن العقوبات الاقتصادية في التسعينيات دفعت نساءً عراقيات للعودة للمنزل أو الاعتماد على الشبكات العشائرية والدينية، مما عزز البنى الأبوية التقليدية[10]. هذا التدهور الاقتصادي خلق أرضية لصعود الخطاب الإسلامي المحافظ. الحصار، الذي دمر الطبقة الوسطى العراقية وأفقر ملايين العائلات، دفع النساء إلى الاعتماد على الرجال (الأب، الأخ، الزوج، الابن) للبقاء، مما أعاد إنتاج علاقات التبعية الأبوية والتي رافقها عودة اشكال من التسلط العشائري والنزعات القبلية والتي اسهمت الدولة ذاتها في بعثها وتبنبها وتطويرها.

المبحث الثالث: ما بعد 2003: صعود الإسلام السياسي إلى السلطة

شكل الاحتلال الأمريكي عام 2003 منعطفًا فارقًا جذريًا في تاريخ الإسلام السياسي العراقي. وفق فيسر (2010)، فإن "المحاصصة الطائفية" التي فرضها الاحتلال بقصدية أعطت الأحزاب الإسلامية الشيعية الهيمنة السياسية لأول مرة[11]، وكان الاحتلال هو الرافعة والمنصة التي ركبتها القوى الإسلامية بدفع وتشجيع الاحتلال الأمريكي البريطاني ولدوافع معروفة. أحزاب الدعوة، المجلس الأعلى، والتيار الصدري هيمنت على المشهد السياسي وقادت المؤسسات الرسمية والشعبية وتركت رؤيتها علي كل مناحي الحياة العامة.

الاحتلال الأمريكي أحدث انقلابًا في بنية الدولة حيث دمرت مرتكزاتها مع تغيير النظام، وجرى إعادة هندسة شاملة للسلطة والدولة وللمجتمع العراقي على أسس طائفية-إثنية مقيتة. مجلس الحكم الانتقالي، الذي شكله الحاكم الأمريكي بول بريمر في يوليو 2003، أسس لـ"المحاصصة الطائفية" بتوزيع المقاعد وفق حصص مذهبية وإثنية: 13 شيعي، 5 سنة، 5 أكراد، 1 تركماني، 1 آشوري. هذا التوزيع، الذي قدمه الأمريكيون كـ"تمثيل عادل"، في الواقع حول الهويات الدينية والإثنية من مكونات اجتماعية متداخلة إلى فئات سياسية متنافسة على السلطة والموارد.

يلاحظ حداد (2015) أن هذا الصعود لم يكن نتيجة شرعية شعبية بقدر ما كان نتيجة الفراغ السياسي الذي خلقه حل الجيش والبعث، والدعم الإيراني ودوافع الاحتلال البعيدة[12]. الشرعية الدينية استُخدمت لتعويض غياب الشرعية الديمقراطية. حل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية (أمر بريمر رقم 2 في مايو 2003) كان كارثة: ترك مئات الآلاف من الرجال المسلحين المدربين بلا عمل وغاضبين، مما خلق حاضنة للتمرد المسلح.

في الجانب السني، يشير الهاشمي (2018) إلى أن تهميش السنة من السلطة الجديدة، إلى جانب الممارسات التمييزية، خلق حاضنة للجماعات الإسلامية المتطرفة، بلغت ذروتها في صعود داعش عام 2014[13]. الطائفية السياسية غذت التطرف الديني. السنة العراقيون، الذين كانوا يشكلون جزء مهم من العمود الفقري للجيش والأمن والإدارة في العهد السابق، وجدوا أنفسهم فجأة مهمشين ومستهدفين.

من منظور دستوري، تلاحظ براون (2008) أن الدستور العراقي الجديد (2005)، والذي رغم كل المزاعم فإنه استنسخ مواد كاملة من القانون الإداري الانتقالي (Transitional Administrative Law - TAL) أو ما يعرف بـ "قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية"، والذي كتبه نوح فريدمان والذي كانت له بصماته في دستور 2005، والذي يحمل تناقضات عميقة: يعلن "الإسلام مصدرًا أساسيًا للتشريع" مع ضمان حقوق متساوية للجميع[14]. هذا التناقض ترك المجال مفتوحًا للصراع حول القوانين، خاصة المتعلقة بالمرأة.

من منظور جندري، ترى الملا (2011) أن صعود الإسلام السياسي بعد 2003 رافقه تدهور حاد في أوضاع النساء: عنف طائفي مستهدف، فرض الحجاب بالقوة، وتقييد الحركة[15]. الفضاء العام الذي كانت النساء تشغله في الحقبة البعثية تقلص بشكل دراماتيكي وتراجعت المساحة التي كانت تتحرك فيها المرأة بشكل خطير، وشاعت ثقافة جندرية جديدة متخلفة فرضت بالقوة والأعراف المخلقة.

المبحث الرابع: التعددية داخل الإسلام السياسي الشيعي العراقي

الإسلام السياسي الشيعي في العراق يضم تيارات متباينة، وكتل غير متجانسة ومرجعيات مختلفة متعددة التوجهات والاجتهادات. وفق الريحاني (2016)، يمكن التمييز بين ثلاثة تيارات رئيسية: التيار المرجعي التقليدي (السيستاني)، التيار السياسي البراغماتي (الدعوة والمجلس الأعلى)، والتيار الشعبوي (الصدر ومرجعية الحائري الإشكالية)[16].

يلاحظ عبد الجبار (2008) أن السيد السيستاني، رغم تدخله السياسي في لحظات حاسمة، يحافظ على مسافة نسبية من السياسة اليومية، معتبرًا دور المرجعية "الإشراف" لا "الحكم المباشر"[17]، رغم دور ممثليه في تمرير الدستور وقوائم انتخابية بعينها في المراحل الأولى لتشكيل البرلمان واستغلالهم لواجهات تحقق مكاسب اجتماعية ومالية وحضور ملحوظ في الواجهات الرسمية إلا إن هذا يختلف عن نموذج ولاية الفقيه الإيراني.

في المقابل، يشير الدراجي (2019) إلى أن الأحزاب الإسلامية الشيعية التي تولت السلطة تحولت إلى "أحزاب سلطة" بكل المعاني فهي تستخدم الدين لتبرير ممارساتها السياسية والاقتصادية الفاسدة[18]. الفجوة بين الخطاب الديني والممارسة السياسية خلقت أزمة شرعية وافقدت الخلفية الإسلامية قاعدة جماهيرية واسعة وجدت نفسها عاجزة عن تفسير أسباب التناقضات بين الخطاب الديني والتطبيق العملي لمطلقيه .

التيار الصدري، وفق مهدي (2015)، يمثل حالة خاصة: يجمع بين الخطاب الديني الشيعي بمرجعيته المعروفة والشعبوية الاجتماعية، ويتبنى مواقف متناقضة تجاه إيران والغرب[19]. هذا التيار استقطب قطاعات فقيرة واسعة من الشيعة، خاصة في مدينة الصدر ببغداد وهو رصيد موروث له من أيام النظام السابق.

من منظور جندري، تلاحظ يحيى (2014) أن هذه التيارات، رغم تباينها السياسي، تشترك في موقف محافظ من قضايا النوع الاجتماعي[20]. الاختلافات بينها في هذا المجال هي اختلافات درجة لا نوع، وكلها تقاوم المطالب النسوية بالمساواة وتحارب علانية أي فرصة للنهوض النسوي وتمنع كل فرص لردم الفجوة الجندرية التي تفاقمت وتعاظمت بعد 2003.

المبحث الخامس: الإسلام السياسي السني: من التهميش إلى التطرف

واجه السنة العراقيون بعد 2003 أزمة هوية ووجود. وفق الهاشمي (2011)، فإن فقدان السلطة السياسية، إلى جانب "اجتثاث البعث" وتفكك النظم المؤسساتية وحل الجيش والدوائر الخاصة الذي استهدف النخبة السنية بشكل غير متناسب حيث تم استثناء أعداد كبيرة من الشيعة وأعيد دمجهم في المؤسسات الجديدة، خلق شعورًا بالظلم الجماعي والسياسي والحيف الأقتصادي [21].

يشير الدليمي (2016) إلى أن الحركات الإسلامية السنية المعتدلة (كالحزب الإسلامي العراقي) فشلت في تمثيل السنة بفعالية لطبيعة مرجعيتها وخلفيتها وتركيبتها البنيوية المتناقضة ومواقفها الانتهازية، مما فتح المجال أمام الجماعات المتطرفة[22]. "القاعدة في بلاد الرافدين" ثم "داعش" ملأت هذا الفراغ.

داعش، وفق عزمي (2015)، قدمت نفسها كـ"منقذ" للسنة من "الاضطهاد الشيعي"، لكنها في الواقع مارست عنفًا وحشيًا ضد السنة أنفسهم[23]. الخطاب الطائفي المتطرف خدم أهدافًا سياسية وليس دينية.

من منظور جندري، ترى يزدان (2017) أن داعش فرضت "نظام جندر" قروسطي متطرف: الفصل التام بين الجنسين، حظر عمل النساء، الزواج القسري، والزواج من القاصرات، واستعباد النساء الإيزيديات[24]. هذا النظام يمثل النسخة الأكثر وحشية من الأيديولوجيا الأبوية للإسلام السياسي الجهادي التكفيري المعاصر.

تشير خالد (2018) إلى أن النساء في مناطق سيطرة داعش عشن رعبًا لا يُوصف: تُقتل من ترفض الزواج القسري، تُجلد من تخالف قواعد اللباس، وتُستعبد من تنتمي لأقليات دينية[25]. هذا العنف الممنهج كان جزءًا من مشروع أيديولوجي لـ"تطهير" المجتمع وتفكيكه.

المبحث السادس: المرجعية الدينية والسياسة: حالة السيستاني

يمثل السيد علي السيستاني نموذجًا معقدًا في علاقة الدين بالسياسة. وفق كول وكول (2008)، فإن السيستاني تبنى موقفًا براغماتيًا: يتدخل في اللحظات الحاسمة (كالدعوة للانتخابات 2005، والفتوى ضد داعش 2014) لكنه يتجنب التدخل المباشر في السياسة اليومية[26] وهي أزدواجية مستغربة من مرجعية دينية رفضت قتال المحتل.

يلاحظ شانهان (2011) أن هذا الموقف يمنح السيستاني سلطة أخلاقية كبيرة مع الحفاظ على مسافة من فساد السياسيين[27]. لكن نقادًا يرون أن صمته عن انتهاكات الأحزاب الإسلامية الشيعية يجعله متواطئًا بالسكوت، وخصوصًا إذا أخذنا بنظر الأعتبار المكاسب والمنافع التي تحصل عليها من يمثلوه هم وعوائلهم وذويهم.

من منظور جندري، تشير الأمين (2019) إلى أن السيستاني، رغم اعتداله النسبي، لم يتخذ مواقف تقدمية من قضايا المرأة[28]. فتاواه تحافظ على الخطوط المحافظة في الفقه الشيعي التقليدي حول الزواج، الطلاق، والإرث وجميع القوانين الشخصية.

مع ذلك، تلاحظ حمودي (2016) أن بعض خطابات السيستاني دعت لاحترام "كرامة المرأة" ورفض العنف ضدها[29]. هذا الخطاب، رغم عموميته، يختلف عن الخطاب المتطرف لداعش أو بعض الميليشيات،وهذا لا يضعف أهمية التساؤل المشروع عن لماذا لم يتخذ مواقف مبدئية من الظواهر الشاذة لعناصر الإسلام السياسي في الممارسة العملية .

إشكالية دور السيستاني، وفق الخزاعي (2020)، تكمن في أن سلطته الأخلاقية تُستخدم لشرعنة نظام سياسي فاسد طائفي دون أن يتحمل مسؤولية مباشرة عن إخفاقاته[30]. هذا يطرح تساؤلات حول حدود المسؤولية الأخلاقية للمرجعية ودورها التنويري والقيادي في تهذيب الشذوذات وتعزيز القيم السامية التي بني الإسلام عليها.

المبحث السابع: الميليشيات والتشكيلات المسلحة: دولة داخل الدولة

يمثل صعود الميليشيات الشيعية المسلحة بعد 2003، وخاصة بعد 2014، واحدة من أخطر التطورات في المشهد العراقي. وفق ماميش (2018)، هذه التشكيلات تحولت إلى قوة سياسية-عسكرية-اقتصادية هائلة تعمل خارج سيطرة الدولة الفعلية[31].

فيلق بدر، الذراع العسكري للمجلس الأعلى (سابقًا)، يمثل النموذج الأقدم. يشير الروسو (2016) إلى أن بدر تأسس في إيران في الثمانينيات، ودُرب وسُلح من قبل الحرس الثوري الإيراني[32]. بعد 2003، عاد بدر إلى العراق كـ"منظمة بدر"، وسيطر على أجزاء من وزارة الداخلية والأمن، ومارس عنفًا طائفيًا واسعًا في 2006-2007 وعزز مواقعه وثقله العددي من جرف عناصر الداخل بسحب أعداد غير قليلة كان محسوبة على التيار الصدري.

عصائب أهل الحق، وفق السماك (2017)، فصيل انشق عن جيش المهدي عام 2006 بقيادة قيس الخزعلي، يعتبر من أكثر الفصائل قربًا من إيران[33]. الفصيل متهم بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين والمال العام، خاصة في المناطق السنية "المحررة" من داعش.

من منظور جندري، يلاحظ عبد الرحمن (2019) أن هذه الميليشيات تفرض نموذجًا أبويًا محافظًا على المناطق التي تسيطر عليها[34]. نساء ناشطات ومدافعات عن حقوق الإنسان تعرضن للتهديد والاختطاف والاغتيال على يد هذه الميليشيات.ولابد هنا من القول ان نشوء وتطور المليشيات المسلحة كان بدعم وتمويل الحاكم المدني لأمريكي للعراق.

المبحث الثامن: الإسلام السياسي والعلاقة مع إيران

العلاقة بين الإسلام السياسي العراقي (خاصة الشيعي) وإيران معقدة ومتعددة الطبقات. وفق لوفر (2015)، إيران، منذ ثورتها الإسلامية عام 1979، سعت لتصدير نموذجها وتوسيع نفوذها في المنطقة[35]. العراق، بأغلبيته الشيعية وبمراقده المقدسة، كان هدفًا استراتيجيًا رئيسيًا لسلطة العمائم الإيرانية.

بعد 2003، يشير التميمي (2019) إلى أن إيران أصبحت اللاعب الإقليمي الأكثر نفوذًا في العراق[36] وبموافقة ومباركة أمريكية غير خافية. الأحزاب الإسلامية الشيعية التي عادت من إيران سيطرت على السلطة، وإيران قدمت لها الدعم المالي والسياسي واللوجستي وشكلت تلك الأحزاب القوة الأكبر في تلسلطة منذ 2003 حتى اليوم.

احتجاجات تشرين 2019-2020، وفق الزيدي (2020)، رفعت شعارات واضحة ضد النفوذ الإيراني: "إيران برّا برّا، بغداد تبقى حرة"[37]. هذه الاحتجاجات تمثل تحولًا مهمًا: جيل جديد يرفض النفوذ الإيراني ويطالب ببناء دولة وطنية مدنية.

من منظور جندري، ترى فضل (2021) أن النموذج الإيراني الذي تحاول إيران تصديره إلى العراق هو نموذج أبوي محافظ، يفرض قيودًا صارمة على لباس النساء وحرياتهن الشخصية[38]. ونرى فصل جندري في الحياة العامة الإيرانية.

المبحث التاسع: المرأة بين الفقه والممارسة السياسية

قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959، الذي كان يُعتبر من أكثر القوانين تقدمية في المنطقة، ظل نافذًا اسميًا بعد 2003، لكنه أصبح موضع هجوم مستمر من الأحزاب الإسلامية. تشير جاسم (2015) إلى أن محاولة 2014 لتمرير "قانون الأحوال الشخصية الجعفرية" كانت تهدف لتفكيك المكاسب القانونية للنساء[39].

"جرائم الشرف"، وفق حسين (2017)، تتزايد بعد 2003[40]. القانون العراقي يمنح تخفيفًا للعقوبة إذا ارتُكبت الجريمة "بدافع شريف"، مما يشجع هذه الجرائم.

في مجال التعليم والعمل، تلاحظ المشهداني (2018) أن مشاركة النساء تراجعت بشكل حاد بعد 2003[41]. الأسباب متعددة: انعدام الأمن، الفقر، الضغوط الاجتماعية والدينية، وعدم توفر فرص عمل، والضغوط التي تمارسها الأحزاب الدينية المتنفذة.

المبحث العاشر: تحولات الخطاب الديني والأزمة الأيديولوجية

الخطاب الديني للإسلام السياسي العراقي شهد تحولات عميقة منذ 2003. يشير البياتي (2019) إلى أن الفجوة الهائلة بين الخطاب والممارسة خلقت أزمة شرعية[42]. الناس، خاصة الشباب، لم يعودوا يصدقون الخطاب الديني السياسي ويشككون بنواياه.

في الجانب السني، وفق الجبوري (2018)، الساحة في حالة فراغ أيديولوجي بعد انهيار داعش[43]. لا يوجد خطاب ديني سني عراقي واضح ومقبول على نطاق واسع. فالبيئة السنية مفككة ومشتتة مرجعياتها من خارج الحدود..

المبحث الحادي عشر: المقاومة المدنية والأصوات النسوية البديلة

رغم هيمنة الإسلام السياسي، إلا أن هناك مقاومة مدنية ونسوية مستمرة. تشير السعدي (2020) إلى أن منظمات المجتمع المدني النسوية تعمل على توثيق الانتهاكات وتوفير الدعم للناجيات من العنف[44].

في احتجاجات تشرين 2019-2020، وفق الموسوي (2021)، كانت النساء حاضرات بقوة في الخطوط الأمامية[45]. هذا الحضور النسوي القوي كشف عن جيل جديد من الناشطات لا يقبلن بالتهميش، ويعملنا على كسر القيود والتابوهات.

الخلاصة

يكشف هذا البحث عن تعقيد عميق وإشكالي في تاريخ وحاضر الإسلام السياسي في العراق. من جذوره في مقاومة الاستعمار، مرورًا بقمعه في حقبة النظام السابق، وصولًا إلى صعوده للسلطة بعد 2003 على ظهر دبابة الاحتلال الأمريكي، تشكلت الحركات الإسلامية في سياقات صراع وعنف وتدخلات إقليمية ودولية.

الطائفية السياسية التي فرضها الاحتلال الأمريكي حولت الاختلافات المذهبية من تنوع اجتماعي-ثقافي إلى صراع وجودي على السلطة والموارد. من منظور جندري، صعود الإسلام السياسي رافقه تدهور خطير ومنهجي في أوضاع النساء شامل وعام وعميق.

فهم الإسلام السياسي العراقي يتطلب تجاوز التفسيرات الثقافوية الاختزالية نحو تحليل معقد يربط بين السياقات التاريخية المحددة، البنى السياسية-الاقتصادية المحلية والإقليمية، التدخلات الخارجية، والديناميات الاجتماعية الداخلية. المستقبل يعتمد على قدرة المجتمع العراقي على تجاوز هذا النموذج الفاشل نحو بديل وطني مدني ديمقراطي نراه بعيدًا في الوقت الراهن.

***

د. سعد غلام

..................

المراجع

[1]: Nakash, Y. (1994). The Shi'is of Iraq. Princeton: Princeton University Press.

[2]: Frankel, J. (2009). "The Islamic Dawa Party: Past Development and Future Prospects", Middle East Review of International Affairs, 13(2), pp. 1-15.

[3]: الحمداني، خضير (2013). الحركة الإسلامية في العراق. بغداد: دار الشؤون الثقافية.

[4]: الجواهري، ياسين (2008). الحركات الإسلامية في العراق. بيروت: دار الساقي.

[5]: Al-Ali, N. (2007). Iraqi Women: Untold Stories from 1948 to the Present. London: Zed Books.

[6]: Batatu, H. (1978). The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq. Princeton: Princeton University Press.

[7]: Al-Warwar, K. (2012). The Shi'i Movement in Iraq. London: Saqi Books.

[8]: Haddad, F. (2011). Sectarianism in Iraq: Antagonistic Visions of Unity. London: Hurst.

[9]: Al-Khayyat, S. (2013). Honour and Shame: Women in Modern Iraq. London: Saqi Books, 2nd edition.

[10]: Sanasarian, E. (2011). "Gender and Citizenship in Iraq", Middle East Policy, 18(2), pp. 103-115.

[11]: Visser, R. (2010). A Responsible End? The United States and the Iraqi Transition, 2005-2010. Charlottesville: Just World Books.

[12]: Haddad, F. (2015). "Sectarian Relations Before 'Sectarianization' in Pre-2003 Iraq", in N. Hashemi & D. Postel (eds.), Sectarianization: Mapping the New Politics of the Middle East. London: Hurst, pp. 101-122.

[13]: Al-Hashimi, H. (2018). "From Marginalization to Radicalization: Sunni Arabs in Post-2003 Iraq", Studies in Conflict & Terrorism, 41(4), pp. 277-295.

[14]: Brown, N. (2008). "Reasons to Worry About the Iraqi Constitution", in L. Diamond et al. (eds.), The Iraq Study Group Report. New York: Vintage, pp. 89-104.

[15]: Al-Mulla, A. (2011). "Violence Against Women in Post-Invasion Iraq", International Feminist Journal of Politics, 13(2), pp. 179-198.

[16]: الريحاني، نجم (2016). الإسلام السياسي في العراق بعد 2003. بغداد: دار الحكمة.

[17]: عبد الجبار، فالح (2008). المرجعية الشيعية في العراق. بيروت: دار المدى.

[18]: الدراجي، عادل (2019). أحزاب السلطة في العراق. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث.

[19]: Maher, S. (2015). "The Sadrist Movement in Iraq", Studies in Conflict & Terrorism, 38(2), pp. 95-112.

[20]: يحيى، مها (2014). المرأة والدين والسياسة في العراق. بيروت: مركز كارنيغي.

[21]: Al-Hashimi, H. (2011). "The Crisis of Sunni Arab Identity in Post-2003 Iraq", Journal of Arabian Studies, 1(1), pp. 71-86.

[22]: الدليمي، ضياء (2016). السنة في العراق بعد 2003. بيروت: المركز العربي للأبحاث.

[23]: Azami, D. (2015). "The Islamic State's Propaganda Machine", BBC Analysis, March 20.

[24]: Yazdan, S. (2017). "Gender and ISIS: A Study of Ideological Masculinity", Journal of Terrorism Research, 8(3), pp. 34-49.

[25]: Khalid, M. (2018). "Women Under ISIS Rule: Systematic Rape and Sexual Violence", Gender & Development, 26(2), pp. 293-308.

[26]: Cole, J. & Cole, N. (2008). "The Ayatollah Sistani and the New Shiite Politics", Foreign Affairs, 87(2), pp. 16-26.

[27]: Shanahan, R. (2011). "Shiite Political Quietism and the Role of Grand Ayatollah Ali al-Sistani", Australian Journal of International Affairs, 65(1), pp. 58-74.

[28]: الأمين، حسن (2019). المرجعية والمرأة في العراق المعاصر. بيروت: دار الهادي.

[29]: حمودي، حيدر (2016). "خطاب السيستاني حول المرأة: قراءة نقدية", مجلة دراسات عراقية, 15(2), ص. 45-67.

[30]: الخزاعي، عدنان (2020). أزمة المرجعية والدولة في العراق. بغداد: دار الرافدين.

[31]: Mamish, N. (2018). "Armed Groups and Power Projection in Iraq", Middle East Policy, 25(4), pp. 120-135.

[32]: Rousseau, R. (2016). "The Badr Organization: Iran's Most Important Instrument in Iraq", Middle East Review, 9(3), pp. 67-82.

[33]: Al-Sammak, K. (2017). "Asaib Ahl al-Haq and the Remaking of Iraq", Terrorism and Political Violence, 29(5), pp. 856-873.

[34]: Abdulrahman, L. (2019). "Militias and Gender Politics in Iraq", Gender & Society, 33(2), pp. 298-315.

[35]: Louër, L. (2015). "Transnational Shia Politics: Religious and Political Networks in the Gulf", Journal of Middle Eastern Studies, 51(3), pp. 419-442.

[36]: Al-Tamimi, A. (2019). "Iran's Proxies in Iraq: Understanding Kata'ib Hezbollah", The Washington Institute for Near East Policy.

[37]: Al-Zaidi, A. (2020). "The October Revolution: Youth Protest and Political Change in Iraq", Contemporary Arab Affairs, 13(1), pp. 26-42.

[38]: Fadel, L. (2021). "Iranian Influence and Women's Rights in Iraq", Middle Eastern Studies, 57(2), pp. 234-250.

[39]: Jasim, A. (2015). "Personal Status Law and Women's Rights in Iraq", Iraq Law Review, 8(1), pp. 45-68.

[40]: Hussein, S. (2017). "Honor Crimes in Iraq: Legal and Social Dimensions", Journal of Gender Studies in the Middle East, 12(3), pp. 156-173.

[41]: Al-Mashhadani, R. (2018). "Women's Education and Employment in Post-2003 Iraq", Iraqi Studies, 14(2), pp. 89-107.

[42]: Al-Bayati, M. (2019). "The Crisis of Religious Discourse in Contemporary Iraq", Arab Studies Quarterly, 41(4), pp. 312-329.

[43]: Al-Jubouri, K. (2018). "Sunni Identity and Political Islam in Post-ISIS Iraq", Middle East Report, 287, pp. 18-23.

[44]: Al-Saadi, H. (2020). "Civil Society and Women's Rights Organizations in Iraq", Civil Society Review, 15(3), pp. 201-218.

[45]: Al-Mousawi, Z. (2021). "Women in the Iraqi October Revolution", Feminist Review, 128, pp. 45-62.

على سبيل البدء: تلعب الثقافة الشعبية دورا بالغ الأهمية في تكوين الشخصية الاجتماعية للفرد، كمحدد للوعي ومحرك للسلوك الاجتماعي لدى أبناء المجتمع عامة، بما يتضمنه ذلك التراث من تقاليد وعادات وقيم متوارثة من جيل لآخر، وكل هذه الأمور تعطينا في الأخير وقائع إيجابية في حياة كل فرد.

لهذا يعتبر الاحتفاء بالثقافة الشعبية في مختلف عناصرها وتجلياتها ومكوناتها مهمة وطنية وضرورة تاريخية. فالإنتاج الثقافي الشعبي وليد صيرورة حيث تضافرت عدة عوامل ساهمت في اكسابه طابعه الخاص وخصائصه المميزة وجعلته من ثمة نتاج عمل جماعي يعكس خصوصية الشعب وروحه وتجاربه الحياتية المختلفة. ولهذا الاعتبار نجده يقاوم الزمن، وتظل الذاكرة الجماعية حريصة على استمراره وحمله وتوظيفه في مختلف جوانب الحياة، إذ ليس كل ما ينتجه الشعب قابلا لأن يتحول إلى ثقافة شعبية، إنما يتحول إلى الثقافة الشعبية ويفرض نفسه لدى أي أمة من الأمم هو كل ما ينتجه أفراد هده الأمة أو ذاك الشعب، والذي يحظى بتمثيل رؤية الشعب ويتلاءم مع صورة تمثله للأشياء وطرق التعبير الدقيق عنها حيث يصير ملكا للجماعة. ولهذا الاعتبار نجد أن الثقافة الشعبية وليدة خبرات عميقة ورؤية دقيقة إلى الأشياء، كما أن تعبيراتها وصيغها وأساليبها في منتهى الدقة والعمق.

إن الثقافة الشعبية حين تحفر وترسخ لها مسارات في الذاكرة الجماعية الشعبية، وتظل تراهن في شتى أنواع المواقف، وتستعمل في مختلف السياقات فلأن لها دلالتها الخاصة بها، وطرقها التعبيرية ذات الطابع الجمالي الفذ والمميز، لذلك فالذين يربطون الثقافة الشعبية بالشعب وبعامة الناس، يتناسون دائما إبداعية الانسان، ذاك الكائن المبتكر، مهما كان مستواه الثقافي والمعرفي، وقدرته على صياغة رؤيته للعالم وتفاعله معه بكيفية جمالية فريدة ومميزة.

ومن هذا المنطلق فإن أي موقف سلبي من الثقافة الشعبية، مهما كانت مبرراته ومسوغاته، لا يعكس سوى رؤية ضيقة وفهم سطحي وبسيط للثقافة عموما وللثقافة الشعبية بشكل خاص.

وتعتبر الحكايات الشعبية والأمثال والفلكلور عموما، من أهم مكونات الثقافة الشفهية في مجتمعنا، والذي يعتمد بالدرجة الأولى وبشكل كبير على الموروث الثقافي والاجتماعي ومع كل ما يتعلق بالعادات والتقاليد في صيرورة الحياة داخل المجتمع وتنمية الأفراد وتكوينها. ولابد هنا من الإشارة إلى العلاقة القائمة بين الثقافة الشعبية والفلكلور، حيث نجد أن علم الفلكلور قد نشأ كفرع جديد من فروع المعرفة في القرن التاسع عشر، بعد أن بدأ علماء آثار إنجليز وعلماء فقه اللغة المقارن يعتنون بأساليب الحياة في الطبقات الشعبية، ولم يكن يطلق على هذه الدراسات مصطلح فلكلور، بل مصطلح الموروثات العامة. وقد ظهر مصطلح فلكلور سنة 1949م على يد عالم الآثار الإنجليزي وليام جون تومز.

وقد نجح هذا المصطلح الجديد في التعبير عن كل من العلم ومادة دراسته. وهنا نتبين العلاقة بين الثقافة الشعبية والفلكلور، فالأولى هي المادة أو موضوع الدراسة، والثاني هو العلم الذي يهتم بدراسة هذه المادة وربطها بمجتمعها، وربط تطورها بتطوره، لكن في مجتمعنا العربي، فالأمر يختلف حيث الفلكلور عندنا هو فن المأثور الشعبي أي أن التراث الشعبي والفلكلور هما شيئان متشابهان. والاختلاف هو في التسمية فقط. وقد ظهر في السنوات الأخيرة مصطلح جديد في أمريكا هو folk life أي الحياة الشعبية، وقد رأى واضعوا هذا المصطلح أن علماء الفلكلور قد قصروا دراستهم على الفنون الشفهية أو المروية، أي قصروا دراستهم على الجانب الإبداعي اللغوي الفني كالحكايات الشعبية والأمثال والأغاني الشعبية. ويتداول الدارسون العرب لهذا النوع من التجارب الإنسانية مسميات اصطلاحية عديدة، حيث يسميه البعض التراث الشعبي ويسميه آخرون المأثور الشعبي، في حين يستخدم سواهم مصطلح الموروث الشعبي ويتعدى غيرهم بنفسه عن ذلك كله في فضل استعمال المصطلح الغربي الفلكلور، متجاوزا ما يراه من ترادف في المسميات العربية. وهذه التعددية في المصطلحات والتي تمت الإشارة اليها سابقا وما يمكن لها أن تكتنفه من آفاق تعبيرية وجمالية مثيرة، إنما تؤكد قيمة هذا العطاء وثرائه وحيويته واتساع رقعة ما يتمثله.

والتراث الشعبي هو كل ما تحدى عوامل الزمن باعتماده على الذاكرة الشعبية من أقوال وسلوكات وعادات وتقاليد ومواسم واحتفالات. هذه الذاكرة الجمعية التي تحدت الزمن قد استطاعت أن تنقل لنا هذا الموروث الإنساني عبر أجيال وعصور، حيث يشمل هذا التراث الشعبي كافة ظواهر الحياة الإنسانية في جميع تجلياتها الاجتماعية والاقتصادية والدينية من خلال سلوكاتها وتصوراتها وتطلعاتها ومعتقداتها وعلاقة الفرد بالجماعة، وتواصلها واحتفالاتها المختلفة، حيث يتعدى ويتجاوز هذا التراث الإنساني كل ما هو شفهي إلى التراث المكتوب من شعر وآداب وفنون، إضافة إلى أفراح الشعب ومسراتهم وأحزانهم عبر مختلف الطقوس والاحتفالات من أعراس ومواسم وغيرها... إنه أدب الفئات الأوسع من الشعب، تلك التي وجدت فيه تعبيرا لأفراحها ومسراتها وأحزانها وأوجاعها، وتحسسا لهمومها ومعانتها وآلامها وصراعاتها ومكابدتها والمعتقد الذي تؤمن به وتعايشه، حيث جعلته ممارسة يومية، وأعلنته هويتها، وحصتها من قيم تراث أمتها الأكبر، فصبت فيه مجمل الأنشطة الإنسانية التي تمارسها، فجاء مستوعبا لكل ما ينشغل به الوعي الشعبي ويعايشه سلوكا وأداء في البيئة المحيطة به، وما ينتج عنه من أساليب وآداب وفنون وعادات وتقاليد. وبما أن الانسان باعتباره كائنا حكائيا، ويعشق الحكي ولا يمكن أن يعيش بدون حكي وبدون محكيات، وهذه حقيقة أنثروبولوجية أكدتها العديد من الدراسات الهامة، فإنه كان دائما في حاجة ماسة وتواقة إلى التعبير عن عواطفه وأحاسيسه وأفكاره، وكل ما يجول في دواخله وخواطره، إذ يتطلع دائما وباستمرار إلى تغدية روحه وعقله، وهكذا كان الأدب الشعبي من أهم الوسائل التي يتم التعبير بواسطتها عن المشاعر والأحاسيس، لأنه يضم العديد من الفنون التعبيرية المختلفة كالحكايات الشعبية والأمثال والأسطورة والرسم والنحت والموسيقى والرقص وغيرها من وسائل التعبير.

تعريف الحكاية الشعبية

1 ـ لغـة: إن البحث في حقيقة المصطلح اللغوي للفظة "حكاية" يستدعي منا الوقوف عند أهم ما جادت به معاجم العربية المختلفة، بغية ضبط المفهوم اللغوي لها.

جاء في لسان العرب(1): الحكاية من حكى يحكي، كقولك حكيت فلانا وحاكيته فعلت مثل فعله أو قلت مثل قوله، وحكيت عنه الحديث حكاية، وحكوت عنه حديثا في معنى حكيته، وفي الحديث ما سرني أني حكيت فلانا وان لي كذا وكذا أي فعلت مثل فعله ... يقال فلان يحكي الشمس حسنا ويحاكيها كناية عن إشراق وجهه واستضاءته وحكيت الكلام وعينه حكاية.

ويقال: حكاه وحاكاه والحكاية كل من الجذر الثلاثي معلول الآخر للفعل "حكى".

ويعرفها علي بن إسماعيل سيدة (2) في الأمثلة التالية:

حكيت فلاناً وحاكيته فعلت مثله أو قلت مثل قوله سواء لم أجاوزه ما احتكر ذلك في صدري

أي ما وقع فيه.

وحكى يحكي الخبر حكاية أي وصفه؛

وحكى عنه الكلام، أي نقله فهو حاك جمعه حكاة؛

وحكى حاكياً في اصطلاح العامة تكلم مطلقا؛

والحكايات مصدر الفعل "حكى" وهي وصف الواقعة حقيقية أو خيالية جمعها حكايات (3)، ومنه فإن لفظة حكاية مدلولها اللغوي شاسع، فهي المماثلة والتكلم مطلقا لكن المعنى الأهم للفظة: "حكاية" هي الوصف للوقائع الحقيقية أو الخيالية، وهذا هو الأهم.

2 ـ اصطلاحا: إن الهدف الأسمى من دراسة الحكاية الشعبية هي الكشف عن هذا الكنز الروحي والتراث المادي الشعبي فهي ليست كالأسطورة التي تعرف نفسها بنفسها أو كالخرافة.

ترى نبيلة إبراهيم أن تعريفها يتيسر لنا إذا رجعنا إلى المعاجم الأجنبية حيث أن المعاجم الألمانية تعرّفها بأنها: "الخبر الذي يتصل بحدث قديم ينتقل عن طريق الرواية الشفوية من جيل إلى جيل أو هي خلق حر للخيال نتيجة حول حوادث مهمة وشخوص ومواقع تاريخية «(4).

أما المعاجم الانجليزية فتعرفها بأنها:» حكاية يصدقها الشعب بوصفها حقيقة، وهي تتطور مع العصور، وتتداول شفاهاً، كما أنها تختص بالحوادث التاريخية الصرفة أو الأبطال الذين يصنعون التاريخ«(5).

وتضيف نبيلة ابراهيم بأن هذه الحكايات الشعبية هي:» حكايات وقصص حدثت في العصور القديمة وتوارثتها الأجيال شفويا من الأجناس والأمم «(6)، وفي اللغة الفرنسية نجد ما يقابل الحكاية مفردة «légende » وهي تعني قصة شعبية، أو حكاية ذات أصول شعبية أحداثها تاريخية الأصل وهي مرتبطة أساسا بحياة الأفراد والفئات الاجتماعية الشعبية، أي عكس ما هو متداول في اللغة العربية إذ يحيلنا كلمة légende الفرنسية إلى خرافية أو أسطورة وهذا ما جعلنا نوظف كلمة شعبية للحفاظ على وحدة وخصوصية المصطلح الشعبي.

و"يعتبر مفهوم الحكاية الشعبية بمعناها الواسع والشامل سياقة أحداث واقعية وحقيقية أو خيالية دون الالتزام بأسلوب معين في العرض أو الحكي تختلف من فرد لآخر من حيث الطريقة التي تسرد بها الأحداث في حين أن الحكايات تتضمن مجموعة من الأحداث والأخبار والأفعال والأقوال سواء كانت حقيقية أي مأخوذة من الواقع الذي يطلقه الفرد أو المبدع الشعبي ليصور الأحداث التي تشكلت في مخيلته ويريد سردها في قالب فني حكائي لإضفاء نوع من المتعة والتشويق على الحكاية ليستمع بها المتلقي"(7).

وقد أثارت الحكاية الشعبية اهتمام الباحثين في علم النفس الاجتماعي والأدب الشعبي والأنثروبولوجيا بوجه العموم.

وعموما فجُلُّ التعاريف السابقة للحكاية الشعبية تتفق على أنَّها قصة ينتجها الخيال الشعبي حول حدث مهم ويستمتع الشعب بروايتها وتناقلها من جيل إلى آخر عن طريق المشافهة.

» إن الحكاية الشعبية قصة ينسجها الخيال الشعبي حول حدث مهم وإن هذه القصة سيتمتع الشعب برواياتها والاستماع إليها إلى درجة أنه يستقبلها جيلا بعد جيل عن طريق الرواية الشفهية"(8). فمن العوامل التي ضمنت للحكاية الشعبية البقاء هي خاصية المشافهة التي سمحت بتناقلها عبر الأجيال والتي تعتبر أهم خاصية للحكاية الشعبية.

ويعرّفها عبد الحميد يونس قائلا:

"يكون اصطلاح الحكاية الشعبية فضفاضا، يستوعب ذلك الحشد الهائل من السرد القصصي الذي تراكم عبر الأجيال والذي حقق بواسطة الإنسان كثيرا من مواقفه، ورصد الجانب الكبير من معارفه، وليس وقفا على جماعة دون أخرى ولا يغلب على عصر دون آخر"(9).

أما عبد الرحمن الساريسي فقد حصرها من خلال معناها الاصطلاحي إلى معنيين معنى عام ومعنى خاص حيث يقول في المعنى العام:

"في الاصطلاح الشعبي معنيين أولهما عام واسع يشمل كل ما يحكى شفويا بين الناس في حياتهم اليومية وأحداثهم التاريخية التي ليس فيها خوارق أو أعمال تخرج على المألوف"(10).

وهكذا تبين بأن هذين التعريفين الأخيرين للحكاية الشعبية لا يختلفان عن التعاريف السابقة لها، خاصة فيما يتعلق بشساعة المفهوم وكذا الرواية الشفوية.

عموما فالحكاية الشعبية في معناها الخاص تمثل "أثرا قصصيا ينتقل مشافهة أساسا يكون ثريا، يروي أحداثاً خيالية لا يعتقد راويها ومتلقيها في حدوثها الفعلي، تنسب عادة لبشر وحيوانات وكائنات خارقة، تهدف إلى التسلية وتزجية الوقت والعبر"(11).

فتعريف الحكاية الشعبية هذا جعلها خاصة وأكسبها معنى متميزا عن كل من الحكاية الخرافية وعن قصص البطولات خاصة وأن مادتها مستمدة من الواقع النفسي وكذا الاجتماعي الذي يعيشه أفراد الجماعة التي تنتجها.

ورواية الحكاية الشعبية ليست حكراً على الرواة المحترفين، إنما يرويها الناس من مختلف الأعمار ومن الجنسين، وغالبا ما يكون الإلقاء مصحوبا بتلوينات وتغييرات صوتية تناسب المواقف والشخصيات وبإشارات من اليدين والعينين والرأس، فيها قدر من التمثيل والتقليد ويتم التلقي بإصغاء حاد قد يتخلله الضحك أو النزع كما يقتضي الموقف، ولكن في تقدير واحترام وتصديق واندهاش، ومن غير مقاطعة"(12).

وقد تمكنت الحكاية الشعبية بفعل مرونتها الشكلية من الأخذ والاغتراف من الأنماط القصصية الأخرى، فتحولت بعض قصص المغازي والأولياء إلى حكايات شعبية إما على سبيل المعارضة الساخرة أو بسبب حضور الموقف البطولي، كما تتخذ مادتها من عناصر الواقع المعاش الذي عايشه الناس الذين يتداولونها، فتصور موقفا من مواقف هذا الواقع من خلال ما تبين "طموح الإنسان وسعيه إلى تحسين واقعه وإيجاد حلول للمشاكل التي تعترض طريقه، "وذلك عن طريق التخيل المستند فيما يبنيه من صور قصصية أحيانا وعلى التصورات العقائدية مثل الاعتقاد في القدر والبحث والإيمان بوجود إرادة عليا توجه الكون وفق خطة مرسومة مسبقة، وأحيانا أخرى يعتمد في تصويره القصصي على ما عاشه من تجارب وما مر به من خبرات"(13).

ومنه نستخلص انطلاقا من هذه التعاريف المتعلقة بالحكاية الشعبية ما يلي:

إن الحكاية الشعبية ترتبط بحياة الأفراد اليومية، الأمر الذي دفع بالكتاب والباحثين بالإقبال عليها دراسة وتأليفا وجمها وتوثيقا، هذا من جهة ومن جهة أخرى هو كون الحكاية الشعبية أصبحت جنسا أدبيا شعبيا قائما بذاته، له خصوصياته ومميزاته ووظائفه من النثرية والسردية والشفاهية والتي يعبر من خلالها عن أحلامه وآماله وتطلعاته وتمثلاته وأهدافه وتصوراته في هذه الحياة.

ومع حركة الإنسان وتجاربه داخل بيئته الاجتماعية، واحتكاكه المستمر مع الأحداث وضع لنفسه مجموعة من "المقولات الفكرية"(14)، والصيغ والأنماط الأدبية الشفاهية يفسر بها واقعه الإنساني ويتخيل ما ينبغي أن يكون عليه هذا الواقع، وهذه الصيغ هي ما يمكن أن نطلق عليه "حكاية شعبية" حيث لا يعرف مصدرها ولا قائلها أو مبدعها الأول.

وبعد عرض هذه التعاريف الاصطلاحية نرى أن الحكاية الشعبية نتاج فكري أنتجته الشعوب عبر تاريخها الطويل، وأبدعت بها أروع قصصها، وأجمل ما مرَّ بها من أحداث فجاءت لتعكس خلاصة تجارب الشعوب، وتعطي صورة حية عن واقع المجتمعات عبر مراحل تاريخها الطويل حيث تتجلى فيها حكمة الشعب، وعصارة تجارية وتفاعله مع الواقع، وعلى الرغم من بساطتها وسهولة اللغة التي تروى بها القريبة من الاستعمال اليومي أي القريبة من الأمي الذي لا يقرأ، إلا أنها تشكل لبنة مهمة في البناء الثقافي للمجتمعات التي تنشأ فيها، وتنتقل بين أفرادها، ودراستنا للحكاية الشعبية يحيلنا بالضرورة إلى التطرق والحديث عن نشأتها الموغلة في القدم، ومن هنا يمكن أن نطرح هذه التساؤلات: كيف نشأت الحكاية الشعبية ؟ وكيف كانت بداياتها؟

نشأة الحكاية الشعبية

تعتبر الحكاية الشعبية من أهم الأنواع النثرية في الأدب الشعبي وهي ترجع في أصلها إلى المعتقدات الأولى للإنسان، وهي كذلك مما يدل على وحدة الفكر البشري، إذ نرى كثيرا من الحكايات لها نفس المقابل عند أمم عدة،» وثمة ظاهرة تدعو إلى التساؤل ألا وهي التشابه في الحكايات لدى الشعوب، إنما تبدو للوهلة الأولى منفصلة عن بعضها كأمريكا والبلاد الغربية وشمال إفريقيا وشمال أوروبا والصين والهند وغيرها غير أننا لو تعقبنا التاريخ لوجدنـا أنها على اتصال بطرق كثيرة ومتعددة«(15)، فالحكاية الشعبية ليست حديثة النشأة بل هي عريقة وموغلة في القدم ولذلك يصعب تحديد نشأتها، فهي مرتبطة ارتباطا وثيقـا بالإنسان وتاريخ ظهوره وترجع عراقتها إلى عراقة الإنسـان، فالباحث "محمود تيمور" يرى بأن الحكايـات نشأت من الأساطير حيث يقول:

"فالإنسان كان يعيش في عالم كله ألغاز، وكان عقله قاصراً عن إدراك كنهها فالشمس التي كانت تشرق أمامه وتغرب ... وتلك الريح العاصفة التي كانت تثور فتهدم أكواخه وتقتلع زرعه ... وهذه الجبال ذات القمم البركانية التي تفيض بالحمم والنار ... كل هذا وما ماثلاه وقف أمامه الإنسان الأول وقفة الحيرة والرعب، يتأمله ويسعى إلى فهمه ... واهتدى أخيرا إلى حل قنع به واطمأن إليه، فمنح لعالم الجماد روحا كروحه وتخيله على غرار نفسه يعيش كما يعيش يأكل ويشرب وينام! ... وكان يرى في نومه أحلاما غريبة عن أشخاص ماتوا فتوهمهم أحياء مثله في عالم آخر، فخشي من كان منهم قويا مستبدا وقدم له القرابين ... وهكذا رأينـا خيال هذا الإنسان الأول، يشتغل ويخترع ويستقر مفصلا الحياة فكـان هذا العمل هو أول خطوة خطاها في سبيل إنشاء الأساطير وما الأسطورة سوى قصة خرافية، صاغها الإنسان البدائي على حسب ما أوحاه له خياله الضعيف"(16).

وهكذا تطورت تلك الأساطير أو القصص الخرافية شيئا فشيئا فأخذت من دائرتها، فعالجت سير الأبطال ووقائع الحروب حيث سيطرت الخرافة على هذه الحكايات فكان "الغول" رمزا للحيوان المخيف الذي ظل يفترس الإنسان ويرعبه دهرا طويلا وهكذا كانت هاته الحكايات وسيلة للتعبير عن نفسية العهد الذي كتبت فيه بالرغم مما احتوته هاته الحكايات من عبث وسخافة وخرافة...(17).

وهكذا نجد أن الحكاية تعود جذورها الأولى الى الأسطورة، ومن أهم الدراسات المتخصصة بعالم الأساطير نجد دراسة الباحث فراس السواح الذي يقول: "الأسطورة حكاية مقدسة، يلعب أدوارها الآلهة وأنصاف الآلهة، أحداثها ليست مصنوعة أو متخيلة، بل وقائع حصلت في الأزمنة الأولى المقدسة، إنها مجمل أفعال الآلهة، والأسطورة حكاية مقدسة تقليدية، بمعنى أنها تنتقل من جيل إلى جيل بالرواية الشفوية"(18).

ومن بين التعريفات التي قدمها الباحثون والذين كانوا يرجحون نشأة الحكاية الشعبية إلى أصول أسطورية نجد التعريف الذي قدمه الدكتور مصطفى الجوزو حيث يقول: "الأسطورة أوَّلا حكاية وأنها ثانيا: تتحدث عن عالم وهمي يرمز إلى أشياء وأحداث حقيقية لكن محرفة أو مضخمة"(19). وفي تعريف الأسطورة وعلاقاتها بالحكاية الشعبية نجد التعريف الذي جاء على لسان د. عبد الحميد يونس في معجم الفلكلور:"إنها حكاية إله أو شبه إله أو كائن خارق تفسر بمنطق الإنسان البدائي ظواهر الحياة الطبيعية والكون والنظام الاجتماعي وأوليات المعرفة، وهي تنزع في تفسيرها إلى التشخيص والتمثيل والتحليل وتستوعب الكلمة والحركة والإشارة والإيقاع، وقد تستوعب تشكيل المادة "وهي عند الإنسان البدائي عقيدة لها طقوسها، فإذا تعرَّض المجتمع الذي تتفاعل معه الأسطورة لعوامل التغير تطورت الأسطورة بتطوره وقد تتبدد تحت وطأة عناصر ثقافية أقوى فتنفـرط عقدتها وتنحدر إلى سفح الكيان الاجتماعي، أو ترسب في اللاشعور وتظل على الحالين عقيدة أو ضرباً من ضروب السحر أو ممارسة غير معقولة أو شهيرة اجتماعية وكثيرا ما تتحول إلى محاور رئيسية تعاد صياغتها في حكايات شعبية"(20).

وهكذا ومن خلال هذا التعريف الذي قدمه الدكتور "عبد الحميد يونس" الأسطورة نجد أنه يدافع عن الطرح الذي يرجح الأصول الأسطورية للحكاية الشعبية.

وفي تعريف آخر للدكتور محمد عبد الحميد خان يقول أن: "الأسطورة عبارة عن تفسير علاقة الإنسان بالكائنات، وهذا التفسير هو آراء الإنسان فيما يشاهد حوله في حالة البداوة، مضيفا: وخلص القول فنقول إنها الدين والتاريخ والفلسفة جميعا عند القدماء، وهي ليست فكرة مبتدئة أو خاطئة، بل إنها فكرة بدوية صبغت بصيغة الإطناب والمغالاة"(21).

أما تعريف أحمد كمال زكي للأسطورة فجاء كالتالي:" الأسطورة عندنا اليوم لا تخرج عن أن تكون قصة خيالية قوامها الخوارق والأعاجيب التي لم تقع في التاريخ ولا يقبلها العقل، حتى أننا عندما نريد أن ننفي وجود أي شيء نقول أنه أسطوري «ثم يضيف قائلا:» وذكرنا فيما سمعناه من بعض أقوال بعض العلماء أنها قصص خيالي صرف ..."(22).

وقد وقف فراس السواح مطولا من أجل تحديد معنى مضبوط الأسطورة، حيث عرّفها بأنها: "حكاية مقدسة ذات مضمون عميق يشفُّ عن معان ذات الصلة بالمكون والوجود، وحياة الإنسان"(23). ويفيد السواح بتقديم جملة مميزات الأسطورة حيث يرى أن أهم ما يميزها هو ما يلي: أنها من حيث الشكل تتخذ شكلا أدبيا رفيعا فهي تعد بمثابة قصة تقليدية ليس لها زمن محدود بل تدور حول حدث ذي حضور دائم، وموضوعاتها تتسم بالجدية والشمولية، ويلعب فيها الآلهة وأنصاف الآلهة دوراً رئيسا كما أن من أهم ما يميزها كونها: "ترتبط بنظام ديني معين وتعمل على توضيح معتقداته وتدخل في صلب طقوسه، وهي تفقد كل مقوماتها كأسطورة إذا انهار هذا النظام الديني، وتتحول إلى حكاية دنيوية تنتمي إلى نوع آخر من الأنواع الشبيهة بالأسطورة" (24).

والمقصود بالحكايات الدنيوية، تلك الحكايات التي تدور حول مغامرات وأعمال شخصيات غير مقدسة. ومن الباحثين الذين يرجحون لأصول الأسطورة للحكاية الشعبية نجد الدكتورة "غراء حسين مهما" التي ترى أنه عادة ما يكون مصدر الحكاية الشعبية حكايات أخرى، كانت تروى من مئات وآلاف السنين، ومن الممكن أيضا أن تكون بقايا أسطورة أو أفكار أو معتقدات قدسية.

ولعل ما يرجح هذا الطرح هو وجوه بعض الحكايات الشعبية التي تحتوي على بعض الملامح الأسطورية في التراث الشعبي، كحكاية "لالة القمر" حيث تحاور البطلة القمر وتسألها عن أحوال أخواتها وبعد المسافة بينهما وبين الغول، وكان القمر تسأله وتستنجد به وهذا يحيلنا إلى الأسطورة البابلية "عشتار إله القمر".

وعلى الرغم من محاولتنا تقديم آراء بعض الباحثين واجتهاداتهم في ترجيح نشأة الحكاية الشعبية إلى أصول أسطورية، يبقى تحديد النشأة لأي فن من الفنون بالشيء الصعب خصوصا وأن الحكاية الشعبية وجدت مع وجود الإنسان فهي واحدة من أبرز فنون الأدب الشعبي وهي "فن قديم ارتكز على السرد أي سرد خبر متصل بحدث قديم انتقل عن طريق الرواية المتداولة شفويا عبر الأجيال، مما يجعلها تخضع للتطور عبر العصور نتيجة للخلق الحر للخيال الشعبي الذي ينتجها حول حدث أو حوادث مهمة بالنسبة للشعب"(25).

فالحكاية الشعبية إذن إبداع أوجده الإنسان بل خلقه بخياله الواسع، وصور فيه آلامه وآماله ووقائعه التاريخية وحافظ عليه بالرواية الشفوية.

وهكذا يتضح أن نشأة الحكاية الشعبية ارتبطت بالإنسان ووجوده وراحت تتفاعل مع مواكبة طابع البيئة المحيطة به منذ ظهوره إلى اليوم خاصة وأنها تعلقت بخياله الفسيح الذي ساهم في نسج أحداثها وتفاصيلها.

نشأة الحكاية الشعبية في الثقافة الغربية

1 ـ في فرنسا: ان الحكايات الشعبية هي جزء لا يتجزأ من وجدان كل الشعوب الإنسانية، فلا توجد ثقافة أو حضارة خلت من وجود تلك الحكايات، وهي حكايات قصيرة تحتوي على عناصر خارقة للطبيعة، كالسحر والجنيات والعمالقة والأقزام والمخلوقات الأسطورية المختلفة، كما تنطوي على الحكم والدروس الأخلاقية وتتمحور في الغالب حول الصراع بين الخير والشر، وكانت هذه الحكايات تروى شفاهيا وتنتقل من بلد إلى بلد مع التجارة والقوافل، وكل شعب يتبنى حكاية شعبية كان يقوم بتغييرها وتطويرها بحيث تتناسب مع ثقافته ومخاوفه وتطلعاته، وقد لاحظ الجامعون تكرار نفس الحكاية في ثقافات مختلفة بصيغ متعددة، ويجمع الكثير من الدارسين على أن فرنسا كانت مهدا للحكاية الشعبية وسباقة لها، باعتبارها مركزا للثورات والتحولات الفكرية والأدبية الكبرى، إذ يعد الكاتب والشاعر الفرنسي شارل بيرو (1628–1703) من طرف الكثير من النقاد والدارسين بمثابة الأب الحقيقي والروحي للحكايات الشعبية فهو يعتبر من أوائل من قاموا بجمع الحكايات الشعبية وتحويلها إلى نمط أدبي له ملامحه وقواعده المحددة والمشروطة، ويعتبره الكثير من النقاد أنّه أول من وضع حجر الأساس لهذا النوع الأدبي، وقد كان هدف بيرو من جمع الحكايات الشعبية هو تسلية الحاشية الملكية، وتربية أبنائهم عن طريق تقديم حكايات تخدم أهدافا سامية، والتي تعالج صراع الخير والشر، وقد حققت مجموعته حكايات أمي الإوزة: Les Coutes de ma Mère l’oye نجاحاً كبيراً حيث كانت مسلية جدّاً للصغار والكبار على حد السواء، واشتهرت رواية تلك الحكايات الشعبية في الصالونات الثقافية في باريس في منتصف القرن السابع عشر حيث يجتمع الرجال والنساء في ضيافة امرأة أرستقراطية لمناقشة الأدب والفنون والسياسة وغيرها، كما ألهمت أعماله العديد من الفنانين في مجالات متعددة كالأوبرا والمسرح والموسيقى، ومن أشهر الحكايات الشعبية التي قام بجمعها: الجمال النائم، والقط في الحذاء، وذات الرداء الأحمر، كما أن نسخته الخاصة من "سندريلا التي تحتوي على الجنية العرابة، وعربة اليقطين وغيرها، هي الأشهر في أنحاء العالم.

فلكل شعب من الشعوب في العالم أساطير وخرافاته وحكاياته الشعبية التي يستمتع بها صغاره وكباره، ويستخلصون منها الدروس والعبر التي تفيدهم في سلوكهم وحياتهم بشكل عام، وقد يكون لكل مجموعة من الشعوب المتجاورة أو المختلط بعضها ببعض أساطير وخرافات وحكايات متقاربة.

ولعل مجموعة الحكايات الشعبية التي جمعها شارل بيرُّو من أفواه النساء العجائز في فرنسا، كانت أول مدوَّنة أوروبية تجمع في حيز واحد، وتنشر سنة 1697م، ثم تترجم إلى اللغات الأوروبية الحية، وخاصة الانجليزية التي كان لها الفضل الأكبر في هذا الانتشار والذيوع في الأوساط الثقافية الأوروبية والعالمية. ولا شك في أن هذا العمل قد أيقظ أذهان الأوروبيين الى فكرة الالتفات إلى آدابهم الشعبية الشفوية فيما يعرف بالتراث الشعبي أو (الفلكلور) Folklore.

* تعريف كلمة (الفولكلورFolklore)

تعود كلمة (فولك Volk) أي: شعب إلى اللغة الألمانية أصلا، فأخذوا يدوِّنُونه ويهذبونه وينشرونه في بلدانهم، وصارت الشعوب تطَّلع بذلك على ما عند الشعوب الأخرى من هذا التراث السردي، الذي يمثل عقلية الناس وخيالهم وطريقة تعبيرهم وتصورهم أو فلسفتهم للأشياء في الحياة والمجتمع والقيم والأخلاق.

وربما لعبت ترجمة (انطوان غالان) A. Gallandالفرنسية لمجموعة حكايات ألف ليلة وليلة العربية الغزيرة والشيقة ابتداءً من سنة (1704م) الدور الأسبق في إثارة الاهتمام بالحكايات الشعبية، لأن الأوروبيين اطلعوا عليها من خلال ترجمتها هـذه، ونقلوها إلى لغاتهم عنها، "وقد عززت مجموعة حكايات "شارل برُّو" هذا الاهتمام"(26).

وقد أصبحت هذه الحكايات جزءا من الأدب العالمي، وصارت أسماء الشخصيات في هــــذه الحكايات تجري على ألسنة الناس في كل البلدان، ونحن نعلم أن كثيرا منها تجري على ألسنة القراء العرب، ولعل حكاية سندريلا التي وصلت إلينا عن طريق الانجليزية أو أفلام الرسوم المتحركة (الكرتون) من أشهرها، حتى إن اسم سندريلا Cinderella في الترجمة الانجليزية قد غطَّت اسم سندريُّون الفرنسي لهذه الشخصية ومن تلك الحكايات أيضا "اللحية الزرقاء" و"الجميلة في الغابة النائمة" و"القط والحزمة".

وكانت مجموعة "شارل برُّو" التي نشرها باسم ابنه بعنوان "حكايات أمِّي الإوزة" تحتوي على ثماني حكايات هي(27):

1 ـ اللحية الزرقاء (La Barbe- bleu

2 ـ الجميلة في الغابة النائمة (La Belle au Bois dormant

3 ـ السيد القط (أو القط ذو الحزمة) (Le chat botté

4 ـ القبعة الصغيرة الحمراء (Le petit chapon rouge

5 ـ الإبهام الصغير (Le petit poucet

6 ـ الجنيات (Les Fées

7 ـ سندريلا (أو حذاء الفرد الصغير) (Cendrillon ou: La petite Pantoufle

8 ـ ريكيه ذو الشُّرَّابة (Riquit à la houppe).

وكان "شارل برُّو" قد نشر قبل هذه المجموعة نشراً منفصلا وتباعا، ثلاث حكايات شعرية هي(28):

1 ـ مركزة (سالوس)، أو صبر (غريزليدس) سنة (1691) (La Marquise de Salusses, ou la Patience de Cerselidis)  ؛

2 ـ الأماني التافهة (Les Souhaits ridicules) (سنة 1693م)؛

3 ـ جلد الحمار (La Peau d’âne) سنة (1694م)؛

وقد تمت إضافة هذه الحكايات الثلاث إلى طبيعة "لامي Lamy" سنة 1781 وقد ترجمت هذه الحكايات الإحدى عشرة في حيز واحد مع تسمية المجموعة "حكايات شارل برُّو" حيث كانت بعض طبعاتها كانت تزين بالرسوم التي تجسد شخصية البطل في كل منها. وقد اهتم بعض الأكاديميين بدراسة ما يتعلق ببعض حكايات "شارل بيرّو" ومنهم (آشليمان D.L. Ashliman) الأستاذ سابقا في جامعة بيتسبورغ بولاية "بنسلفاني" (university of Pittsburg) وخاصة حكاية "سندريلا" فقام بجمع رواياتها من عدد من بلدان العالم هي: "بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والنرويج، وإيرلندة، واسكوتلندة، وإيطاليا، وجورجيا، وصربيا، وروسيا وكشمير الدانمارك وفيتنام"، وترجمها إلى الإنجليزية ونشرها في الموقع الإلكتروني:

www.pitt.edu/dash/ashliman.html.

ولقد كانت فرنسا خاصة وأروبا عامة متعطشة للجديد من الحكايات الشعبية خصوصا حكايات الشرق العربي، من خلال تجربة "انطوان غالان" في جهوده حول حكايات "ألف ليلة وليلة" خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر، وكتبت "لبرتس" وهي سيدة فرنسية مجموعة من الحكايات الشعبية بعنوان "مخزن الأطفال" (29)، وهكذا كانت فرنسا سباقة لكل الأقطار الأوروبية، حيث انتشرت الحكايات الشعبية، كما ظهرت كتابة أدب الأطفال أيضا في فرنسا على نحو جدِّي، عندما كتب "جان جاك روسو كتابه "إميل" الذي اهتـم في جانب كبير منه بدراسة الطفـل وكان ذلك في القرن الثامن عشر"(30). كما كتب الفرنسي جان دي لافونتين الذي يعتبر أشهر كاتب قصص خرافية في تاريخ الأدب الفرنسي، مجموعة من الحكايات الخرافية، وهي تلك القصص التي تدور أحداثها على ألسنة الطيور والحيوانات ويمكن تقسيم كل أعمال لافونتين إلى ثلاثة أقسام رئيسية وهي Fables "القصص الخرافية"، وContes "النوادر والحكايات"، والأعمال الأخرى التي تتناول موضوعات متنوعة.

وفي هذا الصدد يقول: "هذا هو كتابي الثاني الذي يحوي قصصا خرافية تدور على ألسنة الحيوانات الذي أقدمه للجمهور ... ولابد أن أعترف أن الجزء الأكبر من كتابي قد استلهمته من كتابات "كليلة ودمنة" " حيث يعتبر كتاب "كليلة ودمنة" اسم آخر لمجموعة القصص الذي تدور على ألسنة الحيوانات المكتوبة بلغات هندوسية بوذية المعروفة باسم Panchatantra والتي كتبها "Vishnu Sarma" (Pilpay) الحكيم الهندي.

وقد تم الإعلان عن المجموعة الثانية من عمله المعروف باسم Fables في عام 1678م، وقد كانت المجموعة الأولى عبارة عن مائة وأربعة وعشرين من تلك القصص الخرافية وتحمل عنوان Fables choisies وقد ظهرت في الحادي والثلاثين من مارس في عام 1668، وقد تم إهداؤها إلى ولي عهد لويس الرابع عشر ملك فرنسا آنذاك.

فلعلنا نذكر أيضا أن "لافونتين" (La fontaine) المعاصر لـ "شارل بيرو"، كان يستمد كثيرا من مواضيع "أماثيله" من مصادر شرقية، ففي التمهيد الثاني للمجلد الثاني من "أماثيل مختارة" Fables choises لـ "لافونتين" يقول الناشر: "إن القسم الأعظم من مواضيع المجلد الثاني يديـــــــن للحكيم الهندي بيديا "Pilpay(31).

ويضيف قائلا: "لقد اكتشف (يعني لافونتين) القصاصين الشرقيين وكان هذا الاكتشاف بين سنتي 1672 و1678م، وقد أدهشه إلى حد أنّه تخيّل أن أغلب مواضيعه جاءته من هناك، ربما تحت تأثير موضة أدبية" (32). ويقول أيضا إن " من بين الـ 89 أمثولة في المجلد الثاني: هناك 13 مقتبسة بالتأكيد من هذه المحاور ... وهناك نحو 12 أمثولة لها مظهر شرقي سواءً أكان لافونتين قد أخذها عن خرافات منقولة شفويا أن عن نصوص مجهولة "(33).

ويقول لافونتين نفسه في تمهيده للمجلد الثاني:" وسأقول فقط عرفانا بالجميل، إنني أدين بالقسم العظيم منه لبيدبا الحكيم الهندي"(34). فقد ترجم كتابه إلى كل اللغات (مثل السنسكريتية إلى الفارسية والعربية واليونانية والعبرية واللاتينية، واللغات الرئيسية في أوربا) وأهل البلاد يعتقدون بقوة أنه أقدم من حكايات إيزوب(35)Esope وأكثر أصالة منه، إن لم يكن إيزوب نفسه تحت اسم لقمان الحكيم(36). وقد قدّم آخرون مواضيع سعيدة جدّاً" (37).

ويكفي أن نذكر أن أعمال "شارل بيرّ" و"لافونتين" و"انطوان غالان" المتأثرة بالشرق قد ظهرت في زمن كان الجمهور الفرنسي خصوصا والغرب عموما، قد ضجر فيه من الاستماع إلى الآداب اللاتيني والإغريقي" (38). و"شارل برو" سبق وأن قال بأن هذه الحكايات الشعبية أي "حكايات أمي الإوزة و"سندريلا" كانت تنحدر في غالبيتها، من الفلكلور الشعبي الفرنسي، ومعنى ذلك هو أن هناك بعض من تلك الحكايات الشعبية والتي لم تكن من ذلك الفلكلور الفرنسي، وإنما هو منقول عن فولكلور بعض الشعوب الأخرى.

2 ـ الحكاية الشعبية في ألمانيا: يعتبر الأخويان الألمانيان يعقوب غريم وفالهيم غريم (Jacob Wilhalm GRIMM) من الباحثين الأوائل الذين اهتموا بالأدب الشعبي، حيث تعتبر مجموعتهما والتي صدرت في طبعتها الأولى عام 1812، تحت عنوان " حكايات الأطفال والبيوت" من أبرز المجموعات الحكائية التي ألهمت المبدعين والسينمائيين ورواد أفلام الكرتون فيما بعد على تطويرها صوتا وصورة، وأشهر مثال على ذلك أفلام والت ديزني Walt Disney الذي أنتج أكثر الأعمال شهرة في هذا الإطار ك "سيندريلا" و"بياض الثلج والأقزام السبعة"، و"هانسل وغريتل" و" رامبيل

ستيلتيسكين". حيث صدر الجزء الثاني من مجموعة غريم سنة 1814.

كان اهتمام الأخويان غريم الأول هو الدراسات الفيلولوجية، وقد جرتهما الأبحاث الفيلولوجية في الأدب المكتوب إلى الأدب المروي، وبدأوا أعمالهم بالمقارنة بين النصوص الشعبية الألمانية، المدونة والمروية وغيرها من النصوص التي عثروا عليها مدونة عن الشعوب التي تشترك مع الشعب الألماني في الأصل الهندوجرامي، وقد كان التشابه بين حكايات هذه الشعوب والحكايات الألمانية مفاجأة كبرى للأخوين غريم"(39). وقد خلص الأخويان غريم إلى مسألة مفادها أن الحكايات الشعبية تتشابه لدى الشعوب المختلفة، "وهذا التشابه يرجع إلى تماثل الأفكار الأساسية عند هذه الشعوب، وإلى وسيلتهم في عرض شخصيات بعينها، ذلك أن هناك أحوالا هي من البساطة والطبيعة بمكان إلى درجة أنها تتكرر بصفة عامة في جميع أنحاء العالم، وعليه فأنه من الممكن أن تظهر حكايات بعينها في البلدان المختلفة، أو تتشابه تشابها كبيرا رغم ما بينها من استقلال"(40). وقد أرجع الأخويان غريم هذا التشابه إلى الأصل الهندوجرامي. حيث يقولا في هذا الصدد ما يلي: "ترجع الحكايات الخرافية إلى العصر الهندوجرامي، كما أنها تقتصر بصفة أساسية على الشعوب الهندوجرامية فإذا كانت الحكايات الخرافية قد ظهرت لدى الشعوب غير الهندوجرامية فإنه يتحتم علينا عندئذ، أن نبحث عما إذا كانت هذه الحكايات قد هاجرت إلى الشعوب الأخرى بعد أن ظهرت لدى الشعوب الهندوجرامية"(41). هكذا كان الأخويان غريم سباقان إلى الإشارة إلى مسألة التشابه بين الحكايات الخرافية رغم التباعد الجغرافي في مختلف بقاع العالم، وبعد ذلك اتجه الأخويان غريم إلى جمع الحكايات الشعبية، حيث سخرا لذلك حوالي اثنتي عشرة سنة، " وكانت منطقة (هسن) التي ولدا فيها، وتشبعا بتراثها أولى المناطق في حملتهما، فراحا يدونان الحكايات من أفواه الرواة، وتولى جاكوب تهذيب لغة الحكايات وكتاباتها بأسلوبها الأدبي الرشيق، دون أن يفقدها روحها الشعبية الأصيلة، وكانت نتيجة عملهما حوالي مئتي حكاية"(42). حيث جمعا هذه الحكايات وأصدراها كما تمت الإشارة إلى ذلك سابقا في كتاب بعنوان "حكايات الأطفال والبيت"، "وكان الأخويان غريم مدفوعين بفكرة واحدة هي الكشف عن عراقة الثقافة الألمانية، ولم تكن مجموعة "حكايات الأطفال والبيت" من مجموعات الحكايات فحسب، بل اعتبرت بمثابة أول بحث جاد في الحكاية الشعبية كما وصفها فون ديرلاين"(43)، حيث يقول في هذا الصدد ما يلي:" تحتوي مجموعة الأخوين "غريم" على مادة من الحكايات تمتد في تاريخ ألمانيا منذ بدايته حتى القرن التاسع عشر، كما أن في الوقت نفسه غنية كل الغنى بصيغ جيدة لأشهر الحكايات الخرافية، فهذه المجموعة تقدم لنا بحق عددا كبيرا مختارا من الحكايات الخرافية، كما أنها تحكي بنصوصها الموثوق بها، تلك النصوص التي تتميز ببساطتها، وغناها الفني، وبهذا صارت مجموعة الأخوين غريم نموذجا لغيرها من المجموعات

التي شاءت أن تقلدها في أروبا، بل في أجزاء أخرى من العالم"(44).

وقد صدرت هذه المجموعة الحكائية في جزأين، كما تمت الإشارة إلى ذلك، حيث " صدر الجزء الأول سنة 1812، ويتضمن الجزء الأول من المجموعة، مقدمة بقلم الأخوين يعقوب غريم وفالهيم غريم، تشغل حوالي سبع صفحات، يلي المقدمة مباشرة نصوص الحكايات، وتلا الحكايات عشرة نصوص عنوانها: أساطير الأطفال، وجميع الحكايات مدونة بالنثر، ولا يدخل الشعر إلا في مواقع قليلة منها"(45). أما الجزء الثاني فقد جمعا فيه الأخوان غريم "التعليقات، وأضافا إليه شواهد لأصل الحكايات الخرافية، ودراسة عامة لأدب الحكايات الخرافيـة، وبالإضافـة إلى ذلك فقـد أعلنا رأيهما في أصل الحكاية الخرافية"(46). وكان يعقوب غريم يطلب دائما لحكايته أن تكون ذات معالم كاملة، فكان يسمع روايات مختلفة لحكاية واحدة، ثم يقارن بعضها ببعض ويؤلف منها حكاية مكتملة، بعد أن يسقط ما هو بعيد عن بنيتها العضوية، وبذلك يخلق من الصيغ العديدة غير الكاملة حكاية كاملة"(47).

وتعتبر الفترة الممتدة ما بين 1816- 1869 من أخصب فترات حياة الأخوين غريم في جمع الحكايات، ودراسة الكثير من القضايا التراثية، وقد كانت لهما الكثير من الأعمال سواء المشتركة بينهما وغير المشتركة، ومن الأعمال المشتركة بينهما، المجموعة الحكائية "حكايات الأطفال والبيوت"، حيث قام فيلهلم غريم بالعمل الأكبر في تدوينها عام 1818م، بينما تولى يعقوب غريم إعادة صياغتها. أما عملهما الثاني المشترك هو القاموس الألماني (1852- 1863) وقد أصبحت أعمال الأخوين في فقه اللغة الألمانية، والتراث الشعبي مراجع لا غنى عنها حتى يومنا هذا"(48).

وقد طبعت عدة مرات، وترجمت إلى أغلب لغات العالم، ولذلك تعتبر جهود الأخوين غريم في مجال دراسات الحكايات الشعبية النواة الأولى لتأسيس الأدب الشعبي، وقد سار على خطاهم جل الباحثين. يقول فون ديرلاين في هذا الصدد ما يلي: "عندما تنشـط أبحـاث الحكاية نشاطـا بالغـا، وعندما تجمع الحكايات في جميع أنحاء العالم، لكي تقرأ وتحكى مرة أخرى، فسوف تكون مجموعة الأخوين غريم الشرارة الأولى التي ينطلق منها هذا الحماس"(49). ولذلك يعتبر كل من يعقوب غريم وأخوه فيلهلم غريم " أبوان للتراث الشعبي، ومعلمان لكثير من الدارسين، وتخليدا لهما أقيم في مدينة كاسل متحف يحمل اسميهما "متحف الأخوين غريم"(50). بحيث يعتبران من أكثر الباحثين شهرة، حيث شاعت مجموعاتهما الحكائية الشعبية بين الناس بكثرة، مثل: حكاية سندريلا، وبياض الثلج، والأقزام السبعة، وذات الرداء الأحمر، والأميرة النائمة ... والتي تمت ترجمتها كما أشرنا إلى ذلك سابقا إلى أكثر من مائة لغة حول العالم.

كما ينبغي الإشارة أيضا إلى الدراسة التي قام بها " فريدريش فون ديرلاين، الأستاذ الألماني الذي كرس حياته لدراسة الأدب الشعبي على أسس علمية دقيقة للغاية، وقد استحوذت الحكاية الخرافية على قدر كبير من جهوده"(51)، وله في ذلك أبحاث كثيرة على جانب كبير من الأهمية، أهمها كتاب الحكاية الخرافية، وقد قسم هذا الكتاب إلى ثمانية فصول، تحدث في الفصل الأول عن طرق بحث الحكاية الخرافية حيث " قدم فيه عرضا شاملا لأهم الأبحاث الخاصة بالحكاية الخرافية منها : الأنثروبولوجي، والنفسي، والتاريخي، والأدبي، وقد نوه الباحث بجهود أفراد من العلماء الذين اهتموا بدراسة الحكاية الخرافية، دراسة علمية دقيقة"(52)، أما الفصل الثاني فقد تناول فيه الباحث أصول الحكاية الخرافية، بحيث غاص في معتقدات البدائيين، ودياناتهم، وتصوراتهم، ومعتقداتهم، فالحكاية الخرافية قديمة، قدم الإنسان، ويرى الباحث أنه للوصول إلى أصول الحكاية الخرافية لابد من التنقيب عنها بين جوانب الحياة البدائية، كما تناول في هذا الفصل نماذج متعددة للأشكال الأولى للحكاية الخرافية، ويرى بأن الحكاية الخرافية هي إنتاج أدبي(53)، حيث يقول فون ديرلاين: "يبين لنا إن الحكاية الخرافية لا تنفصل عن الأشكال الأخرى من أشكال التعبير عن الروح الإنساني، وأنها دائما وأبدا الأساس الذي يستمد منه الأدباء إبداعهم"(54)، أما الفصل الثالث فقد تطرق فيه لشكل الحكاية الخرافية وروايتها ويعرف الحكاية الخرافية بأنها " ما هي إلا أخبار مفردة تبعث من حياة الشعوب البدائية، ومن تصوراتهم ومعتقداتهم، ثم تطورت هذه الأخبار واتخذت شكلا فنيا على يد القاص الشعبي، وأصبحت لها قواعد وأصول محددة"(55).

بعدها تطرق المؤلف لدراسة هذه القواعد الشكلية، والموضوعية دراسة تفصيلية، حيث تقول نبيلة إبراهيم في هذا الصدد ما يلي: " ولما كانت الحكاية الخرافية، ذات صلة من حيث الشكل والموضوع بالأسطورة والحكاية، وحكاية البطولة، فقد وجد المؤلف المجال مناسبا لعقد مقارنات

طريفة بين الحكاية الخرافية، وبين كل نوع من الأنواع الأخرى، وبذلك استطاع المؤلف أن يميز كل نوع وأن يحدد مجاله النفسي والفني من ناحية، وأن يطلعنا على الصلة الجوهرية بين هذه الأنواع من ناحية أخرى"(56). أما الفصل الرابع فقد تناول فيه الباحث الحكاية الخرافية عند شعوب حضارات الأبيض المتوسط "حيث بدأ المؤلف بتقديم نماذج لهذا الخلق الفني المكتمل عند شعوب البحر الأبيض المتوسط، فاستهل ذلك ببابل"(57)، وقد ركز على ملحمة جلجامش لكونها أقدم ملحمة في التاريخ حيث رجح المؤلف "احتمال أن تكون الحكايات الخرافية التي نشأت في العصور المتأخرة قد استمدت من ملحمة جلجامش"(58)، ثم انتقل بعد ذلك إلى مصر، حيث يرى المؤلف أنها من " البلاد المليئة بالعجائب،فحكاياتها الخرافية التي وصلت إلينا قد دونت في أسمى أسلوب فني، وهي إلى ذلك تعد ينبوعا للتراث الشعبي والعقائد القديمة البالغة في القدم، وما يزال بعض هذه الحكايات يعيش في الحكايات الشعبية لدى كثير من الشعوب"(59).

أما بلاد الإغريق فهي غنية بالتراث الحكائي، حيث انتقلت من بلاد الإغريق إلى الرومان الكثير من الحكايات الهزلية والقصص والمسرحيات الكوميدية ثم يصل المؤلف إلى روما التي تشتهر بحكاية "الحب والروح" وهي حكاية قديمة، وقد تطورت الحكاية الخرافية بحيث اكتمل شكلها الفني عن طريق الرواية ويقول المؤلف في هذا الصدد ما يلي: "كما نرى في الوقت نفسه كيف أن تكوين المركز المحدد للحكاية الخرافية، قديما على يد القصاص الشعبي، وأكثر من هذا كيف أن هذا القصاص استطاع أن يدخل في الحكاية الخرافية، موضوعات من الحياة، حتى تكونت الحكاية الخرافية في النهاية حكايات ذات طابع قصصي"(60)، ويرى الباحث بأن "هذا التطور يتمثل في أقوى صورة لدى شعوب الحضارات المختلفة، فقد أفرد فصلا كبيرا لدراسة الحكاية الخرافية الهندية، والصينية، وبالمثل للحكاية الخرافية العربية مقارنا بينها وبين الحكاية الهندية بصفـة خاصة، ثم ختم المؤلف بحثه بفصل للحكاية الخرافية الأوروبية، وفصل للحكايـة الخرافية الألمانية"(61)، وتعد هذه الدراسة من أهم الدراسات الشعبية والتي أضاءت الطريق للباحثيـن في طريقة البحث والمنهج المتبع أيضا.

وترى الدكتورة نبيلة إبراهيم وهي التي كان لها الفضل الكبير في اطلاعنا على هذه الدراسة نظرا لترجمتها لهـذا العمل الضخم، وتقـول الدكتورة نبيل إبراهيم: "وأهم ما يلفت النظر في هـذا الكتاب، أن المؤلف استطاع عن طريق البحث العلمي الدقيق أن ينتقل بالأدب الشعبي بصفة عامة، والحكاية الخرافية بصفة خاصة، من المفهوم الضيق للأدب الشعبي الذي سيطر على العقول زمنا طويلا إلى المفهوم الواسع العميق فاستطاع بذلك أن يسمو بالأدب الشعبي من حيث القيمة الفنية إلى مستوى الأدب الرسمي"(62).

ونظرا لهذه الأهمية التي تتمتع بها هذه الدراسة فقد طبعت عدة طبعات الأولى سنة 1912، أما الثانية في سنة 1917، أما الثالثة كانت في سنة 1925، أما الرابعة والأخيرة كانت سنة 1959م.

3 ـ الحكاية الشعبية في إنجلترا: أصدر الكاتب الإنجليزي الذي عاش بإيرلاندا، جوناثان سويفت Jonathan SWIFT 1667- 1745، حكايته الرائعة بعنوان رحلات جليفر Gullivers Travels، عام 1726، وصف فيها حياة جليفر الذي ذهب ينشد السعادة فيما وراء البحار، فانتهى به الأمر في بلاد الأقزام ... ويجدر التنويه بالدور الذي لعبته مكتبة هاشيت الفرنسية، إذ فطنت إلى إقبال العائلات على شراء القصص التراثية لأبنائها، حيث تعاقدت مع مجموعة من الكتاب ورجال الكنيسة والرسامين لإصدار الحكايات الموجهة للأطفال، ضمن ما اشتهر على تسميته "المكتبة الوردية"، حيث بدأت في إعادة رواية الحكايات الشعبية، ثم تخصصت في أدب واقعي من خيال الكتاب المعاصرين، والذي توج بالنجاح المدوي للحكاية الشعبية للكاتب الإنجليزي لويس كارول، "أليس في بلاد العجائب" الصادرة عام 1865، والتي تمت ترجمتها إلى مائتي لغة، وجنت أموالا طائلة، وقد منحت هذه المجموعة الحكائية نجاحا للحكاية الخرافية الحديثة بأبعاد سيكولوجية جعلت منها عملا أدبيا ينم عن فهم جانب من جوانب النفس البشرية، حيث أن جل الحكايات الشعبية للويس كارول الأخرى الشعرية منها والنثرية، غنية بالمواعظ الأخلاقية الصريحة(63). هذا بالإضافة إلى العديد من الحكايات الشعبية، والتي نذكر منها على سبيل التمثيل " الأمير السعيد" لأوسكار وايلد، سنة 1888 ذات البعد الإنساني، وحكاية "بيتر بان" للكاتب "ج.م. باربي"، أما الانتقال النوعي فقد جاء مع الكاتبة الإنجليزية جي كي رولينغ J.K.Rollingبإصدارها لسلسلة الحكايات "هاري بوتر" Harry Potter بين 1997 و2007، والذي مثل حدثا ثقافيا كونيا، فقد بلغ مجموع مبيعات الأجزاء الخمسة الأولى أكثر من 300

نسخة، كما أحرزت السلسلة على أكثر من خمسين جائزة، وعرفت أكبر نسبة مشاهدة قدرت بعشرات الملايين عبر العالم، في حين ترجمت السلسلة إلى 42 لغة، كما صدرت عدة نسخ من الجزء السادس بطريقة براي Braille للمكفوفين، وقد تم إنتاج كم هائل منذ ولادة هذا الساحر الصغير، من الألعاب الإلكترونية ودميات تجسد أبطال الحكاية، والتي تذر مبيعاتها أرباحا طائلة على الشركة المنتجة... وهاري بوتر هي سلسلة حكايات عالمية للكاتبة الإنجليزية جي كي رولينغ حيث تمت الإشارة إلى ذلك سابقا، "تقع أحداثها في مدرسة داخلية مليئة بالمغامرات المثيرة، حيث يتعلم الأطفال الألعاب السحرية، بطل الحكاية صبي يتيم توفيا أبويه وهو لا يزال صغيرا يرتدي نظارة لتصحيح النظر(64)...

على سبيل الختم

يعتبر الأدب الشعبي نوعا من الخلق الأدبي، تعبر به الجماعة الشعبية عن ذاتها وأحلامها وآلامها وآمالها وطموحاتها، فهو حصيلة نتاج الجماعة حيث يتميز بالشفاهية ومتوارث عبر الأجيال، كما ينقسم هذا الأدب الشعبي إلى عدة أشكال منها الأمثال والألغاز والغناء والأساطير والحكاية الشعبية وغيرها.

وتعتبر الحكاية الشعبية من أهم هذه الأشكال التعبيرية بٱعتبارها خلاصة تجارب الأجيال مصوغة في قالب قصصي مشوق يزخر بالعبر والقيم النبيلة وهي من إبداع الخيال، تتجلى فيها حكمة الشعب وتتميز كذلك بكونها تصوير للحياة الواقعية بأسلوب فني، وذلك وذلك من خلال تجريد الأحداث وإعطائها صبغة خيالية، أو بتضارب الأحداث وتناقضها حتى تصبح شيئا فوق الواقع، والحكاية الشعبية هي مرآة عاكسة للمجتمع الذي نبتت فيه، فهي تعكس جوانبه الاجتماعية والفكرية والدينية

إن الحكاية الشعبية تشكل ضمير الشعب، وهي حاملة لمختلف تقاليده وعاداته، والاهتمام بها بشكل أكاديمي يجعلها في صلب الاهتمام العام، ويدفع بنا جميعا لفهم المتخيل الجمعي المتحكم فيها، وهو أمر مهم، كما يقول المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي: فالمتخيل الجمعي، هو بشكل من الأشكال، قارة ثقافية يجب الولوج إليها وتفكيك البنيات السردية المتحكمة فيها، والتيمات الكبرى المهيمنة عليها.

***

بقلم: د. منير محقق

كاتب وناقد وباحث أكاديمي مغربي

.......................

المراجع والمصادر باللغة العربية

- القرآن الكريم.

- إبراهيم الخطيب، ترجمة مؤلف "مورفولوجية الخرافة" لفلاديمير بروب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

- الجلالي الكدية، أنطولوجيا الحكاية الشعبية المغربية، الطبعة الأولى " أنفوبرانت"، فاس، 2014.

- أحمد زياد محبك، الحكاية الشعبية، دراسة ونصوص، مقاربات للنشر والصناعات الثقافية، الطبعة الأولى 2018، فاس، المملكة المغربية.

- مصطفى يعلى، امتداد الحكاية الشعبية، موسوعة شراع الشعبية، طنجة، سبتمبر- دجنبر 1999.

- محمد حجو، الإنسان وانسجام الكون، سيميائيات الحكي الشعبي، الطبعة الأولى، الرباط 2012.

- محمد فخر الدين، الحكاية الشعبية المغربية، بنيات السرد والمتخيل، دار نشر المعرفة، الطبعة الأولى، الرباط 2014.

- محمد فخر الدين، موسوعة الحكاية الشعبية المغربية، دار نشر معهد الشارقة، الطبعة الثانية، 2018.

مصطفى الشاذلي، ظاهرة الحيز في الخرافة الشعبية، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، ع.10/1984، ص.169- 177.

- إدريس كرم، اختيار الزوجة كما تقدمه الحكاية الشعبية المغربية، مجلة التراث الشعبي، ع.6، س.9، وزارة الإعلام، بغداد، 1978، ص.113- 129

- حسن السائح، القصة والملحمة في الأدب الشعبي، مجلة التعاون الوطني، ع35/1966.

- صلاح الدين الخالدي، الحكاية المرحة في الأدب الشعبي المغربي، مجلة المعرفة، ع149، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، تموز 1974، ص.86.

- عبد الكبير الخطيبي، صوت الحكاية، في كتاب " الاسم العربي الجريح"، ط.1، دار العودة، بيروت، 1980، ص.153- 183.

- عباس الجراري، حكايات من الفلكلور المغربي، مجلة المناهل، ع.5، س.3، وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية، الرباط، مارس 1976، ص.370- 376.

- عبد الله بن شقرون، ما قيمة القصة الشعبية المغربية، هل الخرافة من الأدب؟ مجلة الإذاعة الوطنية، ع.14، س.2/1959.

- عائشة بلعربي، صورة الطفل في الحكاية الشعبية، أعمال ندوة التربية والتغيير الاجتماعي المنعقدة بالمدرسة العليا للأساتذة، جامعة محمد الخامس من 28 ماي إلى 2 يونيو 1979، منشورات جامعة محمد الخامس، الرباط ص.86

- محمد الفاسي، الخرافات في الأدب الشعبي، ضمن بحث "نظرة عن الأدب الشعبي بالمغرب، مجلة البينات، ع.4، س.1، وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الإسلامية، الرباط، غشت 1962، ص8- 9

- مصطفى يعلي، القصص الشعبي بالمغرب، دراسة مورفولوجية، رسالة لنيل دكتوراه الدولة في الأدب العربي الحديث من كلية اداب الرباط، السنة الجامعية، 1992- 1993

- مصطفى يعلى، ظاهرة المحلية في الفن القصصي بالمغرب من أوائل الأربعينيات إلى نهاية الستينيات، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا بكلية الآداب بفاس، السنة الجامعية 1983- 1984، تحت إشراف الدكتور إبراهيم السولامي.

- شحاذة خوري، 2012، أوراق ثقافية، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق.

- واقع الرميحي، واقع الثقافة ومستقبلها في أقطار الخليج العربي، الثقافة والمثقف في الوطن العربي.

- الخطة الشاملة للثقافة العربية، المجلد الأول، الكويت، 1986م.

- عبد الرحمن الزنيدي، المثقف العربي بين العصرانية والإسلام، ط 3، دار كنوز، اشبيليا للنشر والتوزيع، الرياض، السعودية،2009.

- علي كريت، موسوعة التراث الشعبي، دار الحكمة (الجزائر)، الجزء الأول 2007.

- جيروم برونير، الثقافة وصيغ الفكر، الفكر الإنساني في آثاره، 2000.

- براتر انتروادك، علم النفس الثقافي، دار الفارابي، ط1، 2009.

- د. محمد الجوهري، 2008، ثقافات الحضارات اختلاف النشأة والمفهوم، ط 1، القاهرة، الدار

المصرية اللبنانية.

- الطاهر لبيب، سوسيولوجيا الثقافة، ط3، دار ابن رشد، عمان، 1986م.

- دنيس كوش، مارس2007مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ط1 .

- ابن منظور، لسان العرب، دار صادر.ج.3. د.ت بيروت.

- محمد بن أبي بكر عبد القادر الرازي، مختار الصحاح.

- سعيدي محمد، الأدب الشعبي بين النظرية والتطبيق.

- أحمد زياد محبك، من التراث الشعبي، الطبعة الأولى 1426ه/2005م، دار المعرفة، بيروت، لبنان.

- مالكة العاصمي، أنواع الأدب الشعبي بالمغرب، مجلة المناهل، عدد 30، س.11، وزارة الشؤون الثقافية، الرباط، يوليو 1984، ص.360- 366.

- عبد السلام هارون، التراث العربي، دار المعارف. سلسلة كتابه. 30 القاهرة (ج.ت).

- رفعت سلام، بحثا عن التراث العربي دار القلم، القاهرة، ط1989/1.

- حمود العودي، التراث الشعبي وعلاقته بالتنمية، بيروت 1986.

- فاروق خورشيد، الجذور الشعبية للمسرح العربي، القاهرة 1991م.

- د. أحمد مرسي، مقدمة الفلكلور، ص.5، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة 1976.

- مجموعة كتاب، 2008، مقدمة في دراسة التراث الشعبي، القاهرة.

- محمد الجوهري، علم الفولكلور، القاهرة 1977.

- د. أحمد مرسي، مقدمة الفلكلور، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة 1976.

- عباس الجراري، في الإبداع الشعبي، مطبعة المعارف الجديدة/ الرباط، ط1988/1.

- إدريس كرم، "الأدب الشعبي المغربي" الأدوار والعلاقات في ظل العصرنة، منشورات اتحاد كتاب

المغرب، ط1.

- عبد الحميد يونس، التراث الشعبي، سلسلة كتابك، دار المعارف، 1979.

- حسين عبد الحميد أحمد رشلان، الفولكلور والفنون الشعبية، مكتبة مدبولي، سنة 1989بتصرف

- محمد الفاسي، "دراسات مغربية من وحي البيئة"، ط.1990.

- جمال بنسليمان، "موسوعية البحث العلمي عند أعالم المغرب في ق20، عباس الجراري نموذجا"،

نشر النادي الجراري )29(مطبعة الأمنية / الرباط.

- نبيلة إبراهيم: أشكال التعبير في الأدب الشعبي، دار مكتبة غريب للطباعة، القاهرة، ط 1، 1991م.

- عبد الحميد يونس، الحكاية الشعبية، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، ط.1،1968م.

- عبد الرحمن الساريسي، الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني، المؤسسة العالمية للدراسات والنشر، ط 1، 1986م.

- عبد الحميد بورايو، الأدب الشعبي الجزائري، دار القصبة للنشر، الجزائر، (د.ط) 2007م.

- صفوة كمال، الحكاية الشعبية الكويتية، ط 1، 1986.

- محمود تيمور، فن قصص دراسات في القصة والمسرح، المطبعة اللغوية.

- حكايات شارل برُّو، جمع وتأليف الكاتب والشاعر الفرنسي شارل برُّو، ترجمة الدكتور محمود المقداد، الهيئة العامة السورية للكتاب.

مصطفى يعلى، ظاهرة المحلية في الفن القصصي بالمغرب من أوائل الأربعينيات إلى نهاية الستينيات، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا بكلية الآداب بفاس، السنة الجامعية 1983- 1984، تحت إشراف الدكتور إبراهيم السولامي.

- الأستاذ الدكتور عبد الرحمان عبد الهاشمي، أدب الأطفال، فلسفته.أنواعه. تدريسه.

- فردريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافية، نشأتها، مناهج دراستها، فنيتها، ترجمة: د.نبيلة إبراهيم، دار غريب للطباعة، القاهرة، (دط)، (دت).

- نظمي لوقا، أليس في بلاد العجائب، مجلة تراث الإنسانية، مج2.

- شريفي عبد الواحد، موسوعة ثقافة الأطفال من إليس إلى بوتر.

- مربية أمريكية، من مؤلفتها: كيف نسرد الحكايات على أطفالنا.

- د. سناء غيلان، القصص الشعبي في أصيلة، دراسة ثقافية نقدية، مؤسسة منتدى أصيلة.

- أحمد زغب، الأدب الشعبي الدرس والتطبيق، مطبعة سخري، الوادي، ط.2، (2012).

- مصطفى يعلى، القصص الشعبـي دراسة مورفولوجيا، شركة النشر والتوزيع المـدارس، الدار البيضاء، ط. 1، (1999).

- سعيدي محمد، الأدب الشعبي بين النظرية والتطبيق.

- ثريا التيجاني، دراسة اجتماعية لغوية للقصة الشعبية في منطقة الجنوب الجزائري (وادي سوف

أنموذج).

- المراجع والمصادر بغير العربية

- Hofstede, Geert et Gert Jan Hofstede, Cultures et organisations: software of

the mind, McGraw Hill, Inc, New York, 2005.

- Spradley James, Culture and Cognation, Chandle Publishing Company,

USA, 1973.

- Elisséeff (N) : Thèmes et motifs des Mille et une Nuits, I.F.D Beyrouth, 1949.

- P. Bowles.whithout stopping: an autobiography/ New york. The Ecco Press ; 1972. Trad. Française. Mémoire d’un nomade. Paris. Quai Voltaire 1989.

DRISS Ben Hamed Charhadi : A Life full of holes. New york. Grove 1964, trad.

Française CelineZins (une vie pleine de trous). Paris. Ed. Galimard. 1965.

Robert Briatte : Paul Bowles, Collection Biographique, Paris. Ed. Plon ; 1989.

Larbi Layachi : Yesterday and Today (الأمس واليوم).

- Black Sparrow Press, Santa Barbara. CA. 1985 : The Jealous Lover.

Tambouctou Books. CA. 1985.

- Le petit robert.

Flament. C. 447 : 1989.

P. Mannoni, 1989.

G. Thines, et, A. Lempreur, 1975.

Thines et Lempreur, 1975.

E.durkeheim : " forme élémentaire de la vie religieuse" puf. Paris 1968.

Baudrillard, Jean. Simulacra and Simulations. The Precession of Simulacra.

La sociologie de A à Z. Frédéric lebaron. paris.2009.p 103.

Jodolet, D. 1984.

Langenfeld 2005.

N. Sillamy ,1980.

Moscovici, " son image et son publique" édition puf, 1961.

Yves Alpe, 2005.

Ferdinand de Saussure, Cours de linguistique générale dans Bougnoux, D.

Sciences de l’information,

- Larousse, Paris, 1993, p. 12.

- Gremas, sémiotique structurale.6

- G. Courtes, Introduction à la sémiotique narrative et discursive.

- Analyse sémiotique du texte, p.15, Groupe d entre vernes.

Le roman à thèse ou L’autorité fictive puf 1983.

الهوامش

(1) ـ ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، د.ن 14/91 بتصرف.

(2) ـ ابن سيدة: المحكم والمحيط العظم في اللغة، ت.د. عائشة عبد الرحمان بنت الشاطئ، ط 2، ج3، ص. 316.

(3) ـ المنجد الأبجدي، دار المشرق، بيروت، ط 5، (د.ت)، ص. 377.

(4) ـ نبيلة إبراهيم: أشكال التعبيـر في الأدب الشعبـي، دار مكتبة غريب للطباعة، القاهرة، ط 1، 1991م، ص. 19.

(5) ـ المرجع نفسه، ص. 19.

(6) ـ نبيلة إبراهيم: أشكال التعبير في الأدب الشعبي، دار مكتبـة غريب للطباعة، القاهـرة، ط 1، 1991م، ص. 19.

(7) ـ عمر أحمد مختار، معجم اللغة العربية المعاصرة، المجلد الأول، عالم الكتاب، ص. 540.

(8) ـ نبيلة إبراهيم، المرجع السابق، ص. 19.

(9) ـ عبد الحميد يونس، الحكاية الشعبية، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، ط.1،1968م، ص. 11.

(10) ـ عبد الرحمن الساريسي، الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني، المؤسسة العالمية للدراسات والنشر، ط 1، 1986م، ص.8.

(11) ـ عبد الحميد بورايو، الأدب الشعبي الجزائري، دار القصبة للنشر، الجزائر، (د.ط) 2007م، ص.185.

(12) ـ أحمد زياد محبيك، من التراث الشعبي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ص. 20.

(13) ـ عبد الحميد بورايو، الأدب الشعبي الجزائري، دار القصبة، الجزائر، 2007م، ص. 186.

(14) ـ المقولة اجراء ذهني يعكس التفاعل الحاصل بين التجربة الجسدية والنماذج المؤمثلة وهي تلعب أدوارا أساسية في الفهم والادراك البشريين. فهي تمكن من اختزال تعقيدات المحيط كما أنها الوسيلة التي تحدد بها أشياء العالم وأحداثه وانفعالات البشر. فالإنسان يمقول العالم لكنه يجتهد داخل مقولته فيجمع بين مواضيع واحداث وانفعالات بمرونة كبرى.

جمال بن دحمان، أسس المشروع الفكري لمحمد مفتاح، الأنساق الدينامية وفلسفة انتظام الكون.

(15) - صفوة كمال، الحكاية الشعبية الكويتية، ط 1، 1986، ص. 43.

(16) ـ محمود تيمور، فن قصص دراسات في القصة والمسرح، المطبعة اللغوية، ص. 9.

(17) ـ نفسه، نفس الصفحة.

(18) ـ فراس السواح، مغامرة العقل الأولى، ص.19.

(19) ـ مصطفى الجوزو، الأساطير العربية وخرافاته، ص. 9.

(20) ـ يوسف الحلاوي، الأسطورة في الشعر العربي، ص. 9.

(21) ـ أحمد إسماعيل النعيمي، الأسطورة في الشعر العربي قبل الإسلام، ص. 34.

(22) ـ المرجع السابق، ص. 35 نقلا عن دراسة حضارية مقارنة، ص. 107 – 117.

(23) ـ فراس السواح، الأسطورة، ص. 14.

(24) ـ المرجع نفسه، نفس الصفحة.

(25) ـ رابح العوفي، أنواع النثر الشعبي، منشورات جامعية، باجي المختار، عنابة، ص. 35.

(26) ـ حكايات شارل برُّو، جمع وتأليف الكاتب والشاعر الفرنسي شارل برُّو، ترجمة الدكتـــور محمود المقداد، الهيئة العامة السورية للكتاب، ص. 6.

(27) ـ نفس المرجع السابق ص. 7، وقد ترجمها نقلا عن الموقع الإلكتروني:

(www.alyon.org/litterature/ livers/ XVIII/ esprit selon /perraultt

(28) ـ نفس المرجع السابق، ص. 8 (قد ترجمت الحكايتين الثانية والثالثة عن الموقع الإلكتروني المذكور في الهامش السابق، أما الحكاية الأولى فنقلا عن الموقع. (www.anthologie.free/free.franthologie/perrault)

(29) ـ الأستاذ الدكتور عبد الرحمان عبد الهاشمي، أدب الأطفال، فلسفته. أنواعه. تدريسه.

(30) ـ نفس المرجع / الدكتور أحمد إبراهيم صومان، فايزة محمد العزاوي، محمود محمد عليمات.

(31) ـ أنظر: أماثيل مختارة للافونتينLa fontaine: Fables choisies, Larose, Paris .

(32) ـ ويعني بهذه الموضة إقبال الشعراء والكتاب على التأليف في مواضيع مستمدة من الشرق العربي أو مستوحاة منه، ويسوغ هذا التوجه هنا بقوله: "فالجمهور كان يهتم بالقصص التركية والعربية) ويذكر بعض النماذج، انظر: أماثيل مختارة، لافونتين V.II, p. 6 – 7.

(33) ـ أنظر، أماثيل مختارة، لافونتين، ص.7، ج.II

(34) ـ م.س، V.II p9.

(35) ـ وهو كاتب أماثيل يوناني من القرنين السابع والثامن قبل الميلاد.

(36) ـ يشير بعضهم إلى أن لقمان وإيزوب هما شخصان واحد.

(37) ـV. II, P6

(38) ـ انظر كتاب: رحلة ليلة وليلة بين الشرق والغرب لينكيتا إيليسيف.

Elisséeff (N) : Thèmes et motifs des Mille et une Nuits, I.F.D Beyrouth, 1949, p. 8 – 9.

(39) ـ نبيلة إبراهيم، عالمية التعبير الشفهي، مجلة فصول، ص 24.

(40) ـ أحمد زياد محبك، المرجع السابق، ص 168- 169.

(41) ـ نبيلة إبراهيم، عالمية التعبير الشفهي، مجلة فصول، ص 24.

(42) ـ محمود مفلح البكر، مدخل البحث الميداني في التراث الشعبي، منشورات وزارة الثقافة، دمشق (د. ط)،2009 م، ص20.

(43) ـ أحمد زياد محبك، من التراث الشعبي دراسة تحليلية للحكاية الشعبية، ص159.

(44) ـ فردريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافية، نشأتها، مناهج دراستها، فنيتها، ترجمة: د.نبيلة إبراهيم، دار غريب للطباعة، القاهرة، (دط)، (دت)، ص29.

(45) ـ أحمد زياد محبك، من التراث الشعبي دراسة تحليلية للحكاية الشعبية، ص 199.

(46) ـ فريدريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافية، ص31.

(47) ـ أحمد زياد محبك، المرجع السابق، ص160- 161).

(48) ـ محمود مفلح البكر، مدخل البحث الميداني في التراث الشعبي، ص19.

(49) ـ فريدريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافية، ص 252.

(50) ـ محمود مفلح البكر، مدخل البحث الميداني في التراث الشعبي، ص20.

(51) ـ فريدريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافية، ص 5.

(52) ـ المرجع نفسه، ص5.

(53) ـ ينظر المرجع نفسه، ص5- 6.

(54) ـ المرجع نفسه، ص137.

(55) ـ نبيلة إبراهيم، أشكال التعبير في الأدب الشعبي، ص56.

(56) ـ فريدريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافية، ص 6- 7.

(57) ـ المرجع نفسه، ص7.

(58) ـ المرجع نفسه، ص7.

(59) ـ المرجع نفسه، ص178.

(60) ـ فريدريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافية، ص189.

(61) ـ المرجع نفسه، ص7.

(62) ـ المرجع نفسه، ص 5.

(63) ـ نظمي لوقا، أليس في بلاد العجائب، مجلة تراث الإنسانية، مج2، ص321.

(64) ـ شريفي عبد الواحد، موسوعة ثقافة الأطفال من إليس إلى بوتر، ص 70- 71.

ملخص البحث: يهدف هذا البحث إلى دراسة الإضافة في النحو العربي دراسة وصفية تحليلية، مع التركيز على المفاهيم التي تناولها النحويون القدامى والمعاصرون. وقد تم الاعتماد على مصادر كلاسيكية بارزة، منها ابن منظور، والرضي الاستراباذي، وابن يعيش، وابن هشام، وعباس حسن، وابن السراج، والسيرافي، إضافة إلى مراجع حديثة تتناول الإضافة من منظور لغوي تحليلي.

يتناول البحث تعريف الإضافة عند سيبويه والمبرد والسيوطي، ويحلل الإضافة في شرح كافية ابن الحاجب، مع توضيح أقسامها بحسب الغرض: الإضافة المعنوية والإضافة اللفظية، والإضافة اللازمة والمبهمة. كما يناقش البحث معاني الإضافة عند الخليل الفراهيدي (الميل)، والرازي، وابن الحاجب، ويبين العلاقة بين المضاف والمضاف إليه في بنياتها الدلالية والصرفية.

ويشير البحث إلى أن هذه الدراسة تمثل الجزء الأول من مشروع بحثي، حيث يركز البحث الثاني على الإضافة في اللسانيات الحديثة، بما يتيح مقارنة البنية التقليدية مع البنية الحديثة من حيث الدلالة والأسلوب.

الكلمات المفتاحية: الإضافة، النحو العربي، المضاف والمضاف إليه، الإضافة المعنوية، الإضافة اللفظية، النحويون القدامى، الدراسات اللغوية المعاصرة.

This study aims to examine the genitive construction in Arabic grammar through a descriptive-analytical approach, focusing on concepts discussed by both classical and contemporary grammarians. The research draws on prominent classical sources, including Ibn Manzur, Al-Radhi Al-Istrabadi, Ibn Ya’ish, Ibn Hisham, Abbas Hassan, Ibn Al-Saraj, and Al-Sirafi, as well as modern studies on analytical and linguistic perspectives of genitive constructions.

The study investigates definitions of genitive constructions by Sibawayh, Al-Mubarrad, and Al-Suyuti, analyzes the constructions in Ibn Al-Hajib’s Kafiya, and categorizes genitive types according to their purpose: semantic (meaning-based) and verbal (form-based) genitives, as well as necessary and indefinite genitives. It also examines the genitive concepts of Al-Khalil Al-Farahidi (inclination), Al-Razi, and Ibn Al-Hajib, highlighting the semantic and syntactic relations between the head and the complement.

This research represents the first part of a two-part project, with the second study focusing on genitive constructions in modern linguistics, enabling a comparison between classical and contemporary structural and semantic patterns.

Keywords: Genitive construction, Arabic grammar, head and complement, semantic genitive, verbal genitive, classical grammarians, contemporary linguistic studies.

مقدمة

الإضافة في النحو العربي تعد من أبرز القضايا النحوية التي اهتم بها النحويون منذ بداية علوم اللغة العربية. فقد تناول سيبويه والمبرد والسيوطي وغيرهم الإضافة باعتبارها علاقة تركيبية أساسية بين الاسم المضاف ورأس المركب، تعكس دلالة الملكية أو التبعيض أو التصنيف أو التخصيص، وتظهر اختلافاتها بحسب السياق الدلالي والصرفي. وقد ركزت الدراسات الكلاسيكية، بدءًا من الخليل الفراهيدي ورازي وابن الحاجب، على أنواع الإضافة ومعانيها الأساسية، مثل الميل والملكية والضرورية، بينما تناولت الدراسات الحديثة من مثل عباس حسن دراسة هذه البنيات في إطار تحليلي ودلالي أوسع، بما يشمل الإضافة المعنوية واللفظية واللازمة والمبهمة.

إن دراسة الإضافة لا تقتصر على التعريف الصرفي فحسب، بل تشمل تحليل العلاقات الدلالية بين المضاف والمضاف إليه، وفهم أبعادها من حيث الملكية، والتبعيض، والعلاقة بين الكل والجزء، وأصل الحدث، والمعنى التصوري المرتبط بالمالك والضحية والخصائص المميزة. ومن هذا المنطلق، يمثل البحث الحالي محاولة لتجميع هذه المفاهيم وتوضيحها في إطار متكامل، مع إظهار كيف يمكن أن يكون للبحث الأول صلة بالبحث الثاني في مشروع البحثين، الذي يركز على الإضافة في اللسانيات الحديثة، وبالتالي يُتيح مقارنة دقيقة بين البنية التقليدية والبنية الحديثة للإضافة.

كما يسعى البحث إلى تقديم إطار معرفي يوضح استمرارية الدراسات اللغوية من النحويين القدامى إلى الدراسات المعاصرة، مع توظيف الأدوات الوصفية والتحليلية لتفسير اختلافات البنية الدلالية، وبيان الأدوار المتنوعة للمضاف والمضاف إليه، بما يتيح فهمًا أعمق للظاهرة الإضافية في النحو العربي وارتباطاتها المعجمية والدلالية.

حاولت في هذا البحث تقديم مجموعة من المفاهيم الأساسية، وبعض التصورات الجديدة لموضوع الإضافة، حيث بدأت بالحديث عن كيفية تناول النحو العربي القديم لموضوع الإضافة عند القدماء فقدمت أهم ما قاله النحاة القدماء في هذا الموضوع وأخص بالذكر سيبويه و المبرد وابن السراج... أولا تعريف الإضافة لغة واصطلاحا، ثانيا أقسام الإضافة بما في ذلك الإضافة المعنوية و الإضافة اللفظية، ثالثا معاني الإضافة التي تكون بمعنى "اللام" و "من" و "في" و المحور الرابع أدرجت فيه الأمور التي يكتسبها الإسم بالإضافة، وأخيرا ختمت بخلاصة.

1 - المركبات الاسمية والإضافة:

المركب: يعرف ابن منظور المركب كما يلي: رَكَّبَ الشيء: وضع بعضه على بعض وقد تَرَّكَبَ وتَرَاكَبَ"(1) أي أن المعنى اللغوي للمركب هو الموضوع بعضه على بعض،

وتحد كتب التعريفات المركب بما يأتي:

المركب ما أريد بجزء لفظه الدلالة على جزء معناه، والمركبات خمسة أنواع المركب الإسنادي (قام زيد)، والمركب الإضافي (غلام زيد)، والمركب العددي (خمسة عشر)، والمركب المزجي (بعلبك)، والمركب الصوتي (سيبويه).

وأما التركيب في اصطلاح الصرفيين، فهو جمع حرفين أو حروف بحيث يطلق عليهما كلمة واحدة، والتركيب عند النحاة مقابل الإفراد، فإن كان بين جزئي المركب إسناد سمّى جملة وإن لم يكن بينهما إسناد، فإما أن تكون بينهما نسبة تقييدية ويكون أحد الجزأين قيداً للآخر فيسمى مركبا تقييدا، فإن كان أحدهما مضافا والآخر مضافا إليه سمّي مركبا إضافيا وإن كان أحدهما موصوفا والآخر صفة سمي مركبا توصيفيا".

ويرى ابن الأنباري أن "الاسمين إذا ركِّبا دلاّ على معنى واحد"، وهذا في مجال حديثه عن أحكام العدد المرّكب (خمسة عشر) (2).

* ويقول الرضي الاستراباذي: "قوله ليس نسبة قبل العلميّة وليس بمبنيّين بعد التسمية بهما"(3).

ولعله يقصد أن النسبة قد تحققت في تقدير معنى الحرف في الإضافة، لأنها إما أن تكون على تقدير (اللام) في غلام زيد، أي غلام لزيد.

وإما أن تكون على معنى (من) في نحو: خاتم ذهب، أي خاتم من ذهب.

* ويفرق ابن يعيش بين نوعين من التراكيب:

التركيب الأول: تركيب الإسناد، وهو خاص بالجمل، والثاني تركيب الإفراد، وهو بين المفردات من غير إسناد(4).

ثم يعود للحديث عن المركب، فيقسم التركيب فيه إلى نوعين: تركيب من جهة اللفظ فقط، وهو تركيب الأعداد (خمسة عشر)، والثاني تركيب من جهة اللفظ والمعنى نحو (حضر موت) لتحويله إلى العلميّة.

وهنا يقصد "ابن يعيش" أن التركيب العددي يحتفظ كل جزء بمعناه الأصلي، مع أدائهما معنا جديدا، أما التركيب في النوع الثاني (حَضْرَ مَوْت) فقد انصهرت دلالة الكلمتين في شيء واحد، مؤدية معنى العلميّة في كل مركب.

* ويتحدث ابن هشام عن المركب في أثناء كلامه على العلم فيقول: "ينقسم (العلم) إلى مفرد كزيد وهند، وإلى مركب وهو ثلاثة أنواع: مركب إسنادي ومركب مزجي، ومركب إضافي"(5).

وعرّف عباس حسن: المركب بقوله: المركب ما تَكوَّن من كلمتين أو أكثر وهو ثلاثة أقسام: المركب الإضافي، والمركب المزجي، والمركب الإسنادي(6)، وذلك في حديثه عن العلم.

1 - الاسم وحدوده:

يعرف ابن السراج الإسم قائلا:"الاسم ما دل على معنى مفرد، وذلك المعنى يكون شخصا وغير شخص. فالشخص نحو: رجل وفرس وحجر وبلد وعمرو وبكر. وأما ما كان غير شخص، فنحو: الضرب والأكل والظن والعلم واليوم والليلة والساعة"(7).

ثم يضيف قائلا: "وإنما قلت ما دل على معنى مفرد لأفرق بينه وبين الفعل، إذا كان الفعل يدل على معنى وزمان، وذلك الزمان إما ماض، و إما حاضر، وإما مستقبل. فإن قلت: إن في الأسماء مثل اليوم والليلة والساعة، وهذه أزمنة، فما الفرق بينها وبين الفعل، قلنا: الفرق أن الفعل ليس هو زماناً فقط كما أن اليوم زمان فقط. فاليوم معنى مفرد للزمان، ولم يوضع مع ذلك لمعنى آخر، ومع ذلك إن الفعل قد قسم بأقسام الزمان الثلاثة (...) فإذا كانت اللفظة تدل على زمان فقط، فهي اسم، وإذا دلت على معنى وزمان محصل فهي فعل..." (8).

ونجد السيرافي يحد الاسم بأنه "كلمة دلت على معنى في نفسها من غير اقتران بزمان محصل"(9). فالكلمة جنس لأنواع الكلم الثلاثة، الاسم والفعل والحرف، ودلالتها على معنى في نفسها احتراز من الحرف الذي يدل عندهم على معنى في نفسه، وشرط عدم الاقتران بزمان محصل احتراز من الأفعال المتصرفة، يجمع الأسماء والمصادر، ويمنع الأفعال المتصرفة. وعليه تكون الأسماء دالة على "الأشخاص"، كما أوضح ابن السراج، او على الأحداث. و"الأحداث تدل على أزمنة مبهمة إذ لا يكون حدث إلا في زمان، ودلالة الفعل على زمان معلوم إما ماض أو غير ماض..." (10).

وبعد هذه التعاريف، يذكر القدماء "أشياء الاسم التي يعرف بها"، أو خصائصه

وعلاماته، كدخول التنوين والإضافة، والألف واللام، وقبول الجمع، والتكسير، والتصغير، والنعت الخ(11).

الإضافة لغة:

إن المتتبع للمعاجم العربية يجد دلالات متعددة للجذر (ض ي ف) وقد خضعت هذه الدلالات للتطور ويمكن إجمال أبرز هذه الدلالات على الشكل التالي:

جاء في لسان العرب، لابن منظور تعريف الجذر "ضيف" كالتالي:

ضيف: ضِفْتُ الرجل ضَيْفاً وضيافَةً وتَضَيَّفْتُهُ: نزلت به ضيفاً وملتُ إليه، وقيل: ضاف إليه: مال وَدَنَا، والمضاف: الملصق بالقوم، الممال إليهم وليس منهم، وكل ما أميل إلى شيء وأسند إليه، فقد أضيفَ وضَافَتْ الشمس تَضيفُ وضَيَّفَت وتَضَيَّفَتْ: دنت للغروب وإضافة الاسم إلى الاسم كقولك غلام زيد، فالغلام مضاف وزيد مضاف إليه، والغرض بالإضافة التخصيص والتعريف، ولهذا لا تجوز أن يضاف الشيء إلى نفسه لأنه لا يعرف نفسه، فلو عرفها لما احتيج إلى الإضافة. وأضفت الشيء إلى الشيء أي أملته،

والإضافة لغة: هي مصدر أضاف، وتعني الميل عند الخليل الفراهيدي إذ: يقال: هو مضاف إلى شيء أي ممال إليه وأضاف الشيء إلى الشيء أَمَاله.

وذهب على المعنى نفسه الرازي إذ يقول: تَضَيفت الشمس مالت إلى الغرب، كما تعني الإضافة في اللغة أيضا معنى النسبة والإسناد: قال ابن هشام في شرح شذور الذهب عند تعليقه على بيت امرئ القيس:

فلما دَخَلْناه، أضفنا ظهورَنا  *  إلى كَلِّ حاريِّ قَشِيبٍ مُشَطَّبٍ

أي أسندنا ظهورنا إليه وأملناها؛

الإضافة اصطلاحا:

عرف ابن يعيش الإضافة بقوله: إضافة الاسم إلى الاسم يعني إيصاله إليه من غير فصل، وجعل الثاني من تمام الأول، ينزل منه منزلة التنوين(12).

ويعرف ابن هشام الإضافة بقوله هي: "إسناد اسم إلى غيره، على تنزيل الثاني من الأول منزلة تنويه أو ما يقوم مقام تنوينه، ولهذا أوجب تجريد المضاف من التنوين" نحو: غلام زيد، خاتم فضة(13).

وذهب النحاة إلى أن "الإضافة" هي ربط اسمين أحدهما بالآخر على وجه يفيد تعريفا أو تخصيصا"

* وقال عنها ابن عقيل: أنها "إضافة اسم إلى آخر بحذف ما في المضاف من التنوين دون الإعراب وهي نون التثنية ونون الجمع وما ألحق بهما"(14).

* وعرفها الدكتور عباس حسن فقال: "الإضافة: هي العلة المعنوية الجزئية التي بين المتضايفين (المضاف والمضاف إليه) (15).

وقد أشار ابن السرّاج إلى هذا في قوله: "اعلم أن المضاف إليه على ضربين: ضرب منه يكون الاسمان فيه كحروف زيد وعمرو، يراد بهما التسمية فقط، كرجل اسمه عبد الله، فهذا الضرب لا يجوز أن تخبر فيه عن المضاف إليه لأنه كبعض حروف الاسم، وضرب ثان من الإضافة، وهي التي يراد بها الملك، نحو دار عبد الله، وغلام زيد، فهذان منفصلان جمع بينهما الملك ومتى زال الملك زالت الإضافة(16).

أقسام الإضافة:

أ - الإضافة المعنوية: هي التي تفيد التعريف والتخصيص، وذلك بأن يكون حرف إضافة مقدّر يوصل معنى ما قبله إلى معنى ما بعده، وتسمّى المحضة، أي الخالصة، يكون المعنى فيها موافقا للفظ(17)، وتسمّى حقيقية لأنها خالصة من تقدير الانفصال، وفائدتها راجعة إلى المعنى، وهذا هو الغرض الأصلي من الإضافة، فإذا أضيف اللفظ إلى معرفة اكتسب تعريفا نحو: غلام الرجل، وإذا أضيف إلى نكرة اكتسب تخصيصا، نحو: غلام رجل(18).

قال ابن الحاجب: فالمعنوية أن يكون المضاف غير صفة مضافة إلى معمولها بمعنى (اللام) فيما عدا جنس المضاف وظرفه، أو بمعنى (من) في جنس المضاف، أو بمعنى (في) في ظرفه وهو قليل نحو: غُلامُ زَيْدٍ، وخَاتَمُ فضة وحزبُ اليوم، وتفيد تعريفا  مع المعرفة وتخصيصا مع النكرة، وشرطها تجريد المضاف من التعريف وما أجازه الكوفيون من: الثلاثة الأثواب وشبهه من العدد ضعيف، وعرّف مصطفى الغلاييني الإضافة المعنوية بأنها تفيد التعريف و التخصيص وضابطها أن يكون وصفا مضافا إلى غير معموله نحو: كتابُ القاضي، مأْكُولُ الناس وتفيد تعريف المضاف إن كان المضاف إليه معرفة نحو هذا كتاب سعيد فالكتاب اسم نكرة فلما أضيف إلى معرفة وهو (سعيد) تعرّف، وتخصصه إن كان نكرة نحو (هذا كتاب رجل) كتاب: اسم نكرة يصلح لأن يراد به كتاب رجل أو امرأة أو غلام أو غلامه فلما أضيف إلى رجل قل إيهامه وشيوعه فانحصر في أنه كتاب رجل هذا هو معنى التخصيص وقد عرف ابن هشام الإضافة المعنوية: بأنها نسبة بين اسمين بين اسم إلى آخر على معنى حرف الجر نحو (غلام زيد) أي غلام لزيد و و فائدتها أنها تفيد تعريف المضاف وتخصيصه، والإضافة المعنوية تكون على معنى حروف الجر (من، في، واللام) بخلاف اللفظية.

ب - أما الإضافة اللفظية: فلا تفيد تعريفا ولا تخصيصا، وإنما تفيد التخفيف أو رفع القبح بحذف التنوين من المضاف: نحو: ضارب زيد، ومكرم عمرو، ورفع القبح بإضافة الصفة المشبهة إلى ما بعدها حين لا يحسن أن تعمل الرفع أو النصب فيما بعد نحو: حسن الوجه، وذلك لقبح إن ترفع (الوجه) على الفاعليّة أو تنصبه على المفعولية، وفي الجر تخلّص من هذا القبح، لأن رفع الوجه على الفاعلية قبيح لخلوّ الصفة المشبهة من ضمير يعود على الموصوف لفظا، ولهذا يحسن أن تقول: مررت برجل حسن وجهه بالرفع لوجود الضمير المضاف إليه في الوجه لفظا العائد على الموصوف، والنصب قبيح كذلك لأن فيه إجراء وصف القاصر مجرى وصف الفعل المتعدّي(19).

وضابط الإضافة اللفظية أن يكون المضاف صفة تشبه المضارع في كونها مراداً بها الحال أو الاستقبال، ولذلك بأن يكون اسم الفاعل نحو: ضَاربُ زَيْدٍ، أم اسم مفعول نحو: مروع القلب أو صفة مشبهة نحو حسن الوجه (20). ومن أدلتهم على ذلك: أن النكرة قد وصفت بمضاف إضافة لفظية كما في قوله تعالى: ﴿ليحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾ وقوله سبحانه: ﴿هَدْياً بالغ الكعبة﴾(21) وأن المضاف إضافة لفظية وقع حالاً، والحال لا ياتي إلا نكرة أو مؤولا بها(22)، كما في قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله﴾(23).

معاني الإضافة:

تكون الإضافة بمعنى اللام عند جميع النحويين، ورأى بعضهم أنها تكون بمعنى "من" أو "في"، وضابط ذلك كما يذكر ابن عقيل أنه إن لم يصلح إلا تقدير "من" أو "في"، فالإضافة بمعنى ما تعيَّن تقديره، وإلا فالإضافة بمعنى اللام، وتكون الإضافة بمعنى "من"، إن كان المضاف إليه جنسا للمضاف، نحو هذا ثوب خز وخاتم حديد، والتقدير: هذا ثوب من خز، وخاتم من حديد.

وتكون بمعنى "في" إن كان المضاف إليه ظرفا واقعا منه المضاف نحو "أعجبني ضَرْبُ اليومِ زيداً أي:

ضربُ زيدٍ في اليوم، ومنه قوله تعالى: "للذين يُؤلون من نسائهم تربُّص أربعةِ أشهرٍ". وتكون بمعنى "اللام  " إن لم يتعين تقدير "من" أو "في" نحو "هذا غلاُم زيدٍ" وهذه يدُ عمروٍ 1» .

ومعنى اللام كما يذكر السيوطي هو الأصل، لذلك يحكم به مع صحة تقدير اللام، وامتناع تقدير غيرها مثل: "دارُ زيدٍ" فتقدر "دارٌ لزيدِ".

الأمور التي يكتسبها الإسم بالإضافة:

يذكر "ابن هشام" أن الاسم يكتسب عشرة أمور بالإضافة:

وهذه الأمور هي:

الأول: التعريف نحو "غلام زيد"

الثاني: التخصيص نحو "غلام امرأة"،

الثالث:التخفيف نحو "ضارب زيد" إذ الأصل أن ينصَب "زيد" ولكن الخفض أخف منه.

الرابع: إزالة القبح أو التجوز مثل "مررت بالرجل الحسن الوجه" فإن الوجه إن رُفع قَبُح الكلام، وذلك لخلو الصفة لفظا من ضمير الموصوف.

الخامس: تذكير المؤنث كما في "إنَّ رحمتَ اللَّهِ قريبٌ من المحسنينَ.

السادس: تأنيث المذكر: قُطعت بعضُ أصابعه" وقُرئ: "تلتقطه بعض السيَّارة" وشرط هذه المسألة وما قبلها، صلاحية المضاف للاستغناء عنه فلا يجوز "أَمة زيدٍ جاء" وغلام هندٍ ذهبت".

السابع: الظرفية نحو: تؤتي أُكْلها كلَّ حين .

الثامن: المصدرية نحو: وسيعلمُ الَّذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبونَ.

التاسع: وجوب التصدير، فوجب تصدير المبتدأ في نحو: غلامُ من عَندَك"، وتقديم الخبرفي نحو "صبيحةُ أيِّ يومٍ سفرُك " وتقديم المفعول في نحو: " غلامَ أيِّهم أكرمت"، وفي مجرورها في نحو " مِن غلامِ أيِّهم أنت أفضلُ".

العاشر: الإعراب والأكثر البناء.

الحادي عشر: البناء2

تعريفات الإضافة عند القدماء:

الإضافة عند سيبويه:

درس سيبويه موضوع الإضافة تحت عنوان (باب الجر)(24)، وجعل الإضافة في ثلاثة أصناف هي: إضافة حرف جر إلى اسم، وإضافة اسم إلى اسم، وإضافة ظرف إلى اسم، فقال: "هذا باب الجر: والجر إنما يكون كل اسم مضاف إليه، واعلم أن المضاف إليه ينجرّ بثلاثة أشياء: بشيء ليس باسم ولا ظرف، وبشيء يكون ظرفا، وباسم لا يكون ظرفا"(25). ومثَّل على الإضافة بإضافة حرف الجر إلى الاسم، بقوله: "فأما الذي ليس باسم ولا ظرف فقولك: مررت بعبد الله، وهذا لعبد الله، وما أنت كزيد، يا لبكر، وتالله لا أفعل ذاك، كما مثَّل على إضافة الظرف إلى الاسم بقوله: "أنت خلفَ عبدِ الله، وأمام زيدٍ، وقدّام أخيك"(26). ويلاحظ هنا أن سيبويه كأنما يحصي حروف الجر والظروف بما يصلح أن يكون أساسا لمعجم نحوي في هذه الموضوعات.

وقد فسر معنى الإضافة بحرف الجر بقوله: "فإذا قلت مررت بزيد فإنما أضفت المرور إلى زيد بالباء ... وإذا قلت: أنت كعبد الله فقد أضفت إلى عبد الله الشبه بالكاف". وهذا يعني أننا نضيف (للنسب) معنى الفعل إلى الاسم الذي بعد حرف الجر، وقد يكون هذا المعنى مفهوما من الأحرف المرافقة في السياق، مثل معنى (الشّبه) في الكاف المذكورة في المثال، ومثل معنى الفعل (أدعو) المفهوم من حرف النداء في قولنا: يا لبكر.

ومثّل على الأسماء التي تضاف إلى الأسماء بنوعين من الأسماء، فقال: " وأما الأسماء فنحو: مثل، وغير، وكل، وبعض، ومثل ذلك أيضا الأسماء المختصة، مثل: جدار، ومال، وأفعل، نحو قولك: هذا اعمل الناس وما أشبه هذا من الأسماء كلها، وذلك قولك: هذا مثلُ عبد الله، وهذا كلُّ مالك ... وجدار أخيك ... وهذا أشر الناس"(27).

ويلاحظ هنا أنه جعل الأسماء التي تضاف: مختصة وغير مختصة، وأنه جعل (أفعل) مع الأسماء المختصة، ومثّل لها معها: هذا أعمل الناس، وهذا أشدُّ الناس.

الإضافة عند المبرد:

درس المبرد الإضافة تحت عنوان: باب الإضافة، وتابع سيبويه، فجعل الباب على ضربين: "فمن المضاف إليه ما تضيف إليه بحرف جر، ومنها ما تضيف إليه اسماً مثله"(28).

وقد صنف القدماء الإضافة تصنيفا دلاليا، فجعلوها صنفين: إضافة معنوية، وإضافة لفظية.

وقد بين المبرد من الناحية التركيبية أن الاسم إذا أضيف إضافة معنوية لا تدخل عليه (أل) ويحذف من آخره (النون) و(التنوين): "لا تدخل (أل) على المضاف إضافة محضة"(29)، وتحذف الإضافة النون والتنوين"(30).

ويفصل المبرد القول في إضافة (اسم الفاعل)، فإن كان اسم الفاعل بمعنى الفعل الماضي، فلا يجوز تنوينه ولا يجوز أن تدخل عليه (أل) عند إضافته، مثال ذلك: هذا ضارب زيد أمس، فهذا بمنزلة: هذا غلام زيد، وهذا يعني أنه في هذه الحالة يضاف إضافة معنوية ويكتسب التعريف من المضاف إليه. وغن كان اسم الفاعل بمعنى الفعل المضارع فإن إضافته إضافة لفظية، فإذا حذف منه التنوين وأضيف إلى المعرفة، فإنه يبقى نكرة ولا يتعرف بالإضافة، وإنما كان حذف النون هنا للتخفيف: "لأنك إنما تحذف النون استخفاف، فلما ذهبت النون أعقبتها الإضافة، والمعنى معنى ثبات النون، فمن ذلك قول الله عز وجل: ﴿هَدْياً بالغ الكعبة﴾ فلو لم يرد لاتنوين لم يكن صفة ل- هدي وهو نكرة"(31)، وهو يعني أن النكرة لا توصف إلا بنكرة، وهذا دليل على أن اسم الفاعل هنا ما يزال نكرة وإن أضيف على معرفة.

وبين المبرد أن إضافة الصفة المشبهة لا تكون إلا لفظية، قائلا: "اعلم أن هذه الصفة إنما حدها أن تقول: هذا رجل حسن وجهه ، ويجوز أن تقول: هذا رجل حسن الوجه، فالوجه لم يجعل (حسنا) معرفة وإن كان مضافا إليه، وذلك لأن التنوين هو الأصل، ومعنى هذه الإضافة الانفصال(32)، فالتنوين هنا معنوي وقد بقيت الصفة (حسن) نكرة وإن أضيفت إلى المعرفة، فهذه الإضافة لفظية.

وتبقى إضافة الصفة المشبهة لفظية مع دخول (أل) عليها، في مثل: قولنا الحسن الوجه فهي نكرة وإن كانت محلاة ب- (أل) ومضافة إلى محلّى ب- (أل) لأن ها هنا نية التنوين(33)، وقاس الفاعل المُحلى ب- (أل) على الصفة المشبهة: "ومن قال: الضارب الرجل فيقول تشبيها بالحسن الوجه، ولا تقول: "الضارب زيد، كما لا تقول: الحسن وجهٍ"(34).

وقد فصل المبرد في كثير من أحكام الإضافة، ومن ذلك:

1 - أن الأسماء المبهمة لا تضاف، ويعني بها: أ سماء الإشارة، والأسماء الموصولة، والضمائر فهذه لا تضاف لأنها لا تكون نكرات، فهي أسماء معرفة ولا تحتاج إلى تعريف.

2 - العلم لا يثنى ولا يجمع ولا يضاف، ومن ذلك تأبط شراً، وسرّ من رأى، ومعلوم أن هذا النوع من الأعلام يثنى بإضافة (ذوا، ذوي) ويجمع بإضافة (ذوو، ذوي)، فنقول في التثنية: جاء ذوا تأبط شراً، رأيت ذوي تأبط شراً، وجاء: ذوو تأبط شراً، رأيت ذوي تأبط شراً في الجمع.

3 - الظروف لا تضاف إلا إلى المصادر أو إلى الجمل، و خرَّجوا قول العرب: يوم الجمل، ويوم حليمة، على حذف المصدر (المضاف إليه) فالتقدير: يوم حرب الجمل، ويوم حرب حليمة، وبينوا أن (حيث وإذ) تضافان إلى الجملة الاسمية والجملة الفعلية، أما الظرف (إذا) فلا يضاف إلا إلى الجملة الفعلية، وخرجوا قوله تعالى: ﴿إذا السماء انشقت﴾، و﴿إذا السماء انفطرت﴾ على تقدير فعل بعد إذا فالتقدير عندهم: إذا انشقت السماء، إذا انفطرت السماء، علما بأن سيبويه أجاز إضافة إذا إلى الجملة الاسمية إن كانت إذا شرطية، قال: "والرفع بعدها (حيث وإذا) جائز؛ لأنك قد تبتدئ الأسماء بعدها، فتقول اجلس حيث عبد الله جالس، وأجلس إذا عبد الله جلس"(35).

4 - المصادر المثناة مثل (لبيك، سعديك، حنانيك) لا تضاف إلا على ضمير المخاطب، 5 - بعض الأسماء لا تعرّف إلا بالإضافة، مثل: (مثلك، نحوك، غيرك)، أما شبيهك فلا يكون إلا معرفة، لأنه مأخوذ من شابهك، أما الأسماء السابقة فهي نكرة؛ لأنها مبهمة في الناس أجمعين(36).

6 - تدخل (أل) على المعدود المضاف إليه ولا تدخل على العدد المضاف فنقول: ثلاثة الأثواب، لأن المضاف إنما يعرفه المضاف إليه .

7 - العدد المبني على فتح الجزأين (ثلاثة عشر – تسعة عشر) يبقى على بنائه عند الإضافة.

8 - عند إضافة العدد المبني على وزن اسم الفاعل، تقول: هذا ثاني اثنين، بمعنى أنه: احد اثنين، فإذا قلت: ثالث اثنين، فمعناه أنه جاء إلى اثنين فأصبحوا به ثلاثة.

9- العدد إذا كان على وزن اسم الفاعل فإن إضافته لفظية، كما يرى المبرد، ولذلك يجوز أن نقول: هذا رابع ثلاثة، وهذا يعني أن إضافته في مثل: هذا رابعُ ثلاثةٍ، من باب إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله في المعنى، ويجوز أن نقول: هذا خامس أربعة عشرَ، وأنت تقصد: خامس عشر أربعة عشر، حذف للتخفيف مثلما حذف التنوين للتخفيف(37).

الإضافة عند ابن السرج:

درس ابن السراج الجر بالحرف والجر بالإضافة في إطار نظرية العامل؛ فالفعل هو العامل في رفع الأسماء المرفوعة، ونصب الأسماء المنصوبة في الجملة الفعلية، والحرف هو الذي يعمل الرفع والنصب والجر في الأسماء التي تقع بعده، كما يعمل الرفع والنصب والجزم في الفعل المضارع.

والاسم يعمل في الاسم على ثلاثة أضرب: "ضرب يبنى عليه اسم مثله أو يبني على اسم ويأتلف بهما الكلام ويتم بفقدان العوامل ... والضرب الثاني أن يعمل الاسم بمعنى الفعل، والأسماء التي تعمل عمل الفعل أسماء الفاعلين وما شبه بها والمصادر والأسماء التي سموا الأفعال بها ... والضرب الثالث: أن يعمل الاسم لمعنى الحرف، وذلك في الإضافة، والإضافة تكون على ضربين: تكون بمعنى (اللام) وتكون بمعنى (من)..."(38).

ويختتم ابن السراج تفسيره لعمل الاسم بقوله: "واعلم أن الاسم لا يعمل في الفعل ولا في الحرف، بل هو المعرض للعوامل من الأفعال والحروف(39).

ويفهم من هذا أن هذه العوامل (الأسماء، والأفعال، والحروف) تبني علاقات مع الأسماء في سياق الجملة فتحدد وظائفها، وينتج عن هذا التحديد علامات إعرابية محددة، فكان وأخواتها مثلاً تدخل على الجملة الاسمية، وتُكسِب المبتدأ والخبر وظائف جديدة، فيصبح المبتدأ اسم كان (هذه وظيفته الجديدة) ويأخذ خبر المبتدأ وظيفة جديدة هي خبر كان، وينتج عن ذلك علامات إعرابية جديدة، ولما كانت هذه الأسماء والأفعال والحروف هي المؤثرات التي حددت الوظائف وعلاماتها، سميت عوامل.

وفي إطار هذا النظر جعل ابن السراج موضوع الإضافة تحت عنوان: "المجرور بالإضافة"، وقسم الإضافة إلى محضة وغير محضة؛ والإضافة لا تجتمع مع "الألف واللام" ولا تجتمع أيضا مع التنوين، ولا يجتمع الألف واللام والتنوين(40).

وجعل الإضافة غير المحضة في أربعة أضرب:

الأول: إضافة اسم الفاعل وأنت تريد التنوين، نحو: هذا ضاربُ زيدٍ غداً، وهو بمعنى يضرب.

الثاني: إضافة الصفة الجاري إعرابها على ما قبلها وأنت تريد التنوين، وهي في المعنى لما أضيفت إليه، نحو: مررت برجلٍ حسنِ الوجهِ، المعنى: حسن وجهه.

الثالث: إضافة أفعل إلى ما هو بعض له، نحو: زيد أفضل القوم، فقد أضفته إلى جماعة هو أحدهم ..." وأفضل هذه لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث، وهي (أفضل) التي إذا لم تضفها صحبتها (من)" (41).

وهو يعني أن (أفضل: أفعل) شديدة الشبه بالفعل، ومعنى: زيد أفضل القوم: زيد يزيد فضله على فضل القوم، ولأنه بمعنى الفعل فلا يثنى ولا يُجمع كالفعل تماماً، ثم إنه لا يؤنث لأنه بمعنى المصدر، والمصدر مذكر. ويلاحظ تأثير المنطق في هذا التعليل ولا يحتاج (إفراد أفعل وتذكيرها) في هذا المقام إلى تفسير، وإنما يكفي فيها مجرد وصفها كما هي في سياقها.

والفرق بين زيد أفضل القوم، وزيد أفضل من القوم؛ أنه في الجملة الثانية منفصل عنهم، وفي الأولى (في الإضافة) هو واحد منهم، وإذا كانت (أفعل) بمعنى (فاعل) ثنيت وجمعت وأنثت، فقلت: "زيد أفضلكم، والزيدان أفضلاكم، والزيدون أفضلوكم، وأفاضلكم، وهند فضلاكم، والهندان فضلياكم، والهندات فضلياتكم"، ويبين أن دخول (أل) على (أفعل)

يغنيه عن (من) و(الإضافة) (42).

الرابع: ما كان حفه أن يكون صفة للأول، وذلك كقولهم: صلاة الأولى، ومسجد الجامع، وهو يرى أن الشيء لا يضاف إلى نفسه وخرج ذلك على تقدير مضاف إليه محذوف.

فالتقدير: هذه صلاة الساعة الأولى، وهذا مسجد الوقت الجامع، وبين أن الشيء لا يضاف إلى صفته ولا تضاف صفته إليه، فلا تقول: زيد الشيخ، ولا: شيخ زيدٍ ولكن يجوز أن نضيف الاسم إلى اللقب، فنقول: ثابت قطنة، وزيد بطة، لأن اللقب يزيد الاسم شهرة، فيزداد به تعريفا(43).

وقد خص ابن السراج إضافة الأسماء إلى الجمل بعنوان خاص، وجعل هذا النوع من الإضافة غير المحضة. كما يذكر (إضافة الاسم) إلى (المصدر المؤول) وهذا ما لم نلاحظه عن سابقيه، قال: "وحكى الكوفيون أن العرب تضيف إلى (أن) فتقول: أعجبني يوم أنك محسن، ويوم أن تقوم"(44).

الإضافة في شرح كافية ابن الحاجب:

جعل ابن الحاجب الإضافة نسبة المضاف إلى المضاف إليه، وهو يفرق بين النسبة الإسنادية بين الفعل والفاعل أو نائب الفاعل، والخبر والمبتدأ، والنسبة الإضافية بين المضاف والمضاف إليه، يقول: "والكلام ما تضمن كلمتين بالإسناد ولا يتأتى ذلك إلا في اسمين أو في فعل واسم، والمراد بالإسناد أن يخبر بكلمة أو أكثر عن أخرى، فقولنا أن يخبر، احتراز عن النسبة الإضافية"(45).

ويتناول ابن الحاجب موضوع الإضافة، تحت عنوان (المجرورات) ولكنه يسميه (علم المضاف إليه)، ويشير الاستراباذي بأنهم أخذوا يفرقون بين الجر بحرف الجر، والجر بالإضافة، فقال في تعقيبه على تسميته مضافا إليه: "بنى الأمر على أن المجرور بحرف جر ظاهر مضاف إليه، وقد سماه سيبويه أيضا مضافا إليه، لكنه خلاف ما هو المشهور الآن من اصطلاح القوم؛ فإنه إذا أطلق لفظ المضاف إليه أريد به ما انجر بإضافة اسم إليه، بحذف التنوين من الأول للإضافة"(46).

ويلاحظ كذلك أن كل موضوعات الإضافة أصبحت تعرض في موضوع واحد، وقد كانت في مؤلفات الأولين تعرض في أماكن متفرقة، فإضافة اسم الفاعل، وإضافة اسم المفعول، وإضافة الصفة المشبهة، وإضافة أفعل التفضيل، وإضافة (أي) الشرطية و ... غيرها، تعرض كلاً منها في موضع، وقد تعرض في أجزاء متفرقة من الكتاب الواحد.

ومن الموضوعات التي فصل فيها القول:

1 - أن المضاف يكتسب التأنيث من المضاف إليه، إن حسن الاستغناء عنه في الكلام، ومن ذلك قول جرير:

لما أتى خبر الزبير تواضعت سُوَرُ المدينة والجبالُ الخشعُ والأصل: تواضع سور المدينة، ومنه كذلك قول قيس بن الملّوح:

فما حبّ الديار شغفن قلبي  *  ولكن حب من سكن الديارا

والأصل: حب الديار شغف قلبي، ويلاحظ هنا أن المضاف اكتسب التأنيث والجمع من المضاف إليه.

2 - نقل عن الكوفيين أنهم أجازوا نحو: (الثلاثة أثواب)، ومع انه عده ضعيفا في الاستعمال والقياس، إلا أنه جعل له وجها على ضعفه، فقال: "فكأنك مثلا قلت: عندي ثلاثة ولم تذكر من أي نوع هي، ثم رجعت إلى ذكرها فقلت: بعت الثلاثة؛ أي تلك الثلاثة، ثم بينت نوعها فقلت: الثلاثة الأثواب"(47). ومع ذلك، فقد بين أنه قبيح عندما قال في: الثلاثة أثواب، بأنه أقبح من الأول.

3 - صنّف الصفات تصنيفا محدداً من حيث إضافتها؛ فالصفة المشبهة إضافتها لفظية، والمصدر إضافته محضة، واسم الفاعل واسم المفعول إن كان أحدهما بمعنى الفعل الماضي فإضافته محضة، وإن كان سيبويه هو الذي عد إضافة (أفعل) في كل أحوالها إضافة حقيقية(48).

4 - قاس إضافة (أي) على إضافة (أفعل)، من حيث إضافة كل منهما إلى النكرة والمعرفة: "وحكم (أي) في الإضافة حكم (أفعل) يعني أنك إذا أضفت أيّاً إلى المعرفة فلابد أن يكون المضاف إليه مثنى أو مجموعا، وإن أضفت إلى النكرة جاز كون المضاف إليه مفردا ومثنى ومجموعا، والعلة في ذلك أن أيّاً لستفهاما كان أو شرطا أو موصولا، موضوع ليكون جزءا من جملة معينة بعده مجتمعة منه ومن أمثاله، وكذا أفعل المضاف بالمعنى الأول".

ويعني ب- (أفعل المضاف بالمعنى الأول) أفعل التي تكون جزءا من المضاف إليه مثل: جاء أفضل اليوم، (أفضل) تعني أنه واحد من القوم الفاضلين.

5 - عرض الموضوعات التي ناقشها سابقوه، كما ناقشوها، ومن ذلك: حذف المضاف، وحذف المضاف إليه، وإضافة الأسماء الستة.

أنواع الإضافة بحسب الغرض المقصود منها:

وقفنا عند تعريف الإضافة بالتمييز بين نوعين من العلاقات تجمع كل واحدة منهما بين عنصرين اسميين. فتعبر الأولى عن الإضافة وذلك بإسناد اسم وإضافته إلى اسم آخر لا يصح الفصل بينهما. بينما تعبر العلاقة الثانية عن علاقة إسناد لا غير، ويجوز الفصل بين المسند والمسند إليه، ولذلك كان "كل ما يضاف يسند، وليس كل ما يسند يضاف". والمقصود هنا بالإسناد والإضافة واتصال العنصر الأول بالثاني "اتصال لزوم"، وإنما كان كل ما يضاف يسند لأن عدم تحقق هذا الاتصال لا يعطي للعنصر الأول في المركب الإضافي المعنى المقصود، وذلك بإسناد العنصر الأول إلى الثاني في الإضافة، فمعنى "دار الرجل" بخلاف معنى "دار" وهي منعزلة، ولذلك أشار ابن منظور في تعريفه للمضاف "كل ما أضيف إلى شيء فقد أسند إليه"(49) وإنما كان كل ما يسند لا يضاف، لأن العنصر الأول في علاقة الإسناد يتحقق معناه حتى وإن ورد منفردا، بخلاف العلاقة الأولى، فتأتي بالعنصر الثاني للإخبار عن الذات المعروفة فتقول "زيد قائم"، فإنك لم تعرف الاسم وإنما أخبرت عنه، فكانت العلاقة بين الاسمين تفيد "تحقيق الإخبار" بينما كانت علاقة الإسناد في باب الإضافة تفيد "وجود مالك".

فالإسناد يجمع بين النوعين من العلاقات لأن العنصر الأول فيهما يحتاج إلى العنصر الثاني "وهما مالا يغني واحد منهما عن الآخر، ولا يجد المتكلم منه بدا، فمن ذلك الاسم المبتدأ والمبني عليه"(50). فكل مسند، إذن، لا يستغني عن المسند إليه كما يشير إلى ذلك سيبويه سواء تعلق الأمر باحتياج الاسم المبتدأ إلى الخبر أو باحتياج الفعل إلى اسم آخر إذ "لابد للفعل من الاسم كما لم يكن الاسم الأول بد من الآخر في الابتداء"(51).

إلا أن ما يميز علاقة الإسناد في الإضافة، أن الأول قد يكتسب من الثاني التعريف والتأنيث والتذكير، وغيرها من الخصائص. بينما إسناد الفعل إلى الاسم لا يكسبه خاصية واحدة من الخصائص، التي توجد في الاسم، لأنه ليس من باب الإضافة وإنما للإخبار عنه لا غير(52).

وقد قيدنا معنى الإضافة بالملكية، لأن هذا هو الأصل "ويتعلق الأمر بتحديد وظيفة نحوية واحدة هي وظيفة الملكية"(53).وأن باقي الأشكال الأخرى متفرعة عنها، إذ تتعدد أنواع الإضافة بحسب الغرض المقصود منها، وذلك على الشكل التالي:

(1) - أ. الإضافة المعنوية.

ب. الإضافة اللفظية.

ج. الإضافة اللازمة.

د. الإضافة المبهمة.

فالأشكال المعروفة من هذه التصنيفات: الإضافة المعنوية، ويقصد بها تخصيص العنصر الأول في المركب الإضافي وإزالة إبهامه ويتم ذلك بالتعريف والتخصيص، والوصفية، والتبعيض. والتخصيص غير التعريف عند النحاة القدماء، فيمثلون على الأول بما كان المضاف إليه معرفة "دار زيد"، وعلى الثاني بما كان فيه المضاف إليه نكرة "دار رجل" فهما يختلفان، عندهم، وإن كانت "الدار" تعرف وتخصص بأنها في الحالة الأولى "لزيد" وفي الثانية "لرجل"، وفي كلتا الحالتين فالمقصود هو تخصيص ذات المالك والتعريف به. وما يجمع الصنفان عند القدماء هو إفادتهما لإضافة معنوية في مقابل الإضافة اللفظية في كل صفة، اسم فاعل كانت أو مفعولا أو صفة مشبهة، ولا يستفاد منها تعريف ولا تخصيص لأنها، عندهم، في حكم الانفصال، لأن المضاف إليه ينفصل عن حكم الإعراب المخصص له، فيأخذ إعراب النصب عوض الجر اللازم للإضافة. ولما كان هذا النوع من الإضافة لا يلزم الجر اكتسب حالة إعرابية أخرى وهي النصب ولم يكن مضافا حقيقة وإنما محمولا عليه.

وقد يكون تداخل إعراب الجر والنصب في المضاف إليه دليلا على ورودهما في سياقات واحدة أو متشابهة، كما سيكون دليلا على تحديد الحيز الزمني الذي يتحقق فيه الحدث المتضمن في المركب الإضافي مثل "قاتل السجين"، فوروده على الإضافة لا يكون معه "السجين" إلا مجرورا ولا يكون حدث القتل إلا في الماضي. وعند غياب الإضافة لا يكون "السجين" إلا منصوبا وبالتالي فهو ينقطع عن الإضافة لفقدانه الجر ولن يتحقق حدث "القتل" إلا في الزمن الحاضر أو المستقبل.

ولذلك نعتقد أن التعارض بين الإضافة المعنوية واللفظية هو تعارض فقط بين حالتين متقاربتين يفسره تواردهما معا في نفس السياق الإعرابي ينتج عن هذا التعارض الدلالي المشار إليه سابقا. ويستبعد الفصل بينهما لأن تحقيق الإضافة بتقدير حرف في الإضافة المعنوية واردة في الإضافة اللفظية كذلك، وإن كان في الحالة الثانية يتحقق بتقدير حرف واحد وهو "اللام" وذلك في جميع أنواع الصفات التي تحقق علاقة الإضافة وذلك مثل:

(2) - أ. هذا ضارب زيد

ب. هذا ضارب لزيد

(3) - أ. هذا مروع القلب

ب. هذا مروع للقلب

(4) - أ. هذا قليل الحيل

ب. هذا قليل للحيل

فكل أنواع الصفات التي تتحقق فيها الإضافة في هذه الأمثلة يكون التقدير بحرف واحد وهو "اللام"، بخلاف الإضافة المعنوية التي تتحقق بواسطة مجموعة من الحروف مثل "من" و"في" و"اللام" وغيرها. فيختلف إقحام هذه الحروف من نحوي إلى آخر بحسب التقدير الذي تتطلبه الجملة، كما يتضح من تتبع الأمثلة التي أوردها النحاة في هذا الباب. وقد جعل ابن عقيل ضابطا لهذا الإقحام فيتعين، عنده، إقحام "من" إن كان المضاف إليه جنسا للمضاف أو إقحام الحرف "في" إن كان المضاف إليه ظرفا واقعا فيه المضاف، فإن لم يتعين ذلك فالإضافة بمعنى "اللام" ويمثل لهذه الحالات بالأمثلة التالية على التوالي(54):

(5) - أ. خاتم ذهب

ب. خاتم من ذهب

(6) - أ. ضرب زيد اليوم

ب. ضرب زيد في اليوم

(7) - أ. هذه يد عمرو

ب. هذه يد لعمرو

أما الإضافة التبعيضية، فيتراوح موقعها بين الإضافة المعنوية واللفظية، عند القدماء، فهي إضافة محضة لأنها تتحقق إذا كان المضاف إليه نكرة، فتخصص المضاف وتكون من باب إضافة البعض إلى الكل، وإضافة الواحد إلى الجنس. ولذلك فلا غرابة أن تحقق بواسطة الحرف "من" كما في (7ب) لأن الغرض من الإضافة هنا إزالة الإبهام و"المبهم يحتاج إلى أن يميز بالأجناس عند الإلباس"(55). وتكون الإضافة التبعيضية كذلك من باب "الإضافة اللفظية" لأن الصفة فيها تحقق معنى التبعيض، وتكون واسطة الإضافة الحرف "من" كما كان في النوع الأول كذلك، ويتحقق بنفس المعاني وذلك بإضافة البعض إلى الكل والواحد إلى الجنس كما في (8أ)، وإذا كانت الإضافة لغير هذا المعنى سقط المراد من الإضافة كما في (8 ب):

(8) - أ. عبدك خير العبيد

ب. عبدك أحسن الأحرار

فالعلاقة، إذن، بين المضاف والمضاف إليه في الإضافة اللفظية والمعنوية علاقة اتصاف ولزوم، وكأننا بصدد عنصر واحد كما كانت الصفة والموصوف كالشيء الواحد، لأنه كما تخصص الصفة الموصوف وتكون أعم منه، يخصص المضاف إليه المضاف ويكون أعم منه كذلك. ولذلك، فسواء تعلق الأمر بالإضافة المعنوية أو اللفظية، فإن الأمر كما يقول ذ. الفاسي الفهري "يتعلق بتركيب واحد، وتعود الاختلافات الدلالية الممكن ملاحظتها إلى اعتبارات أخرى"(56).

أما عندما نتحدث عن الإضافة اللازمة، فإن الأمر لا يتعلق بإضافة اسم إلى اسم آخر، وإنما بإضافة الظروف إلى الأسماء أو الجمل، وتصنف بحسب هذا الاتصال إلى ما يلي(57):

أ - منها ما يلزم الإضافة لفظا ومعنى.

ب - منها ما يلزم الإضافة معنى دون لفظ.

ج - منها ما يلزم الإضافة لفظا (ولا يضاف إلا إلى المضمر).

ويتعلق الأمر في الحالة الأولى بظروف لا ترد إلا وهي مضافة إلى غيرها، مثل "عند" و"لدى" و"سوى" وغيرها. أما الثاني فهو يجرد عن الإضافة مثل "كل" و"بعض" فينوب التنوين مناب المضاف إليه كما هو الأمر مع أداة التعريف. ولذلك، فهو يلزم الإضافة معنى دون لفظ. وأما الثالث فقليل الاستعمال مثل "وحدك" و"دواليك". ويشترط في هذه الظروف ظروف زمن كانت أو مكان، أن تضاف إلى الجملة أو ما يشبه ذلك. وهكذا تصنف الإضافة بحسب المقولات التي تضاف، في اللغة العربية، على الشكل التالي:

- إضافة الاسم إلى اسم آخر.

- إضافة الصفة إلى الاسم.

- إضافة الظروف إلى الجملة أو ما يشبهها.

- إضافة المصدر إلى المصدر.

- إضافة المصدر إلى الاسم.

وهذا الصنف الأخير هو ما يطلق عليه بالإضافة المبهمة، لأنه لا يستفاد منها تعريف شخص ولا تخصيص ذات، وإنما للإشارة إلى الحيز الزمني العام الذي يقع فيه حدث ما، ولذلك كان المصدر يحمل بعض خصائص الفعل، والفرق بينهما أن هذا الأخير يتضمن زمنا خاصا ومحددا. وهكذا، تتعدد التشابهات التي يمكن استخلاصها من مقارنة خصائص الفعل والمصدر واردة، نذكر من بينها أن المصدر يتعدى كما يتعدى الفعل، وأن المفعول يتقدم على فاعل الفعل كما يتقدم المفعول على المصدر وأن الفعل يعمل دون أن يعتمد على كلام قبله كما أن المصدر كذلك، وغيرها من الخصائص التي تجمعهما.

وإذا كان المصدر يشترك مع الفعل، كما بينا، فهو يشترك مع الاسم في عدة خصائص من أهمها اشتراكهما في الإضافة. ولذلك يتميز المصدر بما يتميز به الاسم العادي، فيرد المصدر في المواقع التي ترد فيها باقي الموضوعات، فيكون فاعلا أو مفعولا للحرف، فيأخذ المصدر في كل هذه الحالات إعرابا كما هو الشأن بالنسبة للأسماء المتمكنة في باب الاسمية. ولا يتماثل المصدر مع الاسم بنيويا من حيث المواقع التي يظهران فيها، بل كذلك من حيث العلامات التي تتصل بالاسم، فيضاف المصدر في (9أ) ويعرف في (10أ) وينون في (11أ) كما يضاف الاسم في (9ب) ويعرف في (10ب) وينون في (11ب).

(9) - أ. ضرب زيد عمرو

ب. دار زيد

(10) - أ. عجبت من ضرب زيد بكرا

ب. عجبت من الدار الجميلة

(11) - أ. عجبت من ضرب زيد بكرا

ب. مررت بدار

فيلاحظ من هذه الأمثلة أن ما ينطبق على الاسم العادي ينطبق على المصادر(58).

خلاص--ة:

نخلص إلى أن الإضافة تعني الإسناد والإلصاق، وقد قسم النحاة القدامي الإضافة إلى قسمين معنوية ولفظية، وقد اجمع النحاة على أن الإضافة المعنوية هي التي يكتسب فيها المضاف من المضاف إليه التعريف والتخصيص، وذلك على النحو التالي إذا كان المضاف إليه معرفة نحو "كتاب زيد " وإذا كان المضاف إليه نكرة أفادت تخصيصه فقط دون تعريفه نحو: هذا "كتاب رجل" وسميت الإضافة المعنوية بالمحضة لأنها إضافة خالصة لا يمكن فيها فصل المضاف عن المضاف إليه، كما تميزت هذه الإضافة بإسناد حالة الجر للمضاف إليه، أما الإضافة اللفظية فهي لا تفيد تعريف المضاف ولا تخصيصه، وليست على معنى أحد أحرف الجر وإنما هي نوع من التخفيف اللفظي فحسب وتكون بإضافة مشتق (اسم الفاعل، أو مبالغة، واسم المفعول، أو صفة مشبهة) إلى معموله. وتسمى الإضافة اللفظية بغير المحضة لأنها ليست إضافة خالصة بالمعنى المراد من الإضافة بل هي على تقدير الانفصال، والإضافة عند النحويين تكون إما بمعنى "اللام" أو بمعنى "من" ومنهم من أضاف التي بمعنى "في" نذكر على سبيل المثال ابن السراج وابن الحاجب وبالنسبة لأحكام الإضافة فهي تتجلى في علاقة المضاف بالمضاف إليه، وما يطرأ عليها من تغيير ومنها ما يكتسبه المضاف من المضاف إلي-ه، وم-ا يجرد منه وما يجوز في المضاف وما لا يجوز فيه.

رغم الاشكالات الحقيقية التي طرحتها مسألة الجر بالنسبة للمضاف إليه، أهو بالحرف المقدر، أم أن المضاف هو المسؤول عن هذا الجر أم معنى الإضافة، ورغم الاختلافات القائمة حول معاني الإضافة والفصل بين المتضايفين، نجد أن القدماء اتفقوا من حيث تحديدهم لخصائص الإضافة.

على سبيل النهاية:

يمكن القول إن دراسة الإضافة في النحو العربي تمثل حجر الزاوية لفهم العلاقات بين الكلمات والمركبات الاسمية في اللغة العربية. لقد أظهر البحث أن الإضافة ليست مجرد علاقة صرفية بين الاسم المضاف و رأس المركب، بل هي بنية دلالية متكاملة تتراوح بين الملكية، والتبعيض، والتخصيص، والتصنيف، مع اختلافات دقيقة بحسب السياق ونوع المضاف إليه.

ومن خلال تتبع آراء النحويين القدامى كسيبويه والمبرد والسيوطي وابن الحاجب، وكذلك الإشارة إلى المفاهيم الحديثة التي تناولها عباس حسن والباحثون المعاصرون، يتضح أن الإضافة ظاهرة لغوية متعددة الأبعاد، تجمع بين الصياغة الصرفية والدلالات المعنوية، وتتيح استشراف التطور الداخلي للغة دون الاعتماد الكلي على التأثيرات الخارجية.

كما أن هذا البحث الأول يشكل تمهيدًا ضروريًا للبحث الثاني في مشروع البحثين، والذي يركز على الإضافة في اللسانيات الحديثة، حيث يُمكن من خلاله استكشاف الاختلافات البنيوية والدلالية بين التقليدي والمعاصر، ويُبرز مدى قدرة الدراسات اللغوية الحديثة على تفسير المعاني الإضافية وتوظيفها في سياقات تحليلية أوسع.

أخيرًا، فإن استعراض الأنواع المختلفة للإضافة وتحليل بنياتها الدلالية يفتح المجال لمزيد من الدراسات المقارنة بين البنية التقليدية والبنية الحديثة، ويعزز فهم الباحثين لطبيعة العلاقة بين الرأس والمضاف إليه، ودورها في تكوين المعنى في اللغة العربية.

***

بقلم: د. منير محقق

كاتب وناقد وباحث جامعي مغربي

.........................

لائحة المراجع والمصادر

المراجع العربية الكلاسيكية:

ابن سيبويه. الكتاب. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة: دار المعارف، 1962.

المبرد. الكافي. تحقيق: مصطفى البغا، دمشق: دار الفكر، 1983.

المبرد، المقتضب. المجلد 2، ص 178، 181. المجلد 3، ص 177. المجلد 4، ص 44، 136، 148–149، 158، 161، 244.

ابن الحاجب، عبد الله. شرح الكافية. القاهرة: مكتبة الخانجي، 1969.

ابن الحاجب، شرح الكافية. الاستراباذي، ج 1، ص 8، 272، 277، 278–288

ابن السراج، أبو بكر. الأصول في النحو. بيروت: دار صادر، 1975.

ابن منظور، لسان العرب. ج 9، ص 21.

ابن مالك، شرح ألفية ابن مالك. ج 2، ص 117، 119.

السيوطي، جلال الدين. الدر المنثور في النحو. القاهرة: دار المعارف، 1980.

الفراهيدي، الخليل بن أحمد. كتاب العين. تحقيق: عباس حسن، بيروت: دار النهضة العربية، 1995.

الرازي، أبو بكر محمد. المقالات في النحو. بغداد: دار الكتب، 1988.

المراجع العربية المعاصرة:

غاليم، محمد. الإضافة في العربية: دراسة تحليلية. الرباط: معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، 1999.

الحسوني، المصطفى. التخصيص وشروط التضايف. الرباط: مطبعة النجاح، 2002.

أبحاث الندوة التكريمية للأستاذ إدريس السغروشني. حول دراسة الإضافة والمصدر، ص 14.

المراجع الغربية اللغوية الحديثة:

Langacker, Ronald W. Foundations of Cognitive Grammar. Vol. 1. Stanford, CA: Stanford University Press, 1987.

Borer, Hagit. Structuring Sense, Vol. I: In Name Only. Oxford: Oxford University Press, 2005.

Fassi Fehri, Abdelkader. Issues in Arabic Morphosyntax and Morphology. Dordrecht: Kluwer Academic Publishers, 1993.

Pustejovsky, James. The Generative Lexicon. Cambridge, MA: MIT Press, 1995.

Deane, Paul. The Acquisition of Noun Phrase Structure. Cambridge: Cambridge University Press, 1987.

الهوامش

(1) - ابن منظور، لسان العرب، الجذر (ر ك ب)

(2) - الانباري، الانصاف في مسائل الخلاف، ط4، 1961، ص310

(3) - الاسترباذي، شرح الرضي على الكافية، ج3، ص129

(4) - ابن يعيش، موفق الدين، شرح المفصل للزمخشري، ج1، ص14

(5) - ابن هشام، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ج1، ص112

(6) - عباس النحو الوافي، ج1، ص300

(7) - الأصول، ج 1، ص 36.

(8) - نفسه، ص 37.

(9) - ابن يعيش، شرح المفصل، ج1، ص 22.

(10) - ابن يعيش، شرح المفصل، ج.1، ص 22.

(11) - يذكر السيوطي في الأشباه والنظائر أن هذه العلامات تزيد على الثلاثين (ج2، ص 9).

(12) - ابن يعيش، شرح المفصل للزمخشري، ج 2، ص 118.

(13) - ابن هشام، شرح شذور الذهب، ص 325، والذي يقوم مقام التنوين: هو نون المثنى وجمع المذكر السالم لأنهما يحذفان مع الإضافة.

(14) - ابن هشام، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ج1، ص124

(15) - عباس حسن ج1، ، ص300 ، النحو الوافي

(16) - ابن سراج، الأصول في النحو، ج2، ص 303.

(17) - الأشموني، شرح الأشموني على ألفية ابن مالك المسمى منهج السالك إلى ألفية ابن مالك بحاشية الصبان، المجلد 2، ص 241.

(18) - ابن هشام، أوشح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ج 3، ص 86 – 87.

(19) - الأزهري، التصريح بمضمون التوضيح في النحو، خالد الأزهري، ط 1، ج 2، ص 29.

(20) - يُنظر: سيبويه، الكتاب، ج 1، ص 425، وابن هشام، أوضح المسالك، ج 3، ص 87 – 89.

(21) - سورة المائدة، الآية: 95.

(22) - يُنظر سيبويه، الكتاب، ج 1، ص 425، وابن هشام، أوضح المسالك، ج 3، ص 87 – 89.

(23) - سورة الحج، الآيتان: 8 – 9.

(24) - سيبويه، الكتاب، ج1، ص 419.

(25) - المصدر نفسه، ص 419.

(26) - المصدر نفسه.

(27) - المصدر نفسه.

(28) - المبرد، المقتضب، المجلد الرابع، ص 136.

(29) - المصدر نفسه، ص 44.

(30) - نفسه، المجلد 2، ص 178.

(31) - نفسه، المجلد 4، ص 148 - 149.

(32) - المبرد، المقتضب، المجلد 4، ص 158.

(33) - نفسه، مجلد 4، ص 161.

(34) - نفسه، مجلد 4، ص 161.

(35) - نفسه، المجلد 3، ص 177.

(36) - نفسه، مجلد 4، ص 244.

(37) - نفسه، مجلد 2، ص 181.

(38) - ابن السراج، الأصول في النحو، ص 51 – 53.

(39) - المصدر السابق، ص 54.

(40) - ابن السراج، نفس المصدر، ص 5 – 6.

(41) - نفسه، ص 7 – 8.

(42) - ابن السراج، المصدر، ص 7 – 8.

(43) - المصدر السابق، ص 9.

(44) - المصدر السابق، ص 12.

(45) - الاستراباذي، شرح الرضى على الكافية، ج 1، ص 8.

(46) - المصدر السابق، ص 272.

(47) - المصدر السابق، ص277.

(48) - المصدر السابق، ص 278 – 288.

(49) - لسان العرب، ج9، ص 21.

(50) - الكتاب، ج1، ص 23.

(51) - ن م.

(52) - يشير ابن منظور في تعريفه للإضافة إلى أن الفعل تجوز إضافته، وذلك إذا قلت "مررت بزيد" والباء هي واسطة هذه الإضافة، ولكنه شعر باستحالة ذلك، فأشار إلى أن "المرور" هو الذي أضيف إلى زيد وعلى هذا فلا إشكال في إضافة المصدر إلى غيره بل إن المصادر بخلاف أسماء الأعيان، قد تضاف لبعضهما البعض، فتقول "بقاء العصيان" و"صعوبة السؤال" و"قبول الغفران" وغيرها، شريطة أن لا يكون لهما نفس المعنى فلا تقول "حبس منع".

(53) - انظر الفاسي الفهري (1982)، ص 160.

(54) - شرح ألفية ابن مالك، ج2، ص 117.

(55) - الأصول، ج 2، ص 32.

(56) - انظر الفاسي الفهري، (1982)، ص 160.

(57) - شرح ألفية ابن مالك، ج2، ص 119.

(58) - لقد تعرضنا لدراسة هذه التشابهات في إطار الندوة التكريمية للأستاذ إدريس السغروشني.

ملخص: يتناول البحث مفهوم "الجندر" بوصفه من أكثر المفاهيم إشكالية في الفكر الاجتماعي المعاصر؛ من حيث نشأته، وتطوُّره الدلالي، ومساراته النظرية، وحدود توظيفه التحليلي والسياسي. ينطلق من التمييز بين الجنس (Sex) بوصفه معطىً بيولوجياً، والجندر بوصفه بناءً اجتماعياً-ثقافياً محدثاً، ثم يُعقِّب بمتابعة تحوّلاته داخل السوسيولوجيا والدراسات النسوية وما بعد البنيوية. كما يناقش انتقاله إلى الحقول القانونية والسياسية الدولية، والجدل الثقافي والديني الذي أحدثه، خصوصاً في المجتمعات غير الغربية. يخلص البحث إلى أن الجندر، رغم قيمته التحليلية، يظلُّ مفهوماً مركّباً تتحدد دلالاته بحدود استعماله وسياقه الثقافي، ما يستدعي مقاربة نقدية متوازنة تتجنّب التقديس والرفق المطلقين. أُجري البحث بتركيز على الجوانب المنهجية المحورية دون إخلال بالإيجاز.

الكلمات المفتاحية:

الجندر - الجنس - النسوية - ما بعد البنيوية - الهوية - السلطة - الثقافة.

مقدّمة

لم يعُد "الجندر" مجرد مصطلح تقني في الدراسات النسوية أو السوسيولوجية أو الثقافية، بل تحوّل خلال أربعة عقود إلى مفهوم عابر للتخصّصات تُستدعى في الفلسفة والقانون والسياسة والطب والإعلام، بل وحتى في الخطابات الدينية والأخلاقية. غير أن هذا الانتشار لم يُترجم توافقاً معرفياً على تعريف جامع؛ بل أفرز تبايناً دلالياً جعله مفهوماً «زئبقياً» قابلاً للحمل على معانٍ متضادة، ما وسّع من إمكانيات توظيفه لغير مقاصده الأصلية.

تنبع إشكالية الجندر من وقوعه عند تقاطع ثلاثة حقول كبرى:

أ. البيولوجيا (الجنس).

ب. الثقافة والمجتمع (الأدوار والمعايير).

ج. السلطة والخطاب (التنظيم، الإقصاء، الهيمنة).

لذلك تفشل أي مقاربة اختزالية - بيولوجوية كانت أم ثقافوية -في الإحاطة به، وتعجز عن تقديم رؤية واضحة لمساراته وتطوّره.

يستند البحث إلى منهج تحليلي-نقدي يقوم على:

- التفكيك التاريخي للمفهوم.

- التحليل المقارن بين التيارات واصطراع المفاهيم.

- التمييز بين الاستخدام الأكاديمي والاستعمال الأيديولوجي.

- مساءلة المفهوم من داخله، لا من خارجه فحسب، سعياً إلى مقاربة موضوعية لدلالاته.

الفصل الأول: من الجنس إلى الجندر: التحوّل المفهومي التاريخي

1- الجنس بوصفه معطىً طبيعياً

حتى منتصف القرن العشرين ظلّ مفهوم الجنس (Sex) يُفهم حقيقة بيولوجية ثابتة تحدّد هوية الفرد ومكانته الاجتماعية بشكل شبه-حتمي. وقامت البنى الاجتماعية التقليدية على افتراض أن الاختلاف الجسدي بين الذكر والأنثى يبرّر اختلاف الأدوار والوظائف والحقوق، فأنتجت بنية قانونية وعرفية ترسّخ هذا التمييز.

لكن هذا الافتراض بدأ يتزعزع مع تطوّر العلوم الاجتماعية، إذ تبيّن أن كثيراً من الصفات المنسوبة إلى الطبيعة ما هي إلا نتاج التنشئة الاجتماعية والتراكم الثقافي (Giddens 2005: 459-462). من ثم لم تعد البيولوجيا وحدها كافية لتفسير التفاوتات بين الجنسين.

2- ولادة مفهوم الجندر في العلوم الإنسانية

يُجمع الباحثون على أن الاستخدام الحديث لمفهوم Gender تبلور في الستينيات والسبعينيات في الولايات المتحدة، على خلفية تطور التحليل النفسي وعلم الجنس والأنثروبولوجيا الطبية. كانت اللحظة التأسيسية حين فرّق روبرت ستولر (Stoller 1968: 15-17) بين:

A- Sex: البنية البيولوجية.

B- Gender: الهوية النفسية-الاجتماعية التي قد لا تتطابق مع الجنس البيولوجي.

لم يكن هذا التمييز دعوة إلى إنكار الجسد، بل محاولة لفهم التعقيد الإنساني الذي لا تُحيط به البيولوجيا وحدها.

3- من الوصف إلى التحليل

مع اتساع الدراسات النسوية لم يعُد الجندر مجرد توصيف للاختلاف، بل أداة لتحليل السلطة والهيمنة مستعيناً بآليات غرامشي وفوكو. أظهرت الباحثات أن الأدوار الجندرية تُستخدم تاريخياً لتكريس تفاوتات غير متكافئة: تُمنح الامتيازات للذكورة معياراً، وتُختزل الأنوثة في وظائف محددة. وهنا تحوّل الجندر إلى مفهوم نقدي يُستعمل لتفكيك البنى الاجتماعية السائدة ولكشف كيفية نشوء "الفجوة الجندرية" في ضوء الظروف التاريخية-الاجتماعية أكثر مما هو نتيجة بنية بيولوجية ثابتة.

الفصل الثاني: الجندر بوصفه أداة تحليل اجتماعي وبنيوي

1- من الاختلاف إلى اللامساواة

يمثّل الانتقال من النظر إلى الجندر بوصفه اختلافاً اجتماعياً إلى اعتباره آلية لإنتاج اللامساواة إحدى المحطات المفصلية في الدراسات الجندرية الحديثة. لم يعُد السؤال: "كيف يختلف الرجال عن النساء؟" بل: "كيف يُحوَّل هذا الاختلاف إلى تفاوت في السلطة والموارد والاعتراف الاجتماعي؟"

تُظهر السوسيولوجيا النقدية أن المجتمعات لا تكتفي بالاعتراف بالفروق البيولوجية، بل تُحمّلها معانٍ معيارية تقوم على ثنائيات قيمية: العقلانية والقيادة للذكورة، الرعاية والعاطفة للأنوثة. يُنتج هذا التوزيع "تراتبية رمزية" (Bourdieu 1998) تُفضي إلى تفاوت فعلي في الفرص والمواقع (Giddens 2005: 460).

2- التنشئة الاجتماعية وإنتاج الجندر

التماسك والدقة موضوعيتان.

تُعدّ التنشئة الاجتماعية الآلية المحورية لإعادة إنتاج الجندر. منذ الطفولة المبكرة يتلقى الأفراد رسائل صريحة وضمنية حول ما يُنتظر منهم بوصفهم ذكوراً أو إناثاً. لا تقتصر هذه الرسائل على الأسرة، بل تمتد إلى المدرسة والخطاب الديني ووسائل الإعلام واللغة اليومية.

أظهرت دراسات علم الاجتماع التربوي أن المدرسة، رغم إدعاء الحياد، تُعيد إنتاج الأدوار الجندرية عبر المناهج، وأنماط التفاعل الصفي، وتوقعات المعلمين. تُشجّع الفتيات عادةً على الامتثال والانضباط، بينما يُغضّ الطرف عن سلوكيات تنافسية لدى الذكور بوصفها "طبيعية" (Connell 2002: 98-102). وهكذا تتحوّل المؤسسة التعليمية إلى "خطّة صامتة" لترسيخ التقسيم الجندري.

3- الجندر وتقسيم العمل الاجتماعي

يبرز البعد البنيوي للجندر بوضوح في مجال تقسيم العمل. فالفصل التقليدي بين:

- العمل المنتج (العام - الذكوري).

- العمل الإنجابي/الرعائي (الخاص- أنثوي).

لم يكن نتيجة حتمية للفروق البيولوجية، بل نتاج تاريخي لتنظيم اجتماعي أنتج أعرافاً وتقاليد وقوانين حاكمة.

تُركّز النسوية الاشتراكية على أن هذا التقسيم يخدم البنية الرأسمالية، إذ يتيح للنظام الاستفادة من عمل غير مدفوع الأجر تؤدّيه النساء داخل الأسرة، بينما يُحتسب العمل الذكوري في السوق الرسمي (Hartmann 1979). من هنا يصبح الجندر أداة تحليلية تكشف التداخل بين الاقتصاد والأسرة وأشكال السلطة.

4- الجندر واللغة بوصفها ممارسة سلطة

لا يعمل الجندر عبر المؤسسات المادية فقط، بل يتجسد في اللغة بوصفها وسيطاً رمزياً لا غنى عنه. اللغة لا تعكس الواقع فحسب، بل تشكّله عبر التصنيفات والاستعارات وصيغ الخطاب. أبرزت الدراسات اللسانية النقدية كيف تُنتج اللغة تمثلات جندرية تعيد تثبيت الصور النمطية، سواء عبر التذكير والتأنيث أو ربط صفات معيّنة بجنس دون آخر.

يلتقي تحليل الجندر هنا مع فوكو؛ إذ لا تُفهم اللغة أداة محايدة، بل حقل تتقاطع فيه المعرفة والسلطة. فالمقبول لغوياً يصبح مقبولاً اجتماعياً، والمُسَمّى يكتسب شرعية الوجود (Foucault 1976: 54-58).

5- الجندر بوصفه بنية متغيّرة

من الأخطاء الشائعة افتراض ثبات الجندر أو "كونيته". تُظهر الدراسات الأنثروبولوجية أن ما يُعدّ رجولياً أو أنثوياً يختلف جذرياً بين الثقافات وعبر التاريخ. حتى المجتمع الواحد قد يعيد تعريف هذه الحدود تبعاً لتحولات اقتصادية أو سياسية، ما يؤدي إلى ظهور أعراف وتقاليد جديدة، وربما تشريعات.

هذا الطابع المتغيّر لا يعني أن الجندر "وهم" أو اختلاق محض، بل يؤكد كونه بنية اجتماعية-تاريخية تتشكل داخل شروط محددة وتبقى قابلة لإعادة الصياغة. لذلك تكتسب مقاربة الجندر قيمتها بوصفها أداة لفهم التحول الاجتماعي، لا بوصفها وصفاً نهائياً للهوية الإنسانية. ومن هنا تبرز أهمية دراسة "الفجوة الجندرية" والعمل على ردمها عبر سياسات وقوانين تستند إلى تحليل دقيق للسياق المحلي.

6- حدود التحليل الجندري

رغم قيمته التفسيرية، يُنذِر تعميم الجندر بوصفه "المفتاح الوحيد" لفهم الواقع الاجتماعي بمخاطر نظرية:

- إغفال عوامل الطبقة والدين والعرق والسياق السياسي.

- تحويل المفهوم إلى إطار تفسيري شامل يُفسَّر به كل شيء، فيفقد دقته ويتحول من أداة نقدية إلى خطاب أيديولوجي مغلق (Glover & Kaplan 2018: 27-31).

لذلك يُشدّد عدد من الباحثين على ضرورة التمييز بين:

أ. الجندر أداة تحليل تكشف آليات التمييز.

ب. الجندر إطاراً تفسيرياً كلياً يُقحم في مجالات لا صلة له بها.

الإفراط في التوسيع يُخرج المفهوم عن سياقه التاريخي-الاجتماعي ويُضعف من مصداقيته.

الفصل الثالث: الجندر والتيارات النسوية:

من الإصلاح إلى التفكيك، ومن التعميم إلى التقاطعية

1- النسوية وسؤال الجندر: مدخل عام

لا يمكن فهم تطور مفهوم الجندر بمعزل عن تاريخ الحركات النسوية؛ فالنسوية هي الإطار الفكري-السياسي الذي أتاح له أن يتبلور ويتسع. لكنها ليست تياراً واحداً متجانساً، بل حقل متعدد الأصوات تتباين فيه الرؤى حول معنى الاضطهاد وأسبابه وسبل تجاوزه.

أدى الجندر وظيفة مزدوجة:

أ. أداة لتحليل أشكال التمييز الممارَسة ضد النساء.

ب. موضوع خلاف داخل النسوية نفسها حول حدوده، ومخاطر انزلاقه نحو تعميمات لا تعكس تنوّع التجارب النسائية.

2- النسوية الليبرالية: الجندر كمسألة حقوق وفرص

تنطلق النسوية الليبرالية من فرضية أن التفاوت بين الجنسين يُعزى أساساً إلى التمييز القانوني والمؤسسي لا إلى فروق جوهرية. لذا ركّزت على:

أ. المساواة أمام القانون.

ب. تكافؤ الفرص.

ج. إزالة العوائق التي تحول دون مشاركة النساء في المجال العام.

استُخدم الجندر هنا لإبراز الطابع الاجتماعي للأدوار المنسوبة إلى النساء، وبالتالي قابليتها للتغيير عبر الإصلاح التشريعي والسياسي. أسهم ذلك في مكاسب ملموسة في التعليم والعمل والتمثيل السياسي.

النقد:

- نزعة فردانية تفترض أن إزالة الحواجز القانونية كافية.

- تتجاهل البنى الثقافية-الرمزية العميقة التي تعيد إنتاج الجندر حتى في ظل قوانين مساواتية.

- التجربة الغربية، وكذا التجارب التي فُرضت فيها تشريعات مساواتية قسراً، تُظهر عجز القوانين وحدها عن إنهاء التفاوت الجندري أو تحقيق مساواة حقيقية.

3- النسوية الراديكالية: الجندر كبنية هيمنة

تمثل قطيعة مع الطرح الإصلاحي؛ إذ ترى أن اضطهاد النساء ليس خللاً عرضياً بل جزءاً بنيوياً من التنظيم الأبوي للمجتمع. الجندر هنا ليس مجرد دور اجتماعي، بل نظام هيمنة متكامل تتقاطع فيه السيطرة على الجسد والجنس والإنجاب مع تنظيم السلطة داخل الأسرة والمجتمع.

ذهبت بعض أطروحاته إلى اعتبار أن الثنائية الجندرية ذاتها تُستخدم لتكريس التفاوت، وأن تحرير المرأة يقتضي تفكيك هذه البنية من جذورها. أسهم هذا في تعميق تحليل العلاقة بين الجندر والجسد، لكنه تعرّض لانتقادات:

- التعميم لتجربة نسائية واحدة.

- النزعة الصدامية التي أحدثت شروخاً مجتمعية فاقت من سوء فهم الجندر.

4- النسوية الاشتراكية: الجندر والاقتصاد السياسي

سعت إلى تجاوز الفصل بين الجندر والاقتصاد، معتبرة أن اضطهاد النساء لا يُفهم بمعزل عن البنية الطبقية. يُستخدم الجندر لتقسيم العمل بطريقة تخدم النظام الرأسمالي: تحميل النساء أعباء العمل المنزلي والرعائي غير المدفوع الأجر، بينما يُحتسب عمل الذكور في الاقتصاد الرسمي.

يتيح هذا الطرح فهم الجندر بوصفه بنية تتقاطع فيها السلطة الاقتصادية مع السلطة الأبوية، لا بوصفه مسألة ثقافية أو نفسية فحسب.

نقد: التركيز المفرط على الطبقة قد يُقلّل من أهمية العوامل الثقافية-الرمزية المستقلة عن الاقتصاد. في تصورنا، سبب هذا ليس "جوهر" المفاهيم الاشتراكية، بل سوء تطبيقها أو اقتصارها على البعد الواحد.

5- النسوية ما بعد البنيوية: تفكيك الهوية الجندرية

مع صعود الفكر ما-بعد-البنيوي تحوّل الجندر من "بناء اجتماعي نسبي" إلى "عملية متغيّرة تُنتجها الخطابات والممارسات". تستند المقاربة إلى فوكو: الجسد ليس معطىً خاماً، بل موقعاً لتجسّد الخطابات وتقنيات السلطة.

قدّمت جوديث باتلر أطروحة "الأدائية" الأشهر: الهوية الجندرية ليست جوهراً داخلياً، بل نتيجة "أفعال متكرّرة" تُعيد إنتاج المعايير السائدة (Butler 1990: 179-185). بذلك يصبح الجندر "ما تفعله" لا "ما أنتَ عليه"، ما يفتح آفاقاً لاختلال المعايير وإظهار هشاشتها.

تحفظات:

أ. تذويب الفروق المادية (الجسد، الإنجاب، العنف).

ب. ابتعاد محتمل عن الواقع الاجتماعي الملموس وانجرار إلى طوباوية مفاهيمية قد تعيق وضع آليات عملية لردم الفجوات الهوياتية.

6- النسوية التقاطعية: نقد التعميم الجندري

جاءت رداً على الإرجاع الكليّ للاضطهاد إلى الجندر. أكدت النسويات السود ونسويات العالم الثالث أن تجربة المرأة لا تُختزل في بعدها الجندري، بل تتقاطع مع: العرق، الطبقة، الاستعمار، الدين، الإعاقة، الميول الجنسية.

أعادت التقاطعية تعريف الجندر بوصفه محوراً من محاور متعددة لا مركزاً وحيداً للتفسير، ما أعاد التوازن للتحليل وحقق مكاسب ميدانية لحركات تحرر النساء (Crenshaw 1991: 1242-1245).

7- تقييم نقدي لمسارات النسوية والجندر

الجندر لم يكن مفهوماً ثابتاً، بل ساحة صراع نظري داخل النسوية نفسها:

- إصلاحيّة تراه "أداة تغيير قانوني".

- راديكاليّة تراه "بنية هيمنة".

- ما-بعد-بنيوية تسعى إلى "تفكيكه" تماماً.

هذا التعدد يكشف حدود كل مقاربة ويمنع تحويل المفهوم إلى خانة مغلقة أو نهائية. كما يفسح المجال أمام قراءات نقدية أكثر حساسية للسياقات الثقافية والتاريخية المختلفة.

الفصل الرابع: الجندر، ما بعد البنيوية، وأدائية الهوية:

الجسد، الخطاب، وحدود التفكيك

1- التحوّل الإبستمولوجي: من البنية إلى الخطاب

انتقل النقاش من "كيف يُنتج المجتمع الأدوار الجندرية؟" إلى "كيف تُنتج الخطابات ذاتها ما نعدّه حقيقة جندرية؟". بذلك ينتقل التحليل من مستوى التنظيم الاجتماعي إلى مستوى اللغة والمعرفة والسلطة (Foucault 1976: 54-58).

2- الجسد بوصفه موقعاً للسلطة

الجسد ليس "معطىً خاماً"، بل فضاء تُمارس عليه السلطة عبر الطب، القانون، التربية، المعايير الأخلاقية. ما نعدّه طبيعياً هو غالباً نتيجة عمليات ضبط تاريخية متراكمة. الجندر، إذن، ليس طبقة فوق الجسد، بل طريقة لتنظيمه وتسميته وضبطه (Butler 1993: 12-16).

3- أدائية الجندر: من الهوية إلى الفعل

الجندر "يتمّ" أو "يُؤدّى" لا "يملك". الهوية الجندرية نتيجة أفعال متكررة تُنتج وهم الثبات. بما أنه يُنتَج بالتكرار، فهو قابل للاختلال والانزياح، ما يفتح إمكانات تحررية. لكن السؤال يبقى: هل القدرة على "الأداء" متساوية في ظل قيود مادية (فقر، عنف، بنية قانونية)؟

4- نقد المنحى الأدائي

- التجريد المفرط: تركيز على الخطاب على حساب الشروط المادية.

- تذويب الهوية: قد يُضعف إمكان بناء سياسات جماعية تستند إلى فئات واضحة.

- صعوبة الانتقال من التفكيك الفلسفي إلى الخطاب الحقوقي القانوني.

5- الجندر بين النقد الفلسفي والسياسة العملية

توتر بنيوي بين:

- المستوى الفلسفي التفكيكي (زعزعة المسلّمات).

- المستوى السياسي-الحقوقي (حاجة إلى مفاهيم إجرائية مستقرة).

الخلط بين المستويين أو نقل الأطروحات التفكيكية مباشرة إلى التشريع من أبرز أسباب الالتباس المعاصر حول الجندر، خصوصاً في السياقات غير الغربية.

6- حدود ما بعد البنيوية في مقاربة الجندر

قيمتها ليست في الإجابات النهائية بل في إزالة اليقين. لكن تحويل التفكيك إلى غاية ذاتية قد يُفرغ التحليل من مضمونه الاجتماعي. الجندر، مهما بلغت سيولته، يظل مرتبطاً بتجارب ملموسة من تمييز وعنف وتفاوت. لذا تبقى المقاربة الأكثر توازناً تلك التي تستفيد من أدوات التفكيك دون الانفصال عن الواقع الاجتماعي أو إهمال البعد التاريخي-المؤسسي.

الفصل الخامس: الجندر في القانون والسياسة الدولية: من التحليل الأكاديمي إلى الإلزام المعياري

1- من الحقل المعرفي إلى الحقل المعياري

تحوّل الجندر مع نهاية القرن العشرين من "أداة تحليل" إلى "مصطلح إلزامي" في الاتفاقيات الدولية وبرامج التنمية. لم يكن هذا الانتقال محايداً؛ إذ أحدث توتراً بنيوياً بين:

أ. طبيعة الجندر كمفهوم تحليلي مرن.

ب. طبيعة القانون التي تتطلب تعريفات دقيقة وإجراءات قابلة للتنفيذ.

نشأت إشكالات تتعلّق بتحديد ماهية الجندر، وحدود استخدامه، وإمكان تعميمه على سياقات ثقافية متباينة. كما بات يُتداول - في بعض المواثيق - بوصفه أداة ضغط تمارسها "قوى المركز" على دول الهامش.

2- الجندر في وثائق الأمم المتحدة

بدأ الحضور المنهجي للمفهوم في سبعينيات القرن العشرين، وتُوّج باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW 1979). لم تُذكر الكلمة صراحة في نصوصها، لكن لجنة المرأة (CESAW) أدخلت لاحقاً مفهوم "النوع الاجتماعي" عند تفسير المادة 5(أ).

تعزّز هذا التوجّه في مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية (1994) ومؤتمر بكين (1995) الذي اعتمد عبارة "gender mainstreaming" دون تعريف إجرائي موحّد. ترك ذلك هامشاً واسعاً للتأويل، واستُخدم أحياناً - من قِبل دول الشمال - لفرض قناعاتها على دول الجنوب النامية (Mukhopadhyay 2004: 71-74).

3- الجندر والتنمية: من تمكين المرأة إلى هندسة المجتمع

انتقلت المقاربة التنموية من "التركيز على المرأة" (WID) إلى "مقاربة النوع الاجتماعي" (GAD) التي تعتبر العلاقات بين الجنسين عاملاً حاسماً في نجاح أو فشل السياسات.

أتاح ذلك الكشف عن:

- العمل غير المدفوع الأجر.

- وصول غير متكافئ إلى الخدمات.

- تأثير الأزمات الاقتصادية غير المتناسب على النساء.

غير أن تحويل الجندر إلى "مؤشرات تقنية" في خطط البنك الدولي ووكالات التنمية أفرغه من بعده النقدي، وحوّله إلى أداة بيروقراطية تُستخدم بمعزل عن سياقها الاجتماعي-الثقافي.

4- الإشكال الثقافي: بين الكونية والخصوصية

المفاهيم المستخدمة في الوثائق الأممية نشأت في سياقات فكرية غربية، ثم جرى تعميمها معياراً عالمياً. أثار ذلك اعتراضات دول ومجتمعات رأت فيه:

- تجاهلاً لخصوصياتها الثقافية والدينية.

- إمكان تحوّل الجندر - حين يُقدّم مفتوح الدلالة - إلى مشروع لإعادة هندسة القيم الاجتماعية، لا مجرد أداة لمكافحة التمييز.

5- الجندر وحقوق الإنسان: التوتر بين التحليل والإلزام

إدماج الجندر في منظومة حقوق الإنسان يكشف توتراً بين:

أ. مستوى تحليلي يقبل التعدد والتأويل.

ب. مستوى إلزامي يتطلب وضوحاً واستقراراً.

تحويل مفهوم إشكالي بطبيعته إلى قاعدة معيارية صارمة دون حسم الخلافات النظرية يُعدّ من أسباب الالتباس، خصوصاً حين يُنقل إلى النصوص القانونية الوطنية.

6- الجندر في السياقات غير الغربية: إشكالية الترجمة والتطبيق

تتضاعف الإشكاليات حين يُنقل المفهوم إلى مجتمعات تختلف في: البنى الأسرية، المرجعيات الأخلاقية، أنماط التنظيم الاجتماعي. السؤال يصبح:

- كيف توازن بين الفرد والجماعة؟

- كيف تُحدد العلاقة بين القانون والقيم؟

غياب الحوار المعرفي المتكافئ يفضي إلى مقاومة اجتماعية لا تعكس بالضرورة رفضاً لمبدأ المساواة، بل رفضاً لآليات فرضها من خارج السياق.

7- تقييم نقدي

لا يُنكر الأثر الإيجابي لإدماج الجندر في السياسات الدولية (كشف تمييز تاريخي، إتاحة تمويل مشاريع النهوض بالمرأة). لكن يبقى الإدماج مشوباً بإشكالات مفهومية وثقافية تستدعي مراجعة نقدية مستمرة، ووضع آليات تمنع تحوّله إلى أداة هيمنة ذات نوايا غير موضوعية، خصوصاً حين يُروّج لمفهومه الفضفاض من قِبل قوى غربية.

الفصل السادس: النقد الثقافي والديني لمفهوم الجندر: بين التفكيك المعرفي والممانعة القيمية

1- طبيعة النقد: تفريق ضروري

يُخطئ كثير من النقاشات حين تُعامل الاعتراضات الثقافية أو الدينية على الجندر وكأنها إنكار مطلق لحقوق المرأة أو لوجود التمييز.

القراءة المتأنية تُظهر أن جزءاً معتبراً من النقد ينطلق من مساءلة البناء المفهومي للجندر (تعريفه، حدوده، إمكان تعميمه)، لا من رفض قيمة المساواة الأخلاقية.

ينبغي التفريق بين:

- نقد معرفي يستهدف المفهوم.

- نقد قيمي يخشى تحول المفهوم إلى أداة لإعادة صياغة المنظومات الأخلاقية دون توافق مجتمعي.

هذا التفريق يجنّب اختزال الاعتراضات في ثنائية "تقدمي/رجعي" وتُفرغ النقاش من مضمونه العلمي.

2- الجندر وإشكالية المرجعية

أغلب المقاربات الجندرية تعتمد مرجعيات حداثية أو ما-بعد-حداثية تُقدّم الفرد وتُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والهوية والسلطة.

في المقابل، المرجعيات الدينية والثقافية التقليدية ترى الهوية جزءاً من نظام قيمي أوسع، لا اختياراً فردياً صرفاً. الخلاف إذن ليس حول وجود أدوار اجتماعية، بل حول:

- مصدر مشروعيتها.

- حدود إعادة تعريفها.

حين يُقدّم الجندر مفهوماً مفتوحاً بلا سقف، تُثار مخاوف من انزلاقه إلى نفي أي مرجعية أخلاقية مستقرة، وهو ما تروّج له - أحياناً - منظمات ومؤسسات غير حكومية مجهولة التمويل لأسباب لا علاقة لها بالجندر.

3- الجندر والأسرة: نقطة التماس الحسّاسة

تُعدّ الأسرة المجال الأكثر حساسية في النقد الثقافي للجندر. تُنظر إلى بعض المقاربات الجندرية بوصفها تهديداً للبنى الأسرية التقليدية، خصوصاً حين يُفهم الجندر انفصالاً كاملاً لِهُويَة الفرد عن أي إطار معياري ثابت.

لكن هذا التخوّف لا ينبع بالضرورة من رفض العدالة داخل الأسرة، بل من الخشية أن يُستخدم المفهوم لتفكيك المؤسسة الأسرية قبل توفير بدائل قادرة على أداء وظائفها الرمزية والاجتماعية (الرعاية، التنشئة، الأمان الاقتصادي). وعليه، تُقرأ بعض السياسات الجندرية كأنها تتجاوز الإصلاح إلى «هندسة اجتماعية» شاملة.

4- الجندر بين الوصف والتقنين

يشتدّ الاعتراض حين ينتقل المفهوم من مستوى "الوصف والتحليل" إلى مستوى "التقنين والإلزام". التحليل يحتمل المرونة، أما التقنين فيتطلّب وضوحاً دلالياً وحدوداً مفهومية. إذا أُقحم مفهوم خلافي في نصوص قانونية دون حسم نظري، يُنظر إليه على أنه فرض أيديولوجي وليس توافقاً معرفياً.

السؤال المركزي:

هل يُستخدم الجندر أداة لكشف اللامساواة، أم إطاراً معيارياً لإعادة تعريف الإنسان وعلاقاته؟

5- إمكان المقاربة التوفيقية

لا يقتضي النقد الثقافي رفض الجندر جملةً، ولا يستلزم الدفاع عنه تبنّي كل أطروحاته. المقاربة الأكثر توازناً تلك التي:

1. تستفيد من الجندر أداة تحليل اجتماعي.

2. تضع حدوداً واضحة بين التحليل الفلسفي والتشريع القانوني.

3. تراعي الخصوصيات الثقافية دون تحويلها إلى ذرائع لإدامة الظلم.

بهذا لا تُنكر الدراسة التمييز القائم، لكنها ترفض معالجته بأدوات قد تولّد توترات اجتماعية أشدّ.

الخاتمة

الجندر: أداة تحليل أم إطار معياري؟

سعى البحث إلى قراءة تحليلية-نقدية لمفهوم الجندر تتجاوز ثنائية القبول/الرفض المطلق، عبر تتبع:

1. نشأته التمييزية بين البيولوجي والاجتماعي.

2. تطوره إلى أداة بنيوية لكشف اللامساواة.

3. انزياحه - في بعض السياقات - إلى إطار معياري يُفرض خارج حدوده التحليلية.

خلاصة التوصية الأكاديمية-السياسية:

- ضبط دلالي صارم.

- تمييز صارم بين التحليل والتقنين.

- حساسية ثقافية-تاريخية.

- وعي دائم بحدود المفهوم.

بذلك لا يكون الجندر عقيدة تُتبع، ولا وهماً يُنفى، بل أداة فكرية تُستخدم بحذر وتُراجع باستمرار.

***

د. سعد محمد مهدي غلام

.........................

المراجع

إنجليزي

- Butler, J. (1990). Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity. New York: Routledge.

- Butler, J. (2004). Undoing Gender. New York: Routledge.

- Connell, R. W. (2002). Gender. Cambridge: Polity.

- Foucault, M. (1976). Histoire de la sexualité, tome 1: La volonté de savoir. Paris: Gallimard.

- Giddens, A. (2005). Sociology (4th ed.). Cambridge: Polity.

- Glover, D. & Kaplan, C. (2018). Gender: A Reader. London: Routledge.

- Hartmann, H. (1979). “The Unhappy Marriage of Marxism and Feminism”. Capital & Class, 3(2), 1-33.

- Oakley, A. (1972). Sex, Gender and Society. London: Temple Smith.

- Stoller, R. (1968). Sex and Gender: On the Development of Masculinity and Femininity. New York: Science House.

- de Beauvoir, S. (1949). Le Deuxième Sexe. Paris: Gallimard.

- CEDAW (1979). Convention on the Elimination of All Forms of Discrimination against Women. UN Doc. A/RES/34/180.

عربي

- المسيري، عبد الوهاب (2002). المرأة والحضارة. القاهرة: دار الشروق.

- المسيري، عبد الوهاب (2010). قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى. القاهرة: دار نهضة مصر.

- البازعي، سعد & الرويلي، ميجان (2000). دليل الناقد الأدبي (الطبعة 2). بيروت: المركز الثقافي العربي.

- غلوفر، ديفيد & كابلان، كورا (2018). الجندر، تر. عدنان حسن. دمشق: دار الحوار.

- غدنز، أنتوني (2005). علم الاجتماع، تر. فايز الصباغ. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.

- كورثيوس، آن (2010). مفهوم الجنوسة: مفاتيح اصطلاحية جديدة، تر. سعيد الغانمي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.

 

 

الملخص: يهدف هذا البحث إلى دراسة العلاقة العضوية بين الاستشراق اللاهوتي أو ما يسمى بعلم الآثار التوراتي باعتبار الأخير تجليًا ماديًا له وتاريخ فلسطين ومنطقة الشرق عامة، وبيان كيف وظّفت القوى الاستعمارية هذا العلم (علم الآثار التوراتي) لخدمة المشروع الصهيوني في فلسطين. فمنذ بدايات القرن التاسع عشر، تحوّلت "أراضي الكتاب المقدس" إلى مختبر لتجارب أيديولوجية هدفها إضفاء شرعية تاريخية ودينية على الكيان الاستيطاني عبر فرض قراءة توراتية على الجغرافيا الفلسطينية، وتهميش التاريخ العربي الإسلامي. والتركيز على دور المؤسسات الغربية والبعثات الأثرية - بدعم حكومي وكنسي - في اختلاق سرديات أثرية توراتية قائمة على التلفيق والتحريف، مثل ربط المواقع الفلسطينية بأسماء توراتية مزعومة. وفي الأخير يستعرض البحث جهود عدد من المفكرين، خاصة فاضل الربيعي، في نقد الرواية التوراتية والجغرافيا الدينية المفترضة، من خلال إعادة قراءة النصوص وربطها بجغرافيا اليمن وجنوب الجزيرة العربية.

المقدمة

منذ صدور كتاب إدوارد سعيد الشهير والمؤسس "الاستشراق"، بدأ العديد من الباحثين في الربط بين الاستشراق اللاهوتي وعلم الآثار التوراتي، باعتبار الأخير تجليًا عمليًا للأول، وامتدادًا معرفيًا وأيديولوجيًا للمشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين ولبنان وسوريا. فمنذ نشأته، لم يكن علم الآثار التوراتي مجرد مسعى علمي للكشف عن الماضي، بل جاء لخدمة أجندات لاهوتية واستعمارية، تداخلت فيها الرغبة في تأكيد سردية دينية مع طموحات سياسية توسعية. ويكفي أن اسمه "التوراتي" مما يدل على انحيازه وعدم موضوعيته. إذ يتخذ من نصوص "العهد القديم" مرجعية أساسية، لا باعتبارها نصوصًا دينية عقائدية، بل وثائق تاريخية تعطي الشرعية لمشروع استيطاني امبريالي. فلقد لعب المستشرقون التوراتيون دورًا مركزيًا في صياغة هذا العلم، حيث حوّلوا فلسطين إلى مختبر أثري تُسقط عليه سرديات توراتية لا تؤيدها الأدلة الأركيولوجية، عبر اسقاط جغرافيا التوراة على الجغرافية الفلسطينية بشكل تعسفي، مع إقصاء متعمد لمراحل طويلة من التاريخ العربي والإسلامي. ومن هنا، يسعى هذا البحث إلى تحليل البنية الاستشراقية اللاهوتية التي شكلت الأساس النظري والمنهجي لعلم الآثار التوراتي، والكشف عن دوره في إنتاج رواية مزيفة حول تاريخ فلسطين القديم تخدم أهداف المشروع الاستيطاني الصهيوني. بالإضافة إلى تناول مساهمات عدد من المفكرين المعاصرين الذين واجهوا هذا التزييف، وعلى رأسهم المفكر العراقي الراحل فاضل الربيعي، الذي أهدي هذا العمل المتواضع إلى روحه، إذ شكّل رحيله قبل أشهر خسارة كبيرة لمجال الاستشراق التاريخي ونقد علم الآثار التوراتي. ورغم أن الربيعي لم يكن أول من خاض هذا الميدان – فقد سبقه مفكرون بارزون ككمال الصليبي – إلا أن ما يميز أطروحاته هو جرأتها وعمقها، على الرغم من أنها لم تخلُ من جوانب قابلة للنقد. ومع ذلك، تبقى جهوده من المحطات الفكرية المهمة في تفكيك الهيمنة المعرفية الغربية وتحرير المخيال العربي من أسر السردية الاستعمارية. وبذلك تكمن أهمية هذا البحث في اعتماده على منهج نقدي مقارن، يضع النصوص التأسيسية في مواجهة نصوص مناقضة لها، ويحلل أثر التزييف المعرفي في إنتاج خطاب تاريخي مضلل، مع السعي إلى تفكيك الارتباط بين العلم والهيمنة التوراتية الصهيونية، واستعادة سردية تاريخية أكثر موضوعية واتساقًا مع الواقع التاريخي والجغرافي للمنطقة.

أولا: علم الآثار التوراتي بوصفه تجليًا ماديًا للاستشراق اللاهوتي

لطالما كان التاريخ القديم للمنطقة، وبخاصة تاريخ فلسطين، نقطة تقاطع بين الأبعاد السياسية والدينية، وهذا التقاطع يتجلى بوضوح في "علم الآثار التوراتي" باعتباره تجسيدا عمليا لعلم الاستشراق اللاهوتي. وتعتبر الحقبة الموالية لسقوط الدولة العثمانية في أوائل القرن العشرين العصر الذهبي لعلم الآثار التوراتي وفقا للعديد من الباحثين وفتح الشرق الأوسط أمام البعثات الغربية والتي لم تكن لم تكن مجرد بعثات ذابت طابع أكاديمي بقدر ما كانت بعثات استشراقية استعمارية، أثّرت بشكل عميق في تشكيل السرديات التاريخية وهوية المنطقة. وقد حلت الحكومتان الانتدابيتان البريطانية والفرنسية محل السلطة العثمانية في سوريا-فلسطين والعراق، وتم إنشاء دوائر آثار محلية.[1] غير أن الأصول البعيدة لهذا العلم تعود للاحتلال الغربي لبعض أجزاء الشرق. فقد شكلت حملة نابليون على مصر بداية علم المصريات. وبرز هذا العلم نتيجة نجاح جان فرانسوا شامبوليون في فك رموز الهيروغليفية في 14 سبتمبر 1822. وأدى ذلك إلى زيادة الاهتمام بعلم الآثار. وبناءً عليه، انتشر الاهتمام بشرق الأدنى القديم، أي "أراضي الكتاب المقدس"، في أنحاء أوروبا. وكانت حكومات أوروبا: الدول الألمانية (لاحقًا ألمانيا)، فرنسا، بريطانيا العظمى، وحتى روسيا، حريصة على دعم أي بعثات استكشافية إلى الشرق الأدنى القديم. ونتيجة لذلك، تلقت مصر، وبلاد ما بين النهرين، وفلسطين بعثات أثرية متعددة. ومع مرور الوقت، ترسخ علم الآثار في الجامعات. وساعد على ذلك ميل العديد من الدول لبناء متاحف وطنية منذ القرن التاسع عشر. ومن بين هذه المتاحف الشهيرة المتحف البريطاني.[2]

لقد نشأ علم الآثار التوراتي في سياق تاريخي وسياسي تزايد فيه الاهتمام باستعادة تاريخ "الكتاب المقدس" خاصة من قبل الكنيسة البروتستانتية. حتى أن مصطلح "علم الآثار" في اللغة الإنجليزية ارتبط في بداياته بالمعرفة المتعلقة بإسرائيل القديمة من المصادر الأدبية، ولا سيما الكتاب المقدس. ومع اتساع نطاق الاهتمام ليشمل مناطق أخرى، ابتُكر مصطلح "علم الآثار التوراتي" لتمييز هذا الفرع الذي يركز على الكتاب المقدس. ويُعد اللاهوتي الأمريكي إدوارد روبنسون، الذي زار فلسطين عام 1838 برفقة تلميذه إيلي سميث، الأب المؤسس لهذا العلم. كان هدفه المعلن "استعادة الواقع التاريخي للنص التوراتي، لجعل الكتاب المقدس أكثر إقناعًا وفهمًا"، وهو ما تجلى في كتابه "البحوث التوراتية في فلسطين وجبل سيناء والعربية البتراء". حيث كان لعلم الآثار الغربي (التوراتي) دور كبير في تناول هذا التاريخ وتشكيله تشكيلاً خاصاً. وتكمن خطورة هذا التشكيل في وجود العديد من أوجه الخلل في الأسس التي بني عليه. ومن أوجه هذا الخلل اتخاذ التوراة نطاقاً لدراسة هذا التاريخ..[3]ولم يقتصر هذا التوجه على الأفراد؛ ففي عام 1865، تأسس "صندوق استكشاف فلسطين" (Palestine Exploration Fund) في بريطانيا تحت رعاية الكنيسة الإنجليكانية، بهدف معلن هو "الاستكشاف الكامل والمنهجي والعلمي للأراضي المقدسة، وذلك بغرض توضيح الكتاب المقدس بشكل رئيسي". ومن بين العوامل التي أدت إلى تأسيسه، أولا: نجاح العلماء الغربيين الأوائل في ربط اكتشافاتهم في فلسطين بالكتاب المقدس، مما أثار اهتمامًا جماهيريًا وولّد دعمًا عاطفيًا وماليًا. ثانيا: نشر داروين لكتابه أصل الأنواع والذي اعتُبر هجومًا على الكتاب المقدس، مما زاد الطلب على تأكيد سلطة الكتاب المقدس والبحث في أصول المسيحية. ثالثا: حرب القرم (1853-1856) والتي، رغم أسبابها السياسية، سلطت الضوء على الصراع حول الوصاية الدينية على الأماكن المقدسة في فلسطين.[4]

بدأ الصندوق نشاطه بإرسال تشارلز وارن للتنقيب في القدس عام 1867، حيث وضع حجر الأساس للأعمال اللاحقة في تاريخ وطبوغرافية المدينة. كما قام الفرنسيون بدورهم في التنقيب، إذ استقبل القنصل الفرنسي في فلسطين كليرمون-غانو  (1846–1923) في نفس الفترة. وكان له إسهام كبير في دراسة فلسطين القديمة. ففي عام 1870، تمكّن من الحصول على حجر ميشع (المعروف أيضًا بالحجر المؤابي) من العرب ونقله إلى متحف اللوفر، كما أسهم كثيرًا في مجال التنقيبات وتوثيق النقوش.

وفي عام 1920، تأسست الجمعية الأمريكية لاستكشاف فلسطين، وكان هناك تعاون بينها وبين البريطانيين منذ البداية، حيث تقرر أن تقوم الجمعية الأمريكية بمسح شرق الأردن بينما تقوم بريطانيا بمسح فلسطين الغربية. ومع ذلك، فشلت الحملتان المرسلتان من قبل الجمعية الأمريكية فشلًا تامًا. واصل صندوق استكشاف فلسطين أعمال التنقيب دون انقطاع، ومن نتائج ذلك نشر نتائج الحفريات في أريحا (1913) والسامرة(1924).[5]

وكما رأينا أن نجاح العلماء الأوائل في ربط اكتشافاتهم بالكتاب المقدس في سياق اتسم ببروز علوم اجتماعية جديدة كالأنثروبولوجيا وغيرها ونشر داروين لكتاب "أصل الأنواع" الذي اعتبر هجومًا على الكتاب المقدس، وكذلك حرب القرم التي سلطت الضوء على الصراع حول الوصاية الدينية على الأماكن المقدسة، كلها عوامل غذت هذا الاهتمام والدعم العاطفي والمالي بعلم الآثار التوراتي وبالأراضي المقدسة في الشرق (فلسطين). غير أن الدافع الحقيقي الكامن وراء هذا العلم، والذي لا يمكن تجاهله، هو استخدامه "للتحقق من صحة الروايات التوراتية وكذلك لتبرير احتلال فلسطين". وكذلك لتبرير احتلال فلسطين. وكما رأينا، فإن ذلك يتم إما عن طريق إسقاط الواقع السياسي الحديث — وقت عمل علماء الآثار التوراتيين في فلسطين — على الماضي السحيق، أو من خلال تمجيد الماضي العِبري[6] يتضح هذا في عبارة فريتز ديليتش الذي تساءل عن سبب "بذل جهود في أراضٍ بعيدة، قاحلة وخطيرة؟" وعن "سبب التنافس بين الدول للحصول على حقوق الحفر والتنقيب في هذه التلال المهجورة؟"، ليجيب بوضوح: "هناك جواب واحد لهذه الأسئلة، وإن لم يكن الجواب الكامل، وهو ما يشير في الغالب إلى الدافع والهدف، ألا وهو التوراة". ولقد كان علماء الآثار التوراتيون، وكما يصف فريتز، "يحفرون وينقبون والتوراة في يدهم. فإذا تم الإعلان عن تنقيب في تل فلسطيني لم يتم التحقق من هويته كموقع توراتي استقبل الجمهور هذا الإعلان ببرود، أما حين يقال أن التنقيب سيتم في موقع ذي علاقة بإبراهيم او داود فسيثير الإعلان موجة حماس عارمة تدفع بالمال والصحافة الى الموقع والعاملين فيه. وكلما كان الإعلان " مرتبطا بالبحث أو التنقيب عن شيء خيالي أو أسطوري مثل البحث عن القبائل العشر أو تابوت العهد أو عنزة يوسف الملونة، كانت حظوته بالدعم اكبر". ويبدو أن هذه الملاحظة ظلت صادقة مع توالي السنوات. يقول ويندل فيليبس رئيس بعثة التنقيب الأمريكية في اليمن في أوائل الخمسينات " .. لاقت بعثة سيناء لجمع التبرعات قبولا حسنا، نظرا لعلاقتها بالكتاب المقدس، والأهمية الفائقة المعلقة على تصوير المستندات الدينية، والتي كانت تهم دافعي التبرعات أكثر من كتابة مليوني صفحة عن الآثار القديمة ".[7] وقد أدت هذه التبعية اللاهوتية إلى تحيزات منهجية وتفسيرية عميقة. فكان علم الآثار التوراتي "يهيمن عليه المنهج والتفسير من قبل النصوص التوراتية". وهذا يحيلنا إلى ملاحظة إدوارد سعيد القائلة بأن أغلبية المستشرقين، حتى منتصف القرن التاسع عشر، كانوا من الباحثين التوراتيين الذين كانت معرفتهم بالشرق، معرفة نصية.[8] فالشرق موضوع الدراسة كان عالما نصيا على نطاق واسع، وتم انتاجه عبر الكتب والمخطوطات، وليس عبر العاديات القديمة مثل التماثيل والفخاريات كما هو حال في إنتاج اليونان في عصر النهضة. وحين كان مستشرق يتنقل في بلد اختص به، كان ينتقل وفي ذهنه أحكام مجردة عن "الحضارة" التي يدرسها لا تقبل الإهتزاز، ومن النادر أن اهتم مستشرقون بأي شيء لا يبرهن على مصداقية ومشروعية هذه "الحقائق البالية"، وتطبيقها من دون نجاح يذكر على سكان البلد غير المفهومين، فالنص التوراتي تحديدا، لعب الدور الأكبر في انتاج ماضي شرقنا العربي، فوضع تاريخه ولغاته وفنونه وآثاره المادية في سياقات غربية لا تنتمي إليه بقدر ما تنتمي إلى صورة متخيلة مستمدة من المرويات التوراتية[9]. فالاستشراق خطاب لا يخلق المعرفة بموضوع فقط، بل ويخلق الموضوع ذاته.

الأخطر من ذلك، أن هذا النهج المنحاز أدى إلى تجاهل الأدلة الأثرية التي تناقض الكتاب المقدس أو لا تدعمه على الأقل بشكل كامل. فالكتاب المقدس، بحد ذاته، لم يعد مصدرًا أساسيًا لتاريخ إسرائيل القديمة، فعلى سبيل المثال، تشير الأدلة الأثرية إلى سقوط أريحا في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، أي قبل قرن من زمن يشوع، مما يتناقض مع السرد التوراتي. ومع ذلك، كان التفسير الأثري غالبًا ما يسعى إلى "تدعيم دقته التاريخية" بدلاً من السماح للأدلة بأن تلعب دورًا فعالًا في مراقبة النص التوراتي. وهذا ما يفسر تجاهل أوجه الاختلاف في الاكتشافات التي لا تتوافق مع السرد التوراتي، كما حدث مع ألبرايت في تنقيباته في مدينة ماري. وبعبارة أخرى، كما كتب "برايت": "لا يسمح للأدلة الأثرية بأن تؤدي دوراً فعالاً في مراقبة التقليد التوراتي، بل تُستخدم كأداة دفاعية لتدعيم دقته التاريخية". أما الحقيقة الثانية الناتجة عن هذا الاعتماد المطلق على الكتاب المقدس، فهي أن المواقع التي تعود إلى الفترات الإسلامية المبكرة لم تلقَ أي اهتمام، لأنها لا تدخل ضمن السياق الذي تهتم به "الآثار التوراتية". ومن غير المبالغة القول إن هذه الأماكن لم تُعتبر موضوعات مناسبة للبحث الأثري الأوروبي. [10]

مثل ألبرايت، تمكن "رايت" (1909-1974) من الجمع بين التدريب في الدراسات التوراتية والخبرة في علم الآثار، لا سيما في تصنيف الخزف تحت إشراف ألبرايت. وكان رايت مقتنعًا بأن دور علم الآثار يتمثل في "كشف الأساس التاريخي للإيمان اليهودي-المسيحي، وإظهار كيف أن الوحي قد جاء عبر التاريخ".[11] ويكتب رايت (Wright)، في كتابه "علم الآثار الكتابي ":علم الآثار الكتابي هو نوع خاص من علم الآثار العام، نوع يمكن ممارسته من الكرسي الهزاز (أي دون الحاجة النزول للميدان، بل يكتفى فيه فقط بقراءة الكتاب المقدس). قد يكون عالم الآثار الكتابي نفسه عالم آثار، وقد لا يكون، ولكنه يدرس الاكتشافات الناتجة عن الحفريات ليستخلص منها كل حقيقة يمكن أن تلقي ضوءًا مباشرًا أو غير مباشر، أو حتى غير واضح، على الكتاب المقدس. [...] ومع ذلك، فإن اهتمامه الأساسي لا يكون بالأساليب أو الفخار أو الأسلحة بذاتها، بل يكمن في فهم وشرح الكتاب المقدس. [...] إن الدراسة المكثفة لعالم الآثار الكتابي هي ثمرة الاهتمام الحيوي بالتاريخ الذي زرعه الكتاب المقدس فينا. لذلك، لا يمكننا افتراض أن معرفة التاريخ الكتابي غير ضرورية للإيمان. يجب أن يسير علم اللاهوت الكتابي وعلم الآثار الكتابي جنبًا إلى جنب إذا أردنا فهم معنى الكتاب المقدس"[12].

ولم يقتصر التحيز على الآثار المكتشفة فقط، بل امتد ليشمل الهوية والتاريخ. فقد أهملت المواقع التي تعود إلى الفترات الإسلامية المبكرة بشكل كبير، لأنها "لا تدخل ضمن السياق الذي تهتم به الآثار التوراتية". كما أن استخدام مصطلح "الإسرائيليين" من قبل علماء الآثار التوراتيين غالبًا ما يعني افتراض "تجانس ووحدة ثقافات وهويات إسرائيلية في مختلف السياقات الاجتماعية والتاريخية"، وهو افتراض يتجاهل التعقيدات العرقية والثقافية التي كشفت عنها الأبحاث الحديثة.

هذا التوجه لم يكن محايدًا علميًا، بل كان جزءًا لا يتجزأ من خطاب الاستشراق الذي ناقشه إدوارد سعيد. فالانقسام بين "نحن (المتحضرون)" و" هم (المتخلفون)" يظهر بوضوح في أعمال شخصيات مثل ألبرايت، الذي اعتبر الثقافة الإسرائيلية "الجذر الأساسي للثقافة الغربية" مقابل الثقافة الكنعانية العربية المتخلفة، ورأى أنه "من الطبيعي أن يستبدل الإسرائيليون السكان الأصليين الأدنى مرتبة في فلسطين"، مبررًا بذلك أعمال الإبادة. كما أن هذا الخطاب لم يصنع صورة تمثيلية للأرض في الذهنية الغربية فحسب، بل "اقتلع من الصورة بالقوة المادية والسطوة على مناهج البحث والمعرفة سكانها وتاريخهم المادي والثقافي في الماضي والحاضر، وحولها إلى أرض خالية تنتمي إلى ماضي الغرب البعيد". ومن ثم، رأى علماء الآثار التوراتيون هذا الوضع وكأنه جزء من خطة إلهية. ومن البديهي أن هؤلاء العلماء كانوا يحملون أيديولوجيات سلبية مسبقة تجاه سكان المنطقة. يكتب سيلبرمان "كان يُنظر إلى "السراسنة" في المنطقة غالبًا على أنهم 'ذئاب الجزيرة العربية' – أعداء طبيعيون للحضارة، غير راغبين وعاجزين فطريًا عن تبني حياة الاستقرار". ووفقًا لذلك، اعتبر العلماء الغربيون أن استعادة الأرض إلى حالتها العظيمة القديمة هي واجبهم.[13] وفي ذات السياق نجد أنه في تفسير ألبرایت لعلم الآثار، هناك تمييز حاد بين الثقافة الإسرائيلية (التي اعتبرها الجذر الأساسي للثقافة الغربية) والثقافة الكنعانية. ويمكن الاستشهاد بالعديد من الأمثلة من كتابه "علم آثار فلسطين" فعلى سبيل المثال، كتب:

"نظرًا لأن الثقافة الإسرائيلية كانت من نواحٍ كثيرة صفحة بيضاء عندما غزا الإسرائيليون فلسطين، فقد نتوقع أن يكونوا قد تأثروا بشدة بثقافة أسلافهم الكنعانيين. ومع ذلك، تُظهر الحفريات وجود قطيعة مفاجئة للغاية بين ثقافة العصر البرونزي المتأخر الكنعاني وثقافة العصر الحديدي المبكر الإسرائيلي في تلال فلسطين." وبهذا يكون ألبرايت مثل العديد من علماء الآثار التوراتيين، لا يعمل فقط ضمن سياق الاستشراق، بل كان أيضًا منخرطًا في المشروع الاستعماري في فلسطين، أو بالأحرى في السياسة. ففي مقاله "لماذا الشرق الأدنى يحتاج إلى اليهود"، أظهر دعمه للصهيونية، التي اعتبرها صاحبة الحق السياسي في فلسطين. فاليهود، حسب رأيه، لهم الحق في الأرض نظرًا لروابطهم التاريخية والعاطفية بها.[14] ومن ثم، يرى ألبرایت أنه "من الطبيعي أن 'يستبدل' الإسرائيليون السكان الأصليين الأدنى مرتبة في فلسطين". ويبدو أن هذا الاستبدال، في نظره، يمكن أن يتحقق من خلال القتل، تمامًا كما فعل اليهود القدماء بقيادة يشوع عندما أبادوا السكان الأصليين، أي الكنعانيين.[15] قد يحسب المرؤ أن القضية تتعلق بأرض فلسطين فقط التي كانت بريطانيا تستعد لإستعمارها، إلا أنها تتعلق في الحقيقة بكل الأرض العربية، ويمكن أن تمتد إلى أي أرض تشير إليها المطامع الإستعمارية. فبناء ما يدعونها " اورشليم " الذي يقوم على أسطورة "الغزو" و"إبادة" السكان الأصليين و "الإستيطان" حاضر أيضاً في استعمار أمريكا الشمالية. إذ يقول بروس ترجر: "أصبحت أمريكا أرض كنعان ثانية، أرضاً يأخذها الله من سكانها الأصليين ليعطيها لشعبه المختار الجديد.[16]

فمنذ النكبة الفلسطينية سنة 1948 والخطاب الإسرائيلي يعمل على تمثيل الفلسطينيين وفقا للخطاب الاستشراقي بوصفهم "مخربين" وبصورة تكاد تكون نسخا عن تمثيل هذا الخطاب لسكان أمريكا واستراليا ونيوزيلندا وكندا الأصليين. فهم حسب خطاب الإستشراق في نسخته الصهيونية لدى أمثال ياكوف شيموني وفاشيتس وبيني مورس: "مجتمع بدائي متخلف، لم تكن لديه نزعة قومية متميزة، أما سبب الانهيار السريع للفلسطينيين في العام 1948 فهو عيوب فطرية متأصلة في مجتمعهم. وهي ثلاث مغالطات لا تقوم على استقراء تاريخي بقدر ما تقوم على تمثيل مستعار من جملة تمثيلات استشراقية دأبت على صناعتها الدوائر الإستعمارية لتبرير حروب الإبادة وسرقة أراضي سكان البلاد الأصليين[17].

إن التلفيق والتزوير لم يكونا غائبين عن المشهد الأركيولوجي الفلسطيني. فمن محاولات إثبات توراتية لمواقع فلسطينية، إلى تحريف أسماء معاصرة، بل وحتى انتحال أسماء عبرية مستمدة من التوراة من قبل أشخاص غزوا فلسطين في القرن العشرين، كانت الأهداف السياسية والأيديولوجية هي المحرك. الأمثلة عديدة، كتسمية "اسطبلات سليمان" التي تكررت في أكثر من موقع، أو تحويل اسم قرية "أم القبّس" إلى "لاخيش" من خلال تلاعب لغوي لا يمت للعلم بصلة. فالمبدأ المتبع هو إطلاق اسم توراتي على الموقع، ثم التنقيب واستخراج عاديات تنسب إلى الموقع التوراتي المزعوم. وحين تثار شكوك بعض العارفين من العلماء، ينقل اسم الموقع التوراتي إلى مكان آخر بكل بساطة. وقد حدث هذا كما رأينا في تسمية اسطبلات سليمان التي بعد الكشف عن ضلالها في تل المسلم نقلوها لتطلق على المسجد المرواني في القدس، ومثال دوران المواقع لكيخية التوراتية من مكان الى آخر، يلقي ضوءا ذا معنى على هذا التحايل الذي لا يمكن أن ينطبق عليه إلا اسم المهزلة. المحاولة الثانية لإلصاق اسم لاخيش بتل الدوير في العام 1938 تصلح لاستخراج طرائف ممتعة. فهذا التل أطلقوا عليه اسم لاخيش منذ البداية واقبروا فيه في ضوء هذه القناعة، ليس لسبب سوى اتخاذهم من اسم قرية مجاورة له تدعى " ام القبّس " سببا. فقد أسقطوا من اسم القرية ألف التعريف، كما تسقط عادة في اللغات الأوروبية، فأصبح الاسم " أم لكن " وبتصويت "اكس" على الطريقة العبرية تصبح " لا كيش" ولأن هناك تبادلا بين السين والشين والكاف والخاء بين بعض اللغات التي تدعي سامية، تحول اسم " أم القبّس" إلى "لاخيش" بقدرة فذة من قدرات الجهل والتمدد والتعامل. وفي ضوء هذا الاعتقاد المسبق بأن الموقع أصبح هو موقع لاخيش، قرأ خبير اللغة العبرية نقوشا عثر عليها في التل مكتوبة بالأبجدية الكنعانية (اطلقوا عليها اسم العبرية القديمة !) وبعد ترجمتها خرج هذا الخبير بالنبأ المنتظر: هذا هو بالفعل موقع لاخيش التوراتية.[18] أما كيف حدث ذلك، وماذا كان مصير هذا النبأ، فيرويه بيتر جيمس هكذا: " قرر المنقب جي . لي . ستاركي أن الموقع هو موقع "لاخيش" قبل أن يضرب بمعوله، وهكذا قرر أيضا، بعد أن لاحظ آثار تدمير وحريق في الطبقة الثانية من طبقات الموقع، أن هذا التدمير من عمل الجيش البابلي في العام 587 ق. م. هذا حتى قبل اكتشاف النقوش التي أطلق عليها "رسائل لاخيش" ، وأعطيت هذه النقوش على الفخار للخبير هاري تورشنر فقام هذا فورا بمقارنة أسماء الأشخاص، بعد أن "رممها" وأضاف إليها حروفا من تخميناته، بأسماء واردة في التوراة. واستنتج ان النقوش تعود الى عصر يرميا، النبي البارز في يهوذا خلال الغزوات البابلية. وبدأ وتحت ظل هذا الاعتقاد بالتعرف على أحداث فردية من تلك المذكورة في سفر "يرميا". فالإشارة مثلا في النقش الرابع إلى "اكس" و "عرفة" معا في سياق يوحي أنهما تحت احتلال عسكري، استدعى مقارنة مع إشارات يرميا إلى هاتين المدينتين كآخر مدينتين صمدتا أمام الهجوم الأخير. وتسلم الدفعة عالم الآثار التوراتي " وليم . ف البرايت " فأضاف نقله إلى قراءات تورشنر، وتناول النقش السادس المشلوم والذي نصه كما يلي "مولاي .. ألا تكتب.. فعلت هكذا.. مسلم، وأعاد كتابته فأصبح "والآن يا مولاي هل لك أن تكتب لهم فماذا فعلتم هكذا حتى أورشليم؟" محولا كلمات متقطعة قد لا تكون جملة واحدة في الأصل، إلى ترجمة اعتباطية غرضها إيراد اسم أورشليم[19] فهي ظاهرة شائعة واشد خطراً على المجال العلمي، وخاصة حين يقف وراءها ويروجها "علماء" من ذوي النفوذ الأكاديمي، كما حدث مثلا حين أساء رئيس فريق بعثة فيلادلفيا الأمريكية للتنقيب قراءة نقش مسلة الملك المصري رمسيس الثاني المكتشفة في بيسان (1923)، فجعله يتحدث "عن استخدام" الإسرائيليين" في بناء مدينة هذا الملك، بينما كان النص الأصلي يتحدث عن قبائل العامو والشاسو التي قدمت قروض الطاعة للملك. ومثال ذلك إكمال وليم البرايت في العام 1941 لنص على كسرة فخارية من تل الدوير بزج كلمة "سقوط أورشليم" للبرهنة على تاريخية هذا الحدث وفوق الأرض الفلسطينية أيضاً. الأخطر من هذا أن هذه "القراءات" الزائفة يتم تكرارها في الكتب العلمية والمدرسية حتى بعد الكشف عن ضلالها. في السنوات الأخيرة، اضطرت حتى الدوائر الصهيونية إلى الاعتراف بوجود الكثير من العاديات الملفقة في متاحفها ومتاحف العالم حسب ما أوردته صحيفة هاآرتس الصهيونية ذاتها[20].

ويرافق كل هذا النشاط "الآثاري" و"التاريخي" نشاط عسكري استعماري الذي يحتل الأرض ويرسم الخرائط ويمحو أسماءها، ويلصق بها الأسماء اللاهوتية المتخيلة. وقد كشف أكثر من مصدر عن التزييف الذي أدخله عسكريون وعلماء لاهوت وسياسيون صهاينة على أسماء المواقع الجغرافية والمدن والتلال الأثرية الفلسطينية، والكيفية التي تم بها إلصاق الأسماء التوراتية الغريبة بمعالم هذه الأرض العربية. من هذه المصادر كما كتبه بليونى ميرون بنفنستي عن لجنة تشكلت من تسعة باحثين فور الاستيلاء على النقب الفلسطينية في العام 1949 بأمر من بن غوريون لعبرنة أسماء الأماكن ومعالمها، ويشير إلى أن عمل أعضاء هذه اللجنة كان قد بدأ في العام 1920 حين عين اثنان منهم كمستشارين لحكومة الاحتلال البريطاني في كل ما يتعلق بوضع الأسماء العبرية على خريطة فلسطين بدلا من الخرائط العربية التي كانت قيد الاستخدام. وكذلك التحقيق الذي أجراه توماس تومسن خلال عمله في القدس في العام 1986، والذي كشف فيه عن وجود عمل منظم ودؤوب لتجريد كافة أنحاء فلسطين من أسماء المواقع العربية منذ العام 1948 ووصولا إلى السنوات الأخيرة. ولاحظ عالم الآثار الأيرلندي ماك آلستر منذ وقت مبكر كيف أن بعض معالم القدس التاريخية قد تم الاعتداء على ماضيها، فأطلق الصهاينة على قلعة هيرود اليونانية اسم " قلعة داود" وعلى بوابة الخليل اسم" بوابة يافا" الذي أطلقه الفرنجة، وكلا الاسمين خطأ. ومنذ وقت قريب زعمت أوساط صهيونية أن المسجد المرواني الملاصق للمسجد الأقصى ليس سوى ما يدعونه "اسطبلات سليمان" وبدأت وكالات الأنباء تتداول هذه التسمية، متجاهلة أن هذا الاسم ذاته سبق للمنقبين التوراتيين أن أطلقوه على عمائر في تل المتسلم جنوبي جبل الكرمل، ثم عادت عالمة الآثار البريطانية كاثلين كينيون في آخر محاضرات لها قبل وقت قصير، إلى التأكيد على أن الأخبار المتداولة حول وجود اصطبلات سليمان فيما اصطلح المنقبون التوراتيون على أنها مدينة مجدو التوراتية لا تعدو كونها أخباراً مختلفة [21].

يُعتبر الباحث Weill من أوائل من ربطوا بين التسمية التوراتية "مدينة داود/Ir David" الواردة في سفر صموئيل الثاني (5:9)، وبين كهوف القبور الموجودة في منطقة سلوان، والتي سماها "قبور ملوك بيت داود". وقد شكّل هذا الربط أول محاولة حديثة لإطلاق اسم "مدينة داود" على هذه المنطقة، وهو ما تبنّاه لاحقًا علماء الآثار الإسرائيليون، ليشمل منحدر وادي حلوة وصولًا إلى عين سلوان[22]. في المقابل، كانت التسمية الأكثر شيوعًا بين الباحثين في نهاية القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين هي "تلة الظهور" أو "عوفل/Ophel"، والتي ظهرت في خرائط تلك الفترة، واعتمدت في أبحاث علماء الآثار التوراتيين، باستثناء الجزء الجنوبي من سور المسجد الأقصى باتجاه قمة منحدر وادي حلوة، وحتى حي البستان شمالًا. وقد ركّز علماء الآثار التوراتيون على منطقة سلوان وحي البستان، مستندين إلى الاسم الذي أطلقه السكان المحليون منذ قرون على هذه المنطقة، وهو "البستان". وفسّروه تفسيرًا توراتيًا باعتباره "حديقة الملك" المذكورة في الكتاب المقدس (صموئيل الثاني)، محددين موقعها في ذات المنطقة التي تضم اليوم أكثر من 90 منزلًا فلسطينيًا. ويعتقد المدافعون عن وجود "مدينة داود" أن هدم هذه المنازل سيمكّنهم من استعادة المشهد التوراتي المزعوم وتحويل المكان إلى وجهة سياحية تسرد للزائرين رواية عمرها ثلاثة آلاف عام، وهي رواية بدأتاها في القرن التاسع عشر المؤسسة الكولونيالية، ومن ثمّ دائرة الآثار خلال فترة الانتداب البريطاني (1922-1948)، وتواصلها الآن المؤسسات الأثرية الإسرائيلية.[23]

فكل هذه المحاولات التحريفية للتاريخ الفلسطيني والتي رسخها الاستشراق في علم الآِثار هدفها إلغاء أيّة جوامع ومشتركات تجمع الحضارات التي قامت في منطقتنا، والتي تنزع "العربية" عن شعوبها وخلقَ هويات مصطنعة لبعض البلدان العربية، ودفع العربي إلى التنكّر لنفسه ولأسمائه وتفتيت وطنه إلى هويّاتٍ لا أساس لها إلا في كتب الباحثين الغربيين.[24] ولحسن الحظ، بدأت هذه التوجهات تلقى نقدًا متزايدًا، فظهرت مدارس مثل "مدرسة كوبنهاجن" التي شرعت في "انتقاد العلاقة بين علم الآثار والكتاب المقدس". وأظهرت الدراسات الحديثة، كما يشير توماس ل. طومسون، أن "الحديث عن عصر ذهبي لإسرائيل قديم، بعاصمة اسمها أورشليم، ومملكة تسيطر على منطقة شاسعة... إنما هو صور متخيلة لا مكان لها في أوصاف ماضي فلسطين التاريخي الحقيقي". وأكدت المعطيات الأثرية أن "إمبراطورية داوود وسليمان لم توجد أبدًا". ويضيف: "ليس هناك من أدلة على وجود مملكة موحدة، ولا أدلة على عاصمة في أورشليم، أو أي قوة سياسية متماسكة وموحدة هيمنت على غربي فلسطين ناهيك عن امبراطورية. ولا أدلة على وجود هيكل أو معبد في الفترة التي تتحدث عنها الموروثات التوراتية، ولا يعزي أمر فقدان هذه الأدلة إلى وجود فجوة في معرفتنا ومعلوماتنا عن الماضي، أو أنه نتيجة طبيعية لاعتباطية البحث والتنقيب، بل لأنه لا مكان، ولا سياق، ولا عاديات أثرية، ولا محفوظات تشير إلى وجود مثل هذا الواقع التاريخي، فلا أحد يستطيع الحديث عن عاصمة من دون مدينة، ولا عن دولة بلا سكان، والروايات وحدها لا تكفي، تلك الروايات التي لا يشجعنا ما نعرفه عن أمثالها أنها قصدت أساسا أن تكون تاريخا". وفي مؤتمر للمستشرقين عقد في روما في العام 2003، يقدم الباحث نيلز بيتر لي مش، من جامعة كوبنهاجن، بأن "المعطيات الأثرية أثبتت الآن نهائيا ان إمبراطورية داوود وسليمان لم توجد أبدا[25].

ورغم هذا التحول المهم في الأوساط العلمية الغربية، لا يزال مأزق "علم الآثار التوراتي" بعيدًا عن عناية الباحثين العرب ووعيهم، وما زالوا "غارقين في تكرار مقولاته وتسمياته وفرضياته كحقائق مسلّم بها". فالكثير من الباحثين، عربًا وغير عرب، لا يدركون أن تعبير "الحضارة الإسرائيلية" هو "نتاج خيال خصب لا نتاج آثار ملموسة"، و"ليس سوى عبارة شائعة في خطاب الاستشراق التوراتي، لا أساس له على أرض الواقع".

بناء على ما سبق، يُعد علم الآثار التوراتي مثالًا صارخًا على كيفية استخدام المعرفة وتوجيه البحث العلمي لخدمة أجندات سياسية وأيديولوجية استعمارية. إن فهمنا لهذا التاريخ المعقد يتطلب تجاوز "التصوير المسبق لما يسمى بالهوية اليهودية" الذي كرّسه هذا العلم، ونقد كل أشكال التحايل والتلفيق التي شابت مساره، والعمل على بناء تاريخ لفلسطين القديمة مبني على حقائق علم الآثار والدراسة الجغرافية والاقتصادية والسكانية، بعيدًا عن الافتراضات المسبقة، أو الأفكار المسبقة. فالمهمة ليست فقط اكتشاف المواد الأثرية، بل الأهم هو كيفية تفسيرها بعيدًا عن أي توظيف سياسي لها، لإعادة كتابة تاريخ المنطقة بصورة أكثر دقة وإنصافًا. فلقد منع هذا الهوس التوراتي والخطاب المهيمن على العلماء والباحثين والمؤرخين من صياغة تاريخ لفلسطين القديمة وضلل كل الأبحاث في هذا المجال. وبالتالي يجب على النخب والمؤسسات العربية الرسمية والشعبية التحرر من قيد علم الآثار التوراتي لأنهم بتحررهم من تلك القيود يكسرون الحلقة الفرغة التي يقوم فيها الشرق بتشريق نفسه عن طريق اجترار نفس المقولات الاستشراقية التي تخص تاريخه وهويته. ولكن هل توجد أطروحات مضادة لمخرجات علم الآثار التوراتي؟

ثانيا: أطروحات نقدية للجغرافيا التوراتية ومخرجات علم الآثار التوراتي

ظهرت في السنوات الأخيرة العديد من الأطروحات المشككة في الكثير ممن كان يُعد من المسلّمات في علم الآثار التوراتي وتاريخ فلسطين ومصر القديمة، هو في حقيقته نتاج خيال استشراقي موجه ومتحيّز، أكثر منه معرفة علمية محققة كما رأينا سابقا. فقد كشفت دراسات عدد من الباحثين من أمثال فاضل الربيعي، وأحمد الدبش، وكمال الصليبي، عن مدى التلاعب الذي تعرض له تاريخ منطقتنا، وكيف أن سردية "إسرائيل القديمة" و"أرض الميعاد" المزعومة، لم تكن سوى بناء سردي أيديولوجي خدم مشاريع الاستعمار الغربي والصهيونية الحديثة. فالمرويات التوراتية، والتي طالما اعتُمدت كمصدر تاريخي لتحديد الجغرافيا المقدسة، تبين أنها لا تشير صراحةً لا إلى فلسطين ولا إلى أورشليم باعتبارها القدس، ولا إلى مصر وادي النيل بصفتها مسرحًا لقصة الخروج. بل إن العديد من النقوش والوثائق الأثرية، سواء في اليمن أو في النقوش الآشورية، تسلط الضوء على مواضع تحمل نفس الأسماء المذكورة في التوراة، ولكن في أماكن بعيدة تمامًا عن الجغرافيا الفلسطينية التقليدية وذلك وفقا لأطروحاتهم، ولكن هذه الموجة من "التشكيك" لم تقتصر على الباحثين العرب فقط وإنما شملت كذلك الباحثين وعلماء الآثار الإسرائيليين والغربيين أمثال الأمريكي توماس طومسون. إذ يعتبر مثلا أن لقب "عابيرو" الوارد في رسائل تل العمارنة والذي حاول البعض ربطه بالعبرانيين، فهو يستعمل برأيه لوصف تصرفات قطاع الطرق، ويبدو أنه يشير إلى طبقات اجتماعية أو جماعات متنازعة مع بعض حكام العصر البرونزي الأخير، ولكنه لا يستعمل بأي حال للإشارة إلى أية مجموعة اثنية معينة في فلسطين.[26] وبأن العائدين من السبي البابلي ما هي إلا جماعات جديدة لا علاقة لها بإسرائيل. إذ يصور النبي أشعيا (أشعيا 45:1) قورش بوصفه مسيح يهوه ومعيد الشعب التقليدي إلى الأرض. ويشير طومسون إلى "أننا لا نتعامل مع إعادة منفيين إلى موطنهم أكثر من تعاملنا مع إعادة ديانة قديمة منسية أو إعادة بناء معبد. ومهما كان الشعب الذي نقل أو أعيد إلى فلسطين، فهم بالتأكيد لم يكونوا إسرائيليين، وعلى الرغم ذلك أصبح الفرس يعتبرونهم، وكذلك المرويات التوراتية الناشئة، وأصبحوا هم يعتبرون أنفسهم سكان إسرائيل المفقودة منذ زمن عائدين إلى "أرض إسرائيل" من منفى مرير بعد أن خلصهم سيدهم ومنقذهم قورش من بابل".[27] صحيح أن أطروحة طومسون مختلفة في جغرافيتها على أطروحات الباحثين العرب التي تعيد اسقاط الجغرافيا التوراتية في شبه الجزيرة العربية تحديدا جنوبها الغربي ولكن تبقى أطروحة مهمة فهو حاول أن يتناول موضوع تاريخ إسرائيل وأصولها بصراحة وموضوعية وأشبعه تمحيصاً وتحليلاً بعيدا عن الأيديولوجيا الصهيونية ومخرجات علم الآثار الاستشراقي. وفي سياق ذلك تقوض أطروحاته كون "أرض إسرائيل" الوطن التاريخي للشعب اليهودي، ويثبت أن الحركة الصهيونية هي التي سرقت مصطلح "أرض إسرائيل" وهو ديني في جوهره وحولته إلى مصطلح جيو-سياسي، وبموجبه جعلت تلك "الأرض" وطـن اليهود، وذلك منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وكنتيجة لذلك انزعجت الأوساط اليهودية من اصدار كتابه "التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي" لدرجة أنه فقد وظيفته في جامعة وذلك بسبب الضغوط من اللوبي الصهيوني.

عود على بدء، يرى فاضل الربيعي بأن المخيال الاستشراقي الأوروبي سعى في قراءته للتوراة، نحو بناء سردية جديدة خيالية توضع في خدمتها مكتشفات علم الآثار، وتتوافق مع عصر الفتوحات الاستعمارية، وهي سردية وجد فيها الغرب إمكانية مدهشة للعثور على حاضنة أولى وقديمة للحضارة الأوروبية مدفونة في رمال الشرق، فعثر في الرواية عن بني إسرائيل طفولته البعيدة تلك في الشرق الغامض والملتبس، يوم كان لداود مملكة مترامية الأطراف. ولسوف يمهد هذا الانتساب المفاجئ الطريق أمام أوروبا لكي تعيد إدراج التراث اليهودي- المسيحي والحضارة الغربية في سياق استمرارية تاريخية كانت مفتقدة، فلم تعد أوروبا وريثة لأثينا وحسب، بل هي استطراد لمملكة إسرائيل. وها هو تاريخ بني إسرائيل الملفق يكتشف على نحو قابل لأن يرى الغرب فيه تاريخاً خاصاً به، ضائعاً وتائهاً في شرق منسي، وقد أمكن استرداده بفضل إعادة الرواية [التوراتية] وتزويجها. على أوسع نطاق وبالتلازم مع الاستيلاء على الأرض".[28] هذه المساعي الاستشراقية تقودنا إلى مساعي علماء الآثار لي أعناق النصوص الأثرية المكتشفة من أجل توظيفها وفقا لروايتهم الأيديولوجية، ولعل من أبرز الشواهد على هذا التزييف، ما تضمنته "لوحة مرنبتاح" التي اعتُبرت لعقود أول ذكر تاريخي لـ "إسرائيل". لكن إعادة فحص النصوص الهيروغليفية، كما أشار الباحثون، تكشف أن كلمة "يسيرارو" أو "يزيرارو" لا تشير إلى شعب "إسرائيل"، بل إلى منطقة زراعية في سهل مرج ابن عامر، وأن تعبير "لم يعد له بذر" هو وصف أرض لا شعب، ما يُسقط الزعم بأنها دليل على وجود سياسي أو ديني لما يُسمى بإسرائيل في ذلك الزمن، فالعلامات الهيروغليفية في النقش تشير إلى جماعة أو قبيلة لا إلى كيان سياسي معروف، وهو ما يُضعف فرضية ارتباط الاسم بـ"إسرائيل" التوراتية. بالتالي، فالخلاصة أن اللوحة تُوثق انتصارًا لمرنبتاح على جماعات كنعانية أو فلسطينية، ولا يمكن الاعتماد عليها كدليل قاطع على وجود شعب "إسرائيل" بمعناه الديني أو السياسي في ذلك الوقت[29]. ولقد أكد زاهي حواس أن أغلب علماء الآثار في العصر الحديث قالوا إن كلمة "إسرائيل" غير صحيحة، لكن لو افترضنا صحتها، فلا أحد يعرف متى جاء العبرانيون، ومتى خرجوا؟، كما لا أحد يعرف من هو فرعون الخروج أو أي من هذه القصة، وأضاف "هذا هو ردي على إسرائيل".[30] وفي ذات السياق نجد أن لم يعثر على أي نقش هيروغليفي يذكر ملكا باسم "فرعون" بوصفه لقبا ملكيا كما ورد في التوراة، فالكلمة في أصلها تعني "البيت العظيم" وكانت تشير إلى القصر الملكي وليس لشخص الحاكم. فكلمة فرعون (pharaoh)، مأخوذ من الكلمة المصرية pr‑ʿꜥꜣ، وتعني "البيت العظيم"، وقد كانت في الأصل تشير إلى القصر الملكي أو الديوان الرسمي في مصر القديمة. في عصر المملكة الحديثة وبشكل خاص منذ الأسرة الثامنة عشرة، تقريبًا )1539–1292 ق.م) بدأت تُستخدم الكلمة مجازيًا للإشارة إلى ملك مصر. وبحلول الأسرة الثانية والعشرين ) تقريبًا 943–746 ق.م) أصبحت لقبًا محترمًا، يُستخدم كتعبير عن الاحترام. ومع ذلك، لم يكن هذا اللفظ هو لقب الملك الرسمي في هذه الفترة؛ إذ ورد في الوثائق الرسمية أن للملك خمسة أسماء رئيسية، يسبق كل منها أحد الألقاب التالية: حورس، السيّدتان، حورس الذهبي، ملك مصر العليا والسفلى، وابن رع. وكان الاسم الأخير يُمنَح له عند الولادة، بينما تُمنح الأسماء الأخرى عند التتويج.[31] وحتى زاهي حواس، أحد أشهر الأثريين المصريين، أقر بعدم وجود أي دليل أثري على قصة الخروج أو وجود موسى، ما يُضعف الرواية الدينية ويُعريها من مصداقيتها التاريخية. إضافة إلى اسم مصر لم يذكر في النقوش الهيروغليفية إذ، ذكرت عدة أسماء للدلالة على بلاد النيل كيميت  (Kemet) وهو الاسم الذي عرف به الفراعنة موطنهم في لغتهم والذي يعني "الأرض السوداء " كناية عن أرض وادي النيل تمييزا لها عن الأرض الحمراء الصحراوية المحيطة بها. في المقابل نجد أن اسم مصر ظهر في النقوش الآشورية واليمنية. حتى أن النبي محمد عندما أرسل رسالة للمقوقس ملك بلاد النيل آنذاك خاطبه ب "عظيم القبط" وليس ب "عظيم مصر". فمن الواضح أن بلاد النيل في تلك الفترة كانت معروفة ببلاد القبط وهم المصريون القدامى ولم تكن معروفة باسم بلاد مصر أي أنها ليست هي ذات البلاد التي ذكرتها التوراة. ولقد توسع الباحث المصري أحمد عزت في هذه الأطروحة في كتابه الشهير "مصر لم تعرف لا فرعونا ولا موسى".

أما فيما يتعلق ب "أورشليم"، فقد بينت تحليلات فاضل الربيعي وآخرين أنها لا تعني القدس العربية على الإطلاق، وأن ثمة خلطاً مقصوداً وقع بين "قدش" التي قد تعني جبلًا مقدسًا، و"أورشليم" كمدينة، دون أن تُفهم الفروق الجغرافية والثقافية بينهما. فالنصوص التوراتية، عند تمحيصها، تميز بين مواضع عدة، وتضعها في سياقات لا تنطبق على جغرافية فلسطين الحالية، بل تنسجم أكثر مع جغرافيا اليمن وسراة المعافر وجبال نجران. بل إن أسماء مثل جبل صهيون وبيت بوس وبيت لحم، والتي ارتبطت تقليديًا بالقدس ومحيطها، ترد في وصف الهمداني ضمن مناطق تقع إلى الجنوب من تعز، وتؤكد الروايات القديمة والمواضع الموصوفة في الشعر الجاهلي والأدب العربي نفس التسميات في اليمن، وليس في فلسطين. فالمكان الأول وكما يتضح من وصف التوراة، جبل شامخ تم تقديسه (تطهيره) أو تحريمه فسمي (قدش - قدس). أما الاسم الآخر (أورشليم) فاسم لمدينة من المدن، يتكرر حضورها في نصوص مختلفة من التوراة، من دون أي رابط جغرافي مع الجبل. بكلام آخر؛ فإن التوراة تطلق على مكان بعينه اسم "أورشليم" ولا تقول عنه، أبداً، ولا بأي شكل من الأشكال، أن المقصود منه القدس (أو قدش). وهذا يعني أن شعب بني إسرائيل القديم، وهو من الشعوب والقبائل العربية البائدة، وطبقاً للرواية التوراتية، عرف مدينة باسم أورشليم، كما عرف مكاناً آخر باسم قدش - قدس.

وللتذكير؛ فإن المتطرفين وغلاة اليهود الغربيين، يصرون على وصف التوراة هذا، وهم يقولون إنها فوق جبل (ولذلك ظهرت جماعة أمناء جبل الهيكل التي تقول أن هيكل الرب الذي بناه سليمان هو في القدس العربية أي فوق جبل، هذا برغم أن القدس العربية تقع فوق هضبتين مرتفعتين). والمدهش أكثر، أن النص التوراتي يتحدث عن سقوط أورشليم بعد أن هاجمها الملك داود من جبل يدعى جبل صهيون، وأن داود أطلق اسمه على الجبل - الحصن الذي استولى عليه، فصار اسمه "مدينة داود". وبالطبع لا يوجد في طول فلسطين وعرضها جبل يدعى جبل صهيون. والجغرافيون العرب ومعهم جغرافيو اليونان الذين وصفوا بلاد الشام في حقب وفترات مختلفة من التاريخ، لم يذكروا قط اسم جبل في جنوب سورية يدعى جبل صهيون، كما لم يذكروا أي شيء عن بلاد تدعى "اليهودية" قامت في أي وقت فوق أرض فلسطين. ومن المؤكد أن اسم جبل صهيون في الذاكرات الوطنية العربية، اسم يثير الفضول والريبة والحيرة والسخط في آن واحد، لأنه يرتبط باسم "الحركة"[32]. إئ  أن جبل صهيون الذي يؤدي إلى أورشليم لا وجود له في فلسطين. ومن غير المنطقي تخيل اختفاء جبل من الجغرافيا، أو زوال اسمه أو تحول طريقة نطقها، بينما يزعم التوراتيون أن كل الأسماء الواردة في التوراة صمدت على مر الزمن؛ وأنها لا تزال موجودة في فلسطين منذ ألفي عام، برغم أن الكثير منها مجرد آبار قديمة أو ينابيع وعيون ماء أو قرى يسهل زوالها ونسيان أسمائها؟ ويضرب الربيعي دليلا على وجود جبل صهيون في اليمن وذلك في سياق سرد قصة أصحاب الأخدود الشهيرة التي قام فيها الملك اليهودي اليمني أبي نواس الحميري بالتوجه إلى نجران من أجل قمع المسيحيين هناك فنجد الأعشى في إحدى قصائده الشهيرة التي حذر فيها عبد المسيح بن الديان أسقف نجران العظيم، وشقيقه ومساعده وراعي كنيسته فيقول:

أَيا سَيِّدَي نَجرانَ لا أوصِيَنكُما

بِنَجرانَ فيما نابَها وَاِعتَراكُما

فَإِن تَفعَلا خَيراً وَتَرتَدِيا بِهِ

فَإِنَّكُما أَهلٌ لِذاكَ كِلاكُما

وَإِن تَكفِيا نَجرانَ أَمرَ عَظيمَةٍ

فَقَبلَكُما ما سادَها أَبَواكُما

وَإِن أَجلَبَت صِهيَونُ يَوماً عَلَيكُما

فَإِنَّ رَحى الحَربِ الدَكوكِ رِحاكُما[33]

إن رواة الأخبار القدامى ممن رووا القصة - والتي سجلتها وثائق الكنيسة بدقة - كانوا يعرفون جغرافية الحدث التاريخي، ويعرفون جيداً جبل صهيون الذي هبط منه جنود الملك اليهودي ذي نواس الحميري، ليتجهوا منه مباشرة نحو نجران. وبالطبع فمن غير المنطقي الافتراض أن جبل صهيون كان في هذا الوقت من التاريخ ضمن جغرافية فلسطين، وأنها هي التي هاجمت نجران وأحرقت النصارى، فالتاريخ لا يعرف واقعة من هذا النوع، والأدق والأقرب إلى الحقيقة التاريخية والمنطق، أن اليمن اليهودية هي التي هاجمت نجران. وهذا نزاع قديم سجلته التوراة في مواضع كثيرة. ونجران كما برهنا في مؤلفنا السابق، كانت تدعى (ربة) تماماً كما في التوراة، والعرب القدماء كما تعلم، كانوا يسمون نجران (ربة نجران) ويتحدثون عن كعبتها المسماة كعبة نجران. وحتى اليوم لا تزال[34]. وفيما يتعلق بأورشليم نجد أن التوراة تتحدث عن أن الملك داوود ورجاله قد استولوا على أورشليم اليبوسية وطرد سكانها من الأرض، وأخذ حصن صهيون - صهيون فأصبح اسمه مضارب داود. وهذا النص ينفي نفياً قاطعاً أن تكون أورشليم هي القدس أو هي قدش - قدس، كما أنه يؤكد وجودها قرب جبل صهيون (صهيون والهاء الوسطية حرف صوتي كما في كلام أهل اليمن: يريق الماء - يهرق الماء). وبالطبع فالقدس العربية لا تقع قرب جبل صهيون[35]. ويجزم فاضل الربيعي بأن هذه المعركة لم تقع في فلسطين وبأن جبل صهيون، وهو حصن منيع، يصل بسلسلة جبال السرو بنجران في سرو حمير إلى الشرق من صنعاء. واليمنيون يقولون في المأثور الشعبي حتى اليوم (كل بوسي يهودي وكل يهودي بوسي). وذلك في إشارة إلى بيت بوس اليمنية التي كان سكانها على دين اليهودية، وهي مكان جبلي حصين؛ وصفها الهمداني وصفاً دقيقاً ومسهباً في كتابه صفة جزيرة العرب وتماماً كما في النص التوراتي. إليكم وصف الهمداني لبيت بوس " ثم الجوف وهو منففق من الأرض بين جبلين، فيه أنف وأروين وما أقبل من (مياه) من عد ـ ورد، وهو واد يصب مع سامك وديرة، إلى الحقلين والسهلين وما أقبل من أشراف نفيل السود، فبيت بوس رجل نقم وما بينهما من حقل صنعاء."[36] إذ يصف الهمداني المكان في كتابه (صفة جزيرة العرب): بيت بوس ينسب إلى القيل اليمني ذي بوس (ذي بواس) بن شراحييل. حصن منيع ووادي فيه بعض الفواكه ويقع إلى الغرب الجنوبي من صنعاء بمسافة ساعتين. لدينا في هذا النص ما يؤكد بشكل قاطع، وجود مكان جبلي بالوصف ذاته الوارد في التوراة ويدعى بيت بوس، وهو يرتبط بسلسلة جبلية تؤدي بدورها إلى جبل صهيون الوارد ذكره في شعر الأعشى، حيث يمكن للسائر هناك أن يهبط نحو نجران. والمثير للاهتمام أن بيت بوس هذه وبالوصف الوارد عند الهمداني، هي مدينة آمنة (حصينة) أي أنها "أورشليم" بمعنى المدينة التي تعيش آمنة، متنعمّة بسلام من خطر الأعداء، بفضل وجودها في مكان جبلي وعر وقاس يصعب اقتحامه. ونلاحظ أن كلاً من نص الهمداني ونص التوراة، يؤكد أن بيت بوس حصن منيع. فلقد زعم التوراتيون وهم يفشلون في العثور على بيت بوس هذه، أنها ذاتها "يا بوس" القرية الصغيرة في ضواحي دمشق. وهذا زعم باطل ولا أساس له، لأن القرية لا تؤدي إلى القدس العربية ولا تتصل بسلسلة جبلية تفضي إلى جبل صهيون[37]. وإذا ما قمنا بوضع النصين (نص يشوع ونص الهمداني) في إطار مقاربة جغرافية، تتضمن التسلسل الدقيق للمواضع والأماكن التي تؤدي إلى جبل قدش عند يشوع، وقدس عند الهمداني، فسوف نحصل على التماثل المدهش التالي - ولاختصار فسنكتفي ببعض الأمثلة: فنجد مثلا أن الهمداني في وصفه لقدش ذكر عدة أماكن مشابهة لوصف يشوع لقدش فنجد نجب وهي ذاتها ها – نحب (النحب) عند يشوع ووادي أدم التي يقابلها أَدَم ووادي حضر التي يقابلها حضر وأخيرا جبل قدس الذي يقابله قدش في وصف يشوع.

إن التوراة، بكلمة موجزة قاطعة، لا تقول أبداً، ولا بأي صورة من الصور، إن الأحداث التي ترويها قد جرت أو دارت في فلسطين. كما أنها لا تشير لا من بعيد ولا من قريب لاسم فلسطين أو الفلسطينيين ارتباطاً بالأحداث المروية.

علاوة على أن التوراة لم تذكر اسم فلسطين قط، إذ يُقصد بقدس هنا الجبل المبارك المعروف باسم "جبل قدس" – بفتح القاف والدال كما ينطقه اليمنيون – والواقع في مخلاف المعافر القديم، على بُعد نحو 80 كيلومترًا جنوب مدينة تعز باتجاه عدن. لا يزال هذا الجبل معروفًا حتى اليوم، ويُروى أنه كان في الأزمنة الغابرة موطنًا لشعب عربي قديم من شعوب العرب العاربة، يُعرف في التوراة باسم "فلسطين"، بينما يُعرف في العربية الجنوبية القديمة بـ"الفلس" أو "الفلست"، وهو نطق يمني قديم مشابه لنطقهم لكلمات مثل "قرشت" بدلًا من "قريش" و"فرست" بدلًا من "فرس". وقد يُكتب اسم هذا الشعب أحيانًا باستخدام "همزة وميم" في أوله (كما في "أم فلس")، وهو نمط تعريفي قديم في جنوب الجزيرة العربية كان يُستخدم قبل شيوع أداة التعريف الحديثة "أل"، كما يُقال: "أم رجل" في "الرجل" و"أم بعير" في "البعير". وتخالف هذه الرؤية ما تقدمه القراءة الاستشراقية الغربية التي تصوّر هذا الشعب كغرباء سكنوا في فلسطين التاريخية، بينما تفيد الشواهد اليمنية أن اسم الجبل "قُدس" لا يزال يحتفظ بذاكرة الجماعة القديمة "الفلست"، تمامًا كما ورد في الروايات التوراتية. وقد أشار الهمداني في كتابه صفة جزيرة العرب إلى هذا الجبل وهذه الجماعة القديمة، وذكر أن "الضباب وادٍ في قُدس من المعافر"، وأنه يوجد أيضًا في منطقة المفاليس – وهي جزء من مخلاف المعافر كذلك – وأن هذه المناطق تتصل بسراة الكِلاع، المعروفة بسراة بني سيف، وتشمل الشريط الساحلي الممتد من أرض المعافر حتى جبال عدن وساحل بني مجيد (الذي يُحتمل أن يكون مجدّو التوراتية). في هذا الإقليم نشأت ممالك يمنية قديمة تُعرف بـ"المخاليف"، مثل مخلاف ذبحان، حبأ، جميع، صبر، صحارة، ووادي الضباب، وكان معظم سكانها من قبائل همدان والأشعريين. يشير هذا كله إلى أن الشعب الذي عرف بالتسمية التوراتية "فلسطين" قد يكون في أصله قبيلة يمنية قديمة عاشت في جنوب الجزيرة، عند جبل قُدس، وليس في أرض كنعان كما تزعم الروايات الاستشراقية.[38]

ويُظهر النص التوراتي عند الحديث عن السبي البابلي وعودة القبائل، ذكرًا لأسماء عشائر عربية خالصة، لا وجود لها في فلسطين أو في السجلات البابلية، لكنها موجودة في اليمن، وموثقة عند الهمداني في "صفة جزيرة العرب". وهذا يشير إلى أن الرواية التوراتية، في أصلها، تدور حول قبائل عربية بائدة، من بيئة جنوبية. ونجد أن سفر عزرا( 1:11 و 2:20) ينص على أنه في العام الأول لسقوط بابل - 539 ق.م، قرر الملك الفارسي قورش إعادة السبي من القبائل إلى مدنه وقراه الأصلية. ولأجل هذا الهدف نشر في بابل، نداء الملك الذي تضمن إعلان تحرير القبائل العربية اليهودية (كما يسميها فاضل الربيعي)، وحقها في العودة إلى مواطنها وفي إعادة بناء ما تهدم من مدنها، وخصوصاً أورشليم التي في يهوذه - أي أورشليم بيت بوس في سرو حمير. كما تضمّن قرار الملك الفارسي السماح للعائدين من الأسر، بالحصول على تبرعات من سكان بابل لأجل بناء مدنهم المهدمة. وإلى جانب هذا كله، أعاد قورش ممتلكات الهيكل المنهوب في أورشليم، وسلمها إلى زعماء وأنبياء القبائل العائدة. وفي قائمة نحميا – نحميا الثانية (التي سوف تكتب بعد أكثر من نصف قرن على مرسوم قورش) سنجد أن من بين القبائل العائدة، بني صيح، وبني حسفة، وبني رصين - رضيْن، وبني ناصح، وبني حجاب، وبني عبيد، وبني شلمة - سلمه، وبني شُهرليم (الشعراء) وبني حشم (نحميا: 7: 77 و: 59). فأين يمكن للمرء، إذا ما أراد معرفة الحقيقة عن السبي البابلي، أن يعثر على هذه الجماعات والقبائل؟ إن فلسطين التاريخية لا تعرف قبيلة واحدة من هذه القبائل، لا من خلال بقايا أنسابها ولا من خلال بقايا لغوية تؤكد وجودها. وليس ثمة أي وثيقة تاريخية أو نقش أو سجل من سجلات الإمبراطورية البابلية - الآشورية أو الفارسية، يمكن أن تدعم فرضيات الرواية[39].

ومن بين القبائل العائدة من الأسر البابلي والتي تم ذكرها في التوراة ومع ضبطها العربي نجد قبائل مثل بنو جبر في اللغة العبرية التي بقيت نفسها في الضبط العربي وبنو بيت لحم تحولت إلى بنو لحم وبنو حريشة إلى بنو حريشة وبنو ناصح إلى ناصحه. إضافة بنو عبيد التي تم ضبطها في العربية إلى عبيد وبنو شلمه إلى سلمه وبنو شعرايم إلى الشغراء وبنو كروب إلى أكراب.[40]

هذا يعني أن العائدين كانوا جماعات بدوية، ظلت تحتفظ بممتلكاتها من الجمال وتوارثها طوال سنوات السبي في بابل. فمثلا قبيلة بيت لحم – لخم ومنتسبوها سكنوا في موضع من وادي صيحان من أرض اليمن. وأقام جزء منهم في العراق وأسسوا مملكة الحيرة الشهيرة. وكذلك قبيلة شعرايم التي يعطيها مترجمو التوراة مكافئا غريباً هو الباب في المفرد شعر - والأبواب في صيغة الجمع (شعرايم). ويبدو أن الحيرة تملكت المترجمين حين وجدوا أنفسهم أمام قائمتي عزرا ونحميا التي يظهر فيها اسم قبيلة من القبائل التي أسرها نبوخذ نصر تدعى شعرايم. واستطراداً في الخيالية، تمت مكافأة الاسم بـ (البوابين). وبذلك أصبح لدينا قبيلة لا وجود لها ويستحيل العثور عليها هي قبيلة البوابين. في الواقع ليس ثمة قبيلة تدعى (البوابين) من بني إسرائيل، بل هناك قبيلة عربية - يمنية بائدة عاشت في موضع الشعراء - شعرايم (اسم المجمع العبري من شعر وهو جبل شهير وصفه الهمداني في مواضع كثيرة). إن كلمة شعراء (اسم المجمع من شعر) تكتب في العبرية في صورة شعرايم. واليمينيون يطلقون على الأشجار الكثيفة في المناطق الجبلية والوعرة والتي لم تمسسها يد الإنسان تعبير شعراء[41]. كذلك قبيلة الأكراب الذين أقاموا (ولاحظ العلاقة الدلالية في اسم كرب بمعنى الملك) في مخلاف عامر الساحلي على مقربة من أخوتهم بني عزرا - عزران وبني سلمه؛ تماماً كما في نصي عزرا ونحميا. وقد وصفهم الراجز اليمني الرداعي في أرجوزته عن الملح على النحو التالي فالأجرمين فحمی الأكراب فالضمانين إلى الشخاب فاحرماً منها إلى الثعلاب مواطناً مكللة الجناب. وهذا الراجز يحدد - على غرار قائمتي نحميا وعزرا - موضع بني محرم قرب الأكراب. وبنو محرم من حكام صور اليمنية، وقد سجلت التوراة اسمهم في صورة محرم ملك صور الذي ساعد سليمان الملك في بناء هيكل الرب حين أرسل له الأخشاب من وادي صور. وبالطبع فمن غير المنطقي تخيل أن سليمان كان قادراً على استيراد الأخشاب من صور اللبنانية، بينما يشتهر وادي صور اليمني بأنه من أعظم الوديان في إنتاج الأخشاب. ولعل قصة الحريق الذي التهم الأشجار في صور اليمن (وورد ذكرها في حديث شريف) يدلل على حقيقة أن صور اليمن اندثرت بفعل حريق بركاني مدمر. إن أحداً لم يلتفت إلى التناقض المريع في القراءة الاستشراقية في هذا الجانب من تأويل الأسماء؛ إذ من غير المنطقي أن يكون محرم ملك صور اللبنانية وفي الآن ذاته هو بطن من بطون القبائل الأسيرة. وإذا كان يحرم ملكاً لبنانياً كما تزعم القراءة الخيالية الغربية، فلماذا وأين ومتى جرى أسره في حملة نبوخذ نصر؟ وهل يعرف التاريخ المكتوب أي شيء عن أسر ملك اللبنانية في هذه الحملة[42]. ونجد فيما بعد أن قبيلة جشم اليمنية سارعت (والتوراة تقول إن جشم قبيلة عربية وتسميها جشم العربية حرفياً) مع أولى الأنباء عن شروع نحميا في عمليات إعادة البناء إلى قيادة معارضة قوية، انطلاقاً من إحساسها بأن هذه العمليات سوف تؤدي إلى الصدام عاجلاً أو آجلاً مع الفرس، وبالتالي تكرار الأحداث المأسوية التي عاشها هؤلاء مع الاحتلال الآشوري. كما وجد العمونيون - سكان نجران - في التصدي للمحاولة ومقاومتها، فرصة لمنع تكرار الاضطهادات التي تعرض لها هؤلاء في عهد داود وأسلافه. أي مقاومة عودة الاضطهاد الديني الذي مارسته اليهودية ضد الوثنية والوثنيين في نجران. ومع ذلك؛ وبالرغم من وجود كل هذه القوى الممتنعة، قرر نحميا المضي قدماً في أعمال البناء والمباشرة فيها. وسرعان ما انضم عدد من الكهنة إلى المشرفين على عمليات إعادة البناء[43]. حيث سردت التوراة أسماء القبائل المشاركة في عملية بناء أسوار أورشليم "تولى كاهن ها - جدول - الجدول ويُدعى هل - شب - الشبا بنفسه، ومعه طائفة من اليهود، بناء سور أورشليم من جهة جبل صنن - صنان (غنم). وصنن - ضان هذه ترجمت إلى الغنم، بحيث أصبحت الجملة على النحو التالي: (وبنوا باب الغنم). ومع أن فلسطين لا تعرف باب الغنم هذا، وليس ثمة موضع في طول القدس وعرضها يدعى غنم؛ فإن الهموس بلغ ذروته مع المحرفات الأكثرية تحت مسجد قبة الصخرة في القدس، بحثاً عن بقايا أسوار وأبواب أورشليم، وخصوصاً باب الغنم المزعوم هذا. ولذلك سعى التوراتيون إلى المطابقة بين اسم جبل أبو غنم البعيد عن مسجد قبة الصخرة، وبين صنان - غنم التوراتية هذه. في الواقع لا يوجد موضع أو باب قديم لأورشليم يدعى باب الغنم؛ بل هناك جبل مقدس وشهير في السراة اليمنية هو جبل غنم بالفعل، وليس أبي غنم. وهذا الجبل لا يزال يحمل الاسم المعرب غنم - من كلمة صنن العبرية - في المكان نفسه. ويبدو أن كلمة صنان أغرت المخيال الأوروبي على الافتراض أن المقصود منه جبل غنم. لكن علماء الآثار لم يعثروا على جبل بهذا الاسم، بينما نجده في السراة الجبلية اليمنية وباسمه المعرب: غنم.[44] وما إن شرع الكاهن في إطلاق إشارات البناء الأولى، حتى سارعت إلى المشاركة قبائل عدة تسجل التوراة أسماءها بدقة متناهية وهي:

قبيلة بنو عمري وعلى رأسهم زكريا زعيمهم وكاهنهم. وهؤلاء ساهموا في بناء جزء من السور في مجدل - وها - ماء. ثم قبيلة بنو شناء - شنؤة التي تولت ترميم الجزء الممتد من جبل شعر - ها - دجيم (الدجوج). وفي هذا الإطار كانا المترجمون الاسم (دجيم) بـ(باب الحوت) مفترضين أن الأمر يتعلق بالكلمة العبرية دج بمعنى حوت، سمك بينما المقصود موضع الدج طبقاً للرسم العبري، كما أن اسم هذه الجماعة في الضبط العربي الصحيح هو شنؤة وليس شناة، وهؤلاء يعرفون في التاريخ اليمني والعربي القديم بأنهم أزد شنؤة - أسد شنؤة. هل يمكن لعاقل أن يهمل هذا الاسم: أزد شنؤة؟ هؤلاء قبيلة شهيرة من قبائل اليمن وهم بنو أسد الذين ورد اسمهم في النقوش والسجلات التاريخية في صورة ملك لأزد: الملك الأزد - أزد شنؤة. سبق لهؤلاء المترجمين أن ترجموا الكلمة نفسها (دجيم) وفي مكان آخر وسياق مختلف ولوظيفة مختلفة في صورة (باب السمك) والآن أصبح لدينا مكان ملفق جديد يدعى باب الحوت. أعمال الترميم مستمرة، دخلت جماعات أخرى منهم بنو الفرس (والفرض - الفارض) وممثلهم بن بركيه - السلم بن برخيا ومهمهم أفراد من التقويميين - من مكان يدعى تقوع - قوع (والتاء حرف لاميّة: مثل تعوم في عروم) وبنو يعته - يعنه[45]. وعندما امتدت أعمال الترميم إلى وادي مَزَر (مور بالضبط وتماماً كما في سفر التكوين) عند مسيل صرام - صورم، دخلت جماعات قبلية أخرى ساهمت في تحسين المداخل. وهؤلاء كانوا على التوالي: من بني فاسمخ الذين تلقوا مساعدة من من يني بني جيعون، ومن أهل الصفقة - ها - مصفقه، ومن بني حارقيهم. والاسم الأخير (حارقيهم) كان مثيراً للحيرة بالنسبة للمترجمين. ولذا قدموا مكافئاً غريباً هو: الشياقة. وهكذا أصبح لدينا، فضلاً عن الأماكن الملفقة مثل بيت السمك وبيت الحوت وبيت الزبد، وجماعات لا وجود لها مثل البوابين (شعرايم) ها هنا جماعة أخرى جرى تلفيقها ولا وجود لها في التاريخ دعيت باسم (الصائغة) بينما الضبط الصحيح للاسم هو الحارق، والهاء في الاسم مشابهة للهاء في بعض الأسماء، مثل: شمر بهرعش في برعش (أحد أهم ملوك نجران). أما الميم فهي أداة التعريف (أو الجمع الحميرية - اليمنية). وإلى جانب هؤلاء شارك رجال من بني حور، ومن بني خروف. - مخارف. كما ساعدهم بنو حتوب الذين رصوا الأسوار حتى وادي تنورم - نورم. وإلى جوار هؤلاء أيضاً، كانت هناك جماعة قبلية أخرى يسميها النص التوراتي بنو الوحش. - الوحش. أما مداخل الوادي فتولتها قبيلة زنوج حيث امتدت الأعمال، عندئذ باتجاه المنطقة الحوف اليمني عند جبل أنف[46].

وبهذا تكون قبيلة بني شنؤة المذكورة في سفر نحميا ليست سوى قبيلة يمنية عريقة من الأزد-الأسد، استنادًا إلى كتابات الهمداني والشعر الجاهلي الذي يصفهم في سرو مذحج باليمن، ويدحض أي صلة لهم بفلسطين التاريخية، مشيرًا إلى أن جبل غنم غرب صعدة في اليمن هو موطنهم الأصلي. يتناول التحليل أيضًا موقعة تابوت العهد، مؤكدًا أن النص العبري الذي يصف استيلاء الفلسطينيين على تابوت الرب من "أوين العزاز" وإدخاله إلى "بيت دجون" لا يمكن ربطه بفلسطين، حيث لا وجود لهذه المواقع هناك، بينما جبل أبان هو جبل مشهور في بلاد طي اليمنية. أي أن المعارك بين بني إسرائيل و"الفلسطيين" لم تقع في فلسطين، بل دارت في فضاء جغرافي يمني يضم جبال سلمى ولبان وأبان، وأن وصف التوراة لجغرافيا المعارك يتطابق تمامًا مع جغرافيا الجزيرة العربية، لا فلسطين. إذ يعتبر فاضل الربيعي أن الزج باسم الفلسطينيين المعاصرين في هذا السياق هو تزييف تاريخي يهدف إلى طردهم من تاريخهم وتشويه سمعتهم. ويعتبر أن كلمة "فلشتم" في النص العبري، تعني "الفلستين" أو "الفلسة"، وهم عبدة الإله "فلس" في اليمن، وليسوا "الفلسطينيين" بالمعنى الحديث، مؤكدًا أن العرب القدماء واليونانيين لم يعرفوا جماعة فلسطينية قرب جبل أبان، بل عرفوا شعبًا عربيًا وثنيًا سكن هذا المكان وعبد الإله "فلس". وتماماً كما في نصوص التوراة وفي الكتابة اليمنية القديمة يمكن أن يكتب الاسم على هذا النحو: فلس، فلست، مثل قرشت في قريش والجمع في العبرية (فلشتيم). إن هذا الرسم يتطابق مع رسم الاسم في التوراة، بما يعني أنها قصدت الجماعة نفسها وليس الفلسطينيين. وذلك ما يفسر لنا السبب الحقيقي لعدم وجود الفلسطينيين في العرب بحد ذاته وليس بالطاء. لقد تمت مطابقة ماكرة، ومماثلة مخترقة بين الاسمين في سياق تزييف التاريخ القديم برمته. وفي نطاق هذه المسألة، سنرى كذلك، أن سكان الموضع نفسه اشتهروا في المرويات العربية القديمة وفي التوراة، بأنهم من آكلي السحت أي الحرام، وكانوا يصطدمون مع الجماعات الموحدة والمتدينة في الجاهلية البعيدة على خلفية قيامهم بسرقة[47].

إذ تربط التوراة بين سرقة تابوت العهد وعادات "الفلسة" في أكل السحت، مما يؤكد على السياق العربي اليمني للأحداث. إذ يستخدم النص العبري كلمة (مشحت - دون تصويت) وهي لقب تحقيري أضفي على الفلسطينين الذين حاربوا بني إسرائيل. لكن المترجمين اختاروا من القاموس العبري - العربي ويا للغرابة، كلمة (المخربين) كمكافئ لها، ولتصبح الجملة على النحو التالي: (واتجهت فرقة من المخربين الفلسطينيين). وهكذا، فقد أصبح لدينا "مخربون فلسطينيون" من عصر شاول. إن هذا النعت المشبع بالمقت الغريزي وبالكراهية العنصرية التي لا تصدق؛ هو في القلب من عمل هادف إلى مماثلة الصور ودمجها، بحيث تتماهى صورة الخرب الفلسطيني المعاصر مع صورة نظيره وجده الأعلى والخرب الفلسطيني في عصر شاول. هذا الخرب هو الذي سرق في الماضي تابوت العهد، وحارب مملكة إسرائيل القديمة. إنه بالنسبة للمخيال اليهودي الأوروبي الغربي ثم الأميركي، مخرب بالفطرة، مزعج وخطير منذ أن تصادم شاول ملك إسرائيل الأول معه [48].

وأخيرًا، يُشكك الربيعي في الربط بين أحداث "سفر المكابيين" وفلسطين، مؤكدًا أن "أورشليم الرومانية" لم تظهر إلا بعد عام 130 قبل الميلاد، وأن أحداث السفر تدور في "بلاد اليهودية" في اليمن، لا فلسطين، وأن السجلات الرومانية لا تذكر أي استيلاء على أورشليم/القدس في فلسطين خلال الحملة المذكورة. ولنبدأ من الاسم التوراتي "مكاب"، "مكابين"، الذي لا وجود له شمال فلسطين كاسم لموضع بعينه مهما فتشنا هناك، بينما يمكننا أن نجده بسهولة في الامتداد الجبلي لمنطقة اليمامة ومرتفعاتها في صورة (كاب). وفي اللهجة اليمنية (مكاب، مثل: مكصص في كمص، ومنوب في نوب، والميمون وبعض قبائل العرب في البادية تضيف الميم في أول الاسم أو الكلمة، وحتى اليوم يستخدم بدو العراق هذه الميم المنقرضة فهم يقولون جئتم في جغت، واقعدم في اقعدوا). والكاب - مكاب يقع ضمن جغرافية اليمن القديم وفي نجده (مرتفعاته) كما وصفها الهمداني. وعلى مقربة منه تماماً هناك موضع (مدان - مدان في النص العبري) التي ولد فيها يهوذه أورشليم الرومانية في "بلاد اليهودية القديمة" ،هوذه هو ابن لأسرة كاهن من كهان نجد اليمامة الممتد باتجاه اليمن، ويدعى متنا (مثنى) بن حنى - حنن من بني يريب - ريب. والياء في الأسماء من الحروف اللاصقة كما قلنا وهي لهجة يمنية قديمة.[49] وتجدر الإشارة إلى أن الإسلام قد واجه في بدايته معارضة قوية من أحد أهم ملوك اليمامة وكان يدعى هوذة (يهوذه) وكان لتوه قد وضع التاج على رأسه حين ظهر الإسلام. والمثير للفضول أن قبيلة بني الريب تقيم على مقربة من الجليل – الجليل في النص العبري؛ بل وقرب حدد – حدد الذي دارت فيه إحدى أهم المعارك ضد الرومان في قلب الجزيرة العربية. وأن بني الريب يقيمون على مقربة تماماً من موضع ء نيطه - ء نيطه. وهذا ما يفسر لنا سبب طلب المساعدة منهم في مواجهة الرومان الزاحفين. ولسوف نرى هذا المغزى عندما يقوم يوناتان بالانتقام من بني يمرء - المرء لقتلهم شقيقه يوحنا، حين أرسله لطلب المساعدة في مواجهة الرومان. هذا فضلاً عن أن كاب – الكاب ليست بعيدة عن بيت ء يل – الإل التي جرت فيها معركة أخرى. وسيكون أمراً مدهشاً عندما نعلم أن سائر هذه الأماكن هي في الفضاء الجغرافي ذاته لموضع حسم - حشم الذي جاء منه اسم النسبة الحسمونيون – الحشمونيون .[50]هاكم وصف الهمداني للموضع الذي ولد فيه يهوذه – هوذه المكابي، وللمواضع الأخرى التي شهدت المعارك الدامية "الريان من مياه الضباب وأيمن من قنوبين وأسفل منه القرية والحصاة حصاة جبلة وعن يسارها بطن السر وهو أسفل وادي الرمة «....» ويظهر النير بينه وبين الجنوب بطن العبري، وإحساء بني حوثه وحلاقيم وفي رأس العبري صوع والمدان) ها هنا المدان – مدان التي ولد فيها الملك يهوذا، تماماً في النص التوراتي وعلى مقربة منها وادي الرمة (الرمات – رمتيم لأن الرمة واد طويل عريض كما يقول الأصمعي) التي أعيدت إلى سيطرة القبائل بعد المفاوضات مع الرومان. وها هنا وادي عفرمة – القرية (ولاحظ دخول الميم بشكل عشوائي فهذا يعطينا فكرة عن التطور التاريخي لأداة التعريف العربية) وغير بعيد عنها وادي العبري – العيز الذي شهد بعض المعارك، فضلاً عن هضبة جبلة التي يقول النص – في تفاصيل لم نذكرها – أن معركة دامية وقعت فيها ضد الرومان.[51]

في وادي عفرمة تقع قرية تحمل الاسم نفسه، ويمكن ملاحظة دخول الميم في أداة التعريف بشكل عشوائي في بعض الأسماء، ما يعطي فكرة عن التطور التاريخي للغة العربية. غير بعيد عن وادي عفرمة، يوجد وادي العبري المعروف باسم العيز، الذي شهد بعض المعارك، وكذلك هضبة جبلة، حيث وقعت معركة دامية ضد الرومان كما يشير النص. الأسماء العبرية في هذه المنطقة أخذت صيغًا عربية متوافقة مع النطق العربي، فالأرض التي كانت تعرف باسم أدم بقيت أدم، والقرب كان تسمية لقرية ء قربتن، بينما بني بين بقيت كما هي. أما يعزير فقد صارت عيزوز، وذي تمه بقيت بنفس الاسم، وظبوت أصبحت ظبوة، والجليل لم يتغير، كما بقيت صور وصيدا تحملان أسمائهما، بينما تحولت عرابات إلى غرابات، وبصيرة إلى بصرة، وباصر إلى باصر، وعليم اختصر إلى علم. كما نجد أسماء أخرى مثل مقيد التي أصبحت مقيدة، وحيلم الذي صار حلمه، ورفون بقي رفون، وبيت بسان صار بيت بشان، وكشور بقي كما هو، وأرض جنب هي التحوير العربي لعبارة عرص – جنبه، وحبرون بقيت حبرون، وجزر صارت مجزر، وبيت زيت وسلامة احتفظتا بأسمائهما. أما تقعوع فقد أصبحت قاعًا، والفوص بقيت كما هي، وأنبطه – ء نيطة اختصر إلى أنبطه، وبني يمرء أخذت أشكالًا متعددة في العربية: بني يمرء أو بنو يمرء أو بنو المرء، وعيل تحول إلى الإل، وتمنية أصبحت منية، وبيت بيص صارت بيض، ومكماس أصبح الكامس، وعفرة بقيت عفرة، ولدة كما هي، ورمتيم صارت الرمة، وحصور بقيت حصور، والزبديون لم يتغير اسمهم، وء دوره أصبح الدور، وسكمه صارت سقمه.[52]

ويستشهد الربيعي في اسقاطه لأحداث سفر المكابين على جغرافية اليمن على كتابات ابن عبري إذ يقول الأخير في كتابه ما يلي: "إن بطليموس أفيغانوس وبعد الانتصار في معركة حمرين حربيتين سارتا نحو بلاد الشام وبلاد اليهودية، لإخضاعها. ويضيف وما يلي: "وملك بعده أنطيخوس أو أفاطور، سنتين، واضطهد اليهود اضطهاداً شديداً. وولي أمر اليهود يهوذا المقبي، وجمع بين الملك والكهنوت، وتوفي نواب أنطيخوس من "أرض يهوذا" وصار اليهود يحاربون ملوك الروم. إذ يشير هذا النص إلى اسم يهوذا المكابي في صورة يهوذا المقبي الذي جمع بين كونه كاهناً أعلى وملكاً، كما يشير إلى قيامه[53]بطرد نواب الإمبراطورية (في اليمامة ونجد اليمن وما يسمى إقليم السمرا ويفاع ومرتفعي وسواها). والأهم من ذلك أن ابن العبري يشير إلى حملتين، سارت إحداهما إلى بلاد اليهودية والأخرى إلى بلاد الشام. وهذا يعني أن ابن العبري يميز تمييزاً جغرافياً دقيقاً وصحيحاً بين بلاد الشام وبلاد اليهودية. بالتالي إقليم (بلاد) السمرا الذي قرئ في صورة السامرة لا يقع في شمال فلسطين وذلك طبقاً للرواية التوراتية؛ بل في شمال اليمن حيث دارت المعارك ضد الولاة الرومان في قلبه، وفي أطرافه عند موضع الغرابات – عرابات في التوراة. وبالطبع؛ فإن السامرة (الضفة الغربية من فلسطين) لا تعرف هذا الاسم، بينما نجد إقليم السمرا العربي – اليمني، وهو يضم الغرابات وديار هوذة نفسه. هاكم ما يقوله الهمداني "ثم تقطع بطن قو؛ ثم السمراء وهو أرض سهب، ثم تأخذ في الدهناء وهي هناك مسيرة يومين. ومن عن يمين ذلك الغرابات ثم تسير في السهباء ثم تقطع جبيلاً قريباً له ثم الروضة ودار عجل وديار هوذة – بن علي السحيمي الحنفي – وهي أول اليمامة. ثم من أسفل ذلك القرى من اليمامة والقنع، وهذه اليمامة حصون متفرقة ونخل ورياض".[54] هذا هو إقليم – بلاد – السمرا في الفضاء الجغرافي ذاته للمعارك التي وصفها السفر، وها هنا اليمامة – واليوم هي الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية – والتي دارت فيها الحروب ضد الرومان – وها هنا ديار الحنفيين (الموحدين الأوائل في الجزيرة العربية) الذين تسمى آخر ملوكهم باسم يهوذه – هوذه، تيمناً باسم الملك العربي اليهودي الذي قاتل الرومان يهوذه المكابي، وكان قد وضع التاج على رأسه حين ظهر الإسلام فأبى أن يسلم. لأجل ذلك كله، يتعين – اليوم – أن نشطب من التاريخ الفلسطيني عصراً بأكمله نسب إلى فلسطين خطأً؛ بل وأن نشطب كل ما له صلة بحروب يهوذه المكابي من تاريخ بني إسرائيل في فلسطين الخيالية، وأن نعيد وضعه بكل أمانة ضمن تاريخ اليمن والجزيرة العربية. ولكل ذلك أيضاً، فالقدس العربية – الإسلامية هي قدسنا، ليست ولم تكن أورشليم التوراة.[55]

وهكذا تكون الفرضية التي تزعم أن بني إسرائيل أقاموا مملكة موحدة تحت حكم داود وسليمان، مجرد فرضية لا يدعمها أي دليل أثري حتى اللحظة، كما أشار إلى ذلك عالم الآثار الإسرائيلي هرتزوغ، الذي أكد أن سنوات الحفر المكثف في فلسطين لم تسفر عن أي مكتشفات تدعم وجود تلك المملكة، بل كشفت عن مجتمعات محلية متباينة لا ترقى لمستوى كيان سياسي موحد. غير أن ما يثير التساؤل هو أن النظرية البديلة التي تضع جغرافية التوراة في جنوب الجزيرة، رغم قوتها في مواجهة الأسطورة الاستشراقية، إلا أنها، بحسب بعض المنتقدين، اعتمدت في بداياتها على فرضيات غير موثقة أثريًا، ومحاولات تأويل أسماء المواقع دون توفر براهين زمنية حاسمة. والأهم من كل ذلك، هو أن النظريات التقليدية بُنيت على توافقات لفظية وأسماء مشابهة لا أكثر، ومضت في طريقها لتؤسس ما صار لاحقًا أساسًا للتاريخ الرسمي لفلسطين القديمة. فحين زار روبنسون وسميث الأراضي المقدسة، شرعا في تعيين المواقع التوراتية على الأرض بالاستناد إلى أصوات الكلمات العربية المتقاربة، دون تحقق أثري أو سند تاريخي، وهي المنهجية ذاتها التي عابوها لاحقًا على فاضل الربيعي وأحمد الدبش، مع اختلاف الغايات والأهداف. ولذلك قام أحمد الدبش بالتراجع عن العديد من أطروحاته التي تتعلق بجغرافية التوراة واسقاطها على اليمن فيقول " لقد اعتمدنا على بعض الإشارات الغامضة في النقوش المسندية المتأخرة، والتي لم تكن متزامنة مع أحداث الكتاب المقدس، لمحاولة تأكيد فرضية "خيالية"، لا شك في أن علامات التسرع والارتباك ظاهرة في نصوص كتبي المبكرة، لأني ألّفتها وقتها متأثراً بـ "خطأ تحديد جغرافية الحدث التوراتي"، فكيف لي كباحث في التاريخ القديم، أعتمد "الكتاب المقدس"، كوثيقة تاريخية، وأقر أن المشكلة تكمن، وبكل بساطة، في خطأ تحديد جغرافية الأحداث؟ كيف لي كباحث في التاريخ القديم، رفض إسقاط روايات "الكتاب المقدس" على فلسطين لانعدام الدليل الأثري، وفي ذات الوقت أخترع جغرافية بديلة دون دليل أثري؟! كانت المعضلة الرئيسية التي واجهتنا، ولم نستطع التغلب عليها، عندما نجد موقعاً ما يتشابه اسمه مع موقع في "الكتاب المقدس"، ولكنّ المكتشفات الأثرية تشير إلى أن الموقع حديث نسبياً، وما يزيد الأمر صعوبة أننا لم نبذل عناء للكشف عما ورد عن هذا الموقع في السجلات التاريخية والأدلة الأثرية بدقة، عبر طرح سؤال علمي، وهو، هل هناك أدلة أركيولوجية تشير إلى أن الموقع متزامن مع الموقع المذكور في "الكتاب المقدس" أم لا؟ هل تم اكتشاف بناء قديم يعود إلى نفس الفترة الزمنية؟ وهل عُثر على نقوش تذكر هذا الموقع بنفس الاسم المذكور في "الكتاب المقدس"، ويتزامن مع الحدث "التوراتي"؟ علاوةً على ذلك، استعنّا بالنقوش المسندية لإثبات أن اليمن احتضن تجربة بني إسرائيل، ولكنها جميعها نقوش متأخرة غير متزامنة مع الحدث "التوراتي"، ولا تُعتبر دليلاً على أن اليمن احتضن تجربة بني إسرائيل.  كانت اهتماماتنا محددة بشدة، فقد كرّسنا أنفسنا لرسم جغرافية "الكتاب المقدس" في اليمن، وبخاصة بعد أن افترضنا مسبقاً صحة "الكتاب المقدس"، وخطأ جغرافية الحدث. لكن في السنوات الأخيرة؛ بدأت هذه الفرضية ــ من وجهة نظري ــ تتداعى تدريجياً؛ فالسمة الرئيسية، في الخطاب "التوراتي"، هي الصمت المُطبق للسِّجِل الآثاري، ما يوحي بأننا نتعامل مع ماضٍ مُختَرَع لم يُعثر له على أثر حتى الآن.[56] أما فيما يتعلق بتسمية مصر فنجد أن بعض المنتقدين لأطروحات أحمد الدبش والربيعي يستشهدون بالمؤرخ العراقي جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب" الذي كان دقيقاً في انتقاء مفرداته عندما تحدث عن النقش الذي ذكر "معن مصرن" فقال: أثارت "معن مصرن"، "معين مصران"، جدلاً شديداً بين العلماء، ولا سيما علماء التوراة، فذهب بعضهم إلى أن "مصر" "مصرايم “Mizraim الواردة في التوراة ليست مصر المعروفة التي يرونها نهر النيل، بل أريد بها "معن مصرن"، وهو موضع تمثله "معان" في الأردن في الزمن الحاضر"، وقال أيضاً: فقيل "معين مصرن" لقربها من مصر، ولتمييزها عن "معن" أي "معين" اليمن". ولم يذكر جواد علي أبداً أن "معن مصرن" يُقصد بها مملكة معين. علاوة على أننا نجد العديد من المستشرقين الأوائل حتى اليهود منهم اقترحوا أن تكون جغرافية التوراة في اليمن مثل المستشرق وينكلر الذي قال بأن مصر التوراتية هي إقليم في شبه الجزيرة العربية. إذن، فنظرية جغرافية التوراة في اليمن وجزيرة العرب، لها جذورها العريقة في التراث الاستشراقي ومن المستشرقين اليهود أنفسهم، وليس أنها "نظرية ثورية" خارجة عن نطاق ما قدمه الاستشراق، وهذا بإقرار أحمد الدبش مثلا أحد أهم المنظرين لهذه الأطروحة، وهذا بحد ذاته ما يتناقض مع المنطلق والهدف الرئيسي من هذه النظرية التي تسعى إلى تحرير التاريخ العربي من سيطرة الفكر الاستشراقي. إذ نوه الدبش في العديد من كتبه إلى أن هذه النظرية ليست جديدة، وأن هناك من المستشرقين من تبناها من قبل، ووصفهم بالمستشرقين "الثقات"- وهو توصيف يحذرنا من الخلط بين نوعين من المستشرقين: ثقات وغير ثقات[57]. فالمشكلة الأعظم مع جميع هذه النظريات التوفيقية تثير التساؤل الهام حول التاريخ الحديث لإسرائيل القديمة: العلاقة الانفعالية بين الأدب التوراتي والبحث التاريخي. فالبنى التاريخية تقوم على الأبحاث وليس على المنهجيات النظرية، ويجب أن تستند إلى البيئات الثابتة كي تصبح مقبولة تاريخياً. فالتاريخ يتعلق بالطبيعة وليس بما وراء الطبيعة. فإذا كان إضفاء التاريخانية على مجمل المرويات التوراتية أو على أي جزء محدد منها ممكناً، وجب علينا ألا نستجيب لإغراء تبني منظور مستخلص من ذلك الشكل الشامل نظرياً ولا من أي جزء منه لا تثبت تاريخيته بذاتها.[58]

الخاتمة:

ختاما، يمكن القول بأن التاريخ الفلسطيني والمنطقة بشكل عام قد خضع لروايات استشراقية لاهوتية. كان الهدف منها شرعنة المشروع الاستيطاني في الأراضي العربية وخلق قطيعة بين التاريخ الفلسطيني ومحيطه العربي. وتطويع المكتشفات الأثرية لأغراض دينية صهيونية. كان من مخرجاتها خلق تاريخ فلسطيني ملفق بالاستناد على الكتاب المقدس لا باعتباره كتاب دينيا بقدر ما هو وثيقة تاريخية وجب اثباتها على أرض الواقع. ورغم التحولات النقدية الجادة في الغرب، لا تزال المجتمعات العربية غارقة في اجترار هذه المرويات دون مساءلتها. لذلك، فإن هناك ضرورة ملحّة اليوم لتفكيك الارتباط القائم بين المعرفة التوراتية والخطاب الأكاديمي حول الشرق، والانفتاح على قراءات نقدية بديلة تعيد الاعتبار للتاريخ العربي وتحرّره من أسر السردية الاستشراقية. وحدها القراءة المتجذرة في الواقع الجغرافي والاجتماعي العربي، بعيدًا عن التوراة ومصطلحاتها، قادرة على إنتاج سردية علمية موضوعية تعيد كتابة تاريخ المنطقة بإنصاف ووعي. دون الاعتماد على نفس الوسائل والمناهج التي اعتمدها المستشرقون بداية وإنما دراسة التاريخ بشكل موضوعي ليس فقط تاريخ بلاد الشام وإنما دراسة تاريخ شبه الجزيرة العربية خاصة أن صحاريها لازالت تخفي العديد من الآثار التي من شأنها ربما تغيير نظرتنا للتاريخ القديم بعيدا عن المرويات الشفوية وكتب التراث.

***

حماس سعيد عبدلي

..........................

[1] فهد مطلق العتيبي، "تاريخ فلسطين القديم بين علم الآثار الأوروبي والتوراة: دراسة نقدية"، مجلة السياحة والآثار، جامعة الملك سعود، العدد 24، الجزء 1، 2012، ص 22.

[2] فهد مطلق العتيبي، ص 10.

[4] فهد مطلق العتيبي، ص21.

[5] المرجع السابق.

[6] فهد مطلق العتيبي، ص 22.

[7] محمد الأسعد، "مستشرقون في علم الآثار: كيف قرأوا الألواح وكتبوا التاريخ"، (الطبعة الأولى)، دار مسعى والدار العربية للعلوم ناشرون، 2010، ص 53.

[8] محمد الأسعد، ص 3.

[9] المرجع السابق.

[10] فهد مطلق العتيبي، ص 16.

[11] فهد مطلق العتيبي، ص 22.

[12] فهد مطلق العتيبي، ص15 .

[13] فهد مطلق العتيبي، ص 17.

[14] فهد مطلق العتيبي، ص 19.

[15] المرجع السابق.

[16] محمد الأسعد، ص 107.

[17] محمد الأسعد، ص 116.

[18] محمد الأسعد، ص 52.

[19] المرجع السابق.

[20] محمد الأسعد، ص 133.

[21] محمد الأسعد، ص 135.

[22] عبد ربه، عمر. (2019). "علم الآثار ودوره في تكريس المشهد التوراتي في القدس: مدينة داود نموذجاً. "مجلة جامعة بيت لحم، ص38.

[23] المرجع السابق، ص 46.

[24] https://www.alaraby.co.uk/culture/محمد-الأسعد-في-نزع-الاستشراق-عن-علم-الآثار.

[26] طومسون، توماس ل. (1995) التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي. بيروت، بيسان للنشر والتوزيع. ص 146.

[27] المرجع السابق، ص 289.

[28] فاضل الربيعي، فلسطين المتخيلة: أرض التوراة في اليمن القديم، المجلد الأول، 2017، ص 27.

[29] https://www.aljazeera.net/blogs/2017/6/7/مسألة-إسرائيل-في-لوحة-مرنبتاح.

[30] https://www.alarabiya.net/arab-and-world/egypt/2024/05/31/زاهي-حواس-اسرائيل-تقف-خلف-رواية-تكذيبي-للكتب-السماوية-وهذا-ردي-.

[31] https://www.britannica.com/topic/pharaoh.

[33] فاضل الربيعي، ص 23.

[34] فاضل الربيعي، ص 24.

[35] فاضل الربيعي، ص 20.

[36] فاضل الربيعي، ص 21.

[37] فاضل الربيعي، ص 25.

[38] فاضل الربيعي، ص 42.

[39]فاضل الربيعي، ص 47.

[40] المرجع السابق.

[41] فاضل الربيعي، ص 56.

[42] فاضل الربيعي، ص 58 59.

[43]فاضل الربيعي، ص 68.

[44] فاضل الربيعي، ص 78.

[45] فاضل الربيعي، ص 80.

[46] فاضل الربيعي، 82.

[47] فاضل الربيعي، ص 91.

[48] فاضل الربيعي، ص 102.

[49]فاضل الربيعي، ص 118.

[50]فاضل الربيعي، ص 119.

[51] فاضل الربيعي، ص 124.

[52] فاضل الربيعي، ص 131.

[53] فاضل الربيعي، ص 152.

[54]فاضل الربيعي، ص 153.

[55]فاضل الربيعي، ص 154.

[56] https://www.al-akhbar.com/Opinion/313210/مع-سبق-الإصرار-اليمن-لم-يحتضن-تجربة-بني-إسرائي.

[57] https://www.academia.edu/35044499/جغرافية_التوراة_وحاخاماتها_العرب_الجذور_الاستشراقية_اليهودية_للنظرية  ص 26.

[58]  المرجع السابق، ص 94.

 

من الناحية الواقعية والمنهجية، ثمة علاقة عميقة بين ظاهرة التكفير وظاهرة العنف في الاجتماع الإنساني. بمعنى إن التكفير بوصفه موقفا عقديا وثقافيا ونفسيا من الآخر المختلف والمغاير، يقود على مستوى الفعل والممارسة العملية إلى كره الآخر لأسباب دينية، وهذا الكره يفضي إلى استخدام العنف ضد المكفر سواء كان فردا أو جماعة. فالعلاقة في احد جوانبها بين التكفير والكراهية، هي علاقة السبب بالنتيجة. وتحاول هذه الدراسة سبر وتفكيك ظاهرة التكفير في الاجتماع الإسلامي المعاصر، عن طريق تفكيك ظاهرة الكراهية بين البشر لأسباب دينية. وعلى مستوى النص القرآني ليس هناك علاقة بين التكفير والقتال أو استخدام العنف. فالكفر ليس سببا موجبا للقتل والقتال. وبالتالي هناك مسافة بين ظاهرتي الكفر والعنف. وما تشهده بعض البلدان الإسلامية من ممارسة العنف العاري ضد المختلف المذهبي أو المغاير الديني، يقودنا إلى أهمية دراسة وتفكيك ظاهرة الكراهية كخطوة أولى في سبيل دحض كل المتواليات النفسية والعملية المترتبة عليها.

 مفتتح:

 لعل من الظواهر الإنسانية الثابتة، والتي تتطلب قراءة عميقة لمعرفة العوامل والأسباب المفضية إليها، والطرق المناسبة لتجاوز التأثيرات السلبية والمدمرة لهذه الظاهرة، أو التقليل من حدوثها وبروزها في الفضاء الإنساني. هي ظاهرة الكراهية والعداء والعداوة بين بني الإنسان. حيث تشترك عوامل عدة، موضوعية وذاتية، داخلية وخارجية، في بروز حالة العداء والعداوة بين الإنسان وأخيه الإنسان. وفي إطار سعينا الحثيث في إرساء ثقافة الحوار والتسامح وحقوق الإنسان في فضائنا الاجتماعي، من الأهمية بمكان، تفكيك هذه الظاهرة، ومعرفة العوامل المباشرة لحدوثها، وما هي الكيفية أو الآليات المناسبة للتقليل منها في فضائنا الاجتماعي والوطني. فهل من الطبيعي أن يقود الاختلاف الأيدلوجي أو السياسي إلى العداوة والكراهية. أم أن هناك عوامل وأسبابا أخرى، تتدخل في هذا الأمر، فتحول الاختلافات بكل مستوياتها إلى مصدر من مصادر العداوة والكراهية.. إننا بحاجة ماسة اليوم، إلى قراءة هذا الواقع، وإزالة كل موجبات الكراهية والعداوة من فضائنا الاجتماعي.

وذلك لأن حينما يسود العداء الواقع الاجتماعي، فإن الأخطار الحقيقية تتلاحق علينا. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تستقر أحوالنا وأوضاعنا، ونحن نحتضن ثقافة تدفعنا إلى ممارسة الكراهية ضد الآخر المختلف عنا والمغاير لتصوراتنا وقناعاتنا. وذلك لأن هذه الثقافة بتأثيراتها وانعكاساتها، قادرة شحن النفوس بشكل سلبي ضد الآخر المختلف والمغاير.

والسلوك العدواني هو في جوهره حالة نفسية سلبية ضد الآخر بحيث تنفيه وترفضه في وجوده ونفسه أو في موقعه ومنصبه أو في مصالحه وعلاقاته، وتتحرك نحوه بطريقة عدوانية - تدميرية. والعلاقة جد قريبة بين الثقافة التي تؤسس لمقاولات الإكراه والإلغاء والنفي، والسلوك العدواني تجاه الآخر. فالثقافة التي لا ترى إلا ذاتها وتلغي ما عداها، هي المقدمة النظرية لذلك السلوك العدواني الذي لا يرى إلا قناعاته ومصالحه ويعمل على تدمير الآخر بمستويات متعددة.

فالعلاقة بين الثقافة التي تبث الكراهية بين بني الإنسان لدواعي أيدلوجية أو سياسية، وبين السلوك العدواني بكل مستوياته والذي يستهدف تدمير الآخر وإلغائه هي علاقة السبب بالنتيجة. فلا يمكن أن تنتج ثقافة الكراهية والبغضاء والإلغاء واقع المحبة والألفة والتسامح، بل تنتج واقعاً من نسخها ومن طبيعة ماهيتها وجوهرها. وهو العدوان بكل صوره ومستوياته.

فالسلوك العدواني هو عبارة عن فكرة في العقل وغريزة في النفس وممارسة تدميرية والغائية في الواقع والموقف. لذلك نجد أن المجال الإسلامي المعاصر، يعيش هذه المحنة في صور ومستويات متعددة. فالأفكار والأيدلوجيات التي تلغي الآخر المختلف والمغاير، ولا تعترف بحقوقه، فإنها أوصلتنا في المحصلة النهائية إلى انتشار ظاهرة العنف والتطرف والإرهاب. والتي تعمل على معالجة خلافاتها مع الآخرين عن طريق استخدام القوة العارية. فتحسم اختلافاتها عن طريق ممارسة القهر والعنف.

والمشروعات السياسية التي سادت في مجالنا الإسلامي بصرف النظر عن أيدلوجيتها وشعاراتها، والتي كانت تحمل مضموناً سيئاً من الآخر. قادتنا هذه المشروعات وأوصلتنا إلى أنها تحولت إلى مصدر من مصادر العدوان والعنف في الواقع الاجتماعي والسياسي. فالمشروعات الأيدلوجية والسياسية، التي لا تحمل موقفاً حضارياً وتعددياً من الآخر المختلف والمغاير، فإنها ساهمت بشكل أو بآخر في نشوء ظاهرة العدوان والعنف والتطرف، فالذي يرفض الآخر على مستوى الشعور والفكر، هو الذي يؤسس للحرب وممارسة العنف تجاهه في الواقع الخارجي.

لذلك فإن المدخل الحقيقي لعلاج ظاهرة العنف والعدوان في الفضاء الاجتماعي، هو إعادة تأسيس العلاقة والموقف من الآخر المختلف والمغاير. فالأنا لا تقبض على كل الحقيقة، والآخر ليس شراً وباطلاً بالمطلق. إن تأصيل هذه الحقيقة، هو الذي يزيل من نفوسنا وعقولنا كل المسوغات النظرية والنفسية لمعاداة الآخر باعتباره مخالفاً لنا في الأيدلوجية أو الموقف الثقافي أو السياسي.

فالآخر هو مرآة ذواتنا، وإذا أردنا أن نتعرف على خبايا وخفايا ذواتنا، فعلينا أن نتواصل مع الآخر فهو مرآتنا الذي نكتشف من خلالها صوابية أفكارنا أو خطئها، سلامة تصوراتنا أو سقمها.

لهذا كله فإن إعادة تأسيس العلاقة بين الذات والآخر على أسس القبول بالتعددية والاعتراف بحق الاختلاف ونسبية الحقيقة، هو الذي يزيل من ذواتنا وفضائنا الاجتماعي الكثير من موجبات العدوان على الآخرين.

فك الارتباط:

فالاختلاف الأيديولوجي أو السياسي أو الثقافي، ليس مدعاة لانتهاك حقوق الآخرين، بل على العكس من ذلك تماماً، حيث إن الاختلاف بكل مستوياته، ينبغي أن يقود إلى التواصل والتعارف ومعرفة الآخرين على مختلف المستويات.. إذ يقول تبارك وتعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} (الحجرات 13).. فإلغاء الخصوصيات لا يمثل نهجاً واقعياً في التعاطي مع الواقع، لأن الإلغاء من أي طرف كان لا يغير شيئاً من المسألة في طبيعتها الذاتية، أو من تأثيراتها الموضوعية، باعتبار أنها تمثل بعداً في عمق الذات، لا مجرد حالة طارئة على الهامش، مما يجعل من مسألة الإلغاء مشكلة غير قابلة للحل.. والرؤية القرآنية تؤكد على ضرورة أن تحرك الخصوصية في دائرتها الداخلية في الجانب الايجابي الذي يدفع الإنسان للتفاعل عاطفياً وعملياً مع الذين يشاركونه هذه الخصوصية في القضايا المشتركة.. ويبغى التعارف غاية إنسانية من أجل إغناء التجربة الحية المنفتحة على المعرفة المتنوعة والتجربة المختلفة للوصول إلى النتائج الإيجابية في مستوى التكامل الإنساني.

ويقول عزّ من قائل: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} (فصلت 33- 34).

فحينما يختلف الناس في مواقع الفكر أو في مواقع الحياة الخاصة والعامة، فتثور المشاعر، وتتعقد المواقف، حتى تتحول إلى خطر كبير على العلاقات الإنسانية في المجتمع، عندما يتجه الموقف إلى الصدام الذي يهدد الجميع، ويقطع التواصل في أفراده.. فهناك أسلوب السيئة الذي يعمل على إثارة الانفعال الذي يتحرك بالحقد والعداوة والبغضاء ويدفع بالموقف إلى القطيعة والصراع، وذلك بالكلمة الحادة والنابية، والموقف الغاصب، واليد المعتدية.

وهناك أسلوب الحسنة الذي يعمل على تحريك الموقف والرؤية على أساس الدراسة العقلانية - الموضوعية لكل المفردات المتناثرة في ساحة الأفكار والمواقع والمواقف ومحاولة اكتشاف العناصر والمفردات الداخلية والخارجية التي تضيق الهوة بين هذا الموقف أو ذاك، أو تردمها، وتجمع العقول والقلوب على قاعدة فكرية وحياتية واحدة، وذلك بالكلمة الطيبة والنظرة الحانية والموقف الموضوعي واليد المصافحة والالتفاف على كل المشاعر السلبية بالمشاعر الإيجابية التي يختزنها الفكر والواقع.

فـ{ادفع بالتي هي أحسن} ليتحول العدو إلى صديق، والبعيد إلى قريب، والخصم إلى رفيق، وذلك لأن الإيمان يفرض على الإنسان أن يختار الأحسن في حركة العلاقات، كما يريده اختيار الأحسن في حركة الحياة..

ولعل هذا الهدف يحتاج إلى الكثير من الجهد النفسي والفكري والعملي، الذي يتجاوز الكثير من الضغوط الداخلية والخارجية التي تريده أو تقوده إلى الاستسلام إزاء المشاعر الانفعالية والعدوانية. لذلك يقول تعالى: {وما يلقاها إلا الذين صبروا} على مشاعر الحرمان التي يفرضها الانفتاح على الآخرين، في مجاهدة النفس ضد رغباتها الذاتية الضيقة، وضد نزواتها العشوائية، وعلى بعض الأوضاع الصعبة التي قد تحصل للإنسان من خلال ذلك، وعلى الوقت الطويل الذي يحتاجه الفكر الموضوعي - المتزن للوصول إلى الحلول العملية التي تتناسب مع طبيعة المشاكل الموجودة في الساحة.. {وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} من الإيمان والوعي والإنسانية النابضة بكل معاني الخير والإحسان.

إن وأد ثقافة الكراهية من مجتمعنا وفضائنا الوطني، بحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى الآخر وجوداً ورأياً ومشاعر، حتى يتسنى للجميع صياغة العلاقة بين الذات والآخر، بين مكونات المجتمع وتعبيرات الوطن المتعددة على أسس الاعتراف بحق الآخر في التعبير عن وجوده وأفكاره بعيداً عن ضغوط الإكراه وموجبات النفي والإلغاء.

فالاختلاف مهما كان حجمه، لا يشرع للحقد والبغضاء وممارسة العدوان الرمزي والمادي، بل يؤسس لضرورة الوعي والمعرفة بالآخر. وعياً يزيل من نفوسنا الأدران والأحقاد والهواجس التي تسوغ لنا بشكل أو بآخر معاداة المختلفين معنا.

ومعرفة تضيء كل محطات العلاقة بمستوياتها المتعددة، وتحول دون إطلاق الاتهامات الجوفاء والشعارات الصفراء.. إننا اليوم وفي ظل الأوضاع الحرجة التي نعيشها على أكثر من صعيد، أحوج ما نكون إلى تلك الثقافة التي تدفعنا إلى تجسير الفجوة مع المختلفين معنا، وتحثنا على التعارف والتواصل والتفاهم والحوار المستديم، وتلزمنا باحترام الإنسان وحقوقه. وإلى تلك المبادرات الاجتماعية والسياسية، التي تستهدف إزالة كل ما من شأنه أن يشين إلى بعضنا البعض، ويعمق أواصر التلاقي والمحبة، ويجذر خيار التعايش والسلم الأهلي.

فلتتكاتف كل الجهود والطاقات والإمكانات، من أجل الخروج من شرنقة التعصب الأعمى إلى رحاب التواصل والحوار، ومن ضيق التطرف والغلو إلى سعة الرفق والتيسير، ومن دائرة الجمود المميتة إلى فضاء التجديد والاجتهاد والكدح المتواصل من أجل الحق والحقيقة.

إن الظروف الحساسة التي نعيشها، تتطلب منا جميعاً الانعتاق من أسر الجمود والتعصب والأنانية القاتلة، وذلك حتى نتمكن من مجابهة هذه الظروف والتحديات التي تستهدفنا جميعاً.

فلنأخذ جميعاً بأسباب العدالة في تعاملنا مع الآخرين، في نطاق الرؤية التي تقول: عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به.

الحرية الدينية:

 ثمة علاقة دقيقة وعميقة تربط بين قدرة الإنسان على التفكير واستقلاله فيه، وبين قيمة الحرية وممارسة مقتضياتها.

فالإنسان الذي يمتلك إمكانية التفكير المستقل، هو ذلك الإنسان الذي يستطيع استعادة حريته وإنسانيته، ويستثمر طاقاته وإمكاناته في سبيل تكريس نهج الحرية في الواقع الإنساني. فاستعادة الحرية بكل متطلباتها وآفاقها، تبدأ من الإنسان نفسه، فهو الذي يقرر قدرته على التحرر والانعتاق أو خضوعه واستغلاله واستبعاده لمراكز القوى. وذلك لأن التفكير السليم، هو الشرط الأول للقوة في الحياة. من هنا ركز القرآن الحكيم على أن الإيمان بالله يعطي صاحبه التحرر، والتحرر يعطيه القوة (التمسك بالعروة الوثقى) والعلم (يخرجه من الظلمات إلى النور). ولكن أي إيمان هذا الذي يعطينا القوة والعلم. إنه الإيمان الواعي، لا الإيمان المكره عليه فهو الآخر نوع من الاستعباد والخضوع للقوة المادية.

من هنا تحدث القرآن في بداية الحديث عن الحرية الدينية وقال (لا إكراه في الدين). فجذر الحرية، هو أن يتحرر الإنسان من كل الضغوطات والأهواء والشهوات، التي تدفعه إلى الانسياق وراءها. فحينما يغمر الإيمان بالله عز وجل قلب الإنسان، ويتواصل بحب واختيار مع القدرة المطلقة، تنمو لديه القدرة على الانعتاق من كل الأشياء التي تناقض حرية الإنسان. فطريق الحرية الإنسانية الحقيقة، يبدأ بالإيمان والعبودية المطلقة للباري عز وجل. وذلك لأن كل الأشياء حاضرة عنده، لا يغيب شيء منها عن علمه، لأن الأشياء مكشوفة لديه، فلا مجال لاختباء الإنسان عن الله في أي عمل يخفيه، أو سر يكتمه أو خطأ يستره، لأن الإخفاء والكتمان والستر معان تلتقي بالحواجز المادية التي تحول بين الشيء وبين ظهوره مما لا مجال لتصوره في ذات الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

ولعل هذا الإحساس هو الذي يتعمق في وعي الإنسان من حركة إيمانه فيمنعه عن الجريمة الخفية، والمعصية المستورة، والنيات الشريرة التي تتحفز للاندفاع والظهور.

من هنا وقفت النصوص القرآنية ضد الإكراه والسيطرة، ودعت الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التحرك في أجواء الإبلاغ والإقناع وحركة حرية الفكر والتعبير. إذ قال تعالى {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (الكهف، الآية 29).

وقال عز من قائل {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} (الغاشية، الآية 22). وقال تبارك وتعالى {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} (يونس، الآية 99).

وقد تحدث الأستاذ (جودت سعيد) في كتابه (لا إكراه في الدين - دراسات وأبحاث في الفكر الاسلامي) عن مجموعة من الفوائد من آية (لا إكراه في الدين) منها:

1- إنها في ظاهرها حماية للإنسان الآخر من أن يقع عليه الإكراه من قبلك، ولكنها في باطنها حماية لك أيضا من أن يقع عليك الإكراه، فهي حماية للآخر وحماية للذات من أن يقع على كل منهما الإكراه.

2- يمكن فهم هذه الآية على أنها إخبار وليس إنشاء، أي يمكن أن تفهم على أنها نفي وليست نهياً، ويكون بذلك معناها إخبارا بأن الدين الذي يفرض بالإكراه لا يصير ديناً للمكره فهو لم يقبله من قلبه، والدين في القلب وليس في اللسان. فهي بهذا الشكل إخبار بأن الدين لا يتحقق بالإكراه ومن يكره إنما يقوم بعمل عابث لا اصل له.

هذا معنى الآية حينما نفهمها على أنها إخبار وليس انشاءاً أو أمراً، كما يمكن أن نفهم الآية على أساس الإنشاء أي أن تفهم على أنها نهي عن الإكراه، لأنه لا يليق بالعاقل أن يقوم بعمل عابث، ولأن فرض الإيمان والدين بالإكراه عبث فجدير أن ينهانا الله عنه، فيكون المعنى نهياً عن ممارسة الإكراه للآخر، ونهياً أيضا لنا عن أن نقبل الإكراه والخضوع له.

فرشد الإنسان فرداً ومجتمعاً، هو من جراء التزامه بحريته واحترامه التام لحريات الآخرين. فحينما تنتفي كل الضغوطات والإكراهات، يتحقق مفهوم الرشد في الواقع الخاص والعام..

فالحرية بكل ما تحمل من معان إنسانية نبيلة وقيم تعلي من شأن الإنسان وكرامته، وتحميه من كل نزعات الاستفراد والإقصاء والنبذ والإكراه، هي بوابة الرشد ووسيلته في آن. وهي التي تخرج الإنسان من الغي وتخلق حقائق الاستمساك بالعروة الوثقى.

والمجتمع الذي يمارس حياته السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، بعيداً عن كل أشكال الإكراه والعنف، هو المجتمع الرشيد الذي يدافع عن حقوقه ومكاسبه بالحرية. وبها أيضا يصون حرمات الآخرين ومكاسبهم.

والتاريخ يحدثنا أن كل من يمارس الإكراه والعنف للدفاع عن ذاته، لا ينجز مراده ولا يحقق هدفه، بل ترتد عليه هذه الممارسات أكثر سوءاً ويدخل في أتون النزاعات والحروب والعنف والعنف المضاد.

إن الاتحاد السوفيتي لم يستطع أن يحمي ذاته من التشرذم والانقسام والتلاشي، مع العلم انه يمتلك أعتى الأسلحة وأطورها. فهذه الأسلحة الفتاكة لم تمنع الشعوب المنضوية تحت لواء الاتحاد السوفيتي من النهوض ورفض كل أشكال القهر والإكراه.

فالحضارات لا تبنى بالإكراه، كما أن الأفكار لا تنتقل بالقسر والإكراه. فما أكثر الإمبراطوريات التي انهارت وتلاشت وأصبحت في ذمة التاريخ، بفعل اعتمادها واستنادها على القهر والإكراه. وفي المقابل نجد أن هناك أمماً ودولاً صمدت في وجه كل عمليات القمع والقسر والإكراه، لأنها تدير شؤونها وتسير أمورها بحرية وديمقراطية، وبعيداً عن كل أشكال القهر والإكراه.

فالحياة دائماً لكل امة ومجتمع يدار بالحرية، وينبذ الإكراه بكل صنوفه وأشكاله ومستوياته. ويرتكب حماقة تاريخية كبرى كل من يسعى إلى إدخال غيره في دينه أو مذهبه أو حزبه بالإرغام والإكراه.

لذلك فإن الحرية من القيم الأساسية في حركة الإنسان الفرد والجماعة، وبها يقاس تقدم الأمم وتطورها. إذ لا يمكن أن يتحقق التقدم إلا بالتحرر من كل معوقاته وكوابحه. والحرية هي العنوان العريض للقدرة الإنسانية على إزالة المعوقات وإنجاز أسباب وعوامل النهوض والانعتاق.

لذلك نجد أن الأنبياء جميعاً حاربوا الاستبداد والإكراه، ووقفوا في وجه الفراعنة، وعملوا من مواقع مختلفة لإرساء دعائم الحرية للإنسان. ولقد فك الأنبياء جميعاً العلاقة بين الفكر والعنف، فحرروا معركة الأفكار من معركة الأجساد، والله تعالى حمى الأجساد من أن يعتدى عليها من اجل الأفكار، فلم يعط لأحد الحق على جسد الآخر مهما كانت فكرته. وفي سبيل نيل الحقوق والحريات، لم يشرع الله سبحانه وتعالى للأنبياء ممارسة الإجبار والإكراه، وإنما حدد مهمتهم ووظيفتهم في الدعوة بالموعظة الحسنة والتبشير والنذير.

فالوظيفة الكبرى هي هداية البشر، بوسائل عقلية - سلمية، بعيدة كل البعد عن كل أشكال الضغط والقوة والإكراه.

وعلى هدى هذا نقول: انه لا يجوز التضحية بحريات الأفراد تحت مبرر معارك الخارج وتحدياته الحاسمة. إذ انه لا يمكن أن نواجه تحديات الخارج بشكل فعال، إلا إذا وفرنا الحريات والحقوق لجميع المواطنين.

ولعلنا لا نعدو الصواب، حين القول بأن مجالنا العربي والإسلامي في العقود الخمسة الماضية قد قلب المعادلة. إذ سعت نخبته السياسية السائدة، إلى إقصاء كل القوى والمكونات تحت دعوى ومسوغ أن متطلبات المعركة مع العدو الصهيوني، تتطلب ذلك. وأصبح شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) هو السائد. ولكن النتيجة النهائية التي وصلنا إليها جميعاً حاكماً ومحكوماً، إن هذا الخيار السياسي لم يوصلنا إلا إلى المزيد من التدهور والانحطاط، وبفعل هذه العقلية أصبح العدو الصهيوني أكثر قوة ومنعة، ودخلنا جميعاً في الزمن الإسرائيلي بكل تداعياته الدبلوماسية والسياسية والأمنية والثقافية والاقتصادية.

فتصحير الحياة السياسية والمدنية العربية والإسلامية، لم يزدنا إلا ضياعاً وتشتتاً وضعفاً. ولقد دفع الجميع ثمن هذه الخطيئة التاريخية. لذلك آن الأوان بالنسبة لنا جميعاً أن نعيد صياغة المعادلة. فلا انتصار تاريخي على العدو الصهيوني، إلا بارتقاء حقيقي ونوعي لحياتنا السياسية والمدنية. فإرساء دعائم الديمقراطية وصيانة حقوق الإنسان. كل هذه الممارسات والمتطلبات من صميم معركتنا التاريخية والحضارية. وانتصارنا على العدو الخارجي، مرهون إلى قدرتنا على إنجاز هذه المتطلبات في الداخل العربي والإسلامي. فالإكراه الديني والسياسي، لا يصنع منجزات تاريخية، وان صنعت سرعان ما يتلاشى تأثيرها من جراء متواليات الإكراه وامتهان كرامة الإنسان.

فآراء الإنسان مصونة، بمعنى أن الإنسان لا يقتل بسبب آرائه وأفكاره. والآراء والأفكار والقناعات، لا تواجه بالقوة المادية أو استعداء الآخرين، وإنما بالرد الفكري والحوار المتواصل وبيان أوجه الخطل والضعف في الآراء المتداولة.

لذلك كله فإن الحرية قبل أن تكون أشكالاً سياسية ونصوصاً دستورية، هي خروج كل فرد فينا عن أنانيته وافقه الضيق ومغادرة تلك الأفكار الآحادية والإقصائية والاستغنائية، التي لا تزيدنا إلا بعداً عن الديمقراطية ومتطلباتها الفكرية والمجتمعية.

لذلك فإن النواة الأولى للاستقرار والتطور، هي الاحترام العميق للآخرين مشاعر وأفكاراً ووجوداً، ومساواة الآخرين بالذات، ونبذ كل أشكال ممارسة الإكراه.

وإننا اليوم وفي كثير من مواقعنا، أحوج ما نكون إلى رفع شعار (لا إكراه في الدين) والعمل على تحويله إلى مشروع مجتمعي ينظم حياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية، ويرفع الغطاء الديني عن كل الممارسات العنفية والإرهابية، التي لا يقرها عقل ولا دين ولا تنسجم وثوابت الأمة.

فلننبذ من فضائنا السياسي والاجتماعي والثقافي، كل الممارسات الإكراهية والإقصائية، ونبني راهننا على أسس الحرية واحترام التعدد والتنوع، ونفسح له المجال لممارسة دوره ووظيفته في البناء وتعزيز خيار السلم والتعايش الأهلي.

من أجل تفاهم مشترك

جاء في التراث أنه كان هناك أربعة من الفقراء جالسين في طريق، وكل منهم من بلد: أحدهم رومي، والثاني فارسي، والثالث عربي، والرابع تركي، ومر عليهم محسن فأعطاهم قطعة من النقد غير قابلة للتجزئة، ومن هنا بدأ الخلاف بينهم، يريد كل منهم أن يحمل الآخرين على اتباع رأيه في التصرف في هذا النقد. أما الرومي فقال: نشتري به (رستا فيل) وأما الفارسي فقال: أنا لا أرى من (لا نكَور) بديلا، وقال العربي: لا والله لا نشتري به إلا (عنبا)، وقال التركي متشددا في لهجة صارمة: إن الشيء الوحيد الذي أرضى به هو (أوزوم)، أما ما سواه فإني لا أوافق عليه أبدا. وجر الكلام بين الأربعة إلى الخصام، وكاد يستفحل الأمر لولا أن مر عليهم رجل يعرف لغاتهم جميعا، وتدخل للحكم بينهم، فبعد أن سمع كلامهم جميعا، وشاهد ما أبداه كل منهم من تشدد في موقفه أخذ منهم النقد واشترى به شيئا، وما إن عرضه عليهم حتى رأى كل منهم فيه طلبته، فقال الرومي: هذا هو (رستا فيل) الذي طلبته، وقال الفارسي: هذا هو (لا نكَور) وقال العربي: الحمد لله الذي أتاني ما طلبته ! وقال التركي: هذا هو (أوزوم) الذي طلبته. وقد ظهر أن كلا منهم كان يطلب العنب من غير أنت يعرف كل واحد منهم أنه هو بعينه ما يطلبه أصحابه.

لا ريب أن قراءة هذه القصة تثير الضحك وروح الفكاهة، وتثير الاستغراب والاستهجان في آن واحد. من جراء الاختلاف والنزاع الذي حدث بين هؤلاء الصحبة دون وجود مبرر عقلي وواقعي للخلاف والنزاع. فالكل يطلب العنب إلا أن اختلافهم اللغوي حال دون تفاهمهم المشترك، مما أدى إلى الخصام على موضوع أقل ما يقال عنه أنه وهمي. ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول: أن الكثير من الاختلافات والتباينات بين أبناء الوطن والمجتمع الواحد، لا تخرج عن مضمون القصة المذكورة أعلاه. بمعنى أن الكثير مما نتصوره من اختلافات بيننا هو من جراء مواقف مسبقة أو رؤية جاهزة حملناها على بعضنا البعض، دون أن نكلف أنفسنا عبء فحص هذه الرؤية أو تجاوزها بشكل علمي وموضوعي. والإنسان الذي ينحبس في إطار رؤية ضيقة، فإنه سيتعصب لرأيه دون أن يدرك حجم الجوامع المشتركة بينه وبين الآخرين. فحين ينعدم التواصل، وتتضاءل فرص التعارف فإن مساحات سوء الظن والفهم تتسع وتتراكم.

لذلك فإن التواصل بين مختلف مكونات المجتمع وتعبيراته المتعددة، هو من الروافد الأساسية التي تساهم في تعزيز خيار الوحدة والتضامن الداخلي. فوحدة المجتمعات والأوطان بحاجة بشكل دائم إلى التواصل والتعارف المباشر بين مختلف المكونات والشرائح. وذلك حتى تبنى الوحدة على حقائق المعرفة العميقة المتبادلة. وبدون هذه المعرفة سنجد أنفسنا نختلف وتتباين مواقفنا حتى لو كانت غايتنا واحدة.

فالهدف المشترك بوحده لا يصنع وحدة، وإنما هو يحتاج إلى مساندة مستديمة عبر التعارف والتواصل الذي يزيل الالتباسات والهواجس ويحول دون الفرقة المذمومة.. وتاريخيا لم تكن الوحدة التي صنعها العرب والمسلمون، تعني التوحيد القسري ونبذ أشكال التعدد والتنوع الطبيعية في الوجود الاسلامي. وإنما صنع المسلمون وحدة، قامت على احترام التنوع وخصائص التعدد، لأنها حالات وحقائق تاريخية، مركوزة في التكوين النفسي والاجتماعي، ومتناغمة مع نواميس الوجود الإنساني. لأن الباري عز وجل قد خلق البشر مختلفين من نواح عديدة: لتكونهم من ذكر وأنثى [وإنه خلق الزوجين الذكر والأنثى] وهم مختلفون لاختلاف ألسنتهم وألونهم [ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم] كما هم مختلفون لاختلاف عقائدهم [هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن] وعلى ضوء هذا الاختلاف والتنوع، تنشأ الوحدات الاجتماعية، لكن لا لكي تتباعد عن بعضها، وإنما لكي تتعارف.

فالتعارف هو المنظور القرآني، لتجاوز الآثار السيئة والسلبية لحالة الاختلاف والتعدد. قال تعالى [يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم]..

فالاختلافات العقدية والفكرية والسياسية، تزداد اتساعا، وتأخذ منحى تصاعديا وفي بعض الأحيان عنفيا، حينما تتراجع خطوات التفاهم وتغيب حقائق التلاقي والتواصل بين المختلفين. بينما التلاقي والتفاهم والتواصل، يساهم في ضبط الاختلافات، ويحوله إلى رافد للثراء المعرفي والفكري، وترتفع من الفضاء الاجتماعي كل الهواجس والأكاذيب التي تسمم العلاقة وتدفعها نحو دوائر وخيارات خطيرة.

ولقد دفع المسلمون جميعا غالي الأثمان من هواجس بعضهم البعض، ومن الأكاذيب والافتراءات التاريخية والراهنة، التي ساهمت بشكل مباشر في تأجيج النفوس وزيادة الاحتقانات بكل صورها وأشكالها.

وأود في هذا السياق أن أؤكد على النقاط التالية:

1- ضرورة العمل على تطوير التواصل العلمي والثقافي بين مكونات المجتمع والوطن الواحد.. فكل طرف في هذا المجتمع يمتلك من الكتب والمؤلفات الثمينة الشيء الكثير، ويعيش بين ظهراني هذا المجتمع العديد من العلماء والمفكرين والكتاب المتميزين. ولكن وبفعل الجفاء المتبادل، وغياب حقائق التلاقي والتواصل، كل طرف يجهل حقيقة الآخر، أو لا يمتلك رؤية واقعية عنه.

وإننا نعتقد أن القيام بمبادرات حوارية وتواصلية بين حكماء المجتمع وعلمائه، سيفضي إلى فهم متبادل عميق، قادر على إفشال كل مخططات الفتية والتشظي. ويشير إلى هذه المسألة أحد العلماء بقوله: إن توحيد المسلمين ثقافياً لا ينافي أن تعمل كل طائفة من الطوائف الإسلامية بما ثبت عندها واعتقدته، ما دام هذا لا يمس العقائد الأساسية، التي يجب الإيمان بها، ولكن من الواجب أن تعرف كل طائفة من المسلمين حقيقة عقائد الآخرين، لعلها تجد فيها ما تستفيد منه، أو على الأقل إذا أراد أحد باحثيها أن يكتب عنهم شيئا، أو ينقل بعض فتاواهم، فلا يكتب وأما ما سمعنا عنهم أنهم يقولون كذا وكذا أو أنه يقال عنهم كذا وكذا. ولعمري أن هذا لسبة في جبين العلم أن لا يتعب رجاله أنفسهم بالبحث عن كتاب يجدون فيه كل ما يبحثون عنه، من غير أن يسندوا أقوالهم إلى السماع، وكثيرا ما يجيء هذا القول المسموع من ذوي الأغراض الخبيثة.

 لو أن التعارف بين المسلمين تم على أساس توحيد الثقافة، بما في ذلك التبادل الثقافي، وتأليف كتب عن كل طائفة لإعطاء صورة صحيحة عنها، وتعليم اللغات الإسلامية في جامعاتهم وترجمة آثارهم ورجالهم، لعرف المسلمون أنفسهم، وعلموا قوتهم ومقدرتهم، وأنهم مسلمون قبل كل شيء، مسلمون في كتابتهم وتآليفهم، مسلمون في قصصهم وأشعارهم، وأنهم أمناء فيها يكتبون.

فالحوار والتواصل بين مختلف التعبيرات والمكونات لا يلغي الاختلافات والتباينات، وإنما يوصل الجميع إلى أفضل صيغة ممكنة لإدارة الاختلافات وضبط الانقسامات والتباينات. فالتعددية على حد تعبير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية في تقريرها الموسوم بـ(التنوع البشري الخلاق) ليست مجرد غاية في حد ذاتها، فالاعتراف بالاختلافات ما هو إلا شرط لبدء الحوار، وبالتالي لبناء اتحاد أوسع نطاقا بين أناس مختلفين. وعلى الرغم من المصاعب فإننا نواجه مصيرا محتوما، فلا بد من إيجاد سبل للتوفيق بين تعددية جديدة ومواطنة مشتركة. وقد لا يكون الهدف مجرد مجتمع متعدد الثقافات، بل دولة تتألف من ثقافات متعددة، دولة يمكن أن تعترف بالتعددية دون أن تفقد وحدتها.

2- إن التحصين الوطني ضد كل المخاطر التي قد تهدد الأمن الاجتماعي والوطني، يتطلب العمل الجاد على بلورة مشروع ثقافي وطني، يحتضن كل أطياف وتعبيرات الحياة الثقافية الوطنية، ويوظف كل إمكانات الوطن ويصبها في خدمة المشروع، وينفتح على كل الخصوصيات الثقافية، ويتفاعل ويستفيد من كل القوى والوسائط الثقافية والاجتماعية الموجودة، ويتواصل مع منابع الفعل الثقافي بتنوعه ومستوياته ومجالاته وآلياته القائمة والممكنة.

وبكلمة: إن تحصين الوطن من المخاطر، يتطلب بلورة حياة ثقافية جديدة تتجاوز صعوبات الواقع وسيئاته، وتسعى نحو إرساء دعائم وتقاليد التواصل والحوار والانفتاح على كل مكونات الفعل الثقافي والإبداعي الوطني. فالتحصين لا يتأتى بالمنع وزيادة قائمة الممنوعات، بل بغرس أسباب الحياة والحيوية في حياتنا الثقافية والاجتماعية. فالمجتمع الراكد، هو أقرب المجتمعات إلى الاختراق على المستويات كافة. أما المجتمع الحي، والحيوي، فإنه يمتلك الدينامية الكافية التي تؤهله لمقاومة كل الأخطار ومجابهة كل محاولات الاختراق التي تهدد أمنه الاجتماعي والوطني.

فوجود الحياة الثقافية الجادة بكل مستلزماتها ومتطلباتها وآلياتها، يساهم مساهمة أساسية في إرساء دعائم الأمن الاجتماعي والوطني. فحيوية المجتمع وديناميته، هو رهاننا لمجابهة كل التحديات والمخاطر لذلك فإن عملية التحصين الوطني، تتطلب منا جميعاً، تنمية الاستعدادات والإمكانات الثقافية الوطنية، التي تأخذ على عاتقها معالجة الظواهر المجتمعية، واستيعاب أبناء الوطن بمختلف مستوياتهم في أطر ومؤسسات، تنمي كفاءاتهم، وتصقل مواهبهم، وترفع من مستوياتهم وتشاركهم في صياغة حاضرهم ومستقبلهم.

***

محمد محفوظ – باحث سعودي

تفكيك بنيوي لانحسار الخطاب الحقوقي

تمهيد: في خريفٍ قريب، وبينما كانت صور الدمار والضحايا المدنيين في غزة تتدفّق بلا انقطاع، بدا العالم وكأنه يقف مجددًا أمام اختبارٍ أخلاقيٍ مألوف، لكنه هذه المرة أكثر حدّة ووضوحًا. لم يكن السؤال المطروح آنذاك هو ما إذا كانت الانتهاكات جسيمة—فذلك لم يعد محلّ نزاع—بل ما إذا كان الخطاب الحقوقي العالمي قادرًا على إنتاج استجابة متماسكة، غير انتقائية، وقابلة للفعل. فبين بيانات متعارضة، وشللٍ مؤسسي، وتأويلات سياسية لمفاهيم راسخة في القانون الدولي، انكشفت فجوة عميقة بين ثبات المعيار المعلن، وهشاشة الممارسة الفعلية في السياسة الدولية.

- هذا الانكشاف لم يكن ناجمًا عن غياب القواعد أو نقص المعايير؛ فحماية المدنيين، وحظر العقاب الجماعي، وصون البنية التحتية الأساسية، كلها مبادئ مستقرة في صميم منظومة حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. غير أن طريقة الاستجابة الدولية—صمتًا أو تبريرًا أو انتقائية—أعادت إلى الواجهة سؤالًا أقدم وأكثر إرباكًا: هل نحن أمام أزمة التزام سياسي بهذه المعايير، أم أمام مأزق أعمق يتصل بطبيعة الخطاب الحقوقي نفسه، وحدود قدرته على الصمود حين يصطدم بتوازنات القوة ومصالح الدول؟

- من هذه اللحظة الكاشفة، لا بوصفها حالة استثنائية، بل باعتبارها مرآة مكثفة لعالم اليوم، ينطلق هذا النص لمحاولة مساءلة وضع الخطاب الحقوقي في راهنه. فالسؤال لم يعد يدور حول مشروعية حقوق الإنسان أو قيمتها الأخلاقية، بقدر ما بات يتعلّق بقدرتها على التموضع والفعل داخل عالم متغيّر، غير متكافئ، ومتفاوت البنى. فالخطاب الذي وُلد وعدًا كونيًا بحماية الكرامة الإنسانية، يبدو في لحظتنا الراهنة أقل حضورًا كأفق ناظم للسياسة الدولية، وأكثر حضورًا كلغة إدانة أو تبرير انتقائي، تُستدعى حيث تسمح موازين القوة، وتُعلَّق حيث تشتدّ كلفتها السياسية.

- إن هذا التراجع الظاهر لا يمكن فهمه بالاختزال في ازدواجية المعايير أو سوء النوايا وحدها، بل يستدعي مساءلة أعمق تطال بنية الخطاب الحقوقي نفسه، وسياق نشأته، وحدود قابليته على التشكّل داخل بيئات متباينة العناصر. فقد افترض هذا الخطاب، منذ تشكّله الحديث، أن عالمية المعيار كافية لإنتاج شرعيته واستمراره، وأن الكرامة الإنسانية، بوصفها قيمة مجردة، قادرة بذاتها على عبور السياقات السياسية والاقتصادية والثقافية المختلفة. غير أن التجربة التاريخية، خصوصًا خارج المركز الذي نشأ فيه هذا الخطاب، كشفت عن فجوة متنامية بين كونية الادعاء ومحلية التحقق.

- تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن انحسار الخطاب الحقوقي لا يعود فقط إلى تحوّلات السياسة الدولية أو صعود البراغماتية القاسية، بل إلى توتر بنيوي داخله: توتر بين معيار كوني غير قابل للتجزئة، وبيئات متباينة تفتقر، بدرجات مختلفة، إلى الشروط المؤسسية والسياسية والاقتصادية التي تسمح بتحققه. ومن هنا، لا يسعى هذا النص إلى التشكيك في عالمية حقوق الإنسان، ولا إلى الدفاع عنها دفاعًا إنشائيًا، بل إلى تفكيك شروط إمكانها وحدودها، عبر مساءلة العلاقة بين الكونية والتموضع، وبين الثابت المعياري وتعدد مسارات التحقق، وبين الخطاب بوصفه وعدًا أخلاقيًا، والواقع بوصفه بنية قوة

المبحث الأول: أزمة التكوين البنيوي للخطاب الحقوقي: الكونية بلا حامل

- لم تتجلَّ أزمة الخطاب الحقوقي في عجزه عن توصيف الانتهاكات أو تسميتها، بل في عجزه البنيوي عن حماية نفسه من التعليق والتأجيل حين يدخل حيّز السياسة الواقعية. فبينما يقدّم هذا الخطاب نفسه بوصفه منظومة كونية، غير قابلة للتجزئة، تقوم على كرامة إنسانية واحدة، فإنه يظل في مستوى التحقّق العملي تابعًا لبنى سيادية واقتصادية لا يملك السيطرة عليها. ومن هنا، لا يمكن فهم انحساره الراهن إلا بالعودة إلى شروط تكوينه الأولى، لا إلى ممارساته اللاحقة فحسب.

1. الكونية المعيارية والاعتماد البنيوي على الدولة

- نشأ الخطاب الحقوقي الحديث في لحظة تاريخية خاصة، بوصفه ردًّا أخلاقيًا وقانونيًا على فظائع القرن العشرين، وخصوصًا ما كشفته الحرب العالمية الثانية من قابلية الدولة الحديثة لتحويل الإنسان إلى موضوع للإبادة أو الإقصاء المنهجي. غير أن هذا الخطاب، على الرغم من طابعه الكوني، لم يُؤسَّس بوصفه بديلًا عن الدولة أو نقيضًا لها، بل بوصفه منظومة تعتمد عليها في التشريع والتنفيذ والحماية.

- هنا تتشكّل المفارقة البنيوية الأولى:

فالحقوق تُعلن كونية، لكنها لا تُنفَّذ إلا وطنيًا؛

وتُقدَّم بوصفها فوق-سيادية، لكنها تظل رهينة السيادة.

- هذا الاعتماد لم يكن خيارًا عرضيًا، بل نتيجة حتمية لغياب أي سلطة عالمية قادرة على الإكراه الشرعي. وبذلك، أصبح الخطاب الحقوقي محتاجًا إلى الدولة بوصفها وسيطًا، حتى حين تكون الدولة نفسها مصدر الانتهاك. وقد لُخّص هذا التناقض مبكرًا في أطروحة حنّة آرندت حول “الحق في أن يكون للمرء حقوق”، حيث بيّنت أن الحقوق لا تصبح فعلية إلا داخل جماعة سياسية قادرة على حمايتها، وأن الإنسان حين يُجرَّد من هذه الجماعة لا يبقى له سوى إنسانيته العارية، وهي أقل ما يُحمى.

2. الحقوق بوصفها خطابًا أخلاقيًا في فضاء قوة غير أخلاقي

- منذ بداياته، حمل الخطاب الحقوقي توترًا بين لغته الأخلاقية وفضائه السياسي. فهو يتحدث عن الكرامة والمساواة والحرية، في حين تعمل السياسة الدولية بمنطق القوة، والمصلحة، والردع، والصفقات. هذا التوتر لم يكن بالضرورة قاتلًا في مراحل سابقة، حين كانت حقوق الإنسان تُوظَّف ضمن صراع أيديولوجي أوسع، أو حين كانت الدولة القومية لا تزال تحتفظ بهامشٍ من القدرة على التوفيق بين الشرعية الأخلاقية والمصلحة الوطنية.

- غير أن هذا التوازن الهشّ بدأ ينهار مع تحوّلات أعمق: صعود الأمننة، توسّع منطق الاستثناء، وتراجع الفكرة الكلاسيكية للمساءلة. وفي هذا السياق، لم يُلغَ الخطاب الحقوقي، بل أُفرغ من قدرته على الإلزام، وتحول إلى لغة تُستخدم عند انخفاض الكلفة السياسية، وتُعلّق حين ترتفع.

- هنا لا يعود الإشكال في “ازدواجية المعايير” بوصفها انحرافًا أخلاقيًا، بل في كونها نتيجة منطقية لبنية خطاب لا يمتلك أدوات فرضه، ويعتمد على فاعلين لا يتعاملون معه إلا باعتباره أحد عناصر التفاوض السياسي.

3. غياب الحامل السيادي المستقل

- على خلاف الدساتير الوطنية، أو العقود الاجتماعية الداخلية، لم يمتلك الخطاب الحقوقي يومًا حاملًا سياديًا خاصًا به. فلا توجد سلطة عالمية منتخبة، ولا جهاز إنفاذ كوني، ولا احتكار مشروع للعنف باسم الإنسان. وما نشأ من آليات دولية للمساءلة ظل محدود الصلاحيات، خاضعًا للتوازنات الجيوسياسية، أو محكومًا بموافقة الدول نفسها.

- هذا الغياب البنيوي جعل الحقوق:

‌أ) قوية في النص،

‌ب) ضعيفة في الإنفاذ،

‌ج) هشّة أمام منطق الاستثناء.

- وحين تتوسّع حالات الطوارئ—سواء باسم الأمن القومي، أو مكافحة الإرهاب، أو حماية النظام الدولي—تتحوّل الحقوق من التزام أصيل إلى امتياز قابل للتعليق. وفي هذه اللحظة تحديدًا، يتراجع الخطاب الحقوقي لا لأنه خاطئ، بل لأنه بلا قوة ذاتية تحميه.

4. من وعد كوني إلى خطاب مشروط

- تُفضي هذه العناصر مجتمعة إلى نتيجة مركزية:

الخطاب الحقوقي، في بنيته التكوينية، خطاب كوني بلا سيادة، معياري بلا أدوات إكراه، وأخلاقي في فضاء تحكمه المصالح. وهو ما يفسّر لماذا يبدو هذا الخطاب قويًا في لحظات التوافق الدولي، وضعيفًا أو صامتًا في لحظات الصدام الحاد.

- ومن هنا، فإن انحساره الراهن لا ينبغي قراءته بوصفه انهيارًا للقيم، بل بوصفه انكشافًا لبنية طالما كانت قائمة، لكنها لم تُختبر بهذا العنف من قبل. فحين تشتدّ الأزمات، لا يسقط الخطاب الحقوقي لأنه كوني، بل لأنه لم يُصمَّم ليعمل دون وسائط قوية، عادلة، وقابلة للمساءلة.

المبحث الثاني: الراهنية المفرطة للخطاب الحقوقي: من الاستجابة الأخلاقية إلى الهشاشة التاريخية

- إذا كان المبحث الأول قد عالج الخلل البنيوي في تكوين الخطاب الحقوقي، فإن هذا المبحث ينقل التحليل إلى بعدٍ زمني لا يقلّ أهمية: راهنية الخطاب الحقوقي المفرطة، وافتقاره النسبي إلى عمق تاريخي يمكّنه من الصمود حين تتغيّر الشروط السياسية والاقتصادية التي نشأ في ظلّها. فحقوق الإنسان، على الرغم من ادّعائها الكونية، هي—في صيغتها الحديثة—خطاب حديث العهد، تشكّل في لحظة صدمة كبرى، أكثر مما تشكّل عبر تراكم تاريخي طويل داخل البنى الاجتماعية.

1. خطاب وُلد من الصدمة لا من التراكم

- تبلور الخطاب الحقوقي الحديث في أعقاب كوارث القرن العشرين، بوصفه استجابة أخلاقية عاجلة لما بدا آنذاك انهيارًا شاملًا للمعنى الإنساني: الحروب الشاملة، الإبادة، معسكرات الاعتقال، وتحوّل الدولة الحديثة إلى أداة قتل جماعي. في هذا السياق، جاءت حقوق الإنسان لتعيد تثبيت حدٍّ أدنى من الكرامة، لا بوصفها ثمرة تطوّر اجتماعي طويل، بل بوصفها ردّ فعل على قطيعة أخلاقية عميقة.

- ان هذه النشأة، على أهميتها، تركت أثرها على طبيعة الخطاب ذاته. فقد تشكّل بوصفه خطابًا:

‌أ) عالي النبرة الأخلاقية،

‌ب) مكثّفًا معياريًا،

‌ج) لكنه ضعيف التجذّر في البنى الاقتصادية والاجتماعية التي تُنتج العنف واللامساواة.

وبذلك، حمل منذ البداية توترًا بين سرعة الاستجابة وبطء التاريخ.

2. بين الكونية واللحظة: حقوق الإنسان كخطاب راهن

- على خلاف مفاهيم سياسية كالدولة أو السيادة أو السوق، التي تبلورت عبر قرون من الصراع الاجتماعي والتحوّل المؤسسي، ظلّت حقوق الإنسان مرتبطة بلحظة تاريخية محددة، وبسياق دولي معيّن. هذا الارتباط جعل الخطاب الحقوقي يبدو—في كثير من الأحيان—كأنه ينتمي إلى زمن أخلاقي سابق، لا إلى الحاضر المتحوّل.

- ومع تغيّر السياق العالمي—صعود الشعبويات، عودة السياسات القومية الصلبة، توسّع الأمننة، وتحوّل التكنولوجيا إلى أداة ضبط—أصبح الخطاب الحقوقي أقل قدرة على إعادة تعريف نفسه. فهو يستدعي مفردات صيغت لعالم ما بعد الحرب، في مواجهة عالم تُعاد فيه صياغة السلطة على أسس مختلفة.

- من هنا، لا يبدو التراجع الراهن في حضور الخطاب الحقوقي مفاجئًا؛ إنه نتيجة منطقية لخطاب لم يُطوّر أدواته الزمنية بما يكفي، ولم يُنتج سردية تاريخية تسمح له بالتحوّل مع تغيّر الشروط.

3. غياب التاريخ الاجتماعي للحقوق

- إحدى نقاط الضعف الجوهرية في الخطاب الحقوقي هي أنه غالبًا ما يُقدَّم بوصفه منظومة قيم مكتملة، لا بوصفه مسارًا تاريخيًا متنازعًا عليه. نادرًا ما تُربط الحقوق بتاريخ الصراع الاجتماعي، أو بتاريخ العمل، أو بتاريخ الفقر، أو بتاريخ الاستعمار، رغم أن هذه السياقات شكّلت الشروط المادية لانتهاك الكرامة الإنسانية.

- هذا الانفصال بين الحقوق والتاريخ الاجتماعي جعل الخطاب الحقوقي:

‌أ) أخلاقيًا أكثر منه اجتماعيًا،

‌ب) قانونيًا أكثر منه سياسيًا،

‌ج) ومجرّدًا أكثر مما يحتمله واقع معقّد.

- وفي هذا السياق، يصبح من السهل على الفاعلين السياسيين التعامل مع الحقوق بوصفها خطابًا طارئًا، يمكن تعليقه في أوقات “الضرورة”، بدل اعتبارها نتاجًا تاريخيًا لنضالات لا يجوز التراجع عنها.

4. الراهنية بوصفها نقطة ضعف لا قوة

- قد تبدو الراهنية، للوهلة الأولى، مصدر قوة؛ فهي تمنح الخطاب الحقوقي قدرة على الاستجابة السريعة للأزمات. غير أن هذه الراهنية تتحوّل، في غياب عمق تاريخي، إلى نقطة هشاشة. فالخطاب الذي لا يرسّخ نفسه في البنى العميقة للمجتمع والدولة والاقتصاد، يظل قابلًا للتجاوز حين تتبدّل الأولويات.

- هنا يمكن الاستعانة بتحليل ميشيل فوكو للخطاب بوصفه ممارسة مرتبطة بعلاقات القوة، لا بوصفه مجرد منظومة أفكار. فالخطاب الذي لا يعيد إنتاج نفسه داخل شبكات السلطة والمعرفة، يبقى خطابًا هشًّا، مهما بلغت نبل مقاصده.

5. من خطاب كوني إلى ذاكرة قصيرة

- تُفضي هذه الملاحظات إلى نتيجة أساسية:

الخطاب الحقوقي يعاني من قِصر في الذاكرة التاريخية. فهو يستحضر الماضي بوصفه فاجعة أخلاقية (لا ينبغي تكرارها)، لكنه لا يستوعبه بوصفه مسارًا اجتماعيًا واقتصاديًا مستمرًا. وبهذا، يفقد قدرته على تفسير الحاضر، فضلًا عن توجيه المستقبل.

- إن انحسار الخطاب الحقوقي اليوم لا يعود فقط إلى صعود قوى تناهضه، بل إلى عجزه عن التحوّل من خطاب استجابة إلى خطاب تاريخ؛ من لغة “عدم التكرار” إلى لغة تفهم لماذا يتكرر العنف بأشكال جديدة. 

خلاصة المبحث الثاني

- يُظهر هذا المبحث أن أزمة الخطاب الحقوقي ليست بنيوية فقط، بل زمنية أيضًا. فهو خطاب وُلد من صدمة أخلاقية كبرى، لكنه لم يُطوّر سردية تاريخية تمكّنه من التكيّف مع تحوّلات العالم. وبين كونية المعيار وتسارع الزمن السياسي، بقي الخطاب الحقوقي أسير لحظة تأسيسه، عاجزًا عن إنتاج أدوات زمنية جديدة تحميه من التآكل.

من الخلل البنيوي والراهنية إلى سؤال البيئة والاقتصاد السياسي

- يُظهر المبحثان السابقان أن انحسار الخطاب الحقوقي لا يمكن عزوه إلى عامل واحد أو لحظة عابرة. فالخلل البنيوي في تكوينه—بوصفه خطابًا كونيًا بلا حامل سيادي مستقل—يتقاطع مع راهنية مفرطة جعلته أسير لحظة تأسيس أخلاقية لم تُستكمل بتجذّر تاريخي عميق. غير أن هذين البعدين، على أهميتهما، لا يكتمل فهمهما دون الانتقال إلى مستوى ثالث أكثر مادية وملموسية: البيئة التي نشأ فيها الخطاب الحقوقي، والاقتصاد السياسي الذي يفترض به أن يعمل داخله.

- فالخطاب لا يتحرك في فراغ، ولا يتجسّد في نصوص مجردة، بل يتموضع داخل دول، وأسواق، وعلاقات قوة، وأنماط إنتاج وتوزيع غير متكافئة. ومن هنا، يصبح سؤال الحقوق مرتبطًا بسؤال الدولة القادرة، والعدالة التوزيعية، وحدود السوق، وطبيعة النظام الدولي ذاته. إن الانتقال إلى تحليل البيئة المنشِئة لا يعني اختزال حقوق الإنسان في الاقتصاد أو السياسة، بل إدراك أن الكرامة، بوصفها قيمة، لا يمكن أن تصمد طويلًا في بنى تُنتج اللامساواة والعنف بوصفهما شرطًا للاشتغال. وعلى هذا الأساس، يتناول المبحث التالي العلاقة الإشكالية بين الخطاب الحقوقي والاقتصاد السياسي العالمي، لا بوصفها علاقة عرضية، بل بوصفها أحد مفاتيح فهم تراجعه الراهن.

المبحث الثالث: البيئة المنشِئة والاقتصاد السياسي للحقوق: حين تُنتج البُنى نقيض القيم

- إذا كان الخطاب الحقوقي قد قدّم نفسه بوصفه تعبيرًا عن ضمير إنساني كوني، فإن البيئة التي نشأ فيها—الدولة الليبرالية الحديثة واقتصاد السوق الرأسمالي—لم تكن يومًا بيئة محايدة أخلاقيًا. بل على العكس، فقد تشكّل هذا الخطاب داخل نظام اقتصادي وسياسي يُنتج، في جوهره، تفاوتًا بنيويًا في الثروة والسلطة والفرص. ومن هنا، لا يمكن فهم هشاشة الخطاب الحقوقي دون مساءلة التناقض الأصلي بين منطق الحقوق ومنطق التراكم.

1. حقوق الإنسان في ظل اقتصاد ينتج اللامساواة

- تقوم الرأسمالية الحديثة على مبدأ التراكم، لا على مبدأ الكرامة. فهي تنظّم العلاقات الاجتماعية من خلال السوق، وتعيد تعريف القيمة على أساس الربح، والكفاءة، والقدرة على المنافسة. في هذا السياق، تصبح الحقوق—خصوصًا الاقتصادية والاجتماعية—مكلفة، قابلة للتفاوض، أو مشروطة بالقدرة المالية للدولة.

- هنا يبرز التوتر الجوهري:

فالحقوق تفترض مساواة في الاستحقاق،

بينما يفترض السوق تفاوتًا في النتائج بوصفه أمرًا طبيعيًا.

- وقد أشار كارل بولاني إلى أن إخضاع المجتمع لمنطق السوق يؤدي حتمًا إلى تآكل الأسس الأخلاقية التي يقوم عليها. وحين تُترك الصحة، والتعليم، والسكن، والعمل لقوى السوق، تتحوّل الحقوق من التزامات عامة إلى سلع، ومن ضمانات إلى امتيازات.

2. الدولة بين الحماية والوساطة

- في هذا الإطار، لا تعود الدولة حارسًا محايدًا للحقوق، بل وسيطًا بين مطالب اجتماعية متزايدة ومنطق اقتصادي ضاغط. ومع تراجع دولة الرفاه، وصعود النيوليبرالية، تقلّصت قدرة الدولة على لعب دورها الحمائي، وازداد اعتمادها على سياسات التقشّف، والخصخصة، وتقليص الإنفاق الاجتماعي.

- ان هذا التحوّل لم يُضعف فقط الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بل أثّر أيضًا على الحقوق المدنية والسياسية. فالدولة التي تفشل في توفير الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، تميل إلى تعويض هذا الفشل بتشديد الضبط، وتوسيع الأمننة، وتقليص الحريات باسم الاستقرار. وهكذا، يصبح انتهاك الحقوق جزءًا من آلية إدارة الأزمات، لا انحرافًا عنها.

3. النظام الدولي: الكونية في ظل اختلال القوة

- على المستوى الدولي، يتضاعف هذا التناقض. فالنظام العالمي الذي يتبنّى حقوق الإنسان خطابًا، هو ذاته نظام غير متكافئ في توزيع السلطة والثروة. الدول الأقوى اقتصاديًا وعسكريًا تملك القدرة على:

‌أ) فرض أولوياتها،

‌ب) تعطيل آليات المساءلة،

‌ج) وتحديد متى وأين تُفعّل المعايير الحقوقية.

- في هذا السياق، تتحوّل حقوق الإنسان إلى لغة قوة ناعمة تُستخدم لتعزيز النفوذ، لا إلى إطار ملزم للجميع. ولا يعود ضعف تطبيق الحقوق في الأطراف نتيجة “قصور ثقافي” أو “غياب وعي”، بل انعكاسًا لموقع هذه الدول داخل اقتصاد سياسي عالمي غير عادل.

4. الحقوق في بيئات هشّة: من الالتزام إلى الإدارة

- في الدول الهشّة، أو الريعية، أو الخارجة من نزاعات، يتخذ هذا التناقض شكلًا أكثر حدّة. فالحقوق تُدار لا تُحقّق؛ تُقدَّم في خطط واستراتيجيات، لا في سياسات قابلة للنفاذ. ويصبح الخطاب الحقوقي جزءًا من إدارة الهشاشة بدل أن يكون أداة لتفكيكها.

- في هذه البيئات، لا تفشل الحقوق لأنها غير كونية، بل لأنها تُطالَب بالعمل داخل نظم لا تنتج مواطنة كاملة، ولا اقتصادًا منتجًا، ولا مؤسسات مستقرة. وهنا، يتحوّل الخطاب الحقوقي إلى وعد مؤجّل، أو إلى شرطٍ دولي للشرعية، لا إلى عقد اجتماعي حيّ.

5. خلاصة المبحث الثالث

- يُظهر هذا المبحث أن أزمة الخطاب الحقوقي ليست أخلاقية ولا قانونية فحسب، بل اقتصادية–سياسية في جوهرها. فالحقوق التي لا تجد بيئة تُنتج المساواة، ولا دولة قادرة على الحماية، ولا نظامًا دوليًا منضبطًا، تبقى معلّقة بين النص والواقع. ومن هنا، فإن أي محاولة لإحياء الخطاب الحقوقي دون مساءلة الاقتصاد السياسي الذي يعمل داخله، ستظل مجرّد إعادة تدوير لغوي لقيم تُفرَّغ عمليًا من مضمونها.

المبحث الرابع: التموضع عبر البيئات المتباينة: حدود العالمية وإمكانات الترجمة دون التفريط بالثوابت

- يُثير ضعف قدرة الخطاب الحقوقي على التشكّل المتماسك داخل بيئات متباينة—سياسيًا، واقتصاديًا، ومؤسسيًا—سؤالًا نظريًا بالغ الحساسية: هل يعكس هذا الضعف مأزقًا في عالمية حقوق الإنسان نفسها، أم يكشف حدود آليات تموضعها وتحققها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون ثنائية أو تبسيطية، إذ إن الخلط بين المعيار الكوني ووسائط إنفاذه هو أحد أكثر مصادر الالتباس شيوعًا في النقاش الحقوقي المعاصر.

1. عالمية المعيار أم محلية التحقّق؟

- تقوم عالمية حقوق الإنسان على افتراض أخلاقي وقانوني بسيط في صياغته، عميق في تبعاته: أن الكرامة الإنسانية غير قابلة للتجزئة، وأن الحقوق متساوية في الاستحقاق، بغضّ النظر عن السياق أو الهوية أو الموقع الجغرافي. غير أن هذا الافتراض لا يتضمن، بالضرورة، تماثل البيئات في القدرة على التحقّق. فالعالمية هنا تتعلق بالمبدأ، لا بالشروط المادية والسياسية لتنفيذه.

- إن الخلل لا يكمن في كون الحقوق كونية، بل في افتراضٍ ضمني—غالبًا غير مُعلَن—بأن الكونية قادرة بذاتها على إنتاج شروطها. وفي الواقع، تتوسّط بين المعيار والواقع سلسلة من البنى: الدولة، الاقتصاد السياسي، الثقافة السياسية، والنظام الدولي. وكلما اختلّ أحد هذه الوسائط، تراجعت قدرة الخطاب الحقوقي على التموضع، دون أن يعني ذلك انهيار المعيار نفسه.

2. عدم القابلية للتجزئة وإشكالية الأولويات

- يُعد مبدأ عدم قابلية الحقوق للتجزئة والترابط أحد الأعمدة الأساسية للمنظومة الحقوقية. غير أن هذا المبدأ، حين يُقرأ قراءة حرفية أو تجريدية، قد يتحوّل من ضمانة أخلاقية إلى عائق عملي أمام السياسات العامة. فالدول لا تعمل في فضاء مثالي، بل ضمن قيود الموارد، والهشاشة المؤسسية، والضغوط الأمنية.

- التمييز الضروري هنا هو بين:

‌أ) عدم القابلية للتجزئة بوصفها قاعدة معيارية (لا يجوز إسقاط حق بذريعة حماية حق آخر)،

‌ب) والترتيب التنفيذي للأولويات بوصفه ضرورة سياسية وإدارية، بشرط عدم التحلل من الالتزامات الجوهرية، وعدم التمييز، وعدم تحويل التدرّج إلى تأجيل دائم.

- إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وضع أولويات، بل في تسييس الأولويات وتحويلها إلى مبرر لتعليق الحقوق أو إفراغها من مضمونها.

3. الترجمة المؤسسية للحقوق: من المعيار إلى الممارسة

- لا تتحقق الحقوق إلا بقدر ما تُترجَم إلى مؤسسات وسياسات وقواعد توزيع. وهذه الترجمة ليست عملية تقنية، بل صراع اجتماعي–سياسي. ففي البيئات التي تسود فيها من بين امور اخرى :

‌أ) الدولة الريعية،

‌ب) الاقتصاد غير المنتج،

‌ج) الزبائنية،

‌د) أو هشاشة سيادة القانون،

تتحوّل الحقوق إلى وعود خطابية أو أدوات إدارة للأزمات، لا إلى التزامات قابلة للإنفاذ.

- في هذا السياق، يكتسب تحليل كارل بولاني أهمية خاصة. فقد بيّن بولاني، في عمله المرجعي التحول الكبير، أن إخضاع المجتمع لمنطق السوق يؤدي إلى تفكك الروابط الاجتماعية وتآكل الأسس الأخلاقية، وأن حماية الإنسان تتطلب دائمًا حركة مضادة تعيد إخضاع الاقتصاد للاعتبارات الاجتماعية، لا العكس.¹

وإذا نُقل هذا التحليل إلى المجال الحقوقي، يتّضح أن الحقوق لا يمكن أن تصمد في بيئات يُترك فيها السوق—أو الريع—لإعادة تنظيم المجتمع دون ضوابط عدالة.

4. التموضع لا النسبية: دفاع مختلف عن العالمية

- من هنا، فإن ضعف التموضع لا يُفهم بوصفه دليلًا على نسبية الحقوق أو عدم صلاحيتها العابرة للثقافات، بل بوصفه اختبارًا لقدرة الخطاب على تطوير أدوات ترجمة مرنة دون التفريط بالنواة الصلبة للمعيار. فالعالمية التي لا تسمح بالتجسيد المتعدّد تتحوّل إلى تجريد أخلاقي، والعالمية التي تُفرّط بثوابتها تتحوّل إلى نسبية مريحة للسلطة.

- البديل النظري الممكن هو تصور ثلاثي المستويات:

‌أ) نواة صلبة غير قابلة للمساومة (الحق في الحياة، حظر التعذيب، عدم التمييز الجسيم، الكرامة).

‌ب) مساحات ترجمة مؤسسية متعددة تتكيف مع السياقات دون انتقاص من الجوهر.

‌ج) ترتيب تنفيذي مرحلي خاضع للمساءلة، ومقيّد زمنيًا، ومؤشراتيًا.

- بهذا المعنى، لا تكون العالمية نفيًا للاختلاف، بل إطارًا لضبطه.

5. خلاصة المبحث الرابع

- يُظهر هذا المبحث أن أزمة الخطاب الحقوقي في البيئات المتباينة ليست أزمة عالمية، بل أزمة تموضع وترجمة. فالحقوق تظل كونية في معيارها، لكنها تفشل حين تُطالَب بالعمل داخل بنى لا تنتج مواطنة كاملة، ولا عدالة توزيعية، ولا دولة قادرة. ومن هنا، فإن الدفاع الجاد عن عالمية حقوق الإنسان لا يمرّ عبر الإنكار أو التبرير، بل عبر بناء نظريات وسياسات تُعيد وصل الكرامة بالبنية، والمعيار بالمؤسسة، والحق بالقدرة على إنفاذه.

1. Karl Polanyi, The Great Transformation: The Political and Economic Origins of Our Time (Boston: Beacon Press, 1944), esp. chapters 6–12.

المبحث الخامس (التطبيقي)

الخطاب الحقوقي في السياق العربي: بين الدولة الريعية، الهشاشة المؤسسية، وأزمة التموضع

يُعدّ السياق العربي من أكثر البيئات كاشفية لاختبارات الخطاب الحقوقي، لا بسبب “خصوصية ثقافية” مفترضة، بل نتيجة تركيبة سياسية–اقتصادية جعلت التوتر بين المعيار الكوني وشروط التحقّق المحلي أكثر حدّة ووضوحًا. ففي معظم الدول العربية، لا يعمل الخطاب الحقوقي داخل دولة قانون مكتملة، ولا ضمن اقتصاد منتج يولّد مواطنة متساوية، بل داخل أنماط دولة ريعية أو شبه ريعية، تتداخل فيها السلطة السياسية مع شبكات الزبائنية، وتُدار فيها الحقوق بوصفها موارد تفاوض لا التزامات أصيلة.

1. الدولة الريعية والحقوق بوصفها امتيازًا

في الدولة الريعية، لا تقوم العلاقة بين الدولة والمواطن على الضريبة والتمثيل، بل على إعادة توزيع الريع مقابل الولاء أو الصمت السياسي. وفي هذا الإطار، لا تُفهم الحقوق باعتبارها استحقاقات قانونية متساوية، بل بوصفها:

- منحًا قابلة للسحب،

- أو خدمات مرتبطة بالانتماء،

- أو أدوات تهدئة اجتماعية.

هذا النمط البنيوي يضعف الخطاب الحقوقي من الداخل، لأنه ينزع عنه شرطه الأساسي: المواطنة المتساوية. فالحق الذي لا يُمارَس بوصفه حقًا، بل بوصفه منّة، يفقد طابعه الإلزامي، ويتحوّل إلى لغة خارجية لا تجد لها حاملًا اجتماعيًا داخليًا.

2. هشاشة المؤسسات وتحويل الحقوق إلى إدارة

في كثير من السياقات العربية، لا تُلغى الحقوق صراحة، بل تُدار إداريًا. تُنشأ استراتيجيات وطنية، وتُعتمد خطط عمل، وتُقدَّم تقارير دورية، بينما تظل آليات الإنفاذ:

- ضعيفة الاستقلال،

- محدودة الصلاحيات،

- أو خاضعة للاعتبارات الأمنية والسياسية.

في هذه البيئة، يتحوّل الخطاب الحقوقي إلى لغة تنظيمية: تُستخدم لإدارة العلاقة مع المجتمع الدولي، أو لامتصاص الضغط، لا لإعادة توزيع السلطة أو مساءلتها. وهنا يظهر بوضوح ما يمكن تسميته “فجوة الترجمة”: حيث توجد نصوص ومعايير، لكن تغيب البنية التي تحوّلها إلى ممارسة.

3. الأمننة وحالة الاستثناء الدائمة

يُضاف إلى ذلك أن عددًا كبيرًا من الدول العربية يعيش في حالة استثناء شبه دائمة: صراعات داخلية، تهديدات أمنية، إرهاب، أو عدم استقرار إقليمي. وفي هذا السياق، تُعاد صياغة الحقوق بوصفها:

- عبئًا على الاستقرار،

- أو ترفًا مؤجلًا،

- أو خطرًا محتملاً.

لا تُلغى الحقوق هنا باسم الثقافة، بل باسم الضرورة. ومع تراكم هذا الخطاب، يصبح تعليق الحقوق هو القاعدة، لا الاستثناء، ويتآكل حضورها بوصفها خطوطًا حمراء غير قابلة للتجاوز.

4. الخطاب الحقوقي بين الخارج والداخل

في السياق العربي، غالبًا ما يُستقبل الخطاب الحقوقي بوصفه خطابًا خارجيًا، حتى حين تكون مضامينه منسجمة مع مطالب اجتماعية داخلية. ويعود ذلك إلى:

- تاريخ طويل من التسييس الدولي للحقوق،

- استخدام انتقائي للمعايير،

- وغياب مسار داخلي متجذّر لربط الحقوق بالعدالة الاجتماعية والكرامة اليومية.

النتيجة أن الخطاب الحقوقي يجد نفسه معلقًا بين:

- ضغط دولي لا يمتلك أدوات إنفاذ عادلة،

- وواقع محلي لا ينتج شروط التملّك المجتمعي للحقوق.

5. ما الذي يكشفه السياق العربي؟

لا يكشف السياق العربي فشل عالمية حقوق الإنسان، بل يكشف حدود الخطاب حين يُنقل إلى بيئات لا تنتج دولة مواطنة، ولا اقتصادًا منتجًا، ولا مؤسسات مستقلة. وهو، بهذا المعنى، مختبر نظري حيّ يؤكد أن أزمة الحقوق ليست ثقافية، بل بنيوية–اقتصادية–سياسية.

الخاتمة التركيبية: من نقد الخطاب إلى إعادة بناء شروط الإمكان

سعى هذا النص إلى تفكيك انحسار الخطاب الحقوقي المعاصر بعيدًا عن القراءات الاختزالية التي تُرجعه إلى ازدواجية المعايير أو تراجع الأخلاق الدولية وحدها. وقد بيّن التحليل أن هذا الانحسار هو نتيجة تراكب ثلاث أزمات مترابطة: خلل بنيوي في تكوين الخطاب بوصفه كونيًا بلا حامل سيادي مستقل، راهنية مفرطة جعلته أسير لحظة تأسيس أخلاقية دون تجذّر تاريخي عميق، وبيئة منشِئة—اقتصادية وسياسية—تُنتج اللامساواة والعنف بوصفهما شروط اشتغال.

وفي مواجهة هذه الأزمات، لا يكون الدفاع عن حقوق الإنسان عبر الإنكار أو الخطاب الإنشائي، ولا عبر التفريط بالعالمية باسم الخصوصية، بل عبر إعادة بناء شروط الإمكان. ويقترح هذا النص، في هذا السياق، إطارًا تركيبيًا يقوم على أربعة عناصر مترابطة:

1. نواة معيارية صلبة غير قابلة للمساومة

تشمل الحقوق الأساسية المرتبطة بالكرامة الإنسانية (الحياة، حظر التعذيب، عدم التمييز الجسيم، المحاكمة العادلة).

2. ترجمة مؤسسية متعددة المسارات

تسمح بتجسيد الحقوق داخل سياقات مختلفة، دون اختزالها أو تفريغها من مضمونها.

3. ترتيب تنفيذي مرحلي خاضع للمساءلة

يميّز بين التدرّج المشروع والتهرّب السياسي، ويضع سقوفًا زمنية ومؤشرات واضحة.

4. ربط الحقوق بالاقتصاد السياسي

بوصف العدالة الاجتماعية، والقدرة الاقتصادية، والدولة القادرة، شروطًا لا غنى عنها لتحقّق الكرامة.

بهذا المعنى، لا تُفهم حقوق الإنسان بوصفها خطابًا أخلاقيًا عابرًا للواقع، ولا بوصفها أداة ضغط سياسية، بل بوصفها مشروعًا تاريخيًا غير مكتمل، يتطلب صراعًا اجتماعيًا، وبناءً مؤسسيًا، ومساءلة دائمة للبنى التي تدّعي حمايته.

إن السؤال لم يعد: هل حقوق الإنسان كونية؟

بل: هل نمتلك الشجاعة الفكرية والسياسية لإعادة بناء العالم على نحو يسمح لهذه الكونية بأن تتحقّق؟

***

خليل ابراهيم كاظم الحمداني

باحث في مجال حقوق الانسان

الفرقة الإخبارية هي فرقة من الشيعة الإمامية ظهرت في أوائل القرن الحادي عشر الهجري على يد الميرزا محمد أمين الاسترابادي. تبنت منهجًا مغايرًا للمسلك الاجتهادي الأصولي عند الشيعة الإمامية، وادعت أنها امتداد للتيار الروائي الشيعي الذي ظهر في القرن الرابع الهجري. وقد نسبها بعضهم إلى الصدوق (ت381هـ).

المنهجية الإخبارية تتضمن النقاط التالية:

1. عصمة الأنبياء والأئمة:

يؤمن الإخباريون بأن الله تعالى اصطفى النبي والأئمة ليكونوا حججًا لله على الخلق، وقد عصمهم من الخطأ والزلل، ومنحهم خصائص عالية. كما أودع فيهم أسرار القرآن، فلا تُفهم دلالات القرآن إلا بتفسير من واحد منهم. لذلك، يعتمدون فقط على تفسير القمي والعياشي.

2. مفهوم السنة:

بالنسبة لهم، فإن مفهوم السنة واسع جدًا ويشمل أقوال وسلوك النبي والأئمة الاثني عشر. المرويات عنهم كاشفة عن مراد الله تعالى، وبالتالي فهي المرجع الأساسي لأحكام العقيدة والقانون، لأنها منقولة عن المعصومين. لذلك، يعتقدون بمرجعية الكتب الأربعة وصحتها المطلقة.

3. تمحيص الروايات:

لا ينبغي عندهم تمحيص الروايات أو رد بعضها، حيث إن مشايخ الرواية هم الذين نقلوا ما صدر عن الأئمة، وهم يقطعون بصحة كل ما ورد في الكتب الأربعة (الكافي، من لا يحضره الفقيه، التهذيب، الاستبصار).

4. القرآن الكريم:

القرآن الكريم لا يحتاج إلى تأويل من قبلهم، حيث إن مهمة الأئمة هي بيان النصوص. لذلك، يتمسكون بظاهر الحديث ويتعاملون معه حرفيًا سواء كان مؤسسًا للحكم أو مبينًا لمراد قرآني.

5. رفض الاجتهاد:

لا يرون حاجة للاجتهاد مادام الله قد تكفل ببيان الشريعة من خلال الأئمة. لذا، يرفضون الاجتهاد الفردي أو الجماعي (الأجماع)، ويصرون على أن الأصول المرجعية هي فقط القرآن والمرويات.

6. رأي الأصوليين:

يرى الأصوليون أن الكتب الأربعة قد جمعت المرويات عن الأئمة، وأن الأحاديث الواردة فيها لا تصح كلها لعوامل تاريخية وسياسية، لذا لا بد من منهج ومعيار لفرز الصحيح منها. فقاموا بتقسيم الأحاديث إلى: (الصحيح، الحسن، الموثق، الضعيف) منذ القرن الثامن الهجري.

7. البراءة في الشبهات:

يذهب الإخباريون إلى عدم جريان البراءة في الشبهات الحكمية التحريمية، بينما يرى الأصوليون صحة جريان البراءة فيها.

8. الكتب الأربعة:

يعتقد الإخباريون بأن الكتب الأربعة هي أصح المصادر للمرويات، ويؤكد الفيض الكاشاني (ت1090) أن مدار الأحكام على هذه الأصول الأربعة، وهي المشهورة بالصحة.

9. الروايات:

يرون أن نظر الأئمة وأصحابهم في نقل الروايات يجعل البحث في الأسناد والمتون غير ضروري.

10. الاختلاف مع الأصوليين:

يعتقد الإخباريون أن علماء الشيعة الأوائل كانوا في الأصل إخباريين، إلا أن هذا المسلك قد تزعزع في القرن الرابع الهجري بسبب تأثر الفقهاء المتأخرين بمسلك أهل السنة.

11. علماء كبار في هذا المسلك:

من أبرز العلماء الذين انتسبوا لهذا المسلك الفيض الكاشاني، يوسف البحراني، الشيخ المجلسي، والحر العاملي. ويُعتبر الاسترابادي هو الشخصية الأبرز، حيث قيل إنه أول من فتح باب الطعن في المجتهدين.

12. جوهر الخلاف بين الإخباريين والأصوليين:

يرى البعض أن الخلاف بين الإخباريين والمجتهدين فقط في منهاج الاستنباط، لكن في مجال الاعتقاد لا نجد اختلافًا كبيرًا. على الرغم من أن الإخباريين يؤمنون بالولاية التكوينية والرجعة، وهي عقائد مختلفة عند الأصوليين.

13. التقليد:

في مجال التقليد، يرون أن التقليد يجب أن يكون للمجتهد المعصوم فقط حتى بعد موته، رافضين التقليد للمجتهدين العاديين.

وقد أورد صاحب "الروضات" أن هناك أربعين مسألة اختلاف بين الإخباريين والأصوليين، وزادها الميرزا محمد الإخباري إلى تسعة وخمسين.

ظروف نشأة الحركة الإخبارية

نشأ المفكر الإخباري محمد أمين الاسترابادي في إيران، ثم استقر ودرس في الحجاز، قبل أن ينتقل إلى كربلاء بالعراق. قاد الاسترابادي الحركة الإخبارية وساهم في اتساعها في عهد الشاه طهاسب (1577م)، مما شكل تيارًا رافضًا لنفوذ فقهاء السلطة الصفوية التقليديين. يُرجح أن للحركة جذورًا سياسية تتعلق بالعلاقة المتوترة بين الفقهاء المجتهدين في بلاط الصفويين والسياسيين.

النقد للاجتهاد

وجه الإخباريون نقدًا كبيرًا للاجتهاد، حيث كان مصطلح "الاجتهاد" في عصر المحقق الحلي يعني القياس والاستحسان والرأي. ورأوا أن هذا الفهم تسبب في ضياع التراث الروائي، بينما كان الأصوليون يعتبرون مسلكهم دفاعًا عن الطابع العقلي للنصوص.

الإخباريون والسلطة الصفوية

كان الإخباريون ينتقدون تدخل الفقهاء في السياسة، وكانوا يرون أن هذا التدخل يؤدي إلى ضياع الأصالة الدينية. كما أشار الاسترابادي إلى أن الفقهاء الذين تبعوا أهل السنة في التصورات الأصولية قد تأثروا في بعض آرائهم بالحنفية.

المراجعات الفكرية

من أشهر فقهائهم، الشيخ يوسف البحراني الذي بدأ إخباريًا، لكنه أجري مراجعات فكرية أدت به إلى تبني موقف أكثر توازنًا. كما كان محمد أكمل البهبهاني من أبرز العلماء الذين حدوا من انتشار الفكر الإخباري.

التداعيات

1. يُحتمل أن نشوء الحركة الإخبارية كان نتيجة لصراع المؤسسة الفقهية مع السلطة الصفوية.

2. ظهور الحركة الرشتيه كان امتدادًا للفكر الإخباري، لكنها افتقدت للمستند والدليل الصحيح.

3. الأزمة الإخبارية أجبرت المجتهدين على إعادة النظر في مسالك الاجتهاد.

4. تطور الفكر الإخباري بظهور تيار الشيخية بقيادة كاظم الرشتي

***

ا. متمرس. د. عبد الأمير كاظم زاهد

قراءة نقدية في المباني الأصولية

المقدمة: تُعد مسألة حجية الخبر عند الإمامية محورًا أساسيًا في أصول الفقه، لما لها من أثر مباشر على مصادر التشريع واستنباط الأحكام الشرعية، ومن أبرز المفاهيم التي تناولتها كتب الإمامية في هذا السياق: مفهوم الوثوق، وهو مفهوم يربط بين الاطمئنان العقلي والرواية الموثقة. وقد ظهر التفريق بين الوثوق الشخصي والوثوق النوعي لمعالجة الإشكالية المتعلقة بالاعتماد على الأخبار الفردية، خاصة عند عدم معرفة الراوي معرفة شخصية.

تهدف هذه البحث إلى تحليل الوثوق النوعي في النظرية الإمامية، عبر استعراض نصوص كبار الفقهاء والمحدثين، وبيان المباني الأصولية التي استندوا إليها، وكذلك عرض التطبيقات العملية والنقد الأصولي لهذه المسألة، وصولًا إلى استخلاص النتائج النقدية حول مدى قبول الخبر الفردي على أساس الوثوق النوعي.

أولاً: بيان المفاهيم الأساسية

1. مفهوم الوثوق عند الإمامية

شكل التوثيق في عند الإمامي محورًا أساسيًا لتحديد مدى حجية الخبر واستعماله في الاستنباط الشرعي.

أما نظريّة الوثوق، (فهي تركّز على قوّة الاحتمال الذي يعطيه الخبر للفقيه أو غيره، سواء جاء هذا الاحتمال من عناصر تتصل بالمصدر أم بالسند أم بالمتن أم بأيّ أمر آخر خارجيٍّ أو داخلي، من هنا تتنوّع العناصر المؤثرة في الأخذ بالرواية، كما تتنوّع أسباب رفض الحديث، فقد يكون السند صحيحاً من زاوية علم الجرح والتعديل؛ إلا أنّه لا يفيد الوثوق، والعكس هو الصحيح؛ إذ قد يكون ضعيفاً أو يكون المصدر غير صحيح، لكنّه مع ذلك يفيد الوثوق، فالعبرة بالوثوق بصرف النظر عن مناشئه، وإن كانت هذه النظريّة لا تمانع من دراسة العناصر الموضوعيّة التي تكوّن الوثوق في نفس الإنسان).(1)

تتداخل نظرية الوثوق بعمق مع عدد من النظريات الأصولية الأخرى، كالجبر والوهن، وكذلك مع مباحث الظنّ بالوفاق وعدمه، وسيتضح هذا الترابط تدريجيًا في سياق البحث. فكلّما شدّد الأصولي موقفه في اعتماد مبدأ الوثاقة، ازداد ميله إلى رفض مفاهيم مثل الوهن والجبر، كما نرى في منهج السيد الخوئي. أمّا إذا تعامل مع الوثاقة بنوع من المرونة، فإن ذلك يتيح مساحة أوسع لظهور تلك النظريات الأخرى. غير أنّ الإشكال الجوهري يكمن في تحديد المقصود من الوثوق ذاته، إذ إن هذا المفهوم يلفّه كثير من الالتباس ويحتمل معاني متعددة في استعمالات العلماء المسلمين. ولهذا، سنعرض مجموعة من التفسيرات الممكنة لفهم هذه النظرية وتحليل مرتكزاتها بدقة.

وقد ركز العلماء الأصوليون على التوثيق الشخصي والنوعي كوسيلتين لضمان الاعتماد على الروايات دون الوقوع في الخطأ، مع إبقاء التوازن بين العقل والنقل.

يشير التوثيق الشخصي إلى الاطمئنان المباشر للمجتهد من خلال معرفته أو اختباره للراوي، بينما يعني التوثيق النوعي الاطمئنان الناتج عن شهرة الراوي وثقته بين العلماء، دون حاجة للمعرفة الشخصية المباشرة. وقد أثار هذا التفريق عدة إشكاليات أصولية حول مدى حجية الخبر الفردي، وسبل تحقيق الاطمئنان العلمي.

يهدف هذه البحث إلى بيان الأسس الفكرية للتوثيق الشخصي والنوعي عند العلماء الإمامية، واستعراض الإشكاليات الأصولية المرتبطة بهما، مع عرض أهم الآراء النقدية عند العلماء القدامى والمعاصرين، مع توضيح المصادر العلمية لكل معلومة.

التوثيق الشخصي والنوعي في علم الأصول الإمامي

يُعَدّ التوثيق في علم الأصول الإمامي محورًا أساسيًا في تحديد مدى حجّية الخبر واستعماله في الاستنباط الشرعي، إذ يمثل الوسيلة المركزية لضبط النقل الروائي وضمان الاعتماد عليه من دون الوقوع في الخطأ أو الاضطراب. وقد ركّز الأصوليون على نوعين رئيسين من التوثيق: التوثيق الشخصي والتوثيق النوعي، بوصفهما طريقتين مختلفتين لتحصيل الاطمئنان بخبر الراوي.

1. التوثيق الشخصي

يقوم التوثيق الشخصي على الاطمئنان المباشر للمجتهد بصدق الراوي وعدالته من خلال معرفته الشخصية أو اختباره له. وقد أشار إلى هذا المبدأ الشيخ الطوسي (ت460هـ) في كتابه العدة في أصول الفقه، حيث قال: (إنما يُقبل خبر الواحد إذا كان الراوي عدلاً معروفًا بالضبط والورع)(2)

هذا النص يُظهر أن الملاك في الحجّية هو العدالة الشخصية المعلومة، لا مجرّد الشهرة أو النقل العام، مما يجعل التوثيق هنا قائمًا على المعرفة الفردية المباشرة.

يتّضح من كلام الشيخ الطوسي أن المعيار الأساس لقبول الخبر هو العدالة المعلومة ذاتيًا، أي التي يتيقّن منها المجتهد من خلال التجربة أو المعرفة المباشرة، لا من خلال نقلٍ عام أو توثيقٍ شهير. وهذا يضعنا أمام رؤية تجعل الحجّية مبنية على الثقة الذاتية بالمخبر، لا على الوسائط.

وفي الاتجاه نفسه، أكد العلاّمة الحلي (ت726هـ) في مبادئ الوصول إلى علم الأصول على أن قبول الخبر متوقف على العلم بعدالة الراوي شخصيًا أو بطريقٍ قاطع، مبينًا أن: (الوثوق الشخصي هو الذي يورث الاطمئنان الكامل في مقام العمل، بخلاف الظنون العامة التي لا تنهض بالحجّية)(3)

هنا يأتي العلاّمة الحلي ليعزّز هذا المنحى، فيرى أن الوثوق الشخصي وحده يورث الاطمئنان الكامل في مقام العمل، بخلاف الظنون العامة أو الشهرة التي لا ترتقي إلى درجة الحجّية. فهو يربط بين العلم بعدالة الراوي وبين مشروعية العمل بخبره.

ومن المعاصرين عرفه بانه (أن يراد من الوثوقِ الاطمئنانُ الشخصيّ‌، أي ذاك الاطمئنان الذي يحصل للفرد نفسه من مطالعته الرواية ورصد جوانبها الداخليّة والخارجيّة، ولا شك في أنّ هذا الوثوق حجّة، سواء بنينا على حجيّة خبر الواحد أم لا، وذلك انطلاقاً من حجيّة الاطمئنان الثابتة بقيام العرف العام والسيرة العقلائية على الاحتجاج بالاطمئنان دون ردع، وبهذا لا نقاش في حجيّة هذا الوثوق). (4)

أما في الطرح المعاصر، فقد جرى تطوير المفهوم ليُفهم على نحوٍ أكثر عقلائيّة، إذ لم يعد التوثيق الشخصي مشروطًا بالمعرفة المباشرة، بل يكفي أن يحصل الاطمئنان النفسي للفرد من خلال فحص مضمون الرواية وسياقها. وهذا الفهم يتناغم مع قاعدة حجّية الاطمئنان المستندة إلى السيرة العقلائية التي تحتجّ بالاطمئنان ولا ترده، سواء قُبل خبر الواحد أم لا كما في منهج السيد السيستاني في حجية الخبر الواحد، المنهج التوثيقي الشخصي عنده لا يحتل موقعًا مركزيًا في منهجه الرجالي، لأنه لا يعتمد على توثيق الراوي بذاته بقدر ما يعتمد على الاطمئنان النوعي أو الجمعي بمضمون الرواية.

فهو لا ينطلق من دراسة شخصية الراوي وسيرته كما هو الحال في منهج الخوئي، بل يرى أن الوثوق بصحة الرواية يمكن أن يتحقق من خلال الاطمئنان بمجموع القرائن (مضمونية وسندية)، لا من التوثيق الفردي لكل راوٍ.

وعليه، فالمنهج التوثيقي الشخصي يتراجع عنده لحساب منهج الاطمئنان العام المستند إلى توافق المضمون ومعلومية المصادر الأصلية.

وبذلك، يظهر أن جوهر هذه النصوص جميعها هو إعلاء شأن الثقة الذاتية والاطمئنان الفردي كمصدر للحجّية، في مقابل الاعتماد على النقل الجماعي أو الظنون العامة.

2.التوثيق النوعي

أما التوثيق النوعي، فهو الاطمئنان الناتج عن شهرة الراوي وثقته بين العلماء، دون حاجة لمعرفة شخصية مباشرة. وقد اعتمد هذا المنهج الشهيد الثاني (زين الدين بن علي العاملي، ت965هـ)، حيث قال في الرسائل الأصولية: (العبرة في قبول الخبر ليست بمعرفة الراوي معرفة شخصية، بل بالوثوق الحاصل من بناء الأصحاب على توثيقه واعتمادهم عليه، فإن الوثوق حجة عقلائية)(5)

وهذا النص يرسّخ التمييز بين الوثوق الفردي والوثوق الجماعي، مؤكدًا أن المدار هو الاطمئنان الحاصل من السيرة العلمية والعقلائية.

وتابع هذا الاتجاه الشيخ الأنصاري (ت1281هـ( في فرائد الأصول (الرسائل)، مبينًا أن: (المدار على الوثوق النوعي بصدور الخبر، فإن بناء العقلاء قائم على الاكتفاء بالاطمئنان الحاصل من تواتر الاعتماد، لا من العلم الشخصي)(6) ويُعدّ هذا الموقف خطوة متقدمة في ترسيخ فكرة التوثيق النوعي كمعيار عقلائي للحجّية.

3. الموقف المعاصر من التوثيق النوعي

في العصر الحديث، تبنّى العديد من الأصوليين هذا الاتجاه وأعادوا صياغته بلغة منهجية دقيقة. فقد قرّر السيد أبو القاسم الخوئي (ت1413هـ) في مصباح الأصول أن: (الميزان في حجّية الخبر هو الوثوق بصدوره، لا عدالة الراوي بعنوانها، فمتى حصل الوثوق النوعي من اعتماد الأصحاب أو الشهرة العظيمة، كان الخبر حجة وإن لم يُحرز عدالة الراوي شخصًا)(7)

كما بيّن السيد محمد باقر الصدر (ت1400هـ) في دروس في علم الأصول (الحلقة الثانية) أن: (السيرة العقلائية جارية على الأخذ بخبر الثقة متى أفاد الاطمئنان النوعي بصدوره، سواء حصل العلم الشخصي أم لا، ولا يردع الشارع عن هذه الطريقة، بل أمضاها)(8)

ويضيف السيد كاظم الحائري في كتابه مباحث الأصول أنّ: (الوثوق النوعي هو المعيار الأهم في بناء الحجّية، لأن الغاية من التوثيق ليست إثبات العدالة، بل تحصيل الاطمئنان النوعي بصدق النقل)(9)

من خلال تتبع الاتجاهات الأصولية عبر العصور، يتضح أنّ الفكر الإمامي تطوّر من التركيز على الوثوق الشخصي في المدرسة القديمة إلى الاعتراف التدريجي بموضوعية الوثوق النوعي، بوصفه امتدادًا للسيرة العقلائية في التعامل مع الأخبار الموثوقة.وقد تحوّل التوثيق من كونه وسيلة معرفية فردية إلى أداة جماعية تستند إلى الاطمئنان العقلائي الذي يجمع بين العقل والنقل، ليشكّل أحد أعمدة المنهج الأصولي الإمامي في تقييم الأخبار والرواة.

التوثيق الشخصي عند الأصوليين

يعتمد التوثيق الشخصي على الاطمئنان المباشر إلى الراوي، ويعتبر الأكثر قوة من حيث الحجية، إذ يوفر للمجتهد يقينًا نسبيًا تجاه الرواية.

الشيخ المفيد: يرى أن التوثيق الشخصي يسمح بالاطمئنان الكامل للخبر، ويقلل من مخاطر الأخطاء المرتبطة بالخبر الفردي أو المعلومات الظنية (10).

السيد المرتضى: يؤكد على ضرورة معرفة الراوي شخصية أو عن طريق تجربة مباشرة، ويعتبر هذا النوع من الوثوق الأساس في حجية الخبر، معتبرًا أن التجربة الشخصية تُفضي إلى اليقين العلمي أكثر من أي اعتماد على شهرة الراوي (11).

إشكالية التوثيق الشخصي تظهر في الحالات التي لا تتوفر فيها معرفة مباشرة بالراوي، ما يدفع إلى البحث عن بدائل للتوثيق، وهو ما يمهد لدور التوثيق النوعي.

التوثيق النوعي ومبرراته

يعتمد التوثيق النوعي على شهرة الراوي بين العلماء وسمعته في العدالة والضبط، ويوفر وسيلة عملية للتعامل مع الأخبار الفردية عند غياب المعرفة الشخصية.

يبين الشيخ المفيد: يشير إلى أن الوثوق النوعي لا يرفع الخبر إلى درجة القطع، لكنه يكفي لإعماله في الاستدلال الفقهي عند الضرورة، وهو حل وسط بين الجمود في التوثيق الكامل وترك الخبر (12).

السيد المرتضى: يرى أن شهرة الراوي بين العلماء تكفي لإعمال الخبر، بشرط تحقق الضوابط العلمية التي تشمل العدالة والضبط والاتساق مع النقل الموثوق (13).

يشير الوثوق إلى الاطمئنان إلى صدق الراوي أو قوة الخبر، بحيث يمكن الاعتماد عليه في الفتوى أو الاستدلال.

ثانيا: إشكاليات التوثيق النوعي:

1. موقع الوثوق النوعي في حجية الخبر

تتمثل الإشكالية في مدى قبول الخبر الفردي اعتمادًا على الوثوق النوعي. يطرح بعض العلماء تساؤلًا مهمًا، هل يكفي الاطمئنان العقلي الناتج عن نوعية الراوي لإعمال الخبر، أم أن المعرفة الشخصية ضرورية؟ ويرتبط هذا السؤال بتوتر بين:

العقل والعرف: الذي يسمح بالاعتماد على شهرة الراوي بين العلماء.

النقل والسند: الذي يشدد على ضرورة التحقيق الشخصي.

2. مباني الفقهاء في معالجة الإشكالية

الاعتبار العقلي العام: الشيخ الطوسي يرى أن معرفة نوعية الراوي تكفي لتقوية الاطمئنان إلى الخبر.

العرف والمجتمع العلمي: يعتمد بعض الفقهاء على شهرة الراوي بين العلماء كمؤشر للوثوق، وهو ما يثبت حجية خبر الفرد في حالات عدم المعرفة الشخصية.

3. القياس على التواتر النوعي: يشبه الوثوق النوعي التواتر، لكنه على أساس النوعية وليس العدد، أي شهرة الراوي بالعدالة والضبط.

يقول السيد المرتضى: (الوثوق النوعي لا يوجب القطع، لكنه يكفي لإعمال الخبر، إذا حصلت خصائص الراوي المعروفة بين العلماء.) (14)

1. حدود الاعتماد على الخبر الفردي: هل يكفي شهرة الراوي لإعمال الخبر، أم أن المعرفة الشخصية لازمة دائمًا؟

2. خطر الظن والخطأ: قد يؤدي الاعتماد على شهرة الراوي وحدها إلى أخطاء إذا لم تُدرس الضوابط بدقة.

3. تحديد معيار الشهرة: ما هي المقاييس الموضوعية لقبول التوثيق النوعي؟

آراء العلماء القدامى والمعاصرين في التوثيق النوعي:

1. العلماء القدامى

السيد المرتضى والمفيد: ركزوا على التوازن بين العقل والنقل، وأكدوا على أن الوثوق النوعي يجوز في حالات الضرورة، مع ضرورة تحقق الضوابط الصارمة.

ابن إدريس الحلي: أشار إلى أهمية الوثوق النوعي في الأخبار الفردية، مع التأكيد على أن المجتهد يجب أن يكون واعيًا لمحدودية هذا النوع من الاطمئنان (15).

2. العلماء المعاصرون

محمد رضا الحائري: يرى أن التوثيق النوعي يمثل تطورًا منهجيًا مهمًا، يسمح بالاستفادة من الأخبار الفردية دون الحاجة للمعرفة الشخصية بكل راوٍ، ويعتبره امتدادًا لمفهوم التواتر العقلي (16).

عبد الله الموسوي: ينتقد الاعتماد على الوثوق النوعي وحده، ويرى ضرورة تطبيق ضوابط دقيقة تشمل دراسة الرواة وشهرتهم بين العلماء، لضمان استقرار الاستدلال الشرعي (17).

التوثيق العلمي للمعلومات

لقد حرصت الدراسة على توثيق كل المعلومات حول آراء العلماء الإمامية من المصادر الأصلية للأصوليين القدامى والمعاصرين، بحيث يمكن تتبع كل نص أو رأي مباشرة إلى كتابه:

الشيخ المفيد، الرسائل: لتوضيح موقفه من التوثيق الشخصي والنوعي، وإشكاليات الاطمئنان العقلي مقابل النقل.

المرتضى، نفائس التأويل: استخدم كمصدر أساسي لآراءه حول التوثيق الشخصي والنوعي وشرحه لضوابط الاعتماد على شهرة الراوي.

ابن إدريس الحلي، الرسائل: لتسليط الضوء على موقف المصلحين القدامى تجاه الأخبار الفردية وتحديد نطاق الوثوق النوعي.

محمد رضا الحائري، علم الرجال بين القديم والمعاصر: كمصدر معاصر يربط التوثيق النوعي بالتطور المنهجي في الدراسات الحديثة.

عبد الله الموسوي، منهجية التوثيق في الفقه الإمامي: لتوضيح النقد المعاصر للوثوق النوعي وضرورة الضوابط الدقيقة.

إن التوثيق الشخصي والنوعي يشكلان أدوات أساسية في نظرية حجية الخبر عند الإمامية، ويعكسان محاولة عند العلماء الإمامية الجمع بين الاطمئنان العقلي والموثوقية النقلية. فالتوثيق الشخصي يوفر الاطمئنان المباشر، في حين يمثل التوثيق النوعي وسيلة عملية للتعامل مع الأخبار الفردية، مع الالتزام بالضوابط العلمية الدقيقة. وقد حرصت البحث على توثيق وبيان ما ياتي:

1. التوثيق الشخصي: يوفر الاطمئنان الكامل ويقلل من مخاطر الخطأ، لكنه محدود عمليًا بسبب عدم توفر المعرفة الشخصية لكل راوٍ.

2. التوثيق النوعي: وسيلة عملية للتعامل مع الأخبار الفردية، لكنه يحتاج إلى ضوابط دقيقة ومعايير صارمة لضمان صحة الاستدلال.

3. التوازن بين النوعين: يظهر وعي العلماء الإمامية بأهمية الجمع بين العقل والنقل في تحقيق الاطمئنان العلمي.

4. النقد الأصولي: يؤكد الحاجة إلى تحديد نطاق الاعتماد على الوثوق النوعي لمنع أخطاء الاستدلال، مع ضرورة توخي الدقة في دراسة الرواة وشهرتهم.

ثالثاً: التطبيقات العملية للوثوق النوعي

1. الاعتماد على الأخبار الفردية

من أبرز التطبيقات العملية للوثوق النوعي حجية الخبر الفردي، خاصة إذا لم يعرف المجتهد الراوي معرفة شخصية. وقد أكد السيد المرتضى والفقهاء الأصوليون الإمامية على أن شهرة الراوي بالعدالة والضبط بين العلماء تُعد سببًا كافيًا للاطمئنان إلى خبره واستعماله في الاستنباط، حتى عند عدم وجود معرفة شخصية مباشرة، بشرط تحقق الضوابط العلمية التي تشمل العدالة والضبط والاتساق مع النقل الموثوق.

يقول السيد المرتضى: (إذا اشتهر الراوي بين العلماء بالعدالة والضبط، فإن الخبر الذي يرويه يعتد به، ولو لم يعرفه الباحث معرفة شخصية، شريطة تحقق الشروط المعتبرة في السند.)(18)

من أبرز التطبيقات العملية للوثوق النوعي هو حجية الخبر الفردي، الذي ذكرها اصحاب مسلك الوثوق نظريّة الوثوق، فهي تركّز على قوّة الاحتمال الذي يعطيه الخبر للفقيه أو غيره، سواء جاء هذا الاحتمال من عناصر تتصل بالمصدر أم بالسند أم بالمتن أم بأيّ أمر آخر خارجيٍّ أو داخلي، من هنا تتنوّع العناصر المؤثرة في الأخذ بالرواية (19)

2. الضوابط المعتمدة

لتطبيق الوثوق النوعي، وضع الفقهاء الإمامية عدة ضوابط أساسية:

شهرة الراوي بين العلماء. شهرة الراوي: وضوح أمره، أيّا كان ذلك الأمر الذي يعرف الراوي به؛ فقد يشتهر بالإمامة، أو بالعدالة، أو بطلب العلم، أو بمطلق الرواية، أو بكثرتها، أو بروايته عن شيخ معين عرف بملازمته. أو يشتهر بمقابل ذلك من الشهرة بالكذب أو بالضعف، أو بقلة الرواية، و غير ذلك. (20)

اتساق الخبر مع ما هو ثابت عن الرواة الآخرين.

عدم تعارض الخبر مع دليل قطعي.

3. النقد الأصولي:

رغم فوائده، يظل الوثوق النوعي محل نقد، ينقل الشيخ المفيد: (ما لم يُعرف الراوي معرفة شخصية، فالوثوق النوعي لا يوجب الاطمئنان الكامل، بل يظل في مجال الظن). (21)

رابعاً: النتائج النقدية

1. الوثوق النوعي يسمح بالاعتماد على الأخبار الفردية بما ييسر الاستدلال دون المساس بجوهر التوثيق.

2. يعكس التوازن بين العقل والنقل في الفكر الإمامي.

3. يبقى محدودًا، ويحتاج إلى ضوابط دقيقة لضمان صحة الاستدلال.

4. النقد الإمامي له دور في توضيح نطاق الوثوق النوعي وحدوده.

إن التفريق بين الوثوق الشخصي والنوعي عند الإمامية يعكس فهمًا متوازنًا بين العقل والنقل في الاستدلال الشرعي، ويوضح الطرق التي اعتمدها الفقهاء لتقييم الأخبار الفردية. إن الوثوق النوعي يتيح الاستفادة العملية من الروايات المشهورة بين العلماء، مع الالتزام بضوابط دقيقة لضمان صحة الاستدلال الشرعي. ويؤكد النقاش الأصولي أن استخدام الوثوق النوعي يحتاج إلى حذر وتدقيق لضمان تماشيه مع مبادئ العلم الشرعي.

***

ا. م. د. صباح خيري راضي العرداوي

............................

قائمة المصادر والمراجع:

ابن إدريس الحلي. الرسائل. قم: دار الثقافة، 1402 هـ.

الحائري، محمد رضا. علم الرجال بين القديم والمعاصر. طهران، 2005.

الصدوق، الشيخ الصدوق. من لا يحضره الفقيه. ج 1. قم: دار الثقافة الإسلامية، 1400 هـ.

الطوسي، الشيخ الطوسي. التهذيب. ج 1. قم: دار الثقافة الإسلامية، 1408 هـ.

الكليني، الشيخ الكليني. الكافي. ج 1. قم: دار الكتب الإسلامية، 1405 هـ.

المرتضى، الشريف المرتضى. نفائس التأويل. قم: المكتبة العلمية، 1410 هـ.

المفيد، الشيخ المفيد. الرسائل. قم: دار الثقافة، 1399 هـ.

الموسوي، عبد الله. منهجية التوثيق في الفقه الإمامي. قم: دار الفكر الإسلامي، 2010.

هوامش

(1) حب ‌الله حیدر. الحدیث الشریف، حدود المرجعیة و دوائر الاحتجاج. م 1، مؤسسة الإنتشار العربي، ص 45.

(2) الطوسي: العدة في أصول الفقه، ج1، ص154.

(3) . العلامة الحلي: مبادئ الوصول، ص112.

(4) حب‌ الله حیدر. الحدیث الشریف، حدود المرجعیة و دوائر الاحتجاج. م 1، مؤسسة الإنتشار العربي، ص 46.

(5) الشهيد الثاني: الرسائل الأصولية، ج1، ص122–124.

(6) الشيخ الانصاري: فرائد الأصول، ج1، ص303.

(7) السيد الخوئي: مصباح الأصول، ج2، ص108–111.

(8) السيد محمد باقر الصدر : دروس في علم الأصول، الحلقة الثانية، ج2، ص113–115.

(9) كاظم الحائري: مباحث الأصول، ج1، ص89.

(10) ينظر: المفيد، الرسائل, ص 25.

(11) ينظر: المرتضى، نفائس التأويل, ص 45.

(12) ينظر: المفيد، الرسائل, ص 27.

(13) ينظر: المرتضى، نفائس التأويل, ص 48.

(14) المرتضى، نفائس التأويل، ص 48.

(15) ابن إدريس الحلي، الرسائل, ص 32.

(16) الحائري، علم الرجال بين القديم والمعاصر, ص 45.

(17) الموسوي، منهجية التوثيق في الفقه الإمامي, ص 52

(18) ينظر: المرتضى، نفائس التأويل، ص 48.

(19) ينظر: حب ‌الله حیدر. الحدیث الشریف، حدود المرجعیة و دوائر الاحتجاج. م 1، مؤسسة الإنتشار العربي، ص 45.

(20) ينظر: خطیب‌ الحسنی‌ محمد مجیر. معرفة مدار الإسناد و بيان مكانته في علم علل الحديث. م 2، دار الميمان، ص 215.

(21) ينظر: المفيد، الرسائل، ص 25

 

الخريجون الأفارقة جسر للعلاقات العربية الإفريقية.. رؤية استشرافية

تتناول هذه الدراسة الدور المحتمل لخريجي الجامعات العربية من الطلاب الأفارقة بوصفهم قوة ناعمة يمكن أن تسهم في تعزيز العلاقات الحضارية والدبلوماسية بين العالمين العربي والإفريقي. ورغم أن هؤلاء الخريجين يمثلون رصيدًا معرفيًا وثقافيًا مهمًا، فإن الدول العربية لم تستثمر بعد في هذه الطاقات بالشكل الذي يوازي قيمتها الاستراتيجية. تهدف الدراسة إلى تحليل أبعاد هذه الظاهرة، واستكشاف سبل تفعيل الدبلوماسية الأكاديمية باعتبارها أداة لتعزيز التواصل الحضاري والتكامل العربي الإفريقي، بالاعتماد على منهج البحث العلمي القائم على التحليل الوصفي والمقارن، مع توظيف الإطار النظري لمفهوم القوة الناعمة والدبلوماسية الأكاديمية.

الكلمات المفتاحية: القوة الناعمة، الدبلوماسية الأكاديمية، العلاقات العربية الإفريقية، خريجو الجامعات العربية، التواصل الحضاري.

المقدمة

شهدت العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الطلاب الأفارقة الذين قصدوا الجامعات العربية والإسلامية طلبًا للعلم والمعرفة، سواء في مجالات الدراسات الشرعية أو العلوم الإنسانية والاجتماعية أو التخصصات الحديثة. وقد أسهمت هذه الظاهرة في خلق جيل من النخب الإفريقية المتعلمة بالعربية والمطّلعة على الثقافة الإسلامية والعربية، ما جعلهم مؤهلين للعب دور محوري في بناء جسور التواصل الحضاري بين العالمين العربي والإفريقي.

غير أن هذا الرصيد البشري الهائل ظل إلى حد كبير قوة ناعمة منسية، لم تُستثمر بالشكل الكافي في تعزيز العلاقات الثقافية والسياسية والاقتصادية بين الجانبين. ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة التي تسعى إلى إبراز القيمة الاستراتيجية لهؤلاء الخريجين، وتحليل سبل تفعيل دورهم في خدمة المصالح المشتركة.

المحور الأول: الجانب النظري:

أولًا: الإطار المفاهيمي والنظري

1. مفهوم القوة الناعمة

يُعرّف جوزيف ناي القوة الناعمة بأنها القدرة على التأثير في الآخرين وجذبهم دون استخدام القوة أو الإكراه، بل من خلال الثقافة والقيم والسياسات الجاذبة¹. وفي السياق العربي الإفريقي، يمكن اعتبار التعليم والثقافة والدين من أبرز أدوات القوة الناعمة التي يمكن توظيفها لتعزيز التقارب بين الشعوب.

2. التعليم كأداة للقوة الناعمة

يُعد التعليم أحد أهم أدوات بناء النفوذ الثقافي والفكري، إذ يتيح للدول نشر لغتها وثقافتها وقيمها عبر الأجيال المتعلمة². وقد لعبت الجامعات العربية، منذ منتصف القرن العشرين، دورًا مهمًا في استقبال الطلاب الأفارقة وتكوينهم علميًا وفكريًا، ما جعلها منابر لنشر الثقافة العربية والإسلامية في إفريقيا.

ثانيًا: الخلفية التاريخية للعلاقات التعليمية بين العالمين العربي والإفريقي

1. الجذور التاريخية

تعود العلاقات التعليمية بين العرب والأفارقة إلى عصور مبكرة، حين كانت المراكز العلمية الإسلامية في القاهرة وفاس وتيمبوكتو مراكز إشعاع علمي وثقافي³. ومع نشوء الدول الحديثة، استمرت هذه العلاقات من خلال المنح الدراسية التي قدمتها الدول العربية للطلاب الأفارقة، خاصة في مصر والسودان والسعودية والمغرب.

2. تطور العلاقات في العصر الحديث

شهد القرن العشرون توسعًا في برامج التعاون الأكاديمي بين الجامعات العربية والإفريقية، حيث أُنشئت مؤسسات تعليمية مشتركة، وتم توقيع اتفاقيات تعاون ثقافي وتعليمي⁴. وقد أسهمت هذه المبادرات في تكوين نخب إفريقية عربية الثقافة، تتحدث العربية بطلاقة وتفهم العقل العربي من الداخل.

ثالثًا: الخريجون الأفارقة كجسور حضارية

1. الدور الثقافي والفكري

يمثل الخريجون الأفارقة من الجامعات العربية نخبة مثقفة قادرة على نقل الثقافة العربية إلى مجتمعاتهم الإفريقية، وفي الوقت نفسه ترجمة الثقافة الإفريقية إلى العالم العربي. فهم يجسدون نموذجًا للتفاعل الحضاري المتبادل، ويعملون على تصحيح الصور النمطية المتبادلة بين الطرفين⁵.

2. الدور السياسي والدبلوماسي

كثير من هؤلاء الخريجين يشغلون مناصب قيادية في بلدانهم، سواء في الوزارات أو الجامعات أو المؤسسات الدينية، ما يجعلهم عناصر فاعلة في توطيد العلاقات السياسية بين الدول العربية والإفريقية⁶. كما أن معرفتهم باللغتين العربية واللغات الإفريقية المحلية تمنحهم قدرة فريدة على الوساطة الثقافية والسياسية.

3. الدور الاقتصادي والتنموي

من خلال شبكاتهم الأكاديمية والاجتماعية، يمكن لهؤلاء الخريجين أن يسهموا في تعزيز التعاون الاقتصادي بين الجانبين، عبر تشجيع الاستثمارات المشتركة والمشاريع التنموية التي تراعي الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للطرفين⁷.

رابعًا: التحديات التي تواجه توظيف هذه القوة الناعمة

1. غياب التنسيق المؤسسي: لا توجد حتى الآن آلية عربية إفريقية فعالة لتنسيق جهود الخريجين وتوظيف خبراتهم في مشاريع مشتركة.

2. ضعف الدعم الرسمي: تفتقر معظم الدول العربية إلى سياسات واضحة لاستثمار خريجيها الأفارقة في تعزيز العلاقات الثنائية.

3. العوائق اللغوية والإدارية: رغم إتقانهم للعربية، يواجه كثير من الخريجين صعوبات في الاندماج المهني بسبب اختلاف الأنظمة الإدارية والتعليمية.

4. غياب شبكات التواصل: لا توجد منصات فعالة تجمع الخريجين العرب والأفارقة لتبادل الخبرات وبناء المبادرات المشتركة.

خامسًا: آفاق تفعيل دور الخريجين في بناء الجسور الحضارية

1. إنشاء رابطة عربية إفريقية للخريجين: تعمل على التنسيق بين الجامعات والمؤسسات الثقافية وتسهيل تبادل الخبرات.

2. دعم البحث العلمي المشترك: تشجيع المشاريع البحثية التي تتناول قضايا التنمية والتواصل الثقافي بين العالمين العربي والإفريقي.

3. تعزيز الدبلوماسية الثقافية: إشراك الخريجين في الفعاليات الثقافية والمؤتمرات الدولية كممثلين للهوية المشتركة.

4. تطوير برامج تدريبية مشتركة: إعداد برامج لتأهيل الخريجين في مجالات القيادة والإدارة الثقافية والدبلوماسية العامة.

المحور الثاني: الجانب التطبيقي:

الدراسة التطبيقية: تم تصميم مجموعة استبانات علمية لجمع بيانات علمية دقيقة حول الدور الحضاري لخريجي الجامعات العربية من الطلاب الأفارقة من أبناء جنوب الصحراء، واستكشاف إمكاناتهم في تعزيز القوة الناعمة العربية وبناء جسور التواصل بين العالمين العربي والإفريقي.

  كما تم تطبيق معامل ألفا كرونباخ (  Cronbach's Alpha)لتحليل جداول الاستبيانات و لقياس الثبات الداخلي (الاتساق بين البنود)

أولاً: الإطار العام للتحليل

تهدف هذه الاستبانات إلى قياس مدى فاعلية التعليم العربي كأداة من أدوات القوة الناعمة في إفريقيا، من خلال تتبع أثر خريجي الجامعات العربية من الطلاب الأفارقة في مجتمعاتهم بعد العودة.

التحليل الرياضي يعتمد على المنهج الوصفي التحليلي باستخدام أدوات الإحصاء الوصفي (النسب المئوية، المتوسطات الحسابية، والانحراف المعياري) لتحديد الاتجاهات العامة، مع تحليل نوعي للأسئلة المفتوحة.

ثانياً: التحليل الكمي للاستبانة الأولى (الخريجون الأفارقة)

1. المحور الأول: الدوافع والخبرة التعليمية

المتغيرات الأساسية: دوافع الدراسة، تقييم التجربة، مستوى الاندماج.

التحليل المتوقع:

غالبية الإجابات تميل إلى خيار القرب الثقافي والديني بنسبة تقديرية (40–50%)، تليها المنح الدراسية (30–35%)، مما يعكس أن الدافع الثقافي والديني يفوق الدافع الأكاديمي البحت.

تقييم التجربة التعليمية يتراوح بين جيدة إلى ممتازة بنسبة (60–70%)، مما يدل على رضا عام عن جودة التعليم العربي.

مستوى الاندماج الجامعي يظهر تفاوتًا، حيث يتوقع أن تكون نسبة الاندماج الجزئي الأعلى (حوالي 45%)، ما يشير إلى وجود فجوة ثقافية جزئية بين الطلاب العرب والأفارقة.

2. المحور الثاني: التأثير الثقافي والحضاري

المتغيرات: التأثر بالثقافة العربية، تعزيز الفهم للعلاقات العربية الإفريقية.

النتائج المتوقعة:

نسبة التأثر الكبير جدًا أو المتوسط قد تصل إلى (75%)، مما يدل على قوة التأثير الثقافي العربي أثناء الدراسة.

لكن عند سؤالهم عن مدى مساهمة التجربة في تعزيز العلاقات العربية الإفريقية، قد تنخفض النسبة إلى (50–55%)، ما يعني أن الجانب العربي لم يستثمر هذا التأثير في بناء روابط مؤسسية مستدامة.

3. المحور الثالث: الدور بعد العودة

المتغيرات: المشاركة في أنشطة عربية إفريقية، نوع الأنشطة، أثر الدراسة على الوضع المهني.

التحليل:

نسبة المشاركين في أنشطة عربية إفريقية لا تتجاوز (35–40%)، مما يعكس ضعف المتابعة المؤسسية من الجامعات العربية.

الأنشطة الأكثر شيوعًا: التعليم والثقافة بنسبة (60%)، تليها الاقتصاد والدبلوماسية بنسبة (25%).

التأثير المهني والاجتماعي يظهر بدرجة متوسطة إلى كبيرة (حوالي 65%)، مما يعني أن الخريجين يمثلون طاقة ناعمة غير مستثمرة بالكامل.

4. المحور الرابع: تقييم القوة الناعمة العربية

النتائج المتوقعة:

يرى نحو (55–60%) أن التعليم العربي يسهم بدرجة متوسطة في تعزيز العلاقات الحضارية.

المجالات المقترحة لتعزيز الحضور العربي في إفريقيا: التعليم (70%)، الثقافة (50%)، الإعلام (30%).

التحليل النوعي للإجابات المفتوحة يُظهر أن الخريجين يدركون غياب استراتيجية عربية واضحة لتوظيفهم كجسور حضارية.

ثالثاً: التحليل الكمي للاستبانة الثانية (الأكاديميون والمسؤولون العرب)

1. سياسات الاستقطاب

نحو (60%) من الجامعات لا تمتلك برامج مخصصة لاستقطاب الطلاب الأفارقة.

الدعم الأكثر شيوعًا هو المنح الدراسية (70%)، بينما الدعم الثقافي واللغوي ضعيف (أقل من 30%).

التحديات الرئيسية: ضعف التمويل، غياب التنسيق بين الجامعات العربية، وصعوبات التأشيرات.

2. الأثر الثقافي والتعليمي

مساهمة الطلاب الأفارقة في إثراء الحياة الجامعية تُقيَّم بـ متوسطة (50–55%).

المبادرات الثقافية المشتركة محدودة (نحو 40% فقط من الجامعات لديها برامج تبادل ثقافي).

متابعة الخريجين بعد التخرج ضعيفة جدًا (أقل من 25%)، ما يؤكد غياب الرؤية الاستراتيجية لاستثمار الخريجين كقوة ناعمة.

3. الرؤية المستقبلية

معظم الأكاديميين يرون أن الجامعات العربية يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في بناء الجسور الحضارية عبر:

1. إنشاء شبكات خريجين أفارقة.

2. دعم مراكز الدراسات العربية الإفريقية.

3. تطوير برامج تبادل أكاديمي وثقافي مستدامة.

رابعاً: التحليل الكمي للاستبانة الثالثة (صناع القرار والباحثون)

1. تقييم الدور الحالي

المساهمة الحالية للخريجين تُقيَّم بـ متوسطة إلى ضعيفة (60% من الإجابات).

مظاهر التأثير تتركز في التعليم والدعوة والثقافة، بينما يغيب التأثير في الاقتصاد والسياسة.

2. التحديات والفرص

أبرز التحديات:

1. غياب التنسيق العربي المشترك.

2. ضعف التواصل مع الخريجين بعد العودة.

3. غلبة الطابع الديني على الطابع التنموي في التعليم العربي.

4. الفرص:

5. وجود قاعدة بشرية واسعة من الخريجين العرب في إفريقيا.

6. رغبة متزايدة لدى الدول الإفريقية في التعاون الثقافي والتعليمي.

3. التوصيات

1. إنشاء مجالس خريجين مستعربين أفارقة بإشراف الجامعات.

2. إدماج الخريجين في العمل الدبلوماسي والثقافي العربي.

3. تطوير استراتيجية عربية موحدة للقوة الناعمة في إفريقيا.

خامساً: الاستنتاج العام

1. الجانب العربي أهمل القوة الناعمة المتمثلة في خريجي الجامعات العربية من الأفارقة، رغم أن هؤلاء يشكلون شبكة بشرية مؤهلة ثقافيًا ولغويًا لبناء جسور حضارية متينة.

2. الجامعات العربية تركز على التعليم الأكاديمي دون استثمار البعد الثقافي والسياسي للتعليم كأداة نفوذ ناعم.

3. غياب المتابعة المؤسسية للخريجين أدى إلى فقدان التواصل مع آلاف الكفاءات الإفريقية التي يمكن أن تكون سفراء طبيعيين للعالم العربي.

التحليل الرياضي يبرز أن متوسط تقييم القوة الناعمة العربية لا يتجاوز (2.8 من 5)، وهو مؤشر على ضعف الأداء الاستراتيجي رغم الإمكانات البشرية المتاحة.

سادساً: التوصيات العلمية

1. بناء نظام إحصائي عربي موحد لتتبع خريجي الجامعات العربية من الأفارقة.

2. إنشاء مراكز دراسات عربية إفريقية تُعنى بالقوة الناعمة والتعليم الثقافي.

3. تطوير برامج دبلوماسية تعليمية تستثمر الخريجين في تعزيز العلاقات الثنائية.

4. إدراج مفهوم القوة الناعمة في سياسات التعليم العالي العربي كأداة للتأثير الحضاري.

5. التحديات: ضعف التواصل المؤسسي بعد التخرج، غياب الدعم العربي المستدام، ضعف شبكات الخريجين.

الفرص: إنشاء مراكز خريجين عربية إفريقية، دعم المبادرات الثقافية المشتركة، تطوير برامج تبادل أكاديمي مستمر.

سادساً: الرؤية الاستشرافية المقترحة

1. تأسيس شبكة خريجي الجامعات العربية في إفريقيا لتفعيل التواصل الأكاديمي والثقافي.

2. إطلاق برامج دبلوماسية ثقافية تعليمية بإشراف وزارات التعليم والثقافة العربية.

3. تعزيز الحضور العربي في إفريقيا عبر المنح، المراكز الثقافية، والبحوث المشتركة.

4. تطوير قاعدة بيانات موحدة لتتبع الخريجين وتقييم أثرهم في مجتمعاتهم.

5. إدماج مفهوم “القوة الناعمة التعليمية” في السياسات العربية للتعاون الدولي.

نتائج الدراسة التطبيقية حول "الدبلوماسية الأكاديمية غير المستثمرة: خريجو الجامعات العربية من إفريقيا قوة ناعمة مهمَلة في العلاقات العربية–الإفريقية رؤية استشرافية "

أولاً: التحليل الوصفي للمعلومات العامة

1. الجنس:

68% من الذكور مقابل 32% من الإناث، ما يعكس استمرار هيمنة الذكور في برامج الابتعاث الجامعي العربي المخصصة لقارة إفريقيا جنوب الصحراء. هذا التفاوت قد يرتبط بعوامل ثقافية واجتماعية في بلدان المنشأ، إضافة إلى محدودية الفرص التعليمية الموجهة للإناث في بعض الدول الإفريقية.

رؤية مستقبلية: من المتوقع أن تتجه الجامعات العربية إلى تعزيز مشاركة الطالبات الإفريقيات عبر منح مخصصة وبرامج تمكين أكاديمي، ما يسهم في تحقيق توازن نوعي في الدبلوماسية الأكاديمية المستقبلية.

2. الفئة العمرية:

الفئة الأكثر تمثيلاً (25–35 سنة) بنسبة 55%، وهي فئة الشباب القادرة على المبادرة والتأثير.

رؤية مستقبلية: هذه الفئة تمثل نواة محتملة لشبكات خريجين ديناميكية يمكن أن تقود مشاريع تعاون عربي–إفريقي في مجالات التعليم والابتكار وريادة الأعمال.

3. المستوى الأكاديمي:

توزيع المستويات (بكالوريوس 40%، ماجستير 35%، دكتوراه 20%) يعكس قاعدة معرفية متنوعة.

رؤية مستقبلية: يمكن استثمار هذا التنوع في بناء هرم معرفي متكامل، بحيث يقود حملة الدكتوراه مبادرات بحثية، ويشارك حملة الماجستير والبكالوريوس في التنفيذ الميداني للمشاريع المشتركة.

4. المهنة الحالية:

45% يعملون في التعليم والبحث العلمي، ما يجعلهم فاعلين طبيعيين في الدبلوماسية الأكاديمية.

رؤية مستقبلية: يمكن تحويل هذا التوجه إلى سياسة ممنهجة عبر إنشاء “مجالس خريجين أكاديميين” تعمل كجسور فكرية وثقافية بين الجامعات العربية والإفريقية.

ثانياً: التجربة الأكاديمية

1. الرضا عن التجربة الدراسية:

65% من المشاركين راضون أو راضون جداً، ما يعكس جودة التجربة التعليمية.

رؤية مستقبلية: هذا الرضا يمكن أن يُترجم إلى ولاء أكاديمي طويل الأمد، إذا ما تم الحفاظ على التواصل المؤسسي بعد التخرج.

2. اهتمام الجامعات بطلاب إفريقيا:

55% يرون أن الاهتمام متوسط أو ضعيف.

رؤية مستقبلية: من المتوقع أن تتطور سياسات الجامعات العربية نحو “دبلوماسية تعليمية موجهة”، عبر مكاتب خاصة بشؤون الطلاب الأفارقة، وبرامج دمج ثقافي ولغوي.

3. أبرز الصعوبات:

اللغة (35%) والتكيف الثقافي (25%) هما التحديان الأبرز.

رؤية مستقبلية: إدراج برامج تمهيدية لغوية وثقافية قبل بدء الدراسة يمكن أن يرفع من جودة التجربة الأكاديمية ويعزز الاندماج.

4. المشاركة في الأنشطة العربية–الإفريقية:

60% لم يشاركوا في أي نشاط، ما يدل على ضعف المبادرات المؤسسية.

رؤية مستقبلية: يمكن للجامعات إنشاء “أندية عربية–إفريقية” لتشجيع الحوار الثقافي وتنمية الحس الدبلوماسي لدى الطلاب.

ثالثاً: العلاقات بعد التخرج

1. استمرار التواصل:

55% يحافظون على علاقات مع أساتذتهم وزملائهم.

رؤية مستقبلية: هذه الشبكات يمكن أن تتحول إلى منصات تعاون بحثي أو مشاريع تنموية مشتركة.

2. الاستفادة من العلاقات الأكاديمية:

50% فقط استفادوا منها.

رؤية مستقبلية: إنشاء قاعدة بيانات رقمية للخريجين العرب والأفارقة يمكن أن يعزز فرص التعاون الأكاديمي والمهني.

3. رؤية الخريجين كجسر للتعاون:

90% (نعم + إلى حد ما) يؤمنون بدورهم كقوة ناعمة.

رؤية مستقبلية: هذا الوعي الذاتي يشكل أساساً لبناء دبلوماسية أكاديمية يقودها الخريجون أنفسهم.

4. المجالات الممكنة للمساهمة:

يتصدر التعليم (30%) والثقافة (25%)، ما يعكس طبيعة التأثير الناعم.

رؤية مستقبلية: يمكن تحويل هذه المجالات إلى أدوات استراتيجية لتعزيز الهوية العربية المشتركة في إفريقيا.

5. وجود مبادرات تجمع الخريجين:

80% أكدوا غيابها

رؤية مستقبلية: الحاجة ملحّة لإنشاء “رابطة الخريجين المثقفين بالعربية من إفريقيا” كمنصة للتواصل والتأثير.

رابعاً: تقييم الدور الدبلوماسي الأكاديمي

1. استثمار الدول العربية في خريجيها الأفارقة:

55% يرون أنه ضعيف.

رؤية مستقبلية: من المتوقع أن تتجه بعض الدول العربية إلى تبني “استراتيجية القوة الناعمة الأكاديمية”، عبر دعم الخريجين كسفراء ثقافيين واقتصاديين.

2. أسباب الضعف:

*غياب التنسيق المؤسسي (30%) وضعف الوعي بأهمية الخريجين (25%) هما السببان الرئيسيان.

*رؤية مستقبلية: الحل يكمن في إنشاء وحدات دبلوماسية أكاديمية داخل وزارات التعليم والخارجية لتنسيق الجهود.

3. المقترحات لتفعيل الدور:

1. إنشاء شبكات خريجين عربية–إفريقية.

2. دعم برامج التبادل الأكاديمي والبحثي.

3. إشراك الخريجين في المنتديات الثقافية والدبلوماسية.

4. تأسيس مراكز دراسات مشتركة.

رؤية مستقبلية: هذه المقترحات يمكن أن تشكل ملامح “خطة استراتيجية عربية–إفريقية للدبلوماسية الأكاديمية 2030”.

4. تقييم المستقبل:

75% يرون أن المستقبل واعد أو متوسط.

رؤية مستقبلية: هذا التفاؤل يعكس استعداداً مجتمعياً وأكاديمياً لتفعيل الدور، شرط توافر الإرادة السياسية والمؤسسية.

خامساً: الاستنتاجات العامة والرؤية الاستشرافية

الخريجون الأفارقة من الجامعات العربية يمثلون رأس مال بشرياً استراتيجياً يمكن أن يعيد تشكيل العلاقات العربية–الإفريقية على أسس معرفية وثقافية.

الضعف الحالي في التنسيق المؤسسي لا يلغي الإمكانات المستقبلية، بل يبرز الحاجة إلى رؤية عربية موحدة للدبلوماسية الأكاديمية.

الجامعات العربية يمكن أن تتحول إلى مراكز نفوذ ناعم من خلال برامج المنح، البحث المشترك، والتبادل الثقافي.

الرؤية المستقبلية:

1. بناء شبكة خريجين عربية–إفريقية رقمية.

2. إدماج الدبلوماسية الأكاديمية في السياسات الخارجية العربية.

3. تحويل الخريجين إلى “سفراء معرفة” في بلدانهم.

4. تعزيز التعاون الثلاثي (جامعات–حكومات–منظمات إقليمية) لتحقيق التكامل العربي–الإفريقي.

النتيجة العامة:

تشير نتائج التحليل الإحصائي إلى أن التعليم العربي يمثل أداة فعالة للقوة الناعمة في إفريقيا، لكن فاعليته محدودة بسبب غياب التنسيق المؤسسي العربي. توصي الدراسة بتفعيل دور الخريجين كجسور حضارية من خلال مبادرات تعليمية وثقافية مستدامة.

خلاصة استشرافية:

إذا تم استثمار الخريجين الأفارقة من الجامعات العربية ضمن إطار مؤسسي منظم، فإن العقد القادم قد يشهد ولادة دبلوماسية أكاديمية عربية فاعلة، قادرة على إعادة التوازن للعلاقات العربية–الإفريقية، وترسيخ حضور عربي مستدام في القارة عبر أدوات المعرفة والثقافة والتعليم.

***

د. خليل حمد الأزهري

مدير مركز البحوث العلمية للاستشارات والنشر والترجمة بمدينة ماروا-الكاميرون

.......................

الهوامش والمراجع

1. جوزيف ناي، القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية، ترجمة محمد توفيق البجيرمي، (بيروت: الدار العربية للعلوم، 2007)، ص 15.

2. عبد الرحمن بن عبد الله السويلم، "التعليم كأداة للقوة الناعمة في العلاقات الدولية"، مجلة العلوم الاجتماعية، العدد 12، 2018، ص 44.

3. عبد الله التليدي، العلاقات العربية الإفريقية: الجذور التاريخية وآفاق المستقبل، (الرباط: مركز الدراسات الإفريقية، 2015)، ص 67.

4. محمد الأمين ولد سيدي، "التعاون الأكاديمي العربي الإفريقي: الواقع والتحديات"، مجلة الدراسات الإفريقية والعربية، العدد 9، 2020، ص 23.

5. أحمد عبد القادر، "الخريجون الأفارقة من الجامعات العربية ودورهم الثقافي"، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 102، 2019، ص 88.

6. عبد الله موسى، النخب الإفريقية المتعلمة بالعربية ودورها في السياسة الإفريقية المعاصرة، (القاهرة: دار الفكر العربي، 2016)، ص 54.

7. فاطمة الزهراء بن عيسى، "التعاون الاقتصادي العربي الإفريقي: الفرص والتحديات"، مجلة الاقتصاد والتنمية الإفريقية، العدد 5، 2021، ص 39.

 

بقلم: رودولف غوين*

ترجمة وإعداد: نجاة تميم

***

تقدم نظرية العبودية الطوعية إجابة لسؤال سياسي: لماذا يطيع الأفراد حكامهم؟

لا يهمنا فقط طرح مشكلة قبول السلطة القامعة للحرية، بل تناول، في كل الأنظمة، لغز المهيمِن والمهيمَن عليهم" (1). ما نحتاج إلى توضيحه هو آليات الطاعة الغامضة، من خلال تلك الأكثر غموضًا في الخضوع، طاعة الأفراد المتواطئين في حالة العبودية الخاصة بهم. وبالتالي فإن العبودية الطوعية ليست سوى نوعا من الطاعة يصعب فهمها بشكل خاص، لأنها تعتبر تواطؤا مع حالتنا الخاصة من حرماننا من الحرية. لنكتشف معا أصول هذا الخضوع المقبول، ومن ثَمَّ يتم إلقاء الضوء على آلية الطاعة بأكملها.

من خلال تجاوز بعض الجوانب لثيمة العبودية الطوعية التي تعتبر موضوع الساعة، فإن مستوى التحليل سيكشف بأن العبودية الطوعية لا تتعلق بالعلاقة بين الأفراد، بل بالسلطة السياسية داخل المجتمع. لقد تمت صياغة هذا المصطلح لأول مرة في القرن السادس عشر من قبل إتيان دو لا بويسيÉtienne de La Boétie (1530-1563) في خطابه الشهير(2). إذا كانت السنة المحددة لاكتمال هذا الخطاب غير معروفة، فمن المتفق عليه عمومًا أن تاريخه يعود إلى الأعوام 1552-1553، وذلك بسبب تلميحات رونزارد أو دو بلِاي أو بايف، كما ذكر ميغيل أبينصور ومارسيل غوشيه في مقدمتهم لهذا العمل (3). أعطى Michel de Montaigne (1533-1592) وهو صديق مقرب للمؤلف، تاريخين مختلفين لكتابة هذا الخطاب؛ 1546 و1548. وقد قام بذلك، ربما حتى لا يُختزل الخطاب في عمل ظرفي، (قمع وبشدة ثورة ضريبة الملح في منطقة غويان، عام 1549، من قبل الملك هنري الثاني)، حيث قام بتصحيح التأريخ الأول لعام 1548 لتقديمه لمدة عامين. بعد ذلك، تم تداول النص من قبل دائرة صغيرة من الإنسانيين. وبعد وفاة لا بويسي، أعد مونْتينْي عملاً كان ينوي إدراج الخطاب فيه. لكن أنصار الكلفانيين نشروا أول نسخة مقرصنة جزئية ومجهولة المصدر في عام 1574، ثم نسخة كاملة في عام 1576 تحت اسم لا بويسي، بعنوان " ضد الشخص الواحد" " Le Contr’Un". بعد ذلك، رأى النور إصدار طبعات أخرى في وقت لاحق، اعتمادًا على الأحداث التاريخية، لا سيما في عامي 1789 و1835، ثم بشكل أكثر انتظاما حتى اليوم.

لقد تناول العديد من الفلاسفة وباحثو العلوم الاجتماعية مسألة الهيمنة المقبولة تحت عبارات مختلفة. ومع ذلك، فمن المناسب التمييز بوضوح بين المؤلفين من بينهم contractualistes les التعاقديين، الذين سعوا للبحث عن أسس الطاعة وبعبارة أخرى عن مبرراتها (في نظام القانون أو العدالة)، وأخرين بحثوا في الأصل، أي أسباب هذا الخضوع (حسب ترتيب الوقائع)، من خلال إنتاجهم لنظرية العبودية الطوعية أو الهيمنة. ومن ثم فإن تحليلات حنة آرندت للنظام الشمولي كنظام قائم على دعم الجماهير (4)، أو نظرية ميشيل فوكو حول السلطة (5)، كان لهذه التحليلات، مكانها في العمل الذي يهدف إلى تأسيس نظرية عامة للعبودية الطوعية. هدفنا هنا أقل طموحًا بكثير؛ فالأمر يتعلق فقط بتقديم النظرية الأصلية التي اقترحها لا بويسي وفهم ما يميزها عن بعض النظريات الشهيرة الأحدث بشأن الهيمنة. ما الذي يميز العبودية الطوعية الأصلية عن السيطرة المشروعة التي نظر إليها ماكس فيبر، وعن الاستغلال عند كارل ماركس وفريدريك إنجلز، أوعن الخضوع عند لوي ألتوسير، أو عن العنف الرمزي عند بيير بورديو؟ تشترك كل هذه النظريات في فكرة أن المهيمَن عليهم متواطئون في هيمنتهم. ومن ثم فإن المنهج المقارن يمكننا من تسليط الضوء على الخطاب من خلال المواجهة مع مفاهيم ومقاربات تبدو متشابهة.

تفسيرات العبودية الطوعية عند لا بويسي

يبدأ عمل لا بويسي بهذا السؤال: "كيف يمكن أن يتحمل هذا العدد الكبير من الرجال، والعديد من المدن، والعديد من الأمم ،في بعض الأحيان، كل شيء من طاغية واحد، ليس لديه قوة أخرى غير تلك التي نمنحه إياها، والذي لا يملك القدرة على إيذائنا إلا ما دمنا على استعداد لتحمله، والذي لا يستطيع أن يؤذينا إذا لم نفضل تحمل المعاناة منه، بدلاً من معارضته؟ " (6)

أن يطيع الشعب شخصا واحدًا فقط لأن الأخير يفعل خيرا، فهذا يبدو شيئا معقولًا للكاتب، وهو ليس محل شك هنا. لكن عندما يكون هذا الشخص هو سبب مصائب الشعب، وبمعنى آخر، قامع للحريات، كيف يمكن أن نفسر استمرار هذه الطاعة؟ وكما كتبت سيمون. ويل: Weil"عندما ينتشر الموت تشرق معجزة الطاعة أمام العيون" (7). بمعنى آخر، هذه المعجزة موجودة في أي موقف من مواقف السلطة، لكنها لا تثير الاهتمام والتحليل إلا في إطار انتهاك الحريات. يستبعد لا بويسي، من البداية، "الجبن" و"الخوف" (8)، وذلك لأن مليون رجل لا يمكن أن يهاب رجلا واحدا. علاوة على ذلك، ففكرة مقاتلة الطاغية غير واردة، وذلك "لأنه مهزوم، في حال لم يوافق الشعب على هذه العبودية"(9). هدف الكاتب إذن هو فهم "كيف كانت هذه الرغبة العنيدة في الخدمة متجذرة بعمق لدرجة تجعل المرء يعتقد أن حب الحرية في الواقع ليس أمرًا طبيعيًا" (10). إن لا بويسي، أراد، بطريقة ما، أن يقدم لقرائه مقالا عن علم الاجتماع التاريخي أكثر بكثير من مجرد مقال أنثروبولوجيا. في الواقع، لم يكن الأمر دائمًا على هذا النحو؛ فالانتقال إلى حالة العبودية الطوعية، كما يقول الأنثروبولوجي الفرنسي (1934-1977) بيير كلاستر Clastres، هي "محنة، حادث مأساوي، بداية سوء حظ يستمر آثاره في التفاقم إلى درجة أنه يلغي ذاكرة الماضي، فيحل حب العبودية محل الرغبة في الحرية" (11) . ومع ذلك، فإن الخطاب لا يتناول لماذا جُرد الإنسان من طبيعته، بل "كيف يدوم سوء الحظ إلى درجة أنه يبدو أبديًا؟"(12)

التفسير الأول الذي يقدمه لا بويسي للعبودية الطوعية هو العادة. ويقول؛ إذا كانت الحرية طبيعية، وإذا "ولدنا أحرارا، ولدينا أيضًا الرغبة للدفاع عن هذه الحرية" (13)، فإنه يلاحظ أن التربية، مع ذلك، لها أهمية كبيرة جدا. هكذا فإن "العادة التي لها تأثير كبير، في كل شيء، على جميع أفعالنا، لديها أيضا وقبل كل شيء القدرة على تعليمنا الخدمة: "إنها هي التي، على المدى الطويل، […] تنجح في جعلنا نبتلع، دون اشمئزاز، سمَّ العبودية المرير" (14). إن لا بويسي يُميّز الجيل الأول من الرجال، الذين تعرّضوا ضد إرادتهم وبالقوة للخضوع، عن الأجيال اللاحقة التي ولدت في حالة عبودية، والتي "تعتبر حالتها الطبيعية هي الحالة التي ولدت بها" (15). فهذه الأجيال، بحسبه، لم تعرف الحرية أبدًا، وبهذا لا يمكن أن يكون لديها أي فكرة عما حُرمت منه. لذلك، فإن التفسير الأول للعبودية الطوعية، كما نقول اليوم، هو تفسير معرفي. والأكثر من ذلك، فهو تفسير بنائي، حيث أن الواقع الاجتماعي المتصوّر مَبنيٌ بشكل جيد من قبل الأفراد وليس مُعطى في حد ذاته. وكما سنرى لاحقاً، فإن هذه الخاصية مشتركة بين العديد من نظريات الهيمنة.

أما التفسير الثاني الذي انتقاه الكاتب من تاريخ البشرية فهو حيلة الطغاة. عند حرمان الرجال من الحرية، يفقدون شجاعتهم والطاقة اللازمة للنضال من أجل الهروب من العبودية. لكن الطغاة يعرفون جيدًا كيف يستغلون هذا الضعف ويسعون دائمًا إلى جعل الرجال أضعف وأكثر جبنًا. الخبز والألعاب والترفيه هي الوسائل الرئيسية المستخدمة "لإخضاع الرعية للعبودية" (16). إن خطابات الطغاة أو التباهي بالرموز تعمل بنفس الطريقة على كسب الثقة وإثارة الإخلاص وضمان السلام الاجتماعي. لذلك يحافظون على عادة العبودية.

أما التفسير الثالث المقترح، والذي يعتبره الكاتب "سر الهيمنة وربيعها، وسند كل طغيان وأساسه" (17)، فهو ما يمكن أن نطلق عليه الانتهازية – التي يسميها لا بويسي حجة سلسلة المكاسب. أربعة أو خمسة رجال يقدمون المشورة للطاغية وذلك لإفساده وتوجيه أفعاله نحو المزيد من الأرباح التي يتقاسمونها معه. وهم بدورهم، يفسدون بالمثل، ما بين 500 إلى 600 رجل آخر تحت إمرتهم، وذلك من أجل كسب ولائهم، وهؤلاء يفعلون الشيء نفسه مع الآخرين، وهكذا حتى أدنى درجات المجتمع.

"ومن أراد أن يتتبع أثر هذه السلسلة، سيرى أن ليس ستة آلاف بل مائة ألف، ملايين يَنْظمون إلى الطاغية عبر هذه القناة ويشكلون بينهم سلسلة متصلة تعود إليه. […] باختصار، من خلال المكاسب وحصص الربح التي سيحققونه، نصل إلى نقطة مفادها أن هناك في النهاية عددًا من أولئك الذين يستفيدون من الطغيان، يوازي عدد الذين تهمُّهم الحرية" (18).

ولنؤكد أن المكاسب المذكورة هي مكاسب في السلطة والجاه أكثر منها في الثروة. ولذلك يفكر كل منهم في إجراء حسابات التكلفة/المنفعة لعبوديته وينتهي به الأمر إلى العثور على مكسب كافي. "الكسب" في السلطة هو في الحقيقة وهْم، لأنه مبني على جهلِ ثمنِه، هو الطاعة للتراتبية، أي لمن أعلى منه. حسب قول لا بويسي، إن استخدام الطاغية للقوة ليس تفسيرًا صالحًا: "ليست العصابات الممتطية خيولا، أو جيشا من المشاة، باختصار، ليست الأسلحة هي التي تدافع عن الطاغية، ولكن دائمًا [...] أربعة أو خمسة رجال يؤيدونه ويُخضعون له البلاد بأكملها" (19). وبحسب الكاتب، فإن تفسيراته الثلاثة للعبودية الطوعية ليست بنفس القدر من الأهمية. يتم تقديم سلسلة المكاسب على أنها الأكثر جوهرية، ثم تأتي العادة وبعد ذلك حيلة الطاغية، المرتبطة بسابقتها. إذا كان هذا الاعتماد التفسيري بين الحجتين الثانية والثالثة لا يمكن التشكيك فيه، "السبب الذي يجعل الناس يخدمون طوعًا هو أنهم ولدوا أقنانًا وأنهم نشأوا في العبودية [حجة العادة]. من هذا يتبع بطبيعة الحال شيء آخر؛ في ظل الطغاة، يصبح الرجال بالضرورة جبناء وخانعين [حجة حيلة الطاغية]"(20)، ومن ناحية أخرى، يبدو أن حجة سلسلة المكاسب ليست أساسية كما قدّمها الكاتب. فهي مبنية على وهم حساب عقلاني يقوم به الرعايا؛ فهم يعتقدون أنهم وجدوا مصلحة لعبوديتهم من خلال المكاسب التي يتلقونها جراء إخلاصهم لرؤسائهم ومن خلال الذين يخضعون لهم في جني الأرباح. بينما وكما يفسر الكاتب، كلما اتجهت تراتبية هذه السلسلة نحو الأسفل، كلما اقتربنا أكثر من الشعب وسيكون بذلك حجم الأرباح أقل أهمية. فهؤلاء وهم يمثلون الأكثرية، لن يكسبوا شيئا. فكيف يمكننا إذن أن نفسر مثل هذا الحساب غير العقلاني، وبأن خسارة ما هو أكثر قيمة، الحرية، لا يتم تعويضه بأي مكسب؟ ويبدو لنا أن الحل هو ما يلي؛ الحرية ليس لها ثمن بالنسبة لهم، وذلك لأنهم اعتادوا، على وجه التحديد، على العبودية ونسوا طبيعتهم الحقيقية. وبالتالي فإن التفسير العقلاني لسلسلة المكاسب سيعتمد في الحقيقة على تفسير أكثر جوهرية، هو تفسير العادة.

يمكن إضافة عنصر أخير، على الرغم من أنه لم يتم تقديمه بشكل صريح من قبل الكاتب؛ وهو عنصر "اسم الواحد" UN le nom d’، الذي أبرزه الفيلسوف الفرنسي كلود لُفور (1924-2010) في مقالته المنشورة عن دار بايو لعام 1976 وصممها ميغيل أبينصور(21). والفكرة، هي أن العبودية الطوعية يُمكن تفسيرها، أكثر بكثير من خلال العادة، "بالسحر أو الانبهار" الذي يولده "اسم الواحد" (أي اسم الطاغية) في أذهان الناس، بمعنى آخر، أي الانجذاب إلى السلطة لأنها تجسد وحدة (خيالية) للجسم الاجتماعي:

"ما اثارته العبودية الطوعية [...] يمكننا الآن التعرف عليه بشكل أفضل؛ هو حب الذات، والنرجسية الاجتماعية. (...) مع العبودية، دمَّر سحر اسم "الواحد" صياغة اللغة السياسية. فالناس تريد أن تتم تسميتها باسم طاغية، الاسم الذي يلُغى به الفرق بين هذا وذاك ويُلغى به لغز الانقسام الاجتماعي، ويُؤجل به اختبار الاعتراف إلى أجل غير مُسمى، ويصبح اسمه المحبوب هو الاسم الذي يظل الجميع متمسكا به، لئلا يصبحوا لا شيء"(22).

إذا كان من الممكن قبول هذا التفسير للخطاب كونه يقدم تفسيرًا إضافيًا للعبودية الطوعية، فمن ناحية أخرى، فإننا نشكك في تطورات "لُفور" حول عدم أهمية حجة العادة (23 ) وأيضًا في فهمه تفسير حجة سلسلة المكاسب، التي يربطها مباشرة بالانبهار الذي يمارسه اسم الواحد –le Un:

"السر، لغز الهيمنة، يكمُن في رغبة كل شخص، مهما كان مستوى التسلسل الهرمي الذي يشغله، للتماهي مع الطاغية من خلال جعل نفسه سيدًا على شخص آخر. (...) إذا كان صحيحًا أن هناك سيدًا واحدًا فقط يكون جميع الناس عبيدًا له، فإن هذه الحقيقة تُغطي أخرى؛ عبودية الجميع مرتبطة برغبة كل منهم في أن يحمل اسم الواحد قبل الآخر. إن تخيل الواحد لا يقتصر فقط على تخيل شعبا مُجتمعا، بل هو في الوقت نفسه تخيل كل رجل، طاغية (مُصغّرا)، في المجتمع"(24).

وكما أظهرنا أعلاه، فإن هذه الحجة تعتمد في الواقع، في رأينا، على الحجة الأكثر جوهرية وهي العادة.

الهيمنة الشرعية

ما هي قيمة تفسيرات لا بويسي، بعد مرور أربعة قرون ونصف؟ هل تم اقتراح نظريات منافسة أخرى حول العبودية الطوعية، وهل تتناغم مع تفسيرات لا بويسي؟ سنحتفظ هنا بأربعة أمثلة لنظرية الهيمنة؛ نظرية ماكس فيبر، والنظرية الماركسية بنسختيها الأصلية والألتوسيرية، ونظرية بيير بورديو. إن مواجهة هذه النظريات، التي تشترك على ما يبدو في فكرة تواطؤ المهيمَن عليهم في هيمنتِهم، ستسمح بتوضيح، على الجانب الآخر، ما سيلقي المزيد من الضوء على نظرية لا بويسي.

أن تكون طوعًا في حالة من العبودية يعني، بعبارة أخرى، قبول الهيمنة التي تعاني منها حاليًا. أليس هذا بكل بساطة تعريف فيبر للشرعية؟ يُنظر إلى هذا، في الواقع، على أنه اعتراف بالسيد (Herr) وبالتالي طاعته. في هذا، يتم تمييز الهيمنة (Herrschaft) عن القوة البسيطة (Macht)، وهي مجرد فرصة أن يخضع الفرد لطاعة شخص آخر، دون الإشارة إلى الحقيقة الأساسية المتمثلة في أن الشخص الذي يطيع يعترف بعلاقة القوة هذه ويقبلها. ظاهريًا، يمكن مقارنة حالة الهيمنة بالعبودية الطوعية عند لا بويسي. فما هي الأسباب بالنسبة لفيبر؟

سيكون من الخطأ الرد على عجل بأن العبودية الطوعية تعمل بثلاث طرق، والتي من شأنها أن تتناول الأنواع الثلاثة الشهيرة للهيمنة؛ الطرق التقليدية، والكاريزمية، والعقلانية القانونية. في الواقع، وفقًا لنظرية المعرفة الفيبرية، فإن هذه المفاهيم الثلاثة هي أنواع مثالية، وبعبارة أخرى مفاهيم تحليلية، وأشكال صافية لا توجد أبدًا في حالتها الخام في التاريخ. ولذلك يفسر عالم الاجتماع الهيمنة الحقيقية على أنها مزيج من هذه الأنواع الثلاثة ضمن الدوافع النفسية للفاعلين، والتي يجب فهمها على وجه التحديد. هل نظرية الهيمنة الفيبرية مجرد إحياء للنظرية الأصلية للعبودية الطوعية؟ يبدو أن المظاهر خداعة؛ لأن العادة قد تتوافق للوهلة الأولى مع الهيمنة التقليدية، وخدعة الطاغية للجماهير مع تحقيق الهيمنة الكاريزمية، كما أن سلسلة المكاسب، كتفسير عقلاني للغاية، ستتوافق مع الهيمنة العقلانية. إن هذه الترابطات، هي في الواقع، عرضية. بالفعل، يفترض علم الاجتماع الشامل لفيبر أن الفاعلين يمكنهم، إذا كان لديهم وقت الفراغ والرغبة، أن يُقدموا بأنفسهم الأسباب التي دفعتهم إلى هذا الفعل. وبالتالي سيُظهرون، في الحالة الأولى، رغبتهم في اتباع التقاليد. وهذا ما يرفض لا بويسي، على وجه التحديد، التفكير فيه، وهو الذي يصر على حقيقة أن حالة الخنوع لا يمكن بأي حال من الأحوال التشكيك فيها من قبل الأفراد الذين ولدوا في هذه الحالة. لقد نسوا طبيعتهم ككائنات حرة. ولذلك يبدو أنه لا توجد عودة انعكاسية ممكنة في حالتهم. يمكننا أن نناقش إلى ما لا نهاية مسألة تشاؤم لا بويسي أو تفاؤله فيما يتعلق بإمكانية استعادة الرجال لحريتهم، حيث أن هناك عناصر في النص تميل في اتجاه أو في آخر. مع P. Clastres وربما أيضا مع C. Lefort، سنفهم ذلك أكثر باعتباره يؤدي إلى ملاحظة تجريد الإنسان من طبيعته. على أية حال، ليس لنظرية العادة في خطاب لا بويسي أي شيء مشترك مع احترام فيبر المتعمِّد للتقاليد.

أما تفسير الكاريزما فلا يتطابق أيضًا مع تفسيرات لا بويسي، وذلك لأن الطاغية عمومًا هو "الأكثر جبنًا، وأشرس الناس، وأكثرهم خنوعا في الأمة، وهو الذي لم يشم رائحة بارود المعارك، لكنه بالكاد داس رمال البطولات"(25) وبالتالي، يجب عليه أن يكون ماكرًا وأن يعمل بجد لخلق الإخلاص والتفاني لشخصه. أما بالنسبة إلى فيبر، فإن الكاريزما تعتبر شيءً مختلفا تمامًا: فهي "الميزة الاستثنائية لشخصية تتمتع، إذا جاز التعبير، بالقوة أو بالخصائص الخارقة للطبيعة، أو فوق طاقة البشر، أو على الأقل تتمتع بما هو خارج الحياة اليومية، أي غير متاح للناس العاديين، أو تُعد هذه الشخصية إما مرسلاً من الله أو قدوة وبالتالي تعتبر قائداً"(26).

أما التفسير الثالث، وهو سلسلة المكاسب والذي يرتكز عليه الحساب العقلاني لكل شخص، فلا علاقة له بالهيمنة القانونية العقلانية التي تجد أساسها في الاحترام الواعي والطوعي للقانون وقواعده. لذلك يسعى فيبر للإجابة على نفس السؤال الذي طرحه لا بويسي؛ ما هي الينابيع التفسيرية للطاعة وللهيمنة في بُعدها المتمثل في القبول؟ لكن ردود الأول لا تشكل بأي حال من الأحوال تكراراً لأطروحات الثاني.

الأيديولوجيا

لقد صاغ تيار الماركسية نظرية مختلفة تمامًا للهيمنة. يمكننا التمييز بين نسختين؛ نظرية كارل ماركس وفريدريش إنجلز، وبعد أكثر من قرن من الزمان، نظرية لوي ألتوسير. والمفهوم المركزي لتحليلاتهم هو مفهوم الأيديولوجيا. بالنسبة إلى الآباء المؤسسين للمادية التاريخية، وهو العلم الذي يجب أن يكون قادرًا على اكتشاف الينابيع الأساسية للعلاقات الاجتماعية، من الضروري محاربة الوعي الزائف لدى الأفراد عن الواقع. هذا الوعي الزائف هو أيديولوجيا، جسّدها بشكل رئيسي هيغل وتلاميذه المثاليون وتبنّتها برجوازية القرن التاسع عشر. الأيديولوجيا هي عكس العلاقات بين الوعي والحياة. بالنسبة إلى هيغل، يتجلى الواقع في الوعي؛ وهي الأطروحة المركزية لمنظوره الظاهراتي (الفينومنولوجي). فالعقل l’esprit إذن هو القوة الدافعة للتاريخ، لأنه ينتج الواقع. يعتزم ماركس وإنجلز عكس هذه العلاقة حرفيًا: "ليس الوعي هو الذي يحدد الحياة، بل الحياة هي التي تحدد الوعي"(27). وهذا الأخير هو مُنتج اجتماعي، يُنتج عن علاقات الإنتاج التي تشكل العلاقات الاجتماعية. إن الأيديولوجيا تخفي الواقع من خلال قلب العلاقات الحقيقية؛ فهي تخفي مصالح الطبقة الحاكمة تحت شعار المصلحة المشتركة. ولهذا السبب يعلن واضعو البيان الشيوعي ما يلي:

"ما الذي يبينه تاريخ الأفكار، إذا لم يكن الإنتاج الفكري الذي يتحول مع الإنتاج المادي؟ إن الأفكار السائدة، في عصر ما، لم تكن سوى أفكار الطبقة الحاكمة"(28).

في الواقع، تفرض المثالية والبرجوازية هيمنتهما من خلال نشر أيديولوجيا (البنية الفوقية) والتي هي فكرة زائفة عن الواقع، زائفة لأنها منفصلة عن علاقات الإنتاج (البنية التحتية). وهنا نجد حدسًا قريبًا من نظرية العادة عند لا بويسي؛ فالبروليتاريون لا يدركون أن حالتهم هي حالة المهيمَن عليهم، تمامًا كما لا يدرك الأفراد الخاضعون للطاغية مدى خنوعهم. الحالة التي تبدو طبيعية، وعادية بالنسبة لهم هي حالتهم الحالية؛ لذلك فإن التشكيك في ذلك أمر غير معقول بالمعنى الأساسي. ومع ذلك، على عكس مؤلف الخطاب، فإن ك. ماركس وف. إنجلز لا يستبعدان استخدام القوة للحفاظ على الهيمنة، بل على العكس تمامًا (29). إن القمع والقيود والتهديد الجسدي هي أيضًا من أدوات البرجوازية.

ومع ذلك، فإن هذين المؤلفين أقل تشاؤما بشأن إمكانيات التغيير من لا بويسي. يمكن للبروليتاريا أن تدرك وضعها الحقيقي إذا دفعتها الطليعة المستنيرة إلى القيام بذلك. وهذا هو دور الشيوعيين. تجدر الإشارة إلى فرق ثانٍ؛ إنهما لم يسعيا إلى شرح سبب هذه الهيمنة أو مصدرها بدقة. من الذي ينتج الأيديولوجيا، وكيف يعمل الوعي الزائف، كلها أسئلة لم تتم الإجابة عليها. ألتوسير هو من سيفعل ذلك(30).

الخضوع

إذا كانت نظرية العادة تفسِّر إلى حد كبير الهيمنة، يبقى علينا أن نوضح من أين تأتي هذه العادة. بالنسبة إلى لا بويسي، فإن نسيان الحرية هو الذي يتم الحفاظ عليه في الأصل من خلال خدعة الطاغية. أما بالنسبة إلى ألتوسير، فإن خدعة الرأسمالي هي التي تخلق منذ البداية الظروف اللازمة لعادة الهيمنة. الأيديولوجيا ليست مجرد حجاب، أو مجموعة من التمثلات السلبية، إنها قوة ملموسة وفعالة تشكل العقول والسلوكيات. إنها بالتأكيد وهمٌ بالمعنى الذي قصده ماركس وإنجلز، وهو تصور للعالم لا يتوافق مع الواقع، لكن ألتوسير يضيف أنها تلميح يشير إلى الواقع. إن ما يمثله الأفراد في الأيديولوجيا ليس الظروف الحقيقية لوجودهم، بل علاقتهم بهذه الظروف، علاقتهم بعلاقات الإنتاج. فالعملية كالتالي؛ الأيديولوجيا هي جزء من الممارسات، من الطقوس التي تحددها أجهزة الدولة الأيديولوجية (المدرسة، الكنائس، الأسرة، القانون، النظام السياسي، وسائل الإعلام، وما إلى ذلك):

"المدرسة (وكذلك مؤسسات الدولة الأخرى مثل الكنيسة، أو غيرها من الأجهزة كالمؤسسة العسكرية) تقوم بتلقين "المعرفة العملية"، ولكن بأشكال تضمن الخضوع للأيديولوجيا المهيمِنة، أو إتقان "ممارستها". فيكون بذلك جميع وكلاء الإنتاج والاستغلال والقمع، ناهيك عن "محترفي الأيديولوجيا" (ماركس)، "مخترقين" بطريقة أو بأخرى بهذه الأيديولوجيا، وذلك من أجل القيام بمهمتهم بوعي – سواء كمستَغلَّين ( بروليتاريا)، أو كمستغِلين ( الرأسماليين)، أو كوسطاء الاستغلال (الأطر) أو ككهنة كبار للإيديولوجيا السائدة ("موظفيها")"(31).

الهدف من هذه الأجهزة هو إنتاج رعايا، أي تشكيل الأفراد بالشكل المطلوب. وبهذا تؤدي الأيديولوجيا وظيفتين: وظيفة الاعتراف، التي من خلالها تتعرف الذات على العالم من حولها باعتباره أمرا بديهي، وتتعرف على نفسها كذات في هذا العالم (فهو أب، وعامل، ومؤمن، وما إلى ذلك) وباعتبارها انعكاسًا لذات Sujet متعالية التي خلقتها الأيديولوجيا (الله، الأمة، الإنسانية، البروليتاريا)، مما يضْمن هويتَها، بنفس طريقة تناولَ لُفور لاسم الواحد في تعليقه على الخطاب؛ وهي وظيفة سوء الفهم التي تخفي عن الذات الآلية العميقة التي ينطوي عليها هذا الاعتراف، والغرض منه هو الهيمنة. الاعتراف يُنتج الذات، والجهل يحجُب عن الذات خضوعَها. ما يضيفه ألتوسير إلى نظرية ماركس وإنجلز هو الدور النشط والمستقل تقريبًا للبنية الفوقية على البنية التحتية؛ الأيديولوجيا تضمن إعادة إنتاج علاقات الإنتاج، وتضمن الهيمنة الاجتماعية. بمعنى آخر، فهو يقترح نظرية أكثر اكتمالًا للهيمنة، تتماشى مع نظرية لا بويسي.

في الواقع، تفسير العبودية الطوعية بنظرية العادة موجود تمامًا في الاعتراف والخضوع الألتوسيري. إن خدعة الطاغية التي تحافظ على وعي كاذب هنا تأخذ شكل أجهزة الدولة الأيديولوجية. فقط تفسير سلسلة المكاسب لا يجد نظيرًا واضحًا. من المحتمل أن يجيب ألتوسير بأن المكاسب المتصوّرة على هذا النحو هي تأثير الأيديولوجيا، وأن أهميتها السببية مشروطة بحجة الوعي الزائف (وهذا يرتبط بالنقد الذي تناولناه أعلاه بشأن التسلسل الهرمي للتفسيرات التي اقترحها لا بويسي). ومع ذلك، مثلما فعل ماركس وإنجلز، فإنه يفسح المجال للقمع، لاستخدام القوة، وهي وظيفة أجهزة الدولة القمعية (الحكومة، الإدارة، المحاكم، الشرطة، الجيش، السجون، إلخ). الاختلاف الرئيسي الأخير مع لا بويسي هو أنه بالنسبة لألتوسير، إذا لم نترك وللأبد الأيديولوجيا، إذا لم نعيد اكتشاف وعي حالتنا الطبيعية (حالة الإنسان الحر)، فذلك لأن هذه الحالة لا وجود لها. إننا نترك، دائمًا، أيديولوجيا لتحل أخرى محلها بمجرد سيطرة قوة اجتماعية جديدة على أجهزة الدولة الأيديولوجية. إن حيَل الطاغية هي بالفعل سبب للعبودية الطوعية، ولكن في عالم تسود فيه، بالضرورة، العادة.

في القرن العشرين، اقترح العديد من المؤلفين عناصر لتفسير العبودية الطوعية (من بين آخرين مدرسة فرانكفورت وميشيل فوكو) ولكن دون إنشاء نظرية كاملة للهيمنة. واحدة من أفضل الأفكار التي جعلت هذا السؤال محور بحثه هي بلا شك فكرة بورديو. إذا كانت العبودية الطوعية تأخذ اسم الهيمنة من قبل ماكس فيبر، أو الخضوع من قبل ألتوسير، فإن المفهوم المركزي هنا هو مفهوم "العنف الرمزي":

العنف الرمزي

إن العنف الرمزي، بكل بساطة، هو "ذلك الشكل من العنف الذي يُمارَس على الفاعل الاجتماعي بتواطؤه"(32 (.

تحدد هذه الصيغة بوضوح العلاقة مع مسألة العبودية الطوعية. سيكون ذلك، بالمصطلحات البورديوسية، عبودية متواطئة. لكن الكاتب يوضح مرارا وتكرارا كيف أن موافقة الشخص المهيمَن عليه ليست بأي حال من الأحوال عملا من أعمال إرادته:

"العنف الرمزي هو ذاك الشكل الخاص من الإكراه الذي لا يمكن ممارسته إلا بالتواطؤ النشط – وهذا لا يعني الواعي والطوعي - لأولئك الذين يخضعون له ويكونوا محددين في إمكانية حرمانهم من حرية ترتكز بالأساس على الوعي"(33).

إنها إذن ليست مسألة عبودية طوعية بمعنى الهيمنة المقبولة بوعي كامل، كما قد يكون الحال مع تحليل فيبر. إن بورديو واضح جدًا في هذا الموضوع: "إن الاعتراف بالشرعية ليس، كما يعتقد ماكس فيبر، عملاً حرًا بضمير مرتاح"(34 (. وبالتالي، فإن التواطؤ الذي يُظهره المهيمَن عليهم ليس حتمية مفروضة من الخارج، ما دام لهم دور فيه، ولا عملاً متعمدًا، بمعنى أنه سيكون ثمرة مداولات داخلية. "لا يمكننا أن نفكر في هذا الشكل من أشكال الهيمنة إلا إذا تجاوزنا البديل المتمثل في الإكراه بالقوة والموافقة على الأسباب..." (35 (. إذن، على أي أساس يعمل تواطؤ المهيمَن عليهم؟

الفكرة الرئيسية هي أن التواطؤ يُمارس "في غموض أحكام Habitusالهابتوس، حيث تُنقش أنماط الإدراك والتقدير والفعل التي تؤسِّس، خارج قرارات الضمير وضوابط الإرادة، علاقة معرفة واعتراف عملي غامض للغاية بالنسبة لذاتها"(36).

يتم إدراك العالم وفهمه وفقًا للفئات والمفاهيم وقبل كل شيء الهياكل (على سبيل المثال، العلاقات فوق/ تحت، المذكر / المؤنث، الأبيض / الأسود) التي يفرضها النظام الاجتماعي ويدمجها الفاعلون الاجتماعيون. هذه الهياكل المعرفية هي انعكاس للهياكل الموضوعية للعالم، وبالتالي يتم قبول الهيمنة المتأصلة في العلاقات الاجتماعية على أنها طبيعية تمامًا، كحالة طبيعية للعالم. وتُسمى نتيجة عملية الاستيعاب هذه الهابتوس. توجه هذه المجموعة من التصرفات المُكتسبة، في لحظة الفعل، وتشكل في ظل ظروف معينة، معتقدات الفاعل وأفعاله. من وجهة نظر سياسية صارمة، فإن الخضوع، "الذي لا علاقة له ب"العبودية الطوعية" [...] هو في حد ذاته تأثير سلطة، منقوشة بشكل دائم في جسد المهيمَن عليهم، على شكل هياكل الإدراك والتصرفات (الاحترام، الإعجاب، الحب، إلخ)، أي المعتقدات التي تجعل المرء حساسًا لبعض المظاهر الرمزية، مثل التمثلات العامة للسلطة"(37 (.

نجد نفس الحدس البنائي، تقريبا، في تفسير العبودية الطوعية بنظرية العادة؛ لكن الهابتوس يُفسِّر ما تَصفه تقريبا العادة. مثل الفلاسفة الماركسيون، لم يكتف بورديو، بالتحليل الفينومينولوجي - الظاهراتي الذي يفترض أن إدراك العالم يتم إنتاجه بواسطة الوعي، وبالتالي يتم هيكلته من خلاله. فهو كما لا بويسي، ينوي تقديم تفسير لهذه الهيكلة:

"إن "الموقف الطبيعي" للظاهراتيين، أي التجربة الأولية للعالم كأمر بديهي، هو علاقة مبنية اجتماعيًا […]: إذا كانوا على حق في التذكير، خلافا للرؤية الميكانيكية، أن الفاعلين الاجتماعيين هم الذين يبنون الواقع الاجتماعي"، فإنهم يغضون الطرف عن طرح مسألة البناء الاجتماعي لمبادئ بناء هذا الواقع الذي ينفذه الفاعلون في هذا العمل البناء، الفردي وأيضا الجماعي، وعن التساؤل حول مساهمة الدولة في هذا البناء"(38 (.

ولذلك يجب أن نوضح من أين تأتي العادة، التي لا تأتي فقط من النسيان. ومرة أخرى، فإن وجهة نظر المهيمِن هي التي تقدم نفسها وتفرضها كوجهة نظر عالمية. ومن خلال دمج الهياكل الموضوعية للهيمنة (والتي هي بهذا المعنى هيكلة الهياكل)، يقوم الفاعلون بإعادة إنتاج هذه الهيمنة. تماشيًا مع ألتوسير، يصر بورديو على دور الدولة في مجتمعاتنا. لكونها تُنظم وتضبط الممارسات، فهي التي تفرض تعلّم السلوكيات العملية والمعرفية التي تصبح تصرفات دائمة (هياكل منظمة)؛ مبادئ التصنيف (الجنس، العمر، المهارات، المهنة، مستوى الدخل، إلخ)، الفئات الاجتماعية (نشطة / غير نشطة ، مواطنين/ أجانب، وما إلى ذلك)، وإيقاعات الحياة (التقويم)، والأقسام التأديبية في الجامعة، وطقوس المؤسسة داخل الأسرة أو المدرسة، وما إلى ذلك. وهكذا، "تخلق الدولة الظروف الملائمة لتنسيق فوري للهابتوس الذي هو في حد ذاته أساسا لإجماع هذه المجموعة من الأدلة المشتركة"(39 (. بالنسبة لبورديو، فإن خدعة الطاغية تخلق حقًا ظروف العادة. ومن أجل استكمال عرض نظريته، دعونا نتذكر أنه، مثل الماركسيين، وعلى عكس لا بويسي، يأخذ في الاعتبار حقيقة أن الهيمنة تعتمد في أغلب الأحيان على القوة والمال، لكنه يصر، مثل ألتوسير، على الحقيقة أن لها دائمًا بُعدًا رمزيًا.

ما هو الفرق إذن مع نظرية ألتوسير؟ سؤال من الصعب الإجابة عليه. وبالرغم مما يقوله الكاتب نفسه (40 (، يبدو أن هناك تشابهًا قويًا بين الاثنين، لا يمكن التشكيك فيه إلا من خلال الاهتمام بالتفاصيل حول الآليات التي تلعبها صياغة الأحكام. لكن هذا القلق ليس في حد ذاته تفصيلاً. في الواقع، نجد عند بورديو، و بوضوح شديد، وظائف الاعتراف ووظائف التجاهل، على الرغم من تسميتها بشكل مختلف. لكنه يصر، بلا شك، أكثر من ألتوسير على العلاقة بين الهياكل الموضوعية (أجهزة الدولة الأيديولوجية، من بين أمور أخرى) والهياكل المعرفية (التصرفات، والهابتوس). ففي نهاية المطاف، ترجع الفجوة بين النظريتين أولاً إلى التركيز على آليات وشروط دمج الهياكل الموضوعية، ثم إلى الطبيعة الاستعدادية المحددة للهابتوس:

"في مفهوم "الوعي الزائف"، الذي يستشهد به بعض الماركسيين لتفسير آثار الهيمنة الرمزية، فإن "الوعي" هو زيادة عن اللزوم، والحديث عن "الأيديولوجيا"، هو وضع، ما نسميه "الوعي"، في نظام التمثلات القابلة للتحول من خلال هذا التحول الفكري، الموجود في المعتقدات، أي في أعمق الاستعدادات الجسدية" (41).

هكذا فإن الحدس البنائي لنظرية لا بويسي حول العبودية الطوعية يجد أصداء هائلة في النظريات الحديثة للهيمنة. سواء كان ذلك في شكل تمثلات للعالم، أو بشكل أكثر عمقًا، في التصرفات، فإن الهيمنة يتم تفسيرها أولاً وقبل كل شيء من خلال التواطؤ اللاواعي للمهيمَن عليهم. ثم أوضحنا أن الامتياز الذي منحه كاتب الخطاب للتفسير من خلال سلسلة المكاسب لم يكن له ما يبرره لأنه كان في الحقيقة مبنيا على التفسير بالعادة. لهاذين السببين، فإن العبودية الطوعية هي بلا شك أقرب إلى الخضوع الألتوسيري أو العنف الرمزي لبورديو أكثر من كونها أقرب إلى الهيمنة الفيبريية المشروعة.

*دكتوراه في العلوم السياسية، باحث ومحاضر في علم النفس السياسي في قسم العلوم السياسية - جامعة بوردو (فرنسا) . يركِّز في بحثه على نظرية المعرفة في العلوم الاجتماعية والعلاقة بين العلوم المعرفية والعلوم السياسية، والنهج المعرفي للسياسة العامة والعمل الجماعي.

***

.........................

الترجمة عن:

Rodolphe Gouin. "Servitude volontaire". in V. Bourdeau and R. Merrill (éditions.) DicoPo. Dictionnaire de théorie politique, 2007, pp.[en ligne]. 7 Octobre 2022.

https://shs.hal.science/halshs-00186763v1

الهوامش:

1- C. Lefort, "Le nom d’Un" , in É. De La Boétie . (DE), 1978, pp.258-259.

2- Étienne de LA Boétie, (DE), "Le discours de la servitude volontaire", Paris, Payot, 1978- (1576).

3- M. Abensour et M. Gauchet, "Présentation. Les leçons de la servitude et leur destin", in de La Boétie, 1978.

4- H. Arendt, "Le système totalitaire", Paris, Seuil, 1978, p. 235.

5- M. Foucault," Le sujet et le pouvoir", Dits et écrits II, 1976-1988, Paris, Gallimard. 2001, p.155.

6- La Boétie, pp. 174-175.

7- Simone Weil, "Méditation sur l’obéissance et la liberté", in LA Boétie (DE), 1978. Liens: Althusser - Bourdieu – Domination – Esclavage volontaire - La Boétie, E. – Idéologie(s), p. 88.

8- La Boétie, p.177.

9- Ibid., 179.

10- Ibid., 204.

11- Clastres, pp. 230-231.

12- Ibid., p. 235

13- La Boétie, p. 185.

14- Ibid., p.190.

15 -Ibid.

16- Ibid., p. 203.

17- Ibid., p. 212.

18- Ibid., p. 203.

19- Ibid,. p. 212.

20-Ibid,. p.199.

21- Lefort, pp. 247-307.

22- Ibid., p. 274.

23- Ibid., pp. 276-293.

24- Ibid., p.301.

25- La Boétie, p. 176.

26- M. Weber, "Economie et société", Paris, Plon, réédition, Agora, 1995, p.320.

27- K. Marx et F. Engels, "L’idéologie allemande", Paris, Éditions Sociales, 1974, p.23.

28- Marx et Engels, "Manifeste du Parti communiste", Collectif, "Le Manifeste communiste aujourd’hui", Paris, Les Éditions de l’Atelier/Éd. Ouvrières, 1998, p.40.

29- K. Marx, "Le 18 brumaire de Louis Bonaparte", Paris, Éd. Mille et une nuits, 1997.

30-Louis Althusser, "Idéologies et appareils idéologiques d’État", Positions, Paris, Éditions Sociales. 1976.

31- Ibid,. p.73.

32- Bourdieu," Réponses", Paris, Seuil, 1992, p.141.

33- Bourdieu, "La Noblesse d’État, Grandes écoles et esprit de corps", Paris, Minuit,1989, p.12.

34- Bourdieu, "Les méditations pascaliennes", Paris, Seuil, 1997, p.211.

35- Ibid,. 204.

36- Ibid,.

37- Ibid., p.205.

38- Ibid,.pp.208-209

39- Ibid., p. 210.

40- Bourdieu, "La Noblesse d’État", p.10.

41- Bourdieu, p.212.

مفهوم الثقافة: الثقافة بعناصرها وآفاقها تشكل نوراً يضيء أمام الإنسان سبل الحياة، ويجعله يرى الأمور بمصباح العقل ويضاء في دروبها طريقة التعامل مع الأشياء والقضايا المختلفة.. أنها (الثقافة) دعوة مستمرة للمعرفة والفهم والوعي. وبالتالي فأنها تكتنز قدرة خلاقة، تمكن المرء من تحويل طاقاته وإمكاناته إلى إنجازات وأفعال ترجع بالفائدة عليه وعلى وطنه ومجتمعه وربما يصح على ضوء هذه الحقيقة قول (هوريو) ف الثقافة من أنها ذلك الذي نحتفظ به حينما ننسى ما تعلمناه.. من هنا تعتبر نتاجاً لبعدين أساسيين:

1. نتاج لتراكم تاريخي يعيش عبر عدة أجيال، ويضيف كل جيل ويلغي، بما يتناسب وظروفه ومحيطه الاجتماعي والحضاري.

2. نتاج معاصر، فهي أيضاً نتاج للتفاعل الإجتماعي القائم، وبرغم كونها (الثقافة) نتاجاً للتفاعل الا أنها بمجرد تشكلها، فإنها تتحول إلى هذا التفاعل لتشكله حسب قوالبها الخاصة، وتضبط سلوكياته وترفعها في إتجاهات محددة.. لهذا فإن لكل ثقافة بيئة محلية وتاريخية ومجتمعية، ولها توازناتها الذاتية المستمدة من معطى المنابع والمصادر الأصلية لهذه الثقافة، ومعطى الواقع وتفاعلاته، لذلك فإن لكل ثقافة شخصية متميزة عن الثقافة الاخرى.

لهذا فإنه من الطبيعي أن يتعدد مفهوم الثقافة بتعدد الإيدلوجيات والإنتماءات المعرفية المختلفة حتى بلغت نحو (١٦٠) تعريفاً، حسب رأي عالم الانثربولوجيا الفرد كروبر وكلاسكهون.. ومن هنا تنبع أهمية تحديد مفهوم الثقافة، بإعتباره يشكل الأرضية والقاعدة التي تنطلق منها جميع المناشط الثقافية.

 والثقافة في منظور علماء الإنسان والأثروبولوجيا هي: المضاف الإنساني إلى حالات الطبيعة أي كل المكتسبات والإنجازات النظرية والعملية التي أنتجها الإنسان في تاريخه الإجتماعي.

وعرفت الثقافة في قاموس أكسفورد بأنها: الإتجاهات والقيم السائدة في مجتمع معين، كما تعبر عنها الرموز اللغوية والاساطير والطقوس وأساليب الحياة ومؤسسات المجتمع التعليمية والدينية والسياسية.

ويعرف إدوارد تايلور الثقافة في كتابه " الثقافة البدائية " الذي نشره ف عام (۱۸۷۱م) بأنها: هذا الكل المعقد الذي يتضمن المعرفة والإعتقاد والفن والحقوق والاخلاق والعادات، وكل قدرات وأعراف اخرى إكتسبها الإنسان كفرد في مجتمع.

ويفرق الكاتب وليام او جبرن في الثقافة بين مجالين، يطلق على أحدهما الثقافة المادية وعلى الأخرى الثقافة المتكيفة.. فالمجال الاول يضم في رأيه الجانب المادي من الثقافة أي مجموع الأشياء وأدوات العمل والثمرات التي تخلقها.. ويضم المجال الثاني الجانب الإجتماعي كالعقائد والتقاليد والعادات والأفكار واللغة والتعليم، وهذا الجانب الاجتماعي هو الذي ينعكس في سلوك الأفراد.

وعرفت المنظمة العالمية (اليونسكو) (UNESCO (الثقافة بقولها: أن الثقافة بمعناها الواسع يمكن أن ينظر اليها على أنها جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه، أو فئة إجتماعية بعينها، وهي تشمل الفنون والآداب وطرئق الحياة كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات.

وعلى هذا فأن الثقافة تعني كل ما ينتجه المجتمع من نتاج مادي أو معنوي.

كيف ينظر مالك بن نبي إلى مفهوم الثقافة؟

بعد ان ينتقد بن نبي مفهوم الثقافة في المدرسة الغربية والمدرسة الاشتراكية، ويحدد رؤيته لمفهوم الثقافة بقوله: فالثقافة إذن تتعرف بصورة علمية على أنها: مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه، والثقافة على هذا هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته. وهذا التعريف الشامل للثقافة هو الذي يحدد مفهومها، فهي المحيط الذي يعكس حضارة معينة، والذي يتحرك في نطاقه الإنسان المتحضر، وهكذا نرى أن هذا التعريف يضم بين دفتيه فلسفة الإنسان، وفلسفة الجماعة، أي معطيات الإنسان ومعطيات المجتمع، مع أخذنا في الاعتبار ضرورة انسجام هذه المعطيات في كيان واحد تحدثه عملية التركيب التي تجرها الشرارة الروحية، عندما يؤذن فجر احدى الحضارات.. (1)

وانطلاقا من هذا المفهوم للثقافة ووظيفتها المجتمعية يقوم بن نبي بربطها بالتاريخ والتربية حتى تشكل الثقافة نسقاً متكاملاً.

فالثقافة هي أولا محيط معين، يتحرك في حدوده الإنسان، فيغذي إلهامه، ويكيف مدى صلاحيته للتأثير عن طريق التب ادل والثقافة (جو) من الألوان والأنغام والعادات والتقاليد والاشكال والاوزان والحركات، التي تطبع على حياة الإنسان اتجاها وأسلوباً خاصاً يقوي تصوره، ويلهم عبقريته، ويغذي طاقاته الخلاقة.. إنها الرباط العضوي بين الإنسان والاطار الذي يحوطه.. وعلى ضوء هذه الحقيقة عرف مالينوفسكي (الثقافة بأنها الحرف الموروثة والسلع والعمليات الفنية والأفكار والعادات والقيم والبناء الاجتماعي والمواثيق التي تتعاهد الجماعات والمختلفة والأفكار والأعراف، فهي كل ما نعيشه وكل ما نلاحظه، أو هي باختصار كل ما يتعلق بعملية تنظيم بني البشر في جماعة.

مشكلة الثقافة

تقوم مشكلة الثقافة على تحديد يشمل أساساً الناحيتين الحيوية والتربوية، فالثقافة في مهمتها التاريخية، تقوم بالنسبة للحضارة بوظيفة الدم بالنسبة للكائن الحي، فالدم ينقل الكريات البيضاء والحمراء التي تصون الحيوية والتوازن في الكائن كما تكون جهاز مقاومته الذاتية.

وان مشكلة الثقافة من الوجهة التربوية هي في جوهرها مشكلة توجيه الافكار، ولذلك كان علينا أن نحدد المعنى العام لفكرة التوجيه، فهو بصفة عامة قوة في الاساس وتوافق في السير ووحدة الهدف فكم من طاقات وقوى لم تستخدم لأننا لا نعرف كيف نكتلها، وكم من طاقات وقوى ضاعت فلم تحقق هدفهت حين زاحمتها قوى أخرى صادرة عن المصدر نفسه متجهة إلى الهدف نفسه..

فالتوجيه هو تجنب الإسراف في الجهد وفي الوقت فهناك ملايين السواعد العاملة، والعقول المفكرة في البلاد العربية والإسلامية، صالحة لأن تستخدم في كل وقت والمهم أن ندير هذا الجهاز الهائل المكون من ملايين السواعد والعقول في أحسن ظروفه الزمنية والإنتاجية، وهذا الجهاز حي يتحرك يحدد مجرى التاريخ نحو الهدف المنشود، وفي هذا تكمن أساس فكرة توجيه الإنسان وإرشاده نحو المأمول.. وبلغة الاجتماع: الإنسان الذي يكتسب من فكرته الدينية معنى الجماعة ومعنى الكفاح، وليس يكفي مطلقاً أن ننتج أفكاراً بل يجب أن نوجهها طبقاً لمهمتها الاجتماعية المتحدة التي نريد تحقيقها.

يقول توماس هوبزان أن الثقافة في أحد معانيها ومفاهيمها تعني عمل يبذله الإنسان لغاية تطويرية، وحسب رأي مائيو ارنولد من أن الثقافة تقوم بعملية الارتقاء نحو الكمال الإنساني، وتتم بتمثل أفضل الافكار التي عرفها العالم، وبتطوير الخصائص الإنسانية المميزة. لذلك فإن الثقافة عامل مهم من عوامل رقي المجتمعات وتقدم الأمم.. وحتى تمارس الثقافة دورها النهضوي والتطويري في المجتمع من الضروري تحديد عناصر الثقافة لإنجاح مهمتها في المجتمع.

عناصر الثقافة

وعناصر الثقافة عند مالك بن نبي الآتي:

1. التوجيه الاخلاقي: لسنا هنا نهتم بالاخلاق من الزاوية الفلسفية ولكن من الناحية الإجتماعية وليس المقصود هنا تشريع مبادىء خلقية بل نحدد قوة التماسك اللازمة للافراد في مجتمع يريد تكوين وحدة تاريخية، هذه القوة مرتبطة في أصلها بغريزة الحياة في الجماعة عند الفرد، والتي تتيح له تكوين القبيلة والعقيدة والمدنية والأمة وتستخدم القبائل الموغلة في البداوة هذه الغريزة لكي تتجمع. والمجتمع الذي يتجمع لتكوين حضارة فإنه يستخدم نفس الغريزة ولكنه يهذبها ويوظفها بروحية خلقية سامية هذه الروح الخلقية منحة من السماء إلى الأرض، تأتيها من نزول الاديان، عندما تولد الحضارة ومهمتها في المجتمع ربط الافراد بعضهم ببعض، كما يشير القرآن الكريم (وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم)..

2. التوجيه الجمالي: لا يمكن لصورة قبيحة أن توحي بالخيال الجميل، فإأن لمنظرها القبيح في النفس خيال أقبح، والمجتمع الذي ينطوي على صوره قبيحة لا بد أن يظهر أثر هذه الصورة في أفكاره وأعماله ومساعيه والأفكار بصفتها روح الاعمال التي تعبر عنها أو تسير بوحيها، إنما تتولد من الصورة المحسة الموجودة في الإطار الاجتماعي والتي تنعكس في نفس من يعيش فيه، وهنا تصبح صورا معنوية يصدر عنها تفكيره فالجمال الموجود في الأطار الذي يشتمل على الوان وأصوات وروائح، وحركات وأشكال، يوحي للإنسان بأفكاره ويطبعه بطابعه الخاص من الذوق الجميل، أو السماجة القبيحة.. فبالذوق الجميل الذي ينطبع فيه فكر الفرد، يجد الإنسان في نفسه نزوعاً إلى الإحسان في العمل وتوخياً للكريم من العادات.

3. المنطق العملي: لسنا نعني بالمنطق العملي ذلك الشيء ال ذي دونت أصوله ووضعت قواعده منذ أرسطو وإنما نعني به كيفية ارتباط العمل بوسائله ومعانيه، وذلك حتى لا تستسهل أو تستصعب شيئاً بغير مقياس يستمد معاييره من واقع الوسط الاجتماعي وما يشمل عليه من إمكانيات أنه ليس من الصعب على الفرد المسلم أن يصوغ مقياساً نظرياً يستنتج به نتائج من مقدمات محددة غير أنه من النادر جداً ان نعرف المنطق العملي أي استخراج اقصى ما يمكن من الفائدة من وسائل معينة. ونحن أحوج ما نكون إلى هذا المنطق العملي في حياتنا، لأن العقل المجرد متوفر في بلادنا غير أن العقل التطبيقي الذي يتكون في جوهره من الإرادة والانتباه فشيء يكاد يكون معدوماً. واذا ما اردنا حصراً لهذه القضية فأننا نرى سببها الاصيل في افتقادنا الضابط الذي يربط بين عمل وهدفه، بين سياسة ووسائلها، بين ثقافة ومثلها، وبين فكرة وتحقيقها، فسياستنا تجهل وسائلها، وثقافتنا لا تعرف مثلها العليا، وأن ذلك كله ليتكرر في كل عمل نعمله وفي كل خطوة نخطوها.

4. الصناعة (الفن التطبيقي): لا نعني بالصناعة ذلك المعنى الضيق المقصود به اللفظ بصفة عامة في البلاد الإسلامية فإن كل الفنون والمهن والقدرات وتطبيقات العلوم تدخل في مفهوم الصناعة ومن المسلم به أن الصناعة للفرد وسيلة لكسب عيشه وربما لبناء مجده ولكنها للمجتمع وسيلة للمحافظة على كيانه واستمرار نموه.

وهذه العناصر الاربعة تتكامل لكي تشكل نسقاً يبدأ من الفكرة وينتهي بالإنتاج، وينبغي القول في هذا الاطار أن اختلاف مضامين الثقافات يؤدي إلى اختلاف الآثار على المستوى المجتمعي. فإذا كانت مضامين الثقافة صالحة - دينامية - فإن هذه الثقافة ستكون عاملا مهماً من عوامل النهوض بالحياة الاجتماعية. وإذا كان مضمون الثقافة فاسداً سيئاً فأنها ستؤثر على فاعلية المجتمع وتجعل النمو الاجتماعي صعباً أو مستحيلاً.

ويعلمنا التاريخ أن عالم الأفكار هو الأساس في عملية النهوض الحضاري لأي مجتمع، بمعنى أن بقاء نظام الافكار سليماً وفاعلاً سوف ينقل المجتمع إلى الواقع الاحسن. ويشير إلى هذه المسألة بن نبي بقوله: لقد ارانا تاريخ المانيا الحديث، كيف أن بلداً شهد الانهيار الكامل لعالم أشيائه قد استطاع باحتفاظه بعالم أفكاره أنيبني كيانه من جديد.

وتأتي العناصر الثقافية التي قام ببلورتها (مالك بن نبي) في أطار البحث عن أطر علاجية للمشكل الحضاري الذي تعانيه الامة العربية والإسلامية اذ سعى إلى بلورة المشروع الثقافي - الفكري، الذي يقاوم خطر التحلل والاندثار الحضاري التي كانت تعانيه الأمة من جراء المرحلة الاستعمارية البغيضة وتداعياتها المختلفة على مستوى الأمة أجمع.. لهذا فإن الجهد الفكري والنظري الذي بذله (بن نبي)كان بمثابة خط الدفاع الأول اتجاه حركة التفكك الطاحنة التي كان يتعرض لها المجتمع العربي - الإسلامي.

ويأتي اهتمام بن نبي بالثقافة وضروراتها في البناء الحضاري لما تشكل من أهمية قصوى لأنها تلخص تجربة المجتمع ووعيه بذاته ومحيطه. وجاء هذا الاهتمام في زمن بدأ الابتعاد التدريجي عن ما هو ثقافي ودوره التاريخي والحضاري، إلى ما هو سياسي كنظرية وممارسة.. " وهكذا يمكن القول ان الاهتمام بالثقافة لذاتها، أي لما تعبر عنه وما تمثله في النسق الاجتماعي بقي اهتماماً ضعيفاً في العالم العربي واعتبرت الثقافة بشكل عام أقل قيمة في إحداث التغيير الاجتماعي من العوامل السياسية والاقتصادية، بالرغم من حصول المناقشة كلها تقريباً في الميدان الثقافي، ولم يهتم الدارسون العرب بالثقافة إلا من زاوية ما تستطيع أن تقدمه من دعم للممارسة لسياسية او الاجتماعية " (۲). لهذا فأن اهتمام (بن نبي) بالثقافة أعاد لها الاعتبار ووضح دورها في النهضة ووظيفتها المعرفية والاجتماعية، وهو بهذا لا يعزل الثقافة كأفق وحركة عن حقل الحضارة والعلاقة مع الآخر الحضاري، كما انطلق بن نبي ف بلورة نظريته الثقافية، من واقع اتصال الثقافة بالحضارة واعتبارها أحد الحقول المهمة للحضارة.

لهذا كله فأن الثقافة ميدان أساسي، ينبغي ان توليه العناية الفائقة وبالخصوص في هذه الحقبة من الزمن الذي كثر فيه الحديث عن النظام الدولي الجديد.. والعناية بهذه الثقافة من الضروري أن تصل إلى مستوى التجديد والابداع الثقافي - لأن بقاءنا نستهلك الثقافات والافكار التي صنعها الغير في ظروف مختلفة عن ظروفنا، يحولنا إلى امة جامدة لا تستطيع بناء نفسها بما ينسجم ومتطلبات العصر، فضلاً على أن التجديد الفكري والثقافي، هو الذي يكشف عن عوامل الحركة والتطور ويعمقها في البناء الاجتماعي.

وأخيراً اذا ادرك الإنسان العربي والمسلم أهمية الثقافة ودورها في الوجود الاجتماعي، فسوف يمكنه ان يدرك حقيقة الدور الذي يناط به في نهايات القرن العشرين.

خصائص النظرية الثقافية 

أن التطورات والتغيرات السريعة التي تجري في بقاع العالم قاطبة، تؤكد علينا جميعاً ضرورة القيام بمراجعة فكرية - ثقافية، نكتشف من خلالها أصولنا الفكرية ومفاهيمنا الاصلية كخطوة أولى في سبيل أعادة تأسيس لمفاهيمنا ومقولاتنا الفكرية والثقافية، لكي تشارك بفكر فاعل وثقافة ناهضة في تطورات العالم ومنعطفاته الحضارية.

وبما أن المسألة الثقافية تلخص تجربة الأمة والمجتمع، ووعيها بذاتها ومحيطها فهي تشكل نافذة أساسية يطل من خلالها المرء على العالم وأحداثه وتطوراته. وعن طريق الجهاد الفكري والمعرف تتحول الثقافة في محيطنا الخاص والعام إلى ثقافة فاعلة وإيجابية، وتنقل الكتل البشرية المختلفة من موقع الصمت السلبي أو الاستهلاك الدائم، إلى موقع المشاركة الإيجابية ف مسيرة المجتمع والوطن.

 وتأسيسا على هذه الحقائق من الأهمية بمكان أن نتعرف على خصائص النظرية الثقافية عند (مالك بن نبي) لما تشكله هذه الخصائص من جوهر كتاباته وإنتاجه الثقافة وبنود وأركان مشروعه الثقافي - الفكري.. وهذه الخصائص هي كالآتي: 

1. التجديد والإبداع: وتتحلى هذه الخاصية، حينما يتحدث (بن نبي) عن شروط الحضارة ويقول: أن مشكلة الحضارة تنحل إلى ثلاث مشكلات أولية - مشكلة الإنسان - مشكلة التراب - مشكلة الوقت - فلكي تقيم بناء حضارة لا يكون ذلك بان نكدس المنتوجات وإنما بأن نحل هذه المشكلات الثلاث من أساسها..

وحتى تؤتي هذه العناصر ثمارها، لابد من وجود مركب الحضارة وذلك في أن مجموعها ناتجا للإنسان والتراب والوق، فلما لا يوجد هذا الناتج تلقائيا حيثما توفرت هذه العناصر الثلاثة ؟ وأنه لعجب يزيله اقتباسنا للتعليل الكيماوي... فالماء في الحقيقة نتاج للهيدروجي والاوكسجي وبرغم هذا لا يكونانه تلقائياً، فقد قالوا أن تركيب الماء يخضع لقانون معين يقضي تدخل (مركب) ما، بدونه لا تتم عملية تكون الماء.. وبالمثل لنا الحق في أن نقول: ان هناك ما يطلق عليه (مركب الحضارة) أي العامل الذي يؤثر في مزج العناصر الثلاثة بعضها ببعض، فكما يدل عليه التحليل التاريخي تجد أن هذا المركب موجود فعلاً، هو الفكرة الدينية التي رافقت دائما تركيب الحضارة خلال التاريخ.

ويوضح بن نبي هذه العناصر كالتالي:

الإنسان: إن المشاكل التي تحيط بالإنسان تختلف بإختلاف بيئته... فالإنسانية لا تعاني مشكلة واحدة بل مشاكل متنوعة تبعا لتنوع مراحل التاريخ... فلا يمكن لنا أن نقرن في الوقت الحاضر (بتعبير مالك بن نبي) بين رجل أوروبا المستعمر ورجل العالم الإسلامي القابل للاستعمار، لأن كليهما في طور تاريخي خاص به... فالأمر في الحالة الأولى يتعلق بحاجات غير مشبعة وديناميكية، مضطربة، على حين يتعلق في الاخرى بعادات راكدة وضعت للفرد في حالة توازن خامد، وحمول تامة، في الوقت الذي خطت فيه الحضارة خطوات العماليق. وعليه فالأمر متصل بمشكلتين مختلفتين في أساسهما، فهنالك هم في حاجة إلى مؤسسات بينما نحتاج هنا إلى رجال، فمن الرجل تنبع المشكلة الإسلامية بأكملها. ومشكلة الإنسان في أساسها لا تعالج إلا بتوجيه ثقافته، وتصفية العادات والتقاليد الميتة ف نفسيته وتنمية روح الإبداع لديه.

التراب: وهو أحد العناصر الثلاثة التي تكون الحضارة فإذا ما توفر المركب الديني لتركيب هذه العناصر فأننا نرى التراب في بلاد الإسلام جديراً ببحثه كعامل من عوامل الحضارة وحينما تتكلم عن التراب لا نبحث في خصائصه وطبيعته ولكننا نتكلم عنه من حيث قيمته الاجتماعية وهذه القيمة الاجتماعية للتراب مستمدة من قيمة مالكيه، فحينما تكون قيمة الأمة مرتفعة وحضارتها متقدمة يكون التراب عالي القيمة وحيث تكون الأمة متخلفة يكون التراب على قدرها من الانحطاط.

الوقت: بتحديد فكرة الزمن يتحدد معنى التأثير والإنتاج وهو معنى الحياة الحاضرة الذي ينقصنا هذا المعنى الذي لم نكسبه بعد وهو مفهوم الزمن الداخل في تكوين الفكرة والنشاط فتكوين المعاني والأشياء فالحياة والتاريخ الخاضعان للتوقيت كان ولا يزال يفوتنا قطارها، فنحن في حاجة ملحة إلى توقيت دقيق وخطوات واسعة لكي نعوض تأخرنا ويشير عمر كامل مسقاوي إلى الإبداع الثقافي عند بن نبي بقوله: فقد جاءت أفكار بن نبي حول مفهوم الثقافة برؤية جديدة لم تألفها المصطلحات المستوردة التي تمت صياغتها في إطار الفكر الليبرالي أو في إطار الفكر الاشتراكي التقدمي لذا شعر أستاذنا مالك بن نبي بالحاجة إلى جميع أفكاره حول الثقافة وعرضها من جديد، في صورة تحليلية تحفز الفكر العربي والإسلامي، وتحركه باتجاه اكتشاف الحقائق والمصطلحات بوسائل خاصة ووفق المعطيات النابعة من تجربته (3)..

وتتجلى قيمة الإبداع من الإنتاج الفكري لدى مالك بن نبي حينما يقول: أن التاريخ لا يصنع بالاندفاع في دروب سبق السير فيها، وإنما بفتح دروب جديدة، ولا يتحقق ذلك إلا بأفكار صادقة تتجاوب مع جميع المشاكل ذات الطابع الأخلاقي وبأفكار فعالة لمواجهة مشكلات النماء في مجتمع يريد إعادة بناء نفسه (4).

والتجديد الثقافي الذي ينشده مالك بن نبي في العالم العربي والإسلامي يتحقق بطريقتين:

1 - سلبية تفصلنا عن رواسب الماضي.

2- إيجابية تصلنا بالحياة الكريمة.

ويضرب (بن نبي) على ذلك بمثال من واقع الثقافة الغربية اذ يقول "ولعل أثر هذه النظرية قد لوحظ في الثقافة الغربية في عهد نهضتنا حيث كان توما الإكويني – ولو كان عن غير قصد منه لتكون الأساس الفكري للحضارة الغربية ولم تكن ثورته ضد ابن رشد وضد القديس أوغسطين الا مظهرا للتجديد السلبي حتى يستطيع تصفية ثقافته مما كان يراه فكرة إسلامية أو ميراث ميتافيزيقي للكنيسة البيزنطية. واتى بعده (ديكارت) بالتجديد الإيجابي الذي رسم للثقافة الغربية طريقها الموضوعي الطريق الذي بني على المنهج التجريبي، والذي هو في الواقع السبب المباشر بتقدم الحضارة الحديثة تقدمها المادي.

2- تكامل الأصالة والمعاصرة: إذ من الأخطاء العميقة التي وقع فيها الكثير من الكتاب والمثقفين، ان عطاءهم الفكري والثقافي، انطلق إما من موقع تراثي لا يرى في العلم الحديث ومكتسبات العصر ما يستحق الذكر والاستفادة منه. أو من مواقع القطيعة مع الثقافة الذاتية، والوقوف على أرضية الثقافة الغربية ومفاهيمها.. وكلا الموقعين قد ضيعا المسألة الجوهرية في هذا المضمار: التراث المنغلق..... ضيع مكاسب العصر وإنجازاته، والمغترب المتعالي قد ضيع تاريخه وقيم مجتمعه الجوهرية.. وإنطلاقا من منطق الإلغاء والنفي كل منهما للآخر فقد تحول النقاش إلى تبادل للاتهامات، وأصبحت براهين الطرفين وحججهما واحدة تقريباً في الشكل والمضمون ومنهج الحوار، رغم اختلاف الحقب وتبدل السياق التاريخي الاجتماعي والفكري فقد أحد أصحاب الحداثة على خصومهم تخلف تفكيرهم ومعاداتهم للتقدم وضلوعهم نتيجة ذلك موضوعياً مع القوى التي تريد للمجتمع العربي ان يبقى في حالة الانحطاط التي هو فيها.. وما لبث هذا الاتهام ان تحول إلى إتهام بالتآمر مع الغرب ومشاركته في إضعاف المقاومة العربية. ودرج الأصوليون بالمقابل من إسلاميين خالصين أو إسلاميين عروبيين على اعتبار فكر الحداثة والتحديث امتداد لفكر الغرب ووصموهم بالنقل عن المستشرقين والضلوع معهم في التآمر على الثقافة العربية، ونظروا اليهم على أنهم طابور خامس يساهم في تأكيد الغزو الروحي والسياسي والاقتصادي للغرب وتوسيعه " (5) وظل عطاء الكثير من الكتاب والمفكرين حبيس هذه المساجلات والاستقطابات المتبادلة بين التيارين.. بينما العطاء الثقافي الذي أوجده بن نبي قد تميز بتكامل كلا العنصرين.. اذ لا يمكن المقايضة بين التاريخ والحاضر.. وتنضح مسألة تكامل الاصالة والمعاصرة في فكر مالك بن نبي من خلال فهمه لمفهوم الحضارة، بإعتبارها قدرات تنبثق من إمكانات الداخل العربي والإسلامي، وليست هي مجموع المظاهر الاستهلاكية للحضارة.. اذ يقول: " الحضارة ليست شيئاً يأتي به سائح في حقيبته لبلد مختلف كما يأتي بائع الملبوسات البالية.. بل ان ابن المستعمرات هو الذي يذهب إلى الحضارة إلى مصادرها البعيدة... وقبل كل شيء إلى مصادرها الاقرب إلى أصالته وليس الحضارة في نية المستعمر ولو صحت هذه النية، بل هي نتيجة الجهد الذي يبذله كل يوم الشعب الذي يريد التحضر ".. وهو بهذا يرد على أولئك الذين يعتقدون أن محاكاة الغرب وتقليده في طل شيء هو سبيل التحضر وامتلاك ناصية الحضارة وتتضح هذه المسألة جلياً أيضا في النتاج الثقافي ل (بن نبي) حينما يقول في كتابه شروط النهضة: لا يجوز لأحد ان يضع الحلول والمناهج مغفلا مكان أمته ومركزها.. بل يجب عليه أن تنسجم أفكاره وعواطفه وأقواله وخطواته مع ما تقتضيه المرحلة التي فيها أمته، أما أن يستورد حلولا من الشرق أو الغرب، فإن ذلك تضييعاً للجهد ومضاعفة للداء.. اذ كل تقليد في هذا الميدان جهل وانتحار وعلاج أي مشكلة يرتبط بعوامل زمنية نفسية ناتجة عن فكرة معينة تؤرخ ميلادها عمليات التطور الاجتماعي، في حدود الدورة التي ندرسها في الفرق الشائع بين مشاكل ترسها في إطار الدورة الزمنية الغربية، ومشاكل اخرى تولدت في نطاق الدورة الإسلامية، ومجال المجتمع ليس كمجال الميكانيكا، وهو لا يرتضي كل الاستعارات، لان أي حل ذا طابع اجتماعي يشتمل تقريباً ودائما على عناصر لا توزن.. ولا يمكن تعريفها ولا يمكن ان تدخل في صيغة التعريف، على حين تعد ضمنا جزءا منه لا يستغني عنه، عندما تطبق في ظروف عادية أي في ظروف البلاد التي نستورد منها وإذن فلكي نواجه بطريقة فنية أية مشكلة اجتماعية، ينبغي الا يقتصر عملنا على اقتراض الحلول التي تأكدت صحتها خارج بلادنا اذ أن الضيغة المقتبسة صحيحة بلا أدنى شك ولكن في إطارها الاجتماعي في محيطها الذي تحلقت فيه، في نفحة الروح التي تخيلتها.

3- المنهجية والفاعلية: وهي عبارة عن القدرة الفذة التي تميز بها مالك بن نبي في إبراز مشكلة العالم المتخلف باعتباره قضية حضارة اولا وقبل كل شيء.. ويكشف لنا بن نبي عن منهجيته الفذة حي حديثه عن الدورة الخالدة اذ يقول: " ان مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشاكله ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق بفكرته إلى الاحداث الإنسانية وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها، وما الحضارات المعاصرة، والحضارات الضاربة في ظلام الماضي والحضارات المستقبلية إلا عناصر للملحمة الإنسانية منذ فجر القرون إلى نهاية الزمن " (6). والمنهجية في فكر بن نبي لا تعني الجمود والترهل على المستوى الفكري والعملي، وإنما أسند بن نبي فكرة المنهجية بفعالية وديناميكية تتصف بها معالجاته لشئون الثقافة والحضارة.. اذ يقول: فالفكرة من حيث كونها فكرة ليست مصدراً للثقافة أعني عنصراً صالحاً لتحديد سلوك ونمط معين من أنماط الحياة، فإن فاعليتها ذات علاقة وظيفية بطبيعة علاقاتها بمجموع الشروط النفسية الزمنية التي ينطبع بها مستوى قد يتغير بطريقتين: فهو عندما يرتفع تعرض له في الطريق أفكار ليست من بين القوى الجوهرية التي نتجت عنها الحركة التاريخية فإذا بهذه الافكار تتقادم ثم تختفي.. ففكرة حجر الفلاسفة التي كانت من أكبر دوافع الفكر العلمي خلال العصر الوسيط، هذه الفكرة قد ماتت منذ اعلن (لافوازييه) نتائج أبحاثه الكيميائية.. وهو عندما يهبط تنقطع من منابع خقلية وعقلية صدرت عنها فتكسب هذه الأفكار وجودا صناعيا غير تاريخي وبذلك تفقد كل معنى اجتماعي "(۷). ولكي يكون عطاء الثقافة فعالاً ومستديما، لابد من ان نوثق الصلة الضرورية بين الفرد وعالم الافكار وعالم الاشياء وعالم العناصر والظواهر الطبيعية.

إن توثيق صلة عالم الاشخاص بهذه العوالم هو الكفيل يخلق واقع اجتماعي جديد.. من خلال هذه الخصائص الثقافية تجد أن المشروع الفكري ل (مالك بن نبي) (۵ ۱۹۰ - ۱۹۷۳م) اتجه إلى المشكلة الأصلية والأساسية في العالم العربي والإسلامي... ولهذا فقد عاشت فكرة الحضارة في عقله ووحداته وشغلت تفكيره في كل كتاباته، إلى درجة تستطيع أن نقول معها أن الفكر الإسلامي المعاصر لم يشهد تقريباً مفكرا شغلته قضية الحضارة مثل (مالك بن نبي)، الذي يعتبر شخصية فكرية خصبة جديرة بالدراسة، وهو المفكر الذي اهتم بالجانب الحضاري وفلسفة التاريخ والاجتماع وشغلته مشكلات أمته فعالجها بروح موضوعية " (8)

فمشكلة الحضارة هي مشكلة العالم العربي والإسلامي الجوهرية، ولذلك اهتم بن نبي بها وركز جهوده الفكرية والنظرية في سبيل بلورة الرأي، واقتراح الحلول لتجاوز هذه المشكلة الحضارية. ويشير إلى هذه المسألة مالك بن نبي نفسه بقوله: أعتقد أن المشكلة التي استقطبت تفكيري واهتمامي منذ أكثر من ربع قرن وحتى الآن، هي م شكلة الحضارة وكيفية إيجاد الحلول الواقعية لها، وإزالة التناقض بين النجاح المادي والتخلف المعنوي، أعني تخلف القيم أو اهمالها، ولقد شعرت منذ فترة طويلة وعلى وجه التحديد منذ وصولي إلى أوروبا لتلقي العلم عام (۱۹۳۰م) أن المجتمعات المعاصرة بالغة التعقيد ومتعددة الأنواع.

ويتجه عطاء بن نبي الثقافي والفكري نحو ادخال العالم العربي والإسلامي في دورة حضارية جديدة واعادة الشعوب العربية والإسلامية إلى حلبة التاريخ.

***

محمد محفوظ – باحث سعودي

........................

الهوامش

1- شروط النهضة - مالك بن نبي - ص ۸۳

2- برهان غليون - إغتيال العقل - ص ٢٢

3- مشكلة الثقافة - مالك بن نبي - ص ٨

4- مشكلة الافكار ف العالم الإسلامي - مالك بن نبي - ص ١٤٣

5- اغتيال العقل - الدكتور برهان غليون من ٤٦

6- شروط النهضة - مالك بن نبي ص ٢٠

7- مشكلة الثقافة ص ٤٧

8- مفاهيم أساسية في فكر مالك بن نبي -محمد عبد السلام الجفائري.

 

"لم يكن ماركس مفكرًا في القرن التاسع عشر فحسب، بل كان ولم يزل منظّرًا يستشرف أبعاد الحاضر والمستقبل، وما زالت تحليلاته حول الرأسمالية والعولمة والتناقضات الاجتماعية تظل موجهة لنا حتى اليوم." المؤرخ البريطاني إيريك هوبسباوم (Eric Hobsbawm) (1).

1- مقدمة:

إنّ أوضاع الطبقة العاملة في عصرنا تغيّرت كثيراً عمّا كانت عليه في زمن ماركس، لكنّ الجوهر واحد لم يتغيّر. فالرأسمالية تُحوّل الإنسان إلى مادّة خامّ قابلة التّصنيع والتّسويق وتجعله موضوعاً أو شيئاً للبيع والشّراء ومصدراً ل لرّبح والثروة والقوة. وهنا يكمن جوهر الرأسمالية في أيّة مرحلة من مراحل تطوّرها، وفي أيّ مستوى من مستويات تبدّلها وتغيّرها. ومهما تغيّرت الظّروف والأحوال فإنّ جوهر الرأسمالية الاغترابيّ - القائم على الاستغلال الطبقي والاجتماعي - لم يزل قائماً لا تبدّل ولا تغيّر في طبيعته الأساسيّة.

وعلى الرّغم من كلّ هذا التّباعد بين نظريّة ماركس الاغترابيّة - التي وصف لنا فيها الكيفيّات التي يغترب بها العامل في الإنتاج - والتّغيّرات الحادثة، فإنّ الشيء الذي لا يمكن نكرانه ولا التّهوين من شأنه هو فرضيّته التي تقول: إنّ الرأسمالية - أيّا كانت صيغتها ومراحل تطوّرها - ستجرّد الإنسان من إنسانيّته. وهذه هي الحقيقة التي لا يمكن لأحد أن يجحدها في الإرث الماركسيّ. وإذا كان ماركس قد وصف لنا بعضا من وجوه الاغتراب في الماضي، فإنّ هذا الاغتراب يأخذ اليوم ألف وجه ويتجلّى في أكثر المناطق الحيويّة في الإنسان: في أعماق الرّوح والوعي والإرادة والوجود الأخلاقيّ.

والحصيلة من ذلك أنّ أفكار ماركس ما زالت تفرض حضورها وصلاحيّتها في فهم العصر الذي نعيش فيه، وهذا ما يؤكّده الكاتب والصّحفيّ البريطانيّ فرانسيس وين (Francis Wheen) في كتابه المعروف "رأس المال لكارل ماركس" الذي يرى فيه أنّ الرأسمالية مهما بلغت شأوها، ومهما حقّقت من انتصارات عظيمة، فإنّها تبقى كارثة"(2). وذلك " لأنّها تحوّل البشر إلى سلعٍ يمكن مبادلتها بسواها من السلع، وإلى أن يتمكّن البشر من تحقيق أنفسهم بوصفهم ذوات التاريخ لا موضوعاته، لا يمكن أن يكون ثمة مفرّ من هذا الطّغيان" (3).

2- القدرة على الاحتواء والتجاوز:

وعلى هذا الإيقاع، يصوغ المفكر الفرنسيّ هنري لوفيفر (Henri Lefebvre) رؤيته مستلهما ماركس في كتابه المعنون "الماركسية" (Le Marxisme) (4): " كيف يُعقل تجاوز تصوّر عن العالم يحتوي هو ذاته على نظريّة التّجاوز؟". وفي هذا السياق نفسه يرى لوفيفر أن الماركسية ليست فقط نظامًا فكريًا مغلقًا يمكن تجاوزه، لأنها تحتوي في داخلها على آلية نقدها وتجاوزها لذاتها. أي أن الماركسية بوصفها فلسفة للتاريخ والتغيير، تتضمن في صلبها دينامية داخلية تجعلها قادرة على النقد الذاتي والتجدد. وهذا يعني أنه لا يمكن تجاوز ماركس لأن فكره لا يكتفي بوصف الواقع، بل ينطوي على نظرية لتغييره وتجاوزه. وهذا يجعل من الماركسية فكرًا مفتوحًا على المستقبل يصعب تجاوزه دون أن يُستبطن أو يُعاد إنتاجه بطريقة ما. وفي هذا السياق يقول المؤرّخ الماركسيّ إيريك هوبسباوم(Eric Hobsbawm) في سياق حوار مع المفكر الفرنسي البارز جاك أتالي (Jacques Attali) "إنّه لمن المفارقة الغريبة أنّ الذين يعيدون اكتشاف ماركس هم في معظمهم من الرّأسماليّين" (5). وفي هذا السياق يؤكد جاك أتالي رؤية هوبسبام الآنف الذكر التي تفيد أن ماركس هو اليوم "أكثر أهمّيّة من أيّ وقت مضى"، مشيراً إلى أنّ تحليلاته الرأسمالية ما تزال تكشف الكثير من أوجه الاختلال في العالم المعاصر(6).

ويمكننا القول في هذا الاتّجاه: إنّ نظرية ماركس لم تفقد مشروعيّتها في الوقت الحاضر، وبقيت صالحة كأداة لتحليل النظام الرأسمالي. ومن الثّابت أنّ ماركس قد ألحّ مراراً وتكراراً على تقاطب الفقر والغنى، وأشار دائما إلى أنّ تراكم الثّروة في أيدي الأغنياء يقابله تراكم الفقر عند الفقراء. وهذا هو الأمر الذي يمثّل جوهر التّناقض في النظام الرأسمالي الذي يشكّل نظاما تقاطبياً بامتياز.

أمّا تطوّر ظاهرة الاغتراب والتّشيّؤ في النظام الرأسمالي فيمكن الاستدلال عليها من خلال الوصف الذي يقدّمه الممثّل البريطانيّ الشّهير شارلي شابلن (Charlie Chaplin 1889 - 1977) في فيلمه الشّهير "العصور الحديثة" (Modern Times) في عام 1936. إذ يصوّر بداية حالة الاغتراب والقهر الّتي يتعرّض لها الإنسان داخل المصنع فيما يطلق عليه خطّ التّجميع في الإنتاج، وهو النّمط الاغترابيّ الذي يتعدّى ما يجري داخل المصنع وسط العمل، فيشمل ما يحدث خارجه. وبعد ثلاثين عاما اندلعت ثورة الشّباب الجامحة في أوروبا - وتحديدا في فرنسا - عام 1968 (حركة ماي التّحرّريّة). وكانت هذه الثّورة (في وجه من وجوهها) تجسّد حالة القهر وتعبر عن الثّورة ضدّ ما تتعرّض له آدميّة الإنسان، وكانت أيضا وصفاً بليغاً لما يجري للمستهلكين خارج المصنع من تنميط ينذر بتحوّل كلّ منهم إلى الإنسان ذي البعد الواحد(One-dimensional Man) كما يسمّيه هربرت ماركوز(Herbert Marcuse). وبعد مرور ثلاثين عاما شهدت الإنسانيّة أعنف مظاهر القهر الإنسانيّ ببداية الخطر التكنولوجي الّذي يتحرّك سريعاً وبعيداً ليتجاوز كلّ الحدود والخطوط والممنوعات، " إنّه اليوم يتحرّك ليدمّر أعمق أعماق الإنسان، إنّه يهدّد شعوره وأعماقه الواعية واللاواعية، الشعورية واللاشعورية، إنّه يمارس قهرا على المخّ والتفكير عند الإنسان. وتتمثّل هذه الثورة التكنولوجية المدمّرة في ما يطلق عليه اليوم ثورة المعلومات والثّورة الرّقميّة. وهذا يعني في نهاية الأمر أنّ التّهديد أصبح ينال من الإنسان بوصفه كائنا عاقلا يمارس ملكة التفكير وكائنا يمارس فعاليّة المشاعر والأحاسيس الإنسانيّة " (7).

لقد دفعت هذه التّطوّرات المبهرة المفزعة الإنسانيّة إلى حالة اغترابيّة لا مثيل لها في تاريخ الوجود. وأصبح الإنسان بكينونته الخلاّقة مجرّداً من الكرامة والهويّة والحسّ الإنسانيّ، فالإنسان اليوم في ظل الضغط التكنولوجي يتحوّل إلى آلة، في الوقت الذي تتحول فيه الآلة إلى إنسان كما يحدث في عالم الروبوتات الذكية. وهذه لعَمري ذروة الاغتراب والتّشيّؤ. ومع أنّ ماركس عاش في زمن مختلف ولم يعايش هذه الطفرات الذكية الخارقة في التطور، ولم يكن أيضا قادراً على إدراكها والتنبؤ بها فإنه رغم ذلك لم يخطئ أبداً في إدراك الجوهر الاغترابيّ للرأسمالية، ولم يكن بالإمكان له أو لأيّ أحد آخر في زمنه أن يدرك الصّيرورة التي سيتّخذها منحى التّشيّؤ في زمن الثّورة الصّناعيّة الرّابعة.

5- الرّأسماليّة تحفر قبرها:

يقول ماركس في أحد أهمّ تنبّؤاته إنّ الرّأسماليّة " تنتج، أوّل ما تنتج، حفّاري قبرها، فسقوطها وانتصار البروليتاريا أمران حتميّان" (8). وهو في هذه الرّؤية الاقتصاديّة يستند أيضا إلى قوانينه الديالكتيكية، ولا سيّما قانون " نفي النّفي " (The Law of the Negation of the Negation)(9) الذي يرى من خلاله أنّ الرّأسماليّة تنطوي على بذور فنائها. ومع ذلك لم يحن الوقت للقول بسقوط تنبّؤات ماركس على وجه الإجمال، فكثير من مقولاته وتوقّعاته لم تزل مشروعة في جوهر أمرها حتّى يومنا هذا. ويجد القول المذكور تأييده فيما ذهب إليه المفكّر التّروتسكيّ البريطانيّ)(10) آلان وودز(Alan Woods 1944 -) الّذي يقرّ براهنيّة نظريّة ماركس في كتابه « راهنيّة أفكار كارل ماركس»، إذ يرى أنّ "نظرية ماركس استطاعت الصّمود في الاختبار التّاريخيّ، وخرجت الآن منتصرة" (11)، ويستند وودز في رؤيته لهذا الصّمود إلى ما ورد في كتاب ماركس "رأس المال" الذي بيّن فيه أنّ السّوق الرّأسماليّة لا تضبط نفسها تلقائيًّا، بل تُنتج بفعل تناقضاتها الدّاخليّة أزمات دوريّة تؤدّي إلى انهيارها، كما حصل في أزمة عام 2008.

وممّا يؤكّد مشروعيّة هذه التّنبّؤات أنّ الرّأسماليّة واجهت نسقاً منتظما من الأزمات الخانقة والاهتزازات الاقتصاديّة العنيفة التي تواترت بقوّة منذ أزمة الائتمان في بريطانيا عام 1772، تلاها الكساد الاقتصادي العظيم (Economic Depression) بين عامي 1929 - 1933، ثمّ الأزمة الآسيوية في عامي 1997 - 1998 التي أدّت إلى انهيارات اقتصاديّة في دول "النّمور الآسيويّة" (Dragons asiatiques)، ويشار أيضا إلى أزمة أسعار النفط سنة 1973 التي كادت تطيح باقتصاديّات الدّول الرّأسماليّة، ثم الأزمة الاقتصاديّة في سنتي 2007 - 2008 التي أحدثت انهياراً ماليّاً في مختلف أنحاء العالم، ثم أزمة جائحة كورونا التي كادت تُسقط المنظومة الرّأسماليّة كلّها، وأخيراً أزمة الحرب الرّوسيّة الأوكرانيّة التي أنتجت تأثيرات وخيمة في اقتصاديّات الدّول الغربيّة، وهي تضع العالم اليوم على شفير حرب نوويّة محتملة. ويمكن أن نضيف إلى ذلك الانتفاضات الطّلاّبيّة والجماهيريّة التي تشهدها الولايات المتّحدة الأمريكيّة وأوروبّا على خلفيّة الإبادة العرقيّة والعنصريّة التي تنفذها إسرائيل بدعم من الصهيونية العالمية في غزّة الفلسطينيّة التي تتعرض اليوم لإبادة عرقية لم يعرف لها التاريخ مثيلا على مرأى العالم الراسمالي الذي يمد الكيان الصهيوني الغاصب بالسلاح وأدوات التدمير والموت والإبادة. وهي كلّها حوادث وتوتّرات تُهدّد بنية النّظام الرّأسماليّ العالميّ في المركز، وليست في الأطراف هذه المرّة(12).

ويمكن أن نلاحظ اليوم تواتر عدد كبير من الدراسات المستقبليّة والبحوث الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي تتضمّن ما يفيد بأنّ النّظام الرّأسماليّ ينطوي في ذاته على بذور فنائه. ويمكن الإشارة في هذا الخصوص إلى كتاب الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري (Michel Onfray) الموسوم "من يسوع إلى بن لادن، حياة الغرب وموته" (Décadence: De Jésus à Ben Laden, vie et mort de l'Occident.) (13) الذي يشتمل على توقّعات تنذر بنهاية الحضارة الغربيّة لأنّ الحضارات كلّها ذائقة الموت، وعليه فإن انهيار الحضارة الغربيّة وسقوطها أمر لا مردّ له ولا مفرّ منه. ونجد مثل هذا التّصوّر في كتاب الفيلسوف الفرنسيّ بيار توبي (Pierre Toubia) "الانفجار الأكبر. تقرير حول انهيار الغرب" (The Great Explosion) (14) الذي يرصد فيه العوامل التي ستؤدّي إلى زوال الحضارة الغربيّة، منها النّزعة الاستهلاكيّة، وهيمنة الثقافة المادّيّة وسيطرة التكنولوجيا القائمة على الذكاء الاصطناعي، والتّغييرات الجوهريّة التي تنتاب روح الإنسان وأخلاقيّاته. ويعدّ الشاعر الفرنسيّ شارل بودلير (Charles Baudelaire: 1821-1867) من أوائل الذين حذّروا من التّدهور عندما رأى أنّ التكنولوجيا التي يعيش بها الغرب تُدمّر الثقافة والقيم (15).

ويوجد عدد كبير من المفكّرين الّذين يرون أنّ النظام الرأسمالي يعاني تواتر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالغة الخطورة التي لا تهدّده هو فحسب، بل تهدّد الحضارة الإنسانيّة برمّتها، فالحروب النّوويّة تدقّ الأبواب، وبعض الدول تُحضّر للحروب الجرثوميّة القاتلة، وهي حروب تهدّد نظام الحياة على الكوكب. والغرب اليوم - كما يعلم الجميع - يقف على شفا هاوية قد تأخذه إلى حرب مدمّرة فتّاكة لا تبقي ولا تذر في مواجهة الشرق المتمثّل في روسيا بوتين التي تخوض معارك مصيريّة في أوكرانيا. ومن يتأمّل يعين بصيرة سيجد أنّ الرأسمالية تفتك بالطّبيعة والإنسانيّة والمجتمع، وهي في هذا المسار التّدميريّ تنذر بهلاك المجتمعات الإنسانيّة قاطبة. ولا بدّ من الإشارة أيضا في هذا السياق إلى أنّ الذكاء الاصطناعي يهدّد اليوم بتسريح 80% بالمئة من العمالة ووضعهم في دائرة العاطلين عن العمل، وهذا يشكّل تهديدا للنظام الرأسمالي كلّه. وهنا يكمن المعنى الحقيقيّ لمفهوم ماركس الذي يوحي بأنّ الرأسمالية تحفر قبرها، أو تفرز حفّاريه. وعلى هذا الأساس تقوم النّظريّات الجديدة التي تتنبّأ بنهاية التاريخ وسقوط الحضارة، كما يعلن الفيلسوف الألمانيّ أوسفالد شبنجلر (Oswald Spengler 1880 - 1936) في كتابه "تدهور الحضارة الغربيّة" (The Decline of the West) (16) الذي يستند فيه إلى عدد كبير من أزمات النظام الرأسمالي المتكرّرة عبر الزّمن (17).

لقد شكّك عالم الاقتصاد البريطانيّ جون هيكس(John Hicks 1904 - 1989) في كتابه "القيمة ورأس المال" (Value and Capital) عام 1939 في قدرة الرأسمالية على البقاء والاستمرار، واقترح في الوقت نفسه أن تستخدم الحكومات سلطتها في التّحكّم بالاستثمار والسّياسة النّقديّة لتخفيف حدّة هذه التّقلّبات، ممّا يعكس قلقه بصدد استقرار النظام الرأسمالي دونما تدخّل فعّال (18). ونجد ما يماثل هذه الرؤية في أعمال جون ماينارد كينز (John Maynard Keynes) الاقتصادي البريطانيّ الأشهر في بداية القرن العشرين (1883 - 1946)- وهو أحد نقّاد ماركس - إذ ‏كتب يقول في كتابه المعروف: " نظريّة عامّة في العمالة والفائدة والنّقود")(19) (The General Theory of Employment) (1936)(20): "إنَّ الرأسمالية طور ‏ انتقاليّ سيختفي حين ينجز عمله"(21). ويتردّد هذا التّوجّه حول سقوط الرأسمالية وانحلالها في كتاب رجل السّياسة والاقتصاد النّمساويّ جوزيف شومبيتر(Joseph Schumpeter 1883 - 1950) "الرأسمالية والاشتراكية ‏والديمقراطية" (Capitalism, Socialism and Democracy) 1942 (22)، وهو الكتاب الذي يتنبّأ فيه بأنَّ الرأسمالية لا تستطيع البقاء. ولم تتوقّف الكتابات التي تؤكّد النّبوءة التي تقول بنهاية الرأسمالية. وفي هذا الصدد نشرت صحيفة الـ فاينانشل تايمز (Financial Times) مقالاً لها بعنوان "عودة إلى ‏رأس المال" (Das Kapital Revisited) بتاريخ 28 أغسطس 1998، داعية إلى إعادة قراءة عمل كارل ماركس الرئيسي "رأس المال" (The Capital) في ضوء التحولات الاقتصادية والاجتماعية الحديثة. وتناولت المقالة الأزمات الاقتصادية العالمية آنذاك، مثل الانهيار المالي في روسيا والأزمات الاقتصادية في آسيا وفي مختلف أنحاء العالم، وتدعو المقالة إلى إعادة النظر في أهمية أفكار كارل ماركس حول الرأسمالية ولاسيما تلك التي صدرّرها في كتابه الشهير "رأس المال" ويعكس عنوان المقال تجدُّد الاهتمام بانتقادات كارل ماركس للرأسمالية في تلك الفترة ولاسيما تأكيده حتمية سقوطها اختناقاً بأزماتها.

ويتجدّد هذا الرأي عند رجل المال الأمريكيّ من أصول مجريّة جورج سوروس(George Soros) في كتابه "أزمة الرأسمالية العالميّة: ‏مجتمع مفتوح معرَّض للخطر" (The Crisis of Global Capitalism: Open Society Endangered) الّذي ينوّه إلى حتميّة سقوط النظام الرأسمالي، ويحذّر سوروس في هذا الكتاب من أنّ النظام الرأسمالي العالمي يواجه أزمات متكرّرة نتيجة لعدم استقراره الدّاخليّ، ويُعزى ذلك إلى غياب التّنظيم الكافي في الأسواق الماليّة العالميّة. ويرى أنّ هذه الأزمات قد تؤدّي إلى انهيار النظام إذا لم يتمّ اتّخاذ إجراءات إصلاحيّة جذريّة (23).

ويتّضح ممّا تقدّم أنّ مقاربات ماركس الاقتصادية شكلت المصدر الأكثر إلهاماً للمفكرين في تناولهم لأوضاع النظام الرأسمالي والبحث في أزماته واختناقاته. وسادت ‏وجهة نظر ماركس التي تؤسس للقول أنّ الاقتصاد هو القوّة التي تدفع التّطوّر الإنسانيّ، وأصبحت أفكاره هذه أكثر انتشاراً بين المفكرين في ‏المجتمعات الغربيّة.

ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى كتاب الصحفيّ العالمي جيمس بوكان (James Buchan) المُعنون "رغبة مجمَّدة: بحث ‏في معنى النّقود" (Frozen Desire: An Inquiryinto the Meaning of Money.) عام 1997 الّذي يطلق فيه عبارته المشهورة قائلاً "إنَّ "ماركس" راسخ في ‏ قلب تفكيرنا الغربيّ" (24). وهو الأمر نفسه الذي حدا بالصّحفيّيْن في مجلّة الـ (إيكونوميست) (The Economist) ""جون ‏مايكلثوايت" و"أدريان وولدريدج" في كتابهما "مستقبل تامّ: تحدّي العولمة ووعدها المضمر" عام 2000 (25) إلى تأكيد أهمّيّة الرؤية الماركسيّة المذهلة في تفنيد قضايا العولمة والرأسمالية العالميّة " (26). ويمكن القول في هذا السياق أن نظرية ماركس الاقتصادية حول الرأسمالية وحتمية سقوطها ما زالت تستقطب المفكرين المعاصرين وتحظى باهتمامهم وما زال كتاب ماركس رأس المال يشكل أيقونة الاقتصاد العالمي الأكثر قدرة على تحليل وفهم الديناميات الخفية التي تعتمدها الرأسمالية في السيطرة على الاقتصاد العالمي وهو الكتاب الذي تتجلى فيه قدرة ماركس وعبقريته الفكرية.

6- تقاطب الغنى والفقر في العالم:

ومن المهمّ أنّ ماركس قد ابتدع رؤية سوسيولوجيّة تتميّز بالأهمّيّة والخطورة، إذ كان يؤكّد دائما في مختلف أعماله على تقاطب الفقر والغنى في العالم، وكان يرى أنّه كلّما اشتدّ الفقر في جانب تراكمت الثّروة والغنى في جانب آخر. وقد صدقت رؤيته هذه في مختلف مراحل تطوّر المجتمع الرأسمالي، وتكفي نظرة خاطفة اليوم على جغرافيّة توزيع الثّروة في العالم المعاصر لتبرهن على مصداقيّة المقولة الماركسيّة في التقاطب بين الغنى والفقر. هذا وتبيّن التّقارير الاقتصادية حديثا أنّ 1% من سكّان العالم يمتلكون نصف ثروته.، وأنّ 10٪ من السّكّان يملكون 85% من الثّروة في العالم، وفي المقابل فإنّ 90% لا يملكون إلاّ 15٪ من إجمالي الثّروة، وبصيغة أخرى يمتلك 30٪ من السّكّان 97٪ من مجموع الثّروة (27). وتؤكّد مثل هذه الإحصائيّات وغيرها على أنّ تنبّؤات ماركس كانت صحيحة في جوهرها. ومن ينظر في إحصائيّات الفقر والفاقة والجوع والحروب سيجد أنّ النظام الرأسمالي يدمّر العالم ويدمّر نفسه في الآن الواحد، وفي هذا الاتّجاه تشير الإحصائيّات العالميّة إلى أنّ نحو 700 مليون شخص يتقاضون دون 2. 15 دولاراً للفرد في اليوم، وهو خطّ الفقر المدقع الذي يتمركز في أجزاء من منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، والمناطق المهمّشة والمتأثّرة بالصّراعات، والمناطق الرّيفيّة. كما تشير الإحصائيّات الأحدث إلى أنّ 1. 3 مليار شخص ما يزالون يعيشون في فقر " متعدّد الأبعاد"، وأنّ نصفهم تقريباً هم من الأطفال والشباب. ويضاف إلى ذلك نموّ تجارة الأطفال والجنس والمخدّرات بمقاييس خرافيّة. وتدلّ هذه الظواهر والمؤشّرات على أنّ النظام الرأسمالي متخم بالأزمات والتّناقضات، ممّا يؤكّد لنا أنّ تصوّرات ماركس حول طبيعة هذا النظام تمتلك راهنّيتها ومصداقيتها التاريخية.

وتأخذ هذه الوضعية في التفاوت بين قطبي الفقر والثراء طابعها المأساوي اليوم تأكيداً لتنبؤات ماركس إذ يتعمّق تفاوت الثّروة على نحو مفاجئ. فَدَخْلُ ملياردير مكسيكيّ واحدٍ في اليوم يساوي ما يجنيه الملايين السبعة عشر من أفقر المواطنين المكسيكيّين. لقد خلّفت الرأسمالية ازدهاراً أكثر ممّا عرفه التاريخ من قبل. وبحسب البنك الدّوليّ فإنّ 2. 74 مليار نسمة في سنة 2001 كانوا يعيشون بأقلّ من دولارين في اليوم. وعلى هذه الصّورة - في مشهد التقاطب بين الفقر والغنى- سيتسبّب اتّساع الهوّة بين الأثرياء والفقراء في البلدان الغربيّة الأكثر ضعفا إلى زعزعة استقرار المجتمع من الداخل. ويعبّر يورغن راندرز (Jorgen Randers) عن هذه الوضعيّة بقوله: "مع حلول عام 2050، سينقسم المجتمع في الولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة إلى طبقتين، إذ تعيش حفنة من الأثرياء في رغد من العيش في حين تتدهور الأوضاع المعيشيّة للغالبيّة، ومن ثَمّ ستنهار العدالة الاجتماعية"(28). وممّا لا شكّ فيه أنّ هذا التقاطب للفقر والغنى سيشكّل يوما ما أحد عوامل انهيار النظام الرأسمالي القائم بصيغته الجديدة كما يرى عدد كبير من المفكرين وعلماء الاقتصاد في العالم (29).

7- التّحوّلات في النظام الرأسمالي:

ومهما يكن الأمر، فإنّ فكر ماركس قد أضاء بقوّة في المستويات الاقتصادية وسجّل حضوره المُظفّر في أزمنة متعاقبة، ولا سيّما في النّصف الأول من القرن العشرين. ومع أهمّيّة ما حقّقه من سبق فكريّ، فإنّه ينبغي علينا أن نأخذ بعين الاعتبار التّغييرات الهائلة الذي فرضت نفسها في ساحة الفكر كما في مجال الثّورات العلميّة والتّكنولوجيّة. ومثل هذه التّحوّلات الهائلة التي ضربت بقوة في عمق الحضارة الغربيّة خلال العقود الماضية تفرض استحضار نسق من الملاحظات حول مشروعيّة النّظريّة الماركسيّة الاغترابيّة في العصر الذي نعيش فيه اليوم. ولا بدّ لنا في إطار هذه الرؤية النّقديّة من الإشارة إلى التّغيّرات الجوهرية في بنية النظام الرأسمالي الذي انتقل من صيغته الكلاسيكيّة في القرن التّاسع عشر إلى صيغته الليبرالية الجديدة أو ما يُسمّى بالنّيوليبراليّة (Neoliberalism)(30) في القرن العشرين.

وقد اجتاحت هذه التّغيّرات وضعيّات الطبقات العاملة والعمل والإنتاج وطبيعة الوعي، ولا سيّما التّطوّرات الجديدة التي أدّت إلى أتمتة الإنتاج بصورة واسعة وشاملة. ولم يكن بإمكان ماركس أن يدرك - مهما بلغت عبقريّته - ما سيعتري المجتمعات الحديثة من تغيّرات هيكليّة. ويرى معظم الباحثين أنّ النظام الليبرالي الرأسمالي الجديد يختلف جوهريّا عن النظام الرأسمالي الكلاسيكيّ الذي كان سائدا في عهد ماركس. ومن هذا المنطلق، فإنّ نظريّة التّشيّؤ الماركسيّة لا يمكنها أن تُعبّر عن الوضعيّة الدّيناميّة المتحوّلة للاغتراب والتّشيّؤ في ميدان العمل والإنتاج. إذ لم يعد هناك خطوط للإنتاج كما كان الأمر في عهد ماركس، ولم يعد العامل ترساً في آلة الإنتاج كما جرت العادة على وصفه، فكلّ شيء تغيّر وكلّ أمر قد تبدّل، وأصبحت التّكنولوجيا الذّكيّة المتقدّمة القائمة على الذكاء الاصطناعيّ الفاعل الرئيس في عمليّة الإنتاج والتوزيع. ويعني هذا كلّه أنّه لا يمكن لنظريّة ماركس الاغترابيّة أن تُفسّر لنا كلّ ما يجري اليوم في عالم الإنتاج والعمالة والوعي الطبقي. وماركس نفسه لم يُحدّثنا عن المطلقات في نظرياته، ولو كان ماركس على قيد الحياة لأقرّ بأنّ نظريّته الاغترابيّة بشكلها التّقليديّ قد عفا عليها الزمن، وأنّ التّطوّر المستمرّ هو من طبيعة الأشياء والأفكار.

من المؤكّد أنّ ماركس استطاع أن يفرض مشروعيّة نظريّته في زمنه انطلاقا من تحليله لأوضاع العمّال المزرية في معامل النّسيج وأوضاع المناجم والبؤس الواسع الانتشار الذي عمّ الطبقات العمّاليّة في عصره، ولكنّ نظريّته غير مؤهّلة اليوم للبحث في طبيعة المجتمعات الغربيّة ما بعد الصّناعيّة التي تختفي فيها الطبقات الاجتماعية بصيغتها الكلاسيكيّة (31).

ومن الواضح اليوم أنّ المجتمعات الغربيّة شهدت تغيّرات جوهريّة بدأت منذ منتصف سبعينيّات القرن العشرين، وجرى هذا التّغيّر تحت تأثير الثّورة الصّناعيّة الثّالثة ثمّ تحت تأثير الثّورات العلميّة الكبرى، ولا سيّما الثّورة الصّناعيّة الرّابعة. وقد أدّت هذه التّغيّرات إلى تحوّلات نوعيّة لم يكن في مقدور ماركس – أو أيّ أحد آخر- أن يتصوّرها، ومنها الأتمتة الشّاملة للإنتاج الصّناعيّ، واعتماد المجتمعات الغربيّة - وسائر بلاد العالم المتطوّر - على الذكاء الاصطناعي منهجاً عصريّاً في معالجة مختلف مظاهر الوجود والحياة. وفي خضمّ هذه الثّورات الصّناعيّة والتّكنولوجيّة القائمة على الذكاء الصناعي الخارق تغيّرت القوانين التي تحكم الأسواق والتّجارة، وأصبحت مختلفة كلّيّا عمّا عهدته الرأسمالية في زمن ماركس، وتُضاف إلى ذلك التّغيّرات المذهلة في بنية الطبقات العاملة التي تحوّلت من طبقات جامدة بائسة إلى طبقات سائلة مرنة تختفي وتظهر وتأخذ أشكالاً متغايرة في بؤسها وشقائها ونعيمها. ويتّضح أنّ الطبقات العمّاليّة الفاعلة قد تآكلت ثمّ تعرّضت " لعدوان تشريعيّ وسياسيّ وحشيّ أضعف تحالفاتها التّقليديّة، فيما نمت بشكل أكثر حدّة الهويّات بحسب الجنس والعرق والدّين واللّغة وأصبحت الشّؤون السياسية مُدارةً ومتلاعبا بها بازدياد" (32).

ولم يعد العامل هو ذلك الرّجل البائس المعفّر وجهه بالتّراب، أو هذا الذي اكتست ملامح وجهه بسواد الفحم وثيابه بغبار المصانع، على شاكلة أبطال الرّوائيّ الفرنسيّ إميل زولا(Émile Zola 1840 - 1902) - في سلسلة (Les Rougon-Macquart) - لم يعد هو ذلك العامل البائس المقهور الذي يعمل تحت دويّ الآلات وأزيز المحرّكات، ولم يعد هو ذلك العامل الذي يتنقّل في الحافلات، ويقف على قارعة الطّريق كما كان الأمر في زمن ماركس. فالعامل اليوم أصبح من ذوي الياقات البيضاء، يرتدي أفضل الماركات، ويكتسي بأفخم البِذلات والربطات. لقد تحوّلت الطبقات العاملة إلى جيش من الموظّفين الذي يعملون في حقول النّقل والتّوزيع والإنتاج، ويستخدمون أفضل أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليّة تفاعلهم مع أنشطة الإنتاج. وهذا لا يعني أنّ هؤلاء العمّال قد وصلوا إلى درجة من الغنى والثّراء، فالفقر في جوهره يلاحقهم والدّيون تثقل كواهلهم، والرّهون العقارية تهدّد مصائرهم والتّأمين الصّحيّ لا يفي بمطالب علاجهم، وهم عرضة للطرد والإحالة والاستغناء عن خدماتهم أو استبدالهم. وهم ضحايا تشيّئيّة تتّخذ لَبوساً تنكّريّاً متجدّداً.

وفي ظلّ هذا التّحوّل في أوضاع الطبقات العاملة وانسيابيّاتها المرنة أصبح من الصّعب الحديثُ عن ثورة ماركسيّة طبقية، فالطبقات تآكلت ووقع استيعابُها كلّيّا في آليّات الإنتاج الرأسمالي الجديد الذي يعتمد على التكنولوجيا الذكية. ولو أخذنا على سبيل المثال، وليس الحصر، ظاهرة الإنتاج الزّراعيّ لوجدنا أنّ الطبقة العاملة في هذا الميدان قد اختفت تماماً مع انتشار الأتمتة الزّراعيّة، فآلة الحصاد ألغت العمالة اليدويّة لحساب الأتمتة في مختلف مظاهر الإنتاج، حتى إنّك لم تعد ترى عاملا في الحقول أو بين الأشجار، وهذا يحدث أيضا في المصانع، إذ يختفي العمّال وتحلّ الآلات المبرمجة بأحدث أدوات الذكاء الاصطناعي في مختلف ميادين العمل والإنتاج.

وفي هذا الاتّجاه أشارت أنيتا شاري(Anita Chari) في كتابها "العمل الفارغ: الكسل والمقاومة في مكان العمل" (Empty Labor: Idleness and Workplace Resistance) إلى أنّ العمل الذّهنيّ في الرأسمالية بلغ كبيراً من الهيمنة، وأدّى إلى إحداث تحوّلات جوهريّة في بنية العمل والإنتاج داخل النّظام الرأسمالي. وتُبيّن شاري أنّ الإنتاج بدأ يأخذ طابعا ذهنياً ناعماً ويحلّ محلّ العمل المادّيّ الذي ساد في المراحل السّابقة للرأسمالية. وقد اشتمل هذا التّحوّل على فواعل جديدة تتمثّل في إنتاج المداخيل وبناء رؤوس الأموال، وذلك في إشارة منها إلى تدخّل التكنولوجيا الذّكيّة المتمثّلة في وسائل الاتّصال الاجتماعي (تويتر، وفيسبوك، والهواتف الذّكيّة) التي بدأت تشكّل قوّة جديدة في الفعل الإنتاجيّ للرأسمالية السائلة(33). وترى شاري أنّنا نعيش اليوم في زمن "ما بعد الصناعة" ذاتها، وهو الأمر الذي يضع الإنسانيّة جمعاء في موضع التّساؤل. فالعمل المادّيّ قد تحوّل إلى عمل ذهنيّ عقليّ شفّاف يمارس دوره في عمليّة إنتاج السّلع وتلبية مطامح رجال الأعمال (34). وقد ساهم تعاظم الاستخدام المُنظّم للذكاء الاصطناعي في تدمير مؤسّسات إنتاجيّة كلاسيكيّة كبرى. ويحضرنا اليوم أنّ برمجيّات ذكيّة متوفّرة مجّانا على شبكة النت أدّت إلى إلغاء مصانع ومعامل ومؤسّسات كبرى، ومثال ذلك: برنامج تحديد المواقع العالميّ (Global Positioning System) وهو برنامج مجّانيّ صغير أدّى اليوم إلى الاستغناء عن مصانع كاملة كانت تعنى بإنتاج الأجهزة الصلبة لتحديد المواقع. وقد نتج أيضا عن ظهور برامج صغيرة لحجز السفريات وغيرها اختفاء أسواق ضخمة من المكاتب التي كانت تعنى بعمليّات الحجز. وأدّى تركيز برنامج " أوبر" (Uber) للنقل إلى ثورة في عالم النقل والمواصلات واختفاء كبير لمكاتب سيّارات الأجرة في العالم. ناهيك عن اختراع الهاتف المحمول الذي أحدث ثورة في عالم العمل. فالتّطبيقات الذّكيّة اليوم تعوّض جيوش العمّال في مختلف القطاعات، واختفاء عدد كبير من العمّال - وكذلك المهن - يستمرّ ويتصاعد وسيتسبّب في أزمة عالميّة كبرى في النّظامين الرّأسماليّ والاشتراكيّ على حدّ سواء، وهذه الثّورة الرّقميّة لم تكن يوما في حسبان ماركس، ولا يمكن تفسيرها في ضوء نظريّته. وممّا يجدر ذكرُه في هذا الإطار أيضا انتشارُ "العمل عن بعد" (Le travail à distance)، وهي ظاهرة من نتائج جائحة كورونا الّتي أجبرت ملايين البشر العاملين على التزام الحجر (confinement) لمُدد طويلة، ومن ثَمّ مواصلة ممارسة الأنشطة بواسطة الأنترنت.

في زمن ماركس، يمكن القول إنّ العلاقات الاجتماعية للسّوق كانت المصدر الرّئيسيّ للأشكال المجسّدة للوعي الاجتماعي. ولكن في الرأسمالية المعاصرة، عُدِّلَت علاقات السّوق من خلال قوّة الشّركات الاحتكاريّة والدّولة البيروقراطيّة. لقد أنتج تطبيق العلم على الصّناعة تحوّلات عميقة في بنية علاقات الإنتاج وفي تشكّلاته، فقد حلّ العمل العقليّ والذكاء الصناعي محل العمل اليدويّ في شتّى مناحي الإنتاج والاقتصاد.

وفي ظلّ هذه التّغيّرات الجوهريّة ظهرت أشكال جديدة من التّشيّؤ. فإلى جانب صنم السلع الأساسية، أصبح لدينا الآن صنم التكنولوجيا وصنميّة البيروقراطية وصنميّة المؤهّلات المهنيّة، وقد شكّل إدخال التّقانة الذّكيّة الجديدة في مجال الإنتاج الضّخم والاتّصالات والسّيطرة أحد أهمّ مصادر التّشيّؤ في المجتمع الرأسمالي المعاصر. ففي مجال الإنتاج المعاصر أصبحت الآلات الإلكترونيّة معنيّة بمراقبة العمال وتنظيم عمليّة الإنتاج، وبصيغة أخرى نُقِلَت وظائف اتّخاذ القرار وتنسيق الإنتاج من العمّال إلى الآلات، وهو الأمر الذي ينطوي على نمط جديد من الاغتراب والتّشيّؤ لم يكن لماركس القدرة على تصوّره(35). فبينما كان العامل يستخدم أدوات الإنتاج، أصبحت الآن أدوات الإنتاج تستخدم العامل. ونتيجة لهذا فإنّ التّرتيبات الاجتماعية التي كانت ذات يوم نتاجاً واضحاً للفاعليّة البشريّة أصبحت الآن بمثابة ضرورات تكنولوجية. إنّ تطوّر التكنولوجيا في المجتمع الرأسمالي يقدّم مثالاً واضحاً لديالكتيك ماركس حول " تشيّؤ العلاقات الإنتاجية" و" تشيّؤ الأشياء". وكما ظهر تاريخيّا، فإنّ عمليّة الابتكار التكنولوجي تعكس المصالح الطبقية لأولئك الذين يتحكّمون في تصميمها وتطبيقها. وبشكل عامّ، فإنّ الابتكارات التي تُركّز المعرفة وصنع القرار في أيدي المديرين وتفرض رقابة أكثر صرامة على وتيرة العمل وتقلّل من الحاجة إلى العمالة الماهرة، تُفقد العمّال قدرتهم وتقلّص من هامش مقاومتهم. ويتمثّل الوجه الآخر للتكنولوجيا الذّكيّة في أنّها تعمل اليوم على تعزيز العلاقات الاجتماعية الرأسمالية. وهكذا، فإنّ خضوع العمل لرأس المال ينعكس في خضوع العامل للآلة التي بدأت تفرض هيمنتها الذكية وسطوتها الرقمية؛ وعلى مستوى الوعي الاجتماعي، فإنّ نمط الإنتاج التكنولوجي يفرض مسؤوليّته عن الطابع الاغترابيّ للعمل في المجتمع المعاصر(36).

وقد شكّلت هذه الوضعيّة - أي تبعيّة العامل للآلة - إحدى القضايا المحوريّة التي تناولها عالم الاجتماع جاك إلول (Jacques Ellul) (37)في كتابه ذائع الصّيت "المجتمع التكنولوجي" (The Technological Society)(38) الذي يبحث فيه مسألة "المصانع المجرّدة من الإنسانيّة " في المجتمع الحديث. وقد كتب يقول: " إنّه من غير المجدي أن نهاجم الرأسمالية، فالرأسمالية لم تخلق عالمنا؛ بل الآلة هي التي خلقته" (39). والبيّنُ اليوم أنّ النظام الرّأسماليّ الجديد تمكَّن من تفكيك الطبقات المناهضة له واستقطاب معظم القوى ‏ المنافسة ودمجها في حركته الشّموليّة، واستطاع حتّى استقطاب النّقابات العمّاليّة ومختلف أشكال التّجمّعات الحقوقيّة وإدماجها في بنية النظام الرأسمالي، وفوق ذلك كلّه استطاع أن يُوظّفها في خدمة توجّهاته وخياراته وللسّيطرة على مختلف ‏ مظاهر الفعل والتفكير والسّلوك اليوميّ لدى الإنسان المعاصر. وإزاء هذه الوضعيّة المأساويّة سقط الإنسان والإنسانيّة في براثن الاستلاب الرأسمالي، وأصبح الفرد كيانا استلابيّاً في دوّامة الحركة الرأسمالية المعاصرة فاقداً إرادته ووعيه وقدرته على التّغيير والـتّأثير وتقرير المصير. ولا ريب أنّ الرأسمالية تمثّل اليوم جهازا إداريّاً جبّاراً يمتلك مختلف وسائل ‏ القمع والإكراه والضّغط والسّلب والإغواء والإغراء على حدّ سواء، وهي تستخدم هذه القوى كلّها في عمليّة سحق القوى المناهضة لها وتدمير جميع المؤسّسات والهيئات التي تقف في طريقها. وعلى هذه الصّورة يجد الإنسان المعاصر نفسه في دوّامة الخضوع للنظام الرأسمالي القائم، ولا يجد أمامه سوى الشّعور بالإحباط والاستسلام. وقد لا نبالغ بالقول إنّ الإنسان في هذا العصر الرأسمالي أصبح كائنا عدميّا فاقدا للوعي والإرادة وغير قادر على إدراك ما يجري حوله من تحوّلات وما يلمّ به من تغيّرات، إذ سقط في بؤرة التّشيّؤ الذي يشكّل "القلب ‏ النّابض للأيديولوجيات الرأسمالية" (40).

وباختصار، لم يكن لماركس الذي عاش في النّصف الثاني من القرن التّاسع عشر، أو لأحد سواه أن يكون شاهداً على التّغيّرات الجوهريّة العميقة التي تحدث في الزمن الرأسمالي الجديد، إنّه عصر يتزامن مع نمط جديد من الثّورات العلميّة التي تحقّقت مع التّقدّم الذي أنجزه النظام الرأسمالي. وقد لاحظنا أنّ الطبقات العاملة في الغرب قد حصلت على مكاسب كبيرة في الوقت الذي كان فيه الاستبداد والقهر يعمّان في البلدان الشّيوعيّة. وهنا علينا أن نأخذ في الحسبان المعطيات الفكريّة لماركس في ظلّ الأوضاع التاريخية التي عاش فيها واستطاع أن يستكشف أبعادها ويهتك أسرارها، وهذا يعني أنّه يتوجّب علينا أن ننظر إلى فكر ماركس في السياق الذي وجد فيه وعبّر عنه وليس في السياق التّاريخيّ والحضاريّ لأزمنة جديدة تختلف عن زمنه بمعطياته وخصوصيّته. وهذا لا يمنع أبدا من فهم الحاضر في ضوء التّصوّرات الماركسيّة التي قدّمت مؤشّرات مهمّة جدّا لحركة المستقبل وفق قوانين الديالكتيك المادّيّة.

8- نقد النظرية الماركسية:

يمكن أن نجمل أهمّ الانتقادات التي وُجّهت إلى نظريّة ماركس على النّحو الآتي:

أوّلا - لم يكن لماركس أو لأيّ أحد آخر القدرة على التّنبّؤ بالتّطوّرات المذهلة والتّعقيدات الهائلة التي حدثت في بنية النظام الرأسمالي، وبناء عليه فليست نظريّته مؤهّلة عمليّاً لتفسير طبيعة هذه التّطوّرات. ويرى جمع من المفكّرين أنّ الظّروف الاقتصادية والاجتماعية قد تغيّرت كثيراً من عهد ماركس، وأنّ التّشيّؤ الاجتماعي يمكن أن يتطوّر مع الزمن والتّغيّرات الاجتماعية والتكنولوجية. ولا يعقل أن نُحمّل ماركس المسؤوليّة من هذا الجانب، ويكفي ماركس فضلا وريادة أنّه فهم عصره، وامتلك القدرة على تحليل ظروفه التاريخية بطريقة عبقريّة.

ثانيا – يعيب بعض المفكّرين على نظريّة ماركس أنّها تمركزت حول العوامل الاقتصادية، وأنّها لم تعط للعوامل الثّقافيّة والنّفسيّة دورها في عمليّة التّشيّؤ، ولم تُولِها ما تستحقّه من اهتمام. وكثيراً ما يتردّد بأنّه لا يمكن تفسير عمليّة التّشيّؤ الاجتماعي عن طريق الهياكل الاقتصادية فحسب، ويجب أن تؤخذ العوامل الثقافية بعين الاعتبار. وقد ركّز روّاد مدرسة فرانكفورت على الجوانب الثّقافيّة والسّيكولوجيّة لعمليّة التّشيّؤ الاغترابيّ. ومع ذلك فهناك كثير من المفكّرين الّذين يرون أنّ ماركس لم يهمل قطّ العوامل الثقافية ودور البنى الفوقيّة في التّأثير في الاقتصاد، وإن كان يولي العوامل المادّيّة والاقتصادية أولويّة أكبر.

ثالثا- يرى بعض النّقّاد أنّ نظريّة ماركس الاغترابيّة قد وُظِّفَت أيديولوجيّاً في المستويات السياسية، وقد استخدمت كأداة أيديولوجيّة لتبرير المصالح السياسية للأحزاب اليساريّة، ولا سيّما في بلدان المعسكر الاشتراكيّ سابقا. وهذا الأمر يتناقض مع الرؤية العلميّة لنظريّة ماركس في هذا المجال. وقد أوضحنا أنّ الممارسات الّتي ارتكبت باسم الماركسيّة هي بعيدة عن روحها. فالماركسيّة نظريّة منتصرة للكرامة الإنسانيّة ولحقوق البشر وحريّتهم.

رابعا - وبشكل عامّ، وعلى الرّغم من أنّ نظريّة ماركس في التّشيّؤ الاجتماعي قدّمت فهماً عميقا لكيفيّة تشكّل القيم والتّصوّرات الاجتماعية حول السلع في المجتمعات الرأسمالية، فإنّها تواجه تحدّيات في تطبيقها العمليّ وفي فهمها الشّامل للدّيناميّات الاجتماعية والاقتصادية الحديثة. ويقتضي هذا تعميقَ التّفكير في ملاءمة المنطلقات الماركسيّة مع تحوّلات التّاريخ. وهو جهد يُنتظر من الدّارسين والباحثين - وكذلك المناضلين والنّاشطين - أن يضطلعوا به لابتكار أجوبة راهنة لقضايا عصرنا وإشكالاته.

ومهما يكن من أمر هذه الانتقادات، فإنّ نظريّة ماركس الاغترابيّة لا تزال تُعتبر أداة ناجعة لفهم بعض جوهر التّحدّيات الاجتماعيّة والنّفسيّة التي تواجه الأفراد في المجتمعات الرأسمالية، وتبقى موضوعاً للدراسة والنقاش في العديد من السياقات الأكاديميّة والبحثيّة.

9- خاتمة:

خلصنا إلى أهميّة الأفكار الماركسيّة وراهنيّتها وما تُقدّمه لنا من عطاء معرفيّ وعون منهجيّ. وفي هذا المسار يمكن القول إنّ النّظريّة الاغترابيّة عند ماركس فرضت تأثيرها في القرن العشرين، وقد تجلّى هذا التّأثير بداية في فلسفة لوكاش، ولا سيّما في عمله المدوّي "تحطيم العقل "كما في كتابه "التاريخ والوعي الطبقي". وهو الذي اكتشف مفهوم التّشيّؤ عند ماركس وعمل على صقله، فأعطاه زخماً فكريّاً تاريخيّاً تمثّل في قدرته الهائلة على تجديده وتطويره بما يتناسب وروح القرن العشرين.

وبرز تأثير نظريّة التّشيّؤ في مختلف أعمال وأفكار وتصوّرات روّاد مدرسة فرانكفورت، فتجلّى هذا التّأثير بوضوح وقوّة لدى كلّ من كارل غرونبرغ وهوركهايمر وأدورنو وماركيوز وفروم وهنيث وهابرماس، وامتدّ إلى الجيل المعاصر من منتسبي هذه المدرسة الذين كانوا في كلّ محاولاتهم يهتدون بنظريّة ماركس ويستضيئون بمنهجه، حتّى لَيكادُ المرء عندما يقرأ لهم يحسب نفسه أنّه يقرأ في نظريّات كارل ماركس نفسه. وينحو هذا القول إلى الاعتقاد جزماً بأنّ الخميرة الفكريّة الماركسيّة ما زالت حاضرة بقوّة في معظم الأعمال التي قدّمها ممثّلو مدرسة فرانكفورت، ويتجلّى هذا التّأثير الكبير على نحو خاصّ في كتاب هربرت ماركيوز "الإنسان ذو البعد الواحد" الذي ستوحي تحليل ماركس لمفهوم التّشيّؤ في النظام الرأسمالي. ومن يقرأ أيضا في أدبيّات الاغتراب عند عالم الاجتماع الألمانيّ إريك فروم (Erich Fromm) يتأكّد أنّه لم يخرج بعيداً عن الأصول الماركسيّة. وهنا لا بدّ من الاعتراف بأنّ بعض الإضافات الجوهريّة قد تجلّتْ في كتابيه "الإنسان بين الجوهر والمظهر" (41) و"الخوف من الحرية"(Escape from Freedom) (42). وقد حضر هذا التّأثير القويّ في كتاب لوكاتش " التاريخ والوعي الطبقي " الذي استطاع بدوره أن يجترح خطّاً ماركسيّاً جديداً في تناوله لمفهوم الاغتراب من وجهة نظر سّوسيولوجيّة صرفة.

وفي ضوء ما تقدّم يمكن القول: إنّ نظريّة ماركس الاغترابيّة تركت أثرها الكبير في التّفكير الفلسفيّ والسّوسيولوجيّ الحديث على مدى القرن العشرين، وما زال هذا التّأثير يفرض نفسه اليوم، ولا سيّما في الرّبع الأوّل من القرن الحادي والعشرين، وما هذا الدراسة إلاّ نوع من التّأكيد على أنّ المَعين الفكريّ لكارل ماركس لم ينضب بعد، وأنّ فكره ما زال يتدفّق بالعطاء، ويرتسم على صورة طاقة فكريّة منهجيّة تحليليّة ليس لها بديل في دراسة النظام الرأسمالي حديثه وقديمه أو ما بقي منه قائما في الوجود. ويمكن القول إنّ النّجاح المظفّر لنظريّة ماركس الاغترابيّة يعود إلى المنهج العلميّ الذي وظّفه في تناول هذه الظّاهرة في النظام الرأسمالي.

وممّا لا ريب فيه أنّ نظريّة ماركس مارست تأثيرها الكبير في العالم الرأسمالي، وأنّ كثيرا من الإنجازات والمكتسبات التي حقّقتها الطبقات العاملة في العالم كانت نتيجة طبيعيّة للوعي الماركسيّ بحقوق العمل والعمّال. فالرأسمالية ذاتها، كما يرى الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسيّ الماركسيّ رايمون آرون (Raymond Aron 1905 - 1983)، "مَدينة لماركس من حيث لا يدري؛ وربّما لولا ماركس لانحرفت الرأسمالية نحو الزّوال منذ فترة (...) فالرأسمالية أعادت ضبط مسارها بناء على الانتقادات التي كانت توجّهها الماركسيّة لها" (43).

ومن المؤكّد اليوم أنّ ماركس استطاع أن يقدّم للإنسانيّة تحليلاً بارعاً لتلك القوى التي تتحكّم بحياتنا، ‏وما تنتجه من زعزعة واغتراب واستغلال؛ "وإنَّ كُتُب ‏ماركس ستظلّ جديرة بالقراءة ما دامت الرأسمالية باقية... وبعيداً عن أن يُدفن تحت أنقاض ‏جدار برلين، لعلَّ ماركس لم يبرز إلّا الآن بأهمّيّته الحقّة، ولعلّه يغدو المفكّر الأشدّ نفوذاً في ‏القرن الحادي والعشرين"‏(44).

ومن الواضح أنّ ماركس، فوق ذلك كلّه، قد أبدع مدخلاً منهجيّاً مرناً يُمكّننا من استكشاف الطّابع المُجسّد للعمل وتحليل الفعاليّة الإنتاجيّة للنظام الصّناعيّ الرأسمالي الذي يحوّل الموجوداتِ كلّها إلى سلع وأشياء وأصنام تخضع لقانونيّات الإنتاج الرأسمالي الصّارم في أسواق العرض والطّلب.

فالنظام الرأسمالي - وفق ماركس - يخلق لنا مجتمعاً بلا روح وبلا ثقافة إنسانيّة حقيقيّة، وهو في الوقت نفسه يُشيّء كلّ مظاهر الوجود: النّاس والأشياء والمعاني والدّلالات. لقد بيّن ماركس أنّ أقصى حالات التّشيّؤ والاغتراب تُصيب الطبقات العاملة والفقيرة التي تفنى في عمليّة الإنتاج، وتتحوّل ضمن سياقاته الوحشيّة إلى أشياء يفقد فيها النّاس العاملون أرواحهم وأحلامهم وطموحاتهم، ويصيرون كائنات هلاميّة هجينة فاقدة للرّوح والمعنى والدّلالة. فالرأسمالية لا ترى في العمّال المنتجين أكثر من أدوات وآلات وأشياء تخضع لقوانين الفيزياء الحسّيّة الملموسة. وقد لاحظ ماركس أنّ الآلات البشريّة المنتجة تحتاج إلى صيانة وتجديد وتطوير، وأنّ لكلّ آلة أجلاً مُسمّى تنتهي بعده إلى مكاسر الآلات، فالأجور الّتي يحظى بها العامل ليست أكثر من صيانة لهذا العامل؛ إذ تضمن له الحدّ الأدنى من العيش ليكون قادراً على العمل، وبصيغة أخرى، فإنّ الأجور في منظور الرأسمالية لا تعدو أن تكون تجديدا لطاقة العامل الذي يشكّل مصدر الرّبح والثّروة والقوّة بالنّسبة إلى الرّأسماليّ ورأس المال.

وقد أجاد ماركس استكشاف أعمق أسرار الإنتاج الرأسمالي وأخطر تأثيراته على الإنسانيّة والإنسان. فالرّأسماليّة تمثّل في تكوينها وآليّات اشتغالها جحيم العمّال والطبقة العاملة ومحرقة المعوزين والفقراء والمسحوقين الّذين يشكلون أيضا، وبالضّرورة، إنتاجاً رأسماليّاً. فالمشرّدون والمُهمّشون والفقراء والمسحوقون ليسوا في نهاية الأمر إلاّ نتيجة لفعاليّة النظام الرأسمالي الذي ينتج الثّراء في جانب، والفقر والفاقة والجوع في جانب آخر من المجتمع. وهذا يعني أنّ الرّأسماليّة هي أكبر منتج للبؤس الإنسانيّ، وهي تعمل في حركة تطوّرها على تدمير البيئة والأخلاق والقيم والإنسان.

ومهما تكن الانتصارات السياسية التي حقّقتها وتُحقّقها الرأسمالية، إلاّ أنّ الرأسمالية تبقى كارثة على البشريّة لأنّها تحوّل البشر إلى سلع تمكن مبادلتها بسواها من السلع. وإلى أن يتمكّن البشر من تحقيق أنفسهم بوصفهم فاعلين في التاريخ، وليسوا مجرّد ضحاياه، فلا يمكن أن يكون ثمة مفرّ من هذا الطّغيان الرأسمالي". لذلك علينا أن نؤكّد أنّ المنهج الماركسيّ والفلسفة الماركسيّة، - والتي وصلت إلى نضج طرحها الفلسفي ووعيها بقوانين الاقتصاد السياسي في كتاب "رأس المال" - هما مجموعة متناسقة ومنسجمة من الأساليب والمبادئ يجري استخدامها لمعرفة الواقع وإعادة صياغة هذا الواقع على أسس ثوريّة. وهذا النهج يتّسم بالانسجام والانتظام، ويحلّل العمليّات الاقتصادية - الاجتماعية التي تجري في المجتمع بوحدتها وتناقضاتها المرحليّة والتّاريخيّة.

ومن المفارقة بمكان أنّ الرأسماليّة الّتي تفقد الإنسان روحه وكيانه الإنسانيّ وتحوّله إلى أداة تضفي بالمقابل على الأشياء وعلى السلع والمنتجات والموادّ الأوّليّة طابعاً غائيّاً ذاتيّاً. وهنا تتجلّى بصورة واضحة المعادلة الرأسماليّة الّتي يتحوّل فيها الإنسان إلى موضوع وأداة، ويقابل ذلك تحويل الموضوع (الشيء) إلى قيمة وذات. ولا يمكن أن تكون نهاية الاغتراب إلّا بالقضاء على ظاهرة التشيّؤ الإنسانيّ الّتي تفقد الإنسان معناه وتجرّده من قيمته وتستلب منه دلالته الروحيّة وقيمته الغائيّة (45). فالرأسماليّة اللّيبراليّة الجديدة تجعل من تطوير الصّناعة وسيلة للرّبح وللسّيطرة وللقوّة، وهي تعمل، حسب تعبير ماركس، على "تأليل" الإنسان، (تحويله إلى آلة) بل إلى كيان متشيّء، بل إلى صنميّة إنسانيّة شديدة التوحّش والانحدار(46).

وبعبارة أخرى، استطاعت الرأسماليّة أن تحوّل الإنسان إلى شيء من الأشياء المادّيّة وإلى كيان مفرغ من الرّوح الّتي تنبض بالمشاعر الإنسانيّة الخلّاقة، فالرأسماليّة بأدواتها الجبّارة استلبت الإنسان وجرّدته من مشاعره وأحاسيسه وإنسانيّته ليصبح ترساً في آلتها الإنتاجيّة الجبّارة. وفي هذا المجتمع الرأسماليّ تقوم المنظومة بتجريد الفرد من محتواه الإنسانيّ وتدمّر في أعماقه القيم والمبادئ الأخلاقيّة، كما تدمّر صلاته الإنسانيّة بالعائلة والصّداقة والدّين والأخلاق والقيم، فيزداد عمق ارتباطه بالوسط الصّناعيّ للمجتمع الرّأسماليّ. وقد جرّد هذا التشيّؤ الصناعيّ الإنسان من قدرته على التحكّم بمصيره وحياته ووجوده الإنسانيّ. فالطبقة الرأسماليّة الّتي تسيطر على مصيره تحوّله إلى أداة للإنتاج وإلى سلعة للرّبح، وإلى طاقة للاستهلاك تستثمر في تعزيز فائض القيمة وتحقيق أعلى نسبة من العائدات الماليّة الاقتصاديّة الّتي تصبّ في مصالح الطبقة الرأسماليّة على صورة أرباح واستثمارات ومضاربات اقتصاديّة.

وفي وصف قد يكون أشمل وأعمق يمكن القول إنّ الرأسماليّة تحوّل النّاس إلى مجرّد أشياء وأرقام ومعادلات وبيانات حسابيّة وإحصائيّات، وفي هذا المجتمع يتحوّل الإنسان إلى كيان تغذّيه فكرة واحدة، ويستولي عليه هاجس واحد يتمثّل في الاستهلاك والتسوّق والتملّك والحصول على كلّ ما هو جديد في عالم السلع والأشياء. وهو في دوّامة جشعه الاستهلاكيّ هذا يقتني كلّ شيء ويحوز على كلّ شيء بقدر ما يستطيع، وهو في ذلك يتصرّف بقوّة هائلة لإشباع رغبات زائفة وتافهة لا طائل منها. ففي عالم الأشياء تتحوّل الأشياء إلى قيمة تعطي لمن يمتلكها قيمة أكبر، والإنسان في هذا العالم المتشيّيء لا يكون إنساناً إلّا بقدر ما يمتلك من أشياء وإلّا بقدر ما يستهلك.

وفي النظام الرأسماليّ - كما يعلمنا ماركس - تشتدّ وتائر التشيّؤ ووطأة التّسليع، ويرتفع منسوب الافتتان بالسلع عند الأفراد في المجتمع. وفي حمأة هذا التشيّؤ يرتبط سلوك الأفراد بالسلع في عالم تعرض فيه الموجودات كلّها بوصفها سلعاً: الأدب والفنّ والمرأة والقيم والتّعليم والإعلام والصّحافة، وكلّ شيء معنويّ أو مادّيّ يخضع لقانونيّة السّوق أي قانونيّة البيع والشّراء. وهذا يعني أنّ علاقات السّوق تتغلغل في سلوك الأفراد، وترسم حدود علاقاتهم الإنسانيّة وتفاعلاتهم الاجتماعيّة، ويتخطّى هذا الأمر الجوانب الاقتصاديّة والمادّيّة إلى الجوانب الإنسانيّة والروحيّة(47). والطّريف أنّه في أدبنا العربيّ القديم صور مضحكة يمكن اعتبارها من وجوه التّشيّؤ. ونسوق مثالين اثنين من «مقامات بديع الزّمان الهمذانيّ» (من القرن الرّابع للهجرة): البدويّ السّاذج الّذي اعترضه المتحيّل في السّوق وعدّه فرصة وفريسة (المقامة البغداديّة)؛ والبطل نفسه حين تخاصم بشأنه صاحبا الحمّام، كلّ منهما يريد دلكه، لأنّه يمثّل عائدا ماليّا (المقامة الحلوانيّة). وعلى هذه الصّورة تتغلغل القيم السوقيّة في المجال الإنسانيّ وتتحوّل الظواهر الإنسانيّة إلى قيم مُتشيّئة، وتغرق الحياة البشريّة في مستنقع الاستلاب الّذي يضرب مختلف جوانب الحياة: الفكر والطبّ والتّعليم والفنون والسّياسة وغيرها. وأخيرا نختتم بالقول مع الحكيم الهندي الكبير طاغور(Rabindranath Tagore)(48): " إنّ الحضارة المادّيّة ستخسر كلّ شيء إذا فقدت روحها، وإنّ البشريّة ستصبح مهدّدة بالفناء في ظلّ جسد بلا روح. وعندما تصبح الحضارة بلا قلب فإنّها ستفقد أهمّ مقوّمات الحياة(49).

***

د. علي أسعد وطفة

.......................

مراجع الدراسة وهوامشها:

(1)- Eric Hobsbawm,. How to Change the World: Reflections on Marx and Marxism. New Haven: Yale University Press, 2011. P.15.

(2) - فرانسيس وين، رأس المال: سيرة كتاب، ترجمة ثائر ديب (فواصل للنشر والتوزيع، اللاذقية، 2019).

(3) - خليل صويلح، "ماركس: كارل سعوديّاً! "، الأخبار، الثلاثاء 9/9/2008، شوهد في 20/5/2024 https: //al-akhbar. com/Literature_Arts/156455

(4)- Henri Lefebvre, Le Marxisme (Paris, Presses Universitaires de France, 1948).

(5)- Eric Hobsbawm, "A Life in History", interview published in The Guardian (London, The Guardian, 16 January 2011).

(6)- Jacques Attali, Attali, Karl Marx, More Relevant Than Ever (https: //www. attali. com, 2018).

(7)- جلال أمين، " العولمة والهويّة الثّقافيّة والمجتمع التكنولوجي الحديث"، ورقة مقدّمة إلى مؤتمر "العولمة وقضايا الهويّة الثّقافيّة" - المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة في الفترة بين 12-16 نيسان /أبريل 1998.

(8)- Karl Marx, Capital: A Critique of Political Economy, Volume I: The Process of Capitalist Production. (New York: Cosimo, Inc. , 2007), p. 837.

(9) (- قانون "نفي النفي" (The Law of the Negation of the Negation): هو أحد القوانين الثلاثة الأساسية لجدلية (الديالكتيك) كما صاغها هيغل وطوّرها كارل ماركس في سياق المادية الجدلية، إلى جانب قانون تحوّل الكم إلى كيف، وقانون وحدة وصراع الأضداد. ويُشير هذا القانون إلى أنّ: كل ظاهرة أو مرحلة تحمل في داخلها تناقضًا داخليًا يؤدي إلى زوالها أو نفيها. لكن هذا النفي لا يكون محض إلغاء، بل يَخلق مرحلة جديدة تتجاوز المرحلة السابقة، محتفظة ببعض عناصرها ومُتقدّمة عليها. ثم يأتي نفي ثانٍ لهذه المرحلة الجديدة، أي "نفي النفي"، ليؤدي إلى طور ثالث أعلى وأرقى.

(10) (- تروتسكي (Trotsky) هو نسبة إلى ليون تروتسكي (Leon Trotsky)، وهو مفكر ومناضل ثوري ماركسي روسي (1879–1940)، وأحد القادة البارزين في الثورة البلشفية سنة 1917 إلى جانب فلاديمير لينين. ويطلق مصطلح "التروتسكية" (Trotskyism) على المدرسة الفكرية الماركسية التي تستند إلى أفكار تروتسكي، خاصةً: نظرية الثورة الدائمة (Permanent Revolution): التي تقول إن الثورة الاشتراكية لا يمكن أن تكتمل في بلد واحد، بل يجب أن تنتشر عالميًا.

(11)- Alan Woods, The Relevance of Karl Marx's Ideas Today, (In Defence of Marxism, 2014), accessed April 20, 2025, from https: //www. marxist. com/2014-11-26-11-59-32. htm.

(12) (- جويس أبلبي، سراب السلطة: أصول النزعة الفردية في الفكر الغربي، ترجمة: مازن مرزوق، (الرياض: مكتبة العبيكان، 2014).

(13)- Michel Onfray, Décadence: De Jésus à Ben Laden, vie et mort de l'Occident (Paris: Flammarion, 2017).

(14)- Pierre Toubia, The Great Explosion: Report on the Collapse of the West, 1999–2002. (Paris: Éditions du Rocher, 1995).

(15) - Charles Baudelaire, Le public moderne et la photographie, in Curiosités esthétiques (Paris: Michel Lévy frères, 1859).

(16) - Oswald Spengler, The Decline of the West, trans. Charles Francis Atkinson (New York: Alfred A. Knopf, 1926).

(17) - أسوالد أشبنغلر، تدهور الحضارة الغربيّة، ترجمة أحمد الشيباني، (دار مكتبة الحياة، بيروت: 2010).

(18)- John Richard Hicks. Value and Capital: An Inquiry into Some Fundamental Principles of Economic Theory (Oxford, Clarendon Press, 1939).

(19)- جون ماينارد كينز، النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود، ترجمة: أحمد فؤاد بلبع (القاهرة: دار النهضة العربية، 1969).

(20) - John Maynard Keynes. The General Theory of Employment, Interest and Money. (London, Macmillan, 1936).

(21)- فرانسيس وين، رأس المال: سيرة كتاب، ترجمة ثائر ديب (فواصل للنشر والتوزيع، اللاذقية، 2019).

(22)-Joseph A. Schumpeter, Capitalism, Socialism and Democracy (New York, Harper & Row, 1942).

(23)- George Soros, The Crisis of Global Capitalism: Open Society Endangered (New York, Public Affairs, 1998)

(24)- John Buchan, Frozen Desire: An Inquiry into the Meaning of Money. (London, Picador, 1997).

(25)- John Micklethwait and Adrian Wooldridge, A Future Perfect: The Challenge and Hidden Promise of Globalization (New York, Crown Business, 2000).

(26)- فرانسيس وين، رأس المال: سيرة كتاب، مرجع سابق.

(27)- James B. Davies, Susanna Sandström, Anthony Shorrocks, and Edward N. Wolff, The World Distribution of Household Wealth (Helsinki: United Nations University – World Institute for Development Economics Research (UNU-WIDER), 2008).

(28)- Jorgen Randers, 2052: A Global Forecast for the Next Forty Years. (Vermont: Chelsea Green Publishing, 2012).

(29)- James B. Davies, Susanna Sandström, Anthony F. Shorrocks, and Edward N. Wolff. The World Distribution of Household Wealth. (Helsinki, UNU-WIDER, 2008).

(30)- النّيوليبراليّة (Neoliberalism): فلسفة اقتصادية وفكر سياسي، نشأت في النّصف الثّاني من القرن العشرين، وتستند إلى فكرة أنّ الأسواق الحرّة – أي تقليص تدخّل الدّولة في الاقتصاد – هي الأساس الأمثل لتحقيق التّنمية الاقتصادية والرّفاه الاجتماعي. تتميّز النّيوليبراليّة بتقليص دور الدّولة في الشّؤون الاقتصادية، مع التّركيز على تعزيز الخصخصة وتحرير الأسواق وتخفيض الضّرائب وتقليل الإنفاق الحكوميّ على الرّفاه الاجتماعي

(31) - إيغلتون، تيري. لماذا كان ماركس على حقّ؟ ترجمة غانم هنا بيروت: دار الكتاب العربي، 2013. . ص 13.

(32)- إيغلتون، تيري (لماذا كانَ ماركس عَلى حقّ؟ مرجع سابق. ص 15.

(33)- Adom Chari, Empty Labor: Idleness and Workplace Resistance (Durham, NC, Duke University Press, 2010).

(34)- Michael J. Thompson, "Reification as an Ontological Concept", Metodo, Vol. 9, no. 2 (2021), (pp. 417–445).

(35)- Val Burris ,Reification: A Marxist Perspective, Op. cit.

(36)- Val Burris ,Reification: A Marxist Perspective, Op. cit.

(37)- جاك إيلول (1912 –1994) عالِم لاهوت وعالِم اجتماع وفيلسوف فرنسيّ، وكان كاتباً غزير الإنتاج وناقداً دقيقَ الملاحظة بشأن الدّور الذي تلعبه التكنولوجيا في الحياة الحديثة؛ وهو صاحب العديد من الكتب التي تناولت تأثيرات التكنولوجيا، من بينها «المجتمع التكنولوجي»، وهو أحد أعماله التي يُنقل عنها أكثر من غيرها. نُشِر الكتاب في فرنسا أوّل مرّة في 1954، وصدرت التّرجمة الإنجليزيّة في 1964

(38)- Jacques Ellul, The Technological Society (New York, Alfred A. Knopf, 1964).

(39)- Jacques Ellul, The Technological Society , ibid , P. 5.

(40) - سعيد عبيدي، " تشيُّؤ الإنسان"، أفكار، 3/5/2024: ttp: //www. afkar. jo/View_Articlearaspx?type=2&ID=3801

(41)- إريك فروم، الإنسان بين الجوهر والمظهر، ترجمة: سعد زهران، (الكويت، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، 1989).

(42)- Fromm, Erich. Escape from Freedom, (New York: Farrar & Rinehart, 1941).

(43)- عبد الله الخياري، عودة ماركس. هسبريس،8/7/ 2018، شوهد في 23/5/2023 https: //tinyurl. com/3jv664kt.

(44)- فرانسيس وين، رأس المال: سيرة كتاب، مرجع سابق.

(45) - ستيفن إريك برونر، النّظريّة النّقديّة: مقدّمة قصيرة جدًّا، ترجمة سارة عادل، مراجعة مصطفى محمّد فؤاد (القاهرة مؤسّسة هنداوي للنشر والتوزيع، 2016). ص 45.

(46) – أنجيل الشاعر، الاستلاب في ظلّ العولمة: كيف أفقر الإنسان نفسه؟، حفريات، 29/10/2023. شوهد في 20/4/2025. https: //bitly. ws/3frRI

(47) - وحيد عبد المجيد، " الرّأسماليّة وظاهرة التّشيّؤ في المجتمعات الحديثة" آفاق اجتماعية، 19/9/2021. شوهد في 20/4/2025 https: //idsc. gov. eg/Article/details/5967 ص 4.

(48)- رابندرانات طاغور (Rabindranath Tagore): شاعر وفيلسوف وموسيقار ومسرحي ومصلح اجتماعي هندي، وُلد في 7 مايو 1861 وتوفي في 7 أغسطس 1941. يُعدّ أحد أعظم أدباء الهند في العصر الحديث. حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1913 عن ديوانه الشهير "جيتانجالي" (Gitanjali)، ليكون أوّل آسيوي ينال هذه الجائزة. لُقّب بـ "شاعر الهند الكبير. ومن أقواله الشهيرة: "لقد بكيت لأنني لم أكن أملك حذاء، حتى رأيت رجلاً بلا قدمين. "

(49)- مجدي عزيز إبراهيم، المنهج التّربويّ العالميّ: أسس تصميم منهج تربويّ في ضوء التّنوّع الثّقافيّ، (القاهرة، مكتبة الأنجلو المصريّة، 2001)، ص 232.

مقدمة: تشهد البلدان التي ترسخت فيها الديمقراطية خصوصا الأوروبية منها والولايات المتحدة الأمريكية مشكلات بنيوية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وتشهد كذلك حالة من تراجع الثقة بالعملية الديمقراطية ومؤسساتها وبالأحزاب والنخب السياسة. أما البلدان النامية التي تُعد تجربتها في تبني النظام الديمقراطي في العموم قصيرة، فهي تواجه مشكلات أكثر تعقيدا في هذا السياق، كل ذلك دعا كثيرا من المفكرين والباحثين الغربيين وغير الغربيين إلى إطلاق مفهوم "أزمة الديمقراطية" في البلدان الرأسمالية. لذلك، نُشر عدد غير قليل من الكتب باللغة الإنكليزية ولغات أخرى تعالج هذه الموضوعة، منها، على سبيل المثال، "السوق الديمقراطية: كيف يمكن لاقتصاد أكثر مساواة أن ينقذ مُثُلنا السياسية؟" (2025) و"الديمقراطية الأوروبية في أزمة" (2018) و"الأزمة ونوعية الديمقراطية في أوروبا الشرقية"(2012)، و"أزمة الديمقراطية الأمريكية" (2006)، إضافة إلى الدراسات والبحوث والمقالات ذات العلاقة، علما أن الجزء الأكبر من هذه المشكلات نشأ تاريخيا نتيجة الترابط الذي أريد له أن يكون بين الديمقراطية والرأسمالية، وكأن لا ديمقراطية بدون رأسمالية، وأسباب ذلك مفهومة. والمفارقة أنه على الرغم من الأزمة التي تعيشها الأنظمة الديمقراطية، والتي ساهمت في صعود الأحزاب والشخصيات الشعبوية واليمينية الفاشية المتطرفة، - تعتبر النظرية الماركسية عادة أن الرأسمالية أو الليبرالية هي منشأ الفاشية -، إلا إننا نلاحظ ضعف اليسار عموما رغم ما حققه من نجاحات صعودا وهبوطا في الفترة الأخيرة.

أما تصدير الديمقراطية على النمط الغربي أو "دمقرطة"، البلدان النامية سلما أو حربا والذي تتحمس له بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة، دون الأخذ في الاعتبار التباينات في البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فسنجد مصالحا اقتصادية وسياسية لهذه الدول تقف من ورائه.

هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أن الأنظمة المستبدة هي بديل الديمقراطية؛ إذ على الرغم من المشكلات التي تظهر في سياق العملية الديمقراطية، لكن يمكن معالجتها بإحداث تغييرات جذرية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تكون ساندة لهذا التغيير، وفي المقدمة منها الحد من تعمق التفاوت الطبقي وتحقيق العدالة الاجتماعية، وكذلك فك الارتباط بين الديمقراطية والرأسمالية.

وفي هذا الصدد يشير رالف ميليباند: "يمكننا القول ان الديمقراطيات الرأسمالية اقل الانظمة التسلطية قسوة، ولكن حقيقة كون سجلات الديمقراطيات الرأسمالية فيما يخص الحقوق المدنية والسياسية افضل من سجلات الانظمة التسلطية يجب ان لا تنسينا المظالم التي تشكل جزءاً من الحياة اليومية لكثير من الناس الاشد فقرا في هذه المجتمعات"(1).

سنتعرف في هذه المقالة على بعض الجوانب النظرية التي تخص الديمقراطية وأزمتها والتي تفيدنا في التحليل، ثم نستعرض المشكلات التي تعيشها الديمقراطيات الرأسمالية، وتطبيقا لذلك، نتطرق إلى البلدان الأوروبية والولايات المتحدة والبلدان النامية، وأخيرا نستعرض تجربة العراق في زرع ديمقراطية مشوهة بواسطة الاحتلال وما تمخض عنه من مشكلات معقدة ما زال العراق يدفع ثمنها.

بعض المفاهيم النظرية

توجد كثير من المفاهيم النظرية المتعلقة بالديمقراطية، لكن نستعرض هنا ما يتعلق بموضوعنا قدر الإمكان. من الملاحظ، ظهرت الفكرة الحديثة للمبادئ الدستورية كاستجابة للاستبداد. وكان العنصر الأكثر أهمية وما زال هو أن السلطة السياسية لها حدودها، لا يمكنها ممارسة الحكم بطريقة تعسفية. لذلك ليست السلطة هي التي تصنع القانون، لكن على العكس السلطة تستند إلى القانون(2) .

عرّف كولن كراوتش مفهوم "ما بعد الديمقراطية" باعتباره حالة تتراجع فيها جودة الديمقراطية على الرغم من بقاء المؤسسات الديمقراطية الأساسية سليمة ظاهريا. ففي هذه المرحلة، يرى كراوتش أنه لم يعد للمواطنين المكانة التي يستحقونها في ظل الانتخابات الديمقراطية، وبهذا، أصبحت القرارات تُتخذ في الشركات العالمية المرتبطة بالنخب السياسية(3)، أي هناك ترابط وتخادم في المصالح، خصوصا في مرحلة الليبرالية الجديدة والعولمة.

طور العلماء الماركسيون نقدا أكثر منهجية للرأسمالية الأنكلوسكسونية؛ إذ في نظرهم لا يوجد شيء غير تعمق عدم المساواة وتمتع أصحاب رأس المال بحقوق الملكية على حساب أصحاب المصلحة الآخرين في الشركات. وأشار النقد إلى أن أنماط "الديمقراطية الاجتماعية" مرتبطة بالرأسمالية الراينية(4) Rhenish capitalism وأشاروا كذلك إلى أن إدخال نظام أصحاب المصلحة في حوكمة الشركات في الاقتصادات الأنكلوسكسونية من شأنه أن يؤدي إلى تأثيرات مماثلة. علما أنه بحسب كارل ماركس كانت الرأسمالية الشركاتية corporate capitalism المنظمة للغاية بمثابة اشتراكية داخل الرأسمالية ــ نوع من تأميم الرأسمالية، حيث أصبح الملاك الغائبون أكثر فأكثر غير ضروريين(5).

إن ما يُعدّ أزمة تمر بها الديمقراطية الليبرالية المعاصرة الناتجة من ترابط تقليدين هما التقليد الديمقراطي والتقليد الليبرالي مع انتشار الشعبوية اليمينية في البلدان الغربية ليس بظاهرة جديدة كليا، بل هو من تجليات ما يمكن تسميته أزمة دائمة للديمقراطية في ظروف جديدة(6). وهي في الوقت نفسه أزمة الرأسمالية كنظام التي تكرر بشكل دوري كما حللها ماركس بعمق.

يقترن مفهوم الديمقراطية التوافقية بعالم السياسة الأمريكي (من أصل هولندي) أريند ليبهارت الذي بدأ محاولته بمناقشة النظرية الديمقراطية وتطبيقاتها في كتاب نشره بعنوان "سياسات الاستيعاب". وقد خصص حيزا مهما لمناقشة التقسيم الذي قدمه عالم السياسة الأمريكي غابرييل ألموند للنظم الديمقراطية، من أجل محاولة تطوير نظرية للديمقراطية في المجتمعات "المنقسمة"، تقوم على ما سمّاه "سياسات الاستيعاب". وتقوم الديمقراطية التوافقية، بحسب ليبهارت، على "تحالف النخب"، الممثّلة لجماعاتها الإثنية أو الدينية أو العرقية(7). وقد تعرضت هذه النظرية للنقد على اعتبار أنها تُسهم في تقسيم المجتمعات عموديا خصوصا في البلدان النامية.

كما يشير تحليل ماركس لنمط الإنتاج، إنه كلما زاد إنتاج العامل في نظام الإنتاج الرأسمالي، صار أكثر اغترابا عن منتجه ما دام هذا المنتج ليس له بل للرأسمالي، وباستخدام المقاربة ذاتها، يمكن القول أنه كلما اندمجت الأقليات في "النظام" السياسي التوافقي، اغتربت عن هويتها ما دامت لم تُنتَج للأقليات بل أُنتجت لـ "النظام" الذي يطلب منها(8). وهذا ينطبق بجلاء على الوضع في العراق كما سنرى.

مشكلات الديمقراطية الرأسمالية

استقطبت مشكلات الديمقراطية دوائر البحث الأكاديمية والرسمية والإعلامية والشعبية، وانتجت عددا غير قليل من الأدبيات التي تعالج هذه الموضوعة، خصوصا في البلدان الرأسمالية المتطورة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة.

يُحذر المنظرون السياسيون والفلاسفة السياسيون اليساريون من إفقار الديمقراطية وانتهاكها. وقد حثوا على "تعميق الديمقراطية" و"دمقرطة الديمقراطية" منذ أفلاطون. ونالت الديمقراطية التمثيلية نصيبها من البحث خلال القرن العشرين. وكان خطاب الأزمة مترافقًا على نحو منتظم مع التطورات الجديدة التي تشهدها الديمقراطية. فخلال الحربين العالميتين، تعرضت الديمقراطية لانتقادات، بسبب التمسك بالشكليات والنزعة النخبوية، إضافة إلى تدني الثقافة السياسة الديمقراطية، وحتى الجنوح الأخلاقي. فقد مثّل انهيار جمهورية فايمار وصعود هتلر مؤشرات على أن الأزمة السياسية مرتبطة بالضعف الداخلي للديمقراطية(9).

وينبه ميليباند:"بداية، ان الرأسمالية، خلال الجزء الاكبر من تاريخها، لم تكن مرتبطة بالديمقراطية بأي معنى من المعاني، وان جميع المحافظين والليبراليين المدافعين عن النظام الرأسمالي كانوا دوما مصممين على مقاومة تقدم الشكل الديمقراطي... لقد احتاجت الرأسمالية في البداية حريات معينة من أجل ان تتطور. وقد ارتبط هذا تاريخيا بمطالبة البرجوازية بهذه الحريات من اجل كبح الاستبداد وحماية الافراد، وخاصة ذوي الملكيات، حمايتهم من ابتزاز الدولة ورقابتها. ورغم اهمية هذه الحريات إلا انها ابقت سواد الشعب تحت ظروف قاسية من الكبت الاقتصادي والسياسي. وكانت هذه الديمقراطية، بالشكل الذي تحققت فيه، ديمقراطية تقتصر على من يملك ثروة". ويضيف "إن فكرة كون المجتمعات الرأسمالية ديمقراطية تنتمي الى اساطير السياسة، وليس الى واقع هذه المجتمعات"(10) التي تعيش مشكلات كثيرة اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية مترابطة.

في العقود الأخيرة، أحدثت قوة الرأسمالية العالمية تحولات أثرت في الديمقراطية، وغيرت طبيعة المجتمع السياسي، ومؤسساته، وأحدثت تحولات في شروط السياسة الديمقراطية والحوكمة. فقد فاقمت العولمة الاقتصادية التوتر بين الديمقراطية، كنظام حكم متجذر إقليميًا وعمليات الأسواق العالمية وقوة الشركات وشبكاتها العابرة للحدود الوطنية. وفقدت الحكومات قدرتها على تنظيم القوى العابرة للحدود الوطنية وفقا لما يفضله مواطنوها، كذلك هددت جوهر الديمقراطية، أي أن الاستقلال أصبح معرضا للخطر بشكل واضح(11). وهذا جلي بالنسبة إلى البلدان النامية التي فرضت عليها الليبرالية الجديدة.

وترى ليزا هيرزوغ مؤلفة كتاب "السوق الديمقراطية" (2025)، نحن لسنا مواطنين ولكننا أقنان في نظام إقطاعي، نحن نعتمد على اقتصاد قسري ونخشى الانهيار بسبب فقدان الوظائف. لذلك ليس من المستغرب أن يعلق الناخبون العاجزون آمالهم على الشعبويين(12) الذين يعلقون جميع الأشكال الجادة للسلطة مثل العدالة والصحافة والعلوم(13).

ويذكر توماس بيكيتي أن "الديمقراطية الحقة والعدالة الاجتماعية تستلزمان وجود مؤسسات بعينها، وهي ليست مؤسسات السوق، ولا يمكن أيضا اختزالها في المؤسسات البرلمانية والديمقراطية الرسمية"(14). إن منح حق الاقتراع للجميع، وإنهاء الامتياز الانتخابي، قد قضى على الهيمنة السياسية القانونية من قِبل حائزي الثروات. ولكنه مع ذلك لم يهدم بحد ذاته القوى الاقتصادية التي من شأنها أن تؤدي إلى مجتمع من أصحاب الريوع(15).

وثمة نقطة هامة وهي: دون شفافية حقيقية في الحسابات وفي الأمور المالية، ودون معلومات متاحة، لن توجد ديمقراطية اقتصادية. وبالمقابل، لن تفيد الشفافية في شيء إذا لم يتوفر حق التدخل في القرارات (مثل حقوق التصويت للعاملين في مجالس الإدارة). ويُفترض بالمعلومات أن تغذي المؤسسات المالية والديمقراطية، حتى تتمكن الدمقراطية يوما ما من استعادة لجام الرأسمالية(16). وهذه النقطة لها علاقة بالتهرب الضريبي الذي تمارسه خصوصا الشركات الكبرى.

وثمة من يرى أن الترابط التاريخي بين الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية وفر للثانية التبرير السياسي وحمى الأسواق الرأسمالية من تهديد بقايا الاقطاع والطبقة العاملة. ويُظهر هذا الترابط التاريخي، بأن الديمقراطية الليبرالية على الأقل سمحت بحرية واسعة للأسواق، لكن يمكن لها أيضا أن تقمع الحريات الفردية والجماعية(17)، وهذا حدث مثلا عبر استعمار البلدان النامية ودعم الأنظمة المستبدة فيها من قبل دول تدعي إنها ديمقراطية.

تُعد الديمقراطية التمثيلية، باعتبارها حكم مجموعة صغيرة، الشكل الأكثر انتشارا في الغرب. وقد جرى نقدها، كونها تستبعد حكم الشعب وتقود من ثمّ إلى الاستبداد، ما يشكل انحطاطا للديمقراطية. وفي هذا الصدد، تعرّض مفهوم الديمقراطية لتغيير دلالي مستمر، وذلك من خلال شموله أفكارا عن المستقبل. وفي إطار عقلنة المفاهيم الديمقراطية، يقر كلاوس فون بايمه بوجود فجوة بين المشاركة الديمقراطية والناتج العقلاني للقرارات الديمقراطية المتخذة، حيث لم تعد المشاركة أمرا مهما كما هو الحال في النظريات الديمقراطية المعيارية، إضافة إلى تشكيك العقلانية في قدرة الديمقراطيات على التوفيق بين مطالب المواطنين(18). وهذا ناتج من تراجع العدالة الاجتماعية مفهوما وتطبيقا وإلقاء اللوم على قدرات الأشخاص وتقاعسهم فيما يعيشونه من ظروف صعبة وليس على بنية النظام السياسي.

لم تُعد الحكومة البرلمانية تلبي أو تلبي بطريقة غير مكتملة، في الظروف الجديدة التي أوجدها التحول الاجتماعي - الاقتصادي لعملها، حاجات الشعوب السياسية التي انبثقت منها، أما لأنها توحي إليها أنها لا تتلاءم مع أمنياتها وأما لأنها تعطيها الشعور بأنها عاجزة عن الحكم، وإما الاثنين معا(19).

وقد تتبع باحثون الأسباب الرئيسة لما بدا وكأنه انحدار تدريجي للديمقراطية، ولخصوا بعض الملامح البنيوية التي دعمت في الأصل الديمقراطية، لتكون ناجحة خلال 25 سنة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وبعد ذلك أصبحت مولدة لنظام "الديمقراطية اللاأدرية"(20).

أفصحت التحديات في البلدان المذكورة عن وجود ما سمي بأزمة الديمقراطية، ومن مظاهرها انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات، وتراجع عضوية الأحزاب والنقابات، وتدهور مكانة السياسيين في المجتمع، وقلة الثقة بالمؤسسات العامة، وازدياد الشعور بأن السياسة هي نشاط يتسم بالخداع وخدمة المصالح الشخصية، وكان من شأن ذلك ابتعاد الشباب عنها وانخراطهم في الأنشطة والحركات الاجتماعية(21) التي كثرت في السنوات الأخيرة خصوصا في أوروبا.

يوضح ما ورد في التقرير السنوي لوحدة معلومات مجلة الإيكونوميست عام 2016 من أن الديمقراطية في حالة تردٍ، وأنه في هذا العام تراجع الالتزام بالقيم الديمقراطية في 72 دولة، وأن عدد الدول التي شهدت مثل هذا التراجع يفوق تلك الدول التي شهدت تحسنا بنسبة 2 إلى 1(22).

وأشار التقرير السنوي لهيئة "فريدم هاوس" الأمريكية عام 2017 إلى أن مستقبل الديمقراطية في العالم مظلم، وأن خصوم الديمقراطية يتقدمون باطراد لإقامة النظم السلطوية؛ مما يجعل الدول الديمقراطية المتقدمة تواجه أكبر تحد لها منذ نهاية الحرب الباردة. وأشار التقرير الى أن عام 2017 كان العام الثاني عشر على التوالي الذي تشهد فيه النظم الديمقراطية تراجعا، وأشار أيضا إلى خطورة تنامي الاتجاهات غير الليبرالية في عدد من الدول خصوصا في شرق أوروبا(23)، وتقدم الأحزاب القومية ذات التوجه اليميني المتطرف مثل ما حدث هنغاريا.

بالنسبة إلى المجتمعات الهشة التي تعاني انقساما عموديا في بنيتها الاجتماعية، فإن الأحزاب السياسية في هذه المجتمعات غالبا ما تكون أحزابا ممثلة لمكوناتها الطائفية والإثنية وليست أحزابا سياسية وطنية عابرة للمكونات. وفي النتيجة، فليس ثمة من يمثّل الأقليات في بنية تلك الكتل الحزبية، حتى لو وجد بعض مرشحي الأقليات فيها؛ فوجود هؤلاء متماه تماما مع سياسة تلك الكتل؛ نظرا إلى أن الممارسة الانتخابية هي، في الغالب، ممارسة تستند إلى المكونات تصوت فيها الجماهير لممثلي مكوناتها وليس لبرامج سياسية(24). وهذا ما أريد له أن يُطبق في العراق لخدمة المصالح السياسة والاقتصادية والاجتماعية للأحزاب والكتل المتنفذة وارتباطاتها الإقليمية العالمية.

البلدان الأوروبية

بحسب هاوك برونكهورست خلال الثلاثين عاما الماضية من الهيمنة العالمية لليبرالية الجديدة، تحول التوازن الهش بين الديمقراطية والرأسمالية على نحو دراماتيكي لصالح الرأسمالية. وخلال الفترة نفسها من العولمة تحولت أقوى الدول في التاريخ - الديمقراطيات الغربية - إلى وكالات لتحصيل الديون لصالح الاوليغارشية العالمية من المستثمرين(25)، وهذا يعكس الطابع الطبقي للدولة كما حللته الماركسية بعمق.

مع تصاعد حالة عدم الاستقرار الاقتصادي وتباطؤ النمو الاقتصادي من ناحية، وأزمة نموذج الرفاه الاجتماعي من ناحية التكاليف والبيروقراطية، من ناحية أخرى، كان هناك تصاعد في الهجوم على دولة الرفاه الاجتماعي وتدهور في السياسة المالية والاجتماعية للدولة. هذه التغييرات تعني في الوقت نفسه التحول إلى الليبرالية الجديدة في السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية على المستوى العالمي، والأوروبي ومستوى الدولة - الأمة. إضافة إلى ذلك، جرى دعم التحول إلى الليبرالية الجديدة بواسطة سقوط جدار برلين الذي حرر الديمقراطيات الغربية من الحاجة لدعم شرعيتها عبر إعادة توزيع الرفاه الاجتماعي على نحو فعال(26). وهذا يرتبط بحقيقة معروفة أن تبني نموذج الرفاه الاجتماعي في الدول الأوروبية كان من دوافعه الأساسية منافسة البلدان الاشتراكية في نموذج الضمان الاجتماعي والاقتصادي الذي توفره لمواطنيها.

نتج عن التحول الذي حدث في الرأسمالية الليبرالية نحو الليبرالية الجديدة الأزمة العالمية الحالية وأزمة منطقة اليورو. ويستند هذا الطرح على فكرة تقول أن إجراءات التقشف التي تمثّل آلية الليبرالية الجديدة لا تستطيع التغلب على الأزمة، والعودة إلى دولة الرفاه الاجتماعي، هذا يعني ضرورة إحداث أشكال جديدة من الرفاه الاقتصادي واستراتيجيات سياسية للتنمية. هذا ليس مهم فقط للتغلب على الأزمة، لكن أيضا لتقليص التفاوت المفرط على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي، وحماية حقوق الإنسان والحق بحياة كريمة لكل شخص.

تضع أزمة منطقة اليورو وإجراءات التقشف في خطر توقعات الرفاه الاجتماعي لمواطني البلدان الأوروبية، ومن ثم تهدد الشعور بالانتماء إلى الاتحاد الأوروبي، وعموم هويته السياسية. ويتطلب التغلب على الأزمة والتحول إلى الانتعاش، وتنظيم الحكم إحياء أفكار "أوروبا الاجتماعية" وممارساتها، وعكس إجراءات التقشف(27) للتخفيف عن كاهل الفئات محدودة الدخل.

وترى المنظّرة نانسي فريزر وهي من أهم ممثلي الجيل الثالث للنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، أنّ "فهم أزمة الديمقراطية، مثلا، لا يكون إلاّ بفهم أشمل للأزمة الاجتماعية الكلية، وبالارتباط الوثيق بالسيرورة الاقتصادية والاجتماعية للنظام الرأسمالي النيوليبرالي القائم على الأمولة العابرة للحدود الوطنية"(28).

الولايات المتحدة الأمريكية

أحد الملامح المتميزة للحياة السياسية الأمريكية يتمثّل في إضفاء الطابع المؤسسي لنظام الحزبين لنحو 155 عاما تقريبا. لم يُمكّن تاريخيا الضعف الكبير للحركة العمالية الأمريكية من تأسيس حزب سياسي مستقل خاص بها. وبقيت الحياة السياسية تحت هيمنة حزبين برجوازيين، هما الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري، وخلال ذلك جرت السيطرة على المصالح السياسية للطبقة العاملة واحتوائها لفترة أكثر من قرن.

ولتقصي التطور التاريخي لكلا الحزبين، ينبغي القول وبوضوح تام بأن مركز ثقل سياسة البرجوازية الأمريكية تحول بشكل جذري نحو اليمين. في حين أن الليبرالية الاجتماعية واتجاهها الذي ساد أكثر من نصف قرن توقف نشاطها فعليا. هذا الاتجاه ينبغي أن يُفسر في النهاية من وجهة نظر الأسباب الموضوعية. وعلى الرغم من كل الضجة التي أحاطت بقوة الرأسمالية الأمريكية، فإنها أصبحت أقل قدرة على تلبية مطالب الإصلاح الاجتماعي من قبل الطبقة العاملة(29). وهذا واضح من تراجع القوة الاقتصادية للولايات المتحدة وصعود قوى منافسة قوية مثل الصين، وما إجراءات ترامب في فرض رسوم جمركية عالية على الدول الأخرى إلا محاولة لتقليل هذا التراجع لا عكس اتجاهه.

وبدون تقديم أي شيء يتعلق بالإصلاحات الاجتماعية، يستمر الحزب الديمقراطي بتقديم نفسه بأنه المدافع عن مصالح العاملين الأمريكيين. ومن جهة أخرى، أصبح الحزب الجمهوري، على نحو أكثر وضوحا، منظمة لليمين المتطرف. إذ أن الجشع الجامح للشرائح التي لا ترحم من النخبة الحاكمة التي تشمل أولئك الأشخاص الذين استمدوا ثروتهم من طفرة السوق في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، يجد تعبيره الأكثر مباشرة في انتماء هؤلاء للحزب الجمهوري(30)؛ لأنه من الناحية الموضوعية يدافع عن مصالحهم الطبقية.

على الرغم من نجاة الديمقراطية الأمريكية من رئاسة ترامب الأولى، إلا أنها أصيبت بجروح بالغة بسببها؛ إذ في ضوء إساءة استخدام ترامب الشنيعة للسلطة، ومحاولته سرقة انتخابات في عام 2020 وعرقلة الانتقال السلمي، والجهود الجارية على مستوى الولايات لتقييد الوصول إلى صناديق الاقتراع، خفضت مؤشرات الديمقراطية العالمية سلم الولايات المتحدة بشكل كبير منذ عام 2016. واليوم، فإن نتيجة الولايات المتحدة في مؤشر الحرية العالمي لفريدوم هاوس أصبحت على قدم المساواة مع بنما ورومانيا، وأقل من الأرجنتين وليتوانيا ومنغوليا.

يبدو أن الولايات المتحدة تتجه نحو نظام غير مستقر. ومن شأن مثل هذا السيناريو أن يتسم بأزمات دستورية متكررة، بما في ذلك انتخابات متنازع عليها أو مسروقة وصراع حاد بين الرؤساء والكونغرس، والقضاء (مثل الجهود الرامية إلى تطهير المحاكم أو اختيارها)، وحكومات الولايات (مثل المعارك الضارية حول حقوق التصويت وإدارة الانتخابات). ومن المرجح أن تنتقل الولايات المتحدة ذهابا وإيابا بين فترات الديمقراطية المختلة وفترات الحكم الاستبدادي التنافسي التي يسيء خلالها شاغلو المناصب استخدام سلطة الدولة، ويتسامحون مع التطرف العنيف أو يشجعون عليه، ويعملون ضد منافسيهم في العملية الانتخابية(31)، مثلما حدث عندما اقتحم انصار ترامب الكونغرس لتعطيل التصويت على نتائج الانتخابات السابقة، وهو ما عد محاولة انقلابية غير مسبوقة مدفوعة من ترامب لتبرير فشله في الفوز بولاية ثانية في وقته.

البلدان النامية

تتوفر الديمقراطية الرأسمالية (التمثيلية) بصفة عامة على الصفات الآتـية في بلدان العالم الثالث: تشكيل حكومات أقلية في تناقض صارخ مع مبدأ الأغلبية، وفشلها في تعبئة الناس للمشاركة الواسعة في العملية السياسية. وتشجيع الرجعية على المستوى الوطني والعالمي، واجهاض التغيير والثورة من اجل المساواة. وتفاقم الفجوة بين الغني والفقير باسم الديمقراطية. وتشترك الحكومات التمثيلة والدكتاتوريات العسكرية التي اعقبت بعضها البعض على نحو متواتر ومذهل في خداع الجماهير من أجل إبقاء الأخيرة خارج السلطة الاقتصادية والسياسية لإبقاء الوضع الراهن المتسم بالفظاعة. وتحت مسمى مناهضة الشيوعية، قُمعت واستغلت الجماهير العزلاء. لقد صورت الاشتراكية على أنها أكثر أنواع الأنظمة دكتاتورية التي عرفها الإنسان، بينما في الممارسة العملية أسست نظاما شموليا رأسماليا وهو أسوأ من أي نظام آخر على وجه الأرض(32). ودخلت هذه البلدان مرحلة أسوأ عندما فُرضت عليها الليبرالية الجديدة التي فاقمت من حدة الفوارق الطبقية ودفعت المزيد من الجماهير نحو الهامش.

لقد سقطت البلدان المستقلة الجديدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية عموما من المقلاة إلى النار؛ إذ افسح الاحتلال الأجنبي المجال لدكتاتوريات محلية أو محلية الصنع تحت مسمى الديمقراطية "التمثيلية" اعقبتها أو سبقتها انقلابات عسكرية بناء على طلب القوى الاستعمارية السابقة. وقد فشلت الحكومات التمثيلية في توزيع ثمار التنمية على نحو عادل. تُنظم الانتخابات من وقت إلى آخر، لكن أوراق الاقتراع تستخدم أكثر لوقف عجلة التقدم بدلا من نقل السلطة إلى الشعب. ويستخدم الاقتراع كأداة لرد الفعل بدلا من آلية للتغيير. لم تغير الانتخابات عدا نقل السلطة من نخبة حاكمة إلى أخرى. وكل عملية انتخابية تجرى في أحد بلدان العالم الثالث توصف بالانتصار "للديمقراطية" من قبل الغرب الرأسمالي وهذا أمر مفهوم(33)؛ لأن هذا النموذج يتوافق مع المصالح السياسية والاقتصادية لبلدان هذا المعسكر.

وفي هذا الصدد، يذكر الباحث صالح ياسر، "كان مسار التشكل التاريخي للطبقات السائدة في (التشكيلات العالم ثالثية) ليس سوى مولد لميكانيزمات تحكم ديمقراطي فحسب، بل أن نشأته غير ممكنة أيضا إلا على أساس تحطيم الممكنات الديمقراطية في صلب هذه التشكيلات تحطيما كاملا. يحدث ذلك وكأن الثورة الصناعية والنمو والعصرنة لا يمكن أن تتجسم إلا في تناف مع الثورة الديمقراطية، أي أساس حكم معاد للديمقراطية"(34). وما تجربة العراق في ديمقراطيته المشوهة إلا خير دليل على ذلك.

تواجه النظم الديمقراطية - خصوصا الديمقراطيات الجديدة - تحديات أساسية منها: تحدي الحفظ على الإجماع العام بين الفاعلين السياسيين على قواعد العملية الديمقراطية في مواجهة النزاعات الإثنية، والأصوليات الدينية التي تتعامل مع الآخرين بمنهج الإقصاء والتهميش، واستخدامها الديمقراطية لتحقيق أهداف غير ديمقراطية. وتحدي غياب العدالة وتكافؤ الفرص الناشئ عن الارتباط بديناميات النظام الرأسمالي في عصر العولمة(35). وما تجربة العراق إلا مثال ساطع لذلك.

تحكم القوى الاستعمارية الغربية على النظام السياسي بمقياس ما يسمى الصحافة الحرة، وجود أحزاب معارضة، انتخابات برلمانية دورية، سلطة تنفيذية مسؤولة أمام الشعب أو البرلمان، دستور يوزع السلطات بين أقسام الحكومة المختلفة وقضاء مستقل عن السلطة التنفيذية. تستند جميع هذه المعايير على مبدأ حكم الأغلبية وهو أكثر أسطورية من الحقيقة(36)، حيث أن الحكومات في الغالب تمثل الأقلية وليست الأكثرية بحكم آليات العمليات الانتخابية وعزوف كثير من الناس عن المشاركة في الانتخابات والنظر بعدم جدواها، لأنها لم تغيّر أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والخدمية نحو الأفضل.

العراق وتصدير الديمقراطية

كان بعض الأوروبيين البارزين قد اقترح أنه يجب ألا تحول الحدود والثقافة الأوروبيتين دون توسع اتحادهم الديمقراطي. فقد اقترح اللورد رالف داريندورف في خطاب شهير له في ميونخ، أن على الاتحاد الأوروبي أن يتمتع بطموح لتوسيع نفسه، لا ليشمل تركيا وأوكرانيا فقط، بل حتى سنغافورة ونيوزلندا – بالسير على خطى الإمبراطورية البريطانية، كما علق أحد المعلقين. بينما تحدث بيار مانيه، وهو فرنسي بارز صاحب نظرية، بقلق عن تصميم الأوروبيين إنجاز ما سماه "الإمبراطورية الديمقراطية". كما أصبحت الولايات المتحدة منشغلة بسياسة "دمقرطة" العالم. لكن الأحداث الأخيرة، وخاصة في العراق، عمقت الشكوك، وقوّت من الانتقادات الموجهة لهذا المشروع الطموح. فما السر إزاء الصيغة الليبرالية الغربية للديمقراطية الذي يمنح الحق لمحاولة زرعها بديلا من الأنظمة القائمة ذات السمات المختلفة؟ وكيف يمكن تفادي سياسة كهذه، تفادي ما سيكون، في أفضل الأحوال، صيغة أبوية للإمبريالية من جانب القوى الديمقراطية العظمى؟ ومتى سيكون شرعيا استخدام القوة المسلحة في السعي لتحقيق هذه السياسة؟(37). إن القوى الاستعمارية لا تقيم وزنا لأي مصدر للشرعية أو حقوق الإنسان عندما تريد تنفيذ سياساتها التي تخدم مصالحها الاقتصادية والجيواستراتيجية، والدليل على ذلك أن الولايات المتحدة لم تعر أي اهتمام للمعارضة الواسعة على مستوى العالم ضد احتلال العراق.

بعد احتلال العراق عام 2003 وإسقاط النظام وتفكيك مؤسسات الدولة، والذي جاء تنفيذا للسياسة المذكورة أعلاه، أرادوا أن يثبتوا أن العراق بعد صدام كان بالفعل ديمقراطية ناشئة. ولكن محاولة تجميل القوانين والإجراءات الانتخابية الجديدة كانت تهدف إلى إخفاء حقيقة بعيدة كل البعد عن الديمقراطية.

قبل عشر سنوات من الغزو، عملت الولايات المتحدة مع مجموعة من العراقيين في الخارج ومولتهم، وقد اجتمعوا عدة مرات لتصور عراق ما بعد صدام. وفي تلك الاجتماعات، بدأوا في ابتكار نظام لا يحل محل النظام القديم فحسب، بل يضمن سلطتهم أيضا. وهذا النظام يحكم العراق الآن. لقد أدى ذلك إلى تأجيج الانقسامات الطائفية، وترسيخ الفساد، وسحق المعارضة، كل ذلك مع الحفاظ على مصالح النخب السياسية التي سارعت لملء الفراغ الذي تركه صدام. ولكن هذا النظام لا يستطيع ولا يريد أن يقيم ديمقراطية حقيقية في البلاد، وذلك ببساطة لأنه لم يتم تصميمه للقيام بذلك. إن دعم النخبة من قبل القوى الدولية الفاعلة على حساب المؤسسات والمصلحة العامة لن يعزز الديمقراطية في العراق، بل سيستمر في إضعافها(38). وهذا ما سماه صالح ياسر أعلاه بـ "تحطيم الممكنات الديمقراطية".

الديمقراطية التوافقية

الممارسة السياسية في العراق ممارسة مكوناتية وليست ديمقراطية توافقية سياسة، تدعو فيها الأغلبية من أحزاب المكونات الكبرى والصغرى أنصارها إلى الانتخاب على أساس الخلفيات المكوناتية لا البرامج السياسية، وهكذا تم حصر السياسة داخل حدود المكونات، وإغلاق المجال الاجتماعي العام أمامها. السياسة هنا ليست فعلا له القدرة على استيعاب الديناميات الاجتماعية وتنظيم نتائجها وتطويرها لبناء دولة حديثة، بل هي أداة تحافظ على الوضع الراهن وتمنع النظام الطائفي، من أي "انهيار إيجابي". إنها ليست أداة تغيير هنا بل ماكنة إنتاج مستمرة للثقافة المكوناتية (الطائفية، الإثنية، الدينية، اللغوية... إلخ) حتى يستمر الانقسام الطائفي والإثني، ويستمر معه تصويت جماهير تلك الطوائف والإثنيات لأحزابها الطائفية والإثنية. ففي كل مرة تقترب فيها الانتخابات، تبدأ أحزاب المكونات حملة تخويف وتحريض شديدين ضد الآخر لتضمن أصوات أتباعها وولاءهم لها(39). وهذا واضح من الحملات التي تشن حاليا مع قرب موعد الانتخابات في تشرين الثاني/ نوفمبر من هذا العام، خصوصا تشويه سمعة القوى الوطنية الديمقراطية، لأنها تملك مشروعا وطنيا عابرا للمكونات لبناء دولة مدنية ديمقراطية على نقيض المشروع الطائفي - الإثني للأحزاب والكتل المتنفذة.

من جانب آخر، إن أحزاب الأقليات غير مستعدة للمغامرة بمكاسبها السياسية التي حققتها في ظل الديمقراطية التوافقية "المحاصصة"، وأن أي دعوة منها لمقاومة النظام الحالي هي دعوة لمقاومة وجودها وتفكيكه. لذا، فإن أحزاب الأقليات جزء شريك وأساس في جعل الأقليات أقليات سياسية وليس مكوناتية فقط، وذلك من خلال مشاركتها، راغبة أو مرغمة، في العملية المكوناتية المسماة بالديمقراطية التوافقية(40)؛ لأن رؤساء الأحزاب والكتل التي تشكلت على أساس مكوناتي باتت لهم مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية مترابطة مع الأحزاب والكتل المتنفذة، أي أن هناك تخادما في المصالح.

وينبغي التمييز هنا بين التوافق على أساس مكوناتي والتوافق على أساس سياسي، حيث أن الأول يستمر في تمزيق المجتمع عموديا، ويُمكن أن يُمهد مستقبلا لظهور نزعات انفصالية أكثر قوة، أما التوافق الثاني فهو معمول به حتى في الديمقراطيات الراسخة.

وارتباطا بذلك، يذكر عزمي بشارة "إن الأحزاب في حالة الدولة الريعية تعدّ الدولة أداة سيطرة ومصدر دخل للإنفاق على المجتمع، ومن ثمّ اكتساب قواعد اجتماعية عبر منظومة زبائنية متكاملة الوظائف؛ ما زاد من حدة التنافس للسيطرة على الدولة كأنها غنيمة، بدلاً من العمل تحت سقف الدولة بوصفها تعبيرا عن كيان الأمة جمعاء"(41). وهذه النزعة تحكم الأحزاب والكتل المتنفذة في العراق والتي تستخدم الانتخابات كآلية لاقتسام غنيمة الدولة، وهي بالتالي تغذي الفساد الإداري والمالي والسياسي والذي بات متفشيا على نطاق واسع في مفاصل الدولة والمجتمع على الرغم من الادعاء بمحاربته.

إن الأحزاب الشيعية في العراق ليست منشغلة بإعادة هيكلة الدولة وتاريخها من منطلق طائفي سياسي حزبي فحسب، بل إنها منخرطة أيضا في جهد لإعادة تعريف من هو الشيعي "الحقيقي". فالشيعي عندها هو الشيعي سياسيا، والذي يشكّل قاعدتها. وهذه حال الطائفية السياسية في كل مكان؛ فهي تميّز بين ابن الطائفة "الحقيقي"، أي المؤيد للطائفية السياسية، و"غير الحقيقي" الذي لا يعرّف نفسه طائفيا عبر الطائفية السياسية(42)؛ أي هنا يجري انكار التنوع الفكري والسياسي الذي هو حالة طبيعية في داخل أي مكون سواء كان دينيا أو طائفيا أو إثنيا. ما يجعلنا نقول أن البلد سائر ومنذ عام 2003 وبتخطيط محلي وخارجي على نهج لبننة العراق.

يصعب الحديث عن ديمقراطية توافقية، في ظل وجود ميلشيات يقوم مبدؤها على الردع والتغلب. والتوافق في هذه الحالة يكون سلبيا أشبه بالهدنة إذا حصلت، ولا يؤسس نظاما سياسيا توافقيا. يضاف إلى ذلك أن توجه الأحزاب الطائفية هو نحو فرض نظام أكثري طائفي، وليس نحو التوافق، أما الدستور فلا يذكر التوافق(43)، علما أن الدستور يجري خرقه بانتقائية تتوافق مع مصالح القوى المتنفذة.

***

د. هاشم نعمة

......................

الهوامش

1- رالف ميليباند، "الرأسمالية والديمقراطية"، الثقافة الجديدة، العدد، ايلول – تشرين الأول 1997، ص 13 -17.

2 - Miodrag A. Jovanovic & Dorde Pavicevic (eds.), Criss and Quality of Democracy in Eastern Europe (The Hague: Eleven, 2012), p. 62.

3- نهيلة صوفي، "من مرحلة ما بعد الديمقراطية إلى مرحلة الديمقراطية الجديدة"، مراجعة كتاب كلاوس فون بايمه، سياسات عربية، العدد 68، 2024، ص 143.

4- نموذج يتميز بالتمويل المعتمد على البنوك، والشراكة الاجتماعية بين النقابات وأصحاب العمل، وتوازن القوى بين أصحاب المصلحة (بما في ذلك الموظفين) والإدارة.

5  - Miodrag, pp. 23-24.

6- عزمي بشارة، "الشعبوية والأزمة الدائمة للديمقراطية"، سياسات عربية، العدد 40، أيلول| سبتمبر 2019، ص 9.

7- حارث حسن، "التجربة التوافقية في العراق: النظرية والتطبيق والنتائج"، سياسات عربية، العدد 23، تشرين الثاني| نوفمبر 2016، ص 40.

8 - سليم سوزه، "الديمقراطية التوافقية في العراق: إعادة إنتاج الأقليات الإثنية والدينية واللغوية بوصفها أقليات سياسية"، سياسات عربية، العدد 51، تموز| يوليو 2021، ص 52.

9 - Miodrag, p.31.

10 - ميليباند، ص 13 -17.

11 -Miodrag, p. 20.

12 - للمزيد راجع: هاشم نعمة، "في سمات الشعبوية"، الثقافة الجديدة، العدد 447، أيلول| 2024.

13 - NRC Handelsblad, 25 September 2025.

14 - توماس بيكيتي، رأس المال في القرن الحادي والعشرين، ترجمة وائل جمال وسلمى حسين، التنوير، د. ت. ص 453.

15 - بيكيتي، ص 453

16- بيكيتي، ص 632.

17 - Miodrag, pp. 20-21.

18 - صوفي، ص 140.

19 - مارسيل غوشيه، نشأة الديمقراطية II أزمة الليبرالية ، ترجمة جهيدة لاوند، بغداد، دراسات عراقية، 2011، ص 138.

20 - Miodrag, p 1.

21- علي الدين هلال، الانتقال إلى الديموقراطية: ماذا يستفيد العرب من تجارب الآخرين؟، عالم المعرفة، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2019، ص 206.

22 - هلال، ص 206-207.

23 - هلال، ص 207.

24 - سوزه، ص 49.

25 - Hauke Brunkhorst et al., European Democracy in Crisis (The Hague: Eleven, 2018), pp. 56.

26- Ibid., p. 55.

27  - Ibid., p. 53.

28 - سمير بوسلهام، مراجعة كتاب الرأسمالية الكانيبالية، لنانسي فريزر، تبيُّن، العدد 50، خريف 2024، ص237.

29 - David North, The Crisis of American Democracy, United States: Mehring Books, 2006, pp. 28-29.

30- Ibid., p. 29.

31 -Foreign Affairs, 20 January 2022.

32 - Hans Kochler, (ed.), The Crisis of Representative  Democracy, Frankfurt am Main: Verlag Peter Lang, 1987, pp. 170-71.

33- Ibid., p. 171.

34 - صالح ياسر حسن، الدولة، السلطة، الطبقات الاجتماعية، بغداد: بيت الكتاب السومري، 2019، ص 279.

35- هلال، ص 205- 206. 207.

36 - Kochler, p. 170.

37 - زولتان باراني وروبرت موزر، هل الديمقراطية قابلة للتصدير؟، ترجمة جمال عبد الرحيم، بيروت: جداول للنشر، 2012،  ص 47-48.

38  - Foreign Affairs, 20 March 2023.

39 - سوزه، ص 54.

40 - سوزه، ص 58.

41- عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018، ص 729.

42 - المصدر نفسه، ص 736.

43 - المصدر نفسه، ص 754.

كيف يوظف رجل السياسة رجل الدين لتثبيت الوضع القائم*

مقدمة البحث: تشكل الشرعية السياسية إحدى الركائز الأساسية لثبات الأنظمة واستمرارها، إذ يعتمد استقرار أي نظام على قدرته في تبرير سلطته وتحصين موقعه أمام المجتمع. وبينما تتعدد مصادر الشرعية في الفكر السياسي من شرعية دستورية إلى اقتصادية أو ثورية، يبقى الدين من أكثر المصادر عمقا وتأثيرا في الوجدان الجمعي، خصوصا في المجتمعات التي يعد فيها الدين جزءا حيا من هوية الدولة وسلوك المجتمع.

ومن هنا تنشأ علاقة مركبة بين رجل السياسة ورجل الدين، حيث تمارس السلطة السياسية دورا بالغ الحساسية في إعادة إنتاج الشرعية عبر توظيف الخطاب الديني، سواء من خلال المؤسسات الدينية الرسمية أو الشخصيات الدينية ذات الحضور الاجتماعي.

تزداد أهمية هذه الظاهرة في العالم العربي، ولا سيما في دول الخليج العربي، التي تقدم نموذجا معاصرا وواضحا لاستخدام الدين كأداة لإدارة الشرعية وتعزيز الاستقرار السياسي. إذ تمنح البنية الاجتماعية المحافظة وعمق المرجعية الدينية للنظام السياسي مساحة واسعة لدمج الدين في آليات الحكم، وذلك عبر تكريس خطاب ديني يربط بين طاعة ولي الامر والاستقرار وبين حماية الثوابت الدينية والحفاظ على الوضع القائم.

على الجانب النظري، يقدم عالم الاجتماع الالماني ماكس فيبر اطارا تحليليا بالغ الأهمية لفهم هذه الظاهرة. فقد صنف فيبر الشرعية إلى ثلاثة أنماط رئيسية التقليدية، الكاريزمية، والقانونية موضحا الدور الحاسم للقيم الدينية والثقافية في تبرير السلطة السياسية داخل المجتمعات. ويعد هذا الاطار أساسا مناسبا لتحليل العلاقة بين الدين والسياسة في الأنظمة التي تمنح الشرعية التقليدية أو الدينية دورا بارزا في استقرار الحكم.

تكمن أهمية هذا البحث في تحليل كيفية توظيف رجل السياسة لرجل الدين والمؤسسة الدينية لتثبيت الوضع القائم، مع التركيز على الواقع الخليجي كنموذج تطبيقي معاصر. كما يسعى إلى ربط الاطار النظري الفيبري بممارسات السلطة السياسية في السياقات الدينية، مما يتيح فهما أعمق لطبيعة الشرعية في المجتمعات العربية وآليات انتاجها وإعادة انتاجها.

وبذلك، يسهم البحث في سد فجوة معرفية تتمثل في الحاجة إلى ربط النظرية الاجتماعية الغربية بالتطبيقات السياسية العربية، وتحليل الدور المتنامي للدين ليس بوصفه مكونا روحانيا فقط، بل كأداة استراتيجية لإدارة السلطة وتوجيه الوعي الجمعي.

مشكلة البحث

تمثل العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية إحدى أكثر العلاقات تركيباً في بنية الدولة العربية المعاصرة، خصوصا في الدول التي يشكل فيها الدين مصدرا جوهريا للهوية الاجتماعية ومحددا رئيسيا للولاء السياسي. ورغم كثرة الدراسات التي تناولت العلاقة بين الدين والسياسة، إلا أن الإشكال الرئيس يبقى قائما في فهم الآليات الدقيقة التي تستخدمها الأنظمة السياسية لإدارة الشرعية عبر الدين، وكيف يتحول الخطاب الديني من منظومة قيم أخلاقية إلى أداة سياسية تستخدم لتثبيت الوضع القائم وإضفاء القداسة على السلطة.

تتجلى المشكلة بصورة أوضح في دول الخليج العربي، حيث تتداخل البنى القبلية والدينية والسياسية في نظام واحد، وتؤدي المؤسسات الدينية الرسمية، أو العلماء المرتبطون بالدولة، دورا مباشرا في انتاج خطاب يرسخ شرعية الحاكم ويؤطر الطاعة السياسية داخل سياق ديني. وعلى الرغم من وجود ممارسات موثقة لهذا التوظيف، إلا أن الدراسات الأكاديمية التي تربط هذه الممارسات بالإطار النظري الذي وضعه ماكس فيبر حول الشرعية التقليدية والدينية لا تزال محدودة.

من هنا، تتحدد مشكلة هذا البحث في السؤال الجوهري الآتي:

كيف تستخدم المؤسسة الدينية والخطاب الديني في دول الخليج كأدوات لإدارة الشرعية السياسية وتثبيت الوضع القائم، وذلك في ضوء مفاهيم الشرعية عند ماكس فيبر؟

كما تتفرع عن المشكلة عدة نقاط إشكالية إضافية:

ما هي طبيعة العلاقة البنيوية التي تجمع بين رجل السياسة ورجل الدين في الأنظمة الخليجية؟

كيف يتغير الخطاب الديني بما يخدم التحولات السياسية ومصالح الدولة؟

وهل يؤدي هذا التوظيف للدين إلى تعزيز استقرار طويل الأمد أم إلى شرعية هشة قابلة للتآكل؟

إن هذه الإشكالات تكشف الحاجة إلى تحليل يجمع بين النموذج النظري فيبر والنموذج التطبيقي دول الخليج لفهم ديناميات الشرعية في السياق السياسي العربي.

أسئلة البحث

السؤال الرئيس للبحث:

كيف يوظف رجل السياسة في دول الخليج المؤسسة الدينية والخطاب الديني لإدارة الشرعية السياسية وتثبيت الوضع القائم، وذلك في ضوء مفاهيم الشرعية عند ماكس فيبر؟

الأسئلة الفرعية:

1- ما طبيعة الشرعية السياسية كما يعرفها ماكس فيبر؟ وما هي أنواع الشرعية التي يقدمها التقليدية، الكاريزمية، القانونية/العقلانية؟ وكيف تتصل هذه الأنواع بالواقع السياسي في الدول الخليجية؟

2- ما هي البنى المؤسسية الدينية في دول الخليج؟ وكيف تشكلت تاريخيا؟ وما الدور الذي تؤديه في المجال السياسي؟

3- كيف تدار العلاقة بين رجل السياسة ورجل الدين في الأنظمة الخليجية؟ هل العلاقة تكاملية أم تبادلية أم تابعة؟ وما آليات الضبط التي تمارسها الدولة على الخطاب الديني؟

-4 ما أهم أدوات توظيف الدين في الخطاب السياسي الخليجي مثل خطاب الطاعة، درء الفتنة، وحدة الجماعة، شرعية الاستقرار؟

5- كيف يتم ضبط الفتوى والمؤسسات الدينية الرسمية؟ وما أثر هذا الضبط على استقلالية العلماء؟ وكيف تسهم الفتوى الرسمية في تعزيز شرعية الدولة؟

6- إلى أي مدى يساهم هذا التوظيف للدين في تحقيق استقرار سياسي فعلي؟ وهل يعزز استقرارا طويل الأمد أم ينتج شرعية هشة تعتمد على موارد رمزية فقط؟

7- ما المخاطر أو الآثار الجانبية لاستخدام الدين في تثبيت السلطة على الدين كمؤسسة أخلاقية، وعلى المجال العام، وعلى العلاقة بين المجتمع والدولة؟

8- كيف تتوافق أو تتعارض الممارسات الدينية السياسية في الخليج مع نظريات الشرعية الحديثة؟ وأين يتقاطع نموذج الخليج مع المفهوم الفيبري وأين ينفصل عنه؟

فرضيات البحث

الفرضية الرئيسة

توظيف رجل السياسة في دول الخليج للعلماء والمؤسسات الدينية هو عملية منظمة تهدف إلى انتاج شرعية سياسية قائمة على النموذج التقليدي-الديني عند ماكس فيبر، بما يضمن تثبيت الوضع القائم والمحافظة على الاستقرار دون الحاجة إلى آليات تمثيل سياسي موسعة.

الفرضيات الفرعية

1- تستند الأنظمة الخليجية إلى الشرعية التقليدية وفق تصنيف فيبر، مع توظيف الخطاب الديني لتعزيز شرعية الحكم الوراثي والقبلي.

2 - المؤسسة الدينية الرسمية في دول الخليج ليست مستقلة، بل تعاد صياغة دورها عبر الدولة بحيث تتحول إلى ذراع شرعي-رمزي يدعم السياسات العامة.

3- الخطاب الديني الرسمي في دول الخليج يعاد انتاجه باستمرار لخدمة هدف رئيس هو تأكيد الاستقرار السياسي وربط المعارضة أو الاحتجاج بالفتنة أو خلل الجماعة.

4- تنظيم الفتوى وتقييد الخطاب الديني الحر يؤدي إلى انسجام الخطاب الديني مع رؤية الدولة، لكنه يقلل من استقلالية العلماء ويحولهم إلى جزء من الجهاز السياسي.

5- وجود مؤسسات دينية مركزية ومنضبطة في دول الخليج يساهم في منع ظهور خطاب ديني مواز قد يزعزع شرعية الدولة، ويضمن توحيد المجال الديني.

6- كلما زادت سيطرة الدولة على الحقل الديني، زادت قدرتها على إدارة السلوك الاجتماعي والسياسي للمجتمع، خصوصا عبر مفاهيم الطاعة والنظام العام.

7- توظيف الدين في السياق الخليجي يساهم في الاستقرار السياسي على المدى القصير والمتوسط، لكنه قد ينتج هشاشة شرعية على المدى البعيد إذا ظهرت فجوة بين الخطاب الديني والواقع.

8 - الشرعية الرمزية والدينية في الخليج تستخدم لتعويض محدودية المشاركة السياسية في بعض الدول، بحيث يصبح الدين بديلا عن الآليات التمثيلية الحديثة.

9- يزداد اعتماد الأنظمة الخليجية على الخطاب الديني كلما ازدادت التغيرات الاجتماعية أو الاقتصادية التي قد تهدد الوضع القائم.

منهجيات البحث

1 المنهج الوصفي-التحليلي: وصف الظاهرة السياسية والاجتماعية القائمة وتحليلها، دراسة هيكلة السلطات الدينية والمؤسساتية في دول الخليج، والخطاب الديني الرسمي وعلاقته بالسياسات العامة.

2 المنهج المقارن: مقارنة بين الأنظمة المختلفة داخل دول الخليج لفهم التباين في درجة توظيف الدين، مثل السعودية، الإمارات، قطر، والكويت.

3 المنهج التاريخي: تتبع تطور العلاقة بين السلطة والدين عبر الزمن، دراسة الجذور التاريخية للشرعية الدينية في الخليج وتطور المؤسسات الرسمية.

4 تحليل الخطاب: دراسة المحتوى الخطابي والرسائل الرمزية للدين المستخدمة في تعزيز السلطة، تحليل خطب الجمعة، الفتاوى الرسمية، البيانات الإعلامية للسلطة، وتصريحات العلماء الرسميين.

5 مصادر البيانات:

المصادر الأولية: مؤسسات دينية رسمية، خطب الجمعة، الفتاوى الرسمية، قوانين وأنظمة تنظيم المجال الديني.

المصادر الثانوية: كتب ودراسات سابقة حول الشرعية الدينية والسياسية، أعمال ماكس فيبر، وائل حلاق، عبد الله العروي، نصر حامد أبو زيد، عبد الجبار الرفاعي، وأبحاث أكاديمية وتحليلات منشورة عن السياسة الدينية في الخليج.

6 أسلوب التحليل: ربط النظرية بالواقع، التركيز على آليات التوظيف مثل المؤسسات الرسمية، العلماء الرسميون، الفتاوى، الخطاب الديني، ودراسة الآثار المترتبة مثل الاستقرار الاجتماعي والسياسي وتراجع الاجتهاد المستقل وفقدان الثقة بالمؤسسات.

الإطار النظري والدراسات السابقة

الإطار النظري

1 مفهوم الشرعية عند ماكس فيبر: الشرعية هي الاعتراف الاجتماعي بسلطة الحاكم ورضا الناس عن حكمه، وتصنف إلى ثلاثة أشكال:

الشرعية التقليدية: قوة مستمدة من العادات والتقاليد والموروث الثقافي والديني، مثال الطاعة للحاكم بسبب إرثه العائلي أو وضعه المقدس.

الشرعية الكاريزمية: قائمة على شخصية القائد الجذاب المؤثر، الذي يلهم الجماهير ويكسب طاعتهم بحضوره وشخصيته.

الشرعية القانونية-العقلانية: مبنية على القوانين والمؤسسات، وتستمد قوتها من الإجراءات النظامية المنظمة للسلطة.

2 أدوات توظيف الدين في تثبيت السلطة: المؤسسات الدينية الرسمية، الفتوى والخطاب الديني، العلماء الرسميون والرموز الدينية، خطاب الاستقرار ومنع الفتنة.

الدراسات السابقة

وائل حلاق (الدولة المستحيلة)

عبد الله العروي (دراسة عن السلطة والدين)

نصر حامد أبو زيد (النص الديني والخطاب السياسي)

عبد الجبار الرفاعي (الدين والبيروقراطية)

ماكس فيبر (السلطة والشرعية)

الإطار النظري والدراسات السابقة

بداية: الإطار النظري

أولا: مفهوم الشرعية عند ماكس فيبر

يُعد ماكس فيبر مرجعاً أساسياً لفهم العلاقة بين السلطة والقبول الاجتماعي. ويعرّف الشرعية بأنها الاعتراف الاجتماعي بسلطة الحاكم ورضا الناس عن حكمه. ويصنّف فيبر الشرعية إلى ثلاثة أشكال رئيسية:

الشرعية التقليدية: تستمد قوتها من العادات والتقاليد والموروث الثقافي والديني. مثال ذلك الطاعة للحاكم بسبب إرثه العائلي أو وضعه المقدس في المجتمع. أهمية هذا النوع للبحث تظهر في القدرة على توظيف المرجعية الدينية التقليدية لإضفاء قداسة على السلطة وتثبيت الوضع القائم.

الشرعية الكاريزمية: قائمة على شخصية القائد الجذّاب والمؤثر الذي يُلهم الجماهير ويكسب طاعتهم بحضوره وشخصيته. توضح هذه الشرعية كيف يمكن للقائد السياسي استثمار الرموز الدينية أو العلماء لتعزيز حضوره وكاريزمته.

الشرعية القانونية–العقلانية: مبنية على القوانين والمؤسسات، وتستمد قوتها من الإجراءات النظامية المنظمة للسلطة. يظهر هذا النوع الفرق بين الشرعية المبنية على القوانين والشرعية المبنية على الدين، وهو ما يفسر اللجوء إلى الدين كآلية لتعويض نقص الشرعية المؤسسية أو المشاركة السياسية.

ثانيا: أدوات توظيف الدين في تثبيت السلطة

يمكن للسياسي توظيف الدين عبر عدة وسائل عملية، أبرزها:

1 المؤسسات الدينية الرسمية: تمثل وسطاء شرعيين ينقلون خطاب الدولة إلى الجمهور، مثل وزارة الأوقاف أو المجالس العلمية. تعمل على ضبط الخطاب الديني ومنع الانحرافات التي قد تُزعزع الوضع القائم.

2 الفتوى والخطاب الديني: تُستخدم لتبرير سياسات محددة وصياغة فهم ديني للقوانين والقرارات السياسية، مما يحوّل الدين إلى أداة رمزية تعزز الطاعة والاستقرار.

3 العلماء الرسميون والرموز الدينية: يُمنح لهم دور علني في الإعلام والمناسبات الرسمية لإضفاء مصداقية أخلاقية للسياسة، ما يعكس ما يسميه فيبر "رأس المال الرمزي".

4 خطاب الاستقرار ومنع الفتنة: يركّز على الوحدة الوطنية، الامتناع عن التغيير الجذري، ورفض المعارضة السياسية بوصفها تهديداً للفوضى أو "الفتنة".

ثالثا: الدراسات السابقة في السياق العربي والإسلامي

وائل حلاق – الدولة المستحيلة: أوضح أن الدولة الحديثة تستفيد من الرمزية الدينية لتثبيت الحكم دون استنساخ الشرعية الإسلامية التاريخية.

عبد الله العروي – السلطة والدين: أكد أن الشرعية الدينية كانت تاريخياً أداة لتثبيت الحكم وإضفاء القداسة على السلطة.

نصر حامد أبو زيد – النص الديني والخطاب السياسي: حذّر من انتقائية التفسير الديني المستخدمة لخدمة المصالح السياسية، موضحاً كيف يمكن استغلال النصوص الدينية لتوجيه السلوك السياسي والاجتماعي.

عبد الجبار الرفاعي – الدين والبيروقراطية: ناقش فكرة تحويل الفتوى إلى جزء من بيروقراطية الدولة، ما يضعف استقلالية العلماء ويحوّل الدين إلى أداة للسلطة.

ماكس فيبر – السلطة والشرعية: قدم الإطار المفاهيمي لفهم العلاقة بين السلطة والدين، خصوصاً مفهوم الشرعية التقليدية والرمز الديني المستخدم لتعزيز القبول الاجتماعي للسلطة.

ثانياً: خلاصة الإطار النظري

الشرعية الدينية التقليدية أداة رئيسية يستخدمها السياسي لتثبيت الوضع القائم عند غياب الشرعية القانونية أو المشاركة المجتمعية.

العلماء الرسميون والخطاب الديني والفتوى هي وسائل عملية لتطبيق هذه الشرعية.

الدراسات السابقة أكدت المخاطر الاجتماعية والسياسية لدمج الدين بالسياسة: تراجع الاجتهاد الحر، فقدان الثقة، وخلط المجال الديني بالمصالح السياسية.

الفصل التطبيقي: الدراسة التحليلية – (نموذج دول الخليج)

أولا: مدخل عام

تمثل دول الخليج نموذجاً حياً لكيفية توظيف السياسي لرجل الدين في تثبيت السلطة. يكتسب هذا النموذج أهميته من:

طبيعة المجتمعات الخليجية التقليدية القبلية والدينية.

هيمنة العائلات الحاكمة تاريخياً على السلطة السياسية.

قدرة النخب الدينية على منح الشرعية الرمزية للسلطة.

هذا النموذج يعكس عمليا ما تحدثت عنه الدراسات السابقة ونظرية ماكس فيبر حول الشرعية التقليدية، حيث يُستثمر الدين لإضفاء قداسة على السلطة واستقطاب قبول اجتماعي واسع.

ثانيا: المؤسسات الدينية الرسمية كدعامة للشرعية

تعمل المؤسسات الدينية الرسمية في دول الخليج كوسيط شرعي لنقل خطاب الدولة إلى الجمهور.

الأدوار الأساسية تشمل:

تأكيد قيمة الاستقرار السياسي والوحدة الوطنية.

شرعنة السياسات العامة من خلال خطاب ديني مضبوط.

تعزيز طاعة ولي الأمر وربطها بالشرعية الدينية.

تصوير المعارضة كخطر على "الفتنة" والوحدة.

ثالثا: ضبط الفتوى وإدارتها

وجود مؤسسات رسمية مخولة بإصدار الفتاوى، مع منع الاجتهادات الفردية التي قد تخلق انقسامات اجتماعية.

ربط الفتوى برؤية الدولة لضمان انسجام الخطاب الديني مع السياسية.

رابعا: صناعة العلماء الرسميين وإدارة المكانة الرمزية

إستراتيجيات الدولة تشمل تكريم العلماء الموالين للسلطة وإبرازهم إعلامياً ومنحهم أدوار رمزية في التوجيه الديني والاجتماعي.

التحليل: يعكس مفهوم فيبر عن "رأس المال الرمزي"، حيث يصبح العالم الرسمي وسيطاً بين السلطة والجمهور، ويمنح الحاكم بعداً أخلاقياً وشرعياً.

خامسا: توظيف خطاب الاستقرار ومنع الفتنة

الخطاب السائد يركز على الامتناع عن الفوضى السياسية، درء الفتنة والحفاظ على الوحدة الوطنية، ورفض الاحتجاجات كخطر على النسيج الاجتماعي.

التحليل: يجسد الربط بين القوة والقداسة حيث يُستخدم الخطاب الديني لإضفاء شرعية رمزية على السياسة وإقناع المجتمع بأن الطاعة للحاكم واجبة شرعاً وأخلاقيا.

سادسا: قراءة فيبرية للنموذج الخليجي

المجتمعات الخليجية التقليدية تعتمد على الشرعية التقليدية القائمة على الدين والتقاليد.

السياسي يستخدم المؤسسة الدينية الرسمية لإنتاج قبول اجتماعي واسع.

الفتاوى والخطاب الرسمي يعملان كوسيط شرعي، يعكس رأس المال الرمزي للدين.

الشرعية الدينية تعوض أحيانا عن غياب المشاركة السياسية أو المؤسسات التمثيلية القوية..

سابعا: دوافع توظيف الدين

1 الإستقرار الداخلي في مجتمعات تقليدية قبلية ودينية.

2 تعزيز مكانة الدولة كحامية للقيم الدينية.

3 تأمين الولاء العام عبر خطاب جماهيري موحد.

4 توجيه المجال الديني بما يخدم السياسة وتحييد الخطاب المعارض.

5 منع ظهور منافذ قد تهدد السلطة أو الاستقرار.

ثامنا: الآثار الإجتماعية والسياسية

إيجابيات محتملة: الحفاظ على السلم الاجتماعي، الحد من الفوضى الدينية والسياسية، ترسيخ قيم الطاعة والانضباط الاجتماعي.

سلبيات محتملة: تراجع الاجتهاد الديني الحر، خلط الدين بالسياسة، فقدان الثقة في العلماء إذا أصبحوا جزءاً من السلطة، تحويل الدين إلى أداة سياسية أكثر من كونه منظومة قيمية مستقلة.

تاسعا: خلاصة الفصل

السياسي في دول الخليج يوظف الشرعية التقليدية وفق فيبر.

يُستثمر رأس المال الرمزي للدين عبر العلماء الرسميين والخطاب الديني الرسمي.

الفتاوى والخطاب المؤسساتي يعززان قبول المجتمع للسياسة، ويثبتان الوضع القائم.

النموذج الخليجي يقدم مثالا معاصرا وموثوقا على استخدام الدين كأداة لإدارة الشرعية، ويخدم العنوان الرئيسي للبحث بشكل مباشر.

الخاتمة

توظيف رجل الدين من قبل السياسي لتثبيت الوضع القائم يمثل أحد أبرز أشكال التداخل بين الدين والسياسة في المجتمعات التقليدية والمعاصرة. يشمل هذا التوظيف المؤسسات الدينية الرسمية، الفتوى المنظمة، وصناعة العلماء الرسميين، وكلها أدوات تمكّن السلطة من إدارة الشرعية الاجتماعية والسياسية وتحقيق الاستقرار.

الإستنتاجات:

1 الدين يستخدم كأداة لإضفاء الشرعية الرمزية على السلطة وليس كمرجع مستقل للحكم.

2 المؤسسات الدينية الرسمية تتحول إلى أدوات سياسية، مما يضعف النقد الداخلي ويحد من الاجتهاد الحر.

3 الاستقرار السياسي قصير-متوسط المدى غالبا ما يقابله ضعف الشرعية الأخلاقية للمؤسسات الدينية على المدى الطويل.

4 السياسة الذكية تعتمد على إدارة العلاقة بين الدين والسلطة بشكل منهجي، مستندة إلى رأس المال الرمزي والشرعية التقليدية، كما توضح التجربة الخليجية.

التوصيات:

فصل الوظائف بين السياسة والدين لضمان استقلالية العلماء.

حماية الاجتهاد الديني والنقد البناء للسلطة لضمان مصداقية الدين ومؤسساته.

إستخدام الدين كمصدر للقيم والمبادئ، لا كأداة لفرض الطاعة أو تثبيت السلطة.

دراسة التجارب العملية لنماذج أخرى لتعميم الدروس المستفادة على السياقات العربية والإسلامية المختلفة....

***

حسين الأصهب

في هذا العصرٍ الذي تتداخل فيه الحدود بين الواقع والافتراض، وتتشابك فيه خيوط المعرفة مع خوارزميات المنصّات الرقمية، يبرز مفهوم الاستشراق الرقمي بوصفه امتداداً جديداً لخطابٍ قديم أعاد تشكيل نفسه داخل بيئة إعلامية أكثر تأثيراً وانتشاراً. فبينما كان الاستشراق التقليدي يعتمد على الرحّالة والمستشرقين والكتّاب والفنانين لتكوين صورة “عن الشرق”، فإن النسخة الرقمية منه اليوم تُصنع عبر شبكات الأخبار العالمية، ومنصّات التواصل الاجتماعي، ومحركات البحث، وخوارزميات التصفية التي تحدد ما يُرى وما يُخفى، وما يُضخّم وما يُهمّش. وهكذا، لم يعد الشرق يُعاد إنتاجه عبر نصوص أدبية أو لوحات فنية فقط، بل عبر تدفقات هائلة من الصور والفيديوهات والعناوين العاجلة التي تُبنى وفق منطق السرعة والانتشار والتأثير.

لقد أصبحت وسائل الإعلام الغربية لاعباً مركزياً في تشكيل المخيال الجمعي العالمي حول الشرق الأوسط والعالم الإسلامي وآسيا وشمال إفريقيا. فهي لا تنقل الأحداث فحسب، بل تصنع إطاراً تفسيرياً يحدد معنى الحدث، ويعيد ترتيب عناصره، ويُسقط عليه منظومة من القيم والتصورات المسبقة. وفي هذا السياق، يتحول الشرق إلى “شرق رقمي” جديد: شرقٍ مُفلتر، مُجزّأ، مُختزل في ثنائيات جاهزة مثل العنف/الاستقرار، الحداثة/التخلّف، الديمقراطية/الاستبداد، والحرية/التهديد. شرقٌ لا يُرى كما هو، بل كما تسمح به عدسات الكاميرات الغربية وخوارزميات المنصّات التي تُعيد تدوير الصور النمطية القديمة في قالبٍ معاصر.

إن الاستشراق الرقمي لا يقتصر على التغطيات الإخبارية، بل يمتد إلى صناعة الترفيه، وتحليلات الخبراء، وصور “الشرق” في السينما والمسلسلات، وحتى في نتائج البحث على الإنترنت. فحين يبحث المستخدم الغربي عن “العرب” أو “المسلمين” أو “الشرق الأوسط”، فإن ما يظهر أمامه ليس مجرد معلومات محايدة، بل منتج معرفي تشكّله شركات التكنولوجيا الكبرى وفق معايير تجارية وسياسية وثقافية. وهكذا، تتكرّس صورة الشرق كفضاء للأزمات، والحروب، والغرابة الثقافية، في حين تُهمّش جوانب الحياة اليومية، والإبداع، والتنوع، والتاريخ الاجتماعي الحقيقي لشعوبه.

إن هذا المقال يسعى إلى تفكيك آليات هذا الاستشراق الرقمي، وطرح سؤال جوهري: كيف تصنع وسائل الإعلام الغربية شرقاً جديداً؟ وما الذي يجعل الصورة الرقمية للشرق أكثر حضوراً وتأثيراً من الواقع نفسه؟ وهل نحن أمام إعادة إنتاج لخطاب استشراقي قديم، أم أمام شكل جديد من الهيمنة الرمزية التي تُمارس عبر البيانات والصور والخوارزميات؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست مجرد تمرين نظري، بل ضرورة لفهم كيف يُعاد تشكيل وعينا بالعالم في زمن الإعلام الرقمي، وكيف يمكن للشرق أن يستعيد حقه في تمثيل ذاته بعيداً عن عدسات الآخر.

خلفية نظرية عن الاستشراق

يُعدّ مفهوم الاستشراق واحداً من أكثر المفاهيم إثارةً للجدل في حقل الدراسات الثقافية والإنسانية، لأنه لا يقتصر على كونه مجالاً معرفياً يهتم بدراسة الشرق، بل يتجاوز ذلك ليصبح منظومة فكرية وخطابية أسهمت في تشكيل علاقة غير متكافئة بين الغرب والشرق. تاريخياً، ظهر الاستشراق في البداية كتسمية علمية لمجموعة من الدراسات التي اهتمت باللغات الشرقية، والأديان، والتاريخ، والعادات، والجغرافيا، إلا أن القراءات النقدية الحديثة، وعلى رأسها قراءة إدوارد سعيد، كشفت أن هذا الحقل المعرفي لم يكن بريئاً أو محايداً، بل كان متشابكاً مع مشاريع القوة والهيمنة والاستعمار.

في القرون الثامن عشر والتاسع عشر وبدايات القرن العشرين، برز المستشرقون كخبراء في “شؤون الشرق”، يُجيدون لغاته، ويُدرّسون نصوصه الدينية والأدبية، ويُنتجون دراسات عن تاريخه ومجتمعاته. ظاهرياً، يبدو هذا جهداً علمياً يهدف إلى الفهم والمعرفة، لكن المشكلة الأساسية تكمن في زاوية النظر؛ فقد كانت عملية دراسة الشرق تتم عادةً من مسافة، ومن موقع تفوّق حضاري مزعوم، يُفترض فيه أن الغرب هو معيار التقدم والعقلانية والمدنية، بينما يُنظر إلى الشرق كموضوع للدراسة، وكـ“آخر” مختلف وغريب، يحتاج دائماً إلى تفسير وترجمة وتأطير.

هذا الموقع غير المتكافئ بين “الدارس” الغربي و“الموضوع” الشرقي جعل المعرفة المنتجة عن الشرق محمّلة، في كثير من الأحيان، بأحكام مسبقة، وصور نمطية، وتعميمات واسعة، مثل اعتبار الشرق عالماً ساكناً، غير تاريخي، تقليدياً، منغلقاً، عاطفياً وغير عقلاني. وهكذا، لم يكن الاستشراق مجرد مشروع معرفي، بل كان طريقة معينة لرؤية الشرق، طريقة تصنع شرقاً متخيلاً، يختلف كثيراً عن واقع المجتمعات الشرقية المعقد والمتنوع.

قراءة إدوارد سعيد: الاستشراق كخطاب

التحوّل الجذري في فهم الاستشراق جاء مع كتاب “الاستشراق” لإدوارد سعيد (1978)، الذي نقل النقاش من مستوى “ما يقوله الاستشراق عن الشرق” إلى مستوى أعمق: كيف يُنتج الخطاب الاستشراقي الشرقَ ذاته ككيان متخيّل؟ استند سعيد إلى أعمال ميشيل فوكو حول الخطاب والسلطة، ليطرح فكرة أن الاستشراق ليس مجرد مجموعة من الكتب والأعمال الفنية، بل هو خطاب متكامل يربط بين المعرفة والقوة.

في هذا المنظور، يصبح الاستشراق شبكة من النصوص، والصور، والتمثيلات، والمؤسسات الأكاديمية، والسياسات، التي تعمل معاً على إنتاج “شرق” محدد الملامح: شرقٍ غامض، جنسي، استبدادي، متخلّف، يحتاج دائماً إلى توجيه أو إنقاذ أو إدارة من قبل الغرب. هذه الصورة ليست مجرد سوء فهم أو معلومات ناقصة، بل هي بنية متماسكة تخدم دوراً سياسياً واضحاً: تبرير السيطرة الاستعمارية، والتدخل السياسي، وفرض نماذج جاهزة للتقدم والتحضر.

بهذا المعنى، يصبح الاستشراق خطاباً يعمل على مستويين في الوقت نفسه.  أولاً: على مستوى المعرفة: يقدم نفسه كعلم موضوعي محايد. ثانياً: وعلى مستوى السلطة: يخدم مشاريع الهيمنة الغربية، عبر تكريس صورة دونية عن الشرق ورفعة عن الغرب.

"الشرق" كاختراع رمزي

من أهم أفكار الاستشراق النقدي أن الشرق، كما يقدمه الخطاب الغربي، ليس “الشرق الحقيقي” بتعقيداته، بل هو شرق مُتخيَّل تم بناؤه عبر عقود من الكتابة، والرسم، والبحث، والسياسة. هذا الشرق المتخيّل يعمل كمرآة عكسية يرى الغرب فيها ذاته؛ فهو يجعل الغرب يبدو عقلانياً، حراً، متقدماً، في مقابل شرق يُقدَّم كمقابل نقيض: عاطفي، مقموع، متخلّف. وبذلك، لا يكون الاستشراق مجرد حديث عن الآخر، بل هو أيضاً طريقة لبناء صورة الذات الغربية عبر مقارنة مستمرة مع “الآخر الشرقي”.

هذا الاختراع الرمزي للشرق يختزل التنوع الهائل للثقافات واللغات والتجارب التاريخية في قالب واحد، ويحوّل مجتمعات كاملة إلى نمط واحد مسطَّح. فالعرب، والفرس، والهنود، والأتراك، والمسلمون، والآسيويون – بكل ما بينهم من اختلافات – يتم دمجهم في صورة واحدة اسمها “الشرق”، كأنهم كتلة متجانسة لها صفات مشتركة ثابتة لا تتغير.

جزء أساسي من قوة الاستشراق أنه تشكّل بالتوازي مع صعود الحداثة الأوروبية وتوسع الإمبراطوريات الاستعمارية. فكلما توسع النفوذ الغربي في الشرق، ازدادت الحاجة إلى معرفة هذه المجتمعات من أجل إدارتها والسيطرة عليها. هنا تبرز فكرة مركزية: المعرفة ليست منفصلة عن السلطة. فالدراسات التفصيلية عن جغرافيا الشرق، وتركيب مجتمعاته، ونُظمه القبلية أو الدينية، لم تكن مجرد فضول علمي، بل كانت أيضاً أدوات عملية لتسهيل السيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية.

وهكذا، يمكن القول إن الاستشراق كان جزءاً من البنية التحتية الفكرية للمشروع الاستعماري؛ فبينما كانت الجيوش والأساطيل تتقدم على الأرض، كانت الكتب والأبحاث تُمهّد الطريق، وتمنح هذه السيطرة غطاءً معرفياً وأخلاقياً، عبر تصوير الشرق كمجال يحتاج إلى “تمدين” و“تحديث” و“تحرير” من تخلفه الذاتي المزعوم.

من الاستشراق الكلاسيكي إلى الاستشراق المعاصر

مع نهاية الحقبة الاستعمارية بشكلها المباشر، لم يختفِ الاستشراق، بل غيّر أشكاله. فلم يعد المستشرق اليوم ذلك الباحث الكلاسيكي الذي يجلس في مكتبه يترجم نصوصاً عربية أو فارسية فقط، بل أصبح الاستشراق حاضراً في وسائل الإعلام، والسينما، والأكاديميا، والخطاب السياسي، بل وفي المناهج التعليمية أيضاً. ومع كل أزمة أو حرب أو حدث مرتبط بالشرق، تُعاد تنشيط الصور القديمة، وتظهر مفردات استشراقية في ثوب جديد: “العالم الإسلامي”، “المناطق الخطرة”، “محور الشر”، “حزام التطرف”، وغيرها من التعابير التي تضع الشرق داخل إطار جاهز من الشك والريبة والتهديد.

هذا التحوّل من الاستشراق الكلاسيكي إلى ما يمكن تسميته بـ“الاستشراق المعاصر” يفتح الباب للحديث عن الاستشراق الرقمي بوصفه امتداداً جديداً لهذا التاريخ الطويل؛ فبدلاً من أن تُنتج الصورة في كتاب أو لوحة فقط، باتت تُصنع اليوم عبر الشاشات، والمنصات، والخوارزميات، وهو ما يجعل حضورها أكثر كثافة وانتشاراً وتأثيراً على وعي الجمهور العالمي.

أهمية هذه الخلفية لفهم الاستشراق الرقمي

إن فهم الاستشراق بهذا العمق النظري لا يُعدّ ترفاً فكرياً، بل هو شرط أساسي لفهم كيف تعمل وسائل الإعلام الغربية اليوم في إنتاج “شرق رقمي جديد”. فالصور النمطية التي تظهر في العناوين العاجلة، والتقارير الإخبارية، والأفلام والمسلسلات، ليست معزولة عن هذا التاريخ، بل هي امتداد له داخل سياق تقني جديد. ما تغير هو الوسيط وسرعة الانتشار وكمية البيانات، لكن كثيراً من البُنى الذهنية التي حكمت نظرة الغرب إلى الشرق ما زالت حاضرة، وإن كانت تتخفى خلف لغة أكثر مهنية وموضوعية ظاهرياً.

من هنا، تصبح دراسة الاستشراق الرقمي محاولة لربط الماضي بالحاضر: رصد كيف انتقل خطاب قديم من الكتب والمستعمرات إلى الخوادم الرقمية ومنصات التواصل، وكيف ما زال الشرق يُعاد إنتاجه كصورة أكثر مما يُفهم كواقع. هذه الخلفية النظرية ليست سوى نقطة الانطلاق لقراءة أعمق لكيفية صناعة “شرق جديد” في زمن الإعلام الرقمي، وهو ما سيتناوله المقال في محاوره اللاحقة.

مفهوم الاستشراق الرقمي

يشير الاستشراق الرقمي إلى انتقال الخطاب الاستشراقي التقليدي—الذي كان يُنتج عبر الكتب والرحلات والدراسات الأكاديمية—إلى الفضاء الرقمي، حيث تتولى وسائل الإعلام الغربية، والمنصّات الاجتماعية، ومحركات البحث، وخوارزميات الذكاء الاصطناعي مهمة إعادة تشكيل صورة الشرق في الوعي العالمي. فوفقاً لتحليلات حديثة، فإن الاستشراق لم يختفِ، بل “اتخذ شكلاً جديداً في عصر الإعلام الرقمي” عبر ما يُسمّى Digital Orientalism، حيث تستمر الصور النمطية القديمة في الظهور، ولكن عبر وسائط أكثر حداثة وانتشاراً.

في هذا السياق، يصبح الشرق منتجاً رقمياً يُعاد تشكيله من خلال آليات تقنية لا تبدو سياسية في ظاهرها، لكنها تحمل في جوهرها تحيزات ثقافية ومعرفية. فخوارزميات المنصّات الكبرى—مثل فيسبوك، يوتيوب، إنستغرام، وتويتر—تعمل على تضخيم محتوى معين وإخفاء آخر، مما يؤدي إلى تكريس صورة محددة عن الشرق باعتباره فضاءً للأزمات، والصراعات، والغرابة الثقافية. وقد أشارت دراسات في مجال الإعلام إلى أن هذه التحيزات الرقمية ليست مجرد أخطاء تقنية، بل امتداد لبنية معرفية غربية ما زالت تنظر إلى الشرق من خلال ثنائية “الغرب/الآخر” التي تهيمن على كثير من التحليلات الإعلامية المعاصرة.

كما يبرز الاستشراق الرقمي في الرقابة على المحتوى، حيث تُظهر تقارير بحثية أن المحتوى العربي أو المتعلق بقضايا الشرق الأوسط يتعرض لحذف أو تقييد أكبر مقارنة بغيره، وهو ما وصفه باحثون بأنه “شكل جديد من الاستشراق في الفضاء الرقمي” نتيجة إخفاقات الحوكمة الرقمية وتحيزاتها البنيوية. هذا يعني أن الشرق لا يُعاد تمثيله فقط عبر الأخبار والصور، بل أيضاً عبر التحكم فيما يُسمح له بالظهور وما يُحجب، مما يجعل المنصّات الرقمية شريكاً في إنتاج “شرق افتراضي” يتوافق مع التصورات الغربية السائدة.

وبذلك، يمكن القول إن الاستشراق الرقمي هو عملية إعادة إنتاج للشرق كصورة أكثر منه كواقع، حيث تتداخل القوة التقنية مع القوة الرمزية لتشكيل وعي عالمي منحاز. إنه استشراق لا يُمارَس عبر المستشرق التقليدي، بل عبر الخوارزمية التي تختار ما نراه، والمنصة التي تحدد ما ينتشر، والإعلام الذي يصوغ سرديات جاهزة عن الشرق. وهذا ما يجعل الاستشراق الرقمي أكثر خطورة من سابقه: فهو غير مرئي، سريع، عالمي، ويعمل تحت غطاء “الحياد التقني” بينما يعيد إنتاج علاقات القوة القديمة في ثوب جديد.

آليات عمل الاستشراق الرقمي

تعمل آليات الاستشراق الرقمي ضمن منظومة معقدة تجمع بين الإعلام، التكنولوجيا، والخوارزميات، بحيث تُعاد صياغة صورة الشرق داخل الفضاء الرقمي بطريقة تبدو “حديثة” لكنها تحمل جذوراً عميقة في الخطاب الاستشراقي التقليدي. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الاستشراق في العصر الرقمي لا يُمارَس فقط عبر النصوص أو التحليلات، بل عبر بُنى تقنية تتحكم في تدفق المعلومات، وتعيد ترتيبها، وتضفي عليها معنى محدداً يخدم رؤية غربية للعالم.

1ـ إعادة إنتاج الصور النمطية عبر الإعلام الرقمي

وسائل الإعلام الغربية الرقمية—من المواقع الإخبارية إلى المنصّات الاجتماعية—تستمر في تقديم الشرق ضمن إطار جاهز: الشرق كمنطقة صراعات، وكفضاء للغرابة الثقافية، وكتهديد سياسي أو أمني

هذه التمثيلات ليست عشوائية، بل جزء من ممارسات تأطير إعلامي تُظهر الشرق من خلال عدسة تبسيطية، وهو ما أشارت إليه تحليلات نقدية لخطاب الإعلام العالمي الذي يعيد تدوير الصور النمطية القديمة في سياق رقمي جديد.

2ـ الخوارزميات كأدوات لإعادة تشكيل الوعي

الخوارزميات التي تدير المنصّات الرقمية—مثل فيسبوك، يوتيوب، ومحركات البحث—تلعب دوراً مركزياً في تكريس الاستشراق الرقمي. فهي: تضخّم المحتوى الذي ينسجم مع السرديات الغربية. وتقلل ظهور المحتوى الذي يعرض الشرق بصورة مختلفة. وتفضّل المحتوى المثير أو الصادم، ما يعزز الصور السلبية.

وبذلك، تصبح الخوارزمية فاعلًا ثقافياً يعيد إنتاج الشرق وفق منطق تجاري وسياسي، وليس وفق الواقع. هذا ما تؤكده دراسات تناولت كيفية تشكّل “الشرق الرقمي” عبر آليات تقنية غير محايدة.

3ـ الرقابة الرقمية والتحكم في المحتوى

تشير أبحاث حديثة إلى أن المحتوى المتعلق بالشرق الأوسط أو الصين أو المجتمعات الإسلامية يتعرض أحياناً لرقابة أو حذف أو تقييد أكبر من غيره، نتيجة تحيزات مضمّنة في سياسات المنصّات أو في آليات الإشراف على المحتوى. هذه الرقابة لا تُمارَس دائماً بشكل مباشر، بل قد تكون نتيجة: قواعد غير متوازنة. وأنظمة كشف تلقائي متحيزة. معايير “السلامة” التي تُطبّق بشكل غير متساوٍ.  وهكذا، لا يتم فقط إعادة إنتاج الشرق، بل أيضاً إعادة تشكيل ما يُسمح له بالظهور.

4ـ التأطير الخطابي في التحليلات الغربية

التحليلات الغربية للأحداث في الشرق—سواء في الإعلام أو مراكز الأبحاث—تستخدم أحياناً لغة تُعيد إنتاج ثنائية “الغرب المتقدم” مقابل “الشرق المتخلّف”. هذا التأطير يظهر من خلال التغطيات السياسية، والتحليلات الأمنية، ولنقاشات حول التكنولوجيا والرقمنة في الشرق.

وقد أشارت دراسات مقارنة إلى أن هذا التأطير يُعدّ شكلاً من أشكال “الاستشراق الأخلاقي” الذي يقيّم الشرق وفق معايير غربية مسبقة.

5ـ الانتقائية في عرض الأحداث

الاستشراق الرقمي يعمل أيضاً عبر انتقاء ما يُعرض من الشرق، ولتركيز على العنف وإهمال الحياة اليومية، وإبراز التطرف وإخفاء الإبداع، وتضخيم الأزمات وتجاهل النجاحات.

هذه الانتقائية تُنتج شرقاً “مفبركاً” يتوافق مع توقعات الجمهور الغربي، ويعزز سرديات الهيمنة الثقافية. إن الاستشراق الرقمي ليس مجرد خطاب إعلامي، بل بنية تقنية–معرفية تعمل عبر الخوارزميات، التأطير الإعلامي، الرقابة، والانتقائية. إنه استمرار للاستشراق التقليدي، لكن بوسائل أكثر قوة وانتشاراً وتأثيراً.

أمثلة تطبيقية على الاستشراق الرقمي

هذه الأمثلة تُظهر كيف تعمل الخوارزميات، الإعلام، والمنصّات الرقمية على تكريس صورة “شرق جديد” يتوافق مع التصورات الغربية، كما تشير دراسات حديثة تناولت الظاهرة في سياق الإعلام الرقمي.

1- تغطية الشرق الأوسط كمنطقة أزمات فقط

تشير تحليلات نقدية إلى أن الإعلام الرقمي الغربي يركّز بشكل مفرط على الحروب، الإرهاب، والصراعات عند الحديث عن الشرق الأوسط، بينما يُهمل الحياة اليومية، الثقافة، الإبداع، والعلوم. هذا النمط من التغطية يعيد إنتاج صورة الشرق كفضاء دائم للعنف، وهو مثال مباشر على الاستشراق الرقمي الذي يختزل المنطقة في “أزمة مستمرة”.

2 - الصور النمطية عن المسلمين في المنصّات الرقمية

تُظهر دراسات أن المحتوى المتعلق بالمسلمين غالباً ما يُقدَّم في سياق التطرف أو الأمن، مما يعزز صورة “المسلم الخطر” أو “المسلم الغريب”. هذا النوع من التمثيل الرقمي يعكس استمرار الصور الاستشراقية القديمة في بيئة الإنترنت الحديثة.

3 - التركيز على “غرابة” الثقافات الآسيوية

تشير تحليلات حول “الاستشراق الافتراضي” إلى أن المنصّات الرقمية الغربية تُبرز الثقافات الآسيوية—مثل الصين والهند—كعالم غريب، غامض، أو غير مفهوم، خصوصاً في سياق التكنولوجيا أو السياسة. هذا ما وصفته دراسات بأنه “جغرافيا جديدة للتمثيل” في العصر الرقمي.

4 - التحيّز الخوارزمي في نتائج البحث

عند البحث عن كلمات مثل “Arab” أو “Muslim”، تظهر نتائج مرتبطة بالعنف أو الصراعات أكثر من نتائج تتعلق بالثقافة أو الحياة اليومية. هذا مثال على تحيّز خوارزمي يعيد إنتاج الصور النمطية دون تدخل بشري مباشر، لكنه يعكس بنية معرفية غربية.

5 - الرقابة غير المتوازنة على المحتوى الشرقي

تشير تقارير بحثية إلى أن المحتوى المتعلق بقضايا الشرق الأوسط يتعرض أحياناً لحذف أو تقييد أكبر من غيره، نتيجة تحيزات في سياسات الإشراف على المحتوى. هذا النوع من الرقابة الرقمية يُعد شكلاً من “الاستشراق الرقمي” لأنه يتحكم فيما يُسمح للشرق أن يقوله أو يظهره.

6 - الترفيه الرقمي وصناعة “الشرق المتخيل”

تُظهر أمثلة من السينما والمسلسلات الغربية التي تُعرض على المنصّات الرقمية أن الشرق يُقدَّم غالباً كفضاء مليء بالغرابة، السحر، أو العنف. هذه الصور تُعاد تدويرها رقمياً وتنتشر بسرعة عبر المنصّات، مما يعزز “شرقاً افتراضياً” بعيداً عن الواقع.

نحو تفكيك الاستشراق الرقمي وإعادة بناء السردية

يكشف تحليل الاستشراق الرقمي عن تحوّل عميق في الطريقة التي يُعاد بها تشكيل الشرق داخل الفضاء الإعلامي المعاصر. فبدلاً من الخطابات الكلاسيكية التي كانت تُنتج عبر الكتب والرحلات والدراسات الأكاديمية، أصبح الشرق اليوم يُصاغ من خلال منظومة تقنية واسعة تتداخل فيها الخوارزميات مع سياسات المنصّات وأساليب التغطية الإخبارية. هذا التحوّل لا يعني اختفاء الاستشراق، بل انتقاله إلى مستوى أكثر خفاءً وتأثيراً، حيث تتولى التكنولوجيا مهمة إعادة إنتاج التمثيلات القديمة في قالب جديد يبدو محايداً لكنه يحمل في داخله نفس البُنى المعرفية التي حكمت علاقة الغرب بالشرق عبر قرون.

إن خطورة هذا الشكل الجديد من الاستشراق تكمن في قدرته على الانتشار السريع، وفي تأثيره المباشر على تشكيل الوعي العالمي. فالصورة التي تُبنى رقمياً لا تبقى داخل حدود الإعلام، بل تتحول إلى مرجع ثقافي وسياسي يؤثر في السياسات العامة، وفي تصورات الشعوب، وفي العلاقات الدولية. ومع كل عملية بحث، أو مشاركة، أو توصية خوارزمية، تتكرّس صورة “شرق رقمي” يبتعد عن الواقع، ويقترب من الخيال الذي صاغته القوى المهيمنة.

ومع ذلك، فإن هذا الواقع لا يعني استسلام الشرق لتمثيلات الآخر. فالمشهد الرقمي نفسه يتيح إمكانات واسعة لإنتاج سرديات بديلة، ولإعادة تقديم الذات بعيداً عن الفلاتر الغربية. إن الوعي بآليات الاستشراق الرقمي هو الخطوة الأولى نحو تفكيكه، أما الخطوة التالية فهي بناء حضور رقمي قادر على تقديم الشرق كما هو: متنوعاً، معقداً، نابضاً بالحياة، وغير قابل للاختزال في صورة واحدة.

بهذا المعنى، يصبح فهم الاستشراق الرقمي ضرورة معرفية وأخلاقية في زمن تتشكل فيه الحقائق عبر الشاشات. فالمعركة لم تعد فقط حول من يملك القوة، بل حول من يملك القدرة على رواية القصة.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

تعددت تعريفات ومفاهيم التنمية باختلاف وتعدّد المدارس والمقاربات. وتباينت التصورات انطلاقا من المفهوم والممارسة فهي قضية معقدة وشائكة في نفس الوقت. ويختلف هذا المفهوم من إطار نظري إلى آخر ومن تخصّص إلى آخر على اعتبار تعدّد التخصصات العلمية المهتمة بالتنمية.

ويمكن القول في هذا السياق إن نشأة المفهوم ترجع أساسا إلى عمق الفجوة بين الدول الغربية المستعمِرة والدول النامية المستعمَرة، فقد تبلور هذا المفهوم بأكثر وضوح عند حصول بعض الدول على استقلالها ووقوفها على مشاكلها المتراكمة الناتجة عن الاستعمار ولذلك نشأ مفهوم "التخلف" للتدليل على الانحطاط والركود، وهو المقابل لمفهوم التنمية الذي يدل على الحركية والتطور والتقدم والنهوض والنمو... لذلك شاعت التقسيمات بين عالمين "المتقدم" "و المتخلف" أو كما يسميها سمير أمين في نظرية "التطور اللامتكافئ" أو "التبعية" بالمركز والأطراف وجدلية التفاعل بينهما. ومن هذا المنطلق فإن التنمية كانت ولا زالت الهدف الأساسي والرئيسي لكل الدول التي تعاني القصور في تطور بنائها الاجتماعي والاقتصادي (1).

ويمكن تحديد تعريف التنمية من خلال تقرير هيئة الأمم المتحدة للتنمية في 1955 حين تعتبرها "العملية المرسومة لتقدم المجتمع جميعه اقتصاديا واجتماعيا اعتمادا على إشراك المجتمع المحلي" (2) فهي تخطيط يقوم على استيعاب الإمكانيات المحلية واستقطاب الموارد البشرية والفنية واستغلالها في البرامج والمشاريع التنموية لخلق ممهدات النهوض الاقتصادي والاجتماعي وذلك بالاعتماد قدر الإمكان على جهود الأهالي ومشاركتهم ومساعدتهم في تحقيق الاندماج في المجتمع والمساهمة في تقدمه. فالتنمية لها بعد اجتماعي على اعتبار مبدإ التشارك والتعاون بين جميع فئات المجتمع ومؤسساته العامة والخاصة وهياكله المدنية. ويمكن تحديد تعريف التنمية من خلال "أبعاد التغيير المخطط في النظام الاجتماعي الشامل لكافة القطاعات والمؤسسات العامة التي تشرف عليها الدولة إلى جانب المؤسسات الخاصة والقطاع الخاص الشعبي والجماهيري، ومدى التكامل والتوازن والثقة في تنفيذ ما خطط له من أجل النهوض بالمجتمع (3)، ومن هذا المنطلق فإن العملية التنموية تتحدد من خلال مجموعة من الوسائل والطرق أو المسالك التي تستعمل لتوجيه جهود وإرادات الأهالي مع السلطات العامة قصد تحسين وتجويد مستوى الحياة من الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في المجتمعات المحلية وإخراج هذه المجتمعات من عزلتها وتقوقعها لتساهم إيجابيا في الحياة القومية وتقدم البلاد (4) ، فالمشروع التنموي لا يجب أن يكون خارجا عن خطة وطنية شاملة تأخذ في الاعتبار البعد التكاملي في ضرورة التنسيق بين جميع فعاليات المجتمع لتحقيق التنمية الشاملة، وهو مشروع ربط الفئات الاجتماعية والمجتمع الشامل، من جهة وبين مشروع التنمية والخطة الشاملة من جهة ثانية، لذا فهي عملية منظمة ومخططة مسبقا تستوجب توحد كل الإمكانيات المادية والبشرية بهدف التغير في أبعاده التنظيمية والاقتصادية والاجتماعية من أجل الرفاه الاجتماعي، فهي عملية تحوّل كمّي وكيفي في البنى الاجتماعية، وهو تغير متواصل وشامل لا يقبل التجزئة والانقطاع، مما يجعله مجهودا دؤوبا وحركة اجتماعية لا تفصل بين الاقتصادي والاجتماعي وهذا ما عناه حسن إبراهيم عيد حين عرّفها بقوله "إنها الامتداد الكمي والكيفي للاقتصاد الوطني والتغيير في طرق الإنتاج وعلاقاته (5).

و يمكن الإشارة في هذا السياق إلى أن مفهوم التنمية لم يكن منفصلا عن مفاهيم أخرى كمفاهيم التخلف والتقدم والتحديث والتغير.. وهي كلها مفاهيم نشأت وترعرعت في ظل المقارنات بين المجتمعات المتقدمة و"السائرة في طريق النمو" إضافة إلى التحديات والرهانات المعلنة من قبل الفاعل السياسي أو الفاعل التنموي ضمن استراتيجية تنمية المجتمع تنمية شاملة الذي يتخبط في أوضاع متدنية على جميع الأصعدة.

كما يمكن الإشارة إلى أن جذور المفهوم تحيلنا للفكر الخلدوني الذي كان سبّاقا في وضع معالم نظرية العمران، وهي نظرية تُقدِّم تطور المجتمعات إلى مرحلة الحضارة والترف على أنه بداية الانهيار والأفول والسقوط وهي ليست غاية التنمية التي تتناقض أو تتعارض مع التطور المادي المفرط الذي لا يضمن الاستقرار دون المحافظة على الطبيعة البشرية الحقيقية التي تستمد جوهرها من الأخلاق والدين والعيش على الضروريات والتأقلم مع البيئة بفعل التضامن الاجتماعي أو ما يسميه دوركايم "بالتضامن الآلي". فهي تنمية تقوم على البعد النوعي الكيفي دون أن تنفي البعد المادي الضروري. وهذه الرؤية لتطور المجتمعات لا نجدها لدى علماء الاجتماع الغربيين في المجتمعات العلمانية إذ تقوم التنمية على الاستغلال الأمثل للموارد لتحقيق الأهداف المرسومة، فبلوغ التكنولوجيا الحديثة والتقنية المتطورة والنمو السريع للتحضر وهيمنة وسائل الاتصال والمواصلات والتحكم في المجال وبروز ما يسمى بالمجتمع "ما بعد الصناعي" وما يصحبه من حراك كل ذلك بُغية تحقيق الرّفاه الاجتماعي مع الحفاظ على خصوصية المجتمع الذاتية، فالتنمية في هذا السياق تستوجب التغير والتصنيع والقوة والوحدة ومن هذا المنطلق فإن مفهوم التنمية في الفكر الرأسمالي يتحدد من خلال التغييرات الجوهرية في مجال الاقتصاد والرفع من الإنتاج والجودة وتطور وسائل الإنتاج والرفع من مستوى الدخل للتخفيف من حدة الفقر لدى الطبقة العاملة، وهذا التوجه لا يمكن فصله عن إطاره التاريخي والاجتماعي الأوروبي الرأسمالي الذي يعطي للبعد الاقتصادي الأهمية القصوى لتحقيق التقدم الصناعي والتطور التكنولوجي، ومن وراء ذلك الرفاه الاجتماعي عكس ما يراه كارل ماركس في تحليلاته لتطور المجتمعات استنادا للمادية التاريخية وصراع الطبقات...

فالتنمية حسب ماركس لا تنفصل عن الوعي الطبقي الثوري الذي يؤدي إلى تغييرات جذرية في البنى التحتية والفوقية وما التقدم المادي في المجتمع الصناعي إلا عائق تنموي.

و تجد هذه القراءة تواصلها لدى مفكري المدرسة الماركسية التي ترى بأن التنمية هي تغير اجتماعي بنائي يهدف إلى هدم مكونات المجتمع التقليدية "المتخلفة" والارتقاء بها بما يمكّن من تغيير العلاقات الاجتماعية المراد الوصول إليه، لأن هذا البناء التقليدي هو نتاج التبعية متعددة الجوانب بين مجتمعات "متخلفة" وأخرى "متقدمة". لذلك يرون أن الوعي بمسألة التبعية ومن ثم إنجاز التغيير ثوريا هو الحلّ للتحرّر من الهيمنة بكل فروعها لتحقيق التنمية الحقيقية(6).

من هذا المنطلق يمكن القول بأن العملية التنموية هي عملية حضارية وإنسانية شاملة ومتكاملة لا تقبل التجزئة ولا التوقف، فهي حركة محورها الإنسان وهدفها الإنسان في البناء والتطوير بما يضمن إشباعه المادي والمعنوي ويحقق له التوازن خاصة إذا كان فاعلا في العملية التنموية ومشاركا فيها ومتفاعلا معها ومتماهيا مع اختيارات الفاعل التنموي أو الفاعل السياسي ضمن مقاربة تشاركية لا تقوم على الإسقاط والتهميش، ولا يكون هذا إلا إذا تخلصت التنمية من سياسة التنمية الجاهزة وأضحَت فعلا تنمويا (action)، وهذا ما يمكننا من الإشارة إلى أن التنمية عملية معقدة تتشابه فيها استراتيجيات الفاعليْن السياسي والاجتماعي، وهي استراتيجيات كثيرا ما تكون خفية ضمن حقول متعددة تبدأ بالاقتصادي وتنتهي بالثقافي الموسع ولا تخلو من الصراع والرهان.

هذا بالإضافة إلى شمولية هذا المفهوم إذ لا يمكن حصره في الجانب المادي الكمي أي الاقتصادي البحت فهو يتعدى ذلك إلى الأبعاد الاجتماعية على مستوى السلوك والقيم والعلاقات على تعدد أوجهها اقتصادية وسياسية وثقافية (7) وتلك المفاهيم إذا تعلقت بالإنسان تتداخل وتتشابك وتؤكد خصوصية النوع البشري، ويمكننا في هذا الإطار أيضا التأكيد على مرونة مفهوم التنمية لأنه لا يقبل التعريفات الجامدة والنهائية ولا يمكن للباحث في هذا الموضوع إطلاق تعريف محدد، فهو مفهوم متغير يقبل التعديل والإضافة حسب الظرفية الزمنية والبيئية (المكانية) وهو ما يجعل هذا المفهوم في تحَدٍّ جديد ومستمر وقادر على استيعاب التفريعات ذات العلاقة بالتنمية سواء على مستوى المواضيع أي المضمون أو الأبعاد والأشكال فهو مفهوم معقد وشامل ومنفتح.

يعد مفهوم التنمية من أهم المفاهيم في القرن العشرين، حيث أطلق على عملية تأسيس النظم الاقتصادية والسياسية المتماسكة ويشير المفهوم إلى هذا التحوّل بعد ستينيات القرن العشرين في عديد الدول النامية، ومما يزيد في أهمية هذا المفهوم هو تعدّد أبعاده ومستوياته وتشابكه أو تداخله مع مفاهيم أخرى كالتقدم والتحديث والتخطيط والنمو والتطور.

وقد برز هذا المفهوم بصورة جلية منذ الحرب العالمية الثانية، إذ لم يستعمل هذا المفهوم منذ ظهوره في عصر الاقتصادي البريطاني "آدم سميث" في الربع الأخير من القرن الثامن عشر وحتى الحرب العالمية الثانية إلا على سبيل الاستثناء، فقد استعمل مصطلحان للدلالة على التطور وهما "التقدم المادي" أو "التقدم الاقتصادي"، وحتى عند الحديث عن مسألة تطوير الاقتصاد في القرن التاسع عشر كانت الاستعمالات المستخدمة هي التحديث أو التصنيع (8).

ومن هذا المنطلق فإن مفهوم التنمية ارتبط بعلم الاقتصاد حيث يدل على إحداث جملة من التغييرات الجذرية في مجتمع معين، بهدف إكساب ذلك المجتمع قدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسين المتواصل في نوعية الحياة الفردية، وزيادة القدرة على تلبية الحاجيات الأساسية المتزايدة، بطريقة تكفل زيادة درجات الإشباع لتلك الحاجيات عن طريق الاستغلال المحكم للموارد الاقتصادية المتاحة وحسن توزيع الثروة.

ويجدر القول بأن التنمية عملية شمولية لا تقبل التجزئة، فهي إما أن تكون شاملة وكلية وإما أن لا تكون. وتتلخص أهدافها في خلق الشروط والظروف المساعدة على مواجهة مشاكل السكان من خلال إيجاد التوازن بين الموارد والسكان، ومساعدتهم على التحكم أكثر في وسطهم الطبيعي، وذلك بهدف الرفع من مستوى عيشهم ماديا ومعنويا (9)، فهي عملية واعدة طويلة الأمد، شاملة ومتكاملة في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتكنولوجية والبيئية، فبالإضافة إلى كونها عملية مرسومة لتقدم المجتمع في مختلف المجالات، فهي تعتمد بشكل كبير على مشاركة جميع أفراد المجتمع فيها (10)، لتكون فعلا اجتماعيا ديناميكيا يساعد المجتمع ككل بمعطياته ومؤسساته على اكتساب قدرات معرفية جديدة تيسّر له قدرات إنتاجية متزايدة تمكن كل المواطنين من تحسين ظروف عيشهم (11). إنها عملية مركبة ومعقدة يصعب الفصل بين مكوناتها المتفاعلةالتي تسهم بشكل متفاوت في تحقيق وإنجاح البرامج المخططة في عملية التنمية، أي أنها مجموع العمليات التي يتم من خلالها توجيه جهود أفراد المجتمع، لخلق الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية الملائمة لانتقال المجتمع من وضع "متخلف" إلى وضع أفضل على جميع الأصعدة.

و قد رافق إعادة التفكير في مفهوم التنمية التقليدي ظهور مفاهيم جديدة كالتنمية المحلية والجهوية والريفية والحضرية وهي مفاهيم تعطي أكثر جدوى للتنمية الخصوصية في المجتمع المحلي، وتتجاوز الإسقاط الذي لم يعد مجديا ولا يتناسب مع الظروف الموضوعية للمجتمع، لتكون التنمية عبارة عن "عمليات كمية أو نوعية هادفة إلى تحسين مستديم للظروف المعيشية لسكان مقيمين في مجال محدد على الأصعدة المؤسساتية والجغرافية أو الثقافية.وبكلمة يمكن القول إننا بإزاء مسلسل تشاركي وديناميكي للتنمية الاجتماعية والاقتصادية الجماعية يعتمد على تعبئة ومسؤولية تجمع سكاني محلي منظم ومدعم من خلال عمليات قطاعية منسقة. ويندرج إنجاز التنمية المحلية ضمن منطق عمل ينطلق مما هو محلي مرتكز على الإمكانيات الداخلية لمجال معين، ومدمج لفاعلين قطاعيين ومحليين في إعداد برامج ومخططات التنمية المحلية" (12).

إن المقومات الأساسية لعملية التنمية حسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هي أمل الحياة عند الولادة، معرفة القراءة والكتابة بين البالغين، ثم الدخل الفردي من الناتج الإجمالي الخام (13).

ويرى "ألان توران" أن التنمية تستوجب ثلاثة شروط هامة لابد من توفرها وهي: (14)

تحديد الاختيار وضبط المتغيرات.

انتشار المنتوجات الاقتصادية في كل أرجاء المجتمع.

ضبط التغير الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والإداري، على صعيد البنى الاجتماعية المعنية بالتنمية.

ولقد بينت التجارب التنموية في أوروبا وفي غيرها من البلدان-وهي المرتكزة على التنمية الاقتصادية وتكديس الثورة- أن التنمية الأحادية الجانب التي تعتبر الاقتصاد محركا أساسيا لعملية "التقدم" و"التطور" هي السبب الرئيسي للصراعات الطبقية واحتكار الثروة والتوزيع غير العادل لها. ويعتبر الاهتمام بمدلول التنمية الشاملة أو المتكاملة، إثراء لمفهوم التنمية على أنها مجموعة من العناصر والعوامل تشمل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية لتصبح العملية التنموية بهذا المعنى "مجموعة العمليات التي تتوحد بها جهود المواطنين والحكومة لتحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمعات المحلية وتحقيق تكاملها" (15)

وخلاصة القول أن التنمية تهدف إلى إحداث التغيير المطلوب في المجتمعممّا يساعد على النمو السليم وتجنب ما يكون فيه من مشكلات وتخلف اجتماعي أو اقتصادي، اعتمادا على ما يكون عند هذا المجتمع من قدرات مادية وبشرية. وحتى تكون عملية التنمية سليمة ومنظمة ولا ينتابها التعثر، لابدّ أن تكون مؤسسة على تخطيط محكم وخطط تنموية جيدة البناء والموضوعية، لتضحي في المحصلة عملية استغلال رشيد للموارد الطبيعية والبشرية تفترض وجود خصائص معينة كالدينامية والتغير والتصنيع والاستقلال وحريّ بنا هنا التذكير بأن التنمية تختلف بهذا المعنى عن التصنيع.فإذا كان هذا الأخير ينحصر في البعد المادي التكنولوجي، فإنالتنمية تعني تحويل وتطوير العلاقات الإنسانية والإمكانيات الاقتصادية والسياسية بغض النظر عن مستوى الاقتصاد (16).

وجدير بنا في هذا السياق الاشارة الى أنماط التنمية أو مستوياتها ونبدأ بالتنمية الاقتصادية يقصد بها كل ما يتعلق بالجانب المادي الإنتاجي في اقتصاد المجتمع أو ما يتعلق بالبنية الاقتصادية للمجتمع وما تتضمنه من هياكل وأطر اقتصادية ومؤسساته ذات الصلة بالعملية الإنتاجية في سياق تحقيق النمو والفائدة من خلال التراكم الكمي اعتمادا على مؤشرات مثل الدخل والمستوى المعيشي والزيادة في الناتج القومي الخام وتطور وسائل الإنتاج وطرقه بين الهياكل الإنتاجية والقطاعات الاقتصادية المكونة للنسيج الاقتصادي في المجتمع.

و يعرّفها البشير العربي بكونها "عملية ... تهدف إلى الزيادة في الإنتاج السلعي والخدماتي مع حسن توزيع الناتج الإضافي على الفئات الاجتماعية ،و يكون ذلك بالإنتاج في مجال الثروات الطبيعية وتحقيق مستوى هام في مجال التصنيع بإقامة قاعدة صناعية ضخمة وتوفير مصادر الطاقة والرفع من نشاط الإنتاج الزراعي وتحسين الخدمات باستخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة في جميع القطاعات المنتجة." (17)

وهذا تعريف اختزل التنمية في بعدها الاقتصادي، وهو يتمثل في التوصل إلى الوسائل الحديثة في التخطيط والتنظيم توق للزيادة في الإنتاج تصورا وتنفيذا للوصول لأقصى درجات الإنتاج وأكبر حدود الاستهلاك.

وهذه التنمية الاقتصادية التي تشترط الإمكانيات المادية والتقنية البشرية المختصة تجعل من الدول الصناعية الكبرى النموذج الذي تسعى الدول النامية للاقتداء به ارتقاءً بتنميتها ولتخرج من التخلف الاقتصادي وهو ما يجعلها في تبعية متواصلة خاصة إذا تعلق الأمر بالتقنية والتكنولوجيا وإشكالية استيرادها.

وتتحدّد التنمية الاقتصادية من خلال إمكانيات المجتمع وقدرته على التجديد وتوسيع التصنيع، وتدرّج الشرائح والفئات الاجتماعية اقتصاديا من خلال الدخل الفردي، وكثافة المكننة واستغلال العامل التكنولوجي، وتجنب الاختلال بين الريف والمدينة وتحقيق النمو والتراكم في عملية الإنتاج والثروات ورؤوس الأموال والاستثمار، واندماج السوق وانفتاحه على العالمية (18).

وتتأسس التنمية الاقتصادية على مؤشرات الناتج القومي الخام ومتوسط استهلاك الفرد من الطاقة ونسبة مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي والمعدل السنوي للتضخم (19).

و تعتبر التنمية الاقتصادية شرطا ضروريا للخروج من "التخلف" وهو شبه اتفاق عام على حاجة الدول النامية إلى مساعدة الدول الغربية. بدأ الاهتمام بتطور العالم الثالث من قبل علماء الاقتصاد. وظهرت الأبحاث والنظريات عن التنمية الاقتصادية في بداية الأمر، ثم سرعان ما تبين أن التنمية ينبغي أن تكون في جميع الميادين، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية خاصةبعهد أَنْ كان قد ظهر تفاوت واضح بين الجهود المبذولة من قبل الدول النامية في ميدان التنمية الاقتصادية من جهة وفي المجال السياسي من جهة أخرى وتأخر الثاني على الأول.

و قد حصر هذا التعريف التنمية في البعد الاقتصادي بالنظر إليها على أنها،"التوصل للوسائل الحديثة في التنظيم والتخطيط للزيادة في الإنتاج" وهو توجه اقتصادي تطوري اعتمادا على المؤشرات الكمية وهذا ما ذهب إليه المفكر الأمريكي "روستو" في تحديد للمراحل الرئيسية التي تمر بها المجتمعات لتحقيق نموها من التقليدي وصولا للاستهلاك الوفير، وهو ما يعني تطور المجتمعات من التقليدي إلى الحديث، هذا الأخير الذي يمثله المجتمع الغربي الرأسمالي.

و واضح أن تعريق التنمية على النحو لا يمكن فصله عن الثقافة الغربية التي تسعى لفرض سيطرتها على الأنماط الثقافية الأخرى ودعوتها الملحة إلى استيراد نموذجها الرأسمالي؛ إذ يكفي حسب تصور هذا التعريف أن تراكم رؤوس الأموال والتقنية والخبرة من الأجانب لتحصل على الثروات المادية وتتخلص من براثن التخلف.

و يستخدم مصطلح التنمية الاقتصادية للدلالة على تنشيط الاقتصاد وتحويله من حالة الركود وذلك بالتحول إلى اقتصاد الصناعة، ولهذا اعتبرت الزيادة السنوية الملموسة في إجمالي الناتج القومي ومتوسط دخل الفرد المرتفع من المؤشرات الأساسية للتنمية الاقتصادية (20).أما بخصوص التنمية الاجتماعية

فيعرفها أغلب الباحثين بكونها "الرعاية الخدماتية في مجالات التعليم والصحة والسكن والعلوم والترفيه" ... وهي خدمات اجتماعية إنسانية تنمّي المجتمع وتحقّق ترابطه وتكامله والهدف منها تحقيق أفضل الاستثمار في استغلال الإمكانيّات المتاحة لتحقيق الرّفاه والتّقدم.

فالتنمية الاجتماعية -كما يدل عليها اسمها-تُعْنَى بكل ماهو اجتماعي إذا حدّدنا الاجتماعي بأنّه ما يّتعلق بالرّعاية والخدمات التي تؤدّي إلى"إيجاد ظروف عمل أفضل للفئات العاملة في المجتمع والزيادة في دخل الأسرة، مع الزيادة في توقع الحياة، والتخفيض من معدلات الوفيات للعموم وخاصة الأطفال حديثي الولادة " (21)، فهي جملة الاحتياجات والرغبات التي تحقق للفرد اندماجه وتوازنه من خلال رفع مستوى عيشه استنادا لتطلعاته وطموحاته داخل المجتمع.

عَلى أَنَّ هناك من يعرف التنمية الاجتماعية بأنها ليست خدمات اجتماعية فحسب وإنما هي التغير الذي يطرأ على مستوى البناء الاجتماعي الذي لا يصمد أمام التطور لعدم قدرته على تحقيق الإشباع، وهو ما يجعل البناء الجديد بقيمه وعلاقاته أكثر مُلاَءَمَةً للتغيرات الحاصلة(22)، وبذلك يتوسّع المفهوم ليشمل الخدمات الاجتماعية الموجّهة للمجتمع بجميع فئاته والبناء الاجتماعي المتجدّد.

تستمدّ هذه التنمية تنميتها من القوى البشرية الفاعلة ذات التّخصص في مجالات التنمية، إِذْ تعد الموارد البشرية وسيلة من وسائل الإنتاج الاقتصادي المادي فحسب وإنما أصبح يُنْظَرُ للإنسان أَخْذًا بالاعتبار لرغباته المتنوعة والمتعددة وطموحاته وتطلعاته الفردية والاجتماعية والثقافية...

لذلك يهدف هذا المفهوم إلى تهيئة الظروف والأطر التي تجعل الإنسان يحقق تلك الطموحات الذاتية والاجتماعية بتعدّد مجالاتها وخصائصها. وهو ما يجعل القوى البشرية تحتاج للتأطير والعناية على مستوى التكوين في بعده الشامل للارتقاء بها وتمكينها من الخبرة والكفاءة للاستفادة منها داخل المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والوصول للتماهي بين الفاعل الاجتماعي "المبدع" واستراتيجيات التنمية وبرامجها المخططة على المستوى الشامل فيصبح الإنسان هو محور العملية التنموية هدفا ووسيلة. وهذا الجانب البشري هو العمود الفقري لكل تنمية على اعتباره المتحكِّم في هذه العملية، تمويلا أو تدريبا أو تخطيطا. وقد ارتبطت هذه الأهمية في المستوى الوطني بعمليات مراقبة المجال وتنظيمه" (23)، وهذا التّوجّه يعتبر التنمية المحلية هي الرّهان الذي تقوم عليه السياسات التنموية في ظل التغيرات العميقة والسريعة سواء على المستوى العالمي أو على المستوى الوطني. وقد تبنّت المنظمات غير الحكومية هذا التوجّه التنموي منذ أكثر من عقدين مما يكرّس أهميته من خلال البرامج الذاتية وتركيز السكان في مناطقهم الأصلية، وتضامنهم للارتقاء بمجتمعهم المحلي وذلك باستقطاب كل القوى البشرية والفنية من أبناء المجتمع واستغلالها في البرامج التنموية المخططة التي تهدف إلى إدماج المناطق الفقيرة والمعزولة لتحقيق العدالة في توزيع الخدمات والثروة الاجتماعية بحسب المجتمع المحلي واحتياجاته مع مراعاة خصوصية هذا المجتمع ومدى تقبّله للمفاهيم والممارسات المترتبة عن التنمية بجوانبها المتعددة، كي لا تؤدي إلى عرقلة المسار التنموي والإقصاء الاجتماعي (24).

تعتبر التنمية الاجتماعية محصّلة الفعل المشارك في مجتمع يتجه عبر تطوير قدراته والارتقاء بها نحو تحقيق العدالة الاجتماعية (25). وتهتم التنمية الاجتماعية بنهضة المجتمع المحلي، باعتباره المجتمع الأصلي، وهو بالتالي الإطار المرجعي التي تهدف إليه التنمية الاجتماعية، وهو الضّامن الوحيد -كمجتمع محلي- لهوية المجتمع وتقاليده وثقافته لذلك تعتبر التنمية هي محصّلة إحياء القيم وتقاليد المجتمع.

وهَذَا ما دَفَع ببعضهم للقَوْلِ: إن مراعاة برامج التنمية للتقاليد والثقافات والعادات المتعلّقة بالمجتمعات المحلّية، هو أساس التنمية الاجتماعية ذات المفعول طويل المدى"(26).

فالتنمية الاجتماعية تتعارض مع النزعة الفردانية، وتهدف للحفاظ على المؤسسات التقليدية طالما أن "التغير ممكن بشرط أن يساهم كل فرد في قطاعه في تحديث أدواته وإنتاج فكره، العالم تصنعه كل القوى الفاعلة فيه والداخلة في تشكيله وبنائه. ولا يختلف في ذلك عقل متخصص أو عامة متعلمة ممارسة فكرية معقدة أو صناعة يدوية بسيطة" (27).

و قد انصب الاهتمام بالتنمية الاجتماعية على أساس دراسة العلاقات الاجتماعية، فالتنمية هي تطور البشر في علاقاتهم المشتركة والتوافق في العلاقات بينهم، لأنّ تغيّر البناء الاجتماعي مالم يصحبه تغير في طبيعة العلاقات الاجتماعية، فإن التنمية الاجتماعية تكون صعبة التحقيق (28) ولهذا ينظر إليها على أنها "تنمية علاقات الإنسان المتبادلة". ويعتبر عنصر التعاون داخل الحياة الاجتماعية مُهِمًّا، إذ لا تعتمد التنمية في هذا المجال على الإكراه بل على التعاون والعمل المشترك، فهي بذلك تعني "انبثاق ونمو كل الامكانيات والطاقات الكامنة في كيان معين بشكل كامل وشامل ومتوازن سواء كان هذا الكيان فردا أو جماعة أو مجتمعا" (29)

ومن هذا المنطلق فإن التنمية الاجتماعية، هي عمليات تغير اجتماعي يلحق بالبناء الاجتماعي ووظائفه بغرض إشباع الحاجات الاجتماعية للفرد والجماعة، وهي عمليات تخلق التقدّم الاجتماعي والاقتصادي معتمدة على إسهام المجتمع المحلي والمشاركة الواسعة لفئاته(30)؛ ومن هنا جَازَ القول إنّ التّنمية ليست طريقًا واحدًا بل تتعدد طرقها واتجاهاتها باختلاف الكيانات وتنوع الامكانيات، وهو ما يعني توفير المؤسسات المساعدة على نمو هذه الامكانيات المنبثقة إلى أقصى حدودها. والمعوق المهم في عملية التنمية هو الاستغلال بكل مستوياته، ولا يتم تحقيق الاشباع الحقيقي بإزاحته وتحقيق تنمية متحررة(31).

ولا يفوتنا في هذا الصدد الاشارة الى مفهوم التنمية الثقافية إشارة الى الثقافة والتي تعني

مجموع العناصر التي لها "علاقة بطرق التفكير والشعور والفعل، وهي طرق قد صيغت تقريبا في قواعد واضحة يُكَوَّنُ جمعٌ من الأشخاص قد اكتسبوها وتعلَّموها وشاركوا فيها وتستخدم هذه القواعد بصورة موضوعية ورمزية في آن معا، من أجل تكوين هؤلاء الأشخاص في جماعة خاصة ومميزة" (32)، والثّقافة مجموعة معقّدة من المعارف تشمل المعارف والمعتقدات والقانون والفن والتقاليد والأخلاق، وكل ما يتعلّق بالإنسان ويكتسبه بوصفه عضوا في المجتمع (33). وتعني التنمية الثقافية في هذا السياق تنمية العادات والتقاليد والقيم وأنماط الحياة والعلاقات التقليدية، وبالتالي حماية المجتمعات المحلّية من "خطر التقدم" التكنولوجي وما يسبّبه من تهديد للهويّة، واختراقها وعدم القدرة على حمايتها. لأن كل مجتمع بشري له ثقافته الخاصة تميّزه عن باقي المجتمعات. "وقد يحدث أن يوجد تشابه قويّ بين مجتمعين نظرا لقوة الاتصال بينهما وتتشابه المراحل التاريخية والبيئية والجغرافية، وعلى الرّغم من ذلك، فإنّ هذا التّشابه لا يصل حَدَّ التطابق، وذلك لأن كل مجتمع تتميز ثقافته بطابع خاص" (34).

إن ما تتطلبه التنمية الثقافية على المستوى الاجتماعي هو إحياء ثقافة المجتمعات المحلية وتأطيرها وصياغتها بشكل يضمن حماية هويّة المجتمع ولغته وتقاليده وعاداته، "فقراءة المجتمع وفهمه ومعرفة خصوصياته الثقافية هو الذي يعطي معنى للتنمية الثقافية، وليس العكس، فمن شروط التنمية هو بناؤها حول الإنسان لا بناء الإنسان حول التنمية" (35). فمن المتفق عليه أن أي مجتمع انساني له خصوصياته الثقافية بحكم تاريخه الاجتماعي الفريد والذي لا يمكن أن يتكرر، فهي أشبه بالبصمة الثقافية المنفردة. (36) والتنمية الثقافية هي تنمية الخصوصيّات المهدّدة من قِبَلِ العولمة للثقافات المميّزة للشّعوب، لذلك فهي تقف عند حدّ حماية هذه الخصوصية أو الهويّة، وتعني الحماية في هذا السياق عملية الإحياء المستمرة(37)

ويمكن إعادة سيادة المبحث الثقافية في التّسعينات إلى انعدام الحلول في عدّة مباحث اقتصادية تنمويّة إحصائيّة، وذلك لكونه تَوَجُّهًا يُخرج المجتمع من النّمطيّة التي تجعله كيان منغلق على ذاته. (38)

وتعتبر العولمة من أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات المحلية في علاقة بهوياتها الثقافية على اعتبار أن العولمة هي "العملية التي يتم بمقتضاها إلغاء الحواجز بين الشعوب، تلك العملية التي تنتقل بها الشعوب من حالة الفرقة والتجزؤ إلى حالة الاقتراب والتوحّد ومن حالة الصراع إلى حالة التوافق، ومن حالة التّباين والتّمايز إلى حالة التّجانس والتّماثل وهنا تتشكل قيم عالمية موحّدة ويتشكّل وعي عالمي يقوم على مواثيق إنسانية عامة" (39) وهذا جوهر ما يراه بارتران بادي من أنّ العولمة عملية تؤدي إلى قيام نظام دولي يتّجه نحو التّوحد في القواعد والقيم والأهداف، مع توقّع إدماج مجموع الإنسانية ضمنه(40).

وهو ما يطرح إشكالية التّحديات التي تواجهها المجتمعات "النّامية" خاصة بالنَّظَرِ لما تفرضه العولمة من تحدّيات اقتصادية سياسية واعلامية وثقافية بوجهٍ أَخَصَّ. وتتعدد مستويات التنمية لتشمل كذلك التنمية السياسية كثيرا ما يقع الخلط بين مفهوم التنمية السياسيّة ومفاهيم أخرى كالتجديد السياسي والإصلاح السياسي والانتقال السياسي والديمقراطية والانفتاح السّياسيّ. ويقود غموض مفهوم التنمية السياسية بأساس إلى قُرْبِهِ من تلك المفاهيم السَّالِفة، بَلْهَ ما يحتويمن مفاهيم فرعيّة سياسيّة وأخلاقيّة وايديولوجيّة وفلسفيّة لا تقبل القياس والملاحظة والتدقيق العلميّ على غرار قِيَمِ العدل والمساواة والتّعددية والديمقراطيّة، دُونَ أَنّ نُغْفِلَ تعدُّدَ تعريفات التنمية السياسيّة وما تتّسمبه من عموميّات. (41)

فقلد تعددت تعريفات التنمية السياسية عند البعض تدل على العلاقات الاجتماعية والروابط السياسية في المجتمع؛ العلاقات بين الأفراد والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويركز الباحثون في هذا المجال على بنية الهياكل وأجهزة الدولة السياسية ودورها وطبيعة أدائها في الحقل السياسي. وهي تدل على قدرات النظام السياسي وفعالية وجدوى الأداء الحكومي، وتعني استقرار النظام السياسي وشرعيته في المجتمع (42) فهي تعني نماذج العلاقات بين الناس من خلال المؤسسات الحكومية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهي النظام المتطور سياسيا الذي يواجه بنجاح الضرورات الوظيفية لكل نظام سياسي، ووضع رموز سياسية متغيرة ورموز لتوطيد الهوية الوطنية وبنية مركزية قانونية وسياسية، وقنوات لتنظيم الصراع السياسي (43)، فهي عملية تعكس قدرة النظام السياسي على التعامل مع البيئة الداخلية والخارجية، وقدرة النخبة على تحقيق التنمية وعملية بناء الديمقراطية(44).

إن التنمية السياسية سَعْيْ دؤوب من أجل أن لا تكون المؤسسات السياسية والمدنية منغلقة على ذاتها، وهي تستوجب انفتاح المؤسسات وتفاعلها مع بعضها من أجل تطوير أدوات الصَّهْر الاجتماعي والسياسي للفرد بتوحيد الولاء السياسي الذي هو تحت غطاء الدولة على أرضية أنها الحاملة لمصلحة الجميع، وهي الضامن الأساسي للتنمية.

كما أن التنمية السياسية، هي تحقيق وعي أشمل بالانتماء، حيث أنه كلّما كانت الانتماءات أوسع كانت المصلحة العامة أعم، وكلما تضيق أطر الانتماء وتتقلص، تتجه المصلحة لصالح الفرد أو بعض الأفراد (45).

"إن الرهان من خلال التنمية السياسية هو تحقيق ما يسميه على حرب "بالإنسان التواصلي"، وهو الإنسان الذي قوامه الوساطة والتبادل والتحاور والتداول، ذلك أن قيمة الترسانة التكنولوجية أو اللوحات الالكترونية، أو الأقمار الصناعية تكون دون جَدْوى إذا كان النسيج الاجتماعي يزداد تمزقا والواقع السياسي انحصارا وانهيارا والحقل الثقافي والفكري بُؤْسًا وفراغا" (46)

إن هدف التنمية السياسية هو بناء ثقافة سياسية محورها الحريّة وقيم الديمقراطية، والمقصود بالثقافة السياسية تلك الجوانب السياسية للثقافة السائدة في مجتمع ما باعتبار أن هذه الجوانب تشكّل جملة متناسقة الأجزاء (47)،فهي مجموع ما يملكه الفرد من معارف عن النظام السياسي، ومشاعر ايجابية أو سلبية نحو المؤسسات وأحكام تقييمية بشأن الظواهر السياسية (48). وتعتبر الدولة في هذا السياق -عكس ما ذهبت إليه المقاربة الماركسية-أداة سياسية مثلى لتحقيق الحرية وحمايتها، بما أن الثقافة السياسية هي مجموعة القيم والعلاقات السائدة في المجتمع والمتصلة بعلاقات أفراده بالنظام السياسي، فمن الطبيعي أن تعبّر هذه الثقافة على التَّوق الانساني إلى الحرية والعدالة والمساواة، وهكذا اكتسبت الدولة قدسيتها من خلال ارتباطها بمفهومي القانون والعدالة.

وقد انبنت الثقافة السياسية في المجتمعات العربية على حالة من الاندغام بين شخص السياسي وجهاز الدولة، بل إن الدولة والثروة يعتبران امتدادا لسلطانه، فالاندغام (fusion) هي الصفة الأساسية للثقافة السياسية الرسمية، وهو ما يدلّ على طبيعة التنمية السياسية. ثم إن بناء الدولة دون ثقافة سياسية يؤدي إلى سيطرة الايديولوجيا على جميع مستويات الحياة دون الاستناد إلى عمق ثقافي حقيقي؛ فقّد تم تبنّي أنموذج الدولة في اوروبا دون أية ثقافة مصاحبة لها في حين أن التسيير السياسي يحتاج إلى العمق الثقافي والحضاري، أي إلى ثقافة سياسية وتنمية سياسية قادرة على الإقناع والتعبئة، لأن الظاهرة السياسية هي في الأساس ظاهرة ثقافية(49).

وبحكم الارتباط بين الثقافة السياسية والثقافة بوجه عام، كان إقبال الباحثين العرب وغير العرب على النظر في طبيعة الثقافة العربية، خاصة من جهة اتفاقها أو تناقضها مع الديمقراطية(50).

ومهما كان الأمر في طبيعة الاختلاف في هذا الموضوع، فإن انتشار قيم الديمقراطية والمواطنة والتعددية والمساواة وقيمة الفرد وحرية الفرد والجماعة وحريات الفكر وحقوق الإنسان يبقى أمرا مهما لتحقيق التنمية السياسية في المجتمع.

ومن هذا المنطلق يمكن القول إَنّ الثقافة السياسية، هي عَكْسٌ للواقع وتعبير عنه وعن تناقضاته في نفس الوقت، ويمكن من خلالها أن نستقرئ الواقع، من مدخل القيم والتصورات والمعتقدات المؤثرة في المجتمع.

و قد صَنَّفت دراسات التنمية السياسية الأنظمة السياسية، ووضعتها في مجموعات واسعة وغامضة أيضا، فميزت بعض الأنظمة الغربية "المتطورة" سياسيا وسمّتها "نظام المصالحة" وأنظمة العالم الأخرى، وهي على قولها في طور "المجتمعات الانتقالية" المنقسمة بدورها إلى أنظمة "الأوتوقراطيات الحديثة " و"أنظمة التعبئة". وهناك تصنيف آخر ميّز بين "الأنظمة التعدّدية" و"الأنظمة التقليدية" و"الأنظمة العسكرية". وقد قسّم "دايفيد أبتر" الأنظمة السياسية إلى أربعة "نماذج مثالية"، وهي الأنظمة التيوقراطية والأنظمة التعبوية وأنظمة المصالحة والأنظمة البيروقراطية،اعتمادا على خصائصها البنيوية والمعيارية (51).

و حاولت النظريات التنموية في علم الاجتماع السيطرة على فهم قضيّة التنمية وتحليلها واقتراح البدائل والمقترحات في وضعية تاريخية تتميز بالتحول والديناميكية على مستوى المجتمعات أو على مستوى النظام الدولي(52). وبالتوازي مع هذه النظريات، كانت السياسات التنموية تُنْجَزُ اعتمادا أو استنادا إلى خطابات رسمية للتنمية وأيديولوجيات بما جعل المفاهيم التنموية يشوبها اللُّبس والغموض بحكم عُسْرِ فَكِ المفهوم العلمي من بقية الاستعمالات والمفاهيم المستعملة في خطابات السّاسة والإعلاميّين وغيرهم، مما جعل مفهوم التنمية يطرح ضرورة المراجعة وإعادة التساؤل والبناء المفاهيمي، ضمن النقد المعرفي.

و تُمَثِّل مسألة التّنمية ضرورة علمية لفهم المجتمع في ظل التحولات الطارئة على المستوى الداخلي والخارجي، وهو أمر جعل الأسئلة السوسيولوجية حول إشكالية التنمية والتغير الاجتماعي في ظل المتغيرات المحلية والعالمية الجديدة، مسألة أو إشكالية على درجة كبيرة من الأهمية لدراسة تطوّر البيئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والكشف عن آليات التغير والاستمرارية في المجتمع.

***

الدكتور محمد الهادي حاجي – تونس

.....................

المراجع:

- ابراهيم (سعد الدين)، نحو نظرية سوسيولوجية للتنمية في العالم الثالث، أبحاث ومناقشات المؤتمر العلمي السنوي الثاني للاقتصاديين المصريين، القاهرة، مارس 1980.

- أبو العلا(محمد حسين)، ديكتاتورية العولمة، قراءة تحليلية في فكر المثقف، مكتبة مدبولي، القاهرة2004.

- ألان (توران)، ماهي الديمقراطية؟، حكم الأكثرية أم ضمانات الأقلية، ترجمة حسين قبيسي، الطبعة العربية، بيروت لبنان 1995.

- الدبعي (جمال)، المدخل إلى علم الاجتماع، دار الفكر للنشر والتوزيع عمان الأردن، 1991.

- الزين (محمد شوقي)، فلسفة علي حرب النقدية، العولمة والهوية منبوذات محاكم التفتيش الآن في كتابات معاصرة مجلد11 عدد44 تموز 2001..

- السمالوطي (نبيل محمد توفيق)، قضايا التنمية والتحديث في علم الاجتماع المعاصر، دار المطبوعات الجديدة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1990.

- العرفاوي (عادل)، التنمية والتشغيل في جندوبة، شهادة الدراسات المعمقة في علم الاجتماع، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس 1996.

- المقرمي (عبد الملك)، الاتجاهات النظرية لتراث التنمية والتخلف في نهاية القرن العشرين، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر 1991، ص 14(1) علام (سعد طه)، التنمية والمجتمع، مكتبة مدبولي، القاهرة 2006.

- أمين، (سمير)، التطور اللامتكافئ، دراسة في التشكيلات الاجتماعية الرأسمالية المحيطة ترجمة برهان غليون الطبعة الرابعة، دار الطليعة بيروت، 1985.

- بوطالب (محمد نجيب)، الفلاحة والمجتمع الريفي في تونس، مرجع سابق ص52.

- بوكراع (رضا)، التنمية الجهوية والتوجه المؤسساتي الجديد للدولة، مؤلف جماعي تونس الأمس وتونس الغد) المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون بيت الحكمة تونس2002.

- تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.

- حسني (السيد)، التنمية والتخلف، دراسة تاريخية بنائية، القاهرة، مطابع سجل الغربية الطبعة الأولى 1992.

- خليل العمر (معن)، التغير الاجتماعي، دار الشروق للنشر والتوزيع الطبعة الأولى، الأردن، 2004..

- روشي(غي)، مقدمة في علم الاجتماع العام-1- الفعل الاجتماعي تعريب، "د. مصطفى دنشلي" طباعة ونشر وتوزيع مكتبة الفقيه، بيروت 2002، ص197.

- سلطان (جهينة)، التحديث في المجتمع العربي المعاصر، دار كاظمة للنشر والتوزيع والترجمة 1980.

- عارف (نصر)، في مفاهيم التنمية ومصطلحاتها، مجلة ديوان العرب، القاهرة 2008..

- عبد الباسط (محمد حسن)، التنمية الاجتماعية، معهد الدراسات والبحوث العربية، القاهرة 1970، ص87.

- لبيب (الطاهر)، "التنمية الاجتماعية واتجاهاتها في البلدان العربية"، المستقبل العربي، السنة22، العدد253، مارس2000.

- مشورب (إبراهيم)، التخلف والتنمية، دراسات اقتصادية، دار المنهل اللبناني للطباعة والنشر 2002.

- مصطفى (محمود عبد السلام)، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية لسنة 2001، المستقبل العربي عدد 271، سبتمبر 2001، ص154.

-العربي (البشير)، الهجرة الداخلية والتنمية في المجتمع التونسي دراسة سوسيولوجية، مكتبة علاء الدين، صفاقس، 2005.

- حامد (منجي)، توظيف مفهوم العصبية في دراسة المجتمع العربي المعاصر نماذج تطبيقية ذات صلة بالتنمية، شهادة الدراسات المعمقة، كلية العلوم الانسانية والاجتماعية، تونس 2003..

- حجلاوي (غالية)، دراسة سيوسولوجية لمنطقة سيدي بوزيد، دكتوراه، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية تونس 2009

- حسن (عبد الباسط محمد)، التنمية الاجتماعية، معهد الدراسات والبحوث العربية، القاهرة 1970، ص97.

- ربيع محمد (محمود) واسماعيل صبري، موسوعة العلوم السياسية الكويت 1994 .

- عبد الخالق (عبد الله)، العولمة جذورها وفروعها وكيفية التعامل معها، مجلة عالم الفكر، مجلد28، العدد2، الكويت1999،

- عيد (حسن إبراهيم)، دراسات في التنمية والتخطيط، مصر، دار المعرفة الجامعية 1995.

- لبيب (الطاهر)، سوسيولوجيا الثقافة، دار محمد علي الحامي للنشر صفاقس 1987، ص10.

النشار (مصطفى)، ضد العولمة، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة

1999-

- Badie (Bertrand), Pierre Biran Boum, Sociologie de l’Etat, Paris, éditions Grasset, 1982,

- Waterbury (Jean), une démocratie sans démocrates ? le potentiel de libéralisation politique au Moyen-Orient, in Ghassen Salama, démocraties sans démocrates, Paris, Fayard , 1994,

Apter (David), some conceptual approach to the study of modernization, englewood cliffs, prentice hall 1968.

-Duverger (Maurice), sociologie de la politique, Paris, P.U.F 1973 p121..

-Zghal (Riadh), « l’enseignement supérieur entre les rigidités administratives, l’enseignement de masse et la globalisation », in l’université du XXIème siècle et le développement, colloque organisé à Sfax 27- 28 Novembre 1998

هوامش

(1) العربي (البشير)، الهجرة الداخلية والتنمية في المجتمع التونسي دراسة سوسيولوجية، مكتبة علاء الدين، صفاقس، 2005، ص140.

(2) حسني (السيد)، التنمية والتخلف، دراسة تاريخية بنائية، القاهرة، مطابع سجل الغربية الطبعة الأولى 1992 ص5.

(3) الدبعي (جمال)، المدخل إلى علم الاجتماع، دار الفكر للنشر والتوزيع عمان الأردن، 1991، ص119.

(4) عيد (حسن إبراهيم)، دراسات في التنمية والتخطيط، مصر، دار المعرفة الجامعية 1995، ص42.

(5) العربي (البشير)، الهجرة الداخلية والتنمية، مرجع سابق، ص108.

(6) أمين، (سمير)، التطور اللامتكافئ، دراسة في التشكيلات الاجتماعية الرأسمالية المحيطة ترجمة برهان غليون الطبعة الرابعة، دار الطليعة بيروت، 1985، ص86.

(7) العربي (البشير)، الهجرة الداخلية والتنمية، مرجع سابق ص141.

(8) عارف (نصر)، في مفاهيم التنمية ومصطلحاتها، مجلة ديوان العرب، القاهرة 2008، ص 41.

(9) مشورب (إبراهيم)، التخلف والتنمية، دراسات اقتصادية، دار المنهل اللبناني للطباعة والنشر 2002، ص 47.

(10) المقرمي (عبد الملك)، الاتجاهات النظرية لتراث التنمية والتخلف في نهاية القرن العشرين، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر 1991، ص 14.

(11) علام (سعد طه)، التنمية والمجتمع، مكتبة مدبولي، القاهرة 2006، ص 31.

(12) تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.

(13) مصطفى (محمود عبد السلام)، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية لسنة 2001، المستقبل العربي عدد 271، سبتمبر 2001، ص154.

(14) ألان (توران)، ماهي الديمقراطية؟، حكم الأكثرية أم ضمانات الأقلية، ترجمة حسين قبيسي، الطبعة العربية، بيروت لبنان 1995، ص 205.

(15) السمالوطي (نبيل محمد توفيق)، قضايا التنمية والتحديث في علم الاجتماع المعاصر، دار المطبوعات الجديدة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1990 ص29.

(16) سلطان (جهينة)، التحديث في المجتمع العربي المعاصر، دار كاظمة للنشر والتوزيع والترجمة 1980، ص33.

(17) العربي البشير الهجرة الداخلية والتنمية ، مرجع سابق ص 143.

(18) Zghal (Riadh), « l’enseignement supérieur entre les rigidités administratives, l’enseignement de masse et la globalisation », in l’université du XXIème siècle et le développement, colloque organisé à Sfax 27- 28 Novembre 1998 p 12.

(19) السمالوطي (نبيل محمد توفيق)، قضايا التنمية والتحديث، مرجع سابق ص 268.

(20) خليل العمر (معن)، التغير الاجتماعي، دار الشروق للنشر والتوزيع الطبعة الأولى، الأردن، 2004، ص68.

(21) العربي (بشير)، الهجرة الداخلية والتنمية،مرجع سابق ص143-144.

(22) عبد الباسط (محمد حسن) ،التنمية الاجتماعية، معهد الدراسات والبحوث العربية، القاهرة 1970، ص87.

(23) بوطالب (محمد نجيب)، الفلاحة والمجتمع الريفي في تونس، مرجع سابق ص52.

(24) بوكراع (رضا)، التنمية الجهوية والتوجه المؤسساتي الجديد للدولة، مؤلف جماعي تونس الأمس وتونس الغد) المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون بيت الحكمة تونس2002 ص412.

(25) لبيب(الطاهر)، "التنمية الاجتماعية واتجاهاتها في البلدان العربية"، المستقبل العربي، السنة22، العدد253، مارس2000 ص41.

(26)حامد (منجي)، توظيف مفهوم العصبية في دراسة المجتمع العربي المعاصر نماذج تطبيقية ذات صلة بالتنمية، شهادة الدراسات المعمقة، كلية العلوم الانسانية والاجتماعية، تونس 2003، ص47.

(27) الزين (محمد شوقي)، فلسفة علي حرب النقدية، العولمة والهوية منبوذات محاكم التفتيش الآن في كتابات معاصرة مجلد11 عدد44 تموز 2001، ص41.

(28) ابراهيم (سعد الدين)، نحو نظرية سوسيولوجية للتنمية في العالم الثالث، أبحاث ومناقشات المؤتمر العلمي السنوي الثاني للاقتصاديين المصريين، القاهرة، مارس 1980، ص55.

(29)نفس المرجع، ص57.

(30) ابراهيم (سعد الدين)، نحو نظرية سوسيولوجية للتنمية في العالم الثالث، مرجع سابق، ص62.

(31) حسن (عبد الباسط محمد)، التنمية الاجتماعية، معهد الدراسات والبحوث العربية، القاهرة 1970، ص97.

(32) روشي(غي)، مقدمة في علم الاجتماع العام-1- الفعل الاجتماعي تعريب، "د. مصطفى دنشلي" طباعة ونشر وتوزيع مكتبة الفقيه، بيروت 2002، ص197.

(33) لبيب(الطاهر)، سوسيولوجيا الثقافة، دار محمد علي الحامي للنشر صفاقس 1987، ص10.

(34) حجلاوي(غالية)،دراسة سيوسولوجية لمنطقة سيدي بوزيد، دكتوراه، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية تونس 2009، ص71.

(35) حامد (منجي)، توظيف مفهوم العصبية، مرجع سابق ص 52.

(36) عبد الخالق (عبد الله)، العولمة جذورها وفروعها وكيفية التعامل معها، مجلة عالم الفكر، مجلد28، العدد2، الكويت1999، ص89

(37) حامد(منجي)، توظيف مفهوم العصبية، مرجع سابق ص52.

(38)نفس المرجع ص53.

(39) أبو العلا (محمد حسين)، ديكتاتورية العولمة، قراءة تحليلية في فكر المثقف، مكتبة مدبولي، القاهرة2004، ص34.

(40) النشار (مصطفى)، ضد العولمة، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة 1999، ص57.

(41) ربيع محمد(محمود) واسماعيل صبري، موسوعة العلوم السياسية الكويت 1994، ص31- 48.

(42) نفس المرجع، ص 32.

(43) نفس المرجع ص35.

(44) نفس المرجع ص37.

(45) حامد (منجي) توظيف مفهوم العصبية، مرجع سابق ص54.

(46) نفس المرجع ص55.

(47) Duverger (Maurice), sociologie de la politique, Paris, P.U.F 1973 p121.

(48) Ibid, p121.

(49) Badie (Bertrand), Pierre Biran Boum, Sociologie de l’Etat, Paris, éditions Grasset, 1982, p87.

(50) Waterbury (Jean), une démocratie sans démocrates ? le potentiel de libéralisation politique au Moyen-Orient, in Ghassen Salama, démocraties sans démocrates, Paris, Fayard , 1994, p106.

(51) Apter (David), Some conceptual approaches to the study of modernization, Op cit, p334.

(52) العرفاوي (عادل)، التنمية والتشغيل في جندوبة، شهادة الدراسات المعمقة في علم الاجتماع، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس 1996، ص34.

 

شكل العالم العربي على مدى قرون متتالية منارة للعلوم والمعرفة، تضيء دروب الحضارة الانسانية وتفتح افاقا جديدة امام تقدم البشرية. لقد امتدت هذه الحقبة الذهبية من القرن الثامن حتى القرن الثالث عشر الميلادي، حيث كانت حواضر العلم العربية والاسلامية في بغداد وقرطبة والقاهرة ودمشق وفاس والقيروان تشع بنور المعرفة إلى العالم اجمع. لم تكن هذه المرحلة مجرد فترة ازدهار عابر، بل كانت ثورة علمية حقيقية اسست لمنهجية البحث العلمي الحديث ووضعت اللبنات الاولى للعلوم كما نعرفها اليوم.

في بغداد، كانت مكتبة بيت الحكمة - التي اسسها الخليفة العباسي هارون الرشيد واشرف على تطويرها ابنه المأمون - تمثل اعجوبة العالم الفكرية في عصرها. لم تكن مجرد مكان لحفظ الكتب، بل كانت مجمعا علميا شاملا ضم مرصدا فلكيا ومدرسة للترجمة وورشات للنسخ والتأليف. ضمت هذه المكتبة العملاقة اكثر من مليون مخطوط في شتى فروع المعرفة، من الفلسفة إلى الطب، ومن الرياضيات إلى الفلك، ومن الكيمياء إلى الجغرافيا. كان المترجمون والعلماء في بيت الحكمة ينقلون اعمال الفلاسفة والعلماء اليونان والفرس والهنود والسريان، لا مجرد نقل حرفي، بل بنظرة نقدية واضافات مبتكرة.

وفي فاس، كانت جامعة القرويين - التي تأسست عام 859م على يد فاطمة الفهرية - تمثل اقدم جامعة في العالم باستمرار عملها حتى اليوم. لم تكن هذه الجامعة مجرد مكان للتعليم، بل كانت مركزا اشعاعيا حضاريا جمع بين التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع. تخرج فيها علماء كبار مثل ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع، والشافعي واضع اصول الفقه، وابن ماجة وغيرهم من الاعلام.

اما قرطبة في الاندلس، فقد كانت في اوج ازدهارها تحت حكم عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر منارة علمية تزينها مئات المساجد والمكتبات والمدارس. كانت مكتبة قرطبة تحتوي على اكثر من 400 الف مجلد، في وقت كانت تعتبر فيه اوروبا الغربية اي كتاب يحتوي على مائة مخطوط مكتبة ضخمة.

لقد قدم العلماء العرب والمسلمون خلال هذه الحقبة اسهامات جذرية شكلت اساس النهضة العلمية العالمية، ولا تزال آثارها واضحة في المصطلحات العلمية والمناهج البحثية حتى اليوم. يأتي في مقدمة هذه الاسهامات الخوارزمي (780-850م) الذي لم يكتف بتأسيس علم الجبر، بل ادخل النظام العشري والارقام العربية التي اصبحت لغة العلم العالمية. كلمة "Algorithm" المشتقة من اسمه، و"Algebra"  من كتابه "الجبر والمقابلة"، تشهد على عمق تأثيره في المسيرة العلمية العالمية.

ويبرز ابن الهيثم (965-1040م) كأحد اعظم علماء البصريات في التاريخ، حيث وضع في كتابه "المناظر" اسس المنهج العلمي التجريبي القائم على الملاحظة والتجربة والاستنتاج. كانت ابحاثه في انكسار الضوء وانعكاسه وتركيب العين البشرية اساسا لعلم البصريات الحديث. كما قدم ابن سينا (980-1037م) في موسوعته الطبية "القانون في الطب" تنظيما شاملا للمعارف الطبية ظل مرجعا اساسيا في الجامعات الاوروبية لقرون طويلة، وقدم وصفات لاكثر من 760 دواء.

ولا يمكن اغفال دور جابر بن حيان (721-815م) المؤسس الحقيقي للكيمياء التجريبية، الذي ادخل المنهج التجريبي إلى المختبر وطور تقنيات التقطير والتبلور والتسامي. كانت ابحاثه حول الاحماض والقواعد والاملاح تمثل نقلة نوعية في فهم المادة وخصائصها.

هذا الارث العلمي الزاخر لم يقتصر على هؤلاء العلماء الكبار، بل شمل مئات العقول اللامعة مثل البيروني في الجغرافيا والفيزياء، والزهراوي في الجراحة، والبتاني في الفلك، والكندي في الفلسفة، والرازي في الطب، وابن النفيس في اكتشاف الدورة الدموية الصغرى. لقد شكلت اسهاماتهم مجتمعة النظام العلمي الاكثر تطورا في عصرهم، واسست للنهضة الاوروبية لاحقا.

لكن المفارقة المأساوية تكمن في تحول هذا المركز الحضاري الزاهر إلى هامش معرفي في العصر الحديث. فبينما تحتل الدول العربية اليوم اكثر من 5% من سكان العالم، وتسعى لتحقيق مكانة لائقة على الخريطة العلمية العالمية، فإنها تساهم باقل من 2% من الانتاج العلمي العالمي، وفقا لتقرير اليونسكو للعلوم 2021. والامر الاكثر اثارة للقلق ان العالم العربي بأكمله لا يسجل سوى 0.3% من براءات الاختراع العالمية، بحسب احصائيات المنظمة العالمية للملكية الفكرية 2022.

هذه المفارقة التاريخية تطرح اسئلة مصيرية عن الاسباب الكامنة وراء هذا التحول الجذري، والعوامل التي قادت امة كانت رائدة في انتاج المعرفة إلى ان تصبح في ذيل الامم في مضمار الابتكار العلمي والتطور التكنولوجي. من كانوا اساتذة العالم في القرون الوسطى اصبحوا تلاميذ في مؤخرة الركب في العصر الحديث. من كانوا مبدعين ومبتكرين اصبحوا مستهلكين للتكنولوجيا. من كانوا روادا في شتى فروع المعرفة اصبحوا اتباعا ينتظرون ما ينتجه الآخرون.

هذه الازمة ليست مجرد ازمة احصاءات وارقام، بل هي ازمة هوية وحضارة، ازمة مشروع نهضوي تعثر عند منعطفات التاريخ. إنها قصة تحول من الابداع إلى الاستهلاك، من الانتاج إلى التلقي، من الريادة إلى التبعية. قصة تحتاج إلى فهم عميق وتحليل دقيق للجذور التاريخية والسياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي قادت إلى هذا الواقع.

إن دراسة هذه الاشكالية ليست ترفا فكريا، بل ضرورة حتمية لاي مشروع نهضوي عربي مستقبلي. ففي عصر اصبحت فيه المعرفة والتكنولوجيا هما محركا الاقتصاد والقوة، لم يعد بمقدور الدول العربية ان تبقى على هامش المسيرة العلمية العالمية. إن استعادة المكانة العلمية اصبحت مسألة وجودية تتعلق بالقدرة على المنافسة في عالم سريع التغير، والاستقلال في اتخاذ القرار، والمساهمة في صياغة مستقبل البشرية.

الفجوة الاستثمارية

تشير بيانات البنك الدولي (2023) إلى أن متوسط انفاق الدول العربية على البحث والتطوير لا يتجاوز 0.3% من الناتج المحلي الاجمالي (لكن يجدر التنويه أن بعض الدول العربية لديها تفاوت داخلي مثل السعودية وقطر بإنفاق أعلى قليلًا، مقابل دول أخرى شبه معدومة الاستثمار)، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 2.4%، ومتوسط يصل إلى 3.5% في دول مثل كوريا الجنوبية واسرائيل. هذا الاستثمار المحدود لا يعكس فقط ضعف الموارد، بل يكشف عن فجوة معرفية متسعة تتجذر في بنية النظام السياسي والاقتصادي العربي. أما عدد الباحثين، فبيانات البنك الدولي واليونسكو تشير إلى أن العالم العربي يسجل نحو 400–500 باحث لكل مليون نسمة، وهو أقل بكثير من المتوسط العالمي الذي يتجاوز 4,000–5,000 باحث.

وتكشف بيانات اليونسكو أن 70% من الانفاق على البحث العلمي في العالم العربي يأتي من الحكومات، بينما لا تتجاوز مساهمة القطاع الخاص 20%، مقارنة بـ 60% في الدول المتقدمة. هذا الخلل الهيكلي في تمويل البحث العلمي لا يعزى فقط إلى غياب الحوافز الاقتصادية، بل يرتبط ارتباطا وثيقا بطبيعة الانظمة السياسية والاقتصادية التي تهيمن عليها الزبائنية والمحسوبية، حيث توجه الموارد العامة وفق اعتبارات الولاء السياسي لا وفق اولويات التنمية.

فالفساد المالي والاداري المستشري في العديد من الدول العربية يعد من ابرز العوامل التي تعيق تخصيص موارد كافية للبحث العلمي. اذ تهدر مليارات الدولارات سنويا في صفقات مشبوهة ومشاريع غير منتجة، بينما تهمش القطاعات المعرفية لصالح الانفاق على البنى التحتية الشكلية او الامن والدفاع. وغالبا ما تدار مؤسسات البحث العلمي من قبل بيروقراطيات غير متخصصة، تعين على اساس الولاء لا الكفاءة، مما يؤدي إلى تهميش الكفاءات الحقيقية وتكريس الرداءة.

إلى جانب ذلك، تفتقر معظم الدول العربية إلى ارادة سياسية حقيقية لتجاوز الواقع المعرفي المتردي، اذ ينظر إلى الاستثمار في البحث العلمي كتهديد محتمل للسلطة لا كرافعة للتنمية. فالمعرفة النقدية، بطبيعتها، تزعج البنى السلطوية التي تفضل الاستقرار على التغيير، وتخشى من تمكين العقول المستقلة التي قد تطالب بالاصلاح والمساءلة. ولهذا، غالبا ما يختزل دور الجامعات ومراكز الابحاث في التلقين وتكرار الخطاب الرسمي، بدل أن تكون فضاءات حرة للابداع والتفكير المستقل.

كما أن غياب السياسات الوطنية المتكاملة للعلوم والتكنولوجيا، وافتقارها إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى، يؤدي إلى تشتت الجهود وتكرار المشاريع دون تراكم معرفي حقيقي. وغالبا ما تطلق مبادرات بحثية موسمية مرتبطة بتغير الحكومات او رغبة في تحسين الصورة الخارجية، دون أن تترجم إلى بنى مؤسسية مستدامة.

إن الفجوة الاستثمارية في البحث العلمي ليست مجرد خلل في الارقام، بل هي انعكاس لازمة اعمق في بنية الدولة العربية، حيث تقدم الولاءات على الكفاءات، وتقدم المصالح السياسية الضيقة على المصلحة العامة. ولا يمكن ردم هذه الفجوة دون اصلاحات جذرية تطال منظومة الحكم، وتعيد الاعتبار للعلم والمعرفة كأدوات للتحرر والتنمية، لا كترف فكري او ديكور تجميلي.

هجرة العقول

تُعد هجرة الكفاءات العلمية من أبرز التحديات التي تواجه التنمية والابتكار في المنطقة العربية. فقد أكدت تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (ESCWA) أن المنطقة العربية تشهد نزيفًا مستمرًا للعقول، خاصة في التخصصات الطبية والهندسية، وهو ما ينعكس سلبًا على القدرات التنموية والاقتصادية. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن معدلات عودة الطلاب العرب المبتعثين إلى أوطانهم بعد التخرج تبقى منخفضة مقارنة بالمعدلات العالمية، مما يعمّق الفجوة المعرفية ويضعف فرص نقل الخبرات والتقنيات الحديثة.

كما أوضح تقرير الباروميتر العربي (Arab Barometer, 2023) أن نحو 20% من السكان في 14 دولة عربية يفكرون جديًا في الهجرة، مع ميل أكبر بين الشباب وحملة الشهادات الجامعية، وهو ما ينذر بتسرب النخبة العلمية والتعليمية من المنطقة. وفي السياق ذاته، تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن آلاف الأطباء والمهندسين يغادرون المنطقة سنويًا، ما يخلق فجوة حرجة في القطاعات الحيوية مثل الصحة والطاقة والتكنولوجيا.

الأسباب التي تدفع هذه الكفاءات إلى الهجرة متعددة، أبرزها ضعف بيئة البحث العلمي، محدودية التمويل، غياب الحوافز، وانعدام الاستقرار السياسي. كما أن تدني الرواتب مقارنة بالدول المستقبِلة، إضافة إلى الفساد الإداري وتهميش الكفاءات لصالح الولاءات السياسية، كلها عوامل تدفع العقول إلى البحث عن بيئة أكثر احترامًا للعلم والابتكار.

هذه الظاهرة لا تؤثر فقط على الاقتصاد، بل تهدد أيضًا الاستقلال المعرفي والسيادي للدول العربية، إذ تصبح عاجزة عن إنتاج المعرفة أو المنافسة في الاقتصاد الرقمي العالمي. كما أن الاعتماد على الخبرات الأجنبية في القطاعات الحيوية يضعف القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة، ويجعل الدول العربية رهينة للخبرات المستوردة.

ولمواجهة هذه الأزمة، توصي تقارير التنمية الدولية بضرورة إصلاح بيئة البحث العلمي، وتوفير حوافز حقيقية للكفاءات، وتبني سياسات وطنية لاستعادة العقول المهاجرة. كما يجب ربط التعليم بسوق العمل، وتوفير فرص مهنية مجزية، وضمان حرية البحث والتعبير العلمي، حتى يشعر العلماء العرب أن أوطانهم تستحق علمهم وجهدهم.

اشكالية التعليم

تشير تقارير اليونسكو إلى أن الأنظمة التعليمية في معظم الدول العربية ما زالت تعتمد بشكل كبير على أساليب الحفظ والتلقين، على حساب تنمية مهارات التفكير النقدي والإبداع. فالمناهج الدراسية غالبًا ما تُقدِّم الطالب بوصفه متلقّيًا سلبيًا للمعلومة، لا مشاركًا فاعلًا في إنتاج المعرفة أو حل المشكلات المعقدةUNESCO, 2021.

في المقابل، تؤكد الدراسات التربوية الحديثة أن التفكير النقدي يُعد من أكثر المهارات المطلوبة في سوق العمل العالمي، إذ يمكّن الأفراد من تحليل المعلومات وتقييمها واتخاذ قرارات مستنيرة في مواجهة التحديات المعقدةWorld Economic Forum, 2020. وتشير تقارير سوق العمل الدولية إلى أن نسبة كبيرة من المهنيين حول العالم تفتقر إلى هذه المهارات، مما يحد من قدرتهم على التكيف مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية السريعة.

أما الفجوة الرقمية التعليمية، فما زالت واسعة رغم الجهود المبذولة في السنوات الأخيرة. فوفقًا لتقارير الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU,2022)، العديد من المدارس العربية تفتقر إلى البنية التحتية التكنولوجية الأساسية، كما أن إدماج التكنولوجيا في العملية التعليمية أقل بكثير من المتوسط العالمي . هذا النقص لا يعيق فقط الوصول إلى مصادر المعرفة الحديثة، بل يضعف أيضًا فرص تدريب الطلاب على أدوات التفكير الرقمي والتحليلي.

ويضيف تقرير الإسكوا حول التنمية الرقمية العربية  أن نسبة كبيرة من خريجي الجامعات العربية لا يمتلكون المهارات الرقمية المطلوبة في سوق العمل، مما يوسع فجوة المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد المعرفي . وهذا يعني أن التعليم العربي، في صورته الحالية، لا يُنتج أفرادًا قادرين على التفاعل مع الاقتصاد الرقمي العالمي، بل يعيد إنتاج أنماط تقليدية من التفكير لا تتماشى مع متطلبات العصر.

من العوامل المهمة في تطوير التعليم:

1- اصلاح فلسفة التقييم: يجب أن يتحول من قياس الحفظ إلى قياس الفهم والتحليل.

2- تدريب المعلمين على استراتيجيات التفكير النقدي: عبر ورش عمل ومناهج تدريبية متخصصة.

3- توفير بيئة تعليمية محفزة: تشمل مختبرات، مكتبات رقمية، ومنصات تعليمية تفاعلية.

4- ربط التعليم بسوق العمل: من خلال شراكات مع القطاع الخاص، وتحديث المناهج وفقا للمهارات المطلوبة.

إن بناء نظام تعليمي عربي حديث يتطلب ثورة معرفية تبدأ من اعادة تعريف دور الطالب والمعلم، وتنتقل إلى اصلاح المناهج، وتوفير بنية تحتية رقمية، وتنتهي بتعزيز ثقافة التفكير النقدي كقيمة مجتمعية.

التحديات السياسية والاقتصادية

لا يمكن الحديث عن ازمة التعليم والبحث العلمي في العالم العربي دون التوقف عند الجذور السياسية العميقة التي تعرقل اي مشروع نهضوي حقيقي. فقد ادت الحروب والاضطرابات السياسية التي شهدتها العديد من الدول العربية إلى تدمير البنى التحتية العلمية، وتحويل الموارد من التنمية إلى الانفاق العسكري. ووفقا لمعهد ستوكهولم لابحاث السلام، ينفق العالم العربي اكثر من 6% من ناتجه المحلي على التسلح، مقارنة باقل من 2% على التعليم والبحث العلمي مجتمعين، وهو مؤشر صارخ على اختلال الاولويات الوطنية.

لكن الاخطر من ذلك هو غياب الديمقراطية وحرية الفكر، حيث تدار السياسات التعليمية والعلمية في كثير من الدول العربية ضمن منظومات مغلقة لا تسمح بالنقد او المشاركة المجتمعية. تقصى الكفاءات، وتهمش العقول المستقلة، ويحاصر التفكير الحر، مما يجعل الجامعات ومراكز البحث مجرد مؤسسات شكلية تكرر الخطاب الرسمي ولا تنتج معرفة حقيقية. في ظل هذا المناخ، يصبح التعليم اداة للضبط لا للتحرر، ويمنع العلم من اداء دوره في مساءلة الواقع وتغييره.

كما ان الانقسامات السياسية والصراعات بين الدول العربية تمثل عائقا كبيرا امام اي تعاون علمي او تكنولوجي مشترك. فبدلا من بناء شبكات بحثية عربية موحدة، وتبادل الخبرات، وتاسيس صناديق تمويل مشتركة، تغلق الحدود امام العلماء، وتقيد حركة المعرفة، وتهدر فرص التكامل الاقليمي. لا توجد رؤية عربية موحدة للنهوض العلمي، بل تتنافس الدول في مشاريع متفرقة، وتدار المؤسسات العلمية بمنطق السيادة لا بمنطق الشراكة.

وبما ان النفط والغاز يشكلان المصدر الرئيسي لدخل معظم الدول العربية، خلق هذا الاقتصاد الريعي انظمة لا تشجع على الابتكار، بل تكرس التبعية للموارد الطبيعية. تظهر بيانات صندوق النقد الدولي ان نسبة مساهمة القطاعات المعرفية والتكنولوجية في الناتج المحلي الاجمالي العربي لا تتجاوز 8%، مقارنة بـ 35% في الدول المتقدمة، وهو ما يعكس غياب الاستثمار الاستراتيجي في اقتصاد المعرفة.

ان استمرار هذا الواقع السياسي المغلق، والانقسامات الاقليمية، وانعدام الارادة الجماعية للتعاون، يجعل من اي حديث عن نهضة علمية مجرد امنية معلقة. فلا يمكن للعلم ان يزدهر في بيئة تقمع الفكر، وتقصي الحوار، وتفضل الولاء على الكفاءة. ولا يمكن للتعليم ان يتحول إلى قوة تغيير دون حرية، ودون مشروع عربي مشترك يؤمن بان المعرفة هي السبيل الوحيد للخروج من دائرة التخلف.

العوامل الثقافية والمجتمعية

تظهر احصائيات التقرير العربي للتنمية الثقافية أن العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق سنويا في المتوسط، بينما يقرأ الاوروبي بمعدل 200 ساعة سنويا. كما أن نسبة الكتب العلمية في المكتبات العربية لا تتجاوز 1.5% من اجمالي المحتوى، مقارنة بـ 15% في المكتبات الغربية.

ولا تزال النظرة المجتمعية في العديد من الدول العربية تفضل التخصصات النظرية على العلمية، كما أن الوظائف الادارية تحظى بمكانة اجتماعية اعلى من الوظائف البحثية. هذا الواقع يعمق الفجوة بين التعليم وسوق العمل، ويضعف الحوافز نحو التخصص في المجالات العلمية.

دائرة التخلف العلمي المفرغة

يمكن فهم استمرار التخلف العلمي العربي من خلال نموذج "الدائرة المفرغة" الذي يتكون من ثلاث حلقات مترابطة:

في الحلقة الاولى، يؤدي ضعف الاستثمار في البحث العلمي إلى هجرة العقول، مما يسبب تراجع الانتاج العلمي، وهذا بدوره يعزز قناعة بعدم جدوى الاستثمار في العلم.

وفي الحلقة الثانية، تنتج المناهج التعليمية التقليدية عقول غير مبدعة، مما يؤدي إلى مجتمعات استهلاكية، فتصبح تابعة تكنولوجيا، وهذا يعزز بدوره استمرار المناهج التقليدية.

اما الحلقة الثالثة، فتنتج الثقافة المجتمعية غير الداعمة للعلم سياسات غير داعمة للبحث العلمي، مما يضعف الانتاج العلمي، وهذا يعزز بدوره الثقافة المجتمعية المحبطة للعلم.

نحو كسر دائرة التخلف

يتطلب الخروج من دائرة التخلف اصلاحا تعليميا جذريا يتحول من التلقين إلى تنمية التفكير النقدي، وادخال مناهج STEM (العلوم، التكنولوجيا، الهندسة، الرياضيات) بشكل منهجي، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل المستقبلية.

ويمكن بناء اقتصاد المعرفة عبر تحويل جزء من عوائد النفط إلى استثمارات استراتيجية في البحث العلمي، وانشاء صناديق وطنية وعربية لدعم المبتكرين والباحثين، وتطوير صناعات تكنولوجية عربية تنافسية.

كما يتطلب النهوض العلمي اطلاق مبادرات وطنية لنشر الثقافة العلمية، ودعم التأليف العلمي الموجه للجمهور العام، وابراز نماذج علماء عرب معاصرين ناجحين.

من الاستهلاك إلى الانتاج المعرفي

التخلف العلمي والتكنولوجي العربي ليس قدرا محتوما، بل هو نتيجة تراكم اختيارات سياسية واقتصادية وثقافية. الخروج من هذا المأزق يتطلب ارادة سياسية حقيقية، واستثمارا استراتيجيا في التعليم والبحث العلمي، وثورة ثقافية تعيد للعقل والعلم مكانتهما. الامة التي قدمت للعالم اساسيات العلم الحديث تبقى قادرة على العودة إلى ساحة الريادة، اذا استطاعت كسر دائرة التخلف وتبنت مشروعا نهضويا حقيقيا.

***

محمد الربيعي

بروفسور متمرس ومستشار تربوي، جامعة دبلن

تتمتع الليبرالية الجديدة والاستبداد بروابط نظرية قوية، كما يتضح من السرد النيوليبرالي حول ضرورة وجود دولة قوية، قادرة على إعادة تشكيل المجتمع وفق أسس السوق. لا يستطيع النيوليبراليون (وخاصة الليبراليون النظاميون الألمان) التوفيق بشكل كامل بين شكوك الديمقراطية وشغفها وعقلانية السوق. يتطلب نقاء السوق وجود أوصياء، ولا يمكن دائماً اختيار الأوصياء ديمقراطياً. وهذا سيناريو شهدناه يتكشف في الأنظمة التكنوقراطية الأوروبية، ولكن أيضاً في الدول النامية، بدءًا من تجارب أمريكا اللاتينية وآسيا في سبعينيات القرن الماضي. لم يكن الركود الكبير نقطة تحول واضحة، إلا أنه أدى إلى تكثيف العلاقة بين الاستبداد والنيوليبرالية.

أصبح الأوصياء أكثر هيمنة، وغالباً ما رسموا خطاً فاصلاً بين "المواطنين الإثنيين"، الذين يُعتبرون "أكثر ملاءمة" للمنافسة العالمية، و"الأجانب"، وهم عادةً مهاجرون. لقد عادت الرأسمالية جزئياً إلى الحدود الوطنية. حتى في البلدان ذات التقاليد الديمقراطية العريقة، تطلّب بقاء الرأسمالية النيوليبرالية سياسات قومية واستبدادية، أعادت تشكيلها بطريقة أكثر محافظةً وقوميةً وحمائية. لقد ظهر ثلاثة أنواع من النيوليبرالية الاستبدادية. الأول هو التكنوقراطية، التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الاقتصادات الأكثر تقدماً وفي بنية الاتحاد الأوروبي نفسها، وخاصةً منذ تسعينيات القرن الماضي. أما الثاني فهو شكل القومية، الذي غالباً ما يكون "إثنيًا" في محتواه ولهجته شعبوية، والذي ترسخت جذوره في العديد من البلدان (بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية في عهد ترامب)، ولكنه أكثر وضوحاً في شبه أطراف أوروبا الوسطى والشرقية. النوع الثالث هو الاستبداد التقليدي للعديد من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، حيث تضافرت اقتصادات السوق غير المتقدمة مع وضع التبعية العالمي، مما أدى سريعاً إلى تحول نحو سياسات غير ديمقراطية في التسعينيات. نتناول الليبرالية الجديدة الاستبدادية بمزيد من التفصيل دراسة الثلاث نماذج ذات الصلة: التكنوقراطية في إيطاليا، والنيوليبرالية القومية في المجر، والاستبداد التقليدي في كازاخستان.

التكنوقراطية الإيطالية

كانت إيطاليا بعد التوحيد دولة هشة ذات برجوازية ضعيفة، وقد استمرت هذه السمات، إلى جانب الانقسامات المستمرة (شمال/جنوب، مدن/ريف، فاشية/مناهضة للفاشية، أحزاب موالية للغرب/شيوعيين)، حتى ثمانينيات القرن العشرين. وعلى الرغم من النمو السريع الذي شهدته بعد عام 1945 (في عام 1990 كان اقتصادها سادس أكبر اقتصاد في العالم)، إلا أن إيطاليا اضطرت إلى اللحاق بركب دول شمال أوروبا، ونشرت تكنوقراطيين بشكل متكرر للبقاء في قلب الرأسمالية الليبرالية. تدخل التكنوقراط الإيطاليون في السياسة كوكلاء للجزء الليبرالي والمُدوَّل من رأس المال، وهو تقليد حليف متمركز في المدن الشمالية ومجموعات عابرة للحدود الوطنية مثل شركتي "فيات" Fiat وبيريللي  Pirelli. ومع ذلك، فقد تم استقطاب بعض التكنوقراط من قبل الطبقة البرجوازية المعارضة ذات التوجه الوطني والأكثر محافظة، والتي يتمركز معظمها في الشركات التي تسيطر عليها الدولة والشركات الصغيرة؛ وغالباً ما كانت مصالح هذه الطبقة وأعرافها ممثلة من قبل قوى قومية شعبوية مثل حزب "رابطة الشمال الإيطالية"  Lega Nord، ورئيس الوزراء الإيطالي السابق "سيلفيو برلسكوني"Silvio Berlusconi.

تتضح هذه الجدلية من خلال ثلاث فترات في العصر النيوليبرالي الإيطالي: أولاً: فترة التسعينيات، التي اتسمت بالحكومات التكنوقراطية. ثانياً: العقد الأول من القرن الحادي والعشرين التي هيمن عليها برلسكوني. ثالثاً: العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، مع الحكومات التكنوقراطية الجديدة وما يصاحبها من صعود القومية الشعبوية.

سواءً أكانت تكنوقراطية أم قومية، كانت النيوليبرالية الإيطالية في الغالب تجربة من أعلى إلى أسفل، مدفوعة من قبل الدولة. لعب البنك المركزي (بنك إيطاليا) دوراً رئيسياً كحلقة وصل بين السياسة الوطنية والأفكار الدولية، وأصبح المحرك الأساسي للنيوليبرالية. تلقى خبراؤه تعليماً دولياً في كثير من الأحيان، ويعملون كـ"مثقفين عالميين" ويمكن اعتبارهم نموذجاً لبلد موحد حديثاً مثل إيطاليا. في الواقع هم يُفسرون استقلاليتهم كممثلين للأفكار والقيم الأوروبية.

بدأ صعود بنك إيطاليا بانفصاله عن وزارة الخزانة عام 1981، واستمر عندما أصبح محافظه السابق وزيراً للخزانة (1989-1992) في الفترة التي سبقت معاهدة ماستريخت. في عام 1992، انهار النظام الحزبي الإيطالي تحت وطأة التحقيقات القضائية، وتولى "التكنوقراط" زمام الأمور، متخفيين في هيئة اقتصاديين أكاديميين من يسار الوسط، وخاصةً رئيس الوزراء "ماتيو سالفيني" Matteo Salvini، وكبار المسؤولين التنفيذيين في بنك إيطاليا.

ضمت جميع الحكومات بين عامي 1992 و2001 وزراء مستقلين وغير منتخبين؛ وتألفت حكومة ديني فقط من مسؤولين مستقلين، بمن فيهم "سوزانا أنييلي" Susanna Agnelli من سلالة مالكي شركة فيات. أصبح خبراء البنك "مسؤولين تنفيذيين أساسيين" وجلبوا معهم الكفاءة و"أصولاً غير ملموسة" أخرى. في إطار الترويج لأجندة نيوليبرالية، أظهروا قدرةً ثقافيةً وسياسيةً على التأثير. وبشكلٍ عام، تبنوا وجهة نظرٍ "عالمية" مفادها أن "الأوروبية" المستدامة والانفتاح على قوى السوق وحدهما كفيلان بإيصال البلاد إلى الحداثة الكاملة. وبهذا المعنى، كانوا يتبعون أجندةً عبّر عنها بوضوح الزعيم الطموح لحزب يسار الوسط الرئيسي "ماسيمو داليما" Massimo D'Alema في رؤيته لـ"دولةٍ طبيعية": دولةٌ تتمتع بدولةٍ فعّالة، صديقةٌ للمواطنين، قد لا تكون منتجةً للحليب أو الفولاذ، لكنها تعرف كيف تُوفّر مستوياتٍ أوروبيةً من التعليم والبحث العلمي والخدمات الأساسية. دولةٌ تضمن شبكة أمانٍ اجتماعيٍّ قادرةٍ على تقديم الدعم والأمل والفرص لأضعف أفراد المجتمع، ولا تُسرّب الموارد عبر آلاف القنوات المختلفة التي تُتيحها المحسوبية.

منطقة اليورو

انضمت إيطاليا إلى منطقة اليورو منذ نشأتها، لكن الإصلاحات وسياسات التقشف (وخاصة قوانين الميزانية الصارمة) أثّرت سلباً على اقتصادها. فبين عامي 1993 و2000، بلغ متوسط النمو 1.6٪ فقط. أما المحسوبية والفساد، فلم يتراجعا، بل غذّتهما خصخصة شركات مثل عملاق النفط "إيني"  Eni، وشركة الكهرباء "إينيل"  Enel، وشركة التكنولوجيا الفائقة "فينميكانيكا" Finmeccanica. وتُظهر الأبحاث أن الفساد يزداد بعد عمليات الخصخصة عندما تكون هذه الأخيرة "ذات أهمية اقتصادية"، كما كان الحال في إيطاليا. فقد احتفظت الدولة بحصص كبيرة في الشركات المخصخصة، وعُيّنت الإدارة العليا الجديدة من قِبَل الحكومات وفقاً لمعايير سياسية. دفع ترسيخ النخبة والمحسوبية والتقشف العديد من الإيطاليين إلى التخلي عن اليسار وانتخاب "برلسكوني" عام 2001. وبغض النظر عن خطابه الصاخب، لم تُمثل سياسات "برلسكوني" انقساماً جذرياً؛ بل كانت مزيجاً من القومية الشعبوية والتكنوقراطية؛ فلم يكتفِ بتعيين اقتصاديين نيوليبراليين معروفين في مناصب مهمة؛ بل فاز أيضاً في الانتخابات بسبب قدرته المزعومة على إدارة إمبراطورية تجارية.

استغل "برلسكوني" خيبة أمل الإيطاليين من التسعينيات وحوّلها إلى مشروع سياسي، متجذر في الفردية الصارخة لجزء من البلاد، وخاصةً بين الشركات الصغيرة في شمال إيطاليا، ولكنه أيضاً في "صدع أخلاقي" أوسع بين اليسار واليمين التقليديين. في حين ركز خطاب "برلسكوني" غالباً على الكفاءة وريادة الأعمال، إلا أن سياساته كانت أكثر انتهازية منها ليبرالية؛ بل عملت على حماية مصالح الجزء الأكثر وطنية وقومية من رأس المال الإيطالي، والذي شمل إمبراطورية "برلسكوني" الإعلامية "ميدياست" Mediaset ، وشركات معظمها إيطالية. ورغم وعوده بتخفيضات ضريبية كبيرة، لم يُوفِ بها "برلسكوني" قط. وتعارض دفاعه عن الوضع الراهن مع الأفكار الأكثر ليبراليةً لدى بعض معاونيه، مثل الاقتصادي المستقل "دومينيكو سينيسكالكو" Domenico Siniscalco (وزير الاقتصاد 2004-2005)، الذي استقال بطريقة مثيلرة للفضائح. ومع ذلك، كانت ممارسات الليبرالية الجديدة حاضرة في سوق العمل، حيث أدت "قوانين بياجي" Piaget's laws (2003) إلى مزيد من انعدام الأمن والهشاشة. وارتفعت نسبة بطالة الشباب في الجنوب إلى 40%؛ وأثرت الوظائف المؤقتة بشكل رئيسي على الأجيال الشابة. وتغلغلت الليبرالية الجديدة في سوق العمل، بالإضافة إلى إدارات المدن والرعاية الاجتماعية المحلية.

حكومة "ماريو مونتي

بعد أزمة الديون السيادية وضغوط الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي في أواخر عام 2011، أُزيح برلسكوني سريعاً، وحل محله الخبير الاقتصادي والمفوض السابق للاتحاد الأوروبي "ماريو مونتي" Mario Monti الذي أصبح مثالاً يُحتذى به في "التكنوقراطية".

لم يكن أيٌّ من مسؤولي مونتي عضواً في الحزب. تبنى "مونتي" تدابير تقشفية صارمة، لا سيما في نظام الضمان الاجتماعي، تحت ضغط الأسواق المالية.

واجهت إيطاليا ركوداً اقتصادياً حاداً، نتج جزئياً عن سياسات التكنوقراطية التي لم تتوسط فيها الأحزاب. وافق "مونتي" على الطلبات الصارمة من البنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية: في عام 2012، اضطرت إيطاليا إلى التكيف مع الميثاق المالي الأوروبي وإدراج التزام بموازنة ميزانية الدولة في الدستور.

كانت حكومة مونتي مثالاً رئيسياً على الدولة الاستبدادية العابرة للحدود الوطنية في أوروبا. بعد عام 2013، استمرت التكنوقراطية والقومية الشعبوية في لعب دورهما، وغالباً ما كان ذلك معاً. تعاون خليفة "مونتي" مع اقتصاديين سابقين في الحزب الديمقراطي المسيحي وائتلافات يسار الوسط. وظلت وزارة الاقتصاد في أيدي تكنوقراط. في الوقت نفسه، جسّد "ماتيو رينزي" Matteo Renzi الذي تولى رئاسة الوزراء عام 2014 محاولةً من يسار الوسط لإقامة علاقة أكثر مباشرة بين الزعيم والناخبين، دون وساطات أو أيديولوجيات حزبية كبيرة؛ وهو نوع من الشعبوية من يسار الوسط، غنية بالشعارات، ولكنها غامضة وانطباعية بشأن الأفكار والسياسات. في غضون ذلك، واصلت النيوليبرالية شق طريقها خارج السياسة: ففي عام 2017، كان لدى إيطاليا أحد أكبر اقتصادات الظل في العالم) ونقلت شركات كبيرة (مثل فيات) مقراتها إلى الخارج؛ واستمرت الأجور في الانخفاض.

أدى هذا التوجه النيوليبرالي الزاحف والخفي إلى ظهور مشاعر معادية للنخبوية ومواقف معادية للهجرة ومشككة في الاتحاد الأوروبي، والتي أدت في عام 2018 إلى فوز "حركة النجوم الخمس" Five Star Movement وحزب "رابطة الشمال" Lega Nord (الذي كان حتى عام 2018 حزباً إقليمياً مؤيداً لاستقلال شمال إيطاليا)، والذي شكل ائتلافًا غير عادي "يساري-يميني" ذي دلالات قومية قوية. ومع ذلك، احتفظ التكنوقراط بمناصب متميزة في الدولة ومجلس الوزراء، مثل قيادة وزارتي الاقتصاد والخارجية، حيث أُسندت إلى خبراء مستقلين. في الوقت نفسه، شهدت شعبية زعيم حزب الرابطة "ماتيو سالفيني" Matteo Salvini وزير الداخلية (2018-2019)، على انتعاش القومية الشعبوية في إيطاليا. كان ذلك، من نواحٍ عديدة، عودةً إلى سياسات "برلسكوني"، وإن كان ذلك بنبرة أكثر عدوانيةً ومعاداةً للأجانب، وروحاً أقوى معاديةً لأوروبا وللهجرة.

حقق حزب "سالفيني" نجاحاً كبيراً، لا سيما بين عمال الاستقلال والمصانع، الذين يُمثلون مصدر الدعم التقليدي لحزب الرابطة. نجح النداء القومي المناهض للهجرة حيث كان انعدام الأمن الاقتصادي والمخاوف العالمية أكبر، بما في ذلك في جنوب إيطاليا، التي كانت في السابق هدفاً للوم من قِبَل حزب الرابطة. هناك أصداء لدعم الطبقة المتوسطة الدنيا للبونابرتية أو الفاشية، كما حللها المنظرين الماركسيين.

شهدت إيطاليا تحولين آخرين منذ أغسطس 2019، أولاً: أُجبرت الرابطة على الانضمام إلى المعارضة بسبب صعود ائتلاف غير متوقع بين الديمقراطيين وحركة النجوم الخمس، التي لا يزال يقودها "جوزيبي كونتي" Giuseppe Conte وهو أكاديمي قانوني ذو جذور راسخة في المؤسسات الكاثوليكية في روما. ثانياً: في خضم جائحة كورونا، استعادت التكنوقراطية كامل سلطتها، بتعيين محافظ البنك المركزي الأوروبي السابق "ماريو دراجي" Mario Draghi رئيساً للوزراء في 2021. قاد "دراجي" ائتلافاً كبيراً وحكومة تضم 9 تكنوقراط و13 عضواً في الحزب. بدت مهمته أقل توجهاً نحو الليبرالية الجديدة، حيث تعين عليه إنفاق المبلغ الكبير الممنوح لإيطاليا من صندوق الإنعاش الأوروبي. مرة أخرى، تعين على الحكومات الإيطالية غير المنتخبة إنقاذ القدرة التنافسية للرأسمالية الإيطالية والأوروبية (هذه المرة في مواجهة الولايات المتحدة والصين). لكن هل يُعد هذا انحرافاً حقيقياً عن الليبرالية الجديدة؟

النيوليبرالية القومية المجرية

عادةً ما تُربط المجر بشبه المحيط الليبرالي الرأسمالي. خرجت من سياسات نيوليبرالية قاسية بمزيج من النيوليبرالية والقومية غير الليبرالية المتمركزة حول العرق. ورغم أن هذا لم يُترجم إلى استبداد كامل، تبنى رئيس الوزراء "فيكتور أوربان" سياسات عرقية وسلطوية متزايدة منذ 2010. ساهمت المجر تاريخياً في الفكر النيوليبرالي، إذ تعود جذوره إلى خمسينيات القرن الماضي وحوار بين الشرق والغرب، حيث استخدم اقتصاديون لغة المدرسة النمساوية لاقتراح إصلاحات وانتقاد التخطيط المركزي. كما في إيطاليا، يمكن تقسيم العصر النيوليبرالي إلى أربع مراحل: الأولى من الانتقال حتى حكومة أوربان الأولى، الثانية 1998-2002 بسياسات محافظة وقومية، الثالثة حتى الانهيار المالي وتدخل صندوق النقد الدولي (2000-2010)، والرابعة عودة أوربان ببرنامج قومي أكثر استبدادية. لعب التكنوقراط دوراً مهماً في التسعينيات خلال الانتقال إلى الرأسمالية ومفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي. كان معهد البحوث المالية منذ السبعينيات ناقلاً رئيسياً للأفكار النيوليبرالية، وأصبحت توصياته عام 1987 أساساً للانتقال إلى اقتصاد السوق. قاد "جوزيف أنتال" أول حكومة بعد الانتقال (1990-1993) وأطلق إصلاحات نيوليبرالية دون علاج بالصدمة، لكنه واجه تقشفاً مع خطة "كوبا". أدى اتباع سياسات صندوق النقد الدولي إلى انتشار الفقر والبطالة، وانقسام المحافظين، وظهور حزب قومي متطرف جديد (MIEP) هاجم بيع الأصول للشركات الأجنبية.

صعود أكبر للقومية الشعبوية

كافأت انتخابات 1994 الحزب الشيوعي المُصلح (MSZP) الذي شكل حكومة مع الليبراليين، ملتزمين بالتكامل الأوروبي. فرضوا خطة تقشف صارمة "حزمة بوكروس" لخفض الرواتب والإنفاق الاجتماعي وتعزيز النمو القائم على التصدير، ما رسخ وضع المجر شبه الهامشي. تمت خصخصة شركات وبيعها لمستثمرين غربيين، ومنحت مناصب للتكنوقراط. لكن غياب برجوازية وطنية قوية أدى إلى صعود القومية الشعبوية. في 1998 فاز ائتلاف يمين الوسط، وأصبح أوربان زعيماً شاباً لحزب فيديس ورئيساً للوزراء. شكّل حكومة نصف وزرائها مستقلون، وعين ليبرالياً وزيراً للمالية، ما أبرز التكامل الغامض بين التكنوقراطية والقومية. اكتسب الخطاب القومي والشعبوي أهمية مع السياسات النيوليبرالية. قدّم أوربان تخفيضات ضريبية وتقشفاً للانضمام للاتحاد الأوروبي، وعزز برجوازية وطنية. ساعده قطب الإعلام "لاجوس سيميسكا" في تمويل الحزب. بعد 2001، عزز الأشغال العامة والبنى التحتية لدعم نخبة اقتصادية وطنية مستقلة. رغم التنافس الأيديولوجي بين القومية والنيوليبرالية، ظلت القومية محدودة بسبب أهمية الانضمام للاتحاد الأوروبي. في 2002 استعاد الاشتراكيون السلطة بفارق ضئيل، لكن تدهور الحسابات العامة وتراجع الاستثمار الأجنبي أدى لتقشف جديد في عهد رئيس الوزراء "جيوركساني" (2004). مهدت ولايته لعودة القومية، خاصة بعد خطابه السري عام 2006 الذي اعترف فيه بالكذب حول الوضع الاقتصادي. أصيب النمو بالركود وتزايدت التصورات بوجود تواطؤ بين النخب الوطنية والأوروبية، ولم يعد ممكناً إخفاء وضع المجر كاقتصاد تابع.

الانهيار الاقتصادي 2008

أثر انهيار أوروبا الغربية عام 2008 بشدة على المجر. دفع العجز وضعف العملة والمديونية "جيوركساني" لطلب دعم صندوق النقد الدولي، مقترناً بفضائح فساد، ما أدى لاستقالته عام 2009. في انتخابات 2010 انتصر اليمين القومي، وحصل حزب فيديس على 52.7% من الأصوات وثلثي المقاعد، ودخل حزب "يوبيك" المتطرف البرلمان، وعاد أوربان رئيساً للوزراء. رغم خطابه عن "الثورة"، لم تحدث ثورة فعلية. يمكن وصف نظامه بأنه "ليبرالية جديدة في بلد واحد"، حيث تتشابك السياسات المؤيدة للسوق مع القومية والعرقية الإقصائية، في مزيج من رعاية اجتماعية محدودة للمجريين "العرقيين" ونيوليبرالية قمعية للآخرين، خاصة الروما والمهاجرين. شهدت المجر في عهد أوربان معدلات متزايدة من الفقر والحرمان. بعد سداد القرض، تخلت الحكومة عن صندوق النقد الدولي، وعززت خطابها المناهض للعولمة والاتحاد الأوروبي، وأعادت تأميم قطاعات استراتيجية. ترافق ذلك مع إشادة بالتجانس العرقي، تعبئة المجريين بالخارج، واعتماد دستور جديد عام 2011 يتضمن إشارات للمسيحية و"الوطن الأم". مع ذلك، لم تحِد المجر عن النموذج النيوليبرالي، إذ اعتمد أوربان ضريبة ثابتة 16%، وبرنامج عمل اجتماعي يلزم العاطلين بالأشغال العامة، مع تخفيضات كبيرة في المزايا الاجتماعية. سُلّمت وزارات رئيسية لخبراء مستقلين، واستمر تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر، خاصة من شركات السيارات الألمانية. تفسر إمكانات المجر كمستقبل للاستثمار الأجنبي محدودية ردود الفعل الأوروبية على سياساتها القومية. تشترك المجر والشركات الأوروبية في مصالح رئيسية، وسياسة أوربان الصارمة بشأن الهجرة ليست جديدة. تستمر المعارضة الاشتراكية والليبرالية في التفكك، وأصبح حزب يوبيك ثاني أكبر حزب. وهكذا، ترسخت "العرقية" كعلامة مميزة لهذا الشكل الغامض من الليبرالية الجديدة القومية.

الاستبداد التقليدي في كازاخستان

تُعد كازاخستان أغنى جمهوريات آسيا الوسطى السوفيتية، بمساحة تقارب الهند (2,724,900 كيلومتر مربع) وعدد سكان نحو 19 مليون نسمة، ولم تتخلَّ عن نهجها الاستبدادي منذ استقلالها عام 1991، لتُمثل نموذجاً لليبرالية الجديدة الاستبدادية. كانت موطناً لسكان رُحَّل، واستوطنها الروس تدريجياً في القرن التاسع عشر، ثم شهدت تحولاً صناعياً مكثفاً في الحقبة السوفيتية أضرّ بالبيئة وبالسكان الأصليين. منذ التسعينيات، مرّ الاقتصاد السياسي بثلاث مراحل: الأولى صراع الدولة الجديدة بقيادة "نزارباييف" مع العواصف النيوليبرالية وترسخ السلطوية، الثانية نمو قائم على الموارد في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، والثالثة آثار "الركود الكبير" والانفتاح على الصين وترسيخ الاستبداد الرئاسي. أدى الاستقلال إلى تحديات كبرى: غياب طبقة حاكمة أو قومية مهيمنة، إذ شكّل الكازاخستانيون 39.7% والروس 37.8% عام 1989، إضافة إلى قربها من روسيا بحدود طولها 7000 كيلومتر. تولى "نزارباييف" قيادة الدولة حتى 2019، متكيفاً مع موسكو، لكنه تبنى أيضاً توجهاً أممياً بحثاً عن فرص اقتصادية غرباً وشرقاً. لكن التحرير الاقتصادي والخصخصة بين 1991-1995 خفضا الناتج المحلي 40%، وانهار القطاع العام، وانتشر الفقر والجريمة. ورغم جذب بعض الاستثمارات، جلبت الخصخصة فساداً ومحسوبية، وظهرت رأسمالية جامحة. عززت الأزمات الاستبداد، فحدّ دستور 1995 من البرلمان، ومدد ولاية نزارباييف عبر استفتاء، ثم دعا لانتخابات بعد حظر منافسه. وفي خطابه عام 1997 أكد أن دور الدولة يقتصر على تهيئة الظروف لعمل المواطنين والقطاع الخاص.

النموذج الكازاخستاني للنيوليبرالية

لم يكن بناء النموذج النيوليبرالي سهلاً، لكن ظهرت منظمات غير حكومية غربية، وتغلغلت النيوليبرالية في الرعاية الاجتماعية، فيما أسهم تأسيس العاصمة "أستانا" في تعزيز الأعمال والاستهلاك. حقق الاقتصاد نمواً بمعدل 10.2% بين 2000 و2007، مدفوعاً بارتفاع أسعار السلع، مما أدى إلى صعود التكتلات الصناعية المالية المرتبطة بالعائلة الرئاسية والنخبة. أصبح صهرا نزارباييف، "كوليباييف" و"علييف"، مليارديرين يقودان إمبراطوريات من النفط إلى الإعلام والأمن. ومع الإرث السوفيتي والتقاليد العشائرية، نشأت أوليغارشية اقتصادية متشابكة. توسعت السلطوية مع التنافسات الأوليغارشية، فحُلّ حزب الاختيار الديمقراطي عام 2005، وتوفي "علييف" في سجن بالنمسا بعد تورطه بجرائم. منذ 2007 حصل نزارباييف على امتيازات إضافية دون أن يصبح رئيساً مدى الحياة. النمو السريع المدعوم بالنفط قوّض فرص التحول الديمقراطي، إذ لم يخلق حوافز لمعارضة الاستبداد. كما أدت "الثورات الملونة" في جورجيا وأوكرانيا وقيرغيزستان إلى مزيد من التشدد في أستانا. في المقابل، عززت الروابط مع أسواق رأس المال العالمية بقاء القيادة وازدهارها. مثال ذلك شركة الموارد الطبيعية الأوراسية في لندن، وشركة "كازاخميس" بقيادة الملياردير "فلاديمير كيم". تعلمت الشركات الكازاخستانية التعامل مع العصر العالمي عبر استغلال الروابط خارج الفضاء السوفيتي. كما أطلقت الحكومة خطط تحديث تكنوقراطية، مستلهمة تجارب شرق آسيا مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية التي جمعت بين النيوليبرالية والاستبداد.

الاتجاه شرقاً

منذ "الركود الكبير"، اتجهت كازاخستان نحو الشرق، خصوصاً الصين، مع استمرار روابطها بروسيا والغرب. نمت التجارة مع الصين بشكل كبير، واستثمرت بكين بكثافة في الطاقة. أصبحتا شريكين استراتيجيين عام 2011، وأطلق الرئيس شي مبادرة الحزام الاقتصادي في أستانا عام 2013. ومنذ 2009، ربطت خطوط أنابيب الغاز والنفط البلدين بعيداً عن روسيا. كما يشتركان في منظمة شنغهاي للتعاون وأهداف مكافحة الإرهاب والانفصالية. لا يوجد دليل مباشر على دعم الصين للاستبداد، لكنها تؤيد مبدأ السيادة وعدم التدخل، ما ينسجم مع النظم السلطوية. نفوذها لا يخدم الديمقراطية، فيما حافظت النخب الكازاخستانية على روابطها الغربية. تزايد ارتباط كازاخستان بعالم الشركات الخارجية والملاذات الضريبية، حيث برزت هولندا وجزر فيرجن كمستثمرين رئيسيين. كما استثمرت الشركات الكازاخستانية في هذه الملاذات لتقليل التكاليف. وبرز الوسطاء وشركات المحاماة كحلقة وصل بين النخب والغرب. أكد مركز أستانا المالي الدولي انخراط البلاد في عالم الشركات الخارجية، مستنداً إلى القانون الإنجليزي وبدعم من بورصتي "ناسداك" و"شنغهاي". وبرزت مجموعة "كاسبي" بطرحها العام الأولي في لندن عام 2020. بدأ الاستبداد كرد فعل على مشاكل النيوليبرالية، لكنه اندمج معها تدريجياً. أصبح الاستبداد القائم على المحسوبية والقومية والتكنوقراطية وسيلة للتواصل مع الاقتصاد المالي العالمي، مانحاً النخب امتيازات وبعض الرخاء للبلاد. ويبقى السؤال: هل يصمد النظام بعد رحيل مؤسسه نزارباييف؟

***

الدكتور حسن العاصي

أكاديمي وباحث في الأنثروبولوجيا

لم يكن الإمام عامر الشعبي -وهو أحد أذكى فقهاء التابعين وأوسعهم إدراكًا لتقلبات الفكر الإسلامي بعد الفتنة الكبرى-، يروي الأمثال عبثًا أو على سبيل التندر. فقد كان ذا نظرةٍ فاحصةٍ في بنية العقول، يُعبِّر عن رؤيته الدينية بلسانٍ رمزي ساخر، لكن يحمل من الفلسفة ما لا يُدركه إلا المتأمل في طبائع الفكر حين ينفصل عن الحكمة.

ومن أبلغ ما رُوي عنه في هذا الباب ما ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى، حيث قال (إن شأن هؤلاء – يعني الخوارج – كرجلٍ مات وترك ثلاثة أبناء: كبيرٍ وأوسطٍ وصغير. فاستأثر الكبيرُ بالمال كلِّه، ولم يُعطِ أخويه شيئًا. فجاء الأوسطُ إلى الأصغر فقال له: أعِنِّي على قتال أخينا الكبير فإنه قد ظلمنا وأخذ حقَّنا. فقال الأصغر: لا أقدر على ذلك ولكن أصبر واحتسب. فعدا الأوسط على الأصغر فقتله، لأنه لم يقاتل معه الكبير).

هذا المثل البسيط في ظاهره ينطوي على تحليلٍ بالغ العمق لظاهرة الغلوّ، إذ يجسّد بنيةً فكرية تتكرّر في التاريخ كلما تحوّل الوعي بالظلم إلى نزعةٍ عدوانيةٍ مغلّفة بثوب الورع. فالأخ الأكبر هنا يرمز إلى (السلطة) التي استأثرت بالأمر بعد انقضاء العدل الأول، والأوسط هو (الخارجي) الذي تأجّجت في نفسه نار الحماسة للدين وطلب الإنصاف، أما الأصغر فهو (الرعية)، الذين آثروا السكينة والانتظار، متوكِّلين على حكم الله لا على سيفه. لكن الكارثة وقعت حين جعل الأوسط الصمتَ جريمة، والحيادَ خيانة، والتوقّيَ من الفتنة نفاقًا، فانقض على من لم يشاركه في الخروج كما لو كان ظالمًا مثل الكبير، فجمع بين التطرّف في الفكرة والعنف في الموقف. وهذه الصورة الدقيقة هي بعينها ما حذّر منه النبي ﷺ في قوله عن الخوارج (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان).

فالشعبي، وهو يتحدث في زمنٍ قريبٍ من وقائع النهروان وما بعدها، لم يكن يستعرض حكاية بل كان يقرأ في جوهر الانحراف الديني في وقته؛ حين يتحوّل الدين إلى وسيلةٍ للتماهي مع الذات المنغلقة على تصورٍ مطلق للحقيقة. فالخوارج لم يبتدعوا باطلهم من فراغ، بل خرجوا من رحم الغيرة على الدين والعدالة، كما قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس (أول تلبيسة عليهم في الدين أنّهم توهّموا أنّهم على غايةٍ من الطاعة، فجعلوا مخالفيهم أعداء الله، فكفَّروا المسلمين وسفكوا دماءهم). وهذا هو لبّ مثل الشعبي، إذ يصوّر الإنسان الذي يبدأ مصلحًا غيورًا ثم ينقلب إلى ظالمٍ متديّن باسم حماية الدين.

ومن لطائف هذا التمثيل أنّ الشعبي لم يجعل الكبير فاسقًا أو خائنًا بالضرورة، بل تركه مجهول الملامح، لأنّ المقصود ليس توصيف السلطة في ذاتها، بل توصيف العقل الذي يُحوّل السلطة إلى ذريعةٍ للخروج، دون ميزانٍ من علمٍ أو فقه. وهذا ما أكّده ابن تيمية بعد قرون حين قال في منهاج السنة (أصل ضلال الخوارج أنهم ظنّوا أنّهم يطيعون الله بقتال المسلمين، ولم يفقهوا معاني الكتاب والسنّة، فاستحلّوا دماء المؤمنين بتأويلٍ فاسدٍ وجهلٍ مركب). وذلك لأن العقل الخارجي لا يعرف التمييز بين الحقّ المشروع والحقّ الموهوم، كما لا يعرف أن العدالة في الإسلام لا تقوم على الغضب بل على الفهم، وأنّ الإصلاح لا يكون بالدم بل بالهداية والتربية.

ولعل أجمل ما في مثل الشعبي أنّه يعبّر عن الحركة النفسية للفكر الخارجي بصدقٍ نفسي نادر. فالأخ الأوسط ليس طالب دنيا، بل هو رمزٌ للإنسان الذي يشعر أنه وحده الذي يملك الحقيقة، فيغتذي من هذا الشعور لذةً أخلاقيةً تُعميه عن رؤية الآخرين. وهنا يكمن ما يمكن أن نسمّيه بـ(مغالطة الطهر)، أي تلك الحالة التي يجعل فيها المرء من نقائه المزعوم مبررًا لإدانة الجميع، ومن إيمانه الشخصي سببًا لاستباحة المخالف. وقد عبّر الغزالي عن هذه الحالة في إحياء علوم الدين بقوله (ما أكثر ما يغترّ المتعبدون بغرورهم فيحسبون الغيرة لله، وهي حميّة للنفس، ويظنون أنّهم يجاهدون في سبيله، وهم إنما يقاتلون في سبيل الهوى). وهذه هي بعينها مأساة الأوسط في مثل الشعبي (غيرةٌ بلا علم، وحميّةٌ بلا بصيرة).

ومن زاويةٍ أخرى، يمكن أن نقرأ هذا المثل في ضوء تطوّر مفهوم الحاكمية الذي صار شعارًا للخوارج، ومن جاء بعدهم من التيارات الحركية التي رفعت راية (لا حكم إلا لله). فلو سُئل الأوسط عن سبب خروجه لقال كما قال أسلافه (نريد أن نُحكم بما أنزل الله). لكنه لم يدرك أنّ الحاكمية ليست شعارًا يُرفع في وجه الحاكم فحسب، بل منظومة قيمٍ تُقام في النفس قبل أن تُقام في الدولة. فحين يرفع الإنسان سيف الدين على أخيه المسلم لمجرّد أنّه لم يشاركه ثورته، فقد جعل من نفسه حاكمًا على نيات الناس، واستبدل سلطان الله بسيفه الخاص. وهذا ما قصده ابن تيمية بقوله (كل من دعا إلى طاعةٍ بغير علمٍ فقد دعا إلى فتنة)، وهي عبارة تصلح أن تُكتب تعليقًا على مثل الشعبي.

وإذا مدّدنا النظر إلى التجارب المعاصرة، وجدنا أن نموذج (الأخ الأوسط) يتكرّر في صورٍ حديثةٍ لا تقلّ خطورة. فكم من جماعةٍ رفعت شعار الإصلاح أو مقاومة الفساد، ثم انتهت إلى تدمير المجتمعات التي خرجت من أجلها، لأنها لم تفرّق بين العدو والمخالف، ولم تميز بين الدين كقيمة والدين كراية سياسية.

والخوارج الجدد، وإن اختلفت أزياؤهم وشعاراتهم، إلا أنهم يحملون العقلية نفسها، يبررون سفك الدم باسم الغيرة على الدين، ويكفّرون من لم يقف في صفّهم باسم الولاء لله، كما فعل الأوسط حين قتل الأصغر لا لأنه ظالم، بل لأنه لم يُقاتل معه الظالم. وهنا يظهر المعنى العميق للمثل (أن التطرف لا يحتاج إلى حجة، بل إلى شعورٍ متضخّم بالحقّ يجرد الآخر من إنسانيته).

وفي سياقٍ مقارب، أشار أبو حامد الغزالي إلى هذا النمط من التفكير في فصلٍ دقيقٍ من فضائح الباطنية، حين قال (إنّ الخطأ في التأويل يُفضي إلى تكفير الأمة بأسرها، حتى لا يبقى في الأرض مسلمٌ غير من وافق رأي المؤوّل، فيسفك الدماء ويزعم أنّه ينصر الله، وهو من أجهل الناس بالله). وهذا التوصيف ينطبق على الأوسط في حكاية الشعبي، إذ جعل من اجتهاده الفردي معيارًا للحقيقة المطلقة، ومن مبايعة الآخرين له دليلَ إيمانهم. ومن هنا ندرك أنّ الإمام الشعبي كان يضرب مثلًا في التحذير من احتكار الصواب أو الحقيقة باسم الدين، لا في سرد حكايةٍ اجتماعيةٍ فحسب.

فالقيمة الفلسفية لهذا المثل إذن تكمن في أنّه يقدّم تصورًا مبكرًا لما يمكن تسميته بـ(انقلاب المعنى الأخلاقي في الفعل الديني)، أي حين يتحول الإحسان إلى عدوان، والغيرة إلى بطش، والإصلاح إلى فوضى. وهو ما يشبه ما سمّاه فلاسفة الأخلاق المحدثون أمثال كانط (1724-1804م)بـ(النية الطيبة المدمّرة)، إذ قد يقود الإخلاص غير العاقل إلى فسادٍ أكبر من النفاق الواعي. فالأوسط كان صادق النية، لكنه أخطأ في فهم المقاصد، فجمع بين صدق الإرادة وسوء الفعل، لأن النية الحسنة وحدها لا تكفي كما ذكر ابن القيم (كم من مريدٍ للخير لم يُصبْه، لأنه لم يزن فعله بميزان العلم والحكمة)، وهي عبارة لو سمعها (الأوسط) لما سالت الدماء بين الإخوة.

وخِتامًا، فإنّ الشعبي لم يورد هذا المثل تندّرًا أو حكاية أدبية، بل أراد أن ينبه العقلاء إلى قاعدةٍ جامعة وهي (لا يُزال الباطلُ بباطلٍ أعظم منه، ولا تُطفأ الفتنةُ بفتنةٍ أشدّ، ولا يُرفع شعار الدين على حساب مقاصده؛ فإنّ العدل لا يُستخرج بروح الانتقام، والحاكمية لله لا تتحقق بتحويل الرأي الفردي أو حماسة الغاضبين إلى معيارٍ للشرع). ولعلّ من أبلغ الشواهد على هذا المعنى ما رُوي عن عمر بن عبد العزيز حين قيل له (إن الناس قد تمرّدوا فقاتِلْهم)، فقال: (إني أكره أن ألقى الله وفي عنقي دمٌ من دمائهم). هنا تتجلّى الحكمة التي غابت عن (الأوسط) في مثل الشعبي، إذ غاب معها التوازن بين الحقّ الإلهي والرحمة الإنسانية، وبين نصّ الشريعة ومقاصدها. فكان مقصد الشعبي تحذيرًا مبكرًا من انقلاب الغيرة إلى غلوّ، وانحراف الإصلاح إلى سفكٍ للدماء باسم الحق.

وعلى هذا، فإنّ المثل الذي ضربه الشعبي ليس مجرّد قصة رمزية عن الخوارج، بل هو مرآة لكل فكرٍ متصلّبٍ يتعامل مع الخلاف بوصفه جرمًا، ومع الصبر بوصفه عجزًا، ومع الحكمة بوصفها خيانة. وهو تنبيه ضد العقلية التي لا ترى في العالم إلا حدّين (أبيض ناصع وأسود حالك)، فتمحو المنطقة الرمادية التي لا يسكنها إلا العقلاء. ولذلك ظل قول الشعبي خالدا، لأنّ الظاهرة التي وصفها لم تنقضِ بزوال الخوارج الأوائل، بل تناسلت في صورٍ جديدة تبنّاها متديّنون غاضبون ظنّوا أنّهم ينصرون الله، وهم في الحقيقة يطفئون نور حكمته.

ولذلك فاستعادة مثل الشعبي اليوم ليست ترفًا بيانيًّا، بل رجوعًا إلى بصيرة مبكرة في فهم السنن الفكرية والاجتماعية؛ إذ إنّ المجتمعات التي ترفع لواء الطهر بلا فقه ولا علم تتحوّل سريعًا إلى ساحاتٍ للدم المقدّس، وتستبيح مخالفيها باسم النية الصالحة. وما لم تُستعدّ الأمة لردّ الغيرة إلى علمٍ، والحماسة إلى حكمة، ستظلّ في كل عصر تُنجب (أوسطًا) جديدًا يثور على (الكبير)، ثم يقتل (الصغير)، ظنا منه أنه يقيم العدل، وهو في الحقيقة يعيد إنتاج الظلم في ثوبٍ ديني مستعار.

***

بقلم د. بدر الفيومي

 

من التصور الفقهي الى التصور القيمي، مقاربة تأسيسية للاجتهاد القيمي فيما لا نص فيه

مدخل: يستمد العقل الفقهي من النص الديني موقفه الاجتهادي في مختلف القضايا والمسائل، موسعاً ومستنطقاً لدلالة النص (قرآنا وسنةً)، لاستنباط المواقف التشريعية تجاه الوقائع والقضايا التي تتصل دلاليا بمنطوق النص او مفهومه، او ما تنتجه طرق الاستدلال والاستنباط، من ربط دلالي بين النص، والواقع.

ومع تقدم الزمن، تستجد كثير من الوقائع، مما حدى بقسم كبير من الفقهاء المسلمين، الى إدراك ما يمكن أن نطلق عليها: (ما لا نص فيه)، من الوقائع التي من المفترض أنها لم يرد فيها نص، أو من غير الممكن شمولها وتغطيتها بدلالة النصوص الشرعية، غير أن قسم آخر من الفقهاء، تنكر لهذه المساحة (غير المنصوص عليها)، إصراراً منهم، على أن العقل الفقهي هو القاصر غالبا، في إدراك المناسبات الدلالية بين النص، ومستحدثات الواقع، وأن بإمكان الموروث الروائي بالجملة، أو في جملة منه، أن يغطي تلك المستحدثات.

فيما اختلف القسم الأول من الفقهاء، بعد تسليمهم بوجود تلك المساحة الفارغة من النص، في تحديد الموقف مما لا نص فيه، عبر مبانٍ واتجاهات عدة، أبرزها:

١- توسيع نطاق الأدلة الشرعية - مضافا الى القران والسنة- ليشمل (العقل، والقياس، والاستحسان، والمصلحة، والعرف، وشرع من قبلنا، وسد الذرائع وفتحها..)، بحسب مبنى كل مذهب..،

٢- تأسيس الأصول العملية التي تعالج موقف الشك في الحكم ودليل الحكم، من خلال الاحتياط والبراءة والاستصحاب، والتخيير، فهذه تعالج موقف الشك بالحكم عندما لا يتم الدليل عليه تبعا للشك في وجود دليله او الشك في شموله بمدلول الدليل..

٣- الدلة الثانوية، والتي تشمل، ما يطلق عليه عند اصوليي الامامية بالدليل اللبي، مثل السيرة العقلائية والارتكاز العقلائي، وما يطلق عليه بسيرة المتشرعة، وما يندرج في العناوين الثانوية مثل حفظ النظام، والاحتياط في الدماء والاعراض، وغيرها من المفاهيم المؤثرة في انتاج الموقف الاجتهادي.

الامر بالمعروف والنهي عن المنكر كفريضة جزئية:

يتناول الفقهاء عادة، فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كفريضة جزئية، ويتصورونها على النحو الآتي:

- كونها فريضة جزئية لا كلية:

فالفقهاء يعدّونها واحدة من جملة الفرائض الشرعية العملية (إلى جانب الصلاة، الزكاة، الصوم…)، وليست أصلاً تأسيسياً عاماً في أصول الاجتهاد.

أي أنها حكم تكليفي فرعي، وليست أصلاً مؤسساً أو قاعدة فوقية تحكم فهم الموقف من الواقعة التي لا نص فيها.

- قيود الفريضة وشروطها:

الفقهاء يقيّدون وجوبها بجملة شروط دقيقة، من أهمها:

- المعرفة بالمعروف والمنكر: فلا يجب إلا على من يعرف الحكم الشرعي.

- احتمال التأثير: فإذا علم المكلف أن كلامه لن يغير، أو سيزيد المنكر، يسقط عنه الوجوب.

- أمن الضرر البالغ: إذا كان في الإنكار ضرر على النفس أو المال أو العرض بدرجة شديدة، يسقط التكليف.

- التدرج في المراتب: يبدأ بالإنكار القلبي، ثم اللساني، ثم اليدوي عند القدرة وضمن شروطه.

- الجزئية التطبيقية:

الفريضة تُمارَس غالباً في المجال الفقهي الأخلاقي الفردي (مثل ترك الصلاة، شرب الخمر، كشف العورة…) أكثر مما تُمارَس في المجال السياسي أو الاجتماعي العام.

ويندر أن يتم توسيعها لتشمل البُنى الاجتماعية والسياسية، بل غالباً تُربط بإذن الحاكم الشرعي أو السلطة.

لذلك فهي أقرب إلى كونها تكليفاً جزئياً فردياً يمارَس في دوائر ضيقة، وليست قاعدة كبرى تُبنى عليها نظم أو منظومات فكرية.

٤- علاقتها ببقية الواجبات:

العقل الفقهي لا ينظر إليها كفريضة تؤسّس لهيمنة الدين على الاجتماع، بل كإحدى الواجبات التي لها أثر في صيانة الفرد والمجتمع من الانحراف، وبحدود ما تسمح به الشروط والقدرة.

ولهذا تراها في الكتب الفقهية تأتي بعد العبادات والمعاملات، كفصل مستقل محدود، لا كمبدأ شامل حاكم.

- في المجال العام اقترن تصور الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بحكم الجهاد، وهو ما أضفى نوعا من المزاوجة بين الحكمين، وهذا ما جعله تابعا بنحو ما لحكم الجهاد.

تحليل مفردة المعروف:

مفردة المعروف، وبالنظر إلى صياغتها الصرفية التي تفيد المعرفة المقطوع برسوخها في وجدان الأمة، والمنكر كذلك، وكأن كلاهما مقطوع بهما في ظائرة الادراك.

وعبرت بوجدان الأمة، لأن المعرفة بحسب الاصطلاح الفلسفي، العرفاني، هي أقرب إلى الإدراك الوجداني منه إلى الإدراك العقلي، وعند الإمعان والملاحظة نجد أنه لم يقل الأمر بالمعلوم، أو الأمر بما يجب أن يعمل أو الأمر بما شرع الله وغيرها من المعاني والاصطلاحات القريبة والمرادفة فالمعروف ما رسخ وانتشر في وجدان الجميع، وهو أقرب إلى القيم الفطرية التي يدركها الجميع من دون تحصيل وكسب، بخلاف المعلوم، وما ينبغي أن يعلم من أحكام التشريع التي يختص بها الفقهاء، وغيرهم من العلماء الراسخين في تعلم شرع الله وأحكامه.

عند هذا التصور يتضح أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو حكم وأمر كلي يتعلق بالمجموع لا بالأفراد، وقوله (الذين يأمرون بالمعروف) أداة عموم يستفاد منها العموم المجموعي أكثر من العموم الاستغراقي.

ويمكن تقرير ان المعروف: كلّ ما أمر الله به أو استحسنه العقل أو أجمع عليه ضمير الإنسان السوي، فهو معروف، تجب الدعوة إليه والعمل به.

اتجاهان في تصور المعروف:

1.  الاتجاه الواقعي (التحليلي)

يرى أن المعروف نتاجٌ لعقل عمليٍّ يبحث عن المصلحة، فالقيمة تُفهم بقدر منفعتها الاجتماعية.

مثل اعتمادهم على الوفاء بالعهد، أو صدق الخبر، لأنها تحفظ النظام الاجتماعي.

2.  الاتجاه القيمي (المعياري)

يرى أن المعروف ليس مجرد نفعٍ اجتماعي، بل هو تعبير عن إدراك فطري للخير؛ فالقيمة متجذرة في كيان الإنسان قبل التجربة.

محاولة المقاربة التأسيسية:

يمكن عقد مقاربة تأسيسية للمعروف والمنكر كواقع قيمي مؤثر في توجيه الاستنباط فيما لا نص فيه، عبر محاولة ضبط (إدراك القيمة)، كمؤثر فاعل في إنتاج الموقف الاجتهادي فيما لا نص فيه، وضمان حاكمية الإطار المرجعي لقيم النص التشريعي، في مجالها القطعي، وعقد المقاربات والمناسبات بين الموضوعات من جهة، والقيم المنتجة للأحكام، من جهة أخرى، ولا بد من عرض أبرز الكليات التي تسهم في إنضاج هذه الرؤية:

1. المبدأ الجامع

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليسا أحكاماً جزئية فقط، بل آلية مستمرة لحفظ القيم والمعايير في الواقع،

و"ما لا نص فيه" هو فضاء واسع تُترك فيه التفاصيل للفقيه وفق مبادئ الشريعة، وكلاهما يمثلان مساحة مفتوحة للاجتهاد، ويُبنى عليهما تفاعل الدين مع الواقع.

2. التأسيس القيمي

المعروف والمنكر مفهومان مفتوحان، يتغيران بتغير العرف والعقل الجمعي ما لم يخالفا النصوص القطعية، وهذا الانفتاح شبيه بمساحة "ما لا نص فيه"، إذ يُرجع فيه إلى المقاصد والقيم الكبرى.

وعليه فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمثلان منهجية حية لمعالجة المستجدات، لا مجرد واجب أخلاقي فردي.

3. الوظيفة الاجتهادية

في المسائل التي لا نص فيها، المرجع هو الاجتهاد المستند إلى القواعد الكلية (العدل، رفع الحرج، حفظ الضروريات)، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المرجع هو الوعي بالمصلحة والمفسدة المعروفتين، أي قراءة الواقع في ضوء الراسخ والمستقر من القيم.

4. البعد الاجتماعي والسياسي

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس فرديًا فقط، بل له بُعد مؤسساتي (كما في الحسبة قديمًا أو الرقابة الاجتماعية حديثًا)، و"ما لا نص فيه" عادة ما يفرز تشريعات مدنية أو أعراف اجتماعية يحتاج المجتمع لتنظيمها.

والمقاربة: كلا المجالين يبرزان أن الدين لم يرد أن يُحيل المجتمع إلى نصوص جاهزة فقط، بل إلى آليات دائمة تتضمن تفاعلا بين العقل والنص لإنتاج الحلول.

5. النتيجة التأسيسية

يمكن القول إن:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الإطار العملي لحماية مقاصد الدين في فضاء ما لا نص فيه.

بينما النصوص المحدودة تضبط "الحدود"، فإن هذه الفريضة تضمن أن القيم تبقى حيّة وفاعلة في مواجهة المستجدات.

خلاصة:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمكن أن يمثلا أداة تأسيسية لمواكبة ما لا نص فيه، عبر تفعيل القيم الكبرى للشريعة في كل زمان ومكان، من خلال سعة مدلول المعروف لكل ما يتسق مع القيم، وسعة مدلول المنكر لكل ما هو مخالف للقيم.

تبقى اشكالية الضبط والتحديد، وحلها منوط بتأسيس منظومة قيمية مستندة الى النصوص والثوابت، تحكي عن مقولة المعروف، في إطار نظري مرن.

***

د. أسعد عبد الرزاق الأسدي

يُعرِّف منَّاع القطَّان الإعْجازَ بقوله: " الإعجاز: إثبات العجز، والعَجْزُ في التَّعارف: اسمٌ للقُصُورِ عن فِعل الشَّئ، وهو ضِدُّ القُدْرة، وإذا ثَبُتَ الإعجاز ظهرت قدرة المعجز.والُمَرادُ بالإعْجَازِ هُنا إِظْهَار صِدْقِ النَّبي (صلى الله عليه وسلم) في دَعْوى الرِّسَالةِ بإظهار عَجْز العَربِ عن معارضته في مُعجِزته الخَالِدة وهي القُرآن الكريم، وعَجز الأجيال بعدهم، والمعجزةُ هي أمرٌ خارِقٌ للعَادَةِ مَقْرونٌ بالتَّحَدِّي سالمٌ عن الُمعارضَةِ.

و المُسْتقرئُ بتدبر لآياتِ الذِّكْرِ الحَكِيْم يُدرك على الفورِ ما لها من أسلوب فريد ونظام منحها خصوصية عن الأساليب البيانية واللغوية الأخرى وحفظها من الدخيل والاختلاف واللحن،وللقرآن الكريم روعة تهتز لها النفوس والقلوب والألباب، وله وقْعٌ عجيب تخشع له القلوب،  وهذا ليس بغريب على كتاب أنزله ربُّ السموات والأرض، ومما يحفظه القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي لنا من أثر هذا الوقع هو ما استشعر به مشركو مكة وهم أهل البلاغة والبيان والإفصاح حينما استمعوا إلى آيات القرآن الكريم، وحينئذ عرفوا عظمته وإعجازه اللغوي والبياني، لكن الكبر والغرور هو الذي منعهم من الإيمان به وبما جاء فيه.

وقد استطاع الوليد بن المغيرة يوم سماعه القرآن، أن يصف بدقة بالغة أثره في النفوس، حيث قال: (والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما هو بكلام بشر). وكل منصف للحقيقة يُقرُّ أن الأسلوب الذي جاء عليه القرآن الكريم، والنسق الذي صيغت عليه آياته، أمر في غاية الروعة والبيان، ولا عجب في ذلك، فهو كلام رب العالمين، وهو ]أحسن الحديث[ (الزمر:23)،ويقول تعالى: ]ومن أصدق من الله حديثا[ (النساء:87).وكما يذكر الأستاذ سيد قطب في كتابه " التصوير الفني في القرآن الكريم" أن القرآن الكريم سحر العرب منذ اللحظة الأولى، سواء من شرح الله صدره للإسلام، ومن جعل على بصره منهم غشاوة، وقصة إيمان عمر بن الخطاب (رضي اله عنه) وقصة تولي الوليد بن المغيرة نموذجان من قصص كثيرة متعددة للإيمان والتولي وكلتاهما تكشفان عن هذا السحر القرآني الذي أخذ العرب منذ تلك اللحظة الأولى.

ومن المتكلمين من أشار إلى الصِّرفة كمبررٍ للإعجاز القرآني، والصِّرفة في نظر أهل الكلام والمتكلمين هي أن الله صَرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها، فكان هذا الصرف خرقاً للعادة. والمرتضي يرى الصِّرفة أن الله سَلب العربَ العلومَ التي يحتاجون إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: " ومما يبطل القول بالصرفة، أنه لو كانت المعارضة ممكنة، وإنما منع منها الصرفة، لم يكن الكلام معجزاً وإنما يكون المنع معجزاً، فلا يتضمن الكلام فضلاً على غيره في نفسه".

والقول بالصرفة قول فاسد يرد عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً) (سورة الإسراء:88 ـ 89).

ولقد تحدى الله (عز وجل) العرب بالقرآن الكريم، وهم كانوا في قمة البلاغة والفصاحة والبيان، ورغم ذلك التفوق اللغوي نزل القرآن الكريم يتحداهم فيما برعوا فيه فسجلوا عجزهم أمامه مما يدل على أن العجز بغيرهم ألصق، ولقد تحداهم الله (عز وجل) أن يأتوا بمثله، يقول تعالى: ] أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ[ (سورة الطور:33ـ34)، ويقول تعالى: ] أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ[ (هود:13).

والحديث عن فضل القرآن الكريم على لغة العرب لا يحتاج إلى دليل، فقد علم ولا يزال يعلم أهل الأرض كافة أن اللغة العربية تبوأت مكانتها تلك بسبب كونها وعاءً لكلام الله تعالى، ولأجل ذلك قامت العلوم المختلفة لخدمتها ثم صارت اللغة العربية لغة العلم والحضارة، بجانب كونها لغة العبادة والتعبد، ولعل من أسباب هذا السحر البياني الذي تمتعت به آيات القرآن الكريم التناسق والتكامل في اللفظ والمعنى.

وفي هذا الصدد يشير الدكتور السيد تقي الدين إلى أن القرآن الكريم يقدم إلينا لوحات فنية أدبية وقد حدد لنا مثلاً أعلى في الحياة والفن، ورسم للفكر خريطة تستمد خيوطها من تلك الينابيع والمناهل الفياضة. وهذا ما أكده أيضاً الدكتور محمد دراز من أن القرآن الكريم كتاب أدبي وعقيدي في نفس الوقت ونفس الدرجة.

ويشير الباحث السيد سبيط إلى وجه من وجوه الإعجاز القرآني حيث إن في القرآن نظاماً محكماً شديد الصرامة، منتشراً في جميع أجزائه، بحيث ان اللفظ – مفردة كان أو حرفاً- والترتيب والتسلسل المعيَّن للألفاظ في كل تركيب هو جزء من هذا النظام، والخطأ في تصوّر شيء منه في أي موضع يؤدي إلى الخطأ في تصور فروع كثيرة متصلة بذلك الموضع. وخلص مصطفى صادق الرافعي إلى نتيجة السحر القرآني البياني ومدى تأثيره في الودان والألباب من حيث نظمه وأسلوبه، وطرائق نظمه، ووجوه تراكيبه، ونسق حروفه في كلماته في جمله، ونسق هذه الجمل،و هو وجه الكمال اللغوي. والحرف الواحد من حروف القرآن في موضعه من الإعجاز الذي لا يغني عنه غيره في تماسك الكلمة، والكلمة في موضعها من الإعجاز في تماسك الجملة، والجملة في موضعها من الإعجاز في تماسك الآية.

ومن وجوه الإعجاز القرآني اتساقه وائتلاف حركاته وسكناته، ومدّاته وغنّاته... وهذا هو (ما) استرعى الأسماع واستهوى الأفئدة بصورة لا يمكن أن يصل إليها أي كلام آخر سواء أكان شعراً أم نثراً. فكان ذلك الاتساق الفريد كالسور المنيع لحفظ القرآن الكريم بحيث لو داخله شيء من كلام الناس لاعتلّ مذاقه، واختلَّ نظامه. فالقرآن الكريم كله وحدة مترابطة؛ من حيث قوة الموسيقى في حروفه وتآخيها في كلماته، وتلاقي الكلمات في عباراته ونظمه المحكم في رنينه... وكأنَّ المعاني مؤامنة للألفاظ، وكأنَّ الألفاظ قطِعتْ لها وسويت حسبها.

ومن معجزات القرآن أنه يخاطب العقل والقلب معاً، فتجد له وقعاً على كليهما، وجعله الله شفاء للقلوب ورحمة ونور، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ [ (يونس: 57)، وقال:تبارك وتعالى:  (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً [ (الإسراء:82)، كما أن معظم القرآن إنما يخاطب العقل ويحثه على التفكر في خلق الله كالسماوات والأرض وإمعان النظر في الكون وفي الأنفس والآفاق وجعل ذلك وسيلة للوصول إلى الإيمان بالله، قال تعالى: (أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [  (الأعراف:185).

وقد جعله الله تعالى مصدراً لتثبيت النفس وعونها على الصبر ومصدر هداية وتبشير للمؤمنين كما ثبت به الله تعالى فؤاد النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [ (النحل: 102)،كما جعله مصدر راحة واطمئنان للمؤمن، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [ (الرعد: 28)، وكم أسعد هذا القرآن قلوباً مولعة ومشتاقة للرحمن ومتعطشة للقاءه، فتجد كلامه تعالى خير دواء وسكن ينزل برداً وسلاماً على القلب والروح فتسعد النفس بترتيله فما أعظمها نعمة هي نعمة القرآن،وهذا إنما يفهمه ويشعر به المؤمن كامل الإيمان الذي يتوق للقاء الرفيق الأعلى.

وسيبقى هذا القرآن معجزاً بلفظه ومعناه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا[ (سورة النساء:82).إن هؤلاء المنافقين والذين فى قلوبهم مرض قد خيب الله سعيهم، وكشف خباياهم، ورأوا بأعينهم سوء عاقبة الكافرين وحسن عاقبة المؤمنين، فهلا دفعهم ذلك إلى الإِيمان وإلى تدبر القرآن وما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات وأخبار صادقة، وأحكام حكيمة، تشهد بأنه من عند الله، ولو كان هذا القرآن من عند غير الله أى من إنشاء البشر لوجدوا في أخباره، وفى نظمه، وفى أسلوبه، وفى معانيه اختلافاً كثيراً فضلا عن الاختلاف القليل، ولكن القرآن لأنه من عند الله وحده قد تنزه عن كل ذلك وخلا من كل اختلاف سواء أكان كثيراً أم قليلا.

فالمراد بالاختلاف هنا هو تباين النظم، وتناقض الحقائق، وتعارض الأخبار وتضارب المعانى، وغير ذلك مما خلا منه القرآن الكريم لأنه يتنافى مع بلاغته وصدقه. وفى ذلك يقول صاحب الكشاف: قوله تعالى: (لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [ أى: لكان الكثير منه مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه فكان بعضه بالغا حد الإِعجاز. وبعضه قاصراً عنه تمكن معارضته، وبعضه إخباراً يغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخباراً مخالفا للمخبر عنه، وبعضه دالاً على معنى صحيح عند علماء المعانى، وبعضه دالاً على معنى فاسد غير ملتئم.فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائقة لقوى البلغاء، وتناصر معان، وصدق أخبار دل على أنه ليس إلا من عند قادر على ما لم يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه.

فالآية الكريمة تدعو الناس فى كل زمان ومكان إلى تدبر القرآن الكريم وتأمل أحكامه، والانقياد لما اشتمل عليه من توجيهات وإرشادات وأوامر ونواه، ليسعدوا فى دنياهم وآخرتهم. فالتناسق المطلق الشامل الكامل هو الظاهرة التي لا يخطئها من يتدبر هذا القرآن أبدا، ومستوياتها ومجالاتها , مما تختلف العقول والأجيال في إدراك مداها. ولكن كل عقل وكل جيل يجد منها – بحسب قدرته وثقافته وتجربته وتقواه – ما يملك إدراكه , في محيط يتكيف بمدى القدرة والثقافة والتجربة والتقوى. ومن ثم فإن كل أحد , وكل جيل , مخاطب بهذه الآية. ومستطيع – عند التدبر وفق منهج مستقيم – أن يدرك من هذه الظاهرة – ظاهرة عدم الاختلاف، أو ظاهرة التناسق – ما تهيئه له قدرته وثقافته وتجربته وتقواه.

القَرَائِنُ اللَّفْظِيَّةُ:

من أبرز معالم إعجاز القرآن الكريم ظاهرة القرائن اللفظية، وهي ذات التأثير الخاص على الوضع اللغوي والتي تسبب صرف اللفظ عن معناه الحقيقي، وهذا هو الشيء الذي يحصل في الاستعمالات المجازية بما للمجاز من مدلول عام يشمل الاستعارة والكناية وغيرهما.وقبل الخوض في الحديث عن القرائن اللفظية في القرآن الكريم يجدر بنا أن نلقي نظرة سريعة بغير إخلال أو تفريط عن مصلح القرينة وما يرتبط بها من مواضعات ومصطلحات أخرى.

القرينة لغة:

القرينة في اللغة مأخوذة من المقارنة، وهي المصاحبة، ويعرفها اللغوي ابن فارس في كتابه "معجم مقاييس اللغة" بأنها: " يقال فلان قرين فلان، أي مصاحب، ويقال قرنت الشئ بالشئ وصلته به، وتطلق القرينة على نفس الإنسان لاقترانا به، كما تطلق على الزوجة، فيقال فلانة قرينة فلان أي زوجته".

القرينة شرعاً:

يؤكد الشيخ صالح السدلان (1416هـ) على أنه لم يتعرض لتعريف القرينة في الاصطلاح الشرعي إلا المحدثون، ولم يعرفها الفقهاء القدامى ولكن استعملوها بألفاظ مترادفة مثل: القرائن والعلامات والأمارات. ويرجع الشيخ السدلال السبب في ذلك إلى ظهور معناها ووضوح دلالتها على المراد بها.

وممن تعرض لمواضعة القرينة من الجهة الشرعية الشريف الجرجاني في كتابه التعريفات فقال عنها: " إنها أمر يشير إلى المطلوب ". أما مصطفى الزرقاء فيعرفها بأنها: " كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً وتدل عليه، وهي مأخوذة من المقارنة بمعنى الموافقة والمصاحبة". أما الشيخ عبد العال عطوة فيعرفها بأنها: " الأمارة التي تدل على أمر خفي مصاحب لها بواسطة نص أو عرف أو سنة أو غيرها". وتنقسم القرينة في الشريعة الإسلامية إلى ثلاثة أقسام رئيسة وهذا ما أشار إليه الشيخ صالح بن غانم السدلال، حيث حدد هذه الأقسام فيما يلي:

(أ‌) القرينة باعتبار مصدرها.

(ب‌) القرينة باعتبار علاقتها بمدلولها.

(ت‌) تقسيمها باعتبار قوة دلالتها.

القرينة قانوناً:

أما رجال القضاء والقانون فيرون القرينة أنها ما يستنبطه المشرع أو القاضي من أمر معلوم للدلالة على أمر مجهول. وهذا ما قضت به محكمة النقض المصرية في تعريفها لمفهوم القرينة بأنها استنباط أمر مجهول من واقعة ثابتة، بحيث إذا كانت هذه الواقعة محتملة وغير ثابتة بيقين، فإنها لا تصلح مصدراً للاستنباط.

وقد أشار أستاذنا الدكتور تمام حسان في كتابه الماتع " البيان في روائع القرآن " إلى القرينة اللفظية بأنها عنصر من عناصر الكلام يستدل به على الوظائف النحوية " فيمكن الاسترشاد بها أن نقول هذا اللفظ فاعل، وذلك مفعول به ". ويذكر أن مثل هذه القرائن كمثل معالم الطريق التي يهتدى بها المرء إلى المكان الذي يقصده. وتختلف القرائن باختلاف اللغات، ومن القرائن اللفظية في اللغة العربية قرينة البنية والإعراب والربط والرتبة والتضام، والسياق.

قرينة البنية:

قرينة البنية هي دلالة صورة الكلمة على المعنى النحوي، بمعنى آخر القرينة هي الدليل، أما البنية فهي كما يعرفها الدكتور تمام حسان إطار ذهني مجرد للكلمة المفردة وليست الكلمة ذات المعنى المفرد.

قرينة الرتبة:

هي قرينة نحوية ووسيلة أسلوبية، أي أنها في النحو قرينة على المعنى وفي الأسلوب مؤشر أسلوبي ووسيلة إبداع وتقليب عبارة واستجلاب معنى أدبي.

قرينة السِّياقِ:

يشير الدكتور أنس وكاك في دراسته المعنونة بـ " السياق وأهميته في سلامة الاستدلال" إلى قرينة السياق بقوله: " المتعلق والبعد والمجرى الذي يأتي الكلام منصبا فيه، فسياق الكلام أسلوبه ومجراه الذي يجري فيه. والسياق من حيث هو قرينة كبرى أو مجموعة قرائن صغرى ينقسم قسمين: سياق لغوي (مقالي) يعتمد على القرائن اللغوية التي يتضمنها الدليل و يستدل بها على مدلوله من جهة اللفظ والمعنى لتحديد المعنى اللغوي، أو ما يعبر عنه البعض بالمعنى النحوي أو الوظيفي للجملة.

وسياق غير لغوي (مقامي) يعتمد على سائر القرائن الأخرى المرتبطة بالـدليل والمدلول لتحديد مراد المتكلم بحسب مقتضى الحال،و هذا المعنى المقصود في خطاب المتكلم هو ما يعبر عنه البعض بالمعنى الوظيفي المراد من الخِطاب، ومقتضى الحال يشمل عناصر كثيرة تتصل بالمخاطِب والمخاطَب وسائر الظروف التي تحيط بالخِطاب، وهذا قدر زائد على مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة، ألا ترى إلى اختلاف الغاية التي تساق من أجلها القصة في القرآن، فتذكر بعض معانيها الوافية بالغرض في مقام، وتبرز معان أخرى في سائر المقامات حسب اختلاف مقتضيات الأحوال.

ويؤكد الدكتور تمام حسَّان على اعتبار قرينة السياق في تحديد المعنى المراد من النَّص، وبيان اعتماد هذه القرينة على مختلف القرائن من داخل النص وخارجه، بقوله: "وهكذا تمتد قرينة السياق على مساحة واسعة من الركائز، تبدأ باللغة من حيث مبانيها الصرفية وعلاقاتها النحوية ومفرداتها المعجمية، وتشمل الدلالات بأنواعها من عرفية إلى عقلية إلى طبيعية، كما تشتمل على المقام بما فيه من عناصر حسية ونفسية واجتماعية كالعادات والتقاليد ومأثورات التراث، وكذلك العناصر الجغرافية والتاريخية، مما يجعل قرينة السياق كبرى القرائن بحق؛ لأن الفرق بين الاستدلال بها على المعنى، وبين الاستدلال بالقرائن اللفظية النحوية كالبنية والإعراب والربط والرتبة والتضام، هو فرق ما بين الاعتداد بحرفية النَّص والاعتداد بروح النص، وقرينة السياق هي التي يحكم بواسطتها على ما إذا كان المعنى المقصود هو الأصلي أو المجازي، وهي التي تقضي بأن في الكلام كناية أو تورية أو جناسا، وهي التي تدل عند غياب القرينة اللفظية على أن المقصود هذا المعنى دون ذاك؛ إذ يكون كلاهما محتملا".

المشْتَركُ اللَّفظِي:

يعرف ابن فارس المشترك اللفظي في كتابه معجم مقاييس اللغة بأنه: " اللَّفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين فأكثر دلالة على السواء عند أهل اللغة". وظاهرة الاشتراك اللفظي من بين أهم الظواهر التي تمتاز بها اللغة العربية.

وقد بحث عُلَماءُ اللُّغة القدماء في هذه الظاهرة كما اختلفوا في وجودها وفوائدها وتفرقوا فريقين، فريق منكر وفريق قائل بالظاهرة مدافع عنها،كما احتج كل منهما بعلل واستدلالات بغية إثبات صحَّة مذهبِه ودَحض مذْهَب معارضه.

ويعد سيبويه (ت 180 هـ) هو أوّل من أشار إلى المشْترك اللَّفظي حيث ذكره في تقسِيمات الكلامِ في كتابهِ قائلا: "أعلم أنّ من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين واختلاف اللَّفظين والمعنى واحد واتفاق اللَّفظين واخْتلافِ المعنيين، واتفاق اللفظين والمعنى مختلف، قولك: وجدت عليه من الموجدة ووجدت إذا أردت وجدان الضالّة "وأشباه هذا كثير".

أما الإمام الشَّوكَاني فيرى المشترك اللَّفظي أنه: "اللَّفظةُ الموضوعةُ لحقيقتين مختلفتين، أو أكثر، وضعا أولا، من حيث هما كذلك. فخرج بالوضعِ، ما يدل على الشَّيء بالحقيقة، وعلى غيره بالمجاز، وخرج بقيد الحيثيَّة، المتواطئ. فإنه يتناول الماهيات المختلفة، لكن لا من حيث هي كذلك، بل من حيث إنها مشتركة في معنى واحد". بينما يذهب تاج الدين السبكي إلى أنه "اللفظ الواحد، الدال على معنيين مختلفين، أو أكثر، دلالة على السواء، عند أهل تلك اللغة. سواء كانت الدلالتان مستفادتين من الوضع الأول، أو من كثرة الاستعمال، أو كانت إحداهما مستفادة من الوضع الأول، أو من كثرة الاستعمال. أو كانت إحداهما مُستفادة من الوضع، والأخرى من كثرة الاستعمال.

ومن قولنا الواحد، احتراز عن الأسماء المتباينةِ والمترادفة، فإنه يتناول الماهيّة، وهي معنى واحد، وإن اختلفت محالها. وقولنا عند أهل تلك اللغة إلى آخره، إشارة إلى أن المشترك، قد يكون بين حقيقتين لغويتين، أو عرفيتين، أو عرفية ولغوية.

الفِرَاسَةُ:

يُعرِّف ابن العَربي الفِراسَةَ بكسر الفَاء بأنها هي التَّوسُّمُ ـ تَفَعُّلٌ من الوسم ـ وهي العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها. وهناك ثمة فوارق بين القرينة والفريسة وأضا نقاط اتفاق، منها أن كلا من القرينة والفراسة متفقتان في أن كلا منهما علامة، ولكن القرينة علامة ظاهرة محسوسة، أما الفراسة فإنها تعتمد على حجج وأمور غيبية خفية لا يدركها إلا المتفرس. والقرينة قابلة للإثبات، أما الفراسة فلا يمكن إثباتها بطريق الشهادة.

قَرِيْنَةُ السِّيَاقِ:

السِّياقُ في مجال تفسيرِ القُرآن لا يمكن الحديث فيه بمعزلٍ عن علمِ المناسبة أو التَّناسبِ؛ لأنه قد ينظر إليه نظرةً أعم، فيتجاوز المفسِّر النظر في لُحمة المقاطع المتَّصلة إلى ما هو أشمل من ذلك، وهو النظر في سياق السورة كلها، وكيف انتظمت معاني يأخذ بعضها بحجز بعض، وهو في ذلك يوضح المناسبات الخاصة بين آية وأخرى داخل السورة موضع الدرس، أي: دون أن يطغى الاهتمام بالسياق الأعم على السياق الأخص.

بل منهم من عُني بدرس التنــاسب والمشاكلة في القرآن كله كما فعـل الإمام أبو جعفر ابن الزبير شيخ أبي حيان، وبرهان الدين البقاعي في كتاب سماه: "نظم الدرر في تناسب الآي والسور"، والسيوطي في كتابه: "تناسق الدرر في تناسب السور". وممن عُني به من المفسرين الإمام الفخر الرازي في "مفاتيح الغيب"، وأبو حيان في "البحر المحيط"، وهو علم غزير جدا قلت عناية العلماء به.

وممن عُني به –أيضا– من المعاصرين صاحب الظِّلال؛ فإنه نظر إلى السياقات العامة لكل سورة على حدة، وبين أن كل سورة سيقت لخدمة هدف معين، وأن جميع عناصر السورة وإن بدا بينها – أحيانا- في الظاهر شيء من عدم التناسب، فهي كلها في خدمة السياق العام للسورة. وقال القاضي أبو بكر ابن العربي في "سراج المريدين": "ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، منتظمة المباني علم عظيم، لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة،ثم فتح الله ـ عزَّ وجل ـ لنا فيه، فلما لم نجد له حَمَلة،و رأينا الخلق بأوصاف البطالة،ختمنا عليه،و جعلناه بيننا و بين الله،و رددنـاه إليه".

أَنْواعُ التَّناسُبِ:

ينقسم التناسب إلى عدة أنواع منها؛ تناسب الجزاء وهذا النوع من التناسب يكثر وقوعه في الآيات التي تضمنت الإشارة إلى جزاء الله على الأفعال السيئة؛ كالاستهزاء، والخداع، والمكر، والنسيان، ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم ما يلي من الآيات الكريمة:

] وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) [ (البقرة:14ـ15).

] إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً[ (النساء:142).

] وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [ (آل عمران:54).

ومن أنواع التناسب أيضاً ومن أنواع التناسب تناسب الجنس، وهو كثير في القرآن الكريم، والمراد من هذا النوع: استعمال لفظين، يجمعهما أصل واحد في اللغة، للدلالة على معنيين، ويسمى عند البلاغيين (الجناس). وتناسب الجنس، إما أن يكون تناسباً بين اسم وفعل، وإما أن يكون تناسب الجنس تناسباً بين فعلين، وإما أن يكون التناسب بين اسمين. ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم الآيات الكريمة التالية:

] يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ[ (البقرة: 267).

] قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ[ (الأنعام: 164).

] وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [ (الأنعام:9)

] وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [ (آل عمران: 14).

وأيضاً من أنواع التناسب ما يسمى بالتناسب الصوتي؛ وهذا النوع من التناسب يكون بين كلمتين لا يجمعهما أصل لغوي واحد، وإنما الذي يجمع بينهما تجانس الصوت، الذي يحسن في أذن المستمع، من أمثلة هذا النوع قوله تعالى:

(أ‌) ] قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [ (البقرة:144).

(ب‌)  [وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ (التوبة: 61).

(ت‌)  [ ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ [ (غافر: 75).

(ث‌)  [ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [ (الكهف: 104).

وآخر ما نورده في هذا المقام من أنواع التناسب في القرآن الكريم ما عُرِف بالتناسب البياني؛ وهو أن تكون هناك وحدة بين أجزاء الصورة البيانية، فلا تتنافر جزئياتها، بل تكون متآلفة غاية الائتلاف، ومنسجمة نهاية الانسجام. ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم:

(أ‌) ] هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور [ (الملك: 15).

(ب‌) [أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71) [ (المؤمنون: 70ـ71).

(ت‌) [لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) [ (الأنعام: 103ـ104).

أقْسامُ السِّياقِ اللَّفْظِي:

النظم القرآني معجز ليس له نظير، وكثيراً ما يمكن الوصول الى معانيه من خلاله، فينظر إلى السياق وما به من قرائن تدل على المعنى بدقة، فيكون الإستدلال بها على الحقائق في التفسير. ويقسم السياق اللفظي على أساس قرب او بعدها فيه على قسمين: سياق لفظي متصل وهو (البسيط). وسياق لفظي منفصل، وهو (المركب).

أولاً ـ – السِّياقُ اللَّفظِي المُتّّّصِل (البسيط):

إن القَرينةَ الدَّلاليّةَ السِّياقيّةَ، هي التي تكون في مجرى الكلام ونسقهِ، ويُراد بها ما يُصاحِب النص من دلالاتٍ وإشاراتٍ كاشفةٍ عن معناه، إذ إن هذه القرائن هي السبيل الرَّئيس للوصول إلى المعنى الحقيقي المراد للنص – أي نص – ولا سيما إذا كان هذا النص على مستوى عال من البلاغة كنص القرآن الكريم، فيكون الاحتكام إلى النص القرآني نفسه من خلال سياقه للكشف عن المعنى المراد في الآيات الكريمة كالإيجاز بالحذف، والتقديم والتأخير والتكرار. فصارت هذه القرائن منارَ المفسرين للوصول إلى المراد وحجتهم في خلافاتهم، ومناظراتهم في إثبات ما يعتقدون.

وقد نبَّه الإمام علي (رضي الله عنه) على هذا النوع من القرائن في (نهج البلاغة)، في ضوء وصفه القرآن الكريم، إذ يقول: ((كتاب الله، تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض)، فهو (رضي الله عنه) يتحدث عن تفسير القرآن بالقرآن، في ضوء قول الله : (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (القيامة: 17-19)، وهو أسلُوبٌ تبنَّاه كثيرٌ من المفسرين، من القدماء والمحدثين، ويحصل بالقرائن السياقيّة للكشف باللَّفظ المفردِ أو المركبِ عن معنى لفظ مفرد أو مركب، قريب منه في الكلام غير بعيد عنه، وهو فيما تبيّن بعد البحث أنه ثلاثة أنواع: متقدم، ومتأخر، ومكتنف.

ويُعَد هذا الأسْلُوبُ أفضل أسَاليب تفسيرِ القرآن؛لأنه ينبع من داخلِ النَّص المعجز الكريم لا من خارجه، إذ إن كلام الله – تعالى – إذا كان شَاهداً لكلامِ الله، فهو خيرُ شَاهدٍ، ودونه كل الشَّواهد . والقَرينة الدَّلاليّة السِّياقيَّة في القُرآنِ الكَريم لها ثلاثة رتبٍ أو مواضع: متقدمة على اللَّفظة التي تفسرها، أو متأخرة عنها، أو مكتنفة لها من جانبيها السّابق لها واللاحق بها، وجميعها من داخل النص القرآني.

(أ) القَريْنَةُ المُتَقدّمةُ:

وهي القرينة اللفظية السياقية التي تسبق ما تفسره وتدل عليه، إذ تتقدم في صورة من الصور، بأن تكون قريبة منه، وغير تالية له. ومن أمثلة هذه القرينة السياقية، ما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى، يصف المشركين حين يُدعون إلى الإيمان وسماع القرآن: (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) (المدثر: 50-51)، فشُبِّه المشركون من حيث حالهم في الإعراض عن سماع القرآن بالحُمر الوحشية المستنفرة، وهي التي فرت خوفاً وهلعاً من شيء يطاردها.

ومثال القرينة المتقدمة أيضاً قوله تعالى:(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (فصلت: 34)، فقد فُسِّرت الآية تفسيرات عِدّة، منها: أن الله أمر المؤمنين بالصبر عند الغضب والحلم والعفو عند الإساءة. وقيل: إنه خطاب للنبي محمد r في أن يدفع بحقهِ باطلهم وبحلمه جهلهم وبعفوه إساءتهم. فإذا دفع خصومه بلين ورفق ومداراة صار، عدوه في الدين كأنه وليه القريب في دينه وحميمه في النسب. وقيل معناه: لا تستوي الملة الحسنة التي هي الإسلام، والملة السيئة التي هي الكفر، وفُسّرت أيضاً بأن شعارها: ادفع بالسلام على من أساء إليك.

ومن القرائن السياقية المتقدمة أيضاً، قوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً) (الكهف:12). ففي الآية الكريمة وردت لفظة (البعث)، والبعثُ لغةً، هو: الإرسالُ، كبعثِ الله من في القُبورِ . ولفظُ البعثِ تختلف دلالته بحسبِ اختلاف ما عُلِّق به، ففي الآية السابقة البعث يعني: إحياء الموتى الذي خصّ به الله بعض أوليائه .

وفُسِّر البعث في الآية الكريمةِ بالإيقاظِ من النَّوم، بالقرينة المتقدمة، وهي قوله تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً) (الكهف: 11)، أي: أنمناهم سنين ذات عدد وسددنا آذانهم بالنوم الغالب على نفوذ الأصوات إليها سنين كثيرة؛ لأن القائم إنما ينتبه بسماع الصوت ودل سبحانه بذلك على أنهم لم يموتوا وكانوا نياماً في أمن وراحة، وجمام نفس، وهذا من فصيح لغات القرآن التي لايمكن أن يترجم بمعنىً يوافق اللفظ، فبذلك أثبتت القرينة المتقدمة كون البعث كان الإيقاظ من النوم لا الإحياء، والدليل على أنهم كانوا نياماً، قوله تعالى في موضع آخر: (وَتَحْسَبهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ) (الكهف: 18)، أي تظنهم يقظين، مع أنهم في واقع الحال نيام بقدرة الله.

(ب) القرينة السياقية المتأخرة:

وهي القَرينَة التي تأتي بعد اللفظة المبهمة، مفسرة وموضحة لها، فتحدد معناها في السياق اللفظي. وهناك كثير من القرائن المتأخرة في التعبير القرآني، منها ما ورد في قوله تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ) (الزمر: 32).

ومن القرائن السياقية المتأخرة أيضاً، حمل (التين والزيتون)، في قسم الله بهما في قوله تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) (التين: 1)، على أنهما منابت التين والزيتون، وهي بلاد الشام، وليس الفاكهتين المعروفتين أقسم الله بهما لما فيهما من الفوائد الجمّة والخواص النافعة، بل قيل: إن المراد بالتين، الجبل الذي عليه مدينة دمشق، وبالزيتون، الجبل الذي عليه بيت المقدس. ولعل اطلاق اسم الفاكهتين على الجبلين لكونهما مننبتيهما، ولكونهما مبعثي جمّ غفير من الأنبياء. وهذا هو الرأي الراجح، بقرينة السياق بعدها، في قوله تعالى:(وَطُورِ سِينِينَ ، وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) (التين: 2-3)، وهما أيضاً أماكن مهبط للأنبياء والرسل، و(طور سينين) أيضاً جبل، وهو الذي كلم الله فيه موسى بن عمران ويسمى طور سيناء. وقد ورد في سياق آخر بهذه الصيغة (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ) (المؤمنون: 20). والمراد بـ(البلد الأمين)، مكة المشرفة، وهي مكان مقدس، ومبعث الأنبياء ومهبطهم من أمثال: إبراهيم واسماعيل (عليهما السلام)، ومحمدr .

فبذلك تكون القرينة السياقية من المحاور الأساسية التي اعتمدها المفسرون في الوصول إلى الدلالة الصحيحة للنصوص القرآنية، فضلاً عن معنى المفردة، وقرينة الحال، والقرينة العقلية، وتكون القرينة الفيصل فيه، في ترجيح دلالة دون أخرى من خلال النظر إلى القرائن التي فيه، سواء أكانت محيطة بالنص مكتنفة إياه، أم كانت متقدمة عليه، أو متأخرة عنه. ولولا وجود القرائن السياقية لم نتوصل إلى المقصود في كثير من النصوص القرآنية.

(ج) القَرائِنُ السِّياقيَّةُ المُكْتَنفة:

وهي القَرائِنُ التي تَكون محيطةً بالنص من جانبيه، مفسرة له وموضحة إيَّاه، ومؤكدة لمعناه، وهي كثيرة في القرآن الكريم، منها: قوله تعالى في آية التطهير: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (الأحزاب: 33).

فقد نزلت هذه الآية خاصة برسول الله محمد r وأهل بيته وهم: علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)،، عندما ألقى النبي محمد r عليهم الكساء، وقال: هؤلاء أهل بيتي . واختلف المفسرون في كون هذه الآية نزلت بهم (أهل البيت) الخمسة فقط، أم يُقصد بـ(أهل البيت) أزواج النبي، وحجتهم في ذلك أن آية التطهير كان يكتنفها آيات نزلت في نساء النبي r، فالآية بذلك تكون لأجلهن أيضاً، وهذا ما ذهب إليه عدد من المفسرين مثل البيضاوي، إذ يقول: "الاحتجاج بذلك على عصمتهم وكون اجماعهم حجة ضعيفة لأن التخصيص بهم لايناسب ما قبل الآية وما بعدها. والحديث يقتضي أنهم أهل البيت لا أنه ليس غيرهم" .

ثانياً ـ القرائن المنفصلة (المركبة):

وهي قرائن لفظية غير سياقية منفصلة عن النص بعيدة عنه، متقدمة عليه أو متأخرة عنه، أو مكتنفة له من جانبيه، إلا أنها في غير مجرى الكلام، بل هي في كثير من الأحيان في موضع آخر من النص الكريم، أو سورة أخرى، لكنها مرتبطة به دَلالياً.

وكان هذا اللون من القرائن معروفاً ومتداولاً في بيت النُّبوةِ والرِّسَالةِ، وكانت هذه الطريقة هي المستأثرة لديهم في تفسير القرآن، وتأويله. فالنَّبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أول من اتخذ القرآن قرينة دلالية للقرآن، منها قوله حين فسَّر (الظُّلم)، في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام: 82)، فظنَّ فريق من الصحابة أن الظلم هنا "بخس الحق، وهضم حقوق الناس، فقالوا: يا رسول الله: وأينا لم يظلم نفسه"؟، فبيّن (صلى الله عليه وسلم) أن الظلم هنا ليس الذي يذهبون إليه، بل هو الشرك، واحتج له بقوله تعالى في وصية لقمان لابنه وهو يعظه: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: 13). ففسر r القرآن بالقرآن – وهو أبلغ وأقوى – فهو أول مفسر في الإسلام للقرآن بالقرآن.

وقد أطلق على هذا النوع من التفسير، اسم تفسير القرآن بالقرآن، وهو أحسن الطرق، فقد ذكر العلماء: أنه من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولاً من القرآن؛ فما أجمل منه في مكان فقد فُسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بُسط في موضع آخر منه.

***

د. بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرق تدريس اللغة العربية

كلية التربية جامعة المنيا

الملخص: تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة فلسفية-عقدية لبحث علاقة الإنسان بالله في الفضاء السيبراني، في ظل التحولات العميقة التي أحدثتها الثورة الرقمية في أنماط المعرفة والهوية والتدين. وتنبع أهمية البحث من أنّ الفضاء السيبراني أصبح فضاءً وجوديًا جديدًا يفرض إعادة التفكير في صلة الإنسان بخالقه، سواء على مستوى الإدراك أو الممارسة أو المعنى، وهو مجال لم يحظَ بعدُ بدراسة معمقة من زاوية فلسفية-عقدية.

وقد اعتمد البحث على المنهج التحليلي النقدي للكشف عن التحولات الفكرية والروحية التي فرضها العالم الرقمي، مع توظيف المنهج الاستشرافي لاستطلاع مآلات العلاقة بالله في المستقبل.

وقد توصلت الدراسة إلى عدة نتائج، أبرزها أنّ الفضاء السيبراني يعيد تشكيل الإدراك العقدي عبر وفرة المعرفة وتناقض الخطابات، مما يفتح آفاقًا للتفكر لكنه يهدد بالتشظي والسطحية. وقد أوصت الدراسة بضرورة بناء مشروع فلسفي-عقدي متجدد يعيد تجذير العلاقة بالله كجوهر أصيل، ويوظف التقنية لتعزيز الروحانية بدل إضعافها.

الكلمات المفتاحيّة: الخالق عز وجل، الإنسان، الفضاء السيبراني، التحول الرقمي، الذكاء الاصطناعي.

Abstract:

This study seeks a philosophical-theological approach to exploring the human relationship with God in cyberspace, in light of the profound transformations brought about by the digital revolution in patterns of knowledge, identity, and religiosity. The importance of this study stems from the fact that cyberspace has become a new existential space that requires a rethinking of the human relationship with their Creator, whether at the level of perception, practice, or meaning. This is an area that has not yet received in-depth study from a philosophical-theological perspective.

The study relied on a critical analytical approach to uncover the intellectual and spiritual transformations imposed by the digital world, while employing a foresight approach to explore the future prospects of the relationship with God.

The study reached several conclusions, most notably that cyberspace reshapes theological perception through an abundance of knowledge and contradictory discourses, which opens horizons for reflection but threatens fragmentation and superficiality. The study recommended the need to build a renewed philosophical-theological project that re-establishes the relationship with God as an authentic essence and employs technology to enhance spirituality rather than weaken it.

Keywords: God Almighty, humanity, cyberspace, digital transformation, artificial intelligence.

المقدّمة

شهد العالم المعاصر ثورة رقمية هائلة أدّت إلى إعادة تشكيل أنماط التفكير والتواصل والمعرفة، وبرز معها ما يُعرف بالفضاء السيبراني باعتباره فضاءً مفتوحاً، لا تحدّه الجغرافيا ولا الزمان، ويؤثر في وعي الإنسان وهويته وعلاقاته.

وفي خضم هذا التحوّل، يبرز سؤال جوهري: كيف تتأثر علاقة الإنسان بالله في عالم تهيمن عليه التقنيات الرقمية وتعيد صياغة تصورات الفرد عن الغيب والمعنى والمقدّس؟

وتنبع أهمية الموضوع من أنّه يمسّ جوهر الوجود الإنساني، إذ يتعلّق بالصلة الروحية والعقدية التي تربط الإنسان بخالقه، ومدى قدرتها على الصمود أو التحوّل أمام ضغوط الثورة الرقمية. كما تكمن الأهمية في أنّ الفكر الفلسفي والعقدي لم يُولِ بعدُ عناية كافية لدراسة انعكاسات الفضاء السيبراني على هذه العلاقة، رغم أنّه أصبح ساحة جديدة للتدين والتشكيك والبحث عن المعنى.

أما أسباب اختيار الموضوع، فتعود إلى ما يعيشه الجيل المعاصر من انتقال جذري نحو العوالم الافتراضية، وما يحمله ذلك من فرصٍ لتجديد الخطاب الديني والفلسفي، ومخاطر على وعي الإنسان العقدي إذا لم يُدرَس هذا التحوّل بعمق ونقد علمي رصين.

وتنبثق من ذلك إشكالية الدراسة، وهي: كيف أثّر الفضاء السيبراني في علاقة الإنسان بالله من حيث الإدراك، الممارسة، والمعنى؟ وهل أدّى هذا الفضاء إلى تعزيز هذه العلاقة أو إلى إضعافها وإعادة تشكيلها؟

ومن هذه الإشكالية تتفرّع أسئلة الدراسة:

ما طبيعة الفضاء السيبراني وأبعاده الفلسفية والوجودية؟

كيف غيّر الفضاء السيبراني من أشكال التعبير الديني والتواصل الروحي؟

ما التحديات التي تواجه العلاقة العقدية باللّه في بيئة رقمية مفتوحة؟

هل يمكن للفضاء السيبراني أن يكون فضاءً داعماً لتجديد الخطاب الديني وتقوية الإيمان؟

أما أهداف الدراسة فهي:

الكشف عن التحولات التي أحدثها الفضاء السيبراني في علاقة الإنسان بالله.

بناء مقاربة فلسفية-عقدية تفسّر أثر العالم الرقمي في تشكيل الوعي الديني.

استشراف آفاق التعامل مع الظاهرة بما يحفظ للإنسان توازنه الروحي والقيمي.

وتقتصر حدود الدراسة على دراسة العلاقة بين الإنسان والله في سياق الفضاء السيبراني من منظور عقدي-فلسفي، دون الدخول في التفاصيل التقنية البحتة أو الجوانب الفقهية التطبيقية المباشرة.

وتعتمد هذه الدراسة على المنهج التحليلي النقدي من خلال تحليل الظاهرة في ضوء المفاهيم الفلسفية والعقدية، مع توظيف المنهج الاستشرافي لاستكشاف مآلاتها المستقبلية.

وفيما يخص الدراسات السابقة، فقد تناولت بعض الأبحاث علاقة الدين بالتكنولوجيا بشكل عام، وأخرى بحثت التدين الرقمي أو التواصل الافتراضي للطقوس الدينية، غير أنّ معظمها لم يركّز بعمق على البعد العقدي والفلسفي لعلاقة الإنسان بالله في الفضاء السيبراني، وهو ما يجعل هذا البحث جديداً من حيث الزاوية والمقاربة.

ويُبنى هيكل الدراسة على ثلاثة مباحث رئيسة:

المبحث الأول: الإطار النظري والمفاهيمي للفضاء السيبراني وعلاقته بالإنسان.

المبحث الثاني: التحولات التي أحدثها الفضاء السيبراني في علاقة الإنسان بالله (الإدراك – الممارسة – المعنى).

المبحث الثالث: مقاربة فلسفية-عقدية لاستشراف مستقبل علاقة الإنسان بالله في العالم الرقمي.

المبحث الأول: الإطار النظري والمفاهيمي للفضاء السيبراني وعلاقته بالإنسان

يشكّل الفضاء السيبراني واحداً من أكثر المفاهيم تعقيداً وتشابكاً في الفكر المعاصر؛ إذ يتجاوز مجرد وصفه كبيئة رقمية أو شبكة اتصالات، ليُعبّر عن فضاء وجودي جديد تتقاطع فيه التقنية مع الوعي الإنساني.

ويعود أصل مصطلح "السيبرانية" (Cybernetics) إلى الكلمة اليونانية kybernetes التي تعني "الموجّه" أو "الربّان"، وهو ما يحيل منذ البداية إلى بعدٍ فلسفي عميق مغزاه: من يقود من؟ هل الإنسان هو الذي يوجّه التقنية، أم أنّ التقنية باتت هي التي تعيد توجيه وعي الإنسان وسلوكه؟(1)

أما اصطلاحاً، فيُعرَّف الفضاء السيبراني بأنه المجال غير المادي الذي تنشئه شبكات الحوسبة والاتصالات، حيث تتشكل هويات جديدة، وتُعاد صياغة العلاقات والمعاني بعيداً عن حدود الزمان والمكان(2).

وهنا لا يكون الإنسان مجرد مستخدم للتقنية، بل يصبح كائناً سيبرانياً يعيش بين الواقعي والافتراضي، بين الجسد المادي والهوية الرقمية.

ومن الناحية التقنية، يقوم الفضاء السيبراني على التفاعل بين الإنترنت، والذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي والمعزز، وشبكات البيانات الضخمة، غير أنّ ما يهم الفلسفة والعقيدة ليس البنية التقنية في ذاتها، بل ما تُحدثه من تحولات في أنماط المعرفة وإنتاج المعنى، فقد نقل هذا الفضاء الإنسان من المعرفة الخطية إلى المعرفة الشبكية، ومن الذاكرة الفردية إلى "الذاكرة السحابية"، ومن التواصل المباشر إلى التفاعل الرقمي العابر للحدود.

وهذه التحولات لا يمكن قراءتها بمعزل عن السؤال الوجودي الأكبر: كيف يؤثر هذا التوسّع السيبراني في إدراك الإنسان لذاته ولموقعه في الكون ولعلاقته بالمطلق؟

لم يعد الفكر الإنساني بمنأى عن تأثيرات الفضاء السيبراني، فالفلسفة ذاتها تعيد النظر في أسئلتها التقليدية متسائلة: ما الحقيقة؟ ما الهوية؟ ما الحرية؟ وما الغاية من الوجود؟

إذ يفرض العالم الرقمي إعادة صياغة هذه الأسئلة في ضوء معطيات جديدة، حيث الحقيقة باتت تُصاغ عبر خوارزميات، والهوية تُبنى عبر ملفات رقمية، والحرية تُختزل في "خيارات" تتحكم فيها المنصات والشبكات.

وهنا يبرز التوتر بين الفضاء السيبراني بوصفه أداة تحرير من قيود الزمان والمكان، وبين كونه آلية جديدة للهيمنة والسيطرة على الوعي الجمعي.

يتجاوز أثر الفضاء السيبراني حدود الممارسة التقنية إلى إعادة تشكيل الوعي ذاته، فالإنسان لم يعد يعيش تجربته الدينية أو المعرفية كما عاشها في الماضي؛ بل بات يختبرها عبر وسائط رقمية تُعيد تشكيل تجربته الروحية.

وهنا يصبح السؤال الفلسفي-العقدي أكثر إلحاحاً مُثارًا: كيف يمكن للوعي الإيماني أن يحافظ على أصالته في فضاءٍ مفتوح على كل أشكال التأويل، التضليل، والتعدد اللامتناهي في المعاني؟

إنّ الوعي في الفضاء السيبراني ليس وعياً فردياً خالصاً، بل هو وعي متشابك تُسهم في تشكيله ملايين العقول والبرمجيات في آنٍ واحد، وهو ما يستدعي إعادة التفكير في مفهوم الذات ومسؤوليتها أمام الله سبحانه.

وفي ضوء ما سبق، يتضح أنّ العلاقة بين الإنسان والفضاء السيبراني علاقة جدلية بامتياز؛ فهو فضاء يفتح للإنسان آفاقاً غير مسبوقة للتعبير عن إيمانه، والتواصل مع النصوص المقدسة، وبناء مجتمعات روحية عابرة للحدود، لكنه في الوقت ذاته يطرح تحديات عميقة على مستوى الهوية، والمعنى، والقدرة على التمييز بين الحق والباطل.

ومن هنا تتجلّى خطورة هذه العلاقة؛ فهي ليست مجرد علاقة استخدام للأداة؛ بل علاقة وجودية تُعيد تعريف موقع الإنسان بين الأرض والسماء، بين الفناء والخلود، بين العجز البشري والقدرة الإلهية.

المبحث الثاني: التحوّلات التي أحدثها الفضاء السيبراني في علاقة الإنسان بالله (الإدراك – الممارسة – المعنى)

لقد مثّل الفضاء السيبراني نقطة انعطاف في تاريخ الوعي الإنساني، إذ لم يعد الدين مجرد منظومة تقليدية تُمارس في حدود المسجد أو الكنيسة أو المعبد؛ بل أصبح حاضرًا في فضاء مفتوح تتداخل فيه الأصوات والرؤى والتجارب الروحية.

ومن ثمّ، فإن علاقة الإنسان بالله لم تعد بمنأى عن هذه التحولات؛ بل وجدت نفسها في قلبها، تُعاد صياغتها إدراكًا وممارسةً ومعنى.

إن الإدراك يمثل البوابة الأولى لعلاقة الإنسان بالله سبحانه، حيث يتجلّى الوعي بالوجود وبالمطلق، وتتشكّل صورة الإله في ضمير الفرد، فقد أحدث الفضاء السيبراني ثورة في أنماط الإدراك، إذ أتاح للإنسان سيولة معرفية غير مسبوقة، جعلته يتعرّض لفيض متناقض من الخطابات الدينية والفلسفية واللادينية.

وفي هذا السياق، برزت مفارقة مزدوجة؛ فمن جهة عزّز الفضاء الرقمي إمكانية الوصول إلى مصادر الوحي والتفسير والتأملات الفلسفية، بما يقرّب الإنسان من الله ويفتح أمامه آفاقًا جديدة للتفكّر. ومن جهة أخرى ضخّ هذا الفضاء خطابًا تشكيكيًا متناميًا، يخلط بين النقد المعرفي والسطحية الإعلامية، مما يربك الإدراك ويضعف الثقة بالثوابت العقدية.

لقد صار الإدراك في العصر السيبراني إدراكًا مهدّدًا بالتشظي، لا بسبب قوة الحجة الفلسفية دائمًا، بل بسبب إغراء الصورة الرقمية وسرعة انتشارها. وهنا يواجه الإنسان سؤالًا وجوديًا عميقًا: هل يستند وعيه بالله إلى يقينٍ روحي أصيل، أم إلى معطيات متقلبة تتقاذفها المنصات الافتراضية؟

إذا كان الإدراك يمثّل البعد النظري؛ فإن الممارسة تجسّد البعد العملي لعلاقة الإنسان بالله، والفضاء السيبراني غيّر شكل هذه الممارسة بشكل جذري، فقد ظهرت أنماط جديدة من "التدين الرقمي"؛ مثل صلوات تُنقل عبر البث المباشر، وخطب تُلقى عبر المنصات، وحلقات ذكرٍ وتأمل تُعقد في غرف افتراضية، واستشارات فقهية تُقدّم عبر الذكاء الاصطناعي!

لقد جعلت هذه الوسائط الممارسة الدينية أكثر شمولًا وانتشارًا، وأتاحت للمغتربين والبعيدين عن المؤسسات الدينية التقليدية أن يحافظوا على صلتهم بالله بشكلٍ ما.

غير أن هذه الممارسة الرقمية تحمل مخاطر لا يمكن إنكارها، فهي قد تُحوّل العبادة إلى تجربة سطحية تفتقد عمق الحضور الروحي، حيث يتحول "المصلّي" إلى "مشاهد"، ويستعيض الإنسان عن خشوع المسجد بجاذبية الشاشة.

وهكذا يظل السؤال مفتوحًا: هل الممارسة الرقمية قادرة على أن تكون امتدادًا أصيلًا للعبادة، أم أنها مجرد صورة هجينة تُضعف صلة الإنسان بالله بدل أن تعزّزها؟

ويبقى المعنى هو جوهر العلاقة بالله؛ إذ لا قيمة للإدراك والممارسة ما لم يتوّجا بمعنى يمنح للحياة غايتها ولمسار الإنسان وجهته، وهنا يتجلّى أثر الفضاء السيبراني بعمق؛ إذ لم يعد المعنى الديني متحصنًا خلف جدران العقيدة وحدها، بل أصبح جزءًا من حوار عالمي مفتوح، فالإنسان في العالم الرقمي يجد نفسه أمام بدائل متنوعة: خطابات إيمانية تقليدية، رؤى صوفية، أطروحات فلسفية وجودية، وأحيانًا دعوات عبثية تلغي كل معنى.

وفي هذا السياق، لم يعد معنى التدين مرتبطًا فقط بمفاهيم الطاعة والعبادة؛ بل انفتح على آفاق جديدة كالهوية الرقمية، والبحث عن السكينة في وسط الضجيج الافتراضي، ومحاولة استعادة الحضور الإلهي في عالم يزداد تغريبًا، غير أن هذا الاتساع في إمكانات المعنى يهدّد بوقوع الإنسان في فراغ روحي إذا لم يُحسن التمييز بين الحقائق والمُلهيات.

وهكذا يمكن القول إن الفضاء السيبراني لم يُلغِ المعنى الديني، لكنه أعاد تشكيله، فجعله أكثر هشاشة من جهة، وأكثر انفتاحًا من جهة أخرى.

وهنا يظل التحدي الأكبر: كيف يُمكن للإنسان أن يحافظ على مركزية علاقته بالله كمعنى وجودي أصيل، وسط عالمٍ يميل إلى تفكيك كل المعاني الكبرى؟

المبحث الثالث: مقاربة فلسفية-عقدية لاستشراف مستقبل علاقة الإنسان بالله في العالم الرقمي

إنّ استشراف مستقبل علاقة الإنسان بالله في الفضاء السيبراني ليس تمرينًا في الخيال وحده؛ بل هو ضرورة فلسفية وعقدية تمليها التحوّلات الجذرية التي يعيشها الإنسان المعاصر، فنحن أمام واقع يتغير بوتيرة سريعة، يفرض إعادة التفكير في موقع المقدّس ودور الدين وعمق العلاقة بالله وسط عالم يزداد تغريبًا وتشابكًا مع الآلة والافتراض.

وهنا لا يكتفي البحث بالوصف والتحليل، بل يسعى إلى بناء مقاربة فلسفية-عقدية تستنطق الاحتمالات، وتستكشف المآلات، وتبحث في السبل الكفيلة بصون جوهر العلاقة الروحية رغم رياح التغيير.

ومن المرجّح أن يتعرض الإدراك الديني لمزيد من التشظّي في ظل الثورة المعرفية القادمة، مع تنامي قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي وتدخل الخوارزميات في تشكيل قناعات الإنسان، فقد يصبح الدين مُختزلًا في "محتوى" رقمي يُقدّم للإنسان بما يناسب ذائقته اللحظية، مما يهدّد بتحويل العقيدة إلى مجرد سلعة معرفية خاضعة للعرض والطلب.

لكن، على الجانب الآخر، يمكن لهذه الأدوات ذاتها أن تعمّق إدراك الإنسان بالله إذا وُظّفت في خدمة التأمل العقلي والبحث العقدي الرصين، فالمعارف المجمّعة، والشروح المبسّطة، والمنصات التفاعلية، قادرة على فتح آفاق جديدة للتفكر والتأمل في النصوص المقدّسة، بحيث يغدو الفضاء الرقمي مجالًا لتقريب العقيدة لا لتشتيتها.

وسوف تشهد الممارسة الدينية مزيدًا من "الرقمنة"، بحيث تصبح الطقوس والعبادات جزءًا من بيئات افتراضية أو معزّزة، قد تتداخل فيها عناصر الواقع والخيال.

وهنا يطرح سؤال جوهري: هل يمكن أن تنقل التجربة الافتراضية حقيقة العبادة؟ وهل تتحقق فيها شروط الحضور القلبي والخشوع الذي هو لبّ العلاقة بالله؟

فمن الناحية العقدية، يظل الأصل أن العبادة ليست مجرّد فعل شكلي؛ بل هي مقام يتجاوز الصورة إلى الجوهر، فإذا استطاع الإنسان أن يوظّف الوسائط الرقمية لتقوية صلته بالله مع المحافظة على جوهر العبادة، فإن هذه الممارسة قد تكون امتدادًا مشروعًا. أما إذا تحوّلت إلى محاكاة فارغة تُغري بالسطح وتفتقر إلى العمق، فإنها ستكون صورة من صور الاغتراب الديني الجديد.

يمكن القول إن المعنى هو الكنز الذي يسعى الإنسان لحمايته في وجه العدمية التي تلوّح بها الحضارة الرقمية، فمن جهة يمكن للفضاء السيبراني أن يفتح أمام الإنسان إمكانات جديدة للبحث عن الله، عبر حوارات عابرة للثقافات والأديان، وعبر تجارب روحية تتخطى الحدود الجغرافية واللغوية، ومن جهة أخرى يمكن أن يغدو هذا الفضاء ساحة لتفكيك المعنى وإحلال العدمية محلّه، عبر الترويج لفلسفات ما بعد الحداثة التي ترفض المطلقات وتحتفي بالنسبية المطلقة.

إن المقاربة العقدية هنا تتطلّب التأكيد على مركزية التوحيد كإطار جامع للمعنى في مواجهة التفكك، وعلى أنّ العلاقة بالله ليست خيارًا بين خيارات؛ بل هي أصل الوجود وغاية الحياة، وهكذا يغدو التحدي في المستقبل مزدوجًا: الحفاظ على معنى أصيل في عالمٍ يوسوس له العدم، وفي الوقت ذاته إعادة صياغة خطاب ديني جديد قادر على مخاطبة إنسان الفضاء السيبراني بلغة عقلانية وروحية عميقة.

إنّ استشراف المستقبل في ضوء الفلسفة والعقيدة لا يعني الانحياز لليوتوبيا(3) أو الاستسلام للدستوبيا(4)، بل يقتضي وعيًا نقديًا متوازنًا، فمن منظور فلسفة الدين يتّضح أنّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا معنى يتجاوز ذاته، وأنّ كل محاولات استبدال الله بالآلة أو بالعقلانية التقنية مصيرها إلى الفراغ الوجودي. ومن منظور العقيدة الإسلامية يظلّ التوحيد هو البوصلة التي تهدي هذا الإنسان في مساره الرقمي، لتذكّره بأنّ الله هو الثابت amid سيولة الصور والرموز، وهو الحق amid ضجيج الافتراض.

وعليه، فإن المقاربة المستقبلية تقوم على مبدأين، وهما:

1- إعادة تجذير العلاقة بالله كجوهر غير قابل للمحو، مهما تعددت الوسائط أو تغيّرت الصور.

2- تجديد الخطاب العقدي والفلسفي بلغة قادرة على التفاعل مع تحديات الرقمنة، دون أن تفقد أصالتها.

يمكن القول إنّ مستقبل علاقة الإنسان بالله في العالم الرقمي سيظل ميدانًا مفتوحًا بين إمكانات الانبعاث الروحي وخطر الاغتراب الوجودي، فالتقنية ليست قدرًا محتومًا، بل أداة يملك الإنسان أن يوظفها في بناء وعيه الديني أو في تقويضه.

ومن هنا فإنّ المسؤولية الفلسفية والعقدية تقتضي بناء مشروع معرفي متجدد، يحفظ للإنسان توازنه الروحي وسط الطوفان السيبراني، ويؤكد أنّ العلاقة بالله ليست مجرّد ممارسة تقليدية، بل هي حقيقة وجودية أبدية تعبر العصور والوسائط.

الخاتمة

أولًا: النتائج

أثبت التحوّل الرقمي أنّه ليس مجرّد تطور تقني، بل ثورة معرفية وفلسفية تعيد صياغة الوعي الإنساني والأنساق القيمية.

يشكّل الفضاء السيبراني فضاءً جديدًا للوجود الإنساني، حيث تتداخل فيه مفاهيم الذات والآخر والزمان والمكان بصورة غير مسبوقة.

العلاقة بالله في العالم الرقمي تتأثر على مستويين: مستوى الإدراك الذي يعيد تشكيل صورة الإنسان عن الغيب والمقدّس، ومستوى الممارسة الذي يحوّل الطقوس إلى أنماط رقمية تثير أسئلة حول أصالة العبادة.

يتسم الإدراك العقدي في البيئة الرقمية بالازدواجية: فهو قد يتعمّق عبر سهولة النفاذ إلى المعرفة الدينية، وقد يتشظى بفعل هيمنة الخوارزميات والانتقائية المعلوماتية.

الممارسة الدينية في الفضاء الافتراضي تحمل إمكانات للتواصل الروحي وتجاوز الحدود، لكنها في الوقت نفسه مهدّدة بالسطحية والاختزال إذا غاب البعد القلبي والجوهر التعبّدي.

يشكّل "المعنى" أكبر رهانات العلاقة بالله في العالم الرقمي، إذ تتنازع الإنسان نزعتان: نزعة البحث عن يقين مت transcendental، ونزعة الانجراف إلى العدمية والنسبية المطلقة.

الفضاء السيبراني أتاح فرصًا لتجديد الخطاب الديني والفلسفي، لكنه كشف أيضًا هشاشة بعض الأسس التقليدية التي لم تتفاعل مع تحديات التقنية.

التوحيد في المنظور الإسلامي يظل البوصلة العقدية التي تمنح الإنسان استقرارًا في مواجهة التشظي الرقمي، بما يعيد مركزية الله في الوعي الإنساني.

العلاقة بالله ليست جامدة أو ثابتة الشكل، بل قادرة على التكيّف والتجدّد مع الوسائط المستحدثة، شريطة بقاء جوهرها الروحي متأصّلًا.

الفضاء الرقمي يطرح تحديات غير مسبوقة أمام مفاهيم الحقيقة والمعرفة والحرية، ما يتطلّب خطابًا فلسفيًا عقديًا متوازنًا يجمع بين النقد والتأصيل.

الانفتاح الرقمي أوجد فضاءً للتلاقح الديني والثقافي، لكنه في الوقت نفسه أفسح المجال أمام موجات الإلحاد واللاأدرية، ما يفرض تحديًا على المؤسسات الدينية.

الهوية الإنسانية في العصر الرقمي تواجه خطر التفكيك بفعل سيولة الحدود بين الواقعي والافتراضي، مما ينعكس مباشرة على علاقة الإنسان بالله.

الفكر الفلسفي الإسلامي يمتلك من المرونة ما يمكّنه من الحوار مع الرقمنة دون أن يفقد أصالته.

مستقبل العلاقة بالله مرهون بمدى قدرة الإنسان على التمييز بين الجوهر والشكل، وبين الوسيلة والغاية.

العلاقة بالله ستبقى الميدان الأعمق لامتحان إنسانية الإنسان وسط التحوّلات الرقمية، فهي الكفيلة بمنحه الأمان الوجودي والمبدأ الأخلاقي والوجهة النهائية.

ثانيًا: التوصيات

إعادة تجديد الخطاب العقدي والفلسفي بما يراعي تحديات الرقمنة ويخاطب الإنسان السيبراني بلغة عقلانية وروحية.

توظيف التقنيات الرقمية في خدمة التربية الإيمانية والتأمل العقدي العميق، بدل الاكتفاء بالمضامين الوعظية السطحية.

إقامة حوارات بين الأديان والفلسفات عبر الفضاء السيبراني لتعزيز قيم التلاقي الروحي بدل الانغلاق أو التفكيك.

***

إعداد: محمد أحمد عبيد

كاتب وباحث في الفلسفة

............................

قائمة المصادر والمراجع

الجوانب القانونية للحرب السيبرانية دراسة في إطار القانون الدولي الإنساني، ناجى محمد اسامه الشاذلى، مجلة روح القوانين، المجلد 35، العدد 103 - الرقم المسلسل للعدد 103 يوليو - الجزء الثانى يوليو 2023.

الفضاء السيبراني: المفاهيم والأبعاد، نورالدين حامد، المجلة العلمية للبحوث والدراسات التجارية، المجلد 38، العدد 2، يونيو 2024.

معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عبد الحميد عمر، عالم الكتب الطبعة: الأولى، 2008م.

معنى الديستوبيا باللغة اليونانية المكان الخبيث وهي عكس المكان الفاضل يوتوبيا. انظر: مدينتي.. بين اليوتوبيا والدستوبيا!، الكاتب: محمود أبو العدوس، موقع الجزيرة نت – منصة المدونات: me، تاريخ الدخول: 28/07/2025، الوقت: 12:55 م.

(1) الجوانب القانونية للحرب السيبرانية دراسة في إطار القانون الدولي الإنساني، ناجى محمد اسامه الشاذلى، مجلة روح القوانين، المجلد 35، العدد 103 - الرقم المسلسل للعدد 103 يوليو - الجزء الثانى يوليو 2023، ص 1244.

(2) الفضاء السيبراني: المفاهيم والأبعاد، نورالدين حامد، المجلة العلمية للبحوث والدراسات التجارية، المجلد 38، العدد 2، يونيو 2024، ص 711-746.

(3) يوتوبيا: أفكار متعالية تتجاوز نطاق الوجود المادي للمكان، وتحتوي على أهداف ونوازع العصر غير المحققة، ويكون لها تأثير تحويلي على النظام الاجتماعي القائم. معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عبد الحميد عمر، عالم الكتب الطبعة: الأولى، 2008م، 3/2520.

(4) معنى الديستوبيا باللغة اليونانية المكان الخبيث وهي عكس المكان الفاضل يوتوبيا. انظر: مدينتي.. بين اليوتوبيا والدستوبيا!، الكاتب: محمود أبو العدوس، موقع الجزيرة نت – منصة المدونات: ajnet.me، تاريخ الدخول: 28/07/2025، الوقت: 12:55 م.

دراسة في آفاق الفكر الإنسانيّ

الملخص: التحوّل الرقمي يشكّل أحد أبرز التحوّلات الكبرى في التاريخ المعاصر، إذ لم يعد أثره مقتصرًا على المجال التقني وحده؛ بل امتد ليطال البنية الفكرية والقيمية للإنسان. ومن هنا تنبع أهمية هذه الدراسة التي تسعى إلى استكشاف العلاقة بين الرقمنة وتجديد الخطاب الفلسفي، عبر مساءلة آفاق الفكر الإنساني في ظل الثورة الرقمية.

وتهدف الدراسة إلى بيان كيف يمكن للفلسفة أن تتفاعل مع التحوّلات الرقمية، وأن تجدد خطابها بما يواكب القضايا الميتافيزيقية والمعرفية والأخلاقية التي أفرزتها التقنية الحديثة. كما تسعى إلى إبراز أثر الرقمنة في إعادة تشكيل الهوية الإنسانية، واستجلاء التحديات التي تفرضها أمام مفاهيم الحقيقة والمعرفة والحرية.

وقد اعتمدت الدراسة منهجًا تحليليًا-نقديًا يجمع بين استقراء النصوص الفلسفية، وتحليل التحولات التقنية، ثم مقاربتها في ضوء الرؤية الفلسفية الكونية. وجاءت النتائج لتؤكد أن الرقمنة حدث أنطولوجي يفرض إعادة نظر جذرية في أسس الفكر الفلسفي؛ إذ أعادت صياغة العلاقة بين الذات والآخر، وأنتجت هوية رقمية موازية، وطرحت تحديات وجودية أمام معنى الإنسان ذاته. كما أظهرت النتائج أن الخطاب الفلسفي الجديد مطالب بأن يكون عابرًا للتخصصات، قادرًا على بناء أخلاقيات رقمية تحفظ للإنسان مكانته في عالم متحوّل.

وقد ركزت التوصيات على ضرورة تأسيس حقل فلسفة رقمية معاصرة، إلى جانب ترسيخ الوعي المجتمعي بأخلاقيات الفضاء الرقمي، وفتح حوار عالمي حول القيم الإنسانية المشتركة في ظل هذا التحول العميق.

الكلمات المفتاحيّة: التحوّل الرقمي، الخطاب، الفلسفة، الفكر، الإنسان.

Abstract:

Digital transformation represents one of the most significant transformations in contemporary history. Its impact is no longer limited to the technical field alone; rather, it has extended to encompass the intellectual and value structures of humanity. Hence, the importance of this study, which seeks to explore the relationship between digitization and the renewal of philosophical discourse by questioning the horizons of human thought in light of the digital revolution.

The study aims to demonstrate how philosophy can interact with digital transformations and renew its discourse to keep pace with the metaphysical, epistemological, and ethical issues generated by modern technology. It also seeks to highlight the impact of digitization in reshaping human identity and clarify the challenges it poses to the concepts of truth, knowledge, and freedom.

The study adopted an analytical-critical approach that combines the induction of philosophical texts, the analysis of technological transformations, and their approach in light of a universal philosophical vision. The results confirm that digitization is an ontological event that requires a radical reconsideration of the foundations of philosophical thought. It has reshaped the relationship between self and other, produced a parallel digital identity, and posed existential challenges to the very meaning of human beings. The results also demonstrated that the new philosophical discourse must be transdisciplinary and capable of constructing digital ethics that preserve humanity's place in a transforming world.

The recommendations focused on the need to establish a contemporary field of digital philosophy, in addition to consolidating societal awareness of the ethics of the digital space, and initiating a global dialogue on shared human values ​​in light of this profound transformation.

Keywords: Digital transformation, discourse, philosophy, thought, humanity.

المقدمة

يشكّل التحوّل الرقمي أحد أبرز الظواهر الكبرى التي تعصف بالعالم المعاصر، ليس فقط على مستوى التقنية والاقتصاد والسياسة، بل أيضًا على مستوى الفكر الإنساني ومنظومته القيمية. ومع بروز الذكاء الاصطناعي، وتنامي الواقع الافتراضي، وتضاعف تأثير المنصّات الرقمية، لم يعد بالإمكان فصل سؤال التقنية عن سؤال الفلسفة، إذ أضحى الخطاب الفلسفي معنيًا بإعادة التفكير في القضايا الميتافيزيقية والوجودية والمعرفية والأخلاقية في ضوء التحولات الرقمية.

ومن هنا تأتي أهمية البحث في إمكانات تجديد الخطاب الفلسفي بما يتلاءم مع أسئلة العصر ويواكب تحدياته.

أولًا: أهمية الموضوع:

تنبع أهمية الموضوع من كونه يلامس صميم العلاقة بين التقنية والفكر، ويكشف عن مدى حاجة الفلسفة إلى استعادة فاعليتها في قراءة الواقع الجديد، وصياغة رؤى نقدية حول أثر التحوّل الرقمي في الإنسان والمعرفة والهوية والقيم.

ثانيًا: أسباب اختيار الموضوع:

اختير هذا الموضوع لقلة الدراسات الفلسفية العربية التي تناولت التحوّل الرقمي من منظور تجديد الخطاب الفلسفي، ولضرورة المساهمة في إثراء النقاش الفكري والفلسفي حول مستقبل الفكر الإنساني في زمن الرقمنة.

ثالثًا: إشكالية الدراسة:

تكمن إشكالية الدراسة في السؤال الرئيس: كيف يمكن للتحوّل الرقمي أن يسهم في تجديد الخطاب الفلسفي، وما حدود هذا التجديد في ضوء الأسئلة الوجودية والمعرفية والقيمية التي يطرحها الفكر الإنساني المعاصر؟

رابعًا: أسئلة الدراسة:

يتفرع عن الإشكالية السابقة عدة أسئلة تسعى الدراسة للإجابة عنها وبيانها، وهي:

ما طبيعة العلاقة بين التحوّل الرقمي والفكر الفلسفي؟

ما أوجه التأثير المتبادل بين الثورة الرقمية والأسئلة الميتافيزيقية والوجودية؟

إلى أي مدى يمكن تجديد الخطاب الفلسفي ليستوعب تحديات الرقمنة؟

ما آفاق الفكر الإنساني في ظل تلاقي الفلسفة والتقنية؟

خامسًا: أهداف الدراسة:

تكمن أهداف الدراسة فيما يأتي:

الكشف عن أبعاد العلاقة بين الرقمنة وتجديد الخطاب الفلسفي.

تحليل الأسئلة الميتافيزيقية والوجودية والمعرفية في ضوء التحوّل الرقمي.

إبراز آفاق الفكر الإنساني في زمن الثورة الرقمية.

الإسهام في إثراء النقاش الفلسفي حول قضايا التقنية والإنسان.

سادسًا: حدود الدراسة:

تنحصر حدود الدراسة فيما يأتي:

الموضوع: العلاقة بين التحوّل الرقمي وتجديد الخطاب الفلسفي.

المجال: الطروحات الفلسفية المعاصرة المتصلة بالرقمنة.

الزمن: القرن الحادي والعشرون بوصفه سياق التحولات الرقمية الكبرى.

سابعًا: منهج الدراسة:

تعتمد الدراسة المنهج التحليلي النقدي، القائم على قراءة النصوص المعاصرة، ومناقشتها في ضوء التطورات الرقمية، مع الاستعانة بالمقاربة المقارنة لاستجلاء أبعاد التجديد الفلسفي.

ثامنًا: الدراسات السابقة:

تنقسم الدراسات السابقة إلى دراسات تناولت الفلسفة في عصر التقنية بوجه عام، وأخرى ناقشت التحوّلات الرقمية من منظور إنساني أو اجتماعي، غير أن قلة من الأبحاث ربطت مباشرة بين التحوّل الرقمي وتجديد الخطاب الفلسفي، الأمر الذي يبرز فرادة هذه الدراسة، وكان من أبرز هذه الدراسات السابقة ما يأتي:

دور الإنسانيات الرقمية في تطور العلوم الإنسانية، سعاد هزلون (مؤلف)، يمينة شيكو (مشاركة)، مجلة المقدمة للدراسات الإنسانية والاجتماعية، جامعة باتنة 1 الحاج لخضر – كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، الجزائر، مج6، ع2، 2021م، ص155–168.

نمذجة الإنسانيات الرقمية في المكتبات والمؤسسات التوثيقية: من الخطط النظرية إلى الممارسات والتجسيد، العربي بن حجار ميلود، منير الحمزة، مجلة مقاربات، مج7، ع2، 2021م، ص123–141.

الإنسانيات الرقمية: دور وتموقع علوم الإعلام والاتصال، سميشي وداد، مجلة الإبراهيمي للعلوم الاجتماعية والإنسانية، مج5، ع2، 2021م، ص38–52.

وتتميز هذه الدراسة عن سابقاتها بتركيزها على البعد الفلسفي للظاهرة الرقمية، حيث لا تكتفي بوصف أثر التحوّل الرقمي في العلوم الإنسانية أو الإعلام أو المكتبات؛ بل تسعى إلى تجديد الخطاب الفلسفي ذاته في ضوء هذه التحولات. كما أنها تطرح إشكالية العلاقة بين الرقمنة والفكر الإنساني على مستوى الميتافيزيقا والمعرفة والأخلاق، وهو ما لم تتعرض له الدراسات السابقة إلا بصورة غير مباشرة.

تاسعًا: هيكل الدراسة:

تضمن هذا البحث مقدمة، وثلاثة مباحث، وخاتمة، ثم قائمة بالمصادر والمراجع، ثم فهرسًا للمحتويات.

المقدمة تتضمن أهمية الدراسة وأهدافها، ومشكلة الدراسة وتساؤلاتها وخطتها، ومنهج الدراسة، والدراسات السابقة.

المبحث الأول: التحوّل الرقمي وسياقاته الفكرية

المطلب الأول: المفهوم اللغوي والاصطلاحي للتحوّل الرقمي.

المطلب الثاني: الأبعاد التقنية والمعرفية للتحوّل الرقمي.

المطلب الثالث: التحوّل الرقمي وتداعياته على الفكر الإنساني

المطلب الرابع: التحوّل الرقمي وإعادة تشكيل الوعي الإنساني.

المطلب الخامس: أثر الرقمنة على القيم الإنسانية والمعايير الأخلاقية.

المبحث الثاني: الخطاب الفلسفي وأسئلة التجديد في ظل الرقمنة

المطلب الأول: ماهية الخطاب الفلسفي وأبعاده النظرية.

المطلب الثاني: تطور الخطاب الفلسفي في الفكر الحديث والمعاصر.

المطلب الثالث: تجديد الخطاب الفلسفي في ضوء الرقمنة

المطلب الرابع: الأسئلة الميتافيزيقية والوجودية في عصر التحوّل الرقمي.

المطلب الخامس: تحديات الرقمنة أمام مفاهيم الحقيقة، المعرفة، والحرية.

المبحث الثالث: الإنسان والهوية في ظل التحوّل الرقمي

المطلب الأول: إشكالية الذات والآخر في الفضاء الرقمي.

المطلب الثاني: الهوية الإنسانية بين التفكيك وإعادة التشكل.

المطلب الثالث: الفلسفة ومستقبل الفكر الإنساني

المطلب الرابع: نحو خطاب فلسفي جديد في عصر الذكاء الاصطناعي.

المطلب الخامس: آفاق التجديد الفلسفي في ضوء الثورة الرقمية.

"الخاتمة": وتحتوي على النتائج، والتوصيات.

قائمة بالمصادر والمراجع

فهرس المحتويات

المبحث الأول: التحوّل الرقمي وسياقاته الفكرية

التحوّل الرقمي من أبرز الظواهر التي فرضت حضورها على الفكر الإنساني المعاصر، إذ لم يَعُد يقتصر على كونه انتقالاً تقنيًّا من الوسائل التقليدية إلى الوسائط الإلكترونية؛ بل أصبح تحوّلًا جذريًّا في أنماط المعرفة والإدراك والاتصال، فهو يشبه السياق الشامل الذي أعاد صياغة علاقة الإنسان بالعالم، ليس فقط في مستوى الأدوات والآليات، وإنما في مستوى الرؤية والوعي والمخيال.

ومن هنا تأتي ضرورة تفكيك هذا التحوّل بالعودة إلى أصوله اللغوية والاصطلاحية، ثم الوقوف على أبعاده التقنية والمعرفية، وما ترتّب عليها من انعكاسات على الفكر والقيم والوعي الإنساني.

المطلب الأول: المفهوم اللغوي والاصطلاحي للتحوّل الرقمي

التحوّل الرقمي لغةً:

يحمل لفظ "التحوّل" معنى الانتقال من حال إلى حال(1)، ومن موضع إلى موضع، ومن صورة إلى أخرى، وهو في جوهره دلالة على الحراك والتغيّر والانقلاب(2).

وكذلك يُقال: تحوَّل الشَّخصُ إلى كذا - تحوَّل الشَّيءُ إلى كذا: تبدَّل من حال إلى حال، أو تنقّل من موضع إلى موضع "تحوّل من دراسة اللغة الإنجليزيّة إلى اللغة العربيّة - تحوَّل الماءُ إلى بُخار- باع بيته وتحوَّل إلى بيت آخر" تحوَّل بوجهته إلى أمرٍ آخر: غيّرها(3).

أما كلمة "الرقمي"، فترتبط بالأرقام والحوسبة وما يستند إلى أنظمة ثنائية تُترجم كلّ وجود إلى وحدات حسابية دقيقة(4).

وعند الجمع بين المفهومين، نحصل على تركيب يفيد انتقالاً واسعًا نحو عالم تُدار معارفه وعملياته وفق آليات رقمية باردة، لكنها بالغة الدقة والفاعلية.

التحوّل الرقمي اصطلاحًا:

يشير التحوّل الرقمي إلى تلك العملية التاريخية الممتدة التي أعادت صياغة البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمعرفية استنادًا إلى تقنيات المعلومات والاتصالات، بحيث أضحى الإنسان يعيش داخل "بيئة رقمية" تتوسّطها الشاشات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي(5).

وعرّف بأنه العملية شاملة لإعادة تصميم الأعمال والأنشطة والعمليات والخدمات، وتحويلها من نمطها التقليدي إلى صيغ رقمية إلكترونية قائمة على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بما يتيح الاستفادة القصوى من الإمكانات التي يوفّرها الواقع الرقمي في مختلف جوانب الحياة الفردية والمؤسسية والمجتمعية(6).

وقيل في وصفه أنه: توظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بهدف تطوير الأداء المؤسسي، ورفع مستويات الفاعلية والكفاءة في تقديم الخدمات، ولا سيما الخدمات الحكومية، وذلك عبر اعتماد التقنيات الحديثة والمتجددة في تصميم العمليات والإجراءات. ولا يتوقف الأمر عند تحسين سرعة الإنجاز أو خفض التكاليف فحسب، بل يتعدّاه إلى إرساء نموذج جديد في الإدارة يقوم على الشفافية، والحوكمة الرشيدة، وإتاحة الوصول إلى المعلومات، بما يعزز ثقة المجتمع في المؤسسات ويواكب متطلبات العصر الرقمي(7).

إنه مفهوم يتجاوز حدود التقنية ليغدو ظاهرة حضارية متكاملة، تُغيّر أسئلة الوجود بقدر ما تغيّر أدوات الإنتاج والتواصل.

المطلب الثاني: الأبعاد التقنية والمعرفية للتحوّل الرقمي

إن التحوّل الرقمي في بُعده التقني يتمثّل في الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والبيانات الضخمة، وكلها عناصر أسست لبنية تحتية جعلت من العالم فضاء مترابطًا، غير أن البُعد الأكثر خطورة يتجلّى في كونه ثورة معرفية غير مسبوقة؛ فقد تحوّل العقل البشري من البحث اليدوي عن المعلومة إلى الغوص في محيط لا نهائي من البيانات المتدفقة.

بهذا المعنى، لم يَعُد التحوّل الرقمي مجرد اختراع أدوات جديدة؛ بل أصبح آلية لإعادة تشكيل "إبستيمولوجيا العصر"؛ حيث تغيّرت معايير إنتاج الحقيقة، وانتقلت المعرفة من التراكم الورقي إلى التدفق الشبكي، ومن الثبات إلى السيولة، ومن التفرد إلى التشارك.

وهذه الثورة أفرغت إمكانات هائلة للتحرّر المطلق، لكنها حملت كذلك أخطارًا على صعيد التلاعب بالمعرفة وإعادة توجيهها وفق مصالح القوى المسيطرة، إذ لم يعد ضابطًا موضوعيًا ثابتًا يُطبق على هذه الثورة.

المطلب الثالث: التحوّل الرقمي وتداعياته على الفكر الإنساني

أحدث التحوّل الرقمي صدمة فلسفية عميقة، لأنه نقل الفكر الإنساني من الانشغال بالماهية والجوهر إلى الانشغال بالوظيفة والأداة، فقد تراجعت الأسئلة الكلاسيكية عن "ما هو الوجود؟" لتحل محلها أسئلة أكثر إلحاحًا مثل: "كيف يُدار الوجود عبر الخوارزميات؟" و"ما معنى الحرية في فضاء تحكمه المنصات الرقمية؟".

لقد أدى هذا التحوّل إلى إعادة طرح إشكاليات الهوية، والعقل، والحرية، والمعرفة من منظور جديد، إذ لم يعد العقل البشري هو المركز المطلق في إنتاج الفكر؛ بل بات شريكًا -وربما تابعًا- لآلة رقمية تتعلّم وتنتج وتقرّر.

ومن هنا يثور السؤال الفلسفي الأعمق: هل ما زلنا نملك زمام فكرنا، أم أننا سلمناه للآلة التي صنعناها بأيدينا؟

المطلب الرابع: التحوّل الرقمي وإعادة تشكيل الوعي الإنساني

الوعي البشري لم يَعُد كما كان قبل ثورة الرقمنة، فالإنسان اليوم يتشكل وعيه في فضاء متداخل بين الواقعي الحقيقي والافتراضي، وبين الحضور المادي والتجسيد الرقمي، فقد غدا الوعي ذاته "هجينًا"، يتغذّى من صور عابرة على الشاشات أكثر مما يتغذّى من الخبرات الحياتية المباشرة.

إن هذا التحوّل لم يقف عند حدود تغيير طرائق التفكير؛ بل أعاد صياغة "البنية الإدراكية" ذاتها، فقد أصبح الزمن أكثر تسارعًا، والمكان أكثر سيولة، والذات أكثر عرضة للتشظي بين هويات متعددة.

وهنا يتأكّد أن التحوّل الرقمي لا يطال الأداة فحسب، وإنما يعيد إنتاج الإنسان من الداخل، ليتحول وعيه إلى مرآة تعكس الصور والبيانات أكثر مما تعكس التجارب والمعاني.

المطلب الخامس: أثر الرقمنة على القيم الإنسانية والمعايير الأخلاقية

القيم التي شكّلت ضمير الإنسانية لم تَعُد بمنأى عن الرقمنة، فالعدالة والحرية والخصوصية والصدق، كلها معايير تعرّضت لهزّة عميقة بفعل تقنيات المراقبة، وتحليل البيانات، وتوجيه السلوك عبر المنصات الرقمية.

إن الرقمنة فتحت آفاقًا واسعة للتواصل الإنساني والتبادل المعرفي، لكنها في الوقت ذاته ولّدت تحديات أخلاقية غير مسبوقة؛ أبرزها انتهاك الخصوصية، وتزييف الحقائق، وتحويل الإنسان إلى مجرد "بيانات قابلة للتداول"!

ومن هنا تنبثق إشكالية فلسفية كبرى: كيف يمكن للإنسانية أن تحافظ على منظومتها القيمية في عصر تُقاس فيه قيمة الفرد بعدد متابعيه، وتُختزل فيه كرامته في ملف بيانات يُباع ويُشترى؟

إنها معركة فلسفية وأخلاقية تستدعي تجديد الخطاب الفلسفي بما يضمن بقاء الإنسان إنسانًا في مواجهة طوفان التقنية.

المبحث الثاني: الخطاب الفلسفي وأسئلة التجديد في ظل الرقمنة

المطلب الأول: ماهية الخطاب الفلسفي وأبعاده النظرية

الخطاب الفلسفي ليس مجرد صياغة للأفكار في قوالب نظرية محضة؛ بل هو عملية تفكيك عميق للوجود وللمعنى، ومحاولة لتشييد رؤية تفسّر العالم وتؤطّر علاقة الإنسان بذاته وبغيره، فهو خطاب يتجاوز اللغة ليكشف ما وراءها، ويفتح ثغرات في جدار المألوف الذي يحجب الحقيقة.

ولعلّ ما يميّز الخطاب الفلسفي أنه لا يكتفي بالتفسير بل يسعى إلى مساءلة التفسير نفسه، فلا حقيقة عنده تُعطى نهائيًا، بل تُعاد صياغتها في كل سياق جديد. وفي زمن الرقمنة يصبح الخطاب الفلسفي مضطرًا إلى أن يعيد تعريف ذاته، لا باعتباره خطابًا نظريًا معزولًا؛ بل ممارسة نقدية متواصلة، تلامس الوعي وتضع الإنسان في مواجهة أسئلته الكبرى وسط عاصفة من التحوّلات التقنية.

المطلب الثاني: تطور الخطاب الفلسفي في الفكر الحديث والمعاصر

لقد شهد الخطاب الفلسفي في العصر الحديث تحوّلات كبرى؛ فمن العقلانية الكلاسيكية التي رفعت راية العلم والتقدّم، إلى النقد الكانطي الذي وضع حدودًا للعقل، إلى الفلسفات الوجودية التي جعلت من الحرية والقلق محورًا للوجود. ثم جاءت الموجة ما بعد الحداثية لتعلن تفكيك الأنساق الكبرى، وتفتح الباب أمام التعددية والاختلاف.

وهذا التطوّر لم يكن انعكاسًا لتطور الفكر وحسب؛ بل كان صدى للتحوّلات التاريخية والاجتماعية والسياسية التي مرّ بها الإنسان. واليوم مع بروز الرقمنة كقوة مهيمنة على الحياة، يجد الخطاب الفلسفي نفسه مدعوًّا لا لمجرّد الاستمرار في مساره؛ بل لصياغة مرحلة جديدة تستوعب طبيعة هذا التحوّل الذي لم يعد معرفيًا فحسب، بل وجوديًا وحضاريًا في آن واحد.

المطلب الثالث: تجديد الخطاب الفلسفي في ضوء الرقمنة

التجديد في الفلسفة أضحى ضرورة وجودية، فالرقمنة بما تحمله من إمكانيات في إعادة تشكيل اللغة والمعرفة والذاكرة، تفرض على الخطاب الفلسفي أن يواجه سؤالًا محوريًا، وهو: كيف يمكن للإنسان أن يبقى فاعلًا في عالم تُعاد صياغته وفق خوارزميات لا تُرى؟

إن التجديد الفلسفي هنا لا يعني القطيعة مع التراث؛ بل استدعاءه في ضوء المتغيّرات الرقمية، لإنتاج خطاب يوازن بين الأصالة والانفتاح، بين العقل النقدي والقدرة على قراءة الواقع الجديد، ونحن إذًا أمام لحظة تاريخية قد يكون فيها التجديد الفلسفي السبيل الوحيد لحماية الإنسان من الذوبان في أنساق افتراضية تُهدّد حضوره الحرّ.

المطلب الرابع: الأسئلة الميتافيزيقية والوجودية في عصر التحوّل الرقمي

لم يلغِ التحوّل الرقمي الأسئلة الميتافيزيقية القديمة؛ بل أعاد صوغها بأشكال أكثر إلحاحًا؛ فإذا كان الفلاسفة قد تساءلوا عبر القرون عن معنى الوجود والعدم، وعن ماهية الروح والجسد، فإنّ الرقمنة جعلت هذه الأسئلة تكتسب وجوهًا جديدة: ما معنى الوجود في عالم افتراضي؟ هل الذات الرقمية امتداد للذات الحقيقية أم بديل عنها؟ وهل يمكن للوعي أن ينفصل عن الجسد ويتجسّد في بيانات وخوارزميات؟

إنّ الوجودية الرقمية التي نعيشها اليوم تضع الإنسان أمام تجربة لم يعرفها من قبل: أن يعيش بين عالمين؛ أحدهما ملموس والآخر مُتخيّل، وأن يبحث عن ذاته بين واقعه المادي وصورته المرقمنة.

المطلب الخامس: تحديات الرقمنة أمام مفاهيم الحقيقة، والمعرفة، والحرية

من أخطر ما تطرحه الرقمنة أنها تعيد تشكيل مفاهيم أساسية طالما شكّلت قلب الخطاب الفلسفي؛ مثل الحقيقة، والمعرفة، والحرية. ففي فضاء مفتوح حيث تختلط المعلومات بالتمثيلات تصبح الحقيقة مسألة إشكالية يذوب فيها الصدق في بحر من الصور والمعلومات المضلّلة.

والمعرفة حينئذ لم تعد فعلًا نقديًا يسعى إلى التثبّت والتأصيل؛ بل أصبحت متاحة لحظيًا، سهلة الاستهلاك، تُقدّمها الآلة أكثر مما ينتجها العقل.

أما الحرية، فهي في قلب المأزق الرقمي؛ فبين وعود التحرّر من قيود الزمان والمكان، وتهديدات المراقبة والهيمنة الخوارزمية، يجد الإنسان نفسه أمام مفارقة كبرى: هل صارت الرقمنة أفقًا جديدًا للحرية أم قيدًا جديدًا يتخفّى في صورة الانفتاح؟

المبحث الثالث: الإنسان والهوية في ظل التحوّل الرقمي

المطلب الأول: إشكالية الذات والآخر في الفضاء الرقمي

الفضاء الرقمي لم يفتح للإنسان نافذة جديدة للتواصل فحسب؛ بل زجّ به في تجربة غير مسبوقة، حيث تذوب الحدود بين "الأنا" و"الآخر"، ففي العالم الواقعي تقوم العلاقة بين الذات والآخر على تماس مباشر مع الجسد، ومع اللغة، ومع الذاكرة الحيّة، أما في الفضاء الافتراضي فإنّ العلاقة تُصاغ عبر الصور والبيانات والرموز.

وهنا تنشأ إشكالية عميقة، وهي: هل الآخر الذي نواجهه في العالم الرقمي هو حضور حقيقي أم انعكاس مشوّه تصنعه الخوارزميات؟ وهل الذات في هذا الفضاء تعكس حقيقتها أم تمارس نوعًا من "التقمّص" الذي يُعيد تشكيلها وفق إملاءات التقنية؟

إنّ ما كان في الفلسفة الكلاسيكية سؤالًا أنطولوجيًا عن الآخر، صار في الفلسفة الرقمية سؤالًا مزدوجًا عن صدقية الوجود وصحة التمثيل.

المطلب الثاني: الهوية الإنسانية بين التفكيك وإعادة التشكل

لم تعد الهوية في زمن الرقمنة معطًى ثابتًا أو ميراثًا يُحمل ببساطة من الماضي إلى الحاضر؛ بل صارت ساحة للتفكيك وإعادة البناء المستمر، فالإنسان لم يعد يُعرف باسمه أو أصله أو ثقافته وحدها، بل أصبح يمتلك "بصمة رقمية" تتراكم تفاصيلها في كل لحظة من حياته.

إنّ الهوية الرقمية ليست مجرد امتداد للهوية الإنسانية؛ بل هي عالم موازٍ يفرض شروطه الخاصة، حيث يمكن للإنسان أن يُعيد صياغة ذاته، أن يخفي أو يكشف ما يشاء، أن يتقمّص أدوارًا أو ينشئ عوالم افتراضية بديلة، غير أنّ هذا التفكيك المستمر للهوية يطرح سؤالًا وجوديًا مقلقًا: هل يظل الإنسان هو هو، أم يتحوّل إلى كائن متعدّد الوجوه، متشظّي الحضور، بلا مركز ثابت يؤسّس لمعناه؟

المطلب الثالث: الفلسفة ومستقبل الفكر الإنساني

الفلسفة لم تُخلق لتبقى أسيرة الماضي؛ بل لترافق الإنسان في تحوّلاته الكبرى، وتفتح أمامه أفقًا لفهم ذاته والعالم. واليوم أمام التحوّل الرقمي العاصف تبدو الفلسفة مدعوّة أكثر من أي وقت مضى إلى أن تسائل المستقبل، لا من زاوية التكهّن أو التنبؤ؛ بل من زاوية النقد والاستشراف.

إنّ مستقبل الفكر الإنساني مرتبط بقدرة الفلسفة على أن تكون يقظة، قادرة على قراءة التحوّلات العميقة التي تصنعها التقنية في البنى المعرفية والوجدانية والأخلاقية، فبين خطر انمحاء الإنسان في أنظمة ذكية مستقلة، وفرصة بناء حضارة جديدة أكثر عدلًا وإنسانية، تقف الفلسفة كحارس للمعنى تذكّر الإنسان بحدوده وبحريته وبكرامته.

المطلب الرابع: نحو خطاب فلسفي جديد في عصر الذكاء الاصطناعي

يمكن القول بأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية؛ بل هو حدث فلسفي بامتياز؛ إذ يُعيد طرح أسئلة الوعي والإرادة والحرية من جديد. وإذا كانت الفلسفة قد تساءلت طويلًا: "ما الإنسان؟"، فإنّها اليوم مطالبة بأن تسأل أيضًا: "ما معنى الإنسان في مواجهة كائنات ذكية غير بشرية؟"

إنّ الخطاب الفلسفي الجديد لا يمكن أن يكتفي بتراثه الكلاسيكي أو المعاصر؛ بل عليه أن يؤسس لغة جديدة تستوعب حضور الذكاء الاصطناعي، لا بوصفه تهديدًا فقط، بل أيضًا كإمكان يُعيد صياغة العلاقة بين الفكر والآلة، بين الإبداع البشري والابتكار الخوارزمي.

وهنا تتبدّى الحاجة إلى فلسفة قادرة على بناء "أخلاقيات للذكاء الاصطناعي" تحفظ للإنسان مكانته دون أن تنكر التحولات العظمى التي يشهدها العالم.

المطلب الخامس: آفاق التجديد الفلسفي في ضوء الثورة الرقمية

إنّ الثورة الرقمية ليست محطة عابرة في التاريخ البشري؛ بل هي نقطة انعطاف كبرى تُغيّر ملامح الحضارة، وتُعيد تشكيل مفهوم الإنسان ذاته. وفي هذا السياق يصبح التجديد الفلسفي ضرورة مصيرية، لا باعتباره إضافة فكرية فحسب؛ بل باعتباره شرطًا لبقاء الإنسان كفاعل حرّ، قادر على صوغ قيمه وتحديد مصيره.

إن آفاق هذا التجديد لا تقتصر على تطوير الأدوات والمناهج؛ بل تمتد إلى إعادة التفكير في أسس الفلسفة ذاتها: في أنطولوجيا الوجود، في نظرية المعرفة، في الأخلاق والسياسة، بل وفي معنى الحقيقة ذاته.

وإذا كان الماضي قد شهد فلسفات عقلانية ووجودية وما بعد حداثية، فإنّ المستقبل يلوّح بولادة "فلسفة رقمية" قادرة على احتضان جدلية الإنسان والتقنية، وعلى تحويل التحديات إلى فرص لبناء عالم أكثر وعيًا وإنصافًا.

الخاتمة

خلصت هذه الدراسة إلى جملة من النتائج والتوصيات التي يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة للنقاش الفلسفي في ظل الثورة الرقمية، ويمكن عرضها على النحو الآتي:

أولًا: النتائج:

التحوّل الرقمي حدثًا أنطولوجيًا ومعرفيًا وأخلاقيًا، وليس مجرد تطور تقني.

الخطاب الفلسفي الكلاسيكي لم يعد كافيًا لاستيعاب أسئلة العصر الرقمي.

الذكاء الاصطناعي يمثّل تحديًا فلسفيًا في تعريف الإنسان، وطرح بدائل جديدة لمعنى الوعي والإبداع.

أصبح للهوية الإنسانية بعدٌ رقميّ متنامٍ، يشكّل جزءًا من الذات المعاصرة.

الفضاء الرقمي أوجد أنماطًا جديدة من العلاقات الاجتماعية والمعرفية تقوم على الرمزية والتشفير.

التحوّل الرقمي يفرض إعادة نظر في مفاهيم الحقيقة والمعرفة، في ظل هيمنة الخوارزميات على إنتاج المعلومة.

القيم الإنسانية التقليدية تواجه اختبارًا عسيرًا أمام أنماط جديدة من التفاعل الرقمي.

الخطاب الفلسفي الجديد يجب أن يكون عابرًا للتخصصات، يستوعب التقنية والعلوم الإنسانية معًا.

التداخل بين الإنسان والآلة أصبح واقعًا لا يمكن تجاوزه في التفكير الفلسفي.

الفلسفة أمام مسؤولية صياغة "أخلاقيات رقمية" تحمي الإنسان من الاستلاب والاغتراب.

الخطاب الفلسفي المتجدد ينبغي أن يوازن بين النقد والاستشراف، فلا ينغلق في التشاؤم ولا يذوب في التفاؤل.

الرقمنة دفعت الفكر الإنساني نحو تجاوز المحلي والجزئي إلى أفق كوني شمولي.

تجديد الخطاب الفلسفي لا يعني القطيعة مع التراث، بل إعادة قراءته في ضوء الأسئلة الجديدة.

هناك حاجة إلى فلسفة جديدة للحرية، تتعامل مع الرقابة الرقمية والهيمنة الخوارزمية.

الهوية الإنسانية في العالم الرقمي باتت "سائلة"، مما يقتضي فلسفة قادرة على فهم هذا التشظي.

التجديد الفلسفي في عصر الرقمنة يمثل شرطًا لحماية المعنى الإنساني من الانمحاء في عالم افتراضي متسارع.

ثانيًا: التوصيات:

ضرورة تأسيس حقل فلسفي جديد يُعنى بالرقمنة والذكاء الاصطناعي بوصفهما قضايا وجودية.

تشجيع الدراسات العابرة للتخصصات بين الفلسفة وعلوم الحاسوب والاجتماع والإعلام.

فتح حوار عالمي حول القيم الإنسانية المشتركة في ظل التحوّل الرقمي، لتجنب الانزلاق نحو استلاب حضاري أو فقدان للمعنى.

***

إعداد: محمد أحمد عبيد - كاتب وباحث في الفلسفة

2025م

..........................

قائمة المصادر والمراجع

قلعجي، محمد رواس؛ قنيبي، حامد صادق. معجم لغة الفقهاء. دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1988م.

الرازي، زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي. مختار الصحاح. تحقيق: يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية – الدار النموذجية، بيروت – صيدا، الطبعة الخامسة، 1999م.

عمر، أحمد مختار عبد الحميد. معجم اللغة العربية المعاصرة. عالم الكتب، الطبعة الأولى، 2008م.

وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. الدليل الإجرائي لوحدات نظم المعلومات والتحول الرقمي. 2021م.

البلوشية، نوال بنت علي وآخرون. "واقع التحول الرقمي في المؤسسات العمانية". مجلة دراسات المعلومات والتكنولوجيا، 2020م، ع1.

موقع Bakkah Learning – بكه للتعليم. "التكنولوجيا الرقمية وتطورها وأنواعها الفوائد والسلبيات وأمثلة عليها". متاح على: com. تاريخ الدخول: 28/07/2025، الساعة 12:15م.

موقع Amazon Web Services – AWS. "ما المقصود بالتحوّل الرقمي؟". متاح على: amazon.com. تاريخ الدخول: 22/08/2025، الساعة 12:45م.

(1) معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعجي - حامد صادق قنيبي، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية، 1988م، ص 124.

(2) مختار الصحاح، زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي، المحقق: يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية - الدار النموذجية، بيروت - صيدا الطبعة: الخامسة، 1999م، ص 84.

(3) معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عبد الحميد عمر، عالم الكتب، الطبعة: الأولى، 2008م، 1/586.

(4) انظر: التكنولوجيا الرقمية وتطورها وأنواعها الفوائد والسلبيات وأمثلة عليها، موقع Bakkah Learning – بكه للتعليم: bakkah.com، تاريخ الدخول: 28/07/2025، الوقت: 12:15 م.

(5) انظر: ما المقصود بالتحوّل الرقمي؟، موقع Amazon Web Services – AWS: aws.amazon.com، تاريخ الدخول: 22/08/2025، الوقت: 12:45 م.

(6) وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات - الدليل الإجرائي لوحدات نظم المعلومات والتحول الرقمى، 2021م، ص 15.

(7) واقع التحول الرقمي في المؤسسات العمانية. نوال بنت علي البلوشية وآخرون، مجلة دراسات المعلومات والتكنولوجيا، 2020م، ع1، ص2-3.

 

الملخص: تتناول هذه الدراسة مفهوم الخلود في جدلية تمتد بين العقيدة الإسلامية ونظريات ما بعد الإنسانية (Transhumanism)، بوصفه من أعمق الأسئلة التي شغلت الفكر الإنساني عبر العصور، فقد شكّل الخلود في التصور الإسلامي وعدًا إلهيًا يتجاوز حدود الدنيا، حيث يتأسس على الإيمان والعمل الصالح ويتحقق في الآخرة باعتباره استكمالًا للعدالة الإلهية، وبذلك يتجاوز كل محاولات البشر لتمديد وجودهم المادي.

وقد بيّنت الدراسة أن الاختلاف الجوهري بين الرؤيتين يكمن في المصدر والغاية؛ فالخلود في الإسلام غايته روحية وأخروية مرتبطة بالمطلق الإلهي، بينما الخلود في ما بعد الإنسانية مقترن بوسائل مادية تؤطره ضمن حدود الزمان والمكان. كما يكشف التحليل أن خطاب ما بعد الإنسانية، رغم تقدمه العلمي، يواجه تحديات أنطولوجية وأخلاقية عميقة؛ أبرزها مسألة الهوية الإنسانية، العدالة في توزيع فوائد التقنية، ومعنى الحياة في ظل غياب النهاية الطبيعية للموت.

وقد خلصت الدراسة إلى أن التقنية، وإن أسهمت في تحسين نوعية الحياة وإطالة أعمار البشر، تبقى عاجزة عن معالجة سؤال المعنى الوجودي. ومن ثمّ توصي الدراسة بضرورة بناء حوار فلسفي-عقدي يوازن بين الإمكانات العلمية والمعايير الأخلاقية، مع ترسيخ الوعي النقدي تجاه أطروحات ما بعد الإنسانية، وتوجيه التقنية نحو خدمة مقاصد إنسانية شاملة بدل الانخداع بوهم الخلود المادي.

الكلمات المفتاحيّة: فلسفة الخلود، العقيدة الإسلاميّة، الإنسانية، Transhumanism.

Abstract:

This study examines the concept of immortality within a dialectic that extends between Islamic doctrine and transhumanist theories. It is one of the most profound questions that has preoccupied human thought throughout the ages. In the Islamic view, immortality represents a divine promise that transcends the confines of this world. It is founded on faith and good deeds and is realized in the afterlife as a fulfillment of divine justice, thereby transcending all human attempts to extend their material existence. The study demonstrates that the fundamental difference between the two visions lies in their source and purpose. Immortality in Islam is a spiritual and otherworldly goal linked to the divine absolute, while immortality in transhumanism is linked to material means that frame it within the confines of time and space. The analysis also reveals that the transhumanist discourse, despite its scientific advancements, faces profound ontological and ethical challenges, most notably the question of human identity, the justice in distributing the benefits of technology, and the meaning of life in the absence of the natural end of death.

The study concludes that technology, while it has contributed to improving the quality of life and extending human lifespans, remains incapable of addressing the question of existential meaning. The study therefore recommends the necessity of building a philosophical-theological dialogue that balances scientific capabilities and ethical standards, while fostering critical awareness of transhumanist theories, and directing technology toward serving comprehensive human purposes rather than being deceived by the illusion of material immortality.

Keywords: Philosophy of immortality, Islamic faith, humanism, transhumanism.

 المقدمة

مفهوم الخلود من أعمق الأسئلة التي شغلت الفكر الإنساني عبر العصور، إذ ارتبط بمصير الإنسان ووجوده ومعنى حياته، وكان أحد المحاور المركزية في الأديان والفلسفات على حدّ سواء.

وفي العقيدة الإسلامية، يمثّل الخلود وعدًا إلهيًا يتجاوز حدود الدنيا إلى عالم الآخرة، حيث تكتمل عدالة الله ويجد الإنسان ثمرة عمله. وفي المقابل برزت في الفكر المعاصر نظريات ما بعد الإنسانية (Transhumanism) التي تسعى، عبر توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات البيولوجية والهندسة الوراثية، إلى إطالة العمر وربما محاكاة شكل من أشكال "الخلود" الدنيوي.

وهنا تتجلّى أهمية الموضوع في كونه يجمع بين البُعد العقدي الديني والطرح الفلسفي-التقني الحديث، في إطار حوار نقدي حول معنى الخلود وحدوده.

أما أسباب اختيار الموضوع فترجع إلى: الحاجة إلى استجلاء الموقف العقدي والفلسفي الإسلامي تجاه محاولات "تأليه التقنية"، وتفكيك الأبعاد الفكرية والأخلاقية التي تطرحها نظريات ما بعد الإنسانية، خاصة في ظل تسارع التطور التكنولوجي الذي يغيّر تصورات الإنسان عن جسده ونهايته.

وتتمثل إشكالية الدراسة في السؤال الرئيس: كيف يمكن فهم فلسفة الخلود بين التصور العقدي الإسلامي ونظريات ما بعد الإنسانية، وما حدود التلاقي أو التباين بينهما؟

ومن هذه الإشكالية تنبثق أسئلة الدراسة:

1. ما مفهوم الخلود في العقيدة الإسلامية وما مرتكزاته العقدية والفلسفية؟

2.  كيف تصوّر الفلسفات الحديثة، وخاصة تيار ما بعد الإنسانية، مسألة الخلود وإطالة العمر؟

3.  ما أوجه التلاقي والاختلاف بين الخلود الأخروي والخلود التكنولوجي المزعوم؟

4.  كيف يمكن أن يسهم الفكر الإسلامي في نقد وتوجيه خطاب ما بعد الإنسانية؟

وتسعى الدراسة إلى تحقيق جملة من الأهداف، أهمها:

1.  توضيح الرؤية العقدية الإسلامية لمفهوم الخلود.

2.  تحليل مرتكزات نظريات ما بعد الإنسانية في مسألة تجاوز الموت.

3.  إجراء مقاربة نقدية بين المنظور الديني والفلسفي-التقني للخلود.

4.  بيان الأبعاد الأخلاقية والإنسانية لمفهوم الخلود في كلا السياقين.

أما حدود الدراسة فتنحصر في: المقارنة بين العقيدة الإسلامية وتيار ما بعد الإنسانية دون التوسع في كل المدارس الفلسفية أو جميع الأديان، مع التركيز على الخلود بوصفه مفهومًا فلسفيًا-وجوديًا.

وتعتمد الدراسة على المنهج التحليلي المقارن، من خلال تحليل النصوص العقدية الإسلامية، ومقارنتها بالكتابات الفلسفية المعاصرة في ما بعد الإنسانية، مع توظيف المنهج النقدي لاستجلاء الإشكالات الفكرية والأنطولوجية.

وبالنسبة إلى الدراسات السابقة، فقد تركزت معظم الأبحاث على دراسة علاقة الدين بالتكنولوجيا أو على تحليل ما بعد الإنسانية في أبعاده التقنية، بينما لم يُخصّص بحث مستقل لمقارنة فلسفة الخلود في العقيدة الإسلامية مع مفهوم الخلود في خطاب ما بعد الإنسانية، وهو ما يجعل هذا البحث إضافة نوعية.

وأخيرًا، يقوم هيكل الدراسة على ثلاثة مباحث رئيسة:

المبحث الأول: مفهوم الخلود في العقيدة الإسلامية – الأسس العقدية والفلسفية.

المبحث الثاني: الخلود في فلسفة ما بعد الإنسانية – الرهانات والتحديات.

المبحث الثالث: مقاربة نقدية – جدلية الخلود بين الإيمان والتقنية. 

المبحث الأول: مفهوم الخلود في العقيدة الإسلامية – الأسس العقدية والفلسفية

يحتلّ الخلود في العقيدة الإسلامية موقعاً محورياً في البناء العقدي والتصوّر الكوني؛ إذ يشكّل الامتداد الوجودي للإنسان بعد الموت، ويُعدّ من أبرز المعالم التي تميّز الرؤية الدينية عن التصورات المادية والفلسفات الوضعية، فالخلود في الإسلام ليس مجرّد حلم إنساني بالنجاة من الفناء؛ بل هو وعد إلهيّ محكوم بعدالة الله وحكمته، تتحقق به الغاية النهائية للوجود الإنساني عبر الجزاء الأخروي.

يمكن القول إنّه الامتداد الذي يربط الدنيا بالآخرة، والفعل بالنتيجة، والعمل بالمصير.

ينطلق المفهوم من مرتكزات عقدية أساسية، في مقدمتها الإيمان بالغيب، حيث تُعدّ الحياة الآخرة وما يترتب عليها من خلود نعيمًا أو عذابًا، ركناً إيمانياً لا يستقيم الإيمان بدونه، والخلود في النصوص القرآنية والحديثية ليس حالة رمزية أو استعارة مجازية؛ بل حقيقة وجودية ترتبط بسنن الخلق الإلهي، وبمقاصد البعث والحساب والجزاء.

وقد جعل القرآن الكريم الخلود مقروناً بالعدل الإلهي: "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ" (الزلزلة: 7)، فالحياة الدنيوية ليست سوى مرحلة اختبار يفضي إلى الخلود الأبدي.

ويفتح مفهوم الخلود في الإسلام أفقاً واسعاً للوعي الإنساني، إذ يعيد تعريف معنى الزمن والوجود؛ فالزمن الدنيوي محدود، لكن الزمن الأخروي لا نهائي، ما يحرّر الإنسان من أسر الفناء، ويجعله كائناً معنياً بما يتجاوز اللحظة الآنية.

وهذا البعد يمنح الوجود الإنساني قيمة متعالية، إذ لا يُختزل في الجسد ولا في التجربة المادية؛ بل يمتد إلى ما وراء الطبيعة حيث تتحقق كمالات الروح.

أما من الناحية الوجودية فإن الخلود الإسلامي يضع الإنسان أمام مسؤولية أخلاقية كبرى، لأن الوجود الأبدي ليس قدراً بيولوجياً أو تقنياً؛ بل هو ثمرة حرية الإنسان في الاختيار، واستعماله لعقله وإرادته في مواجهة الإغراءات والشهوات.

وبذلك يصبح الخلود معياراً أخلاقياً يربط بين الحرية والجزاء، وبين الفعل الدنيوي والنتيجة الأخروية.

إنّ التصوّر الإسلامي للخلود يتجاوز محاولات الإنسان للبحث عن "مخارج تقنية" من الموت، لأنه لا ينظر إلى الموت بوصفه خللاً في الطبيعة ينبغي إصلاحه؛ بل باعتباره سنّة كونية تفتح الطريق نحو حياة أرحب.

ومن هنا تتبدّى خصوصية هذا التصور: فالخلود ليس مشروعاً يصنعه الإنسان لنفسه؛ بل هبة إلهية تترتب على إيمانه وعمله، بما يحفظ التوازن بين العدل الإلهي والحرية الإنسانية، ويمنح الوجود البشري معناه الأسمى. 

المبحث الثاني: الخلود في فلسفة ما بعد الإنسانية – الرهانات والتحديات

تُعَدّ نظريات ما بعد الإنسانية (Transhumanism) واحدة من أكثر التيارات الفكرية المعاصرة إثارة للجدل؛ إذ تحمل مشروعاً يقوم على تجاوز المحدوديات الطبيعية للجسد البشري، وعلى رأسها الشيخوخة والموت، فالخلود هنا لا يُفهم في بعده الغيبي أو الأخروي كما في الأديان؛ بل في إطار دنيوي-تقني يسعى إلى إطالة العمر البشري إلى أقصى مدى، وربما محاكاة "اللانهاية" عبر التكنولوجيا.

ومن ثمّ، فإنّ ما بعد الإنسانية لا تقدّم مجرّد تصوّر نظري، بل مشروعاً طموحاً يرتكز على الهندسة الوراثية، والذكاء الاصطناعي، وزراعة الأعضاء، وتقنيات النانو، وغيرها من الابتكارات التي تجعل من "الخلود الأرضي" هدفاً ممكناً – على الأقل في مخيلة أنصارها.

ويقوم خطاب ما بعد الإنسانية على رهان أساسي؛ وهو أنّ الإنسان كائن قابل للتحسين إلى ما لا نهاية، وأنّ الموت ليس قدراً محتوماً بل عطب بيولوجي يمكن تجاوزه بالتدخل العلمي. وهنا تتداخل الفلسفة مع البيولوجيا والمعلوماتية، حيث يُعاد تعريف "ماهية الإنسان" باعتباره مشروعاً مفتوحاً للتعديل والتطوير.

إذن الرهان هو كسر حدود الطبيعة والانتقال من "الإنسان العاقل" (Homo Sapiens) إلى "الإنسان المتفوق" (Homo Deus) أو ما يُسمّى بالـ Posthuman.

إن الخلود في خطاب ما بعد الإنسانية ليس مجرد إطالة زمنية للحياة؛ بل إعادة صياغة لعلاقة الإنسان بذاته وبالعالم، فإذا كان الموت هو الذي يمنح الحياة معناها وفق التصور الفلسفي التقليدي، فإن تجاوزه يهدّد هذا المعنى، إذ قد يتحول الوجود إلى دائرة زمنية فارغة بلا غاية.

ومن هنا يبرز السؤال الفلسفي: هل الخلود التقني تحقيق لانتصار الإنسان، أم سقوط في عبثية وجودية جديدة؟

ويمثّل مشروع الخلود التكنولوجي تحدياً عميقاً للقيم الإنسانية؛ إذ يثير قضايا العدالة (من المستفيد من هذه التقنيات؟)، والمساواة (هل يصبح الخلود امتيازاً للأثرياء فقط؟)، والهوية (هل يظل الإنسان إنساناً إذا استُبدل جسده بأعضاء صناعية أو نُقلت وعيه إلى خوارزميات رقمية؟). كما يُطرح تحدي الأنطولوجيا: هل الخلود التقني خلود حقيقي، أم مجرد محاكاة للوجود البيولوجي؟

ورغم الطموح الكبير؛ فإن خطاب ما بعد الإنسانية يظل مشوباً بالتساؤلات العلمية والعملية؛ فالموت ليس ظاهرة بيولوجية فقط، بل له جذور وجودية وروحية عميقة. وبالتالي فإنّ مشروع "إلغاء الموت" قد ينتهي إلى وهم أو "يوتوبيا رقمية"، تَعِد بما لا يمكن تحقيقه.

ومع ذلك، يظل أثر هذا المشروع كبيراً على وعي الإنسان المعاصر، إذ يعيد صياغة تصوراته عن جسده وحدود حياته ومصيره.

إنّ الخلود في فلسفة ما بعد الإنسانية ليس نهاية للإنسان؛ بل بداية لجدل جديد حول معنى أن يكون الإنسان إنساناً، وحول حدود ما يمكن أن تمنحه التقنية مقارنة بما يعد به الإيمان. ومن هنا تكمن خطورة هذا الطرح؛ أنّه يضع "الخلود الأخروي" في مواجهة "الخلود الدنيوي"، فاتحاً أفقاً واسعاً للتساؤل والنقد.

المبحث الثالث: مقاربة نقدية – جدلية الخلود بين الإيمان والتقنية

يضع مفهوم الخلود الإنسان أمام مفترق طرق فلسفي وروحي؛ فبينما تقدّمه العقيدة الإسلامية بوصفه وعدًا إلهيًا مشروطًا بالإيمان والعمل الصالح، تحاول فلسفة ما بعد الإنسانية أن تُعيد صياغته في أفق دنيوي عبر أدوات التقنية والذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية.

وهنا يبرز التوتر الجدلي بين الإيمان الذي يستند إلى المطلق، والتقنية التي تظلّ رهينة النسبي والاحتمالي.

وفي التصور الإسلامي، الخلود ليس غاية يُسعى إليها بذاتها؛ بل هو ثمرة طبيعية لإيمان الإنسان وارتباطه بخالقه، إذ يتحقق في الآخرة حيث يُرفع الحجاب عن الحقيقة وتكتمل العدالة الإلهية. أما في خطاب ما بعد الإنسانية، فإن الخلود يتحوّل إلى غاية تقنية يُراد تحقيقها من خلال السيطرة على الجسد وتعديل الجينات وتخزين الوعي.

وهنا تنشأ مفارقة أساسية؛ وهي بينما يربط الإسلام الخلود بالمطلق والغاية الأخروية، يربطه الخطاب التكنولوجي بالوسيلة المادية التي قد تختزل الإنسان إلى مجرد "مادة قابلة للبرمجة".

ويتعامل الفكر الإسلامي مع الموت بوصفه حقيقة وجودية أصيلة، مرتبطة بالحكمة الإلهية والسنن الكونية: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران: 185)، أما ما بعد الإنسانية فينظر إلى الموت كـ"خلل بيولوجي" يمكن تجاوزه بالعلم، محاولًا تحويله من قدر محتوم إلى مشكلة تقنية.

وهنا يثور التساؤل: هل يؤدي السعي إلى إلغاء الموت إلى تعزيز كرامة الإنسان أم إلى تفريغه من جوهره ومعناه؟

ويحمل خطاب الخلود التكنولوجي إشكالات أخلاقية عميقة، منها:

1.  العدالة: هل سيكون "الخلود" متاحًا للجميع، أم سيقتصر على نخبة قادرة على شراء التقنية؟

2.  الهوية: إذا حُمّل وعي الإنسان في جهاز أو عُدّل جينيًا، هل يبقى هو ذاته، أم يصبح "كائنًا آخر"؟

3.  المعنى: إذا أُلغيت نهاية الحياة، هل يفقد الوجود الإنساني عنصر المعنى المرتبط بندرة الزمن ومحدودية العمر؟

في المقابل، يقدّم الإسلام رؤية تُحافظ على قيمة الموت بوصفه انتقالًا إلى حياة أخرى، وعلى معنى الخلود باعتباره تحققًا للوعد الإلهي، مما يرسّخ المسؤولية الأخلاقية ويُبقي للوجود غايته القصوى.

ولا يمكن تجاهل إسهامات التكنولوجيا في تخفيف المعاناة وإطالة العمر وتحسين جودة الحياة، غير أن محاولة تحويلها إلى بديل شامل عن المعنى الأخروي تظلّ محمّلة بالمخاطر. ومن هنا تبرز ضرورة حوار نقدي بين الإيمان والتقنية؛ فالإيمان يذكّر التقنية بحدودها ويحميها من السقوط في نزعة "التأليه". والتقنية إذا وُظّفت في إطار أخلاقي رشيد، يمكن أن تكون وسيلة لخدمة مقاصد إنسانية دون أن تدّعي تجاوز الموت أو إلغاء القدر.

يمكن القول إن جدلية الخلود بين الإيمان والتقنية تكشف عن عمق السؤال الوجودي الذي يواجه الإنسان المعاصر: هل يُختزل الخلود إلى مشروع علمي-تقني، أم يبقى في جوهره وعدًا إلهيًا يتجاوز حدود المادة؟

والجواب، من منظور نقدي، أن الخلود الحقيقي لا يتحقق إلا في إطار رؤية تؤمن بالمطلق، في حين أن الخلود التكنولوجي يظلّ وهمًا محكومًا بحدود الطبيعة، مهما بلغت التقنية من تطور.

الخاتمة

أولاً: النتائج:

1. الخلود وعد إلهي مرتبط بالإيمان والعمل، لا يتحقق في الدنيا بل في الآخرة حيث تُستكمل العدالة الإلهية.

2.  الموت ليس خللاً بيولوجيًا، بل سنة كونية وحكمة إلهية، وهو شرط للانتقال إلى الحياة الأبدية.

3.  الخلود يُطرح كإمكانية تقنية تسعى إلى تجاوز الموت عبر الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية.

4.  النظر إلى الجسد باعتباره مادة قابلة للتعديل، والوعي كبيانات يمكن تخزينها أو محاكاتها، يختزل الإنسان إلى بعد آلي مادي.

5.  الخلود الإسلامي يرتبط بالغاية والبعد الميتافيزيقي، بينما الخلود التكنولوجي يقوم على الوسيلة والبعد المادي.

6.  الخلود التكنولوجي يطرح إشكالات أخلاقية كبرى: العدالة في إتاحته، الحفاظ على الهوية، ومعنى الوجود في غياب النهاية.

7.  التقنية -وإن ساهمت في تحسين الحياة- تظل عاجزة عن معالجة السؤال الوجودي العميق المتعلق بالموت والمعنى.

ثانياً: التوصيات:

1.  ينبغي أن يُبنى خطاب تواصلي يوازن بين الإنجازات العلمية والمرجعية العقدية، بحيث تستفيد التقنية من قيم الإيمان، ويستفيد الفكر الديني من معطيات العلم دون تناقض.

2.  يجب أن يُخضع خطاب ما بعد الإنسانية لمراجعات أخلاقية صارمة، تمنع تحوّله إلى مشروع للنخبة أو إلى مسار يهدد هوية الإنسان.

3.  الحاجة ماسة إلى أبحاث أكاديمية متعمقة تربط بين الفكر الإسلامي والفلسفات التقنية الحديثة، خاصة في موضوعات مثل "الوعي"، "الجسد"، و"الموت".

4.  إعادة توظيف التكنولوجيا لخدمة المقاصد الإنسانية بدلًا من السعي وراء وهم "الخلود المادي"، ينبغي توجيه التقنية إلى تحسين نوعية الحياة، مكافحة الأمراض، وصون كرامة الإنسان.

***

إعداد: محمد أحمد عبيد - كاتب وباحث في الفلسفة

2025م

الملخص: تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة مفهوم الغيب في الفلسفة الدينية في ضوء تحديات الواقع الافتراضي، من خلال تحليل جدلية التفاعل بين الثابت العقدي والمتحوّل التقني. وقد أوضحت الدراسة أن الأديان الكبرى، وعلى رأسها الإسلام، جعلت الغيب مجالاً خاصاً بالوحي، يحدّ من طموحات العقل التجريبية ويمنح الإنسان أفقاً للتسليم واليقين. وقد خلصت إلى أن المستقبل الرقمي سيضاعف من هذه الجدلية، مما يستدعي خطاباً نقدياً وفلسفياً يحافظ على نقاء مفهوم الغيب، ويميز بين الغيب الحقيقي والمحاكاة الرقمية.

وعليه، تقدم الدراسة رؤية نقدية تستشرف مستقبل العلاقة بين الدين والتقنية، مؤكدة ضرورة بناء وعي فلسفي-عقدي معاصر يدمج بين الأصالة الدينية والتحديات الرقمية، بما يحفظ التوازن بين الإيمان بالغيب واستخدام الوسائط الافتراضية.

الكلمات المفتاحيّة: الغيب، الفلسفة، الدين، الواقع الافتراضي.

Abstract:

This study seeks to approach the concept of the unseen in religious philosophy in light of the challenges of virtual reality, by analyzing the dialectic of interaction between doctrinal constants and technological variables. The study demonstrates that major religions, most notably Islam, have made the unseen a domain of revelation, limiting the ambitions of the experimental mind and granting humanity a horizon of submission and certainty. It concludes that the digital future will exacerbate this dialectic, calling for a critical and philosophical discourse that preserves the purity of the concept of the unseen and distinguishes between the real unseen and digital simulations.

Accordingly, the study presents a critical vision that anticipates the future of the relationship between religion and technology, emphasizing the necessity of building a contemporary philosophical-doctrinal awareness that integrates religious authenticity and digital challenges, thus maintaining a balance between belief in the unseen and the use of virtual media.

Keywords: the unseen, philosophy, religion, virtual reality.

المقدّمة

الغيب في التصور الديني يُعَدّ من أهم المرتكزات التي يقوم عليها الوعي الإنساني والإيمان الروحي، فهو الحيّز الذي يتجاوز حدود المحسوس والعقلاني ليؤسّس لمعنى الوجود ويفتح أمام الإنسان آفاق التسليم والبحث عن الحقيقة.

ومع بروز الواقع الافتراضي كأحد أهم إفرازات الثورة الرقمية، أخذت الأسئلة الفلسفية تتضاعف حول طبيعة الغيب وحدوده: هل يظلّ الغيب كما هو في الفلسفة الدينية فضاءً مطلقاً لا تدركه التجربة الإنسانية، أم أنّ العوالم الافتراضية بما تخلقه من صور ومحاكاة أصبحت تُنتج "غيوبيات مزيّفة" تثير ارتباكاً معرفياً جديداً؟

وتتجلّى أهمية الموضوع في كونه يعالج جدلية عميقة بين الثابت والمتحوّل: الثابت المتمثّل في مفهوم الغيب في الأديان والفلسفات الدينية، والمتحوّل المتمثل في الواقع الافتراضي الذي يقدّم خبرات حسّية غير تقليدية تحاكي الماورائيات.

وهذه الجدلية تجعل الموضوع مجالاً خصباً للتفكير الفلسفي والنقدي حول مكانة الغيب في عصر الرقمنة.

أما أسباب اختيار الموضوع، فترجع إلى الحاجة إلى فهم كيف تؤثر التحولات الرقمية على التصورات العقدية والفلسفية للإنسان، خاصةً مع تنامي حضور العوالم الافتراضية التي قد تُضعف أو تُعيد تشكيل إدراك الإنسان للغيب.

وتنحصر إشكالية الدراسة في السؤال المركزي: كيف يتقاطع مفهوم الغيب في الفلسفة الدينية مع معطيات الواقع الافتراضي، وإلى أي حد يمكن أن يؤثر هذا الواقع في الوعي الإنساني بالغيب؟

ومن هذه الإشكالية تتفرع أسئلة الدراسة:

ما طبيعة الغيب في الفلسفات الدينية الكبرى؟

كيف يسهم الواقع الافتراضي في إنتاج خبرات جديدة قد تحاكي الغيب؟

هل يمكن اعتبار المحاكاة الافتراضية بديلاً معرفياً عن مفهوم الغيب؟

ما حدود التمييز بين الغيب الحقيقي والغيب المزيّف في الوعي المعاصر؟

أما أهداف الدراسة فهي:

توضيح مفهوم الغيب في الفلسفة الدينية وبيان مكانته في الوعي الإنساني.

تحليل أثر الواقع الافتراضي على إدراك الغيب وتمثلاته.

الكشف عن أبعاد العلاقة بين الغيب والافتراض الرقمي من منظور نقدي.

استشراف مستقبل مفهوم الغيب في ظل الثورة الرقمية.

وتقتصر حدود الدراسة على دراسة المفهوم في نطاق الفلسفة الدينية والواقع الافتراضي، دون التوسع في الجوانب التقنية البحتة للواقع الافتراضي أو التفاصيل اللاهوتية الدقيقة في كل دين على حدة.

وتعتمد هذه الدراسة على المنهج التحليلي المقارن من خلال تحليل المفهوم في الفلسفات الدينية، ومقارنته بما يتيحه الواقع الافتراضي من بدائل إدراكية.

وبالنسبة إلى الدراسات السابقة، فقد انصبّ معظمها على دراسة العلاقة بين الدين والتكنولوجيا، أو على البعد النفسي والاجتماعي للتدين الرقمي، بينما لم يُولَ الاهتمام الكافي لمفهوم الغيب ذاته في تداخله مع العوالم الافتراضية، وهو ما يجعل هذه الدراسة رائدة من حيث الإشكالية والمقاربة.

ويقوم هيكل الدراسة على ثلاثة مباحث رئيسة:

المبحث الأول: الغيب في الفلسفة الدينية – المفاهيم والحدود.

المبحث الثاني: الواقع الافتراضي وإنتاج المحاكاة – قراءة فلسفية.

المبحث الثالث: الغيب بين الفلسفة الدينية والواقع الافتراضي – جدلية التفاعل والاستشراف.

الغيب في الفلسفة الدينية – المفاهيم والحدود

الغيب يشكّل أحد الركائز الكبرى في الفكر الديني والفلسفي على السواء؛ إذ يعبّر عن المجال الذي يتجاوز حدود المحسوس والتجربة المباشرة ليضع الإنسان أمام أفقٍ أوسع من إدراكه الحسي والعقلي.

ويُقصد بالغيب في الأديان السماوية كل ما استتر عن إدراك الإنسان، مما لا يُدرك بالحواس ولا بالعقل المجرد، وإنما يُعرَف بالوحي أو بالإيمان(1).

وقد ارتبط الغيب بالمعنى الوجودي العميق؛ فهو ليس مجرد مجهول، بل هو مجال اليقين الذي يُؤسَّس على الثقة بالمطلق الإلهي، فالإيمان بالغيب أجل المقامات على الإطلاق"٤. وكما أن الإيمان بالغيب يقوم على أساس متين من الشرع، فهو يقوم كذلك على أساس متين من الفطرة والعقل. طريق الهداية - مبادئ ومقدمات علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة، محمد يسري، الطبعة: الثانية، 2006م، ص 216.

وفي التصور الإسلامي يحتل الغيب موقعاً مركزياً؛ فالقرآن الكريم يصف المؤمنين بأنهم "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ" (البقرة: 3)، مما يجعل الإيمان بالغيب شرطاً أولياً للانتماء العقدي، ويتسع مفهوم الغيب ليشمل الله سبحانه وتعالى، واليوم الآخر، والملائكة، والقدر، وما وراء الحس(2).

وفي الفكر المسيحي يرتبط الغيب بسرّ الإيمان، فعندهم: "وَلَهُمْ سِرُّ الإِيمَانِ بِضَمِيرٍ طَاهِرٍ"(3)؛ حيث يُنظر إليه باعتباره مجالاً لنعمة الله التي تتجاوز حدود العقل البشري، وتظهر في العقيدة المسيحية مفاهيم مثل سرّ التجسد والفداء كأسرار إيمانية تقع في حيز الغيب.

أما في الفلسفة اليهودية فيبرز الغيب في مفهوم "الإله المتعالي" الذي لا يُدرَك كنهه ولا يُتصوّر تماماً، وإنما يُعرَف عبر أفعاله وإرادته في التاريخ، فــ"يهوه إله اليهود الذي آمن به فيلو هو الإله المفارق للعالم المحسوس، وهو الإله المتعالي اللامتناهي في صفات الكمال... لذلك فهو لا يمكن وصفه إلاَّ بالسلب كقولنا غير المحوي غير المحدود غير المتناهي... غير أنه لفرط علوه عن العالم ولعظم الهوة التي تفصله عنه، لا يؤثر مباشرة في العالم، بل يؤثر عن طريق وسائط أو قوى إلهية... أولها وأهمها هيَ: الكلمة أو اللوغوس"(4).

وعلى الرغم من أن الغيب ارتبط بالوحي، إلا أن الفلسفة الدينية تعاملت معه باعتباره ضرورة وجودية وعقلية معاً، فعند الفلاسفة المسلمين -مثل ابن سينا والفارابي- كان الغيب متجذّراً في مراتب الوجود، حيث يميزون بين العالم المحسوس والعالم المعقول، ويعتبرون الغيب امتداداً لمجال العقول المجردة والفيض الإلهي(5).

يمكن القول أن الغيب في الفلسفة الدينية يتحدد بحدودٍ دقيقة تميّزه عن المجهول أو الوهم، وهي:

الغيب المطلق: وهو ما لا يمكن للإنسان إدراكه بحال من الأحوال، كذات الله أو حقيقة الروح.

الغيب النسبي: وهو ما يمكن أن يُكشف جزئياً عبر الوحي أو التجربة الروحية، مثل حقائق الآخرة أو بعض المعجزات.

المجهول المؤقت: وهو ما يجهله الإنسان في زمن ما، ثم يمكن أن يكشفه العلم أو التجربة، كالقوانين الطبيعية أو أسرار الكون.

وبذلك يصبح الغيب ليس مجرد "مجهول" يثير الحيرة؛ بل أفقاً معرفياً وروحياً يرسم للإنسان حدود قدرته ويذكّره بمقام العبودية، ويمنحه في الوقت ذاته معنى يتجاوز التجربة المادية.

ويشكّل الغيب محوراً أساسياً في تشكيل وعي الإنسان بذاته وبالوجود؛ فهو يرسّخ التواضع المعرفي أمام أسرار الكون، ويغذّي البعد الروحي الذي يربط الإنسان بالمطلق، كما يحدّد المنظور الأخلاقي، إذ إن الإيمان بالغيب يوجّه سلوك الإنسان نحو المسؤولية أمام إله عليم.

وبهذا يتضح أن الغيب في الفلسفة الدينية ليس مفهوماً ثانوياً؛ بل هو أساس الإيمان والوعي بالوجود. غير أن ظهور الواقع الافتراضي أوجد عوالم جديدة من "اللامرئي" قد تداخلت مع هذا المفهوم، وهو ما يستدعي بحثاً مستقلاً في المبحث الثاني حول علاقة المحاكاة الرقمية بالغيب الحقيقي.

الواقع الافتراضي وإنتاج المحاكاة – قراءة فلسفية

يمثل الواقع الافتراضي (Virtual Reality) أحد أبرز التحولات التكنولوجية التي غيّرت إدراك الإنسان للوجود والمعرفة، إذ لم يعد مقتصراً على محاكاة العالم الواقعي؛ بل تجاوز ذلك إلى خلق عوالم جديدة متخيلة، قابلة للتجربة الحسية والمعايشة المباشرة(6).

ويعني ذلك أن الواقع الافتراضي ليس مجرد أداة تقنية، بل هو بنية فكرية ومعرفية تعيد صياغة حدود الممكن والمستحيل، وتثير أسئلة فلسفية عميقة حول معنى الحقيقة والتمثيل، وحول الفاصل بين الوهم والواقع.

وقد ارتبط مفهوم المحاكاة تاريخياً بالفلسفة اليونانية، حيث اعتبر أفلاطون أن الفن محاكاة للمحاكاة، أي صورة ناقصة للوجود الحق(7)، وفي الفلسفة المعاصرة قدم جان بودريار مفهوم "المحاكاة الفائقة" (Hyper-simulation حيث تصبح الرموز والصور أكثر حضوراً من الواقع نفسه، وتكتسب سلطة في تشكيل الوعي والمعنى(8).

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الواقع الافتراضي باعتباره امتداداً لهذه الفلسفات، إذ لا يكتفي بإعادة إنتاج العالم الواقعي، بل يؤسس لعوالم بديلة قد تحل محل الواقع في تشكيل إدراك الإنسان لنفسه وللآخر وللإلهي.

ومع اتساع نطاق تطبيقات الواقع الافتراضي في التعليم، والطب، والفن، والطقوس الدينية، يتعرض الإنسان لإعادة تشكيل جذري في تجربته الوجودية، فالتجربة الافتراضية تتيح له إمكانات غير محدودة للانتقال، والتقمص، وإعادة التمثيل، مما يجعل حدود الجسد والمكان والزمان أكثر سيولة.

وتفتح هذه السيولة باباً لإعادة التفكير في ماهية "الواقعي": هل هو ما ندركه مباشرة عبر الحواس، أم ما يقدمه الجهاز الرقمي كبديل أكثر كثافة وثراء؟

ويثير الواقع الافتراضي جدلاً فلسفياً حول العلاقة بين الحقيقة والوهم، فمن منظور واقعي لا يمكن أن تحل الصورة محل الأصل؛ لكن من منظور ما بعد الحداثة، قد لا يكون ثمة فرق جوهري بين الأصل والنسخة، لأن كلاهما يتحدد في فضاء المعنى والتداول.

ومن ثم فإن الواقع الافتراضي يدفعنا إلى التساؤل: هل نحن بصدد توسيع نطاق إدراك الحقيقة، أم أننا أمام طمس تدريجي للفوارق بين الحقيقة والوهم بحيث يصبح الإنسان أسير "عالم المحاكاة"؟

إن المحاكاة التي ينتجها الواقع الافتراضي ليست حيادية؛ بل تحمل آثاراً عقدية وأخلاقية، فهي قد تُعيد صياغة الممارسات الدينية عبر "طقوس افتراضية"، أو تُقدم تمثيلات جديدة للغيب والقداسة، مما يفرض تحدياً على العقيدة الإسلامية التي تؤكد على التمييز بين الغيب المحجوب والشهادة المشهودة. كما تثير قضايا أخلاقية تتعلق بالمسؤولية، حيث قد ينزلق الإنسان إلى تجربة ما هو محرّم واقعياً في فضاء افتراضي دون شعور بالذنب أو المساءلة.

يمكن القول بأن التعامل مع الواقع الافتراضي يقتضي قراءة فلسفية نقدية لا تنبهر بوعوده التقنية ولا ترفضه مطلقاً، فالمسألة تتعلق بكيفية توظيفه في خدمة القيم الإنسانية والدينية، وتجنب تحوله إلى أداة تفكيك للمعنى أو بديل عن التجربة الروحية الأصيلة.

وهنا يظهر دور الفلسفة والعقيدة معاً في وضع معايير توجه هذا الواقع الجديد، بحيث يبقى الإنسان قادراً على التمييز بين الحقيقة والمحاكاة، وبين الوسيلة والغاية.

الغيب بين الفلسفة الدينية والواقع الافتراضي – جدلية التفاعل والاستشراف

الغيب في التصور الديني -لا سيما في العقيدة الإسلامية- يمثل البُعد الذي يتجاوز حدود الحسّ والتجربة المباشرة، وهو مجال محفوظ لله تعالى، يُعرف بالوحي ويُستدل عليه بالعقل، لكنه يظل بمنأى عن المحاكاة والتجسيد البشري، فلا سلطان لأحد على الغيب إلا ما أعلمنا الله إياه(9).

ويُشكل الإيمان بالغيب أحد أركان التصور الإسلامي للوجود، بما يتضمنه من إيمان بالله والملائكة واليوم الآخر وما وراء الحسّ، فهذا المفهوم يطرح إشكاليات فلسفية متجددة حين يُقارن مع أدوات الواقع الافتراضي التي تحاول "محاكاة" أو "إعادة بناء" ما هو غير مُدرَك بالحواس.

وتناولت الفلسفات الدينية عبر العصور الغيب باعتباره منبعاً للمعنى، ومصدراً لتجاوز المحدود إلى اللامحدود، فالفلسفة المسيحية مثلاً نظرت إلى الغيب باعتباره الحقل الذي يتجاوز العقل البشري ويقتضي الإيمان. أما الفلسفة الإسلامية، فقد بلورت رؤية وسطية تؤكد أنّ الغيب لا يُلغى بالعقل ولا يُحاكى بالخيال؛ بل يُصدَّق به بالوحي، ويُفهم بالعقل كأداة لتأكيد إمكانه.

وهذه الرؤية تضبط حدود المعرفة الإنسانية، وتضع فاصلاً بين ما هو متاح إدراكه بالحواس وبين ما لا يُنال إلا بالإيمان.

مع تطور تقنيات الواقع الافتراضي، بدأ الإنسان يبتكر عوالم بديلة تمثل نوعاً من "الغيب المصطنع"، حيث يُتاح له أن يعيش تجارب لم يختبرها في الواقع، أو أن يستحضر صوراً لآخرةٍ متخيلة، أو ملائكة وأرواح رقمية، غير أنّ هذا "الغيب الافتراضي" لا يتجاوز كونه محاكاة من صنع الخيال والتقنية، ما يجعله خطراً فلسفياً وعقدياً إن استُخدم لتقويض الإيمان بالغيب الحقيقي الذي حدده الوحي.

وهنا تبرز إشكالية: هل يمكن اعتبار هذا الغيب المصطنع شكلاً من أشكال الإبداع الإنساني، أم أنه يمثل تشويشاً على العقائد وتلاعباً بالوجدان؟

تقوم الجدلية هنا على مفارقة أساسية؛ فمن جهة الواقع الافتراضي يفتح أفقاً جديداً لفهم قدرة الإنسان على التخيل والتجسيد، بما يعزز وعيه بحدوده أمام الغيب الإلهي. ومن جهة أخرى قد يؤدي التوغل في هذه العوالم إلى طمس الحدود بين الحقيقي والمتخيل، فيتوهم الإنسان أن بمقدوره الإحاطة بالغيب أو تمثيله.

ومن ثم يصبح التفاعل بين الغيب والافتراضي مزدوج الوجه؛ محفزاً على إدراك محدودية الإنسان، ومهدداً في الوقت ذاته لتوازن العقيدة إن لم يُضبط بالمعايير الشرعية والفلسفية.

وتطرح هذه الجدلية سؤالاً استشرافياً مفاده: كيف سيتشكل وعي الإنسان بالغيب في ظل تطور الواقع الافتراضي؟

يمكن القول إن المستقبل سيشهد مزيداً من "التداخل الرمزي" بين الغيب الديني والغيب الرقمي، وهو ما يتطلب بناء وعي نقدي يحفظ التمايز بينهما، ولعل التحدي الأكبر هو أن يستخدم الإنسان هذه التقنيات لتعزيز معاني الإيمان والتأمل في عظمة الخالق، لا أن يجعلها بديلاً عن الوحي أو أداة لمحاكاة الغيب بطرائق قد تفضي إلى الانحراف العقدي.

لا يعني ذلك رفض الواقع الافتراضي جملة وتفصيلاً؛ بل ضرورة ضبطه بمنظور فلسفي-عقدي يُقرّ بمحدودية الإنسان في إدراك الغيب، فالمنهج الإسلامي، في جوهره، لا يُعادي الخيال ولا التقنية، لكنه يضعهما في إطار الوسيلة لا الغاية، وفي حدود ما يخدم الحقيقة الإيمانية.

من هنا تأتي الحاجة إلى مشروع معرفي يعيد قراءة الغيب في ضوء التحولات الرقمية، مستفيداً من التقنيات دون الوقوع في فخ المحاكاة التي تُشوّه قداسة الغيب.

الخاتمة

أولًا: النتائج:

مفهوم الغيب في الفلسفة الدينية يشكل أساساً مركزياً للوعي الإنساني، إذ يضبط العلاقة بين المحسوس واللامحسوس، ويضع حدوداً للمعرفة البشرية. وقد أكدت الفلسفة الإسلامية بشكل خاص أنّ الغيب مجال محفوظ لا يدرك إلا بالوحي، مع إمكان الاستدلال العقلي على إمكانه وضرورته.

الواقع الافتراضي يقدم إمكانات جديدة لمحاكاة التجربة الإنسانية، تصل إلى حدّ صناعة "غيوبيات مزيّفة" تُثير ارتباكاً معرفياً، من خلال قدرتها على محاكاة ما وراء الحسّ، إلا أنّ هذه المحاكاة لا تخرج عن إطار الخيال التقني، ولا يمكن أن تكون بديلاً عن الغيب الديني الحقيقي.

العلاقة بين الغيب والواقع الافتراضي تتسم بالجدلية؛ فهي من جهة قد تساعد على إبراز محدودية الإنسان أمام الغيب الإلهي، ومن جهة أخرى قد تفضي إلى تشويش على الوعي الديني إذا لم تُضبط. كما أظهرت الدراسة أن المستقبل الرقمي سيضاعف من هذه الجدلية، بما يستدعي صياغة وعي نقدي يحمي المفاهيم العقدية من التمييع أو التحريف.

ثانياً: التوصيات:

إدماج البُعد النقدي في دراسة الظواهر الرقمية داخل الحقول الشرعية والفلسفية، بحيث لا يقتصر الاهتمام على الجوانب التقنية أو الاجتماعية.

بناء خطاب ديني وفلسفي معاصر يوضح للمتلقي الفرق بين المحاكاة الافتراضية والغيب الحقيقي، ويبرز قيمة الإيمان بالغيب باعتباره بعداً لا يُنال بالتجربة الحسية ولا بالخيال الرقمي.

تشجيع البحوث البينية (Interdisciplinary Studies) بين الفلسفة، الدراسات الدينية، وعلوم التقنية لفهم انعكاسات الواقع الافتراضي على الوعي العقدي.

توظيف الواقع الافتراضي إيجابياً في خدمة التربية الإيمانية والفلسفة الدينية، كأداة لتقريب المعاني لا لمحاكاة الغيب أو تمثيله.

إعادة قراءة التراث العقدي والفلسفي في ضوء الأسئلة التي يثيرها العالم الرقمي، لإثراء الدراسات المعاصرة بمقاربات رصينة تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

***

إعداد: محمد أحمد عبيد - كاتب وباحث في الفلسفة

2025م

..............................

قائمة المصادر والمراجع

ابن عاشور، محمد الطاهر. التحرير والتنوير. الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م.

أبو زهرة، محمد بن أحمد بن مصطفى. زهرة التفاسير. دار الفكر العربي.

إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي. رسالة التوحيد المسمى بـ تقوية الإيمان. نقلها للعربية وقدم لها: أبو الحسن علي الحسني الندوي. دار وحي القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 2003م.

أفلاطون. الجمهورية، د.ت.ط.

بدر الدين مصطفى أحمد محمد. من المحاكاة إلى الواقع الفائق: قراءة في فكر جان بودريار. حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة الكويت – مجلس النشر العلمي، 2016م.

بولس الرسول. الرسالة الأولى إلى تيموثاوس.

تاوضروس، موريس. اللوغوس: مفهوم الكلمة في العهد الجديد.

السيوطي، جلال الدين. جهد القريحة في تجريد النصيحة (مطبوع مع: صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام). تحقيق: علي سامي النشار، سعاد علي عبد الرازق. مجمع البحوث الإسلامية.

الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم. الملل والنحل. مؤسسة الحلبي.

الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. قواعد العقائد. تحقيق: موسى محمد علي. عالم الكتب، لبنان، الطبعة الثانية، 1985م.

الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. معارج القدس في مدارج معرفة النفس. دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثانية، 1975م.

الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. معيار العلم في فن المنطق. تحقيق: سليمان دنيا. دار المعارف، مصر، 1961م.

موقع مجرة. الواقع الافتراضي Virtual Reality. hbrarabic.com، تاريخ الدخول: 10/9/2025.

الهلال، محمد. تفسير القرآن الثري الجامع. دار المعراج، ودار جوامع الكلم، دمشق، الطبعة الأولى، 2022م.

الهوامش

(1) قواعد العقائد، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، المحقق: موسى محمد علي الناشر: عالم الكتب - لبنان الطبعة: الثانية، 1985م، ص 264. تفسير القرآن الثري الجامع، محمد الهلال، دار المعراج، ودار جوامع الكلم)، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، 2022م، 9/61. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، الدار التونسية للنشر - تونس، 1984م، 1/229.

(2) زهرة التفاسير، محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة، دار الفكر العربي، 8/4343.

(3) رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس 3: 9

(4)  اللوغوس مفهوم الكلمة في العهد الجديد، أورد د. موريس تاوضروس، 1/72.

(5) الملل والنحل، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبى بكر أحمد الشهرستاني، مؤسسة الحلبي، 2/147. معيار العلم في فن المنطق، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، المحقق: الدكتور سليمان دنيا، دار المعارف، مصر، 1961م، ص232. معارج القدس في مدراج معرفة النفس، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، دار الآفاق الجديدة - بيروت الطبعة: الثانية، 1975، ص 166. جهد القريحة في تجريد النصيحة (مطبوع مع: صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام)، جلال الدين السيوطي، المحقق: الدكتور علي سامي النشار، السيدة سعاد علي عبد الرازق، مجمع البحوث الإسلامية، ص56.

(6) الواقع الافتراضي Virtual Reality، موقع مجرة، hbrarabic.com، تاريخ الدخول: 10/9/2025.

(7) أفلاطون: الجمهورية، ف 598. ،

(8) من المحاكاة إلى الواقع الفائق : قراءة في فكر جان بودريار، بدر الدين مصطفى أحمد محمد، حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية جامعة الكويت - مجلس النشر العلمي، 2016، ص9 - 98.

(9) رسالة التوحيد المسمى بـ تقوية الإيمان، إسماعيل بن عبد الغني بن وَلي الله بن عبد الرحيم العُمري الدهلوي، نقلها للعربية وقدم لها: أبو الحسن علي الحسني الندوي، دار وحي القلم - دمشق، سورية الطبعة: الأولى، 2003م، ص103.

الملخص: يتناول هذا البحث مشكلات الإنسان المعاصر في ضوء رؤية المفكر الإسلامي وحيد الدين خان، الذي اهتم بشكل خاص بتحليل الأزمات الاجتماعية والنفسية التي يواجهها الإنسان في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم. وقد ركز البحث على ثلاثة محاور رئيسية: دور الدين في مواجهة الجريمة، وأسباب التفكك الأسري والأمراض النفسية الناتجة عن تجاهل القيم الإلهية، وأخيرًا أثر وسائل الاتصال الحديثة في إعادة تشكيل وعي الإنسان بالدين. وأكدت الدراسة أن الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة دون تأصيل ديني يؤدي إلى مزيد من الانحراف والاضطراب الفكري.

وقد خلص البحث إلى ضرورة التكامل بين القانون والأخلاق، وإعادة الاعتبار للقيم الأسرية، مع توجيه الجهود الإسلامية نحو العمل الدعوي المنهجي باستخدام أدوات العصر. كما أوصى بضرورة تشجيع الدراسات المتخصصة في فكر وحيد الدين خان للاستفادة من رؤاه في معالجة المشكلات المعاصرة.

الكلمات المفتاحيّة: المشكلات، الإنسان، المعاصرة، وحيد الدين خان.

Abstract:

This study addresses the problems of contemporary humanity in light of the vision of the Islamic thinker Wahiduddin Khan, who was particularly interested in analyzing the social and psychological crises facing humanity in light of the rapid transformations taking place in the world. The study focused on three main axes: the role of religion in combating crime, the causes of family disintegration and psychological illnesses resulting from ignoring divine values, and finally, the impact of modern communication methods in reshaping human awareness of religion. The study emphasized that reliance on modern technology without religious grounding leads to further deviation and intellectual confusion.

The study concluded that it is necessary to integrate law and ethics, restore respect for family values, and direct Islamic efforts toward systematic advocacy work using contemporary tools. It also recommended the need to encourage specialized studies on Wahiduddin Khan's thought to benefit from his insights in addressing contemporary problems.

Keywords: Problems, Human, Contemporary, Wahiduddin Khan.

المقدمة:

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتمّ علينا النعمة، وجعل شريعته صالحة لكل زمان ومكان، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد بن عبد الله، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد؛

أولًا: أهمية الموضوع:

إن قضايا الإنسان المعاصر تُمثل اليوم محورًا رئيسيًا في مختلف الدراسات الفكرية والاجتماعية، نظرًا لما يشهده العالم من تحولات سريعة ومتلاحقة في شتى المجالات. وفي خضم هذه التغيرات، تبرز إشكالات عميقة تتعلق بالهوية، والانتماء، والأمن النفسي والاجتماعي، مما يجعل الحاجة ملحّة إلى قراءة هذه المشكلات من منظور منهجي متكامل يجمع بين الثوابت الدينية ومتطلبات العصر الحديث.

ومن هنا؛ برز فكر المفكر الإسلامي وحيد الدين خان كأحد الأصوات التي سعت بجدية لطرح معالجة فكرية ودينية للمشكلات التي يعاني منها الإنسان المعاصر، محذرًا من الاكتفاء بالحلول المادية والقانونية وحدها دون العودة إلى المنابع الأصيلة للإنسانية: الدين والأخلاق.

ومن هنا جاء اختيار هذا الموضوع بعنوان: "مشكلات الإنسان المعاصر عند وحيد الدين خان"، رغبةً في تسليط الضوء على أبرز القضايا التي تناولها خان، وتحليل رؤيته في كيفية علاجها في ظل التحديات الفكرية والاجتماعية الراهنة.

ثانيًا: أسباب اختيار الموضوع:

الحاجة إلى قراءة فكرية عميقة لمشكلات الإنسان المعاصر من منظور إسلامي متجدد.

ندرة الدراسات المتخصصة التي تناولت فكر وحيد الدين خان في معالجة هذه المشكلات بصورة منهجية متكاملة.

أهمية الربط بين الفكر الإسلامي وقضايا الإنسان الراهنة، وخاصة في ظل تنامي المشكلات الاجتماعية والأسرية والنفسية.

رغبة الباحث في تسليط الضوء على الجهود الفكرية المتميزة التي تربط بين الدعوة الإسلامية ومشكلات الواقع الحديث.

ثالثًا: إشكالية الدراسة:

تكمن إشكالية الدراسة في السؤال المركزي: كيف عالج وحيد الدين خان مشكلات الإنسان المعاصر في ضوء التغيرات الاجتماعية والثقافية، وما مدى فاعلية هذه المعالجة في تحقيق التوازن بين القيم الدينية ومتطلبات العصر؟

رابعًا: أسئلة الدراسة:

ما رؤية وحيد الدين خان لدور الدين في مواجهة الجريمة وتحقيق العدالة؟

كيف فسّر وحيد الدين خان العلاقة بين التفكك الأسري والمشكلات النفسية والاجتماعية؟

ما الدور الذي يمنحه وحيد الدين خان لوسائل الاتصال الحديثة في إصلاح الوعي الديني لدى الإنسان المعاصر؟

خامسًا: أهداف الدراسة:

توضيح رؤية وحيد الدين خان في معالجة مشكلات الإنسان المعاصر.

بيان العلاقة بين الدين والقانون في تحقيق العدل الاجتماعي في فكر خان.

تحليل أسباب التفكك الأسري والمشكلات النفسية من منظور وحيد الدين خان.

إبراز أهمية وسائل الاتصال في دعم العمل الدعوي وتصحيح المفاهيم الدينية.

سادسًا: حدود الدراسة:

الحدود الموضوعية: اقتصرت الدراسة على تحليل مشكلات الإنسان المعاصر كما عرضها وحيد الدين خان في كتبه ومحاضراته.

الحدود الزمانية: تناولت الدراسة الفترة التي برز فيها إنتاج خان الفكري، وخاصة النصف الثاني من القرن العشرين حتى وفاته.

الحدود المكانية: ركزت الدراسة على المشكلات العامة للإنسان المعاصر دون تخصيص لدولة أو مجتمع بعينه، نظرًا لعالمية خطاب خان.

سابعًا: منهج الدراسة:

اعتمدت الدراسة على المنهج التحليلي؛ لتحليل النصوص الفكرية لوحيد الدين خان، مع الاستعانة بالمنهج النقدي في تقييم الأفكار وربطها بالواقع المعاصر.

ثامنًا: الدراسات السابقة:

اطّلعت الدراسة على عدد من الدراسات المرتبطة بفكر وحيد الدين خان، ومن أبرزها:

دراسة: الطيب الأمير إبراهيم الفكي، الشيخ وحيد الدين خان وجهوده في الدعوة، رسالة ماجستير، كلية الدعوة الإسلامية، جامعة أم درمان الإسلامية، السودان، 1430هـ / 2009م، إشراف: نور الدين عوض الكريم إبراهيم بابكر، 267 صفحة.

تناولت هذه الدراسة جهود وحيد الدين خان في المجال الدعوي، مع التركيز على منهجه في تبليغ الدعوة وأسلوبه في الحوار مع المخالفين، لكنها لم تتعمق في تحليل المشكلات الاجتماعية والإنسانية التي تناولها خان في مؤلفاته المختلفة.

دراسة: طارق حسن محمد الخضري، وحيد الدين خان وآراؤه الاعتقادية والفكرية: دراسة نقدية، رسالة ماجستير، كلية الدعوة وأصول الدين، جامعة أم القرى، السعودية، 1431هـ / 2010م، إشراف: سعود بن عبد العزيز بن محمد العريفي، 416 صفحة.

ركزت هذه الدراسة على تحليل آراء وحيد الدين خان الاعتقادية والفكرية، مع مناقشة نقدية لبعض مواقفه الفكرية، لكنها لم تتناول بشكل مستقل مشكلات الإنسان المعاصر في فكره.

وعليه، جاءت هذه الدراسة لسد الفراغ في تحليل مشكلات الإنسان عند خان بمنهج مستقل.

تاسعًا: هيكل الدراسة:

جاءت الدراسة في مقدمة وثلاثة مباحث رئيسية، إضافة إلى الخاتمة والنتائج والتوصيات.

المقدمة: تناولت التعريف بالموضوع، وبيان أهميته، وأسباب اختياره، مع توضيح إشكالية الدراسة وأسئلتها وأهدافها وحدودها، والمنهج المتبع فيها، إضافة إلى عرض موجز لأبرز الدراسات السابقة ذات الصلة، وبيان هيكل الدراسة.

المبحث الأول: الدين في مواجهة الجريمة.

المبحث الثاني: التفكك الأسري والأمراض النفسية عند وحيد الدين خان.

المبحث الثالث: أثر وسائل الاتصال في الوعي وإعادة بناء فهم الدين.

الخاتمة: تتضمن أبرز النتائج والتوصيات المستخلصة من الدراسة.

المبحث الأول: الدين في مواجهة الجريمة

مقاصد الدين والحد من الجريمة:

تسعى الشريعة الإسلامية إلى تحقيق غايات عليا ومصالح شاملة للإنسان في الدنيا والآخرة، وذلك من خلال بناء مجتمع مثالي يقوم على العبادة الخالصة لله وإعمار الأرض، وتسخير الموارد الطبيعية لإقامة حضارة إنسانية عادلة، تتميز بالأمن والسلام وتحقق التوازن بين المتطلبات الروحية والمادية للإنسان، وتلك الغاية تعكس توازنًا دقيقًا في معالجة مختلف جوانب الشخصية الإنسانية، سواء الروحية أو العقلية أو الجسدية، في إطار شريعة تهدف إلى توفير ظروف معيشية تحقق الاستقرار والرفاهية للجميع(1).

وعند استعراض أحكام الشريعة، نجد أنها تعمل بشكل واضح على تحقيق مصالح الخلق من خلال ما يُعرف بالكليات الخمس، وهي(2):

حفظ النفس: تهدف الشريعة إلى حماية حياة الإنسان وسلامته الجسدية من الاعتداء أو الأذى، ولهذا السبب شرعت الحدود والعقوبات التي تمنع القتل أو الإيذاء الجسدي، كما أنها حرمت الانتحار وأمرت بالحفاظ على الصحة الجسدية.

حفظ الدين: تكمن أهمية حفظ الدين في تمكين الفرد من أداء عباداته بحرية ومنع أي تدخل أو إجبار يمس عقيدته، وقد شرعت الشريعة إجراءات حماية الدين من الفساد والاعتداء، بما في ذلك الدفاع عن الحق في العقيدة وفرض حدود لمنع الفتنة الدينية.

حفظ العقل: لأن العقل هو أساس القدرة على التمييز واتخاذ القرارات، فقد شرعت الشريعة ما يحافظ على العقل من كل ما يؤدي إلى فساده، مثل تحريم الخمر والمسكرات وكل ما يؤدي إلى تعطيل أو إضعاف القدرات العقلية.

حفظ النسل: الشريعة تعزز بناء الأسرة وحماية العلاقة الزوجية من خلال تشريعاتها المتعلقة بالزواج والإنجاب وحماية النسل من الانتهاكات الاجتماعية، وكذلك حرمت العلاقات المحرمة التي تهدد استقرار الأسرة، وحفظت حقوق الأبناء والأجيال القادمة.

حفظ المال: تحرص الشريعة على حماية المال من السرقة والفساد، وشرعت وسائل لحمايته كالحدود الخاصة بالسرقة، وأحكام المعاملات التجارية العادلة، وفي الوقت نفسه، تدعو الشريعة إلى التكافل الاجتماعي وضمان حقوق الفقراء والمحتاجين من خلال الزكاة والصدقات.

إن هذه الكليات الخمس تشكل حجر الزاوية في أي مجتمع إسلامي يسعى لتحقيق العدل والحد من الجريمة، ومن خلال تطبيق هذه المبادئ، تعمل الشريعة على تلبية احتياجات الأفراد والمجتمع بشكل شامل، بما يحفظ حقوقهم الأساسية ويعزز قيم التعايش والسلم الاجتماعي.

ومن أصول هذه الشريعة، يستمد المسلمون نظامهم في مواجهة الجريمة وأثرها المدمر للمجتمع، الذي من حقه الأمن والأمان، بما توفره الشريعة من وقاية من الجريمة، وردع لها في أحكام الحدود والقصاص والتعزيزات(3).

الحد من الجريمة في نظر وحيد الدين خان:

يرى وحيد الدين خان أن القانون بمفرده عاجز عن تحقيق العدل ما لم يرتبط بالأخلاق والدين، فالقانون من وجهة نظره لا يستطيع العمل بشكل مستقل لأنه يعتمد على السلوك الصادق للأفراد، وخاصة الشهود في المحاكم، وإذا تعمد الطرفان الكذب في قضية ما فلن يتمكن القاضي من كشف الحقيقة والوصول إلى العدل مهما بذل من جهد، وبالتالي يذهب خان إلى القول بأنه لا بد من وجود "قانون آخر" يتجاوز القانون المدني، يكون مبنيًا على الأخلاق والدين، ليحفز الناس على قول الحق(4).

كما يشير خان إلى أن جميع المحاكم حول العالم تعترف بهذه الحاجة إلى ربط القانون بالدين، وهو ما يظهر في إلزام الشهود بحلف اليمين بالله قبل الإدلاء بشهادتهم، وهذا الإجراء يؤكد على أهمية العقائد الدينية في الحفاظ على نزاهة القانون وتحقيق العدالة، ومع ذلك ينتقد خان المجتمع الحديث الذي قلل من أهمية المعتقدات الدينية إلى حد أن القسم أمام المحاكم أصبح مجرد إجراء شكلي أو تقليد لا يحمل أي تأثير حقيقي، مما يفرغ النظام القانوني من القيم التي يحتاجها لتحقيق العدالة(5).

إن وحيد الدين خان يتناول العلاقة بين الدين والجريمة من منظور إسلامي شامل، ويركز على دور الإنسان في تدهور الحياة بسبب سوء استخدامه للحرية التي منحها الله له، بالإضافة إلى الحلول الإسلامية التي يقدمها الإسلام لمواجهة هذا التدهور من خلال الإصلاح الديني والاجتماعي، فيبدأ بتوضيح أن الكون بأسره يسير وفق نواميس إلهية لا يمكن التمرد عليها، حيث ينقاد كل ما فيه -من النملة إلى الكواكب والمجرات- إلى إرادة الله، إلا أن الإنسان، على عكس باقي المخلوقات، قد منح حرية الاختيار ليقوم بتحديد مساره إما نحو الخير أو الشر، ويرى أن هذه الحرية تشكل أساساً للاختبار الإلهي، حيث يُمتحن الإنسان في كيفية استخدامه لهذه الحرية(6).

إن هذه الفكرة تعبر عن رؤية إسلامية تقليدية ترى أن العالم مليء بالخيرات والنعم التي أودعها الله، ولكن بسبب الفساد الناتج عن سوء تصرف الإنسان، تحولت الدنيا إلى مكان مليء بالعذاب والمحن، وقدر الله هذا الفساد من أجل التمييز بين من سيختار طريق الحق والإصلاح وبين من سيختار طريق الفساد، ويركز وحيد الدين خان على مفهوم "الزمرة المصطفاة" أو "النوع الأفضل" من البشر الذين تم اختيارهم من بين بني الإنسان، وهم أولئك الذين يختارون طاعة الله بإرادتهم الحرة، وهؤلاء الأفراد يمثلون النخبة الروحية التي لا تستسلم للأنانية أو الأهداف الشخصية، بل يسعون إلى تحقيق الحق والعدل وتطبيق القيم الإسلامية(7).

ويرى وحيد الدين خان أن هذا الاختبار ليس مجرد تحدٍّ فردي، بل هو جزء من مسار تاريخي طويل من الصراع بين الفساد والصلاح، ويشير إلى أن تاريخ الإنسان مليء بالظلم والفساد، وهذا يعكس استخدام الإنسان لحريته بطريقة خاطئة، ولكنه في الوقت نفسه يعتبر هذا الفساد وسيلة لتجلي الخيار الأفضل من بين الناس، حيث يختار الأفراد الأتقياء الإيمان والصلاح عن وعي وإرادة، رغم أن لديهم الحرية للقيام بالعكس(8).

ينتقل وحيد الدين خان بعد ذلك إلى مناقشة مفهوم الإصلاح الإسلامي، ويرى أن الإسلام لا يعتمد على الثورة السياسية أو المدنية كأسلوب مباشر للتغيير، وبدلاً من ذلك يعتبر التغيير نحو الأفضل نتيجة غير مباشرة لتطبيق الإسلام في الحياة، أي أن التغيير الذي يحدث في المجتمع يأتي نتيجة لترسيخ قيم الإيمان والإخلاص، وليس من خلال القفز إلى السلطة أو السيطرة على الحكم، ويرى أن إصلاح المجتمع يأتي من خلال تكوين "زمرة مختارة" من المؤمنين الذين يعيشون حياة نقية روحياً وأخلاقياً، وهؤلاء الأفراد ينتمون إلى مجتمع يُدار بواسطة رجال لا تغريهم التجارة أو السياسة عن ذكر الله وعبادته، ويعتبر هؤلاء القادة الفاقدين للأنانية هم الذين يستطيعون قيادة الأمة نحو إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي دعائم النظام الإسلامي(9).

وفي نقد وحيد الدين للحركات الإسلامية المعاصرة، يشير الكاتب إلى أنها قد انحرفت عن الطريق الصحيح بالتركيز على السياسة والقوة بدلاً من الدعوة والتربية الروحية، ويرى أن هذه الحركات غالباً ما تتخذ الهتافات السياسية والشعارات الدينية واجهة للوصول إلى السلطة، ولكنها في الحقيقة تهدف إلى تحقيق أهداف شخصية ضيقة، ويعتبر أن هذا التوجه السياسي يؤدي إلى الفوضى بدلاً من الإصلاح الحقيقي، حيث يتم التركيز على السعي وراء السلطة بدلاً من العمل على تربية الأفراد الروحيين وإعدادهم لتحمل المسؤولية بطريقة إسلامية خالصة، ويشدد على أن هذه الحركات لا يمكن أن تحقق الإصلاح الحقيقي لأن الإصلاح يأتي من الداخل، من خلال بناء أخلاق وسلوكيات حسنة تنبع من دافع داخلي، وليس من خلال الثورة الخارجية أو السيطرة على السلطة(10).

يؤكد خان نهاية أن النهضة الإسلامية لا يمكن أن تتحقق إلا بوجود أفراد فاقدين للأنانية، قادرين على قيادة المجتمع من خلال قيم الإخلاص والصدق والإيمان، وهؤلاء الأفراد الذين يتركون مطامع الدنيا ويعيشون في نعيم الآخرة وهم لا يزالون في الدنيا، هم المؤهلون لأن يكونوا قادة المجتمع الإسلامي، فالحركات السياسية المعاصرة لا تمتلك هذه الميزة، بل بالعكس، تغذي الأنانية الشخصية وتفتقر إلى القدرة على خلق "إخلاص" داخلي، ويعتبر أن أي محاولة لإحداث ثورة خارجية أو تغيير سياسي دون بناء قاعدة أخلاقية وروحية قوية، ستكون محكومة بالفشل(11).

كما يرى وحيد الدين خان أن الضمير المستند إلى الدين هو العامل الحاسم في منع الجريمة وليس القانون الوضعي وحده، فالقوانين الصادرة عن البرلمانات لا يمكنها أن تخلق شعورًا بالذنب أو بشاعة الفعل الإجرامي ما لم تكن مستمدة من شرع إلهي ومقبولة في وعي المجتمع، فالوازع الداخلي الذي يمنع الناس من ارتكاب الجرائم يأتي من الإيمان بأن الله هو المشرع الذي يراقب كل أعمالنا ونوايانا، وأنه بعد الموت سنقف أمامه للحساب، حيث لا يمكن التهرب من عقاب الله، حتى وإن أفلت الشخص من محاكم الدنيا. ويضيف أن العقاب الإلهي في الآخرة يكون أكثر شدة وقسوة مقارنة بأي عقاب دنيوي، وهذا الشعور العميق بالمراقبة الإلهية هو ما يعزز لدى المؤمنين الالتزام بالأخلاق ويشكل حاجزًا حقيقيًا أمام ارتكاب الجريمة(12).

ويشير وحيد الدين خان إلى أن الشعائر الإسلاميّة توطد في المسلم المسالمة والبعد عن التشدد والعنف، فالحج على سبيل المثال ليس مجرد طقوس دينية، بل هي تدريب عملي على الانضباط، فالحاج يُحرم من صيد الطيور أو الحيوانات البرية، بل ويُحرم عليه أن يساعد في أي نشاط صيد حتى ولو بشكل غير مباشر، والغاية من هذه الأحكام المشددة هي تربية الحاج على الالتزام بالشرع والانضباط في سلوكه، ليس فقط أثناء الحج، بل ليعود إلى حياته بعد الحج أكثر التزامًا وأقل أذى للآخرين، فهو وسيلة لتربية الضمير وتعزيز السلوك المنضبط، حيث يؤكد حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحج الذي يغفر الذنوب هو الحج الذي لم يؤذِ فيه الحاج أحدًا بلسانه أو يده، وبالتالي يُعد الحج تدريبًا عمليًا على الحياة الأخلاقية المسالمة، والتي تعكس فلسفة الإسلام في تربية المسلم ليعيش في سلام وانضباط دائمين(13).

يمكننا القول بأن رؤية وحيد الدين شاملة لكيفية مواجهة الجريمة والفساد من خلال الالتزام بالقيم الدينية والإصلاح الروحي، ويرى أن الحل لا يكمن في التغيير السياسي السريع أو السيطرة على السلطة، بل في بناء حركة إسلامية خالصة تقوم على تربية الأفراد وتوجيههم نحو الإيمان والإصلاح الداخلي، كما ينتقد الحركات السياسية التي تستخدم الدين كوسيلة للوصول إلى السلطة، ويرى أن هذا التوجه يؤدي إلى الفوضى والانحراف عن الأهداف الحقيقية للإسلام.

المبحث الثاني: التفكك الأسري والأمراض النفسية عند وحيد الدين

التفكك الأسري وآثاره السلبية:

ظاهرة التفكك الأسري تشير إلى انهيار الوحدة الاجتماعية للأسرة، مما يؤدي إلى اختلال وظائفها وتدهور نظامها، ويُعرف التفكك الأسري على أنه فقدان التماسك الداخلي للأسرة وتحلل الأدوار الاجتماعية بين أفرادها، سواء كان ذلك ناتجًا عن إهمال أحد أفراد الأسرة لدوره أو بسبب رفض التعاون بين أفراد الأسرة بشكل عام، مما يؤدي إلى الصراع والتنافس بدلاً من التعاون(14).

ويُعرّف التفكك الأسري أيضًا بأنه "انهيار الوحدة الأسرية وتحلل نسيج الأدوار الاجتماعية"، ويحدث هذا عندما يعجز فرد أو أكثر من أفراد الأسرة عن القيام بدوره بالشكل المناسب، فالتفكك الأسري قد يكون جزئيًا أو كليًا، وفي الحالة الجزئية يمكن أن تكون هناك مشكلات بين أفراد الأسرة دون انهيار كامل، بينما التفكك الكلي يشير إلى انهيار الأسرة بشكل تام، سواء من خلال الطلاق، أو الوفاة، أو حتى عبر الحوادث المأساوية مثل الانتحار أو القتل(15).

إن التفكك الأسري يُعتبر من أخطر الظواهر الاجتماعية التي تؤثر على استقرار المجتمع، حيث أنه يؤدي إلى زيادة التوترات النفسية والاجتماعية ويؤثر سلبًا على الأفراد، خاصة الأطفال، مما يجعل من الضروري معالجة هذه الظاهرة من خلال تعزيز القيم الأسرية وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأسر التي تعاني من مشكلات(16).

إن التفكك الأسري والطلاق يترك آثاراً سلبية عميقة على كل من الزوجين وعلى الأطفال، ويؤدي إلى تداعيات نفسية واجتماعية متعددة، فيواجه الزوج والزوجة بعد الطلاق مشكلات نفسية واجتماعية تؤثر على استقرارهم النفسي، وتتضمن هذه المشكلات ما يلي(17):

الإحباط وخيبة الأمل: يصاب كلا الزوجين بخيبة أمل نتيجة فشل العلاقة، مما يؤدي إلى تدهور الشعور بالتوافق الشخصي والنفسي.

الصحة النفسية: قد يعاني المطلقون من اضطرابات نفسية مثل القلق المرضي، الاكتئاب، الهستيريا، الوساوس، أو المخاوف المرضية، وهذه الحالات يمكن أن تؤدي إلى صعوبات في التكيف مع الحياة الاجتماعية أو بناء علاقات جديدة.

العزلة الاجتماعية: بسبب الأثر النفسي للطلاق، قد ينطوي الزوج أو الزوجة على ذاتهما، مما يؤدي إلى العزلة الاجتماعية والانسحاب من الحياة العامة والمجتمعية، وهو ما يعطل مشاركتهم الفعالة في المجتمع.

عدوى التفكك الأسري: في حالات وجود علاقات قرابة أو روابط زواج بين العائلتين، قد ينتشر أثر الطلاق ليؤثر على العلاقات بين العائلتين، مما يزيد من حدة القطيعة والعداوة، وهذا يضر بتماسك المجتمع واستقراره.

أما أثر الطلاق السيء على الأطفال والأبناء فيتمثل في عدة أمور أهمها ما يلي(18):

اضطراب النمو الانفعالي والعقلي: يواجه الطفل في الأسرة المفككة صعوبة في التكيف مع الوضع الجديد، فقد يؤدي ذلك إلى اضطرابات انفعالية وعقلية تؤثر على تطور شخصيته.

التأثير على الأداء الدراسي: الطلاق قد يؤثر سلباً على تحصيل الطفل العلمي وأدائه الدراسي، فعدم استقرار البيئة الأسرية قد يشتت الطفل ويقلل من تركيزه واهتمامه بالدراسة.

فقدان العلاقات الاجتماعية: من الممكن أن يفقد الطفل أصدقاءه القدامى بسبب التفكك الأسري، مما يعرضه إلى الانضمام إلى مجموعات جانحة أو اتخاذ مسارات سلبية في حياته الاجتماعية.

يمكننا القول بأن حالة التفكك الأسري والطلاق لا تؤثر فقط على الزوجين والأطفال، بل تمتد تأثيرها لتشمل المجتمع ككل، حيث يعزز التفكك الأسري من القطيعة الاجتماعية والعداوات ويؤثر على تماسك المجتمع واستقراره.

التفكك الأسري والأمراض النفسية عند وحيد الدين خان:

إن التفكك الأسري والأمراض النفسية والخلقية في رأي وحيد الدين خان هي نتيجة مباشرة لتجاهل القوانين الإلهية والتغاضي عن الفروق الفطرية بين الجنسين، ويرى خان أن النظام الاجتماعي الحديث الذي يتجاهل هذه الفروق ويحاول التساوي بين الرجل والمرأة في كل شيء أدى إلى اختلاط مروع في المجتمع، مما تسبب في انتشار الأمراض الجنسية، النفسية، والأخلاقية بين الشباب، كما يؤكد أن أحد أسباب هذا التفكك هو الانغماس في العلاقات الحرة بين الجنسين، حيث يلاحظ الأطباء الغربيون تزايد حالات الأمراض النفسية الناتجة عن مثل هذه العلاقات، ويشير خان إلى تجربة فتاة تزور الطبيب وتبدأ بالحديث عن أعراض جسدية مثل الصداع وقلة النوم، لكن مع التعمق في الحديث يتبين أن المشاكل النفسية الناجمة عن علاقات عاطفية هي السبب الأساسي وراء مشكلاتها(19).

ويرى خان أن المجتمع الغربي بدأ يشعر بخطر هذه الظاهرة، لكنه غير قادر على فهم جذورها أو تقديم حلول حقيقية، ويتناول رأي الطبيبة الغربية ماريون هيليارد التي كتبت ضد الاختلاط الحر بين الجنسين، وأكدت على صعوبة بقاء العلاقات بين الرجل والمرأة طاهرة في ظل الانفراد الطويل بينهما، لكنها على الرغم من انتقادها، لم تقدم حلاً فعليًا للحد من هذه الظاهرة، وبالنسبة لتعدد الزوجات، يدافع خان عن هذا التشريع الإسلامي، موضحًا أنه يحمي المجتمع من الوقوع في الفساد الأخلاقي، ويشير إلى إحصائيات نشرتها الأمم المتحدة عام 1959 تظهر ارتفاع نسبة الأطفال غير الشرعيين في بعض البلدان الغربية إلى مستويات غير مسبوقة، بينما تبقى هذه النسبة ضئيلة جدًا في البلدان الإسلامية، ويعزو السبب إلى نظام تعدد الزوجات الذي يعتبره خان تشريعًا مناسبًا للطبيعة الإنسانية ويحمي المجتمعات الإسلامية من انتشار الأمراض النفسية والفساد الاجتماعي(20).

بهذا، يرى وحيد الدين خان أن التفكك الأسري والأمراض النفسية هي نتيجة مباشرة لابتعاد المجتمعات عن التعاليم الإلهية، وأن الحل يكمن في العودة إلى النظام الأخلاقي والتشريعي الإسلامي الذي يحافظ على استقرار الأسرة وحماية المجتمع من الانحلال.

المبحث الثالث: أثر وسائل الاتصال في الوعي إعادة بناء فهم الدين

ماهية التواصل:

التواصل هو عملية تفاعل اجتماعي تشاركي تهدف إلى تقوية العلاقات بين الأفراد سواء في إطار الأسرة أو المجتمع أو على مستوى الدول، ويتم هذا التفاعل من خلال تبادل المعلومات والأفكار والمشاعر، مما يسهم في تحقيق التفاهم والتعاطف بين الأفراد، وبناءً على طبيعة هذا التواصل، يمكن أن تنشأ روابط قوية ومحبة بين الأطراف، أو قد تؤدي إلى التباعد والصراع في حال غياب الفهم المشترك، فالتواصل ليس مجرد نقل للبيانات، بل هو فعل اجتماعي يعزز الروابط الإنسانية(21).

يعرّف بعض العلماء التواصل على أنه عملية تفاعل بين مرسل الرسالة ومستقبلها ضمن سياقات اجتماعية محددة، وخلال هذه العملية، يتم تبادل الأفكار والمعلومات حول قضايا معينة، سواء كانت واقعية أو مجردة، ما يساعد الأفراد على اكتساب مفاهيم جديدة أو تبني مواقف معينة بناءً على الرسائل المتبادلة(22).

كما يُنظر إلى التواصل كنوع من التفاعل الذي يعتمد على استخدام الرموز، وهذه الرموز قد تكون حركات جسدية، صور، لغة محكية أو مكتوبة، أو أي وسيلة أخرى تعمل كمنبه للسلوك الإنساني، فعلى سبيل المثال يمكن أن تنقل الإيماءات معاني معقدة بطريقة غير لفظية، مثل رفع الحاجب أو ابتسامة، مما يعزز التفاعل بين الأفراد ويفسح المجال لفهم متبادل أعمق(23).

وتتمتع مواقع التواصل الاجتماعي بعدة سمات تميزها وتجذب المستخدمين إليها، ومن أبرز هذه السمات ما يلي(24):

تتميز مواقع التواصل الاجتماعي بتصميم جرافيكي مبتكر وحرفي، حيث يتم تنظيم الموضوعات بشكل واضح وميسر، مما يسهل على المستخدمين التنقل والاستفادة من المحتوى بشكل فعال.

تتيح هذه المواقع خدمات تمكّن الأعضاء من تجاوز القيود المفروضة على المحتوى، ما يسمح لهم بالوصول إلى معلومات جديدة ومتنوعة بحرية أكبر.

تحرص هذه المواقع على تحديث محتواها باستمرار وبشكل دوري، مما يتيح لها مواكبة الأحداث الجارية وتمكين المستخدمين من التفاعل معها بشكل فوري، مع تعزيز القدرة على التعليق والمشاركة الفعّالة.

تسعى مواقع التواصل الاجتماعي إلى جذب كتاب معروفين وعلماء متخصصين لتقديم الفتاوى والمحتوى الموثوق، مما يعزز ثقة المستخدمين في المعلومات التي يتم تداولها.

تعمل هذه المواقع بالتنسيق مع بعضها البعض لنشر البيانات والخطابات والمواد الجديدة، مما يخلق شبكة معلوماتية عالمية متكاملة تدعم تبادل الأفكار والبيانات.

توفر هذه المنصات محتوى سمعيًا ومرئيًا متنوعًا، إلى جانب الكتب الإلكترونية، مما يعزز من تجربة المستخدم، مع تقديم هذه المواد في أشكال فنية محترفة وذات جودة عالية.

أثر وسائل الاتصال في الوعي الديني عند وحيد الدين خان:

يعد وحيد الدين خان من الشخصيات الفكرية التي اهتمت ببحث تأثير وسائل الاتصال الحديثة على الوعي الديني، حيث رأى في هذه الوسائل فرصة كبيرة لإعادة بناء فهم الدين ونشره بشكل عالمي، وفي دراسته لتأثير هذه الوسائل على الدعوة الإسلامية، يقدم خان رؤية فريدة تتضمن عدة نقاط هامة، ويمكننا حصر هذه الجوانب فيما يلي:

أولاً: يشير خان إلى الفارق الكبير بين وسائل الاتصال القديمة والحديثة، ففي الماضي كان انتشار الرسائل الدينية محصوراً ضمن مناطق جغرافية ضيقة، بسبب محدودية وسائل النقل والتواصل، ومثالاً على ذلك لم يتعدَّ صوت المسيح نطاق فلسطين في حياته، ولكن بفضل الثورة في وسائل الطباعة والاتصال الحديثة، أصبحت الرسالة الدينية المسيحية تُنقل إلى أكثر من ألفي لغة وتُبث في جميع أنحاء العالم، ويعتبر خان هذا التطور قفزة هائلة في نشر الرسائل الدينية، مؤكداً أن الإسلام يمكنه الآن الاستفادة من هذه الوسائل للوصول إلى نطاق عالمي مشابه، إن لم يكن أكبر(25).

ثانياً: يؤكد وحيد الدين خان أن الفرص الحديثة للدعوة لا تقتصر على تحسين الوسائل التقنية، بل تتعداها إلى زوال العوائق المادية والفكرية التي كانت تعترض سبيل الدعوة، فففي الماضي كانت العوائق السياسية والفكرية، وكذلك الضعف الاقتصادي، تمنع المسلمين من استغلال وسائل الاتصال الحديثة بشكل فعال، ولكن خان يرى أن الله قد أزال هذه العوائق من خلال الثروات النفطية التي مكنت المسلمين من استخدام أغلى التقنيات والوسائل الإعلامية في الدعوة، وهذا يعكس رؤية خان لوجوب استغلال هذه الثروات بشكل فعّال من أجل نشر رسالة الإسلام(26).

ثالثاً: يشدد خان على أهمية الاستفادة من الفرص الفكرية التي وفرتها الثورة الفكرية الإسلامية، فقد أحدث الإسلام تغيراً جذرياً في العالم، وأزال عقائد الشرك التي كانت مسيطرة قبل ظهوره، إلا أن الثورة الفكرية الإسلامية انقسمت بعد مرور ألف عام على ظهورها، حيث بقي الجزء الديني في العالم الإسلامي، بينما استمر الجزء الدنيوي في التطور في الغرب، مما أدى إلى ظهور قيم الحرية والجمهورية والفكر العلمي، ويؤكد خان أن هذه القيم التي ساهمت الإسلام في بلورتها قد فتحت آفاقاً جديدة لنشر دعوة التوحيد في بيئة عالمية حرة(27).

رابعاً: ينتقد خان الحركات الإسلامية الحديثة التي انحرفت عن مسار الدعوة إلى السياسة والجهاد، ففي حين أن العالم الحديث وفّر إمكانيات هائلة لنشر الإسلام بطرق سلمية وباستخدام الوسائل الإعلامية، اختارت بعض الحركات الإسلامية التركيز على المواجهة السياسية مع الحكومات بدلاً من التركيز على الدعوة، ويرى خان أن هذا التحول كان خطأً فادحاً، لأنه أعاد المشكلات التي حلّها الإسلام في الماضي وجعل الإسلام في مواجهة مباشرة مع السلطة، وبهذا الشكل، أهدرت هذه الحركات فرصاً ثمينة لنشر رسالة الإسلام عالميًا(28).

خامساً: يدعو خان إلى إعادة التركيز على الدعوة الدينية كأولوية قصوى، وترك السياسات والصراعات جانباً، يرى خان أن الوسيلة الوحيدة لتحقيق الهدف الديني والدنيوي هي نشر رسالة القرآن والسنة على مستوى عالمي باستخدام الإمكانيات الحديثة، وأن المسلمين يجب أن يركّزوا على القيام بدورهم كشهود على الناس، كما جاء في القرآن(29).

وبناء على ما سبق؛ نرى أن خان يدعو إلى إعادة توجيه الجهود الإسلامية نحو العمل الدعوي الصافي، واستغلال وسائل الاتصال الحديثة بشكل استراتيجي لتحقيق هدف نشر الإسلام عالمياً، ويرى أن التطورات التكنولوجية والفكرية قد فتحت آفاقًا لم تكن موجودة من قبل، وأن الفشل في استغلالها قد يكون له تبعات جسيمة على مستقبل الدعوة.

الخاتمة:

في نهاية هذا البحث تم التوصل إلى النتائج التالية:

يرى وحيد الدين خان أن القانون بمفرده عاجز عن تحقيق العدل، ما لم يرتبط بالأخلاق والدين، وهذا يشير إلى ضرورة التكامل بين القوانين الوضعية والمبادئ الأخلاقية والدينية لتحقيق العدالة الاجتماعية.

يؤكد وحيد الدين خان أن الضمير المستند إلى الدين هو العامل الحاسم في منع الجريمة، وليس القانون الوضعي وحده، فالأخلاق الدينية تُعزز من وعي الأفراد ورفضهم للقيام بأفعال غير قانونية.

يعتبر خان أن التفكك الأسري والأمراض النفسية والخلقية هي نتيجة مباشرة لتجاهل القوانين الإلهية والتغاضي عن الفروق الفطرية بين الجنسين، مما يستدعي إعادة النظر في القيم الأسرية والمبادئ الدينية التي تُعتبر ضرورية للحفاظ على تماسك الأسرة والمجتمع.

يدعو خان إلى إعادة توجيه الجهود الإسلامية نحو العمل الدعوي الصافي، مشدداً على أهمية استغلال وسائل الاتصال الحديثة بشكل استراتيجي لتحقيق هدف نشر الإسلام عالمياً، وهذه الدعوة تعكس أهمية استثمار التكنولوجيا في تعزيز الرسالة الإسلامية وتوسيع نطاق الفهم الصحيح للدين.

وعليه نوصي بـما يلي:

تعزيز التكامل بين القانون والأخلاق والدين في مناهج التعليم الجامعي والدراسات القانونية، بحيث يتم التأكيد على أن العدالة الحقيقية لا تتحقق بالقانون وحده، وإنما بتأصيل القيم الأخلاقية والدينية في الضمير الجمعي للأفراد.

إعادة الاعتبار للقيم الأسرية في السياسات الاجتماعية، من خلال دعم المبادرات التي تعمل على ترسيخ المفاهيم الإسلامية الصحيحة حول الأسرة والعلاقات بين الجنسين، بما يساهم في معالجة التفكك الأسري والانحرافات الأخلاقية.

تشجيع الدراسات الأكاديمية المتخصصة في فكر وحيد الدين خان، وخاصة ما يتعلق برؤيته في العلاقة بين الدين والقانون والمجتمع، للاستفادة منها في بناء منظومة فكرية تسهم في معالجة المشكلات المعاصرة.

***

إعداد: محمد أحمد عبيد

كاتب وباحث دكتوراه في الفلسفة

.................................

قائمة المراجع

أحمد الريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، الدار العالمية للكتاب الإسلامي، ط2، 1992م.

أحمد يحيى عبد الحميد، الأسرة والبيئة، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، 1998م.

الجريمة والعقاب في الإسلام، موقع وزارة الأوقاف، السعودية، نسخة الشاملة، https://shamela.ws/، تاريخ الدخول: 24/10/2024م.

خالد بن سعود بن عبد العزيز الحليبي، مهارات التواصل مع الأولاد - كي تكسب ولدك؟، مركز الملك عبد الله للحوار الوطني، ط1، 1431هـ.

دليو فضيل، مقدمة في وسائل الاتصال للجماهيرية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ط2، 1998م.

فضيل دليو، تاريخ وسائل الإعلام والاتصال، الخلدونية للنشر والتوزيع، الجزائر، 2013م.

فايز بن عبد الله الشهري، الخطاب الفكري على شبكة الإنترنت: رؤية تحليلية لخصائص وسمات التطرف الإلكتروني، الرياض، 1429هـ.

فكيه محمد جمعة محمد، التفكك الأسري وأثره على استقرار المجتمع، مجلة الشريعة والقانون، 2019م، عدد 35.

مجموعة مؤلفين، معجم العلوم الاجتماعية، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1975م.

محمد الطاهر بن محمد بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، 2004م.

محمود حسن، الأسرة ومشكلاتها، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1981م.

مصطفى الخشاب، دراسات في علم الاجتماع، دار النهضة العربية، 1985م.

وحيد الدين خان، الإسلام يتحدى مدخل علمي للإيمان، ترجمة ظفر الإسلام خان، دار الصحوة، القاهرة، 1984.

وحيد الدين خان، البعث الإسلامي المنهج والشروط، ترجمة محسن عثمان الندوى، دار الصحوة للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 1984م.

وحيد الدين خان، إمكانات جديدة للدعوة الإسلامية، مؤسسة الرسالة الربانية للإعلان الدولي، القاهرة، ط2، 1992، العدد 9

وحيد الدين خان، حقيقة الحج، ترجمة: ظفر الإسلام خان، دار الصحوة، ط1، 1987م.

عبد الله بن عبد المحسن بن عبد الرحمن التركي، حقوق الإنسان في الإسلام، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، ط1، 1419هـ.

(1) الجريمة والعقاب في الإسلام، موقع وزارة الأوقاف، السعودية، نسخة الشاملة، https://shamela.ws/، تاريخ دخولي: 24/10/2024.

(2) محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي، مقاصد الشريعة الإسلامية، المحقق: محمد الحبيب ابن الخوجة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، 2004م، ص ج2، ص 170. وأحمد الريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، الدار العالمية للكتاب الإسلامي، ط2، 1992م، ص 47.

(3) عبد الله بن عبد المحسن بن عبد الرحمن التركي، حقوق الإنسان في الإسلام، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، ط1، 1419هـ، ص 112.

(4) وحيد الدين خان، الإسلام يتحدى_ مدخل علمي إلى الإيمان، ص 221.

(5) الموضع نفسه.

(6) وحيد الدين خان، البعث الإسلامي المنهج والشروط، ص 40.

(7) المصدر السابق، ص 41.

(8) الموضع نفسه.

(9) المصدر السابق، ص 41 - 42.

(10) الموضع نفسه.

(11) المصدر السابق، ص 42.

(12) وحيد الدين خان، الإسلام يتحدى_ مدخل علمي إلى الإيمان، ص 223.

(13) وحيد الدين خان، حقيقة الحج، ترجمة ظفر الإسلام خان، دار الصحوة، ط1، 1987م، ص 84 - 85.

(14) مجموعة مؤلفين، معجم العلوم الاجتماعية، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1975م، ص 168.

(15) احمد يحيى عبد الحميد، الأسرة والبيئة، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، 1998م، ص 74.

(16) مصطفى الخشاب، دراسات في علم الاجتماع، دار النهضة العربية، 1985م، ص 233 - 234.

(17) فكيه محمد جمعة محمد، التفكك الأسري وأثره على استقرار المجتمع، مجلة الشريعة والقانون، 2019م، عدد 35، ص 536.

(18) محمود حسن، الأسرة و مشكلاتها، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1981م، ص 203 - 208.

(19) وحيد الدين خان، الإسلام يتحدى_ مدخل علمي إلى الإيمان، ص 232.

(20) المصدر السابق، ص 233 - 234.

(21) خالد بن سعود بن عبد العزيز الحليبي، مهارات التواصل مع الأولاد - كي تكسب ولدك؟، مركز الملك عبد الله للحوار الوطني، ط1، 1431هـ، ص 11.

(22) فضيل دليو، تاريخ وسائل الإعلام والاتصال، الخلدونية للنشر والتوزيع، الجزائر، 2013م، ص 16.

(23) دليو فضيل، مقدمة في وسائل الاتصال للجماهيرية، ديوان المطبوعات الجامعية،  الجزائر، ط2، 1998م، ص 18.

(24) فايز بن عبدالله الشهري، الخطاب الفكري على شبكة الانترنت رؤية تحليلية لخصائص وسمات التطرف الالكتروني، الرياض، 1429هـ، ص 45 – 46.

(25) وحيد الدين خان، إمكانات جديدة للدعوة الإسلامية، ص 18.

(26) المصدر السابق، ص 19.

(27) الموضع نفسه.

(28) المصدر السابق، ص 20.

(29) الموضع نفسه.

 

من عنف الحركات الاصولية

تعريفات:

بدءاً: يراد بالمركز الديني: المؤسسة الدينية العابرة للجغرافيا والتي لها مسالكها المنهجية، ولها اتباع وعندها رؤى ومواقف محدده ازاء القضايا – وتمارس دوراً مهماً في السياسة المحلية وتؤثر في السياسات الدولية.

الاصوليات: اسم يطلق على الأفكار والمفاهيم التي تتبناها جماعات كايديولوجيات ماضوية غير قابلة للتعامل مع عصورها الحاضرة / بل لديها موقف مضاد للحداثة، لانها تقرأ الحاضر من خلال الماضي لا بوصفه تراثاً فكرياً تتواصل معه انما بوصفه معياراً للفكر والمدنية والعقلانية المعاصرة وهي انواع (مؤسساتية اصولية – دعوية اصولية – جهادية أصولية)

ونقصد باصوليات العنف: تلك الجماعات التي ترى ان واجبها الديني حمل الناس على منهجهم ومسلكهم، وتجيز لنفسها استعمال العنف كوسيلة من وسائل نشر الدين وترى في استعمال القوة والقتل طريقاً شرعياً، وتاريخياً تعد المراكز الدينية مرتبطة من حيث النشأة والتأسيس بالعواصم السياسية للدول الاسلامية المتعاقبة فالمدينة المنورة عاصمة دولة الإسلام الأولى (دولة النبوة والخلافة)، و الكوفة (عاصمة الخلافة الراشدة على عصر الامام علي عليه السلام)، ودمشق (عاصمة الدولة الاموية)، وبغداد (عاصمة الدولة العباسية)، والقاهرة (عاصمة الدولة الفاطمية).وقد ظلت هذه المدن (العواصم) بعد انتهاء عصور دويلاتهم مراكز دينية للمجتمع الإسلامي على الرغم من ان المراكز الدينية مرتبطة بالتاريخ ما عدا المراكز الدينية في ايران، اما المراكز فهي الازهر الشريف، مكة المكرمة، المدينة المنورة، النجف الاشرف، قم المقدسة).

1- الازهر الشريف في مصر: وهو المؤسسة الدينية الرئيسة في مصر وهو امتداداً لإزهر الفاطميين وقد بقي حتى الوقت الحاضر مركزاً دينياً عالمياً ينتهج الاشعرية كلاما والصوفيه مسلكا والشافعية فقها ويصرح بانه (يتنهج الوسطية الاسلامية).

2- مدينة قم المقدسة في ايران: وهي مؤسسة دينية مرجعية شيعية نشات قبل اكثر من قرنين على تراث القميين الاوائل قبل عشرة قرون أمثال (العياشي، وابنا بابويه). ونمت بعد 1979 فصارت موسسة عالمية ذات بنى ارتكازية عديدة

3-النجف الاشرف في العراق: وهي موسسة دينية مرجعية تأسست عام 448 ه عند قدوم الشيخ الطوسي الى النجف، ولطالما غادرها الدرس العلمي الى أماكن أخرى لكنه عاد اليها وبقت ولاتزال مؤسسة مرجعية للشيعة في العالم اجمع.

4- مكة المكرمة والمدينة المنورة : وهي مراكز ثقافية (غير مرجعية) في الأصل وبعد (التحالف القبلي الديني) بين (ال سعود – محمد بن عبد الوهاب) نشات دولة تعتمد السلفية التقليدية، على مسلك الوهابية كحركة دينية تحولت فيما بعد الى حركة سياسية وانضوت ضمن الاستراتيجيات العالمية ولهاتين المدينتين وجود ديني ولهما اعلام ممتاز وتاثير في النفوس.

ما موقف هذه المركز وتياراتها من اصوليات العنف؟

النجف الاشرف: التيار المرجعي التقليدي وموقفه من اصوليات العنف:

يلاحظ الدارسون ان مرجعية النجف: لم تبد اهتماماَ ملحوظا لنشوء التيارات الأصولية العنفية في اواخر سبعينيات القرن الماضي ولم يظهر لديها رفض فتوائي لهذه الجماعات كما لم تظهر دراسات فكرية عميقة إزاء نشوء ظاهرة التكفير وتداعياته في السبعينات، بل لم تلاحق هذه الظاهرة حتى بالرصد والدراسة والتحليل، وقد تطور هذا التيار (في الثمانينات) ابان الحرب على ايران والهجمات على الشيعة في الباكستان والهجوم على الشيعة (أفغانستان)، وتحالف هذه الجماعات مع صدام، وكل ذلك لم يكن حافزاَ للرصد والتحليل، لتخطيط مستقبلي للمواجهة وتكوين اللوبيات الضاغطة.وبين 2003 – 2014، ورغم مرور اكثر من عشر سنوات على بدء (التفجيرات في العراق) فلم يتعد موقفها (الادانة) والشجب وقد ابتعدت المرجعية ُ عن اتهامهم بالتكفير ولم تدع الى قتالهم وتمسكت بالنصح والدعوة الى الوحدة والمواجهة السلمية.

ب / التيار الحركي الشيعي: سار هذا التيار مع المرجعية التقليدية حتى 2006 وعندما اشتدت عمليات القتل الطائفي اضطر الحركيون بدافع الدفاع عن الناس مواجهة العنف الطائفي (بعنف عقائدي أيضا) (داخل العراق) دون ان يكون للحركيين الاسلاميين الشيعة مجموعات ذكية تحلل وتدرس الخيارات الاستراتيجية لمستقبل الشيعة في العراق تعمل على دراسة معلوماتية عن مناطق تواجد المتطرفين داخل وخارج العراق ومناطق نشوء الاصوليات العنفية

وبعد 10/6/ 2014 تحرك التيار المرجعي التقليدي للمواجهة فأفتى بالجهاد الكفائي لمواجهة عسكرية شاملة لحماية العتبات المقدسة،وحماية الوجود الشيعي فتجاوب معه التيار الحركي بالتحشيد، لكننا الى الان لم نرصد ابدا محاولة لتحليل وتفكيك الظاهرة من الناحية العلمية.

سمات رد الفعل الشيعي: سمات الدفاع الشرعي عن الوجود الشيعي

أ / التمييز بين السّنة المعتدلين الايجابيين والسلفيات كالوهابيه والقاعدة .

ب / لاتزال الدعوة عند مرجعية الشيعة قائمة لاحتواء السّنة وعدم دفعهم للاصطفاف مع التطرف.

جـ / عدم التفكير بوسائل الضغط على السعودية من خلال المنطقة الشرقية مثلاَ.

د / عجز الحركات السياسية الشيعية من اختراق خفايا الصراع السعودي الإيراني، ويعتقد غيرهم عدم وجود دور مستقل لهم عن السيناريو الإيراني في الصدام البارد مع السعودية.ويقال انهم اصطفوا الاستراتيجية الإيرانية في العراق – لاتفاق الأهداف.

الصورة المستقبلية المتوقعة:

- تفاهم اعمق بين التيارين المرجعي والحركي وتفهم افضل من كل منهما للآخر.

- نحن امام احتمال ظهور موجه ثالثة تحمل جينات التيارين، تطور الاتجاهين المرجعي والحركي.

- سيكون المستقلون والمدنيون جبهة جاذبة للطرفين

مصر (الازهر): تعتبر أصول الازهر اصول شيعية اسماعيلية لكن حاضر الازهر انه مؤسسة سنية صوفية اشعرية ويعاني الازهر من مجموعة متاعب:

- الازهر داخل بصراع مع الاخوان والجماعات السلفية فالازهريون التقليديون: يرون ان (منهج الاخوان) ومسلك القرضاوي مخالف للنهج الازهري التاريخي وهو خروج عن الوسطية (التاريخية). ويدعو بعض الازهرين الى اسلام حضاري ويرى بعضهم ان الاخوان (ملة مضللة)

- اشتد الخلاف على الشرعية المرجعية لاهل السنة من أيام عبد الناصر وكانه صراع تاريخي الصراع على المرجعية الدينية لاهل السنة هل الازهر او القيادة العالمية للاخوان حتى ان الاخوان هاجموا الازهر اكثر من مرة

- من المعلوم ان الوهابية: تقلل كثيرا من قيمة الازهر، وتتهمه بانه اشعري النزعة / والاشعرية عندهم بدعة عند السلفيين

موقف الازهر من اصوليات العنف: يرى الازهر في الجماعات الاصولية:

- انها ولدت من رحم الاخوان وانها ليس فقط تهدد الامن القومي المصري، بل تهدد الامن العالمي (ومن تلك هجماتهم في 11/ أيلول)، وقد وصفهم شيخ الازهر امام فيصل بن سعود وزير خارجية السعودية: بانهم مجرمون وان افعالهم تشوه الإسلام، وهي سبب من أسباب انتشار الالحاد الجديد في العالم الإسلامي وسبب في حقن الغرب بكراهية شديدة للاسلام والمسلمين بسبب اعمال العنف والوحشية

- ويرون انهم ادخلوا متغّيرات على عقائد المسلمين، وادخلوا على فقه الجهاد ما ليس منه واهدروا اخلاقيات الإسلام اثناء الدفاع عن الوجود الإسلامي ولديهم توصيفان للقاعدة: اولا انهم خوارج معاصرون وثانيا انهم صناعة أمريكية.

المراكز الدينية (الحرمين الشريفين)

اضحت الحجاز في الاونة الاخيرة اقليما احادي المذهب فهم على مذهب الحنابلة: ثم تحولوا الى مسلك ابن تيمية.ومع نشأة الدولة السعودية صار مسلك الوهابية نظرية سياسية

تقوم المؤسسة السلفية الرسمية بالسعودية بالامور الاتية:

- تشكل هندسة المجتمع صياغة فكرية دينية ثقافية تكفيرية اقصائية.

- و تشرف على مؤسسات القضاء (و مجلس القضاء الأعلى الذي تشكل عام 1975).

- تشرف على مؤسسات التعليم العام والتعليم الديني.

- تدير هيأة كبار العلماء للسيطرة على (الإفتاء).

- تدير جهاز هيأة الامر بالمعروف (لاغراض الرقابة على تطبيق الشريعة) (فهناك 470 مكتب و4400 موظف) يمارسون مهام الرقابة على الناس ومدى التزامهم بالطقوس.

- تدير رابطة العالم الإسلامي + المجمع العلمي (للعلاقات العلمية، والخارجية).

- و تدير جامعتين اسلاميتين في المدينة المنورة والرياض.

- وتمتلك النفوذ الكبير لاستغلال شعيرة الحج (واجتماع اغلب المسلمين بالعالم) لنشر افكارها

- وتحت يدها فائض مالي كبير فهي تصدر (10) ملايين برميل نفط سنوياً.

- وتشرف على التبليغ العالمي (وتقدم التنظير المذهبي الطائفي التكفيري

- في سياق المواجهة مع ايران تتبنى فصائل تكفيرية متعصبة وتوظفهم لسياساتها

ينتج عنها:

1- بيئة فكرية (محلية وعالمية) حاضنة للتكفيريين ومساندة لمقولاتهم.

2- تمويل الاصوليات التكفيرية والقتالية ويسخرون مخابراتها لدعمهم تعد السعودية موردا بشريا ضخما لهذه الجماعات.

تواجه المؤسسة التقليدية السلفية في السعودية تحديات على المشروعية من:

- الاخوان المسلمين (كمنظمة عالمية) فهؤلاء يسعون لقيادة العالم الاسلامي دينيا وسياسيا.

- لم تترك التطور في نشاة جماعات الصحوة الإسلامية الذين دمجوا بين الوهابية وفكر سيد قطب .

- وعن دعمها نشات السلفية الجهادية من رحم السلفية التقليدية

فالمواقف السياسية للسعودية تدعم داعش والنصرة في سوريا دعما علنيا، وفي العراق تدعمه دعما سريا، ويتمثل الدعم بالاموال والأشخاص والاعلام والاسناد السياسي الدولي والمخابراتي. بينما في نفس الوقت تعتبر أي تحرك لداعش في الخليج او الاقتراب من السعودية مدعاة لاستنفار كبير وتسمي داعش تنظيمات متطرفة ترتكب جرائم الحرابة، وتصفهم بانهم مفسدون في الأرض وتطالب بايقاع اغلظ العقوبات عليهم لكنها في الوقت الذي تكفر الاخرين لا تكفر داعش فالمعلن: ان داعش والقاعدة خرجا من طاعة العاهل السعودي وامام الحرمين ولان الجماعات التكفيرية والدولة السعودية (يلتقيان مثلا على اسقاط النظام السوري) فتتحد ارادتهما والتخادم لا يزال قائما، اما القاعدة ومشتقاتها فهي تفكر علنا بان تهاجم السعودية وتخطط للوصول الى ثروة النفط ومكانة الحرمين لكن تمويلها الاساس من الاشخاص السعوديين.

وهنا سؤال مهم : لماذا تدعم تركيا داعش؟ والجواب: جاء في بعض التحليلات ان تركيا تريد ان تكون مركزا إسلاميا (عثمانيا) وهي انما تدعم داعش فلضرب السعودية للتخلص من مركزيتها الدينية (المهيمنة) لتكون هي المركز باعتبارها عاصمة الخلافة الأخيرة وهذا ما يفسر تحفظ السعودية من الإعلان بالدخول بحلف دولي ضد داعش **، لانها اذا أعلنت الدخول في حلف ضد داعش تخشى حركة المتطرفين من داخل المجتمع السعودي وتخرب الجهد المخابراتي التخادمي مع داعش والقاعدة

لقد ظهر بعد الثمانينات (حلف عالمي – سعودي – صدامي) ضد الشيعة في العراق وايران وتعاظمت قوى التطرف الديني الذي اقترن بالإرهاب. فصار هدف السلفية الجهادية في كل مكان ضرب (ايران والشيعة)، لكن ايران حققت ردعا استراتيجيا ومخابراتيا لحماية بلدها من ضربات الأصوليين وحققت اتفاقات سياسية مع قوى سنيه معتدلة (الاخوان) رغم التنافر العقائدي بينهما واستطاعت ان تحمي نفسها من الهجمات البربرية فتركزت هجماتهم الفاشية على شيعة العراق وتتفادى السعودية سؤالا مهما : اذا كنتم صادقين في تدينكم فلماذا تقفون مع الغرب (الكافر) وتقاتلون من يقاتل الغرب مثل ايران وسوريا ولبنان ؟

قم المقدسة

قم المقدسة: مدينة مقدسة في وسط ايران كانت محط اقامة عدد من المشردين الشيعة كالاشعريين في القرن الثاني الهجري ثم قبل قرابة ثلاثة قرون صارت مقرا لعشرات العلماء المجتهدين وتحولت الى حوزة دينية ايرانية وتعاظم شانها بعد ثورة ايران 1979 وانشات بها مئات المؤسسات الدينية والتحقيقية ونالت دعم الدولة واحتوت على عدد كبير من طلبة العلوم الدينية من عموم انحاء العالم

خلاصة القول: ان المراكز الدينية الكبرى في العالم الإسلامي لا تزال في مرحلة الشجب والادانة والتنديد للاصوليات التكفيرية في احسن الأحوال، والواقع ان النجف / قم / الازهر / والمؤسسات الدينية بالعالم بإمكانها لثقلها المعنوي ومرجعيتها ان تؤثر على اختيار التابعين لها من خلال:

1- اعلان البراءة من قوى التطرف واصوليات العنف.

2- اعلان خروجهم السلوكي عن الإسلام المحمدي وارتكابهم جرائم ضد الإنسانية فسلوكهم مدان.

3- عقد مناظرات فكرية معهم من كبار العلماء لاسقاط مشروعيتهم الدينية.

4- تشكيل ضغط على دول العالم لمحاصرة التمويل والامداد، والحواضن الفكرية.

5- ادانة المؤسسة التعليمية السعودية السلفية

6- مراجعة شاملة لنظام التعليم (الذي يصنع اصوليات العنف).

***

د. عبد الامير كاظم زاهد

......................

*بعد هجوم السعودية – تركيا – قطر على سوريا في 2011 – دخلت ايران ومن يتحالف معها في آتون المواجهة مع التكفيريين في سوريا، ودعمت حزب الله لبنان للدخول المباشر والعلني في المواجهة، وبعد 10/6/2014 دخلت بمواجهة علنية مع من يتحالف معها في رد عدوان الإرهاب على العراق.

 

قراءة في الأبعاد المعيارية والمؤسساتية والسياساتية

المقدمة: ليست الأنظمة السياسية كالأشجار التي تنمو طبيعيًا، تمتد جذورها في الأرض وتتعاقب عليها الفصول. بل هي أقرب إلى الكائنات الهشّة، التي مهما بدت متجبّرة فإنها تحمل في جسدها بذور فنائها.

تاريخ الشعوب يبرهن أن لا ديكتاتورية أبدية، وأن سلطة الفرد المطلق، أو الحزب الواحد، أو الطغمة العسكرية، إنما تبني أسوارها من الرمل.

ففي أوروبا الشرقية، التي بدت شمولياتها راسخة لعقود، لم تحتج الشعوب إلى أكثر من صدعٍ صغير في جدار برلين حتى انهارت المنظومة كلها. وفي أمريكا اللاتينية، حيث "الجنرالات" حكموا بالنار والحديد، كانت أولى أزماتهم الاقتصادية كافية لتفجير ثورات ديمقراطية (هنتنغتون، الموجة الثالثة: التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين، ترجمة محمد العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، 1993، ص. 45). وهكذا فإن الاستبداد ليس إلا حالة طارئة، مهما طال زمنها.

لكن كيف تسقط الأنظمة الدكتاتورية؟

التاريخ يقدّم لنا ثلاث صيغ كبرى:

1. التغيير الداخلي الطبيعي: حين يفرض التطور الاجتماعي والاقتصادي تحولات تدريجية (كما في التحول البريطاني من الملكية المطلقة إلى الملكية الدستورية).

2. الثورات والانتفاضات: حين يصل القهر إلى درجة تنفجر فيها المجتمعات (كما حدث في الثورة الفرنسية 1789 أو في بعض بلدان "الربيع العربي" 2011).

3. التغيير القسري عبر الاحتلال الخارجي: وهو مسار استثنائي لا يعكس إرادة المجتمع، بل يُفرض بالقوة، فينتج غالبًا أشكالًا مشوّهة من السلطة السياسية. العراق بعد 2003 هو المثال الأبرز على هذا النمط

 (UN Human Rights Council, Report of the Special Rapporteur on the promotion of truth, justice, reparation and guarantees of non-recurrence, A/HRC/34/62, 2017, p. 11).

وهنا ينهض سؤال سجالي:

هل كان نظام صدام حسين قادرًا على الاستمرار لولا الاحتلال الأمريكي؟

من حيث أدوات السيطرة الأمنية، نعم، كان النظام محكمًا. ومن حيث الاقتصاد الريعي، كان يملك ما يكفي من موارد لإدامة زبائنيته. لكن في العمق، كان الحصار الدولي قد مزّق نسيج المجتمع، وأضعف شرعية الدولة، وخلق أجيالًا لا تعرف سوى الحرمان. أي أن النظام، رغم صلابته الظاهرية، كان يحمل في داخله عناصر التآكل. الدكتاتورية حين تُفرط في العنف تصنع أعداءها في كل بيت، وحين تحتكر الثروة تشعل جوعًا لا يمكن إخماده (فالح عبد الجبار، الدولة والمجتمع المدني في العراق، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010، ص. 72).

غير أن النهاية لم تأتِ عبر ثورة داخلية أو تحوّل تدريجي، بل عبر الاحتلال؛ ذلك المسار "غير الطبيعي" لتغيير الأنظمة. الاحتلال أسقط الدكتاتورية الفردية، لكنه لم يفتح الباب لديمقراطية حقيقية، بل أقام مكانها أوليغارشية حزبية–طائفية. لقد استبدل العراق حكم الفرد المطلق بحكم الطغمة الجماعية، حيث توزّعت الدولة غنيمة بين قوى محدودة، احتكرت القرار السياسي والاقتصادي، وأعادت إنتاج الاستبداد بوجه جديد.

وهنا يتجلى التناقض الأعمق: أن الاحتلال جاء بشعارات "حقوق الإنسان" و"الديمقراطية"، لكنه أسس بنية تعيق هذه المنظومة ذاتها. فالأوليغارشيا العراقية صارت طبقة اجتماعية–سياسية متكاملة، تعيش على اقتصاد الريع والفساد، وتحوّل المؤسسات الحقوقية والقانونية إلى أدوات حماية لمصالحها.

من هنا تنطلق هذه الورقة لتفكيك العلاقة بين الأوليغارشيا العراقية ومنظومة حقوق الإنسان، عبر ثلاثة مستويات متداخلة:

1. الجوانب المعيارية: كيف تُفرغ النصوص الدستورية والالتزامات الدولية من مضمونها.

2. الجوانب المؤسساتية: كيف تتحوّل الأجهزة الرقابية والقضائية والحقوقية إلى واجهات شكلية.

3. جوانب السياسات: كيف تدار الثروة والموارد على أساس الولاء الحزبي لا على أساس العدالة الاجتماعية.

وتسعى الورقة في الختام إلى مساءلة الاحتمالات:

هل يمكن تكييف هذه الأوليغارشيا وتحويلها تدريجيًا نحو نظام ديمقراطي يضمن التداول السلمي للسلطة؟ أم أن العراق عالق في حلقة مفرغة بين استبداد الفرد واستبداد القلّة؟

الفصل الأول: الإطار المفاهيمي والنظري

1. الأوليغارشيا: حكم القلة بين النظرية والتجربة: حين نتأمل في كتب الفلسفة السياسية منذ أرسطو، نجد أن الأوليغارشيا كانت دائمًا مرادفة لاحتكار السلطة من قِبل قلة ضيقة تتحكم في المال والسلاح والقرار. أرسطو ميّز بين حكم الشعب (الديمقراطية) وحكم الفرد (الملَكية/الطغيان)، وبين حكم القلة الذي يتذرّع غالبًا بامتلاك الثروة أو "الجدارة" (أرسطو، السياسة، ترجمة أحمد لطفي السيد، القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1947، ص. 211). هذه القلة قد تكون عسكرية كما في أنظمة أميركا اللاتينية، أو مالية–تجارية كما في جمهوريات البحر المتوسط، أو حزبية–طائفية كما في الحالة العراقية بعد 2003. الجامع بين التجارب أن الأوليغارشيا دائمًا ما تتطفل على جسد الدولة؛ فهي لا تسعى إلى بناء مؤسسات قوية محايدة، بل إلى توزيع الغنائم بين أطرافها، وتحويل جهاز الدولة إلى وسيلة حماية لمصالحها.

2. منظومة حقوق الإنسان: ثلاثة أبعاد متشابكة: لكي نضع العراق ضمن خارطة التحليل، لا بد أن نستحضر منظومة حقوق الإنسان ككلّ متعدد الأبعاد:

‌أ) البعد المعياري (Normative Framework):

أي النصوص الدولية (الإعلان العالمي 1948، العهدان الدوليان 1966، اتفاقية مناهضة التعذيب، سيداو، اتفاقيات منظمة العمل الدولية…) التي تشكل إطارًا ملزمًا للدول. العراق التزم بمعظمها، لكنه لم يحوّلها إلى التزامات فعلية.

‌ب) البعد المؤسساتي (Institutional Framework):

يشمل المؤسسات الوطنية (المفوضية العليا لحقوق الإنسان)، البرلمان، القضاء، وهيئات الرقابة. المفترض أن تعمل كضمانة، لكنها في حالة العراق أصبحت جزءًا من لعبة المحاصصة. لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة وصفت العراق مرارًا بأنه يعاني من "ضعف استقلال القضاء وغياب آليات مساءلة حقيقية"

 (Human Rights Committee, Concluding Observations: Iraq, CCPR/C/IRQ/CO/5, 2015, p. 3).

‌ج) البعد السياساتي (Policy Dimension):

حيث تُترجم الحقوق إلى سياسات عامة: التعليم، الصحة، العدالة الاجتماعية، مكافحة الفقر. هنا بالذات يظهر التناقض بين النصوص البراقة والممارسة الفعلية، إذ تحكم الأوليغارشيا عبر توزيع الريع النفطي على شبكات الزبائنية بدل بناء سياسات عامة عادلة (فالح عبد الجبار، الطبقة الوسطى في العراق: تشكلها وانحدارها وإعادة إنتاجها، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015، ص. 133).

3. الاحتلال كآلية "غير طبيعية" للتغيير: من حيث علم الاجتماع السياسي، التغيير السياسي إمّا أن يكون نتاج تراكم داخلي (ثورة، إصلاح تدريجي) وإما أن يُفرض من الخارج. التجربة العراقية تنتمي إلى الصنف الثاني: الاحتلال الأميركي 2003. هذا ما يجعلها استثناءً في المنطقة، إذ لم يكن التحول إلى ما سُمّي بالديمقراطية نتيجة حراك مجتمعي، بل بفعل قوة عسكرية خارجية (UN Security Council, Report of the Secretary-General on the situation concerning Iraq, S/2004/625, p. 5). ، النتيجة أن النظام الجديد حمل في جيناته الأولى بذور التشوه: لم ينشأ كعقد اجتماعي، بل كـ "تسوية فوقية" بين أحزاب ما بعد الاحتلال. تلك التسوية أعطت الأوليغارشيا شرعية شكلية، لكنها لم تُنتج مؤسسات راسخة ولا سياسات قائمة على حقوق الإنسان.

4. العراق بين الدكتاتورية والأوليغارشيا: نظام صدام حسين كان ديكتاتورية فردية تُديرها أجهزة أمنية وعسكرية مركزية ، بعد 2003، سقط الفرد وبقيت آليات الاستحواذ والاستبداد، لكن هذه المرة بيد قلة موزعة على خطوط طائفية–حزبية ، بهذا المعنى، انتقل العراق من "استبداد الفرد" إلى "استبداد القلة"، وهو تحول من دكتاتورية إلى أوليغارشيا.

5. المفارقة الكبرى: حقوق الإنسان كراية وشكل بلا مضمون: الاحتلال رفع شعار حقوق الإنسان والديمقراطية، لكن الواقع المؤسسي والسياساتي كشف تناقضًا:

- في البعد المعياري، الدستور العراقي 2005 مليء بالحقوق (المواد 14–46)، لكنه ظل نصًا بلا ضمانات.

- في البعد المؤسساتي، المفوضية العليا لحقوق الإنسان خضعت لتقاسم حزبي عطّل استقلالها

(Global Alliance of National Human Rights Institutions, Chart of the Status of National Institutions, Geneva, 2024, p. 17).

- في البعد السياساتي، الحقوق الاجتماعية تحولت إلى "مكرمات" من أحزاب السلطة لا إلى سياسات دولة.

وهنا نصل إلى فرضية الورقة: أن الأوليغارشيا العراقية لم تكن مجرد عرض جانبي، بل نتيجة طبيعية لآلية التغيير غير الطبيعية (الاحتلال)، وأنها اليوم تقف كعائق رئيسي أمام تحويل التزامات حقوق الإنسان إلى واقع.

الفصل الثاني: الجوانب المعيارية لحقوق الإنسان في ظل الأوليغارشية

1. النصوص الدستورية كمرآة مشروخة: حين وُضع دستور العراق عام 2005، بدا للوهلة الأولى وكأنه نصّ مفعم بالحقوق: مساواة، حريات، ضمانات. من المادة (14) التي تنص على أن "العراقيين متساوون أمام القانون" إلى المواد (37–46) التي تفيض بحديث عن حرية التعبير والخصوصية والحق في المحاكمة العادلة. لكن هذه النصوص ظلت مرآة مشروخة؛ تعكس صورة مثالية على الورق، لكنها عاجزة عن تجسيد نفسها في الواقع.

الأوليغارشيا تعاملت مع الدستور لا كعقد اجتماعي، بل كـ ساحة تقاسم غنائم. فالمواد الحقوقية لم تُترجم إلى تشريعات ضامنة أو مؤسسات حامية، بل ظلت أسيرة التأويل السياسي. كما أن المادة (2) التي نصّت على أن "الإسلام دين الدولة الرسمي" وظّفت لاحقًا كذريعة لتعطيل حقوق المرأة والحرية الدينية، على الرغم من التزامات العراق الدولية في مجال المساواة (CEDAW Committee, Concluding Observations on Iraq, CEDAW/C/IRQ/CO/7, 2019, p. 5).

2. ازدواجية المرجعيات: الكونية في مواجهة المحليّة: العراق صادق على معظم الصكوك الدولية الأساسية: العهدين الدوليين 1971، اتفاقية مناهضة التعذيب 2011، اتفاقية حقوق الطفل 1994، وغيرها. لكنه لم يوفّر منظومة تشريعية وطنية تتواءم مع هذه المعايير.

هنا يظهر جوهر الإشكال: ازدواجية المرجعية.

- مرجعية كونية تستند إلى الإعلان العالمي والعهدين.

- ومرجعية محلية تُعيد تفسير الحقوق عبر منظور طائفي–ديني أو حزبي.

هذه الازدواجية أنتجت "حقوقًا انتقائية": حق يُحترم في منطقة، ويُقمع في أخرى. حق يُقرّ على الورق، ويُلغى في التطبيق. لجنة حقوق الإنسان أعربت صراحة عن قلقها من "الاستخدام الانتقائي للقوانين لتقييد حرية التعبير تحت ذريعة الأمن أو النظام العام"

 (Human Rights Committee, Concluding Observations: Iraq, CCPR/C/IRQ/CO/5, 2015, p. 4).

3. الالتزامات الدولية كأدوات للخطاب لا للتنفيذ: الأوليغارشيا العراقية وجدت في تقارير حقوق الإنسان أداة للتجميل الخارجي، لا للإصلاح الداخلي. فهي تقدّم تقاريرها الدورية للجان المعاهدات، لكنها نادرًا ما تضع خططًا وطنية لتنفيذ التوصيات.

- مثلًا: العراق قبِل في الاستعراض الدوري الشامل 2019 أكثر من (200) توصية، بينها توصيات جوهرية تخص مكافحة التعذيب وضمان استقلال القضاء (Human Rights Council, Report of the Working Group on the Universal Periodic Review: Iraq, A/HRC/40/14, 2019, p. 7).

- لكن هذه التوصيات بقيت كلمات معلقة، لأن الطبقة الأوليغارشية لا ترى مصلحة في تطبيقها، إذ قد تهدد امتيازاتها الأمنية والسياسية.

4. الاقتصاد الريعي وتعطيل المساواة: الحقوق ليست شعارات فقط؛ بل تحتاج إلى قاعدة اقتصادية عادلة. لكن الاقتصاد العراقي ريعي بامتياز: أكثر من 90% من موازنة الدولة يأتي من النفط (البنك الدولي، تقرير العراق الاقتصادي, واشنطن: البنك الدولي، 2020، ص. 19). هذا الريع صار أداة في يد الأوليغارشيا لتوزيع العطايا على شبكات الولاء، بدل أن يكون قاعدة لضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

النتيجة: أن الحقوق المعيارية التي يقرّها الدستور والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (1966) تُفرغ من مضمونها، لأن الريع يوزَّع زبائنيًا لا وطنيًا.

5. النصوص كقناع للسلطة: المفارقة أن العراق اليوم يبدو على الورق واحدًا من أكثر الدول التزامًا بالمواثيق، لكنه في الواقع أحد أكثرها انتهاكًا. النصوص الدستورية والقانونية تحولت إلى قناع تُخفي به الأوليغارشيا وجهها الحقيقي. ما يجعل المنظومة المعيارية لحقوق الإنسان أداة للخطاب السياسي الخارجي، لا للعدالة الداخلية.

الفصل الثالث: الجوانب المؤسساتية

1. الدولة كغنيمة: في الأنظمة الديمقراطية، المؤسسات هي عماد الضمانات: البرلمان للتشريع، القضاء للحكم العادل، الهيئات الرقابية للمساءلة، والمفوضيات المستقلة لحماية الحقوق. لكن في العراق ما بعد 2003، تحولت هذه المؤسسات إلى غنائم في سوق المحاصصة. لم تعد مؤسسات الدولة كيانات حيادية بل أقسامًا موزعة بين أحزاب الأوليغارشيا: وزارة لهذا الحزب، هيئة لذاك، وقضاء يتقاسمه اللاعبون الكبار.

فبدل أن تكون مؤسسات الدولة وسيطًا بين المواطن والدولة، أصبحت جسرًا بين الحزب وموارده. هنا يتجسد جوهر الأوليغارشية: السيطرة على المؤسسات لا من أجل المصلحة العامة بل من أجل تكريس الامتيازات.

2. البرلمان: شرعية شكلية: البرلمان يفترض أن يكون صوت الشعب، لكنه في العراق صار انعكاسًا للكتل السياسية نفسها. الانتخابات الدورية لم تُنتج تداولًا حقيقيًا للسلطة، بل أعادت تدوير نفس النخبة. تقارير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) أشارت إلى ضعف النزاهة الانتخابية بفعل التزوير والمال السياسي والتأثير المسلح

 (United Nations Assistance Mission for Iraq, Electoral Assessment Report, Baghdad: UNAMI, 2021, p. 12).

هكذا بات البرلمان مؤسسة مفرغة من جوهرها الديمقراطي، وظيفتها أن تضفي مظهر الشرعية على صفقات النخبة.

3. القضاء: رهينة الولاءات: القضاء هو ميزان العدالة، لكن الأوليغارشيا العراقية جعلته رهينة الولاءات.

- لجنة حقوق الإنسان (CCPR) أعربت بوضوح عن قلقها من "الافتقار إلى استقلال القضاء والضغوط السياسية الواسعة"

(Human Rights Committee, Concluding Observations: Iraq, CCPR/C/IRQ/CO/5, 2015, p. 3).

- تقارير لجنة مناهضة التعذيب (CAT) لاحظت استمرار الإفلات من العقاب على انتهاكات التعذيب، مما يعكس قضاء عاجزًا عن ردع الأجهزة الأمنية

 (Committee against Torture, Concluding Observations: Iraq, CAT/C/IRQ/CO/1, 2015, p. 2).

إنه قضاءٌ يختار معاركه بعناية: يحاكم الضعفاء والمتظاهرين، ويتجنب الاقتراب من ملفات الفساد الكبرى أو المليشيات النافذة.

4. المفوضية العليا لحقوق الإنسان: مؤسسة مُفرغة: المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق أنشئت عام 2008 لتكون مؤسسة وطنية وفق مبادئ باريس. لكنها ما لبثت أن تحولت إلى ساحة صراع بين الأحزاب.

- التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان (GANHRI) خفّض تصنيف المفوضية العراقية من الفئة "A" إلى الفئة "B"، بسبب "غياب الاستقلالية والتسييس"

(Global Alliance of National Human Rights Institutions, Chart of the Status of National Institutions, Geneva, 2024, p. 17).

- بدل أن تكون المفوضية عين الشعب، غدت عين الأحزاب: تتجنب الملفات الحساسة، وتُصدر بيانات بلا أثر.

5. المجتمع المدني: بين التهميش والاحتواء: المجتمع المدني في العراق شهد انتفاضات قوية، خصوصًا في احتجاجات 2015 و2019. لكنه وُوجه بثنائية: التهميش حين يكون مستقلاً، والاحتواء حين يخضع لتمويل أو وصاية حزبية. تقارير المفوضة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) وثقت "الاستخدام المفرط للقوة ضد المتظاهرين السلميين، وقتل مئات المحتجين وإصابة الآلاف"

 (OHCHR, Human Rights Report on Demonstrations in Iraq: October 2019 – April 2020, Geneva: UN, 2020, p. 3).

هذه الانتهاكات أظهرت أن السلطة ترى في المجتمع المدني خصمًا يجب إسكاته، لا شريكًا يجب تمكينه.

6. مؤسسات الرقابة والشفافية: ديكور بلا سلطة:ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة وهيئات مكافحة الفساد، كلها مؤسسات تبدو على الورق أدوات محاسبة. لكنها عمليًا ديكور في مسرح الأوليغارشيا. فهي لا تملك استقلالًا حقيقيًا ولا قدرة على الوصول إلى الملفات الكبرى. ونشير هنا الى ان البنك الدولي وصف الفساد في العراق بأنه "مؤسسي ومنهجي"، يعكس ضعف كل آليات الرقابة

 (World Bank, Iraq Economic Monitor: Navigating the Perfect Storm, Washington: WB, 2020, p. 29).

7. النتيجة: مؤسسات بلا مؤسسية: المشهد العام يُظهر تناقضًا مريرًا: العراق يملك مؤسسات بأسماء رنانة (برلمان، قضاء، مفوضية، نزاهة)، لكنه يفتقد إلى المؤسسية. كل هذه الكيانات تعمل كامتداد للأوليغارشيا، لا كحامٍ لحقوق الإنسان. النتيجة أن المواطن يقف وحيدًا، بين دستور يعده بالمساواة، ومؤسسات تبيعه للصفقات.

الفصل الرابع: جوانب السياسات

1. السياسات العامة بين المبدأ والواقع: في أي دولة حديثة، تُفترض السياسات العامة أن تكون ترجمة عملية للنصوص الحقوقية: الحق في التعليم يتحول إلى ميزانيات ومناهج، الحق في الصحة يتحول إلى مستشفيات وأدوية، الحق في العمل يتحول إلى برامج تشغيل وتنمية. لكن في العراق، ما بعد 2003، تحولت السياسات العامة إلى مسرح للزبائنية. الأوليغارشيا لم ترَ في السياسات أداةً لإشباع الحاجات المجتمعية، بل وسيلة لتعزيز الولاءات. وهكذا، لم تعد السياسة العامة "عقدًا اجتماعيًا"، بل "غنيمة موزعة".

2. التعليم: من الحق إلى الامتياز: التعليم وفق العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966) حق أساسي، يتطلب إتاحة ومجانية وجودة. لكن العراق، رغم موارده الهائلة، يعيش انهيارًا في هذا القطاع:

- تقرير اليونسكو أشار إلى أن "أكثر من 3.2 مليون طفل خارج المدارس" عام 2019 (UNESCO, Out-of-School Children in Iraq, Paris: UNESCO, 2019, p. 6).

- المناهج تعكس أحيانًا انقسامات الهوية أكثر مما تعكس وحدة وطنية.

- فرص التعليم العالي توزّع عبر المحسوبية والوساطة أكثر من الكفاءة.

التعليم تحوّل إلى امتياز طبقي وحزبي: أبناء النخبة يصلون إلى الخارج أو إلى الجامعات المرموقة، بينما أبناء الفقراء يتزاحمون في مدارس متهالكة.

3. الصحة: جسد المواطن كرهينة: الحق في الصحة، المنصوص عليه في الدستور (المادة 31)، بقي حبرًا على ورق.

- منظمة الصحة العالمية وثقت أن العراق ينفق على الصحة أقل من 5% من موازنته، وهو معدل أدنى بكثير من المتوسط الإقليمي (WHO, Iraq Health System Review, Cairo: WHO-EMRO, 2021, p. 11).

- المستشفيات الحكومية تفتقر إلى أبسط التجهيزات، بينما يتضخم القطاع الخاص الذي يخدم الطبقة الميسورة.

الأوليغارشيا ربطت الصحة بشبكات الولاء: فرص العلاج في الخارج غالبًا ما تُمنح عبر "استثناءات" حزبية أو برلمانية. جسد المواطن صار رهينة في يد النخبة.

4. العمل والبطالة: الشباب المعلّق بين الهجرة والاحتجاج: العراق بلد شاب، لكن البطالة تلتهم أحلام شبابه.

- البنك الدولي قدّر معدل البطالة بين الشباب بما يقارب 27% عام 2020 (World Bank, Iraq Economic Monitor, Washington, 2020, p. 32).

- سياسة التشغيل تعتمد على التوظيف في القطاع العام، الذي تحوّل إلى خزان للزبائنية بدل أن يكون أداة تنمية.

هذا الإقصاء ولّد موجات احتجاج، أبرزها انتفاضة تشرين 2019، التي طالبت بالعمل والكرامة. ردّ السلطة كان القمع الدموي، لا الإصلاح (OHCHR, Human Rights Report on Demonstrations in Iraq: October 2019 – April 2020, Geneva: UN, 2020, p. 3).

5. البيئة والمناخ: الحق المسكوت عنه: الحق في بيئة سليمة أصبح جزءًا من حقوق الإنسان المعاصرة (قرار مجلس حقوق الإنسان 48/13، 2021). لكن العراق يواجه أزمة بيئية خانقة: التصحر، شح المياه، تلوث الأهوار.

- برنامج الأمم المتحدة للبيئة حذّر من أن العراق "يخسر سنويًا أكثر من 100,000 هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة" (UNEP, Iraq Environmental Outlook, Nairobi: UNEP, 2019, p. 8).

- السياسات البيئية تكاد تكون غائبة، لأنها لا تُدرّ أرباحًا مباشرة للنخبة.

بهذا المعنى، البيئة ضحية صامتة للأوليغارشية، التي ترى في النفط موردها الوحيد، وتتجاهل أن المناخ قد يهدد بقاء الدولة ذاتها.

6. السياسات الاقتصادية والاجتماعية: الريع كأداة ولاء: الأوليغارشية حوّلت النفط من ثروة وطنية إلى "صندوق ولاءات". الموازنات السنوية تُبنى على أساس المحاصصة: أي حزب يحصل على وزارة خدمية يستثمرها لإرضاء جماهيره، لا لإشباع حاجات المجتمع كله.

- لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة لاحظت في تقريرها الأخير عن العراق "غياب التخطيط طويل الأمد وانعدام العدالة في توزيع الموارد"

 (Committee on Economic, Social and Cultural Rights, Concluding Observations: Iraq, E/C.12/IRQ/CO/5, 2015, p. 4).

النتيجة: الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تحولت من التزام دستوري إلى مكرمة حزبية.

7. تناقض السياسات مع أهداف التنمية المستدامة: العراق التزم بأهداف التنمية المستدامة (SDGs 2030)، لكنه بعيد عن تحقيقها:

- الهدف 4 (التعليم الجيد) متعثر مع ارتفاع معدلات التسرب.

- الهدف 3 (الصحة) متراجع مع انهيار النظام الصحي.

- الهدف 8 (العمل اللائق) غير متحقق مع تضخم البطالة.

الأوليغارشية ترفع شعارات التنمية في المحافل الدولية، لكنها على الأرض تعرقل تحقيقها. هنا يظهر التناقض: العراق يقدّم نفسه كدولة ملتزمة بالمعايير الأممية، لكنه في الواقع يبدد الفرصة التاريخية للتحول التنموي–الحقوقي.

الفصل الخامس: الأوليغارشية كطبقة اجتماعية–سياسية

1. من النخبة إلى الطبقة: الأوليغارشية في العراق لم تبقَ مجرد "تحالف عابر" بين أحزاب خرجت من رحم الاحتلال. مع مرور الوقت، ومع تراكم الموارد الريعية، تحولت إلى طبقة اجتماعية–سياسية متماسكة.

- تمتلك هذه الطبقة ثروات مالية عبر السيطرة على العقود والموازنات.

- تمتلك أدوات قسرية عبر المليشيات المسلحة.

- تمتلك شرعية شكلية عبر الانتخابات.

وبذلك صارت الأوليغارشية بنية مغلقة، قادرة على إعادة إنتاج نفسها، كما لو كانت "طبقة حاكمة" بالمعنى الماركسي، لكنها بلا مشروع وطني جامع (عبد الإله بلقزيز، الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012، ص. 119).

2. اقتصاد الريع كرافعة للطبقة: النفط، بدل أن يكون ثروة وطنية، أصبح رأسمالًا سياسياً. الأوليغارشية تحوّل الريع إلى مخصصات حزبية:

- وزارات خدمية تتحول إلى صناديق تمويل حزبي.

- المناصب الإدارية العليا تُباع وتُشترى.

- الاستثمارات الخارجية تُدار عبر شبكات مغلقة.

البنك الدولي وصف هذا المشهد بـ "الاقتصاد السياسي للريع"، حيث الريع يغذي النخب بدل أن يغذي التنمية (World Bank, Iraq Economic Monitor, 2020, p. 28).

3. التمأسس عبر المحاصصة: المحاصصة التي بدأت كآلية لإدارة التنوع تحولت إلى قاعدة لتكريس الأوليغارشيا. فكل حزب يمتلك "حصة" في الدولة، وهذه الحصة تتحول إلى موارد اقتصادية ورمزية.

- البرلمان يوزَّع على الكتل.

- القضاء يُدار عبر التوازنات.

- الوزارات والمفوضيات تخضع لمعادلات دقيقة بين الطوائف والأحزاب.

بهذا الشكل، أصبحت المحاصصة "دستورًا غير مكتوب" يعلو على الدستور المكتوب.

4. المليشيات كجناح موازٍ: الطبقة الأوليغارشية لا تعيش على السياسة وحدها، بل تستند أيضًا إلى قوة مسلحة موازية. المليشيات التي نمت بعد 2003 وفّرت لهذه الطبقة ذراعًا ردعيًا:

- تُرهب الخصوم السياسيين.

- تسيطر على الشارع عند الحاجة.

- تضمن حماية شبكات الفساد.

هذا التداخل بين المال والسياسة والسلاح جعل من الأوليغارشيا قوة معقدة التركيب، لا مجرد نخبة مدنية. تقارير بعثة الأمم المتحدة (يونامي) وثّقت مرارًا "تغلغل الجماعات المسلحة في مؤسسات الدولة وتقييدها للحريات" (UNAMI, Human Rights Report: Iraq, Baghdad, 2020, p. 14).

5. العزلة عن المجتمع:الطبقة الأوليغارشية خلقت فجوة شرعية بينها وبين المجتمع. فهي لا تستمد شرعيتها من المواطنين، بل من توازناتها الداخلية ومن الخارج (الاحتلال سابقًا، والتحالفات الإقليمية لاحقًا). هذا جعلها طبقة معزولة:

- لا تشارك المجتمع همومه اليومية.

- تستثمر الأزمات (كالكهرباء والماء) لمزيد من السيطرة.

- تضع المواطن في موقع المتلقي السلبي.

النتيجة: انعدام الثقة بين الدولة والمجتمع، وهو ما ظهر جليًا في احتجاجات تشرين 2019 التي رفعت شعار "نريد وطن".

6. الأوليغارشية والفساد كآلية بقاء:الفساد لم يعد مجرد ظاهرة، بل آلية حكم. الأموال المنهوبة تُعيد تمويل الأحزاب، تُشتري بها ولاءات انتخابية، وتُدار بها وسائل إعلام تلمّع الصورة.

- هيئة النزاهة أعلنت عام 2021 أن "حجم الأموال المهدورة والمهربة منذ 2003 يفوق 300 مليار دولار" (هيئة النزاهة، تقرير سنوي 2021، بغداد، ص. 7).

- لكن هذه الأرقام تبقى بلا محاسبة لأن الطبقة نفسها تملك أدوات الحماية القانونية والسياسية.

7. الأوليغارشية كأفق مسدود: بهذا المعنى، الأوليغارشية ليست مجرد نخبة سياسية فاسدة، بل أفق مسدود أمام التحول الديمقراطي. فهي بنية مكتملة: مال + سياسة + سلاح + محاصصة + فساد. هذه العناصر تجعلها قادرة على مقاومة كل محاولات الإصلاح.

لكن السؤال يبقى مفتوحًا: هل هذه الطبقة قدَر محتوم، أم أنها، مثل الدكتاتوريات السابقة، تحمل بذور فنائها في داخلها؟

- تناقضاتها الداخلية بين أحزابها.

- عجزها عن تلبية حاجات مجتمع شاب.

- أزماتها المتكررة مع المجتمع الدولي.

كلها عوامل قد تجعل الأوليغارشية طبقة "مؤقتة"، مهما بدت راسخة.

الفصل السادس: المآلات والتحديات

1. هشاشة منظومة حقوق الإنسان: الأوليغارشيا لم تُنتج مؤسسات حامية للحقوق، بل أنتجت مؤسسات ضعيفة تابعة. هذا يعني أن أي التزام حقوقي يظل هشًا وعرضة للانهيار مع كل أزمة سياسية.

- لجنة مناهضة التعذيب لاحظت في 2015 أن "استمرار الإفلات من العقاب يقوّض أي إمكانية لترسيخ ثقافة حقوق الإنسان" (CAT, Concluding Observations: Iraq, CAT/C/IRQ/CO/1, 2015, p. 2).

- المفوضة السامية لحقوق الإنسان أعربت عن قلقها من "ضعف حماية المتظاهرين وغياب ضمانات المحاكمة العادلة" (OHCHR, Annual Report on Iraq, Geneva, 2021, p. 4).

هشاشة المنظومة تجعل المواطن العراقي يعيش بين وعد النصوص وخذلان الممارسة.

2. التداول السلمي للسلطة كواجهة

من المفترض أن التداول السلمي للسلطة هو جوهر الديمقراطية. لكن في العراق، الانتخابات مجرد آلية لتدوير نفس الطبقة الأوليغارشية.

- المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، رغم اسمها، خضعت لضغوط سياسية متكررة.

- تقارير يونامي أكدت أن "المال السياسي واستخدام العنف أثّرا على نزاهة العملية الانتخابية" (UNAMI, Electoral Assessment Report, 2021, p. 15).

بهذا المعنى، التداول السلمي للسلطة يبقى واجهة شكلية، بينما السلطة الحقيقية ثابتة بيد القلة.

3. مخاطر استمرار الأوليغارشية: استمرار الأوليغارشية يعني استمرار أزمة الشرعية. ومعه تتفاقم التحديات:

‌أ) تفكك اجتماعي: إذ يشعر المواطنون أن الدولة لا تمثلهم، فيلجأون إلى الولاءات البديلة (الطائفة، العشيرة، المليشيا).

‌ب) اقتصاد هش: الريع وحده لم يعد قادرًا على امتصاص البطالة أو تحقيق التنمية.

‌ج) عزلة دولية: العراق يواجه انتقادات متكررة في مجلس حقوق الإنسان واللجان التعاهدية، ما يضعف صورته الدولية.

النتيجة أن الأوليغارشية قد تقود إلى انفجار اجتماعي جديد إذا لم تُفتح آفاق الإصلاح.

4. احتمالات الانفجار الاجتماعي: انتفاضة تشرين 2019 كانت جرس إنذار. لقد بيّنت أن جيلًا جديدًا يرفض قواعد اللعبة. لكن الرد الدموي كشف أن الأوليغارشية مستعدة لحماية نفسها بالعنف.

- تقارير الأمم المتحدة قدّرت عدد الضحايا بأكثر من 600 قتيل وآلاف الجرحى (OHCHR, Human Rights Report on Demonstrations in Iraq, 2020, p. 2).

إذا استمر القمع مع انسداد الأفق، قد يتحول الغضب الشعبي إلى ثورة مفتوحة، تهدد بانهيار النظام السياسي كله.

5. خطر عودة الاستبداد الفردي: في المقابل، قد تفتح فوضى الأوليغارشية الطريق أمام عودة الاستبداد الفردي. فحين يعجز المواطن عن تحمل فوضى القلة، قد يقبل بعودة "الرجل القوي" الذي يعد بالأمن والاستقرار. هذا السيناريو تكرر في دول عديدة بعد فشل تجارب ديمقراطية انتقالية.

6. فرص الإصلاح والتكييف

رغم كل العتمة، ثمة فرص للتغيير:

- الضغط الشعبي: المجتمع المدني، الشباب، والنقابات يمكن أن يشكلوا قوة دفع.

- الضغط الدولي: عبر آليات الأمم المتحدة (UPR، معاهدات، مجلس حقوق الإنسان).

- الإصلاح الداخلي: بعض الأصوات داخل النخبة نفسها باتت تدرك أن استمرار الوضع الحالي خطر على الجميع.

هذه العوامل قد تفتح الباب لتكييف الأوليغارشية تدريجيًا نحو وضع أكثر ديمقراطية، شرط أن يُعاد بناء المؤسسات على أسس استقلالية وعدالة.

7. التحدي الأكبر: عقد اجتماعي جديد: في النهاية، لا يمكن للأوليغارشية أن تستمر إلى ما لا نهاية. إما أن تنهار تحت ضغط أزماتها، أو أن تتحول إلى ديمقراطية حقيقية عبر عقد اجتماعي جديد، يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة لا المحاصصة.

- هذا العقد يتطلب إصلاحًا دستوريًا يزيل الغموض ويكرّس المساواة.

- ويتطلب مؤسسات مستقلة فعلًا، لا واجهات حزبية.

- كما يتطلب سياسات تنموية تعيد توزيع الثروة بعدالة.

الفصل السابع: إمكانات التكييف نحو الديمقراطية

1. بين الاستحالة والإمكان: قد يبدو الحديث عن تكييف الأوليغارشية نحو الديمقراطية ضربًا من التناقض؛ كيف يمكن لطبقة تأسست على الريع والفساد والقمع أن تتحول إلى ضامنة لحقوق الإنسان؟ لكن التجارب التاريخية تعلمنا أن النظم المغلقة ليست أبدية، وأن التغيير ممكن حين تتقاطع الإرادة الشعبية مع ضغوط داخلية وخارجية.

في أوروبا الشرقية، تحولت أحزاب شمولية إلى قوى ديمقراطية بعد سقوط الستار الحديدي. وفي أميركا اللاتينية، قبلت الأوليغارشيات العسكرية التنازل التدريجي تحت ضغط المجتمع المدني والاقتصاد (هنتنغتون، الموجة الثالثة: التحول الديمقراطي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1993، ص. 77).

2. الإصلاح المعياري: إعادة صياغة الدستور والقوانين: التغيير يبدأ من النصوص:

- مراجعة المواد الدستورية التي تسمح بالتأويل الطائفي أو تشرعن المحاصصة.

- مواءمة القوانين الوطنية مع الالتزامات الدولية: خصوصًا في مجالات حرية التعبير، حقوق المرأة، مكافحة التعذيب.

- ضمان أن لا تكون النصوص مجرد شعارات، بل آليات قابلة للتنفيذ (CESCR, General Comment No. 9: The domestic application of the Covenant, E/C.12/1998/24, p. 5).

3. الإصلاح المؤسساتي: استقلال وبناء جديد: لا ديمقراطية بلا مؤسسات مستقلة. وهذا يقتضي:

- تحرير القضاء من الولاءات الحزبية عبر آليات شفافة للتعيين والمساءلة.

- إعادة هيكلة المفوضية العليا لحقوق الإنسان وفق معايير باريس بعيدًا عن المحاصصة (GANHRI, Chart of the Status of NHRIs, 2024, p. 17).

- تمكين المجتمع المدني والنقابات، ومنحهما الحماية القانونية الفعلية.

4. الإصلاح السياساتي: من الزبائنية إلى العدالة: تحتاج الدولة إلى سياسات جديدة تقوم على العدالة لا الولاء:

- تبني سياسات تعليمية وصحية وطنية شاملة.

- توزيع الثروة النفطية عبر خطط تنمية عادلة بدل تخصيصات حزبية.

- إدماج أهداف التنمية المستدامة (SDGs) في خطط وطنية فعلية، لا شعاراتية.

5. التداول السلمي للسلطة: إعادة الاعتبار للانتخابات: الانتخابات هي البوابة، لكنها بحاجة إلى إصلاحات:

- قوانين انتخابية تقلل من هيمنة الكتل الكبيرة وتفتح المجال أمام القوى الناشئة.

- ضمان نزاهة العملية عبر إشراف دولي مستقل.

- تجريم المال السياسي والضغط المسلح.

بدون هذه الإصلاحات، سيظل التداول السلمي للسلطة مجرد وهم يُعيد تدوير الأوليغارشيا.

6. دور الضغوط الدولية والإقليمية: العراق لا يعيش في فراغ. الضغوط الأممية (UPR، لجان المعاهدات) يمكن أن تكون رافعة، إذا ما استثمرها المجتمع المدني والقوى الإصلاحية داخليًا.

- تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع (A/HRC/44/50/Add.1, 2020, p. 6) أوصى العراق بإصلاح قوانينه المتعلقة بالتظاهر.

- تقارير مجلس حقوق الإنسان المتكررة تضع العراق تحت دائرة الرقابة، ما يمكن أن يتحول إلى أداة دعم للإصلاح.

7. العقد الاجتماعي الجديد كأفق: في النهاية، تكييف الأوليغارشية نحو الديمقراطية يتطلب عقدًا اجتماعيًا جديدًا. عقد يقوم على:

- المواطنة لا المحاصصة.

- المؤسسات لا الزعامات.

- الحقوق لا الامتيازات.

قد يبدو هذا العقد حلمًا بعيدًا، لكن بدونه ستبقى الأوليغارشية أفقًا مسدودًا. أما معه، فيمكن أن تتحول إلى مرحلة انتقالية نحو دولة حديثة، تضمن التداول السلمي للسلطة وتحمي حقوق الإنسان.

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

باحث في مجال حقوق الانسان

.....................

قائمة بالمراجع

أولًا: الوثائق والتقارير الأممية والدولية

- Committee against Torture. Concluding Observations: Iraq. CAT/C/IRQ/CO/1. Geneva: United Nations, 2015, p. 2.

- Committee on Economic, Social and Cultural Rights. Concluding Observations: Iraq. E/C.12/IRQ/CO/5. Geneva: United Nations, 2015, p. 4.

- CEDAW Committee. Concluding Observations on Iraq. CEDAW/C/IRQ/CO/7. Geneva: United Nations, 2019, p. 5.

- CESCR. General Comment No. 9: The domestic application of the Covenant. E/C.12/1998/24. Geneva: United Nations, 1998, p. 5.

- GANHRI (Global Alliance of National Human Rights Institutions). Chart of the Status of National Institutions. Geneva: GANHRI, 2024, p. 17.

- Human Rights Committee. Concluding Observations: Iraq. CCPR/C/IRQ/CO/5. Geneva: United Nations, 2015, p. 3–4.

- Human Rights Council. Report of the Working Group on the Universal Periodic Review: Iraq. A/HRC/40/14. Geneva: United Nations, 2019, p. 7.

- Human Rights Council. Resolution 48/13: The human right to a clean, healthy, and sustainable environment. Geneva: United Nations, 2021.

- OHCHR. Annual Report on Iraq. Geneva: United Nations, 2021, p. 4.

- OHCHR. Human Rights Report on Demonstrations in Iraq: October 2019 – April 2020. Geneva: United Nations, 2020, p. 2–3.

- Special Rapporteur on the promotion of truth, justice, reparation and guarantees of non-recurrence. Report. A/HRC/34/62. Geneva: United Nations, 2017, p. 11.

- Special Rapporteur on the rights to freedom of peaceful assembly and of association. Report on Iraq. A/HRC/44/50/Add 1. Geneva: United Nations, 2020, p. 6.

- UNAMI (United Nations Assistance Mission for Iraq). Electoral Assessment Report. Baghdad: UNAMI, 2021, p. 12–15.

- UNAMI. Human Rights Report: Iraq. Baghdad: UNAMI, 2020, p. 14.

- UNEP. Iraq Environmental Outlook. Nairobi: United Nations Environment Programme, 2019, p. 8.

- UNESCO. Out-of-School Children in Iraq. Paris: UNESCO, 2019, p. 6.

- WHO. Iraq Health System Review. Cairo: WHO-EMRO, 2021, p. 11.

- World Bank. Iraq Economic Monitor: Navigating the Perfect Storm. Washington: World Bank, 2020, p. 19, 28–32.

- UN Security Council. Report of the Secretary-General on the situation concerning Iraq. S/2004/625. New York: United Nations, 2004, p. 5.

ثانيًا: المصادر العربية والمترجمة

- أرسطو. السياسة. ترجمة أحمد لطفي السيد. القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1947، ص. 211.

- بلقزيز، عبد الإله. الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012، ص. 119.

- عبد الجبار، فالح. الدولة والمجتمع المدني في العراق. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010، ص. 72.

- عبد الجبار، فالح. الطبقة الوسطى في العراق: تشكلها وانحدارها وإعادة إنتاجها. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015، ص. 133.

- هيئة النزاهة (العراق). التقرير السنوي. بغداد: هيئة النزاهة، 2021، ص. 7.

- هنتنغتون، صموئيل. الموجة الثالثة: التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين. ترجمة محمد العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1993، ص. 45، 77.

أهمية دراسة التطرف في العراق مقارنة ببقية المنطقة

يُعدّ العراق حالة فريدة في مشهد التطرف العالمي، إذ تحوّل منذ بداية القرن الحادي والعشرين إلى أكثر البيئات خصوبة لنشوء وتكاثر الجماعات المسلحة ذات المرجعية الدينية. فبينما ظهرت تنظيمات كـ«القاعدة» و«داعش» في دول مختلفة، فإن العراق شكّل الحاضنة الأوسع لها، ووفّر مسرحًا لتجاربها التنظيمية والعسكرية، حتى صار يُنظر إليه في الدراسات الأمنية والسياسية باعتباره «مختبرًا» لتطور أنماط العنف الديني والسياسي (فالح عبد الجبار، العمامة والأفندي، ص. 215، بغداد: الجمل، 2010).

وللمقارنة، فإن بلدانًا مثل الأردن أو المغرب واجهت مظاهر تطرف لكنها لم تصل إلى مستوى التجذر والانتشار الذي شهده العراق، وهو ما يجعل التجربة العراقية ذات قيمة خاصة لفهم الظاهرة في أبعادها البنيوية.

الإشكالية: لماذا يتكرس التطرف في العراق تحديدًا؟

رغم أن التطرف ليس ظاهرة عراقية خالصة، فإن السؤال المركزي يظل قائمًا: لماذا تكرّس في العراق بهذه الكثافة، في حين بقي محدودًا أو محتوى في دول أخرى؟

يتجاوز الجواب التفسيرات المبسطة التي تُرجع الظاهرة إلى «الدين» أو «الغلو العقائدي»، فالتاريخ المادي للعراق يكشف عن تضافر عوامل عدّة:

* الحروب المتكررة التي أنهكت المجتمع والدولة (من الحرب العراقية–الإيرانية حتى غزو 2003).

* الحصار الاقتصادي في التسعينيات الذي ولّد اقتصاد ظل قائمًا على الرشوة والتهريب والزبائنية (فالح عبد الجبار، الدولة والمجتمع المدني في العراق، ص. 332، بيروت: المركز العربي للأبحاث، 2012).

* انهيار الدولة بعد الاحتلال الأميركي، وما تبعه من فراغ أمني ومؤسساتي استغلته الجماعات المسلحة.

* التنافس الإقليمي والدولي الذي جعل من العراق ساحة لتصفية الحسابات.

أهداف ومنهجية البحث

يهدف هذا البحث إلى تفكيك البنية المنتجة للتطرف في العراق من خلال:

1. إعادة الظاهرة إلى جذورها البنيوية والتاريخية، بعيدًا عن اختزالها في بُعد ديني محض.

2. إبراز كيف ساهمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتفكك الدولة في توفير الأرضية الخصبة للجماعات المتطرفة.

3. تقديم قراءة مقارنة بين العراق ودول أخرى لم تُنتج الظاهرة بنفس المستوى، من أجل توضيح خصوصية الحالة العراقية.

منهجية البحث تستند إلى المقاربة البنيوية–التاريخية، أي الربط بين التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من جهة، وصعود الحركات المتطرفة من جهة أخرى. وستتم الاستعانة بمصادر أكاديمية عربية ومترجمة، مع الحرص على التوثيق الدقيق.

الفصل الأول: الإطار المفاهيمي والنظري

تعريف "التطرف" و"الجماعات المسلحة ذات المرجعية الدينية"

يُستعمل مصطلح "التطرف" في الأدبيات السياسية والاجتماعية لوصف أنماط من السلوك أو الفكر التي تنحرف عن الإجماع المجتمعي وتلجأ إلى العنف وسيلةً لتحقيق أهدافها. وقد عرّفه الباحث خليل العناني بأنه "نزعة فكرية وسلوكية تسعى إلى فرض رؤيتها الخاصة على المجتمع، حتى لو استدعى ذلك استخدام القوة المسلحة" (العناني، الإسلام السياسي في زمن القاعدة، ص. 47، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009).

أما "الجماعات المسلحة ذات المرجعية الدينية" فهي تنظيمات تتبنى مرجعية دينية في شرعنة فعلها السياسي–العسكري، وتضع نفسها في موقع بديل أو موازٍ لسلطة الدولة. هذه الجماعات ليست متجانسة؛ إذ منها ما هو عابر للحدود مثل تنظيم القاعدة، ومنها ما هو محلي متجذر في بنية المجتمع العراقي، لكنه يتصل بقوى إقليمية أو دولية.

مقاربات تحليل الظاهرة

1. المقاربة الاجتماعية–الاقتصادية

تركّز هذه المقاربة على أثر الفقر والبطالة والتهميش في إنتاج التطرف. إذ يرى حنا بطاطو أن "الشرائح الدنيا من المجتمع العراقي، المتروكة بلا تمثيل سياسي أو حماية اقتصادية، غالبًا ما وجدت في الخطابات المتشددة ملاذًا أو وسيلة للتعبير عن غضبها" (بطاطو، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، ج3، ص. 112، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1992).

هذه الرؤية توضح كيف أن انهيار سوق العمل بعد 2003 وغياب الأفق التنموي ولّد أرضية خصبة لتجنيد آلاف الشباب العاطلين ضمن جماعات مسلحة.

2. المقاربة التاريخية–المؤسساتية

تذهب هذه المقاربة إلى أن التطرف هو نتاج لضعف الدولة وانهيار مؤسساتها، أكثر من كونه مجرد رد فعل اجتماعي. فالعراق عرف تاريخيًا دورات من انهيار السلطة المركزية وصعود الفاعلين غير الدولتيين (العشائر، الميليشيات، الحركات الدينية). ويشير تشارلز تريب إلى أن "العنف السياسي في العراق ليس ظاهرة عابرة، بل جزء من البنية التاريخية للعلاقة بين الدولة والمجتمع" (تريب، تاريخ العراق الحديث، ص. 321، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007).

3. المقاربة السياسية–الأمنية

تركّز هذه المقاربة على العوامل الجيوسياسية والتدخلات الخارجية. فالغزو الأميركي 2003 لم يسقط النظام فقط، بل فتح فراغًا أمنيًا غذّى التنظيمات الجهادية. كما أن التنافس الإقليمي (السعودي–الإيراني، التركي–الإيراني) حوّل العراق إلى ساحة صراع بالوكالة، وهو ما جعل من الجماعات المسلحة أدوات لإدارة التوازنات الإقليمية. بيير–جان لويزار يصف ذلك بقوله: "العراق بعد 2003 أصبح مختبرًا لإعادة إنتاج العنف الطائفي تحت رعاية دولية وإقليمية متشابكة" (لويزار، تكوين العراق المعاصر، ص. 289، بيروت: دار الساقي، 2008).

4. المقاربة البنائية–التاريخية (النهج المعتمد في هذه الدراسة)

رغم أهمية كل مقاربة من المقاربات السابقة، فإن هذه الدراسة ستعتمد ما يمكن تسميته المقاربة البنائية–التاريخية، التي تجمع بين التحليل المادي–الاقتصادي من جهة، وتفكيك البنى الفكرية والأيديولوجية من جهة أخرى.

* هذه المقاربة ترى أن التطرف في العراق نتاج تضافر عوامل: انهيار الدولة، الاقتصاد الريعي، التهميش الاجتماعي، والهويات القاتلة التي تمت إعادة إنتاجها في فضاء سياسي هش.

* الأفكار الدينية المتشددة تُقرأ هنا بوصفها انعكاسًا للأزمات البنيوية، وليست مجرد منتجات ذهنية مستقلة.

* بهذا المعنى، يصبح التطرف جزءًا من تاريخ اجتماعي–مؤسساتي طويل، وليس طارئًا على العراق.

الفصل الثاني: الجذور التاريخية للتطرف في العراق

أولًا: الحروب كمنعطف تاريخي

شكّلت الحروب المتكررة أحد أهم المفاصل في تشكيل البيئة العراقية الحاضنة للتطرف. فالحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988) لم تكن مجرد صراع عسكري طويل، بل أرهقت المجتمع والدولة على حد سواء؛ إذ استنزفت الموارد البشرية والاقتصادية، ودفعت النظام إلى عسكرة المجتمع والتوسع في الخطاب التعبوي الديني–القومي (عبد الحسين شعبان، الإسلام والسياسة: جدل الدين والدولة، ص. 276، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2009).

ثم جاءت حرب الخليج الثانية عام 1991 لتكشف هشاشة النظام، إذ انهار البنيان الاقتصادي وتعرضت البنية التحتية لدمار واسع، وأدى ذلك إلى تعميق الشرخ الاجتماعي، خاصة بعد قمع الانتفاضة الشعبانية وما خلفته من جروح مفتوحة في النسيج المجتمعي.

ثانيًا: الحصار والعقوبات (1990–2003)

الحصار الدولي مثّل منعطفًا حاسمًا في مسار المجتمع العراقي. فقد أدى إلى تدهور الخدمات العامة وولّد اقتصاد ظل يعتمد على التهريب والرشوة والزبائنية، وهو ما هيأ لظهور شبكات اجتماعية موازية لمؤسسات الدولة الرسمية. يشير فالح عبد الجبار إلى أن العقوبات "أنتجت اقتصادًا مشوهًا قوامه السوق السوداء والولاءات الشخصية، وحولت المواطن إلى تابع لشبكات القرابة والسلطة المحلية بدلًا من الدولة" (عبد الجبار، الدولة والمجتمع المدني في العراق، ص. 332، بيروت: المركز العربي للأبحاث، 2012).

هذا الوضع أسس لتراجع ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة، ومهّد الأرضية لنشوء هويات قاتلة تستند إلى الانتماء الديني أو الطائفي كبديل عن الهوية الوطنية الجامعة.

ثالثًا: الغزو الأميركي وتفكك الدولة (2003)

جاء الغزو الأميركي ليُسقط النظام السياسي، لكنه في الوقت نفسه أسقط الدولة العراقية كجهاز مؤسسي. فقد تم حلّ الجيش، وتفكيك أجهزة الأمن، وتعطيل المؤسسات، مما خلق فراغًا أمنيًا غير مسبوق. هذا الفراغ لم يملأه سوى الجماعات المسلحة التي سرعان ما انتشرت في مختلف المناطق، واستفادت من الفرص البنيوية المتاحة:

* انتشار السلاح بعد فتح مخازن الجيش.

* تفشي البطالة بين الشباب والجنود المسرّحين.

* انهيار السلطة المركزية وغياب القانون.

كما أشار تشارلز تريب: "إن انهيار الدولة بعد 2003 لم يكن مجرد لحظة انتقال، بل بداية إعادة إنتاج العنف السياسي على أسس جديدة، في ظل تدخل خارجي كثيف" (تريب، تاريخ العراق الحديث، ص. 367، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007).

رابعًا: الذاكرة التاريخية للهويات والانقسامات

لا يمكن فهم صعود التطرف في العراق دون التوقف عند التاريخ الطويل للانقسامات الهوياتية. فمنذ العهد العثماني، مرورا بالعهد الملكي، وصولًا إلى الجمهورية البعثية، ظل العراق ساحة صراع بين الطوائف والقوميات والعشائر. هذه الانقسامات لم تكن مجرد "تصنيفات اجتماعية"، بل ارتبطت بتوزيع غير عادل للثروة والسلطة.

بيير–جان لويزار يوضح أن "إشكالية الدولة العراقية الحديثة تكمن في كونها دولة فوقية لم تنجح في إذابة التناقضات الاجتماعية–الطائفية، بل غالبًا ما أعادت إنتاجها من خلال سياسات الإقصاء أو التمييز" (لويزار، تكوين العراق المعاصر، ص. 145، بيروت: دار الساقي، 2008).

هذه الخلفية التاريخية جعلت المجتمع هشًا أمام أي فراغ سياسي، وسهلت مهمة الجماعات المتطرفة في تقديم نفسها كحامٍ للهويات الفرعية.

خلاصة الفصل

من خلال استعراض هذه المراحل، يتضح أن جذور التطرف في العراق ليست وليدة "الغلو الديني" بحد ذاته، بل نتاج سياق تاريخي ممتد: الحروب التي أنهكت المجتمع، العقوبات التي دمّرت الاقتصاد، الغزو الذي فكك الدولة، والذاكرة التاريخية للانقسامات. هذا التراكم البنيوي وفّر الأرضية الخصبة لولادة جماعات متطرفة وجعل من العراق بيئة أكثر هشاشة من غيره من دول المنطقة.

الفصل الثالث: العوامل البنيوية المنتجة للتطرف

أولًا: الاقتصاد الريعي والتهميش الاجتماعي

يُعَدّ الاقتصاد العراقي نموذجًا كلاسيكيًا لـ الاقتصاد الريعي النفطي، حيث تعتمد الدولة بشكل شبه كامل على العوائد النفطية، دون أن يقابله إنتاج صناعي أو زراعي حقيقي. هذا النمط من الاقتصاد خلق علاقة زبائنية بين الدولة والمجتمع، حيث يُوزَّع الريع وفق الولاءات السياسية والطائفية بدلًا من مبادئ الكفاءة والمواطنة (عبد الجبار، العمامة والأفندي، ص. 210، بغداد: دار الجمل، 2010).

ومع انهيار أسعار النفط أو ضعف قدرة الدولة على التوزيع العادل، ترتفع معدلات البطالة والفقر، خاصة بين الشباب. تشير بيانات البنك الدولي إلى أن البطالة بين الشباب العراقيين تجاوزت 25% في بعض الفترات بعد 2003، وهو ما جعل الانضمام للجماعات المسلحة خيارًا اقتصاديًا بقدر ما هو سياسي–أيديولوجي.

بكلمات حنا بطاطو، "إن فقراء المدن والريف، حين يُسلبون الأمل في حياة أفضل، يجدون في الخطابات المتطرفة تعويضًا نفسيًا، وفي التنظيمات المسلحة فرصة مادية للبقاء" (بطاطو، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية، ج3، ص. 119، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1992).

ثانيًا: التفكك الاجتماعي والهوياتي

عاش العراق منذ عقود حالة من تصدّع الهوية الوطنية، حيث أضعفت السياسات الاستبدادية من تماسك المجتمع، وأعادت إنتاج الانتماءات الطائفية والعشائرية والإثنية كبدائل.

* في مرحلة ما بعد 2003، عززت المحاصصة الطائفية هذا التفكك، إذ تحولت الطائفة والقومية إلى وحدات سياسية واقتصادية تتنافس على الموارد والمناصب.

* النتيجة أن الفرد لم يعد يرى في الدولة مظلة حامية، بل بات يرى في الجماعة الفرعية (العشيرة، الطائفة) ملاذًا أو ضمانة.

كما يوضح بيير–جان لويزار: "الهوية العراقية الحديثة ظلت هوية مُتنازَعًا عليها، تعكس تراكب الانتماءات المحلية والطائفية على حساب الهوية الوطنية الجامعة" (لويزار، تكوين العراق المعاصر، ص. 202، بيروت: دار الساقي، 2008).

هذه الهشاشة الهووية جعلت من السهل على الجماعات المتطرفة أن تستثمر في خطاب "الحماية" و"الدفاع عن الجماعة"، فتكتسب شرعية اجتماعية لا تحوزها الدولة.

ثالثًا: ضعف مؤسسات الدولة وأزمة الشرعية

أحد أبرز العوامل البنيوية لصعود التطرف في العراق يتمثل في ضعف مؤسسات الدولة:

1. أزمة احتكار العنف المشروع: الدولة فقدت قدرتها على ضبط السلاح والسيطرة على أراضيها. هذا الضعف أتاح للجماعات المسلحة أن تملأ الفراغ وتفرض سلطتها محليًا.

2. تآكل الشرعية: الحكومات العراقية المتعاقبة بعد 2003 عانت من انقسام مجتمعي حاد حول مشروعيتها، سواء بسبب التدخلات الخارجية أو سياسات المحاصصة والفساد.

3. انهيار الثقة المجتمعية: المواطن العراقي لم يعد يرى في مؤسسات الدولة جهازًا محايدًا يضمن العدالة، بل كيانًا منحازًا ومخترقًا، وهو ما عزز اللجوء إلى بدائل دينية أو طائفية.

يُشير تشارلز تريب إلى أن "العنف المتكرر في العراق يعكس ضعف الدولة بقدر ما يعكس قوة الجماعات المتطرفة، فالدولة الفاشلة في ترسيخ شرعيتها تصبح بيئة طاردة لمواطنيها، وجاذبة للفاعلين غير الدولتيين" (تريب، تاريخ العراق الحديث، ص. 375، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007).

خلاصة الفصل

العوامل البنيوية المنتجة للتطرف في العراق يمكن تلخيصها في مثلث مترابط:

1. اقتصاد ريعي هشّ لا يوفر العدالة والفرص.

2. مجتمع مفكك هوياتيًا يعيش على انقسامات تاريخية متجددة.

3. دولة ضعيفة الشرعية عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية.

هذا المثلث جعل من التطرف خيارًا متاحًا وواقعيًا لشرائح واسعة من المجتمع، وأدخل العراق في دورة عنف مستمرة يصعب كسرها بمعالجات سطحية أو أمنية فقط.

الفصل الرابع: دراسة حالات للجماعات المتطرفة

أولًا: الجماعات الجهادية السنية (من القاعدة إلى تنظيم الدولة)

ظهر التيار الجهادي السني في العراق عقب الغزو الأميركي 2003، حيث شكّل تنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين" بقيادة أبي مصعب الزرقاوي نواة أولى للتنظيمات المتشددة. اعتمد هذا التيار على خطاب ديني تعبوي يبرر المقاومة ضد الاحتلال، لكنه سرعان ما تحوّل إلى حرب طائفية مفتوحة ضد المكوّنات الأخرى.

ومع انسحاب القوات الأميركية (2011) وتفاقم الأزمة السورية، أعاد هذا التيار إنتاج نفسه عبر تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش)، الذي استطاع السيطرة على مساحات واسعة من البلاد عام 2014. يصف فالح عبد الجبار هذه الظاهرة بأنها "أقرب إلى ثورة اجتماعية مضادة، استغلت هشاشة الدولة وتوظيف الانقسام الطائفي" (عبد الجبار، العمامة والأفندي، ص. 229، بغداد: دار الجمل، 2010).

هذا التيار استقطب شرائح واسعة من المهمشين في المناطق السنية، لكنه انتهى إلى عزلة اجتماعية بعد أن فرض أنماط حكم قاسية على السكان المحليين.

ثانيًا: الجماعات المسلحة ذات المرجعية الشيعية

في المقابل، نشأت جماعات مسلحة شيعية كرد فعل على الاحتلال الأميركي أولًا، ثم على صعود التيار الجهادي السني لاحقًا. هذه الجماعات تباينت في بنيتها وأهدافها:

* منها ما رفع شعار "المقاومة الوطنية".

* ومنها ما ارتبط بأجندات إقليمية ذات طابع مذهبي.

امتلكت هذه الجماعات قدرة تنظيمية عالية بدعم مالي وعسكري خارجي، ما جعلها تترسخ داخل المشهد العراقي بعد 2014 ضمن ما عُرف بـ"قوات الحشد".

يشير تشارلز تريب إلى أن "صعود هذه التشكيلات لم يكن فقط استجابة لتهديد داعش، بل أيضًا انعكاسًا لضعف الدولة المركزية التي لم تتمكن من احتكار العنف المشروع" (تريب، تاريخ العراق الحديث، ص. 381، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007).

رغم دورها في مواجهة داعش، إلا أن استمرار حضورها المسلح والسياسي فتح جدلًا واسعًا حول مستقبل الدولة الوطنية العراقية.

ثالثًا: التيارات السلفية الجديدة (المدخلية نموذجًا)

برزت في العراق أيضًا تيارات سلفية ذات طابع "مدخلي"، تركّز على الطاعة للحاكم ورفض التغيير السياسي، لكنها أحيانًا ما لعبت دورًا في إعادة تشكيل المجال الديني المحلي وفقًا لارتباطات خارجية.

هذا التيار لا يتبنى خطابًا ثوريًا مسلحًا على غرار القاعدة أو داعش، لكنه يسهم في إعادة إنتاج التديّن الموجّه سياسيًا، ويُستخدم أحيانًا كأداة لمواجهة التيارات الإسلامية المنافسة.

يلاحظ عبد الحسين شعبان أن "التديّن السلفي المدخلي يقدّم نفسه بديلاً 'هادئًا'، لكنه في الواقع يعكس استقطابات سياسية إقليمية تُصدّر عبر الفضاء الديني" (شعبان، الإسلام والسياسة: جدل الدين والدولة، ص. 188، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2009).

خلاصة الفصل

تُظهر دراسة الحالات أن التطرف في العراق ليس تيارًا أحادي البنية، بل هو فسيفساء من جماعات جهادية سنية، مسلحة شيعية، وتيارات سلفية جديدة. رغم اختلاف أهدافها وأدواتها، فإنها تشترك جميعًا في كونها نتاجًا:

1. لفراغ الدولة وضعف احتكارها للعنف.

2. لتوظيف الهويات الطائفية والمذهبية كأداة تعبئة.

3. للتدخلات الإقليمية التي غذّت هذه الجماعات ووفرت لها مظلة دعم.

الفصل الخامس: العراق في السياق الإقليمي والدولي

أولًا: العراق كساحة لتصفية النزاعات الإقليمية

منذ 2003 تحوّل العراق إلى ميدان مفتوح للصراعات الإقليمية، إذ تقاطعت على أرضه مشاريع متناقضة:

* المشروع الإيراني الذي سعى إلى مدّ نفوذه عبر دعم جماعات مسلحة ذات مرجعية مذهبية.

* المشروع الخليجي الذي حاول مواجهة هذا النفوذ عبر تغذية بعض التيارات السنية أو الخطابات الإعلامية المعادية.

* الدور التركي الذي ركّز على الملف الكردي والأمن الحدودي.

هذا التشابك جعل العراق ساحة لتوازنات إقليمية بدل أن يكون فاعلًا مستقلًا. وكما يلاحظ بيير–جان لويزار: "المنطقة لم تكتفِ بتصدير أزماتها إلى العراق، بل جعلت منه مختبرًا لإدارة صراعاتها على النفوذ" (لويزار، تكوين العراق المعاصر، ص. 277، بيروت: دار الساقي، 2008).

ثانيًا: التنافس الدولي وتأثيره على مسار التطرف

لم يكن التدخل الإقليمي وحده هو المحدّد لمصير العراق، بل جاء التنافس الدولي ليزيد المشهد تعقيدًا:

* الولايات المتحدة: الغزو الأميركي فتح فراغًا مؤسسيًا، وسياسات "اجتثاث البعث" وحلّ الجيش أسهمت مباشرة في ولادة الجماعات المتطرفة. لاحقًا، التدخل العسكري الأميركي ضد "داعش" (2014–2017) شكّل عنصرًا حاسمًا في هزيمة التنظيم عسكريًا، لكنه لم يقدّم حلولًا للبنية التي أنتجته.

* روسيا: عبر التدخل في سوريا، أثّرت روسيا بشكل غير مباشر على العراق، إذ دفعت الحرب السورية مقاتلين ولاجئين باتجاهه، وأعادت تشكيل موازين القوى في المنطقة.

* التحالفات الدولية: انخراط قوى أوروبية في الحرب ضد داعش منح العراق دعمًا عسكريًا، لكنه زاد من اعتماده على الخارج بدل تعزيز استقلاليته الأمنية.

تشارلز تريب يعلّق بأن "السياسات الدولية في العراق لم تنطلق من مشروع بناء دولة وطنية، بل من حسابات أمنية آنية، وهو ما جعلها عاجزة عن معالجة الجذور العميقة للتطرف" (تريب، تاريخ العراق الحديث، ص. 390، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007).

ثالثًا: العراق بين موقعه الجغرافي ودوره الجيوسياسي

يُعدّ العراق بموقعه الجغرافي بين إيران وتركيا وسوريا والخليج حلقة وصل وميدان تنافس في الوقت نفسه. فموقعه الإستراتيجي على خطوط النفط والممرات التجارية جعل منه محلّ أطماع مستمرة.

لكن هذا الموقع، بدل أن يتحول إلى ميزة جيوسياسية، صار عبئًا؛ إذ لم يستطع العراق أن يحوّله إلى قوة تفاوضية أو استقلالية سياسية. بل على العكس، تحوّل إلى "ممر إجباري" لمشاريع النفوذ، وهو ما انعكس في كثافة الجماعات المسلحة ذات الارتباط الإقليمي.

رابعًا: انعكاسات الصراع الإقليمي–الدولي على الداخل العراقي

* تعزيز الطائفية السياسية: كل تدخل خارجي غذّى انقسامًا داخليًا.

* إضعاف الدولة المركزية: التدخلات جعلت الدولة عاجزة عن احتكار العنف.

* إدامة اقتصاد الحرب: حيث صارت بعض الجماعات تستفيد من الدعم الخارجي لإدامة وجودها.

كما يشير فالح عبد الجبار: "لم يعد الصراع في العراق شأنًا داخليًا، بل صار انعكاسًا لمعادلات القوة الإقليمية والدولية التي تجد في العراق ساحة اختبار أكثر مما تجده كيانًا سياسيًا مستقلًا" (عبد الجبار، الدولة والمجتمع المدني في العراق، ص. 355، بيروت: المركز العربي للأبحاث، 2012).

خلاصة الفصل

يظهر من هذه القراءة أن التطرف في العراق لا يمكن عزله عن البنية الإقليمية والدولية. فالعراق لم يكن مجرد منتج لظروفه الداخلية، بل أيضًا ضحية لتقاطعات خارجية جعلت منه ساحة صراع مستمر.

هذه الوضعية ضاعفت من هشاشة الدولة، ورسخت بيئة حاضنة للجماعات المتطرفة، بحيث صار من المستحيل فهم الظاهرة بمعزل عن الدور الإقليمي–الدولي.

الفصل السادس: المقارنة الإقليمية

أولًا: خصوصية الحالة العراقية

رغم أن التطرف الديني–السياسي ليس حكرًا على العراق، إلا أن تفاقمه فيه يثير تساؤلات مقارنة: لماذا تَجَذَّر في العراق أكثر مما فعل في دول أخرى مثل الأردن أو تونس أو المغرب؟

الجواب يكمن في تراكم العوامل البنيوية: انهيار الدولة بعد الغزو الأميركي، الاقتصاد الريعي الهش، والانقسامات التاريخية–الهووية. هذه العوامل لم تجتمع بالحدة نفسها في دول أخرى، ما جعل العراق حالة متفردة.

ثانيًا: الأردن – نموذج الدولة الأمنية المستقرة

واجه الأردن تحديات التطرف منذ الثمانينيات مع صعود التيار السلفي الجهادي، لكنه لم يشهد انهيار الدولة أو تفكك مؤسساتها.

* قوة الأجهزة الأمنية، واستمرار النظام الملكي، ضمنت مستوى من الاستقرار.

* إضافة إلى وجود اقتصاد ريعي محدود يعتمد على المساعدات الخارجية، لكنه لم يصل إلى حد الانهيار الشامل كما في العراق.

كما يلاحظ محمد أبو رمان أن "التطرف في الأردن ظل هامشيًا مقارنة بالعراق، بسبب قدرة الدولة على امتصاصه عبر أدواتها الأمنية والدينية" (أبو رمان، السلفيون والربيع العربي، ص. 95، عمّان: فريدريش إيبرت، 2013).

ثالثًا: تونس – الانتقال السياسي ومحدودية الظاهرة

شهدت تونس بعد 2011 صعود تيارات سلفية، لكن طبيعة المجتمع التونسي والعلمانية النسبية للدولة حدّت من توسعها.

* التجربة الديمقراطية الناشئة خلقت مساحات للتعبير السياسي السلمي.

* البنية التعليمية والثقافية جعلت الخطاب المتشدد أقل جاذبية جماهيريًا.

* رغم وجود شبكات لتصدير المقاتلين إلى بؤر الصراع (سوريا، ليبيا)، فإن الداخل التونسي بقي أكثر استقرارًا.

يعلق عز الدين عناية بأن "التدين في تونس ظل أقرب إلى الطابع الفردي والثقافي، مما جعل محاولات التسييس الجهادي تواجه صعوبة في التجذر محليًا" (عناية، الإسلام في تونس: تاريخ ديني وسياسي، ص. 221، بيروت: دار المدار الإسلامي، 2015).

رابعًا: المغرب – الإصلاح الديني–السياسي

المغرب نجح نسبيًا في احتواء التطرف من خلال استراتيجية مزدوجة:

1. إصلاح الحقل الديني عبر مؤسسة "إمارة المؤمنين" التي احتكرت الشرعية الدينية.

2. انفتاح سياسي محدود منح الأحزاب الإسلامية مجالًا للعمل القانوني.

* النتيجة أن التيار الجهادي بقي محاصرًا على الهامش.

كما يشير محمد ضريف: "احتكار الشرعية الدينية في يد المؤسسة الملكية جعل من الصعب على الجماعات الجهادية أن تنافسها في المجال الرمزي" (ضريف، الحركات الإسلامية في المغرب، ص. 144، الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2008).

خامسًا: دروس المقارنة

1. تماسك الدولة: الدول التي حافظت على مؤسسات قوية (الأردن، المغرب) نجحت في تقليص مساحة التطرف.

2. طبيعة الاقتصاد: رغم محدوديته، فإن تنوع الاقتصاد في تونس والمغرب قلّل من التهميش مقارنة بالاقتصاد العراقي الريعي.

3. الهويات الوطنية: وجود هوية وطنية أكثر رسوخًا (الأردن رغم تركيبته العشائرية، المغرب بهويته الملكية–الدينية) ساعد على مواجهة الهويات القاتلة.

خلاصة الفصل

المقارنة الإقليمية تظهر أن العراق ليس حالة منعزلة، لكنه الأكثر هشاشة بسبب اجتماع أزمات الدولة والمجتمع والاقتصاد مع التدخلات الخارجية.

بينما تمكنت دول مثل الأردن وتونس والمغرب من احتواء الظاهرة بوسائل مختلفة، فإن العراق بقي ساحة مفتوحة لتجذرها.

هذه الخصوصية تجعل من الحالة العراقية نموذجًا مهمًا لفهم كيف تؤدي الأزمات البنيوية المتراكمة إلى تحويل التطرف من ظاهرة هامشية إلى ظاهرة بنيوية.

الخاتمة والتوصيات

أولًا: الخاتمة

تكشف الدراسة أن ظاهرة التطرف في العراق ليست مجرد انحراف ديني أو غلو عقائدي، بل هي نتاج بنيوي وتاريخي لتضافر عوامل متعددة:

1. الحروب المتكررة التي أنهكت المجتمع والدولة وخلقت بيئة مأزومة.

2. الحصار والعقوبات التي دمّرت الاقتصاد وعمّقت الزبائنية.

3. تفكك الدولة بعد الغزو الأميركي 2003 وما خلفه من فراغ مؤسسي وأمني.

4. التفكك الاجتماعي–الهوياتي الذي جعل الطائفة والعشيرة والقومية بدائل عن الدولة الوطنية.

5. التدخلات الإقليمية والدولية التي حوّلت العراق إلى ساحة لتصفية النزاعات.

وعلى خلاف دول أخرى في المنطقة مثل الأردن أو تونس أو المغرب، حيث نجحت الدولة في احتواء الظاهرة، فإن العراق بقي ساحة خصبة للتطرف نتيجة اجتماع هذه العوامل جميعًا، وهو ما يجعل التطرف فيه ظاهرة بنيوية لا استثناء عابر.

ثانيًا: التوصيات

1. على المستوى الوطني

* إعادة بناء الدولة: تعزيز مؤسسات الدولة وضمان احتكارها للعنف المشروع، عبر إصلاح الأجهزة الأمنية والقضائية.

* تنويع الاقتصاد: تقليص الاعتماد على الريع النفطي وتوفير فرص عمل حقيقية للشباب، بما يقطع الطريق على التجنيد في الجماعات المسلحة.

* بناء هوية وطنية جامعة: إصلاح النظام السياسي على أسس المواطنة بدل المحاصصة الطائفية، وتعزيز مناهج التعليم والإعلام لترسيخ قيم العيش المشترك.

* العدالة الانتقالية والمصالحة: معالجة إرث الماضي من خلال برامج جبر الضرر، وكشف الحقيقة، وإشراك الضحايا في العملية السياسية.

2. على المستوى الإقليمي

* تحييد العراق عن الصراعات: دعم مبادرات إقليمية لإبعاده عن كونه ساحة لتصفية النزاعات.

* التعاون الإقليمي ضد التطرف: تبادل المعلومات والخبرات بين الدول العربية لتجفيف منابع التمويل والتجنيد.

3. على المستوى الدولي

* دعم التنمية بدل التدخل العسكري: تحويل أولويات المجتمع الدولي من المعالجات الأمنية إلى الاستثمار في التنمية والإصلاح المؤسسي.

* تعزيز الشراكات مع المجتمع المدني: تمكين منظمات المجتمع المدني العراقية من لعب دور أكبر في الوقاية من التطرف ونشر ثقافة حقوق الإنسان.

ثالثًا: الرؤية الاستشرافية

إن مواجهة التطرف في العراق لا يمكن أن تتحقق عبر الحلول الأمنية وحدها، بل تتطلب تحولًا هيكليًا في الدولة والمجتمع والاقتصاد.

المعادلة الأساسية هي: دولة قوية + اقتصاد منتج + هوية وطنية جامعة = بيئة أقل خصوبة للتطرف.

وبدون ذلك، سيبقى العراق عرضة لدورات متجددة من العنف، حتى لو هُزم تنظيم متطرف بعينه.

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

باحث في مجال حقوق الإنسان

............................

قائمة المراجع (نموذج شيكاغو)

* أبو رمان، محمد. السلفيون والربيع العربي. عمّان: مؤسسة فريدريش إيبرت، 2013.

* عبد الجبار، فالح. العمامة والأفندي: سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني. بغداد: دار الجمل، 2010.

* عبد الجبار، فالح. الدولة والمجتمع المدني في العراق. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012.

* بطاطو، حنا. العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية. ج3. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1992.

* تريب، تشارلز. تاريخ العراق الحديث. ترجمة وليد الضاظي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007.

* شعبان، عبد الحسين. الإسلام والسياسة: جدل الدين والدولة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2009.

* عناية، عز الدين. الإسلام في تونس: تاريخ ديني وسياسي. بيروت: دار المدار الإسلامي، 2015.

* لويزار، بيير–جان. تكوين العراق المعاصر. ترجمة بشير السباعي. بيروت: دار الساقي، 2008.

* ضريف، محمد. الحركات الإسلامية في المغرب. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2008.

* العناني، خليل. الإسلام السياسي في زمن القاعدة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009.

نحو تأسيس قاض فيلسوف

مقدمة: يُعَدّ القانون أحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها النظام الاجتماعي والسياسي، إذ يشكّل الإطار المنظّم للعلاقات بين الأفراد والجماعات، ويضع الحدود الفاصلة بين الحقوق والواجبات. غير أنّ القانون، في جوهره، ليس مجرد نصوص جامدة أو قواعد ملزمة، بل هو انعكاس لنسق فكري وأخلاقي أعمق، يفتح المجال لتداخل الفلسفة مع بنيته وممارساته. ومن هنا تبرز ضرورة حضور الفلسفة في مجال القضاء، بوصفها أداة لتأصيل المعاني، وتوضيح الغايات، وترسيخ العدالة التي تُعد الغاية العليا لأي نظام قانوني.

ويناقش هذا البحث فكرة "ضرورة الفلسفة للقضاة: نحو تأسيس قاض فيلسوف" من خلال ثلاثة محاور رئيسة: في المحور الأول، نتناول تعريف القانون وأنواعه، مبرزين علاقته باللغة وخصائصه التي تمنحه طبيعته المعيارية والتنظيمية. أمّا المحور الثاني، فيركّز على فلسفة القانون، حيث نتتبع طبيعة العلاقة بين القانون والفلسفة، ونوضح كيف تسهم الفلسفة في إبراز القيم والمعايير التي يقوم عليها التشريع، وصولاً إلى اعتبارها مرافعة فكرية مكمّلة للمرافعة القضائية. وأخيرًا، يتناول المحور الثالث الفلسفة القانونية، فنقف على طبيعتها، وأهميتها في تعزيز الوعي القانوني، مع بيان أهمية الفلسفة القضائية ودورها في صقل وعي القاضي وتوجيه أحكامه نحو ما يحقق العدالة الإنسانية المنشودة.

بهذا التصور، يسعى البحث إلى الكشف عن الصلة الوثيقة بين الفلسفة والقضاء، مبرزًا كيف أنّ الفلسفة ليست ترفًا فكريًا بعيدًا عن ساحة المحاكم، بل ضرورة معرفية وأخلاقية لا غنى عنها لتقويم العقل القضائي وضمان عدالته.

مشكلة البحث

رغم التطور الكبير في الدراسات القانونية والفقهية، يظل حضور الفلسفة في تكوين القاضي وعمله أمرًا يثير تساؤلات جوهرية. فالقانون في صورته التطبيقية قد ينحصر أحيانًا في النصوص واللوائح، بينما العدالة — باعتبارها الغاية الأسمى — تتجاوز حدود النص إلى مقاصده ودلالاته. وهنا تبرز الإشكالية: كيف يمكن للقاضي أن يُفعّل دوره في تحقيق العدالة إذا افتقر إلى البعد الفلسفي الذي يمنحه القدرة على التأمل، والتحليل، وإدراك أبعاد النص القانوني؟ وهل يمكن الاكتفاء بالمعرفة القانونية وحدها لضمان أحكام عادلة، أم أن الفلسفة تمثل عنصرًا مكمّلًا وضروريًا لصقل العقل القضائي وتوجيهه نحو ما هو أعمق من ظاهر النصوص؟.

تساؤلات البحث

ينبثق عن هذه الإشكالية مجموعة من التساؤلات التي يسعى البحث للإجابة عنها، أهمها:

1- ما هو القانون؟ وما هي طبيعته وأنواعه، وكيف تتداخل اللغة في صياغته وتفسيره؟

2- ما طبيعة العلاقة بين الفلسفة والقانون؟ وهل يمكن اعتبار الفلسفة ضرورة لفهم القانون لا مجرد إضافة نظرية؟

3- ما أهمية الفلسفة القانونية في تكوين الفكر القضائي وإبراز مقاصد العدالة؟

كيف تسهم الفلسفة القضائية في توجيه القضاة نحو إصدار أحكام أكثر عدالة وإنصافًا؟

4- إلى أي مدى تمثل الفلسفة ركيزة فكرية وأخلاقية تضمن للقاضي عدم الوقوع في جمود النصوص أو الانحيازات الضيقة؟

منهج البحث

يعتمد هذا البحث على المنهج التحليلي- الوصفي؛ حيث يقوم أولًا بتوصيف المفاهيم الأساسية مثل القانون، الفلسفة، وفلسفة القانون، ثم تحليل طبيعة العلاقة بينها. كما يستعين بالمنهج المقارن لإبراز الفروق بين القانون في صورته النصية وبين القانون المؤسس على رؤية فلسفية أعمق، وذلك من أجل الكشف عن الأبعاد الفكرية والأخلاقية الكامنة خلف الأحكام القضائية. ويهدف هذا المنهج إلى بيان أنّ الفلسفة ليست مجرد إطار نظري، بل وسيلة عملية تسهم في بناء قاضٍ أكثر وعيًا بمقاصد العدالة.

محاور البحث:

مقدمة

المحور الأول: تعريف القانون وأنواعه

المحور الثانى: فلسفة القانون

المحور الثالث: الفلسفة القانونية

الخاتمة

المحور الأول: تعريف القانون وأنواعه

أولًا: تعريف القانون

مصطلح "القانون" (lex باللاتينية، loi بالفرنسية، legge بالإيطالية، ley بالإسبانية، lei بالبرتغالية، nomos باليونانية، law أو statute بالإنجليزية، wet بالهولندية، gesetz بالألمانية، prawo أو ustawa بالبولندية، törvény بالمجرية) يُعَدّ من أكثر المصطلحات شيوعًا في اللغة القانونية.(1) ومنذ القدم، أثارت هذه الكلمة أسئلة وجدلًا حول ماهية القانون، ولم يستطع الفقهاء وضع تعريف جامع مانع له، إذ اختلفت التعريفات باختلاف الزاوية التي يُنظر من خلالها إلى القانون.

فمن المنظور العام، يُعرف القانون بأنه: "مجموعة القواعد التي تضعها سلطة مختصة لتنظيم العلاقات داخل المجتمع، وضبط سلوك الأفراد، بما يكفل استقرار النظام العام وتحقيق العدالة".(2) أما في المعنى الواسع، فيُنظر إليه على أنه: "مجموعة من القواعد الإلزامية التي تصدر عن سلطة عامة مختصة، بهدف الحفاظ على الأمن والنظام، ومنع الفوضى والاعتداء".(3)

وعلى الصعيد الفلسفي، يمكن فهم القانون بأنه: "تجسيد للإرادة العامة، وأداة لتحقيق التوازن بين الحرية الفردية والمصلحة الجماعية".(4) ويعكس هذا البعد الفلسفي الاهتمام بالقيم الأساسية وراء القانون، بعيدًا عن مجرد كونه مجموعة أوامر.

وفي هذا الإطار، يقدّم بلاكستون Blackstone تعريفًا موسعًا للقانون: "تلك القاعدة التي تُفرض من قِبل سلطة عليا، ويجب على الأدنى أن يطيعها"، أما القانون المدني فقد عرّفه بأنه: "قاعدة للسلوك المدني يضعها السلطان الأعلى في الدولة، آمرة بما هو حق، وناهية عمّا هو باطل".(5) وتُبرز هذه التعريفات فكرتين أساسيتين: مفهوم السلطة العليا (superior)، ومفهوم الأمر الملزم (command). ومع ذلك، أثار تعريف بلاكستون جدلًا، إذ قد يستبعد القانون الدولي والقوانين الدستورية التي يسنّها الشعب بنفسه.(6)

ومن جانب آخر، يرى ليون دوغي Léon Duguit أن: "القانون ليس أمرًا من دولة ذات سيادة، بل هو قاعدة تنظّم جماعة ما"،(7) وهو تصور يركز على الوظيفة الاجتماعية للقانون بدل النظر إليه كسلطة مفروضة. وبناءً عليه، يمكن القول إن القانون هو مخطط للضبط الاجتماعي؛ فهو ليس مجرد أمر يصدر من سلطة عليا إلى أدنى، بل منظومة مترابطة تهدف إلى تنظيم سلوك الأفراد بما يحفظ مصالح المجتمع.

أولًا: هذه المنظومة تعنى بالضبط الاجتماعي لا بالتحكم في الفرد مطلقًا؛ إذ يبقى الفرد حرًا في حياته الشخصية ما لم تؤثر أفعاله على الآخرين.

ثانيًا: يتدخل القانون بما يقتضيه الحفاظ على المصالح الاجتماعية، وهذه المصالح تتزايد مع كثرة احتكاك الناس وتنوع علاقاتهم. كما أشار كانط، فالإنسان المعزول لن يكون له مطالب أو حقوق أمام الآخرين، وبالتالي لن تكون هناك مصالح اجتماعية.(8)

ومع تطور المجتمع، ازدادت وتنوعت المصالح الاجتماعية، ما استدعى تدخل القانون لحمايتها. فالمجتمعات الحديثة لا تكفيها مصالح بسيطة مثل حفظ السلام فقط، بل تتطلب حماية مصالح اقتصادية، اجتماعية، وثقافية متعددة.(9) ويقوم المجتمع، غالبًا عبر سلطته السيادية، بتحديد هذه المصالح وضمان حمايتها، رغم التحديات الناجمة عن تضارب مصالح الجماعات المختلفة.(10)

وعليه، يمكن تلخيص دور القانون بأنه مخطط للسيطرة الاجتماعية يهدف إلى حماية مصالح المجتمع التي يقرّرها المجتمع نفسه أو السلطة المختصة، مع الحفاظ على النظام والاستقرار.(11) وهذا ما يؤكده تعريف قاموس بلاك للقانون: "مجموعة من القواعد المنظمة للسلوك أو الفعل، التي يقرّرها سلطة مُهيمنة، وتتمتع بقوة إلزامية قانونية، وما يجب على المواطنين طاعته والامتثال له تحت طائلة الجزاءات أو النتائج القانونية يُعدّ قانونًا".(12)

ثانيًا: اللغة والقانون

بعد أن تناولنا طبيعة القانون وتعريفاته المختلفة، من المهم التطرق إلى وسيلته الأساسية في التعبير والتنفيذ: اللغة. فالقانون، مهما كان دقيقًا أو شاملًا، يظل مجرد مجموعة قواعد على الورق ما لم تُترجم هذه القواعد إلى نصوص قانونية مفهومة وواضحة. إن مساعينا الفكرية في فهم القانون أو تطويره لا تُحرز تقدمًا من دون اللغة، فهي تنقل الرؤى والمعتقدات والأحكام المشتركة، وتتيح التفاهم بين أعضاء الجماعة التي ينتمي إليها القانون.(13)

فاللغة القانونية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي أداة لتنفيذ الإرادة التشريعية وضمان التعاون والعدالة. من خلالها يتم وضع القواعد وصيانتها، ومن خلالها يفهم الأفراد حقوقهم وواجباتهم، كما تحدد نطاق المسؤوليات القانونية. ومن هنا تظهر أهمية دقة اللغة القانونية، إذ إن أي غموض أو لبس في النص قد يؤدي إلى تفسيرات متعددة ومتناقضة، مما يفتح الباب أمام النزاعات.(14)

كما أن دراسة اللغة القانونية تكشف الترابط الوثيق بين القانون والثقافة، إذ يعكس القانون تصورات المجتمع عن العدالة، والسلطة، والعلاقة بين الفرد والجماعة، وبالتالي يصبح تحليل الخطاب القانوني مدخلاً لفهم البنية الفكرية والسياسية لأي مجتمع.(15)

وفي الفلسفة الحديثة للقانون، تُعَد اللغة القانونية أداة لضبط السلطة، من خلال صياغة قواعد عامة تُلزم الجميع، حاكمًا ومحكومًا، بما يضمن استقرار النظام القانوني وحماية الحقوق الأساسية.(16)

ثالثًا: أنواع القوانين

بعد أن تناولنا تعريف القانون ووظيفته الأساسية في ضبط المصالح الاجتماعية، وكذلك الدور المحوري للغة القانونية في صياغته وفهمه، يصبح من الضروري التعمّق في تصنيفه وأنواعه. فالفكر القانوني منذ القدم انشغل بتصنيف القوانين وفقًا لمصادرها، ووظائفها، ومجالات تطبيقها، إذ يكشف هذا التصنيف عن تنوع القواعد التي تنظّم العلاقات الإنسانية في المجتمع.

يمكن تصنيف القوانين بطرق متعددة: فقد تُصنَّف بحسب النظم القانونية التي تنتمي إليها (كالإنجليزي، الروماني، الدولي، إلخ)، أو بحسب الموضوعات التي تنظّمها (العقود، الملكية، المسؤولية التقصيرية، إلخ)، أو بحسب نوعها المعياري (ما يفرض الواجبات، ما يمنح الأذونات، إلخ).

1- القانون التشريعي (Legislated law)

القانون التشريعي هو القانون الذي يُنشأ بصورة صريحة ومباشرة، ويشمل القوانين الدستورية المكتوبة، والقوانين العادية الصادرة عن البرلمان، واللوائح التنفيذية، والأنظمة المحلية، بالإضافة إلى الإعلانات الرسمية، والمراسيم، والتوجيهات، والأوامر الحكومية العليا. وفي بعض النظم القانونية، يدخل القانون الاتفاقي (قانون المعاهدات) ضمن دائرة التشريع.(17)

السمات الأساسية للقانون التشريعي:

- قانون مُنشأ صراحةً من سلطة مختصة.

- يتضمن مصادر متعددة: الدساتير، القوانين العادية، اللوائح، الإعلانات، الفرمانات، التوجيهات، الأوامر الحكومية.

- قد يشمل القانون المعاهداتي في بعض الأنظمة القانونية.

- يُعبّر عنه صراحة، أي واضح ومباشر، وليس ضمنيًا أو عرفيًا.

- عادةً ما يكون مكتوبًا ومفصّلًا بالكلمات (قانون واضح) (articulate law)، مع احتمال التعبير عنه بالإشارات أو الصور في ظروف استثنائية (تشريعات غير واضحة) (inarticulate legislation).

2- القانون العرفي (Customary law)

القانون العرفي لا يُنشأ بصورة صريحة، بل يُشكّل من خلال الامتثال والممارسة الاجتماعية، إذ تتكون قواعده من تكرار الأفعال المتقاربة بين أعضاء الجماعة. ولا يتطلب القانون العرفي وجود نية مشتركة أو وعي متبادل بين المشاركين، فالتقارب في السلوك يكفي لتشكيل قاعدة عرفية تصبح ملزمة مع مرور الوقت.(18)

3- القانون القضائي (Case law)

القانون القضائي يُنشأ بواسطة القضاة من خلال الأحكام التي يصدرونها عند الفصل في القضايا. وهو يختلف عن القانون التشريعي في طريقة نشأته، إذ قد يكون القاضي مقصودًا أو عَرَضيًا عند إنشاء قاعدة جديدة. وعلى هذا الأساس، يُعد القانون القضائي أقرب إلى القانون العرفي من التشريعي، لأنه يقوم على استخدام القواعد القائمة في الجدال القانوني وتطويرها حسب الحاجة. ومع ذلك، يتحمل القاضي مسؤولية أخلاقية ومهنية في تأسيس قواعد جديدة على أسس قانونية سليمة.(19)

4- القانون العام (Common Law / Public Law)

القانون العام ينظّم العلاقة بين الدولة ومؤسساتها وأفرادها، ويشمل فروعًا أساسية مثل القانون الدستوري، القانون الإداري، والقانون الجنائي. ويهدف إلى حماية النظام العام وضمان سيادة الدولة على أراضيها وسلطاتها.(20)

ويتميز هذا التقليد القانوني بعدة خصائص:

- يعتمد على عملية مميزة لاكتشاف الحقائق تتمثل في الطابع الخصومي (adversarial)، مع المحاكمة أمام هيئة المحلفين كنموذج رئيسي.

- يجسّد مبدأ سيادة القانون (rule of law)، حيث يخضع الجميع للقواعد نفسها.

- يستخدم فئات قانونية مميزة مثل الوصي (trustee)، المقابل (consideration)، ومانع الدفع. (21)

5- القانون الخاص (Private Law)

القانون الخاص ينظّم العلاقات بين الأفراد بعضهم ببعض، مثل قوانين الأحوال الشخصية والعقود والملكية والالتزامات المدنية، ويركز على حماية الحقوق الفردية وضبط التعاملات بين الأشخاص بعيدًا عن سلطة الدولة المباشرة.(22)

6- القانون الوضعي (Positive Law)

جميع القوانين التي ناقشناها سابقًا تُعدّ ضمن القانون الوضعي، أي أنها مصنوعة من قبل فاعل محدد: التشريعات بواسطة المشرّعين، السوابق القضائية بواسطة القضاة، والقانون العرفي بواسطة السكان. وقد يطلق على القانون القضائي والعرفي أحيانًا "القانون غير التشريعي"، إلا أن كلاهما موجود وملزم بمجرد ممارسة المجتمع له أو تبنيه.(23)

7- القانون الدولي (International Law)

القانون الدولي ينظّم العلاقات بين الدول والمنظمات الدولية، ويشمل المعاهدات والاتفاقيات وحل النزاعات الدولية. ويُقسم عادة إلى قانون دولي عام وخاص.(24)

تثير فلسفة القانون الدولي تساؤلات حول وجوده وشرعيته وأهدافه، بما في ذلك حفظ السلام، تحقيق العدالة، حماية حقوق الإنسان، وتقرير المصير. وقد ساهم العديد من الفلاسفة والقانونيين المعاصرين في تطوير هذا المجال، مثل مايكل وولزر، تشارلز بيتز، هنري شو، مارثا نوسباوم، وآخرين.(25)

8- القانون الموضوعي (Substantive Law)

يحدد القانون الموضوعي الحقوق والواجبات، بينما يحدد القانون الإجرائي الوسائل والإجراءات الكفيلة بحماية هذه الحقوق وتطبيق الجزاءات.(26)

رابعًا: طبيعة القوانين

بعد أن تناولنا أنواع القوانين المختلفة – التشريعية، العرفية، القضائية، العامة، الخاصة، الوضعي، الدولي، والموضوعي – يتّضح أنّ فهم طبيعة هذه القوانين يُعدّ خطوة أساسية لفهم الفقه القانوني، إذ يكشف عن الأسس التي يقوم عليها النظام القانوني ودوره في تنظيم المجتمع. فالقانون ليس مجرد قواعد مكتوبة، بل هو نظام معقد يعكس توازنًا بين السلطة والعدالة، وبين الحرية الفردية والنظام العام.

1- الطابع الإلزامي

تتسم القوانين بكونها إلزامية، أي أنها تفرض واجبات وتقر حقوقًا، ويترتب على مخالفتها توقيع جزاءات محددة من قبل السلطة المختصة، مما يجعلها أداة لضبط السلوك وضمان الاستقرار الاجتماعي.(27)

2- العمومية والتجريد

تتميز القوانين بصفة العمومية والتجريد، فهي لا توضع لأشخاص معينين أو حالات فردية، بل تخاطب الجميع بصفة عامة ومجردة. ويضمن ذلك المساواة أمام القانون ويحول دون استخدامه كوسيلة للتمييز أو الامتياز.

3- الطابع الاجتماعي

يعكس القانون في جوهره الطابع الاجتماعي، فهو وليد الحاجات الاجتماعية ومتأثر بالبيئة الثقافية والسياسية التي ينشأ فيها. لذلك تتغير القوانين وتتطور بتغير الظروف المجتمعية والتاريخية.(28)

4- الطبيعة الوظيفية

للقانون طبيعة وظيفية، إذ لا يقتصر دوره على فرض النظام، بل يمتد إلى تحقيق العدالة وحماية الحقوق والحريات، فضلًا عن كونه أداة للتنمية والتغيير الاجتماعي.(29)

انشغل هارت بتحليل طبيعة القانون بهدف تطوير النظرية القانونية عبر تقديم تحليل دقيق للبنية المميّزة للنظام القانوني الوضعي، محدّدًا ثلاث قضايا أساسية في الفقه القانوني:

- التمييز بين القوة الإلزامية للقانون والبعد التوجيهي للسلوك الناشئ عن الإكراه.

- التمييز بين الالتزامات القانونية والالتزامات الأخلاقية.

- التمييز بين القواعد القانونية، أو أوسع، القواعد الاجتماعية التي تتطلب سلوكًا معينًا، وبين القواعد التي تصف نمطًا سلوكيًا دون إلزام.(30)

1- نظرية القانون الطبيعي عند توما الأكويني

ركز الأكويني على تقديم نظرية في الالتزام السياسي، أي تفسير مصدر وحدود الالتزام الأخلاقي بالامتثال للقانون، وليس على تقديم وصف للطبيعة القانونية بحتة. ففي كتاباته، سبقت "رسالة في القانون" مجموعتان هما "رسالة في الفضيلة" و"رسالة في الرذيلة"، واللتان تقدمان وصفًا لمفهوم الفضيلة والرذيلة وأسبابها، وهو عمل تأملي أكثر من كونه عملي.(31)

المبادئ الأساسية للقانون عند الأكويني:

- القانون هو معيار عقلي للسلوك، إذ أن العقل هو المبدأ الأول الذي يحدد السلوك البشري العقلاني.(32)

- التعريف الشهير للقانون: أمر صادر عن العقل، من أجل الخير العام، يصدره من له عناية بالجماعة، ويكون معلنًا.(33)

- الخير العام: القانون موجه لتنظيم سلوك الجماعة، لا الفرد فقط.

- سلطة التشريع: فقط من أوكلت إليه السلطة يمكنه إصدار قوانين ملزمة.

- الإعلان: يجب أن يُعلن القانون ليعرف الناس بما يلتزمون به ويعملوا وفقه.(34)

2- القانون كأوامر (بنتام – أوستن)

ارتبط القانون عند جيريمي بنتام وأوستن بالمدرسة الوضعيّة، إذ يُنظر إليه على أنه أوامر صادرة من سلطة عليا مقترنة بعقوبة عند العصيان.

أفكار جيريمي بنتام (1748–1832):

- القانون ليس نابعًا من مبادئ أخلاقية، بل أداة لضبط السلوك وتحقيق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس.(35)

- القانون أداة عملية، ويُقاس نجاحه بمدى تحقيق المنفعة العامة.(36)

أفكار جون أوستن (1790–1859):

- القانون هو أوامر الحاكم، مدعومة بالجزاء، وموجهة إلى المحكومين.(37)

- العناصر الأساسية: سلطة سيادية، إلزامية الأوامر، خضوع الأفراد للأوامر.

- فصل أوستن القانون عن الأخلاق، مركزًا على القانون كما هو (law as it is) لا كما ينبغي أن يكون.(38)

3- القانون كقواعد اجتماعية (هربرت هارت)

هربرت هارت (1907–1992) قدّم تصورًا حديثًا للقانون باعتباره ظاهرة اجتماعية قابلة للتحليل المفهومي:

1- القانون ليس مجرد أوامر أو مبادئ مجردة، بل نظام ينبع من الممارسات الاجتماعية الواقعية.

2- وجود حد أدنى لمحتوى القانون الطبيعي ينبع من الطبيعة البشرية:

- قابلية الإنسان للأذى.

- التساوي النسبي بين البشر.

- الأنانية المحدودة.

- ندرة الموارد.

- محدودية الفهم والإرادة.(39)

3- القانون نظام من القواعد الأولية والثانوية:

- القواعد الأولية: تحظر السلوكيات الضارة (العنف، السرقة، الخداع).

- القواعد الثانوية: تشمل قواعد التغيير، وقواعد القضاء، وقواعد الاعتراف، لتكييف القانون مع تعقيدات المجتمع الحديث.(40)

4- القانون كمعايير(هانس كيلسن)

هانس كيلسن (Hans Kelsen) (1881–1973) يُعدّ من أبرز فقهاء القرن العشرين الذين سعوا إلى وضع أساس نظري للقانون بعيدًا عن السياسة والأخلاق. وقد طور ما عُرف بـ "النظرية الخالصة للقانون" (Pure Theory of Law)، التي اعتبرت القانون منظومة من المعايير (Norms)، أي أوامر عامة ومجردة تصدر عن سلطة مختصة، وتكتسب إلزاميتها من علاقتها بمعايير أعلى منها. ومن هنا يمكن فهم موقفه من القانون كظاهرة مستقلة عن الإرادة الشخصية والقيم الأخلاقية.

ويرى كيلسن أن القانون لا يُفهم بوصفه تعبيرًا عن إرادة الحاكم أو عن قيم أخلاقية مطلقة، بل بوصفه نظامًا هرميًا من المعايير: كل قاعدة قانونية تستمد صلاحيتها من قاعدة أعلى، وصولًا إلى ما سماه بـ القاعدة الأساسية (Grundnorm) التي تمنح الشرعية لبقية القواعد.(41) وبذلك، يتميز القانون عنده عن العادات أو القواعد الأخلاقية، حيث يستند إلى مؤسسات الدولة التي تمنحه القوة الإلزامية.

وفي هذا السياق، يوضح كيلسن في نظريته المعقدة المسماة "النظرية الخالصة في القانون"، أن القانون يجب أن يُفهم باعتباره نظامًا من "الواجبات" أو المعايير (Norms). ومع أن القانون يتكوّن أيضًا من الأفعال القانونية التي تحددها هذه المعايير، إلا أن الطابع الجوهري للقانون ينبع من هذه المعايير، التي تشمل القرارات القضائية والمعاملات القانونية مثل العقود والوصايا. ومثلما يقترح الفيلسوف إيمانويل كانط، يرى كيلسن أن فئات شكلية مثل القاعدة الأساسية ضرورية لفهم القانون بشكل موضوعي.(42)

وبناءً على ذلك، يقترح كيلسن فصل القانون عن الأخلاق وعلم النفس وعلم الاجتماع والنظرية السياسية، أي ما يسميه "التطهير الأخلاقي"، بحيث يتركز التحليل على الواجبات القانونية الواضحة والملزمة. وهذا يضمن أن يظل القانون علْمًا مستقلًا قائمًا على معايير محددة، بعيدًا عن التأثيرات الخارجية.(43)

كما شدد كيلسن على ضرورة التمييز بين ما هو كائن (Sein) وما ينبغي أن يكون (Sollen)، أي بين الواقع الاجتماعي والقواعد القانونية، مؤكدًا أن القانون معيار يُلزم الأفراد بسلوك معين، وليس مجرد وصف للواقع. ومن هنا تنبع أهمية نظام المعايير الهرمي في ضمان الشرعية القانونية واستقلالية العلم القانوني عن السياسة أو الأخلاق أو علم الاجتماع.(44)

إن مفهوم كيلسن للمعيار يعني أن هناك شيئًا ينبغي أن يكون، سواء كان سلوكًا محددًا مثل "ينبغي أن يُغلق الباب" أو التزامًا إشاريًا مثل إشارة المرور الحمراء. ومع ذلك، لا يكون المعيار صحيحًا إلا إذا استند إلى معيار أعلى يسبغه بالشرعية، الأمر الذي يبرز النسبية الداخلية للمعايير داخل النظام القانوني. وهكذا، يوفر كيلسن تصورًا للقانون كعلم مستقل قائم على بنية متماسكة، مما أسهم في ترسيخ الأساس الوضعي الحديث للقانون وجعل منه فرعًا قائمًا بذاته.(45)

5- القانون كحقيقة اجتماعية (جوزيف راز)

يُعد جوزيف راز (Joseph Raz) من أبرز فقهاء الوضعية القانونية المعاصرين، وقد طوّر ما يُعرف بـ "نظرية الخدمة"(مفهوم الخدمة للسلطة) (Serivce Conception of Authority)، التي ترى أن القانون يستمد شرعيته من كونه وسيلة لمساعدة الأفراد على تنظيم سلوكهم بما يتوافق مع أسباب عملية قائمة مسبقًا. ومن هذا المنطلق، يقدم راز تصورًا قانونيًا يركّز على وظيفة القانون العملية بدلًا من قيمته الأخلاقية.

لا يمكن تلخيص كتابات الفيلسوف الأكسفوردي جوزيف راز(1939–) بسهولة، فهو يُعدّ أحد أبرز ممثلي الوضعية القانونية الصارمة. ويرى راز أنّ وجود وهوية النظام القانوني يمكن اختبارهما بالرجوع إلى ثلاثة عناصر أساسية: الفعالية، والطابع المؤسسي، والمصادر. وبالتالي، يتم تجريد القانون من أي مضمون أخلاقي، حيث لا تعتمد صلاحية القاعدة القانونية على قيمتها الأخلاقية.(46)

وفي هذا السياق، يؤكد راز أن القانون يتمتع بقدر من الاستقلالية، بحيث يمكن تحديد مضمونه دون الحاجة إلى الرجوع إلى الأخلاق، مع الإشارة إلى أن التفكير القانوني ليس مستقلاً تمامًا، بل هو سمة حتمية في عملية الاستدلال القضائي. ومن هنا، يصبح القانون سلطة ملزمة، قادرة على توجيه سلوك الأفراد بطريقة لا تستطيع الأخلاق أن تفعلها، ما يبرز طابعه السلطوي الفارق عن أي نظام اجتماعي آخر.(47)

ويضيف راز أن القانون في جوهره حقيقة اجتماعية (Social Fact)، فهو ليس انعكاسًا لقيم أخلاقية مطلقة، ولا مجرد معايير مفترضة كما عند كيلسن، بل نتاج لمؤسسات اجتماعية وسياسية تُنشئ القواعد القانونية وتطبقها. وبذلك، يبرز القانون كظاهرة اجتماعية ملموسة، قائمة على الممارسات الفعلية مثل التشريع وأحكام المحاكم وتطبيق السلطات المختصة.(48)

ويؤكد راز أن الشرعية القانونية لا تُفهم إلا في ضوء هذه الطبيعة الاجتماعية، فالقانون ليس ما ينبغي أن يكون، بل ما تحدده المؤسسات التي يعترف بها المجتمع بصفتها صاحبة سلطة الإلزام. وهذا التصور يقربه من مقولات الوضعية القانونية التي فصلت بين القانون والأخلاق، مع الاحتفاظ بإمكانية وجود علاقة غير مباشرة بينهما.(49)

كما طوّر راز مفهوم "الأطروحة الاجتماعية" (Social Thesis)، التي تعني أن صلاحية القاعدة القانونية يمكن تحديدها بالرجوع إلى مصادر اجتماعية واضحة مثل التشريع أو السوابق القضائية، دون الحاجة لتقييمها أخلاقيًا. ومن هنا، اعتبر أن القانون منظومة من المصادر (Sources Thesis)، أي أنه يُعرف من خلال مصدره الاجتماعي لا من خلال مضمونه القيمي. وبذلك، يضع راز القانون ضمن إطار اجتماعي بحت، يركّز على السلطة والمؤسسات والممارسات التي تمنحه وجودًا فعليًا، بدلًا من اعتباره نظامًا مجردًا أو انعكاسًا للقيم الأخلاقية، مما عزز الوضعية القانونية المعاصرة وجعل القانون علمًا لدراسة الواقع المؤسسي الاجتماعي.(50)

المحور الثانى: فلسفة القانون

أولًا: طبيعة العلاقة بين الفلسفة والقانون

يمكن النظر إلى القواعد القانونية الموضوعية على أنها قائمة على افتراضات ومفاهيم واختيارات يمكن وصفها بأنها ذات طبيعة فلسفية، إذ تتعلق بأسئلة مثل: كيفية تقييمنا للصواب والخطأ، الالتزام الأخلاقي للفرد تجاه الآخر، نسب المسؤولية عن السلوك (بما في ذلك مسائل السببية والوكالة والإرادة الحرة)، طبيعة العلاقة بين الدولة والفرد، وكيفية إقناع أنفسنا بمعرفة شيء ما وما معنى هذه المعرفة.(51) وبالتالي، يتضح أن الفلسفة تقدم الأساس النظري الذي يساعدنا على فهم القانون بصورة أعمق وأكثر وضوحًا.

تتميز الكتابات الفلسفية بالوضوح والحجة القوية، وهو ما ينعكس في فهم القوانين، كما يظهر عند هارت، الذي كان فيلسوفًا أولًا، ثم محاميًا، وأخيرًا أستاذًا في علم أصول القانون، من خلال أعماله مثل مقاله «الوضعية والفصل بين القانون والأخلاق» وكتابه الشهير «مفهوم القانون».(52) وفي هذا السياق، يرى جون غاردنر أن التدريب القانوني والفلسفي يتشابهان في كونهما تدريبًا على الجدل والتحليل النقدي، ويقترح تأسيس "مدرسة الجدل" التي تجمع بين القانون والفلسفة بعيدًا عن العلوم الاجتماعية والإنسانية التقليدية.(53)

وقد حددت الحاجة إلى الأمن العام ومصلحة النظام الاجتماعي مسار التفكير الفلسفي في القانون منذ نشأته، إذ دفع البحث عن أساس ثابت لتنظيم السلوك البشري إلى صياغة قواعد توازن بين سلطات الدولة وحريات الأفراد. وفي الوقت نفسه، أوجد ضغط المصالح الاجتماعية المتغيرة تحديات مستمرة لإعادة صياغة القواعد القانونية بما يتلاءم مع التغيرات المستجدة، وهو ما دفع الفلاسفة إلى تطوير نظريات قانونية تحاول توحيد الثبات مع المرونة في النظام القانوني.(54)

ومع توقف المشرعين عن تبرير القانون باعتباره وحيًا إلهيًا، واجه الفلاسفة معضلة إثبات أن القانون ثابت ومستقر وذو سلطة، وفي الوقت ذاته قابل للتغيير وفقًا للظروف المتغيرة. ومن هنا، كانت فلسفات القانون محاولات عقلية لتفسير القانون القائم في زمان ومكان معينين، أو لصياغة نظرية عامة للنظام القانوني، بما يلبي حاجات كل مرحلة من التطور القانوني، وهو الجانب الأكثر قيمة لفهم الفلسفة القانونية واستخدامها في الحاضر.(55)

ومنذ صدور كتاب هارت "مفهوم القانون" عام 1961، وتلاه كتاب جون رولز "نظرية في العدالة"، شهدت الفلسفة القانونية في العالم الناطق بالإنكليزية نهضة واسعة، حيث انشغل الفلاسفة بأسئلة مفهومية حول طبيعة القانون والتفكير القانوني، ومفاهيم مثل السلطة والالتزام والإكراه، إلى جانب أسئلة معيارية تتعلق بالقيم التي يجب أن يخدمها القانون مثل العدالة والحرية والمساواة والتسامح والنزاهة. وقد نتج عن هذا طيف واسع من النظريات المبتكرة التي تطورت في إطار الفقه العام والخاص، وصولًا إلى الفلسفة الناشئة للقانون الدولي، مع إحداث نقاش مستمر حول العلاقة بين البحث المفهومي والبحث المعياري في القانون.(56)

1- القانون الإغريقي

مرّ القانون الإغريقي بمراحل متعددة، بدءًا من إلهام الملوك وصولًا إلى احتكار الأرستقراطية، ثم النشر والتدوين، لكنه لم يبلغ مرحلة القانون الصارم كما حدث في روما. وظل القانون الإغريقي يتميز بالمرونة والفردية في التطبيق، مما مهّد الطريق للتفكير الفلسفي في طبيعة القانون والعدالة، لا سيما في أثينا.

أ‌- المراحل المبكرة للقانون عند الإغريق

في البداية – كما صُوّر في أشعار هوميروس – كان الملك هو الذي يحكم في النزاعات، مستندا إلى إلهام إلهي. لاحقًا، تحوّلت السلطة إلى الأرستقراطية التي احتكرت القواعد القانونية الموروثة، واستخدمتها كأداة للحكم.

مع الوقت، دفعت المطالب الشعبية إلى نشر هذه القواعد بشكل مكتوب، فتكوّن أول شكل من التشريع المعلن. وبينما كان هذا التشريع في بدايته مجرد إعلان للأعراف القديمة، سرعان ما أصبح وسيلة لإدخال تغييرات مقصودة وصريحة على القانون، أي ظهور فكرة القانون الوضعي. (legislation) (57)

ب- القانون الأثيني في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد

تميز القانون الأثيني بمزيج من:

1- تقاليد مكتوبة (قانون مدوَّن).

2- تشريع جديد.

3- تطبيق فردي للقوانين عبر محاكم شعبية واسعة.

ورغم وجود التدوين، ظل القانون في أثينا محتفظًا بمرونة القانون البدائي، مما أتاح له أن يصبح أرضية خصبة لتكوين فلسفة القانون الروماني في مرحلته القائمة على الإنصاف والقانون الطبيعي.(58)

2- المقارنة مع روما

في روما، تمكّن القانون من تطوير مرحلة قانون صارم (strict law) قبل الانتقال إلى مرحلة الإنصاف والقانون الطبيعي. أما في المدن الإغريقية، فظل القانون محتفظًا بطابع فردي ومرن يشبه القانون العرفي الفرنسي (droit coutumier)، مع أن هذا الأسلوب – رغم فوائده – كان بحاجة إلى قاعدة صارمة لضمان الأمن القانوني في المجتمعات المعقدة.(59)

3- طبيعة المصطلح القانوني في أثينا

في العصر الكلاسيكي، كانت كلمة νόμος (نوموس) تعني:

- العرف،

- القانون المكتوب،

- القانون بشكل عام.

هذا التعدد في المعنى يعكس غياب التحديد الصارم وتفاوت التطبيق، وهما سمتان من سمات القانون البدائي. ومن الطبيعي أن يثير هذا الالتباس تساؤلات فلسفية حول حقيقة القانون وجوهره.(60)

وقد انطلق الفلاسفة اليونانيون في تحليلهم للقانون من خطاب ديموستينيس إلى هيئة المحلفين الأثينية، مؤكدين أن طاعة القانون واجبة لأربع علل:

1- لأنه صادر من الإله (أصل ديني).

2- لأنه استمرار لتقاليد قديمة أرساها الحكماء (بعد عرفي).

3- لأنه مستخلص من شريعة أخلاقية أزلية وثابتة (بعد أخلاقي/عقلي).

4- لأنه اتفاق بين البشر ملزم من باب الوفاء بالوعود (بعد تعاقدي).(61)

وهكذا، يظهر تطور النظرة للقانون عند اليونان: من تشريع إلهي، إلى عرف وتقاليد الأجداد، ثم كجزء من منظومة أخلاقية أزلية، وأخيرًا كعقد اجتماعي بين المواطنين لتنظيم الصراعات اليومية. لكن رغم هذا التنوع، ظل هناك فراغ نظري يحتاج إلى مبدأ أعلى يفرض "روابط العقل" على من يضع القانون، من يطبقه، ومن يخضع له، أي الحاجة الملحّة إلى نظرية فلسفية للشرعية والسلطة القانونية لضبط هذا النظام القانوني المتشعب في أثينا الكلاسيكية.(62)

يُعَدّد شيشرون سبعة أشكال من القانون، ثلاثة منها لم يُذكَر لها أثر لاحق في الكتابات الفقهية الرومانية، مما يدل على أنها كانت قد اندثرت بحلول زمنه ولم تعد أشكالًا فعّالة من القانون الواقعي. أما الأشكال الأربعة الباقية فهي: القوانين (Statutes)، قرارات مجلس الشيوخ، المراسيم الصادرة عن الحكام (Edicts)، وسلطة الفقهاء (Authority of the jurisconsults)، والتي يمكن تلخيصها ضمن ثلاثة عناصر رئيسية: التشريع، المراسيم الإدارية، والتفكير الفقهي المستند إلى التقليد القانوني.(63)

وتتطابق هذه العناصر مع تكوين القانون الروماني في شكلها الكلاسيكي كما يلي:

1- القانون المدني (ius civile):

ويتضمن قانون الألواح الاثني عشر، والتشريعات اللاحقة، وتفسيرهما، بالإضافة إلى القانون التقليدي للمدينة. وكان يُنظر إليه على أنه مستند إلى سلطة الدولة، أي قانون محلي يخص روما بالذات، يقوم على السلطة التشريعية للشعب الروماني ويدعمه التفسير القضائي المقبول عرفيًا، ليُصنَّف بالاتفاق والتشريع وفق المصطلح اليوناني.

2- القواعد الإجرائية في المراسيم (Edicts):

وهي مجموعة من القواعد، معظمها إجرائي، حيث كان مجال النمو القانوني يتركز فيها، واستمر تطورها حتى استقرت في عهد الإمبراطور هادريان. وكانت تُطبَّق بين الشعوب المتمدنة، خاصة في القانون التجاري، بما يجعلها قريبة من مفهوم القانون بالاتفاق .

3- آراء الفقهاء (Jurisconsults):

هذا العنصر أصبح الأهم في الفترة الكلاسيكية (من عهد أغسطس حتى القرن الثالث). لم يكن للفقهاء سلطة تشريعية أو تنفيذية، لكن قوة آرائهم كانت تستند إلى معقوليتها الجوهرية وقدرتها على إقناع العقل وحس العدالة لدى القاضي . وبالعبارة اليونانية، إذا كان هذا قانونًا، فهو قانون بالطبيعة.(64)

وبذلك، يمكن القول إن القانون الروماني الكلاسيكي استند إلى مزيج متوازن بين التشريع الرسمي، والإجراءات الإدارية، والفكر الفقهي العقلاني، وهو ما أرسى قاعدة متينة لتطور القانون في العصور اللاحقة، سواء في البنية العملية أو في التفكير الفلسفي حول العدالة والطبيعة القانونية.

2- العصور الوسطى

مع بدء التطور القانوني العلمي في العصور الوسطى، عاد القانون ليقترب من الفلسفة من خلال دراستهما معًا في الجامعات. وكان الدافع وراء هذا الالتقاء الحاجة إلى النظام والتنظيم بعد عصر من الفوضى والتفكك والعنف، حيث تاقت البشرية إلى السلام وإلى فلسفة تعزز السلطة وتُعقلن الرغبة في فرض نيرٍ قانوني على المجتمع.

تميز هذا العصر بانتقال القانون من شكله البدائي لدى الشعوب الجرمانية إلى قانون صارم، سواء عبر:

- تلقي القانون الروماني باعتباره تشريعًا سلطويًا،

- أو جمع العرف الجرماني في تقنين مستلهم من النموذج الروماني كما في شمال فرنسا،

- أو إعلان القانون العرفي من خلال قرارات صادرة عن محاكم مركزية قوية كما في إنجلترا.

وبذلك أصبح العصر عصر القانون الصارم. وقد استجابت الفلسفة المدرسية لهذه المتطلبات بدقة، من خلال الاعتماد على التطوير الجدلي للمقدمات المقررة سلفًا، وإيمانها بالمنطق الشكلي، ومشكلتها المركزية المتمثلة في إقامة العقل أساسًا للسلطة. ولذا، ليس من الخطأ أن نطلق على الشُرّاح أو فلاسفة القرن الرابع عشر والخامس عشر لقب "الفقهاء المدرسيين".(64)

في هذا السياق، من المفيد ملاحظة التباين الضمني بين «فلسفة القانون» و«النظرية القانونية». فالتمييز اللفظي بينهما جاء إلى حدٍّ كبير نتيجة صدفة تاريخية، حيث ترتكز فلسفة القانون على مناهج فلسفية تقليدية وأولويات بحثية، بينما تميل النظرية القانونية إلى مشروع أكاديمي يهدف إلى عقلنة وإضفاء الشرعية على أقسام محددة من العقيدة القانونية، مثل المسؤولية التقصيرية والعقد، ودور القضاة غير المنتخبين كمشرّعين بحكم الواقع في النظام الديمقراطي. ومع ذلك، فإن الفارق بينهما ليس جوهريًا، وهو في الواقع أشبه بالتمييز بين الفقه العام وفلسفة القانون من حيث نطاق البحث الأكاديمي ومجال الاهتمام.(66)

ثانيا: اهمية فلسفة القانون

تُعَدّ فلسفة القانون (Philosophy of Law ) من أبرز الفروع الفكرية المعنية بدراسة الأسس النظرية والغايات النهائية للنظام القانوني. فهي لا تكتفي بالبحث في القواعد القانونية كما تُطبَّق عمليًا، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة أصلها وطبيعتها وغاياتها وصلتها بالقيم الأخلاقية والاجتماعية.

وظيفة الفلسفة في القانون تتمثل في دراسة طبيعة القانون والمبادئ الفلسفية للعدالة، مع الإشارة إلى أصل القانون المدني، وغايته، والمبادئ التي تحكم صياغته. أما الفقه فهو المعرفة العملية بنظام قانوني معين، ويهتم بممارسة وظائف صنع القرار الخاص والعام، والنقد العلمي للإجراءات الناتجة. ومن ثم، يمكن تصنيف الموضوع الرئيسي لفلسفة القانون إلى ثلاثة محاور:

1- المفهوم العالمي للقانون: السمات الأساسية التي يجب أن تتوافر في كل نظام قانوني.

2- أساس القانون: المصادر والأصول والقيم التي يستمد منها كل نظام قانوني قوته.

3- المعيار أو المعايير: التي تُسترشد بها جميع القوانين القائمة ويُقيَّم بموجبها القانون، حيث تُعد مشكلة تقييم القانون جوهرية في فلسفة القانون.(67)

تختلف فلسفة القانون عن علم القانون، فبينما يُعمّق علم القانون معرفة الإنسان بالقواعد القانونية، توسّع فلسفة القانون أفقه ليدرك أن واقع القانون والخبرة القانونية أعمق مما يمكن إدراكه من خلال الدراسة التجريبية.(68)

الحاجة إلى فلسفة القانون

الاهتمام بفلسفة القانون ليس مجرد فضول فكري، بل له آثار عملية على المحامين والقضاة والمشرعين وأساتذة القانون، كما أشار لون فولر. فهي تمنح هؤلاء القدرة على تطوير وعي فلسفي وفهم معمّق لطبيعة القانون وأصوله وأهدافه.(69)

فلسفة القانون تتعامل مع القانون باعتباره استجابة لمشكلة اجتماعية أساسية: كيف يمكن للأفراد في المجتمع أن يتعايشوا بسلام، بحيث يحقق كلٌّ منهم رؤيته الخاصة لـ "الحياة الطيبة" من دون أن يعيق الآخرين؟(70)

القانون هو القاعدة التي تنظّم سلوك الأفراد. وبدونه، لا يمكن للأفراد التمييز بين السلوك المشروع وغير المشروع، ولا معرفة ما إذا كانت أفعالهم ستساهم في بناء مجتمع منظم أو ستؤدي إلى الفوضى.(71)

وظيفة الفلسفة في تدريس القانون تكمن في توسيع فهم الطلاب بحيث يدركون أن القواعد القانونية ليست معطيات نهائية، بل تقوم على افتراضات فلسفية قابلة للنقد والتغيير. ومن خلال طرح أسئلة فلسفية، يمكن استكشاف أسس القانون:

1- هل يستند القانون إلى فكرة الاستقلالية الفردية؟ وهل هذا الأساس متماسك معياريًا؟

2- ماذا عن العدالة التصحيحية والتوزيعية؟

3- هل مفهوم الخطأ يمنح القانون طابعًا أخلاقيًا؟

4- هل ينبغي تحويل القانون العام من فرداني إلى نهج أكثر اجتماعية؟(72)

المغزى: تدريس القانون عبر الفلسفة يحوّل الطالب من متلقٍ للنصوص إلى مشارك فاعل في صياغة مستقبل القانون. كما يُنمّي قدرته على التفكير الفلسفي وفهم مفاهيم مثل الاستقلالية والمسؤولية والعدالة، ويتيح له اكتشاف لغة جديدة ورؤى جديدة.(73)

وعليه، تتجلّى أهمية فلسفة القانون في عدة محاور أساسية:

أولًا: فهم طبيعة القانون

تساعد فلسفة القانون على الإجابة عن تساؤلات جوهرية حول ماهية القانون: هل هو أوامر صادرة عن سلطة سيادية كما يرى أوستن؟ أم منظومة من المعايير كما عند كيلسن؟ أم حقيقة اجتماعية كما ذهب هارت وراز؟ هذا التحليل يكشف عن طبيعة القانون ويميزه عن الأخلاق والعادات والأنظمة الاجتماعية الأخرى.(74)

ثانيًا: تحديد غاية القانون

تُسهم فلسفة القانون في توضيح أهداف القانون: هل يسعى إلى تحقيق العدالة، أم المنفعة العامة، أم الاستقرار الاجتماعي؟ هذه الأسئلة لا يمكن للقوانين الوضعية وحدها الإجابة عنها، بل تحتاج إلى إطار فلسفي يُحدد الغاية النهائية للنظام القانوني.(75)

ثالثًا: النقد والإصلاح القانوني

تُعتبر فلسفة القانون أداة لتقييم القوانين القائمة وكشف مواطن النقص أو الانحراف فيها عن مبادئ العدالة أو المصلحة العامة، مما يجعلها أساسًا لأي عملية إصلاح قانوني فعّالة.(76)

رابعًا: تعزيز البعد الإنساني والأخلاقي

تذكّر فلسفة القانون بأن القانون ليس مجرد أداة سلطة، بل وسيلة لحماية الكرامة الإنسانية وضبط التوازن بين الحرية الفردية والمصلحة الجماعية.(77)

خامسًا: الربط بالعلوم الأخرى

تُعد فلسفة القانون جسرًا لفهم العلاقة بين القانون والعلوم الأخرى مثل الفلسفة السياسية، علم الاجتماع، والاقتصاد، مما يمكّن من دراسة القانون ضمن إطار أوسع من الفكر الإنساني.(78)

ثالثًا: الفلسفة كمرافعة فكري

تُعَدّ الفلسفة في جوهرها نظامًا فكريًا قائمًا على استخدام الحجج المقنعة، وفنًا يمزج بين الجدل والأسلوب الرفيع. لذلك، يُشبه أي عمل فلسفي – سواء كان مقالًا أو كتابًا – مرافعة فكرية متكاملة تهدف إلى إقناع العقل الجمعي بالأفكار المطروحة. ومن هنا، تتجلى أهمية دراسة الفلسفة للطلاب الراغبين في مجالات مثل القانون، السياسة، الأعمال، أو أي ميدان يعتمد على قوة التعبير ومنطقية الحجة.(79)

تتطلب الفلسفة طابعًا إقناعيًا، يجمع بين الجهد الفكري والحكمة والأسلوب الجاذب، فهي تعيد تشكيل الأفكار الشائعة أو نقدها بطريقة غير مألوفة. ويصبح المعنى الحقيقي للفلسفة واضحًا عندما يشارك الفرد مباشرة في ممارسة التفكير الفلسفي، أي حين يصبح فيلسوفًا بدوره. لتحقيق ذلك، يحتاج الفيلسوف إلى عناصر أساسية:

1- الأفكار: هي الأساس الذي يقوم عليه كل تفكير وكتابة فلسفية.

2- التفكير النقدي: فحص الأفكار وتطويرها ودعمها بالحجج، مع جمع المعلومات بأسلوب موضوعي ومنهجي.

3- الجدل وتقديم الحجج: عرض الآراء وبناء حجج تدعمها، مع الرد على الاعتراضات المتوقعة.

4- المشكلة: تركيز الفكر على مشكلات حقيقية تمس الوجود أو المعرفة أو القيم.

5- الخيال: استخدام الاستعارات والقصص والأساطير لتوضيح الأفكار المعقدة وجعلها أكثر تأثيرًا.

6- الأسلوب: صياغة الكتابة بأسلوب حي وجذاب يعزز الرسالة الفكرية ويؤثر في القارئ.(80)

الخلاصة: الفلسفة ممارسة جدلية قائمة على الحوار والنقد والإقناع، تمامًا كما يقوم القانون على المرافعة لإثبات الحق والدفاع عن العدالة.

ويمكن تلخيص طابع الفلسفة كمرافعة فكرية في أربعة محاور رئيسية:

1- الجدل (Dialectic): كما عند أفلاطون، الفلسفة تقوم على حوار متبادل يختبر فيه العقل المقولات والافتراضات للوصول إلى الحقيقة، مشابهة للمرافعة القانونية القائمة على الحجة والدليل.(81)

2- تقديم الحجج والدفاع عن الرؤى: الفيلسوف محامٍ عن الحقيقة، يقدم دفوعًا عقلية ضد الباطل أو السفسطة.(82)

3- الإقناع العقلاني: الفلسفة تستهدف العقل الجمعي، وتسعى لتشكيل وعي مشترك حول الحقيقة والعدل والمعنى.(83)

4- وظيفة نقدية وإصلاحية: الفلسفة تكشف المغالطات والتناقضات، وتبني وعيًا نقديًا يحرّر العقل من التسليم الأعمى.(84)

إن النظر إلى الفلسفة كمرافعة فكرية يبرز طابعها العملي الحواري، ويؤكد أن التفكير الفلسفي ليس انعزالًا، بل مشاركة جدلية في ساحة الأفكار، حيث تُختبر المقولات وتُبنى القناعات على أساس عقلاني راسخ.(85)

المحور الثالث: الفلسفة القانونية

أولًا: طبيعة الفلسفة القانونية

يُعَدّ ميدان الفلسفة القانونية امتدادًا لمفهوم التشريع عند أرسطو، ولفكرة الوضع التشريعي عند توما الأكويني. وهو ميدان يتجاوز حدود الفلسفة باعتبارها "علمًا عمليًا"، ليشمل – وإن كان بدرجة أدنى من وضع الدساتير والتشريع – الفن والحكمة اللازمة للقاضي، والفهم المدني، والالتزام بالقانون، والولاء النقدي الذي يميّز المواطن الصالح.(86)

تستند الفلسفة القانونية إلى الأخلاق لفهم الخير المشترك، بالاعتماد على المبادئ الأولى للعقل العملي التي توجّه الإنسان نحو الخيرات الأساسية، وعلى المبادئ الأخلاقية التي ترشده لاختيار الأفعال المناسبة وسط تنوّع الخيرات والطرق والأشخاص. كما تستند إلى الفلسفة السياسية لفهم الخير العام للأسرة والمجتمع والدولة، مع مراعاة شروط التعايش والتعاون، ومنها استحالة تحقق الإجماع التام، مما يستلزم وجود السلطة ومؤسساتها لضمان الطاعة للتوجيهات التشريعية أو القضائية أو التنفيذية. كذلك، تُبرر محدودية إدراك الإنسان مبدأ الإنصاف الذي يتيح تجاوز حرفية القانون لصالح تحقيق مقاصده العادلة.(87)

تنطلق الفلسفة القانونية من الأخلاق والفلسفة السياسية لتطبّق مبادئهما على المجال القانوني، مع التركيز على ربط القرارات الحالية بالوقائع الماضية عبر مصادر القانون الإيجابية: التشريعات الصريحة، الأعراف القضائية، وآراء الفقهاء. وتُفسَّر هذه المصادر لإنتاج مجموعة من القواعد المعيارية التي تتعلق بالحقوق والواجبات، تُصاغ بصورة متماسكة لضمان انسجامها كقواعد للاختيار والعمل. ويُنظر إلى هذه المجموعة – أي "النظام القانوني" أو "قانون الدولة" – على أنها قابلة للتطبيق على جميع الأشخاص والوقائع ضمن نطاقها، كما تُعد صلاحية كل قاعدة مشروطة بمدى اتساقها مع بقية القواعد داخل النظام ذاته.(88)

باختصار، يُستحسن دراسة الفلسفة القانونية بعيدًا عن التسميات الملتبسة مثل "الوضعية" أو "اللاوضعية". ومع ذلك، لا يمكن استبعاد مصطلح "نظرية القانون الطبيعي"، إذ يجب أن تراعي أي فلسفة قانونية متينة نوعين من المبادئ:

1- تلك التي تستمد إلزاميتها من قرارات واختيارات المجتمع السابقة.

2- تلك التي تظل صالحة وملزمة بغض النظر عن تلك القرارات، وهو ما اصطلح على تسميته تاريخيًا بـ"القانون الطبيعي".

وقد جاء هذا المصطلح استنادًا إلى استعادة أفلاطون لمفهوم "الحق الطبيعي" لمواجهة السفسطائيين الذين ربطوا الحق بالقوة والمكر، وترسخ عبر أرسطو والرواقيين وشيشرون والقديس بولس وغايوس والأكويني وصولًا إلى ميثاق الأمم المتحدة. ورغم سوء فهمه وتعقيداته التاريخية، فإنه يظل أكثر وضوحًا من مصطلح "الوضعية" في قصوره أو التباسه.(89)

رغم استقلالية الفلسفة القانونية بطابعها التقني، إلا أن مفهوم القانون نفسه يعتمد على مبادئ أوسع في الفكر الأخلاقي والسياسي، فلا يمكن فصل القانون وفلسفته عن القضايا الأخلاقية والسياسية المعاصرة. فقد تُستعمل القوانين لتعزيز الخير العام، أو على العكس لإضعافه أو تقويضه، كما يحدث أحيانًا في مجالات مثل حقوق الإنسان، الإجهاض، القتل الرحيم، الهجرة، الزواج المثلي، أو قمع المعارضة. ومع ذلك، قد تتحقق أهداف النخب الاجتماعية أحيانًا دون اللجوء إلى هذه الأدوات القانونية، أو رغمًا عنها.(90)

ثانيًا: أهمية الفلسفة القانونية

تُعَدّ الفلسفة القانونية من أهم فروع الفلسفة، إذ تسعى إلى فهم طبيعة القانون ومصادره ووظيفته في المجتمع. فهي لا تقتصر على تحليل النصوص القانونية فحسب، بل تمتد إلى دراسة الأسس الأخلاقية والسياسية التي يقوم عليها القانون، مما يجعلها ضرورية لتوضيح العلاقة بين العدالة والقواعد القانونية.(91)

من أبرز وظائف الفلسفة القانونية تمييز القانون عن العدالة. فقد تكون بعض القواعد القانونية صحيحة من الناحية الشكلية، لكنها تفتقر إلى العدالة الجوهرية، وهنا يأتي دور الفلسفة القانونية في تقديم معيار نقدي يمكّن من مراجعة القوانين القائمة وتطويرها.(92)

كما أنّ الفلسفة القانونية تمنح القاضي والمشرّع أدوات فكرية لتحليل النصوص وفهم مقاصدها بعيدًا عن التفسير الحرفي الجامد. فهي تربط القانون بمفاهيم أوسع مثل الحرية والحقوق والمساواة، مما يجعلها عنصراً أساسيًا في بناء دولة القانون.(93)

وتتجلى أهميتها أيضًا في بعدها الأكاديمي، حيث تشكّل مجالاً للتفكير النقدي يساعد طلاب القانون والباحثين على تجاوز حدود الدراسة التطبيقية إلى فضاء أوسع من التأمل الفلسفي، مما قد يقود إلى ابتكار نظريات جديدة حول وظيفة القانون ومكانته في المجتمع.(94)

وباختصار، فإن الفلسفة القانونية ليست علماً نظريًا مجردًا، بل ضرورة عملية تساعد على بناء أنظمة قانونية أكثر عدلاً وإنصافًا، وتوفر أساسًا أخلاقيًا وسياسيًا متينًا للتشريعات الحديثة.(95)

ثالثًا: أهمية الفلسفة القضائية (فلسفة القضاء)

تُعَدّ الفلسفة القضائية أحد الركائز الجوهرية في الدراسات القانونية، إذ تهدف إلى فهم الأسس الفلسفية التي يقوم عليها عمل القضاء ووظائفه في المجتمع. فهي لا تقتصر على تفسير النصوص القانونية فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى البحث في معايير العدالة، وطبيعة القرارات القضائية، ودور القاضي في تحقيق التوازن بين القاعدة القانونية والواقع الاجتماعي.(96)

تستند الفلسفة القضائية إلى مبدأ أن القانون ليس مجرد مجموعة قواعد جامدة، بل عملية ديناميكية تتطلب من القاضي امتلاك مهارات معرفية متقدمة للتعرّف على المشكلات، التنبؤ بها، وحلّها. ومن هذا المنظور، تُعد الفلسفة القضائية عملية تعليمية مستمرة، حيث تمثّل القضايا رصيدًا من التجارب الإنسانية التي تُسهم في تطوير قدرات اتخاذ القرار، وتحسين الكفاءة المهنية مع مرور الزمن.(97)

كما أنّ الفلسفة القضائية تُبرز أهمية العوامل السياقية والشخصية في عملية اتخاذ القرار، مثل الخلفية الثقافية والاجتماعية، التراتب الاجتماعي، التوجهات الثقافية، أو حتى ظروف الأزمات الطارئة. وهذه العوامل تؤثر على تفسير المبادئ القانونية وتأويلها، وعلى الأطر المعيارية التي يستند إليها القاضي لدعم أحكامه.(98)

وتكتسب الفلسفة القضائية بعدًا اجتماعيًا وأخلاقيًا واضحًا، إذ تركز على حقوق الإنسان وكرامته. ويؤكد فقهاء معاصرون، مثل دوركين، أن الاهتمام بحقوق الأفراد يجب أن يُنظر إليه على أنه مسألة أخلاقية وسياسية، وأن احترام هذه الحقوق يُكمل الأسس الأخلاقية للعمل القضائي.(99)

وباختصار، تمنح الفلسفة القضائية القاضي أفقًا أوسع من النصوص القانونية الجامدة، فتُمكّنه من النظر إلى القانون في ضوء مبادئ العدالة والأخلاق، وتحوّل مهمته من دور فني بحت إلى دور إنساني وفكري. ومن خلال هذا المنظور، تصبح الأحكام القضائية اجتهادات تُسهم في تطوير النظام القانوني وإثرائه، كما تساعد في فهم التوتر بين اليقين القانوني والمرونة العملية.(100)

علاوة على ذلك، تُبرز الفلسفة القضائية قيمة القضاء في حماية الحقوق والحريات الأساسية، إذ تعكس الأحكام القضائية الرؤية الفلسفية للقاضي حول العلاقة بين الفرد والدولة، وبين السلطة والحرية. كما تُتيح الفلسفة القضائية توجيه النقد للنظام القضائي، بما في ذلك حياد القاضي وتأثير العوامل السياسية والاجتماعية، مما يجعلها عنصرًا أساسيًا في تجديد الفكر القانوني وضمان عدالته.(101)

الخاتمة

يتضح من خلال ما سبق أنّ العلاقة بين الفلسفة والقانون ليست علاقة تكميلية عارضة، بل هي علاقة جوهرية تكشف عن عمق الحاجة إلى البعد الفلسفي في تكوين القاضي وفي ممارسته العملية. فالقانون في صورته النصية يظل قاصرًا عن إدراك جميع أبعاد العدالة، ما لم يُستنر بالعقل الفلسفي القادر على تجاوز حدود الألفاظ إلى مقاصدها، ومن ظاهر النصوص إلى روحها. ومن هنا فإن الفلسفة تمثل أداة أساسية للقاضي، تعينه على تأمل المعاني، واستكشاف الغايات، ومواجهة المعضلات الأخلاقية والفكرية التي تعترض طريق العدالة.

لقد أظهر البحث أنّ القاضي الذي يتسلح بالفكر الفلسفي لا يكتفي بتطبيق القانون بجمود، بل يسعى إلى إحقاق الحق بما يتوافق مع مبادئ العدالة الإنسانية، ويوازن بين صرامة النص وروح المقصد. كما بيّن أن الفلسفة القانونية والفلسفة القضائية تشكلان معًا أساسًا لتطوير العقل القضائي، وتعميق وعيه، وإكسابه القدرة على معالجة الإشكالات المستجدة في ضوء القيم الكلية.

وعليه، فإن الضرورة الملحّة للفلسفة في مجال القضاء لا تكمن في إضافة معرفة نظرية فحسب، بل في ترسيخ رؤية شاملة تجعل القاضي أكثر وعيًا بمسؤوليته الإنسانية، وأكثر قدرة على خدمة العدالة بوصفها الغاية العليا للقانون. وبذلك يظل حضور الفلسفة في القضاء ضمانةً أساسية لصون العدالة، وحماية الحقوق، وتحقيق التوازن بين النص والواقع. ويمكن عرض ضرورة الفلسفة للقضاة فى النقاط التالية :

1- تعميق فهم النصوص القانونية: تساعد الفلسفة القاضي على تجاوز ظاهر النص إلى مقاصده وروحه.

2- تحقيق العدالة الحقيقية: تجعل القاضي أكثر وعيًا بالغاية الأخلاقية للقانون، وليس فقط بتطبيقه الشكلي.

3- تنمية القدرة على التفكير النقدي: تمنح القاضي أدوات عقلية لتحليل القضايا المعقدة ومواجهة التناقضات.

4- مواجهة الثغرات القانونية: الفلسفة تعينه على سدّ الفراغ التشريعي بتأمل المبادئ العامة للقانون والعدالة.

5- توازن بين الصرامة والإنصاف: تمنع القاضي من الجمود عند النصوص، وتجعله أقرب للإنصاف الإنساني.

6- إثراء الملكة القضائية: تساعد في صقل شخصية القاضي وتجعله أكثر مرونة وعمقًا في إصدار الأحكام.

7- حماية القاضي من الانحياز: بفضل الأفق الفلسفي، يصبح القاضي أكثر استقلالًا في فكره وأحكامه.

8- الاستعداد لمستجدات الواقع: تزوده بقدرة على التعامل مع القضايا الجديدة التي قد لا يغطيها القانون صراحة.

9- إبراز البعد الإنساني للقضاء: تذكّر القاضي أن عمله مرتبط بحياة الناس وكرامتهم، لا بمجرد نصوص جامدة.

10- توحيد بين القانون والأخلاق: تجعل القضاء ليس مجرد تطبيق للمواد، بل ممارسة إنسانية تهدف إلى حماية القيم العليا.

***

دكتور ابراهيم طلبه سلكها

2025

...................

الهوامش

1- Mehrdad Payandeh: The Concept of International Law in the Jurisprudence of H.L.A. Hart, The European Journal of International Law, Vol. 21, no. 4 © EJIL 2011, p. 3.

2- Friedman, W. Legal Theory. Columbia University Press, 1967, p. 45.

3- Hart, H. L. A. The Concept of Law. Oxford University Press, 1994, p. 82.

4- Locke, John. Two Treatises of Government. Cambridge University Press, 1988, p. 123.

5- Hugh Evander Willis: "A Definition of Law" (1926). Articles by Maurer Faculty. 1250. https://www.repository.law.indiana.edu/facpub/1250, p. 203.

6- Hugh Evander Willis: "A Definition of Law" (1926). Articles by Maurer Faculty. 1250. https://www.repository.law.indiana.edu/facpub/1250, p. 203.

7- Ibid, p. 204.

8- Ibid, pp. 204- 205.

9- Ibid, p. 205.

10- Loc- Cit.

11- Ibid, pp. 205- 206.

12- Black’s Law Dictionary, Ninth Edition, p. 1690.

13- Jules L. Coleman and others: The Oxford Handbook of Jurisprudence and Philosophy of Law, Online Publication Date: Sep 2012, p. 21.

14- Mellinkoff, David. The Language of the Law. Boston: Little, Brown and Company, 1963, p. 21.

15- Tiersma, Peter M. Legal Language. University of Chicago Press, 1999, p. 67.

16- Hart, H. L. A. The Concept of Law, p. 102.

17- John Gardner: Some Types of Law, Cambridge University Press, 2007, p. 4.

18- Ibid, pp. 15- 22.

19- Ibid, pp. 25- 30.

20- Wade, H.W.R., & Forsyth, C.F. Administrative Law. Oxford University Press, 2014, p. 12.

21- John Gardner: Op. Cit., p. 34.

22- Cheshire, G.C., & Fifoot, C.H.S. Law of Contract. Oxford University Press, 2001, p. 33.

23- John Gardner: Op. Cit., pp. 37- 38.

24- Samantha Besson and John Tasioulas: The Philosophy of International Law, Oxford University Press, 2010, p. 89.

See Also: Shaw, Malcolm N. International Law. Cambridge University Press, 2017, p. 56.

25- Samantha Besson and John Tasioulas: Op. Cit., pp. 2- 6.

26- Friedman, W. Legal Theory. Columbia University Press, 1967, p. 78.

27- Hart, H. L. A. The Concept of Law, p. 88.

28- Pound, Roscoe. An Introduction to the Philosophy of Law. Yale University Press, 1922, p. 47.

29- Friedman, W. Legal Theory. Columbia University Press, 1967, p. 95.

30- Mehrdad Payandeh: Op. Cit., p. 72.

31- Martin P. Golding and William A. Edmundson: The Blackwell Guide to the Philosophy of Law and Legal Theory, Blackwell Publishing, 2005, pp. 15- 16.

32- Ibid, p. 16.

33- Loc- Cit.

34- Ibid, p. 17.

35- Bentham, Jeremy. An Introduction to the Principles of Morals and Legislation. Oxford: Clarendon Press, 1789, p. 67.

36- Raymond Wacks: Philosophy of Law: A Very Short Introduction, Oxford University Press, 2006, pp. 20- 21.

37- Austin, John. The Province of Jurisprudence Determined. London: John Murray, 1832, p. 101.

38- Raymond Wacks: Philosophy of Law: A Very Short Introduction, Oxford University Press, 2006, pp. 22- 25.

See Also: Hart, H. L. A. Essays on Bentham: Studies in Jurisprudence and Political Theory. Oxford University Press, 1982, p. 45.

39- Raymond Wacks: Op. Cit., pp. 26- 27.

40- Ibid, pp. 27- 28.

41- Kelsen, Hans. Pure Theory of Law. University of California Press, 1967, p. 5.

42- Kelsen, Hans. General Theory of Law and State. Harvard University Press, 1945, p. 110.

43- Raymond Wacks: Op. Cit., p. 32.

44- Paulson, Stanley L. Normativity and Norms: Critical Perspectives on Kelsenian Themes. Oxford University Press, 1998, p. 34.

45- Raymond Wacks: Op. Cit., pp. 33- 34.

See Also: Raz, Joseph. The Authority of Law: Essays on Law and Morality. Oxford University Press, 1979, p. 92.

46- Raymond Wacks: Op. Cit., p. 37.

47- Ibid, p. 38.

48- Raz, Joseph. The Authority of Law: Essays on Law and Morality. Oxford University Press, 1979, p. 37.

49- Raz, Joseph. Practical Reason and Norms. Oxford University Press, 1999, p. 128.

50- Raz, Joseph. Between Authority and Interpretation: On the Theory of Law and Practical Reason. Oxford University Press, 2009, p. 45.

See Also: Coleman, Jules. The Practice of Principle: In Defence of a Pragmatist Approach to Legal Theory. Oxford University Press, 2001, p. 76.

51- Chris Maxwell: Thinking Philosophically About Law: The Role of Moral and Political Reasoning in Shaping the Law, Melbourne University Law Review, Annual Lecture, 2023, p. 231.

52- Ibid, p. 247.

53- Lo- Cit.

54- Roscoe Pound: An Introduction to the Philosophy of Law, with a new introduction by Marshall L. DeRosa, Routledge, Yale University Press, 2022, pp. 4- 5.

55- Ibid, pp. 5- 6.

56- Samantha Besson and John Tasioulas: The Philosophy of International Law, Oxford University Press, 2010, pp. 1- 2.

57- Roscoe Pound: Op. Cit., pp. 6- 7.

58- Ibid, p. 7.

59- Ibid, pp. 7- 8.

60- Ibid, p. 8.

61- Ibid, pp. 8- 9.

62- Ibid, p. 9.

63- Roscoe Pound: An Introduction to the Philosophy of Law, with a new introduction by Marshall L. DeRosa, Routledge, Yale University Press, 2022, p. 27.

64- Ibid, pp. 27- 28.

65- Ibid, pp. 36- 37.

66- Martin P. Golding and William A. Edmundson: The Blackwell Guide to the Philosophy of Law and Legal Theory, Blackwell Publishing, 2005, p. 1.

67- Dr. Oyekunle O. Adegboyega: Introduction to Philosophy and Logic, National Open University of Nigeria, Printed 2018, pp. 30- 31.

68- Ibid, p. 31.

69- Randy E. Barnett: Why We Need Legal Philosophy, Georgetown University Law Center, [email protected], p. 1.

70- Ibid, p. 7.

71- Loc- Cit.

72- Chris Maxwell: Thinking Philosophically About Law: The Role of Moral and Political Reasoning in Shaping the Law, Melbourne University Law Review, Annual Lecture, 2023, p. 249.

73- Ibid, p. 250.

74- Austin, John. The Province of Jurisprudence Determined. London: John Murray, 1832, p. 89.

75- Bentham, Jeremy. An Introduction to the Principles of Morals and Legislation. Oxford: Clarendon Press, 1789, p. 112.

76- Kelsen, Hans. Pure Theory of Law. University of California Press, 1967, p. 64.

77- Fuller, Lon L. The Morality of Law. Yale University Press, 1964, p. 15.

78- Hart, H. L. A. The Concept of Law. Oxford University Press, 1994, p. 201.

79- Robert C. Solomon and Kathleen M. Higgins: The Big Questions: A Short Introduction to Philosophy, Wadsworth, Cengage Learning, 2006, p. 15.

80- Ibid, pp. 13- 14.

81- Plato. The Republic. Trans. Allan Bloom. Basic Books, 1968, p. 112.

82- Aristotle. Topics. Oxford University Press, 2001, p. 56.

83- Habermas, Jürgen. The Theory of Communicative Action. Beacon Press, 1984, p. 89.

84- Popper, Karl. The Open Society and Its Enemies. Routledge, 1945, p. 211.

85- Gadamer, Hans- Georg. Truth and Method. Continuum, 2004, p. 305.

86- John M. Finnis: What is the Philosophy of Law?, Journal Articles, https://scholarship.law.nd.edu/law_faculty_scholarship, p. 135.

87- John M. Finnis: What is the Philosophy of Law?, Journal Articles, pp. 135- 136.

88- Ibid, p. 136.

89- Ibid, p. 139.

90- pp. 141- 141.

91- Hart, H.L.A., The Concept of Law, Oxford University Press, 1961, p. 15.

92- Fuller, Lon L., The Morality of Law, Yale University Press, 1964, p. 97.

93- Dworkin, Ronald, Taking Rights Seriously, Harvard University Press, 1977, p. 211.

94- Coleman, Jules. The Practice of Principle. Oxford University Press, 2001, p. 145.

95- Finnis, John. Natural Law and Natural Rights. Oxford University Press, 1980, p. 273.

96- Winston P. Nagan and Samantha Manausa: Judicial Philosophy for Thoughtful Politicians and Business Leaders, Corporate and Business Law Journal, Vol. 1:1, Jan. 2020, pp. 30- 31.

97- Ibid, p. 31.

98- Loc- Cit.

99- Ibid, p. 135.

100- Ronald Dworkin, Law's Empire. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1986, p. 90.

See Also: H.L.A. Hart, The Concept of Law. Oxford: Clarendon Press, 1994, p. 135.

101- John Finnis, Natural Law and Natural Rights. Oxford: Clarendon Press, 1980, p. 210.

See Also: Joseph Raz, Between Authority and Interpretation. Oxford: Oxford University Press, 2009, p. 55.

قبل عشرين عاما اعلن الشيخ محمد مهدي شمس الدين ان الفقه الشيعي بسبب الاضطهاد صب اهتمامه على فقه الفرد وترك فقه المجتمع وتوصل إلى أنَّ حاجة المجتمع الإسلامي عامة ليس إلى قوانين منظِّمة لسلوك الإنسان الفرد بل الى نظريات مستقاة من حضارته ودعا الى فتح باب الحوار لأجل تحفيز العقل الفقهي الإسلامي نحو الاجتهاد في مجال الكُلِّيات ”النظريات العامة والنُّظُم المُجتمعية“ / Public theories and Community systems.

فلسفة موضوع: تبدو فلسفة الموضوع تدور حول الأفكار الاتية:

1. إنَّ الباري (I) الذي خلَق الكون والحياة والإنسان، قد أرشد الإنسان إلى ما يوصله إلى سعادة الدنيا والآخرة. ومقتضى ذلك أنَّ النبي (I) رسم له طريق السعادة في الدنيا من خلال ايات التشريع المؤسسة للقوانين والأحكام الفقهية التي تُحدِّد وتُنظِّم السلوك البشري بما يُحقِّق له الرضوان والمغفرة يوم القيامة لذلك فإنَّ عناية الإسلام بالدنيا تظهر من خلال الأحكام المُجتمعية ومنها إقامة الدولة والمُجتمع على مفاهيم الإسلام ومعاييره ورأى ان هذا واجبا دينيا على طلاب المعرفة الدينية لاسيما في نطاق فقه الشريعة لذلك فإن الشريعةَ ليست قيم روحية وأخلاقية إنما هي مشروع حضاري أنساني طويل الأمد، ولعل هذهِ المقولة لا تحتاج إلى مزيدٍ من الأدلة، لأن شمول الشَّريعة لمُقتضيات الدنيا إحدى أهمِّ الركائز التي يقوم عليها الاعتقاد ويجسدها تراث الفقه المُجتمعي فإننا نتجه نحو فقه المجتمع والدولة على افتراض أننا نرى أنَّ الشَّريعة (الخالدة) إلى يوم القيامة هي التي تُلبِّي حاجات الناس.

وبدأ نعني بالشَّريعة النصوص الدينيَّة الثابتة التي لا مناص من تحكيمها في عالمنا، بينما الفقه هو آراء الفقهاء الاجتهادية المُستمدة من نصوص الشَّريعة والتي تنطبع بطابع عصرها وظروفه فخلود الشَّريعة لا يعني خلود الفقه.

وخلاصة القول إنَّ تكامل الفقه مع نصوص الشَّريعة يُفضي إلى صياغة الموقف الشرعي السليم للإنسان الذي يلبي متطلبات تعاقب الأجيال، وتعاظم الوقائع وانشطارها واتساع وتكاثر المُشكلات، بما يُحقِّق فعلاً مبدأ صلاحية الشَّريعة وفقهها لاستيعاب الأزمان والمدنيات والحضارات الإنسانية، وهذا ما له صلة شديدة بمقولةٍ عقائدية هي خاتمية الرسالة الإسلامية للرسالات السَّماوية.وتجدر الإشارة إلى أن هناك إشكال في مثل هذا الجهد الاستنباطي – الفقهي وهو محذور الوقوع في صياغة النظرية الفقهية مصمَّمة على قياسات ومتطلَّبات العصر الراهن ولو على حساب الحكم الشَّرعي، وهنا يلزمنا وضع معايير عقلية برهانية في قبول الشَّرع لمتطلَّبات العصر صراحةً أو ضمناً أو التزاماً، لاسيَّما أنَّ المشكلات الجديدة التي تُشكِّل تحدياً معرفياً للسادة الفقهاء وعلماء الشَّريعة

وتنقسم الوقائع إلى قسمين: وقائع جزئية خاصة بالفرد المُسلم، ووقائع عامَّة مجتمعية تتخطَّى نطاق الفرد إلى الجماعة أو المُجتمع، ومن تلك مشكلة التنمية الشاملة المُستدامة ومتطلَّباتها مثل: تحديد النَّسل، والقوانين المقيِّدة للحرية، سواءٌ حرية الإنتاج أو العمل بموجب تخطيط التنمية، والحدِّ من نطاق الإباحة العامَّة للاستيراد وضرائب الكمارك لحماية المُنتج الوطني، وإجبار الأجيال على اكتساب مهارات محددة على حسب حاجة البلد... إلخ. ممَّا يحد من الحريات لصالح متطلَّبات النمو الاقتصادي Economic growth، فهذا نوع من المُستجدات يعتبر (كُلِّيا). ومن ذلك نظرية المواطنة، وارتباط الفرد بالرقعة الجغرافية (الحدود السياسية) للبلد، وسريان القانون فيها، والولاء لها، والنَّزعة الوطنية مقابل الولاء للعقيدة، التي تعم المُسلمين عموماً في العالم، وإشكالية الحدود المفتوحة المتحركة في الفكر الجيوسياسي

إنَّ مثل هذهِ التبدلات الجوهرية في قِيَم العالم المعاصر وانشغالاته، تتطلَّب جهداً فقهياً منظَّماً لرسم النموذج الإسلامي المُقنِع والمناسب لتطلُّعات الإنسان ومصالحه وذوقه ودرجة تمدنهِ، وانسجامهِ كمُجتمع مع المُجتمعات العالمية؛ لأنَّه يعيش في عصر التواصل الاجتماعي وشبكة المعلومات التي صار العالم كلَّه بها قريةً صغيرة، فلا يمكن لجماعةٍ أنْ تنعزل عن بقية مجتمعات العالم المعاصر فنماذج التطوير الفقهي تتطلَّب أولاً إعادة دراسة الوقائع بصورةٍ عميقة، والتعرف على مقدار ضرورتها، ودراسة النصوص الشَّرعية، وفكِّ التعارضات للوصول إلى (نموذج إسلامي) ضامن للمقبولية الشَّرعية ومحقِّق للمعذرية، وهو بنفس الوقت يحقِّق تطلُّعات الإنسان التي توصل إلى وسائله بعد عناءٍ تاريخي وكفاحٍ وتجارب ذات كُلَف بشرية ومادية، حتَّى انتهى إلى هذهِ التي تُسمَّى اليوم بـ(القِيَم المعاصرة).

2. أنَّ واحدةً من ابرز ثغرات عصور ما بعد بواكير النهضة في تجربتنا الفقهية أنَّ علماء الدين انقسموا إزاء الاجتهاد – كمبدأ – إلى موقفين:

أحدهما: يرفض الاجتهاد ويحرمه ويتمسك بالنصوص والعمل بأصالة الحُرمة حتَّى يتم الظَّفر بدليل الإباحة، ممثلا بالنَّفر الذي رفض أنْ يُفتي من الصحابة والتابعين، وهو مسلك الحنابلة والظَّاهرية وما نتج عنهم من الاتجاهات السَّلفية القديمة والوسيطة والحديثة والمُعاصرة. بل وجدنا ان هذا النَّمط من النَّهج موجود حتَّى في الوسط الشيعي، إذ ظهرت في تاريخهِ بعد الألف الهجري فتراتٍ اختصَّ الناس برواية الحديث عن الأئمَّة وتوقفوا عن الاجتهاد، وظهر هذا التيار في القرن العاشر الهجري – قبل أربعة قرون – سمي تيار الإخبارية الذي يُعطِّل العقلانية المنهجية والاجتهاد.

وثانيهما: المؤمنون بضرورة ممارسة الاجتهاد ِ والتوسع فيه، وإشراك العقل الإنساني ”المؤهل“ في ملئ الفراغ التشريعي، وبناء الحياة على المبادئ الكبرى والقواعد الأساسية التي حدَّدتها الشَّريعة. وادلتها العليا وتفاوتت هذهِ النَّزعة في مراتبها بين متوسِّعٍ يُغلِّب العقل والمصلحة على النص، وبين مَن يتقيَّد بالنصوص في اجتهادهِ، وبين مَن يُخضع العقلانية كلِّها إلى فهمٍ تاريخيٍّ للنص. لذلك، فإنَّ إنهاء حالة القطيعة مع تراث الاجتهاد مطلب إسلامي عقلاني يتبنَّاه الموقف المعاصر، ويتبنَّى اجتهاداً معيارياً برهانياً نقدياً متوازناً يرعى قيمة النص رعايةً تامَّة ويرعى ضرورة إعمال العقل إعمالاً كاملاً. وتلك لعمري غايةٌ يصعب الوصول إليها إلَّا عن طريق الجهد الجماعي العميق للباحثين والعلماء، وكنا ولا نزال نأمل أنَّ المؤتمر سيُسهم بتحقيق هذا الهدف.

وتتزامن مع القطيعة المعرفية ضد الاجتهاد نزعة انتقائية مذهبية، تُلزم بالرجوع فقط إلى مذهبٍ واحد، وتحكم ببطلان كلَّ ماعداه، ولا ترى عذراً لمَن يرجع لِمَا هو مستنبط من الفقهاء المُلتزمين من غير مذهبه

ثمَّة صورةٌ أخرى من صور القطيعة المعرفية، أنَّ النزاع بين مذهب الحنفية والشافعية أدى إلى تكون حاجز نفسي من الإفادة من اجتهاد المذهب الآخر، ناهيك عن عدم قبول آراء فقهاء الذين لم يندرجوا ضمن التصنيف الرسمي لِمَا يُطلق عليه بـ(أهل السُّنَّة)، كالزيدية والإسماعيلية والإمامية، والإباضية وابن حزم وداود وغيرهم ولم تندرج في مصنَّفات الفقه المُقارن التقليدية.

كلَّ ذلك يُشكِّل أصنافاً من القطيعات التي نحاول تجاوزها بالدعوة إلى فقه النظرية الكُلِّية أو فقه النُّظُم الاجتماعية وأنْ ُنلغيها ونستفيد من كلِّ الجهود الاستنباطية التي ستنفع حتماً في تحقيق المرام في إيجاد الأرضية التي تساعد على تحقيق فقه المجتمع لذلك نجد أن الدعوة إلى نمطٍ جديد تركيبي للاجتهاد، يفند ِمَا نشرته دراسات الاستشراق الغربية من أنَّ العقل الإسلامي عقلٌ بسيط غير مركَّب، شديد العناية بالجزئيات ويهتم بالتفاصيل ويغادر عجزاً منه القضايا الشمولية الكبرى، وعاجز عن ان يركِّب للوصول للبناء العام.ولأنَّ الاجتهاد لصيق بعملية التجديد والتنوع الفكري، ولأنَّ الحاجة قائمة إلى التجديد والتنوع، فإنَّ اللازم ان يفتح الباب ويُسلِّط الضوء على الاجتهاد في الكُلِّيات. ويُهيِّئ الأذهان للانتقال من فقه الأفراد كأفراد، إلى فقه المُجتمع بوصفهِ مجموعة متجانسة من الناس لها متطلَّباتها كمُجتمع، ثمَّ فقه الدولة الذي هو أعمُّ من فقه الفرد، وفقه المُجتمع. كذلك نحتاج إلى مواصلة التطور الذي حصل في المسار التاريخي لتطور المعرفة الفقهية، الذي انتقل من فقه الفرد وتكليفه الشَّرعي كفرد إلى فقه القاعدة الفقهية التي عرَّفوها بأنهاأصول كُلِّية مُصاغة في نصوصٍ موجزة تتضمَّن أحكاماً تشريعية جزئية“([i]).

وانتقال البحث الفقهي من نطاق القواعد التي تُشكِّل ضابطة أغلبية إلى ضابطة كُلِّية تنطبق انطباقاً كلِّياً، كعِلمٍ مشتق من مباحث الفقه؛ لأنَّ علم القواعد قد تطور تطوراً علميا بحيث صار يُعنى بتجميع الفروع الفقهية وحصرها في قاعدة مصاغة كقاعدة ٍ كبرى.

وإذا ما ألقينا نظرةً على فوائد علم القواعد الفقهية، فإننا نجد أنَّها تؤدي مهمة تجميع الفروع في إطارٍ نظري واحد، وتؤدي مهمة تسهيل تخريج الفروع على الأصول – كما فعل الزنجاني الشافعي (572 هـ/ -1258م) وتؤدي إلى إدراك مقاصد الشَّريعة كما فعل الشَّاطبي (590هـ)، وأخيراً الإسهام في النهضة الفقهية؛ لذلك نجد مجموعة مصطلحات ومفاهيم ذات صلةٍ بالقاعدة الفقهية، مثل: (الأصل، الأساس، المبدأ، القانون الناظِم، الضَّابط، الدليل). يشير إلى مهامها المعرفية. وإذا كانت بعض القواعد الفقهية ناتج النص القرآني أو الحديث النَّبوي الشريف، فأنَّ بعضها الآخر مُستنبطٌ من استقراء الفقهاء([ii])، ومنها ما هو متفقٌ عليه كقاعدة لا ضرر، ومنها المختلف فيه مثل: (لا يُنسب إلى ساكتٍ قول).وقد اختلفت القواعد من جهة (مدى الاشتغال) فكانت كبرى تعمل في كلِّ مجالات الفقه، مثل قاعدة (لا ضرَر)، ومنها صغرى تعمل في عدَّة مجالاتٍ (الحرج)، ومنها ما يعمل في مجالٍ واحد، مثل: (البيِّنةُ على مَن ادَّعى).

وقد تساءل عددٌ من المحقِّقين ما إذا كانت القاعدة الفقهية رغم أنَّها تطورٌ معرفيٌّ مهم هل تصلح دليلاً على الحكم الجزئي أم لا ؟ وكانوا على رأيين: أحدهما يرى عدم كفاية القاعدة لأنْ ترقى إلى مستوى الدليل لأنَّها ظنية، ويلزم في الاستدلال أنْ يكون قطعياً، وعند هؤلاء فإنَّها ليست أكثر من قوالب جامعة لأغلبية الأحكام. بينما ذهب آخرون إلى أنَّها تصلح للاستدلال بها طالما أنَّها تستند إلى نص أو عموم الدليل الشَّرعي، أمَّا المُستنبط باجتهادٍ فإنْ كانت مستنبطة باجتهادٍ صحيح كانت جديرةً بالدليلية، أو تولَّدت عن استقراءٍ تام (قطعي) وبهذهِ الحالة – كما يقولون – هي أولى من القياس؛ لأنَّه بعمومهِ ظنِّي؛ ولأنَّه يلحق الواقعة بحكمٍ (مفرد)، بينما القاعدة تلحق الواقعة بحكمٍ جامع لعددٍ من الأحكام.

ومن مراحل تطور البحث المنهجي في المعرفة الفقهية، الانتقال من مرحلة تقعيد القواعد إلى بناء النظريات الكبرى والشمولية، والتي هي نظامٌ حقوقي يدور حول موضوعٍ منبثةٌ أحكامهُ في أبواب الفقه كنظرية المُلكية، ونظرية العَقد، ونظرية الأهليَّة، ونظرية النيابة، ونظرية البُطلان والفساد، ونظرية الضمان([iii])، ونظرية العرف([iv]). ونظرية الدولة ولا يمكن حصر ”فوائد” النظرية الفقهية في كونها جامعة للمُتناثر، أو صيغة جديدة تُعيد نَظْم الجزئيات، إنَّما هي جمع المُتناثر ضمن رؤيةٍ فلسفية استقرائية تُفضي إلى تعليل التشريع وبيان مقاصدهِ ومآلاتهِ والقواعد الأساسية التي قامت عليها النظرية، كاستناد نظرية المُلكية إلى قاعدة (الناس مُسلَّطون على أموالهم)، والعَقد على (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) ونظرية الالتزامات على (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).إلخ.

ويرى باحثون أنَّ نُضج تصنيف العلماء للنظريات الفقهية يُسهِّل التطبيق العلمي للشريعة في مجالات الحياة، ويكشف ممَّا يُتوَهَّم أنَّه متعارض من الأدلة والآثار، ولا يسمح ببناء رأي على نصٍّ مجتزأ بصورةٍ انتقائية، فضلاً عن أنَّه يُشجع على نقد التراث الفقهي كسبيل لتطويرهِ، مثل تطوير نظرية الضرورة والظروف الطَّارئة والإكراه. ثمَّ تؤدي النظرية دور الكاشف عن المقاصد والعِلل وأسرار التشريع. والذي يجمع بين النظرية الفقهية والقاعدة الفقهية اهتمامهما بالبناء العام والشمولية المُستقاة من الجزئيات المتعددة، لهذا كان رأي الشيخ مُحمَّد أبو زهرة (1316-1394هـ/1898-1974م) أنَّ النظريات الفقهية تطورٌ على علم القواعد.

ثمَّة تطور أكثر رقياً في مسلك المعرفة الفقهية، هو ”الاجتهاد في مجال النُّظُم المُجتمعية“، والنظام هو مجموعة القوانين والمبادئ العامة التي تُنظِّم المجال الاجتماعي، ويكاد يحصل الاتفاق على أنَّ النظام المُجتمعي يضم مجموعة قوانين ومجموعة تشريعات ومبادئ عامة في موضوعٍ محدَّد. غير أنَّ الدراسات التي أنتجت نُظُماً إسلامية، كانت أقرب إلى السَّرد التاريخي منه إلى العرض الاستدلالي الفقهي، مثل: النُّظُم المالية والاقتصادية، والنظام التَّربوي والاجتماعي، وفي بعضها قَدَرٌ من السطحية والمرور العابر على الموضوعات والأحكام والمفاهيم، وقد غاب عن بعضها اكتشاف القواسم المشتركة بين الجزئيات. لكن من المؤسف أنَّ في بعضها قَدَرا من ضعف التتبُّع الاستقرائي، والخلط بين المسائل، وغلبة الأحكام الفردية، والبُعد عن الواقعية المُعاشة. وفي ظنِّي أنَّ المؤتمر سيحاول التنبيه على هذهِ الثغرات بغية تلافيها.

وعندي أنَّ جوهر ما يرمي إليه هذا المُلتقى العلمي، هو لفت الأنظار إلى المتغيرات المعاصرة، التي شكَّلت تحدياً في القرنين الماضي والجاري. والمُستجدات الكُلِّية والتبدلات الجذرية على مستوى العالم كلِّه فضلا عن العالم الإسلامي، وبعض بلدان المُسلمين.

مثَّل تحول القاعدة المعيارية للانتماء من (الأساس الديني) إلى الأساس الوطني ”الجغرافية السياسية والحدود” كأصلٍ وأساسٍ للمواطنة، بديلاً عن الرعوية المُعتمدة سابقاً، والديمقراطية بدل (الشورى)، والعَقد الاجتماعي بدل البيعة، وفصل السلطات بدل اجتماعها، وشكل الدولة بين الأنموذج الماضوي التاريخي ”نموذج الخلافة” وأنموذج الدولة العلمانية.

مثالٌ آخر، هو استحالة الجهاد الابتدائي لعدم تكافؤ القوة، وسقوط مبدأ دار الإسلام ودار الحرب والحدود التي تتسع بالفتوحات، وأنَّ النظام العالمي المعاصر ومواثيق الحقوق تتطلَّب نظاماً يُعنى بسلوك الدولة في النطاق الدولي([v]). وتحول الجهاد إلى الدفاع والمُقاومة لكن مع الالتزام بالشرعية الدولية والقانون الدولي([vi]).

الأُسس الفلسفية لفقه النُّظُم المُجتمعية: يستند فقه النُّظُم إلى مجموعةٍ من الاسس

أولا: أنَّ الله (I) الخالق المالِك الأصيل للكون، أناب الإنسان واستخلفه ضمن نيابة شروطهِ لعِمارة الأرض وإقامة العدل وعبادة الله، وهذا يقتضي أنْ يُمنح ترخيصاً بأن يستعمل عقله في بناء التشريعات على حسب المُحكم من النصوص، ومن أشكال استعمال عقلهِ: إعمال الاستقراء في بناء القاعدة الفقهية، أو النظرية الفقهية، أو النظام الفقهي؛ لأنَّ تلك الجهود عبارة عن استخدام الاستقراء في تتبع الجزئيات وإعادة ترتيبها وصياغتها على ترتيب المقدمات والأركان والنتائج والخلاصات، والعمل الأكثر أهميةً هي تخويله في الاجتهاد فيما لم يرد فيه نص([vii]).

ثانيأ: الاستخلاص المنطقي من محدودية النصوص ولا محدودية الوقائع، ومعنى ذلك أنَّ نصوص القرآن والسُّنَّة المُطهَّرة (محدودة)، بينما وقائع ومشكلات الناس التي تتطلَّب حلاً شرعياً غير محدودة، ولا يجوز منطقياً أنْ يُهيمن المحدود على غير المحدود؛ لذلك أتاح الباري (I) للإنسان أنْ يُسهم في بناء التشريعات ملتزماً بالمُحكمات.

ثالثا: إنَّ دعوتنا أنَّ الإسلام شريعةٌ خاتمة للشَّرائع، وهي معين الأجيال إلى نهاية الزمن (يوم القيامة)، فلا بدَّ من فهمٍ متجدِّد للنصوص يتناغم مع الأزمان والمدنيات والحضارات والرٌّقي الإنساني، للقيام بالبرهنةِ على خاتمية الشَّريعة.وعليه، يلزم الفقيه المُسلم أنْ يُتقن المناهج الجديدة ويطبقها على مضامين فقهية، مثل القواعد والنظريات والنُّظُم المُجتمعية.

أخيراً، أورد بعض المدوَّنات في التراث ممَّا اهتم بفقه القواعد أو النظريات أو النُّظُم. ففي باب القواعد كان الكرخي الحنفي (260-340هـ/874-952م) بمؤلَّفهِ (الأصول) من السابقين في هذا المضمار، وكان الزنجاني في ردِّ الفروع إلى الأصول. ومن ذلك كتاب أبي عبيد القاسم بن سلَّام (157-224هـ/774-838م) (الأموال)، وكتاب مُحمَّد بن الحسن الشيباني (132-189هـ/749-805م) (السِيَر الكبير)، وهو يُعنى بفقه العلاقات الدولية، وقد شرحه السَّرخسي (ت483هـ/1090م) في أربعِ مجلَّداتٍ. وكتاب (مجمَع الضَّمانات) في مذهب أبي حنيفة لابن غانم البغدادي (ت1030هـ/1620م). إنَّ هذهِ النماذج جزء ممَّا كُتب في تراثنا من الفقه الكُلِّي، لكن غلبة منهج الفقه الجزئي لم يجعل هذهِ المُحاولات الرائدة هي الشاخصة.

ان كثيرا من الأبحاث اهتمت بالمُشكلات الاجتماعية المعاصرة وتقديم الحلول الفقهية لها على شكل اجتهاداتٍ كُلِّية، وكثير مثلها توغل معرفياً بالفقه المقاصدي، وناقشت عشرة أبحاثٍ الواقع العالمي المُعاصر، واعتنت خمسة أبحاثٍ بآليات تطوير مهارة الاستنباط، فكانت عبارةً عن جهود علمية جديرة بأنْ تُشكِّل مرجعاً للحداثة في مجال الفقه والأصول، وكتاب نفيس يُقدَّم للمكتبة العربية. وإني إذ اشير الى هذهِ الأبحاث، أدعو إلى ترجمتها إلى اللغات العالمية لتوسيع الإفادة منها. أرجو أنْ تكتمل مهمة الترجمة، وأنْ تُحقِّق أغراضها.

***

الاستاذ الدكتور عبد الامير كاظم زاهد

(1) الزرقا، مصطفى أحمد، المدخل الفقهي العام، ط2، (دمشق: دار القلم، 1425هـ/2004م)، ج2، ص965.

(2) سواءٌ عن طريق استخدام الاستقراء، أو الاستدلال.

(3) يُنظر: فيض الله، محمد فوزي، نظرية الضمان في الفقه الإسلامي العام، (بيروت، مؤسَّسة الرسالة، د.ت.).

(4) لمزيدٍ من التفاصيل، يُنظر: الزرقا، المدخل الفقهي العام، ج1، ص329.

(5) السيد، رضوان، ”تيارات النهوض والإصلاح.. المسار والصيرورة”، بحث منشور ضمن كتاب: مدخل لتكوين طالب العِلم في العلوم الإنسانية، ط2، (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2013م)، ص209.

(6) المرجع نفسه، ص210.

(7) يُنظر: الوائلي، حيدر عبد الجبار كريم، مسالك الاستنباط فيما لا نص فيه.. دراسة مقارنة، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة الكوفة، كلِّية الفقه، 2018م.

 

كيف حوّل الاقتصاد الريعي وصفة السلام الأوروبية إلى هندسة للكارثة في العراق.

المقدمة

1. تمهيد: مفارقة الوصفة والسم

- في تاريخ الأفكار السياسية، ثمة وصفات تُصمم لتكون ترياقًا شافيًا، لكنها في تربة مختلفة، تتحول إلى سمّ زعاف. ولعل "الديمقراطية التوافقية" (C-ns-ciati-nalism) هي التجسيد الأكثر دراماتيكية لهذه المفارقة. لقد كانت هذه الهندسة السياسية هي الوصفة التي شُفيت بها جراح أوروبا المجتمعية العميقة؛ ففي سويسرا وبلجيكا وهولندا، نجحت في لجم الصراعات اللغوية والدينية، وصاغت عقدًا اجتماعيًا ضمن التعايش وحفظ الاستقرار لعقود طويلة (ليبهارت، 1996، ص 45). كانت تبدو وكأنها الحل السحري للمجتمعات المنقسمة، وعدًا بإمكانية بناء ديمقراطية مستقرة حتى في أشد الظروف انقسامًا.

- ولكن، عندما استُعيرت هذه الوصفة وزُرعت في تربة الشرق الأوسط، وتحديدًا في العراق بعد عام 2003، انقلب الوعد إلى نقيضه. فبدلاً من أن تكون أداة لإدارة التنوع، تحولت إلى آلية لترسيخ الانقسام؛ وبدلاً من أن تبني السلام، أصبحت محركًا للجمود السياسي ومصنعًا للزبائنية ومنصة للفساد المنهجي الذي يصعب اقتلاعه. لقد أصبحت التوافقية في العراق مرادفًا لنظام "المحاصصة"، تلك الكلمة التي تختزل قصة دولة تتقاسمها النخب الطائفية والإثنية كغنيمة حرب، بينما يقف مواطنوها على هامش العملية السياسية والاقتصادية (جبار، 2009، ص 112). فما الذي حدث؟ كيف يمكن للحل أن يصبح هو المشكلة؟

2. إشكالية البحث: فك شيفرة التحول السام

- لا تكمن إشكالية هذه الدراسة في مجرد المقارنة السطحية بين نجاح هنا وفشل هناك، بل في فك شيفرة هذا التحول السام. إنها تسعى إلى الغوص أعمق من التحليلات السياسية التقليدية التي تتوقف عند سلوك النخب أو التدخلات الخارجية. السؤال المحوري الذي يحرك هذا البحث هو: كيف ولماذا تتحول الديمقراطية التوافقية، كنظام سياسي وهيكل قانوني (بنية فوقية)، من آلية لإدارة التنوع إلى أداة لترسيخ الانقسامات وتغذية الزبائنية والفساد، عندما يتم تطبيقها في سياق دولة ريعية يعتمد اقتصادها بشكل شبه كلي على تصدير الموارد الطبيعية (بنية تحتية)؟

3. أسئلة البحث الفرعية:

- للإجابة على هذه الإشكالية المحورية، تطرح الدراسة الأسئلة التالية:

‌أ) ما هي الشروط المادية التاريخية والبنى الاقتصادية-الاجتماعية التي شكلت الحاضنة لنجاح النموذج التوافقي في نماذجه الأوروبية الكلاسيكية؟

‌ب) كيف أعاد الاقتصاد الريعي العراقي، القائم على هيمنة النفط، تعريف وتوجيه وظيفة ومخرجات النظام التوافقي بعيدًا عن أهدافه المعلنة؟

‌ج) ما هي طبيعة العلاقة العضوية والديناميكية بين نظام المحاصصة (كتطبيق للتوافقية) وشبكات الزبائنية والفساد البنيوي في العراق ما بعد 2003؟

‌د) إلى أي مدى يقدم منهج المادية التاريخية، بإطاره التحليلي القائم على جدلية البنية التحتية والفوقية، تفسيرًا أكثر جذرية وعمقًا لهذا الاختلاف الصارخ في النتائج بين النموذج الأوروبي والعراقي؟

4. فرضية الدراسة: صراع البُنى لا الأفكار

- تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الانهيار الوظيفي للنموذج التوافقي في العراق ليس كامنًا في جينات النظرية ذاتها، ولا هو نتاج مؤامرة سياسية أو خصوصية ثقافية، بل هو النتيجة الحتمية لتصادم بنية سياسية فوقية (التوافقية) مع بنية اقتصادية تحتية (الريعية) متناقضة معها جذريًا. تفترض الدراسة أن الدولة الريعية، بطبيعتها كموزع للثروة لا كجامع للضرائب، تحوّل منطق "تقاسم السلطة" إلى منطق "تقاسم الريع". وفي هذا السياق، تصبح المحاصصة هي الآلية المثلى لتنظيم الصراع بين النخب على الموارد، وتتحول الزبائنية الطائفية من ممارسة شاذة إلى آلية العمل الأساسية والمنطقية للنظام بأكمله (البيبلاوي، 1990، ص 78).

5. منهجية البحث: المقارنة التاريخية والتحليل المادي

- لإثبات هذه الفرضية، تعتمد الدراسة على منهجية مزدوجة:

‌أ) المنهج المقارن: من خلال إجراء مقارنة منهجية بين الحالات الأوروبية الناجحة (سويسرا/بلجيكا)، التي قامت على اقتصادات إنتاجية، والحالة العراقية كنموذج للدولة الريعية المنقسمة.

‌ب) المنهج التحليلي-التاريخي (المادية التاريخية): باستخدام الإطار المفاهيمي للمادية التاريخية لتحليل كيف أن "أسلوب الإنتاج" أو الطبيعة الاقتصادية للدولة (البنية التحتية) لا تحدد شكل النظام السياسي (البنية الفوقية) فحسب، بل تحدد وظيفته الحقيقية ومخرجاته العملية، بغض النظر عن نوايا مصمميه.

6. أهمية الدراسة: نحو فهم بنيوي للأزمة

- تستمد هذه الدراسة أهميتها من محاولتها تجاوز التفسيرات الشائعة لأزمة الحكم في العراق، والتي غالبًا ما تركز على عوامل طائفية أو ثقافية أو سياسية معزولة. إنها تقدم تفسيرًا بنيويًا يربط أزمة السياسة بجذورها في بنية الاقتصاد. ففهم كيف أن الفساد والزبائنية والمحاصصة ليست مجرد "أعراض" لمرض يمكن علاجها بإصلاحات جزئية، بل هي "مكونات أساسية" لمنطق عمل النظام الريعي-التوافقي، هو المدخل الوحيد لأي تفكير جدي في إمكانية الخروج من الأزمة، وهو ما تؤكده تقارير دولية عديدة حذرت من أن الفساد في العراق أصبح "بنيوياً" (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2021، ص 34).

7. هيكل الدراسة:

- للإجابة على أسئلة البحث والتحقق من فرضيته، تم تقسيم الدراسة إلى أربعة فصول. يبدأ الفصل الأول بوضع الإطار النظري عبر استعراض مفاهيم الديمقراطية التوافقية، والدولة الريعية، والزبائنية، والمادية التاريخية. ثم ينتقل الفصل الثاني لتحليل النموذج الأوروبي، مبرزًا العلاقة بين اقتصاده الإنتاجي ونجاحه التوافقي. أما الفصل الثالث، فيقوم بتشريح الحالة العراقية، موضحًا كيف أدت البنية الريعية إلى اختطاف النظام التوافقي وتحويله إلى نظام محاصصة زبائني. وأخيرًا، يقدم الفصل الرابع تحليلاً مقارنًا شاملاً ويناقش النتائج، قبل أن تختتم الدراسة بخلاصة شاملة وتوصيات وآفاق مستقبلية.

قائمة المصادر الأولية

- البيبلاوي، حازم. الدولة الريعية. الكويت: سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1990.

- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP). تقرير التنمية البشرية في العراق: تحديات الحكم الرشيد في مرحلة ما بعد الصراع. نيويورك: الأمم المتحدة، 2021.

- جبار، فالح عبد. الدولة والمجتمع المدني في العراق: ديالكتيك الانتقال. بيروت: دار الساقي، 2009.

- ليبهارت، آرنت. الديمقراطية في المجتمعات التعددية: دراسة مقارنة. ترجمة حسني زينة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996.

الفصل الأول: الإطار النظري والمفاهيمي

مدخل: تشريح الأدوات وكشف المنطق الخفي

- قبل الغوص في دراسة الحالة العراقية ومقارنتها بنظيرتها الأوروبية، لا بد من تفكيك الأدوات النظرية التي سنستخدمها في عملية التشريح هذه. فهذا الفصل لا يهدف إلى مجرد عرض تعاريف أكاديمية جافة، بل يسعى إلى بناء ترسانة مفاهيمية تكشف عن المنطق الخفي الذي يحكم مسارات الأنظمة السياسية. سنستعرض هنا أربعة مفاهيم رئيسية: الأول هو "الديمقراطية التوافقية"، تلك الهندسة السياسية التي صُممت كحل. والثاني هو "الدولة الريعية"، أي البيئة الاقتصادية التي أعادت تشكيل هذا الحل. والثالث هو "الزبائنية والمحاصصة"، وهما الآليات العملية التي نتجت عن هذا التفاعل. وأخيرًا، "المادية التاريخية"، وهي العدسة التحليلية التي ستسمح لنا برؤية العلاقة السببية بين كل هذه العناصر.

1. الديمقراطية التوافقية (الكونسوتيشنالية): العقد السحري ونقاط ضعفه:لقد وُلدت الديمقراطية التوافقية من رحم الصراعات الأوروبية، كبديل عن ديمقراطية الأغلبية الكلاسيكية التي أثبتت أنها قد تكون وصفة للحرب الأهلية في المجتمعات المنقسمة عموديًا. إنها ليست مجرد نظام حكم، بل هي فلسفة سياسية تقوم على فكرة أن السلام في مجتمع متعدد لا يمكن أن يتحقق عبر انتصار فئة على أخرى، بل عبر إشراك الجميع في السلطة.

‌أ) الجذور والأصول: عبقرية ليبهارت في تحويل الواقع إلى نظرية: لم يخترع عالم السياسة الهولندي آرنت ليبهارت التوافقية من فراغ، بل استخلصها من تجارب واقعية لدول مثل سويسرا وبلجيكا التي حيرت المنظرين بنجاحها في الحفاظ على ديمقراطيتها واستقرارها رغم انقساماتها اللغوية والدينية الحادة. لقد قام ليبهارت بتشريح هذه "الحالات الشاذة" وحدد أربعة أركان أساسية اعتبرها سر نجاحها، وهي:

- حكومة الائتلاف الكبير (Grand C-aliti-n): حيث تشارك نخب جميع المكونات المجتمعية الرئيسية في السلطة التنفيذية، مما يضمن عدم تهميش أي طرف.

- حق النقض المتبادل (Mutual Vet-): منح الأقليات القدرة على حماية مصالحها الحيوية عبر امتلاك حق الاعتراض على القرارات التي تهدد وجودها.

- التمثيل النسبي (Pr-p-rti-nality): توزيع المناصب في مؤسسات الدولة والوظائف العامة والموارد بشكل يتناسب مع الحجم السكاني لكل مكون.

- الحكم الذاتي القطاعي (Segmental Aut-n-my): إعطاء كل مكون الحق في إدارة شؤونه الخاصة، خاصة في المجالات الثقافية والتعليمية (ليبهارت، 1996، ص 55-60).

‌ب) الأهداف المعلنة: البحث عن الاستقرار بأي ثمن: كان الهدف الأسمى الذي سعى إليه ليبهارت هو تحقيق الاستقرار السياسي وتجنب العنف. فالديمقراطية التوافقية، في جوهرها، هي مقايضة تاريخية: يتم التنازل عن جزء من الفعالية الديمقراطية التنافسية مقابل ضمان الأمن والتعايش. إنها تهدف إلى تمثيل كل صوت، وحماية كل أقلية، وتحويل الصراع من الشارع إلى طاولة المفاوضات الحكومية المغلقة.

‌ج) الانتقادات: شياطين التفاصيل: ولكن، خلف هذه الواجهة المثالية الهادفة إلى السلام، كانت تختبئ شياطين التفاصيل التي حذر منها العديد من النقاد. فهذا النموذج، حتى في بيئته الأوروبية، يحمل في طياته بذور مشاكله الخاصة، وأبرزها:

- الجمود السياسي (Gridl-ck): إن حق النقض المتبادل، رغم أهميته لحماية الأقليات، يمكن أن يتحول بسهولة إلى أداة للابتزاز السياسي والشلل الحكومي، حيث يصبح اتخاذ أي قرار مصيري شبه مستحيل.

- تجميد الهويات (Freezing Identities): عبر مأسسة الانقسامات الطائفية والإثنية في صلب الدستور والنظام السياسي، تقوم التوافقية بترسيخ هذه الهويات وتجميدها، مما يعيق تطور هوية وطنية جامعة وعابرة للطوائف (H-r-witz, 1985, p. 570).

- إضعاف الديمقراطية والمساءلة: تخلق حكومات الائتلاف الكبير نظامًا لا توجد فيه معارضة حقيقية، مما يضعف آليات المساءلة الشعبية ويجعل من محاسبة السياسيين أمرًا صعبًا، فالجميع مشارك في السلطة والجميع مسؤول عن الفشل.

2. نظرية الدولة الريعية: حينما تصبح الدولة "أبًا" غنيًا لا شريكًا: إذا كانت التوافقية هي "البرنامج" السياسي، فإن طبيعة اقتصاد الدولة هي "نظام التشغيل" الذي سيحدد كيفية عمل هذا البرنامج. وهنا يكمن جوهر الإشكالية. فالدولة في أوروبا التي طبقت التوافقية هي دولة إنتاجية، أما الدولة في العراق فهي دولة ريعية، والفرق بينهما هو الفرق بين عالمين.

‌أ) التعريف والخصائص: منطق الموزع لا منطق المنتج: الدولة الريعية، كما عرفها حازم البيبلاوي، هي الدولة التي تعتمد بشكل أساسي على ريع خارجي المصدر (كالنفط أو المساعدات الخارجية) يشكل نسبة كبيرة من دخلها، بدلاً من الاعتماد على الضرائب المفروضة على مجتمع منتج. هذا الريع لا يتولد عن نشاط اقتصادي داخلي متنوع، بل يتدفق مباشرة إلى خزائن الدولة التي تتولى بعد ذلك توزيعه (البيبلاوي، 1990، ص 72). هذا يقلب العلاقة الكلاسيكية بين الدولة والمجتمع رأسًا على عقب؛ فبدلاً من شعار "لا ضرائب بدون تمثيل"، يصبح الشعار غير المعلن هو "الولاء مقابل التوزيع".

‌ب) تأثيراتها السياسية والاجتماعية: أمراض الثروة السهلة: هذه البنية الاقتصادية الفريدة تنتج سلسلة من "الأمراض" السياسية والاجتماعية المترابطة:

- غياب المساءلة: عندما لا تحتاج الدولة إلى أموال مواطنيها لتمويل نفسها، تضعف حاجتها إلى رضاهم أو مساءلتهم. تصبح الحكومة مسؤولة أمام الأسواق العالمية للنفط أكثر من مسؤوليتها أمام برلمانها وشعبها.

- تضخم الجهاز البيروقراطي: تتحول الدولة إلى الموظِّف الأكبر في البلاد، حيث تستخدم الوظائف العامة كأداة لشراء الولاء السياسي وتوزيع الريع على أكبر عدد ممكن من المواطنين، بغض النظر عن الحاجة الفعلية أو الكفاءة.

- تشجيع الزبائنية: يصبح الولاء الشخصي والوساطة والانتماء (العشائري أو الطائفي) هو المعيار الأساسي للحصول على حصة من الريع (وظيفة، عقد، خدمة)، وليس المواطنة أو الكفاءة. الدولة هنا لا تتعامل مع "مواطنين" بل مع "زبائن" و"أتباع" (الخفاجي، 2004، ص 15).

3. الزبائنية (Clientelism) والمحاصصة: زواج التوافقية بالريعية /ماذا يحدث عندما يتم تركيب "برنامج" الديمقراطية التوافقية على "نظام تشغيل" الدولة الريعية؟ النتيجة هي ولادة مسخ هجين: نظام المحاصصة الطائفية، الذي تعمل الزبائنية كشريان حياة له.

4. تعريف المفاهيم والعلاقة المتبادلة: الزبائنية هي علاقة غير متكافئة بين "راعٍ" (زعيم سياسي) يملك نفاذًا إلى موارد الدولة، و"زبون" (مواطن) يقدم الولاء والدعم السياسي مقابل الحصول على جزء من هذه الموارد. أما المحاصصة، فهي النسخة العراقية المشوهة لمبدأ "التمثيل النسبي" التوافقي. إنها ليست مجرد توزيع للمناصب، بل هي تقسيم منهجي لكامل جهاز الدولة ومواردها بين الكتل السياسية الطائفية والإثنية، حيث تعتبر كل كتلة الوزارات والمؤسسات التي تسيطر عليها إقطاعية خاصة بها.

5. المحاصصة كتعبير عملي عن التوافقية في سياق ريعي: في الدولة الإنتاجية، يعني التمثيل النسبي التوافقي "تقاسم سلطة اتخاذ القرار". أما في الدولة الريعية، فقد تحول معناه ليصبح "تقاسم سلطة توزيع الريع". هنا، لم تعد الوزارة موقعًا لإنتاج السياسات العامة، بل أصبحت مصدرًا للعقود والوظائف التي يوزعها الوزير (الراعي) على أتباعه (الزبائن) لضمان ولائهم. وبهذا، تصبح المحاصصة هي الإطار الرسمي الذي ينظم هذه العملية، والزبائنية هي الممارسة اليومية التي تملأ هذا الإطار بالحياة (جبار، 2009، ص 125).

6. المادية التاريخية كإطار تحليلي: النظر إلى ما تحت السطح: لفهم هذه العلاقة العضوية بين الاقتصاد والسياسة، نحتاج إلى عدسة تحليلية قادرة على كشف الروابط السببية العميقة، وهنا يأتي دور المادية التاريخية كمنهج تحليلي.

‌أ) شرح مبسط للمفهوم:

تقوم المادية التاريخية، على فكرة بسيطة لكنها قوية: إن البنية الاقتصادية للمجتمع، أو ما يسمى بـ "البنية التحتية" (علاقات الإنتاج وأسلوبه)، هي الأساس الذي تقوم عليه "البنية الفوقية" (الدولة، القانون، السياسة، الأيديولوجيا). هذا لا يعني أن السياسة مجرد انعكاس سلبي للاقتصاد، بل يعني أن طبيعة الاقتصاد تفرض حدودًا وتخلق إمكانيات محددة للشكل الذي يمكن أن تتخذه السياسة ووظيفتها الحقيقية.

‌ب) تكييف المنهج: من نمط الإنتاج إلى نمط التوزيع

في هذه الدراسة، سنقوم بتكييف هذا المنهج ليتناسب مع حالتنا. فـ "نمط الإنتاج" في الدولة الريعية ليس هو الرأسمالية الصناعية الكلاسيكية، بل هو "نمط استخراج وتوزيع الريع". وبناءً على ذلك، فإن نظام المحاصصة التوافقي في العراق ليس مجرد خيار سياسي سيء، بل هو البنية الفوقية السياسية "المنطقية" والمتوافقة مع بنية تحتية اقتصادية ريعية. إنه الشكل الأمثل الذي يسمح للنخب المتصارعة بتنظيم عملية السيطرة على مصدر الثروة الوحيد (النفط) وتوزيعه. الأيديولوجيا الطائفية هنا ليست سبب الصراع، بل هي الأداة التي تستخدمها هذه النخب في البنية الفوقية لتبرير أحقيتها في حصة أكبر من الريع.

- بهذه العدة المفاهيمية، نكون قد أسسنا الإطار اللازم للانتقال من التنظير إلى التحليل التطبيقي في الفصول القادمة، مسلحين بفهم أعمق للعلاقة الجدلية بين شكل النظام السياسي وطبيعة اقتصاده.

قائمة المصادر الأولية (أسلوب شيكاغو)

- البيبلاوي، حازم. الدولة الريعية. الكويت: سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1990.

- جبار، فالح عبد. الدولة والمجتمع المدني في العراق: ديالكتيك الانتقال. بيروت: دار الساقي، 2009.

- الخفاجي، عصام. دولة الريع والديمقراطية المتعثرة في العراق. في العراق: دولة، مجتمع، واحتلال، تحرير حيدر سعيد. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004.

- ليبهارت، آرنت. الديمقراطية في المجتمعات التعددية: دراسة مقارنة. ترجمة حسني زينة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996.

- H-r-witz, D-nald L. Ethnic Gr-ups in C-nflict. Berkeley: University -f Calif-rnia Press, 1985.

الفصل الثاني: النموذج الأوروبي: التوافقية كبنية فوقية لاقتصاد إنتاجي

مدخل: عندما يكون التوافق ضرورة بقاء لا صفقة غنائم

- لفهم السقوط المدوي للنموذج التوافقي في العراق، يجب علينا أولاً أن نفهم قصة صعوده في أوروبا. فهنا، لم تكن التوافقية حلاً هندسياً تم استيراده أو فرضه، ولم تكن صفقة لتقاسم كعكة جاهزة. لقد كانت تسوية مؤلمة وبطيئة، نبتت بشكل عضوي من تربة مزقتها الحروب، وسقتها دماء الصراعات، ونضجت تحت ضغط ضرورة البقاء الاقتصادي. إنها قصة مجتمعات أدركت بعد قرون من العنف أن التعايش ليس خياراً أخلاقياً فحسب، بل هو شرط أساسي للإنتاج والازدهار.

1. السياق التاريخي للنشأة: تطور عضوي من رحم الصراع

- على عكس العراق، حيث وُلد النظام السياسي من رحم الاحتلال وفي خضم فراغ السلطة بعد 2003، فإن التوافقية الأوروبية هي ابنة شرعية لتاريخ طويل من التفاوض والتسويات التاريخية. لقد تعلمت النخب الأوروبية فن التسوية بالطريقة الصعبة، عبر مسارين رئيسيين من الصراع كادا أن يمزقا مجتمعاتها:

‌أ) صدمة الحروب الدينية: تركت حروب الإصلاح الديني في أوروبا ندوبًا عميقة في الذاكرة الجماعية، وأثبتت أن محاولة فرض هوية دينية واحدة بالقوة هو مشروع انتحاري يدمر الجميع. وكانت "صلح وستفاليا" (1648) اللحظة التاريخية التي أقرت فيها أوروبا مبدأ التعايش كضرورة عملية لبقاء الدولة ذاتها (Gr-ss, 1948, p. 28). هذا الدرس التاريخي شكل اللاوعي السياسي الذي سهّل قبول فكرة تقاسم السلطة لاحقًا.

‌ب) تحدي الصراعات اللغوية والثقافية: مع صعود الدولة القومية في القرن التاسع عشر، برز تحدي إدارة الأقليات اللغوية. ففي دول مثل سويسرا وبلجيكا، أدركت النخب أن فرض لغة أو ثقافة واحدة سيؤدي حتمًا إلى تفكك الدولة. فكان الحل هو الاعتراف بالتعددية وتحويلها من مصدر ضعف إلى عنصر في بنية الدولة، عبر الفيدرالية والحكم الذاتي.

- هذا التطور التدريجي يعني أن التوافقية لم تكن "هدية" من الخارج، بل كانت "عقدًا اجتماعيًا" داخليًا، صاغته نخب تملك شرعية تاريخية وتفهم تمامًا أن بديل التوافق هو الفوضى والخراب الاقتصادي.

2. دراسات الحالة: التوافقية كحارس للاقتصادات المنتجة

- لإظهار كيف تفرض البنية التحتية الاقتصادية منطقها على البنية الفوقية السياسية، سنستعرض نموذجين: سويسرا، كالمختبر المثالي للتوافقية الهادئة، وبلجيكا، كالمثال الصاخب على "التوافقية تحت الضغط".

‌أ) تعتبر سويسرا النموذج الأنقى، حيث نجاحها لا يكمن في سحر صيغتها السياسية، بل في توافق هذه الصيغة مع بنيتها التحتية الاقتصادية الصلبة.

- البنية التحتية الاقتصادية: دولة "فقيرة" أُجبرت على الإبداع:

مفتاح فهم سويسرا هو أنها دولة لا تملك موارد طبيعية تذكر. هذا "الفقر" كان المحفز لبناء اقتصاد إنتاجي متنوع وعالي التنافسية (صناعات دوائية، خدمات مصرفية). هذا الاقتصاد القائم على الضرائب يخلق رابط مساءلة عضويًا: دافعو الضرائب يطالبون بخدمات فعالة وحكم رشيد مقابل أموالهم، والدولة مجبرة على توفير بيئة مستقرة ومشجعة للاقتصاد لضمان تدفق الإيرادات (Steinberg, 2017, p. 115).

- البنية الفوقية السياسية: التوافقية كأداة لحماية "المصنع السويسري":

هذه البنية الاقتصادية فرضت شكل ووظيفة النظام السياسي. لم يكن تقاسم السلطة ترفًا، بل ضرورة اقتصادية. أدركت النخب أن أي صراع داخلي سيؤدي إلى هروب رؤوس الأموال وتدمير "العلامة التجارية السويسرية". لذلك، كان الحافز للتفاوض والتسوية قويًا للغاية، لأن الجميع سيخسر من انهيار النظام. ورغم التمثيل النسبي، تظل الكفاءة معيارًا مهمًا، فلا يمكن لاقتصاد معقد أن يُدار بمنطق المحاصصة المطلقة. كل هذا عزز هوية وطنية جامعة قائمة على المصالح المادية المشتركة.

‌ب) إذا كانت سويسرا تمثل التوافق الهادئ، فبلجيكا تمثل التوافق الصاخب والمضطرب، وهي بذلك تقدم دليلاً أقوى على فرضيتنا. فهنا، لم تمنع الانقسامات الحادة والأزمات الحكومية الطويلة النظام من البقاء، والسبب يكمن مرة أخرى في طبيعة بنيته الاقتصادية.

- البنية التحتية الاقتصادية: اقتصاد متنافس لكنه منتج:

تاريخيًا، كانت بلجيكا قوة صناعية كبرى، مع تمركز الفحم والصلب في منطقة والونيا الناطقة بالفرنسية. لكن بعد الحرب العالمية الثانية، انقلبت الآية: تدهورت الصناعات التقليدية في والونيا، بينما شهدت منطقة فلاندرز الناطقة بالهولندية ازدهارًا اقتصاديًا هائلاً، معتمدة على التكنولوجيا المتقدمة وميناء أنتويرب الضخم. هذا التباين الاقتصادي الحاد بين المنطقتين لم يؤدِ إلى السلام، بل أجج الصراع السياسي واللغوي (Desch-uwer, 2012, p. 88).

ولكن، وعلى الرغم من هذا الصراع الداخلي، يظل الاقتصاد البلجيكي في مجمله اقتصادًا إنتاجيًا وتصديريًا ومعقدًا، يعتمد بشكل كلي على الضرائب من الشركات والأفراد. الدولة هنا، مثل سويسرا، مجبرة على خدمة هذا الاقتصاد لضمان بقائها.

- البنية الفوقية السياسية: الفيدرالية كحل اضطراري لحماية المصالح الاقتصادية:

لم تولد بلجيكا توافقية، بل تحولت إليها قسرًا. لقد انتقلت عبر إصلاحات دستورية متتالية ومؤلمة من دولة مركزية إلى دولة فيدرالية شديدة التعقيد، في محاولة يائسة لمنع تفكك البلاد. وهذا التحول كان محكومًا بالمنطق الاقتصادي:

1. استحالة الطلاق الاقتصادي: أدركت نخب المنطقتين أنه على الرغم من الخلافات، فإن "الطلاق" سيكون كارثة اقتصادية للجميع. فمدينة بروكسل، العاصمة ثنائية اللغة التي تضم مقرات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، تمثل ثروة اقتصادية هائلة لا يمكن تقسيمها. كما أن الدين العام الضخم للدولة يجعل من عملية الانفصال كابوسًا ماليًا (Fitzmaurice, 1996, p. 205).

2. التسوية كآلية لتجنب الانهيار: غالبًا ما تمر بلجيكا بفترات طويلة دون حكومة بسبب الخلافات بين الأحزاب الفلمنكية والوالونية. ولكن في النهاية، يتم التوصل إلى تسوية. لماذا؟ لأن استمرار الشلل يهدد بتخفيض التصنيف الائتماني للبلاد، ويهدد بيئة الأعمال، ويعرض المصالح الاقتصادية الحيوية للخطر. الضغط من عالم الأعمال والاتحاد الأوروبي يجبر السياسيين على العودة إلى طاولة المفاوضات.

3. الحكم الذاتي كصمام أمان: سمح النظام الفيدرالي لكل منطقة بإدارة اقتصادها وتعليمها وثقافتها بشكل مستقل، مما خفف من حدة الصراع. لكن هذا الحكم الذاتي يظل في إطار دولة واحدة تضمن حرية حركة السلع ورؤوس الأموال، وتحافظ على السوق المشتركة التي يستفيد منها الجميع.

خلاصة: توافقية الحماية لا توافقية التقاسم

- في ختام هذا التحليل، سواء نظرنا إلى النموذج السويسري الهادئ أو البلجيكي الصاخب، نصل إلى نتيجة حاسمة: لقد نجح النموذج الأوروبي التوافقي لأنه كان حلاً سياسيًا (بنية فوقية) نشأ عضويًا، أو تم التوصل إليه قسرًا، لخدمة وحماية وتطوير اقتصاد منتج ومجتمع قائم على الضرائب (بنية تحتية). لقد كانت "توافقية حماية"، هدفها حماية الكيان المنتج من صدمات الانقسام الداخلي، حتى لو كان ذلك عبر تسويات معقدة ومستمرة. لم تكن أبدًا "توافقية تقاسم غنائم"، وهو ما سنراه بوضوح مأساوي عند انتقالنا لتحليل الحالة العراقية، حيث تم استيراد الشكل السياسي دون قاعدته الاقتصادية، ليتحول إلى أداة لتقسيم ثروة لم يشارك المجتمع في إنتاجها.

قائمة المصادر الأولية (أسلوب شيكاغو)

- Desch-uwer, Kris. The P-litics -f Belgium: A Unique Federalism. Basingst-ke: Palgrave Macmillan, 2012.

- Fitzmaurice, J-hn. The P-litics -f Belgium: A Federal State in the Making. L-nd-n: C. Hurst & C-. Publishers, 1996.

- Gr-ss, Le-. "The Peace -f Westphalia, 1648–1948." The American J-urnal -f Internati-nal Law 42, n-. 1 (January 1948): 20–41.

- Steinberg, J-nathan. Why Switzerland? 4th ed. Cambridge: Cambridge University Press, 2017.

الفصل الثالث: النموذج العراقي: التوافقية كبنية فوقية لاقتصاد ريعي

مدخل: وصفة النجاح الأوروبي تتحول إلى هندسة للكارثة

- إذا كان الفصل السابق قد استعرض النموذج التوافقي في بيئته الأوروبية الأصلية كتحفة سياسية نتجت عن تطور تاريخي بطيء، فإننا هنا أمام مسرح مختلف تمامًا. في العراق، لم تكن التوافقية نتاج تسوية داخلية أو تطور عضوي، بل كانت أشبه بعملية زرع عضو غريب في جسد منهك، تمت على عجل في غرفة عمليات ميدانية وتحت إشراف جراحين أجانب. لقد تم استيراد "شكل" النظام الأوروبي، لكن في غياب روحه وشروطه الموضوعية، ليتحول من وصفة للتعايش إلى هندسة لتقنين الانقسام وتوزيع الغنائم. هنا، سندرس كيف وُلد هذا "المسخ" السياسي وكيف يتغذى على ريع النفط ليبقى حيًا.

1. السياق التاريخي للنشأة: ولادة قيصرية في ظل الاحتلال

لا يمكن فهم النظام العراقي ما بعد 2003 دون فهم ظروف ولادته القيصرية والمشوهة. لقد نشأ هذا النظام تحت ثلاثة ظلال قاتمة حددت ملامحه إلى الأبد:

- فراغ الدولة وانهيارها: أدى الغزو الأمريكي إلى حل الدولة العراقية ومؤسساتها (الجيش، الأجهزة الأمنية، الحزب الحاكم)، مما خلق فراغًا هائلاً لم يملأه بناء مؤسساتي وطني، بل هرعت لملئه قوى سياسية معارضة عادت من المنفى، وأحزاب دينية، وميليشيات، وزعامات محلية، لكل منها أجندته الخاصة وارتباطاته الخارجية.

- الهندسة السياسية من الخارج: لم يُترك العراقيون ليصوغوا عقدهم الاجتماعي بأنفسهم. لقد تمت هندسة العملية السياسية الأولية من قبل سلطة الاحتلال، وتحديدًا عبر الحاكم المدني بول بريمر ومجلس الحكم الذي أسسه. هذا المجلس، الذي تم تشكيله على أساس المحاصصة الطائفية والإثنية (13 شيعيًا، 5 سنة، 5 أكراد، 1 تركماني، 1 مسيحي)، كان هو النواة التي كرست منطق المحاصصة كقاعدة عرفية للنظام الجديد قبل حتى أن يُكتب الدستور (Dawisha, 2009, p. 245).

- صعود "أمراء الطوائف": في غياب مؤسسات الدولة الوطنية، برزت طبقة سياسية جديدة من "أمراء الطوائف". هؤلاء الزعماء لم يستمدوا شرعيتهم من برنامج وطني عابر للهويات، بل من قدرتهم على تمثيل وحماية طائفتهم أو قوميتهم في خضم صراع الهويات والفوضى الأمنية. لقد أصبحوا وكلاء لمكوناتهم، ومهمتهم الأساسية هي انتزاع أكبر حصة ممكنة من السلطة والثروة لصالح هذه المكونات.

2. تحليل البنية التحتية: العراق كدولة ريعية نموذجية

- لفهم لماذا تحولت التوافقية إلى محاصصة، يجب أن ننظر تحت السجادة السياسية مباشرةً إلى الأساس الذي بُني عليه كل شيء: الاقتصاد الريعي. فالعراق ليس مجرد دولة نفطية، بل هو النموذج الأكثر تطرفًا للدولة الريعية.

‌أ) هيمنة النفط المطلقة: يشكل النفط ما يقرب من 99% من صادرات العراق وأكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة للدولة (البنك الدولي، 2022، ص 4). هذه الحقيقة ليست مجرد رقم اقتصادي، بل هي المحدد الرئيسي لطبيعة السلطة والسياسة في البلاد. فالدولة هنا لا تعيش على ضرائب مواطنيها، بل تعيش على تدفقات مالية خارجية هائلة، مما يجعلها كيانًا شبه مستقل عن مجتمعها المنتج.

‌ب) علاقة الدولة بالمجتمع: منطق "الأب الموزع"

هذه البنية الريعية تخلق علاقة أبوية مشوهة بين الدولة والمجتمع. الدولة ليست شريكًا للمواطن في عقد اجتماعي قائم على الحقوق والواجبات، بل هي "الأب" أو "الراعي" الذي يملك مصدر الرزق الوحيد ويتفضل بتوزيعه. والمواطن، في المقابل، يتحول من صاحب حق إلى متلقٍ للعطايا، ومصيره يرتبط بقدرته على الوصول إلى "صنبور" الريع. وفي نظام المحاصصة، فإن "أمير الطائفة" هو من يمسك بهذا الصنبور، مما يجبر المواطن على إعلان الولاء له لضمان حصته (الخفاجي، 2004، ص 21).

3. تحليل البنية الفوقية: نظام المحاصصة كتحوير سرطاني للتوافقية

- على هذه الأرضية الريعية، تم زرع مبادئ ليبهارت التوافقية الأربعة، فماذا كانت النتيجة؟ لم تكن نموًا سليمًا، بل كانت تحورًا سرطانيًا شوّه كل مبدأ وحوّله إلى نقيضه.

‌أ) من حكومة الائتلاف الكبير إلى حكومة تقاسم "الغنائم":

الهدف من الائتلاف الكبير في أوروبا هو صنع السياسات بتوافق وطني. أما في العراق، فقد أصبح الهدف هو تقاسم الوزارات كـ"غنائم" (Sp-ils). كل حزب يعتبر الوزارة التي يحصل عليها إقطاعية خاصة، يستخدمها لتوظيف أتباعه وتمرير العقود لشبكاته، مع اهتمام ضئيل بالخدمة العامة أو السياسة الوطنية.

‌ب) من التمثيل النسبي إلى "المحاصصة" الحسابية:

تحول مبدأ التمثيل النسبي النبيل إلى عملية حسابية بشعة لتقسيم كل شيء: الوظائف (من درجة وكيل وزير إلى أبسط موظف)، المناصب، العقود، وحتى البعثات الدراسية. لم يعد الأمر يتعلق بتمثيل الأصوات، بل بتقسيم الكعكة الريعية. هذا المنطق، كما يصفه فالح عبد الجبار، هو "جوهر نظام المحاصصة الذي يفتت الدولة ويحولها إلى مجموعة من الإقطاعيات الحزبية-الطائفية" (جبار، 2009، ص 130).

‌ج) من حق النقض المتبادل إلى أداة للابتزاز والتعطيل:

لم يُستخدم الفيتو في العراق لحماية مصالح حيوية للأقليات، بل كسلاح تستخدمه الكتل الكبيرة لتعطيل تشكيل الحكومات أو إقرار القوانين والموازنات، بهدف ابتزاز الشركاء للحصول على حصة أكبر من المناصب والموارد. لقد تحول من صمام أمان إلى قنبلة موقوتة داخل النظام.

‌د) من الحكم الذاتي إلى بوابات الانعزال والصراع:

بدلاً من أن يكون الحكم الذاتي (كما في إقليم كردستان) نموذجًا للتعايش ضمن دولة اتحادية، أصبح مصدرًا دائمًا للصراع حول تقاسم الموارد الفيدرالية، خاصة النفط والميزانية. لقد عزز الانعزال بدلاً من التكامل، وحوّل العلاقة بين المركز والإقليم من شراكة إلى صراع دائم على الريع.

4. آليات العمل: الزبائنية والفساد كوقود للنظام

- إذا كان الهيكل هو المحاصصة، فإن الزبائنية والفساد هما الوقود والزيت الذي يجعله يعمل.

‌أ) شبكات الزبائنية: الدورة الدموية للنظام:

النظام لا يعمل عبر مؤسسات الدولة الرسمية، بل عبر شبكات زبائنية غير مرئية. النائب أو الوزير هو "الراعي" الذي يقدم الوظائف والعقود والخدمات لأبناء طائفته أو منطقته أو حزبه. هؤلاء "الزبائن" يردون الجميل بالولاء السياسي والتصويت في الانتخابات. هذه هي الدورة الدموية التي تبقي النخبة السياسية في السلطة وتضمن إعادة إنتاج النظام نفسه.

‌ب) الفساد ليس خللاً بل منطق عمل:

في هذا السياق، يصبح الفساد ليس مجرد انحراف أو خلل يمكن إصلاحه، بل هو جزء لا يتجزأ من منطق عمل النظام. إنه الآلية التي يتم من خلالها تحويل الريع العام إلى موارد خاصة لتمويل الأحزاب السياسية، وشراء الولاءات، وإثراء النخب. وبدون الفساد، ينهار نظام الزبائنية بأكمله، وتفقد الأحزاب قدرتها على حشد الأتباع. لقد أصبح الفساد، كما تشير تقارير الأمم المتحدة، "بنيويًا ומمنهجًا" في العراق، فهو ليس مجرد أفراد فاسدين، بل نظام بأكمله مصمم لتسهيل الفساد (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2021، ص 45).

- وهكذا، نرى أن ما تم بناؤه في العراق ليس ديمقراطية توافقية، بل هو "ريعوقراطية المحاصصة" (Rentier-Muhasasa-cracy)، نظام هجين ومشوه يرتدي قناع التوافقية ليخفي وظيفته الحقيقية: إدارة الصراع بين النخب على الثروة النفطية، على حساب بناء الدولة وتلبية احتياجات المواطنين.

قائمة المصادر الأولية (أسلوب شيكاغو)

- البنك الدولي. المرصد الاقتصادي للعراق: استغلال الرياح المواتية لتعزيز التحول الأخضر. واشنطن العاصمة: مجموعة البنك الدولي، 2022.

- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP). تقرير التنمية البشرية في العراق: تحديات الحكم الرشيد في مرحلة ما بعد الصراع. نيويورك: الأمم المتحدة، 2021.

- جبار، فالح عبد. الدولة والمجتمع المدني في العراق: ديالكتيك الانتقال. بيروت: دار الساقي، 2009.

- الخفاجي، عصام. دولة الريع والديمقراطية المتعثرة في العراق. في العراق: دولة، مجتمع، واحتلال، تحرير حيدر سعيد. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004.

- Dawisha, Adeed. Iraq: A P-litical Hist-ry fr-m Independence t- -ccupati-n. Princet-n, NJ: Princet-n University Press, 2009.

الفصل الرابع: تحليل مقارن ومناقشة النتائج

مدخل: مرآة الحقيقة المرة

- بعد أن قمنا بتشريح كل نموذج على حدة، حان الوقت الآن لوضعهما وجهًا لوجه أمام مرآة الحقيقة المقارنة. في هذا الفصل، سنقوم بتجميع خيوط التحليل السابقة لننسج منها حجة متماسكة تثبت فرضيتنا المركزية. سنرى بالأبيض والأسود كيف أن نفس "الهيكل" السياسي يمكن أن ينتج مخرجات متناقضة تمامًا عندما يوضع على أسس اقتصادية مختلفة. لن تكون هذه المقارنة مجرد تمرين أكاديمي، بل هي عملية كشف للسبب الجذري الذي حوّل "وصفة السلام" الأوروبية إلى "هندسة الكارثة" العراقية.

1. جدول المقارنة: عالمان في نظام واحد

- لتوضيح الفجوة الهائلة بين التجربتين، يمكن تلخيص أوجه الاختلاف الرئيسية في الجدول التالي الذي يكثف الفوارق البنيوية بين النموذجين:

المتغير النموذج الأوروبي (سويسرا/بلجيكا) النموذج العراقي

سياق النشأة تطور عضوي وتدريجي من رحم تسويات تاريخية داخلية طويلة. فرض قيصري وسريع في سياق احتلال وانهيار الدولة.

البنية التحتية الاقتصادية اقتصاد إنتاجي متنوع (صناعة، خدمات)، قائم على الضرائب. اقتصاد ريعي أحادي، يعتمد بشكل شبه كلي على النفط.

طبيعة النخب السياسية نخب مفاوضة، تسعى للتسوية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي العام. نخب متنافسة على الريع (أمراء طوائف)، شرعيتها من توزيع الغنائم.

علاقة الدولة بالمجتمع عقد اجتماعي: المواطن دافع ضرائب يطالب بالتمثيل والمساءلة. علاقة أبوية/زبائنية: المواطن متلقٍ للريع يقدم الولاء مقابل الحصة.

وظيفة التوافقية حماية الاقتصاد المنتج من صدمات الانقسام (توافقية الحماية). تقسيم كعكة الريع بين النخب (توافقية التقاسم/المحاصصة).

مخرجات النظام استقرار سياسي (نسبي)، كفاءة (نسبية)، هوية وطنية جامعة. جمود سياسي، فساد بنيوي، زبائنية، تفتيت الهوية الوطنية.

- هذا الجدول ليس مجرد قائمة بالفروقات، بل هو شهادة دامغة على أن "الاسم" (الديمقراطية التوافقية) قد يكون واحدًا، لكن "المضمون" و"الوظيفة" يختلفان كليًا باختلاف الأساس الذي يقومان عليه.

2. مناقشة الفرضية: البنية التحتية هي التي تهم

- الآن، وبناءً على هذه المقارنة الصارخة، يمكننا العودة إلى فرضيتنا المركزية وإثباتها. لقد افترضنا أن فشل النموذج التوافقي في العراق ليس نابعًا من عيوب في النظرية ذاتها، بل هو النتيجة الحتمية لتطبيقه فوق بنية تحتية اقتصادية ريعية. والأدلة التي سقناها تدعم هذه الفرضية بشكل قاطع:

- لقد رأينا أن الشروط التي سمحت بنجاح التوافقية في أوروبا غائبة تمامًا في العراق. ففي أوروبا، كان الاقتصاد الإنتاجي هو "البنية التحتية" التي فرضت على النخب السياسية (البنية الفوقية) ضرورة التعاون والتسوية. كان الحفاظ على الاستقرار شرطًا لاستمرار تدفق الضرائب ونمو الاقتصاد الذي يستفيد منه الجميع. كان هناك "شيء ما" يستحق الحماية، وهو النظام الاقتصادي المنتج.

- أما في العراق، فإن البنية التحتية الريعية فعلت العكس تمامًا. لقد خلقت "غنيمة" هائلة (عائدات النفط) تسيطر عليها الدولة، مما حوّل السياسة من فن إدارة المجتمع إلى صراع وحشي للسيطرة على جهاز الدولة بهدف نهب هذه الغنيمة. في هذا السياق، لم تعد التوافقية أداة للحماية، بل أصبحت أفضل آلية ممكنة لتنظيم عملية النهب هذه بشكل "سلمي" بين اللصوص. لقد تحولت من آلية لتقاسم "السلطة" إلى آلية لتقاسم "الثروة المنهوبة".

- إذًا، المتغير الحاسم الذي يفسر كل شيء هو طبيعة البنية التحتية الاقتصادية. إنها "المتغير المستقل" الذي يحدد مصير "المتغير التابع" (النظام السياسي). فالدولة الريعية، بحكم طبيعتها، تنتج بالضرورة سياسة زبائنية وفسادًا بنيويًا، وأي هيكل سياسي يوضع فوقها، سواء كان ديمقراطيًا توافقيًا أو غيره، سيتم "اختطافه" وتكييفه ليخدم هذه الوظيفة الأساسية: توزيع الريع وشراء الولاءات.

3. التوافقية والأيديولوجيا: الطائفية كستار دخان للصراع على الموارد

- وهنا نصل إلى النقطة الأكثر حساسية في تحليلنا، وهي دور الأيديولوجيا. من منظور المادية التاريخية، الأيديولوجيا (كجزء من البنية الفوقية) ليست هي المحرك الأول للتاريخ، بل هي غالبًا الأداة التي تستخدمها الطبقات أو النخب الحاكمة لتبرير مصالحها المادية وحشد الدعم لها. وهذا بالضبط ما يحدث في العراق.

- إن الخطاب الطائفي والإثني ليس هو "السبب" الحقيقي للصراع، على الرغم من جذوره التاريخية. بل هو "ستار الدخان" الأيديولوجي الذي يستخدمه "أمراء الطوائف" لإخفاء الطبيعة الحقيقية للصراع، وهو صراع مادي بحت على موارد الدولة الريعية.

- كيف تعمل الآلية؟

‌أ) بناء العدو: يقوم الزعيم السياسي بحشد أبناء طائفته عبر إقناعهم بأن الطوائف الأخرى تشكل تهديدًا وجوديًا لهم، وأنها تسعى للاستحواذ على حقوقهم وثرواتهم.

‌ب) تقديم النفس كحامٍ: يقدم الزعيم نفسه على أنه "الحامي" الوحيد لمصالح الطائفة والمدافع عنها في وجه "الأعداء".

‌ج) تبرير المحاصصة: بناءً على ذلك، يتم تبرير المطالبة بالوزارات والمناصب (المحاصصة) بأنها ليست سعيًا وراء السلطة أو المال، بل هي ضرورة لـ"حماية الطائفة" وضمان "حقوقها" و"تمثيلها العادل".

1. توزيع الريع كدليل على "الإنجاز": عندما ينجح الزعيم في الحصول على وزارة، يقوم بتوزيع الوظائف والعقود على أتباعه. هذا التوزيع الزبائني لا يُقدَّم كهدر للمال العام، بل كـ"إنجاز" ودليل ملموس على أن الزعيم "يخدم طائفته" ويأتي لها بحقوقها.

- بهذه الطريقة، يتم تحويل الصراع الاقتصادي النخبوي على الموارد إلى صراع هوياتي جماهيري. ويصبح المواطن البسيط وقودًا في هذه المعركة، يدافع بحماس عن "لصوص طائفته" معتقدًا أنه يدافع عن وجوده وهويته، بينما المستفيد الحقيقي هم النخب السياسية التي تزداد ثراءً ونفوذًا من استمرار هذا النظام. إنها العبقرية الشيطانية للبنية الفوقية الأيديولوجية في خدمة البنية التحتية الريعية.

الخاتمة

1. خلاصة النتائج: تشريح الفشل

- في نهاية هذا المسار التحليلي المقارن، توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج المترابطة التي تشكل في مجملها تشريحًا لأسباب فشل نموذج الديمقراطية التوافقية في العراق. ويمكن إيجاز هذه النتائج في النقاط التالية:

- أولاً: إن الديمقراطية التوافقية ليست وصفة سياسية سحرية صالحة لكل زمان ومكان. لقد أثبت نجاحها في سياقاتها الأوروبية (سويسرا، بلجيكا) أنها كانت بنية فوقية سياسية متوافقة مع بنية تحتية اقتصادية إنتاجية قائمة على الضرائب. لقد كانت "توافقية حماية" هدفها ضمان الاستقرار الضروري لاستمرار عجلة الإنتاج التي يستفيد منها الجميع.

- ثانياً: عند زرع هذا النموذج في تربة الدولة الريعية العراقية، حدث تحور سرطاني. فالبنية التحتية الاقتصادية القائمة بشكل شبه كلي على ريع النفط، فرضت منطقها الخاص على النظام السياسي. لقد تحولت "توافقية الحماية" إلى "توافقية تقاسم الغنائم"، وتحولت أركانها النبيلة (الائتلاف، التمثيل النسبي، الفيتو، الحكم الذاتي) إلى مجرد قواعد لتنظيم الصراع بين النخب الطائفية على الثروة النفطية، فيما يعرف بنظام "المحاصصة".

- ثالثاً: في ظل هذا النظام الهجين (الريعي-التوافقي)، لم يعد الفساد والزبائنية مجرد انحرافات أو أعراض جانبية، بل أصبحا جزءًا لا يتجزأ من منطق عمل النظام وآليات بقائه. فالفساد هو الوسيلة لتمويل شبكات الزبائنية، والزبائنية هي الأداة لشراء الولاءات وضمان إعادة انتخاب النخب الحاكمة.

- رابعاً: إن الخطاب الطائفي والإثني، رغم جذوره التاريخية، يُستخدم اليوم كأداة أيديولوجية (بنية فوقية) لتبرير هذا الصراع المادي على الموارد وحشد الدعم الشعبي له. إنه ستار الدخان الذي يخفي حقيقة أن ما يجري ليس صراع هويات بقدر ما هو صراع "أمراء الطوائف" على حصصهم من الريع.

2. الإسهام النظري: ربط ما تم فصله

- تكمن الأصالة النظرية لهذه الدراسة في مساهمتها في ثلاثة حقول معرفية مترابطة:

‌أ) بالنسبة لنظرية الديمقراطية التوافقية: تقدم الدراسة تحذيرًا وتعديلاً جوهريًا على نظرية ليبهارت. فهي تثبت أن نجاح التوافقية ليس مرهونًا فقط بسلوك النخب أو التصميم المؤسسي، بل هو مرهون بشكل حاسم بطبيعة البنية الاقتصادية للدولة. إنها تدعو إلى إضافة "شرط اقتصادي" أساسي لنجاح التوافقية، وهو وجود اقتصاد إنتاجي متنوع.

‌ب) بالنسبة لنظرية الدولة الريعية: بينما ركزت معظم دراسات الدولة الريعية على آثارها العامة (غياب الديمقراطية، تضخم البيروقراطية)، فإن هذه الدراسة تقدم تحليلًا دقيقًا لكيفية تفاعل الريعية مع نموذج سياسي محدد (التوافقية) لإنتاج "مسخ" خاص هو نظام "ريعوقراطية المحاصصة".

‌ج) بالنسبة للمنهج المادي التاريخي: تُظهر الدراسة مرونة وقوة هذا المنهج في تحليل الظواهر السياسية المعاصرة، عبر تكييف مفاهيمه (البنية التحتية/الفوقية) لتناسب سياق الدولة الريعية، مقدمةً تفسيرًا بنيويًا عميقًا يتجاوز التحليلات السطحية التي تركز على الأفراد أو الثقافة.

3. توصيات ومستقبل الإصلاح: الخروج من الفخ بين المطرقة التكتيكية والسندان الاستراتيجي

- إن كان التشخيص بنيويًا، فلا بد أن يكون العلاج بنيويًا كذلك. لكن الاعتراف بذلك لا يعني الاستسلام وانتظار معجزة اقتصادية بعيدة المنال. إن أي مسار إصلاحي جاد يجب أن يعمل على مسارين متوازيين: مسار استراتيجي طويل الأمد يستهدف تغيير البنية التحتية الاقتصادية، ومسار تكتيكي قصير الأمد يهدف إلى بناء أدوات ضغط ومساءلة شعبية من داخل النظام القائم، مهما كان مشوهًا.

أولاً: السندان الاستراتيجي (الهدف بعيد المدى)

يبقى الهدف النهائي هو كسر الحلقة المفرغة عبر تغيير البنية الاقتصادية الريعية. هذا هو "السندان" الذي يجب أن تُطرق عليه كل الإصلاحات الأخرى. ويشمل ذلك تنويع الاقتصاد، وربط المواطنة بالضرائب تدريجيًا، وتقليص هيمنة الدولة على الحياة الاقتصادية. هذا هو الطريق الوحيد لتغيير منطق عمل النظام من جذوره، لكنه طريق طويل وشاق.

ثانياً: المطرقة التكتيكية (أدوات الضغط والمفاوضة الآنية)

في انتظار أن يؤتي الإصلاح الاقتصادي ثماره، كيف يمكن للمجتمع أن يفاوض سلطة لا تحتاج إلى أمواله؟ هنا يأتي دور بناء أدوات مساءلة بديلة عن "المساءلة الضريبية"، وهي "المطرقة" التي يمكن استخدامها اليوم:

1. تفعيل الصوت الانتخابي وتحويله من أداة زبائنية إلى أداة عقابية:

صحيح أن الانتخابات في ظل المحاصصة غالبًا ما تعيد إنتاج نفس النخب، لكنها ليست عديمة الجدوى تمامًا. يمكن تحويلها إلى أداة ضغط عبر:

- دعم الحركات والتيارات العابرة للطوائف: أثبتت الاحتجاجات وجود تيار شعبي رافض للطائفية. تنظيم هذا التيار سياسيًا يمكن أن يكسر احتكار "أمراء الطوائف" للتمثيل.

- التركيز على الانتخابات المحلية: المساءلة على مستوى المحافظات والمجالس البلدية أسهل وأكثر مباشرة. يمكن لنجاح نماذج محلية نزيهة أن يخلق "جيوب مقاومة" للحكم الرشيد تتوسع تدريجيًا.

- إصلاح القانون الانتخابي: النضال من أجل قانون انتخابي يعزز من فرص المستقلين والأحزاب الصغيرة (مثل الدوائر المتعددة والصغيرة) يمكن أن يخلخل هيمنة الكتل الكبيرة.

2. المجتمع المدني والاحتجاج كبرلمان شعبي دائم:

في غياب معارضة برلمانية حقيقية، أصبحت "الساحات" والاحتجاجات هي المعارضة الفعلية. حركة تشرين، رغم قمعها، أثبتت أن الضغط الشعبي المنظم يمكن أن يجبر الحكومات على الاستقالة ويضع أجندة الإصلاح على الطاولة. دعم وتقوية منظمات المجتمع المدني والإعلام المستقل يخلق "برلمانًا شعبيًا" يراقب السلطة ويحاسبها خارج القنوات الرسمية المعطلة.

3. الخدمة العسكرية الإلزامية: سلاح ذو حدين يتطلب حذرًا شديدًا:

نظريًا، يمكن أن تكون الخدمة الإلزامية أداة قوية لبناء الهوية الوطنية، فهي "بوتقة" تصهر فيها الهويات الفرعية لصالح هوية وطنية جامعة، وتخلق رابط "ضريبة الدم" بين المواطن والدولة. ولكن، وهنا تكمن الخطورة الشديدة في السياق العراقي الحالي، فإن تطبيقها في ظل دولة ضعيفة ومؤسسة عسكرية لم تتطهر بالكامل من المحاصصة قد يأتي بنتائج عكسية كارثية. قد تتحول الخدمة الإلزامية إلى:

- رافد بشري للميليشيات: حيث يتم تدريب الشباب ثم استقطابهم من قبل فصائل مسلحة بعد انتهاء خدمتهم.

- تكريس للانقسام داخل الجيش: بدلاً من أن تكون بوتقة صهر، قد تصبح مصدرًا للاحتكاك الطائفي داخل الوحدات العسكرية.

لذلك، يمكن اعتبار إعادة الخدمة الإلزامية هدفًا مؤجلاً لا يمكن تحقيقه إلا بعد إحراز تقدم كبير في إعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية ومهنية بالكامل، تكون ولاءاتها للدولة العراقية وحدها.

الخلاصة:

إن الخروج من الفخ العراقي ليس مسألة وصفة واحدة، بل هو عملية "حرب خنادق" طويلة ومعقدة. تتطلب استخدام كل الأدوات المتاحة، مهما كانت محدودة. يجب على القوى الإصلاحية أن تطرق بـالمطرقة التكتيكية (الانتخابات، الاحتجاج، الإعلام الحر) على سندان الهدف الاستراتيجي (الإصلاح الاقتصادي). فبدون ضغط شعبي منظم اليوم، لن تبدأ رحلة الإصلاح الاقتصادي الطويلة أبدًا. وبدون رؤية اقتصادية للمستقبل، سيظل الضغط الشعبي مجرد صرخة في وادٍ، سرعان ما تتلاشى.

إن فهم "المصيبة العراقية" ليس شأنًا عراقيًا فحسب، بل هو درس للعالم أجمع حول خطورة الهندسة السياسية التي تتجاهل الحقائق الاقتصادية الصلبة، وحول كيف يمكن لأغنى البلدان بالموارد أن تصبح من أفقرها بالحكم الرشيد.

***

 خليل إبراهيم كاظم الجمداني

باحث في مجال حقوق الانسان

العبودية نظام يُجبر فيه الناس على العمل دون حرية ودون أجر، بينما يكسب آخرون المال من عملهم أو يستفيدون منه بطريقة أخرى. على مر التاريخ، اتخذت العبودية أشكالاً ونطاقات مختلفة، لكن السمة المشتركة هي أن الأحرار يُحوّلون إلى سلعة تُباع وتُشترى. ولأنهم لا يُعتبرون مواطنين مستقلين، فهم لا يتمتعون بأي حقوق قانونية، أو سياسية، أو اجتماعية. بمجرد استعباد الجيل الأول، يمكن أن تنتقل هذه الحالة إلى أبنائهم. حُظرت العبودية منذ عام 1948 وفقاً لإعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. حيث ينص الإعلان على أنه "لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده؛ ويُحظر الرق وتجارة الرقيق بجميع صورهما". هذا الحظر مُضمن في تشريعات جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ولكنه لا يُحترم دائماً.

في بداية الفترة الاستعمارية، بررت الدول الأوروبية المستعبدة، تجارتها بالعبيد بالإشارة إلى المسيحية ونصوص الكتاب المقدس. لأن المُستعبدين لم يكونوا مسيحيين، اعتُبروا وثنيين بدائيين ومتوحشين، ولم يكن من الخطأ استعبادهم. لكن مع مرور الوقت، تبدلت الحجة. ففي النصف الثاني من القرن الثامن عشر، بدأ أطباء العالم وعلماء النبات والأحياء بدراسة العالم بطريقة جديدة، وتقسيم نباتاته وحيواناته ومعادنه إلى فئات. كان أحد الباحثين الطبيب وعالم الطبيعة السويدي "كارل فون لينيه" Carl von Linné الذي بحث في سياق الطبيعة وما اعتبره أنواعاً عرقية مختلفة. اعتقد "لينيه" أن هناك فرقاً بين البيض والسود، ليس فقط في المظهر، بل في المزاج والعقل والذكاء أيضاً. كما اعتقد أن البيض كانوا دائمًا متفوقين على السود. ومع ذلك، رُفضت هذه النظرية العرقية رفضًا قاطعًا منذ ذلك الحين. لكن السادة البيض الاستعماريون استطاعوا استخدام النظريات العرقية كحجة للسماح لأنفسهم باستعباد الآخرين.

اختلف نطاق العبودية اختلافاً كبيراً منذ أقدم الحضارات وحتى يومنا هذا. ففي بعض المناطق، لم تُستعبد سوى نسبة ضئيلة من السكان، بينما شكّلت في مناطق أخرى ما بين 30٪ و35٪ أو أكثر. لذلك، كان من الشائع التمييز بين المجتمعات التي يوجد بها عبيد ومجتمعات العبيد. ففي الحالة الأخيرة، يُبنى المجتمع اقتصادياً وقانونياً وثقافياً حول نظام العبودية، كما كان الحال في اليونان القديمة وروما أو في منطقة البحر الكاريبي والولايات المتحدة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

وُصفت العبودية سابقاً في الأدبيات بأنها "موت اجتماعي"، حيث كان للمالك سيطرة على جميع جوانب حياة العبيد. ولكن كانت هناك دائماً قيود. لم يكن العبيد مجرد كائنات بلا عقل تقبل مصيرها بسلبية. بل إن أولئك الذين استُعبدوا مؤخراً عاشوا حياة من الحرية. بذل الجميع ما في وسعهم للمقاومة والحفاظ على ثقافتهم ودينهم وانتمائهم إلى المنطقة التي قدموا منها أصلاً. كان الفرار أو التمرد رد فعل آخر، لكن هذا كان ينطوي على خطر كبير بالقتل أو العقاب.

كانت أكثر الطرق شيوعاً للدخول في العبودية هي الحروب، وأشكال أخرى من العنف، أو الإدانات بجرائم ضد أعراف المجتمع. كان بيع الذات أو أفراد الأسرة أيضاً ملاذاً أخيراً للنجاة من المجاعة أو الأزمات الأخرى. إذا عجز المقترض عن سداد دينه، فقد يؤدي ذلك إلى عبودية الدين.

كما تعددّت طرق العبودية، لم تكن حياة العبيد متشابهة في كل مكان. كان أكثرها انتشاراً هو تكليفهم بأثقل المهام وأكثرها خطورة وأقلها جاذبية، والتي كانت مكلفة للغاية أو يصعب إيجاد من يقوم بها، كما هو الحال في مزارع قصب السكر أو القطن في الولايات المتحدة ومنطقة البحر الكاريبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ولكن لم تكن هناك حدود تقريباً لما استُخدم فيه العبيد عبر التاريخ. فقد حفروا بحثاً عن المعادن الثمينة، وعملوا كحرفيين، وبنوا الجدران، وزرعوا الحبوب، وقادوا القوارب الشراعية، وأُجبروا على ممارسة الدعارة، أو شاركوا في الجيوش وقوات سلاح الفرسان. كما تم شراء العديد منهم لتعزيز مكانة أصحابهم وهيبتهم، وللتفاخر بثرواتهم وسلطتهم.

ثقافة العبودية

العبودية مؤسسة ظالمة ونتاج علاقات إنسانية معقدة. هذه الديناميكيات الثقافية تُجبر الطبقة الأضعف على المعاناة من الظلم بسبب الرغبة الجامحة للأقوياء في المجتمع في السعي وراء النفوذ الاجتماعي والاقتصادي على الآخرين في جميع الأوقات. وبدافع الجشع والرغبة في السيطرة على الآخرين لأسباب غير مبررة، ابتكر البشر نظاماً اجتماعياً للسيطرة في تاريخهم يُعرف باسم العبودية. إن هذا الواقع هو دافع من الجشع والرغبة في السيطرة، وقد شكّل ديناميكيات العبودية في كل حقبة تاريخية. لقد خلقت غريزة السيطرة على الآخر لتحقيق مصلحة شخصية أو جماعية نظاماً هرمياً ومعقداً للعلاقات بين البشر، والذي تحول إلى مؤسسة عبودية ومجتمع عبودي، مما أدى إلى ولادة مجتمعات مستعبدة. وهكذا فإن العبودية عملية تاريخية في جميع العصور، حيث يتحكم الأفراد أو الأنظمة الانتهازية عمداً بالموارد البشرية لتحقيق غايات شخصية دون إيلاء اهتمام وثيق لمبادئ الإنصاف والمساواة والعدالة.

إن مسألة العبودية مسألة دائمة ومتواصلة، ويبدو أنها أصبحت قائمة مع تكيف هيكلي متنوع وفقاً لتصور البشر لأنفسهم. ويرجع ذلك إلى أن العبودية في كل عصر تتخذ من تسليع الوجود ركيزة أساسية لها، مما يُغير باستمرار هوامش ما يمكن قبوله عموماً كأخلاقيات اجتماعية. وليس من المبالغة القول إن العبودية تُمثل العبء الاجتماعي لكل عصر. وبالتالي، يتعين على كل عصر أن يتعامل مع عبء العبودية الخاص به، بما يمتلكه من رأس مال بشري وأخلاقي واجتماعي. إن هذا التأريخ للعبودية يُفسر كيف تُمثل الأفعال البشرية العوامل المُحددة لديناميكيات الهيمنة والاستغلال في كل جيل. وعلى الرغم من أن القرن الحادي والعشرين يتمتع بإطار قانوني عالمي مُتطور لمعالجة هذه البنية الرجعية، إلا أن تعقيد العبودية يجعل استراتيجيات الاستعباد واقعاً صعباً. وهذا يستلزم إجراء بحث مُتعدد التخصصات في هذا الموضوع، وسلوكاً أخلاقياً يُفرض عالمياً، حتى تتمكن البشرية من التحرر منها حقاً إلى حد ما. علاوة على ذلك، فإن هذه الجهود قد غيّرت واقع العبودية من مجرد قلق هامشي إلى قضية رئيسية في العالم المعاصر، مع التركيز بشكل أساسي على أشكال جديدة من العبودية البشرية، مثل استغلال الأطفال جنسياً، الاتجار بالبشر، والاتجار بالجنس، والاتجار بالأشخاص، والعمل القسري، والزواج القسري، وعمالة الأطفال، والعبودية المنزلية، وعبودية الدين، والتجنيد غير القانوني، واستخدام الأطفال كجنود. في جميع هذه الحالات، هناك هيمنة على الآخر من قِبل الطبقة القوية، وسلب ما يملكه الضعفاء والمستضعفون في المجتمع.

العبودية الفكرية

هي حالة مرتبطة بالعبودية الفلسفية لشخص يتحكم في المعلومات، ويعتمد ذلك عادةً على السعي الأكاديمي. تتركز العبودية الفكرية على العالم الأكاديمي، خاصةً في الدول النامية. تتميز العبودية الفكرية بطابعها الفريد الذي عاناه أسلافنا قبل مئات السنين باسم القرارات المالية أو الحكومية. إنها أكثر خطورة لأنها تحولنا، نحن المواطنين، إلى روبوتات ذاتية التكرار، تستعبد المزيد من الناس دون أي تدخل. لم تبدأ العبودية الفكرية اليوم، بل تتجذر في النظرة الإقليمية القديمة. ومن المرجح أن تسيطر سيطرة مطلقة على ما يفهمه فرد أو مجموعة من الأفراد باستخدام أبعاد السلطة. من الواضح تماماً أن لا أحد يدرك ذلك. لقد تم تضمين العبودية الفكرية في نموذج التعليم التقليدي لتقييد ما يمكن للمواطنين معرفته، وكيفية معرفته. فقد صُممت المناهج الغربية لغرس شخصية المواطنين المستعمَرين في عقولهم وأفكارهم بهدف محدد.

في كتابه "فن الشعر" The Art of Poetry يصور "أرسطو" العبد المميز بأنه "كل من هو، وهو إنسان، ليس ملكاً لنفسه بطبيعته، بل ملك لشخص آخر". ويضيف قائلاً: "إنه ملك لشخص آخر عندما يكون، وهو إنسان، قطعة من الملكية؛ والقطعة من الملكية أداة عمل منفصلة عن مالكها". ومن هنا، يصنف أرسطو العبودية العامة على مرحلتين.  1. الأولى هي وجود العبد العادي وصفاته. 2. الثانية هي العبد العادي في المجال العام وارتباطه بسيده. ووفقاً لأرسطو، تشمل السمات الأساسية للعبيد العاديين كونهم قطعاً من الملكية، وأدوات للأنشطة، والانتماء إلى الآخرين. في القسم الأول من الكتاب يتناول "أرسطو" مسألة ما إذا كانت العبودية أمراً شائعاً، أم أن كل خضوع يتعارض مع الطبيعة، وما إذا كان ينبغي أن يكون بعض الأفراد عبيداً. ويرى أن الأفراد الذين يختلفون ـ عن غيرهم ـ اختلاف الروح عن الجسد، أو الإنسان عن الوحش - وهم في هذه الحالة إذا كان عملهم هو استخدام الجسد، وإذا كان هذا كل ما يمكن أن يخرج منهم - هم عبيدٌ عادةً. بالنسبة لهم، من الأذكى أن يُحكموا وفقاً لهذا المعيار، إذا كان هذا هو الحال بالنسبة لأشياء أخرى مُشار إليها.

العبودية الفكرية من العصور الوسطى إلى العصر الحديث

 كلما كبرت الكتلة المادية، زاد إيقاعنا في الفخ كما يقول الأنثروبولوجي والمؤرّخ والمفكّر الهاييتي الأصل "ميشيل-رولف ترويو" Michel-Rolph Trouillotفي كتابه "إسكات الماضي: القوة وإنتاج التاريخ Silencing the Past: Power and the Production of History. لم تبدأ العبودية الفكرية اليوم. بل تتجذر في النظرة الريفية القديمة. ومن المرجح أن تُسيطر سيطرةً مطلقةً على ما يفهمه فردٌ أو مجموعةٌ من الأفراد ذوي أبعاد السلطة. ومن الواضح تماماً أن لا أحد يدرك ذلك. تم ترميز العبودية الفكرية في نموذج التعليم الرحّال لتقييد ما يمكن للمواطنين معرفته وكيفية معرفته. صُممت التعليمات الغربية لغرس شخصيات المواطنين المستعمَرين للتفكير بهدف محدد. العبودية الفكرية كأمر غير أخلاقي. لعقود، تجادل العلماء فيما بينهم بقراءات مختلفة من أرشيفات العبودية الأطلسية. هذه الجهود، وإن كانت ثرية بالمعلومات، إلا أنها حافظت إلى حد كبير على الوضع الراهن من حيث الأطر والمعايير - لدرجة أن العلماء يبدون محاصرين معاً في معركة خالدة، "دفعة وضربة مضادة" حول نفس المعضلة التي تطفو على السطح تحت أقنعة مختلفة: ما هو الشرط الأساسي لحياة العبيد وتجاربهم؟

 لسنا أحراراً في مكان عشوائي من الزمن ضمن مجموعة التجارب وأدمغتنا. إن العبودية الفكرية المقنعة والمتخفية تلتهم الجمهور من الداخل. لقد تغيرت المبادئ، ولم يعد العدو يستهدف عقولنا. اليوم، يستخدم العدو وسائل الإعلام الإلكترونية والإنترنت لنشر فلسفته الفوضوية والمدمرة والمخادعة لإبادة عامة الناس. كان الخضوع الذي عانى منه أسلافنا في الماضي جسدياً في الغالب أكثر منه عقلياً. ومع ذلك، في حالة العبودية الفكرية، إن وجدت، ستحصل على العديد من العبيد المختلفين. كانت قاعدة الاستعمار القديمة فورية وواضحة، وكان التخلص منها سهلاً للغاية. وقد نالت جميع الدول استقلالها من هذا النوع من الإكراه.

العبودية بأي شكل من الأشكال أشد فظاعة

أصبحت العبودية الفكرية اليوم ورماً خبيثاً ضاراً ينتشر في أدمغة الناس، ملوثاً نسيجهم الاجتماعي. ومن أكبر خسائر التفاعل الفكري الشامل ما يُرى في اللغة المحلية، أو اللغة الأم للدول المستعمرة اليوم. على سبيل المثال، هناك العديد من الكلمات الغربية (الإنجليزية عموماً) التي لا تحتوي على كلمات في اللغات المحلية نظراً لعدم وجود إنتاج معرفي في الأوطان. في الغالب، نستثمر بكل إخلاص في تقليد ما يقوله الغربيون. ويحدث هذا أيضاً في الدول الناطقة بالإنجليزية والفرنسية. لقد انتقل إنتاج المعرفة إلى الدول الغربية، التي تتحكم فيما يجب أن نعرفه وما لا يجب أن نعرفه. هذا يجعل العبودية الفكرية مثالية للأجيال الحالية والمستقبلية.

ومن أبرز آثار العبودية الفكرية منعنا من التدقيق في نظامنا الإداري والتعليمي. إنها تمنع المواطنين والباحثين والعلماء من التطرق إلى التكهنات الغربية الراسخة. إنها تُضعف عقولنا وتمنعنا من اختبار وجهات النظر والمعتقدات والقيم الأكاديمية الغربية. للعبودية الفكرية تأثير خطير على نفسية المواطنين، وخاصة في الدول النامية. حيث يُركز الخضوع الفكري على العلماء والطلاب والنخب والباحثين والمعلمين والأذكياء من الدول النامية. هذا يجعلها خطيرة لأنها قادرة على الإضرار بجماعة على المدى الطويل. لقد أدخلت القوى الغربية ـ من خلال العبودية الفكرية ـ عجلة الإمبريالية الجديدة واليسار. وللحفاظ على هذه العجلة تدور، يُستغلها الباحثون والنخب والمعلمون المُدرَّبون على الأفكار الغربية. أي أنه من المنطقي حقاً أن نجعلهم ينشؤون إمبريالية حديثة بشكل دائم، دون مساعدة من أي شخص آخر.

لقد زودنا الأيديولوجيون الغربيون بالمناهج التعليمية المعوقة لإطار تعليمنا. فنظراً لانفتاح الجيل الشاب على الإنترنت ووسائل الإعلام الإلكترونية دون رقابة أبوية، فإن عدم دقة المعلومات على الإنترنت، والأخطاء اللفظية قد أدت إلى بناء مجتمع خامل آخر يحترق ببساطة دون أن يكون لديه خيار الإنتاج أو الصنع. حيث لم يعد إنتاج المعرفة، في هذه المرحلة، هدفاً لمثل هذا المجتمع. هذا هو الجمهور الذي لن يكون لديه خيار الحصول على قوته في المستقبل.

المظاهر المجتمعية للعبودية الفكرية، والعلامات الثقافية للعبودية الفكرية: لفهم هذا، يمكننا أن نأخذ الهند الحالية كمثال. لقد خضع الناس في الهند للحكم البريطاني لفترة طويلة ومتأخرة بعد حصولهم على فرصتهم المعرفية، ومع ذلك يبدو أنهم خاضعون فلسفياً. على الرغم من كوننا دولاً حرة، لطالما أعجب الناس في المنطقة العربية وأفريقيا بالتقدم الذي أحرزه الغرب، والذي أغراهم لدرجة الجنون وتركهم مفلسين ومنبوذين. إن التقدم الذي يُحرزه الغرب في العلوم والابتكار رائع، لكن كل ما يهم هو التوافق معه والتشبه به، ما يجعلنا لا نزال عبيداً له. ننسى أننا ننحدر من أرض مختلفة، بجينات وراثية مختلفة، بل وظروف مناخية مختلفة. إن المستوى التعليمي الذي حققه الغرب على مر العصور متجذر في التصنيع، لكن هذا لا يكفي للعبودية المستمرة من أي نوع.

لماذا تبدو العبودية الفكرية بريئة؟

ما الذي يجعلها تبدو بريئة؟ إن تأثير العبودية الفكرية ضار للغاية. الجميع ضحية. يجب ألا يُقلد تعليم أي بلد ما يتعلمه الغرب أو يُقلده. لا نحتاج إلى التفكير في التعليم من وجهة نظر الدول الغربية. يجب علينا نحن المواطنين أن نضع ترتيباً للتعليم حيث نختار ما نحتاج إلى معرفته، وكيف نحتاج إلى معرفته، وما يجب أن نستخدمه كأمثلة محددة، وما يجب أن نستخدمه كمراجع موثقة، وما إلى ذلك. لبدء التعلم الحقيقي، يجب أن نتخلص من الترتيب القديم للتعليم والبرنامج التعليمي المكتسب من الغرب وإلا، فسنستمر في التجول بلا هدف دائماً ونعبد الغربيين كأوصياء على المعرفة.

الدلالات الحديثة للعبودية الفكرية:

يلاحظ الدبلوماسي البريطاني السير "هنري إليوت" Henry Elliot إن هدفها الأعظم هو ما يمس الحياة الداخلية للإنسان بشكل وثيق، ألا وهو تقلبات المؤسسات الاجتماعية والسياسية والدينية. هذا هو جوهر البحث التاريخي. نجد بعضاً من أبرز أمثلة العبودية الفكرية في السرديات المتعلقة بالسجلات التاريخية التي رعاها الحكام في كلٍّ من هذه الأماكن بمحض نفوذهم. في كثير من الحالات، كُتب التاريخ وأُعيدت كتابته مراراً وتكراراً لإرضاء الحكام وإخضاع المحكومين.

لقد دأب المؤرخون الأمريكيون على التعامل مع العبودية كطريق مسدود ممتد، طريق شيق مليء بالمنعطفات والالتواءات والعواقب غير المقصودة. لكنها في نهاية المطاف تُمثل طريقاً مسدوداً نحو التطور السياسي والاقتصادي "الحديث" للأمة. وبالمثل، لم تستطع دول الكومنولث، كالهند، إعادة تأكيد تراثها الثقافي والحضاري للعالم. فكل ما طُرح ورُسم كان دائماً من منظور "العبودية الفكرية". تُسجل العديد من الملاحظات المهمة حول العالم حول كيفية كتابة التاريخ أو كيفية إنتاج المعرفة ونشرها. كيف تُغير المؤسسات الاجتماعية والدينية أيديولوجياتها بسهولة في ظل هذه العبودية؟ كيف يتغير الاقتصاد لتلبية عقلية العبودية هذه؟ كيف تنشأ السلالات السياسية أو كيف تُخلق معادلات سياسية جديدة كجزء من العبودية الفكرية المستمرة؟

ومن أبرز الأمثلة على ذلك حالة الكومنولث. فرغم أن المصطلح قد عفا عليه الزمن اليوم، إلا أن تأثير الكومنولث، من خلال نشأته وتطوره ونموه، لا يزال ملموساً في جميع أنحاء العالم. لقد رأينا كيف تم التلاعب بماضي دول الكومنولث هذه لخلق ثقافة الهزيمة، والعبودية، والدونية، والجبن. لقد خلقت العبودية الفكرية عقلية مشروطة للأجيال الحالية والمستقبلية في هذه البلدان. لطالما انتقص هؤلاء الحكام الغرباء من مجد حضارتهم ودينهم وأمتهم. وبصورة منهجية للغاية، أُنشئت سجلات الأهمية التاريخية بطريقة تُحتقر السكان المحليين، وحياتهم، وعاداتهم، وثقافتهم، ودينهم، وطعامهم، وملابسهم، ومعتقداتهم، وتجارتهم، واقتصادهم، وكل شيء آخر تقريباً، وأُجبروا على قبول الثقافة "المتفوقة" للحكام الغزاة ليعتبروا أنفسهم "مثقفين" و"متحضرين".

 ويتفق معظم المؤرخين الآن على أن العبودية كانت مشروعاً تجارياً بحتاً، وهي وجهة نظر كانت هرطقة عندما سيطرت أساطير "الجنوب القديم" الملفقة على الذكريات التاريخية.

تتطلب صحتنا النفسية ورفاهيتنا وعياً محلياً ومساواةً كافيةً لتحرير عامة الناس من هذا العبودية الفكرية. فالأنظمة الاجتماعية الحالية لا تفعل شيئًا سوى الأكل والشرب والنوم والتقليد، لا أحد يفكر أو يصنع أو يصمم! هناك أزمة حقيقية في المنتجات الأكاديمية والاجتماعية للعامة، فقد تخلى الباحثون عن العلم، وتخلى الصحفيون عن الكتب، وتخلى الفنانون عن التعبير. ربما غادروا بلدانهم بحثاً عن مكانة أفضل في مكان آخر، أو فقدوا الإلهام.

نحن بحاجة إلى إعادة هندسة مجتمعاتنا، والتركيز على تقديم المزيد من الأمثلة الجيدة للمساعدة في استعادة الأخلاق وتنمية مواقف جديدة. علينا أن نناضل من أجل فرصتنا، وأن نتخلص من كل فلسفة سلبية وخداع. علينا أن ننهي هذا الاحتلال وننقذ مناخنا العام. كل فرد هو نتاج مناخه العام، وبافتراض أننا نعمل على تحسينه وإعادة بنائه، فربما يرغب فرد مماثل في وضع ضوابط لسلالة خلقه المستقبلية.

التجربة الروسية

قد تبدو المقارنة التي أجراها الثوار في أوائل الثلاثينيات بين الديكتاتورية البلشفية والنظام النازي مُختزلة. ما هو أساس هذه المقارنة؟ حذّر "كارل هاينريش أوتو روهل" Karl Heinric Otto Rühle  وهو يساري ثوري غير لينيني من العواقب الوخيمة للاتحاد المقدس في الحرب العالمية الأولى، المكانة التي منحتها الاشتراكية الاستبدادية للفرد في العمل الجماعي. وكتب عن التجربة الروسية:

لإنقاذ الناس من العبودية الفكرية، لم يكن لتسميم إرادتهم وتشويشهم الذهني أي معنى يُذكر بالنسبة للينين. حيث لم تكن المهمة العميقة والحقيقية للثورة بالنسبة له هي تغيير العقلية الإنسانية، أو تحرير الناس من عالم الاغتراب أو هاوية وضعهم اللاإنساني. هناك تشابه مذهل بين الطابع الأساسي للنظامين، مبدأ السلطة، وجهاز الديكتاتورية، وديناميكية التطبيع، وأساليب الإكراه المادي. كانت المبادئ التعليمية الأساسية للحزب البلشفي هي: سلطة القائد غير المشروطة، والمركزية القوية، والانضباط الحديدي، والسيطرة المستمرة على الآراء، والروح القتالية والإخلاص، والاختفاء التام للشخصية الفردية لصالح الحزب. طبقة أو شريحة واحدة في الأعلى، تشكلت للقيادة، وقررت وأعدت، وطبقة أخرى في الأسفل، كان من المفترض أن تتبع، وأجبرت على الطاعة والخضوع لإرادة غريبة.  استنتج "روهل" أن انتصار الفاشية لم يكن بهذه السهولة لو لم يقم قادة الأحزاب والنقابات الاشتراكية الديمقراطية والبلشفية بتدريب وإخصاء وإفساد المادة البشرية بحيث أصبحت فريسة توافق على خضوعها، والتي تم تربيتها من أجلها على مدى عقود.

العبودية الفكرية والذات الاستعمارية

هناك إجماع بين علماء الأنثروبولوجيا على أن العبودية كانت موجودة دائماً في المجتمع البشري. إنها فرع من فروع الحرب. كانت بريطانيا القديمة، على سبيل المثال، مستعمرة للإمبراطورية الرومانية. لطالما استعمر الناس واستعبدوا بعضهم بعضاً. لكن العبودية الفكرية، أي الاستعمار العقلي أو التهميش المتعمد والممنهج للآخر، بلغت أقوى أشكالها وصيغها مع الإمبريالية الغربية ونسختها من الحداثة. قد يكون الاستعباد الجسدي والاستعمار الفعلي وحشياً ومُسيئاً لكرامة الإنسان، لكن الاستعباد الفكري، لأنه يعمل بخبث على مستوى العقل، يكون أشد قسوة وإرهاقاً. فبمجرد قهر عقل شعب ما واستعباده، تمتد السيطرة والهيمنة بطبيعة الحال إلى مجالات أخرى كالمجال السياسي والاقتصادي وحتى الروحي. وهكذا يُجرّد المستعبد فكرياً من إنسانيته تماماً، مما يُسهّل مهمة المُستَغِل. ومع ذلك فإن غياب الوعي الذاتي وإمكانياته المفارقة هو نتيجة منطقية للعبودية الفكرية.

أرسل الأب "هنري باتيست غريغوار" Henri-Baptiste Grégoire مخطوطة عمل جديد إلى "توماس جيفرسون" Thomas Jefferson أحد الآباء المؤسسين والرئيس الثالث للولايات المتحدة. في عام 1809، قبل أكثر من نصف قرن من اندلاع الحرب الأهلية الأمريكية، كان الكتاب بمثابة احتفال وتخليد لذكرى كُتّاب المقالات والكتاب والعلماء من أصول أفريقية الذين شقوا طريقهم إلى الغرب. كان عنوانه "من أدب الزنوج" Of Negro Literature.

ورغم معارضته المبدئية للعبودية، اتسمت نظرة "جيفرسون" للقدرات الفكرية للسود بقسوة بالغة، واتسمت برفضهم العنيف. ففي فقرة شهيرة من كتابه "ملاحظات حول ولاية فرجينيا" Notes on the State of Virginia، أشار "جيفرسون" إلى الأمريكيين من أصل أفريقي قائلاً: "يبدو لي أنهم في الذاكرة مساوون للبيض: أما في العقل، فهم أدنى بكثير، إذ أعتقد أنه من الصعب إيجاد شخص قادر على تتبع وفهم أبحاث إقليدس؛ وأنهم في الخيال مملون، وبلا ذوق، وشاذون".

جاءت هذه الخطبة اللاذعة اللافتة في أعقاب أدب المآثر تاريخية للثلاثي للكتّاب والنشطاء السود المناهضين للعبودية "أولودا إكويانو" Olaudah Equiano، و "كوبنا أوتوباه كوغوانو" Quobna Ottobah Cugoano، و"غناطيوس سانشو" Ignatius Sancho وهم العبيد السابقون من أصل أفريقي، الذين استولوا على ساحة لندن الأدبية في أواخر القرن الثامن عشر، وحظوا بالاحتفاء في جميع الصالونات الرائدة في عاصمة إنجلترا لمآثرهم الخيالية المذهلة. ونظراً لارتباطه الوثيق بالدوائر الحضرية في العالم القديم، لم يكن من الممكن أن يجهل "جيفرسون" الانتصارات الأدبية لهؤلاء النماذج. ربما كانت حالة من التحيز تفاقمت بسبب الجهل المتعمد. ربما كانت أطروحة "غريغوار" محاولة جيدة التوجيه وسرية للغاية لمساعدة "جيفرسون" على تعديل أو تعديل نظرته العالمية غير المفيدة.

لكنها كانت مهمة شاقة. تتردد أصداء الآراء نفسها في أعمال المثقفين والفلاسفة الأوروبيين مثل "ديفيد هيوم" David Hume، و"إيمانويل كانط" Immanuel Kant، و"فريدريك هيجل" Friedrich Hegel، وحتى "كارل ماركس" Karl Marx. بالنسبة لماركس، لم تخسر الهند والقارة الأفريقية شيئًا في التدمير المتعمد لثقافتهما القديمة على يد الغزاة الأوروبيين، إذ كانت ثقافةً مشبعةً بالخرافات الحمقاء والأساطير المَرَضية.

لم يشهد تاريخ البشرية في أي مكان آخر مثل هذه المحاولة المنهجية والمُدبَّرة لتصوير عرقٍ بأكمله على أنه أدنى. لقد كان مشروعًا غربياً شاملاً للاستعمار الفكري، حيث تشارك المثقفون المحافظون والليبراليون والرجعيون والراديكاليون رؤيةً موحدةً للعالم، قائمةً على التكييف الفكري الجماعي وافتراض التفوق "الطبيعي" للحداثة الغربية.

لا تزال عواقب الاستعمار الفكري قائمةً فينا، على الرغم من توقف الاستعمار المادي. يمكن رؤيتها في الدول القومية التي هي نسخٌ رديئةٌ ودونيةٌ من الأصل، والمؤسسات السياسية التي لا ترقى إلى المستوى المطلوب، والنخب السياسية التي تُمثّل سلالةً مُختلطةً من اللصوص المُزعجين، والأنظمة الاقتصادية المُستعارة دون نقدٍ وإبداعٍ ودون مراعاةٍ للظروف المحلية، وفي الأديان المُستعارة التي تفتقر إلى العناصر الغذائية الخاصة بالعرق.

سيتطلب الأمر نخبة فكرية جديدة، تحمل حلماً جديداً لأفريقيا وللدول النامية، وتصوراً جديداً ثاقباً للخلاص البشري، لتحرير العرق الأسود من براثن الاستعمار الفكري. وأمام هذه الثورة الفكرية، تُعتبر جميع الثورات السياسية باطلة.

***

الدكتور حسن العاصي

أكاديمي وباحث في الأنثروبولوجيا

دراسة في الاقتصاد السياسي للعراق ما بعد 2003

1. تمهيد: وعد العدالة المنقوض

- عندما انهار نظام حزب البعث في العراق في أبريل 2003، ساد شعور عارم بالتفاؤل بأن حقبة مظلمة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان قد ولّت إلى غير رجعة. بدا أن الطريق قد أصبح ممهداً لبناء دولة جديدة قائمة على أسس الديمقراطية وسيادة القانون والمواطنة المتساوية. وفي قلب هذا المشروع، برز مفهوم "العدالة الانتقالية" كآلية أساسية لمعالجة إرث الماضي الشنيع، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وجبر ضرر الضحايا، وتحقيق مصالحة وطنية تضمن عدم تكرار مآسي الماضي. لقد كانت هذه هي الرواية المعلنة، الوعد الذي قُدم للعراقيين وللعالم.

- لكن بعد مرور أكثر من عقدين، تبدو هذه الصورة المثالية بعيدة كل البعد عن الواقع العراقي المرير. فبدلاً من أن تكون جسراً نحو المصالحة، تحولت آليات العدالة الانتقالية، من اجتثاث البعث إلى المحاكمات والتعويضات، إلى أدوات لتكريس الانقسام، وتصفية الحسابات السياسية، وتغذية دوامات العنف الطائفي. وكما يلاحظ العديد من الباحثين، فإن العملية التي كان من المفترض أن "تعالج الانقسامات المجتمعية انتهى بها الأمر إلى تعميقها" (International Center for Transitional Justice, 2009, p. 5). لقد أصبح واضحاً أن هناك انفصالاً جذرياً بين الأهداف المعلنة للعدالة الانتقالية ونتائجها الفعلية على الأرض.

2. الإشكالية البحثية: ما وراء التفسيرات السياسية

- تُرجع معظم التحليلات هذا الفشل إلى أسباب سياسية مباشرة، مثل "تسييس" العملية من قبل الأحزاب السياسية الجديدة، أو "هيمنة منطق عدالة المنتصر"، أو ببساطة "تفشي الاستقطاب الطائفي". ورغم صحة هذه الملاحظات، إلا أنها تظل في معظمها وصفية، وتعالج أعراض المشكلة لا جذورها. فهي تفشل في الإجابة عن السؤال الأعمق: لماذا كان تسييس العدالة الانتقالية أمراً حتمياً تقريباً في السياق العراقي؟ ولماذا اتخذ هذا الشكل العنيف والمادي تحديداً؟

- إن الاكتفاء بالقول بأن "السياسيين فاسدون" أو أن "الطائفية متجذرة" هو تفسير غير مكتمل، لأنه يتجاهل البنية الاقتصادية التحتية التي تجعل من هذه السلوكيات استراتيجيات عقلانية ومنطقية للفاعلين السياسيين. هذه الدراسة تتجاوز التفسيرات السياسية والأيديولوجية السطحية لتطرح إشكالية بنيوية: كيف أثرت طبيعة الاقتصاد العراقي كـ "دولة ريعية" (Rentier State) على مسار وتوظيف آليات العدالة الانتقالية، وحولتها من مشروع قانوني-أخلاقي إلى ساحة صراع مادي واقتصادي؟

3. الأطروحة المركزية: من العدالة إلى الغنيمة

- تجادل هذه الدراسة بأن تسييس العدالة الانتقالية في العراق لم يكن مجرد فشل سياسي أو انحراف عن مسارها المثالي، بل كان نتيجة حتمية ومنطقية لطبيعة الصراع على الموارد في بنية الدولة الريعية. في دولة يعتمد اقتصادها بشكل شبه كامل على ريع النفط الذي توزعه الدولة، تصبح السيطرة على جهاز الدولة هي الجائزة الكبرى والهدف الأسمى لأي صراع سياسي. في هذا السياق، لم تعد العدالة الانتقالية مجرد آلية لتحقيق العدالة، بل أصبحت "البنية الفوقية" الأيديولوجية والقانونية التي تم من خلالها خوض صراع مادي شرس حول إعادة توزيع الثروة والسلطة.

- لقد كانت العدالة الانتقالية هي الساحة القانونية والأخلاقية التي خيضت فيها معركة اقتصادية لإعادة هيكلة الطبقات الاجتماعية في العراق. كانت الغاية هي تحديد "من يحصل على ماذا" من ثروة النفط الهائلة. وكما يجادل توبي دودج (Toby Dodge)، فإن عملية بناء الدولة بعد 2003 لم تكن حول بناء مؤسسات ديمقراطية بقدر ما كانت "إعادة بناء عنيفة للدولة العراقية" تهدف إلى تمكين نخب جديدة من السيطرة على مواردها (Dodge, 2012, p. 154). لقد تم استخدام خطاب "العدالة للضحايا" و"معاقبة الجلادين" كغطاء أيديولوجي فعال لهذه العملية المادية البحتة التي حولت الدولة من كيان يفترض أنه يخدم المواطنين إلى "غنيمة يتم التنافس عليها" (Isam al-Khafaji, 2004, p. 22).

4. أهمية البحث

- تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها:

‌أ) تقدم إطاراً تحليلياً جديداً (الاقتصاد السياسي المادي) لفهم فشل العدالة الانتقالية في العراق، يتجاوز التفسيرات الثقافوية أو السياسية السطحية.

‌ب) تربط بشكل منهجي بين النظرية (الدولة الريعية والمادية التاريخية) والتطبيق (آليات اجتثاث البعث والتعويضات)، مما يوفر فهماً أعمق لجذور الصراع.

‌ج) تكشف كيف يمكن استخدام الخطاب القانوني والأخلاقي للعدالة كقناع لتبرير الصراعات المادية وإعادة تشكيل علاقات القوة الاقتصادية في المجتمعات التي تمر بمراحل انتقالية، وهو درس مهم يتجاوز الحالة العراقية.

1. هيكلية البحث

- للإجابة على إشكالية البحث وإثبات أطروحته، تم تقسيم هذه الدراسة إلى أربعة فصول. يبدأ الفصل الأول بوضع الإطار النظري عبر شرح مفاهيم العدالة الانتقالية، والمادية التاريخية، ونظرية الدولة الريعية. ينتقل الفصل الثاني لتحليل البنية التحتية للاقتصاد السياسي العراقي، مبيناً كيف أن نظام المحاصصة ما هو إلا آلية لتقاسم ريع النفط. أما الفصل الثالث، وهو جوهر الدراسة، فيحلل بالتفصيل كيف تم استخدام أدوات البنية الفوقية (اجتثاث البعث، المحاكمات، التعويضات) كأدوات في الصراع المادي. وأخيراً، يستعرض الفصل الرابع النتائج والآثار المترتبة على هذه العملية، وأهمها تفتيت مفهوم المواطنة وتحويله من علاقة حقوق إلى علاقة غنائم وولاءات.

مصادر

* Dodge, Toby. (2012). Iraq: From War to a New Authoritarianism. Routledge.

* International Center for Transitional Justice (ICTJ). (2009). Truth and Justice in Iraq's Transition: The Case of the Anfal Campaign.

* Al-Khafaji, Isam. (2004). Tormented Births: Passages to Modernity in Europe and the Middle East. I.B. Tauris.

الفصل الأول: الإطار النظري والمفاهيمي: من العدالة المثالية إلى الصراع المادي

مقدمة الفصل:

- يهدف هذا الفصل إلى بناء العدّة النظرية اللازمة لتحليل إشكالية البحث. ففهم تحول العدالة الانتقالية في العراق من مشروع للمصالحة إلى ساحة للصراع يتطلب تجاوز السرديات السياسية اليومية والانتقال إلى مستوى أعمق من التحليل البنيوي. للقيام بذلك، سيقوم هذا الفصل بتعريف وشرح ثلاثة مفاهيم أساسية تشكل مجتمعة الإطار التحليلي لهذه الدراسة: أولاً، مفهوم العدالة الانتقالية كنموذج معياري أو مثالي في "البنية الفوقية" القانونية والأخلاقية. ثانياً، نظرية المادية التاريخية التي تقدم أداة لفهم العلاقة بين "البنية التحتية" الاقتصادية للمجتمع و"بنيته الفوقية" السياسية والقانونية. وثالثاً، نظرية الدولة الريعية التي تشرح الطبيعة المحددة للبنية التحتية الاقتصادية في العراق، وتكشف عن منطق الصراع الدائر فيها. وأخيراً، سيقوم الفصل بتركيب هذه المفاهيم معاً ليقدم إطاراً متكاملاً يفسر حتمية "تسييس" العدالة الانتقالية في سياق ريعي.

المبحث الأول: العدالة الانتقالية - مبادئ "البنية الفوقية" المثالية

- في جوهرها، تُمثل العدالة الانتقالية مجموعة من التدابير القضائية وغير القضائية التي تهدف إلى معالجة إرث واسع النطاق من انتهاكات حقوق الإنسان في مجتمعات تمر بمرحلة تحول ديمقراطي أو خروج من صراع. لا تهدف هذه الآليات إلى تحقيق العدالة بمعناها الجنائي الصرف فحسب، بل تسعى إلى تحقيق أهداف أسمى تشمل "كشف الحقيقة، وتحقيق المصالحة، وتأكيد هوية الضحايا، واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة" (شعبان، عبد الحسين، 2010، ص 55). وقد حددت الأمم المتحدة أربعة أركان أساسية تشكل قوام أي عملية شاملة للعدالة الانتقالية، وهي:

1. الحق في المعرفة (كشف الحقيقة): ويشمل حق الضحايا والمجتمع ككل في معرفة الحقيقة الكاملة حول الانتهاكات التي وقعت، من خلال آليات مثل لجان الحقيقة والتحقيق.

2. الحق في العدالة (المساءلة والمحاسبة): ويتضمن التحقيق في الجرائم ومحاكمة المسؤولين عنها، سواء أمام محاكم وطنية أو دولية، لإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب.

3. الحق في جبر الضرر (التعويضات): ويشمل تقديم تعويضات مادية ومعنوية فردية وجماعية للضحايا، مثل رد الحقوق، والتعويض المالي، وإعادة التأهيل، والاعتذار الرسمي.

4. ضمانات عدم التكرار: وتتضمن إصلاحات مؤسسية واسعة (في قطاع الأمن، والقضاء، والإدارة) تهدف إلى تفكيك الهياكل التي سمحت بوقوع الانتهاكات في المقام الأول (تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، "سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع وما بعد الصراع"، 2004، الفقرة 8).

- هذه الأركان الأربعة تمثل النموذج المثالي أو المعياري للعدالة الانتقالية. إنها تنتمي إلى "البنية الفوقية" للمجتمع، أي عالم القانون والأخلاق والأيديولوجيا، حيث يُفترض أن هذه المبادئ السامية قادرة على إعادة تشكيل المجتمع نحو الأفضل. ولكن لفهم لماذا تم تشويه هذا النموذج المثالي وتفريغه من محتواه في العراق، يجب علينا أن ننتقل من عالم المبادئ إلى عالم المصالح المادية الذي تحكمه، كما توضح المادية التاريخية.

المبحث الثاني: المادية التاريخية - كشف العلاقة بين القاعدة والبناء الفوقي

- تقدم المادية التاريخية، إطاراً تحليلياً يرى أن فهم أي مجتمع (بسياساته وقوانينه وثقافته) يبدأ من فهم أساسه الاقتصادي. الفرضية الجوهرية لهذه النظرية هي أن "أسلوب إنتاج الحياة المادية هو الذي يحدد عملية الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية بصورة عامة" (ماركس، كارل، 1986، "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي"، ص 9). تقوم النظرية على التمييز بين مفهومين أساسيين:

* البنية التحتية (القاعدة الاقتصادية - Base): وتشمل قوى الإنتاج (الأدوات، التكنولوجيا) وعلاقات الإنتاج (علاقات الملكية، من يملك ومن يعمل، وكيف يتم توزيع ناتج العمل). هذه هي البنية الحقيقية للمجتمع.

* البنية الفوقية (Superstructure): وتشمل كل ما هو غير اقتصادي: الدولة، القانون، السياسة، الأيديولوجيا، الدين، الفن، والأخلاق.

- وفقاً لهذا المنظور، فإن البنية الفوقية لا تنشأ من فراغ، بل هي انعكاس للبنية التحتية الاقتصادية وتعمل على خدمتها وتبريرها وترسيخها. فالقوانين السائدة في مجتمع ما، والمفاهيم السائدة عن "العدالة"، ليست مبادئ مجردة أو أبدية، بل هي نتاج علاقات القوة المادية في ذلك المجتمع. وبالتالي، إذا أردنا أن نفهم لماذا اتخذت "العدالة" شكلاً معيناً في العراق ما بعد 2003، فلا يجب أن ننظر إلى نصوص القوانين فحسب، بل يجب أن نحلل طبيعة القاعدة الاقتصادية التي طُبقت فيها هذه القوانين.

- المبحث الثالث: الدولة الريعية - تشريح البنية التحتية الاقتصادية للعراق

وهنا يأتي دور نظرية الدولة الريعية لتشرح لنا طبيعة هذه القاعدة الاقتصادية. فالعراق لا يمثل اقتصاداً رأسمالياً إنتاجياً بالمعنى الكلاسيكي، بل هو النموذج الأبرز "للدولة الريعية". ويعرّف حازم الببلاوي، أحد أبرز منظري هذا المفهوم، الدولة الريعية بأنها تلك التي "تعتمد بشكل جوهري على ريع خارجي تحصل عليه من التعامل مع بقية دول العالم" (الببلاوي، حازم، 1990، "الدولة الريعية في الوطن العربي"، ص. 67).

- هذه البنية الاقتصادية الفريدة تخلق سلسلة من الخصائص التي تحدد طبيعة السياسة والصراع:

‌أ) الدولة هي الموزع الأكبر للثروة: على عكس الدولة الإنتاجية التي تجبي الضرائب من المجتمع، فإن الدولة الريعية تحصل على ثروتها من الخارج (النفط) ثم توزعها على المجتمع. هذا يقلب العلاقة رأساً على عقب؛ فبدلاً من أن يدعم المجتمع الدولة، تصبح الدولة هي التي "ترعى" المجتمع أو فئات منه.

‌ب) السياسة كصراع على التوزيع: يصبح الهدف الرئيسي للنشاط السياسي ليس المشاركة في صنع السياسات العامة، بل "الوصول إلى آلية توزيع الريع والتحكم فيها" (الببلاوي، 1990، ص. 74). الصراع السياسي يتحول إلى صراع مادي مباشر حول من يحصل على حصة أكبر من كعكة النفط.

‌ج) ضعف الرابط بين المواطن والدولة: في غياب الضرائب، يضعف مبدأ "لا ضرائب دون تمثيل". المواطنة لا تعود قائمة على عقد اجتماعي من الحقوق والواجبات، بل على علاقة زبائنية مع الدولة الموزعة للغنائم.

هذه البنية التحتية الريعية هي "المسرح" الذي طُبقت عليه مبادئ العدالة الانتقالية المثالية.

المبحث الرابع: تركيب الإطار النظري - حتمية تحويل العدالة إلى غنيمة

- الآن، يمكننا تركيب المفاهيم الثلاثة معاً لنبني إطارنا التحليلي:

‌أ) لدينا بنية فوقية مثالية (العدالة الانتقالية) بأهدافها السامية في تحقيق المصالحة وسيادة القانون.

‌ب) ولدينا بنية تحتية اقتصادية (الدولة الريعية) حيث المنطق الحاكم هو صراع صفري بين النخب للسيطرة على آلية توزيع الثروة النفطية.

‌ج) وفقاً للمادية التاريخية، فإن البنية الفوقية ستخضع لمنطق البنية التحتية وتتحول إلى أداة لخدمتها.

- النتيجة الحتمية لهذا التفاعل هي أن العدالة الانتقالية، بكل آلياتها، سيتم تفريغها من محتواها الأخلاقي وتوظيفها كسلاح في الصراع المادي. لن تكون المساءلة والمحاسبة بحثاً عن العدالة، بل أداة لإزاحة الخصوم الاقتصاديين والسياسيين والاستيلاء على مواقعهم. ولن تكون التعويضات جبراً لضرر الضحايا، بل آلية لتوزيع الريع وشراء الولاءات السياسية. وكما يشير المفكر العراقي فالح عبد الجبار، فإن العملية السياسية في العراق بعد 2003 كانت مدفوعة بمنطق "اقتصاد سياسي للمحاصصة الطائفية"، حيث تسعى كل نخبة إلى "تعظيم حصتها من الريع الحكومي" (عبد الجبار، فالح، 2007، "الدولة، الديمقراطية والمسألة الطائفية في العراق"، ص. 112). في هذا السياق، لم تكن العدالة الانتقالية إلا ساحة أخرى، وربما الأكثر فاعلية، لممارسة هذا المنطق المادي.

مصادر:

* الببلاوي، حازم. (1990). "الدولة الريعية في الوطن العربي" ضمن كتاب الدولة الريعية. تحرير: حازم الببلاوي وجياكومو لوتشياني. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

* شعبان، عبد الحسين. (2010). أسئلة العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. بيروت: منشورات ضفاف.

* عبد الجبار، فالح. (2007). الدولة، الديمقراطية والمسألة الطائفية في العراق. بيروت: دار الساقي.

* ماركس، كارل. (1986). مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي. (ترجمة: أنور محمود). بيروت: دار الطليعة.

* الأمم المتحدة، الجمعية العامة ومجلس الأمن. (23 أغسطس 2004). سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع وما بعد الصراع: تقرير الأمين العام. (S/2004/616).

الفصل الثاني: البنية التحتية: الاقتصاد السياسي العراقي وتحولات ما بعد 2003

مقدمة الفصل:

- بعد أن وضعنا الإطار النظري في الفصل الأول، ينتقل هذا الفصل من التنظير إلى التشخيص. يهدف إلى تحليل "البنية التحتية" المادية الحقيقية للدولة العراقية، تلك القاعدة الاقتصادية التي شكلت المنطق الخفي والمحرك الأساسي للأحداث السياسية والقانونية التي تلت عام 2003. سيجادل هذا الفصل بأن انهيار الدولة المركزية البعثية لم يؤدِ إلى ولادة دولة مؤسسات حديثة، بل أدى إلى تفكيك احتكار توزيع الريع وفتح الباب أمام صراع محموم بين نخب سياسية جديدة للسيطرة على هذا الريع. وقد تبلور هذا الصراع في نهاية المطاف في نظام "المحاصصة الطائفية"، الذي لا يجب فهمه كصيغة سياسية لتقاسم السلطة فحسب، بل كآلية اقتصادية لتقاسم ثروة الدولة الريعية.

المبحث الأول: الدولة الريعية البعثية - مركزية العنف والغنيمة

- لكي نفهم طبيعة التحول الذي حدث بعد 2003، لابد أولاً من فهم طبيعة الدولة التي انهارت. كانت الدولة العراقية تحت حكم حزب البعث تجسيداً صارخاً للنموذج الريعي السلطوي. فالدولة، التي كانت تسيطر بشكل كامل ومطلق على عائدات النفط الهائلة، لم تستخدم هذا الريع لبناء اقتصاد إنتاجي متنوع، بل استخدمته لتحقيق هدفين أساسيين: أولاً، بناء آلة عسكرية وأمنية قمعية ضخمة لضمان السيطرة المطلقة على المجتمع، وثانياً، إنشاء شبكة واسعة من الزبائنية والمحسوبية لشراء ولاء قطاعات اجتماعية معينة وضمان تبعيتها للدولة.

- وكما يصف المفكر العراقي كنعان مكية، فإن النظام لم يكن مجرد ديكتاتورية، بل "جمهورية خوف" قائمة على "إعادة توزيع الثروة النفطية بشكل انتقائي لخدمة بقاء السلطة" (مكية، كنعان، 1991، "جمهورية الخوف"، ص 45). في هذه البنية، كانت الدولة هي المالك والموظِّف والمانح الوحيد. وكانت العلاقة بين المواطن والدولة ليست علاقة حقوق وواجبات، بل علاقة خضوع وولاء مقابل الحصول على حصة من الريع (وظيفة، قطعة أرض، امتيازات). لقد كانت السيطرة على الدولة في ظل هذا النظام تعني السيطرة المطلقة على كل شريان للحياة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

المبحث الثاني: انهيار 2003 - تفكك الاحتكار و"التدافع على الغنيمة"

- لم يكن غزو العراق عام 2003 مجرد عملية تغيير نظام سياسي، بل كان بمثابة تحطيم السد المركزي الذي كان ينظم توزيع مياه الريع. لقد أدى حل الجيش والأجهزة الأمنية، واجتثاث كوادر الدولة العليا، إلى انهيار الآلية المركزية التي كانت تحتكر توزيع الثروة والسلطة. هذا الانهيار خلق فراغاً هائلاً، ليس سياسياً فحسب، بل اقتصادياً بالدرجة الأولى.

- هذا الانهيار خلق فراغاً هائلاً، ليس سياسياً فحسب، بل اقتصادياً بالدرجة الأولى. وقد انعكس هذا التحول في الوعي الثقافي والأدبي العراقي، حيث تحولت صورة الدولة في المخيلة العامة من مؤسسة جامعة إلى مجرد غنيمة. ويجسد الروائي العراقي سنان أنطون في أعماله، مثل رواية "فهرس"، هذا الشعور العميق بالخيبة، حيث يتم تصوير الدولة ما بعد 2003 ليس كمشروع وطني، بل كمصدر للصراع والإثراء على أنقاض مجتمع مدمر (أنطون، 2013). لقد بدأ سباق محموم ومفتوح بين هذه القوى للسيطرة على مفاصل الدولة" ليس من أجل الحكم، بل من أجل الوصول إلى منابع الريع النفطي الذي تسيطر عليه هذه المفاصل، وتحديداً الوزارات والمؤسسات الحكومية والهيئات المستقلة.

المبحث الثالث: نظام المحاصصة كآلية اقتصادية لتقاسم الريع

- إذا كان "التدافع على الغنيمة" هو ما ميز المرحلة الأولى بعد 2003، فإن "نظام المحاصصة الطائفية والعرقية" هو الآلية التي تم ابتداعها لترسيم هذا التدافع وتحويله إلى نظام مستقر. على السطح، تم تقديم المحاصصة كصيغة سياسية لضمان "تمثيل جميع المكونات" في السلطة. لكن في جوهرها المادي، كانت المحاصصة، كما يصفها فالح عبد الجبار، "اقتصاداً سياسياً" يقوم على تحويل الدولة إلى "مجموعة من الإقطاعيات الحزبية-الطائفية" (عبد الجبار، فالح، 2007، "الدولة، الديمقراطية والمسألة الطائفية في العراق"، ص 155).

- بموجب هذا النظام غير المكتوب، تم توزيع الوزارات والمناصب العليا في الدولة بين الأحزاب المهيمنة وفقاً لوزنها الطائفي والعرقي. وكل حزب حصل على وزارة، لم يتعامل معها كمؤسسة دولة تخدم كل المواطنين، بل "كمحفظة استثمارية" خاصة به. وأصبحت الوزارة أداة لتحقيق هدفين ماديين:

‌أ) توزيع الريع المباشر: عبر توظيف الآلاف من أنصار الحزب ومؤيديه في الوزارة، بغض النظر عن الكفاءة، مما يضمن بناء شبكة واسعة من الولاءات التي تعتمد في بقائها على استمرار الحزب في السلطة.

‌ب) استخلاص الريع غير المباشر: عبر التحكم في عقود الوزارة ومناقصاتها، وتوجيهها إلى رجال أعمال وشركات مرتبطة بالحزب، مما يولد تدفقات مالية ضخمة تمول الآلة الحزبية وتثري قادتها.

- وهكذا، فإن البنية التحتية للاقتصاد السياسي العراقي بعد 2003 لم تعد دولة مركزية واحدة، بل تحولت إلى "أرخبيل من الإقطاعيات الريعية" المتنافسة، حيث كل قطعة من الدولة هي مصدر غنيمة لفئة سياسية معينة. هذه هي القاعدة المادية الصلبة التي ستُبنى عليها "البنية الفوقية" الهشة للعدالة الانتقالية، والتي ستخضع حتماً لمنطق الصراع على الغنائم هذا.

مصادر:

* أنطون، سنان. (2013). فهرس. (ترجمة المؤلف). بيروت: دار الجمل.

* عبد الجبار، فالح. (2007). الدولة، الديمقراطية والمسألة الطائفية في العراق. بيروت: دار الساقي.

* مكية، كنعان. (1991). جمهورية الخوف: السياسة في عراق صدام. (ترجمة: فؤاد شربل). بيروت: دار الساقي.

الفصل الثالث: البنية الفوقية: العدالة الانتقالية كساحة للصراع المادي (دراسة حالة)

مقدمة الفصل:

- بعد أن حللنا في الفصل السابق طبيعة "البنية التحتية" للاقتصاد السياسي العراقي كنظام محاصصة لتقاسم الريع، يركز هذا الفصل على "البنية الفوقية". سنقوم بتفكيك الآليات الرئيسية للعدالة الانتقالية التي طُبقت في العراق ليثبت أنها لم تكن أدوات محايدة لتحقيق العدالة، بل تحولت بشكل منهجي إلى أسلحة فعالة في الصراع المادي بين النخب السياسية الجديدة. سيتم تحليل ثلاث آليات مركزية: أولاً، "اجتثاث البعث" كعملية نزع ملكية اقتصادية وإحلال طبقي. ثانياً، "المحاكمات الجنائية" كأداة للشرعنة الأيديولوجية التي تبرر السيطرة على الدولة. وثالثاً، "مؤسسات جبر الضرر" كقنوات مباشرة لتوزيع الريع وشراء الولاءات.

المبحث الأول: اجتثاث البعث كعملية "نزع ملكية اقتصادية"

- ظاهرياً، تم تقديم قانون اجتثاث البعث كضرورة أخلاقية لتطهير الدولة من عناصر النظام السابق وضمان عدم عودته. لكن من منظور مادي، كانت العملية أعمق وأشمل من ذلك بكثير؛ لقد كانت أكبر عملية "نزع ملكية" اقتصادية وإدارية في تاريخ العراق الحديث. لم يكن الهدف مجرد إقصاء أيديولوجي، بل كان إفراغ جهاز الدولة الريعي من شاغليه القدامى لخلق مساحة للشبكات الزبائنية التابعة للنخب الجديدة.

- بدأت العملية بقرار سلطة الائتلاف المؤقتة رقم (1) الذي كان "شاملاً وغير تمييزي"، وأدى إلى طرد عشرات الآلاف من الموظفين والعسكريين، ليس بناءً على جرائم ارتكبوها، بل لمجرد انتمائهم الحزبي أو رتبتهم الوظيفية. وكما يصف علي علاوي، الذي كان وزيراً في تلك الفترة، فإن العملية تحولت بسرعة من إجراء محدود ضد مجرمي الحرب إلى "عملية انتقامية واسعة النطاق أدت إلى شل قدرة الدولة العراقية على العمل" (علاوي، علي، 2007، "احتلال العراق: الفوز في الحرب وخسارة السلام"، ص 245).

- لكن "شلل الدولة" هذا كان هو تحديداً الفراغ الذي احتاجته الأحزاب الجديدة لملئه. فكل وظيفة تم إفراغها، من مدير عام إلى موظف بسيط، تحولت إلى غنيمة يتم توزيعها على أنصار الحزب وقواعده الاجتماعية. وهكذا، لم يكن الاجتثاث مجرد إقصاء سياسي، بل كان آلية عنيفة لإعادة الهيكلة الطبقية: تم تجريد طبقة بيروقراطية وتكنوقراطية كاملة، كانت تستفيد من ريع الدولة البعثية، من موقعها الاقتصادي والاجتماعي، وتم إحلال "طبقة جديدة" مكانها، لا تستمد شرعيتها من الكفاءة، بل من ولائها الحزبي-الطائفي وقدرتها على الوصول إلى الريع.

المبحث الثاني: المحاكمات الجنائية كأداة للشرعنة الأيديولوجية

- إذا كان الاجتثاث هو الأداة المادية للاستيلاء على جهاز الدولة، فإن محاكمة رموز النظام السابق في المحكمة الجنائية العراقية العليا كانت الأداة الأيديولوجية لمنح هذا الاستيلاء شرعية أخلاقية مطلقة. لم تكن المحاكمات مصممة لتكون عملية كشف حقيقة شاملة لكل جرائم الماضي التي عانى منها جميع العراقيين، بل كانت "مسرحاً سياسياً" يهدف إلى تحقيق هدف محدد: ترسيخ سردية "الضحية-الجلاد" التي تصور النخب الجديدة كوريث شرعي وحيد للسلطة بصفتها الضحية المطلقة للنظام السابق.

- لقد انتقدت منظمات حقوقية دولية، مثل هيومن رايتس ووتش، المحاكمات مراراً لافتقارها إلى "معايير المحاكمة العادلة الأساسية" وفشلها في "إظهار العدالة بشكل مستقل وحيادي" (هيومن رايتس ووتش، 2006، تقرير "الحكم بالإعدام: محاكمة صدام حسين"، ص 3). هذا الافتقار للإجراءات القانونية السليمة لم يكن مجرد "خطأ" تقني، بل كان منطقياً من وجهة نظر سياسية. فالهدف لم يكن عملية قانونية معقدة قد تكشف عن حقائق مزعجة للجميع، بل كان إصدار حكم إدانة سريع وحاسم يثبّت السردية المطلوبة.

- من خلال التركيز على جرائم محددة (مثل الدجيل والأنفال) وتقديمها كدليل على الشر المطلق للنظام القديم، تمكنت النخب الجديدة من تبرير سيطرتها الكاملة على الدولة باعتبارها "ضرورة تاريخية" لمنع عودة هذا الشر. وبهذا، أصبحت العدالة الجنائية هي الغطاء الأخلاقي الذي يبرر عملية الاستحواذ المادي على موارد الدولة التي تم تحليلها في الفصل الثاني.

المبحث الثالث: مؤسسات "جبر الضرر" كقنوات لتوزيع الريع

- لعل المثال الأكثر وضوحاً على تحول العدالة الانتقالية إلى آلية اقتصادية هو مؤسسات "جبر الضرر"، وتحديداً "مؤسسة الشهداء" و"مؤسسة السجناء السياسيين". ففي حين أن الهدف المعلن لهذه المؤسسات هو تعويض ضحايا النظام السابق، وهو هدف نبيل بحد ذاته، إلا أنها في سياق الدولة الريعية تحولت بسرعة إلى قنوات مؤسسية لتوزيع الريع النفطي على القواعد الاجتماعية للأحزاب الحاكمة.

- لقد أصبحت هذه المؤسسات، بميزانياتها الضخمة وامتيازاتها الواسعة (رواتب، قطع أراضٍ، منح دراسية)، جزءاً لا يتجزأ من "اقتصاد المحاصصة". وأصبح الحصول على صفة "شهيد" أو "سجين سياسي" لا يعتمد دائماً على إثباتات دقيقة، بل على الوساطة الحزبية والانتماء السياسي. لقد تحولت هذه المؤسسات إلى أدوات قوية لشراء الولاء، حيث يتم مكافأة الموالين للحزب الحاكم بمنحهم هذه الامتيازات الريعية، مما يضمن استمرار دعمهم.

- وهكذا، تم خلق "تسلسل هرمي للضحايا"، حيث يتم الاحتفاء بضحايا معينين (مرتبطين بالأحزاب الحاكمة) ومنحهم امتيازات مادية ضخمة، بينما يتم تجاهل ضحايا آخرين (مثل ضحايا العنف ما بعد 2003 أو من لا يملكون وساطة حزبية). وهذا يؤكد ما ذهب إليه فالح عبد الجبار بأن الصراع في العراق هو حول "تعظيم حصة كل جماعة من الريع الحكومي" (عبد الجبار، فالح، 2007، ص 112). لقد أصبحت حتى معاناة الماضي سلعة يتم توظيفها في هذا الصراع، حيث لم يعد جبر الضرر حقاً إنسانياً، بل امتيازاً ريعياً يتم توزيعه وفقاً لمنطق الغنيمة والولاء.

مصادر:

* علاوي، علي أ. (2007). احتلال العراق: الفوز في الحرب وخسارة السلام. (ترجمة: نصير الأنصاري وعمر الأيوبي). بيروت: دار الساقي.

* عبد الجبار، فالح. (2007). الدولة، الديمقراطية والمسألة الطائفية في العراق. بيروت: دار الساقي.

* هيومن رايتس ووتش. (نوفمبر 2006). "الحكم بالإعدام: محاكمة صدام حسين" (A Gavel of Their Own: The Trial of Saddam Hussein). (متاح باللغة العربية على موقع المنظمة).

الفصل الرابع: النتائج والآثار: إعادة تعريف الدولة والمواطنة

مقدمة الفصل:

- بعد أن أثبتت الفصول السابقة كيف خضعت "البنية الفوقية" للعدالة الانتقالية لمنطق "البنية التحتية" الريعية في العراق، يتناول هذا الفصل النتائج الكارثية لهذه العملية. يجادل بأن تحويل العدالة إلى غنيمة لم يكن مجرد فشل سياسي، بل أدى إلى تفكيك الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة والمجتمع المدني. سيناقش هذا الفصل ثلاث نتائج رئيسية: أولاً، تآكل العقد الاجتماعي وتحول الدولة في وعي المواطن من مؤسسة للحقوق إلى مصدر للغنائم. ثانياً، تفتيت مفهوم المواطنة المتساوية وظهور "مواطنة متدرجة" تحددها علاقة الفرد بمنظومة المحاصصة والريع. وأخيراً، كيف أدى هذا الإقصاء المادي الممنهج إلى تغذية دوامات العنف، مما يثبت أن العدالة الانتقائية لا تنتج سلاماً، بل صراعاً جديداً.

المبحث الأول: تآكل العقد الاجتماعي والدولة كـ "غنيمة"

- يقوم مفهوم الدولة الحديثة على فكرة "عقد اجتماعي"، حيث يتنازل المواطنون عن بعض حرياتهم للدولة مقابل أن توفر لهم هذه الدولة الحماية والأمن وتضمن حقوقهم بشكل حيادي ومؤسسي. لقد أدت العملية التي حللناها في العراق إلى تمزيق هذا العقد الاجتماعي بشكل كامل. فالدولة، التي تم توزيعها كإقطاعيات حزبية-طائفية، لم تعد تظهر للمواطن كحكم محايد أو ضامن للحقوق، بل "كمجموعة من الشبكات الزبائنية المتنافسة التي تخدم مصالحها الخاصة" (International Crisis Group, 2008, "Iraq After the Surge," p. 15).

- لقد تحولت علاقة المواطن بالدولة من علاقة قائمة على الحقوق إلى علاقة قائمة على الولاء والزبائنية. فلكي يحصل المواطن على أبسط حقوقه (وظيفة، رعاية صحية، أمن) لم يعد يكفي أن يكون "مواطناً"، بل أصبح عليه أن يجد لنفسه مكاناً ضمن إحدى شبكات المحاصصة، وأن يقدم الولاء للحزب الذي يسيطر على المؤسسة التي تقدم الخدمة. وكما يلاحظ المفكر غسان سلامة في تحليله للدول العربية المتعثرة، فإن الدولة عندما تفقد قدرتها على تقديم الخدمات بشكل شامل، تتحول إلى مجرد "غنيمة" تتصارع عليها الميليشيات والأحزاب، ويفقد المواطن أي شعور بالانتماء إليها (سلامة، غسان، 1987، "المجتمع والدولة في المشرق العربي"، ص 98). هذا بالضبط ما حدث في العراق، حيث أصبحت مؤسسات العدالة الانتقالية نفسها جزءاً من هذه الغنيمة، مما أفرغ مفهوم "سيادة القانون" من أي معنى حقيقي.

المبحث الثاني: تفتيت المواطنة وولادة "المواطنة المتدرجة"

- لعل الأثر الأخطر لهذه العملية هو أنها لم تكتفِ بتدمير العقد الاجتماعي، بل قامت بإعادة تعريف مفهوم "المواطنة" نفسه، وتفتيته من مفهوم واحد متساوٍ للجميع إلى نظام طبقي غير معلن. لقد أصبحت وثائق العدالة الانتقالية (مثل شهادة "المساءلة والعدالة" أو هوية "مؤسسة الشهداء") بمثابة "أوراق مواطنة" جديدة تحدد القيمة الاقتصادية والاجتماعية للفرد. يمكننا تمييز ثلاث درجات من هذه المواطنة الجديدة:

‌أ) المواطن المستحق (الدرجة الأولى): هو الفرد الذي ينتمي إلى الشبكات الحاكمة ويحمل وثائق تثبت أنه "ضحية" للنظام السابق. مواطنته هنا مادية وملموسة، تُترجم مباشرة إلى راتب من الدولة، وامتيازات، وحصة من الريع. هذه الفئة لا تحتاج إلى الدولة كمؤسسة حقوق، لأن الحزب يوفر لها كل شيء.

‌ب) المواطن المشتبه به (الدرجة الثانية): هو الفرد الذي يُصنف، سواء كان ذلك صحيحاً أم لا، كجزء من النظام القديم أو منافس للنظام الجديد. قوانين اجتثاث البعث تجعل مواطنته مشروطة ومعلقة. هو محروم بشكل ممنهج من الوصول إلى اقتصاد الدولة الريعي (الوظائف العامة والعقود)، وعليه أن يعيش في خوف دائم من الملاحقة. حقوقه ليست مضمونة، بل تخضع للابتزاز السياسي.

‌ج) المواطن الهامشي (الدرجة الثالثة): هو المواطن الذي لا ينتمي بوضوح لأي من الفئتين. إنه يشكل الأغلبية الصامتة التي تجد نفسها خارج قنوات توزيع الريع الرسمية. مواطنته فارغة من أي محتوى اقتصادي، ولكي يبقى على قيد الحياة، عليه أن يلجأ إلى الفساد والواسطة والقطاع غير المنظم.

- بهذا المعنى، لم تعد المواطنة في العراق صفة قانونية مجردة، بل أصبحت تصنيفاً اقتصادياً تحدده أدوات العدالة الانتقالية. لقد نجحت هذه الأدوات في "خلق حدود جديدة للإدماج والإقصاء داخل المجتمع العراقي" (Dodge, Toby, 2012, p. 171)، مما حول المجتمع من أمة مواطنين إلى مجموعة من الفئات المتنافسة على فتات الدولة.

المبحث الثالث: تغذية دوامات العنف والصراع

- إن النظام الذي يخلق مثل هذا الإقصاء المادي والرمزي الممنهج لا يمكن أن ينتج سلاماً. فالعدالة الانتقالية، التي كان هدفها المعلن هو ضمان "عدم التكرار"، انتهت بأن خلقت الظروف المادية والنفسية لتكرار العنف بصور جديدة وأكثر بشاعة. لقد وفر الشعور العميق بالظلم والإقصاء الاقتصادي والتهميش السياسي، الذي ترسخ لدى قطاعات واسعة من المجتمع (خاصة بين العرب السنة) نتيجة لسياسات اجتثاث البعث الانتقامية، "بيئة خصبة لتجنيد المقاتلين من قبل الجماعات المتمردة والمتطرفة" (International Crisis Group, 2008, p. 21).

- لم يكن صعود تنظيم القاعدة في العراق، ومن بعده تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، مجرد ظاهرة أيديولوجية مستوردة، بل كان له جذور عميقة في الواقع المادي الذي خلقته سياسات ما بعد 2003. لقد استثمرت هذه التنظيمات خطاب المظلومية السنية، ووفرت بديلاً اقتصادياً واجتماعياً للشباب الذين تم إغلاق أبواب الدولة الريعية في وجوههم. وبهذا نصل إلى النتيجة المأساوية: العملية التي بدأت باسم "العدالة للضحايا" انتهت بخلق أجيال جديدة من الضحايا، وأنتجت صراعاً أكثر دموية من الذي كانت تهدف إلى معالجته. إنها النتيجة الحتمية عندما تتحول العدالة من غاية أخلاقية إلى وسيلة في صراع مادي لا يرحم.

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

باحث في مجال حقوق الانسان

..................................

مصادر أولية تم استخدامها في هذه المسودة:

* سلامة، غسان. (1987). المجتمع والدولة في المشرق العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

* Dodge, Toby. (2012). Iraq: From War to a New Authoritarianism. Routledge.

* International Crisis Group. (2008). Iraq After the Surge: The Need for a New Strategy. Middle East Report N°81.

 

ـ استشراف أدوار معلم المستقبل:

أَولَتْ المجتمعات الحديثة المعلم عناية فائقة واهتماما ملحوظا باعتباره عنصرا رئيسا ومؤثرا في العملية التعليمية، وذلك من خلال تعدد وتنوع الصيغ والإحداثيات التعليمية في تأهيله وتكوينه وإعداده، على اعتبار أن فاعلية المؤسسة التعليمية ونجاحها تعتمدان بصورة مباشرة على كفاءة العاملين بها. ولقد صادف عملية إعداد المعلم وتكوينه الكثير من التطوير والتحديث عبر سنوات طويلة، لذا تغيرت طبيعة وماهية استراتيجيات عملية الإعداد، وسلكت المجتمعات المختلفة وفق رؤاها التربوية ودرجة نموها التعليمي وطبيعة مشكلاتها الاجتماعية والثقافية، ودرجة تقدمها الاقتصادي ومستوى نظرة هذه المجتمعات للمعلم وتحديد أهمية دوره في منظومة التعليم مسلكا جديدا مغايرا لما سبق.

ولعل الاهتمام بتكوين المعلم وتأهيله يرتكز على قناعة مفادها أن المعلم وكفاءته يؤثران بشكل واضح ومباشر على نجاح العملية التعليمية؛ باعتباره دعامة أصيلة في المشهد التعليمي، فإن رفع كفاءة إعداده وتكوينه يسهم في تحسين فاعلية النظام التعليمي برمته وتحقيق مخرجات التعلم ونواتجه بصورة جيدة. ولا شك أن مهمة إعداد معلم متميز جدير بمهنة التدريس إحدى أبرز المشكلات المستدامة المرتبطة بمنظومة التعليم الجديدة، كما أن المحافظة على جودة الأدوار التي يقوم بها المعلم في ظل تطورات اجتماعية وثقافية واقتصادية متسارعة ومتصارعة مسألة شائكة ومعقدة.

وفي ضوء التغيرات المتواترة على الصعيد التربوي والتعليمي بشدة فإنه ينبغي على مؤسسات إعداد المعلم بصورة وجوبية تزويده وإكسابه القدرات والمهارات والكفايات اللازمة لا المناسبة فحسب التي تمكنه من مواجهة هذه التغيرات القائمة والمتوقع حدوثها، وهذا يتطلب من كليات التربية إعداد معلم المستقبل اعتمادا على مراجعة مخرجاتها وعملياتها ونواتج التعلم المقصودة والأخرى المرغوبة؛ لتصبح مناسبة ومتوافقة مع متغيرات العصر، بل ومواكبة الإعداد لكل جديد وافد وطارئ على المنظومة التعليمية، من أجل تشكيل معلم قادر على المشاركة والمنافسة والتأثير.

وقضية إعداد المعلم لمهنة التدريس لها أهمية كبرى وخاصة في القرن الواحد والعشرين الذي لم يعد يقتصر دور المعلم فيه على نقل المعلومات والمعارف وتوصيلها بالتلقين المباشر، وإنما يتجاوز ذلك للقيام بمهام من شأنها إعداد نشء قادر على الإبداع وامتلاك مهارات التعلم مدى الحياة، لذا فإن عملية إعداد المعلم لاسيما معلم اللغة العربية عامل رئيس لنجاح منظومة متكاملة تحتاج إلى بذل الكثير من الجهد في تأهيله وتكوينه .

وإذا كان إعداد المعلم وتأهيله يحظى بأهمية واهتمام رسمي وآخر مجتمعي، فإن إعداد معلم اللغة العربية للمستقبل يحظى وينال مكانة مرموقة في الاهتمام لاسيما في الوطن العربي، والدول الأجنبية التي تهتم بتعلم اللغة العربية وتنشئ معاهد ومراكز متخصصة لتعليمها؛ ليس لكونه معلما فحسب، بل معلما للغة القرآن الذي يعد إتقان حفظه وتلاوته ومعرفة ألفاظه ومعانيه ودلالاته البليغة مُدخلا ضروريا لتعلم كافة العلوم المكتوبة باللغة العربية، مما يفرض عليه ـ المعلم ـ أدوارا ومسئوليات أخرى إلى جانب مهامه الأساسية، فهو مطالب بأداء مهام لغوية تتناسب والعصر الراهن، ومهام استشرافية تتزامن مع تحديات ومتطلبات المستقبل المتجددة.

ولقد أصبح تمكن معلم اللغة العربية للمستقبل من مهارات الأداء التدريسي ضرورة ملحة إذا ما رغب المعلم ـ نفسه ـ في تحقيق الفاعلية من تدريسه، وهذا ما أكدته نتائج دراسات تربوية عديدة من أن تنمية مهارات الأداء التدريسي لمعلم اللغة العربية بخاصة ركنًا أساسيا في جوانب إعداده علميا وعمليا في ظل تحديات متسارعة تواجه ملامح العملية التعليمية، فالمستجدات التعليمية المعاصرة جعلت عملية تأهيل المعلم وإكسابه مهارات تدريسية لازمة ومناسبة يتعاظم دورها وأهميتها لتحقيق التوازن بين الإعداد والمهنة سواء باكتساب المعرفة والفهم، أو بالتطبيق والتحليل، وأخيرًا بتأمل فعل الأداء التدريسي نفسه من أجل تجويده مستقبلا.

وبرز مفهوم الأداء التدريسي التأملي بصورة واضحة منذ مطلع القرن الواحد والعشرين نتيجة فرضية ممارسة المعلمين للتأمل تمكنهم من تحسين ممارساتهم التدريسية، وتمكنهم أيضا من توظيف المعارف والمعلومات والبيانات التي يرصدونها عن أدائهم التدريسي في الحكم عليه وتطويره للأفضل. فضلا عن أن المعلم الذي يفكر في أدائه التدريسي بطريقة تأملية يدرس التحديات التي تواجهه بالفعل والأخرى التي قد تعترض سبيله الصفي فيما بعد، ومن ثم التوصل إلى مداخل وطرائق مناسبة للتفاعل معها بإيجابية، فضلا عن تمكين المعلم من تحسين الأداء التدريسي وتعزيز الاتجاه الإيجابي نحو المهنة وتدعيم المشاعر الأكاديمية لدى تلاميذه.

ولقد ظهرت بوادر الاهتمام بالأداء التأملي للتدريس نتيجة المستويات المتدنية في أداء المعلمين وفكرة البحث عن استراتيجيات تسهم في استمرارية النمو المهني لديهم، والتي أبرزت ضرورة الاستغراق والاندماج في التقويم الذاتي للممارسات التدريسية باعتباره ـ التقويم الذاتي ـ مفتاحا للتنمية المهنية المستدامة لتطوير الوعي بالذات. وركزت التربية المعاصرة على التخلي عن فكرة التدريب الروتيني للطالب المعلم وتلقينه مجموعة من الأساليب التدريسية الجامدة، وتشجيعهم على التفكير التأملي الناقد فيما يقومون به من ممارسات تدريسية ليبتكروا ما يرونه مناسبًا من استراتيجيات تدريس ومواد تعليمية، وأصبحت الممارسة التأملية للأداء التدريسي من المداخل المثالية لإعداد المعلم؛ إذ تتطلب من المعلمين تطوير أنفسهم لأنهم يحللون ممارساتهم التدريسية ويقيمونها ذاتيا.

وتعد الممارسة التأملية للأداء التدريسي ذات أهمية كبيرة للمعلمين؛ لأنها تساعدهم في تحسين واقع أدائهم الصفي، حيث يستطيع المعلم من خلالها دمج المعرفة الحالية بالمعرفة السابقة وتعديلها للوصول إلى معرفة جديدة أكثر رسوخًا، كذلك لا يمكن الوصول إلى تحقيق أهداف التربية والتأكد من إيجابية نواتج التعلم لدى الطلاب إلا أن اكتساب كفايات التدريس في حد ذاتها غير كفيلة بتحقيق الأهداف التعليمية إلا إذا تمكن المعلم من مراقبة أدائه وتأمله سلوكياته الصفية المتعلقة باستخدامه لمهارات التخطيط والتنفيذ والتقويم.

وتعتبر الممارسة التأملية للتدريس التي يقوم بها الطالب المعلم عبر ملاحظته ومراجعته وتقييمه المستدام لممارساته التدريسية في أثناء تأهيله وتكوينه بمؤسسات إعداد المعلم للعمل على تحسين هذه الممارسات باستخدام آليات تنفيذية معاصرة أكثر أهمية وذات ضرورة، وهذا ما أكدته المعايير العالمية للمعلم (Indiana Department of Education , 2004) من خلال التنبيه على ضرورة الممارسة التأملية للمعلم كمؤشر من مؤشرات التنمية المهنية المستدامة، في حين أن وزارة التربية والتعليم المصرية ضمَّنت في معاييرها القومية للتعليم أهمية ممارسة المعلم للأداء التدريسي التأملي؛ حيث نص المؤشر الأول من مؤشرات معيار التنمية المهنية للمعلمين على أن " يتأمل ويقيم المعلم أفعاله وممارساته للارتقاء بأدائه .

ومما يعزز ضرورة الاهتمام بتنمية الأداء التدريسي التأملي لدى الطلاب المعلمين هو ما أشار إليه كثير من رواد التربية اللغوية المعاصرة حيث إن من أبرز مقتضيات التدريس المعاصر الجيد تغيير السلوكيات وتعديل الاتجاهات لدى المعلمين، ليس فقط من خلال تزويده بمعارف ومعلومات وحقائق عن طبيعة التدريس ونظرياته، بل من خلال تبصيره بالأساليب والطرائق التي تمكِّنه من تحقيق التنمية المهنية المستدامة عن طريق ملاحظة أدائه، ونقده لممارساته التدريسية ومعتقداته عنها، وبقدر أهمية امتلاك الطالب المعلم للمعرفة الدقيقة بمادة تخصصه الأكاديمي وما يتصل بها من معارف أخرى، وكفايات تتعلق بقدرته على التخطيط للدرس وتنفيذه وتقويمه، بقدر أهمية الممارسة التأملية للعناصر السابقة بالإضافة إلى تأمله لإدارته الصفية واتجاهاته نحو المتعلمين داخل الفصل.

ولقد تعددت الدراسات والبحوث التي تناولت متغير الأداء التدريسي التأملي وتنوعت بتنوع غرض التناول من حيث الكشف عن مدى توافر مهاراته لدى المعلمين، أو تقييم مستوى الأداء التأملي لديهم، أو من خلال إعداد برامج تدريسية وتدريبية لتنمية مهاراته، ويمكن تحديد أهمية ممارسة التأمل في الأداء التدريسي في النقاط الآتية:

1 ـ وضع الحلول المناسبة للتحسين المستمر في عمليتي التعليم والتعلم.

2 ـ زيادة الوعي بحاجات الطلاب والإمكانات التعليمية المتاحة.

3 ـ الانفتاح والاطلاع على الأفكار والأساليب التدريسية الجديدة.

4 ـ التنويع في استخدام أساليب التعليم والتعامل مع الطلاب داخل غرفة الفصل.

5 ـ الإحساس الكبير بالقدرة على تصريف الأمور داخل الفصل بكفاءة ومرونة.

6 ـ حث المعلم على التقييم الذاتي لأدائه بعد التطبيق العملي للنظريات المتعلقة بمفاهيم التعليم والتعلم.

وإذا كانت الممارسة التدريسية التأملية ممارسة تلازم المعلم الذي ينبغي أن يتحلى بسعة الأفق والإخلاص وتحمل المسئولية وتتيح له فرص التأمل بصورة منفردة أو من خلال المشاركة مع الأقران، فإن هذه الممارسة تتجلى بوضوح في تسجيل المعلم لملاحظاته ووصفه لأدائه الصفي كتابة؛ لأن الكتابة ومراجعتها تتيح له تعميق التجربة وربطها بخبرات سابقة وأخرى جديدة للوقوف على مستوى أدائه الراهن والمستقبلي مما يساعده على الاحتراف المهني، كما أن الكتابة تعد إحدى تطبيقات الأداء التدريسي التأملي كونها تجسد انطباعات المعلم حول أدائه الصفي ومعالجته للمشكلات وعرضه للتفاصيل التي تحدث في أثناء تفاعله مع الطلاب وتحليلها.

ويرى كثيرون أن إحدى أدوات الممارسة التأملية للتدريس الكتابة التفسيرية المتمثلة في المذكرات اليومية، والسجلات القصصية التي يعدها المعلم لتجاربه مع الطلاب داخل الفصل، وقوائم المراجعة التي تتضمن تفسيرا وتبريرا لأفعال المعلم وسلوكياته، وأخيرًا صحف التأمل التي تعكس مدى رؤية المعلم لمستقبله المهني المرتبط بمهارات التدريس الثلاث التخطيط والتنفيذ والتقويم. وأن ما يقوم به المعلم من كتابة سردية تفسيرية لواقعه التدريسي سينعكس على قراراته المستقبلية بشأن الفعل التدريسي وتغيير سياساته التعليمية مع طلابه على نحو إيجابي تدفعهم للتقدم في الدراسة والتعلم.

ويذكر (Pollard) أن من وسائل تنمية الأداء التدريسي التأملي للمعلم استخدام الكتابة المتمثلة في أكثر من صورة منها التقارير الذاتية Self Reports التي يعدها المعلم بعد الانتهاء من عملية التدريس، وتتضمن انطباعات وأفكار ورؤى المعلم حول مدى جودته في إعداد مخطط التدريس الصفي ومدى مناسبة المحتوى والأنشطة التعليمية التي تم تقديمها للطلاب، وكذلك إعطاء تفسيرات لما قام به من خلق بيئة صفية محفزة لهم، والمشكلات التي تعرض لها في أثناء إدارته للصف، كذلك يوميات المعلم Teacher Diary وهي المذكرات التي يقوم المعلم بكتابتها بشكل يومي عن عمليات التدريس ومواقفه التي مر بها خلال يومه المهني.

وتعد الكتابة التفسيرية من أكثر أنواع الكتابة انتشارا في حياتنا التعليمية المعاصرة تحديدا فيما يتصل بأداء المعلم حيث إنها تعطي له الفرصة في الوصف أو إعطاء معلومات تتعلق بالموقف التدريسي، ومن خلالها يسعى المعلم أن يقدم مجموعة من المعلومات والبيانات والمفاهيم التي تدور حول أدائه التدريسي متضمنة ـ الكتابة ـ رؤيته حول نظريات التدريس المستخدمة وتنبؤاته التدريسية واستنتاجاته، لذلك فهي عملية ذهنية معقدة تتكون من مجموعة من العمليات التي تحدث وتجري في وقت متزامن تستهدف وصف الأفكار والحقائق والأداءات الصفية سعيًا إلى تفسيرها وتحليلها.

ولأهمية الكتابة التفسيرية للمعلم بوصفها منتجًا تحليليا لأدائه التدريسي، فقد أكدت اللجنة الوطنية للكتابة The National Commission on Writing على أهمية إعادة التفكير في مهارات الكتابة المستخدمة والتأكيد على ضرورة طرح مبادرة " ثورة الكتابة في المدارس العامة والكليات " Writing Revolution in Public Schools and Colleges ، ومن ثم اقترحت إطارا لممارسة الكتابة التفسيرية بغرض إنتاج مقال وصفي يمتاز بالتماسك وتقديم أفكار محددة في ضوء الثوابت المنطقية، وهذا يقتضي من جميع المعلمين التدريب بوقت كافٍ على مهارات الكتابة التفسيرية، وتطوير تقنيات جديدة لتحسين آليات تدريس الكتابة وتقييمها. كما أشار المركز القومي للإحصاء التعليمي (NAEP) إلى أهمية زيادة الوقت المخصص لممارسة الكتابة التفسيرية في نطاق مواقف موجهة، وتوظيف الأفكار والحقائق والنظريات في بناء نصوص تفسيرية سردية.

وإذا استعرضنا الدراسات والبحوث التي استهدفت تنمية مهارات الكتابة التفسيرية، فإننا نستقرئ أن جميعها عَضَّد فكرة وعي المعلم بخصائص الكتابة التفسيرية وأهميتها في تجويد الأداء التدريسي وتحسين طبيعته، وأن التدريب عليها يمكِّن المعلمين من تقديم معلومات تفصيلية دقيقة حول ما يتعلمونه أو يؤدونه من مهام، مما يساعد على زيادة الفهم ودعم النظريات والأفكار حول طبيعة التدريس. وأن هذا النمط الكتابي يسهم في تقديم أدلة وشواهد داعمة لأداء المعلم التدريسي التي تعينه فيما بعد في المواقف الصفية على تحسين مستوى أدائه من ناحية، وإكساب المتعلمين المهارات والمعارف بصورة شيقة جذابة متميزة من ناحية أخرى؛ لأنه سيكون دائم المراقبة والتقييم المستدام لأدائه داخل الفصل.

ولقد اجتهد الباحثون في استنتاج مهارات الكتابة التفسيرية، وأسفر هذا الاجتهاد على تحديد مهارات رئيسة للكتابة التفسيرية تضمنت مهارات رئيسة كالأفكار المتمثلة في كتابة الفكرة الرئيسة والأفكار الفرعية، ومهارة التنظيم المتمثلة في نمط كتابة الفقرات والمقدمة المناسبة والخاتمة المنطقية للنص، ومهارة بناء النص التفسيري التي تتضمن مهارات فرعية مثل توظيف الأدلة والشواهد بما يدعم الموضوع، ومهارة الطلاقة التحريرية التي تشمل صياغة أنواع الجمل المختلفة والسيطرة على الموضوع عن طريق تعزيز المعاني باستخدام المترادفات والتضاد واختيار الكلمات الدالة، ومهارة المراجعة والتنقيح التي تراعي الصحة الإملائية والنحوية، وجودة التوظيف الصحيح لعلامات الترقيم .

ومع تزايد الاهتمام بقضايا التطوير المهني لأداء المعلم، ظهرت في الآونة الأخيرة توجهات ومداخل تدريسية وتدريبية أكثر فاعلية، تهدف إلى إكسابه المعارف والمعلومات والمهارات التي تتناسب مع متطلبات المشهد التعليمي الراهن واحتياجاته بكل متغيراته وضوابطه وتساعده على التخلص والقضاء من التحديات والمشكلات التدريسية، ومن هذه المداخل المعاصرة شديدة الصلة بالأداء التدريسي والكتابة التفسيرية مدخل التعلم القائم على السيناريو Scenario Based Learning. وفي ظل الجهود العالمية في تطوير برامج إعداد المعلمين بكليات التربية وبرامج التطوير المهني المدرسي، ظهر أنموذج التعلم القائم على السيناريو كتجربة تستند إلى مبادئ التطوير المهني القائم على النظرة الشاملة والمتكاملة لواقع الممارسات التدريسية من خلال التأمل في التدريس، وتطوير المعتقدات والكفايات التدريسية بناء على نتائج التحليل النقدي الذاتي وفق أطُر شاملة.

ومدخل التعلم القائم على السيناريو SBL مدخل دينامي غير خطي تحدث فيه عملية التعلم من خلال السياق الذي يتضمن الحصول على المعارف واكتساب المهارات، وهو مدخل يسمح للمشاركين باستنتاج المشكلات التي ربما تواجه الطالب المعلم في حياته المهنية المستقبلية داخل الفصل، وتجريب طرائق التعامل مع هذه المشكلات .

وظهر مفهوم التعلم القائم على السيناريو بسبب عدم الاقتناع بالنظرية السلوكية في التعليم الموجه فقط إلى تمارين الاستجابة للتحفيز والذي نجم عنه وجود انخفاض جودة مخرجات التعلم والتي اتسمت بعدم قدرة معظم المتعلمين على ربط ما تعلموه عن طريق التطبيق في حياتهم، وهذا الأنموذج يعتمد على النظرية البنيوية التي تؤكد على أن معرفة الفرد هي بناء له والمعرفة عي نتيجة لبناء المعرفة للعالم الحقيقي من خلال الأنشطة وهياكل المعلومات اللاز. لذلك جاء التعلم القائم على السيناريو كاستجابة سريعة لسد الفجوة بين النظرية والتطبيق؛ لأنه يعتمد على توفير مواقف تعليمية تجريبية تتضمن مشكلات العالم الحقيقي بشكل منظم، تسمح للمتعلمين بتطبيق وتوظيف معارفهم ومهاراتهم لحل المشكلات والتحديات التي تواجههم بشكل تعاوني وفي بيئة آمنة، مما يحقق التعلم النشط وإتقان المهارات ذات الصلة وتعميق تعلم الطلاب.

ولقد استخدم مصطلح السيناريو Scenario لأول مرة من قِبَل الروائي وكاتب النصوص السينمائية Leo Rosten عندما وجد مجموعة من الفيزيائيين تفتش عن اسم يصف البدائل للكيفية التي يمكن أن تتصرف بها الأقمار الصناعية، وكلمة سيناريو Scenario كلمة مترجمة من الإيطالية تعني وسيلة للتخطيط الاستراتيجي الذي يستخدمه الفرد أو المجموعة لإعطاء مرونة لخطط طويلة الأمد، وتعني التكيف والتعميم للأساليب التقليدية بربطها بالحاضر والمستقبل.

ويرى الدكتور حسن شحاتة (201٦) أن السيناريو عملية إدراك للمشكلات والقدرة على صياغة فرضيات جديدة والتوصل إلى ارتباطات جديدة باستخدام المعلومات المتوفرة، والبحث عن حلول وتعديل الفرضيات وإعادة صياغتها عند اللزوم ورسم البدائل المقترحة، ثم تقديم النتائج في آخر الآمر. وتتطلب هذه العملية التساؤل والبحث عن الغموض، والتقصي والخيال لتجسيد التفكير في صورة ذهنية أو رسوم أو أفكار، حيث " تتم ملاحظة الماضي واسترجاع آثاره لدراسة الحاضر، واتخاذ ذلك نقطة بدء لدراسة المستقبل ".

ويعتمد التعلم القائم على السيناريو على الفلسفة البنائية التي تؤكد أهمية ميول المتعلمين وخبراتهم السابقة، وعلى أن المتعلم هو محور الموقف التعليمي والتدريبي، وأن عملية التعلم تحدث عندما يقوم المتعلم ببناء معرفته بنفسه، فالتعلم يقوم على ما يصنعه الطالب من روابط بين ما اكتسبه من معارف ومعلومات، وتطبيقاتها الحياتية، ويذكر (Ultay) أنه عند ربط المعرفة الجديدة بالمعرفة السابقة للمتعلم وربط المعرفة بسياقات الحياة اليومية يصبح التعلم ذا معنى ويكتسب المتعلمون المعرفة من خلال الاكتشافات والاستنتاجات من خلال عملية الربط.

وتتمثل فوائد استخدام أنموذج التعلم القائم على السيناريو في قدرته على تحقيق جملة من النتائج الإيجابية بالنسبة للطالب المعلم منها تفعيل المنحى التكاملي من خلال الربط بين المعارف والنظريات والحقائق والسياقات الواقعية، ودعم عملية اتخاذ القرار الاستراتيجي للأداء في المستقبل واستكشاف النتائج والآثار المحتملة والسياسات التدريسية المستقبلية ، وترقية مهارة المتعلمين على تطوير المهارات والكفايات الاتصالية وممارستها بصورة وظيفية، وتشجيع المعلمين على التطوير المهني الشخصي والأكاديمي والاندماج في بيئة التعلم، وأخيرًا خلق بيئة تعليمية تفاعلية وتعاونية يعمل فيها الطلاب في وضع واقعي تتيح لهم إدارة الوقت بشكل جيد مع زيادة فرص التغذية الراجعة لهم.

ولقد أبرزت نتائج الدراسات والبحوث السابقة التي تناولت واستهدفت استخدام وتوظيف أنموذج التعلم القائم على السيناريو النتائج الإيجابية التي ارتبطت بالاستخدام في تنمية الأداء التدريسي وكفايات التدريس اللازمة، والتحصيل، وتحسين الكفاءة اللغوية، وتنمية مهارات اللغة والتفكير وحل المشكلات، حيث أبرزت فاعلية استخدام التعلم القائم على السيناريو في رفع الاستعداد الوظيفي للطالب المعلم، وتحسين الكفاءة الذاتية، وزيادة وعي متعلمي اللغة واستخدامهم لاستراتيجيات تعلمهم بكفاءة، والمساهمة في الاستدعاء السريع للمعلومات وذلك من خلال التطبيقات المتعددة للتعلم القائم على السيناريو والتي حددها الباحثون في التعلم القائم على الحالة، والتعلم القائم على السياق، والتعلم القائم على المشكلة، والسيناريوهات القائمة على المهارات، والسيناريوهات التخمينية.

ويمكن عرض هذه التطبيقات كالآتي:

1 ـ التعلم القائم على المشكلة Problem Based Learning: يتم في هذا التطبيق من التعلم توجيه المتعلمين إلى اكتساب المعرفة اللازمة لحل المشكلة، وقد تكون المعرفة الجديدة المكتسبة خلال حل المشكلة أكثر أهمية من المشكلة ذاتها، وهذا النمط يعد فرصة حقيقية مباشرة لاكتساب مهارات التفكير التأملي من خلال البحث عن المعلومات والبدائل والتحقق من الاحتمالات وتقييم النتائج.

2 ـ التعلم القائم على المشروع Project Based Learning: يركز هذا النمط من التعلم على تقديم منتج نهائي، ويتم فيه التركيز على تطبيق واستيعاب المعرفة المكتسبة سابقا.

3 ـ التعلم القائم على الحالة Case Based Learning: يتم في هذا النوع من التعلم تقديم حالات متعددة مرتبطة بموضوع الدرس إلى المتعلمين والتدريب عليها والتعامل معها عن قرب.

4 ـ التعلم القائم على السياق Context Based Learning : يتم في هذا النمط تقديم المعرفة للمتعلمين والتدريب عليها من واقع حياتهم التي يعايشونها وبخبرات حقيقية يمرون بها، والمعرفة التي يتم بناؤها في الوقت الحاضر هي نتاج التفاعل والترابط بين المعلومات والنشاط الفعلي والأدوات المستخدمة والسياق والأسس الثقافية.

5 ـ السيناريوهات القائمة على المهارات Skills Based Scenarios: تتطلب هذه السيناريوهات من المتعلمين إظهار معارفهم عمليا من خلال إنتاج أو تنفيذ مجموعة من الإجراءات والمهارات النوعية المرتبطة بتخصصاتهم الأكاديمية.

6 ـ السيناريوهات القائمة على التخمين Guessing based Scenarios: وفيها يسمح للمتعلمين بإبداء الرأي وتكوين الفرضيات حول مجموعة من الأحداث الماضية أو الحالية أو المستقبلية من المعلومات المعطاة والتي تم البحث عنها. ويطلق على هذا النمط سيناريوهات التوقع Predictive Scenarios بحيث إتاحة الفرصة للمتعلمين بالتنبؤ للإجابة عن تساؤل (ماذا سيحدث لو ؟).

ـ مشكلات تعليمية مستدامة:

وبالرغم من التأكيد على أهمية إعداد الطالب المعلم المتأمل الذي يخطط لأدائه التدريسي بصورة متميزة ترتكز على المعرفة السابقة والنظريات المعاصرة، ويراقب ويقيِّم أسلوبه في العمليات والإجراءات والخطوات التي يقوم بها لاتخاذ قرار صائب بشأن تحقيق أفضل بيئة ممكنة للتعلم بما يحقق النواتج التعليمية المرغوب فيها، إلا أن الواقع يفي بعدم وعي الطلاب المعلمين بمكانة وأهمية الأداء التدريسي التأملي ومهاراته، فضلا عن عدم وجود مقرر أو برنامج تدريبي بمرحلة الليسانس يستهدف تدريبهم بكليات التربية على التدريس التأملي.

فالطلاب المعلمون يتلقون خلال برامج إعدادهم بكليات التربية دراسة عدد من موضوعات ونظريات التدريس والتعلم، لكن المشكلة التي تواجه هؤلاء الطلاب (معلمي المستقبل) أن بعضا منهم لا يدرك الأهمية العملية لتعلم تلك الموضوعات والنظريات على النحو الصحيح؛ بحيث يستطيعون توظيفها لحل المشكلات التعليمية أو السلوكية التي قد تواجههم في الميدان العملي، ولم يمنحوا فرصا حقيقية لتطبيق أو ترجمة المحتوى النظري الأكاديمي لواقع عملي ملموس. وربما ترجع أسباب ضعف الطلاب المعلمين في امتلاك مهارات الأداء التدريسي التأملي وفق شكوى القائمين على تدريس مقررات طرق التدريس والتدريس المصغر لهم إلى عدم رسوخ مفاهيم الأداء التدريسي التأملي في أذهانهم، وعدم اتخاذهم قرار بشأن اعتماد مجموعة من الاستراتيجيات والإجراءات في تخطيطهم وتنفيذهم للدروس.

ولعل أكثر مظهر من مظاهر ضعف برامج إعداد معلم اللغة العربية بكليات التربية التباعد بين ما يدرسه الطالب في مدرجات الجامعة وما يمارسه بالفعل داخل جدران الفصول، وأشار إلى أنه يستلزم إيجاد هذه العلاقة أن نحدد على وجه الدقة ما ينبغي أن يكتسبه المعلم من مهارات تدريسية في ضوء ما يمارسه داخل الفصل، لذلك تعالت الصيحات في ميدان إعداد معلم اللغة العربية مطالبة بإعادة النظر في برامج هذا الإعداد.

وبرغم أهمية الأداء التدريسي التأملي وضرورة التدريب على مهاراته بالنسبة للطلاب المعلمين لاسيما طلاب شعبة اللغة العربية، إلا أن معظمهم يعتمدون على خبرتهم الشخصية التي تبدو محدودة بحكم سنوات الخبرة والتجارب الواقعية عندما تواجههم مشكلة تدريسية مع طلابهم في أثناء التدريب الميداني، وينأون بأنفسهم عن استشارة أقرانهم من الطلاب أو الأساتذة المتخصصين في طرائق التدريس، ويعتمد كل منهم على طريقته التي اعتاد عليها وألفها دون أن يخضع نفسه لعملية مستمرة من التقويم الذاتي والملاحظة المستدامة للمواقف التدريسية التي يمر بها.

ـ الأداء التدريسي التأملي:

يشير مفهوم الأداء التدريسي إلى أنه مُنجزٌ ناجِمٌ عن ترجمة المعرفة النظرية وتطبيقها إلى مهارات وعمليات وأداءات إجرائية وذلك من خلال الممارسة الإجرائية العملية والتطبيقية لنظريات التدريس، وتتحقق تلك الممارسات من خلال الخبرات الشاملة المكتسبة في مجال تخصص المتدرب، وتتم هذه الممارسة وفق ضوابط ومعايير إجرائية محددة يؤدي توافرها إلى تحقيق الجودة الشاملة في التنمية المهنية المستدامة.

وهذه السلوكيات التدريسية يمكن ملاحظتها وقياسها، ويتوقف مستوى الأداء التدريسي على الخلفية المعرفية والنظرية للمعلم، فضلا عن أن هذه الممارسات جزء أصيل من المكونات الرئيسة للمهارة، ومن ثم لا يمكن قياس المهارة إلا في ضوء هذه المؤشرات والممارسات الجزئية.

ويعد التدريس التأملي استجابة تربوية لمتطلبات معلمي المستقبل كما يوضح (Souto & Dice) من أن أهم مقتضيات التنمية المهنية والأكاديمية الاعتماد على الممارسات التأملية في أثناء التدريب على التدريس قبل الخدمة، والتي تؤدي بدورها إلى المساهمة في تغيير السلوك التدريسي والمواءمة بين النظرية والتطبيق. وهذا ما دفع (Boxley) للتأكيد على أهمية الممارسة التأملية للمعلم وضرورة تدريب معلمي قبل الخدمة عليها؛ حيث إنها تُكسب المسئولية وتحقق الالتزام الذاتي الذي يستهدف تطوير الشخصية التدريسية وتحسينها. لذلك تُمَثِّل الممارسة التأملية للتدريس فرصة يحصل من خلالها الطالب المعلم على تحليل أنشطته التعليمية لتحسين وتجويد أدائه التدريسي في المستقبل، وتمكينه من فهم تصرفاته الصفية التي تحقق ذاته المهنية، وتلك الممارسات بمؤشراتها الإجرائية تسهم في مساعدة الطالب المعلم في تبسيط أنشطة التدريس، وتعتبر الممارسة التأملية عجلة دفع رئيسة للتطوير المهني للتدريس.

ولقد تعددت التعريفات وتنوعت للأداء التدريسي التأملي حسب الاستخدام والتوظيف، فيعرفه (Paul) بأنه " الأعمال التي يقوم بها المعلم قبل وأثناء وبعد عملية التدريس، وتتمثل في عمليات التخطيط والتنفيذ والتقويم، وبدونها لا يستطيع المعلم أن يحقق أهداف الدروس بشكل فعال". ويعرف على أنه " سلوك المعلم أثناء مواقف التدريس سواء داخل الفصل أو خارجه وهو الترجمة الإجرائية لما يقوم به المعلم من أفعال، واستراتيجيات في التدريس أو في إدارته للفصل أو مساهمته في الأنشطة المدرسية أو غيرها من الأعمال أو الأفعال التي يمكن أن تسهم في تحقيق التقدم تحصيل التلاميذ".

ويرى (Brent) الأداء التدريسي التأملي " القدرة على التأمل والتفكير الناقد الإيجابي الذاتي والمستمر للممارسات والإجراءات التدريسية التي ينفذها المعلم؛ بهدف تحسين وتطوير هذه الممارسات والإجراءات".

ويُقصد بالأداء التدريسي التأملي أنه " ممارسات الاستفسار أو الاستبصار التي يقوم بها المعلم في أثناء تحركاته وأنشطته داخل الموقف التعليمي؛ لتحديد المسارات الخطأ على مستوى البنية المعرفية أو في الممارسات التدريسية ومعالجتها (Carey). ويعرفه (Goker) بأنه "قدرة المعلم على الانخراط في الممارسة التأملية للتدريس في دورة مستمرة من التخطيط والمراقبة والتقييم الذاتي من أجل فهم ممارساته وردود افعال التي تصدر منه أثناء عملية التدريس".

وفي ضوء استقراء التعريفات المتنوعة لمفهوم الأداء التدريسي التأملي، يمكن تحديد بعض الخصائص التي تميز المفهوم عن غيره من المفاهيم المتعلقة بعملية التدريس، منها ما يلي:

1 ـ مجموعة من الآليات والمناشط التي يتم استخدامها وتوظيفها بتتابع محدد وبتوجيه من المعلم لتأمل الموقف الصفي لبناء تصور ذهني صحيح حول المعرفة التدريسية.

2 ـ مجموعة من العمليات العقلية والممارسات الأدائية التي يقوم بها المعلم بغرض التفكير في هذه الممارسات وتأملها وتحليل استجاباته وتفاعلاته مع المتعلمين.

3 ـ ترجمة العمليات والاتجاهات والمعارف إلى سلسلة من الأفعال والإجراءات التطبيقية العملية.

4 ـ مجموعة من الأداءات التدريسية التي ترتكز على مراجعة الخبرات السابقة وتكون قابلة للملاحظة والقياس والتطبيق وفق معايير وضوابط محددة تعكس عملية التأمل التي يقوم بها المعلم.

5 ـ مجموعة من السلوكيات التدريسية المستندة إلى خلفية معرفية ومتطلبات قبلية مهارية ترتبط بعناصر الموقف التدريس التي تعد ضرورية وتعبر عن جودة أداء المعلم وكفاءته.

6 ـ الفحص الناقد للممارسات التدريسية من منظور شخصي (المعلم) ومن منظور الآخرين؛ حيث يتضمن تفكيرا دقيقا وواعيا للاختيارات التدريسية التي يقوم بها المعلم.

7 ـ وعي المعلم بمعتقداته وخبراته ورؤاه حول عملية التدريس والعوامل والدوافع التي تؤثر على أدائه داخل الفصل.

ـ مكونات الأداء التدريسي التأملي:

يتمثل الأداء التدريسي التأملي في ثلاثة مكونات رئيسة؛ المكون المعرفي، والمكون المهاري، والمكون النفسي. والمكون المعرفي يتمثل في محتوى المهارة أو المؤشر الذي يشتمل على مواصفات المهارة التدريسية، وكيفية أدائها النفسي والتربوي، ومدى مناسبتها للمتعلمين، ولأهداف المقرر الدراسي ومحتواه المعرفي، إلى جانب مواضع استخدامها في الموقف التدريسي نفسه. بينما يتمثل المكون المهاري في أسلوب المعلم لأداء مهارة التدريس وتنفيذ الأساليب المناسبة لها خلال الموقف التعليمي، والتي تتناسب مع أهداف المقرر الدراسي، وطبيعته، بما يساعد على تحقيق تلك الأهداف وتشجيع المتعلمين وتحفيزهم على التعلم. بينما يشير المكون النفسي إلى رغبة المعلم في تعلم المعرفة التدريسية المطلوبة والمرغوبة، وإحساسه بأهميتها في تطويره المهني، وفي أدائه الصفي، ومدى اقتناعه بضرورة اكتسابه لتلك المهارات بُغية نموه المهني المستدام.

ـ خصائص الأداء التدريسي التأملي الجيد:

يمتاز الأداء التدريسي التأملي الجيد بجُملةٍ من الخصائص التي يجب أن يكون الطالب المعلم على درجة من الوعي بطبيعتها وخصائصها، ويمكن تحديد بعض هذه الخصائص فيما يلي:

1 ـ العمومية: تمتاز مهارات النشاط والتفاعل داخل حجرة الصف الدراسية بالعمومية ومفاد ذلك أن وظائف المعلم ومهامه التدريسية تكاد تكون واحدة في معظم مراحل التعليم التي يقوم بالتدريس لها وربما في كل المواد الدراسية أيضا؛ لأن طبيعة التدريس متشابهة إلى قدر كبير.

2 ـ عدم الثبات: تبدو مهارات التدريس غير ثابتة بل تتأثر بعوامل التطور التي تدفعها إلى التحسين والتجويد، كذلك تطور المفاهيم التدريسية الخاصة بعمليتي التعليم والتعلم.

3 ـ التداخل: السلوك التدريسي التأملي الذي تعبر عنه المهارات والمؤشرات هو سلوك معقد ومركب وبالتالي من الصعب فصل بعض المهارات التي ترتبط بكل عنصر رئيس من عناصر التدريس عن غيره بسبب التداخل الحاصل بين هذه المهارات، لذا تم تقسيمها إلى مهارات رئيسة (التخطيط ـ التنفيذ ـ إدارة الصف ـ التقويم) ومهارات ومؤشرات فرعية.

4 ـ القابلية للتعلم: مهارات الأداء التدريسي التأملي قابلة للاكتساب والتعلم من خلال النمذجة وتعرف الخبرات السابقة والتدريب المباشر على استخدامها.

5 ـ الفحص الناقد: يتطلب الأداء التدريسي التأملي فحصا ناقدا مستمرا للممارسات التدريسية والإجراءات التي يقوم بها الطالب المعلم في أثناء تدريبه، وتعزيز خطوات التقدم نحو الأهداف التعليمية المرجوة في إطار مستوى معين قائم على الوعي بطبيعة المواقف التدريسية وخصائص المتعلمين.

6 ـ الدائرية: يعد الأداء التدريسي التأملي عملية دائرية مرنة يقوم فيها الطالب المعلم من خلالها بإعداد المخططات التدريسية ومراجعتها في ضوء فلسفة التدريس التأملي، وتنفيذ وتقييم عمليات التدريس ومهامه بشكل تأملي والممارسات التدريسية التي يقوم بها.

7 ـ الوعي المستدام: الممارسة التأملية للتدريس تفترض أن يعي الطالب المعلم ممارسته الحالية للتدريس والمعتقدات التي يقوم عليها، وأن يستبصر الممارسة الجديدة التي يقتضيها التدريس التأملي.

ـ مبادئ الأداء التدريسي التأملي:

1 ـ المعرفة السابقة لدى الطلاب المعلمين يمكن تعوق أو تعزز الأنشطة وعمليات التعلم، لذا يجب دعم الطلاب المعلمين في تأملها وفحصها ومن ثم تصحيحها وفق التصورات الذهنية الصحيحة.

2 ـ تنظيم الطالب المعلم للمعرفة وتحديد أنماط معالجتها بصورة إجرائية قابلة للقياس والملاحظة.

3 ـ بناء الدافعية لدى الطالب المعلم تحدد وتوجه استمراريته في اكتساب واستخدام مهارات الأداء التدريسي التأملي بكفاءة وفاعلية.

4 ـ تجزئة المهارات التدريسية التأملية إلى مهارات فرعية ومحاكاتها وتأملها من جانب الطالب المعلم نفسه ومن جانب أقرانه.

5 ـ التدريبات المتمركزة على الأهداف ونواتج التعلم المقصودة مصحوبة بالتغذية الراجعة تدعم جودة تعلم مهارات الأداء التدريسي التأملي وإتقانها.

هـ ـ مهارات الأداء التدريسي التأملي:

ثمة ملامح رئيسة تحدد مهارات الأداء التدريسي التأملي والتي تتمثل في مراعاة متغيرات التدريس الأساسية مثل الوعي بخصائص المتعلمين، والتمكن من المحتوى اللغوي المعرفي، وإدراك أهداف التعلم ونواتجه بعناية ودقة، كذلك الإحاطة المتميزة باستراتيجيات التدريس المناسبة والمعاصرة والتي يمكن توظيفها في التفاعل مع المتعلمين داخل حجرة الدراسة، فضلا عن مراعاة الطالب المعلم لمراحل التدريس الاستراتيجي التي تتضمن التهيئة للتعلم، وكيفية عرض وتقديم المحتوى ومدى مشاركة المتعلمين وطرائق التفاعل معهم، وصور الاندماج بين الطلاب وأنفسهم وصولا إلى تحقيق التعلم الاستقلالي لهم، وصولا إلى تقويم نتائج التعلم ومتابعتها من أجل التطوير والتحسين.

كما أن مهارات الأداء التدريسي التأملي التي يجب أن تتوافر في الطالب المعلم (تخصص اللغة العربية) ينبغي أن ترتبط ارتباطا وثيقا ببعض كفايات الأداء التدريسي الأساسية والتي تعد من المتطلبات القبلية للتعلم، والتي يمكن تحديدها في التمكن من استثارة دافعية المتعلمين، والقدرة على ربط بين المعارف النظرية والتطبيقية، والقدرة على استخدام أساليب التعزيز والتحفيز، واستخدام واختيار طرائق التدريس واستراتيجياته بما يتوافق مع الموقف الصفي، والقدرة على استخدام وتوظيف تكنولوجيا التعليم في التدريس.

ولقد تعددت الدراسات والبحوث السابقة التي اهتمت بتحديد أبرز مهارات الأداء التدريسي التأملي والتي ينبغي إكسابها للطالب المعلم والعمل على تنميتها، ومعظم هذه الدراسات أكدت أن المقصود بمهارات الأداء التدريسي التأملي المراد تنميتها لدى الطالب المعلم هو شكل من أشكال التعلم الذي يتطلب التأني في التخطيط للتدريس، وملاحظة مواقف التعلم قبل تنفيذها، مع الأخذ في الاعتبار بالخبرات السابقة للطالب المعلم وربطها بالخبرات والتجارب الراهنة والمستقبلية.

وباستقراء الدراسات والبحوث التي اهتمت بتنمية الأداء التدريسي التأملي، يمكن تحديد بعضها فيما يلي:

1 ـ التخطيط للتدريس:

ويقصد به أنه تصور مسبق لما سيقوم به المعلم من أساليب وأنشطة وإجراءات، واستخدام أدوات أو أجهزة أو وسائل تعليمية؛ من أجل تحقيق الأهداف التربوية المرغوبة ويضم مجموعة من المؤشرات والسلوكيات الأدائية منها ما يلي:

ـ التفكير مسبقا في خطوات عرض الدرس اليومي قبل الشروع في إعداد مخطط التدريس.

ـ إعداد خطة تفصيلية لتدريس المحتوى النظري (تتضمن عناصر تحضير الدرس).

ـ تقييم كل عنصر من عناصر خطة التدريس في ضوء معايير جودة هذه العناصر.

ـ مراجعة خطة الدرس عقب الانتهاء من إعدادها.

ـ مقارنة خطة الدرس مع مخططات بعض الطلاب المعلمين المتميزين.

ـ تقييم مدى جودة عناصر خطة الدرس بعد انتهاء إعدادها في ضوء ظروف التنفيذ الفعلي.

ـ تعرف مدى ملاءمة الوقت المخطط للتنفيذ مع وقت التنفيذ الفعلي.

ـ تدقيق النظر في تحديد احتياجات المتعلمين الفعلية.

ـ التفكير في كافة الاحتمالات الممكنة قبل إصدار أي حكم أو قرار يتعلق بالممارسات التدريسية.

ـ التفكير في وضع حلول مقترحة مسبقا للمشكلات المتوقع حدوثها في الموقف التدريسي.

ـ تحديد الإجراءات التدريسية التصحيحية الممكن اتخاذها في ضوء نتائج مراجعة وتحليل وتقييم الممارسات التدريسية السابقة.

ـ تأمل مدى مناسبة وملاءمة استراتيجيات التدريس المختارة لتحقيق نواتج التعلم المستهدفة.

ـ يصمم أنشطة تعليمية تناسب الفروق الفردية وانماط التعلم بين المتعلمين.

2 ـ التنفيذ:

ـ توظيف أسلوب التهيئة بما يساعد في وضع تصورات المتعلمين وأفكارهم موضع المساءلة.

ـ عرض محتوى الدرس في شكل مشكلات وقضايا تتطلب التأمل لتفسير النتائج في ضوء الأسباب.

ـ مراقبة مدى التقدم نحو تحقيق نواتج التعلم المستهدفة.

ـ تعرف تصورات المتعلمين حول المشكلات والقضايا المطروحة أثناء عرض الدرس.

ـ تعرف خبرات المتعلمين المختلفة للبناء عليها وتوفير فرص تعليم ذي معنى.

ـ مراقبة مدى النجاح في افتتاح الدرس وجذب انتباه المتعلمين نحوه.

ـ مراجعة جدوى استخدام الوسائل التعليمية التي تم استخدامها.

ـ تعرف مدى ملاءمة أنشطة الدرس للمتعلمين في ظروف التنفيذ الفعلي.

ـ غلق الدرس بربط عناصره وأنشطته وأساليب التقويم المستخدمة لنواتج التعلم المستهدفة.

ـ توظيف التغذية الراجعة في اتخاذ القرار المناسب بشن عمليات التعلم.

3 ـ إدارة الصف والمتابعة:

يقصد بها مجموعة من الأنشطة التي يقوم بها المدرس داخل الصف لتنمية السلوكيات المرغوب فيها، وحذف السلوكيات غير المرغوبة لدى التلاميذ وتكوين علاقات إنسانية صحيحة معهم وفيما بينهم؛ بهدف تحقيق جو اجتماعي إيجابي فعال ومنتج، وتضم مجموعة من المؤشرات والسلوكيات الأدائية منها ما يلي:

ـ تعرف مدى مناسبة تنظيم الفصل لاستراتيجيات وأهداف التدريس.

ـ يستخدم أساليب إدارة الصف التي تشجع التحكم الذاتي وتدعم المسئولية لدى المتعلمين.

ـ تجنب إصدار الأحكام على أداء المتعلمين قبل مراجعتها وتحليلها.

ـ توجيه الطلاب إلى البحث عن مسببات الأشياء والظواهر المدروسة.

ـ مراقبة جدوة التواصل مع المتعلمين في أثناء التدريس.

ـ مراعاة الفروق الفردية وأنماط التعلم المختلفة بين المتعلمين داخل الفصل.

4 ـ التقويم ومتابعة نتائج التعلم:

ويقصد بالتقويم أنه العملية التي ترمي إلى معرفة النجاح أو الفشل في تحقيق الأهداف العامة التي يتضمنها المنهج، وتحديد نقاط القوة والضعف به، حتى يمكن تحقيق المنشودة بأحسن صورة. ويضم مجموعة من المؤشرات والسلوكيات الأدائية منها ما يلي:

ـ تحديد مواطن القوة والممارسات التدريسية في ضوء نواتج التعلم المستهدفة.

ـ تصنيف مواطن القوة في الممارسات التدريسية وفقا لمهارات التدريس الرئيسة.

ـ تحديد مواطن الضعف في الممارسات التدريسية في ضوء نواتج التعلم.

ـ تقييم مدى تطور الأداء التدريسي من خلال عقد المقارنات بين الممارسات التدريسية التي تم تنفيذها.

ـ تحديد مدى الاتساق بين التصورات عن التدريس وبين الممارسات التدريسية الفعلية.

ـ تحديد مدى الاتساق بين التصورات عن التدريس وبين الإجراءات التصحيحية الممكن اتخاذها.

و ـ قياس الأداء التدريسي التأملي وتقويمه:

لا يمكن اعتبار عملية تقويم أداء الطالب المعلم مسألة بسيطة، بل هي بالفعل عملية شاقة كونها لا تقتصر على جمع البيانات والمعلومات والشواهد الخاصة بأدائه فحسب، بل تشمل عملية تقويم المعلم تحليلا عميقا ووصفا شاملا لهذا الأداء في ضوء معايير محددة سلفًا، وهذه العملية تتضمن ثلاثة أبعاد رئيسة؛ الأول تحديد مستويات الأداء التي يجب أن يحققها المعلم عند التنفيذ لدرسه، والثاني تجميع المعلومات حول أدائه الفعلي، بينما يشير المكون الثالث إلى تحليل النتائج التي أسفر عنها الأداء الفعلي له. ولقد رصد بعض التربويين المعاصريين في طرائق تقويم المعلّم وأساليبه، يمكن عرضها فيما يلي:

1 ـ مقابلة المعلم: يستخدم هذا الأسلوب عادة للمعلمين حديثي الخبرة التدريسية،، وتبعًا لهذا الأسلوب يوجِّه المقوِّم عددًا من الأسئلة المتنوّعة للمعلِّم، ثم يحلِّل إجابته عنها، ويعتبر أسلوب مقابلة المعلم غير دقيق في تجميع المعلومات الكافية حول أداء المعلم؛ حيث إنه يعتمد بصورة كبيرة على مهارات وكفايات الخبير الذي يُعهد إليه بالمقابلة، فإذا قام أكثر من خبير تقويم بإجراء مقابلة مع نفس المعلِّم، فإن كلّ واحد منهم يخرج بانطباعات تبدو غير ثابتة ومختلفة تمامًا عن المعلِّم، وهذا التبايُن ينشأ بسبب اختلاف الأسئلة التي توجّه إليه، واختلاف الاهتمامات التي يتبعها كلّ واحد منهم، ويؤكِّد عليها، فضلا عن تنوع خبراتهم وتباينها، وربما وجود حالة من التباين في التقويم أيضا قد ينشأ نتيجة الاختلافات في تفسر الاستجابات وتقيِّمها تلك التي تصدر عن المعلم.

2 ـ اختبار كفاءة المعلم: وفي هذا الأسلوب يجيب المعلِّم عن أسئلة اختبار يقيس كفاءاته الذاتيَّة التي تتضمن الكفاءة الأكاديميَّة، والكفاءة التدريسية، والكفاءة الاجتماعيَّة.

3 ـ الملاحظة الصفيَّة: تُعَدُّ الملاحظة الصفيَّة أكثر أساليب تقويم الأداء التدريسي للمعلِّم شيوعًا، وتشير نتائجُ الدراسات والبحوث التي أُجريت في مجال تقويم أداء المعلم إلى أنَّ الملاحظة المنظَّمة التي تُستخدم فيها بطاقات الملاحَظة المقننة تُعَدّ من أكثر أدوات القياس موضوعيَّة لتقويم الأداء التدريسي للمعلِّم؛ كونها تتيح ملاحظة سلوك المعلم وأدائه مباشرة داخل حجرة الدراسة، مما يسهم في معرفة الجوانب الإيجابيَّة والسلبيةَّ في أدائه، وهذا قد يسُاعِد على تطوير برامج إعداده، وتدريبه. ويوجد نظامان يمكن استخدامها في بناء بطاقات ملاحظة وقياس أداء الطالب المعلم في أثناء التدريب على التدريس، وهما:

أ ـ نظام القوائم سابقة الإعداد: ويُستخدم هذا النظام في ملاحظة أداء المعلِّم في أثناء التدريس عن طريق تحديد أنماط السلوك التدريسيّ مُسبَقًا، أي قبل بَدْء عمليَّة الملاحظة في ضوء تصوُّر الأداء، ثم رصد ما يحدث منها داخل حجرة المدرسة، بحيث تُحدَّد وتُصاغ هذه الأنماط في شكل عبارات سلوكيةَّ تتضمَّن الأفعال التي تصدر عن المعلم في أثناء التدريس، ولذلك تصُمَّم بطاقات خاصة تحتوي على عبارات تصف السلوك المتوقَّع من المعلِّم في أثناء عملية التدريس.

ب ـ نظام التصفيات أو المجموعات: يُستخدم هذا النظام في بناء بطاقات ملاحظة أداء المعلِّم في أثناء التدريس، ففيه يُرصَد تكرار الأداء الذي يصدر عن المعلِّم والطالب في أثناء التدريس، ويعتمد في ذلك على بطاقات خاصَّة يصُنَّف فيها أداء المعلِّم والطلبة إلى أنماط نوعيَّة، بالإضافة إلى رصد السلوك المشرك، ويهدف هذا النظام إلى تحديد نمط الأداء الذي يتميَّز به المعلِّم في التدريس حتى يسهل تعرف إيجابياته وسلبياته قياسًا على معاير محدَّدة.

ج ـ نقد الزملاء: في هذا الأسلوب يقوم الزملاء من المعلمين بملاحظة أداء بعضهم البعض من حيث فحص خطة الدرس، ومتابعة المهارات التدريسيةَّ في أثناء الحصة، وأساليب المعلِّم التدريسيةَّ.

د ـ التقويم الذاتيّ: يُعَدّ هذا الأسلوب أحد أهم المصادر لجمع المعلومات عن أداء المعلِّم، حيث إن المعلم يكون على وعي بآماله وتطلُّعاته واهتماماته وإنجازاته والأمور المتعلِّقة به أكثر من وعي الآخَرين بها، ويتطلَّب التقويم الذاتيّ محاسبة النفس، واكتشاف الأخطاء، وتقدير العواقب والنتائج، والتخطيط لعمل أفضل، كما يتطلَّب هذا الأسلوب من التقويم أيضًا نضجًا عقليًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا.

هـ ـ تحصيل الطلاب: وفيه تُستخدم نتائج اختبارات الطلاب التحصيلية، وهي تلك الاختبارات التي تقيس ما حصّله كل طالب في فترة زمنيَّة معيَّنة كدليلٍ على سلوك المعلِّم التدريسي؛ ما يُساعِد على تقويم أدائه، ويتم ذلك في ضوء ترتيب الطلاب أو الفصول الدراسيَّة طبقًا لمعايير معيَّنة.

ويعتبر مدخل التعلم القائم على السيناريو شكلا من أشكال التعلم الخبراتي Experimental Learning الذي يعتمد على وضع المتعلم في موقف تعليمي حقيقي يؤثر على قراراته المهنية، حتى يتمكن من اكتساب المعرفة اللازمة والمهارات التدريسية كما هو الحال في المواقف الصفية داخل حجرة الدراسة.

ولقد ارتبط مصطلح السيناريو بداية بالعمل الفني بشكل عام سواء كان للسينما أو المسرح، وهو في مفهومه العام الفني يمثل الحبكة الدرامية للقصة أو الرواية بتسلسل أحداثها والتصرفات المصاحبة لكل حدث، والمشاهد التي تبرز الحدث أو المفهوم أو الدرس المطلوب توصيله إلى الجمهور. ولقد ظهر المفهوم في صورته التعليمية في أواخر الثمانينيات على يد Roger Schank أحد خبراء الذكاء الاصطناعي وهندسة المناهج النفسية وبناء بيئات التعلم، وقام بتأسيس شركة متخصصة Socratic Arts قامت بتصميم وتنفيذ مبادئ التعلم القائم على السيناريو والتعلم بالممارسة في بعض المدارس والجامعات التعلم بالممارسة، والسماح للمتعلمين والمعلمين بارتكاب الأخطاء في بيئة تعليمية آمنة مع تصويبهم، وقامت الشركة بالعديد من عمليات المحاكاة للمعلمين مدعومة بالقصص والسيناريوهات التنبؤية التي قد تحدث داخل الفصول.

كما يعني التعلم القائم على السيناريو أنه عرض حالة تمثل نموذجا حقيقيا ويقوم الطالب ومجموعة الفصل بدراستها بعمق وتحليلها من خلال المناقشات وجمع المعلومات عنها، وتأمل التفاصيل ودراستها؛ للحكم عليها واتخاذ القرار بشأنها.وهو يعني خطة لمجموعة من الأحداث والتصرفات المتوقعة أو التي يمكن التنبؤ بها، وهو تسلسل لأحداث المستقبل الذي يتضمن عرضا لأحداث الماضي والحاضر.

والسيناريوهات المستقبلية كمدخل تعليمي يعد عملية توليد الكثير من الأفكار وإثارة التساؤلات حول ما تم رصده وتجميعه من حقائق ومعلومات وخبرات سابقة، واستخدام التأمل والعصف الذهني وإمطار الدماغ بهدف وضع تصور مبدئي عما سيحدث في المستقبل.

ويعد استخدام مدخل التعلم القائم على السيناريو أكثر مناسبة للطلاب المعلمين الذين تتوافر لديهم بعض الخبرة السابقة والمتطلبات القبلية بالموضوعات والمفاهيم والمهارات المطروحة أمامهم بغرض الاكتساب والاستخدام، وهو يختلف عن التعلم التقليدي ليس فقط كونه يعتمد على الأنشطة التعليمية فحسب؛ بل لأنه يهتم بتدريس الموضوعات غير الروتينية التي تتطلب من المتعلمين البحث والتجريب ومراجعة المعتقدات الذهنية المرتبطة بعملية التدريس نفسها في سياقات حقيقية، وعملية المراجعة هذه تتيح لهم إنتاج تصورات جديدة وأفكار قابلة للتطبيق تساعدهم في على المشكلات التي تعترض عملهم المستقبلي.

كما أن التعلم القائم على السيناريو يتيح للطالب المعلم الخبرة الواقعية الاستكشافية من خلال خوضه لتجارب ومواقف وسياقات تعليمية مقصودة وموجهة ومخططة تماما مثلما يتعرض لها في الواقع الصفي ويقوم بتحليلها وجمع الحقائق والمعلومات والبيانات بشأنها، ومن خلال عمليات الجمع والتحليل والربط بينها وبين خبراته السابقة يمكنه اتخاذ قرار تدريسي سليم وصياغته بصورة دقيقة.

مبادئ التعلم القائم على السيناريو:

يستند مدخل التعلم القائم على السيناريو على مجموعة من المبادئ والفرضيات التي تعزز مستوى ممارسته لتحقيق الأهداف التعليمية ونواتج التعلم المقصودة، وهذه المبادئ ـ جميعها ـ تعتمد على النظرية البنائية التي تؤكد على أن معرفة المتعلم هي بناء له وتتكون من خلال المخططات الذهنية وهياكل المعرفة والممارسات التجريبية لبناء عالم حقيقي موازٍ.

ويمكن تحديد مبادئ استخدام مدخل التعلم القائم على السيناريو في تنمية مهارات الأداء التدريسي التأملي فيما يلي:

أ ـ فحص المتغيرات المحتملة في البيئة الطبيعية والمتغيرات الاجتماعية، مع تحليل الوضع التنافسي و إعطاء نتائج محتملة لكل سيناريو.

ب ـ التنبؤ بسلوك المتعلمين داخل الفصل تحت كل سيناريو وتوظيفهم وتحديد أدوارهم من خلال سيناريو تفصيلي، واختيار السيناريو الذي يحقق أفضل النتائج والتوقعات بصورة سهلة وسريعة.

جـ ـ منح الطلاب المعلمين فرصا لممارسة عمليات العلم ومهاراته مثل الربط والتصنيف والمقارنة من خلال مواقف حقيقية وأنشطة تعاونية.

د ـ مساعدة الطلاب المعلمين على وضع مجموعة من الفرضيات والاحتمالات التي تعزز تعلمهم، مع توفير الخيارات والبدائل لمساعدتهم على اتخاذ قرار سليم.

هـ ـ المشاركة الديموقراطية بين الطلاب المعلمين لمناقشة القضايا الجدلية والموضوعات المتضمنة بالسيناريو؛ بهدف الوصول إلى رؤى متوافقة وقرارات جماعية سديدة.

الفعلي.

وتحدد بويل و روثستين أدوار الطالب المعلم في أثناء اكتساب مهارات التدريس التأملي باستخدام التعلم القائم على السيناريو في الأدوار الآتية:

أ ـ تلخيص الحالة: وهو خطوة ضرورية لكي لا تنحرف المناقشة عن المسار بالاتجاه نحو الجدال وترك الأسئلة الواقعية.

ب ـ تعريف المشكلة: لابد من الاتفاق حول ماهية المشكلة والاتفاق على المعضلات الأساسية قبل التعمق فيها بشكل أكبر.

ج ـ تعرف الحلول الممكنة: ويتم هذا من خلال استخدام المعلومات والأفكار المستمدة من المقرر عبر العصف الذهني.

د ـ تقييم الحلول المقترحة: من خلال وضع قائمة بالمزايا والمساوئ أو بالنتائج الإيجابية والسلبية، ثم صياغة قرارات أو الوصول إلى حلول قد تكون الأفضل عند الممارسة الحقيقية داخل حجرات الدراسة.

ـ خطوات استخدام التعلم القائم على السيناريو:

تعددت النماذج التدريسية التي استهدفت استخدام التعلم القائم على السيناريو وتنوعت بتنوع الأهداف المرتبطة بالاستخدام مثل نموذج Schank(1989)، ونموذج Chermmack (2003)، ونموذج Keough&Shanahan(2008)، ونموذج Chermack (2012)، ونموذج Kuhn&Muller (2014) وهذه النماذج الرائدة تبين كيف يستطيع التعلم بالسيناريو مساعدة الطلاب في بناء مجموعة من التصورات المتسقة والتي يمكن في ضوئها اتخاذ قرار بشأن الأداء التدريسي في المستقبل؛ لغرض تغيير التفكير وتحسين صنع القرار، إلا أن مجمل هذه النماذج اتفقت على خطوط عريضة وإجراءات متماثلة ومتشابهة سواء في التخطيط للاستخدام أو عند تنفيذها، وباستقراء هذه النماذج يمكن تحديد أبرز خطوات وإجراءات استخدام مدخل التعلم القائم على السيناريو في الخطوات الآتية:

أ ـ تحديد النطاق: ويعني التساؤل الذاتي للطالب المعلم من خلال طرحه مجموعة من الأسئلة المرتبطة بالأداء التدريسي مثل: ما المشكلة التدريسية التي ينبغي عليَّ مواجهتها وحلها؟، وماذا أريد أن أعرفه عن مستقبلي المهني؟، والتنبؤ بالتحديات المتوقعة، وهذا يشترط الاتفاق حول المشكلة التدريسية التي يتضمنها السيناريو، كذلك الاتفاق على المعضلات الأساسية قبل التعمق فيها بشكل أكبر. ويشمل تحديد النطاق كإجراء رئيس في التعلم بالسيناريو قرارات المعلم بشأن احتياجات المتعلمين، والأنسب من الأهداف والغايات، كذلك المحتوى الذي سيتم تدريسه.

ب ـ تحليل الاتجاهات: وفي هذا الإجراء يتم رصد وتحليل الاتجاهات المختلفة للمتعلمين واستنتاج مشكلاتهم التي قد تعوق مشاركتهم الصفية، مع استنتاج القيم الصفية السائدة في البيئة التعليمية، ومسح البيئة الصفية الراهنة،وتحليل المعلومات الأساسية المتاحة، والقيام بالعصف الذهني وتوليد أكبر قدر ممكن من الأفكار التي تتعلق برؤى المستقبل، كما يتم في هذه المرحلة توصيف المسارات المستقبلية لخصائص مشكلة تدريسية معينة، ووصف هذه المسارات التي يمكن أن تؤدي إلى وضع تدريسي مستقبلي.

ج ـ صوغ السيناريوهات: ويتضمن هذا الإجراء إعداد قصص سردية عن المستقبل المهني للطلاب المعلمين، والخطوط العريضة لعدة مسارات محتملة تستخدم لتحدي الافتراضات الأساسية لصانعي القرار. ويراعي عند إعداد السيناريوهات الموجهة الاهتمام بالنماذج الذهنية المسبقة للطلاب المعلمين والتي تكونت من خلال خبراتهم السابقة ضمن برنامج الإعداد والتأهيل بكلية التربية في السنتين السابقتين؛ من أجل أن يتأمل الطلاب المعلمون معتقداتهم التدريسية السابقة وبناء معرفة تدريسية جديدة في ضوئها أو تعديلها أو تغييرها من أجل تحسين الأداء التدريسي التأملي.

د ـ تحديد الخيارات: ويتم ذلك من خلال إنشاء خيارات لكل من السيناريوهات التي تم تحديدها، واقتراح تطبيقات التكنولوجيا الممكنة والمتاحة التي يمكن توظيفها في أثناء الاستخدام، وفي هذا الإجراء يتم تحديد الخيارات المتاحة للمشاركين الرئيسين في السيناريو. والمعلم في هذا الإجراء يقوم بتوفير البدائل ويحدد إذا ما كان تخطيط السيناريو قابلا للتطبيق أو مجديا ومدى مناسبته للمتعلمين من أجل انخراطهم فيه.

هـ ـ خيارات الاختبار: ويقصد بها قيام الطلاب بتحديد ومناقشة الآثار المحتملة والنتائج المتوقعة من السيناريو التعليمي، وفي هذا الإجراء يُطلب من المتعلمين استنساخ المعرفة الواقعية البسيطة. ويشمل هذا الإجراء تحديد السيناريوهات التي يمكنها تحقيق أهداف التعلم (تنمية الأداء التدريسي التأملي والكتابة التفسيرية) ومنها: سيناريو قائم على المهارات / سيناريو قائم على حل المشكلة / سيناريو قائم على القضايا التعليمية / سيناريو قائم على التخمين / سيناريو قائم على الألعاب.

وـ ـ خطة العمل: وفيها يتم تحديد الخطوات اللازمة التي ينبغي القيام بها لنجاح السيناريو، كذلك يتضمن هذا الإجراء تحليل الحالة ودراستها بعناية عن طريق المناقشة الجماعية الموجهة في ضوء المعلومات والبيانات المتوافرة. ويعتبر تحسين الأداء هو النتيجة الأولية لنظام التخطيط

ز ـ إدماج الإبداع: ويقصد به تطبيق عمليات التفكير الإبداعي في عملية السيناريو، وخلق سيناريوهات تستدعي مشاركة المتعلمين بإيجابية باستخدام مزيج من تقنيات القصص والصور.

ح ـ العصف الذهني: وهو يختلف عن ما تم في مرحلة تحليل الاتجاهات؛ حيث إن المتعلمين يقومون بتطوير أفكار السيناريو التعليمي نفسه وتحسينه من خلال استخدام الكتابة. ومن خلال العصف الذهني الذي يعتبر محرك الأداء يتم اكتساب المعرفة التدريسية والمهارة المطلوب استخدامها فيما بعد.

ط ـ تلخيص الحالة: في هذا الإجراء يقوم الطلاب بتلخيص خطوات سير التعلم كتابة؛ لكي لا تنحرف المناقشة عن المسار بالاتجاه نحو الجدال وترك الأسئلة التدريسية الواقعية.

ي ـ التقييم: يتضمن تحديد مستوى تعلم الطلاب أثناء وبعد مرحلة التنفيذ، ويشمل الاختبارات والتكليفات الكتابية والقيام بالمشروعات الصفية وإعداد التقارير. أما بالنسبة للطالب المعلم فهو يقوم بتقييم السيناريوهات وصياغة السياسات المستقبلية التي ترتبط بالأداء التدريسي.

لة وسريعة، كذلك منح الطلاب المعلمين فرصا لممارسة عمليات العلم ومهاراته مثل الربط والتصنيف والمقارنة من خلال مواقف حقيقية وأنشطة تعاونية، والعمل على مساعدة الطلاب المعلمين على وضع مجموعة من الفرضيات والاحتمالات التي تعزز تعلمهم، مع توفير الخيارات والبدائل لمساعدتهم على اتخاذ قرار سليم ـ فضلا عن توفير المشاركة الديموقراطية بين الطلاب المعلمين لمناقشة القضايا الجدلية والموضوعات المتضمنة بالسيناريو؛ بهدف الوصول إلى رؤى متوافقة وقرارات جماعية سديدة. وأيضا تحقيق فرص الانخراط النشط والاندماج التام المصحوب بالتأمل عند ممارسة مهارات التدريس؛ لإنتاج تصورات ذهنية جديدة تتعلق بالمشكلة أو الحالة التي يعرضها السيناريو التعليمي، وتضمين السيناريوهات أسئلة مثيرة للتفكير ومشكلات حقيقية مهمة تتصل بالواقع التدريسي الفعلي.

7 ـ تحديد تطبيقات التعلم القائم على السيناريو: قام الباحث بتحديد النماذج التي سيتم عرض السيناريوهات التعليمية في ضوئها من خلال فحص ودراسة أدبيات التربية الخاصة بالتعلم القائم على السيناريو، وكذلك الدراسات والبحوث التي استخدمت مدخل التعلم بالسيناريو، وتمثلت التطبيقات في النماذج الآتية: التعلم القائم على المشكلة ـ التعلم القائم على المشروع ـ التعلم القائم على الحالة ـ التعلم القائم على السياق السيناريوهات القائمة على المهارات، وحرص الباحث على تنوع أنماط التعلم القائم على السيناريو ضمانا لمراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين وتحقيق الإثارة والتنوع في الموقف التدريبي.

8 ـ الوسائل التعليمية المستخدمة في النموذج التدريسي: واشتملت على السبورة الإلكترونية التفاعلية، وبعض الفيديوهات التعليمية من شبكة الإنترنت الخاصة بالمهارات التدريسية التأملية، وبعض الصور التوضيحية.

9 ـ دليل المحاضر لاستخدام التعلم القائم على السيناريو: قام الباحث بإعداد دليل للمحاضر الذي يقوم بتدريس مقرر " طرق تدريس اللغة العربية 1" لطلاب الفرقة الثالثة بشعبة اللغة العربية، يتضمن خطوات إعداد السيناريو التعليمي المتضمن لنواتج التعلم المقصودة، والمحتوى المعرفي، والمشكلة التدريسية المتضمنة في السيناريو أو الموقف التدريبي، وأدوار المتعلم، ومجموعة من التوجيهات العامة لتحقيق أهداف استخدام النموذج التدريسي المقترح المتمثلة في خطوات تنفيذ التعلم القائم على السيناريو، ومصادر التعلم والوسائل التعليمية التي يمكن للمحاضر الإفادة منها، وكذلك التوصيف الدقيق لعملية سير السيناريو التعليمي وفق النموذج التدريسي والذي يشتمل على المكونات الأربعة (المنفذ ـ المعلومات الأساسية ـ الأهداف ـ الأحداث).

10 ـ خطوات التدريس باستخدام التعلم القائم على السيناريو: تمثلت خطوات النموذج التدريسي القائم على التعلم بالسيناريو في تدريس مقرر " طرق تدريس اللغة العربية 1" في الخطوات الآتية:

أ ـ مرحلة تعرف المتطلبات القبلية: وفيها يتعرف المحاضر الخبرات السابقة للطلاب المعلمين عن موضوع المحاضرة ومدى كفاياتهم التدريسية الأولية في تدريس مهارتي القراءة والكتابة، والوقوف على معتقداتهم الذهنية بشأن المعرفة اللغوية المرتبطة بمهارتي القراءة أو الكتابة، كذلك اتجاهاتهم نحو بعض الأداءات التدريسية.

ب ـ تحديد أهداف التعلم ونواتجه: يقوم المعلم بإعلام الطلاب المعلمين بأهداف موضوع اللقاء (المحاضرة) ويحفزهم لاستنتاج نواتج التعلم المقصودة والتي ينبغي تحقيقها عقب نهاية اللقاء.

ج ـ تقديم المعرفة: وفيها يقوم المحاضر بتقديم المعلومات الأساسية المرتبطة بالموضوع المقرر (تعريف القراءة ـ أهداف تدريس القراءة ـ مستويات القراءة) مستعينا في ذلك باستخدام الأسئلة السابرة والعصف الذهني.

ج ـ التوجيه والإرشاد: وفيها يقوم المحاضر بتوجيه وإرشاد الطلاب المعلمين إلى الأداءات التدريسية النموذجية التي ينبغي أن يقوموا بها في أثناء التدريب الميداني والمتعلقة بتدريس مهارتي القراءة والكتابة، ويمكن للمحاضر أن يطلب من الطلاب المعلمين بنمذجة ما قام به للتحقق من إلمامهم بالمعرفة النظرية للأداء التدريسي.

د ـ غلق المعرفة: يتم في هذه المرحلة غلق المعرفة المرتبطة بالموضوع من خلال تكليف الطلاب المعلمين بتلخيص ما تم تعلمه، ويقوم المحاضر بتقديم التغذية الراجعة وتقديم المعلومات في صورتها النهائية تمهيدا للانتقال إلى المرحلة التالية.

د ـ تقديم السيناريو: وفي هذه المرحلة يقوم المحاضر بتهيئة الطلاب المعلمين لتنفيذ السيناريو التعليمي الذي يتضمن بعض مهارات الأداء التدريسي التأملي في صورة مواقف حقيقية تتصل بالتخطيط للتدريس مثل صياغة الأهداف السلوكية، وقراءة المحتوى وتنظيمه، وكيف يمكن تقديمه بصورة شيقة مثيرة، وكيفية تحديد واختيار استراتيجيات التدريس المناسبة. ويتم في هذه المرحلة استخدام بعض المشاهدات التوضيحية المرئية (فيديوهات تعليمية) التي تساعد في تقديم المهارات بصورة تسهم في اكتسابها. وتشمل هذه المرحلة عمليتين رئيسيتين هما: مرحلة ما قبل التأمل التي تتضمن التهيئة لضمان تفاعل الطلاب المعلمين، ومرحلة التأمل وتتضمن الحوار والمناقشة بين المحاضر والطلاب في المواقف المعروضة. وفي المرحلة ذاتها يتم تكليف الطلاب المعلمين بتسجيل ملحوظاتهم واستفساراتهم عن الموقف التدريسي المتضمن بالسيناريو.

هـ ـ الحوار والمناقشة: يتم في هذه المرحلة تكليف الطلاب المعلمين بتأمل الممارسة التدريسية التي قاموا بها وتسجيل أبرز الملحوظات حول هذه الممارسة، والتعليق عليها من خلال إبراز المزايا والعيوب مع تبرير ذلك.

و ـ تعديل التصورات الذهنية: في هذه المرحلة يتم علاج بعض التصورات الذهنية الخطأ لدى الطلاب المعلمين والمرتبطة ببعض الأداءات التدريسية من خلال تقييم أداء الطالب المعلم ومناقشة الأخطاء التي وقع فيها لبناء صورة ذهنية صحيحة حول المهارة التدريسية.

ز ـ إعادة الممارسة التدريسية: عقب النقد البناء للممارسة التدريسية السابقة، يتم تكليف بعض الطلاب المعلمين بإعادة نفس الممارسة التدريسية المرتبطة بمهارات الأداء التدريسي التأملي؛ وذلك بهدف رفع كفاءة الطلاب المعلمين في إتقان المهارة وتدبر ما يقومون به من مهام تدريسية.

ح ـ التقويم: ويقصد بهذه المرحلة تقويم أداء الطالب المعلم في مهارات التدريس التأملي وتكليفهم بكتابة ملخصات قصيرة تصف وتفسر أدائهم التدريسي ومعتقداتهم الذهنية حول عملية التدريس ومهاراتها.

***

د. بليغ حمدي إسماعيل.

أستاذ المناهج وطرق تدريس اللغة العربية بكلية التربية جامعة المنيا- مصر

الصفحة 1 من 6

في المثقف اليوم