عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

إن الحديث عن ابن رشد بوصفه ناقدا للمتكلمين لا ينفصل عن السياق الفكري الذي تشكّل فيه مشروعه الفلسفي. فقد كان القرن السادس الهجري زمنا تتقاطع فيه التيارات الكلامية مع الفلسفة المشائية، وتتنازع فيه مناهج البرهنة والتأويل، في بيئة ثقافية شهدت توترا بين العقل والنقل، وبين البرهان والجدل. وفي هذا السياق جاءت مؤلفاته وعلى رأسها تهافت التهافت، لا بوصفها مجرد ردّ على نص بعينه، بل كمحاولة لإعادة تأسيس العلاقة بين الفلسفة والدين، بين البرهان والشرع، على نحو يضمن انسجام النظام المعرفي ويمنع الاضطراب المنهجي.

إن بنية الجدل في "تهافت التهافت" تكشف عن قدرة ابن رشد على تفكيك الخطاب الكلامي الذي ساد في عصره، لا من باب نقضه المطلق، بل من جهة بيان حدوده المنهجية. فقد كان المتكلمون – وعلى رأسهم الأشاعرة – يعتمدون على الجدل الكلامي الذي يقوم على قياس الغائب على الشاهد، وعلى استعمال الحجج الجدلية التي لا تبلغ مرتبة البرهان اليقيني. وهنا يبرز نقد ابن رشد؛ إذ يرى أن هذا المنهج على أهميته في إقناع العامة، لا يمكن أن يكون أساسا لبناء معرفة فلسفية يقينية. فالجدل عنده وسيلة خطابية لا أداة برهانية، بينما البرهان هو السبيل إلى الحقيقة.

ولذلك نجد ابن رشد يميّز بين مراتب الخطاب: البرهاني، الجدلي والخطابي. فالفلسفة تتوسل البرهان، والمتكلمون يتوسلون الجدل، والعامة يكتفون بالخطاب. هذا التمييز المنهجي ليس مجرد تصنيف معرفي، بل هو تأسيس لنظرية في التواصل الفكري، تجعل لكل مستوى من الخطاب وظيفته ومجاله. ومن هنا نفهم لماذا كان نقده للمتكلمين منصبا على خلطهم بين مراتب الخطاب، إذ كانوا – في نظره – يستخدمون الحجج الجدلية في مواضع تتطلب البرهان، مما يؤدي إلى اضطراب النتائج.

وإذا تأملنا بنية الجدل في "تهافت التهافت"، وجدنا أنها تقوم على استراتيجية مزدوجة: تفكيك حجج الغزالي في "تهافت الفلاسفة"، وإعادة بناء الموقف الفلسفي على أسس برهانية. فابن رشد لا يكتفي بالاعتراض على المتكلمين، بل يسعى إلى بيان أن كثيرا من الاعتراضات التي وجهوها إلى الفلاسفة ناتجة عن سوء فهم لمقولات الفلسفة. فهو يرفض القراءة الجدلية للفلسفة التي تتعامل معها بوصفها خطابا منافسا للدين، ويقترح قراءة برهانية ترى الفلسفة أداة لفهم النظام الكوني الذي خلقه الله.

ومن هنا يتجلى عمق مشروعه، إنه لا يسعى إلى إلغاء الكلام ولا إلى استبدال الفلسفة بالدين، بل إلى ترتيب العلاقة بينهما على نحو يضمن لكل منهما مجاله. فالدين عنده مصدر للحقائق الإيمانية التي تهدي الإنسان، والفلسفة أداة لفهم تلك الحقائق على مستوى البرهان. أما الكلام فهو خطاب جدلي يخدم أغراضا تعليمية وإقناعية، لكنه لا يصلح أساسا لبناء معرفة يقينية.

هذا التصور يضع ابن رشد في موقع فريد داخل التاريخ الفلسفي الإسلامي؛ إذ لا يمكن اختزاله في كونه فيلسوفا مشائيا مقلّدا لأرسطو، ولا في كونه مجرد ناقد للمتكلمين. بل هو مفكر يسعى إلى التوفيق بين العقل والوحي، وبين البرهان والشرع على نحو يحفظ لكل منهما استقلاله ووظيفته. وهنا نفهم لماذا كان تأثيره ممتدا إلى الفلسفة اللاتينية في العصور الوسطى حيث تلقى فلاسفة الغرب شروحاته لأرسطو بوصفها مفتاحا لفهم الفلسفة المشائية.

إن نقد المتكلمين عند ابن رشد لا ينطوي على عداء للفكر الكلامي، بل على رغبة في ضبط حدوده المنهجية. فهو يعترف بأهمية الكلام في الدفاع عن العقائد، لكنه يرفض تحويله إلى معيار للحقيقة الفلسفية. وهذا الموقف يعكس رؤية متوازنة؛ إذ لا يلغي الكلام ولا يرفعه إلى مرتبة البرهان. بل يجعله جزءا من النظام المعرفي له وظيفته المحددة.

ولذلك فإن دراسة بنية الجدل في "تهافت التهافت" تكشف عن مشروع فكري يتجاوز حدود النقد الجزئي إلى تأسيس رؤية معرفية شاملة. فابن رشد لا يناقش مسائل كلامية محددة فحسب، بل يطرح سؤالا أعمق: كيف يمكن للعقل أن يفهم الدين دون أن يقع في تناقض معه؟ وكيف يمكن للشرع أن يوجه الفلسفة دون أن يقيدها؟ هذه الأسئلة تشكل جوهر مشروعه وتمنحه راهنية تتجاوز سياقه التاريخي.

أما في يخص نقده للمتكلمين فهو جزء من مشروع أكبر: مشروع إعادة تعريف العلاقة بين العقل والنقل. فهو يرى أن النصوص الدينية تحمل معاني متعددة، بعضها ظاهر للعامة وبعضها باطن لأهل البرهان. وهنا تأتي نظرية التأويل عنده التي تسمح بفهم النصوص على نحو ينسجم مع البرهان العقلي. فالتأويل ليس تحريفا للنص، بل هو كشف عن معانيه العميقة التي لا يدركها الجميع.

وهذا الموقف يضع ابن رشد في مواجهة مع المتكلمين الذين كانوا يميلون إلى قراءة حرفية للنصوص في بعض المواضع، أو إلى تأويلات جدلية لا تقوم على البرهان. فهو يرى أن التأويل يجب أن يكون منضبطا بقواعد اللغة والبرهان، وأن لا يُستخدم لتبرير أحكام مسبقة. وهنا نفهم لماذا كان نقده للمتكلمين منصبا على منهجهم لا على مقاصدهم.

إن بنية الجدل في "تهافت التهافت" تعكس قدرة ابن رشد على استخدام أدوات المتكلمين أنفسهم في نقدهم. فهو يحاورهم بلغتهم ويبيّن مواطن الضعف في حججهم، دون أن يسقط في الجدل العقيم. وهذا ما يجعل كتابه نموذجا للحوار الفلسفي الذي يقوم على الاحترام الفكري لا على التهجم. فهو يختلف مع المتكلمين، لكنه لا ينكر قيمتهم في الدفاع عن العقائد.

إن مشروع ابن رشد يمثل محاولة لتجاوز الانقسامات الفكرية التي سادت عصره. فهو لا يختار بين الفلسفة والكلام، بل يسعى إلى بناء جسر بينهما. وهذا الجسر يقوم على التمييز بين مستويات المعرفة: البرهاني، الجدلي والخطابي. فلكل مستوى وظيفته ولا يجوز الخلط بينها.

إن هذا التمييز المنهجي له آثار بعيدة على الفكر الإسلامي. فهو يسمح بفهم الدين على نحو يراعي اختلاف مستويات الناس: فالعامة يكتفون بالخطاب، والخاصة يتوسلون البرهان، والمتوسطون يستفيدون من الجدل. وهذا التصور يجعل الدين نظاما معرفيا مرنا، قادرا على مخاطبة الجميع دون أن يفقد عمقه.

إن نقد المتكلمين في "تهافت التهافت" ليس مجرد جدل تاريخي، بل هو جزء من مشروع فلسفي يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين العقل والدين. فهو يرفض الجمود الفكري ويدعو إلى استخدام العقل في فهم النصوص، دون أن يؤدي ذلك إلى معارضة الدين. وهذا التوازن هو ما يجعل فكر ابن رشد حاضرا في النقاشات المعاصرة حول العلاقة بين العلم والدين وبين الفلسفة والإيمان.

فإذا كان المتكلمون قد سعوا إلى الدفاع عن العقائد بالجدل، فإن ابن رشد يسعى إلى الدفاع عنها بالبرهان. وإذا كان الكلام يهدف إلى إقناع العامة، فإن الفلسفة تهدف إلى فهم الحقيقة. وبين هذين المستويين تتحدد وظيفة كل خطاب. وهذه الرؤية المتوازنة هي ما يمنح فكر ابن رشد قيمته الدائمة ويجعله أحد أعلام الفلسفة في التاريخ الإنساني.

إن التهافت في اصطلاحه لا يعني مجرد التناقض العرضي، بل هو خلل بنيوي في طريقة بناء الحجة. فالمتكلمون – في نظره – يخلطون بين الضروري والنظري، وبين ما يدركه العقل بذاته وما يحتاج إلى برهان. وهذا الخلط يؤدي إلى نتائج متضاربة؛ إذ يطالبون الفلاسفة باليقين في مسائل هي في طبيعتها قابلة للتعدد التأويلي. وتأتي هنا أهمية التمييز بين درجات اليقين: فهناك يقين البرهان الذي لا يحتمل الشك، ويقين الظن الراجح الذي يكفي في بعض القضايا العملية، ويقين الإيمان الذي يقوم على التسليم. هذا التصنيف لا يلغي أحد المستويات، بل يضعها في سياقها المناسب.

ولذلك يوجّه ابن رشد نقده إلى استعمال المتكلمين للقياس الجدلي في مواضع تتطلب البرهان. فالجدل – وإن كان مفيدا في الإقناع – لا يرقى إلى مرتبة الدليل اليقيني. وقد عبّر عن هذا المعنى حين قال إن الجدل يشبه الخطابة من جهة اعتماده على المقبولات، بينما البرهان يقوم على المبادئ الأولى للعقل. وهذا الفارق المنهجي هو ما يغفل عنه المتكلمون حين يحاولون إثبات قضايا غيبية بأدوات جدلية.

غير أن هذا النقد لا يعني رفض الكلام جملة. فابن رشد يعترف بدوره في الدفاع عن العقائد وتوضيحها للعامة. لكنه يرفض تحويله إلى معيار للحقيقة الفلسفية. فالحقيقة – في نظره – تُدرك بالبرهان، بينما الكلام وظيفة تعليمية. وهنا نفهم لماذا كان يدعو إلى احترام التعدد المنهجي: فالفلسفة تخاطب الخاصة، والكلام يخاطب المتوسطين، والدين يخاطب الجميع. هذا التعدد لا يؤدي إلى الفوضى، بل إلى نظام معرفي متكامل.

وفي سياق تحليل الجدل، يبرز مفهوم التأويل بوصفه أداة لفهم النصوص الدينية على نحو ينسجم مع البرهان. فالتأويل عند ابن رشد ليس تحريفا للمعنى، بل كشف عن دلالاته العميقة. فإذا كان ظاهر النص قد يوهم بالتعارض مع العقل، فإن الواجب هو البحث عن معناه الباطن الذي يرفع هذا التعارض. وهذا الموقف يختلف عن القراءة الحرفية التي تكتفي بالمعنى الظاهر، كما يختلف عن التأويل المتعسف الذي يحمّل النص ما لا يحتمل.

وهنا تتجلى حكمة التمييز بين العامة والخاصة. فالعامة يكتفون بالمعنى الظاهر الذي يهديهم إلى العمل الصالح، بينما الخاصة يبحثون عن المعاني العميقة التي يتيحها التأويل المنضبط. هذا التصور يحفظ للنص الديني هيبته ويمنع تحويله إلى مادة للجدل العقيم. فالدين – في جوهره – دعوة إلى العمل والأخلاق، لا إلى النزاع الفكري.

ولا يخلو نقد ابن رشد من إشكالات. فقد اتهمه بعض معاصريه بالتقليل من شأن الكلام، وبالمبالغة في الثقة بالفلسفة. إذ كيف يمكن للعقل البشري أن يحيط بالحقيقة المطلقة؟ أليس هناك مجال للغيب لا يدركه البرهان؟ هذه الأسئلة تعكس توترا دائما بين حدود العقل وامتداد الإيمان. فالعقل قادر على فهم النظام الكوني، لكنه لا يحيط بكل أسراره. وهنا تأتي ضرورة التواضع المعرفي.

لكن هذا التواضع لا يعني الاستسلام للجهل. فالفلسفة – في نظر ابن رشد – أداة لفهم العالم، وليست نقيضا للدين. فهي تبحث في الأسباب والعلل، بينما الدين يوجه الإنسان نحو الغايات. وهذا التمييز يسمح بتكامل المعرفتين: فالعلم يفسر الظواهر والدين يحدد القيم. وإذا حدث تعارض ظاهري فإن التأويل هو السبيل إلى رفعه.

إن تحليل بنية الجدل في "تهافت التهافت" يكشف عن رؤية عميقة للعلاقة بين العقل والنقل. فهي ليست علاقة صراع، بل علاقة تكامل. فالنقل يقدم الهداية والعقل يضيء الطريق لفهمها. وهذا التصور يختلف عن المواقف التي تضعهما في مواجهة. فالعقل بلا هداية قد يضل، والهداية بلا عقل قد تتحول إلى جمود. والأهمية تكمن في الجمع بينهما.

وفي السياق التاريخي، كان مشروع ابن رشد استجابة لتحديات عصره. فقد شهد القرن السادس الهجري صراعات فكرية بين الفلاسفة والمتكلمين، وبين مختلف المدارس الكلامية. وكان الهدف من "تهافت التهافت" إعادة ترتيب هذا المشهد على أسس منهجية. فهو لا يسعى إلى الانتصار لفريق على آخر، بل إلى بناء حوار عقلاني. وهذا ما يجعل كتابه نموذجا للفلسفة النقدية.

ومع ذلك لم يلق مشروعه القبول الكامل في عصره. فقد تعرض للنقد والتهميش، بل نُفي في بعض الفترات. لكن أفكاره لم تمت؛ إذ انتقلت إلى أوروبا حيث أثرت في الفلسفة المدرسية. فقد قرأ فلاسفة العصور الوسطى شروحاته لأرسطو واستفادوا من منهجه. وهذا يدل على أن الأفكار العميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان.

وفي العصر الحديث، عاد الاهتمام بابن رشد بوصفه رمزا للعقلانية. فقد رأى فيه بعض المفكرين نموذجا للحوار بين الحضارات. إذ كان يجمع بين الفلسفة اليونانية والتراث الإسلامي، ويبحث عن نقاط التوافق. وهذا ما تحتاجه الإنسانية اليوم، حوار يقوم على الاحترام المتبادل، لا على الإقصاء.

لكن استحضار فكره لا يعني استنساخه. فالعالم المعاصر يختلف عن عصره. ومع ذلك أمكننا الاستفادة من منهجه: التمييز بين مستويات الخطاب واحترام التعدد والسعي إلى البرهان. فهذه المبادئ تصلح أساسا للنقاشات المعاصرة، سواء في الفلسفة أو في السياسة أو في الأخلاق.

إن "تهافت التهافت" ليس مجرد رد على كتاب بعينه، بل هو مشروع فكري يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين العقل والدين. فهو يرفض الاختزال ويدعو إلى رؤية مركبة. فالحقيقة متعددة الأبعاد: هناك بعد عقلي وبعد إيماني وبعد عملي. وكل بعد يكمّل الآخر.

إن نقد المتكلمين عند ابن رشد يهدف إلى تصحيح المنهج، لا إلى إلغاء المضمون. فهو يقر بأهمية الكلام في الدفاع عن العقائد، لكنه يطالب بضبط أدواته. وهذا المطلب ما زال صالحا اليوم؛ إذ تحتاج النقاشات الفكرية إلى منهجية واضحة. فالجدل بلا ضوابط يؤدي إلى الفوضى، بينما البرهان يفتح الطريق إلى الفهم.

إن فكر ابن رشد يمثل دعوة إلى العقلانية المتوازنة. فهي لا تنفي الدين ولا تعادي الفلسفة بل تسعى إلى الجمع بينهما. وهذا الجمع ليس سهلاً لكنه ممكن. فالتاريخ يشهد على قدرة الإنسان على التوفيق بين القيم المختلفة. وإذا تحقق ذلك فإن المعرفة تصبح أداة لبناء الإنسان، لا وسيلة للصراع.

وبذلك يظل تحليل بنية الجدل في "تهافت التهافت" مفتوحا على قراءات متعددة. فهو نص غني بالأفكار، قابل للتأويل. وكل قراءة تضيف إليه بعدا جديدا. وهذا ما يجعل الفلسفة حية: أنها حوار مستمر، لا إجابة نهائية. فالحقيقة تُطلب ولا تُملك. ومن يسعى إليها يجب أن يتحلى بالتواضع الفكري وبالاستعداد للتعلم.

إن إرث ابن رشد يذكّرنا بأن العقل والدين يمكن أن يتعايشا. فالعقل يفهم العالم والدين يمنحه المعنى. وإذا تكامل الدوران تحقق التوازن. وهذا هو جوهر الحكمة: البحث عن الاعتدال والابتعاد عن التطرف. فالحياة الفكرية تحتاج إلى جسور لا إلى جدران. ومن خلال تلك الجسور يمكن للإنسان أن يقترب من الحقيقة ولو لم يبلغها كاملة.

***

د. حمزة مولخنيف

الملخص: يهدف هذا البحث إلى دراسة العلاقة العضوية بين الاستشراق اللاهوتي أو ما يسمى بعلم الآثار التوراتي باعتبار الأخير تجليًا ماديًا له وتاريخ فلسطين ومنطقة الشرق عامة، وبيان كيف وظّفت القوى الاستعمارية هذا العلم (علم الآثار التوراتي) لخدمة المشروع الصهيوني في فلسطين. فمنذ بدايات القرن التاسع عشر، تحوّلت "أراضي الكتاب المقدس" إلى مختبر لتجارب أيديولوجية هدفها إضفاء شرعية تاريخية ودينية على الكيان الاستيطاني عبر فرض قراءة توراتية على الجغرافيا الفلسطينية، وتهميش التاريخ العربي الإسلامي. والتركيز على دور المؤسسات الغربية والبعثات الأثرية - بدعم حكومي وكنسي - في اختلاق سرديات أثرية توراتية قائمة على التلفيق والتحريف، مثل ربط المواقع الفلسطينية بأسماء توراتية مزعومة. وفي الأخير يستعرض البحث جهود عدد من المفكرين، خاصة فاضل الربيعي، في نقد الرواية التوراتية والجغرافيا الدينية المفترضة، من خلال إعادة قراءة النصوص وربطها بجغرافيا اليمن وجنوب الجزيرة العربية.

المقدمة

منذ صدور كتاب إدوارد سعيد الشهير والمؤسس "الاستشراق"، بدأ العديد من الباحثين في الربط بين الاستشراق اللاهوتي وعلم الآثار التوراتي، باعتبار الأخير تجليًا عمليًا للأول، وامتدادًا معرفيًا وأيديولوجيًا للمشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين ولبنان وسوريا. فمنذ نشأته، لم يكن علم الآثار التوراتي مجرد مسعى علمي للكشف عن الماضي، بل جاء لخدمة أجندات لاهوتية واستعمارية، تداخلت فيها الرغبة في تأكيد سردية دينية مع طموحات سياسية توسعية. ويكفي أن اسمه "التوراتي" مما يدل على انحيازه وعدم موضوعيته. إذ يتخذ من نصوص "العهد القديم" مرجعية أساسية، لا باعتبارها نصوصًا دينية عقائدية، بل وثائق تاريخية تعطي الشرعية لمشروع استيطاني امبريالي. فلقد لعب المستشرقون التوراتيون دورًا مركزيًا في صياغة هذا العلم، حيث حوّلوا فلسطين إلى مختبر أثري تُسقط عليه سرديات توراتية لا تؤيدها الأدلة الأركيولوجية، عبر اسقاط جغرافيا التوراة على الجغرافية الفلسطينية بشكل تعسفي، مع إقصاء متعمد لمراحل طويلة من التاريخ العربي والإسلامي. ومن هنا، يسعى هذا البحث إلى تحليل البنية الاستشراقية اللاهوتية التي شكلت الأساس النظري والمنهجي لعلم الآثار التوراتي، والكشف عن دوره في إنتاج رواية مزيفة حول تاريخ فلسطين القديم تخدم أهداف المشروع الاستيطاني الصهيوني. بالإضافة إلى تناول مساهمات عدد من المفكرين المعاصرين الذين واجهوا هذا التزييف، وعلى رأسهم المفكر العراقي الراحل فاضل الربيعي، الذي أهدي هذا العمل المتواضع إلى روحه، إذ شكّل رحيله قبل أشهر خسارة كبيرة لمجال الاستشراق التاريخي ونقد علم الآثار التوراتي. ورغم أن الربيعي لم يكن أول من خاض هذا الميدان – فقد سبقه مفكرون بارزون ككمال الصليبي – إلا أن ما يميز أطروحاته هو جرأتها وعمقها، على الرغم من أنها لم تخلُ من جوانب قابلة للنقد. ومع ذلك، تبقى جهوده من المحطات الفكرية المهمة في تفكيك الهيمنة المعرفية الغربية وتحرير المخيال العربي من أسر السردية الاستعمارية. وبذلك تكمن أهمية هذا البحث في اعتماده على منهج نقدي مقارن، يضع النصوص التأسيسية في مواجهة نصوص مناقضة لها، ويحلل أثر التزييف المعرفي في إنتاج خطاب تاريخي مضلل، مع السعي إلى تفكيك الارتباط بين العلم والهيمنة التوراتية الصهيونية، واستعادة سردية تاريخية أكثر موضوعية واتساقًا مع الواقع التاريخي والجغرافي للمنطقة.

أولا: علم الآثار التوراتي بوصفه تجليًا ماديًا للاستشراق اللاهوتي

لطالما كان التاريخ القديم للمنطقة، وبخاصة تاريخ فلسطين، نقطة تقاطع بين الأبعاد السياسية والدينية، وهذا التقاطع يتجلى بوضوح في "علم الآثار التوراتي" باعتباره تجسيدا عمليا لعلم الاستشراق اللاهوتي. وتعتبر الحقبة الموالية لسقوط الدولة العثمانية في أوائل القرن العشرين العصر الذهبي لعلم الآثار التوراتي وفقا للعديد من الباحثين وفتح الشرق الأوسط أمام البعثات الغربية والتي لم تكن لم تكن مجرد بعثات ذابت طابع أكاديمي بقدر ما كانت بعثات استشراقية استعمارية، أثّرت بشكل عميق في تشكيل السرديات التاريخية وهوية المنطقة. وقد حلت الحكومتان الانتدابيتان البريطانية والفرنسية محل السلطة العثمانية في سوريا-فلسطين والعراق، وتم إنشاء دوائر آثار محلية.[1] غير أن الأصول البعيدة لهذا العلم تعود للاحتلال الغربي لبعض أجزاء الشرق. فقد شكلت حملة نابليون على مصر بداية علم المصريات. وبرز هذا العلم نتيجة نجاح جان فرانسوا شامبوليون في فك رموز الهيروغليفية في 14 سبتمبر 1822. وأدى ذلك إلى زيادة الاهتمام بعلم الآثار. وبناءً عليه، انتشر الاهتمام بشرق الأدنى القديم، أي "أراضي الكتاب المقدس"، في أنحاء أوروبا. وكانت حكومات أوروبا: الدول الألمانية (لاحقًا ألمانيا)، فرنسا، بريطانيا العظمى، وحتى روسيا، حريصة على دعم أي بعثات استكشافية إلى الشرق الأدنى القديم. ونتيجة لذلك، تلقت مصر، وبلاد ما بين النهرين، وفلسطين بعثات أثرية متعددة. ومع مرور الوقت، ترسخ علم الآثار في الجامعات. وساعد على ذلك ميل العديد من الدول لبناء متاحف وطنية منذ القرن التاسع عشر. ومن بين هذه المتاحف الشهيرة المتحف البريطاني.[2]

لقد نشأ علم الآثار التوراتي في سياق تاريخي وسياسي تزايد فيه الاهتمام باستعادة تاريخ "الكتاب المقدس" خاصة من قبل الكنيسة البروتستانتية. حتى أن مصطلح "علم الآثار" في اللغة الإنجليزية ارتبط في بداياته بالمعرفة المتعلقة بإسرائيل القديمة من المصادر الأدبية، ولا سيما الكتاب المقدس. ومع اتساع نطاق الاهتمام ليشمل مناطق أخرى، ابتُكر مصطلح "علم الآثار التوراتي" لتمييز هذا الفرع الذي يركز على الكتاب المقدس. ويُعد اللاهوتي الأمريكي إدوارد روبنسون، الذي زار فلسطين عام 1838 برفقة تلميذه إيلي سميث، الأب المؤسس لهذا العلم. كان هدفه المعلن "استعادة الواقع التاريخي للنص التوراتي، لجعل الكتاب المقدس أكثر إقناعًا وفهمًا"، وهو ما تجلى في كتابه "البحوث التوراتية في فلسطين وجبل سيناء والعربية البتراء". حيث كان لعلم الآثار الغربي (التوراتي) دور كبير في تناول هذا التاريخ وتشكيله تشكيلاً خاصاً. وتكمن خطورة هذا التشكيل في وجود العديد من أوجه الخلل في الأسس التي بني عليه. ومن أوجه هذا الخلل اتخاذ التوراة نطاقاً لدراسة هذا التاريخ..[3]ولم يقتصر هذا التوجه على الأفراد؛ ففي عام 1865، تأسس "صندوق استكشاف فلسطين" (Palestine Exploration Fund) في بريطانيا تحت رعاية الكنيسة الإنجليكانية، بهدف معلن هو "الاستكشاف الكامل والمنهجي والعلمي للأراضي المقدسة، وذلك بغرض توضيح الكتاب المقدس بشكل رئيسي". ومن بين العوامل التي أدت إلى تأسيسه، أولا: نجاح العلماء الغربيين الأوائل في ربط اكتشافاتهم في فلسطين بالكتاب المقدس، مما أثار اهتمامًا جماهيريًا وولّد دعمًا عاطفيًا وماليًا. ثانيا: نشر داروين لكتابه أصل الأنواع والذي اعتُبر هجومًا على الكتاب المقدس، مما زاد الطلب على تأكيد سلطة الكتاب المقدس والبحث في أصول المسيحية. ثالثا: حرب القرم (1853-1856) والتي، رغم أسبابها السياسية، سلطت الضوء على الصراع حول الوصاية الدينية على الأماكن المقدسة في فلسطين.[4]

بدأ الصندوق نشاطه بإرسال تشارلز وارن للتنقيب في القدس عام 1867، حيث وضع حجر الأساس للأعمال اللاحقة في تاريخ وطبوغرافية المدينة. كما قام الفرنسيون بدورهم في التنقيب، إذ استقبل القنصل الفرنسي في فلسطين كليرمون-غانو  (1846–1923) في نفس الفترة. وكان له إسهام كبير في دراسة فلسطين القديمة. ففي عام 1870، تمكّن من الحصول على حجر ميشع (المعروف أيضًا بالحجر المؤابي) من العرب ونقله إلى متحف اللوفر، كما أسهم كثيرًا في مجال التنقيبات وتوثيق النقوش.

وفي عام 1920، تأسست الجمعية الأمريكية لاستكشاف فلسطين، وكان هناك تعاون بينها وبين البريطانيين منذ البداية، حيث تقرر أن تقوم الجمعية الأمريكية بمسح شرق الأردن بينما تقوم بريطانيا بمسح فلسطين الغربية. ومع ذلك، فشلت الحملتان المرسلتان من قبل الجمعية الأمريكية فشلًا تامًا. واصل صندوق استكشاف فلسطين أعمال التنقيب دون انقطاع، ومن نتائج ذلك نشر نتائج الحفريات في أريحا (1913) والسامرة(1924).[5]

وكما رأينا أن نجاح العلماء الأوائل في ربط اكتشافاتهم بالكتاب المقدس في سياق اتسم ببروز علوم اجتماعية جديدة كالأنثروبولوجيا وغيرها ونشر داروين لكتاب "أصل الأنواع" الذي اعتبر هجومًا على الكتاب المقدس، وكذلك حرب القرم التي سلطت الضوء على الصراع حول الوصاية الدينية على الأماكن المقدسة، كلها عوامل غذت هذا الاهتمام والدعم العاطفي والمالي بعلم الآثار التوراتي وبالأراضي المقدسة في الشرق (فلسطين). غير أن الدافع الحقيقي الكامن وراء هذا العلم، والذي لا يمكن تجاهله، هو استخدامه "للتحقق من صحة الروايات التوراتية وكذلك لتبرير احتلال فلسطين". وكذلك لتبرير احتلال فلسطين. وكما رأينا، فإن ذلك يتم إما عن طريق إسقاط الواقع السياسي الحديث — وقت عمل علماء الآثار التوراتيين في فلسطين — على الماضي السحيق، أو من خلال تمجيد الماضي العِبري[6] يتضح هذا في عبارة فريتز ديليتش الذي تساءل عن سبب "بذل جهود في أراضٍ بعيدة، قاحلة وخطيرة؟" وعن "سبب التنافس بين الدول للحصول على حقوق الحفر والتنقيب في هذه التلال المهجورة؟"، ليجيب بوضوح: "هناك جواب واحد لهذه الأسئلة، وإن لم يكن الجواب الكامل، وهو ما يشير في الغالب إلى الدافع والهدف، ألا وهو التوراة". ولقد كان علماء الآثار التوراتيون، وكما يصف فريتز، "يحفرون وينقبون والتوراة في يدهم. فإذا تم الإعلان عن تنقيب في تل فلسطيني لم يتم التحقق من هويته كموقع توراتي استقبل الجمهور هذا الإعلان ببرود، أما حين يقال أن التنقيب سيتم في موقع ذي علاقة بإبراهيم او داود فسيثير الإعلان موجة حماس عارمة تدفع بالمال والصحافة الى الموقع والعاملين فيه. وكلما كان الإعلان " مرتبطا بالبحث أو التنقيب عن شيء خيالي أو أسطوري مثل البحث عن القبائل العشر أو تابوت العهد أو عنزة يوسف الملونة، كانت حظوته بالدعم اكبر". ويبدو أن هذه الملاحظة ظلت صادقة مع توالي السنوات. يقول ويندل فيليبس رئيس بعثة التنقيب الأمريكية في اليمن في أوائل الخمسينات " .. لاقت بعثة سيناء لجمع التبرعات قبولا حسنا، نظرا لعلاقتها بالكتاب المقدس، والأهمية الفائقة المعلقة على تصوير المستندات الدينية، والتي كانت تهم دافعي التبرعات أكثر من كتابة مليوني صفحة عن الآثار القديمة ".[7] وقد أدت هذه التبعية اللاهوتية إلى تحيزات منهجية وتفسيرية عميقة. فكان علم الآثار التوراتي "يهيمن عليه المنهج والتفسير من قبل النصوص التوراتية". وهذا يحيلنا إلى ملاحظة إدوارد سعيد القائلة بأن أغلبية المستشرقين، حتى منتصف القرن التاسع عشر، كانوا من الباحثين التوراتيين الذين كانت معرفتهم بالشرق، معرفة نصية.[8] فالشرق موضوع الدراسة كان عالما نصيا على نطاق واسع، وتم انتاجه عبر الكتب والمخطوطات، وليس عبر العاديات القديمة مثل التماثيل والفخاريات كما هو حال في إنتاج اليونان في عصر النهضة. وحين كان مستشرق يتنقل في بلد اختص به، كان ينتقل وفي ذهنه أحكام مجردة عن "الحضارة" التي يدرسها لا تقبل الإهتزاز، ومن النادر أن اهتم مستشرقون بأي شيء لا يبرهن على مصداقية ومشروعية هذه "الحقائق البالية"، وتطبيقها من دون نجاح يذكر على سكان البلد غير المفهومين، فالنص التوراتي تحديدا، لعب الدور الأكبر في انتاج ماضي شرقنا العربي، فوضع تاريخه ولغاته وفنونه وآثاره المادية في سياقات غربية لا تنتمي إليه بقدر ما تنتمي إلى صورة متخيلة مستمدة من المرويات التوراتية[9]. فالاستشراق خطاب لا يخلق المعرفة بموضوع فقط، بل ويخلق الموضوع ذاته.

الأخطر من ذلك، أن هذا النهج المنحاز أدى إلى تجاهل الأدلة الأثرية التي تناقض الكتاب المقدس أو لا تدعمه على الأقل بشكل كامل. فالكتاب المقدس، بحد ذاته، لم يعد مصدرًا أساسيًا لتاريخ إسرائيل القديمة، فعلى سبيل المثال، تشير الأدلة الأثرية إلى سقوط أريحا في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، أي قبل قرن من زمن يشوع، مما يتناقض مع السرد التوراتي. ومع ذلك، كان التفسير الأثري غالبًا ما يسعى إلى "تدعيم دقته التاريخية" بدلاً من السماح للأدلة بأن تلعب دورًا فعالًا في مراقبة النص التوراتي. وهذا ما يفسر تجاهل أوجه الاختلاف في الاكتشافات التي لا تتوافق مع السرد التوراتي، كما حدث مع ألبرايت في تنقيباته في مدينة ماري. وبعبارة أخرى، كما كتب "برايت": "لا يسمح للأدلة الأثرية بأن تؤدي دوراً فعالاً في مراقبة التقليد التوراتي، بل تُستخدم كأداة دفاعية لتدعيم دقته التاريخية". أما الحقيقة الثانية الناتجة عن هذا الاعتماد المطلق على الكتاب المقدس، فهي أن المواقع التي تعود إلى الفترات الإسلامية المبكرة لم تلقَ أي اهتمام، لأنها لا تدخل ضمن السياق الذي تهتم به "الآثار التوراتية". ومن غير المبالغة القول إن هذه الأماكن لم تُعتبر موضوعات مناسبة للبحث الأثري الأوروبي. [10]

مثل ألبرايت، تمكن "رايت" (1909-1974) من الجمع بين التدريب في الدراسات التوراتية والخبرة في علم الآثار، لا سيما في تصنيف الخزف تحت إشراف ألبرايت. وكان رايت مقتنعًا بأن دور علم الآثار يتمثل في "كشف الأساس التاريخي للإيمان اليهودي-المسيحي، وإظهار كيف أن الوحي قد جاء عبر التاريخ".[11] ويكتب رايت (Wright)، في كتابه "علم الآثار الكتابي ":علم الآثار الكتابي هو نوع خاص من علم الآثار العام، نوع يمكن ممارسته من الكرسي الهزاز (أي دون الحاجة النزول للميدان، بل يكتفى فيه فقط بقراءة الكتاب المقدس). قد يكون عالم الآثار الكتابي نفسه عالم آثار، وقد لا يكون، ولكنه يدرس الاكتشافات الناتجة عن الحفريات ليستخلص منها كل حقيقة يمكن أن تلقي ضوءًا مباشرًا أو غير مباشر، أو حتى غير واضح، على الكتاب المقدس. [...] ومع ذلك، فإن اهتمامه الأساسي لا يكون بالأساليب أو الفخار أو الأسلحة بذاتها، بل يكمن في فهم وشرح الكتاب المقدس. [...] إن الدراسة المكثفة لعالم الآثار الكتابي هي ثمرة الاهتمام الحيوي بالتاريخ الذي زرعه الكتاب المقدس فينا. لذلك، لا يمكننا افتراض أن معرفة التاريخ الكتابي غير ضرورية للإيمان. يجب أن يسير علم اللاهوت الكتابي وعلم الآثار الكتابي جنبًا إلى جنب إذا أردنا فهم معنى الكتاب المقدس"[12].

ولم يقتصر التحيز على الآثار المكتشفة فقط، بل امتد ليشمل الهوية والتاريخ. فقد أهملت المواقع التي تعود إلى الفترات الإسلامية المبكرة بشكل كبير، لأنها "لا تدخل ضمن السياق الذي تهتم به الآثار التوراتية". كما أن استخدام مصطلح "الإسرائيليين" من قبل علماء الآثار التوراتيين غالبًا ما يعني افتراض "تجانس ووحدة ثقافات وهويات إسرائيلية في مختلف السياقات الاجتماعية والتاريخية"، وهو افتراض يتجاهل التعقيدات العرقية والثقافية التي كشفت عنها الأبحاث الحديثة.

هذا التوجه لم يكن محايدًا علميًا، بل كان جزءًا لا يتجزأ من خطاب الاستشراق الذي ناقشه إدوارد سعيد. فالانقسام بين "نحن (المتحضرون)" و" هم (المتخلفون)" يظهر بوضوح في أعمال شخصيات مثل ألبرايت، الذي اعتبر الثقافة الإسرائيلية "الجذر الأساسي للثقافة الغربية" مقابل الثقافة الكنعانية العربية المتخلفة، ورأى أنه "من الطبيعي أن يستبدل الإسرائيليون السكان الأصليين الأدنى مرتبة في فلسطين"، مبررًا بذلك أعمال الإبادة. كما أن هذا الخطاب لم يصنع صورة تمثيلية للأرض في الذهنية الغربية فحسب، بل "اقتلع من الصورة بالقوة المادية والسطوة على مناهج البحث والمعرفة سكانها وتاريخهم المادي والثقافي في الماضي والحاضر، وحولها إلى أرض خالية تنتمي إلى ماضي الغرب البعيد". ومن ثم، رأى علماء الآثار التوراتيون هذا الوضع وكأنه جزء من خطة إلهية. ومن البديهي أن هؤلاء العلماء كانوا يحملون أيديولوجيات سلبية مسبقة تجاه سكان المنطقة. يكتب سيلبرمان "كان يُنظر إلى "السراسنة" في المنطقة غالبًا على أنهم 'ذئاب الجزيرة العربية' – أعداء طبيعيون للحضارة، غير راغبين وعاجزين فطريًا عن تبني حياة الاستقرار". ووفقًا لذلك، اعتبر العلماء الغربيون أن استعادة الأرض إلى حالتها العظيمة القديمة هي واجبهم.[13] وفي ذات السياق نجد أنه في تفسير ألبرایت لعلم الآثار، هناك تمييز حاد بين الثقافة الإسرائيلية (التي اعتبرها الجذر الأساسي للثقافة الغربية) والثقافة الكنعانية. ويمكن الاستشهاد بالعديد من الأمثلة من كتابه "علم آثار فلسطين" فعلى سبيل المثال، كتب:

"نظرًا لأن الثقافة الإسرائيلية كانت من نواحٍ كثيرة صفحة بيضاء عندما غزا الإسرائيليون فلسطين، فقد نتوقع أن يكونوا قد تأثروا بشدة بثقافة أسلافهم الكنعانيين. ومع ذلك، تُظهر الحفريات وجود قطيعة مفاجئة للغاية بين ثقافة العصر البرونزي المتأخر الكنعاني وثقافة العصر الحديدي المبكر الإسرائيلي في تلال فلسطين." وبهذا يكون ألبرايت مثل العديد من علماء الآثار التوراتيين، لا يعمل فقط ضمن سياق الاستشراق، بل كان أيضًا منخرطًا في المشروع الاستعماري في فلسطين، أو بالأحرى في السياسة. ففي مقاله "لماذا الشرق الأدنى يحتاج إلى اليهود"، أظهر دعمه للصهيونية، التي اعتبرها صاحبة الحق السياسي في فلسطين. فاليهود، حسب رأيه، لهم الحق في الأرض نظرًا لروابطهم التاريخية والعاطفية بها.[14] ومن ثم، يرى ألبرایت أنه "من الطبيعي أن 'يستبدل' الإسرائيليون السكان الأصليين الأدنى مرتبة في فلسطين". ويبدو أن هذا الاستبدال، في نظره، يمكن أن يتحقق من خلال القتل، تمامًا كما فعل اليهود القدماء بقيادة يشوع عندما أبادوا السكان الأصليين، أي الكنعانيين.[15] قد يحسب المرؤ أن القضية تتعلق بأرض فلسطين فقط التي كانت بريطانيا تستعد لإستعمارها، إلا أنها تتعلق في الحقيقة بكل الأرض العربية، ويمكن أن تمتد إلى أي أرض تشير إليها المطامع الإستعمارية. فبناء ما يدعونها " اورشليم " الذي يقوم على أسطورة "الغزو" و"إبادة" السكان الأصليين و "الإستيطان" حاضر أيضاً في استعمار أمريكا الشمالية. إذ يقول بروس ترجر: "أصبحت أمريكا أرض كنعان ثانية، أرضاً يأخذها الله من سكانها الأصليين ليعطيها لشعبه المختار الجديد.[16]

فمنذ النكبة الفلسطينية سنة 1948 والخطاب الإسرائيلي يعمل على تمثيل الفلسطينيين وفقا للخطاب الاستشراقي بوصفهم "مخربين" وبصورة تكاد تكون نسخا عن تمثيل هذا الخطاب لسكان أمريكا واستراليا ونيوزيلندا وكندا الأصليين. فهم حسب خطاب الإستشراق في نسخته الصهيونية لدى أمثال ياكوف شيموني وفاشيتس وبيني مورس: "مجتمع بدائي متخلف، لم تكن لديه نزعة قومية متميزة، أما سبب الانهيار السريع للفلسطينيين في العام 1948 فهو عيوب فطرية متأصلة في مجتمعهم. وهي ثلاث مغالطات لا تقوم على استقراء تاريخي بقدر ما تقوم على تمثيل مستعار من جملة تمثيلات استشراقية دأبت على صناعتها الدوائر الإستعمارية لتبرير حروب الإبادة وسرقة أراضي سكان البلاد الأصليين[17].

إن التلفيق والتزوير لم يكونا غائبين عن المشهد الأركيولوجي الفلسطيني. فمن محاولات إثبات توراتية لمواقع فلسطينية، إلى تحريف أسماء معاصرة، بل وحتى انتحال أسماء عبرية مستمدة من التوراة من قبل أشخاص غزوا فلسطين في القرن العشرين، كانت الأهداف السياسية والأيديولوجية هي المحرك. الأمثلة عديدة، كتسمية "اسطبلات سليمان" التي تكررت في أكثر من موقع، أو تحويل اسم قرية "أم القبّس" إلى "لاخيش" من خلال تلاعب لغوي لا يمت للعلم بصلة. فالمبدأ المتبع هو إطلاق اسم توراتي على الموقع، ثم التنقيب واستخراج عاديات تنسب إلى الموقع التوراتي المزعوم. وحين تثار شكوك بعض العارفين من العلماء، ينقل اسم الموقع التوراتي إلى مكان آخر بكل بساطة. وقد حدث هذا كما رأينا في تسمية اسطبلات سليمان التي بعد الكشف عن ضلالها في تل المسلم نقلوها لتطلق على المسجد المرواني في القدس، ومثال دوران المواقع لكيخية التوراتية من مكان الى آخر، يلقي ضوءا ذا معنى على هذا التحايل الذي لا يمكن أن ينطبق عليه إلا اسم المهزلة. المحاولة الثانية لإلصاق اسم لاخيش بتل الدوير في العام 1938 تصلح لاستخراج طرائف ممتعة. فهذا التل أطلقوا عليه اسم لاخيش منذ البداية واقبروا فيه في ضوء هذه القناعة، ليس لسبب سوى اتخاذهم من اسم قرية مجاورة له تدعى " ام القبّس " سببا. فقد أسقطوا من اسم القرية ألف التعريف، كما تسقط عادة في اللغات الأوروبية، فأصبح الاسم " أم لكن " وبتصويت "اكس" على الطريقة العبرية تصبح " لا كيش" ولأن هناك تبادلا بين السين والشين والكاف والخاء بين بعض اللغات التي تدعي سامية، تحول اسم " أم القبّس" إلى "لاخيش" بقدرة فذة من قدرات الجهل والتمدد والتعامل. وفي ضوء هذا الاعتقاد المسبق بأن الموقع أصبح هو موقع لاخيش، قرأ خبير اللغة العبرية نقوشا عثر عليها في التل مكتوبة بالأبجدية الكنعانية (اطلقوا عليها اسم العبرية القديمة !) وبعد ترجمتها خرج هذا الخبير بالنبأ المنتظر: هذا هو بالفعل موقع لاخيش التوراتية.[18] أما كيف حدث ذلك، وماذا كان مصير هذا النبأ، فيرويه بيتر جيمس هكذا: " قرر المنقب جي . لي . ستاركي أن الموقع هو موقع "لاخيش" قبل أن يضرب بمعوله، وهكذا قرر أيضا، بعد أن لاحظ آثار تدمير وحريق في الطبقة الثانية من طبقات الموقع، أن هذا التدمير من عمل الجيش البابلي في العام 587 ق. م. هذا حتى قبل اكتشاف النقوش التي أطلق عليها "رسائل لاخيش" ، وأعطيت هذه النقوش على الفخار للخبير هاري تورشنر فقام هذا فورا بمقارنة أسماء الأشخاص، بعد أن "رممها" وأضاف إليها حروفا من تخميناته، بأسماء واردة في التوراة. واستنتج ان النقوش تعود الى عصر يرميا، النبي البارز في يهوذا خلال الغزوات البابلية. وبدأ وتحت ظل هذا الاعتقاد بالتعرف على أحداث فردية من تلك المذكورة في سفر "يرميا". فالإشارة مثلا في النقش الرابع إلى "اكس" و "عرفة" معا في سياق يوحي أنهما تحت احتلال عسكري، استدعى مقارنة مع إشارات يرميا إلى هاتين المدينتين كآخر مدينتين صمدتا أمام الهجوم الأخير. وتسلم الدفعة عالم الآثار التوراتي " وليم . ف البرايت " فأضاف نقله إلى قراءات تورشنر، وتناول النقش السادس المشلوم والذي نصه كما يلي "مولاي .. ألا تكتب.. فعلت هكذا.. مسلم، وأعاد كتابته فأصبح "والآن يا مولاي هل لك أن تكتب لهم فماذا فعلتم هكذا حتى أورشليم؟" محولا كلمات متقطعة قد لا تكون جملة واحدة في الأصل، إلى ترجمة اعتباطية غرضها إيراد اسم أورشليم[19] فهي ظاهرة شائعة واشد خطراً على المجال العلمي، وخاصة حين يقف وراءها ويروجها "علماء" من ذوي النفوذ الأكاديمي، كما حدث مثلا حين أساء رئيس فريق بعثة فيلادلفيا الأمريكية للتنقيب قراءة نقش مسلة الملك المصري رمسيس الثاني المكتشفة في بيسان (1923)، فجعله يتحدث "عن استخدام" الإسرائيليين" في بناء مدينة هذا الملك، بينما كان النص الأصلي يتحدث عن قبائل العامو والشاسو التي قدمت قروض الطاعة للملك. ومثال ذلك إكمال وليم البرايت في العام 1941 لنص على كسرة فخارية من تل الدوير بزج كلمة "سقوط أورشليم" للبرهنة على تاريخية هذا الحدث وفوق الأرض الفلسطينية أيضاً. الأخطر من هذا أن هذه "القراءات" الزائفة يتم تكرارها في الكتب العلمية والمدرسية حتى بعد الكشف عن ضلالها. في السنوات الأخيرة، اضطرت حتى الدوائر الصهيونية إلى الاعتراف بوجود الكثير من العاديات الملفقة في متاحفها ومتاحف العالم حسب ما أوردته صحيفة هاآرتس الصهيونية ذاتها[20].

ويرافق كل هذا النشاط "الآثاري" و"التاريخي" نشاط عسكري استعماري الذي يحتل الأرض ويرسم الخرائط ويمحو أسماءها، ويلصق بها الأسماء اللاهوتية المتخيلة. وقد كشف أكثر من مصدر عن التزييف الذي أدخله عسكريون وعلماء لاهوت وسياسيون صهاينة على أسماء المواقع الجغرافية والمدن والتلال الأثرية الفلسطينية، والكيفية التي تم بها إلصاق الأسماء التوراتية الغريبة بمعالم هذه الأرض العربية. من هذه المصادر كما كتبه بليونى ميرون بنفنستي عن لجنة تشكلت من تسعة باحثين فور الاستيلاء على النقب الفلسطينية في العام 1949 بأمر من بن غوريون لعبرنة أسماء الأماكن ومعالمها، ويشير إلى أن عمل أعضاء هذه اللجنة كان قد بدأ في العام 1920 حين عين اثنان منهم كمستشارين لحكومة الاحتلال البريطاني في كل ما يتعلق بوضع الأسماء العبرية على خريطة فلسطين بدلا من الخرائط العربية التي كانت قيد الاستخدام. وكذلك التحقيق الذي أجراه توماس تومسن خلال عمله في القدس في العام 1986، والذي كشف فيه عن وجود عمل منظم ودؤوب لتجريد كافة أنحاء فلسطين من أسماء المواقع العربية منذ العام 1948 ووصولا إلى السنوات الأخيرة. ولاحظ عالم الآثار الأيرلندي ماك آلستر منذ وقت مبكر كيف أن بعض معالم القدس التاريخية قد تم الاعتداء على ماضيها، فأطلق الصهاينة على قلعة هيرود اليونانية اسم " قلعة داود" وعلى بوابة الخليل اسم" بوابة يافا" الذي أطلقه الفرنجة، وكلا الاسمين خطأ. ومنذ وقت قريب زعمت أوساط صهيونية أن المسجد المرواني الملاصق للمسجد الأقصى ليس سوى ما يدعونه "اسطبلات سليمان" وبدأت وكالات الأنباء تتداول هذه التسمية، متجاهلة أن هذا الاسم ذاته سبق للمنقبين التوراتيين أن أطلقوه على عمائر في تل المتسلم جنوبي جبل الكرمل، ثم عادت عالمة الآثار البريطانية كاثلين كينيون في آخر محاضرات لها قبل وقت قصير، إلى التأكيد على أن الأخبار المتداولة حول وجود اصطبلات سليمان فيما اصطلح المنقبون التوراتيون على أنها مدينة مجدو التوراتية لا تعدو كونها أخباراً مختلفة [21].

يُعتبر الباحث Weill من أوائل من ربطوا بين التسمية التوراتية "مدينة داود/Ir David" الواردة في سفر صموئيل الثاني (5:9)، وبين كهوف القبور الموجودة في منطقة سلوان، والتي سماها "قبور ملوك بيت داود". وقد شكّل هذا الربط أول محاولة حديثة لإطلاق اسم "مدينة داود" على هذه المنطقة، وهو ما تبنّاه لاحقًا علماء الآثار الإسرائيليون، ليشمل منحدر وادي حلوة وصولًا إلى عين سلوان[22]. في المقابل، كانت التسمية الأكثر شيوعًا بين الباحثين في نهاية القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين هي "تلة الظهور" أو "عوفل/Ophel"، والتي ظهرت في خرائط تلك الفترة، واعتمدت في أبحاث علماء الآثار التوراتيين، باستثناء الجزء الجنوبي من سور المسجد الأقصى باتجاه قمة منحدر وادي حلوة، وحتى حي البستان شمالًا. وقد ركّز علماء الآثار التوراتيون على منطقة سلوان وحي البستان، مستندين إلى الاسم الذي أطلقه السكان المحليون منذ قرون على هذه المنطقة، وهو "البستان". وفسّروه تفسيرًا توراتيًا باعتباره "حديقة الملك" المذكورة في الكتاب المقدس (صموئيل الثاني)، محددين موقعها في ذات المنطقة التي تضم اليوم أكثر من 90 منزلًا فلسطينيًا. ويعتقد المدافعون عن وجود "مدينة داود" أن هدم هذه المنازل سيمكّنهم من استعادة المشهد التوراتي المزعوم وتحويل المكان إلى وجهة سياحية تسرد للزائرين رواية عمرها ثلاثة آلاف عام، وهي رواية بدأتاها في القرن التاسع عشر المؤسسة الكولونيالية، ومن ثمّ دائرة الآثار خلال فترة الانتداب البريطاني (1922-1948)، وتواصلها الآن المؤسسات الأثرية الإسرائيلية.[23]

فكل هذه المحاولات التحريفية للتاريخ الفلسطيني والتي رسخها الاستشراق في علم الآِثار هدفها إلغاء أيّة جوامع ومشتركات تجمع الحضارات التي قامت في منطقتنا، والتي تنزع "العربية" عن شعوبها وخلقَ هويات مصطنعة لبعض البلدان العربية، ودفع العربي إلى التنكّر لنفسه ولأسمائه وتفتيت وطنه إلى هويّاتٍ لا أساس لها إلا في كتب الباحثين الغربيين.[24] ولحسن الحظ، بدأت هذه التوجهات تلقى نقدًا متزايدًا، فظهرت مدارس مثل "مدرسة كوبنهاجن" التي شرعت في "انتقاد العلاقة بين علم الآثار والكتاب المقدس". وأظهرت الدراسات الحديثة، كما يشير توماس ل. طومسون، أن "الحديث عن عصر ذهبي لإسرائيل قديم، بعاصمة اسمها أورشليم، ومملكة تسيطر على منطقة شاسعة... إنما هو صور متخيلة لا مكان لها في أوصاف ماضي فلسطين التاريخي الحقيقي". وأكدت المعطيات الأثرية أن "إمبراطورية داوود وسليمان لم توجد أبدًا". ويضيف: "ليس هناك من أدلة على وجود مملكة موحدة، ولا أدلة على عاصمة في أورشليم، أو أي قوة سياسية متماسكة وموحدة هيمنت على غربي فلسطين ناهيك عن امبراطورية. ولا أدلة على وجود هيكل أو معبد في الفترة التي تتحدث عنها الموروثات التوراتية، ولا يعزي أمر فقدان هذه الأدلة إلى وجود فجوة في معرفتنا ومعلوماتنا عن الماضي، أو أنه نتيجة طبيعية لاعتباطية البحث والتنقيب، بل لأنه لا مكان، ولا سياق، ولا عاديات أثرية، ولا محفوظات تشير إلى وجود مثل هذا الواقع التاريخي، فلا أحد يستطيع الحديث عن عاصمة من دون مدينة، ولا عن دولة بلا سكان، والروايات وحدها لا تكفي، تلك الروايات التي لا يشجعنا ما نعرفه عن أمثالها أنها قصدت أساسا أن تكون تاريخا". وفي مؤتمر للمستشرقين عقد في روما في العام 2003، يقدم الباحث نيلز بيتر لي مش، من جامعة كوبنهاجن، بأن "المعطيات الأثرية أثبتت الآن نهائيا ان إمبراطورية داوود وسليمان لم توجد أبدا[25].

ورغم هذا التحول المهم في الأوساط العلمية الغربية، لا يزال مأزق "علم الآثار التوراتي" بعيدًا عن عناية الباحثين العرب ووعيهم، وما زالوا "غارقين في تكرار مقولاته وتسمياته وفرضياته كحقائق مسلّم بها". فالكثير من الباحثين، عربًا وغير عرب، لا يدركون أن تعبير "الحضارة الإسرائيلية" هو "نتاج خيال خصب لا نتاج آثار ملموسة"، و"ليس سوى عبارة شائعة في خطاب الاستشراق التوراتي، لا أساس له على أرض الواقع".

بناء على ما سبق، يُعد علم الآثار التوراتي مثالًا صارخًا على كيفية استخدام المعرفة وتوجيه البحث العلمي لخدمة أجندات سياسية وأيديولوجية استعمارية. إن فهمنا لهذا التاريخ المعقد يتطلب تجاوز "التصوير المسبق لما يسمى بالهوية اليهودية" الذي كرّسه هذا العلم، ونقد كل أشكال التحايل والتلفيق التي شابت مساره، والعمل على بناء تاريخ لفلسطين القديمة مبني على حقائق علم الآثار والدراسة الجغرافية والاقتصادية والسكانية، بعيدًا عن الافتراضات المسبقة، أو الأفكار المسبقة. فالمهمة ليست فقط اكتشاف المواد الأثرية، بل الأهم هو كيفية تفسيرها بعيدًا عن أي توظيف سياسي لها، لإعادة كتابة تاريخ المنطقة بصورة أكثر دقة وإنصافًا. فلقد منع هذا الهوس التوراتي والخطاب المهيمن على العلماء والباحثين والمؤرخين من صياغة تاريخ لفلسطين القديمة وضلل كل الأبحاث في هذا المجال. وبالتالي يجب على النخب والمؤسسات العربية الرسمية والشعبية التحرر من قيد علم الآثار التوراتي لأنهم بتحررهم من تلك القيود يكسرون الحلقة الفرغة التي يقوم فيها الشرق بتشريق نفسه عن طريق اجترار نفس المقولات الاستشراقية التي تخص تاريخه وهويته. ولكن هل توجد أطروحات مضادة لمخرجات علم الآثار التوراتي؟

ثانيا: أطروحات نقدية للجغرافيا التوراتية ومخرجات علم الآثار التوراتي

ظهرت في السنوات الأخيرة العديد من الأطروحات المشككة في الكثير ممن كان يُعد من المسلّمات في علم الآثار التوراتي وتاريخ فلسطين ومصر القديمة، هو في حقيقته نتاج خيال استشراقي موجه ومتحيّز، أكثر منه معرفة علمية محققة كما رأينا سابقا. فقد كشفت دراسات عدد من الباحثين من أمثال فاضل الربيعي، وأحمد الدبش، وكمال الصليبي، عن مدى التلاعب الذي تعرض له تاريخ منطقتنا، وكيف أن سردية "إسرائيل القديمة" و"أرض الميعاد" المزعومة، لم تكن سوى بناء سردي أيديولوجي خدم مشاريع الاستعمار الغربي والصهيونية الحديثة. فالمرويات التوراتية، والتي طالما اعتُمدت كمصدر تاريخي لتحديد الجغرافيا المقدسة، تبين أنها لا تشير صراحةً لا إلى فلسطين ولا إلى أورشليم باعتبارها القدس، ولا إلى مصر وادي النيل بصفتها مسرحًا لقصة الخروج. بل إن العديد من النقوش والوثائق الأثرية، سواء في اليمن أو في النقوش الآشورية، تسلط الضوء على مواضع تحمل نفس الأسماء المذكورة في التوراة، ولكن في أماكن بعيدة تمامًا عن الجغرافيا الفلسطينية التقليدية وذلك وفقا لأطروحاتهم، ولكن هذه الموجة من "التشكيك" لم تقتصر على الباحثين العرب فقط وإنما شملت كذلك الباحثين وعلماء الآثار الإسرائيليين والغربيين أمثال الأمريكي توماس طومسون. إذ يعتبر مثلا أن لقب "عابيرو" الوارد في رسائل تل العمارنة والذي حاول البعض ربطه بالعبرانيين، فهو يستعمل برأيه لوصف تصرفات قطاع الطرق، ويبدو أنه يشير إلى طبقات اجتماعية أو جماعات متنازعة مع بعض حكام العصر البرونزي الأخير، ولكنه لا يستعمل بأي حال للإشارة إلى أية مجموعة اثنية معينة في فلسطين.[26] وبأن العائدين من السبي البابلي ما هي إلا جماعات جديدة لا علاقة لها بإسرائيل. إذ يصور النبي أشعيا (أشعيا 45:1) قورش بوصفه مسيح يهوه ومعيد الشعب التقليدي إلى الأرض. ويشير طومسون إلى "أننا لا نتعامل مع إعادة منفيين إلى موطنهم أكثر من تعاملنا مع إعادة ديانة قديمة منسية أو إعادة بناء معبد. ومهما كان الشعب الذي نقل أو أعيد إلى فلسطين، فهم بالتأكيد لم يكونوا إسرائيليين، وعلى الرغم ذلك أصبح الفرس يعتبرونهم، وكذلك المرويات التوراتية الناشئة، وأصبحوا هم يعتبرون أنفسهم سكان إسرائيل المفقودة منذ زمن عائدين إلى "أرض إسرائيل" من منفى مرير بعد أن خلصهم سيدهم ومنقذهم قورش من بابل".[27] صحيح أن أطروحة طومسون مختلفة في جغرافيتها على أطروحات الباحثين العرب التي تعيد اسقاط الجغرافيا التوراتية في شبه الجزيرة العربية تحديدا جنوبها الغربي ولكن تبقى أطروحة مهمة فهو حاول أن يتناول موضوع تاريخ إسرائيل وأصولها بصراحة وموضوعية وأشبعه تمحيصاً وتحليلاً بعيدا عن الأيديولوجيا الصهيونية ومخرجات علم الآثار الاستشراقي. وفي سياق ذلك تقوض أطروحاته كون "أرض إسرائيل" الوطن التاريخي للشعب اليهودي، ويثبت أن الحركة الصهيونية هي التي سرقت مصطلح "أرض إسرائيل" وهو ديني في جوهره وحولته إلى مصطلح جيو-سياسي، وبموجبه جعلت تلك "الأرض" وطـن اليهود، وذلك منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وكنتيجة لذلك انزعجت الأوساط اليهودية من اصدار كتابه "التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي" لدرجة أنه فقد وظيفته في جامعة وذلك بسبب الضغوط من اللوبي الصهيوني.

عود على بدء، يرى فاضل الربيعي بأن المخيال الاستشراقي الأوروبي سعى في قراءته للتوراة، نحو بناء سردية جديدة خيالية توضع في خدمتها مكتشفات علم الآثار، وتتوافق مع عصر الفتوحات الاستعمارية، وهي سردية وجد فيها الغرب إمكانية مدهشة للعثور على حاضنة أولى وقديمة للحضارة الأوروبية مدفونة في رمال الشرق، فعثر في الرواية عن بني إسرائيل طفولته البعيدة تلك في الشرق الغامض والملتبس، يوم كان لداود مملكة مترامية الأطراف. ولسوف يمهد هذا الانتساب المفاجئ الطريق أمام أوروبا لكي تعيد إدراج التراث اليهودي- المسيحي والحضارة الغربية في سياق استمرارية تاريخية كانت مفتقدة، فلم تعد أوروبا وريثة لأثينا وحسب، بل هي استطراد لمملكة إسرائيل. وها هو تاريخ بني إسرائيل الملفق يكتشف على نحو قابل لأن يرى الغرب فيه تاريخاً خاصاً به، ضائعاً وتائهاً في شرق منسي، وقد أمكن استرداده بفضل إعادة الرواية [التوراتية] وتزويجها. على أوسع نطاق وبالتلازم مع الاستيلاء على الأرض".[28] هذه المساعي الاستشراقية تقودنا إلى مساعي علماء الآثار لي أعناق النصوص الأثرية المكتشفة من أجل توظيفها وفقا لروايتهم الأيديولوجية، ولعل من أبرز الشواهد على هذا التزييف، ما تضمنته "لوحة مرنبتاح" التي اعتُبرت لعقود أول ذكر تاريخي لـ "إسرائيل". لكن إعادة فحص النصوص الهيروغليفية، كما أشار الباحثون، تكشف أن كلمة "يسيرارو" أو "يزيرارو" لا تشير إلى شعب "إسرائيل"، بل إلى منطقة زراعية في سهل مرج ابن عامر، وأن تعبير "لم يعد له بذر" هو وصف أرض لا شعب، ما يُسقط الزعم بأنها دليل على وجود سياسي أو ديني لما يُسمى بإسرائيل في ذلك الزمن، فالعلامات الهيروغليفية في النقش تشير إلى جماعة أو قبيلة لا إلى كيان سياسي معروف، وهو ما يُضعف فرضية ارتباط الاسم بـ"إسرائيل" التوراتية. بالتالي، فالخلاصة أن اللوحة تُوثق انتصارًا لمرنبتاح على جماعات كنعانية أو فلسطينية، ولا يمكن الاعتماد عليها كدليل قاطع على وجود شعب "إسرائيل" بمعناه الديني أو السياسي في ذلك الوقت[29]. ولقد أكد زاهي حواس أن أغلب علماء الآثار في العصر الحديث قالوا إن كلمة "إسرائيل" غير صحيحة، لكن لو افترضنا صحتها، فلا أحد يعرف متى جاء العبرانيون، ومتى خرجوا؟، كما لا أحد يعرف من هو فرعون الخروج أو أي من هذه القصة، وأضاف "هذا هو ردي على إسرائيل".[30] وفي ذات السياق نجد أن لم يعثر على أي نقش هيروغليفي يذكر ملكا باسم "فرعون" بوصفه لقبا ملكيا كما ورد في التوراة، فالكلمة في أصلها تعني "البيت العظيم" وكانت تشير إلى القصر الملكي وليس لشخص الحاكم. فكلمة فرعون (pharaoh)، مأخوذ من الكلمة المصرية pr‑ʿꜥꜣ، وتعني "البيت العظيم"، وقد كانت في الأصل تشير إلى القصر الملكي أو الديوان الرسمي في مصر القديمة. في عصر المملكة الحديثة وبشكل خاص منذ الأسرة الثامنة عشرة، تقريبًا )1539–1292 ق.م) بدأت تُستخدم الكلمة مجازيًا للإشارة إلى ملك مصر. وبحلول الأسرة الثانية والعشرين ) تقريبًا 943–746 ق.م) أصبحت لقبًا محترمًا، يُستخدم كتعبير عن الاحترام. ومع ذلك، لم يكن هذا اللفظ هو لقب الملك الرسمي في هذه الفترة؛ إذ ورد في الوثائق الرسمية أن للملك خمسة أسماء رئيسية، يسبق كل منها أحد الألقاب التالية: حورس، السيّدتان، حورس الذهبي، ملك مصر العليا والسفلى، وابن رع. وكان الاسم الأخير يُمنَح له عند الولادة، بينما تُمنح الأسماء الأخرى عند التتويج.[31] وحتى زاهي حواس، أحد أشهر الأثريين المصريين، أقر بعدم وجود أي دليل أثري على قصة الخروج أو وجود موسى، ما يُضعف الرواية الدينية ويُعريها من مصداقيتها التاريخية. إضافة إلى اسم مصر لم يذكر في النقوش الهيروغليفية إذ، ذكرت عدة أسماء للدلالة على بلاد النيل كيميت  (Kemet) وهو الاسم الذي عرف به الفراعنة موطنهم في لغتهم والذي يعني "الأرض السوداء " كناية عن أرض وادي النيل تمييزا لها عن الأرض الحمراء الصحراوية المحيطة بها. في المقابل نجد أن اسم مصر ظهر في النقوش الآشورية واليمنية. حتى أن النبي محمد عندما أرسل رسالة للمقوقس ملك بلاد النيل آنذاك خاطبه ب "عظيم القبط" وليس ب "عظيم مصر". فمن الواضح أن بلاد النيل في تلك الفترة كانت معروفة ببلاد القبط وهم المصريون القدامى ولم تكن معروفة باسم بلاد مصر أي أنها ليست هي ذات البلاد التي ذكرتها التوراة. ولقد توسع الباحث المصري أحمد عزت في هذه الأطروحة في كتابه الشهير "مصر لم تعرف لا فرعونا ولا موسى".

أما فيما يتعلق ب "أورشليم"، فقد بينت تحليلات فاضل الربيعي وآخرين أنها لا تعني القدس العربية على الإطلاق، وأن ثمة خلطاً مقصوداً وقع بين "قدش" التي قد تعني جبلًا مقدسًا، و"أورشليم" كمدينة، دون أن تُفهم الفروق الجغرافية والثقافية بينهما. فالنصوص التوراتية، عند تمحيصها، تميز بين مواضع عدة، وتضعها في سياقات لا تنطبق على جغرافية فلسطين الحالية، بل تنسجم أكثر مع جغرافيا اليمن وسراة المعافر وجبال نجران. بل إن أسماء مثل جبل صهيون وبيت بوس وبيت لحم، والتي ارتبطت تقليديًا بالقدس ومحيطها، ترد في وصف الهمداني ضمن مناطق تقع إلى الجنوب من تعز، وتؤكد الروايات القديمة والمواضع الموصوفة في الشعر الجاهلي والأدب العربي نفس التسميات في اليمن، وليس في فلسطين. فالمكان الأول وكما يتضح من وصف التوراة، جبل شامخ تم تقديسه (تطهيره) أو تحريمه فسمي (قدش - قدس). أما الاسم الآخر (أورشليم) فاسم لمدينة من المدن، يتكرر حضورها في نصوص مختلفة من التوراة، من دون أي رابط جغرافي مع الجبل. بكلام آخر؛ فإن التوراة تطلق على مكان بعينه اسم "أورشليم" ولا تقول عنه، أبداً، ولا بأي شكل من الأشكال، أن المقصود منه القدس (أو قدش). وهذا يعني أن شعب بني إسرائيل القديم، وهو من الشعوب والقبائل العربية البائدة، وطبقاً للرواية التوراتية، عرف مدينة باسم أورشليم، كما عرف مكاناً آخر باسم قدش - قدس.

وللتذكير؛ فإن المتطرفين وغلاة اليهود الغربيين، يصرون على وصف التوراة هذا، وهم يقولون إنها فوق جبل (ولذلك ظهرت جماعة أمناء جبل الهيكل التي تقول أن هيكل الرب الذي بناه سليمان هو في القدس العربية أي فوق جبل، هذا برغم أن القدس العربية تقع فوق هضبتين مرتفعتين). والمدهش أكثر، أن النص التوراتي يتحدث عن سقوط أورشليم بعد أن هاجمها الملك داود من جبل يدعى جبل صهيون، وأن داود أطلق اسمه على الجبل - الحصن الذي استولى عليه، فصار اسمه "مدينة داود". وبالطبع لا يوجد في طول فلسطين وعرضها جبل يدعى جبل صهيون. والجغرافيون العرب ومعهم جغرافيو اليونان الذين وصفوا بلاد الشام في حقب وفترات مختلفة من التاريخ، لم يذكروا قط اسم جبل في جنوب سورية يدعى جبل صهيون، كما لم يذكروا أي شيء عن بلاد تدعى "اليهودية" قامت في أي وقت فوق أرض فلسطين. ومن المؤكد أن اسم جبل صهيون في الذاكرات الوطنية العربية، اسم يثير الفضول والريبة والحيرة والسخط في آن واحد، لأنه يرتبط باسم "الحركة"[32]. إئ  أن جبل صهيون الذي يؤدي إلى أورشليم لا وجود له في فلسطين. ومن غير المنطقي تخيل اختفاء جبل من الجغرافيا، أو زوال اسمه أو تحول طريقة نطقها، بينما يزعم التوراتيون أن كل الأسماء الواردة في التوراة صمدت على مر الزمن؛ وأنها لا تزال موجودة في فلسطين منذ ألفي عام، برغم أن الكثير منها مجرد آبار قديمة أو ينابيع وعيون ماء أو قرى يسهل زوالها ونسيان أسمائها؟ ويضرب الربيعي دليلا على وجود جبل صهيون في اليمن وذلك في سياق سرد قصة أصحاب الأخدود الشهيرة التي قام فيها الملك اليهودي اليمني أبي نواس الحميري بالتوجه إلى نجران من أجل قمع المسيحيين هناك فنجد الأعشى في إحدى قصائده الشهيرة التي حذر فيها عبد المسيح بن الديان أسقف نجران العظيم، وشقيقه ومساعده وراعي كنيسته فيقول:

أَيا سَيِّدَي نَجرانَ لا أوصِيَنكُما

بِنَجرانَ فيما نابَها وَاِعتَراكُما

فَإِن تَفعَلا خَيراً وَتَرتَدِيا بِهِ

فَإِنَّكُما أَهلٌ لِذاكَ كِلاكُما

وَإِن تَكفِيا نَجرانَ أَمرَ عَظيمَةٍ

فَقَبلَكُما ما سادَها أَبَواكُما

وَإِن أَجلَبَت صِهيَونُ يَوماً عَلَيكُما

فَإِنَّ رَحى الحَربِ الدَكوكِ رِحاكُما[33]

إن رواة الأخبار القدامى ممن رووا القصة - والتي سجلتها وثائق الكنيسة بدقة - كانوا يعرفون جغرافية الحدث التاريخي، ويعرفون جيداً جبل صهيون الذي هبط منه جنود الملك اليهودي ذي نواس الحميري، ليتجهوا منه مباشرة نحو نجران. وبالطبع فمن غير المنطقي الافتراض أن جبل صهيون كان في هذا الوقت من التاريخ ضمن جغرافية فلسطين، وأنها هي التي هاجمت نجران وأحرقت النصارى، فالتاريخ لا يعرف واقعة من هذا النوع، والأدق والأقرب إلى الحقيقة التاريخية والمنطق، أن اليمن اليهودية هي التي هاجمت نجران. وهذا نزاع قديم سجلته التوراة في مواضع كثيرة. ونجران كما برهنا في مؤلفنا السابق، كانت تدعى (ربة) تماماً كما في التوراة، والعرب القدماء كما تعلم، كانوا يسمون نجران (ربة نجران) ويتحدثون عن كعبتها المسماة كعبة نجران. وحتى اليوم لا تزال[34]. وفيما يتعلق بأورشليم نجد أن التوراة تتحدث عن أن الملك داوود ورجاله قد استولوا على أورشليم اليبوسية وطرد سكانها من الأرض، وأخذ حصن صهيون - صهيون فأصبح اسمه مضارب داود. وهذا النص ينفي نفياً قاطعاً أن تكون أورشليم هي القدس أو هي قدش - قدس، كما أنه يؤكد وجودها قرب جبل صهيون (صهيون والهاء الوسطية حرف صوتي كما في كلام أهل اليمن: يريق الماء - يهرق الماء). وبالطبع فالقدس العربية لا تقع قرب جبل صهيون[35]. ويجزم فاضل الربيعي بأن هذه المعركة لم تقع في فلسطين وبأن جبل صهيون، وهو حصن منيع، يصل بسلسلة جبال السرو بنجران في سرو حمير إلى الشرق من صنعاء. واليمنيون يقولون في المأثور الشعبي حتى اليوم (كل بوسي يهودي وكل يهودي بوسي). وذلك في إشارة إلى بيت بوس اليمنية التي كان سكانها على دين اليهودية، وهي مكان جبلي حصين؛ وصفها الهمداني وصفاً دقيقاً ومسهباً في كتابه صفة جزيرة العرب وتماماً كما في النص التوراتي. إليكم وصف الهمداني لبيت بوس " ثم الجوف وهو منففق من الأرض بين جبلين، فيه أنف وأروين وما أقبل من (مياه) من عد ـ ورد، وهو واد يصب مع سامك وديرة، إلى الحقلين والسهلين وما أقبل من أشراف نفيل السود، فبيت بوس رجل نقم وما بينهما من حقل صنعاء."[36] إذ يصف الهمداني المكان في كتابه (صفة جزيرة العرب): بيت بوس ينسب إلى القيل اليمني ذي بوس (ذي بواس) بن شراحييل. حصن منيع ووادي فيه بعض الفواكه ويقع إلى الغرب الجنوبي من صنعاء بمسافة ساعتين. لدينا في هذا النص ما يؤكد بشكل قاطع، وجود مكان جبلي بالوصف ذاته الوارد في التوراة ويدعى بيت بوس، وهو يرتبط بسلسلة جبلية تؤدي بدورها إلى جبل صهيون الوارد ذكره في شعر الأعشى، حيث يمكن للسائر هناك أن يهبط نحو نجران. والمثير للاهتمام أن بيت بوس هذه وبالوصف الوارد عند الهمداني، هي مدينة آمنة (حصينة) أي أنها "أورشليم" بمعنى المدينة التي تعيش آمنة، متنعمّة بسلام من خطر الأعداء، بفضل وجودها في مكان جبلي وعر وقاس يصعب اقتحامه. ونلاحظ أن كلاً من نص الهمداني ونص التوراة، يؤكد أن بيت بوس حصن منيع. فلقد زعم التوراتيون وهم يفشلون في العثور على بيت بوس هذه، أنها ذاتها "يا بوس" القرية الصغيرة في ضواحي دمشق. وهذا زعم باطل ولا أساس له، لأن القرية لا تؤدي إلى القدس العربية ولا تتصل بسلسلة جبلية تفضي إلى جبل صهيون[37]. وإذا ما قمنا بوضع النصين (نص يشوع ونص الهمداني) في إطار مقاربة جغرافية، تتضمن التسلسل الدقيق للمواضع والأماكن التي تؤدي إلى جبل قدش عند يشوع، وقدس عند الهمداني، فسوف نحصل على التماثل المدهش التالي - ولاختصار فسنكتفي ببعض الأمثلة: فنجد مثلا أن الهمداني في وصفه لقدش ذكر عدة أماكن مشابهة لوصف يشوع لقدش فنجد نجب وهي ذاتها ها – نحب (النحب) عند يشوع ووادي أدم التي يقابلها أَدَم ووادي حضر التي يقابلها حضر وأخيرا جبل قدس الذي يقابله قدش في وصف يشوع.

إن التوراة، بكلمة موجزة قاطعة، لا تقول أبداً، ولا بأي صورة من الصور، إن الأحداث التي ترويها قد جرت أو دارت في فلسطين. كما أنها لا تشير لا من بعيد ولا من قريب لاسم فلسطين أو الفلسطينيين ارتباطاً بالأحداث المروية.

علاوة على أن التوراة لم تذكر اسم فلسطين قط، إذ يُقصد بقدس هنا الجبل المبارك المعروف باسم "جبل قدس" – بفتح القاف والدال كما ينطقه اليمنيون – والواقع في مخلاف المعافر القديم، على بُعد نحو 80 كيلومترًا جنوب مدينة تعز باتجاه عدن. لا يزال هذا الجبل معروفًا حتى اليوم، ويُروى أنه كان في الأزمنة الغابرة موطنًا لشعب عربي قديم من شعوب العرب العاربة، يُعرف في التوراة باسم "فلسطين"، بينما يُعرف في العربية الجنوبية القديمة بـ"الفلس" أو "الفلست"، وهو نطق يمني قديم مشابه لنطقهم لكلمات مثل "قرشت" بدلًا من "قريش" و"فرست" بدلًا من "فرس". وقد يُكتب اسم هذا الشعب أحيانًا باستخدام "همزة وميم" في أوله (كما في "أم فلس")، وهو نمط تعريفي قديم في جنوب الجزيرة العربية كان يُستخدم قبل شيوع أداة التعريف الحديثة "أل"، كما يُقال: "أم رجل" في "الرجل" و"أم بعير" في "البعير". وتخالف هذه الرؤية ما تقدمه القراءة الاستشراقية الغربية التي تصوّر هذا الشعب كغرباء سكنوا في فلسطين التاريخية، بينما تفيد الشواهد اليمنية أن اسم الجبل "قُدس" لا يزال يحتفظ بذاكرة الجماعة القديمة "الفلست"، تمامًا كما ورد في الروايات التوراتية. وقد أشار الهمداني في كتابه صفة جزيرة العرب إلى هذا الجبل وهذه الجماعة القديمة، وذكر أن "الضباب وادٍ في قُدس من المعافر"، وأنه يوجد أيضًا في منطقة المفاليس – وهي جزء من مخلاف المعافر كذلك – وأن هذه المناطق تتصل بسراة الكِلاع، المعروفة بسراة بني سيف، وتشمل الشريط الساحلي الممتد من أرض المعافر حتى جبال عدن وساحل بني مجيد (الذي يُحتمل أن يكون مجدّو التوراتية). في هذا الإقليم نشأت ممالك يمنية قديمة تُعرف بـ"المخاليف"، مثل مخلاف ذبحان، حبأ، جميع، صبر، صحارة، ووادي الضباب، وكان معظم سكانها من قبائل همدان والأشعريين. يشير هذا كله إلى أن الشعب الذي عرف بالتسمية التوراتية "فلسطين" قد يكون في أصله قبيلة يمنية قديمة عاشت في جنوب الجزيرة، عند جبل قُدس، وليس في أرض كنعان كما تزعم الروايات الاستشراقية.[38]

ويُظهر النص التوراتي عند الحديث عن السبي البابلي وعودة القبائل، ذكرًا لأسماء عشائر عربية خالصة، لا وجود لها في فلسطين أو في السجلات البابلية، لكنها موجودة في اليمن، وموثقة عند الهمداني في "صفة جزيرة العرب". وهذا يشير إلى أن الرواية التوراتية، في أصلها، تدور حول قبائل عربية بائدة، من بيئة جنوبية. ونجد أن سفر عزرا( 1:11 و 2:20) ينص على أنه في العام الأول لسقوط بابل - 539 ق.م، قرر الملك الفارسي قورش إعادة السبي من القبائل إلى مدنه وقراه الأصلية. ولأجل هذا الهدف نشر في بابل، نداء الملك الذي تضمن إعلان تحرير القبائل العربية اليهودية (كما يسميها فاضل الربيعي)، وحقها في العودة إلى مواطنها وفي إعادة بناء ما تهدم من مدنها، وخصوصاً أورشليم التي في يهوذه - أي أورشليم بيت بوس في سرو حمير. كما تضمّن قرار الملك الفارسي السماح للعائدين من الأسر، بالحصول على تبرعات من سكان بابل لأجل بناء مدنهم المهدمة. وإلى جانب هذا كله، أعاد قورش ممتلكات الهيكل المنهوب في أورشليم، وسلمها إلى زعماء وأنبياء القبائل العائدة. وفي قائمة نحميا – نحميا الثانية (التي سوف تكتب بعد أكثر من نصف قرن على مرسوم قورش) سنجد أن من بين القبائل العائدة، بني صيح، وبني حسفة، وبني رصين - رضيْن، وبني ناصح، وبني حجاب، وبني عبيد، وبني شلمة - سلمه، وبني شُهرليم (الشعراء) وبني حشم (نحميا: 7: 77 و: 59). فأين يمكن للمرء، إذا ما أراد معرفة الحقيقة عن السبي البابلي، أن يعثر على هذه الجماعات والقبائل؟ إن فلسطين التاريخية لا تعرف قبيلة واحدة من هذه القبائل، لا من خلال بقايا أنسابها ولا من خلال بقايا لغوية تؤكد وجودها. وليس ثمة أي وثيقة تاريخية أو نقش أو سجل من سجلات الإمبراطورية البابلية - الآشورية أو الفارسية، يمكن أن تدعم فرضيات الرواية[39].

ومن بين القبائل العائدة من الأسر البابلي والتي تم ذكرها في التوراة ومع ضبطها العربي نجد قبائل مثل بنو جبر في اللغة العبرية التي بقيت نفسها في الضبط العربي وبنو بيت لحم تحولت إلى بنو لحم وبنو حريشة إلى بنو حريشة وبنو ناصح إلى ناصحه. إضافة بنو عبيد التي تم ضبطها في العربية إلى عبيد وبنو شلمه إلى سلمه وبنو شعرايم إلى الشغراء وبنو كروب إلى أكراب.[40]

هذا يعني أن العائدين كانوا جماعات بدوية، ظلت تحتفظ بممتلكاتها من الجمال وتوارثها طوال سنوات السبي في بابل. فمثلا قبيلة بيت لحم – لخم ومنتسبوها سكنوا في موضع من وادي صيحان من أرض اليمن. وأقام جزء منهم في العراق وأسسوا مملكة الحيرة الشهيرة. وكذلك قبيلة شعرايم التي يعطيها مترجمو التوراة مكافئا غريباً هو الباب في المفرد شعر - والأبواب في صيغة الجمع (شعرايم). ويبدو أن الحيرة تملكت المترجمين حين وجدوا أنفسهم أمام قائمتي عزرا ونحميا التي يظهر فيها اسم قبيلة من القبائل التي أسرها نبوخذ نصر تدعى شعرايم. واستطراداً في الخيالية، تمت مكافأة الاسم بـ (البوابين). وبذلك أصبح لدينا قبيلة لا وجود لها ويستحيل العثور عليها هي قبيلة البوابين. في الواقع ليس ثمة قبيلة تدعى (البوابين) من بني إسرائيل، بل هناك قبيلة عربية - يمنية بائدة عاشت في موضع الشعراء - شعرايم (اسم المجمع العبري من شعر وهو جبل شهير وصفه الهمداني في مواضع كثيرة). إن كلمة شعراء (اسم المجمع من شعر) تكتب في العبرية في صورة شعرايم. واليمينيون يطلقون على الأشجار الكثيفة في المناطق الجبلية والوعرة والتي لم تمسسها يد الإنسان تعبير شعراء[41]. كذلك قبيلة الأكراب الذين أقاموا (ولاحظ العلاقة الدلالية في اسم كرب بمعنى الملك) في مخلاف عامر الساحلي على مقربة من أخوتهم بني عزرا - عزران وبني سلمه؛ تماماً كما في نصي عزرا ونحميا. وقد وصفهم الراجز اليمني الرداعي في أرجوزته عن الملح على النحو التالي فالأجرمين فحمی الأكراب فالضمانين إلى الشخاب فاحرماً منها إلى الثعلاب مواطناً مكللة الجناب. وهذا الراجز يحدد - على غرار قائمتي نحميا وعزرا - موضع بني محرم قرب الأكراب. وبنو محرم من حكام صور اليمنية، وقد سجلت التوراة اسمهم في صورة محرم ملك صور الذي ساعد سليمان الملك في بناء هيكل الرب حين أرسل له الأخشاب من وادي صور. وبالطبع فمن غير المنطقي تخيل أن سليمان كان قادراً على استيراد الأخشاب من صور اللبنانية، بينما يشتهر وادي صور اليمني بأنه من أعظم الوديان في إنتاج الأخشاب. ولعل قصة الحريق الذي التهم الأشجار في صور اليمن (وورد ذكرها في حديث شريف) يدلل على حقيقة أن صور اليمن اندثرت بفعل حريق بركاني مدمر. إن أحداً لم يلتفت إلى التناقض المريع في القراءة الاستشراقية في هذا الجانب من تأويل الأسماء؛ إذ من غير المنطقي أن يكون محرم ملك صور اللبنانية وفي الآن ذاته هو بطن من بطون القبائل الأسيرة. وإذا كان يحرم ملكاً لبنانياً كما تزعم القراءة الخيالية الغربية، فلماذا وأين ومتى جرى أسره في حملة نبوخذ نصر؟ وهل يعرف التاريخ المكتوب أي شيء عن أسر ملك اللبنانية في هذه الحملة[42]. ونجد فيما بعد أن قبيلة جشم اليمنية سارعت (والتوراة تقول إن جشم قبيلة عربية وتسميها جشم العربية حرفياً) مع أولى الأنباء عن شروع نحميا في عمليات إعادة البناء إلى قيادة معارضة قوية، انطلاقاً من إحساسها بأن هذه العمليات سوف تؤدي إلى الصدام عاجلاً أو آجلاً مع الفرس، وبالتالي تكرار الأحداث المأسوية التي عاشها هؤلاء مع الاحتلال الآشوري. كما وجد العمونيون - سكان نجران - في التصدي للمحاولة ومقاومتها، فرصة لمنع تكرار الاضطهادات التي تعرض لها هؤلاء في عهد داود وأسلافه. أي مقاومة عودة الاضطهاد الديني الذي مارسته اليهودية ضد الوثنية والوثنيين في نجران. ومع ذلك؛ وبالرغم من وجود كل هذه القوى الممتنعة، قرر نحميا المضي قدماً في أعمال البناء والمباشرة فيها. وسرعان ما انضم عدد من الكهنة إلى المشرفين على عمليات إعادة البناء[43]. حيث سردت التوراة أسماء القبائل المشاركة في عملية بناء أسوار أورشليم "تولى كاهن ها - جدول - الجدول ويُدعى هل - شب - الشبا بنفسه، ومعه طائفة من اليهود، بناء سور أورشليم من جهة جبل صنن - صنان (غنم). وصنن - ضان هذه ترجمت إلى الغنم، بحيث أصبحت الجملة على النحو التالي: (وبنوا باب الغنم). ومع أن فلسطين لا تعرف باب الغنم هذا، وليس ثمة موضع في طول القدس وعرضها يدعى غنم؛ فإن الهموس بلغ ذروته مع المحرفات الأكثرية تحت مسجد قبة الصخرة في القدس، بحثاً عن بقايا أسوار وأبواب أورشليم، وخصوصاً باب الغنم المزعوم هذا. ولذلك سعى التوراتيون إلى المطابقة بين اسم جبل أبو غنم البعيد عن مسجد قبة الصخرة، وبين صنان - غنم التوراتية هذه. في الواقع لا يوجد موضع أو باب قديم لأورشليم يدعى باب الغنم؛ بل هناك جبل مقدس وشهير في السراة اليمنية هو جبل غنم بالفعل، وليس أبي غنم. وهذا الجبل لا يزال يحمل الاسم المعرب غنم - من كلمة صنن العبرية - في المكان نفسه. ويبدو أن كلمة صنان أغرت المخيال الأوروبي على الافتراض أن المقصود منه جبل غنم. لكن علماء الآثار لم يعثروا على جبل بهذا الاسم، بينما نجده في السراة الجبلية اليمنية وباسمه المعرب: غنم.[44] وما إن شرع الكاهن في إطلاق إشارات البناء الأولى، حتى سارعت إلى المشاركة قبائل عدة تسجل التوراة أسماءها بدقة متناهية وهي:

قبيلة بنو عمري وعلى رأسهم زكريا زعيمهم وكاهنهم. وهؤلاء ساهموا في بناء جزء من السور في مجدل - وها - ماء. ثم قبيلة بنو شناء - شنؤة التي تولت ترميم الجزء الممتد من جبل شعر - ها - دجيم (الدجوج). وفي هذا الإطار كانا المترجمون الاسم (دجيم) بـ(باب الحوت) مفترضين أن الأمر يتعلق بالكلمة العبرية دج بمعنى حوت، سمك بينما المقصود موضع الدج طبقاً للرسم العبري، كما أن اسم هذه الجماعة في الضبط العربي الصحيح هو شنؤة وليس شناة، وهؤلاء يعرفون في التاريخ اليمني والعربي القديم بأنهم أزد شنؤة - أسد شنؤة. هل يمكن لعاقل أن يهمل هذا الاسم: أزد شنؤة؟ هؤلاء قبيلة شهيرة من قبائل اليمن وهم بنو أسد الذين ورد اسمهم في النقوش والسجلات التاريخية في صورة ملك لأزد: الملك الأزد - أزد شنؤة. سبق لهؤلاء المترجمين أن ترجموا الكلمة نفسها (دجيم) وفي مكان آخر وسياق مختلف ولوظيفة مختلفة في صورة (باب السمك) والآن أصبح لدينا مكان ملفق جديد يدعى باب الحوت. أعمال الترميم مستمرة، دخلت جماعات أخرى منهم بنو الفرس (والفرض - الفارض) وممثلهم بن بركيه - السلم بن برخيا ومهمهم أفراد من التقويميين - من مكان يدعى تقوع - قوع (والتاء حرف لاميّة: مثل تعوم في عروم) وبنو يعته - يعنه[45]. وعندما امتدت أعمال الترميم إلى وادي مَزَر (مور بالضبط وتماماً كما في سفر التكوين) عند مسيل صرام - صورم، دخلت جماعات قبلية أخرى ساهمت في تحسين المداخل. وهؤلاء كانوا على التوالي: من بني فاسمخ الذين تلقوا مساعدة من من يني بني جيعون، ومن أهل الصفقة - ها - مصفقه، ومن بني حارقيهم. والاسم الأخير (حارقيهم) كان مثيراً للحيرة بالنسبة للمترجمين. ولذا قدموا مكافئاً غريباً هو: الشياقة. وهكذا أصبح لدينا، فضلاً عن الأماكن الملفقة مثل بيت السمك وبيت الحوت وبيت الزبد، وجماعات لا وجود لها مثل البوابين (شعرايم) ها هنا جماعة أخرى جرى تلفيقها ولا وجود لها في التاريخ دعيت باسم (الصائغة) بينما الضبط الصحيح للاسم هو الحارق، والهاء في الاسم مشابهة للهاء في بعض الأسماء، مثل: شمر بهرعش في برعش (أحد أهم ملوك نجران). أما الميم فهي أداة التعريف (أو الجمع الحميرية - اليمنية). وإلى جانب هؤلاء شارك رجال من بني حور، ومن بني خروف. - مخارف. كما ساعدهم بنو حتوب الذين رصوا الأسوار حتى وادي تنورم - نورم. وإلى جوار هؤلاء أيضاً، كانت هناك جماعة قبلية أخرى يسميها النص التوراتي بنو الوحش. - الوحش. أما مداخل الوادي فتولتها قبيلة زنوج حيث امتدت الأعمال، عندئذ باتجاه المنطقة الحوف اليمني عند جبل أنف[46].

وبهذا تكون قبيلة بني شنؤة المذكورة في سفر نحميا ليست سوى قبيلة يمنية عريقة من الأزد-الأسد، استنادًا إلى كتابات الهمداني والشعر الجاهلي الذي يصفهم في سرو مذحج باليمن، ويدحض أي صلة لهم بفلسطين التاريخية، مشيرًا إلى أن جبل غنم غرب صعدة في اليمن هو موطنهم الأصلي. يتناول التحليل أيضًا موقعة تابوت العهد، مؤكدًا أن النص العبري الذي يصف استيلاء الفلسطينيين على تابوت الرب من "أوين العزاز" وإدخاله إلى "بيت دجون" لا يمكن ربطه بفلسطين، حيث لا وجود لهذه المواقع هناك، بينما جبل أبان هو جبل مشهور في بلاد طي اليمنية. أي أن المعارك بين بني إسرائيل و"الفلسطيين" لم تقع في فلسطين، بل دارت في فضاء جغرافي يمني يضم جبال سلمى ولبان وأبان، وأن وصف التوراة لجغرافيا المعارك يتطابق تمامًا مع جغرافيا الجزيرة العربية، لا فلسطين. إذ يعتبر فاضل الربيعي أن الزج باسم الفلسطينيين المعاصرين في هذا السياق هو تزييف تاريخي يهدف إلى طردهم من تاريخهم وتشويه سمعتهم. ويعتبر أن كلمة "فلشتم" في النص العبري، تعني "الفلستين" أو "الفلسة"، وهم عبدة الإله "فلس" في اليمن، وليسوا "الفلسطينيين" بالمعنى الحديث، مؤكدًا أن العرب القدماء واليونانيين لم يعرفوا جماعة فلسطينية قرب جبل أبان، بل عرفوا شعبًا عربيًا وثنيًا سكن هذا المكان وعبد الإله "فلس". وتماماً كما في نصوص التوراة وفي الكتابة اليمنية القديمة يمكن أن يكتب الاسم على هذا النحو: فلس، فلست، مثل قرشت في قريش والجمع في العبرية (فلشتيم). إن هذا الرسم يتطابق مع رسم الاسم في التوراة، بما يعني أنها قصدت الجماعة نفسها وليس الفلسطينيين. وذلك ما يفسر لنا السبب الحقيقي لعدم وجود الفلسطينيين في العرب بحد ذاته وليس بالطاء. لقد تمت مطابقة ماكرة، ومماثلة مخترقة بين الاسمين في سياق تزييف التاريخ القديم برمته. وفي نطاق هذه المسألة، سنرى كذلك، أن سكان الموضع نفسه اشتهروا في المرويات العربية القديمة وفي التوراة، بأنهم من آكلي السحت أي الحرام، وكانوا يصطدمون مع الجماعات الموحدة والمتدينة في الجاهلية البعيدة على خلفية قيامهم بسرقة[47].

إذ تربط التوراة بين سرقة تابوت العهد وعادات "الفلسة" في أكل السحت، مما يؤكد على السياق العربي اليمني للأحداث. إذ يستخدم النص العبري كلمة (مشحت - دون تصويت) وهي لقب تحقيري أضفي على الفلسطينين الذين حاربوا بني إسرائيل. لكن المترجمين اختاروا من القاموس العبري - العربي ويا للغرابة، كلمة (المخربين) كمكافئ لها، ولتصبح الجملة على النحو التالي: (واتجهت فرقة من المخربين الفلسطينيين). وهكذا، فقد أصبح لدينا "مخربون فلسطينيون" من عصر شاول. إن هذا النعت المشبع بالمقت الغريزي وبالكراهية العنصرية التي لا تصدق؛ هو في القلب من عمل هادف إلى مماثلة الصور ودمجها، بحيث تتماهى صورة الخرب الفلسطيني المعاصر مع صورة نظيره وجده الأعلى والخرب الفلسطيني في عصر شاول. هذا الخرب هو الذي سرق في الماضي تابوت العهد، وحارب مملكة إسرائيل القديمة. إنه بالنسبة للمخيال اليهودي الأوروبي الغربي ثم الأميركي، مخرب بالفطرة، مزعج وخطير منذ أن تصادم شاول ملك إسرائيل الأول معه [48].

وأخيرًا، يُشكك الربيعي في الربط بين أحداث "سفر المكابيين" وفلسطين، مؤكدًا أن "أورشليم الرومانية" لم تظهر إلا بعد عام 130 قبل الميلاد، وأن أحداث السفر تدور في "بلاد اليهودية" في اليمن، لا فلسطين، وأن السجلات الرومانية لا تذكر أي استيلاء على أورشليم/القدس في فلسطين خلال الحملة المذكورة. ولنبدأ من الاسم التوراتي "مكاب"، "مكابين"، الذي لا وجود له شمال فلسطين كاسم لموضع بعينه مهما فتشنا هناك، بينما يمكننا أن نجده بسهولة في الامتداد الجبلي لمنطقة اليمامة ومرتفعاتها في صورة (كاب). وفي اللهجة اليمنية (مكاب، مثل: مكصص في كمص، ومنوب في نوب، والميمون وبعض قبائل العرب في البادية تضيف الميم في أول الاسم أو الكلمة، وحتى اليوم يستخدم بدو العراق هذه الميم المنقرضة فهم يقولون جئتم في جغت، واقعدم في اقعدوا). والكاب - مكاب يقع ضمن جغرافية اليمن القديم وفي نجده (مرتفعاته) كما وصفها الهمداني. وعلى مقربة منه تماماً هناك موضع (مدان - مدان في النص العبري) التي ولد فيها يهوذه أورشليم الرومانية في "بلاد اليهودية القديمة" ،هوذه هو ابن لأسرة كاهن من كهان نجد اليمامة الممتد باتجاه اليمن، ويدعى متنا (مثنى) بن حنى - حنن من بني يريب - ريب. والياء في الأسماء من الحروف اللاصقة كما قلنا وهي لهجة يمنية قديمة.[49] وتجدر الإشارة إلى أن الإسلام قد واجه في بدايته معارضة قوية من أحد أهم ملوك اليمامة وكان يدعى هوذة (يهوذه) وكان لتوه قد وضع التاج على رأسه حين ظهر الإسلام. والمثير للفضول أن قبيلة بني الريب تقيم على مقربة من الجليل – الجليل في النص العبري؛ بل وقرب حدد – حدد الذي دارت فيه إحدى أهم المعارك ضد الرومان في قلب الجزيرة العربية. وأن بني الريب يقيمون على مقربة تماماً من موضع ء نيطه - ء نيطه. وهذا ما يفسر لنا سبب طلب المساعدة منهم في مواجهة الرومان الزاحفين. ولسوف نرى هذا المغزى عندما يقوم يوناتان بالانتقام من بني يمرء - المرء لقتلهم شقيقه يوحنا، حين أرسله لطلب المساعدة في مواجهة الرومان. هذا فضلاً عن أن كاب – الكاب ليست بعيدة عن بيت ء يل – الإل التي جرت فيها معركة أخرى. وسيكون أمراً مدهشاً عندما نعلم أن سائر هذه الأماكن هي في الفضاء الجغرافي ذاته لموضع حسم - حشم الذي جاء منه اسم النسبة الحسمونيون – الحشمونيون .[50]هاكم وصف الهمداني للموضع الذي ولد فيه يهوذه – هوذه المكابي، وللمواضع الأخرى التي شهدت المعارك الدامية "الريان من مياه الضباب وأيمن من قنوبين وأسفل منه القرية والحصاة حصاة جبلة وعن يسارها بطن السر وهو أسفل وادي الرمة «....» ويظهر النير بينه وبين الجنوب بطن العبري، وإحساء بني حوثه وحلاقيم وفي رأس العبري صوع والمدان) ها هنا المدان – مدان التي ولد فيها الملك يهوذا، تماماً في النص التوراتي وعلى مقربة منها وادي الرمة (الرمات – رمتيم لأن الرمة واد طويل عريض كما يقول الأصمعي) التي أعيدت إلى سيطرة القبائل بعد المفاوضات مع الرومان. وها هنا وادي عفرمة – القرية (ولاحظ دخول الميم بشكل عشوائي فهذا يعطينا فكرة عن التطور التاريخي لأداة التعريف العربية) وغير بعيد عنها وادي العبري – العيز الذي شهد بعض المعارك، فضلاً عن هضبة جبلة التي يقول النص – في تفاصيل لم نذكرها – أن معركة دامية وقعت فيها ضد الرومان.[51]

في وادي عفرمة تقع قرية تحمل الاسم نفسه، ويمكن ملاحظة دخول الميم في أداة التعريف بشكل عشوائي في بعض الأسماء، ما يعطي فكرة عن التطور التاريخي للغة العربية. غير بعيد عن وادي عفرمة، يوجد وادي العبري المعروف باسم العيز، الذي شهد بعض المعارك، وكذلك هضبة جبلة، حيث وقعت معركة دامية ضد الرومان كما يشير النص. الأسماء العبرية في هذه المنطقة أخذت صيغًا عربية متوافقة مع النطق العربي، فالأرض التي كانت تعرف باسم أدم بقيت أدم، والقرب كان تسمية لقرية ء قربتن، بينما بني بين بقيت كما هي. أما يعزير فقد صارت عيزوز، وذي تمه بقيت بنفس الاسم، وظبوت أصبحت ظبوة، والجليل لم يتغير، كما بقيت صور وصيدا تحملان أسمائهما، بينما تحولت عرابات إلى غرابات، وبصيرة إلى بصرة، وباصر إلى باصر، وعليم اختصر إلى علم. كما نجد أسماء أخرى مثل مقيد التي أصبحت مقيدة، وحيلم الذي صار حلمه، ورفون بقي رفون، وبيت بسان صار بيت بشان، وكشور بقي كما هو، وأرض جنب هي التحوير العربي لعبارة عرص – جنبه، وحبرون بقيت حبرون، وجزر صارت مجزر، وبيت زيت وسلامة احتفظتا بأسمائهما. أما تقعوع فقد أصبحت قاعًا، والفوص بقيت كما هي، وأنبطه – ء نيطة اختصر إلى أنبطه، وبني يمرء أخذت أشكالًا متعددة في العربية: بني يمرء أو بنو يمرء أو بنو المرء، وعيل تحول إلى الإل، وتمنية أصبحت منية، وبيت بيص صارت بيض، ومكماس أصبح الكامس، وعفرة بقيت عفرة، ولدة كما هي، ورمتيم صارت الرمة، وحصور بقيت حصور، والزبديون لم يتغير اسمهم، وء دوره أصبح الدور، وسكمه صارت سقمه.[52]

ويستشهد الربيعي في اسقاطه لأحداث سفر المكابين على جغرافية اليمن على كتابات ابن عبري إذ يقول الأخير في كتابه ما يلي: "إن بطليموس أفيغانوس وبعد الانتصار في معركة حمرين حربيتين سارتا نحو بلاد الشام وبلاد اليهودية، لإخضاعها. ويضيف وما يلي: "وملك بعده أنطيخوس أو أفاطور، سنتين، واضطهد اليهود اضطهاداً شديداً. وولي أمر اليهود يهوذا المقبي، وجمع بين الملك والكهنوت، وتوفي نواب أنطيخوس من "أرض يهوذا" وصار اليهود يحاربون ملوك الروم. إذ يشير هذا النص إلى اسم يهوذا المكابي في صورة يهوذا المقبي الذي جمع بين كونه كاهناً أعلى وملكاً، كما يشير إلى قيامه[53]بطرد نواب الإمبراطورية (في اليمامة ونجد اليمن وما يسمى إقليم السمرا ويفاع ومرتفعي وسواها). والأهم من ذلك أن ابن العبري يشير إلى حملتين، سارت إحداهما إلى بلاد اليهودية والأخرى إلى بلاد الشام. وهذا يعني أن ابن العبري يميز تمييزاً جغرافياً دقيقاً وصحيحاً بين بلاد الشام وبلاد اليهودية. بالتالي إقليم (بلاد) السمرا الذي قرئ في صورة السامرة لا يقع في شمال فلسطين وذلك طبقاً للرواية التوراتية؛ بل في شمال اليمن حيث دارت المعارك ضد الولاة الرومان في قلبه، وفي أطرافه عند موضع الغرابات – عرابات في التوراة. وبالطبع؛ فإن السامرة (الضفة الغربية من فلسطين) لا تعرف هذا الاسم، بينما نجد إقليم السمرا العربي – اليمني، وهو يضم الغرابات وديار هوذة نفسه. هاكم ما يقوله الهمداني "ثم تقطع بطن قو؛ ثم السمراء وهو أرض سهب، ثم تأخذ في الدهناء وهي هناك مسيرة يومين. ومن عن يمين ذلك الغرابات ثم تسير في السهباء ثم تقطع جبيلاً قريباً له ثم الروضة ودار عجل وديار هوذة – بن علي السحيمي الحنفي – وهي أول اليمامة. ثم من أسفل ذلك القرى من اليمامة والقنع، وهذه اليمامة حصون متفرقة ونخل ورياض".[54] هذا هو إقليم – بلاد – السمرا في الفضاء الجغرافي ذاته للمعارك التي وصفها السفر، وها هنا اليمامة – واليوم هي الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية – والتي دارت فيها الحروب ضد الرومان – وها هنا ديار الحنفيين (الموحدين الأوائل في الجزيرة العربية) الذين تسمى آخر ملوكهم باسم يهوذه – هوذه، تيمناً باسم الملك العربي اليهودي الذي قاتل الرومان يهوذه المكابي، وكان قد وضع التاج على رأسه حين ظهر الإسلام فأبى أن يسلم. لأجل ذلك كله، يتعين – اليوم – أن نشطب من التاريخ الفلسطيني عصراً بأكمله نسب إلى فلسطين خطأً؛ بل وأن نشطب كل ما له صلة بحروب يهوذه المكابي من تاريخ بني إسرائيل في فلسطين الخيالية، وأن نعيد وضعه بكل أمانة ضمن تاريخ اليمن والجزيرة العربية. ولكل ذلك أيضاً، فالقدس العربية – الإسلامية هي قدسنا، ليست ولم تكن أورشليم التوراة.[55]

وهكذا تكون الفرضية التي تزعم أن بني إسرائيل أقاموا مملكة موحدة تحت حكم داود وسليمان، مجرد فرضية لا يدعمها أي دليل أثري حتى اللحظة، كما أشار إلى ذلك عالم الآثار الإسرائيلي هرتزوغ، الذي أكد أن سنوات الحفر المكثف في فلسطين لم تسفر عن أي مكتشفات تدعم وجود تلك المملكة، بل كشفت عن مجتمعات محلية متباينة لا ترقى لمستوى كيان سياسي موحد. غير أن ما يثير التساؤل هو أن النظرية البديلة التي تضع جغرافية التوراة في جنوب الجزيرة، رغم قوتها في مواجهة الأسطورة الاستشراقية، إلا أنها، بحسب بعض المنتقدين، اعتمدت في بداياتها على فرضيات غير موثقة أثريًا، ومحاولات تأويل أسماء المواقع دون توفر براهين زمنية حاسمة. والأهم من كل ذلك، هو أن النظريات التقليدية بُنيت على توافقات لفظية وأسماء مشابهة لا أكثر، ومضت في طريقها لتؤسس ما صار لاحقًا أساسًا للتاريخ الرسمي لفلسطين القديمة. فحين زار روبنسون وسميث الأراضي المقدسة، شرعا في تعيين المواقع التوراتية على الأرض بالاستناد إلى أصوات الكلمات العربية المتقاربة، دون تحقق أثري أو سند تاريخي، وهي المنهجية ذاتها التي عابوها لاحقًا على فاضل الربيعي وأحمد الدبش، مع اختلاف الغايات والأهداف. ولذلك قام أحمد الدبش بالتراجع عن العديد من أطروحاته التي تتعلق بجغرافية التوراة واسقاطها على اليمن فيقول " لقد اعتمدنا على بعض الإشارات الغامضة في النقوش المسندية المتأخرة، والتي لم تكن متزامنة مع أحداث الكتاب المقدس، لمحاولة تأكيد فرضية "خيالية"، لا شك في أن علامات التسرع والارتباك ظاهرة في نصوص كتبي المبكرة، لأني ألّفتها وقتها متأثراً بـ "خطأ تحديد جغرافية الحدث التوراتي"، فكيف لي كباحث في التاريخ القديم، أعتمد "الكتاب المقدس"، كوثيقة تاريخية، وأقر أن المشكلة تكمن، وبكل بساطة، في خطأ تحديد جغرافية الأحداث؟ كيف لي كباحث في التاريخ القديم، رفض إسقاط روايات "الكتاب المقدس" على فلسطين لانعدام الدليل الأثري، وفي ذات الوقت أخترع جغرافية بديلة دون دليل أثري؟! كانت المعضلة الرئيسية التي واجهتنا، ولم نستطع التغلب عليها، عندما نجد موقعاً ما يتشابه اسمه مع موقع في "الكتاب المقدس"، ولكنّ المكتشفات الأثرية تشير إلى أن الموقع حديث نسبياً، وما يزيد الأمر صعوبة أننا لم نبذل عناء للكشف عما ورد عن هذا الموقع في السجلات التاريخية والأدلة الأثرية بدقة، عبر طرح سؤال علمي، وهو، هل هناك أدلة أركيولوجية تشير إلى أن الموقع متزامن مع الموقع المذكور في "الكتاب المقدس" أم لا؟ هل تم اكتشاف بناء قديم يعود إلى نفس الفترة الزمنية؟ وهل عُثر على نقوش تذكر هذا الموقع بنفس الاسم المذكور في "الكتاب المقدس"، ويتزامن مع الحدث "التوراتي"؟ علاوةً على ذلك، استعنّا بالنقوش المسندية لإثبات أن اليمن احتضن تجربة بني إسرائيل، ولكنها جميعها نقوش متأخرة غير متزامنة مع الحدث "التوراتي"، ولا تُعتبر دليلاً على أن اليمن احتضن تجربة بني إسرائيل.  كانت اهتماماتنا محددة بشدة، فقد كرّسنا أنفسنا لرسم جغرافية "الكتاب المقدس" في اليمن، وبخاصة بعد أن افترضنا مسبقاً صحة "الكتاب المقدس"، وخطأ جغرافية الحدث. لكن في السنوات الأخيرة؛ بدأت هذه الفرضية ــ من وجهة نظري ــ تتداعى تدريجياً؛ فالسمة الرئيسية، في الخطاب "التوراتي"، هي الصمت المُطبق للسِّجِل الآثاري، ما يوحي بأننا نتعامل مع ماضٍ مُختَرَع لم يُعثر له على أثر حتى الآن.[56] أما فيما يتعلق بتسمية مصر فنجد أن بعض المنتقدين لأطروحات أحمد الدبش والربيعي يستشهدون بالمؤرخ العراقي جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب" الذي كان دقيقاً في انتقاء مفرداته عندما تحدث عن النقش الذي ذكر "معن مصرن" فقال: أثارت "معن مصرن"، "معين مصران"، جدلاً شديداً بين العلماء، ولا سيما علماء التوراة، فذهب بعضهم إلى أن "مصر" "مصرايم “Mizraim الواردة في التوراة ليست مصر المعروفة التي يرونها نهر النيل، بل أريد بها "معن مصرن"، وهو موضع تمثله "معان" في الأردن في الزمن الحاضر"، وقال أيضاً: فقيل "معين مصرن" لقربها من مصر، ولتمييزها عن "معن" أي "معين" اليمن". ولم يذكر جواد علي أبداً أن "معن مصرن" يُقصد بها مملكة معين. علاوة على أننا نجد العديد من المستشرقين الأوائل حتى اليهود منهم اقترحوا أن تكون جغرافية التوراة في اليمن مثل المستشرق وينكلر الذي قال بأن مصر التوراتية هي إقليم في شبه الجزيرة العربية. إذن، فنظرية جغرافية التوراة في اليمن وجزيرة العرب، لها جذورها العريقة في التراث الاستشراقي ومن المستشرقين اليهود أنفسهم، وليس أنها "نظرية ثورية" خارجة عن نطاق ما قدمه الاستشراق، وهذا بإقرار أحمد الدبش مثلا أحد أهم المنظرين لهذه الأطروحة، وهذا بحد ذاته ما يتناقض مع المنطلق والهدف الرئيسي من هذه النظرية التي تسعى إلى تحرير التاريخ العربي من سيطرة الفكر الاستشراقي. إذ نوه الدبش في العديد من كتبه إلى أن هذه النظرية ليست جديدة، وأن هناك من المستشرقين من تبناها من قبل، ووصفهم بالمستشرقين "الثقات"- وهو توصيف يحذرنا من الخلط بين نوعين من المستشرقين: ثقات وغير ثقات[57]. فالمشكلة الأعظم مع جميع هذه النظريات التوفيقية تثير التساؤل الهام حول التاريخ الحديث لإسرائيل القديمة: العلاقة الانفعالية بين الأدب التوراتي والبحث التاريخي. فالبنى التاريخية تقوم على الأبحاث وليس على المنهجيات النظرية، ويجب أن تستند إلى البيئات الثابتة كي تصبح مقبولة تاريخياً. فالتاريخ يتعلق بالطبيعة وليس بما وراء الطبيعة. فإذا كان إضفاء التاريخانية على مجمل المرويات التوراتية أو على أي جزء محدد منها ممكناً، وجب علينا ألا نستجيب لإغراء تبني منظور مستخلص من ذلك الشكل الشامل نظرياً ولا من أي جزء منه لا تثبت تاريخيته بذاتها.[58]

الخاتمة:

ختاما، يمكن القول بأن التاريخ الفلسطيني والمنطقة بشكل عام قد خضع لروايات استشراقية لاهوتية. كان الهدف منها شرعنة المشروع الاستيطاني في الأراضي العربية وخلق قطيعة بين التاريخ الفلسطيني ومحيطه العربي. وتطويع المكتشفات الأثرية لأغراض دينية صهيونية. كان من مخرجاتها خلق تاريخ فلسطيني ملفق بالاستناد على الكتاب المقدس لا باعتباره كتاب دينيا بقدر ما هو وثيقة تاريخية وجب اثباتها على أرض الواقع. ورغم التحولات النقدية الجادة في الغرب، لا تزال المجتمعات العربية غارقة في اجترار هذه المرويات دون مساءلتها. لذلك، فإن هناك ضرورة ملحّة اليوم لتفكيك الارتباط القائم بين المعرفة التوراتية والخطاب الأكاديمي حول الشرق، والانفتاح على قراءات نقدية بديلة تعيد الاعتبار للتاريخ العربي وتحرّره من أسر السردية الاستشراقية. وحدها القراءة المتجذرة في الواقع الجغرافي والاجتماعي العربي، بعيدًا عن التوراة ومصطلحاتها، قادرة على إنتاج سردية علمية موضوعية تعيد كتابة تاريخ المنطقة بإنصاف ووعي. دون الاعتماد على نفس الوسائل والمناهج التي اعتمدها المستشرقون بداية وإنما دراسة التاريخ بشكل موضوعي ليس فقط تاريخ بلاد الشام وإنما دراسة تاريخ شبه الجزيرة العربية خاصة أن صحاريها لازالت تخفي العديد من الآثار التي من شأنها ربما تغيير نظرتنا للتاريخ القديم بعيدا عن المرويات الشفوية وكتب التراث.

***

حماس سعيد عبدلي

..........................

[1] فهد مطلق العتيبي، "تاريخ فلسطين القديم بين علم الآثار الأوروبي والتوراة: دراسة نقدية"، مجلة السياحة والآثار، جامعة الملك سعود، العدد 24، الجزء 1، 2012، ص 22.

[2] فهد مطلق العتيبي، ص 10.

[4] فهد مطلق العتيبي، ص21.

[5] المرجع السابق.

[6] فهد مطلق العتيبي، ص 22.

[7] محمد الأسعد، "مستشرقون في علم الآثار: كيف قرأوا الألواح وكتبوا التاريخ"، (الطبعة الأولى)، دار مسعى والدار العربية للعلوم ناشرون، 2010، ص 53.

[8] محمد الأسعد، ص 3.

[9] المرجع السابق.

[10] فهد مطلق العتيبي، ص 16.

[11] فهد مطلق العتيبي، ص 22.

[12] فهد مطلق العتيبي، ص15 .

[13] فهد مطلق العتيبي، ص 17.

[14] فهد مطلق العتيبي، ص 19.

[15] المرجع السابق.

[16] محمد الأسعد، ص 107.

[17] محمد الأسعد، ص 116.

[18] محمد الأسعد، ص 52.

[19] المرجع السابق.

[20] محمد الأسعد، ص 133.

[21] محمد الأسعد، ص 135.

[22] عبد ربه، عمر. (2019). "علم الآثار ودوره في تكريس المشهد التوراتي في القدس: مدينة داود نموذجاً. "مجلة جامعة بيت لحم، ص38.

[23] المرجع السابق، ص 46.

[24] https://www.alaraby.co.uk/culture/محمد-الأسعد-في-نزع-الاستشراق-عن-علم-الآثار.

[26] طومسون، توماس ل. (1995) التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي. بيروت، بيسان للنشر والتوزيع. ص 146.

[27] المرجع السابق، ص 289.

[28] فاضل الربيعي، فلسطين المتخيلة: أرض التوراة في اليمن القديم، المجلد الأول، 2017، ص 27.

[29] https://www.aljazeera.net/blogs/2017/6/7/مسألة-إسرائيل-في-لوحة-مرنبتاح.

[30] https://www.alarabiya.net/arab-and-world/egypt/2024/05/31/زاهي-حواس-اسرائيل-تقف-خلف-رواية-تكذيبي-للكتب-السماوية-وهذا-ردي-.

[31] https://www.britannica.com/topic/pharaoh.

[33] فاضل الربيعي، ص 23.

[34] فاضل الربيعي، ص 24.

[35] فاضل الربيعي، ص 20.

[36] فاضل الربيعي، ص 21.

[37] فاضل الربيعي، ص 25.

[38] فاضل الربيعي، ص 42.

[39]فاضل الربيعي، ص 47.

[40] المرجع السابق.

[41] فاضل الربيعي، ص 56.

[42] فاضل الربيعي، ص 58 59.

[43]فاضل الربيعي، ص 68.

[44] فاضل الربيعي، ص 78.

[45] فاضل الربيعي، ص 80.

[46] فاضل الربيعي، 82.

[47] فاضل الربيعي، ص 91.

[48] فاضل الربيعي، ص 102.

[49]فاضل الربيعي، ص 118.

[50]فاضل الربيعي، ص 119.

[51] فاضل الربيعي، ص 124.

[52] فاضل الربيعي، ص 131.

[53] فاضل الربيعي، ص 152.

[54]فاضل الربيعي، ص 153.

[55]فاضل الربيعي، ص 154.

[56] https://www.al-akhbar.com/Opinion/313210/مع-سبق-الإصرار-اليمن-لم-يحتضن-تجربة-بني-إسرائي.

[57] https://www.academia.edu/35044499/جغرافية_التوراة_وحاخاماتها_العرب_الجذور_الاستشراقية_اليهودية_للنظرية  ص 26.

[58]  المرجع السابق، ص 94.

 

من الناحية الواقعية والمنهجية، ثمة علاقة عميقة بين ظاهرة التكفير وظاهرة العنف في الاجتماع الإنساني. بمعنى إن التكفير بوصفه موقفا عقديا وثقافيا ونفسيا من الآخر المختلف والمغاير، يقود على مستوى الفعل والممارسة العملية إلى كره الآخر لأسباب دينية، وهذا الكره يفضي إلى استخدام العنف ضد المكفر سواء كان فردا أو جماعة. فالعلاقة في احد جوانبها بين التكفير والكراهية، هي علاقة السبب بالنتيجة. وتحاول هذه الدراسة سبر وتفكيك ظاهرة التكفير في الاجتماع الإسلامي المعاصر، عن طريق تفكيك ظاهرة الكراهية بين البشر لأسباب دينية. وعلى مستوى النص القرآني ليس هناك علاقة بين التكفير والقتال أو استخدام العنف. فالكفر ليس سببا موجبا للقتل والقتال. وبالتالي هناك مسافة بين ظاهرتي الكفر والعنف. وما تشهده بعض البلدان الإسلامية من ممارسة العنف العاري ضد المختلف المذهبي أو المغاير الديني، يقودنا إلى أهمية دراسة وتفكيك ظاهرة الكراهية كخطوة أولى في سبيل دحض كل المتواليات النفسية والعملية المترتبة عليها.

 مفتتح:

 لعل من الظواهر الإنسانية الثابتة، والتي تتطلب قراءة عميقة لمعرفة العوامل والأسباب المفضية إليها، والطرق المناسبة لتجاوز التأثيرات السلبية والمدمرة لهذه الظاهرة، أو التقليل من حدوثها وبروزها في الفضاء الإنساني. هي ظاهرة الكراهية والعداء والعداوة بين بني الإنسان. حيث تشترك عوامل عدة، موضوعية وذاتية، داخلية وخارجية، في بروز حالة العداء والعداوة بين الإنسان وأخيه الإنسان. وفي إطار سعينا الحثيث في إرساء ثقافة الحوار والتسامح وحقوق الإنسان في فضائنا الاجتماعي، من الأهمية بمكان، تفكيك هذه الظاهرة، ومعرفة العوامل المباشرة لحدوثها، وما هي الكيفية أو الآليات المناسبة للتقليل منها في فضائنا الاجتماعي والوطني. فهل من الطبيعي أن يقود الاختلاف الأيدلوجي أو السياسي إلى العداوة والكراهية. أم أن هناك عوامل وأسبابا أخرى، تتدخل في هذا الأمر، فتحول الاختلافات بكل مستوياتها إلى مصدر من مصادر العداوة والكراهية.. إننا بحاجة ماسة اليوم، إلى قراءة هذا الواقع، وإزالة كل موجبات الكراهية والعداوة من فضائنا الاجتماعي.

وذلك لأن حينما يسود العداء الواقع الاجتماعي، فإن الأخطار الحقيقية تتلاحق علينا. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تستقر أحوالنا وأوضاعنا، ونحن نحتضن ثقافة تدفعنا إلى ممارسة الكراهية ضد الآخر المختلف عنا والمغاير لتصوراتنا وقناعاتنا. وذلك لأن هذه الثقافة بتأثيراتها وانعكاساتها، قادرة شحن النفوس بشكل سلبي ضد الآخر المختلف والمغاير.

والسلوك العدواني هو في جوهره حالة نفسية سلبية ضد الآخر بحيث تنفيه وترفضه في وجوده ونفسه أو في موقعه ومنصبه أو في مصالحه وعلاقاته، وتتحرك نحوه بطريقة عدوانية - تدميرية. والعلاقة جد قريبة بين الثقافة التي تؤسس لمقاولات الإكراه والإلغاء والنفي، والسلوك العدواني تجاه الآخر. فالثقافة التي لا ترى إلا ذاتها وتلغي ما عداها، هي المقدمة النظرية لذلك السلوك العدواني الذي لا يرى إلا قناعاته ومصالحه ويعمل على تدمير الآخر بمستويات متعددة.

فالعلاقة بين الثقافة التي تبث الكراهية بين بني الإنسان لدواعي أيدلوجية أو سياسية، وبين السلوك العدواني بكل مستوياته والذي يستهدف تدمير الآخر وإلغائه هي علاقة السبب بالنتيجة. فلا يمكن أن تنتج ثقافة الكراهية والبغضاء والإلغاء واقع المحبة والألفة والتسامح، بل تنتج واقعاً من نسخها ومن طبيعة ماهيتها وجوهرها. وهو العدوان بكل صوره ومستوياته.

فالسلوك العدواني هو عبارة عن فكرة في العقل وغريزة في النفس وممارسة تدميرية والغائية في الواقع والموقف. لذلك نجد أن المجال الإسلامي المعاصر، يعيش هذه المحنة في صور ومستويات متعددة. فالأفكار والأيدلوجيات التي تلغي الآخر المختلف والمغاير، ولا تعترف بحقوقه، فإنها أوصلتنا في المحصلة النهائية إلى انتشار ظاهرة العنف والتطرف والإرهاب. والتي تعمل على معالجة خلافاتها مع الآخرين عن طريق استخدام القوة العارية. فتحسم اختلافاتها عن طريق ممارسة القهر والعنف.

والمشروعات السياسية التي سادت في مجالنا الإسلامي بصرف النظر عن أيدلوجيتها وشعاراتها، والتي كانت تحمل مضموناً سيئاً من الآخر. قادتنا هذه المشروعات وأوصلتنا إلى أنها تحولت إلى مصدر من مصادر العدوان والعنف في الواقع الاجتماعي والسياسي. فالمشروعات الأيدلوجية والسياسية، التي لا تحمل موقفاً حضارياً وتعددياً من الآخر المختلف والمغاير، فإنها ساهمت بشكل أو بآخر في نشوء ظاهرة العدوان والعنف والتطرف، فالذي يرفض الآخر على مستوى الشعور والفكر، هو الذي يؤسس للحرب وممارسة العنف تجاهه في الواقع الخارجي.

لذلك فإن المدخل الحقيقي لعلاج ظاهرة العنف والعدوان في الفضاء الاجتماعي، هو إعادة تأسيس العلاقة والموقف من الآخر المختلف والمغاير. فالأنا لا تقبض على كل الحقيقة، والآخر ليس شراً وباطلاً بالمطلق. إن تأصيل هذه الحقيقة، هو الذي يزيل من نفوسنا وعقولنا كل المسوغات النظرية والنفسية لمعاداة الآخر باعتباره مخالفاً لنا في الأيدلوجية أو الموقف الثقافي أو السياسي.

فالآخر هو مرآة ذواتنا، وإذا أردنا أن نتعرف على خبايا وخفايا ذواتنا، فعلينا أن نتواصل مع الآخر فهو مرآتنا الذي نكتشف من خلالها صوابية أفكارنا أو خطئها، سلامة تصوراتنا أو سقمها.

لهذا كله فإن إعادة تأسيس العلاقة بين الذات والآخر على أسس القبول بالتعددية والاعتراف بحق الاختلاف ونسبية الحقيقة، هو الذي يزيل من ذواتنا وفضائنا الاجتماعي الكثير من موجبات العدوان على الآخرين.

فك الارتباط:

فالاختلاف الأيديولوجي أو السياسي أو الثقافي، ليس مدعاة لانتهاك حقوق الآخرين، بل على العكس من ذلك تماماً، حيث إن الاختلاف بكل مستوياته، ينبغي أن يقود إلى التواصل والتعارف ومعرفة الآخرين على مختلف المستويات.. إذ يقول تبارك وتعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} (الحجرات 13).. فإلغاء الخصوصيات لا يمثل نهجاً واقعياً في التعاطي مع الواقع، لأن الإلغاء من أي طرف كان لا يغير شيئاً من المسألة في طبيعتها الذاتية، أو من تأثيراتها الموضوعية، باعتبار أنها تمثل بعداً في عمق الذات، لا مجرد حالة طارئة على الهامش، مما يجعل من مسألة الإلغاء مشكلة غير قابلة للحل.. والرؤية القرآنية تؤكد على ضرورة أن تحرك الخصوصية في دائرتها الداخلية في الجانب الايجابي الذي يدفع الإنسان للتفاعل عاطفياً وعملياً مع الذين يشاركونه هذه الخصوصية في القضايا المشتركة.. ويبغى التعارف غاية إنسانية من أجل إغناء التجربة الحية المنفتحة على المعرفة المتنوعة والتجربة المختلفة للوصول إلى النتائج الإيجابية في مستوى التكامل الإنساني.

ويقول عزّ من قائل: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} (فصلت 33- 34).

فحينما يختلف الناس في مواقع الفكر أو في مواقع الحياة الخاصة والعامة، فتثور المشاعر، وتتعقد المواقف، حتى تتحول إلى خطر كبير على العلاقات الإنسانية في المجتمع، عندما يتجه الموقف إلى الصدام الذي يهدد الجميع، ويقطع التواصل في أفراده.. فهناك أسلوب السيئة الذي يعمل على إثارة الانفعال الذي يتحرك بالحقد والعداوة والبغضاء ويدفع بالموقف إلى القطيعة والصراع، وذلك بالكلمة الحادة والنابية، والموقف الغاصب، واليد المعتدية.

وهناك أسلوب الحسنة الذي يعمل على تحريك الموقف والرؤية على أساس الدراسة العقلانية - الموضوعية لكل المفردات المتناثرة في ساحة الأفكار والمواقع والمواقف ومحاولة اكتشاف العناصر والمفردات الداخلية والخارجية التي تضيق الهوة بين هذا الموقف أو ذاك، أو تردمها، وتجمع العقول والقلوب على قاعدة فكرية وحياتية واحدة، وذلك بالكلمة الطيبة والنظرة الحانية والموقف الموضوعي واليد المصافحة والالتفاف على كل المشاعر السلبية بالمشاعر الإيجابية التي يختزنها الفكر والواقع.

فـ{ادفع بالتي هي أحسن} ليتحول العدو إلى صديق، والبعيد إلى قريب، والخصم إلى رفيق، وذلك لأن الإيمان يفرض على الإنسان أن يختار الأحسن في حركة العلاقات، كما يريده اختيار الأحسن في حركة الحياة..

ولعل هذا الهدف يحتاج إلى الكثير من الجهد النفسي والفكري والعملي، الذي يتجاوز الكثير من الضغوط الداخلية والخارجية التي تريده أو تقوده إلى الاستسلام إزاء المشاعر الانفعالية والعدوانية. لذلك يقول تعالى: {وما يلقاها إلا الذين صبروا} على مشاعر الحرمان التي يفرضها الانفتاح على الآخرين، في مجاهدة النفس ضد رغباتها الذاتية الضيقة، وضد نزواتها العشوائية، وعلى بعض الأوضاع الصعبة التي قد تحصل للإنسان من خلال ذلك، وعلى الوقت الطويل الذي يحتاجه الفكر الموضوعي - المتزن للوصول إلى الحلول العملية التي تتناسب مع طبيعة المشاكل الموجودة في الساحة.. {وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} من الإيمان والوعي والإنسانية النابضة بكل معاني الخير والإحسان.

إن وأد ثقافة الكراهية من مجتمعنا وفضائنا الوطني، بحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى الآخر وجوداً ورأياً ومشاعر، حتى يتسنى للجميع صياغة العلاقة بين الذات والآخر، بين مكونات المجتمع وتعبيرات الوطن المتعددة على أسس الاعتراف بحق الآخر في التعبير عن وجوده وأفكاره بعيداً عن ضغوط الإكراه وموجبات النفي والإلغاء.

فالاختلاف مهما كان حجمه، لا يشرع للحقد والبغضاء وممارسة العدوان الرمزي والمادي، بل يؤسس لضرورة الوعي والمعرفة بالآخر. وعياً يزيل من نفوسنا الأدران والأحقاد والهواجس التي تسوغ لنا بشكل أو بآخر معاداة المختلفين معنا.

ومعرفة تضيء كل محطات العلاقة بمستوياتها المتعددة، وتحول دون إطلاق الاتهامات الجوفاء والشعارات الصفراء.. إننا اليوم وفي ظل الأوضاع الحرجة التي نعيشها على أكثر من صعيد، أحوج ما نكون إلى تلك الثقافة التي تدفعنا إلى تجسير الفجوة مع المختلفين معنا، وتحثنا على التعارف والتواصل والتفاهم والحوار المستديم، وتلزمنا باحترام الإنسان وحقوقه. وإلى تلك المبادرات الاجتماعية والسياسية، التي تستهدف إزالة كل ما من شأنه أن يشين إلى بعضنا البعض، ويعمق أواصر التلاقي والمحبة، ويجذر خيار التعايش والسلم الأهلي.

فلتتكاتف كل الجهود والطاقات والإمكانات، من أجل الخروج من شرنقة التعصب الأعمى إلى رحاب التواصل والحوار، ومن ضيق التطرف والغلو إلى سعة الرفق والتيسير، ومن دائرة الجمود المميتة إلى فضاء التجديد والاجتهاد والكدح المتواصل من أجل الحق والحقيقة.

إن الظروف الحساسة التي نعيشها، تتطلب منا جميعاً الانعتاق من أسر الجمود والتعصب والأنانية القاتلة، وذلك حتى نتمكن من مجابهة هذه الظروف والتحديات التي تستهدفنا جميعاً.

فلنأخذ جميعاً بأسباب العدالة في تعاملنا مع الآخرين، في نطاق الرؤية التي تقول: عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به.

الحرية الدينية:

 ثمة علاقة دقيقة وعميقة تربط بين قدرة الإنسان على التفكير واستقلاله فيه، وبين قيمة الحرية وممارسة مقتضياتها.

فالإنسان الذي يمتلك إمكانية التفكير المستقل، هو ذلك الإنسان الذي يستطيع استعادة حريته وإنسانيته، ويستثمر طاقاته وإمكاناته في سبيل تكريس نهج الحرية في الواقع الإنساني. فاستعادة الحرية بكل متطلباتها وآفاقها، تبدأ من الإنسان نفسه، فهو الذي يقرر قدرته على التحرر والانعتاق أو خضوعه واستغلاله واستبعاده لمراكز القوى. وذلك لأن التفكير السليم، هو الشرط الأول للقوة في الحياة. من هنا ركز القرآن الحكيم على أن الإيمان بالله يعطي صاحبه التحرر، والتحرر يعطيه القوة (التمسك بالعروة الوثقى) والعلم (يخرجه من الظلمات إلى النور). ولكن أي إيمان هذا الذي يعطينا القوة والعلم. إنه الإيمان الواعي، لا الإيمان المكره عليه فهو الآخر نوع من الاستعباد والخضوع للقوة المادية.

من هنا تحدث القرآن في بداية الحديث عن الحرية الدينية وقال (لا إكراه في الدين). فجذر الحرية، هو أن يتحرر الإنسان من كل الضغوطات والأهواء والشهوات، التي تدفعه إلى الانسياق وراءها. فحينما يغمر الإيمان بالله عز وجل قلب الإنسان، ويتواصل بحب واختيار مع القدرة المطلقة، تنمو لديه القدرة على الانعتاق من كل الأشياء التي تناقض حرية الإنسان. فطريق الحرية الإنسانية الحقيقة، يبدأ بالإيمان والعبودية المطلقة للباري عز وجل. وذلك لأن كل الأشياء حاضرة عنده، لا يغيب شيء منها عن علمه، لأن الأشياء مكشوفة لديه، فلا مجال لاختباء الإنسان عن الله في أي عمل يخفيه، أو سر يكتمه أو خطأ يستره، لأن الإخفاء والكتمان والستر معان تلتقي بالحواجز المادية التي تحول بين الشيء وبين ظهوره مما لا مجال لتصوره في ذات الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

ولعل هذا الإحساس هو الذي يتعمق في وعي الإنسان من حركة إيمانه فيمنعه عن الجريمة الخفية، والمعصية المستورة، والنيات الشريرة التي تتحفز للاندفاع والظهور.

من هنا وقفت النصوص القرآنية ضد الإكراه والسيطرة، ودعت الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التحرك في أجواء الإبلاغ والإقناع وحركة حرية الفكر والتعبير. إذ قال تعالى {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (الكهف، الآية 29).

وقال عز من قائل {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} (الغاشية، الآية 22). وقال تبارك وتعالى {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} (يونس، الآية 99).

وقد تحدث الأستاذ (جودت سعيد) في كتابه (لا إكراه في الدين - دراسات وأبحاث في الفكر الاسلامي) عن مجموعة من الفوائد من آية (لا إكراه في الدين) منها:

1- إنها في ظاهرها حماية للإنسان الآخر من أن يقع عليه الإكراه من قبلك، ولكنها في باطنها حماية لك أيضا من أن يقع عليك الإكراه، فهي حماية للآخر وحماية للذات من أن يقع على كل منهما الإكراه.

2- يمكن فهم هذه الآية على أنها إخبار وليس إنشاء، أي يمكن أن تفهم على أنها نفي وليست نهياً، ويكون بذلك معناها إخبارا بأن الدين الذي يفرض بالإكراه لا يصير ديناً للمكره فهو لم يقبله من قلبه، والدين في القلب وليس في اللسان. فهي بهذا الشكل إخبار بأن الدين لا يتحقق بالإكراه ومن يكره إنما يقوم بعمل عابث لا اصل له.

هذا معنى الآية حينما نفهمها على أنها إخبار وليس انشاءاً أو أمراً، كما يمكن أن نفهم الآية على أساس الإنشاء أي أن تفهم على أنها نهي عن الإكراه، لأنه لا يليق بالعاقل أن يقوم بعمل عابث، ولأن فرض الإيمان والدين بالإكراه عبث فجدير أن ينهانا الله عنه، فيكون المعنى نهياً عن ممارسة الإكراه للآخر، ونهياً أيضا لنا عن أن نقبل الإكراه والخضوع له.

فرشد الإنسان فرداً ومجتمعاً، هو من جراء التزامه بحريته واحترامه التام لحريات الآخرين. فحينما تنتفي كل الضغوطات والإكراهات، يتحقق مفهوم الرشد في الواقع الخاص والعام..

فالحرية بكل ما تحمل من معان إنسانية نبيلة وقيم تعلي من شأن الإنسان وكرامته، وتحميه من كل نزعات الاستفراد والإقصاء والنبذ والإكراه، هي بوابة الرشد ووسيلته في آن. وهي التي تخرج الإنسان من الغي وتخلق حقائق الاستمساك بالعروة الوثقى.

والمجتمع الذي يمارس حياته السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، بعيداً عن كل أشكال الإكراه والعنف، هو المجتمع الرشيد الذي يدافع عن حقوقه ومكاسبه بالحرية. وبها أيضا يصون حرمات الآخرين ومكاسبهم.

والتاريخ يحدثنا أن كل من يمارس الإكراه والعنف للدفاع عن ذاته، لا ينجز مراده ولا يحقق هدفه، بل ترتد عليه هذه الممارسات أكثر سوءاً ويدخل في أتون النزاعات والحروب والعنف والعنف المضاد.

إن الاتحاد السوفيتي لم يستطع أن يحمي ذاته من التشرذم والانقسام والتلاشي، مع العلم انه يمتلك أعتى الأسلحة وأطورها. فهذه الأسلحة الفتاكة لم تمنع الشعوب المنضوية تحت لواء الاتحاد السوفيتي من النهوض ورفض كل أشكال القهر والإكراه.

فالحضارات لا تبنى بالإكراه، كما أن الأفكار لا تنتقل بالقسر والإكراه. فما أكثر الإمبراطوريات التي انهارت وتلاشت وأصبحت في ذمة التاريخ، بفعل اعتمادها واستنادها على القهر والإكراه. وفي المقابل نجد أن هناك أمماً ودولاً صمدت في وجه كل عمليات القمع والقسر والإكراه، لأنها تدير شؤونها وتسير أمورها بحرية وديمقراطية، وبعيداً عن كل أشكال القهر والإكراه.

فالحياة دائماً لكل امة ومجتمع يدار بالحرية، وينبذ الإكراه بكل صنوفه وأشكاله ومستوياته. ويرتكب حماقة تاريخية كبرى كل من يسعى إلى إدخال غيره في دينه أو مذهبه أو حزبه بالإرغام والإكراه.

لذلك فإن الحرية من القيم الأساسية في حركة الإنسان الفرد والجماعة، وبها يقاس تقدم الأمم وتطورها. إذ لا يمكن أن يتحقق التقدم إلا بالتحرر من كل معوقاته وكوابحه. والحرية هي العنوان العريض للقدرة الإنسانية على إزالة المعوقات وإنجاز أسباب وعوامل النهوض والانعتاق.

لذلك نجد أن الأنبياء جميعاً حاربوا الاستبداد والإكراه، ووقفوا في وجه الفراعنة، وعملوا من مواقع مختلفة لإرساء دعائم الحرية للإنسان. ولقد فك الأنبياء جميعاً العلاقة بين الفكر والعنف، فحرروا معركة الأفكار من معركة الأجساد، والله تعالى حمى الأجساد من أن يعتدى عليها من اجل الأفكار، فلم يعط لأحد الحق على جسد الآخر مهما كانت فكرته. وفي سبيل نيل الحقوق والحريات، لم يشرع الله سبحانه وتعالى للأنبياء ممارسة الإجبار والإكراه، وإنما حدد مهمتهم ووظيفتهم في الدعوة بالموعظة الحسنة والتبشير والنذير.

فالوظيفة الكبرى هي هداية البشر، بوسائل عقلية - سلمية، بعيدة كل البعد عن كل أشكال الضغط والقوة والإكراه.

وعلى هدى هذا نقول: انه لا يجوز التضحية بحريات الأفراد تحت مبرر معارك الخارج وتحدياته الحاسمة. إذ انه لا يمكن أن نواجه تحديات الخارج بشكل فعال، إلا إذا وفرنا الحريات والحقوق لجميع المواطنين.

ولعلنا لا نعدو الصواب، حين القول بأن مجالنا العربي والإسلامي في العقود الخمسة الماضية قد قلب المعادلة. إذ سعت نخبته السياسية السائدة، إلى إقصاء كل القوى والمكونات تحت دعوى ومسوغ أن متطلبات المعركة مع العدو الصهيوني، تتطلب ذلك. وأصبح شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) هو السائد. ولكن النتيجة النهائية التي وصلنا إليها جميعاً حاكماً ومحكوماً، إن هذا الخيار السياسي لم يوصلنا إلا إلى المزيد من التدهور والانحطاط، وبفعل هذه العقلية أصبح العدو الصهيوني أكثر قوة ومنعة، ودخلنا جميعاً في الزمن الإسرائيلي بكل تداعياته الدبلوماسية والسياسية والأمنية والثقافية والاقتصادية.

فتصحير الحياة السياسية والمدنية العربية والإسلامية، لم يزدنا إلا ضياعاً وتشتتاً وضعفاً. ولقد دفع الجميع ثمن هذه الخطيئة التاريخية. لذلك آن الأوان بالنسبة لنا جميعاً أن نعيد صياغة المعادلة. فلا انتصار تاريخي على العدو الصهيوني، إلا بارتقاء حقيقي ونوعي لحياتنا السياسية والمدنية. فإرساء دعائم الديمقراطية وصيانة حقوق الإنسان. كل هذه الممارسات والمتطلبات من صميم معركتنا التاريخية والحضارية. وانتصارنا على العدو الخارجي، مرهون إلى قدرتنا على إنجاز هذه المتطلبات في الداخل العربي والإسلامي. فالإكراه الديني والسياسي، لا يصنع منجزات تاريخية، وان صنعت سرعان ما يتلاشى تأثيرها من جراء متواليات الإكراه وامتهان كرامة الإنسان.

فآراء الإنسان مصونة، بمعنى أن الإنسان لا يقتل بسبب آرائه وأفكاره. والآراء والأفكار والقناعات، لا تواجه بالقوة المادية أو استعداء الآخرين، وإنما بالرد الفكري والحوار المتواصل وبيان أوجه الخطل والضعف في الآراء المتداولة.

لذلك كله فإن الحرية قبل أن تكون أشكالاً سياسية ونصوصاً دستورية، هي خروج كل فرد فينا عن أنانيته وافقه الضيق ومغادرة تلك الأفكار الآحادية والإقصائية والاستغنائية، التي لا تزيدنا إلا بعداً عن الديمقراطية ومتطلباتها الفكرية والمجتمعية.

لذلك فإن النواة الأولى للاستقرار والتطور، هي الاحترام العميق للآخرين مشاعر وأفكاراً ووجوداً، ومساواة الآخرين بالذات، ونبذ كل أشكال ممارسة الإكراه.

وإننا اليوم وفي كثير من مواقعنا، أحوج ما نكون إلى رفع شعار (لا إكراه في الدين) والعمل على تحويله إلى مشروع مجتمعي ينظم حياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية، ويرفع الغطاء الديني عن كل الممارسات العنفية والإرهابية، التي لا يقرها عقل ولا دين ولا تنسجم وثوابت الأمة.

فلننبذ من فضائنا السياسي والاجتماعي والثقافي، كل الممارسات الإكراهية والإقصائية، ونبني راهننا على أسس الحرية واحترام التعدد والتنوع، ونفسح له المجال لممارسة دوره ووظيفته في البناء وتعزيز خيار السلم والتعايش الأهلي.

من أجل تفاهم مشترك

جاء في التراث أنه كان هناك أربعة من الفقراء جالسين في طريق، وكل منهم من بلد: أحدهم رومي، والثاني فارسي، والثالث عربي، والرابع تركي، ومر عليهم محسن فأعطاهم قطعة من النقد غير قابلة للتجزئة، ومن هنا بدأ الخلاف بينهم، يريد كل منهم أن يحمل الآخرين على اتباع رأيه في التصرف في هذا النقد. أما الرومي فقال: نشتري به (رستا فيل) وأما الفارسي فقال: أنا لا أرى من (لا نكَور) بديلا، وقال العربي: لا والله لا نشتري به إلا (عنبا)، وقال التركي متشددا في لهجة صارمة: إن الشيء الوحيد الذي أرضى به هو (أوزوم)، أما ما سواه فإني لا أوافق عليه أبدا. وجر الكلام بين الأربعة إلى الخصام، وكاد يستفحل الأمر لولا أن مر عليهم رجل يعرف لغاتهم جميعا، وتدخل للحكم بينهم، فبعد أن سمع كلامهم جميعا، وشاهد ما أبداه كل منهم من تشدد في موقفه أخذ منهم النقد واشترى به شيئا، وما إن عرضه عليهم حتى رأى كل منهم فيه طلبته، فقال الرومي: هذا هو (رستا فيل) الذي طلبته، وقال الفارسي: هذا هو (لا نكَور) وقال العربي: الحمد لله الذي أتاني ما طلبته ! وقال التركي: هذا هو (أوزوم) الذي طلبته. وقد ظهر أن كلا منهم كان يطلب العنب من غير أنت يعرف كل واحد منهم أنه هو بعينه ما يطلبه أصحابه.

لا ريب أن قراءة هذه القصة تثير الضحك وروح الفكاهة، وتثير الاستغراب والاستهجان في آن واحد. من جراء الاختلاف والنزاع الذي حدث بين هؤلاء الصحبة دون وجود مبرر عقلي وواقعي للخلاف والنزاع. فالكل يطلب العنب إلا أن اختلافهم اللغوي حال دون تفاهمهم المشترك، مما أدى إلى الخصام على موضوع أقل ما يقال عنه أنه وهمي. ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول: أن الكثير من الاختلافات والتباينات بين أبناء الوطن والمجتمع الواحد، لا تخرج عن مضمون القصة المذكورة أعلاه. بمعنى أن الكثير مما نتصوره من اختلافات بيننا هو من جراء مواقف مسبقة أو رؤية جاهزة حملناها على بعضنا البعض، دون أن نكلف أنفسنا عبء فحص هذه الرؤية أو تجاوزها بشكل علمي وموضوعي. والإنسان الذي ينحبس في إطار رؤية ضيقة، فإنه سيتعصب لرأيه دون أن يدرك حجم الجوامع المشتركة بينه وبين الآخرين. فحين ينعدم التواصل، وتتضاءل فرص التعارف فإن مساحات سوء الظن والفهم تتسع وتتراكم.

لذلك فإن التواصل بين مختلف مكونات المجتمع وتعبيراته المتعددة، هو من الروافد الأساسية التي تساهم في تعزيز خيار الوحدة والتضامن الداخلي. فوحدة المجتمعات والأوطان بحاجة بشكل دائم إلى التواصل والتعارف المباشر بين مختلف المكونات والشرائح. وذلك حتى تبنى الوحدة على حقائق المعرفة العميقة المتبادلة. وبدون هذه المعرفة سنجد أنفسنا نختلف وتتباين مواقفنا حتى لو كانت غايتنا واحدة.

فالهدف المشترك بوحده لا يصنع وحدة، وإنما هو يحتاج إلى مساندة مستديمة عبر التعارف والتواصل الذي يزيل الالتباسات والهواجس ويحول دون الفرقة المذمومة.. وتاريخيا لم تكن الوحدة التي صنعها العرب والمسلمون، تعني التوحيد القسري ونبذ أشكال التعدد والتنوع الطبيعية في الوجود الاسلامي. وإنما صنع المسلمون وحدة، قامت على احترام التنوع وخصائص التعدد، لأنها حالات وحقائق تاريخية، مركوزة في التكوين النفسي والاجتماعي، ومتناغمة مع نواميس الوجود الإنساني. لأن الباري عز وجل قد خلق البشر مختلفين من نواح عديدة: لتكونهم من ذكر وأنثى [وإنه خلق الزوجين الذكر والأنثى] وهم مختلفون لاختلاف ألسنتهم وألونهم [ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم] كما هم مختلفون لاختلاف عقائدهم [هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن] وعلى ضوء هذا الاختلاف والتنوع، تنشأ الوحدات الاجتماعية، لكن لا لكي تتباعد عن بعضها، وإنما لكي تتعارف.

فالتعارف هو المنظور القرآني، لتجاوز الآثار السيئة والسلبية لحالة الاختلاف والتعدد. قال تعالى [يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم]..

فالاختلافات العقدية والفكرية والسياسية، تزداد اتساعا، وتأخذ منحى تصاعديا وفي بعض الأحيان عنفيا، حينما تتراجع خطوات التفاهم وتغيب حقائق التلاقي والتواصل بين المختلفين. بينما التلاقي والتفاهم والتواصل، يساهم في ضبط الاختلافات، ويحوله إلى رافد للثراء المعرفي والفكري، وترتفع من الفضاء الاجتماعي كل الهواجس والأكاذيب التي تسمم العلاقة وتدفعها نحو دوائر وخيارات خطيرة.

ولقد دفع المسلمون جميعا غالي الأثمان من هواجس بعضهم البعض، ومن الأكاذيب والافتراءات التاريخية والراهنة، التي ساهمت بشكل مباشر في تأجيج النفوس وزيادة الاحتقانات بكل صورها وأشكالها.

وأود في هذا السياق أن أؤكد على النقاط التالية:

1- ضرورة العمل على تطوير التواصل العلمي والثقافي بين مكونات المجتمع والوطن الواحد.. فكل طرف في هذا المجتمع يمتلك من الكتب والمؤلفات الثمينة الشيء الكثير، ويعيش بين ظهراني هذا المجتمع العديد من العلماء والمفكرين والكتاب المتميزين. ولكن وبفعل الجفاء المتبادل، وغياب حقائق التلاقي والتواصل، كل طرف يجهل حقيقة الآخر، أو لا يمتلك رؤية واقعية عنه.

وإننا نعتقد أن القيام بمبادرات حوارية وتواصلية بين حكماء المجتمع وعلمائه، سيفضي إلى فهم متبادل عميق، قادر على إفشال كل مخططات الفتية والتشظي. ويشير إلى هذه المسألة أحد العلماء بقوله: إن توحيد المسلمين ثقافياً لا ينافي أن تعمل كل طائفة من الطوائف الإسلامية بما ثبت عندها واعتقدته، ما دام هذا لا يمس العقائد الأساسية، التي يجب الإيمان بها، ولكن من الواجب أن تعرف كل طائفة من المسلمين حقيقة عقائد الآخرين، لعلها تجد فيها ما تستفيد منه، أو على الأقل إذا أراد أحد باحثيها أن يكتب عنهم شيئا، أو ينقل بعض فتاواهم، فلا يكتب وأما ما سمعنا عنهم أنهم يقولون كذا وكذا أو أنه يقال عنهم كذا وكذا. ولعمري أن هذا لسبة في جبين العلم أن لا يتعب رجاله أنفسهم بالبحث عن كتاب يجدون فيه كل ما يبحثون عنه، من غير أن يسندوا أقوالهم إلى السماع، وكثيرا ما يجيء هذا القول المسموع من ذوي الأغراض الخبيثة.

 لو أن التعارف بين المسلمين تم على أساس توحيد الثقافة، بما في ذلك التبادل الثقافي، وتأليف كتب عن كل طائفة لإعطاء صورة صحيحة عنها، وتعليم اللغات الإسلامية في جامعاتهم وترجمة آثارهم ورجالهم، لعرف المسلمون أنفسهم، وعلموا قوتهم ومقدرتهم، وأنهم مسلمون قبل كل شيء، مسلمون في كتابتهم وتآليفهم، مسلمون في قصصهم وأشعارهم، وأنهم أمناء فيها يكتبون.

فالحوار والتواصل بين مختلف التعبيرات والمكونات لا يلغي الاختلافات والتباينات، وإنما يوصل الجميع إلى أفضل صيغة ممكنة لإدارة الاختلافات وضبط الانقسامات والتباينات. فالتعددية على حد تعبير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية في تقريرها الموسوم بـ(التنوع البشري الخلاق) ليست مجرد غاية في حد ذاتها، فالاعتراف بالاختلافات ما هو إلا شرط لبدء الحوار، وبالتالي لبناء اتحاد أوسع نطاقا بين أناس مختلفين. وعلى الرغم من المصاعب فإننا نواجه مصيرا محتوما، فلا بد من إيجاد سبل للتوفيق بين تعددية جديدة ومواطنة مشتركة. وقد لا يكون الهدف مجرد مجتمع متعدد الثقافات، بل دولة تتألف من ثقافات متعددة، دولة يمكن أن تعترف بالتعددية دون أن تفقد وحدتها.

2- إن التحصين الوطني ضد كل المخاطر التي قد تهدد الأمن الاجتماعي والوطني، يتطلب العمل الجاد على بلورة مشروع ثقافي وطني، يحتضن كل أطياف وتعبيرات الحياة الثقافية الوطنية، ويوظف كل إمكانات الوطن ويصبها في خدمة المشروع، وينفتح على كل الخصوصيات الثقافية، ويتفاعل ويستفيد من كل القوى والوسائط الثقافية والاجتماعية الموجودة، ويتواصل مع منابع الفعل الثقافي بتنوعه ومستوياته ومجالاته وآلياته القائمة والممكنة.

وبكلمة: إن تحصين الوطن من المخاطر، يتطلب بلورة حياة ثقافية جديدة تتجاوز صعوبات الواقع وسيئاته، وتسعى نحو إرساء دعائم وتقاليد التواصل والحوار والانفتاح على كل مكونات الفعل الثقافي والإبداعي الوطني. فالتحصين لا يتأتى بالمنع وزيادة قائمة الممنوعات، بل بغرس أسباب الحياة والحيوية في حياتنا الثقافية والاجتماعية. فالمجتمع الراكد، هو أقرب المجتمعات إلى الاختراق على المستويات كافة. أما المجتمع الحي، والحيوي، فإنه يمتلك الدينامية الكافية التي تؤهله لمقاومة كل الأخطار ومجابهة كل محاولات الاختراق التي تهدد أمنه الاجتماعي والوطني.

فوجود الحياة الثقافية الجادة بكل مستلزماتها ومتطلباتها وآلياتها، يساهم مساهمة أساسية في إرساء دعائم الأمن الاجتماعي والوطني. فحيوية المجتمع وديناميته، هو رهاننا لمجابهة كل التحديات والمخاطر لذلك فإن عملية التحصين الوطني، تتطلب منا جميعاً، تنمية الاستعدادات والإمكانات الثقافية الوطنية، التي تأخذ على عاتقها معالجة الظواهر المجتمعية، واستيعاب أبناء الوطن بمختلف مستوياتهم في أطر ومؤسسات، تنمي كفاءاتهم، وتصقل مواهبهم، وترفع من مستوياتهم وتشاركهم في صياغة حاضرهم ومستقبلهم.

***

محمد محفوظ – باحث سعودي

تفكيك بنيوي لانحسار الخطاب الحقوقي

تمهيد: في خريفٍ قريب، وبينما كانت صور الدمار والضحايا المدنيين في غزة تتدفّق بلا انقطاع، بدا العالم وكأنه يقف مجددًا أمام اختبارٍ أخلاقيٍ مألوف، لكنه هذه المرة أكثر حدّة ووضوحًا. لم يكن السؤال المطروح آنذاك هو ما إذا كانت الانتهاكات جسيمة—فذلك لم يعد محلّ نزاع—بل ما إذا كان الخطاب الحقوقي العالمي قادرًا على إنتاج استجابة متماسكة، غير انتقائية، وقابلة للفعل. فبين بيانات متعارضة، وشللٍ مؤسسي، وتأويلات سياسية لمفاهيم راسخة في القانون الدولي، انكشفت فجوة عميقة بين ثبات المعيار المعلن، وهشاشة الممارسة الفعلية في السياسة الدولية.

- هذا الانكشاف لم يكن ناجمًا عن غياب القواعد أو نقص المعايير؛ فحماية المدنيين، وحظر العقاب الجماعي، وصون البنية التحتية الأساسية، كلها مبادئ مستقرة في صميم منظومة حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. غير أن طريقة الاستجابة الدولية—صمتًا أو تبريرًا أو انتقائية—أعادت إلى الواجهة سؤالًا أقدم وأكثر إرباكًا: هل نحن أمام أزمة التزام سياسي بهذه المعايير، أم أمام مأزق أعمق يتصل بطبيعة الخطاب الحقوقي نفسه، وحدود قدرته على الصمود حين يصطدم بتوازنات القوة ومصالح الدول؟

- من هذه اللحظة الكاشفة، لا بوصفها حالة استثنائية، بل باعتبارها مرآة مكثفة لعالم اليوم، ينطلق هذا النص لمحاولة مساءلة وضع الخطاب الحقوقي في راهنه. فالسؤال لم يعد يدور حول مشروعية حقوق الإنسان أو قيمتها الأخلاقية، بقدر ما بات يتعلّق بقدرتها على التموضع والفعل داخل عالم متغيّر، غير متكافئ، ومتفاوت البنى. فالخطاب الذي وُلد وعدًا كونيًا بحماية الكرامة الإنسانية، يبدو في لحظتنا الراهنة أقل حضورًا كأفق ناظم للسياسة الدولية، وأكثر حضورًا كلغة إدانة أو تبرير انتقائي، تُستدعى حيث تسمح موازين القوة، وتُعلَّق حيث تشتدّ كلفتها السياسية.

- إن هذا التراجع الظاهر لا يمكن فهمه بالاختزال في ازدواجية المعايير أو سوء النوايا وحدها، بل يستدعي مساءلة أعمق تطال بنية الخطاب الحقوقي نفسه، وسياق نشأته، وحدود قابليته على التشكّل داخل بيئات متباينة العناصر. فقد افترض هذا الخطاب، منذ تشكّله الحديث، أن عالمية المعيار كافية لإنتاج شرعيته واستمراره، وأن الكرامة الإنسانية، بوصفها قيمة مجردة، قادرة بذاتها على عبور السياقات السياسية والاقتصادية والثقافية المختلفة. غير أن التجربة التاريخية، خصوصًا خارج المركز الذي نشأ فيه هذا الخطاب، كشفت عن فجوة متنامية بين كونية الادعاء ومحلية التحقق.

- تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن انحسار الخطاب الحقوقي لا يعود فقط إلى تحوّلات السياسة الدولية أو صعود البراغماتية القاسية، بل إلى توتر بنيوي داخله: توتر بين معيار كوني غير قابل للتجزئة، وبيئات متباينة تفتقر، بدرجات مختلفة، إلى الشروط المؤسسية والسياسية والاقتصادية التي تسمح بتحققه. ومن هنا، لا يسعى هذا النص إلى التشكيك في عالمية حقوق الإنسان، ولا إلى الدفاع عنها دفاعًا إنشائيًا، بل إلى تفكيك شروط إمكانها وحدودها، عبر مساءلة العلاقة بين الكونية والتموضع، وبين الثابت المعياري وتعدد مسارات التحقق، وبين الخطاب بوصفه وعدًا أخلاقيًا، والواقع بوصفه بنية قوة

المبحث الأول: أزمة التكوين البنيوي للخطاب الحقوقي: الكونية بلا حامل

- لم تتجلَّ أزمة الخطاب الحقوقي في عجزه عن توصيف الانتهاكات أو تسميتها، بل في عجزه البنيوي عن حماية نفسه من التعليق والتأجيل حين يدخل حيّز السياسة الواقعية. فبينما يقدّم هذا الخطاب نفسه بوصفه منظومة كونية، غير قابلة للتجزئة، تقوم على كرامة إنسانية واحدة، فإنه يظل في مستوى التحقّق العملي تابعًا لبنى سيادية واقتصادية لا يملك السيطرة عليها. ومن هنا، لا يمكن فهم انحساره الراهن إلا بالعودة إلى شروط تكوينه الأولى، لا إلى ممارساته اللاحقة فحسب.

1. الكونية المعيارية والاعتماد البنيوي على الدولة

- نشأ الخطاب الحقوقي الحديث في لحظة تاريخية خاصة، بوصفه ردًّا أخلاقيًا وقانونيًا على فظائع القرن العشرين، وخصوصًا ما كشفته الحرب العالمية الثانية من قابلية الدولة الحديثة لتحويل الإنسان إلى موضوع للإبادة أو الإقصاء المنهجي. غير أن هذا الخطاب، على الرغم من طابعه الكوني، لم يُؤسَّس بوصفه بديلًا عن الدولة أو نقيضًا لها، بل بوصفه منظومة تعتمد عليها في التشريع والتنفيذ والحماية.

- هنا تتشكّل المفارقة البنيوية الأولى:

فالحقوق تُعلن كونية، لكنها لا تُنفَّذ إلا وطنيًا؛

وتُقدَّم بوصفها فوق-سيادية، لكنها تظل رهينة السيادة.

- هذا الاعتماد لم يكن خيارًا عرضيًا، بل نتيجة حتمية لغياب أي سلطة عالمية قادرة على الإكراه الشرعي. وبذلك، أصبح الخطاب الحقوقي محتاجًا إلى الدولة بوصفها وسيطًا، حتى حين تكون الدولة نفسها مصدر الانتهاك. وقد لُخّص هذا التناقض مبكرًا في أطروحة حنّة آرندت حول “الحق في أن يكون للمرء حقوق”، حيث بيّنت أن الحقوق لا تصبح فعلية إلا داخل جماعة سياسية قادرة على حمايتها، وأن الإنسان حين يُجرَّد من هذه الجماعة لا يبقى له سوى إنسانيته العارية، وهي أقل ما يُحمى.

2. الحقوق بوصفها خطابًا أخلاقيًا في فضاء قوة غير أخلاقي

- منذ بداياته، حمل الخطاب الحقوقي توترًا بين لغته الأخلاقية وفضائه السياسي. فهو يتحدث عن الكرامة والمساواة والحرية، في حين تعمل السياسة الدولية بمنطق القوة، والمصلحة، والردع، والصفقات. هذا التوتر لم يكن بالضرورة قاتلًا في مراحل سابقة، حين كانت حقوق الإنسان تُوظَّف ضمن صراع أيديولوجي أوسع، أو حين كانت الدولة القومية لا تزال تحتفظ بهامشٍ من القدرة على التوفيق بين الشرعية الأخلاقية والمصلحة الوطنية.

- غير أن هذا التوازن الهشّ بدأ ينهار مع تحوّلات أعمق: صعود الأمننة، توسّع منطق الاستثناء، وتراجع الفكرة الكلاسيكية للمساءلة. وفي هذا السياق، لم يُلغَ الخطاب الحقوقي، بل أُفرغ من قدرته على الإلزام، وتحول إلى لغة تُستخدم عند انخفاض الكلفة السياسية، وتُعلّق حين ترتفع.

- هنا لا يعود الإشكال في “ازدواجية المعايير” بوصفها انحرافًا أخلاقيًا، بل في كونها نتيجة منطقية لبنية خطاب لا يمتلك أدوات فرضه، ويعتمد على فاعلين لا يتعاملون معه إلا باعتباره أحد عناصر التفاوض السياسي.

3. غياب الحامل السيادي المستقل

- على خلاف الدساتير الوطنية، أو العقود الاجتماعية الداخلية، لم يمتلك الخطاب الحقوقي يومًا حاملًا سياديًا خاصًا به. فلا توجد سلطة عالمية منتخبة، ولا جهاز إنفاذ كوني، ولا احتكار مشروع للعنف باسم الإنسان. وما نشأ من آليات دولية للمساءلة ظل محدود الصلاحيات، خاضعًا للتوازنات الجيوسياسية، أو محكومًا بموافقة الدول نفسها.

- هذا الغياب البنيوي جعل الحقوق:

‌أ) قوية في النص،

‌ب) ضعيفة في الإنفاذ،

‌ج) هشّة أمام منطق الاستثناء.

- وحين تتوسّع حالات الطوارئ—سواء باسم الأمن القومي، أو مكافحة الإرهاب، أو حماية النظام الدولي—تتحوّل الحقوق من التزام أصيل إلى امتياز قابل للتعليق. وفي هذه اللحظة تحديدًا، يتراجع الخطاب الحقوقي لا لأنه خاطئ، بل لأنه بلا قوة ذاتية تحميه.

4. من وعد كوني إلى خطاب مشروط

- تُفضي هذه العناصر مجتمعة إلى نتيجة مركزية:

الخطاب الحقوقي، في بنيته التكوينية، خطاب كوني بلا سيادة، معياري بلا أدوات إكراه، وأخلاقي في فضاء تحكمه المصالح. وهو ما يفسّر لماذا يبدو هذا الخطاب قويًا في لحظات التوافق الدولي، وضعيفًا أو صامتًا في لحظات الصدام الحاد.

- ومن هنا، فإن انحساره الراهن لا ينبغي قراءته بوصفه انهيارًا للقيم، بل بوصفه انكشافًا لبنية طالما كانت قائمة، لكنها لم تُختبر بهذا العنف من قبل. فحين تشتدّ الأزمات، لا يسقط الخطاب الحقوقي لأنه كوني، بل لأنه لم يُصمَّم ليعمل دون وسائط قوية، عادلة، وقابلة للمساءلة.

المبحث الثاني: الراهنية المفرطة للخطاب الحقوقي: من الاستجابة الأخلاقية إلى الهشاشة التاريخية

- إذا كان المبحث الأول قد عالج الخلل البنيوي في تكوين الخطاب الحقوقي، فإن هذا المبحث ينقل التحليل إلى بعدٍ زمني لا يقلّ أهمية: راهنية الخطاب الحقوقي المفرطة، وافتقاره النسبي إلى عمق تاريخي يمكّنه من الصمود حين تتغيّر الشروط السياسية والاقتصادية التي نشأ في ظلّها. فحقوق الإنسان، على الرغم من ادّعائها الكونية، هي—في صيغتها الحديثة—خطاب حديث العهد، تشكّل في لحظة صدمة كبرى، أكثر مما تشكّل عبر تراكم تاريخي طويل داخل البنى الاجتماعية.

1. خطاب وُلد من الصدمة لا من التراكم

- تبلور الخطاب الحقوقي الحديث في أعقاب كوارث القرن العشرين، بوصفه استجابة أخلاقية عاجلة لما بدا آنذاك انهيارًا شاملًا للمعنى الإنساني: الحروب الشاملة، الإبادة، معسكرات الاعتقال، وتحوّل الدولة الحديثة إلى أداة قتل جماعي. في هذا السياق، جاءت حقوق الإنسان لتعيد تثبيت حدٍّ أدنى من الكرامة، لا بوصفها ثمرة تطوّر اجتماعي طويل، بل بوصفها ردّ فعل على قطيعة أخلاقية عميقة.

- ان هذه النشأة، على أهميتها، تركت أثرها على طبيعة الخطاب ذاته. فقد تشكّل بوصفه خطابًا:

‌أ) عالي النبرة الأخلاقية،

‌ب) مكثّفًا معياريًا،

‌ج) لكنه ضعيف التجذّر في البنى الاقتصادية والاجتماعية التي تُنتج العنف واللامساواة.

وبذلك، حمل منذ البداية توترًا بين سرعة الاستجابة وبطء التاريخ.

2. بين الكونية واللحظة: حقوق الإنسان كخطاب راهن

- على خلاف مفاهيم سياسية كالدولة أو السيادة أو السوق، التي تبلورت عبر قرون من الصراع الاجتماعي والتحوّل المؤسسي، ظلّت حقوق الإنسان مرتبطة بلحظة تاريخية محددة، وبسياق دولي معيّن. هذا الارتباط جعل الخطاب الحقوقي يبدو—في كثير من الأحيان—كأنه ينتمي إلى زمن أخلاقي سابق، لا إلى الحاضر المتحوّل.

- ومع تغيّر السياق العالمي—صعود الشعبويات، عودة السياسات القومية الصلبة، توسّع الأمننة، وتحوّل التكنولوجيا إلى أداة ضبط—أصبح الخطاب الحقوقي أقل قدرة على إعادة تعريف نفسه. فهو يستدعي مفردات صيغت لعالم ما بعد الحرب، في مواجهة عالم تُعاد فيه صياغة السلطة على أسس مختلفة.

- من هنا، لا يبدو التراجع الراهن في حضور الخطاب الحقوقي مفاجئًا؛ إنه نتيجة منطقية لخطاب لم يُطوّر أدواته الزمنية بما يكفي، ولم يُنتج سردية تاريخية تسمح له بالتحوّل مع تغيّر الشروط.

3. غياب التاريخ الاجتماعي للحقوق

- إحدى نقاط الضعف الجوهرية في الخطاب الحقوقي هي أنه غالبًا ما يُقدَّم بوصفه منظومة قيم مكتملة، لا بوصفه مسارًا تاريخيًا متنازعًا عليه. نادرًا ما تُربط الحقوق بتاريخ الصراع الاجتماعي، أو بتاريخ العمل، أو بتاريخ الفقر، أو بتاريخ الاستعمار، رغم أن هذه السياقات شكّلت الشروط المادية لانتهاك الكرامة الإنسانية.

- هذا الانفصال بين الحقوق والتاريخ الاجتماعي جعل الخطاب الحقوقي:

‌أ) أخلاقيًا أكثر منه اجتماعيًا،

‌ب) قانونيًا أكثر منه سياسيًا،

‌ج) ومجرّدًا أكثر مما يحتمله واقع معقّد.

- وفي هذا السياق، يصبح من السهل على الفاعلين السياسيين التعامل مع الحقوق بوصفها خطابًا طارئًا، يمكن تعليقه في أوقات “الضرورة”، بدل اعتبارها نتاجًا تاريخيًا لنضالات لا يجوز التراجع عنها.

4. الراهنية بوصفها نقطة ضعف لا قوة

- قد تبدو الراهنية، للوهلة الأولى، مصدر قوة؛ فهي تمنح الخطاب الحقوقي قدرة على الاستجابة السريعة للأزمات. غير أن هذه الراهنية تتحوّل، في غياب عمق تاريخي، إلى نقطة هشاشة. فالخطاب الذي لا يرسّخ نفسه في البنى العميقة للمجتمع والدولة والاقتصاد، يظل قابلًا للتجاوز حين تتبدّل الأولويات.

- هنا يمكن الاستعانة بتحليل ميشيل فوكو للخطاب بوصفه ممارسة مرتبطة بعلاقات القوة، لا بوصفه مجرد منظومة أفكار. فالخطاب الذي لا يعيد إنتاج نفسه داخل شبكات السلطة والمعرفة، يبقى خطابًا هشًّا، مهما بلغت نبل مقاصده.

5. من خطاب كوني إلى ذاكرة قصيرة

- تُفضي هذه الملاحظات إلى نتيجة أساسية:

الخطاب الحقوقي يعاني من قِصر في الذاكرة التاريخية. فهو يستحضر الماضي بوصفه فاجعة أخلاقية (لا ينبغي تكرارها)، لكنه لا يستوعبه بوصفه مسارًا اجتماعيًا واقتصاديًا مستمرًا. وبهذا، يفقد قدرته على تفسير الحاضر، فضلًا عن توجيه المستقبل.

- إن انحسار الخطاب الحقوقي اليوم لا يعود فقط إلى صعود قوى تناهضه، بل إلى عجزه عن التحوّل من خطاب استجابة إلى خطاب تاريخ؛ من لغة “عدم التكرار” إلى لغة تفهم لماذا يتكرر العنف بأشكال جديدة. 

خلاصة المبحث الثاني

- يُظهر هذا المبحث أن أزمة الخطاب الحقوقي ليست بنيوية فقط، بل زمنية أيضًا. فهو خطاب وُلد من صدمة أخلاقية كبرى، لكنه لم يُطوّر سردية تاريخية تمكّنه من التكيّف مع تحوّلات العالم. وبين كونية المعيار وتسارع الزمن السياسي، بقي الخطاب الحقوقي أسير لحظة تأسيسه، عاجزًا عن إنتاج أدوات زمنية جديدة تحميه من التآكل.

من الخلل البنيوي والراهنية إلى سؤال البيئة والاقتصاد السياسي

- يُظهر المبحثان السابقان أن انحسار الخطاب الحقوقي لا يمكن عزوه إلى عامل واحد أو لحظة عابرة. فالخلل البنيوي في تكوينه—بوصفه خطابًا كونيًا بلا حامل سيادي مستقل—يتقاطع مع راهنية مفرطة جعلته أسير لحظة تأسيس أخلاقية لم تُستكمل بتجذّر تاريخي عميق. غير أن هذين البعدين، على أهميتهما، لا يكتمل فهمهما دون الانتقال إلى مستوى ثالث أكثر مادية وملموسية: البيئة التي نشأ فيها الخطاب الحقوقي، والاقتصاد السياسي الذي يفترض به أن يعمل داخله.

- فالخطاب لا يتحرك في فراغ، ولا يتجسّد في نصوص مجردة، بل يتموضع داخل دول، وأسواق، وعلاقات قوة، وأنماط إنتاج وتوزيع غير متكافئة. ومن هنا، يصبح سؤال الحقوق مرتبطًا بسؤال الدولة القادرة، والعدالة التوزيعية، وحدود السوق، وطبيعة النظام الدولي ذاته. إن الانتقال إلى تحليل البيئة المنشِئة لا يعني اختزال حقوق الإنسان في الاقتصاد أو السياسة، بل إدراك أن الكرامة، بوصفها قيمة، لا يمكن أن تصمد طويلًا في بنى تُنتج اللامساواة والعنف بوصفهما شرطًا للاشتغال. وعلى هذا الأساس، يتناول المبحث التالي العلاقة الإشكالية بين الخطاب الحقوقي والاقتصاد السياسي العالمي، لا بوصفها علاقة عرضية، بل بوصفها أحد مفاتيح فهم تراجعه الراهن.

المبحث الثالث: البيئة المنشِئة والاقتصاد السياسي للحقوق: حين تُنتج البُنى نقيض القيم

- إذا كان الخطاب الحقوقي قد قدّم نفسه بوصفه تعبيرًا عن ضمير إنساني كوني، فإن البيئة التي نشأ فيها—الدولة الليبرالية الحديثة واقتصاد السوق الرأسمالي—لم تكن يومًا بيئة محايدة أخلاقيًا. بل على العكس، فقد تشكّل هذا الخطاب داخل نظام اقتصادي وسياسي يُنتج، في جوهره، تفاوتًا بنيويًا في الثروة والسلطة والفرص. ومن هنا، لا يمكن فهم هشاشة الخطاب الحقوقي دون مساءلة التناقض الأصلي بين منطق الحقوق ومنطق التراكم.

1. حقوق الإنسان في ظل اقتصاد ينتج اللامساواة

- تقوم الرأسمالية الحديثة على مبدأ التراكم، لا على مبدأ الكرامة. فهي تنظّم العلاقات الاجتماعية من خلال السوق، وتعيد تعريف القيمة على أساس الربح، والكفاءة، والقدرة على المنافسة. في هذا السياق، تصبح الحقوق—خصوصًا الاقتصادية والاجتماعية—مكلفة، قابلة للتفاوض، أو مشروطة بالقدرة المالية للدولة.

- هنا يبرز التوتر الجوهري:

فالحقوق تفترض مساواة في الاستحقاق،

بينما يفترض السوق تفاوتًا في النتائج بوصفه أمرًا طبيعيًا.

- وقد أشار كارل بولاني إلى أن إخضاع المجتمع لمنطق السوق يؤدي حتمًا إلى تآكل الأسس الأخلاقية التي يقوم عليها. وحين تُترك الصحة، والتعليم، والسكن، والعمل لقوى السوق، تتحوّل الحقوق من التزامات عامة إلى سلع، ومن ضمانات إلى امتيازات.

2. الدولة بين الحماية والوساطة

- في هذا الإطار، لا تعود الدولة حارسًا محايدًا للحقوق، بل وسيطًا بين مطالب اجتماعية متزايدة ومنطق اقتصادي ضاغط. ومع تراجع دولة الرفاه، وصعود النيوليبرالية، تقلّصت قدرة الدولة على لعب دورها الحمائي، وازداد اعتمادها على سياسات التقشّف، والخصخصة، وتقليص الإنفاق الاجتماعي.

- ان هذا التحوّل لم يُضعف فقط الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بل أثّر أيضًا على الحقوق المدنية والسياسية. فالدولة التي تفشل في توفير الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، تميل إلى تعويض هذا الفشل بتشديد الضبط، وتوسيع الأمننة، وتقليص الحريات باسم الاستقرار. وهكذا، يصبح انتهاك الحقوق جزءًا من آلية إدارة الأزمات، لا انحرافًا عنها.

3. النظام الدولي: الكونية في ظل اختلال القوة

- على المستوى الدولي، يتضاعف هذا التناقض. فالنظام العالمي الذي يتبنّى حقوق الإنسان خطابًا، هو ذاته نظام غير متكافئ في توزيع السلطة والثروة. الدول الأقوى اقتصاديًا وعسكريًا تملك القدرة على:

‌أ) فرض أولوياتها،

‌ب) تعطيل آليات المساءلة،

‌ج) وتحديد متى وأين تُفعّل المعايير الحقوقية.

- في هذا السياق، تتحوّل حقوق الإنسان إلى لغة قوة ناعمة تُستخدم لتعزيز النفوذ، لا إلى إطار ملزم للجميع. ولا يعود ضعف تطبيق الحقوق في الأطراف نتيجة “قصور ثقافي” أو “غياب وعي”، بل انعكاسًا لموقع هذه الدول داخل اقتصاد سياسي عالمي غير عادل.

4. الحقوق في بيئات هشّة: من الالتزام إلى الإدارة

- في الدول الهشّة، أو الريعية، أو الخارجة من نزاعات، يتخذ هذا التناقض شكلًا أكثر حدّة. فالحقوق تُدار لا تُحقّق؛ تُقدَّم في خطط واستراتيجيات، لا في سياسات قابلة للنفاذ. ويصبح الخطاب الحقوقي جزءًا من إدارة الهشاشة بدل أن يكون أداة لتفكيكها.

- في هذه البيئات، لا تفشل الحقوق لأنها غير كونية، بل لأنها تُطالَب بالعمل داخل نظم لا تنتج مواطنة كاملة، ولا اقتصادًا منتجًا، ولا مؤسسات مستقرة. وهنا، يتحوّل الخطاب الحقوقي إلى وعد مؤجّل، أو إلى شرطٍ دولي للشرعية، لا إلى عقد اجتماعي حيّ.

5. خلاصة المبحث الثالث

- يُظهر هذا المبحث أن أزمة الخطاب الحقوقي ليست أخلاقية ولا قانونية فحسب، بل اقتصادية–سياسية في جوهرها. فالحقوق التي لا تجد بيئة تُنتج المساواة، ولا دولة قادرة على الحماية، ولا نظامًا دوليًا منضبطًا، تبقى معلّقة بين النص والواقع. ومن هنا، فإن أي محاولة لإحياء الخطاب الحقوقي دون مساءلة الاقتصاد السياسي الذي يعمل داخله، ستظل مجرّد إعادة تدوير لغوي لقيم تُفرَّغ عمليًا من مضمونها.

المبحث الرابع: التموضع عبر البيئات المتباينة: حدود العالمية وإمكانات الترجمة دون التفريط بالثوابت

- يُثير ضعف قدرة الخطاب الحقوقي على التشكّل المتماسك داخل بيئات متباينة—سياسيًا، واقتصاديًا، ومؤسسيًا—سؤالًا نظريًا بالغ الحساسية: هل يعكس هذا الضعف مأزقًا في عالمية حقوق الإنسان نفسها، أم يكشف حدود آليات تموضعها وتحققها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون ثنائية أو تبسيطية، إذ إن الخلط بين المعيار الكوني ووسائط إنفاذه هو أحد أكثر مصادر الالتباس شيوعًا في النقاش الحقوقي المعاصر.

1. عالمية المعيار أم محلية التحقّق؟

- تقوم عالمية حقوق الإنسان على افتراض أخلاقي وقانوني بسيط في صياغته، عميق في تبعاته: أن الكرامة الإنسانية غير قابلة للتجزئة، وأن الحقوق متساوية في الاستحقاق، بغضّ النظر عن السياق أو الهوية أو الموقع الجغرافي. غير أن هذا الافتراض لا يتضمن، بالضرورة، تماثل البيئات في القدرة على التحقّق. فالعالمية هنا تتعلق بالمبدأ، لا بالشروط المادية والسياسية لتنفيذه.

- إن الخلل لا يكمن في كون الحقوق كونية، بل في افتراضٍ ضمني—غالبًا غير مُعلَن—بأن الكونية قادرة بذاتها على إنتاج شروطها. وفي الواقع، تتوسّط بين المعيار والواقع سلسلة من البنى: الدولة، الاقتصاد السياسي، الثقافة السياسية، والنظام الدولي. وكلما اختلّ أحد هذه الوسائط، تراجعت قدرة الخطاب الحقوقي على التموضع، دون أن يعني ذلك انهيار المعيار نفسه.

2. عدم القابلية للتجزئة وإشكالية الأولويات

- يُعد مبدأ عدم قابلية الحقوق للتجزئة والترابط أحد الأعمدة الأساسية للمنظومة الحقوقية. غير أن هذا المبدأ، حين يُقرأ قراءة حرفية أو تجريدية، قد يتحوّل من ضمانة أخلاقية إلى عائق عملي أمام السياسات العامة. فالدول لا تعمل في فضاء مثالي، بل ضمن قيود الموارد، والهشاشة المؤسسية، والضغوط الأمنية.

- التمييز الضروري هنا هو بين:

‌أ) عدم القابلية للتجزئة بوصفها قاعدة معيارية (لا يجوز إسقاط حق بذريعة حماية حق آخر)،

‌ب) والترتيب التنفيذي للأولويات بوصفه ضرورة سياسية وإدارية، بشرط عدم التحلل من الالتزامات الجوهرية، وعدم التمييز، وعدم تحويل التدرّج إلى تأجيل دائم.

- إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وضع أولويات، بل في تسييس الأولويات وتحويلها إلى مبرر لتعليق الحقوق أو إفراغها من مضمونها.

3. الترجمة المؤسسية للحقوق: من المعيار إلى الممارسة

- لا تتحقق الحقوق إلا بقدر ما تُترجَم إلى مؤسسات وسياسات وقواعد توزيع. وهذه الترجمة ليست عملية تقنية، بل صراع اجتماعي–سياسي. ففي البيئات التي تسود فيها من بين امور اخرى :

‌أ) الدولة الريعية،

‌ب) الاقتصاد غير المنتج،

‌ج) الزبائنية،

‌د) أو هشاشة سيادة القانون،

تتحوّل الحقوق إلى وعود خطابية أو أدوات إدارة للأزمات، لا إلى التزامات قابلة للإنفاذ.

- في هذا السياق، يكتسب تحليل كارل بولاني أهمية خاصة. فقد بيّن بولاني، في عمله المرجعي التحول الكبير، أن إخضاع المجتمع لمنطق السوق يؤدي إلى تفكك الروابط الاجتماعية وتآكل الأسس الأخلاقية، وأن حماية الإنسان تتطلب دائمًا حركة مضادة تعيد إخضاع الاقتصاد للاعتبارات الاجتماعية، لا العكس.¹

وإذا نُقل هذا التحليل إلى المجال الحقوقي، يتّضح أن الحقوق لا يمكن أن تصمد في بيئات يُترك فيها السوق—أو الريع—لإعادة تنظيم المجتمع دون ضوابط عدالة.

4. التموضع لا النسبية: دفاع مختلف عن العالمية

- من هنا، فإن ضعف التموضع لا يُفهم بوصفه دليلًا على نسبية الحقوق أو عدم صلاحيتها العابرة للثقافات، بل بوصفه اختبارًا لقدرة الخطاب على تطوير أدوات ترجمة مرنة دون التفريط بالنواة الصلبة للمعيار. فالعالمية التي لا تسمح بالتجسيد المتعدّد تتحوّل إلى تجريد أخلاقي، والعالمية التي تُفرّط بثوابتها تتحوّل إلى نسبية مريحة للسلطة.

- البديل النظري الممكن هو تصور ثلاثي المستويات:

‌أ) نواة صلبة غير قابلة للمساومة (الحق في الحياة، حظر التعذيب، عدم التمييز الجسيم، الكرامة).

‌ب) مساحات ترجمة مؤسسية متعددة تتكيف مع السياقات دون انتقاص من الجوهر.

‌ج) ترتيب تنفيذي مرحلي خاضع للمساءلة، ومقيّد زمنيًا، ومؤشراتيًا.

- بهذا المعنى، لا تكون العالمية نفيًا للاختلاف، بل إطارًا لضبطه.

5. خلاصة المبحث الرابع

- يُظهر هذا المبحث أن أزمة الخطاب الحقوقي في البيئات المتباينة ليست أزمة عالمية، بل أزمة تموضع وترجمة. فالحقوق تظل كونية في معيارها، لكنها تفشل حين تُطالَب بالعمل داخل بنى لا تنتج مواطنة كاملة، ولا عدالة توزيعية، ولا دولة قادرة. ومن هنا، فإن الدفاع الجاد عن عالمية حقوق الإنسان لا يمرّ عبر الإنكار أو التبرير، بل عبر بناء نظريات وسياسات تُعيد وصل الكرامة بالبنية، والمعيار بالمؤسسة، والحق بالقدرة على إنفاذه.

1. Karl Polanyi, The Great Transformation: The Political and Economic Origins of Our Time (Boston: Beacon Press, 1944), esp. chapters 6–12.

المبحث الخامس (التطبيقي)

الخطاب الحقوقي في السياق العربي: بين الدولة الريعية، الهشاشة المؤسسية، وأزمة التموضع

يُعدّ السياق العربي من أكثر البيئات كاشفية لاختبارات الخطاب الحقوقي، لا بسبب “خصوصية ثقافية” مفترضة، بل نتيجة تركيبة سياسية–اقتصادية جعلت التوتر بين المعيار الكوني وشروط التحقّق المحلي أكثر حدّة ووضوحًا. ففي معظم الدول العربية، لا يعمل الخطاب الحقوقي داخل دولة قانون مكتملة، ولا ضمن اقتصاد منتج يولّد مواطنة متساوية، بل داخل أنماط دولة ريعية أو شبه ريعية، تتداخل فيها السلطة السياسية مع شبكات الزبائنية، وتُدار فيها الحقوق بوصفها موارد تفاوض لا التزامات أصيلة.

1. الدولة الريعية والحقوق بوصفها امتيازًا

في الدولة الريعية، لا تقوم العلاقة بين الدولة والمواطن على الضريبة والتمثيل، بل على إعادة توزيع الريع مقابل الولاء أو الصمت السياسي. وفي هذا الإطار، لا تُفهم الحقوق باعتبارها استحقاقات قانونية متساوية، بل بوصفها:

- منحًا قابلة للسحب،

- أو خدمات مرتبطة بالانتماء،

- أو أدوات تهدئة اجتماعية.

هذا النمط البنيوي يضعف الخطاب الحقوقي من الداخل، لأنه ينزع عنه شرطه الأساسي: المواطنة المتساوية. فالحق الذي لا يُمارَس بوصفه حقًا، بل بوصفه منّة، يفقد طابعه الإلزامي، ويتحوّل إلى لغة خارجية لا تجد لها حاملًا اجتماعيًا داخليًا.

2. هشاشة المؤسسات وتحويل الحقوق إلى إدارة

في كثير من السياقات العربية، لا تُلغى الحقوق صراحة، بل تُدار إداريًا. تُنشأ استراتيجيات وطنية، وتُعتمد خطط عمل، وتُقدَّم تقارير دورية، بينما تظل آليات الإنفاذ:

- ضعيفة الاستقلال،

- محدودة الصلاحيات،

- أو خاضعة للاعتبارات الأمنية والسياسية.

في هذه البيئة، يتحوّل الخطاب الحقوقي إلى لغة تنظيمية: تُستخدم لإدارة العلاقة مع المجتمع الدولي، أو لامتصاص الضغط، لا لإعادة توزيع السلطة أو مساءلتها. وهنا يظهر بوضوح ما يمكن تسميته “فجوة الترجمة”: حيث توجد نصوص ومعايير، لكن تغيب البنية التي تحوّلها إلى ممارسة.

3. الأمننة وحالة الاستثناء الدائمة

يُضاف إلى ذلك أن عددًا كبيرًا من الدول العربية يعيش في حالة استثناء شبه دائمة: صراعات داخلية، تهديدات أمنية، إرهاب، أو عدم استقرار إقليمي. وفي هذا السياق، تُعاد صياغة الحقوق بوصفها:

- عبئًا على الاستقرار،

- أو ترفًا مؤجلًا،

- أو خطرًا محتملاً.

لا تُلغى الحقوق هنا باسم الثقافة، بل باسم الضرورة. ومع تراكم هذا الخطاب، يصبح تعليق الحقوق هو القاعدة، لا الاستثناء، ويتآكل حضورها بوصفها خطوطًا حمراء غير قابلة للتجاوز.

4. الخطاب الحقوقي بين الخارج والداخل

في السياق العربي، غالبًا ما يُستقبل الخطاب الحقوقي بوصفه خطابًا خارجيًا، حتى حين تكون مضامينه منسجمة مع مطالب اجتماعية داخلية. ويعود ذلك إلى:

- تاريخ طويل من التسييس الدولي للحقوق،

- استخدام انتقائي للمعايير،

- وغياب مسار داخلي متجذّر لربط الحقوق بالعدالة الاجتماعية والكرامة اليومية.

النتيجة أن الخطاب الحقوقي يجد نفسه معلقًا بين:

- ضغط دولي لا يمتلك أدوات إنفاذ عادلة،

- وواقع محلي لا ينتج شروط التملّك المجتمعي للحقوق.

5. ما الذي يكشفه السياق العربي؟

لا يكشف السياق العربي فشل عالمية حقوق الإنسان، بل يكشف حدود الخطاب حين يُنقل إلى بيئات لا تنتج دولة مواطنة، ولا اقتصادًا منتجًا، ولا مؤسسات مستقلة. وهو، بهذا المعنى، مختبر نظري حيّ يؤكد أن أزمة الحقوق ليست ثقافية، بل بنيوية–اقتصادية–سياسية.

الخاتمة التركيبية: من نقد الخطاب إلى إعادة بناء شروط الإمكان

سعى هذا النص إلى تفكيك انحسار الخطاب الحقوقي المعاصر بعيدًا عن القراءات الاختزالية التي تُرجعه إلى ازدواجية المعايير أو تراجع الأخلاق الدولية وحدها. وقد بيّن التحليل أن هذا الانحسار هو نتيجة تراكب ثلاث أزمات مترابطة: خلل بنيوي في تكوين الخطاب بوصفه كونيًا بلا حامل سيادي مستقل، راهنية مفرطة جعلته أسير لحظة تأسيس أخلاقية دون تجذّر تاريخي عميق، وبيئة منشِئة—اقتصادية وسياسية—تُنتج اللامساواة والعنف بوصفهما شروط اشتغال.

وفي مواجهة هذه الأزمات، لا يكون الدفاع عن حقوق الإنسان عبر الإنكار أو الخطاب الإنشائي، ولا عبر التفريط بالعالمية باسم الخصوصية، بل عبر إعادة بناء شروط الإمكان. ويقترح هذا النص، في هذا السياق، إطارًا تركيبيًا يقوم على أربعة عناصر مترابطة:

1. نواة معيارية صلبة غير قابلة للمساومة

تشمل الحقوق الأساسية المرتبطة بالكرامة الإنسانية (الحياة، حظر التعذيب، عدم التمييز الجسيم، المحاكمة العادلة).

2. ترجمة مؤسسية متعددة المسارات

تسمح بتجسيد الحقوق داخل سياقات مختلفة، دون اختزالها أو تفريغها من مضمونها.

3. ترتيب تنفيذي مرحلي خاضع للمساءلة

يميّز بين التدرّج المشروع والتهرّب السياسي، ويضع سقوفًا زمنية ومؤشرات واضحة.

4. ربط الحقوق بالاقتصاد السياسي

بوصف العدالة الاجتماعية، والقدرة الاقتصادية، والدولة القادرة، شروطًا لا غنى عنها لتحقّق الكرامة.

بهذا المعنى، لا تُفهم حقوق الإنسان بوصفها خطابًا أخلاقيًا عابرًا للواقع، ولا بوصفها أداة ضغط سياسية، بل بوصفها مشروعًا تاريخيًا غير مكتمل، يتطلب صراعًا اجتماعيًا، وبناءً مؤسسيًا، ومساءلة دائمة للبنى التي تدّعي حمايته.

إن السؤال لم يعد: هل حقوق الإنسان كونية؟

بل: هل نمتلك الشجاعة الفكرية والسياسية لإعادة بناء العالم على نحو يسمح لهذه الكونية بأن تتحقّق؟

***

خليل ابراهيم كاظم الحمداني

باحث في مجال حقوق الانسان

يطرح سؤال العلاقة بين الخطاب الفلسفي والخطاب الشرعي في فكر ابن رشد أحد أكثر الأسئلة تركيبا في تاريخ الفكر الإسلامي، ليس فقط لأنه يتصل بإشكال قديم حول حدود العقل والنقل، بل لأنه يلامس البنية العميقة للثقافة الإسلامية في طورها الكلاسيكي، حين كانت العلوم الشرعية والعلوم العقلية تتجاور داخل أفق معرفي واحد، دون أن يعني ذلك غياب التوتر أو انعدام الصراع. إن ابن رشد الذي عاش في سياق أندلسي اتسم بحدة الجدل بين الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة، لم يتناول هذه العلاقة بوصفها مسألة نظرية معزولة، بل بوصفها قضية حضارية تمس شرعية الفلسفة داخل المجال الإسلامي، وتمس كذلك فهم الشريعة ذاتها من حيث هي خطاب موجه إلى الإنسان بما هو كائن عاقل ومكلف.

لقد درجت بعض القراءات الحديثة على تصوير ابن رشد إما مدافعا عن الفلسفة ضد الدين، أو مؤسسا لمشروع عقلاني يفصل بين المجالين فصلاً حادا. غير أن العودة الدقيقة إلى نصوصه، وخاصة كتابه الشهير فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، تكشف أن الأمر أعمق من مجرد دفاع إيديولوجي، وأن السؤال الذي يحكم مشروعه هو: كيف يمكن أن تكون الحقيقة واحدة وأن تتعدد طرق الوصول إليها؟ وكيف يمكن أن يتمايز الخطابان من حيث المنهج والوظيفة دون أن يؤدي ذلك إلى ازدواجية في الحقيقة أو إلى تناقض في المرجعية؟

ينطلق ابن رشد من مسلمة كبرى يمكن اعتبارها حجر الزاوية في مشروعه، وهي أن الشريعة حق وأن النظر العقلي حق وأن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له. هذه العبارة التي تكاد تختزل رؤيته ليست مجرد شعار توفيقي بل تعبير عن تصور معرفي عميق للوجود وللعقل وللوحي. فالحق عنده ليس ملكا لطريق دون آخر، بل هو مقصد مشترك تتعدد مسالكه بحسب استعدادات الناس وطرائق البرهنة. وهنا يتبدى البعد الأرسطي في فكره، إذ يستحضر التمييز بين البرهان والخطابة والجدل كما بلوره أرسطو في تحليله لأصناف القول، ويعيد توظيفه داخل أفق إسلامي.

إن الخطاب الفلسفي عند ابن رشد يقوم على البرهان، والبرهان عنده هو القياس المؤلف من مقدمات يقينية تفضي إلى نتائج يقينية. وهو بهذا المعنى خطاب موجه إلى الخاصة، أي إلى من استكملوا آلة النظر وأتقنوا شروط الاستدلال. أما الخطاب الشرعي من حيث هو نص وحي، فإنه يتضمن مستويات متعددة من الدلالة، ويخاطب عموم الناس بطرق متنوعة: بالبرهان أحيانا وبالجدل أحيانا وبالخطابة والتمثيل أحيانا أخرى. ومن ثم فإن التمايز بين الخطابين ليس تمايزا في موضوع الحقيقة، بل في طرائق عرضها وفي مقاصدها العملية.

لقد كان السياق الذي كتب فيه ابن رشد مشحونا بأصداء نقد الفلاسفة، كما يتجلى ذلك في كتاب تهافت الفلاسفة لـأبي حامد الغزالي حيث اتُّهم الفلاسفة بمخالفة صريح الشرع في مسائل تتعلق بالقدم والعلم الإلهي والمعاد. وقد رد ابن رشد على هذا النقد في تهافت التهافت لا بروح سجالية فحسب، بل بمنهج يهدف إلى إعادة ترتيب العلاقة بين النظر العقلي والنص الديني. فهو يرى أن الخطأ لا يكمن في استعمال العقل بل في سوء استعماله، وأن الإشكال لا يعود إلى ذات الفلسفة، بل إلى خلط بين مراتب القول وإلى تحميل البرهان ما ليس من شأنه.

في سياقنا هذا، يميز ابن رشد بين ظاهر النص وباطنه أو بين دلالته المباشرة ودلالته المؤولة. وهو يقرر أن النصوص التي يظهر تعارضها مع البرهان اليقيني يجب تأويلها تأويلاً يليق بقواعد اللسان العربي وبمقاصد الشريعة. غير أن هذا التأويل ليس حقا مشاعا لكل أحد، بل هو وظيفة خاصة بأهل البرهان، لأن إخراج النصوص عن ظواهرها أمام العامة قد يؤدي إلى اضطراب الاعتقاد وإلى فتنة لا تحمد عقباها. وهنا تتجلى رؤيته الاجتماعية للمعرفة، إذ لا ينظر إلى الحقيقة في بعدها المجرد فحسب، بل في آثارها التربوية والسياسية.

إن هذا التمييز بين مراتب الناس في تلقي الخطاب يذكرنا بما قرره الفارابي في حديثه عن المدينة الفاضلة، حيث جعل الفيلسوف في مرتبة القائد الذي يدرك الحقائق البرهانية ويصوغها في صور تمثيلية تناسب الجمهور. غير أن ابن رشد بخلاف النزعة النبوية الفلسفية عند الفارابي لا يذيب الشريعة في الفلسفة، بل يؤكد استقلال مصدرها الإلهي مع الحفاظ على وحدة الحقيقة. فالشريعة عنده ليست مجرد تمثيل فلسفي للحقائق، بل وحي إلهي مقصود به هداية البشر جميعا، وإن اقتضى ذلك تنوع الأساليب.

إن القول بتمايز الخطابين عند ابن رشد لا يعني إذن انقساما معرفيا، بل توزيعا وظيفيا داخل نسق واحد. فالخطاب الفلسفي غايته تحصيل اليقين النظري في الموجودات من حيث هي موجودات، والوقوف على عللها وأسبابها القصوى في أفق ما يسميه أرسطو "العلم الإلهي" أو "الميتافيزيقا". أما الخطاب الشرعي فغايته الأساسية هداية الإنسان إلى الخير والعمل الصالح وتنظيم حياته الفردية والجماعية وفق مقاصد العدل والرحمة. وإذا كان الفيلسوف يسعى إلى معرفة الحق لذاته، فإن الشريعة تسعى إلى تحقيق الحق في الواقع العملي.

غير أن هذا التمايز لا يمنع التكامل بل يقتضيه. لأن الإنسان عند ابن رشد ليس عقلا مجردا، ولا إرادة منفصلة عن المعرفة، بل كائن يجمع بين النظر والعمل. ومن ثم فإن المعرفة البرهانية وإن كانت شريفة في ذاتها، لا تغني عن التزكية الأخلاقية التي تؤسس لها الشريعة. كما أن العمل الشرعي إن خلا من بصيرة عقلية قد يتحول إلى تقليد أعمى. وهنا يتقاطع فكر ابن رشد مع ما قرره ابن سينا حين رأى أن كمال الإنسان يتحقق باجتماع الحكمة النظرية والحكمة العملية، وإن اختلف المساران في تفاصيلهما.

لقد كان همّ ابن رشد الأساسي هو الدفاع عن مشروعية الفلسفة داخل المجال الإسلامي، ولكن دفاعه لم يكن منطلقا من نزعة تمرد على الشريعة، بل من فهم عميق لها. فهو يرى أن النظر في الموجودات مأمور به شرعا لأن النصوص تحث على التفكر والاعتبار. وإذا كان الشرع يدعو إلى النظر، فإن استعمال أدوات البرهان ليس خروجا عليه، بل امتثال لأمره. ومن ثم فإن تحريم الفلسفة بإطلاق هو في نظره، تحريم لما أوجبه الشرع من التفكر في خلق السماوات والأرض.

إن موقفه هذا يندرج ضمن تصور أوسع للمعرفة، يرى أن الوحي لا يلغي العقل بل يفترضه، وأن العقل لا يستغني عن الوحي في كل شيء، بل يحتاج إليه في ما يتجاوز طاقته الطبيعية. فالخطاب الفلسفي يشتغل في مجال الممكن عقلاً، بينما الخطاب الشرعي يتناول كذلك ما يتعلق بالمعاد والغيبيات التي لا سبيل إلى إدراكها استقلالاً. غير أن هذا التمايز في المجال لا يفضي إلى تناقض، لأن الغيب ذاته لا يناقض العقل وإن كان يتجاوزه.

إن الإشكال الذي أثارته بعض المسائل الميتافيزيقية، كمسألة قدم العالم أو علم الله بالجزئيات، لا ينبغي أن يحجب البنية العامة لمشروع ابن رشد الذي يسعى إلى تأكيد انسجام النظام الكوني والعقلي مع النظام الشرعي. فالكون عنده قائم على نظام وسببية، والشرع لا يعارض هذا النظام بل يؤكده من حيث هو تعبير عن حكمة إلهية. وإذا كان قد خالف بعض المتكلمين في فهمهم لبعض النصوص، فإن خلافه كان منهجيا أكثر منه عقديا، إذ كان يرى أن حمل النصوص على ظواهرها الحسية في قضايا دقيقة قد يفضي إلى تشبيه أو تجسيم لا يليق بجلال الإله.

هنا تتبدى جرأة ابن رشد لا في معارضة الشريعة، بل في معارضة بعض القراءات الحرفية لها. وهو بذلك يفتح أفقا تأويليا يجعل النص قابلاً لأن يُقرأ في ضوء البرهان، دون أن يُختزل في البرهان. فالبرهان معيار في مجاله والنص معيار في مجاله، والعقل لا يحكم على الوحي بالإبطال، بل يسعى إلى فهمه على وجه يليق بكرامة الإنسان العاقل.

لقد كان تأثير هذا التصور عميقا لا في المجال الإسلامي فحسب، بل في الفكر اللاتيني الوسيط، حيث استقبلت أعمال ابن رشد بوصفها تجسيدا للتوافق بين الفلسفة والدين، وإن أسيء فهمها أحيانا. غير أن ما يعنينا هنا هو البنية الداخلية لفكره، حيث يتجاور الفقيه والقاضي مع الشارح الأكبر لأرسطو، دون أن يشعر صاحبه بانفصام. وهذا التجاور ليس عرضيا، بل هو تعبير عن قناعة راسخة بأن الحقيقة واحدة، وأن اختلاف الطرق إليها لا يبرر التنازع.

إن السؤال الذي يظل مفتوحا في قراءة مشروعه هو: هل نجح فعلاً في إقامة تكامل معرفي حقيقي أم أن تمييزه بين الخاصة والعامة يكرس نوعا من الازدواجية؟ هذا السؤال يقتضي فحصا دقيقا لمفهوم الحقيقة عنده، ولموقفه من التأويل، ولمدى اتساقه في تطبيق مبادئه على مختلف القضايا. غير أن ما يمكن تقريره في هذا المقام هو أن ابن رشد لم يكن يسعى إلى إلغاء أحد الخطابين لصالح الآخر، بل إلى إعادة تحديد وظائفهما داخل أفق توحيدي.

فالخطاب الفلسفي بما هو سعي إلى البرهان، يمثل ذروة الطاقة العقلية للإنسان ويكشف عن انسجام العالم ونظامه. والخطاب الشرعي بما هو وحي إلهي يمنح هذا السعي غايته القصوى، ويؤطره بقيم أخلاقية وتشريعية تحفظ توازن المجتمع. وإذا كان التوتر قد نشأ تاريخيا بين أنصار كل منهما، فإن ذلك لا يعود إلى طبيعة الخطابين في ذاتيهما، بل إلى سوء فهم العلاقة بينهما.

إن ابن رشد يقدم نموذجا فريدا في تاريخ الفكر الإسلامي، نموذجا يسعى إلى تجاوز ثنائية الصراع بين العقل والنقل، من خلال تصور يقوم على التمايز الوظيفي والتكامل المعرفي. وهو تصور لا يزال راهنا، لأنه يطرح سؤالاً دائما حول كيفية إدارة التعدد داخل وحدة الحقيقة، وحول إمكان إقامة حوار خصب بين أنماط مختلفة من القول، دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة. وبهذا يعد مشروعه ليس مجرد صفحة من تاريخ الفلسفة، بل مساهمة حية في التفكير في شروط إمكان المعرفة ذاتها.

إذا كان التمايز الوظيفي بين الخطابين الفلسفي والشرعي عند ابن رشد يمثل مدخلاً لفهم مشروعه، فإن التكامل المعرفي الذي يتصوره لا يقوم على مجرد الجمع الاعتباطي بين معطيات العقل والنص، بل على تأسيس علاقة جدلية تتغيا حفظ وحدة الحقيقة مع تعدد طرق إدراكها. فالحقيقة عنده ليست ملكا لخطاب دون آخر، ولا حكرا على طبقة معرفية بعينها، بل هي أفق مشترك تتقاطع فيه البرهانية مع الإيمانية وإن اختلفت أدوات كل منهما. وهنا يمكن فهم إصراره على أن الشريعة لا تعارض الفلسفة وأن الفلسفة لا تنقض الشريعة لأن كلاهما يسعى إلى الخير، الشريعة تسعى إلى الخير العملي الذي يحقق انتظام المجتمع وتزكية الفرد، والفلسفة تسعى إلى الخير النظري الذي يحقق معرفة الموجودات على حقيقتها.

غير أن هذا التصور لم يخل من إشكالات، سواء على مستوى التنظير أو التطبيق. فالتأويل الذي دعا إليه ابن رشد بوصفه وسيلة لرفع التعارض الظاهري بين النص والبرهان، حيث يثير سؤالاً حول حدوده ومن يملك صلاحية ممارسته. فهو يقرر أن التأويل لا يجوز للعامة لأنهم ليسوا مؤهلين لفهم الدلالات العميقة للنصوص، وأنه وظيفة خاصة بالراسخين في العلم. لكن من هم هؤلاء الراسخون؟ وكيف يمكن تحديد معيار الرسوخ؟ وهل يؤدي حصر التأويل في فئة محدودة إلى نوع من النخبوية المعرفية التي تفصل بين مستويات الخطاب على نحو قد يكرس ازدواجية اجتماعية وثقافية؟.

هذه الأسئلة لم تكن غائبة عن النقاشات التي أثارها فكر ابن رشد في سياق الحضارة الإسلامية. فقد رأى بعض الفقهاء والمتكلمين أن فتح باب التأويل على مصراعيه قد يؤدي إلى نسف الثوابت العقدية، لأن كل نص يمكن حينئذ أن يُحمل على معنى غير ظاهره. بينما رأى ابن رشد أن إغلاق باب التأويل يؤدي إلى جمود فكري وإلى قراءات حرفية قد تسيء إلى مقاصد الشريعة. ومن ثم فإن القضية ليست في أصل التأويل بل في ضبطه بقواعد تمنع الانحراف.

إن هذا الجدل يكشف عن طبيعة العلاقة بين النص والمعنى، وهي علاقة معقدة لا يمكن اختزالها في ثنائية ظاهر/باطن. فالنص في ذاته لا ينطق، بل يحتاج إلى قارئ يفعّل دلالاته. والقارئ بدوره لا يأتي إلى النص خالي الذهن، بل محملاً بخلفيات ثقافية ولغوية تؤثر في فهمه. إن التأويل ليس خيانة للنص، بل محاولة لفهمه في سياقه وفي ضوء مقاصده. غير أن هذه المحاولة تظل خاضعة لقيود منهجية وأخلاقية، حتى لا تتحول إلى إسقاطات تعسفية.

لقد كان ابن رشد واعيا بهذه الإشكالية، ولذلك شدد على ضرورة التمييز بين التأويل الذي يستند إلى دليل برهاني، والتأويل الذي يقوم على الظن أو الهوى. فالأول مقبول بل مطلوب إذا تعارض ظاهر النص مع البرهان اليقيني، لأن الحق لا يضاد الحق. أما الثاني فهو مرفوض لأنه يخرج النص عن مقصده ويجعل المعنى تابعا لرغبات المفسر.  حيث يكون التأويل عنده أداة معرفية وليست أداة أيديولوجية.

إن التكامل الذي يتصوره بين الخطابين لا يعني إذن مساواة مطلقة بينهما، بل توزيعا للأدوار. فالفلسفة تشتغل على مستوى التفسير العقلي للعالم، والشريعة تشتغل على مستوى التنظيم الأخلاقي والاجتماعي. وإذا كان العقل قادرا على إدراك بعض القيم الأخلاقية استقلالاً، فإن الوحي يضفي عليها بعدا إلزاميا ويؤسس لها مرجعية عليا. ومن ثم فإن العلاقة بينهما علاقة دعم متبادل، لا علاقة تناقض.

هذا التصور يجد ما يسانده في تاريخ الفكر الإنساني عموما، حيث لم تكن الفلسفة في معظم الحضارات بديلا عن الدين، بل شريكا في البحث عن المعنى. فالفلاسفة اليونان أنفسهم رغم نزعتهم العقلية لم ينكروا وجود الآلهة، بل حاولوا تفسير العالم في ضوء مبادئ عقلية. وكذلك فعل فلاسفة الإسلام حين سعوا إلى فهم النظام الكوني بوصفه تجليا لحكمة إلهية. إن ابن رشد ينتمي إلى هذا التقليد الذي يرى أن العقل والدين لا يتعارضان إذا فُهم كل منهما في مجاله.

غير أن السياق التاريخي الذي عاش فيه كان مختلفا، إذ شهد صراعات فكرية وسياسية جعلت مسألة الفلسفة قضية حساسة. فقد اتُّهم الفلاسفة بالزندقة أحيانا، وبالابتعاد عن روح الشريعة أحيانا أخرى. وفي المقابل اتهم بعض الفقهاء بالجمود ورفض كل جديد. هذا المناخ دفع ابن رشد إلى الدفاع عن مشروعية النظر العقلي، لكنه لم يفعل ذلك من موقع الخصومة، بل من موقع البحث عن توازن. فهو لم يطالب بإلغاء الفقه أو الاستغناء عن النص، بل دعا إلى فهمهما على نحو لا يحول دون تقدم المعرفة.

إن أهمية مشروعه اليوم لا تكمن في تفاصيل الجدل الذي خاضه، بل في المبادئ التي أرساها، مبدأ وحدة الحقيقة ومبدأ تعدد طرق الوصول إليها ومبدأ احترام التخصص المعرفي ومبدأ التأويل المنضبط. هذه المبادئ يمكن أن تسهم في بناء حوار بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية وبين الفكر الديني والفكر الفلسفي، دون أن يؤدي ذلك إلى ذوبان أحدهما في الآخر.

فالعلوم الطبيعية على سبيل المثال، تقدم معرفة دقيقة بالقوانين التي تحكم الظواهر، لكنها لا تجيب عن الأسئلة القيمية والمعنوية. والعلوم الإنسانية تدرس الإنسان وثقافاته، لكنها تحتاج إلى أدوات تحليلية متنوعة. والدين يقدم رؤية شاملة للمعنى والغاية، لكنه لا يغني عن البحث العلمي. ومن ثم فإن التكامل بين هذه المجالات هو ما يثري المعرفة الإنسانية.

إن هذا المنظور يذكرنا بما قاله ابن رشد في سياق دفاعه عن الفلسفة، إن الشرع دعا إلى النظر في الموجودات، وإن النظر يؤدي إلى معرفة الصانع، وإن معرفة الصانع أسمى المعارف. فإذا كان الشرع نفسه يحث على استعمال العقل، فإن معارضة العقل باسم الشرع لا تكون من الشرع في شيء. لكن هذا لا يعني أن العقل وحده كافٍ في كل المجالات، لأن الإنسان كائن مركب يحتاج إلى مصادر متعددة للمعرفة.

يمكن قراءة مشروع ابن رشد بوصفه محاولة لبناء جسر بين عالمين: عالم البرهان وعالم الإيمان. وهو جسر لا يلغي الفوارق، بل يسمح بالتواصل. فالبرهان يطمئن العقل إلى انتظام العالم، والإيمان يطمئن القلب إلى معنى الوجود. وإذا كان بعض الناس يميلون إلى أحد الجانبين، فإن الحكمة تقتضي عدم إقصاء الجانب الآخر.

إن السؤال حول التمايز والتكامل بين الخطابين لا يزال راهنا. ففي عالم تتسارع فيه التحولات العلمية والثقافية، تبرز الحاجة إلى فكر قادر على استيعاب التعدد دون الوقوع في النسبية المطلقة. ومشروع ابن رشد قدم ويقدم نموذجا يمكن الاستفادة منه لا بوصفه وصفة جاهزة، بل بوصفه مصدر إلهام للتفكير في العلاقة بين العقل والوحي، بين النظر والعمل وبين الفرد والمجتمع.

إن الحقيقة كما يراها هذا المشروع، ليست نقطة ثابتة يمتلكها طرف دون آخر، بل مسار بحث مستمر. والعقل ليس خصما للدين، بل أداة لفهمه. والدين ليس عائقا أمام المعرفة، بل إطارا يوجهها نحو الخير. وإذا استطعنا أن نقرأ هذا التراث في ضوء تحديات عصرنا، فقد نساهم في بناء ثقافة حوارية تقدر الاختلاف وتبحث عن المشترك.

و يغدو الحديث عن التمايز والتكامل ليس مجرد جدل نظري، بل سؤالا حضاريا: كيف نبني مجتمعا يحترم العلم والدين معا؟ كيف نوفق بين حرية التفكير ومسؤولية الأخلاق؟ كيف نجعل المعرفة وسيلة لتحسين حياة الإنسان لا أداة للهيمنة؟ هذه الأسئلة هي التي تجعل فكر ابن رشد حيا، لأنها تتجاوز سياقه التاريخي لتلامس هموم الإنسان في كل زمان.

***

د. حمزة مولخنيف

الفرقة الإخبارية هي فرقة من الشيعة الإمامية ظهرت في أوائل القرن الحادي عشر الهجري على يد الميرزا محمد أمين الاسترابادي. تبنت منهجًا مغايرًا للمسلك الاجتهادي الأصولي عند الشيعة الإمامية، وادعت أنها امتداد للتيار الروائي الشيعي الذي ظهر في القرن الرابع الهجري. وقد نسبها بعضهم إلى الصدوق (ت381هـ).

المنهجية الإخبارية تتضمن النقاط التالية:

1. عصمة الأنبياء والأئمة:

يؤمن الإخباريون بأن الله تعالى اصطفى النبي والأئمة ليكونوا حججًا لله على الخلق، وقد عصمهم من الخطأ والزلل، ومنحهم خصائص عالية. كما أودع فيهم أسرار القرآن، فلا تُفهم دلالات القرآن إلا بتفسير من واحد منهم. لذلك، يعتمدون فقط على تفسير القمي والعياشي.

2. مفهوم السنة:

بالنسبة لهم، فإن مفهوم السنة واسع جدًا ويشمل أقوال وسلوك النبي والأئمة الاثني عشر. المرويات عنهم كاشفة عن مراد الله تعالى، وبالتالي فهي المرجع الأساسي لأحكام العقيدة والقانون، لأنها منقولة عن المعصومين. لذلك، يعتقدون بمرجعية الكتب الأربعة وصحتها المطلقة.

3. تمحيص الروايات:

لا ينبغي عندهم تمحيص الروايات أو رد بعضها، حيث إن مشايخ الرواية هم الذين نقلوا ما صدر عن الأئمة، وهم يقطعون بصحة كل ما ورد في الكتب الأربعة (الكافي، من لا يحضره الفقيه، التهذيب، الاستبصار).

4. القرآن الكريم:

القرآن الكريم لا يحتاج إلى تأويل من قبلهم، حيث إن مهمة الأئمة هي بيان النصوص. لذلك، يتمسكون بظاهر الحديث ويتعاملون معه حرفيًا سواء كان مؤسسًا للحكم أو مبينًا لمراد قرآني.

5. رفض الاجتهاد:

لا يرون حاجة للاجتهاد مادام الله قد تكفل ببيان الشريعة من خلال الأئمة. لذا، يرفضون الاجتهاد الفردي أو الجماعي (الأجماع)، ويصرون على أن الأصول المرجعية هي فقط القرآن والمرويات.

6. رأي الأصوليين:

يرى الأصوليون أن الكتب الأربعة قد جمعت المرويات عن الأئمة، وأن الأحاديث الواردة فيها لا تصح كلها لعوامل تاريخية وسياسية، لذا لا بد من منهج ومعيار لفرز الصحيح منها. فقاموا بتقسيم الأحاديث إلى: (الصحيح، الحسن، الموثق، الضعيف) منذ القرن الثامن الهجري.

7. البراءة في الشبهات:

يذهب الإخباريون إلى عدم جريان البراءة في الشبهات الحكمية التحريمية، بينما يرى الأصوليون صحة جريان البراءة فيها.

8. الكتب الأربعة:

يعتقد الإخباريون بأن الكتب الأربعة هي أصح المصادر للمرويات، ويؤكد الفيض الكاشاني (ت1090) أن مدار الأحكام على هذه الأصول الأربعة، وهي المشهورة بالصحة.

9. الروايات:

يرون أن نظر الأئمة وأصحابهم في نقل الروايات يجعل البحث في الأسناد والمتون غير ضروري.

10. الاختلاف مع الأصوليين:

يعتقد الإخباريون أن علماء الشيعة الأوائل كانوا في الأصل إخباريين، إلا أن هذا المسلك قد تزعزع في القرن الرابع الهجري بسبب تأثر الفقهاء المتأخرين بمسلك أهل السنة.

11. علماء كبار في هذا المسلك:

من أبرز العلماء الذين انتسبوا لهذا المسلك الفيض الكاشاني، يوسف البحراني، الشيخ المجلسي، والحر العاملي. ويُعتبر الاسترابادي هو الشخصية الأبرز، حيث قيل إنه أول من فتح باب الطعن في المجتهدين.

12. جوهر الخلاف بين الإخباريين والأصوليين:

يرى البعض أن الخلاف بين الإخباريين والمجتهدين فقط في منهاج الاستنباط، لكن في مجال الاعتقاد لا نجد اختلافًا كبيرًا. على الرغم من أن الإخباريين يؤمنون بالولاية التكوينية والرجعة، وهي عقائد مختلفة عند الأصوليين.

13. التقليد:

في مجال التقليد، يرون أن التقليد يجب أن يكون للمجتهد المعصوم فقط حتى بعد موته، رافضين التقليد للمجتهدين العاديين.

وقد أورد صاحب "الروضات" أن هناك أربعين مسألة اختلاف بين الإخباريين والأصوليين، وزادها الميرزا محمد الإخباري إلى تسعة وخمسين.

ظروف نشأة الحركة الإخبارية

نشأ المفكر الإخباري محمد أمين الاسترابادي في إيران، ثم استقر ودرس في الحجاز، قبل أن ينتقل إلى كربلاء بالعراق. قاد الاسترابادي الحركة الإخبارية وساهم في اتساعها في عهد الشاه طهاسب (1577م)، مما شكل تيارًا رافضًا لنفوذ فقهاء السلطة الصفوية التقليديين. يُرجح أن للحركة جذورًا سياسية تتعلق بالعلاقة المتوترة بين الفقهاء المجتهدين في بلاط الصفويين والسياسيين.

النقد للاجتهاد

وجه الإخباريون نقدًا كبيرًا للاجتهاد، حيث كان مصطلح "الاجتهاد" في عصر المحقق الحلي يعني القياس والاستحسان والرأي. ورأوا أن هذا الفهم تسبب في ضياع التراث الروائي، بينما كان الأصوليون يعتبرون مسلكهم دفاعًا عن الطابع العقلي للنصوص.

الإخباريون والسلطة الصفوية

كان الإخباريون ينتقدون تدخل الفقهاء في السياسة، وكانوا يرون أن هذا التدخل يؤدي إلى ضياع الأصالة الدينية. كما أشار الاسترابادي إلى أن الفقهاء الذين تبعوا أهل السنة في التصورات الأصولية قد تأثروا في بعض آرائهم بالحنفية.

المراجعات الفكرية

من أشهر فقهائهم، الشيخ يوسف البحراني الذي بدأ إخباريًا، لكنه أجري مراجعات فكرية أدت به إلى تبني موقف أكثر توازنًا. كما كان محمد أكمل البهبهاني من أبرز العلماء الذين حدوا من انتشار الفكر الإخباري.

التداعيات

1. يُحتمل أن نشوء الحركة الإخبارية كان نتيجة لصراع المؤسسة الفقهية مع السلطة الصفوية.

2. ظهور الحركة الرشتيه كان امتدادًا للفكر الإخباري، لكنها افتقدت للمستند والدليل الصحيح.

3. الأزمة الإخبارية أجبرت المجتهدين على إعادة النظر في مسالك الاجتهاد.

4. تطور الفكر الإخباري بظهور تيار الشيخية بقيادة كاظم الرشتي

***

ا. متمرس. د. عبد الأمير كاظم زاهد

قراءة نقدية في المباني الأصولية

المقدمة: تُعد مسألة حجية الخبر عند الإمامية محورًا أساسيًا في أصول الفقه، لما لها من أثر مباشر على مصادر التشريع واستنباط الأحكام الشرعية، ومن أبرز المفاهيم التي تناولتها كتب الإمامية في هذا السياق: مفهوم الوثوق، وهو مفهوم يربط بين الاطمئنان العقلي والرواية الموثقة. وقد ظهر التفريق بين الوثوق الشخصي والوثوق النوعي لمعالجة الإشكالية المتعلقة بالاعتماد على الأخبار الفردية، خاصة عند عدم معرفة الراوي معرفة شخصية.

تهدف هذه البحث إلى تحليل الوثوق النوعي في النظرية الإمامية، عبر استعراض نصوص كبار الفقهاء والمحدثين، وبيان المباني الأصولية التي استندوا إليها، وكذلك عرض التطبيقات العملية والنقد الأصولي لهذه المسألة، وصولًا إلى استخلاص النتائج النقدية حول مدى قبول الخبر الفردي على أساس الوثوق النوعي.

أولاً: بيان المفاهيم الأساسية

1. مفهوم الوثوق عند الإمامية

شكل التوثيق في عند الإمامي محورًا أساسيًا لتحديد مدى حجية الخبر واستعماله في الاستنباط الشرعي.

أما نظريّة الوثوق، (فهي تركّز على قوّة الاحتمال الذي يعطيه الخبر للفقيه أو غيره، سواء جاء هذا الاحتمال من عناصر تتصل بالمصدر أم بالسند أم بالمتن أم بأيّ أمر آخر خارجيٍّ أو داخلي، من هنا تتنوّع العناصر المؤثرة في الأخذ بالرواية، كما تتنوّع أسباب رفض الحديث، فقد يكون السند صحيحاً من زاوية علم الجرح والتعديل؛ إلا أنّه لا يفيد الوثوق، والعكس هو الصحيح؛ إذ قد يكون ضعيفاً أو يكون المصدر غير صحيح، لكنّه مع ذلك يفيد الوثوق، فالعبرة بالوثوق بصرف النظر عن مناشئه، وإن كانت هذه النظريّة لا تمانع من دراسة العناصر الموضوعيّة التي تكوّن الوثوق في نفس الإنسان).(1)

تتداخل نظرية الوثوق بعمق مع عدد من النظريات الأصولية الأخرى، كالجبر والوهن، وكذلك مع مباحث الظنّ بالوفاق وعدمه، وسيتضح هذا الترابط تدريجيًا في سياق البحث. فكلّما شدّد الأصولي موقفه في اعتماد مبدأ الوثاقة، ازداد ميله إلى رفض مفاهيم مثل الوهن والجبر، كما نرى في منهج السيد الخوئي. أمّا إذا تعامل مع الوثاقة بنوع من المرونة، فإن ذلك يتيح مساحة أوسع لظهور تلك النظريات الأخرى. غير أنّ الإشكال الجوهري يكمن في تحديد المقصود من الوثوق ذاته، إذ إن هذا المفهوم يلفّه كثير من الالتباس ويحتمل معاني متعددة في استعمالات العلماء المسلمين. ولهذا، سنعرض مجموعة من التفسيرات الممكنة لفهم هذه النظرية وتحليل مرتكزاتها بدقة.

وقد ركز العلماء الأصوليون على التوثيق الشخصي والنوعي كوسيلتين لضمان الاعتماد على الروايات دون الوقوع في الخطأ، مع إبقاء التوازن بين العقل والنقل.

يشير التوثيق الشخصي إلى الاطمئنان المباشر للمجتهد من خلال معرفته أو اختباره للراوي، بينما يعني التوثيق النوعي الاطمئنان الناتج عن شهرة الراوي وثقته بين العلماء، دون حاجة للمعرفة الشخصية المباشرة. وقد أثار هذا التفريق عدة إشكاليات أصولية حول مدى حجية الخبر الفردي، وسبل تحقيق الاطمئنان العلمي.

يهدف هذه البحث إلى بيان الأسس الفكرية للتوثيق الشخصي والنوعي عند العلماء الإمامية، واستعراض الإشكاليات الأصولية المرتبطة بهما، مع عرض أهم الآراء النقدية عند العلماء القدامى والمعاصرين، مع توضيح المصادر العلمية لكل معلومة.

التوثيق الشخصي والنوعي في علم الأصول الإمامي

يُعَدّ التوثيق في علم الأصول الإمامي محورًا أساسيًا في تحديد مدى حجّية الخبر واستعماله في الاستنباط الشرعي، إذ يمثل الوسيلة المركزية لضبط النقل الروائي وضمان الاعتماد عليه من دون الوقوع في الخطأ أو الاضطراب. وقد ركّز الأصوليون على نوعين رئيسين من التوثيق: التوثيق الشخصي والتوثيق النوعي، بوصفهما طريقتين مختلفتين لتحصيل الاطمئنان بخبر الراوي.

1. التوثيق الشخصي

يقوم التوثيق الشخصي على الاطمئنان المباشر للمجتهد بصدق الراوي وعدالته من خلال معرفته الشخصية أو اختباره له. وقد أشار إلى هذا المبدأ الشيخ الطوسي (ت460هـ) في كتابه العدة في أصول الفقه، حيث قال: (إنما يُقبل خبر الواحد إذا كان الراوي عدلاً معروفًا بالضبط والورع)(2)

هذا النص يُظهر أن الملاك في الحجّية هو العدالة الشخصية المعلومة، لا مجرّد الشهرة أو النقل العام، مما يجعل التوثيق هنا قائمًا على المعرفة الفردية المباشرة.

يتّضح من كلام الشيخ الطوسي أن المعيار الأساس لقبول الخبر هو العدالة المعلومة ذاتيًا، أي التي يتيقّن منها المجتهد من خلال التجربة أو المعرفة المباشرة، لا من خلال نقلٍ عام أو توثيقٍ شهير. وهذا يضعنا أمام رؤية تجعل الحجّية مبنية على الثقة الذاتية بالمخبر، لا على الوسائط.

وفي الاتجاه نفسه، أكد العلاّمة الحلي (ت726هـ) في مبادئ الوصول إلى علم الأصول على أن قبول الخبر متوقف على العلم بعدالة الراوي شخصيًا أو بطريقٍ قاطع، مبينًا أن: (الوثوق الشخصي هو الذي يورث الاطمئنان الكامل في مقام العمل، بخلاف الظنون العامة التي لا تنهض بالحجّية)(3)

هنا يأتي العلاّمة الحلي ليعزّز هذا المنحى، فيرى أن الوثوق الشخصي وحده يورث الاطمئنان الكامل في مقام العمل، بخلاف الظنون العامة أو الشهرة التي لا ترتقي إلى درجة الحجّية. فهو يربط بين العلم بعدالة الراوي وبين مشروعية العمل بخبره.

ومن المعاصرين عرفه بانه (أن يراد من الوثوقِ الاطمئنانُ الشخصيّ‌، أي ذاك الاطمئنان الذي يحصل للفرد نفسه من مطالعته الرواية ورصد جوانبها الداخليّة والخارجيّة، ولا شك في أنّ هذا الوثوق حجّة، سواء بنينا على حجيّة خبر الواحد أم لا، وذلك انطلاقاً من حجيّة الاطمئنان الثابتة بقيام العرف العام والسيرة العقلائية على الاحتجاج بالاطمئنان دون ردع، وبهذا لا نقاش في حجيّة هذا الوثوق). (4)

أما في الطرح المعاصر، فقد جرى تطوير المفهوم ليُفهم على نحوٍ أكثر عقلائيّة، إذ لم يعد التوثيق الشخصي مشروطًا بالمعرفة المباشرة، بل يكفي أن يحصل الاطمئنان النفسي للفرد من خلال فحص مضمون الرواية وسياقها. وهذا الفهم يتناغم مع قاعدة حجّية الاطمئنان المستندة إلى السيرة العقلائية التي تحتجّ بالاطمئنان ولا ترده، سواء قُبل خبر الواحد أم لا كما في منهج السيد السيستاني في حجية الخبر الواحد، المنهج التوثيقي الشخصي عنده لا يحتل موقعًا مركزيًا في منهجه الرجالي، لأنه لا يعتمد على توثيق الراوي بذاته بقدر ما يعتمد على الاطمئنان النوعي أو الجمعي بمضمون الرواية.

فهو لا ينطلق من دراسة شخصية الراوي وسيرته كما هو الحال في منهج الخوئي، بل يرى أن الوثوق بصحة الرواية يمكن أن يتحقق من خلال الاطمئنان بمجموع القرائن (مضمونية وسندية)، لا من التوثيق الفردي لكل راوٍ.

وعليه، فالمنهج التوثيقي الشخصي يتراجع عنده لحساب منهج الاطمئنان العام المستند إلى توافق المضمون ومعلومية المصادر الأصلية.

وبذلك، يظهر أن جوهر هذه النصوص جميعها هو إعلاء شأن الثقة الذاتية والاطمئنان الفردي كمصدر للحجّية، في مقابل الاعتماد على النقل الجماعي أو الظنون العامة.

2.التوثيق النوعي

أما التوثيق النوعي، فهو الاطمئنان الناتج عن شهرة الراوي وثقته بين العلماء، دون حاجة لمعرفة شخصية مباشرة. وقد اعتمد هذا المنهج الشهيد الثاني (زين الدين بن علي العاملي، ت965هـ)، حيث قال في الرسائل الأصولية: (العبرة في قبول الخبر ليست بمعرفة الراوي معرفة شخصية، بل بالوثوق الحاصل من بناء الأصحاب على توثيقه واعتمادهم عليه، فإن الوثوق حجة عقلائية)(5)

وهذا النص يرسّخ التمييز بين الوثوق الفردي والوثوق الجماعي، مؤكدًا أن المدار هو الاطمئنان الحاصل من السيرة العلمية والعقلائية.

وتابع هذا الاتجاه الشيخ الأنصاري (ت1281هـ( في فرائد الأصول (الرسائل)، مبينًا أن: (المدار على الوثوق النوعي بصدور الخبر، فإن بناء العقلاء قائم على الاكتفاء بالاطمئنان الحاصل من تواتر الاعتماد، لا من العلم الشخصي)(6) ويُعدّ هذا الموقف خطوة متقدمة في ترسيخ فكرة التوثيق النوعي كمعيار عقلائي للحجّية.

3. الموقف المعاصر من التوثيق النوعي

في العصر الحديث، تبنّى العديد من الأصوليين هذا الاتجاه وأعادوا صياغته بلغة منهجية دقيقة. فقد قرّر السيد أبو القاسم الخوئي (ت1413هـ) في مصباح الأصول أن: (الميزان في حجّية الخبر هو الوثوق بصدوره، لا عدالة الراوي بعنوانها، فمتى حصل الوثوق النوعي من اعتماد الأصحاب أو الشهرة العظيمة، كان الخبر حجة وإن لم يُحرز عدالة الراوي شخصًا)(7)

كما بيّن السيد محمد باقر الصدر (ت1400هـ) في دروس في علم الأصول (الحلقة الثانية) أن: (السيرة العقلائية جارية على الأخذ بخبر الثقة متى أفاد الاطمئنان النوعي بصدوره، سواء حصل العلم الشخصي أم لا، ولا يردع الشارع عن هذه الطريقة، بل أمضاها)(8)

ويضيف السيد كاظم الحائري في كتابه مباحث الأصول أنّ: (الوثوق النوعي هو المعيار الأهم في بناء الحجّية، لأن الغاية من التوثيق ليست إثبات العدالة، بل تحصيل الاطمئنان النوعي بصدق النقل)(9)

من خلال تتبع الاتجاهات الأصولية عبر العصور، يتضح أنّ الفكر الإمامي تطوّر من التركيز على الوثوق الشخصي في المدرسة القديمة إلى الاعتراف التدريجي بموضوعية الوثوق النوعي، بوصفه امتدادًا للسيرة العقلائية في التعامل مع الأخبار الموثوقة.وقد تحوّل التوثيق من كونه وسيلة معرفية فردية إلى أداة جماعية تستند إلى الاطمئنان العقلائي الذي يجمع بين العقل والنقل، ليشكّل أحد أعمدة المنهج الأصولي الإمامي في تقييم الأخبار والرواة.

التوثيق الشخصي عند الأصوليين

يعتمد التوثيق الشخصي على الاطمئنان المباشر إلى الراوي، ويعتبر الأكثر قوة من حيث الحجية، إذ يوفر للمجتهد يقينًا نسبيًا تجاه الرواية.

الشيخ المفيد: يرى أن التوثيق الشخصي يسمح بالاطمئنان الكامل للخبر، ويقلل من مخاطر الأخطاء المرتبطة بالخبر الفردي أو المعلومات الظنية (10).

السيد المرتضى: يؤكد على ضرورة معرفة الراوي شخصية أو عن طريق تجربة مباشرة، ويعتبر هذا النوع من الوثوق الأساس في حجية الخبر، معتبرًا أن التجربة الشخصية تُفضي إلى اليقين العلمي أكثر من أي اعتماد على شهرة الراوي (11).

إشكالية التوثيق الشخصي تظهر في الحالات التي لا تتوفر فيها معرفة مباشرة بالراوي، ما يدفع إلى البحث عن بدائل للتوثيق، وهو ما يمهد لدور التوثيق النوعي.

التوثيق النوعي ومبرراته

يعتمد التوثيق النوعي على شهرة الراوي بين العلماء وسمعته في العدالة والضبط، ويوفر وسيلة عملية للتعامل مع الأخبار الفردية عند غياب المعرفة الشخصية.

يبين الشيخ المفيد: يشير إلى أن الوثوق النوعي لا يرفع الخبر إلى درجة القطع، لكنه يكفي لإعماله في الاستدلال الفقهي عند الضرورة، وهو حل وسط بين الجمود في التوثيق الكامل وترك الخبر (12).

السيد المرتضى: يرى أن شهرة الراوي بين العلماء تكفي لإعمال الخبر، بشرط تحقق الضوابط العلمية التي تشمل العدالة والضبط والاتساق مع النقل الموثوق (13).

يشير الوثوق إلى الاطمئنان إلى صدق الراوي أو قوة الخبر، بحيث يمكن الاعتماد عليه في الفتوى أو الاستدلال.

ثانيا: إشكاليات التوثيق النوعي:

1. موقع الوثوق النوعي في حجية الخبر

تتمثل الإشكالية في مدى قبول الخبر الفردي اعتمادًا على الوثوق النوعي. يطرح بعض العلماء تساؤلًا مهمًا، هل يكفي الاطمئنان العقلي الناتج عن نوعية الراوي لإعمال الخبر، أم أن المعرفة الشخصية ضرورية؟ ويرتبط هذا السؤال بتوتر بين:

العقل والعرف: الذي يسمح بالاعتماد على شهرة الراوي بين العلماء.

النقل والسند: الذي يشدد على ضرورة التحقيق الشخصي.

2. مباني الفقهاء في معالجة الإشكالية

الاعتبار العقلي العام: الشيخ الطوسي يرى أن معرفة نوعية الراوي تكفي لتقوية الاطمئنان إلى الخبر.

العرف والمجتمع العلمي: يعتمد بعض الفقهاء على شهرة الراوي بين العلماء كمؤشر للوثوق، وهو ما يثبت حجية خبر الفرد في حالات عدم المعرفة الشخصية.

3. القياس على التواتر النوعي: يشبه الوثوق النوعي التواتر، لكنه على أساس النوعية وليس العدد، أي شهرة الراوي بالعدالة والضبط.

يقول السيد المرتضى: (الوثوق النوعي لا يوجب القطع، لكنه يكفي لإعمال الخبر، إذا حصلت خصائص الراوي المعروفة بين العلماء.) (14)

1. حدود الاعتماد على الخبر الفردي: هل يكفي شهرة الراوي لإعمال الخبر، أم أن المعرفة الشخصية لازمة دائمًا؟

2. خطر الظن والخطأ: قد يؤدي الاعتماد على شهرة الراوي وحدها إلى أخطاء إذا لم تُدرس الضوابط بدقة.

3. تحديد معيار الشهرة: ما هي المقاييس الموضوعية لقبول التوثيق النوعي؟

آراء العلماء القدامى والمعاصرين في التوثيق النوعي:

1. العلماء القدامى

السيد المرتضى والمفيد: ركزوا على التوازن بين العقل والنقل، وأكدوا على أن الوثوق النوعي يجوز في حالات الضرورة، مع ضرورة تحقق الضوابط الصارمة.

ابن إدريس الحلي: أشار إلى أهمية الوثوق النوعي في الأخبار الفردية، مع التأكيد على أن المجتهد يجب أن يكون واعيًا لمحدودية هذا النوع من الاطمئنان (15).

2. العلماء المعاصرون

محمد رضا الحائري: يرى أن التوثيق النوعي يمثل تطورًا منهجيًا مهمًا، يسمح بالاستفادة من الأخبار الفردية دون الحاجة للمعرفة الشخصية بكل راوٍ، ويعتبره امتدادًا لمفهوم التواتر العقلي (16).

عبد الله الموسوي: ينتقد الاعتماد على الوثوق النوعي وحده، ويرى ضرورة تطبيق ضوابط دقيقة تشمل دراسة الرواة وشهرتهم بين العلماء، لضمان استقرار الاستدلال الشرعي (17).

التوثيق العلمي للمعلومات

لقد حرصت الدراسة على توثيق كل المعلومات حول آراء العلماء الإمامية من المصادر الأصلية للأصوليين القدامى والمعاصرين، بحيث يمكن تتبع كل نص أو رأي مباشرة إلى كتابه:

الشيخ المفيد، الرسائل: لتوضيح موقفه من التوثيق الشخصي والنوعي، وإشكاليات الاطمئنان العقلي مقابل النقل.

المرتضى، نفائس التأويل: استخدم كمصدر أساسي لآراءه حول التوثيق الشخصي والنوعي وشرحه لضوابط الاعتماد على شهرة الراوي.

ابن إدريس الحلي، الرسائل: لتسليط الضوء على موقف المصلحين القدامى تجاه الأخبار الفردية وتحديد نطاق الوثوق النوعي.

محمد رضا الحائري، علم الرجال بين القديم والمعاصر: كمصدر معاصر يربط التوثيق النوعي بالتطور المنهجي في الدراسات الحديثة.

عبد الله الموسوي، منهجية التوثيق في الفقه الإمامي: لتوضيح النقد المعاصر للوثوق النوعي وضرورة الضوابط الدقيقة.

إن التوثيق الشخصي والنوعي يشكلان أدوات أساسية في نظرية حجية الخبر عند الإمامية، ويعكسان محاولة عند العلماء الإمامية الجمع بين الاطمئنان العقلي والموثوقية النقلية. فالتوثيق الشخصي يوفر الاطمئنان المباشر، في حين يمثل التوثيق النوعي وسيلة عملية للتعامل مع الأخبار الفردية، مع الالتزام بالضوابط العلمية الدقيقة. وقد حرصت البحث على توثيق وبيان ما ياتي:

1. التوثيق الشخصي: يوفر الاطمئنان الكامل ويقلل من مخاطر الخطأ، لكنه محدود عمليًا بسبب عدم توفر المعرفة الشخصية لكل راوٍ.

2. التوثيق النوعي: وسيلة عملية للتعامل مع الأخبار الفردية، لكنه يحتاج إلى ضوابط دقيقة ومعايير صارمة لضمان صحة الاستدلال.

3. التوازن بين النوعين: يظهر وعي العلماء الإمامية بأهمية الجمع بين العقل والنقل في تحقيق الاطمئنان العلمي.

4. النقد الأصولي: يؤكد الحاجة إلى تحديد نطاق الاعتماد على الوثوق النوعي لمنع أخطاء الاستدلال، مع ضرورة توخي الدقة في دراسة الرواة وشهرتهم.

ثالثاً: التطبيقات العملية للوثوق النوعي

1. الاعتماد على الأخبار الفردية

من أبرز التطبيقات العملية للوثوق النوعي حجية الخبر الفردي، خاصة إذا لم يعرف المجتهد الراوي معرفة شخصية. وقد أكد السيد المرتضى والفقهاء الأصوليون الإمامية على أن شهرة الراوي بالعدالة والضبط بين العلماء تُعد سببًا كافيًا للاطمئنان إلى خبره واستعماله في الاستنباط، حتى عند عدم وجود معرفة شخصية مباشرة، بشرط تحقق الضوابط العلمية التي تشمل العدالة والضبط والاتساق مع النقل الموثوق.

يقول السيد المرتضى: (إذا اشتهر الراوي بين العلماء بالعدالة والضبط، فإن الخبر الذي يرويه يعتد به، ولو لم يعرفه الباحث معرفة شخصية، شريطة تحقق الشروط المعتبرة في السند.)(18)

من أبرز التطبيقات العملية للوثوق النوعي هو حجية الخبر الفردي، الذي ذكرها اصحاب مسلك الوثوق نظريّة الوثوق، فهي تركّز على قوّة الاحتمال الذي يعطيه الخبر للفقيه أو غيره، سواء جاء هذا الاحتمال من عناصر تتصل بالمصدر أم بالسند أم بالمتن أم بأيّ أمر آخر خارجيٍّ أو داخلي، من هنا تتنوّع العناصر المؤثرة في الأخذ بالرواية (19)

2. الضوابط المعتمدة

لتطبيق الوثوق النوعي، وضع الفقهاء الإمامية عدة ضوابط أساسية:

شهرة الراوي بين العلماء. شهرة الراوي: وضوح أمره، أيّا كان ذلك الأمر الذي يعرف الراوي به؛ فقد يشتهر بالإمامة، أو بالعدالة، أو بطلب العلم، أو بمطلق الرواية، أو بكثرتها، أو بروايته عن شيخ معين عرف بملازمته. أو يشتهر بمقابل ذلك من الشهرة بالكذب أو بالضعف، أو بقلة الرواية، و غير ذلك. (20)

اتساق الخبر مع ما هو ثابت عن الرواة الآخرين.

عدم تعارض الخبر مع دليل قطعي.

3. النقد الأصولي:

رغم فوائده، يظل الوثوق النوعي محل نقد، ينقل الشيخ المفيد: (ما لم يُعرف الراوي معرفة شخصية، فالوثوق النوعي لا يوجب الاطمئنان الكامل، بل يظل في مجال الظن). (21)

رابعاً: النتائج النقدية

1. الوثوق النوعي يسمح بالاعتماد على الأخبار الفردية بما ييسر الاستدلال دون المساس بجوهر التوثيق.

2. يعكس التوازن بين العقل والنقل في الفكر الإمامي.

3. يبقى محدودًا، ويحتاج إلى ضوابط دقيقة لضمان صحة الاستدلال.

4. النقد الإمامي له دور في توضيح نطاق الوثوق النوعي وحدوده.

إن التفريق بين الوثوق الشخصي والنوعي عند الإمامية يعكس فهمًا متوازنًا بين العقل والنقل في الاستدلال الشرعي، ويوضح الطرق التي اعتمدها الفقهاء لتقييم الأخبار الفردية. إن الوثوق النوعي يتيح الاستفادة العملية من الروايات المشهورة بين العلماء، مع الالتزام بضوابط دقيقة لضمان صحة الاستدلال الشرعي. ويؤكد النقاش الأصولي أن استخدام الوثوق النوعي يحتاج إلى حذر وتدقيق لضمان تماشيه مع مبادئ العلم الشرعي.

***

ا. م. د. صباح خيري راضي العرداوي

............................

قائمة المصادر والمراجع:

ابن إدريس الحلي. الرسائل. قم: دار الثقافة، 1402 هـ.

الحائري، محمد رضا. علم الرجال بين القديم والمعاصر. طهران، 2005.

الصدوق، الشيخ الصدوق. من لا يحضره الفقيه. ج 1. قم: دار الثقافة الإسلامية، 1400 هـ.

الطوسي، الشيخ الطوسي. التهذيب. ج 1. قم: دار الثقافة الإسلامية، 1408 هـ.

الكليني، الشيخ الكليني. الكافي. ج 1. قم: دار الكتب الإسلامية، 1405 هـ.

المرتضى، الشريف المرتضى. نفائس التأويل. قم: المكتبة العلمية، 1410 هـ.

المفيد، الشيخ المفيد. الرسائل. قم: دار الثقافة، 1399 هـ.

الموسوي، عبد الله. منهجية التوثيق في الفقه الإمامي. قم: دار الفكر الإسلامي، 2010.

هوامش

(1) حب ‌الله حیدر. الحدیث الشریف، حدود المرجعیة و دوائر الاحتجاج. م 1، مؤسسة الإنتشار العربي، ص 45.

(2) الطوسي: العدة في أصول الفقه، ج1، ص154.

(3) . العلامة الحلي: مبادئ الوصول، ص112.

(4) حب‌ الله حیدر. الحدیث الشریف، حدود المرجعیة و دوائر الاحتجاج. م 1، مؤسسة الإنتشار العربي، ص 46.

(5) الشهيد الثاني: الرسائل الأصولية، ج1، ص122–124.

(6) الشيخ الانصاري: فرائد الأصول، ج1، ص303.

(7) السيد الخوئي: مصباح الأصول، ج2، ص108–111.

(8) السيد محمد باقر الصدر : دروس في علم الأصول، الحلقة الثانية، ج2، ص113–115.

(9) كاظم الحائري: مباحث الأصول، ج1، ص89.

(10) ينظر: المفيد، الرسائل, ص 25.

(11) ينظر: المرتضى، نفائس التأويل, ص 45.

(12) ينظر: المفيد، الرسائل, ص 27.

(13) ينظر: المرتضى، نفائس التأويل, ص 48.

(14) المرتضى، نفائس التأويل، ص 48.

(15) ابن إدريس الحلي، الرسائل, ص 32.

(16) الحائري، علم الرجال بين القديم والمعاصر, ص 45.

(17) الموسوي، منهجية التوثيق في الفقه الإمامي, ص 52

(18) ينظر: المرتضى، نفائس التأويل، ص 48.

(19) ينظر: حب ‌الله حیدر. الحدیث الشریف، حدود المرجعیة و دوائر الاحتجاج. م 1، مؤسسة الإنتشار العربي، ص 45.

(20) ينظر: خطیب‌ الحسنی‌ محمد مجیر. معرفة مدار الإسناد و بيان مكانته في علم علل الحديث. م 2، دار الميمان، ص 215.

(21) ينظر: المفيد، الرسائل، ص 25

 

الخريجون الأفارقة جسر للعلاقات العربية الإفريقية.. رؤية استشرافية

تتناول هذه الدراسة الدور المحتمل لخريجي الجامعات العربية من الطلاب الأفارقة بوصفهم قوة ناعمة يمكن أن تسهم في تعزيز العلاقات الحضارية والدبلوماسية بين العالمين العربي والإفريقي. ورغم أن هؤلاء الخريجين يمثلون رصيدًا معرفيًا وثقافيًا مهمًا، فإن الدول العربية لم تستثمر بعد في هذه الطاقات بالشكل الذي يوازي قيمتها الاستراتيجية. تهدف الدراسة إلى تحليل أبعاد هذه الظاهرة، واستكشاف سبل تفعيل الدبلوماسية الأكاديمية باعتبارها أداة لتعزيز التواصل الحضاري والتكامل العربي الإفريقي، بالاعتماد على منهج البحث العلمي القائم على التحليل الوصفي والمقارن، مع توظيف الإطار النظري لمفهوم القوة الناعمة والدبلوماسية الأكاديمية.

الكلمات المفتاحية: القوة الناعمة، الدبلوماسية الأكاديمية، العلاقات العربية الإفريقية، خريجو الجامعات العربية، التواصل الحضاري.

المقدمة

شهدت العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الطلاب الأفارقة الذين قصدوا الجامعات العربية والإسلامية طلبًا للعلم والمعرفة، سواء في مجالات الدراسات الشرعية أو العلوم الإنسانية والاجتماعية أو التخصصات الحديثة. وقد أسهمت هذه الظاهرة في خلق جيل من النخب الإفريقية المتعلمة بالعربية والمطّلعة على الثقافة الإسلامية والعربية، ما جعلهم مؤهلين للعب دور محوري في بناء جسور التواصل الحضاري بين العالمين العربي والإفريقي.

غير أن هذا الرصيد البشري الهائل ظل إلى حد كبير قوة ناعمة منسية، لم تُستثمر بالشكل الكافي في تعزيز العلاقات الثقافية والسياسية والاقتصادية بين الجانبين. ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة التي تسعى إلى إبراز القيمة الاستراتيجية لهؤلاء الخريجين، وتحليل سبل تفعيل دورهم في خدمة المصالح المشتركة.

المحور الأول: الجانب النظري:

أولًا: الإطار المفاهيمي والنظري

1. مفهوم القوة الناعمة

يُعرّف جوزيف ناي القوة الناعمة بأنها القدرة على التأثير في الآخرين وجذبهم دون استخدام القوة أو الإكراه، بل من خلال الثقافة والقيم والسياسات الجاذبة¹. وفي السياق العربي الإفريقي، يمكن اعتبار التعليم والثقافة والدين من أبرز أدوات القوة الناعمة التي يمكن توظيفها لتعزيز التقارب بين الشعوب.

2. التعليم كأداة للقوة الناعمة

يُعد التعليم أحد أهم أدوات بناء النفوذ الثقافي والفكري، إذ يتيح للدول نشر لغتها وثقافتها وقيمها عبر الأجيال المتعلمة². وقد لعبت الجامعات العربية، منذ منتصف القرن العشرين، دورًا مهمًا في استقبال الطلاب الأفارقة وتكوينهم علميًا وفكريًا، ما جعلها منابر لنشر الثقافة العربية والإسلامية في إفريقيا.

ثانيًا: الخلفية التاريخية للعلاقات التعليمية بين العالمين العربي والإفريقي

1. الجذور التاريخية

تعود العلاقات التعليمية بين العرب والأفارقة إلى عصور مبكرة، حين كانت المراكز العلمية الإسلامية في القاهرة وفاس وتيمبوكتو مراكز إشعاع علمي وثقافي³. ومع نشوء الدول الحديثة، استمرت هذه العلاقات من خلال المنح الدراسية التي قدمتها الدول العربية للطلاب الأفارقة، خاصة في مصر والسودان والسعودية والمغرب.

2. تطور العلاقات في العصر الحديث

شهد القرن العشرون توسعًا في برامج التعاون الأكاديمي بين الجامعات العربية والإفريقية، حيث أُنشئت مؤسسات تعليمية مشتركة، وتم توقيع اتفاقيات تعاون ثقافي وتعليمي⁴. وقد أسهمت هذه المبادرات في تكوين نخب إفريقية عربية الثقافة، تتحدث العربية بطلاقة وتفهم العقل العربي من الداخل.

ثالثًا: الخريجون الأفارقة كجسور حضارية

1. الدور الثقافي والفكري

يمثل الخريجون الأفارقة من الجامعات العربية نخبة مثقفة قادرة على نقل الثقافة العربية إلى مجتمعاتهم الإفريقية، وفي الوقت نفسه ترجمة الثقافة الإفريقية إلى العالم العربي. فهم يجسدون نموذجًا للتفاعل الحضاري المتبادل، ويعملون على تصحيح الصور النمطية المتبادلة بين الطرفين⁵.

2. الدور السياسي والدبلوماسي

كثير من هؤلاء الخريجين يشغلون مناصب قيادية في بلدانهم، سواء في الوزارات أو الجامعات أو المؤسسات الدينية، ما يجعلهم عناصر فاعلة في توطيد العلاقات السياسية بين الدول العربية والإفريقية⁶. كما أن معرفتهم باللغتين العربية واللغات الإفريقية المحلية تمنحهم قدرة فريدة على الوساطة الثقافية والسياسية.

3. الدور الاقتصادي والتنموي

من خلال شبكاتهم الأكاديمية والاجتماعية، يمكن لهؤلاء الخريجين أن يسهموا في تعزيز التعاون الاقتصادي بين الجانبين، عبر تشجيع الاستثمارات المشتركة والمشاريع التنموية التي تراعي الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للطرفين⁷.

رابعًا: التحديات التي تواجه توظيف هذه القوة الناعمة

1. غياب التنسيق المؤسسي: لا توجد حتى الآن آلية عربية إفريقية فعالة لتنسيق جهود الخريجين وتوظيف خبراتهم في مشاريع مشتركة.

2. ضعف الدعم الرسمي: تفتقر معظم الدول العربية إلى سياسات واضحة لاستثمار خريجيها الأفارقة في تعزيز العلاقات الثنائية.

3. العوائق اللغوية والإدارية: رغم إتقانهم للعربية، يواجه كثير من الخريجين صعوبات في الاندماج المهني بسبب اختلاف الأنظمة الإدارية والتعليمية.

4. غياب شبكات التواصل: لا توجد منصات فعالة تجمع الخريجين العرب والأفارقة لتبادل الخبرات وبناء المبادرات المشتركة.

خامسًا: آفاق تفعيل دور الخريجين في بناء الجسور الحضارية

1. إنشاء رابطة عربية إفريقية للخريجين: تعمل على التنسيق بين الجامعات والمؤسسات الثقافية وتسهيل تبادل الخبرات.

2. دعم البحث العلمي المشترك: تشجيع المشاريع البحثية التي تتناول قضايا التنمية والتواصل الثقافي بين العالمين العربي والإفريقي.

3. تعزيز الدبلوماسية الثقافية: إشراك الخريجين في الفعاليات الثقافية والمؤتمرات الدولية كممثلين للهوية المشتركة.

4. تطوير برامج تدريبية مشتركة: إعداد برامج لتأهيل الخريجين في مجالات القيادة والإدارة الثقافية والدبلوماسية العامة.

المحور الثاني: الجانب التطبيقي:

الدراسة التطبيقية: تم تصميم مجموعة استبانات علمية لجمع بيانات علمية دقيقة حول الدور الحضاري لخريجي الجامعات العربية من الطلاب الأفارقة من أبناء جنوب الصحراء، واستكشاف إمكاناتهم في تعزيز القوة الناعمة العربية وبناء جسور التواصل بين العالمين العربي والإفريقي.

  كما تم تطبيق معامل ألفا كرونباخ (  Cronbach's Alpha)لتحليل جداول الاستبيانات و لقياس الثبات الداخلي (الاتساق بين البنود)

أولاً: الإطار العام للتحليل

تهدف هذه الاستبانات إلى قياس مدى فاعلية التعليم العربي كأداة من أدوات القوة الناعمة في إفريقيا، من خلال تتبع أثر خريجي الجامعات العربية من الطلاب الأفارقة في مجتمعاتهم بعد العودة.

التحليل الرياضي يعتمد على المنهج الوصفي التحليلي باستخدام أدوات الإحصاء الوصفي (النسب المئوية، المتوسطات الحسابية، والانحراف المعياري) لتحديد الاتجاهات العامة، مع تحليل نوعي للأسئلة المفتوحة.

ثانياً: التحليل الكمي للاستبانة الأولى (الخريجون الأفارقة)

1. المحور الأول: الدوافع والخبرة التعليمية

المتغيرات الأساسية: دوافع الدراسة، تقييم التجربة، مستوى الاندماج.

التحليل المتوقع:

غالبية الإجابات تميل إلى خيار القرب الثقافي والديني بنسبة تقديرية (40–50%)، تليها المنح الدراسية (30–35%)، مما يعكس أن الدافع الثقافي والديني يفوق الدافع الأكاديمي البحت.

تقييم التجربة التعليمية يتراوح بين جيدة إلى ممتازة بنسبة (60–70%)، مما يدل على رضا عام عن جودة التعليم العربي.

مستوى الاندماج الجامعي يظهر تفاوتًا، حيث يتوقع أن تكون نسبة الاندماج الجزئي الأعلى (حوالي 45%)، ما يشير إلى وجود فجوة ثقافية جزئية بين الطلاب العرب والأفارقة.

2. المحور الثاني: التأثير الثقافي والحضاري

المتغيرات: التأثر بالثقافة العربية، تعزيز الفهم للعلاقات العربية الإفريقية.

النتائج المتوقعة:

نسبة التأثر الكبير جدًا أو المتوسط قد تصل إلى (75%)، مما يدل على قوة التأثير الثقافي العربي أثناء الدراسة.

لكن عند سؤالهم عن مدى مساهمة التجربة في تعزيز العلاقات العربية الإفريقية، قد تنخفض النسبة إلى (50–55%)، ما يعني أن الجانب العربي لم يستثمر هذا التأثير في بناء روابط مؤسسية مستدامة.

3. المحور الثالث: الدور بعد العودة

المتغيرات: المشاركة في أنشطة عربية إفريقية، نوع الأنشطة، أثر الدراسة على الوضع المهني.

التحليل:

نسبة المشاركين في أنشطة عربية إفريقية لا تتجاوز (35–40%)، مما يعكس ضعف المتابعة المؤسسية من الجامعات العربية.

الأنشطة الأكثر شيوعًا: التعليم والثقافة بنسبة (60%)، تليها الاقتصاد والدبلوماسية بنسبة (25%).

التأثير المهني والاجتماعي يظهر بدرجة متوسطة إلى كبيرة (حوالي 65%)، مما يعني أن الخريجين يمثلون طاقة ناعمة غير مستثمرة بالكامل.

4. المحور الرابع: تقييم القوة الناعمة العربية

النتائج المتوقعة:

يرى نحو (55–60%) أن التعليم العربي يسهم بدرجة متوسطة في تعزيز العلاقات الحضارية.

المجالات المقترحة لتعزيز الحضور العربي في إفريقيا: التعليم (70%)، الثقافة (50%)، الإعلام (30%).

التحليل النوعي للإجابات المفتوحة يُظهر أن الخريجين يدركون غياب استراتيجية عربية واضحة لتوظيفهم كجسور حضارية.

ثالثاً: التحليل الكمي للاستبانة الثانية (الأكاديميون والمسؤولون العرب)

1. سياسات الاستقطاب

نحو (60%) من الجامعات لا تمتلك برامج مخصصة لاستقطاب الطلاب الأفارقة.

الدعم الأكثر شيوعًا هو المنح الدراسية (70%)، بينما الدعم الثقافي واللغوي ضعيف (أقل من 30%).

التحديات الرئيسية: ضعف التمويل، غياب التنسيق بين الجامعات العربية، وصعوبات التأشيرات.

2. الأثر الثقافي والتعليمي

مساهمة الطلاب الأفارقة في إثراء الحياة الجامعية تُقيَّم بـ متوسطة (50–55%).

المبادرات الثقافية المشتركة محدودة (نحو 40% فقط من الجامعات لديها برامج تبادل ثقافي).

متابعة الخريجين بعد التخرج ضعيفة جدًا (أقل من 25%)، ما يؤكد غياب الرؤية الاستراتيجية لاستثمار الخريجين كقوة ناعمة.

3. الرؤية المستقبلية

معظم الأكاديميين يرون أن الجامعات العربية يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في بناء الجسور الحضارية عبر:

1. إنشاء شبكات خريجين أفارقة.

2. دعم مراكز الدراسات العربية الإفريقية.

3. تطوير برامج تبادل أكاديمي وثقافي مستدامة.

رابعاً: التحليل الكمي للاستبانة الثالثة (صناع القرار والباحثون)

1. تقييم الدور الحالي

المساهمة الحالية للخريجين تُقيَّم بـ متوسطة إلى ضعيفة (60% من الإجابات).

مظاهر التأثير تتركز في التعليم والدعوة والثقافة، بينما يغيب التأثير في الاقتصاد والسياسة.

2. التحديات والفرص

أبرز التحديات:

1. غياب التنسيق العربي المشترك.

2. ضعف التواصل مع الخريجين بعد العودة.

3. غلبة الطابع الديني على الطابع التنموي في التعليم العربي.

4. الفرص:

5. وجود قاعدة بشرية واسعة من الخريجين العرب في إفريقيا.

6. رغبة متزايدة لدى الدول الإفريقية في التعاون الثقافي والتعليمي.

3. التوصيات

1. إنشاء مجالس خريجين مستعربين أفارقة بإشراف الجامعات.

2. إدماج الخريجين في العمل الدبلوماسي والثقافي العربي.

3. تطوير استراتيجية عربية موحدة للقوة الناعمة في إفريقيا.

خامساً: الاستنتاج العام

1. الجانب العربي أهمل القوة الناعمة المتمثلة في خريجي الجامعات العربية من الأفارقة، رغم أن هؤلاء يشكلون شبكة بشرية مؤهلة ثقافيًا ولغويًا لبناء جسور حضارية متينة.

2. الجامعات العربية تركز على التعليم الأكاديمي دون استثمار البعد الثقافي والسياسي للتعليم كأداة نفوذ ناعم.

3. غياب المتابعة المؤسسية للخريجين أدى إلى فقدان التواصل مع آلاف الكفاءات الإفريقية التي يمكن أن تكون سفراء طبيعيين للعالم العربي.

التحليل الرياضي يبرز أن متوسط تقييم القوة الناعمة العربية لا يتجاوز (2.8 من 5)، وهو مؤشر على ضعف الأداء الاستراتيجي رغم الإمكانات البشرية المتاحة.

سادساً: التوصيات العلمية

1. بناء نظام إحصائي عربي موحد لتتبع خريجي الجامعات العربية من الأفارقة.

2. إنشاء مراكز دراسات عربية إفريقية تُعنى بالقوة الناعمة والتعليم الثقافي.

3. تطوير برامج دبلوماسية تعليمية تستثمر الخريجين في تعزيز العلاقات الثنائية.

4. إدراج مفهوم القوة الناعمة في سياسات التعليم العالي العربي كأداة للتأثير الحضاري.

5. التحديات: ضعف التواصل المؤسسي بعد التخرج، غياب الدعم العربي المستدام، ضعف شبكات الخريجين.

الفرص: إنشاء مراكز خريجين عربية إفريقية، دعم المبادرات الثقافية المشتركة، تطوير برامج تبادل أكاديمي مستمر.

سادساً: الرؤية الاستشرافية المقترحة

1. تأسيس شبكة خريجي الجامعات العربية في إفريقيا لتفعيل التواصل الأكاديمي والثقافي.

2. إطلاق برامج دبلوماسية ثقافية تعليمية بإشراف وزارات التعليم والثقافة العربية.

3. تعزيز الحضور العربي في إفريقيا عبر المنح، المراكز الثقافية، والبحوث المشتركة.

4. تطوير قاعدة بيانات موحدة لتتبع الخريجين وتقييم أثرهم في مجتمعاتهم.

5. إدماج مفهوم “القوة الناعمة التعليمية” في السياسات العربية للتعاون الدولي.

نتائج الدراسة التطبيقية حول "الدبلوماسية الأكاديمية غير المستثمرة: خريجو الجامعات العربية من إفريقيا قوة ناعمة مهمَلة في العلاقات العربية–الإفريقية رؤية استشرافية "

أولاً: التحليل الوصفي للمعلومات العامة

1. الجنس:

68% من الذكور مقابل 32% من الإناث، ما يعكس استمرار هيمنة الذكور في برامج الابتعاث الجامعي العربي المخصصة لقارة إفريقيا جنوب الصحراء. هذا التفاوت قد يرتبط بعوامل ثقافية واجتماعية في بلدان المنشأ، إضافة إلى محدودية الفرص التعليمية الموجهة للإناث في بعض الدول الإفريقية.

رؤية مستقبلية: من المتوقع أن تتجه الجامعات العربية إلى تعزيز مشاركة الطالبات الإفريقيات عبر منح مخصصة وبرامج تمكين أكاديمي، ما يسهم في تحقيق توازن نوعي في الدبلوماسية الأكاديمية المستقبلية.

2. الفئة العمرية:

الفئة الأكثر تمثيلاً (25–35 سنة) بنسبة 55%، وهي فئة الشباب القادرة على المبادرة والتأثير.

رؤية مستقبلية: هذه الفئة تمثل نواة محتملة لشبكات خريجين ديناميكية يمكن أن تقود مشاريع تعاون عربي–إفريقي في مجالات التعليم والابتكار وريادة الأعمال.

3. المستوى الأكاديمي:

توزيع المستويات (بكالوريوس 40%، ماجستير 35%، دكتوراه 20%) يعكس قاعدة معرفية متنوعة.

رؤية مستقبلية: يمكن استثمار هذا التنوع في بناء هرم معرفي متكامل، بحيث يقود حملة الدكتوراه مبادرات بحثية، ويشارك حملة الماجستير والبكالوريوس في التنفيذ الميداني للمشاريع المشتركة.

4. المهنة الحالية:

45% يعملون في التعليم والبحث العلمي، ما يجعلهم فاعلين طبيعيين في الدبلوماسية الأكاديمية.

رؤية مستقبلية: يمكن تحويل هذا التوجه إلى سياسة ممنهجة عبر إنشاء “مجالس خريجين أكاديميين” تعمل كجسور فكرية وثقافية بين الجامعات العربية والإفريقية.

ثانياً: التجربة الأكاديمية

1. الرضا عن التجربة الدراسية:

65% من المشاركين راضون أو راضون جداً، ما يعكس جودة التجربة التعليمية.

رؤية مستقبلية: هذا الرضا يمكن أن يُترجم إلى ولاء أكاديمي طويل الأمد، إذا ما تم الحفاظ على التواصل المؤسسي بعد التخرج.

2. اهتمام الجامعات بطلاب إفريقيا:

55% يرون أن الاهتمام متوسط أو ضعيف.

رؤية مستقبلية: من المتوقع أن تتطور سياسات الجامعات العربية نحو “دبلوماسية تعليمية موجهة”، عبر مكاتب خاصة بشؤون الطلاب الأفارقة، وبرامج دمج ثقافي ولغوي.

3. أبرز الصعوبات:

اللغة (35%) والتكيف الثقافي (25%) هما التحديان الأبرز.

رؤية مستقبلية: إدراج برامج تمهيدية لغوية وثقافية قبل بدء الدراسة يمكن أن يرفع من جودة التجربة الأكاديمية ويعزز الاندماج.

4. المشاركة في الأنشطة العربية–الإفريقية:

60% لم يشاركوا في أي نشاط، ما يدل على ضعف المبادرات المؤسسية.

رؤية مستقبلية: يمكن للجامعات إنشاء “أندية عربية–إفريقية” لتشجيع الحوار الثقافي وتنمية الحس الدبلوماسي لدى الطلاب.

ثالثاً: العلاقات بعد التخرج

1. استمرار التواصل:

55% يحافظون على علاقات مع أساتذتهم وزملائهم.

رؤية مستقبلية: هذه الشبكات يمكن أن تتحول إلى منصات تعاون بحثي أو مشاريع تنموية مشتركة.

2. الاستفادة من العلاقات الأكاديمية:

50% فقط استفادوا منها.

رؤية مستقبلية: إنشاء قاعدة بيانات رقمية للخريجين العرب والأفارقة يمكن أن يعزز فرص التعاون الأكاديمي والمهني.

3. رؤية الخريجين كجسر للتعاون:

90% (نعم + إلى حد ما) يؤمنون بدورهم كقوة ناعمة.

رؤية مستقبلية: هذا الوعي الذاتي يشكل أساساً لبناء دبلوماسية أكاديمية يقودها الخريجون أنفسهم.

4. المجالات الممكنة للمساهمة:

يتصدر التعليم (30%) والثقافة (25%)، ما يعكس طبيعة التأثير الناعم.

رؤية مستقبلية: يمكن تحويل هذه المجالات إلى أدوات استراتيجية لتعزيز الهوية العربية المشتركة في إفريقيا.

5. وجود مبادرات تجمع الخريجين:

80% أكدوا غيابها

رؤية مستقبلية: الحاجة ملحّة لإنشاء “رابطة الخريجين المثقفين بالعربية من إفريقيا” كمنصة للتواصل والتأثير.

رابعاً: تقييم الدور الدبلوماسي الأكاديمي

1. استثمار الدول العربية في خريجيها الأفارقة:

55% يرون أنه ضعيف.

رؤية مستقبلية: من المتوقع أن تتجه بعض الدول العربية إلى تبني “استراتيجية القوة الناعمة الأكاديمية”، عبر دعم الخريجين كسفراء ثقافيين واقتصاديين.

2. أسباب الضعف:

*غياب التنسيق المؤسسي (30%) وضعف الوعي بأهمية الخريجين (25%) هما السببان الرئيسيان.

*رؤية مستقبلية: الحل يكمن في إنشاء وحدات دبلوماسية أكاديمية داخل وزارات التعليم والخارجية لتنسيق الجهود.

3. المقترحات لتفعيل الدور:

1. إنشاء شبكات خريجين عربية–إفريقية.

2. دعم برامج التبادل الأكاديمي والبحثي.

3. إشراك الخريجين في المنتديات الثقافية والدبلوماسية.

4. تأسيس مراكز دراسات مشتركة.

رؤية مستقبلية: هذه المقترحات يمكن أن تشكل ملامح “خطة استراتيجية عربية–إفريقية للدبلوماسية الأكاديمية 2030”.

4. تقييم المستقبل:

75% يرون أن المستقبل واعد أو متوسط.

رؤية مستقبلية: هذا التفاؤل يعكس استعداداً مجتمعياً وأكاديمياً لتفعيل الدور، شرط توافر الإرادة السياسية والمؤسسية.

خامساً: الاستنتاجات العامة والرؤية الاستشرافية

الخريجون الأفارقة من الجامعات العربية يمثلون رأس مال بشرياً استراتيجياً يمكن أن يعيد تشكيل العلاقات العربية–الإفريقية على أسس معرفية وثقافية.

الضعف الحالي في التنسيق المؤسسي لا يلغي الإمكانات المستقبلية، بل يبرز الحاجة إلى رؤية عربية موحدة للدبلوماسية الأكاديمية.

الجامعات العربية يمكن أن تتحول إلى مراكز نفوذ ناعم من خلال برامج المنح، البحث المشترك، والتبادل الثقافي.

الرؤية المستقبلية:

1. بناء شبكة خريجين عربية–إفريقية رقمية.

2. إدماج الدبلوماسية الأكاديمية في السياسات الخارجية العربية.

3. تحويل الخريجين إلى “سفراء معرفة” في بلدانهم.

4. تعزيز التعاون الثلاثي (جامعات–حكومات–منظمات إقليمية) لتحقيق التكامل العربي–الإفريقي.

النتيجة العامة:

تشير نتائج التحليل الإحصائي إلى أن التعليم العربي يمثل أداة فعالة للقوة الناعمة في إفريقيا، لكن فاعليته محدودة بسبب غياب التنسيق المؤسسي العربي. توصي الدراسة بتفعيل دور الخريجين كجسور حضارية من خلال مبادرات تعليمية وثقافية مستدامة.

خلاصة استشرافية:

إذا تم استثمار الخريجين الأفارقة من الجامعات العربية ضمن إطار مؤسسي منظم، فإن العقد القادم قد يشهد ولادة دبلوماسية أكاديمية عربية فاعلة، قادرة على إعادة التوازن للعلاقات العربية–الإفريقية، وترسيخ حضور عربي مستدام في القارة عبر أدوات المعرفة والثقافة والتعليم.

***

د. خليل حمد الأزهري

مدير مركز البحوث العلمية للاستشارات والنشر والترجمة بمدينة ماروا-الكاميرون

.......................

الهوامش والمراجع

1. جوزيف ناي، القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية، ترجمة محمد توفيق البجيرمي، (بيروت: الدار العربية للعلوم، 2007)، ص 15.

2. عبد الرحمن بن عبد الله السويلم، "التعليم كأداة للقوة الناعمة في العلاقات الدولية"، مجلة العلوم الاجتماعية، العدد 12، 2018، ص 44.

3. عبد الله التليدي، العلاقات العربية الإفريقية: الجذور التاريخية وآفاق المستقبل، (الرباط: مركز الدراسات الإفريقية، 2015)، ص 67.

4. محمد الأمين ولد سيدي، "التعاون الأكاديمي العربي الإفريقي: الواقع والتحديات"، مجلة الدراسات الإفريقية والعربية، العدد 9، 2020، ص 23.

5. أحمد عبد القادر، "الخريجون الأفارقة من الجامعات العربية ودورهم الثقافي"، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 102، 2019، ص 88.

6. عبد الله موسى، النخب الإفريقية المتعلمة بالعربية ودورها في السياسة الإفريقية المعاصرة، (القاهرة: دار الفكر العربي، 2016)، ص 54.

7. فاطمة الزهراء بن عيسى، "التعاون الاقتصادي العربي الإفريقي: الفرص والتحديات"، مجلة الاقتصاد والتنمية الإفريقية، العدد 5، 2021، ص 39.

 

بقلم: رودولف غوين*

ترجمة وإعداد: نجاة تميم

***

تقدم نظرية العبودية الطوعية إجابة لسؤال سياسي: لماذا يطيع الأفراد حكامهم؟

لا يهمنا فقط طرح مشكلة قبول السلطة القامعة للحرية، بل تناول، في كل الأنظمة، لغز المهيمِن والمهيمَن عليهم" (1). ما نحتاج إلى توضيحه هو آليات الطاعة الغامضة، من خلال تلك الأكثر غموضًا في الخضوع، طاعة الأفراد المتواطئين في حالة العبودية الخاصة بهم. وبالتالي فإن العبودية الطوعية ليست سوى نوعا من الطاعة يصعب فهمها بشكل خاص، لأنها تعتبر تواطؤا مع حالتنا الخاصة من حرماننا من الحرية. لنكتشف معا أصول هذا الخضوع المقبول، ومن ثَمَّ يتم إلقاء الضوء على آلية الطاعة بأكملها.

من خلال تجاوز بعض الجوانب لثيمة العبودية الطوعية التي تعتبر موضوع الساعة، فإن مستوى التحليل سيكشف بأن العبودية الطوعية لا تتعلق بالعلاقة بين الأفراد، بل بالسلطة السياسية داخل المجتمع. لقد تمت صياغة هذا المصطلح لأول مرة في القرن السادس عشر من قبل إتيان دو لا بويسيÉtienne de La Boétie (1530-1563) في خطابه الشهير(2). إذا كانت السنة المحددة لاكتمال هذا الخطاب غير معروفة، فمن المتفق عليه عمومًا أن تاريخه يعود إلى الأعوام 1552-1553، وذلك بسبب تلميحات رونزارد أو دو بلِاي أو بايف، كما ذكر ميغيل أبينصور ومارسيل غوشيه في مقدمتهم لهذا العمل (3). أعطى Michel de Montaigne (1533-1592) وهو صديق مقرب للمؤلف، تاريخين مختلفين لكتابة هذا الخطاب؛ 1546 و1548. وقد قام بذلك، ربما حتى لا يُختزل الخطاب في عمل ظرفي، (قمع وبشدة ثورة ضريبة الملح في منطقة غويان، عام 1549، من قبل الملك هنري الثاني)، حيث قام بتصحيح التأريخ الأول لعام 1548 لتقديمه لمدة عامين. بعد ذلك، تم تداول النص من قبل دائرة صغيرة من الإنسانيين. وبعد وفاة لا بويسي، أعد مونْتينْي عملاً كان ينوي إدراج الخطاب فيه. لكن أنصار الكلفانيين نشروا أول نسخة مقرصنة جزئية ومجهولة المصدر في عام 1574، ثم نسخة كاملة في عام 1576 تحت اسم لا بويسي، بعنوان " ضد الشخص الواحد" " Le Contr’Un". بعد ذلك، رأى النور إصدار طبعات أخرى في وقت لاحق، اعتمادًا على الأحداث التاريخية، لا سيما في عامي 1789 و1835، ثم بشكل أكثر انتظاما حتى اليوم.

لقد تناول العديد من الفلاسفة وباحثو العلوم الاجتماعية مسألة الهيمنة المقبولة تحت عبارات مختلفة. ومع ذلك، فمن المناسب التمييز بوضوح بين المؤلفين من بينهم contractualistes les التعاقديين، الذين سعوا للبحث عن أسس الطاعة وبعبارة أخرى عن مبرراتها (في نظام القانون أو العدالة)، وأخرين بحثوا في الأصل، أي أسباب هذا الخضوع (حسب ترتيب الوقائع)، من خلال إنتاجهم لنظرية العبودية الطوعية أو الهيمنة. ومن ثم فإن تحليلات حنة آرندت للنظام الشمولي كنظام قائم على دعم الجماهير (4)، أو نظرية ميشيل فوكو حول السلطة (5)، كان لهذه التحليلات، مكانها في العمل الذي يهدف إلى تأسيس نظرية عامة للعبودية الطوعية. هدفنا هنا أقل طموحًا بكثير؛ فالأمر يتعلق فقط بتقديم النظرية الأصلية التي اقترحها لا بويسي وفهم ما يميزها عن بعض النظريات الشهيرة الأحدث بشأن الهيمنة. ما الذي يميز العبودية الطوعية الأصلية عن السيطرة المشروعة التي نظر إليها ماكس فيبر، وعن الاستغلال عند كارل ماركس وفريدريك إنجلز، أوعن الخضوع عند لوي ألتوسير، أو عن العنف الرمزي عند بيير بورديو؟ تشترك كل هذه النظريات في فكرة أن المهيمَن عليهم متواطئون في هيمنتهم. ومن ثم فإن المنهج المقارن يمكننا من تسليط الضوء على الخطاب من خلال المواجهة مع مفاهيم ومقاربات تبدو متشابهة.

تفسيرات العبودية الطوعية عند لا بويسي

يبدأ عمل لا بويسي بهذا السؤال: "كيف يمكن أن يتحمل هذا العدد الكبير من الرجال، والعديد من المدن، والعديد من الأمم ،في بعض الأحيان، كل شيء من طاغية واحد، ليس لديه قوة أخرى غير تلك التي نمنحه إياها، والذي لا يملك القدرة على إيذائنا إلا ما دمنا على استعداد لتحمله، والذي لا يستطيع أن يؤذينا إذا لم نفضل تحمل المعاناة منه، بدلاً من معارضته؟ " (6)

أن يطيع الشعب شخصا واحدًا فقط لأن الأخير يفعل خيرا، فهذا يبدو شيئا معقولًا للكاتب، وهو ليس محل شك هنا. لكن عندما يكون هذا الشخص هو سبب مصائب الشعب، وبمعنى آخر، قامع للحريات، كيف يمكن أن نفسر استمرار هذه الطاعة؟ وكما كتبت سيمون. ويل: Weil"عندما ينتشر الموت تشرق معجزة الطاعة أمام العيون" (7). بمعنى آخر، هذه المعجزة موجودة في أي موقف من مواقف السلطة، لكنها لا تثير الاهتمام والتحليل إلا في إطار انتهاك الحريات. يستبعد لا بويسي، من البداية، "الجبن" و"الخوف" (8)، وذلك لأن مليون رجل لا يمكن أن يهاب رجلا واحدا. علاوة على ذلك، ففكرة مقاتلة الطاغية غير واردة، وذلك "لأنه مهزوم، في حال لم يوافق الشعب على هذه العبودية"(9). هدف الكاتب إذن هو فهم "كيف كانت هذه الرغبة العنيدة في الخدمة متجذرة بعمق لدرجة تجعل المرء يعتقد أن حب الحرية في الواقع ليس أمرًا طبيعيًا" (10). إن لا بويسي، أراد، بطريقة ما، أن يقدم لقرائه مقالا عن علم الاجتماع التاريخي أكثر بكثير من مجرد مقال أنثروبولوجيا. في الواقع، لم يكن الأمر دائمًا على هذا النحو؛ فالانتقال إلى حالة العبودية الطوعية، كما يقول الأنثروبولوجي الفرنسي (1934-1977) بيير كلاستر Clastres، هي "محنة، حادث مأساوي، بداية سوء حظ يستمر آثاره في التفاقم إلى درجة أنه يلغي ذاكرة الماضي، فيحل حب العبودية محل الرغبة في الحرية" (11) . ومع ذلك، فإن الخطاب لا يتناول لماذا جُرد الإنسان من طبيعته، بل "كيف يدوم سوء الحظ إلى درجة أنه يبدو أبديًا؟"(12)

التفسير الأول الذي يقدمه لا بويسي للعبودية الطوعية هو العادة. ويقول؛ إذا كانت الحرية طبيعية، وإذا "ولدنا أحرارا، ولدينا أيضًا الرغبة للدفاع عن هذه الحرية" (13)، فإنه يلاحظ أن التربية، مع ذلك، لها أهمية كبيرة جدا. هكذا فإن "العادة التي لها تأثير كبير، في كل شيء، على جميع أفعالنا، لديها أيضا وقبل كل شيء القدرة على تعليمنا الخدمة: "إنها هي التي، على المدى الطويل، […] تنجح في جعلنا نبتلع، دون اشمئزاز، سمَّ العبودية المرير" (14). إن لا بويسي يُميّز الجيل الأول من الرجال، الذين تعرّضوا ضد إرادتهم وبالقوة للخضوع، عن الأجيال اللاحقة التي ولدت في حالة عبودية، والتي "تعتبر حالتها الطبيعية هي الحالة التي ولدت بها" (15). فهذه الأجيال، بحسبه، لم تعرف الحرية أبدًا، وبهذا لا يمكن أن يكون لديها أي فكرة عما حُرمت منه. لذلك، فإن التفسير الأول للعبودية الطوعية، كما نقول اليوم، هو تفسير معرفي. والأكثر من ذلك، فهو تفسير بنائي، حيث أن الواقع الاجتماعي المتصوّر مَبنيٌ بشكل جيد من قبل الأفراد وليس مُعطى في حد ذاته. وكما سنرى لاحقاً، فإن هذه الخاصية مشتركة بين العديد من نظريات الهيمنة.

أما التفسير الثاني الذي انتقاه الكاتب من تاريخ البشرية فهو حيلة الطغاة. عند حرمان الرجال من الحرية، يفقدون شجاعتهم والطاقة اللازمة للنضال من أجل الهروب من العبودية. لكن الطغاة يعرفون جيدًا كيف يستغلون هذا الضعف ويسعون دائمًا إلى جعل الرجال أضعف وأكثر جبنًا. الخبز والألعاب والترفيه هي الوسائل الرئيسية المستخدمة "لإخضاع الرعية للعبودية" (16). إن خطابات الطغاة أو التباهي بالرموز تعمل بنفس الطريقة على كسب الثقة وإثارة الإخلاص وضمان السلام الاجتماعي. لذلك يحافظون على عادة العبودية.

أما التفسير الثالث المقترح، والذي يعتبره الكاتب "سر الهيمنة وربيعها، وسند كل طغيان وأساسه" (17)، فهو ما يمكن أن نطلق عليه الانتهازية – التي يسميها لا بويسي حجة سلسلة المكاسب. أربعة أو خمسة رجال يقدمون المشورة للطاغية وذلك لإفساده وتوجيه أفعاله نحو المزيد من الأرباح التي يتقاسمونها معه. وهم بدورهم، يفسدون بالمثل، ما بين 500 إلى 600 رجل آخر تحت إمرتهم، وذلك من أجل كسب ولائهم، وهؤلاء يفعلون الشيء نفسه مع الآخرين، وهكذا حتى أدنى درجات المجتمع.

"ومن أراد أن يتتبع أثر هذه السلسلة، سيرى أن ليس ستة آلاف بل مائة ألف، ملايين يَنْظمون إلى الطاغية عبر هذه القناة ويشكلون بينهم سلسلة متصلة تعود إليه. […] باختصار، من خلال المكاسب وحصص الربح التي سيحققونه، نصل إلى نقطة مفادها أن هناك في النهاية عددًا من أولئك الذين يستفيدون من الطغيان، يوازي عدد الذين تهمُّهم الحرية" (18).

ولنؤكد أن المكاسب المذكورة هي مكاسب في السلطة والجاه أكثر منها في الثروة. ولذلك يفكر كل منهم في إجراء حسابات التكلفة/المنفعة لعبوديته وينتهي به الأمر إلى العثور على مكسب كافي. "الكسب" في السلطة هو في الحقيقة وهْم، لأنه مبني على جهلِ ثمنِه، هو الطاعة للتراتبية، أي لمن أعلى منه. حسب قول لا بويسي، إن استخدام الطاغية للقوة ليس تفسيرًا صالحًا: "ليست العصابات الممتطية خيولا، أو جيشا من المشاة، باختصار، ليست الأسلحة هي التي تدافع عن الطاغية، ولكن دائمًا [...] أربعة أو خمسة رجال يؤيدونه ويُخضعون له البلاد بأكملها" (19). وبحسب الكاتب، فإن تفسيراته الثلاثة للعبودية الطوعية ليست بنفس القدر من الأهمية. يتم تقديم سلسلة المكاسب على أنها الأكثر جوهرية، ثم تأتي العادة وبعد ذلك حيلة الطاغية، المرتبطة بسابقتها. إذا كان هذا الاعتماد التفسيري بين الحجتين الثانية والثالثة لا يمكن التشكيك فيه، "السبب الذي يجعل الناس يخدمون طوعًا هو أنهم ولدوا أقنانًا وأنهم نشأوا في العبودية [حجة العادة]. من هذا يتبع بطبيعة الحال شيء آخر؛ في ظل الطغاة، يصبح الرجال بالضرورة جبناء وخانعين [حجة حيلة الطاغية]"(20)، ومن ناحية أخرى، يبدو أن حجة سلسلة المكاسب ليست أساسية كما قدّمها الكاتب. فهي مبنية على وهم حساب عقلاني يقوم به الرعايا؛ فهم يعتقدون أنهم وجدوا مصلحة لعبوديتهم من خلال المكاسب التي يتلقونها جراء إخلاصهم لرؤسائهم ومن خلال الذين يخضعون لهم في جني الأرباح. بينما وكما يفسر الكاتب، كلما اتجهت تراتبية هذه السلسلة نحو الأسفل، كلما اقتربنا أكثر من الشعب وسيكون بذلك حجم الأرباح أقل أهمية. فهؤلاء وهم يمثلون الأكثرية، لن يكسبوا شيئا. فكيف يمكننا إذن أن نفسر مثل هذا الحساب غير العقلاني، وبأن خسارة ما هو أكثر قيمة، الحرية، لا يتم تعويضه بأي مكسب؟ ويبدو لنا أن الحل هو ما يلي؛ الحرية ليس لها ثمن بالنسبة لهم، وذلك لأنهم اعتادوا، على وجه التحديد، على العبودية ونسوا طبيعتهم الحقيقية. وبالتالي فإن التفسير العقلاني لسلسلة المكاسب سيعتمد في الحقيقة على تفسير أكثر جوهرية، هو تفسير العادة.

يمكن إضافة عنصر أخير، على الرغم من أنه لم يتم تقديمه بشكل صريح من قبل الكاتب؛ وهو عنصر "اسم الواحد" UN le nom d’، الذي أبرزه الفيلسوف الفرنسي كلود لُفور (1924-2010) في مقالته المنشورة عن دار بايو لعام 1976 وصممها ميغيل أبينصور(21). والفكرة، هي أن العبودية الطوعية يُمكن تفسيرها، أكثر بكثير من خلال العادة، "بالسحر أو الانبهار" الذي يولده "اسم الواحد" (أي اسم الطاغية) في أذهان الناس، بمعنى آخر، أي الانجذاب إلى السلطة لأنها تجسد وحدة (خيالية) للجسم الاجتماعي:

"ما اثارته العبودية الطوعية [...] يمكننا الآن التعرف عليه بشكل أفضل؛ هو حب الذات، والنرجسية الاجتماعية. (...) مع العبودية، دمَّر سحر اسم "الواحد" صياغة اللغة السياسية. فالناس تريد أن تتم تسميتها باسم طاغية، الاسم الذي يلُغى به الفرق بين هذا وذاك ويُلغى به لغز الانقسام الاجتماعي، ويُؤجل به اختبار الاعتراف إلى أجل غير مُسمى، ويصبح اسمه المحبوب هو الاسم الذي يظل الجميع متمسكا به، لئلا يصبحوا لا شيء"(22).

إذا كان من الممكن قبول هذا التفسير للخطاب كونه يقدم تفسيرًا إضافيًا للعبودية الطوعية، فمن ناحية أخرى، فإننا نشكك في تطورات "لُفور" حول عدم أهمية حجة العادة (23 ) وأيضًا في فهمه تفسير حجة سلسلة المكاسب، التي يربطها مباشرة بالانبهار الذي يمارسه اسم الواحد –le Un:

"السر، لغز الهيمنة، يكمُن في رغبة كل شخص، مهما كان مستوى التسلسل الهرمي الذي يشغله، للتماهي مع الطاغية من خلال جعل نفسه سيدًا على شخص آخر. (...) إذا كان صحيحًا أن هناك سيدًا واحدًا فقط يكون جميع الناس عبيدًا له، فإن هذه الحقيقة تُغطي أخرى؛ عبودية الجميع مرتبطة برغبة كل منهم في أن يحمل اسم الواحد قبل الآخر. إن تخيل الواحد لا يقتصر فقط على تخيل شعبا مُجتمعا، بل هو في الوقت نفسه تخيل كل رجل، طاغية (مُصغّرا)، في المجتمع"(24).

وكما أظهرنا أعلاه، فإن هذه الحجة تعتمد في الواقع، في رأينا، على الحجة الأكثر جوهرية وهي العادة.

الهيمنة الشرعية

ما هي قيمة تفسيرات لا بويسي، بعد مرور أربعة قرون ونصف؟ هل تم اقتراح نظريات منافسة أخرى حول العبودية الطوعية، وهل تتناغم مع تفسيرات لا بويسي؟ سنحتفظ هنا بأربعة أمثلة لنظرية الهيمنة؛ نظرية ماكس فيبر، والنظرية الماركسية بنسختيها الأصلية والألتوسيرية، ونظرية بيير بورديو. إن مواجهة هذه النظريات، التي تشترك على ما يبدو في فكرة تواطؤ المهيمَن عليهم في هيمنتِهم، ستسمح بتوضيح، على الجانب الآخر، ما سيلقي المزيد من الضوء على نظرية لا بويسي.

أن تكون طوعًا في حالة من العبودية يعني، بعبارة أخرى، قبول الهيمنة التي تعاني منها حاليًا. أليس هذا بكل بساطة تعريف فيبر للشرعية؟ يُنظر إلى هذا، في الواقع، على أنه اعتراف بالسيد (Herr) وبالتالي طاعته. في هذا، يتم تمييز الهيمنة (Herrschaft) عن القوة البسيطة (Macht)، وهي مجرد فرصة أن يخضع الفرد لطاعة شخص آخر، دون الإشارة إلى الحقيقة الأساسية المتمثلة في أن الشخص الذي يطيع يعترف بعلاقة القوة هذه ويقبلها. ظاهريًا، يمكن مقارنة حالة الهيمنة بالعبودية الطوعية عند لا بويسي. فما هي الأسباب بالنسبة لفيبر؟

سيكون من الخطأ الرد على عجل بأن العبودية الطوعية تعمل بثلاث طرق، والتي من شأنها أن تتناول الأنواع الثلاثة الشهيرة للهيمنة؛ الطرق التقليدية، والكاريزمية، والعقلانية القانونية. في الواقع، وفقًا لنظرية المعرفة الفيبرية، فإن هذه المفاهيم الثلاثة هي أنواع مثالية، وبعبارة أخرى مفاهيم تحليلية، وأشكال صافية لا توجد أبدًا في حالتها الخام في التاريخ. ولذلك يفسر عالم الاجتماع الهيمنة الحقيقية على أنها مزيج من هذه الأنواع الثلاثة ضمن الدوافع النفسية للفاعلين، والتي يجب فهمها على وجه التحديد. هل نظرية الهيمنة الفيبرية مجرد إحياء للنظرية الأصلية للعبودية الطوعية؟ يبدو أن المظاهر خداعة؛ لأن العادة قد تتوافق للوهلة الأولى مع الهيمنة التقليدية، وخدعة الطاغية للجماهير مع تحقيق الهيمنة الكاريزمية، كما أن سلسلة المكاسب، كتفسير عقلاني للغاية، ستتوافق مع الهيمنة العقلانية. إن هذه الترابطات، هي في الواقع، عرضية. بالفعل، يفترض علم الاجتماع الشامل لفيبر أن الفاعلين يمكنهم، إذا كان لديهم وقت الفراغ والرغبة، أن يُقدموا بأنفسهم الأسباب التي دفعتهم إلى هذا الفعل. وبالتالي سيُظهرون، في الحالة الأولى، رغبتهم في اتباع التقاليد. وهذا ما يرفض لا بويسي، على وجه التحديد، التفكير فيه، وهو الذي يصر على حقيقة أن حالة الخنوع لا يمكن بأي حال من الأحوال التشكيك فيها من قبل الأفراد الذين ولدوا في هذه الحالة. لقد نسوا طبيعتهم ككائنات حرة. ولذلك يبدو أنه لا توجد عودة انعكاسية ممكنة في حالتهم. يمكننا أن نناقش إلى ما لا نهاية مسألة تشاؤم لا بويسي أو تفاؤله فيما يتعلق بإمكانية استعادة الرجال لحريتهم، حيث أن هناك عناصر في النص تميل في اتجاه أو في آخر. مع P. Clastres وربما أيضا مع C. Lefort، سنفهم ذلك أكثر باعتباره يؤدي إلى ملاحظة تجريد الإنسان من طبيعته. على أية حال، ليس لنظرية العادة في خطاب لا بويسي أي شيء مشترك مع احترام فيبر المتعمِّد للتقاليد.

أما تفسير الكاريزما فلا يتطابق أيضًا مع تفسيرات لا بويسي، وذلك لأن الطاغية عمومًا هو "الأكثر جبنًا، وأشرس الناس، وأكثرهم خنوعا في الأمة، وهو الذي لم يشم رائحة بارود المعارك، لكنه بالكاد داس رمال البطولات"(25) وبالتالي، يجب عليه أن يكون ماكرًا وأن يعمل بجد لخلق الإخلاص والتفاني لشخصه. أما بالنسبة إلى فيبر، فإن الكاريزما تعتبر شيءً مختلفا تمامًا: فهي "الميزة الاستثنائية لشخصية تتمتع، إذا جاز التعبير، بالقوة أو بالخصائص الخارقة للطبيعة، أو فوق طاقة البشر، أو على الأقل تتمتع بما هو خارج الحياة اليومية، أي غير متاح للناس العاديين، أو تُعد هذه الشخصية إما مرسلاً من الله أو قدوة وبالتالي تعتبر قائداً"(26).

أما التفسير الثالث، وهو سلسلة المكاسب والذي يرتكز عليه الحساب العقلاني لكل شخص، فلا علاقة له بالهيمنة القانونية العقلانية التي تجد أساسها في الاحترام الواعي والطوعي للقانون وقواعده. لذلك يسعى فيبر للإجابة على نفس السؤال الذي طرحه لا بويسي؛ ما هي الينابيع التفسيرية للطاعة وللهيمنة في بُعدها المتمثل في القبول؟ لكن ردود الأول لا تشكل بأي حال من الأحوال تكراراً لأطروحات الثاني.

الأيديولوجيا

لقد صاغ تيار الماركسية نظرية مختلفة تمامًا للهيمنة. يمكننا التمييز بين نسختين؛ نظرية كارل ماركس وفريدريش إنجلز، وبعد أكثر من قرن من الزمان، نظرية لوي ألتوسير. والمفهوم المركزي لتحليلاتهم هو مفهوم الأيديولوجيا. بالنسبة إلى الآباء المؤسسين للمادية التاريخية، وهو العلم الذي يجب أن يكون قادرًا على اكتشاف الينابيع الأساسية للعلاقات الاجتماعية، من الضروري محاربة الوعي الزائف لدى الأفراد عن الواقع. هذا الوعي الزائف هو أيديولوجيا، جسّدها بشكل رئيسي هيغل وتلاميذه المثاليون وتبنّتها برجوازية القرن التاسع عشر. الأيديولوجيا هي عكس العلاقات بين الوعي والحياة. بالنسبة إلى هيغل، يتجلى الواقع في الوعي؛ وهي الأطروحة المركزية لمنظوره الظاهراتي (الفينومنولوجي). فالعقل l’esprit إذن هو القوة الدافعة للتاريخ، لأنه ينتج الواقع. يعتزم ماركس وإنجلز عكس هذه العلاقة حرفيًا: "ليس الوعي هو الذي يحدد الحياة، بل الحياة هي التي تحدد الوعي"(27). وهذا الأخير هو مُنتج اجتماعي، يُنتج عن علاقات الإنتاج التي تشكل العلاقات الاجتماعية. إن الأيديولوجيا تخفي الواقع من خلال قلب العلاقات الحقيقية؛ فهي تخفي مصالح الطبقة الحاكمة تحت شعار المصلحة المشتركة. ولهذا السبب يعلن واضعو البيان الشيوعي ما يلي:

"ما الذي يبينه تاريخ الأفكار، إذا لم يكن الإنتاج الفكري الذي يتحول مع الإنتاج المادي؟ إن الأفكار السائدة، في عصر ما، لم تكن سوى أفكار الطبقة الحاكمة"(28).

في الواقع، تفرض المثالية والبرجوازية هيمنتهما من خلال نشر أيديولوجيا (البنية الفوقية) والتي هي فكرة زائفة عن الواقع، زائفة لأنها منفصلة عن علاقات الإنتاج (البنية التحتية). وهنا نجد حدسًا قريبًا من نظرية العادة عند لا بويسي؛ فالبروليتاريون لا يدركون أن حالتهم هي حالة المهيمَن عليهم، تمامًا كما لا يدرك الأفراد الخاضعون للطاغية مدى خنوعهم. الحالة التي تبدو طبيعية، وعادية بالنسبة لهم هي حالتهم الحالية؛ لذلك فإن التشكيك في ذلك أمر غير معقول بالمعنى الأساسي. ومع ذلك، على عكس مؤلف الخطاب، فإن ك. ماركس وف. إنجلز لا يستبعدان استخدام القوة للحفاظ على الهيمنة، بل على العكس تمامًا (29). إن القمع والقيود والتهديد الجسدي هي أيضًا من أدوات البرجوازية.

ومع ذلك، فإن هذين المؤلفين أقل تشاؤما بشأن إمكانيات التغيير من لا بويسي. يمكن للبروليتاريا أن تدرك وضعها الحقيقي إذا دفعتها الطليعة المستنيرة إلى القيام بذلك. وهذا هو دور الشيوعيين. تجدر الإشارة إلى فرق ثانٍ؛ إنهما لم يسعيا إلى شرح سبب هذه الهيمنة أو مصدرها بدقة. من الذي ينتج الأيديولوجيا، وكيف يعمل الوعي الزائف، كلها أسئلة لم تتم الإجابة عليها. ألتوسير هو من سيفعل ذلك(30).

الخضوع

إذا كانت نظرية العادة تفسِّر إلى حد كبير الهيمنة، يبقى علينا أن نوضح من أين تأتي هذه العادة. بالنسبة إلى لا بويسي، فإن نسيان الحرية هو الذي يتم الحفاظ عليه في الأصل من خلال خدعة الطاغية. أما بالنسبة إلى ألتوسير، فإن خدعة الرأسمالي هي التي تخلق منذ البداية الظروف اللازمة لعادة الهيمنة. الأيديولوجيا ليست مجرد حجاب، أو مجموعة من التمثلات السلبية، إنها قوة ملموسة وفعالة تشكل العقول والسلوكيات. إنها بالتأكيد وهمٌ بالمعنى الذي قصده ماركس وإنجلز، وهو تصور للعالم لا يتوافق مع الواقع، لكن ألتوسير يضيف أنها تلميح يشير إلى الواقع. إن ما يمثله الأفراد في الأيديولوجيا ليس الظروف الحقيقية لوجودهم، بل علاقتهم بهذه الظروف، علاقتهم بعلاقات الإنتاج. فالعملية كالتالي؛ الأيديولوجيا هي جزء من الممارسات، من الطقوس التي تحددها أجهزة الدولة الأيديولوجية (المدرسة، الكنائس، الأسرة، القانون، النظام السياسي، وسائل الإعلام، وما إلى ذلك):

"المدرسة (وكذلك مؤسسات الدولة الأخرى مثل الكنيسة، أو غيرها من الأجهزة كالمؤسسة العسكرية) تقوم بتلقين "المعرفة العملية"، ولكن بأشكال تضمن الخضوع للأيديولوجيا المهيمِنة، أو إتقان "ممارستها". فيكون بذلك جميع وكلاء الإنتاج والاستغلال والقمع، ناهيك عن "محترفي الأيديولوجيا" (ماركس)، "مخترقين" بطريقة أو بأخرى بهذه الأيديولوجيا، وذلك من أجل القيام بمهمتهم بوعي – سواء كمستَغلَّين ( بروليتاريا)، أو كمستغِلين ( الرأسماليين)، أو كوسطاء الاستغلال (الأطر) أو ككهنة كبار للإيديولوجيا السائدة ("موظفيها")"(31).

الهدف من هذه الأجهزة هو إنتاج رعايا، أي تشكيل الأفراد بالشكل المطلوب. وبهذا تؤدي الأيديولوجيا وظيفتين: وظيفة الاعتراف، التي من خلالها تتعرف الذات على العالم من حولها باعتباره أمرا بديهي، وتتعرف على نفسها كذات في هذا العالم (فهو أب، وعامل، ومؤمن، وما إلى ذلك) وباعتبارها انعكاسًا لذات Sujet متعالية التي خلقتها الأيديولوجيا (الله، الأمة، الإنسانية، البروليتاريا)، مما يضْمن هويتَها، بنفس طريقة تناولَ لُفور لاسم الواحد في تعليقه على الخطاب؛ وهي وظيفة سوء الفهم التي تخفي عن الذات الآلية العميقة التي ينطوي عليها هذا الاعتراف، والغرض منه هو الهيمنة. الاعتراف يُنتج الذات، والجهل يحجُب عن الذات خضوعَها. ما يضيفه ألتوسير إلى نظرية ماركس وإنجلز هو الدور النشط والمستقل تقريبًا للبنية الفوقية على البنية التحتية؛ الأيديولوجيا تضمن إعادة إنتاج علاقات الإنتاج، وتضمن الهيمنة الاجتماعية. بمعنى آخر، فهو يقترح نظرية أكثر اكتمالًا للهيمنة، تتماشى مع نظرية لا بويسي.

في الواقع، تفسير العبودية الطوعية بنظرية العادة موجود تمامًا في الاعتراف والخضوع الألتوسيري. إن خدعة الطاغية التي تحافظ على وعي كاذب هنا تأخذ شكل أجهزة الدولة الأيديولوجية. فقط تفسير سلسلة المكاسب لا يجد نظيرًا واضحًا. من المحتمل أن يجيب ألتوسير بأن المكاسب المتصوّرة على هذا النحو هي تأثير الأيديولوجيا، وأن أهميتها السببية مشروطة بحجة الوعي الزائف (وهذا يرتبط بالنقد الذي تناولناه أعلاه بشأن التسلسل الهرمي للتفسيرات التي اقترحها لا بويسي). ومع ذلك، مثلما فعل ماركس وإنجلز، فإنه يفسح المجال للقمع، لاستخدام القوة، وهي وظيفة أجهزة الدولة القمعية (الحكومة، الإدارة، المحاكم، الشرطة، الجيش، السجون، إلخ). الاختلاف الرئيسي الأخير مع لا بويسي هو أنه بالنسبة لألتوسير، إذا لم نترك وللأبد الأيديولوجيا، إذا لم نعيد اكتشاف وعي حالتنا الطبيعية (حالة الإنسان الحر)، فذلك لأن هذه الحالة لا وجود لها. إننا نترك، دائمًا، أيديولوجيا لتحل أخرى محلها بمجرد سيطرة قوة اجتماعية جديدة على أجهزة الدولة الأيديولوجية. إن حيَل الطاغية هي بالفعل سبب للعبودية الطوعية، ولكن في عالم تسود فيه، بالضرورة، العادة.

في القرن العشرين، اقترح العديد من المؤلفين عناصر لتفسير العبودية الطوعية (من بين آخرين مدرسة فرانكفورت وميشيل فوكو) ولكن دون إنشاء نظرية كاملة للهيمنة. واحدة من أفضل الأفكار التي جعلت هذا السؤال محور بحثه هي بلا شك فكرة بورديو. إذا كانت العبودية الطوعية تأخذ اسم الهيمنة من قبل ماكس فيبر، أو الخضوع من قبل ألتوسير، فإن المفهوم المركزي هنا هو مفهوم "العنف الرمزي":

العنف الرمزي

إن العنف الرمزي، بكل بساطة، هو "ذلك الشكل من العنف الذي يُمارَس على الفاعل الاجتماعي بتواطؤه"(32 (.

تحدد هذه الصيغة بوضوح العلاقة مع مسألة العبودية الطوعية. سيكون ذلك، بالمصطلحات البورديوسية، عبودية متواطئة. لكن الكاتب يوضح مرارا وتكرارا كيف أن موافقة الشخص المهيمَن عليه ليست بأي حال من الأحوال عملا من أعمال إرادته:

"العنف الرمزي هو ذاك الشكل الخاص من الإكراه الذي لا يمكن ممارسته إلا بالتواطؤ النشط – وهذا لا يعني الواعي والطوعي - لأولئك الذين يخضعون له ويكونوا محددين في إمكانية حرمانهم من حرية ترتكز بالأساس على الوعي"(33).

إنها إذن ليست مسألة عبودية طوعية بمعنى الهيمنة المقبولة بوعي كامل، كما قد يكون الحال مع تحليل فيبر. إن بورديو واضح جدًا في هذا الموضوع: "إن الاعتراف بالشرعية ليس، كما يعتقد ماكس فيبر، عملاً حرًا بضمير مرتاح"(34 (. وبالتالي، فإن التواطؤ الذي يُظهره المهيمَن عليهم ليس حتمية مفروضة من الخارج، ما دام لهم دور فيه، ولا عملاً متعمدًا، بمعنى أنه سيكون ثمرة مداولات داخلية. "لا يمكننا أن نفكر في هذا الشكل من أشكال الهيمنة إلا إذا تجاوزنا البديل المتمثل في الإكراه بالقوة والموافقة على الأسباب..." (35 (. إذن، على أي أساس يعمل تواطؤ المهيمَن عليهم؟

الفكرة الرئيسية هي أن التواطؤ يُمارس "في غموض أحكام Habitusالهابتوس، حيث تُنقش أنماط الإدراك والتقدير والفعل التي تؤسِّس، خارج قرارات الضمير وضوابط الإرادة، علاقة معرفة واعتراف عملي غامض للغاية بالنسبة لذاتها"(36).

يتم إدراك العالم وفهمه وفقًا للفئات والمفاهيم وقبل كل شيء الهياكل (على سبيل المثال، العلاقات فوق/ تحت، المذكر / المؤنث، الأبيض / الأسود) التي يفرضها النظام الاجتماعي ويدمجها الفاعلون الاجتماعيون. هذه الهياكل المعرفية هي انعكاس للهياكل الموضوعية للعالم، وبالتالي يتم قبول الهيمنة المتأصلة في العلاقات الاجتماعية على أنها طبيعية تمامًا، كحالة طبيعية للعالم. وتُسمى نتيجة عملية الاستيعاب هذه الهابتوس. توجه هذه المجموعة من التصرفات المُكتسبة، في لحظة الفعل، وتشكل في ظل ظروف معينة، معتقدات الفاعل وأفعاله. من وجهة نظر سياسية صارمة، فإن الخضوع، "الذي لا علاقة له ب"العبودية الطوعية" [...] هو في حد ذاته تأثير سلطة، منقوشة بشكل دائم في جسد المهيمَن عليهم، على شكل هياكل الإدراك والتصرفات (الاحترام، الإعجاب، الحب، إلخ)، أي المعتقدات التي تجعل المرء حساسًا لبعض المظاهر الرمزية، مثل التمثلات العامة للسلطة"(37 (.

نجد نفس الحدس البنائي، تقريبا، في تفسير العبودية الطوعية بنظرية العادة؛ لكن الهابتوس يُفسِّر ما تَصفه تقريبا العادة. مثل الفلاسفة الماركسيون، لم يكتف بورديو، بالتحليل الفينومينولوجي - الظاهراتي الذي يفترض أن إدراك العالم يتم إنتاجه بواسطة الوعي، وبالتالي يتم هيكلته من خلاله. فهو كما لا بويسي، ينوي تقديم تفسير لهذه الهيكلة:

"إن "الموقف الطبيعي" للظاهراتيين، أي التجربة الأولية للعالم كأمر بديهي، هو علاقة مبنية اجتماعيًا […]: إذا كانوا على حق في التذكير، خلافا للرؤية الميكانيكية، أن الفاعلين الاجتماعيين هم الذين يبنون الواقع الاجتماعي"، فإنهم يغضون الطرف عن طرح مسألة البناء الاجتماعي لمبادئ بناء هذا الواقع الذي ينفذه الفاعلون في هذا العمل البناء، الفردي وأيضا الجماعي، وعن التساؤل حول مساهمة الدولة في هذا البناء"(38 (.

ولذلك يجب أن نوضح من أين تأتي العادة، التي لا تأتي فقط من النسيان. ومرة أخرى، فإن وجهة نظر المهيمِن هي التي تقدم نفسها وتفرضها كوجهة نظر عالمية. ومن خلال دمج الهياكل الموضوعية للهيمنة (والتي هي بهذا المعنى هيكلة الهياكل)، يقوم الفاعلون بإعادة إنتاج هذه الهيمنة. تماشيًا مع ألتوسير، يصر بورديو على دور الدولة في مجتمعاتنا. لكونها تُنظم وتضبط الممارسات، فهي التي تفرض تعلّم السلوكيات العملية والمعرفية التي تصبح تصرفات دائمة (هياكل منظمة)؛ مبادئ التصنيف (الجنس، العمر، المهارات، المهنة، مستوى الدخل، إلخ)، الفئات الاجتماعية (نشطة / غير نشطة ، مواطنين/ أجانب، وما إلى ذلك)، وإيقاعات الحياة (التقويم)، والأقسام التأديبية في الجامعة، وطقوس المؤسسة داخل الأسرة أو المدرسة، وما إلى ذلك. وهكذا، "تخلق الدولة الظروف الملائمة لتنسيق فوري للهابتوس الذي هو في حد ذاته أساسا لإجماع هذه المجموعة من الأدلة المشتركة"(39 (. بالنسبة لبورديو، فإن خدعة الطاغية تخلق حقًا ظروف العادة. ومن أجل استكمال عرض نظريته، دعونا نتذكر أنه، مثل الماركسيين، وعلى عكس لا بويسي، يأخذ في الاعتبار حقيقة أن الهيمنة تعتمد في أغلب الأحيان على القوة والمال، لكنه يصر، مثل ألتوسير، على الحقيقة أن لها دائمًا بُعدًا رمزيًا.

ما هو الفرق إذن مع نظرية ألتوسير؟ سؤال من الصعب الإجابة عليه. وبالرغم مما يقوله الكاتب نفسه (40 (، يبدو أن هناك تشابهًا قويًا بين الاثنين، لا يمكن التشكيك فيه إلا من خلال الاهتمام بالتفاصيل حول الآليات التي تلعبها صياغة الأحكام. لكن هذا القلق ليس في حد ذاته تفصيلاً. في الواقع، نجد عند بورديو، و بوضوح شديد، وظائف الاعتراف ووظائف التجاهل، على الرغم من تسميتها بشكل مختلف. لكنه يصر، بلا شك، أكثر من ألتوسير على العلاقة بين الهياكل الموضوعية (أجهزة الدولة الأيديولوجية، من بين أمور أخرى) والهياكل المعرفية (التصرفات، والهابتوس). ففي نهاية المطاف، ترجع الفجوة بين النظريتين أولاً إلى التركيز على آليات وشروط دمج الهياكل الموضوعية، ثم إلى الطبيعة الاستعدادية المحددة للهابتوس:

"في مفهوم "الوعي الزائف"، الذي يستشهد به بعض الماركسيين لتفسير آثار الهيمنة الرمزية، فإن "الوعي" هو زيادة عن اللزوم، والحديث عن "الأيديولوجيا"، هو وضع، ما نسميه "الوعي"، في نظام التمثلات القابلة للتحول من خلال هذا التحول الفكري، الموجود في المعتقدات، أي في أعمق الاستعدادات الجسدية" (41).

هكذا فإن الحدس البنائي لنظرية لا بويسي حول العبودية الطوعية يجد أصداء هائلة في النظريات الحديثة للهيمنة. سواء كان ذلك في شكل تمثلات للعالم، أو بشكل أكثر عمقًا، في التصرفات، فإن الهيمنة يتم تفسيرها أولاً وقبل كل شيء من خلال التواطؤ اللاواعي للمهيمَن عليهم. ثم أوضحنا أن الامتياز الذي منحه كاتب الخطاب للتفسير من خلال سلسلة المكاسب لم يكن له ما يبرره لأنه كان في الحقيقة مبنيا على التفسير بالعادة. لهاذين السببين، فإن العبودية الطوعية هي بلا شك أقرب إلى الخضوع الألتوسيري أو العنف الرمزي لبورديو أكثر من كونها أقرب إلى الهيمنة الفيبريية المشروعة.

*دكتوراه في العلوم السياسية، باحث ومحاضر في علم النفس السياسي في قسم العلوم السياسية - جامعة بوردو (فرنسا) . يركِّز في بحثه على نظرية المعرفة في العلوم الاجتماعية والعلاقة بين العلوم المعرفية والعلوم السياسية، والنهج المعرفي للسياسة العامة والعمل الجماعي.

***

.........................

الترجمة عن:

Rodolphe Gouin. "Servitude volontaire". in V. Bourdeau and R. Merrill (éditions.) DicoPo. Dictionnaire de théorie politique, 2007, pp.[en ligne]. 7 Octobre 2022.

https://shs.hal.science/halshs-00186763v1

الهوامش:

1- C. Lefort, "Le nom d’Un" , in É. De La Boétie . (DE), 1978, pp.258-259.

2- Étienne de LA Boétie, (DE), "Le discours de la servitude volontaire", Paris, Payot, 1978- (1576).

3- M. Abensour et M. Gauchet, "Présentation. Les leçons de la servitude et leur destin", in de La Boétie, 1978.

4- H. Arendt, "Le système totalitaire", Paris, Seuil, 1978, p. 235.

5- M. Foucault," Le sujet et le pouvoir", Dits et écrits II, 1976-1988, Paris, Gallimard. 2001, p.155.

6- La Boétie, pp. 174-175.

7- Simone Weil, "Méditation sur l’obéissance et la liberté", in LA Boétie (DE), 1978. Liens: Althusser - Bourdieu – Domination – Esclavage volontaire - La Boétie, E. – Idéologie(s), p. 88.

8- La Boétie, p.177.

9- Ibid., 179.

10- Ibid., 204.

11- Clastres, pp. 230-231.

12- Ibid., p. 235

13- La Boétie, p. 185.

14- Ibid., p.190.

15 -Ibid.

16- Ibid., p. 203.

17- Ibid., p. 212.

18- Ibid., p. 203.

19- Ibid,. p. 212.

20-Ibid,. p.199.

21- Lefort, pp. 247-307.

22- Ibid., p. 274.

23- Ibid., pp. 276-293.

24- Ibid., p.301.

25- La Boétie, p. 176.

26- M. Weber, "Economie et société", Paris, Plon, réédition, Agora, 1995, p.320.

27- K. Marx et F. Engels, "L’idéologie allemande", Paris, Éditions Sociales, 1974, p.23.

28- Marx et Engels, "Manifeste du Parti communiste", Collectif, "Le Manifeste communiste aujourd’hui", Paris, Les Éditions de l’Atelier/Éd. Ouvrières, 1998, p.40.

29- K. Marx, "Le 18 brumaire de Louis Bonaparte", Paris, Éd. Mille et une nuits, 1997.

30-Louis Althusser, "Idéologies et appareils idéologiques d’État", Positions, Paris, Éditions Sociales. 1976.

31- Ibid,. p.73.

32- Bourdieu," Réponses", Paris, Seuil, 1992, p.141.

33- Bourdieu, "La Noblesse d’État, Grandes écoles et esprit de corps", Paris, Minuit,1989, p.12.

34- Bourdieu, "Les méditations pascaliennes", Paris, Seuil, 1997, p.211.

35- Ibid,. 204.

36- Ibid,.

37- Ibid., p.205.

38- Ibid,.pp.208-209

39- Ibid., p. 210.

40- Bourdieu, "La Noblesse d’État", p.10.

41- Bourdieu, p.212.

قراءة في ضوء النقاشات المعاصرة حول الحتمية

تندرج مسألة الطبيعة والسببية في صميم البناء الفلسفي الوسيط، حيث يتقاطع النظر الميتافيزيقي بالبحث الطبيعي، وتتداخل مباحث الوجود بمسائل الفعل والعلية والضرورة. وإذا كان الفكر الحديث قد جعل من إشكالية الحتمية محورا لنقاشات عميقة امتدت من الفيزياء الكلاسيكية إلى فلسفة العقل والعلوم المعاصرة، فإن العودة إلى التراث الفلسفي الإسلامي وبخاصة إلى فلسفة ابن رشد، تكشف عن أفق نظري مغاير، تتحدد فيه العلاقة بين الطبيعة والسببية ضمن تصور كوني يتأسس على انتظام الموجودات واطراد السنن وتلازم العلل بالمعلولات، دون أن يسقط في جبرية صماء أو ينفي فاعلية العقل والاختيار الإنساني.

لقد وعى ابن رشد مبكرا أن سؤال السببية ليس مجرد بحث في انتظام الظواهر الطبيعية، بل هو في جوهره سؤال في إمكان المعرفة ذاتها. فإثبات العلاقة الضرورية بين العلة والمعلول هو شرط إمكان البرهان، كما أن نفيها يفضي إلى انهيار الثقة في العقل والشرع معا. ولعل هذا ما يفسر شدته في نقد النزعة الكلامية الأشعرية كما تجلت عند أبي حامد الغزالي خصوصا في موقفها من العلية، حيث اعتبر أن إنكار الضرورة العلية يفضي إلى "إبطال العلوم وإبطال النظر"، على حد تعبيره في "تهافت التهافت". غير أن دفاعه عن السببية لم يكن مجرد انتصار للفلسفة اليونانية كما يمثلها أرسطو، بل كان سعيا لإعادة تأسيس مفهوم الطبيعة ذاته على قاعدة عقلية تضمن اتساق العالم وشرعية النظر فيه.

تقوم الطبيعة عند ابن رشد على تصور غائي-صوري مستمد من الفيزياء الأرسطية، حيث تتحدد الموجودات الطبيعية بعللها الأربع: المادية والصورية والفاعلية والغائية. غير أن ابن رشد لا يكتفي بإعادة عرض هذا البناء، بل يعيد تأويله في ضوء رؤيته الخاصة للعالم بوصفه نظاما معقولا. الطبيعة ليست مجرد مادة متحركة، بل هي مبدأ حركة وسكون في الشيء من حيث هو كذلك، أي إنها بنية داخلية تؤسس انتظام الكائنات. ومن ثم فإن القول بالطبيعة هو قول بالاطراد، والاطراد هو أساس السببية.

إن السببية في نظر ابن رشد ليست عادة جارية، ولا مجرد اقتران ذهني بين ظاهرتين، بل هي رابطة حقيقية ضرورية، تجعل من المعلول صادرا عن علته على وجه مخصوص. وهو هنا يعارض بوضوح التصور الذي يرى أن ما نسميه سببا ليس إلا شرطا عاديا لوقوع الحادثة، وأن الله يمكن أن يخلق الاحتراق دون النار، أو الشبع دون الأكل، أو العلم دون التعلم. لقد رأى أن هذا التصور يفضي إلى نقض معنى الحكمة الإلهية ذاتها، لأن الحكمة تقتضي ترتيبا ونظاما، لا فوضى مطلقة.

وهو في هذا المنحى يقرر أن إنكار العلل "قول سوفسطائي"، لأن العلم لا يقوم إلا على معرفة الأسباب. حيث يلتقي هنا مع ما قرره أرسطو في "التحليلات الثانية" من أن "العلم هو معرفة الشيء بعِلَّته". لكن ابن رشد يضيف بعدا لاهوتيا، إذ يعتبر أن إثبات العلل هو في حقيقته إثبات لصنعة الله، لأن انتظام الطبيعة يدل على حكمة الصانع. فالسببية ليست منافسة للإرادة الإلهية، بل هي مظهر من مظاهرها.

إن قراءة هذا التصور في ضوء النقاشات المعاصرة حول الحتمية تفتح أفقا تأويليا خصبا. فقد ارتبطت الحتمية في الفكر الحديث، خاصة منذ بيير سيمون لابلاس، بفكرة أن العالم نسق ميكانيكي مغلق، يمكن لعقل مطلق أن يتنبأ فيه بكل الحوادث إذا عرف شروطها الأولية. هذا النموذج الذي يستبطن تصورا رياضيا صارما للطبيعة، جعل من السببية علاقة كمية قابلة للصياغة في قوانين تفاضلية. غير أن التطورات اللاحقة، سواء في ميكانيكا الكم أو في نظريات الفوضى، زعزعت هذا اليقين، وطرحت أسئلة جديدة حول معنى الضرورة وحدود التنبؤ وإمكان الحرية.

ففي هذا السياق، يبدو تصور ابن رشد أقرب إلى حتمية عقلانية غائية، لا إلى حتمية ميكانيكية صماء. فهو لا يتحدث عن قوانين رياضية مغلقة، بل عن انتظام طبيعي يستند إلى ماهيات الأشياء وغاياتها. الطبيعة عنده ليست آلة، بل كيان ذو بنية داخلية تقتضي أفعالها اقتضاءً. وهذا الاقتضاء ليس إكراها خارجيا، بل ضرورة نابعة من ماهية الشيء ذاته. النار تحرق لا لأنها مجبرة على ذلك من خارجها، بل لأن الإحراق مقتضى صورتها.

وهنا نتبين أن السببية عند ابن رشد ليست علاقة خارجية بين أحداث، بل علاقة داخلية بين ماهيات. وهذا يقترب من بعض الوجوه، مما سيعيد صياغته لاحقا باروخ سبينوزا حين اعتبر أن الأشياء تنتج عن طبيعتها بالضرورة نفسها التي تنتج بها خصائص المثلث عن تعريفه. غير أن الفرق الجوهري يكمن في أن ابن رشد لا يذيب الطبيعة في جوهر واحد، بل يحافظ على تدرج الموجودات وتنوع صورها، ضمن نظام كوني تحكمه العناية الإلهية.

إن مفهوم الضرورة عند ابن رشد لا يعني انتفاء الإمكان، بل يعني أن الممكن إذا تحققت علته التامة وجب وجوده. فهو يميز بين الإمكان الذاتي والإمكان بالقياس إلى العلة. الشيء من حيث ذاته ممكن، لكنه من حيث ارتباطه بعلته يصير واجبا بغيره. وهذا التمييز يتيح فهما دقيقا للعلاقة بين الحرية والضرورة، إذ لا ينفي أن يكون الفعل الإنساني صادرا عن اختيار، لكنه يرى أن هذا الاختيار نفسه له أسبابه في النفس والعقل.

لقد اعتبر أن النفس الإنسانية بما هي عاقلة تدرك العلل وتفعل على وفق ما تدركه من خير. وهنا يستعيد التراث الأرسطي في ربط الإرادة بالعقل، بحيث يكون الفعل الإرادي نتيجة تصور غاية معينة. غير أن هذا لا يعني جبرا مطلقا، بل يعني أن الفعل مشروط بمعرفة الفاعل وبميوله. وإذا كان الفعل الإنساني يدخل في سلسلة العلل، فإنه لا يفقد بذلك طابعه الاختياري لأن الاختيار نفسه جزء من البنية الطبيعية للنفس.

تتضح أهمية هذا التصور على نحوٍ أعمق عند مقارنته بموقف أبي حامد الغزالي الذي أنكر الضرورة في الاقتران بين السبب والمسبَّب، وذهب إلى أن الاحتراق لا يقع بالنار، بل يخلقه الله عند ملامستها للقطن. كان مقصده من ذلك تنزيه القدرة الإلهية المطلقة عن مقتضيات الضرورة العقلية وعن كل ما قد يُتوهم أنه يحدّ من إطلاقها أو يُخضعها لرباط السببية الطبيعية من تقييد أو إلزام. غير أن ابن رشد رأى في هذا الموقف مساسا بفكرة الحكمة الإلهية؛ إذ إن الفعل الإلهي في تصوره جارٍ على وفق نظام محكم، لا على سبيل المصادفة أو العبث.

فالقول بالعلية لا ينتقص من القدرة، بل يكشف عن انتظامها واتساقها. وإذا جاز أن تُخرق العادة فإن خرقها لا ينسف القاعدة، بل يظل استثناءً يُفهم في ضوء نظام كلي ثابت، يؤكده ولا ينقضه. إن مفهوم العادة الذي شاع في الفكر الكلامي والذي سيجد صداه لاحقا عند ديفيد هيوم في حديثه عن اقتران الانطباعات، يقوم على نفي الضرورة الموضوعية. لكن ابن رشد يرفض هذا المنحى لأنه يجعل من العلم مجرد تعميم استقرائي بلا أساس أنطولوجي. فالعادة لا تكفي لتفسير انتظام العالم ما لم تكن مستندة إلى طبيعة ثابتة.

وإذا كان هيوم قد انتهى إلى أن الضرورة ليست معطى في الأشياء، بل في الذهن الذي اعتاد على التتابع، فإن ابن رشد يؤكد أن الضرورة قائمة في الأشياء ذاتها لأن ماهياتها تقتضي أفعالها. ومن هنا فإن السببية ليست مجرد عادة نفسية، بل حقيقة أنطولوجية.هذا الموقف يقترب من الواقعية السببية التي ستدافع عنها تيارات معاصرة في فلسفة العلم، رافضة اختزال القوانين إلى انتظامات ظاهرية.

إن قراءة ابن رشد في ضوء النقاشات المعاصرة حول الحتمية تكشف أيضا عن بعد إبستمولوجي عميق. فالحتمية في صيغتها القوية تفترض أن كل حدث محدد بالكامل بشروط سابقة. لكن السؤال الذي طرحه الفكر المعاصر هو، هل هذه الحتمية وصف للواقع أم مجرد نموذج تفسيري؟ ابن رشد لا يصوغ المسألة بهذا الاصطلاح، لكنه يؤكد أن العلم يقوم على معرفة الأسباب، وأن هذه الأسباب إذا تمت استلزمت معلولاتها. غير أنه يقر في الوقت ذاته بوجود مجالات لا تبلغ فيها المعرفة البشرية حد الإحاطة التامة.

إنه يميز بين العلم الإلهي المحيط والعلم الإنساني الجزئي. ومن ثم فإن القول بالضرورة لا يعني إمكان التنبؤ المطلق، لأن حدود العقل البشري تحول دون ذلك. وهنا يلتقي مع بعض الاتجاهات المعاصرة التي تفرق بين الحتمية الأنطولوجية وإمكان التنبؤ الإبستمولوجي. فقد يكون العالم منظما على نحو ضروري، دون أن يكون قابلا للإحاطة الكاملة من قبل عقل محدود.

ويظهر أن دفاع ابن رشد عن السببية لم يكن مجرد خيار نظري، بل كان أيضا موقفا حضاريا. فهو يرى أن الأمم التي تعتني بالعلوم إنما تقوم حضارتها على الثقة في انتظام الطبيعة. فإذا شاع القول بانعدام العلل ضعف النظر وخمدت همم البحث. وهذا البعد الحضاري يضفي على موقفه أهمية خاصة في سياقنا المعاصر، حيث يتجدد السؤال عن العلاقة بين العقل والدين وعن إمكان التوفيق بين الإيمان بنظام العالم والاعتراف بحدود العلم.

إن استحضار فلسفة ابن رشد في هذا السياق لا يعني إسقاط مفاهيم حديثة عليها، بل يعني استنطاقها في ضوء إشكالات راهنة. فالحتمية المعاصرة لم تعد مسألة فيزيائية فحسب، بل صارت تمس قضايا الأخلاق والحرية والمسؤولية. وإذا كان ابن رشد قد أرسى تصورا للسببية يقوم على الضرورة الطبيعية دون أن ينفي الاختيار الإنساني، فإن في ذلك إمكانا لإعادة التفكير في ثنائية الجبر والحرية خارج الأطر التقليدية.

فالطبيعة عنده ليست قيدا خارجيا، بل هي بنية معقولة تتيح الفعل، والسببية ليست سلاسل مغلقة، بل علاقات تدرجية تفسر الظواهر دون أن تلغي الفاعلية. ومن ثم فإن الحتمية في أفقه ليست نفيا للحرية بل شرطا لفهمها، لأن الحرية ذاتها لا يمكن تصورها إلا في عالم منظم، حيث تكون الأفعال قابلة للتفسير لا للعبث.

إن فلسفة ابن رشد تقدم نموذجا لحتمية عقلانية مفتوحة تتأسس على انتظام الطبيعة وتستند إلى حكمة إلهية وتفسح المجال في الوقت ذاته لفعل إنساني واعٍ. وهي بذلك تتيح إمكان حوار خصب مع النقاشات المعاصرة حول السببية، سواء في فلسفة العلم أو في فلسفة العقل أو في الأخلاق. ولعل استيفاء هذا الطرح على وجهه الأكمل يقتضي مزيدا من التعمق في تحليل مفهوم الضرورة في تصوره، والوقوف على تمييزه بين مراتب العلل وأنماط تأثيرها، فضلا عن استجلاء تصوره للعناية الإلهية وصلتها بنظام العالم وانتظامه. فهذه القضايا مترابطة في بنائه النظري ولا ينكشف معناها التام إلا بردّ بعضها إلى بعض، والنظر إليها ضمن أفقه الفلسفي الكلي.

وإذا كان النظر في العلاقة بين الطبيعة والسببية يقود إلى مساءلة مفهوم الضرورة، فإن هذا المسار لا يكتمل دون استحضار البعد الميتافيزيقي الذي يشكل خلفية التصور الرشدي للعالم. فالعالم عنده ليس مجرد مجموع من الظواهر المتفرقة، بل هو نظام متسق تحكمه مبادئ عقلية تضمن وحدة المعرفة. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين مستويات السببية: السببية الطبيعية التي تدركها العلوم، والسببية الميتافيزيقية التي تتعلق بأصل الوجود. هذا التمييز يتيح فهما أكثر دقة لمسألة الحتمية، إذ لا تختزل الضرورة في قوانين الطبيعة وحدها، بل تمتد إلى نظام الوجود ذاته.

لقد كان ابن رشد واعيا بأن القول بالعلل الطبيعية لا يناقض الإيمان بالعناية الإلهية بل يفسرها. فالعناية ليست تدخلاً اعتباطيا في مسار العالم، بل هي تجل للحكمة الإلهية التي تقتضي انتظام الأشياء. ومن ثم فإن السببية الطبيعية هي الوسيلة التي تتحقق بها هذه العناية. هذا التصور يختلف عن النزعة التي ترى أن كل حادثة يجب أن تفسر بإرادة مباشرة تتجاوز النظام الطبيعي. فلو كان العالم يقوم على تدخلات متقطعة لا رابط بينها، لما أمكن الحديث عن علم أو معرفة.

إن هذا الموقف يفتح بابا للحوار مع النقاشات المعاصرة حول العلاقة بين العلم والدين. فالعلم الحديث يقوم على افتراض أن الظواهر الطبيعية قابلة للتفسير عبر قوانين عامة. وهذه القوانين لا تلغي الإيمان بل تحدد مجالها. فالإيمان يتناول المعنى والغاية، بينما يتناول العلم الآليات. إن فلسفة ابن رشد تقدم نموذجا للتوفيق بين العقل والنقل، لا بمعنى إخضاع أحدهما للآخر، بل بإدراك أن لكل منهما مجاله.

ويكتسب مفهوم التأويل عند ابن رشد أهمية خاصة. فهو يرى أن النصوص الدينية إذا تعارض ظاهرها مع البرهان العقلي، وجب تأويلها بما يرفع التعارض. غير أن هذا التأويل لا يكون تعسفيا، بل يستند إلى قواعد اللغة والسياق. ومن ثم فإن العقل لا يناقض الوحي بل يضيء معانيه. وهذا الموقف يختلف عن النزعة التي تجعل من النص سلطة مغلقة لا تقبل الفهم إلا على وجه واحد.

إن التأويل الرشدي ليس دعوة إلى تجاوز النص، بل إلى فهمه في ضوء مقاصده. فاللغة الدينية تستخدم رموزا وصورا للتعبير عن حقائق تتجاوز الحس. وإذا كان ظاهر النص قد يوحي بمعنى، فإن باطنه قد يدل على معنى أعمق. ومن هنا فإن الجمع بين الظاهر والباطن يحقق الفهم المتوازن. هذا المنهج لا ينفي قداسة النص بل يحترمها، لأنه يسعى إلى إدراك مراد المتكلم.

عند النظر في النقاشات المعاصرة حول الحتمية، يتبين أن الإشكال لا يقتصر على الفيزياء بل يمتد إلى فلسفة العقل. فإذا كان العالم محكوما بقوانين ضرورية، فهل يعني ذلك أن الأفعال الإنسانية محددة سلفا؟ وهل يبقى مجال للحرية والمسؤولية؟ هذه الأسئلة تتجدد في سياق التطورات العلمية التي تكشف عن تعقيد الظواهر، وتحد من إمكان التنبؤ المطلق.

إن فلسفة ابن رشد تتيح مقاربة مختلفة لهذه الإشكالية. فهو لا ينكر أن الأفعال الإنسانية لها أسباب، لكنه يميز بين السبب الذي يفرض الفعل قسرا والسبب الذي يدفع إليه عن علم. فالفعل الإرادي يقوم على تصور غاية، وهذه الغاية هي التي تحدد الاختيار. ومن ثم فإن الحرية لا تعني غياب الأسباب، بل تعني القدرة على الاختيار في ضوء المعرفة. وهذا التصور يختلف عن الحتمية التي تنفي الاختيار، كما يختلف عن العشوائية التي تنفي النظام.

إن الحرية عنده هي فعل العقل. فالعقل يدرك الخير والإرادة تتجه إليه. وإذا كان الإنسان قد يخطئ في تقدير الخير، فإن هذا الخطأ لا ينفي قدرته على التمييز، ومن هنا تأتي المسؤولية. فالإنسان محاسب على أفعاله لأنه كائن عاقل. وهذا المبدأ يشكل أساسا للأخلاق والقانون.

إن ربط الحرية بالعقل يفتح أفقا للتفكير في الأخلاق بوصفها نظاما قائما على المعرفة. فالخير ليس مجرد ما تميل إليه النفس، بل ما يحقق كمالها. والكمال يتحقق بالفضيلة، أي بالقدرة على الاعتدال. هذا التصور يقترب من الأخلاق الأرسطية التي ترى أن الفضيلة وسط بين طرفين. غير أن ابن رشد يضيف بعدا دينيا، إذ يعتبر أن الفضيلة تقرب الإنسان من الغاية العليا.

وفي ضوء هذا الفهم، يغدو من الممكن إعادة النظر في مفهوم الحتمية الأخلاقية. فإذا كانت الأفعال محكومة بقوانين نفسية واجتماعية، فإن ذلك لا يعني انتفاء المسؤولية. لأن الإنسان قادر على التأمل في أفعاله وتعديلها. وهذه القدرة هي التي تجعل من الأخلاق ممكنة. ومن هنا فإن الحتمية لا تتعارض مع الأخلاق، بل تحدد شروطها.

إن العودة إلى فلسفة ابن رشد لا تعني استعادة الماضي على نحو حرفي، بل تعني الاستفادة من رؤيته في معالجة مشكلات الحاضر. فالنقاشات المعاصرة حول السببية والحتمية تكشف عن حاجة إلى تصور يوازن بين النظام والحرية. وإذا كان العلم يصف العالم عبر قوانين، فإن الإنسان لا يختزل في تلك القوانين. فهو كائن معنوي يسعى إلى المعنى. وهذا البعد لا يمكن إلغاؤه.

تتيح فلسفة ابن رشد فهما للعالم يقوم على الوحدة. فالعالم ليس مجزأً إلى طبيعة منفصلة عن العقل، بل هو نظام يدركه العقل. وهذه الوحدة هي أساس المعرفة. فإذا كان العالم معقولا، فإن العقل قادر على فهمه. وهنا تأتي الثقة في العلم. لكن هذه الثقة لا تعني الغرور، لأن العقل محدود. فهو يدرك ما يظهر له، لكنه لا يحيط بكل شيء.

إن إدراك حدود العقل لا يفضي إلى الشك المطلق، بل إلى التواضع المعرفي. فالعلم يتقدم عبر تصحيح الأخطاء. وهذا التقدم يدل على أن المعرفة عملية مستمرة. ومن ثم فإن الحقيقة ليست ملكا لأحد، بل هي غاية يسعى إليها الجميع. هذا الموقف يفتح باب الحوار بين الثقافات والفلسفات.

إن فلسفة ابن رشد تقدم نموذجا للتفكير في العلاقة بين الطبيعة والسببية بعيدا عن الثنائيات الصارمة. فهي تعترف بانتظام العالم لكنها لا تنفي الحرية. وتعترف بالعلل لكنها لا تجعلها قيدا. وتعترف بالعقل لكنها لا تنفي الوحي. هذا التوازن هو ما يمنحها راهنية.

إن النقاشات المعاصرة حول الحتمية تكشف عن حاجة إلى إعادة النظر في مفاهيمنا. فالعلم الحديث أظهر تعقيد الظواهر وأبرز حدود التنبؤ. وهذا لا يعني انهيار المعرفة بل يعني تطويرها. ويُفضي هذا النظر إلىاستلهام رؤية ابن رشد التي تجعل من السببية شرطا للفهم لا قيدا على الحرية.

لقد حاولت في هذه الأسطر المتواضعة أن أسلط الضوء على مفهوم الطبيعة والسببية في فلسفة ابن رشد، وأن أقرأه في ضوء النقاشات المعاصرة حول الحتمية. وأن أتبين أن تصور ابن رشد يقوم على الاعتراف بالضرورة الطبيعية دون أن ينفي الاختيار الإنساني. فالسببية عنده علاقة عقلية تفسر انتظام العالم، لكنها لا تلغي الفاعلية.

إن هذا التصور يختلف عن الحتمية الميكانيكية التي تجعل من العالم آلة مغلقة، كما يختلف عن العشوائية التي تنفي النظام. فهو يقدم رؤية وسطا تقوم على أن العالم منظم، لكن الإنسان قادر على الفعل. وهذه الرؤية تتيح فهما أعمق للحرية والمسؤولية.

وفي ضوء التطورات العلمية والفلسفية، يبدو أن النقاش حول الحتمية لن ينتهي. فكل اكتشاف جديد يفتح أسئلة جديدة. لكن هذا لا يعني اليأس بل يعني الاستمرار في البحث. فالفلسفة ليست إجابات نهائية، بل هي حوار دائم. وهذا الحوار هو ما يثري المعرفة.

إن العودة إلى التراث الفلسفي الإسلامي وعلى رأسه فلسفة ابن رشد، لا تعني الانغلاق بل تعني الانفتاح. فهي تذكرنا بأن الفكر الإنساني متصل، وأن كل حضارة تسهم في بناء المعرفة. ومن ثم فإن الحوار بين الماضي والحاضر ضروري.

إن الطبيعة والسببية ليستا مجرد موضوعين فلسفيين، بل هما مفتاح لفهم العالم. فإذا فهمنا الطبيعة فهمنا قوانينها. وإذا فهمنا السببية فهمنا العلاقات. وإذا فهمنا ذلك اقتربنا من الحقيقة. وهذه الغاية هي ما يسعى إليه الفكر.

***

د. حمزة مولخنيف

مفهوم الثقافة: الثقافة بعناصرها وآفاقها تشكل نوراً يضيء أمام الإنسان سبل الحياة، ويجعله يرى الأمور بمصباح العقل ويضاء في دروبها طريقة التعامل مع الأشياء والقضايا المختلفة.. أنها (الثقافة) دعوة مستمرة للمعرفة والفهم والوعي. وبالتالي فأنها تكتنز قدرة خلاقة، تمكن المرء من تحويل طاقاته وإمكاناته إلى إنجازات وأفعال ترجع بالفائدة عليه وعلى وطنه ومجتمعه وربما يصح على ضوء هذه الحقيقة قول (هوريو) ف الثقافة من أنها ذلك الذي نحتفظ به حينما ننسى ما تعلمناه.. من هنا تعتبر نتاجاً لبعدين أساسيين:

1. نتاج لتراكم تاريخي يعيش عبر عدة أجيال، ويضيف كل جيل ويلغي، بما يتناسب وظروفه ومحيطه الاجتماعي والحضاري.

2. نتاج معاصر، فهي أيضاً نتاج للتفاعل الإجتماعي القائم، وبرغم كونها (الثقافة) نتاجاً للتفاعل الا أنها بمجرد تشكلها، فإنها تتحول إلى هذا التفاعل لتشكله حسب قوالبها الخاصة، وتضبط سلوكياته وترفعها في إتجاهات محددة.. لهذا فإن لكل ثقافة بيئة محلية وتاريخية ومجتمعية، ولها توازناتها الذاتية المستمدة من معطى المنابع والمصادر الأصلية لهذه الثقافة، ومعطى الواقع وتفاعلاته، لذلك فإن لكل ثقافة شخصية متميزة عن الثقافة الاخرى.

لهذا فإنه من الطبيعي أن يتعدد مفهوم الثقافة بتعدد الإيدلوجيات والإنتماءات المعرفية المختلفة حتى بلغت نحو (١٦٠) تعريفاً، حسب رأي عالم الانثربولوجيا الفرد كروبر وكلاسكهون.. ومن هنا تنبع أهمية تحديد مفهوم الثقافة، بإعتباره يشكل الأرضية والقاعدة التي تنطلق منها جميع المناشط الثقافية.

 والثقافة في منظور علماء الإنسان والأثروبولوجيا هي: المضاف الإنساني إلى حالات الطبيعة أي كل المكتسبات والإنجازات النظرية والعملية التي أنتجها الإنسان في تاريخه الإجتماعي.

وعرفت الثقافة في قاموس أكسفورد بأنها: الإتجاهات والقيم السائدة في مجتمع معين، كما تعبر عنها الرموز اللغوية والاساطير والطقوس وأساليب الحياة ومؤسسات المجتمع التعليمية والدينية والسياسية.

ويعرف إدوارد تايلور الثقافة في كتابه " الثقافة البدائية " الذي نشره ف عام (۱۸۷۱م) بأنها: هذا الكل المعقد الذي يتضمن المعرفة والإعتقاد والفن والحقوق والاخلاق والعادات، وكل قدرات وأعراف اخرى إكتسبها الإنسان كفرد في مجتمع.

ويفرق الكاتب وليام او جبرن في الثقافة بين مجالين، يطلق على أحدهما الثقافة المادية وعلى الأخرى الثقافة المتكيفة.. فالمجال الاول يضم في رأيه الجانب المادي من الثقافة أي مجموع الأشياء وأدوات العمل والثمرات التي تخلقها.. ويضم المجال الثاني الجانب الإجتماعي كالعقائد والتقاليد والعادات والأفكار واللغة والتعليم، وهذا الجانب الاجتماعي هو الذي ينعكس في سلوك الأفراد.

وعرفت المنظمة العالمية (اليونسكو) (UNESCO (الثقافة بقولها: أن الثقافة بمعناها الواسع يمكن أن ينظر اليها على أنها جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه، أو فئة إجتماعية بعينها، وهي تشمل الفنون والآداب وطرئق الحياة كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات.

وعلى هذا فأن الثقافة تعني كل ما ينتجه المجتمع من نتاج مادي أو معنوي.

كيف ينظر مالك بن نبي إلى مفهوم الثقافة؟

بعد ان ينتقد بن نبي مفهوم الثقافة في المدرسة الغربية والمدرسة الاشتراكية، ويحدد رؤيته لمفهوم الثقافة بقوله: فالثقافة إذن تتعرف بصورة علمية على أنها: مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه، والثقافة على هذا هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته. وهذا التعريف الشامل للثقافة هو الذي يحدد مفهومها، فهي المحيط الذي يعكس حضارة معينة، والذي يتحرك في نطاقه الإنسان المتحضر، وهكذا نرى أن هذا التعريف يضم بين دفتيه فلسفة الإنسان، وفلسفة الجماعة، أي معطيات الإنسان ومعطيات المجتمع، مع أخذنا في الاعتبار ضرورة انسجام هذه المعطيات في كيان واحد تحدثه عملية التركيب التي تجرها الشرارة الروحية، عندما يؤذن فجر احدى الحضارات.. (1)

وانطلاقا من هذا المفهوم للثقافة ووظيفتها المجتمعية يقوم بن نبي بربطها بالتاريخ والتربية حتى تشكل الثقافة نسقاً متكاملاً.

فالثقافة هي أولا محيط معين، يتحرك في حدوده الإنسان، فيغذي إلهامه، ويكيف مدى صلاحيته للتأثير عن طريق التب ادل والثقافة (جو) من الألوان والأنغام والعادات والتقاليد والاشكال والاوزان والحركات، التي تطبع على حياة الإنسان اتجاها وأسلوباً خاصاً يقوي تصوره، ويلهم عبقريته، ويغذي طاقاته الخلاقة.. إنها الرباط العضوي بين الإنسان والاطار الذي يحوطه.. وعلى ضوء هذه الحقيقة عرف مالينوفسكي (الثقافة بأنها الحرف الموروثة والسلع والعمليات الفنية والأفكار والعادات والقيم والبناء الاجتماعي والمواثيق التي تتعاهد الجماعات والمختلفة والأفكار والأعراف، فهي كل ما نعيشه وكل ما نلاحظه، أو هي باختصار كل ما يتعلق بعملية تنظيم بني البشر في جماعة.

مشكلة الثقافة

تقوم مشكلة الثقافة على تحديد يشمل أساساً الناحيتين الحيوية والتربوية، فالثقافة في مهمتها التاريخية، تقوم بالنسبة للحضارة بوظيفة الدم بالنسبة للكائن الحي، فالدم ينقل الكريات البيضاء والحمراء التي تصون الحيوية والتوازن في الكائن كما تكون جهاز مقاومته الذاتية.

وان مشكلة الثقافة من الوجهة التربوية هي في جوهرها مشكلة توجيه الافكار، ولذلك كان علينا أن نحدد المعنى العام لفكرة التوجيه، فهو بصفة عامة قوة في الاساس وتوافق في السير ووحدة الهدف فكم من طاقات وقوى لم تستخدم لأننا لا نعرف كيف نكتلها، وكم من طاقات وقوى ضاعت فلم تحقق هدفهت حين زاحمتها قوى أخرى صادرة عن المصدر نفسه متجهة إلى الهدف نفسه..

فالتوجيه هو تجنب الإسراف في الجهد وفي الوقت فهناك ملايين السواعد العاملة، والعقول المفكرة في البلاد العربية والإسلامية، صالحة لأن تستخدم في كل وقت والمهم أن ندير هذا الجهاز الهائل المكون من ملايين السواعد والعقول في أحسن ظروفه الزمنية والإنتاجية، وهذا الجهاز حي يتحرك يحدد مجرى التاريخ نحو الهدف المنشود، وفي هذا تكمن أساس فكرة توجيه الإنسان وإرشاده نحو المأمول.. وبلغة الاجتماع: الإنسان الذي يكتسب من فكرته الدينية معنى الجماعة ومعنى الكفاح، وليس يكفي مطلقاً أن ننتج أفكاراً بل يجب أن نوجهها طبقاً لمهمتها الاجتماعية المتحدة التي نريد تحقيقها.

يقول توماس هوبزان أن الثقافة في أحد معانيها ومفاهيمها تعني عمل يبذله الإنسان لغاية تطويرية، وحسب رأي مائيو ارنولد من أن الثقافة تقوم بعملية الارتقاء نحو الكمال الإنساني، وتتم بتمثل أفضل الافكار التي عرفها العالم، وبتطوير الخصائص الإنسانية المميزة. لذلك فإن الثقافة عامل مهم من عوامل رقي المجتمعات وتقدم الأمم.. وحتى تمارس الثقافة دورها النهضوي والتطويري في المجتمع من الضروري تحديد عناصر الثقافة لإنجاح مهمتها في المجتمع.

عناصر الثقافة

وعناصر الثقافة عند مالك بن نبي الآتي:

1. التوجيه الاخلاقي: لسنا هنا نهتم بالاخلاق من الزاوية الفلسفية ولكن من الناحية الإجتماعية وليس المقصود هنا تشريع مبادىء خلقية بل نحدد قوة التماسك اللازمة للافراد في مجتمع يريد تكوين وحدة تاريخية، هذه القوة مرتبطة في أصلها بغريزة الحياة في الجماعة عند الفرد، والتي تتيح له تكوين القبيلة والعقيدة والمدنية والأمة وتستخدم القبائل الموغلة في البداوة هذه الغريزة لكي تتجمع. والمجتمع الذي يتجمع لتكوين حضارة فإنه يستخدم نفس الغريزة ولكنه يهذبها ويوظفها بروحية خلقية سامية هذه الروح الخلقية منحة من السماء إلى الأرض، تأتيها من نزول الاديان، عندما تولد الحضارة ومهمتها في المجتمع ربط الافراد بعضهم ببعض، كما يشير القرآن الكريم (وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم)..

2. التوجيه الجمالي: لا يمكن لصورة قبيحة أن توحي بالخيال الجميل، فإأن لمنظرها القبيح في النفس خيال أقبح، والمجتمع الذي ينطوي على صوره قبيحة لا بد أن يظهر أثر هذه الصورة في أفكاره وأعماله ومساعيه والأفكار بصفتها روح الاعمال التي تعبر عنها أو تسير بوحيها، إنما تتولد من الصورة المحسة الموجودة في الإطار الاجتماعي والتي تنعكس في نفس من يعيش فيه، وهنا تصبح صورا معنوية يصدر عنها تفكيره فالجمال الموجود في الأطار الذي يشتمل على الوان وأصوات وروائح، وحركات وأشكال، يوحي للإنسان بأفكاره ويطبعه بطابعه الخاص من الذوق الجميل، أو السماجة القبيحة.. فبالذوق الجميل الذي ينطبع فيه فكر الفرد، يجد الإنسان في نفسه نزوعاً إلى الإحسان في العمل وتوخياً للكريم من العادات.

3. المنطق العملي: لسنا نعني بالمنطق العملي ذلك الشيء ال ذي دونت أصوله ووضعت قواعده منذ أرسطو وإنما نعني به كيفية ارتباط العمل بوسائله ومعانيه، وذلك حتى لا تستسهل أو تستصعب شيئاً بغير مقياس يستمد معاييره من واقع الوسط الاجتماعي وما يشمل عليه من إمكانيات أنه ليس من الصعب على الفرد المسلم أن يصوغ مقياساً نظرياً يستنتج به نتائج من مقدمات محددة غير أنه من النادر جداً ان نعرف المنطق العملي أي استخراج اقصى ما يمكن من الفائدة من وسائل معينة. ونحن أحوج ما نكون إلى هذا المنطق العملي في حياتنا، لأن العقل المجرد متوفر في بلادنا غير أن العقل التطبيقي الذي يتكون في جوهره من الإرادة والانتباه فشيء يكاد يكون معدوماً. واذا ما اردنا حصراً لهذه القضية فأننا نرى سببها الاصيل في افتقادنا الضابط الذي يربط بين عمل وهدفه، بين سياسة ووسائلها، بين ثقافة ومثلها، وبين فكرة وتحقيقها، فسياستنا تجهل وسائلها، وثقافتنا لا تعرف مثلها العليا، وأن ذلك كله ليتكرر في كل عمل نعمله وفي كل خطوة نخطوها.

4. الصناعة (الفن التطبيقي): لا نعني بالصناعة ذلك المعنى الضيق المقصود به اللفظ بصفة عامة في البلاد الإسلامية فإن كل الفنون والمهن والقدرات وتطبيقات العلوم تدخل في مفهوم الصناعة ومن المسلم به أن الصناعة للفرد وسيلة لكسب عيشه وربما لبناء مجده ولكنها للمجتمع وسيلة للمحافظة على كيانه واستمرار نموه.

وهذه العناصر الاربعة تتكامل لكي تشكل نسقاً يبدأ من الفكرة وينتهي بالإنتاج، وينبغي القول في هذا الاطار أن اختلاف مضامين الثقافات يؤدي إلى اختلاف الآثار على المستوى المجتمعي. فإذا كانت مضامين الثقافة صالحة - دينامية - فإن هذه الثقافة ستكون عاملا مهماً من عوامل النهوض بالحياة الاجتماعية. وإذا كان مضمون الثقافة فاسداً سيئاً فأنها ستؤثر على فاعلية المجتمع وتجعل النمو الاجتماعي صعباً أو مستحيلاً.

ويعلمنا التاريخ أن عالم الأفكار هو الأساس في عملية النهوض الحضاري لأي مجتمع، بمعنى أن بقاء نظام الافكار سليماً وفاعلاً سوف ينقل المجتمع إلى الواقع الاحسن. ويشير إلى هذه المسألة بن نبي بقوله: لقد ارانا تاريخ المانيا الحديث، كيف أن بلداً شهد الانهيار الكامل لعالم أشيائه قد استطاع باحتفاظه بعالم أفكاره أنيبني كيانه من جديد.

وتأتي العناصر الثقافية التي قام ببلورتها (مالك بن نبي) في أطار البحث عن أطر علاجية للمشكل الحضاري الذي تعانيه الامة العربية والإسلامية اذ سعى إلى بلورة المشروع الثقافي - الفكري، الذي يقاوم خطر التحلل والاندثار الحضاري التي كانت تعانيه الأمة من جراء المرحلة الاستعمارية البغيضة وتداعياتها المختلفة على مستوى الأمة أجمع.. لهذا فإن الجهد الفكري والنظري الذي بذله (بن نبي)كان بمثابة خط الدفاع الأول اتجاه حركة التفكك الطاحنة التي كان يتعرض لها المجتمع العربي - الإسلامي.

ويأتي اهتمام بن نبي بالثقافة وضروراتها في البناء الحضاري لما تشكل من أهمية قصوى لأنها تلخص تجربة المجتمع ووعيه بذاته ومحيطه. وجاء هذا الاهتمام في زمن بدأ الابتعاد التدريجي عن ما هو ثقافي ودوره التاريخي والحضاري، إلى ما هو سياسي كنظرية وممارسة.. " وهكذا يمكن القول ان الاهتمام بالثقافة لذاتها، أي لما تعبر عنه وما تمثله في النسق الاجتماعي بقي اهتماماً ضعيفاً في العالم العربي واعتبرت الثقافة بشكل عام أقل قيمة في إحداث التغيير الاجتماعي من العوامل السياسية والاقتصادية، بالرغم من حصول المناقشة كلها تقريباً في الميدان الثقافي، ولم يهتم الدارسون العرب بالثقافة إلا من زاوية ما تستطيع أن تقدمه من دعم للممارسة لسياسية او الاجتماعية " (۲). لهذا فأن اهتمام (بن نبي) بالثقافة أعاد لها الاعتبار ووضح دورها في النهضة ووظيفتها المعرفية والاجتماعية، وهو بهذا لا يعزل الثقافة كأفق وحركة عن حقل الحضارة والعلاقة مع الآخر الحضاري، كما انطلق بن نبي ف بلورة نظريته الثقافية، من واقع اتصال الثقافة بالحضارة واعتبارها أحد الحقول المهمة للحضارة.

لهذا كله فأن الثقافة ميدان أساسي، ينبغي ان توليه العناية الفائقة وبالخصوص في هذه الحقبة من الزمن الذي كثر فيه الحديث عن النظام الدولي الجديد.. والعناية بهذه الثقافة من الضروري أن تصل إلى مستوى التجديد والابداع الثقافي - لأن بقاءنا نستهلك الثقافات والافكار التي صنعها الغير في ظروف مختلفة عن ظروفنا، يحولنا إلى امة جامدة لا تستطيع بناء نفسها بما ينسجم ومتطلبات العصر، فضلاً على أن التجديد الفكري والثقافي، هو الذي يكشف عن عوامل الحركة والتطور ويعمقها في البناء الاجتماعي.

وأخيراً اذا ادرك الإنسان العربي والمسلم أهمية الثقافة ودورها في الوجود الاجتماعي، فسوف يمكنه ان يدرك حقيقة الدور الذي يناط به في نهايات القرن العشرين.

خصائص النظرية الثقافية 

أن التطورات والتغيرات السريعة التي تجري في بقاع العالم قاطبة، تؤكد علينا جميعاً ضرورة القيام بمراجعة فكرية - ثقافية، نكتشف من خلالها أصولنا الفكرية ومفاهيمنا الاصلية كخطوة أولى في سبيل أعادة تأسيس لمفاهيمنا ومقولاتنا الفكرية والثقافية، لكي تشارك بفكر فاعل وثقافة ناهضة في تطورات العالم ومنعطفاته الحضارية.

وبما أن المسألة الثقافية تلخص تجربة الأمة والمجتمع، ووعيها بذاتها ومحيطها فهي تشكل نافذة أساسية يطل من خلالها المرء على العالم وأحداثه وتطوراته. وعن طريق الجهاد الفكري والمعرف تتحول الثقافة في محيطنا الخاص والعام إلى ثقافة فاعلة وإيجابية، وتنقل الكتل البشرية المختلفة من موقع الصمت السلبي أو الاستهلاك الدائم، إلى موقع المشاركة الإيجابية ف مسيرة المجتمع والوطن.

 وتأسيسا على هذه الحقائق من الأهمية بمكان أن نتعرف على خصائص النظرية الثقافية عند (مالك بن نبي) لما تشكله هذه الخصائص من جوهر كتاباته وإنتاجه الثقافة وبنود وأركان مشروعه الثقافي - الفكري.. وهذه الخصائص هي كالآتي: 

1. التجديد والإبداع: وتتحلى هذه الخاصية، حينما يتحدث (بن نبي) عن شروط الحضارة ويقول: أن مشكلة الحضارة تنحل إلى ثلاث مشكلات أولية - مشكلة الإنسان - مشكلة التراب - مشكلة الوقت - فلكي تقيم بناء حضارة لا يكون ذلك بان نكدس المنتوجات وإنما بأن نحل هذه المشكلات الثلاث من أساسها..

وحتى تؤتي هذه العناصر ثمارها، لابد من وجود مركب الحضارة وذلك في أن مجموعها ناتجا للإنسان والتراب والوق، فلما لا يوجد هذا الناتج تلقائيا حيثما توفرت هذه العناصر الثلاثة ؟ وأنه لعجب يزيله اقتباسنا للتعليل الكيماوي... فالماء في الحقيقة نتاج للهيدروجي والاوكسجي وبرغم هذا لا يكونانه تلقائياً، فقد قالوا أن تركيب الماء يخضع لقانون معين يقضي تدخل (مركب) ما، بدونه لا تتم عملية تكون الماء.. وبالمثل لنا الحق في أن نقول: ان هناك ما يطلق عليه (مركب الحضارة) أي العامل الذي يؤثر في مزج العناصر الثلاثة بعضها ببعض، فكما يدل عليه التحليل التاريخي تجد أن هذا المركب موجود فعلاً، هو الفكرة الدينية التي رافقت دائما تركيب الحضارة خلال التاريخ.

ويوضح بن نبي هذه العناصر كالتالي:

الإنسان: إن المشاكل التي تحيط بالإنسان تختلف بإختلاف بيئته... فالإنسانية لا تعاني مشكلة واحدة بل مشاكل متنوعة تبعا لتنوع مراحل التاريخ... فلا يمكن لنا أن نقرن في الوقت الحاضر (بتعبير مالك بن نبي) بين رجل أوروبا المستعمر ورجل العالم الإسلامي القابل للاستعمار، لأن كليهما في طور تاريخي خاص به... فالأمر في الحالة الأولى يتعلق بحاجات غير مشبعة وديناميكية، مضطربة، على حين يتعلق في الاخرى بعادات راكدة وضعت للفرد في حالة توازن خامد، وحمول تامة، في الوقت الذي خطت فيه الحضارة خطوات العماليق. وعليه فالأمر متصل بمشكلتين مختلفتين في أساسهما، فهنالك هم في حاجة إلى مؤسسات بينما نحتاج هنا إلى رجال، فمن الرجل تنبع المشكلة الإسلامية بأكملها. ومشكلة الإنسان في أساسها لا تعالج إلا بتوجيه ثقافته، وتصفية العادات والتقاليد الميتة ف نفسيته وتنمية روح الإبداع لديه.

التراب: وهو أحد العناصر الثلاثة التي تكون الحضارة فإذا ما توفر المركب الديني لتركيب هذه العناصر فأننا نرى التراب في بلاد الإسلام جديراً ببحثه كعامل من عوامل الحضارة وحينما تتكلم عن التراب لا نبحث في خصائصه وطبيعته ولكننا نتكلم عنه من حيث قيمته الاجتماعية وهذه القيمة الاجتماعية للتراب مستمدة من قيمة مالكيه، فحينما تكون قيمة الأمة مرتفعة وحضارتها متقدمة يكون التراب عالي القيمة وحيث تكون الأمة متخلفة يكون التراب على قدرها من الانحطاط.

الوقت: بتحديد فكرة الزمن يتحدد معنى التأثير والإنتاج وهو معنى الحياة الحاضرة الذي ينقصنا هذا المعنى الذي لم نكسبه بعد وهو مفهوم الزمن الداخل في تكوين الفكرة والنشاط فتكوين المعاني والأشياء فالحياة والتاريخ الخاضعان للتوقيت كان ولا يزال يفوتنا قطارها، فنحن في حاجة ملحة إلى توقيت دقيق وخطوات واسعة لكي نعوض تأخرنا ويشير عمر كامل مسقاوي إلى الإبداع الثقافي عند بن نبي بقوله: فقد جاءت أفكار بن نبي حول مفهوم الثقافة برؤية جديدة لم تألفها المصطلحات المستوردة التي تمت صياغتها في إطار الفكر الليبرالي أو في إطار الفكر الاشتراكي التقدمي لذا شعر أستاذنا مالك بن نبي بالحاجة إلى جميع أفكاره حول الثقافة وعرضها من جديد، في صورة تحليلية تحفز الفكر العربي والإسلامي، وتحركه باتجاه اكتشاف الحقائق والمصطلحات بوسائل خاصة ووفق المعطيات النابعة من تجربته (3)..

وتتجلى قيمة الإبداع من الإنتاج الفكري لدى مالك بن نبي حينما يقول: أن التاريخ لا يصنع بالاندفاع في دروب سبق السير فيها، وإنما بفتح دروب جديدة، ولا يتحقق ذلك إلا بأفكار صادقة تتجاوب مع جميع المشاكل ذات الطابع الأخلاقي وبأفكار فعالة لمواجهة مشكلات النماء في مجتمع يريد إعادة بناء نفسه (4).

والتجديد الثقافي الذي ينشده مالك بن نبي في العالم العربي والإسلامي يتحقق بطريقتين:

1 - سلبية تفصلنا عن رواسب الماضي.

2- إيجابية تصلنا بالحياة الكريمة.

ويضرب (بن نبي) على ذلك بمثال من واقع الثقافة الغربية اذ يقول "ولعل أثر هذه النظرية قد لوحظ في الثقافة الغربية في عهد نهضتنا حيث كان توما الإكويني – ولو كان عن غير قصد منه لتكون الأساس الفكري للحضارة الغربية ولم تكن ثورته ضد ابن رشد وضد القديس أوغسطين الا مظهرا للتجديد السلبي حتى يستطيع تصفية ثقافته مما كان يراه فكرة إسلامية أو ميراث ميتافيزيقي للكنيسة البيزنطية. واتى بعده (ديكارت) بالتجديد الإيجابي الذي رسم للثقافة الغربية طريقها الموضوعي الطريق الذي بني على المنهج التجريبي، والذي هو في الواقع السبب المباشر بتقدم الحضارة الحديثة تقدمها المادي.

2- تكامل الأصالة والمعاصرة: إذ من الأخطاء العميقة التي وقع فيها الكثير من الكتاب والمثقفين، ان عطاءهم الفكري والثقافي، انطلق إما من موقع تراثي لا يرى في العلم الحديث ومكتسبات العصر ما يستحق الذكر والاستفادة منه. أو من مواقع القطيعة مع الثقافة الذاتية، والوقوف على أرضية الثقافة الغربية ومفاهيمها.. وكلا الموقعين قد ضيعا المسألة الجوهرية في هذا المضمار: التراث المنغلق..... ضيع مكاسب العصر وإنجازاته، والمغترب المتعالي قد ضيع تاريخه وقيم مجتمعه الجوهرية.. وإنطلاقا من منطق الإلغاء والنفي كل منهما للآخر فقد تحول النقاش إلى تبادل للاتهامات، وأصبحت براهين الطرفين وحججهما واحدة تقريباً في الشكل والمضمون ومنهج الحوار، رغم اختلاف الحقب وتبدل السياق التاريخي الاجتماعي والفكري فقد أحد أصحاب الحداثة على خصومهم تخلف تفكيرهم ومعاداتهم للتقدم وضلوعهم نتيجة ذلك موضوعياً مع القوى التي تريد للمجتمع العربي ان يبقى في حالة الانحطاط التي هو فيها.. وما لبث هذا الاتهام ان تحول إلى إتهام بالتآمر مع الغرب ومشاركته في إضعاف المقاومة العربية. ودرج الأصوليون بالمقابل من إسلاميين خالصين أو إسلاميين عروبيين على اعتبار فكر الحداثة والتحديث امتداد لفكر الغرب ووصموهم بالنقل عن المستشرقين والضلوع معهم في التآمر على الثقافة العربية، ونظروا اليهم على أنهم طابور خامس يساهم في تأكيد الغزو الروحي والسياسي والاقتصادي للغرب وتوسيعه " (5) وظل عطاء الكثير من الكتاب والمفكرين حبيس هذه المساجلات والاستقطابات المتبادلة بين التيارين.. بينما العطاء الثقافي الذي أوجده بن نبي قد تميز بتكامل كلا العنصرين.. اذ لا يمكن المقايضة بين التاريخ والحاضر.. وتنضح مسألة تكامل الاصالة والمعاصرة في فكر مالك بن نبي من خلال فهمه لمفهوم الحضارة، بإعتبارها قدرات تنبثق من إمكانات الداخل العربي والإسلامي، وليست هي مجموع المظاهر الاستهلاكية للحضارة.. اذ يقول: " الحضارة ليست شيئاً يأتي به سائح في حقيبته لبلد مختلف كما يأتي بائع الملبوسات البالية.. بل ان ابن المستعمرات هو الذي يذهب إلى الحضارة إلى مصادرها البعيدة... وقبل كل شيء إلى مصادرها الاقرب إلى أصالته وليس الحضارة في نية المستعمر ولو صحت هذه النية، بل هي نتيجة الجهد الذي يبذله كل يوم الشعب الذي يريد التحضر ".. وهو بهذا يرد على أولئك الذين يعتقدون أن محاكاة الغرب وتقليده في طل شيء هو سبيل التحضر وامتلاك ناصية الحضارة وتتضح هذه المسألة جلياً أيضا في النتاج الثقافي ل (بن نبي) حينما يقول في كتابه شروط النهضة: لا يجوز لأحد ان يضع الحلول والمناهج مغفلا مكان أمته ومركزها.. بل يجب عليه أن تنسجم أفكاره وعواطفه وأقواله وخطواته مع ما تقتضيه المرحلة التي فيها أمته، أما أن يستورد حلولا من الشرق أو الغرب، فإن ذلك تضييعاً للجهد ومضاعفة للداء.. اذ كل تقليد في هذا الميدان جهل وانتحار وعلاج أي مشكلة يرتبط بعوامل زمنية نفسية ناتجة عن فكرة معينة تؤرخ ميلادها عمليات التطور الاجتماعي، في حدود الدورة التي ندرسها في الفرق الشائع بين مشاكل ترسها في إطار الدورة الزمنية الغربية، ومشاكل اخرى تولدت في نطاق الدورة الإسلامية، ومجال المجتمع ليس كمجال الميكانيكا، وهو لا يرتضي كل الاستعارات، لان أي حل ذا طابع اجتماعي يشتمل تقريباً ودائما على عناصر لا توزن.. ولا يمكن تعريفها ولا يمكن ان تدخل في صيغة التعريف، على حين تعد ضمنا جزءا منه لا يستغني عنه، عندما تطبق في ظروف عادية أي في ظروف البلاد التي نستورد منها وإذن فلكي نواجه بطريقة فنية أية مشكلة اجتماعية، ينبغي الا يقتصر عملنا على اقتراض الحلول التي تأكدت صحتها خارج بلادنا اذ أن الضيغة المقتبسة صحيحة بلا أدنى شك ولكن في إطارها الاجتماعي في محيطها الذي تحلقت فيه، في نفحة الروح التي تخيلتها.

3- المنهجية والفاعلية: وهي عبارة عن القدرة الفذة التي تميز بها مالك بن نبي في إبراز مشكلة العالم المتخلف باعتباره قضية حضارة اولا وقبل كل شيء.. ويكشف لنا بن نبي عن منهجيته الفذة حي حديثه عن الدورة الخالدة اذ يقول: " ان مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشاكله ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق بفكرته إلى الاحداث الإنسانية وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها، وما الحضارات المعاصرة، والحضارات الضاربة في ظلام الماضي والحضارات المستقبلية إلا عناصر للملحمة الإنسانية منذ فجر القرون إلى نهاية الزمن " (6). والمنهجية في فكر بن نبي لا تعني الجمود والترهل على المستوى الفكري والعملي، وإنما أسند بن نبي فكرة المنهجية بفعالية وديناميكية تتصف بها معالجاته لشئون الثقافة والحضارة.. اذ يقول: فالفكرة من حيث كونها فكرة ليست مصدراً للثقافة أعني عنصراً صالحاً لتحديد سلوك ونمط معين من أنماط الحياة، فإن فاعليتها ذات علاقة وظيفية بطبيعة علاقاتها بمجموع الشروط النفسية الزمنية التي ينطبع بها مستوى قد يتغير بطريقتين: فهو عندما يرتفع تعرض له في الطريق أفكار ليست من بين القوى الجوهرية التي نتجت عنها الحركة التاريخية فإذا بهذه الافكار تتقادم ثم تختفي.. ففكرة حجر الفلاسفة التي كانت من أكبر دوافع الفكر العلمي خلال العصر الوسيط، هذه الفكرة قد ماتت منذ اعلن (لافوازييه) نتائج أبحاثه الكيميائية.. وهو عندما يهبط تنقطع من منابع خقلية وعقلية صدرت عنها فتكسب هذه الأفكار وجودا صناعيا غير تاريخي وبذلك تفقد كل معنى اجتماعي "(۷). ولكي يكون عطاء الثقافة فعالاً ومستديما، لابد من ان نوثق الصلة الضرورية بين الفرد وعالم الافكار وعالم الاشياء وعالم العناصر والظواهر الطبيعية.

إن توثيق صلة عالم الاشخاص بهذه العوالم هو الكفيل يخلق واقع اجتماعي جديد.. من خلال هذه الخصائص الثقافية تجد أن المشروع الفكري ل (مالك بن نبي) (۵ ۱۹۰ - ۱۹۷۳م) اتجه إلى المشكلة الأصلية والأساسية في العالم العربي والإسلامي... ولهذا فقد عاشت فكرة الحضارة في عقله ووحداته وشغلت تفكيره في كل كتاباته، إلى درجة تستطيع أن نقول معها أن الفكر الإسلامي المعاصر لم يشهد تقريباً مفكرا شغلته قضية الحضارة مثل (مالك بن نبي)، الذي يعتبر شخصية فكرية خصبة جديرة بالدراسة، وهو المفكر الذي اهتم بالجانب الحضاري وفلسفة التاريخ والاجتماع وشغلته مشكلات أمته فعالجها بروح موضوعية " (8)

فمشكلة الحضارة هي مشكلة العالم العربي والإسلامي الجوهرية، ولذلك اهتم بن نبي بها وركز جهوده الفكرية والنظرية في سبيل بلورة الرأي، واقتراح الحلول لتجاوز هذه المشكلة الحضارية. ويشير إلى هذه المسألة مالك بن نبي نفسه بقوله: أعتقد أن المشكلة التي استقطبت تفكيري واهتمامي منذ أكثر من ربع قرن وحتى الآن، هي م شكلة الحضارة وكيفية إيجاد الحلول الواقعية لها، وإزالة التناقض بين النجاح المادي والتخلف المعنوي، أعني تخلف القيم أو اهمالها، ولقد شعرت منذ فترة طويلة وعلى وجه التحديد منذ وصولي إلى أوروبا لتلقي العلم عام (۱۹۳۰م) أن المجتمعات المعاصرة بالغة التعقيد ومتعددة الأنواع.

ويتجه عطاء بن نبي الثقافي والفكري نحو ادخال العالم العربي والإسلامي في دورة حضارية جديدة واعادة الشعوب العربية والإسلامية إلى حلبة التاريخ.

***

محمد محفوظ – باحث سعودي

........................

الهوامش

1- شروط النهضة - مالك بن نبي - ص ۸۳

2- برهان غليون - إغتيال العقل - ص ٢٢

3- مشكلة الثقافة - مالك بن نبي - ص ٨

4- مشكلة الافكار ف العالم الإسلامي - مالك بن نبي - ص ١٤٣

5- اغتيال العقل - الدكتور برهان غليون من ٤٦

6- شروط النهضة - مالك بن نبي ص ٢٠

7- مشكلة الثقافة ص ٤٧

8- مفاهيم أساسية في فكر مالك بن نبي -محمد عبد السلام الجفائري.

 

"لم يكن ماركس مفكرًا في القرن التاسع عشر فحسب، بل كان ولم يزل منظّرًا يستشرف أبعاد الحاضر والمستقبل، وما زالت تحليلاته حول الرأسمالية والعولمة والتناقضات الاجتماعية تظل موجهة لنا حتى اليوم." المؤرخ البريطاني إيريك هوبسباوم (Eric Hobsbawm) (1).

1- مقدمة:

إنّ أوضاع الطبقة العاملة في عصرنا تغيّرت كثيراً عمّا كانت عليه في زمن ماركس، لكنّ الجوهر واحد لم يتغيّر. فالرأسمالية تُحوّل الإنسان إلى مادّة خامّ قابلة التّصنيع والتّسويق وتجعله موضوعاً أو شيئاً للبيع والشّراء ومصدراً ل لرّبح والثروة والقوة. وهنا يكمن جوهر الرأسمالية في أيّة مرحلة من مراحل تطوّرها، وفي أيّ مستوى من مستويات تبدّلها وتغيّرها. ومهما تغيّرت الظّروف والأحوال فإنّ جوهر الرأسمالية الاغترابيّ - القائم على الاستغلال الطبقي والاجتماعي - لم يزل قائماً لا تبدّل ولا تغيّر في طبيعته الأساسيّة.

وعلى الرّغم من كلّ هذا التّباعد بين نظريّة ماركس الاغترابيّة - التي وصف لنا فيها الكيفيّات التي يغترب بها العامل في الإنتاج - والتّغيّرات الحادثة، فإنّ الشيء الذي لا يمكن نكرانه ولا التّهوين من شأنه هو فرضيّته التي تقول: إنّ الرأسمالية - أيّا كانت صيغتها ومراحل تطوّرها - ستجرّد الإنسان من إنسانيّته. وهذه هي الحقيقة التي لا يمكن لأحد أن يجحدها في الإرث الماركسيّ. وإذا كان ماركس قد وصف لنا بعضا من وجوه الاغتراب في الماضي، فإنّ هذا الاغتراب يأخذ اليوم ألف وجه ويتجلّى في أكثر المناطق الحيويّة في الإنسان: في أعماق الرّوح والوعي والإرادة والوجود الأخلاقيّ.

والحصيلة من ذلك أنّ أفكار ماركس ما زالت تفرض حضورها وصلاحيّتها في فهم العصر الذي نعيش فيه، وهذا ما يؤكّده الكاتب والصّحفيّ البريطانيّ فرانسيس وين (Francis Wheen) في كتابه المعروف "رأس المال لكارل ماركس" الذي يرى فيه أنّ الرأسمالية مهما بلغت شأوها، ومهما حقّقت من انتصارات عظيمة، فإنّها تبقى كارثة"(2). وذلك " لأنّها تحوّل البشر إلى سلعٍ يمكن مبادلتها بسواها من السلع، وإلى أن يتمكّن البشر من تحقيق أنفسهم بوصفهم ذوات التاريخ لا موضوعاته، لا يمكن أن يكون ثمة مفرّ من هذا الطّغيان" (3).

2- القدرة على الاحتواء والتجاوز:

وعلى هذا الإيقاع، يصوغ المفكر الفرنسيّ هنري لوفيفر (Henri Lefebvre) رؤيته مستلهما ماركس في كتابه المعنون "الماركسية" (Le Marxisme) (4): " كيف يُعقل تجاوز تصوّر عن العالم يحتوي هو ذاته على نظريّة التّجاوز؟". وفي هذا السياق نفسه يرى لوفيفر أن الماركسية ليست فقط نظامًا فكريًا مغلقًا يمكن تجاوزه، لأنها تحتوي في داخلها على آلية نقدها وتجاوزها لذاتها. أي أن الماركسية بوصفها فلسفة للتاريخ والتغيير، تتضمن في صلبها دينامية داخلية تجعلها قادرة على النقد الذاتي والتجدد. وهذا يعني أنه لا يمكن تجاوز ماركس لأن فكره لا يكتفي بوصف الواقع، بل ينطوي على نظرية لتغييره وتجاوزه. وهذا يجعل من الماركسية فكرًا مفتوحًا على المستقبل يصعب تجاوزه دون أن يُستبطن أو يُعاد إنتاجه بطريقة ما. وفي هذا السياق يقول المؤرّخ الماركسيّ إيريك هوبسباوم(Eric Hobsbawm) في سياق حوار مع المفكر الفرنسي البارز جاك أتالي (Jacques Attali) "إنّه لمن المفارقة الغريبة أنّ الذين يعيدون اكتشاف ماركس هم في معظمهم من الرّأسماليّين" (5). وفي هذا السياق يؤكد جاك أتالي رؤية هوبسبام الآنف الذكر التي تفيد أن ماركس هو اليوم "أكثر أهمّيّة من أيّ وقت مضى"، مشيراً إلى أنّ تحليلاته الرأسمالية ما تزال تكشف الكثير من أوجه الاختلال في العالم المعاصر(6).

ويمكننا القول في هذا الاتّجاه: إنّ نظرية ماركس لم تفقد مشروعيّتها في الوقت الحاضر، وبقيت صالحة كأداة لتحليل النظام الرأسمالي. ومن الثّابت أنّ ماركس قد ألحّ مراراً وتكراراً على تقاطب الفقر والغنى، وأشار دائما إلى أنّ تراكم الثّروة في أيدي الأغنياء يقابله تراكم الفقر عند الفقراء. وهذا هو الأمر الذي يمثّل جوهر التّناقض في النظام الرأسمالي الذي يشكّل نظاما تقاطبياً بامتياز.

أمّا تطوّر ظاهرة الاغتراب والتّشيّؤ في النظام الرأسمالي فيمكن الاستدلال عليها من خلال الوصف الذي يقدّمه الممثّل البريطانيّ الشّهير شارلي شابلن (Charlie Chaplin 1889 - 1977) في فيلمه الشّهير "العصور الحديثة" (Modern Times) في عام 1936. إذ يصوّر بداية حالة الاغتراب والقهر الّتي يتعرّض لها الإنسان داخل المصنع فيما يطلق عليه خطّ التّجميع في الإنتاج، وهو النّمط الاغترابيّ الذي يتعدّى ما يجري داخل المصنع وسط العمل، فيشمل ما يحدث خارجه. وبعد ثلاثين عاما اندلعت ثورة الشّباب الجامحة في أوروبا - وتحديدا في فرنسا - عام 1968 (حركة ماي التّحرّريّة). وكانت هذه الثّورة (في وجه من وجوهها) تجسّد حالة القهر وتعبر عن الثّورة ضدّ ما تتعرّض له آدميّة الإنسان، وكانت أيضا وصفاً بليغاً لما يجري للمستهلكين خارج المصنع من تنميط ينذر بتحوّل كلّ منهم إلى الإنسان ذي البعد الواحد(One-dimensional Man) كما يسمّيه هربرت ماركوز(Herbert Marcuse). وبعد مرور ثلاثين عاما شهدت الإنسانيّة أعنف مظاهر القهر الإنسانيّ ببداية الخطر التكنولوجي الّذي يتحرّك سريعاً وبعيداً ليتجاوز كلّ الحدود والخطوط والممنوعات، " إنّه اليوم يتحرّك ليدمّر أعمق أعماق الإنسان، إنّه يهدّد شعوره وأعماقه الواعية واللاواعية، الشعورية واللاشعورية، إنّه يمارس قهرا على المخّ والتفكير عند الإنسان. وتتمثّل هذه الثورة التكنولوجية المدمّرة في ما يطلق عليه اليوم ثورة المعلومات والثّورة الرّقميّة. وهذا يعني في نهاية الأمر أنّ التّهديد أصبح ينال من الإنسان بوصفه كائنا عاقلا يمارس ملكة التفكير وكائنا يمارس فعاليّة المشاعر والأحاسيس الإنسانيّة " (7).

لقد دفعت هذه التّطوّرات المبهرة المفزعة الإنسانيّة إلى حالة اغترابيّة لا مثيل لها في تاريخ الوجود. وأصبح الإنسان بكينونته الخلاّقة مجرّداً من الكرامة والهويّة والحسّ الإنسانيّ، فالإنسان اليوم في ظل الضغط التكنولوجي يتحوّل إلى آلة، في الوقت الذي تتحول فيه الآلة إلى إنسان كما يحدث في عالم الروبوتات الذكية. وهذه لعَمري ذروة الاغتراب والتّشيّؤ. ومع أنّ ماركس عاش في زمن مختلف ولم يعايش هذه الطفرات الذكية الخارقة في التطور، ولم يكن أيضا قادراً على إدراكها والتنبؤ بها فإنه رغم ذلك لم يخطئ أبداً في إدراك الجوهر الاغترابيّ للرأسمالية، ولم يكن بالإمكان له أو لأيّ أحد آخر في زمنه أن يدرك الصّيرورة التي سيتّخذها منحى التّشيّؤ في زمن الثّورة الصّناعيّة الرّابعة.

5- الرّأسماليّة تحفر قبرها:

يقول ماركس في أحد أهمّ تنبّؤاته إنّ الرّأسماليّة " تنتج، أوّل ما تنتج، حفّاري قبرها، فسقوطها وانتصار البروليتاريا أمران حتميّان" (8). وهو في هذه الرّؤية الاقتصاديّة يستند أيضا إلى قوانينه الديالكتيكية، ولا سيّما قانون " نفي النّفي " (The Law of the Negation of the Negation)(9) الذي يرى من خلاله أنّ الرّأسماليّة تنطوي على بذور فنائها. ومع ذلك لم يحن الوقت للقول بسقوط تنبّؤات ماركس على وجه الإجمال، فكثير من مقولاته وتوقّعاته لم تزل مشروعة في جوهر أمرها حتّى يومنا هذا. ويجد القول المذكور تأييده فيما ذهب إليه المفكّر التّروتسكيّ البريطانيّ)(10) آلان وودز(Alan Woods 1944 -) الّذي يقرّ براهنيّة نظريّة ماركس في كتابه « راهنيّة أفكار كارل ماركس»، إذ يرى أنّ "نظرية ماركس استطاعت الصّمود في الاختبار التّاريخيّ، وخرجت الآن منتصرة" (11)، ويستند وودز في رؤيته لهذا الصّمود إلى ما ورد في كتاب ماركس "رأس المال" الذي بيّن فيه أنّ السّوق الرّأسماليّة لا تضبط نفسها تلقائيًّا، بل تُنتج بفعل تناقضاتها الدّاخليّة أزمات دوريّة تؤدّي إلى انهيارها، كما حصل في أزمة عام 2008.

وممّا يؤكّد مشروعيّة هذه التّنبّؤات أنّ الرّأسماليّة واجهت نسقاً منتظما من الأزمات الخانقة والاهتزازات الاقتصاديّة العنيفة التي تواترت بقوّة منذ أزمة الائتمان في بريطانيا عام 1772، تلاها الكساد الاقتصادي العظيم (Economic Depression) بين عامي 1929 - 1933، ثمّ الأزمة الآسيوية في عامي 1997 - 1998 التي أدّت إلى انهيارات اقتصاديّة في دول "النّمور الآسيويّة" (Dragons asiatiques)، ويشار أيضا إلى أزمة أسعار النفط سنة 1973 التي كادت تطيح باقتصاديّات الدّول الرّأسماليّة، ثم الأزمة الاقتصاديّة في سنتي 2007 - 2008 التي أحدثت انهياراً ماليّاً في مختلف أنحاء العالم، ثم أزمة جائحة كورونا التي كادت تُسقط المنظومة الرّأسماليّة كلّها، وأخيراً أزمة الحرب الرّوسيّة الأوكرانيّة التي أنتجت تأثيرات وخيمة في اقتصاديّات الدّول الغربيّة، وهي تضع العالم اليوم على شفير حرب نوويّة محتملة. ويمكن أن نضيف إلى ذلك الانتفاضات الطّلاّبيّة والجماهيريّة التي تشهدها الولايات المتّحدة الأمريكيّة وأوروبّا على خلفيّة الإبادة العرقيّة والعنصريّة التي تنفذها إسرائيل بدعم من الصهيونية العالمية في غزّة الفلسطينيّة التي تتعرض اليوم لإبادة عرقية لم يعرف لها التاريخ مثيلا على مرأى العالم الراسمالي الذي يمد الكيان الصهيوني الغاصب بالسلاح وأدوات التدمير والموت والإبادة. وهي كلّها حوادث وتوتّرات تُهدّد بنية النّظام الرّأسماليّ العالميّ في المركز، وليست في الأطراف هذه المرّة(12).

ويمكن أن نلاحظ اليوم تواتر عدد كبير من الدراسات المستقبليّة والبحوث الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي تتضمّن ما يفيد بأنّ النّظام الرّأسماليّ ينطوي في ذاته على بذور فنائه. ويمكن الإشارة في هذا الخصوص إلى كتاب الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري (Michel Onfray) الموسوم "من يسوع إلى بن لادن، حياة الغرب وموته" (Décadence: De Jésus à Ben Laden, vie et mort de l'Occident.) (13) الذي يشتمل على توقّعات تنذر بنهاية الحضارة الغربيّة لأنّ الحضارات كلّها ذائقة الموت، وعليه فإن انهيار الحضارة الغربيّة وسقوطها أمر لا مردّ له ولا مفرّ منه. ونجد مثل هذا التّصوّر في كتاب الفيلسوف الفرنسيّ بيار توبي (Pierre Toubia) "الانفجار الأكبر. تقرير حول انهيار الغرب" (The Great Explosion) (14) الذي يرصد فيه العوامل التي ستؤدّي إلى زوال الحضارة الغربيّة، منها النّزعة الاستهلاكيّة، وهيمنة الثقافة المادّيّة وسيطرة التكنولوجيا القائمة على الذكاء الاصطناعي، والتّغييرات الجوهريّة التي تنتاب روح الإنسان وأخلاقيّاته. ويعدّ الشاعر الفرنسيّ شارل بودلير (Charles Baudelaire: 1821-1867) من أوائل الذين حذّروا من التّدهور عندما رأى أنّ التكنولوجيا التي يعيش بها الغرب تُدمّر الثقافة والقيم (15).

ويوجد عدد كبير من المفكّرين الّذين يرون أنّ النظام الرأسمالي يعاني تواتر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالغة الخطورة التي لا تهدّده هو فحسب، بل تهدّد الحضارة الإنسانيّة برمّتها، فالحروب النّوويّة تدقّ الأبواب، وبعض الدول تُحضّر للحروب الجرثوميّة القاتلة، وهي حروب تهدّد نظام الحياة على الكوكب. والغرب اليوم - كما يعلم الجميع - يقف على شفا هاوية قد تأخذه إلى حرب مدمّرة فتّاكة لا تبقي ولا تذر في مواجهة الشرق المتمثّل في روسيا بوتين التي تخوض معارك مصيريّة في أوكرانيا. ومن يتأمّل يعين بصيرة سيجد أنّ الرأسمالية تفتك بالطّبيعة والإنسانيّة والمجتمع، وهي في هذا المسار التّدميريّ تنذر بهلاك المجتمعات الإنسانيّة قاطبة. ولا بدّ من الإشارة أيضا في هذا السياق إلى أنّ الذكاء الاصطناعي يهدّد اليوم بتسريح 80% بالمئة من العمالة ووضعهم في دائرة العاطلين عن العمل، وهذا يشكّل تهديدا للنظام الرأسمالي كلّه. وهنا يكمن المعنى الحقيقيّ لمفهوم ماركس الذي يوحي بأنّ الرأسمالية تحفر قبرها، أو تفرز حفّاريه. وعلى هذا الأساس تقوم النّظريّات الجديدة التي تتنبّأ بنهاية التاريخ وسقوط الحضارة، كما يعلن الفيلسوف الألمانيّ أوسفالد شبنجلر (Oswald Spengler 1880 - 1936) في كتابه "تدهور الحضارة الغربيّة" (The Decline of the West) (16) الذي يستند فيه إلى عدد كبير من أزمات النظام الرأسمالي المتكرّرة عبر الزّمن (17).

لقد شكّك عالم الاقتصاد البريطانيّ جون هيكس(John Hicks 1904 - 1989) في كتابه "القيمة ورأس المال" (Value and Capital) عام 1939 في قدرة الرأسمالية على البقاء والاستمرار، واقترح في الوقت نفسه أن تستخدم الحكومات سلطتها في التّحكّم بالاستثمار والسّياسة النّقديّة لتخفيف حدّة هذه التّقلّبات، ممّا يعكس قلقه بصدد استقرار النظام الرأسمالي دونما تدخّل فعّال (18). ونجد ما يماثل هذه الرؤية في أعمال جون ماينارد كينز (John Maynard Keynes) الاقتصادي البريطانيّ الأشهر في بداية القرن العشرين (1883 - 1946)- وهو أحد نقّاد ماركس - إذ ‏كتب يقول في كتابه المعروف: " نظريّة عامّة في العمالة والفائدة والنّقود")(19) (The General Theory of Employment) (1936)(20): "إنَّ الرأسمالية طور ‏ انتقاليّ سيختفي حين ينجز عمله"(21). ويتردّد هذا التّوجّه حول سقوط الرأسمالية وانحلالها في كتاب رجل السّياسة والاقتصاد النّمساويّ جوزيف شومبيتر(Joseph Schumpeter 1883 - 1950) "الرأسمالية والاشتراكية ‏والديمقراطية" (Capitalism, Socialism and Democracy) 1942 (22)، وهو الكتاب الذي يتنبّأ فيه بأنَّ الرأسمالية لا تستطيع البقاء. ولم تتوقّف الكتابات التي تؤكّد النّبوءة التي تقول بنهاية الرأسمالية. وفي هذا الصدد نشرت صحيفة الـ فاينانشل تايمز (Financial Times) مقالاً لها بعنوان "عودة إلى ‏رأس المال" (Das Kapital Revisited) بتاريخ 28 أغسطس 1998، داعية إلى إعادة قراءة عمل كارل ماركس الرئيسي "رأس المال" (The Capital) في ضوء التحولات الاقتصادية والاجتماعية الحديثة. وتناولت المقالة الأزمات الاقتصادية العالمية آنذاك، مثل الانهيار المالي في روسيا والأزمات الاقتصادية في آسيا وفي مختلف أنحاء العالم، وتدعو المقالة إلى إعادة النظر في أهمية أفكار كارل ماركس حول الرأسمالية ولاسيما تلك التي صدرّرها في كتابه الشهير "رأس المال" ويعكس عنوان المقال تجدُّد الاهتمام بانتقادات كارل ماركس للرأسمالية في تلك الفترة ولاسيما تأكيده حتمية سقوطها اختناقاً بأزماتها.

ويتجدّد هذا الرأي عند رجل المال الأمريكيّ من أصول مجريّة جورج سوروس(George Soros) في كتابه "أزمة الرأسمالية العالميّة: ‏مجتمع مفتوح معرَّض للخطر" (The Crisis of Global Capitalism: Open Society Endangered) الّذي ينوّه إلى حتميّة سقوط النظام الرأسمالي، ويحذّر سوروس في هذا الكتاب من أنّ النظام الرأسمالي العالمي يواجه أزمات متكرّرة نتيجة لعدم استقراره الدّاخليّ، ويُعزى ذلك إلى غياب التّنظيم الكافي في الأسواق الماليّة العالميّة. ويرى أنّ هذه الأزمات قد تؤدّي إلى انهيار النظام إذا لم يتمّ اتّخاذ إجراءات إصلاحيّة جذريّة (23).

ويتّضح ممّا تقدّم أنّ مقاربات ماركس الاقتصادية شكلت المصدر الأكثر إلهاماً للمفكرين في تناولهم لأوضاع النظام الرأسمالي والبحث في أزماته واختناقاته. وسادت ‏وجهة نظر ماركس التي تؤسس للقول أنّ الاقتصاد هو القوّة التي تدفع التّطوّر الإنسانيّ، وأصبحت أفكاره هذه أكثر انتشاراً بين المفكرين في ‏المجتمعات الغربيّة.

ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى كتاب الصحفيّ العالمي جيمس بوكان (James Buchan) المُعنون "رغبة مجمَّدة: بحث ‏في معنى النّقود" (Frozen Desire: An Inquiryinto the Meaning of Money.) عام 1997 الّذي يطلق فيه عبارته المشهورة قائلاً "إنَّ "ماركس" راسخ في ‏ قلب تفكيرنا الغربيّ" (24). وهو الأمر نفسه الذي حدا بالصّحفيّيْن في مجلّة الـ (إيكونوميست) (The Economist) ""جون ‏مايكلثوايت" و"أدريان وولدريدج" في كتابهما "مستقبل تامّ: تحدّي العولمة ووعدها المضمر" عام 2000 (25) إلى تأكيد أهمّيّة الرؤية الماركسيّة المذهلة في تفنيد قضايا العولمة والرأسمالية العالميّة " (26). ويمكن القول في هذا السياق أن نظرية ماركس الاقتصادية حول الرأسمالية وحتمية سقوطها ما زالت تستقطب المفكرين المعاصرين وتحظى باهتمامهم وما زال كتاب ماركس رأس المال يشكل أيقونة الاقتصاد العالمي الأكثر قدرة على تحليل وفهم الديناميات الخفية التي تعتمدها الرأسمالية في السيطرة على الاقتصاد العالمي وهو الكتاب الذي تتجلى فيه قدرة ماركس وعبقريته الفكرية.

6- تقاطب الغنى والفقر في العالم:

ومن المهمّ أنّ ماركس قد ابتدع رؤية سوسيولوجيّة تتميّز بالأهمّيّة والخطورة، إذ كان يؤكّد دائما في مختلف أعماله على تقاطب الفقر والغنى في العالم، وكان يرى أنّه كلّما اشتدّ الفقر في جانب تراكمت الثّروة والغنى في جانب آخر. وقد صدقت رؤيته هذه في مختلف مراحل تطوّر المجتمع الرأسمالي، وتكفي نظرة خاطفة اليوم على جغرافيّة توزيع الثّروة في العالم المعاصر لتبرهن على مصداقيّة المقولة الماركسيّة في التقاطب بين الغنى والفقر. هذا وتبيّن التّقارير الاقتصادية حديثا أنّ 1% من سكّان العالم يمتلكون نصف ثروته.، وأنّ 10٪ من السّكّان يملكون 85% من الثّروة في العالم، وفي المقابل فإنّ 90% لا يملكون إلاّ 15٪ من إجمالي الثّروة، وبصيغة أخرى يمتلك 30٪ من السّكّان 97٪ من مجموع الثّروة (27). وتؤكّد مثل هذه الإحصائيّات وغيرها على أنّ تنبّؤات ماركس كانت صحيحة في جوهرها. ومن ينظر في إحصائيّات الفقر والفاقة والجوع والحروب سيجد أنّ النظام الرأسمالي يدمّر العالم ويدمّر نفسه في الآن الواحد، وفي هذا الاتّجاه تشير الإحصائيّات العالميّة إلى أنّ نحو 700 مليون شخص يتقاضون دون 2. 15 دولاراً للفرد في اليوم، وهو خطّ الفقر المدقع الذي يتمركز في أجزاء من منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، والمناطق المهمّشة والمتأثّرة بالصّراعات، والمناطق الرّيفيّة. كما تشير الإحصائيّات الأحدث إلى أنّ 1. 3 مليار شخص ما يزالون يعيشون في فقر " متعدّد الأبعاد"، وأنّ نصفهم تقريباً هم من الأطفال والشباب. ويضاف إلى ذلك نموّ تجارة الأطفال والجنس والمخدّرات بمقاييس خرافيّة. وتدلّ هذه الظواهر والمؤشّرات على أنّ النظام الرأسمالي متخم بالأزمات والتّناقضات، ممّا يؤكّد لنا أنّ تصوّرات ماركس حول طبيعة هذا النظام تمتلك راهنّيتها ومصداقيتها التاريخية.

وتأخذ هذه الوضعية في التفاوت بين قطبي الفقر والثراء طابعها المأساوي اليوم تأكيداً لتنبؤات ماركس إذ يتعمّق تفاوت الثّروة على نحو مفاجئ. فَدَخْلُ ملياردير مكسيكيّ واحدٍ في اليوم يساوي ما يجنيه الملايين السبعة عشر من أفقر المواطنين المكسيكيّين. لقد خلّفت الرأسمالية ازدهاراً أكثر ممّا عرفه التاريخ من قبل. وبحسب البنك الدّوليّ فإنّ 2. 74 مليار نسمة في سنة 2001 كانوا يعيشون بأقلّ من دولارين في اليوم. وعلى هذه الصّورة - في مشهد التقاطب بين الفقر والغنى- سيتسبّب اتّساع الهوّة بين الأثرياء والفقراء في البلدان الغربيّة الأكثر ضعفا إلى زعزعة استقرار المجتمع من الداخل. ويعبّر يورغن راندرز (Jorgen Randers) عن هذه الوضعيّة بقوله: "مع حلول عام 2050، سينقسم المجتمع في الولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة إلى طبقتين، إذ تعيش حفنة من الأثرياء في رغد من العيش في حين تتدهور الأوضاع المعيشيّة للغالبيّة، ومن ثَمّ ستنهار العدالة الاجتماعية"(28). وممّا لا شكّ فيه أنّ هذا التقاطب للفقر والغنى سيشكّل يوما ما أحد عوامل انهيار النظام الرأسمالي القائم بصيغته الجديدة كما يرى عدد كبير من المفكرين وعلماء الاقتصاد في العالم (29).

7- التّحوّلات في النظام الرأسمالي:

ومهما يكن الأمر، فإنّ فكر ماركس قد أضاء بقوّة في المستويات الاقتصادية وسجّل حضوره المُظفّر في أزمنة متعاقبة، ولا سيّما في النّصف الأول من القرن العشرين. ومع أهمّيّة ما حقّقه من سبق فكريّ، فإنّه ينبغي علينا أن نأخذ بعين الاعتبار التّغييرات الهائلة الذي فرضت نفسها في ساحة الفكر كما في مجال الثّورات العلميّة والتّكنولوجيّة. ومثل هذه التّحوّلات الهائلة التي ضربت بقوة في عمق الحضارة الغربيّة خلال العقود الماضية تفرض استحضار نسق من الملاحظات حول مشروعيّة النّظريّة الماركسيّة الاغترابيّة في العصر الذي نعيش فيه اليوم. ولا بدّ لنا في إطار هذه الرؤية النّقديّة من الإشارة إلى التّغيّرات الجوهرية في بنية النظام الرأسمالي الذي انتقل من صيغته الكلاسيكيّة في القرن التّاسع عشر إلى صيغته الليبرالية الجديدة أو ما يُسمّى بالنّيوليبراليّة (Neoliberalism)(30) في القرن العشرين.

وقد اجتاحت هذه التّغيّرات وضعيّات الطبقات العاملة والعمل والإنتاج وطبيعة الوعي، ولا سيّما التّطوّرات الجديدة التي أدّت إلى أتمتة الإنتاج بصورة واسعة وشاملة. ولم يكن بإمكان ماركس أن يدرك - مهما بلغت عبقريّته - ما سيعتري المجتمعات الحديثة من تغيّرات هيكليّة. ويرى معظم الباحثين أنّ النظام الليبرالي الرأسمالي الجديد يختلف جوهريّا عن النظام الرأسمالي الكلاسيكيّ الذي كان سائدا في عهد ماركس. ومن هذا المنطلق، فإنّ نظريّة التّشيّؤ الماركسيّة لا يمكنها أن تُعبّر عن الوضعيّة الدّيناميّة المتحوّلة للاغتراب والتّشيّؤ في ميدان العمل والإنتاج. إذ لم يعد هناك خطوط للإنتاج كما كان الأمر في عهد ماركس، ولم يعد العامل ترساً في آلة الإنتاج كما جرت العادة على وصفه، فكلّ شيء تغيّر وكلّ أمر قد تبدّل، وأصبحت التّكنولوجيا الذّكيّة المتقدّمة القائمة على الذكاء الاصطناعيّ الفاعل الرئيس في عمليّة الإنتاج والتوزيع. ويعني هذا كلّه أنّه لا يمكن لنظريّة ماركس الاغترابيّة أن تُفسّر لنا كلّ ما يجري اليوم في عالم الإنتاج والعمالة والوعي الطبقي. وماركس نفسه لم يُحدّثنا عن المطلقات في نظرياته، ولو كان ماركس على قيد الحياة لأقرّ بأنّ نظريّته الاغترابيّة بشكلها التّقليديّ قد عفا عليها الزمن، وأنّ التّطوّر المستمرّ هو من طبيعة الأشياء والأفكار.

من المؤكّد أنّ ماركس استطاع أن يفرض مشروعيّة نظريّته في زمنه انطلاقا من تحليله لأوضاع العمّال المزرية في معامل النّسيج وأوضاع المناجم والبؤس الواسع الانتشار الذي عمّ الطبقات العمّاليّة في عصره، ولكنّ نظريّته غير مؤهّلة اليوم للبحث في طبيعة المجتمعات الغربيّة ما بعد الصّناعيّة التي تختفي فيها الطبقات الاجتماعية بصيغتها الكلاسيكيّة (31).

ومن الواضح اليوم أنّ المجتمعات الغربيّة شهدت تغيّرات جوهريّة بدأت منذ منتصف سبعينيّات القرن العشرين، وجرى هذا التّغيّر تحت تأثير الثّورة الصّناعيّة الثّالثة ثمّ تحت تأثير الثّورات العلميّة الكبرى، ولا سيّما الثّورة الصّناعيّة الرّابعة. وقد أدّت هذه التّغيّرات إلى تحوّلات نوعيّة لم يكن في مقدور ماركس – أو أيّ أحد آخر- أن يتصوّرها، ومنها الأتمتة الشّاملة للإنتاج الصّناعيّ، واعتماد المجتمعات الغربيّة - وسائر بلاد العالم المتطوّر - على الذكاء الاصطناعي منهجاً عصريّاً في معالجة مختلف مظاهر الوجود والحياة. وفي خضمّ هذه الثّورات الصّناعيّة والتّكنولوجيّة القائمة على الذكاء الصناعي الخارق تغيّرت القوانين التي تحكم الأسواق والتّجارة، وأصبحت مختلفة كلّيّا عمّا عهدته الرأسمالية في زمن ماركس، وتُضاف إلى ذلك التّغيّرات المذهلة في بنية الطبقات العاملة التي تحوّلت من طبقات جامدة بائسة إلى طبقات سائلة مرنة تختفي وتظهر وتأخذ أشكالاً متغايرة في بؤسها وشقائها ونعيمها. ويتّضح أنّ الطبقات العمّاليّة الفاعلة قد تآكلت ثمّ تعرّضت " لعدوان تشريعيّ وسياسيّ وحشيّ أضعف تحالفاتها التّقليديّة، فيما نمت بشكل أكثر حدّة الهويّات بحسب الجنس والعرق والدّين واللّغة وأصبحت الشّؤون السياسية مُدارةً ومتلاعبا بها بازدياد" (32).

ولم يعد العامل هو ذلك الرّجل البائس المعفّر وجهه بالتّراب، أو هذا الذي اكتست ملامح وجهه بسواد الفحم وثيابه بغبار المصانع، على شاكلة أبطال الرّوائيّ الفرنسيّ إميل زولا(Émile Zola 1840 - 1902) - في سلسلة (Les Rougon-Macquart) - لم يعد هو ذلك العامل البائس المقهور الذي يعمل تحت دويّ الآلات وأزيز المحرّكات، ولم يعد هو ذلك العامل الذي يتنقّل في الحافلات، ويقف على قارعة الطّريق كما كان الأمر في زمن ماركس. فالعامل اليوم أصبح من ذوي الياقات البيضاء، يرتدي أفضل الماركات، ويكتسي بأفخم البِذلات والربطات. لقد تحوّلت الطبقات العاملة إلى جيش من الموظّفين الذي يعملون في حقول النّقل والتّوزيع والإنتاج، ويستخدمون أفضل أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليّة تفاعلهم مع أنشطة الإنتاج. وهذا لا يعني أنّ هؤلاء العمّال قد وصلوا إلى درجة من الغنى والثّراء، فالفقر في جوهره يلاحقهم والدّيون تثقل كواهلهم، والرّهون العقارية تهدّد مصائرهم والتّأمين الصّحيّ لا يفي بمطالب علاجهم، وهم عرضة للطرد والإحالة والاستغناء عن خدماتهم أو استبدالهم. وهم ضحايا تشيّئيّة تتّخذ لَبوساً تنكّريّاً متجدّداً.

وفي ظلّ هذا التّحوّل في أوضاع الطبقات العاملة وانسيابيّاتها المرنة أصبح من الصّعب الحديثُ عن ثورة ماركسيّة طبقية، فالطبقات تآكلت ووقع استيعابُها كلّيّا في آليّات الإنتاج الرأسمالي الجديد الذي يعتمد على التكنولوجيا الذكية. ولو أخذنا على سبيل المثال، وليس الحصر، ظاهرة الإنتاج الزّراعيّ لوجدنا أنّ الطبقة العاملة في هذا الميدان قد اختفت تماماً مع انتشار الأتمتة الزّراعيّة، فآلة الحصاد ألغت العمالة اليدويّة لحساب الأتمتة في مختلف مظاهر الإنتاج، حتى إنّك لم تعد ترى عاملا في الحقول أو بين الأشجار، وهذا يحدث أيضا في المصانع، إذ يختفي العمّال وتحلّ الآلات المبرمجة بأحدث أدوات الذكاء الاصطناعي في مختلف ميادين العمل والإنتاج.

وفي هذا الاتّجاه أشارت أنيتا شاري(Anita Chari) في كتابها "العمل الفارغ: الكسل والمقاومة في مكان العمل" (Empty Labor: Idleness and Workplace Resistance) إلى أنّ العمل الذّهنيّ في الرأسمالية بلغ كبيراً من الهيمنة، وأدّى إلى إحداث تحوّلات جوهريّة في بنية العمل والإنتاج داخل النّظام الرأسمالي. وتُبيّن شاري أنّ الإنتاج بدأ يأخذ طابعا ذهنياً ناعماً ويحلّ محلّ العمل المادّيّ الذي ساد في المراحل السّابقة للرأسمالية. وقد اشتمل هذا التّحوّل على فواعل جديدة تتمثّل في إنتاج المداخيل وبناء رؤوس الأموال، وذلك في إشارة منها إلى تدخّل التكنولوجيا الذّكيّة المتمثّلة في وسائل الاتّصال الاجتماعي (تويتر، وفيسبوك، والهواتف الذّكيّة) التي بدأت تشكّل قوّة جديدة في الفعل الإنتاجيّ للرأسمالية السائلة(33). وترى شاري أنّنا نعيش اليوم في زمن "ما بعد الصناعة" ذاتها، وهو الأمر الذي يضع الإنسانيّة جمعاء في موضع التّساؤل. فالعمل المادّيّ قد تحوّل إلى عمل ذهنيّ عقليّ شفّاف يمارس دوره في عمليّة إنتاج السّلع وتلبية مطامح رجال الأعمال (34). وقد ساهم تعاظم الاستخدام المُنظّم للذكاء الاصطناعي في تدمير مؤسّسات إنتاجيّة كلاسيكيّة كبرى. ويحضرنا اليوم أنّ برمجيّات ذكيّة متوفّرة مجّانا على شبكة النت أدّت إلى إلغاء مصانع ومعامل ومؤسّسات كبرى، ومثال ذلك: برنامج تحديد المواقع العالميّ (Global Positioning System) وهو برنامج مجّانيّ صغير أدّى اليوم إلى الاستغناء عن مصانع كاملة كانت تعنى بإنتاج الأجهزة الصلبة لتحديد المواقع. وقد نتج أيضا عن ظهور برامج صغيرة لحجز السفريات وغيرها اختفاء أسواق ضخمة من المكاتب التي كانت تعنى بعمليّات الحجز. وأدّى تركيز برنامج " أوبر" (Uber) للنقل إلى ثورة في عالم النقل والمواصلات واختفاء كبير لمكاتب سيّارات الأجرة في العالم. ناهيك عن اختراع الهاتف المحمول الذي أحدث ثورة في عالم العمل. فالتّطبيقات الذّكيّة اليوم تعوّض جيوش العمّال في مختلف القطاعات، واختفاء عدد كبير من العمّال - وكذلك المهن - يستمرّ ويتصاعد وسيتسبّب في أزمة عالميّة كبرى في النّظامين الرّأسماليّ والاشتراكيّ على حدّ سواء، وهذه الثّورة الرّقميّة لم تكن يوما في حسبان ماركس، ولا يمكن تفسيرها في ضوء نظريّته. وممّا يجدر ذكرُه في هذا الإطار أيضا انتشارُ "العمل عن بعد" (Le travail à distance)، وهي ظاهرة من نتائج جائحة كورونا الّتي أجبرت ملايين البشر العاملين على التزام الحجر (confinement) لمُدد طويلة، ومن ثَمّ مواصلة ممارسة الأنشطة بواسطة الأنترنت.

في زمن ماركس، يمكن القول إنّ العلاقات الاجتماعية للسّوق كانت المصدر الرّئيسيّ للأشكال المجسّدة للوعي الاجتماعي. ولكن في الرأسمالية المعاصرة، عُدِّلَت علاقات السّوق من خلال قوّة الشّركات الاحتكاريّة والدّولة البيروقراطيّة. لقد أنتج تطبيق العلم على الصّناعة تحوّلات عميقة في بنية علاقات الإنتاج وفي تشكّلاته، فقد حلّ العمل العقليّ والذكاء الصناعي محل العمل اليدويّ في شتّى مناحي الإنتاج والاقتصاد.

وفي ظلّ هذه التّغيّرات الجوهريّة ظهرت أشكال جديدة من التّشيّؤ. فإلى جانب صنم السلع الأساسية، أصبح لدينا الآن صنم التكنولوجيا وصنميّة البيروقراطية وصنميّة المؤهّلات المهنيّة، وقد شكّل إدخال التّقانة الذّكيّة الجديدة في مجال الإنتاج الضّخم والاتّصالات والسّيطرة أحد أهمّ مصادر التّشيّؤ في المجتمع الرأسمالي المعاصر. ففي مجال الإنتاج المعاصر أصبحت الآلات الإلكترونيّة معنيّة بمراقبة العمال وتنظيم عمليّة الإنتاج، وبصيغة أخرى نُقِلَت وظائف اتّخاذ القرار وتنسيق الإنتاج من العمّال إلى الآلات، وهو الأمر الذي ينطوي على نمط جديد من الاغتراب والتّشيّؤ لم يكن لماركس القدرة على تصوّره(35). فبينما كان العامل يستخدم أدوات الإنتاج، أصبحت الآن أدوات الإنتاج تستخدم العامل. ونتيجة لهذا فإنّ التّرتيبات الاجتماعية التي كانت ذات يوم نتاجاً واضحاً للفاعليّة البشريّة أصبحت الآن بمثابة ضرورات تكنولوجية. إنّ تطوّر التكنولوجيا في المجتمع الرأسمالي يقدّم مثالاً واضحاً لديالكتيك ماركس حول " تشيّؤ العلاقات الإنتاجية" و" تشيّؤ الأشياء". وكما ظهر تاريخيّا، فإنّ عمليّة الابتكار التكنولوجي تعكس المصالح الطبقية لأولئك الذين يتحكّمون في تصميمها وتطبيقها. وبشكل عامّ، فإنّ الابتكارات التي تُركّز المعرفة وصنع القرار في أيدي المديرين وتفرض رقابة أكثر صرامة على وتيرة العمل وتقلّل من الحاجة إلى العمالة الماهرة، تُفقد العمّال قدرتهم وتقلّص من هامش مقاومتهم. ويتمثّل الوجه الآخر للتكنولوجيا الذّكيّة في أنّها تعمل اليوم على تعزيز العلاقات الاجتماعية الرأسمالية. وهكذا، فإنّ خضوع العمل لرأس المال ينعكس في خضوع العامل للآلة التي بدأت تفرض هيمنتها الذكية وسطوتها الرقمية؛ وعلى مستوى الوعي الاجتماعي، فإنّ نمط الإنتاج التكنولوجي يفرض مسؤوليّته عن الطابع الاغترابيّ للعمل في المجتمع المعاصر(36).

وقد شكّلت هذه الوضعيّة - أي تبعيّة العامل للآلة - إحدى القضايا المحوريّة التي تناولها عالم الاجتماع جاك إلول (Jacques Ellul) (37)في كتابه ذائع الصّيت "المجتمع التكنولوجي" (The Technological Society)(38) الذي يبحث فيه مسألة "المصانع المجرّدة من الإنسانيّة " في المجتمع الحديث. وقد كتب يقول: " إنّه من غير المجدي أن نهاجم الرأسمالية، فالرأسمالية لم تخلق عالمنا؛ بل الآلة هي التي خلقته" (39). والبيّنُ اليوم أنّ النظام الرّأسماليّ الجديد تمكَّن من تفكيك الطبقات المناهضة له واستقطاب معظم القوى ‏ المنافسة ودمجها في حركته الشّموليّة، واستطاع حتّى استقطاب النّقابات العمّاليّة ومختلف أشكال التّجمّعات الحقوقيّة وإدماجها في بنية النظام الرأسمالي، وفوق ذلك كلّه استطاع أن يُوظّفها في خدمة توجّهاته وخياراته وللسّيطرة على مختلف ‏ مظاهر الفعل والتفكير والسّلوك اليوميّ لدى الإنسان المعاصر. وإزاء هذه الوضعيّة المأساويّة سقط الإنسان والإنسانيّة في براثن الاستلاب الرأسمالي، وأصبح الفرد كيانا استلابيّاً في دوّامة الحركة الرأسمالية المعاصرة فاقداً إرادته ووعيه وقدرته على التّغيير والـتّأثير وتقرير المصير. ولا ريب أنّ الرأسمالية تمثّل اليوم جهازا إداريّاً جبّاراً يمتلك مختلف وسائل ‏ القمع والإكراه والضّغط والسّلب والإغواء والإغراء على حدّ سواء، وهي تستخدم هذه القوى كلّها في عمليّة سحق القوى المناهضة لها وتدمير جميع المؤسّسات والهيئات التي تقف في طريقها. وعلى هذه الصّورة يجد الإنسان المعاصر نفسه في دوّامة الخضوع للنظام الرأسمالي القائم، ولا يجد أمامه سوى الشّعور بالإحباط والاستسلام. وقد لا نبالغ بالقول إنّ الإنسان في هذا العصر الرأسمالي أصبح كائنا عدميّا فاقدا للوعي والإرادة وغير قادر على إدراك ما يجري حوله من تحوّلات وما يلمّ به من تغيّرات، إذ سقط في بؤرة التّشيّؤ الذي يشكّل "القلب ‏ النّابض للأيديولوجيات الرأسمالية" (40).

وباختصار، لم يكن لماركس الذي عاش في النّصف الثاني من القرن التّاسع عشر، أو لأحد سواه أن يكون شاهداً على التّغيّرات الجوهريّة العميقة التي تحدث في الزمن الرأسمالي الجديد، إنّه عصر يتزامن مع نمط جديد من الثّورات العلميّة التي تحقّقت مع التّقدّم الذي أنجزه النظام الرأسمالي. وقد لاحظنا أنّ الطبقات العاملة في الغرب قد حصلت على مكاسب كبيرة في الوقت الذي كان فيه الاستبداد والقهر يعمّان في البلدان الشّيوعيّة. وهنا علينا أن نأخذ في الحسبان المعطيات الفكريّة لماركس في ظلّ الأوضاع التاريخية التي عاش فيها واستطاع أن يستكشف أبعادها ويهتك أسرارها، وهذا يعني أنّه يتوجّب علينا أن ننظر إلى فكر ماركس في السياق الذي وجد فيه وعبّر عنه وليس في السياق التّاريخيّ والحضاريّ لأزمنة جديدة تختلف عن زمنه بمعطياته وخصوصيّته. وهذا لا يمنع أبدا من فهم الحاضر في ضوء التّصوّرات الماركسيّة التي قدّمت مؤشّرات مهمّة جدّا لحركة المستقبل وفق قوانين الديالكتيك المادّيّة.

8- نقد النظرية الماركسية:

يمكن أن نجمل أهمّ الانتقادات التي وُجّهت إلى نظريّة ماركس على النّحو الآتي:

أوّلا - لم يكن لماركس أو لأيّ أحد آخر القدرة على التّنبّؤ بالتّطوّرات المذهلة والتّعقيدات الهائلة التي حدثت في بنية النظام الرأسمالي، وبناء عليه فليست نظريّته مؤهّلة عمليّاً لتفسير طبيعة هذه التّطوّرات. ويرى جمع من المفكّرين أنّ الظّروف الاقتصادية والاجتماعية قد تغيّرت كثيراً من عهد ماركس، وأنّ التّشيّؤ الاجتماعي يمكن أن يتطوّر مع الزمن والتّغيّرات الاجتماعية والتكنولوجية. ولا يعقل أن نُحمّل ماركس المسؤوليّة من هذا الجانب، ويكفي ماركس فضلا وريادة أنّه فهم عصره، وامتلك القدرة على تحليل ظروفه التاريخية بطريقة عبقريّة.

ثانيا – يعيب بعض المفكّرين على نظريّة ماركس أنّها تمركزت حول العوامل الاقتصادية، وأنّها لم تعط للعوامل الثّقافيّة والنّفسيّة دورها في عمليّة التّشيّؤ، ولم تُولِها ما تستحقّه من اهتمام. وكثيراً ما يتردّد بأنّه لا يمكن تفسير عمليّة التّشيّؤ الاجتماعي عن طريق الهياكل الاقتصادية فحسب، ويجب أن تؤخذ العوامل الثقافية بعين الاعتبار. وقد ركّز روّاد مدرسة فرانكفورت على الجوانب الثّقافيّة والسّيكولوجيّة لعمليّة التّشيّؤ الاغترابيّ. ومع ذلك فهناك كثير من المفكّرين الّذين يرون أنّ ماركس لم يهمل قطّ العوامل الثقافية ودور البنى الفوقيّة في التّأثير في الاقتصاد، وإن كان يولي العوامل المادّيّة والاقتصادية أولويّة أكبر.

ثالثا- يرى بعض النّقّاد أنّ نظريّة ماركس الاغترابيّة قد وُظِّفَت أيديولوجيّاً في المستويات السياسية، وقد استخدمت كأداة أيديولوجيّة لتبرير المصالح السياسية للأحزاب اليساريّة، ولا سيّما في بلدان المعسكر الاشتراكيّ سابقا. وهذا الأمر يتناقض مع الرؤية العلميّة لنظريّة ماركس في هذا المجال. وقد أوضحنا أنّ الممارسات الّتي ارتكبت باسم الماركسيّة هي بعيدة عن روحها. فالماركسيّة نظريّة منتصرة للكرامة الإنسانيّة ولحقوق البشر وحريّتهم.

رابعا - وبشكل عامّ، وعلى الرّغم من أنّ نظريّة ماركس في التّشيّؤ الاجتماعي قدّمت فهماً عميقا لكيفيّة تشكّل القيم والتّصوّرات الاجتماعية حول السلع في المجتمعات الرأسمالية، فإنّها تواجه تحدّيات في تطبيقها العمليّ وفي فهمها الشّامل للدّيناميّات الاجتماعية والاقتصادية الحديثة. ويقتضي هذا تعميقَ التّفكير في ملاءمة المنطلقات الماركسيّة مع تحوّلات التّاريخ. وهو جهد يُنتظر من الدّارسين والباحثين - وكذلك المناضلين والنّاشطين - أن يضطلعوا به لابتكار أجوبة راهنة لقضايا عصرنا وإشكالاته.

ومهما يكن من أمر هذه الانتقادات، فإنّ نظريّة ماركس الاغترابيّة لا تزال تُعتبر أداة ناجعة لفهم بعض جوهر التّحدّيات الاجتماعيّة والنّفسيّة التي تواجه الأفراد في المجتمعات الرأسمالية، وتبقى موضوعاً للدراسة والنقاش في العديد من السياقات الأكاديميّة والبحثيّة.

9- خاتمة:

خلصنا إلى أهميّة الأفكار الماركسيّة وراهنيّتها وما تُقدّمه لنا من عطاء معرفيّ وعون منهجيّ. وفي هذا المسار يمكن القول إنّ النّظريّة الاغترابيّة عند ماركس فرضت تأثيرها في القرن العشرين، وقد تجلّى هذا التّأثير بداية في فلسفة لوكاش، ولا سيّما في عمله المدوّي "تحطيم العقل "كما في كتابه "التاريخ والوعي الطبقي". وهو الذي اكتشف مفهوم التّشيّؤ عند ماركس وعمل على صقله، فأعطاه زخماً فكريّاً تاريخيّاً تمثّل في قدرته الهائلة على تجديده وتطويره بما يتناسب وروح القرن العشرين.

وبرز تأثير نظريّة التّشيّؤ في مختلف أعمال وأفكار وتصوّرات روّاد مدرسة فرانكفورت، فتجلّى هذا التّأثير بوضوح وقوّة لدى كلّ من كارل غرونبرغ وهوركهايمر وأدورنو وماركيوز وفروم وهنيث وهابرماس، وامتدّ إلى الجيل المعاصر من منتسبي هذه المدرسة الذين كانوا في كلّ محاولاتهم يهتدون بنظريّة ماركس ويستضيئون بمنهجه، حتّى لَيكادُ المرء عندما يقرأ لهم يحسب نفسه أنّه يقرأ في نظريّات كارل ماركس نفسه. وينحو هذا القول إلى الاعتقاد جزماً بأنّ الخميرة الفكريّة الماركسيّة ما زالت حاضرة بقوّة في معظم الأعمال التي قدّمها ممثّلو مدرسة فرانكفورت، ويتجلّى هذا التّأثير الكبير على نحو خاصّ في كتاب هربرت ماركيوز "الإنسان ذو البعد الواحد" الذي ستوحي تحليل ماركس لمفهوم التّشيّؤ في النظام الرأسمالي. ومن يقرأ أيضا في أدبيّات الاغتراب عند عالم الاجتماع الألمانيّ إريك فروم (Erich Fromm) يتأكّد أنّه لم يخرج بعيداً عن الأصول الماركسيّة. وهنا لا بدّ من الاعتراف بأنّ بعض الإضافات الجوهريّة قد تجلّتْ في كتابيه "الإنسان بين الجوهر والمظهر" (41) و"الخوف من الحرية"(Escape from Freedom) (42). وقد حضر هذا التّأثير القويّ في كتاب لوكاتش " التاريخ والوعي الطبقي " الذي استطاع بدوره أن يجترح خطّاً ماركسيّاً جديداً في تناوله لمفهوم الاغتراب من وجهة نظر سّوسيولوجيّة صرفة.

وفي ضوء ما تقدّم يمكن القول: إنّ نظريّة ماركس الاغترابيّة تركت أثرها الكبير في التّفكير الفلسفيّ والسّوسيولوجيّ الحديث على مدى القرن العشرين، وما زال هذا التّأثير يفرض نفسه اليوم، ولا سيّما في الرّبع الأوّل من القرن الحادي والعشرين، وما هذا الدراسة إلاّ نوع من التّأكيد على أنّ المَعين الفكريّ لكارل ماركس لم ينضب بعد، وأنّ فكره ما زال يتدفّق بالعطاء، ويرتسم على صورة طاقة فكريّة منهجيّة تحليليّة ليس لها بديل في دراسة النظام الرأسمالي حديثه وقديمه أو ما بقي منه قائما في الوجود. ويمكن القول إنّ النّجاح المظفّر لنظريّة ماركس الاغترابيّة يعود إلى المنهج العلميّ الذي وظّفه في تناول هذه الظّاهرة في النظام الرأسمالي.

وممّا لا ريب فيه أنّ نظريّة ماركس مارست تأثيرها الكبير في العالم الرأسمالي، وأنّ كثيرا من الإنجازات والمكتسبات التي حقّقتها الطبقات العاملة في العالم كانت نتيجة طبيعيّة للوعي الماركسيّ بحقوق العمل والعمّال. فالرأسمالية ذاتها، كما يرى الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسيّ الماركسيّ رايمون آرون (Raymond Aron 1905 - 1983)، "مَدينة لماركس من حيث لا يدري؛ وربّما لولا ماركس لانحرفت الرأسمالية نحو الزّوال منذ فترة (...) فالرأسمالية أعادت ضبط مسارها بناء على الانتقادات التي كانت توجّهها الماركسيّة لها" (43).

ومن المؤكّد اليوم أنّ ماركس استطاع أن يقدّم للإنسانيّة تحليلاً بارعاً لتلك القوى التي تتحكّم بحياتنا، ‏وما تنتجه من زعزعة واغتراب واستغلال؛ "وإنَّ كُتُب ‏ماركس ستظلّ جديرة بالقراءة ما دامت الرأسمالية باقية... وبعيداً عن أن يُدفن تحت أنقاض ‏جدار برلين، لعلَّ ماركس لم يبرز إلّا الآن بأهمّيّته الحقّة، ولعلّه يغدو المفكّر الأشدّ نفوذاً في ‏القرن الحادي والعشرين"‏(44).

ومن الواضح أنّ ماركس، فوق ذلك كلّه، قد أبدع مدخلاً منهجيّاً مرناً يُمكّننا من استكشاف الطّابع المُجسّد للعمل وتحليل الفعاليّة الإنتاجيّة للنظام الصّناعيّ الرأسمالي الذي يحوّل الموجوداتِ كلّها إلى سلع وأشياء وأصنام تخضع لقانونيّات الإنتاج الرأسمالي الصّارم في أسواق العرض والطّلب.

فالنظام الرأسمالي - وفق ماركس - يخلق لنا مجتمعاً بلا روح وبلا ثقافة إنسانيّة حقيقيّة، وهو في الوقت نفسه يُشيّء كلّ مظاهر الوجود: النّاس والأشياء والمعاني والدّلالات. لقد بيّن ماركس أنّ أقصى حالات التّشيّؤ والاغتراب تُصيب الطبقات العاملة والفقيرة التي تفنى في عمليّة الإنتاج، وتتحوّل ضمن سياقاته الوحشيّة إلى أشياء يفقد فيها النّاس العاملون أرواحهم وأحلامهم وطموحاتهم، ويصيرون كائنات هلاميّة هجينة فاقدة للرّوح والمعنى والدّلالة. فالرأسمالية لا ترى في العمّال المنتجين أكثر من أدوات وآلات وأشياء تخضع لقوانين الفيزياء الحسّيّة الملموسة. وقد لاحظ ماركس أنّ الآلات البشريّة المنتجة تحتاج إلى صيانة وتجديد وتطوير، وأنّ لكلّ آلة أجلاً مُسمّى تنتهي بعده إلى مكاسر الآلات، فالأجور الّتي يحظى بها العامل ليست أكثر من صيانة لهذا العامل؛ إذ تضمن له الحدّ الأدنى من العيش ليكون قادراً على العمل، وبصيغة أخرى، فإنّ الأجور في منظور الرأسمالية لا تعدو أن تكون تجديدا لطاقة العامل الذي يشكّل مصدر الرّبح والثّروة والقوّة بالنّسبة إلى الرّأسماليّ ورأس المال.

وقد أجاد ماركس استكشاف أعمق أسرار الإنتاج الرأسمالي وأخطر تأثيراته على الإنسانيّة والإنسان. فالرّأسماليّة تمثّل في تكوينها وآليّات اشتغالها جحيم العمّال والطبقة العاملة ومحرقة المعوزين والفقراء والمسحوقين الّذين يشكلون أيضا، وبالضّرورة، إنتاجاً رأسماليّاً. فالمشرّدون والمُهمّشون والفقراء والمسحوقون ليسوا في نهاية الأمر إلاّ نتيجة لفعاليّة النظام الرأسمالي الذي ينتج الثّراء في جانب، والفقر والفاقة والجوع في جانب آخر من المجتمع. وهذا يعني أنّ الرّأسماليّة هي أكبر منتج للبؤس الإنسانيّ، وهي تعمل في حركة تطوّرها على تدمير البيئة والأخلاق والقيم والإنسان.

ومهما تكن الانتصارات السياسية التي حقّقتها وتُحقّقها الرأسمالية، إلاّ أنّ الرأسمالية تبقى كارثة على البشريّة لأنّها تحوّل البشر إلى سلع تمكن مبادلتها بسواها من السلع. وإلى أن يتمكّن البشر من تحقيق أنفسهم بوصفهم فاعلين في التاريخ، وليسوا مجرّد ضحاياه، فلا يمكن أن يكون ثمة مفرّ من هذا الطّغيان الرأسمالي". لذلك علينا أن نؤكّد أنّ المنهج الماركسيّ والفلسفة الماركسيّة، - والتي وصلت إلى نضج طرحها الفلسفي ووعيها بقوانين الاقتصاد السياسي في كتاب "رأس المال" - هما مجموعة متناسقة ومنسجمة من الأساليب والمبادئ يجري استخدامها لمعرفة الواقع وإعادة صياغة هذا الواقع على أسس ثوريّة. وهذا النهج يتّسم بالانسجام والانتظام، ويحلّل العمليّات الاقتصادية - الاجتماعية التي تجري في المجتمع بوحدتها وتناقضاتها المرحليّة والتّاريخيّة.

ومن المفارقة بمكان أنّ الرأسماليّة الّتي تفقد الإنسان روحه وكيانه الإنسانيّ وتحوّله إلى أداة تضفي بالمقابل على الأشياء وعلى السلع والمنتجات والموادّ الأوّليّة طابعاً غائيّاً ذاتيّاً. وهنا تتجلّى بصورة واضحة المعادلة الرأسماليّة الّتي يتحوّل فيها الإنسان إلى موضوع وأداة، ويقابل ذلك تحويل الموضوع (الشيء) إلى قيمة وذات. ولا يمكن أن تكون نهاية الاغتراب إلّا بالقضاء على ظاهرة التشيّؤ الإنسانيّ الّتي تفقد الإنسان معناه وتجرّده من قيمته وتستلب منه دلالته الروحيّة وقيمته الغائيّة (45). فالرأسماليّة اللّيبراليّة الجديدة تجعل من تطوير الصّناعة وسيلة للرّبح وللسّيطرة وللقوّة، وهي تعمل، حسب تعبير ماركس، على "تأليل" الإنسان، (تحويله إلى آلة) بل إلى كيان متشيّء، بل إلى صنميّة إنسانيّة شديدة التوحّش والانحدار(46).

وبعبارة أخرى، استطاعت الرأسماليّة أن تحوّل الإنسان إلى شيء من الأشياء المادّيّة وإلى كيان مفرغ من الرّوح الّتي تنبض بالمشاعر الإنسانيّة الخلّاقة، فالرأسماليّة بأدواتها الجبّارة استلبت الإنسان وجرّدته من مشاعره وأحاسيسه وإنسانيّته ليصبح ترساً في آلتها الإنتاجيّة الجبّارة. وفي هذا المجتمع الرأسماليّ تقوم المنظومة بتجريد الفرد من محتواه الإنسانيّ وتدمّر في أعماقه القيم والمبادئ الأخلاقيّة، كما تدمّر صلاته الإنسانيّة بالعائلة والصّداقة والدّين والأخلاق والقيم، فيزداد عمق ارتباطه بالوسط الصّناعيّ للمجتمع الرّأسماليّ. وقد جرّد هذا التشيّؤ الصناعيّ الإنسان من قدرته على التحكّم بمصيره وحياته ووجوده الإنسانيّ. فالطبقة الرأسماليّة الّتي تسيطر على مصيره تحوّله إلى أداة للإنتاج وإلى سلعة للرّبح، وإلى طاقة للاستهلاك تستثمر في تعزيز فائض القيمة وتحقيق أعلى نسبة من العائدات الماليّة الاقتصاديّة الّتي تصبّ في مصالح الطبقة الرأسماليّة على صورة أرباح واستثمارات ومضاربات اقتصاديّة.

وفي وصف قد يكون أشمل وأعمق يمكن القول إنّ الرأسماليّة تحوّل النّاس إلى مجرّد أشياء وأرقام ومعادلات وبيانات حسابيّة وإحصائيّات، وفي هذا المجتمع يتحوّل الإنسان إلى كيان تغذّيه فكرة واحدة، ويستولي عليه هاجس واحد يتمثّل في الاستهلاك والتسوّق والتملّك والحصول على كلّ ما هو جديد في عالم السلع والأشياء. وهو في دوّامة جشعه الاستهلاكيّ هذا يقتني كلّ شيء ويحوز على كلّ شيء بقدر ما يستطيع، وهو في ذلك يتصرّف بقوّة هائلة لإشباع رغبات زائفة وتافهة لا طائل منها. ففي عالم الأشياء تتحوّل الأشياء إلى قيمة تعطي لمن يمتلكها قيمة أكبر، والإنسان في هذا العالم المتشيّيء لا يكون إنساناً إلّا بقدر ما يمتلك من أشياء وإلّا بقدر ما يستهلك.

وفي النظام الرأسماليّ - كما يعلمنا ماركس - تشتدّ وتائر التشيّؤ ووطأة التّسليع، ويرتفع منسوب الافتتان بالسلع عند الأفراد في المجتمع. وفي حمأة هذا التشيّؤ يرتبط سلوك الأفراد بالسلع في عالم تعرض فيه الموجودات كلّها بوصفها سلعاً: الأدب والفنّ والمرأة والقيم والتّعليم والإعلام والصّحافة، وكلّ شيء معنويّ أو مادّيّ يخضع لقانونيّة السّوق أي قانونيّة البيع والشّراء. وهذا يعني أنّ علاقات السّوق تتغلغل في سلوك الأفراد، وترسم حدود علاقاتهم الإنسانيّة وتفاعلاتهم الاجتماعيّة، ويتخطّى هذا الأمر الجوانب الاقتصاديّة والمادّيّة إلى الجوانب الإنسانيّة والروحيّة(47). والطّريف أنّه في أدبنا العربيّ القديم صور مضحكة يمكن اعتبارها من وجوه التّشيّؤ. ونسوق مثالين اثنين من «مقامات بديع الزّمان الهمذانيّ» (من القرن الرّابع للهجرة): البدويّ السّاذج الّذي اعترضه المتحيّل في السّوق وعدّه فرصة وفريسة (المقامة البغداديّة)؛ والبطل نفسه حين تخاصم بشأنه صاحبا الحمّام، كلّ منهما يريد دلكه، لأنّه يمثّل عائدا ماليّا (المقامة الحلوانيّة). وعلى هذه الصّورة تتغلغل القيم السوقيّة في المجال الإنسانيّ وتتحوّل الظواهر الإنسانيّة إلى قيم مُتشيّئة، وتغرق الحياة البشريّة في مستنقع الاستلاب الّذي يضرب مختلف جوانب الحياة: الفكر والطبّ والتّعليم والفنون والسّياسة وغيرها. وأخيرا نختتم بالقول مع الحكيم الهندي الكبير طاغور(Rabindranath Tagore)(48): " إنّ الحضارة المادّيّة ستخسر كلّ شيء إذا فقدت روحها، وإنّ البشريّة ستصبح مهدّدة بالفناء في ظلّ جسد بلا روح. وعندما تصبح الحضارة بلا قلب فإنّها ستفقد أهمّ مقوّمات الحياة(49).

***

د. علي أسعد وطفة

.......................

مراجع الدراسة وهوامشها:

(1)- Eric Hobsbawm,. How to Change the World: Reflections on Marx and Marxism. New Haven: Yale University Press, 2011. P.15.

(2) - فرانسيس وين، رأس المال: سيرة كتاب، ترجمة ثائر ديب (فواصل للنشر والتوزيع، اللاذقية، 2019).

(3) - خليل صويلح، "ماركس: كارل سعوديّاً! "، الأخبار، الثلاثاء 9/9/2008، شوهد في 20/5/2024 https: //al-akhbar. com/Literature_Arts/156455

(4)- Henri Lefebvre, Le Marxisme (Paris, Presses Universitaires de France, 1948).

(5)- Eric Hobsbawm, "A Life in History", interview published in The Guardian (London, The Guardian, 16 January 2011).

(6)- Jacques Attali, Attali, Karl Marx, More Relevant Than Ever (https: //www. attali. com, 2018).

(7)- جلال أمين، " العولمة والهويّة الثّقافيّة والمجتمع التكنولوجي الحديث"، ورقة مقدّمة إلى مؤتمر "العولمة وقضايا الهويّة الثّقافيّة" - المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة في الفترة بين 12-16 نيسان /أبريل 1998.

(8)- Karl Marx, Capital: A Critique of Political Economy, Volume I: The Process of Capitalist Production. (New York: Cosimo, Inc. , 2007), p. 837.

(9) (- قانون "نفي النفي" (The Law of the Negation of the Negation): هو أحد القوانين الثلاثة الأساسية لجدلية (الديالكتيك) كما صاغها هيغل وطوّرها كارل ماركس في سياق المادية الجدلية، إلى جانب قانون تحوّل الكم إلى كيف، وقانون وحدة وصراع الأضداد. ويُشير هذا القانون إلى أنّ: كل ظاهرة أو مرحلة تحمل في داخلها تناقضًا داخليًا يؤدي إلى زوالها أو نفيها. لكن هذا النفي لا يكون محض إلغاء، بل يَخلق مرحلة جديدة تتجاوز المرحلة السابقة، محتفظة ببعض عناصرها ومُتقدّمة عليها. ثم يأتي نفي ثانٍ لهذه المرحلة الجديدة، أي "نفي النفي"، ليؤدي إلى طور ثالث أعلى وأرقى.

(10) (- تروتسكي (Trotsky) هو نسبة إلى ليون تروتسكي (Leon Trotsky)، وهو مفكر ومناضل ثوري ماركسي روسي (1879–1940)، وأحد القادة البارزين في الثورة البلشفية سنة 1917 إلى جانب فلاديمير لينين. ويطلق مصطلح "التروتسكية" (Trotskyism) على المدرسة الفكرية الماركسية التي تستند إلى أفكار تروتسكي، خاصةً: نظرية الثورة الدائمة (Permanent Revolution): التي تقول إن الثورة الاشتراكية لا يمكن أن تكتمل في بلد واحد، بل يجب أن تنتشر عالميًا.

(11)- Alan Woods, The Relevance of Karl Marx's Ideas Today, (In Defence of Marxism, 2014), accessed April 20, 2025, from https: //www. marxist. com/2014-11-26-11-59-32. htm.

(12) (- جويس أبلبي، سراب السلطة: أصول النزعة الفردية في الفكر الغربي، ترجمة: مازن مرزوق، (الرياض: مكتبة العبيكان، 2014).

(13)- Michel Onfray, Décadence: De Jésus à Ben Laden, vie et mort de l'Occident (Paris: Flammarion, 2017).

(14)- Pierre Toubia, The Great Explosion: Report on the Collapse of the West, 1999–2002. (Paris: Éditions du Rocher, 1995).

(15) - Charles Baudelaire, Le public moderne et la photographie, in Curiosités esthétiques (Paris: Michel Lévy frères, 1859).

(16) - Oswald Spengler, The Decline of the West, trans. Charles Francis Atkinson (New York: Alfred A. Knopf, 1926).

(17) - أسوالد أشبنغلر، تدهور الحضارة الغربيّة، ترجمة أحمد الشيباني، (دار مكتبة الحياة، بيروت: 2010).

(18)- John Richard Hicks. Value and Capital: An Inquiry into Some Fundamental Principles of Economic Theory (Oxford, Clarendon Press, 1939).

(19)- جون ماينارد كينز، النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود، ترجمة: أحمد فؤاد بلبع (القاهرة: دار النهضة العربية، 1969).

(20) - John Maynard Keynes. The General Theory of Employment, Interest and Money. (London, Macmillan, 1936).

(21)- فرانسيس وين، رأس المال: سيرة كتاب، ترجمة ثائر ديب (فواصل للنشر والتوزيع، اللاذقية، 2019).

(22)-Joseph A. Schumpeter, Capitalism, Socialism and Democracy (New York, Harper & Row, 1942).

(23)- George Soros, The Crisis of Global Capitalism: Open Society Endangered (New York, Public Affairs, 1998)

(24)- John Buchan, Frozen Desire: An Inquiry into the Meaning of Money. (London, Picador, 1997).

(25)- John Micklethwait and Adrian Wooldridge, A Future Perfect: The Challenge and Hidden Promise of Globalization (New York, Crown Business, 2000).

(26)- فرانسيس وين، رأس المال: سيرة كتاب، مرجع سابق.

(27)- James B. Davies, Susanna Sandström, Anthony Shorrocks, and Edward N. Wolff, The World Distribution of Household Wealth (Helsinki: United Nations University – World Institute for Development Economics Research (UNU-WIDER), 2008).

(28)- Jorgen Randers, 2052: A Global Forecast for the Next Forty Years. (Vermont: Chelsea Green Publishing, 2012).

(29)- James B. Davies, Susanna Sandström, Anthony F. Shorrocks, and Edward N. Wolff. The World Distribution of Household Wealth. (Helsinki, UNU-WIDER, 2008).

(30)- النّيوليبراليّة (Neoliberalism): فلسفة اقتصادية وفكر سياسي، نشأت في النّصف الثّاني من القرن العشرين، وتستند إلى فكرة أنّ الأسواق الحرّة – أي تقليص تدخّل الدّولة في الاقتصاد – هي الأساس الأمثل لتحقيق التّنمية الاقتصادية والرّفاه الاجتماعي. تتميّز النّيوليبراليّة بتقليص دور الدّولة في الشّؤون الاقتصادية، مع التّركيز على تعزيز الخصخصة وتحرير الأسواق وتخفيض الضّرائب وتقليل الإنفاق الحكوميّ على الرّفاه الاجتماعي

(31) - إيغلتون، تيري. لماذا كان ماركس على حقّ؟ ترجمة غانم هنا بيروت: دار الكتاب العربي، 2013. . ص 13.

(32)- إيغلتون، تيري (لماذا كانَ ماركس عَلى حقّ؟ مرجع سابق. ص 15.

(33)- Adom Chari, Empty Labor: Idleness and Workplace Resistance (Durham, NC, Duke University Press, 2010).

(34)- Michael J. Thompson, "Reification as an Ontological Concept", Metodo, Vol. 9, no. 2 (2021), (pp. 417–445).

(35)- Val Burris ,Reification: A Marxist Perspective, Op. cit.

(36)- Val Burris ,Reification: A Marxist Perspective, Op. cit.

(37)- جاك إيلول (1912 –1994) عالِم لاهوت وعالِم اجتماع وفيلسوف فرنسيّ، وكان كاتباً غزير الإنتاج وناقداً دقيقَ الملاحظة بشأن الدّور الذي تلعبه التكنولوجيا في الحياة الحديثة؛ وهو صاحب العديد من الكتب التي تناولت تأثيرات التكنولوجيا، من بينها «المجتمع التكنولوجي»، وهو أحد أعماله التي يُنقل عنها أكثر من غيرها. نُشِر الكتاب في فرنسا أوّل مرّة في 1954، وصدرت التّرجمة الإنجليزيّة في 1964

(38)- Jacques Ellul, The Technological Society (New York, Alfred A. Knopf, 1964).

(39)- Jacques Ellul, The Technological Society , ibid , P. 5.

(40) - سعيد عبيدي، " تشيُّؤ الإنسان"، أفكار، 3/5/2024: ttp: //www. afkar. jo/View_Articlearaspx?type=2&ID=3801

(41)- إريك فروم، الإنسان بين الجوهر والمظهر، ترجمة: سعد زهران، (الكويت، المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، 1989).

(42)- Fromm, Erich. Escape from Freedom, (New York: Farrar & Rinehart, 1941).

(43)- عبد الله الخياري، عودة ماركس. هسبريس،8/7/ 2018، شوهد في 23/5/2023 https: //tinyurl. com/3jv664kt.

(44)- فرانسيس وين، رأس المال: سيرة كتاب، مرجع سابق.

(45) - ستيفن إريك برونر، النّظريّة النّقديّة: مقدّمة قصيرة جدًّا، ترجمة سارة عادل، مراجعة مصطفى محمّد فؤاد (القاهرة مؤسّسة هنداوي للنشر والتوزيع، 2016). ص 45.

(46) – أنجيل الشاعر، الاستلاب في ظلّ العولمة: كيف أفقر الإنسان نفسه؟، حفريات، 29/10/2023. شوهد في 20/4/2025. https: //bitly. ws/3frRI

(47) - وحيد عبد المجيد، " الرّأسماليّة وظاهرة التّشيّؤ في المجتمعات الحديثة" آفاق اجتماعية، 19/9/2021. شوهد في 20/4/2025 https: //idsc. gov. eg/Article/details/5967 ص 4.

(48)- رابندرانات طاغور (Rabindranath Tagore): شاعر وفيلسوف وموسيقار ومسرحي ومصلح اجتماعي هندي، وُلد في 7 مايو 1861 وتوفي في 7 أغسطس 1941. يُعدّ أحد أعظم أدباء الهند في العصر الحديث. حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1913 عن ديوانه الشهير "جيتانجالي" (Gitanjali)، ليكون أوّل آسيوي ينال هذه الجائزة. لُقّب بـ "شاعر الهند الكبير. ومن أقواله الشهيرة: "لقد بكيت لأنني لم أكن أملك حذاء، حتى رأيت رجلاً بلا قدمين. "

(49)- مجدي عزيز إبراهيم، المنهج التّربويّ العالميّ: أسس تصميم منهج تربويّ في ضوء التّنوّع الثّقافيّ، (القاهرة، مكتبة الأنجلو المصريّة، 2001)، ص 232.

مقدمة: تشهد البلدان التي ترسخت فيها الديمقراطية خصوصا الأوروبية منها والولايات المتحدة الأمريكية مشكلات بنيوية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وتشهد كذلك حالة من تراجع الثقة بالعملية الديمقراطية ومؤسساتها وبالأحزاب والنخب السياسة. أما البلدان النامية التي تُعد تجربتها في تبني النظام الديمقراطي في العموم قصيرة، فهي تواجه مشكلات أكثر تعقيدا في هذا السياق، كل ذلك دعا كثيرا من المفكرين والباحثين الغربيين وغير الغربيين إلى إطلاق مفهوم "أزمة الديمقراطية" في البلدان الرأسمالية. لذلك، نُشر عدد غير قليل من الكتب باللغة الإنكليزية ولغات أخرى تعالج هذه الموضوعة، منها، على سبيل المثال، "السوق الديمقراطية: كيف يمكن لاقتصاد أكثر مساواة أن ينقذ مُثُلنا السياسية؟" (2025) و"الديمقراطية الأوروبية في أزمة" (2018) و"الأزمة ونوعية الديمقراطية في أوروبا الشرقية"(2012)، و"أزمة الديمقراطية الأمريكية" (2006)، إضافة إلى الدراسات والبحوث والمقالات ذات العلاقة، علما أن الجزء الأكبر من هذه المشكلات نشأ تاريخيا نتيجة الترابط الذي أريد له أن يكون بين الديمقراطية والرأسمالية، وكأن لا ديمقراطية بدون رأسمالية، وأسباب ذلك مفهومة. والمفارقة أنه على الرغم من الأزمة التي تعيشها الأنظمة الديمقراطية، والتي ساهمت في صعود الأحزاب والشخصيات الشعبوية واليمينية الفاشية المتطرفة، - تعتبر النظرية الماركسية عادة أن الرأسمالية أو الليبرالية هي منشأ الفاشية -، إلا إننا نلاحظ ضعف اليسار عموما رغم ما حققه من نجاحات صعودا وهبوطا في الفترة الأخيرة.

أما تصدير الديمقراطية على النمط الغربي أو "دمقرطة"، البلدان النامية سلما أو حربا والذي تتحمس له بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة، دون الأخذ في الاعتبار التباينات في البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فسنجد مصالحا اقتصادية وسياسية لهذه الدول تقف من ورائه.

هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أن الأنظمة المستبدة هي بديل الديمقراطية؛ إذ على الرغم من المشكلات التي تظهر في سياق العملية الديمقراطية، لكن يمكن معالجتها بإحداث تغييرات جذرية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تكون ساندة لهذا التغيير، وفي المقدمة منها الحد من تعمق التفاوت الطبقي وتحقيق العدالة الاجتماعية، وكذلك فك الارتباط بين الديمقراطية والرأسمالية.

وفي هذا الصدد يشير رالف ميليباند: "يمكننا القول ان الديمقراطيات الرأسمالية اقل الانظمة التسلطية قسوة، ولكن حقيقة كون سجلات الديمقراطيات الرأسمالية فيما يخص الحقوق المدنية والسياسية افضل من سجلات الانظمة التسلطية يجب ان لا تنسينا المظالم التي تشكل جزءاً من الحياة اليومية لكثير من الناس الاشد فقرا في هذه المجتمعات"(1).

سنتعرف في هذه المقالة على بعض الجوانب النظرية التي تخص الديمقراطية وأزمتها والتي تفيدنا في التحليل، ثم نستعرض المشكلات التي تعيشها الديمقراطيات الرأسمالية، وتطبيقا لذلك، نتطرق إلى البلدان الأوروبية والولايات المتحدة والبلدان النامية، وأخيرا نستعرض تجربة العراق في زرع ديمقراطية مشوهة بواسطة الاحتلال وما تمخض عنه من مشكلات معقدة ما زال العراق يدفع ثمنها.

بعض المفاهيم النظرية

توجد كثير من المفاهيم النظرية المتعلقة بالديمقراطية، لكن نستعرض هنا ما يتعلق بموضوعنا قدر الإمكان. من الملاحظ، ظهرت الفكرة الحديثة للمبادئ الدستورية كاستجابة للاستبداد. وكان العنصر الأكثر أهمية وما زال هو أن السلطة السياسية لها حدودها، لا يمكنها ممارسة الحكم بطريقة تعسفية. لذلك ليست السلطة هي التي تصنع القانون، لكن على العكس السلطة تستند إلى القانون(2) .

عرّف كولن كراوتش مفهوم "ما بعد الديمقراطية" باعتباره حالة تتراجع فيها جودة الديمقراطية على الرغم من بقاء المؤسسات الديمقراطية الأساسية سليمة ظاهريا. ففي هذه المرحلة، يرى كراوتش أنه لم يعد للمواطنين المكانة التي يستحقونها في ظل الانتخابات الديمقراطية، وبهذا، أصبحت القرارات تُتخذ في الشركات العالمية المرتبطة بالنخب السياسية(3)، أي هناك ترابط وتخادم في المصالح، خصوصا في مرحلة الليبرالية الجديدة والعولمة.

طور العلماء الماركسيون نقدا أكثر منهجية للرأسمالية الأنكلوسكسونية؛ إذ في نظرهم لا يوجد شيء غير تعمق عدم المساواة وتمتع أصحاب رأس المال بحقوق الملكية على حساب أصحاب المصلحة الآخرين في الشركات. وأشار النقد إلى أن أنماط "الديمقراطية الاجتماعية" مرتبطة بالرأسمالية الراينية(4) Rhenish capitalism وأشاروا كذلك إلى أن إدخال نظام أصحاب المصلحة في حوكمة الشركات في الاقتصادات الأنكلوسكسونية من شأنه أن يؤدي إلى تأثيرات مماثلة. علما أنه بحسب كارل ماركس كانت الرأسمالية الشركاتية corporate capitalism المنظمة للغاية بمثابة اشتراكية داخل الرأسمالية ــ نوع من تأميم الرأسمالية، حيث أصبح الملاك الغائبون أكثر فأكثر غير ضروريين(5).

إن ما يُعدّ أزمة تمر بها الديمقراطية الليبرالية المعاصرة الناتجة من ترابط تقليدين هما التقليد الديمقراطي والتقليد الليبرالي مع انتشار الشعبوية اليمينية في البلدان الغربية ليس بظاهرة جديدة كليا، بل هو من تجليات ما يمكن تسميته أزمة دائمة للديمقراطية في ظروف جديدة(6). وهي في الوقت نفسه أزمة الرأسمالية كنظام التي تكرر بشكل دوري كما حللها ماركس بعمق.

يقترن مفهوم الديمقراطية التوافقية بعالم السياسة الأمريكي (من أصل هولندي) أريند ليبهارت الذي بدأ محاولته بمناقشة النظرية الديمقراطية وتطبيقاتها في كتاب نشره بعنوان "سياسات الاستيعاب". وقد خصص حيزا مهما لمناقشة التقسيم الذي قدمه عالم السياسة الأمريكي غابرييل ألموند للنظم الديمقراطية، من أجل محاولة تطوير نظرية للديمقراطية في المجتمعات "المنقسمة"، تقوم على ما سمّاه "سياسات الاستيعاب". وتقوم الديمقراطية التوافقية، بحسب ليبهارت، على "تحالف النخب"، الممثّلة لجماعاتها الإثنية أو الدينية أو العرقية(7). وقد تعرضت هذه النظرية للنقد على اعتبار أنها تُسهم في تقسيم المجتمعات عموديا خصوصا في البلدان النامية.

كما يشير تحليل ماركس لنمط الإنتاج، إنه كلما زاد إنتاج العامل في نظام الإنتاج الرأسمالي، صار أكثر اغترابا عن منتجه ما دام هذا المنتج ليس له بل للرأسمالي، وباستخدام المقاربة ذاتها، يمكن القول أنه كلما اندمجت الأقليات في "النظام" السياسي التوافقي، اغتربت عن هويتها ما دامت لم تُنتَج للأقليات بل أُنتجت لـ "النظام" الذي يطلب منها(8). وهذا ينطبق بجلاء على الوضع في العراق كما سنرى.

مشكلات الديمقراطية الرأسمالية

استقطبت مشكلات الديمقراطية دوائر البحث الأكاديمية والرسمية والإعلامية والشعبية، وانتجت عددا غير قليل من الأدبيات التي تعالج هذه الموضوعة، خصوصا في البلدان الرأسمالية المتطورة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة.

يُحذر المنظرون السياسيون والفلاسفة السياسيون اليساريون من إفقار الديمقراطية وانتهاكها. وقد حثوا على "تعميق الديمقراطية" و"دمقرطة الديمقراطية" منذ أفلاطون. ونالت الديمقراطية التمثيلية نصيبها من البحث خلال القرن العشرين. وكان خطاب الأزمة مترافقًا على نحو منتظم مع التطورات الجديدة التي تشهدها الديمقراطية. فخلال الحربين العالميتين، تعرضت الديمقراطية لانتقادات، بسبب التمسك بالشكليات والنزعة النخبوية، إضافة إلى تدني الثقافة السياسة الديمقراطية، وحتى الجنوح الأخلاقي. فقد مثّل انهيار جمهورية فايمار وصعود هتلر مؤشرات على أن الأزمة السياسية مرتبطة بالضعف الداخلي للديمقراطية(9).

وينبه ميليباند:"بداية، ان الرأسمالية، خلال الجزء الاكبر من تاريخها، لم تكن مرتبطة بالديمقراطية بأي معنى من المعاني، وان جميع المحافظين والليبراليين المدافعين عن النظام الرأسمالي كانوا دوما مصممين على مقاومة تقدم الشكل الديمقراطي... لقد احتاجت الرأسمالية في البداية حريات معينة من أجل ان تتطور. وقد ارتبط هذا تاريخيا بمطالبة البرجوازية بهذه الحريات من اجل كبح الاستبداد وحماية الافراد، وخاصة ذوي الملكيات، حمايتهم من ابتزاز الدولة ورقابتها. ورغم اهمية هذه الحريات إلا انها ابقت سواد الشعب تحت ظروف قاسية من الكبت الاقتصادي والسياسي. وكانت هذه الديمقراطية، بالشكل الذي تحققت فيه، ديمقراطية تقتصر على من يملك ثروة". ويضيف "إن فكرة كون المجتمعات الرأسمالية ديمقراطية تنتمي الى اساطير السياسة، وليس الى واقع هذه المجتمعات"(10) التي تعيش مشكلات كثيرة اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية مترابطة.

في العقود الأخيرة، أحدثت قوة الرأسمالية العالمية تحولات أثرت في الديمقراطية، وغيرت طبيعة المجتمع السياسي، ومؤسساته، وأحدثت تحولات في شروط السياسة الديمقراطية والحوكمة. فقد فاقمت العولمة الاقتصادية التوتر بين الديمقراطية، كنظام حكم متجذر إقليميًا وعمليات الأسواق العالمية وقوة الشركات وشبكاتها العابرة للحدود الوطنية. وفقدت الحكومات قدرتها على تنظيم القوى العابرة للحدود الوطنية وفقا لما يفضله مواطنوها، كذلك هددت جوهر الديمقراطية، أي أن الاستقلال أصبح معرضا للخطر بشكل واضح(11). وهذا جلي بالنسبة إلى البلدان النامية التي فرضت عليها الليبرالية الجديدة.

وترى ليزا هيرزوغ مؤلفة كتاب "السوق الديمقراطية" (2025)، نحن لسنا مواطنين ولكننا أقنان في نظام إقطاعي، نحن نعتمد على اقتصاد قسري ونخشى الانهيار بسبب فقدان الوظائف. لذلك ليس من المستغرب أن يعلق الناخبون العاجزون آمالهم على الشعبويين(12) الذين يعلقون جميع الأشكال الجادة للسلطة مثل العدالة والصحافة والعلوم(13).

ويذكر توماس بيكيتي أن "الديمقراطية الحقة والعدالة الاجتماعية تستلزمان وجود مؤسسات بعينها، وهي ليست مؤسسات السوق، ولا يمكن أيضا اختزالها في المؤسسات البرلمانية والديمقراطية الرسمية"(14). إن منح حق الاقتراع للجميع، وإنهاء الامتياز الانتخابي، قد قضى على الهيمنة السياسية القانونية من قِبل حائزي الثروات. ولكنه مع ذلك لم يهدم بحد ذاته القوى الاقتصادية التي من شأنها أن تؤدي إلى مجتمع من أصحاب الريوع(15).

وثمة نقطة هامة وهي: دون شفافية حقيقية في الحسابات وفي الأمور المالية، ودون معلومات متاحة، لن توجد ديمقراطية اقتصادية. وبالمقابل، لن تفيد الشفافية في شيء إذا لم يتوفر حق التدخل في القرارات (مثل حقوق التصويت للعاملين في مجالس الإدارة). ويُفترض بالمعلومات أن تغذي المؤسسات المالية والديمقراطية، حتى تتمكن الدمقراطية يوما ما من استعادة لجام الرأسمالية(16). وهذه النقطة لها علاقة بالتهرب الضريبي الذي تمارسه خصوصا الشركات الكبرى.

وثمة من يرى أن الترابط التاريخي بين الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية وفر للثانية التبرير السياسي وحمى الأسواق الرأسمالية من تهديد بقايا الاقطاع والطبقة العاملة. ويُظهر هذا الترابط التاريخي، بأن الديمقراطية الليبرالية على الأقل سمحت بحرية واسعة للأسواق، لكن يمكن لها أيضا أن تقمع الحريات الفردية والجماعية(17)، وهذا حدث مثلا عبر استعمار البلدان النامية ودعم الأنظمة المستبدة فيها من قبل دول تدعي إنها ديمقراطية.

تُعد الديمقراطية التمثيلية، باعتبارها حكم مجموعة صغيرة، الشكل الأكثر انتشارا في الغرب. وقد جرى نقدها، كونها تستبعد حكم الشعب وتقود من ثمّ إلى الاستبداد، ما يشكل انحطاطا للديمقراطية. وفي هذا الصدد، تعرّض مفهوم الديمقراطية لتغيير دلالي مستمر، وذلك من خلال شموله أفكارا عن المستقبل. وفي إطار عقلنة المفاهيم الديمقراطية، يقر كلاوس فون بايمه بوجود فجوة بين المشاركة الديمقراطية والناتج العقلاني للقرارات الديمقراطية المتخذة، حيث لم تعد المشاركة أمرا مهما كما هو الحال في النظريات الديمقراطية المعيارية، إضافة إلى تشكيك العقلانية في قدرة الديمقراطيات على التوفيق بين مطالب المواطنين(18). وهذا ناتج من تراجع العدالة الاجتماعية مفهوما وتطبيقا وإلقاء اللوم على قدرات الأشخاص وتقاعسهم فيما يعيشونه من ظروف صعبة وليس على بنية النظام السياسي.

لم تُعد الحكومة البرلمانية تلبي أو تلبي بطريقة غير مكتملة، في الظروف الجديدة التي أوجدها التحول الاجتماعي - الاقتصادي لعملها، حاجات الشعوب السياسية التي انبثقت منها، أما لأنها توحي إليها أنها لا تتلاءم مع أمنياتها وأما لأنها تعطيها الشعور بأنها عاجزة عن الحكم، وإما الاثنين معا(19).

وقد تتبع باحثون الأسباب الرئيسة لما بدا وكأنه انحدار تدريجي للديمقراطية، ولخصوا بعض الملامح البنيوية التي دعمت في الأصل الديمقراطية، لتكون ناجحة خلال 25 سنة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وبعد ذلك أصبحت مولدة لنظام "الديمقراطية اللاأدرية"(20).

أفصحت التحديات في البلدان المذكورة عن وجود ما سمي بأزمة الديمقراطية، ومن مظاهرها انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات، وتراجع عضوية الأحزاب والنقابات، وتدهور مكانة السياسيين في المجتمع، وقلة الثقة بالمؤسسات العامة، وازدياد الشعور بأن السياسة هي نشاط يتسم بالخداع وخدمة المصالح الشخصية، وكان من شأن ذلك ابتعاد الشباب عنها وانخراطهم في الأنشطة والحركات الاجتماعية(21) التي كثرت في السنوات الأخيرة خصوصا في أوروبا.

يوضح ما ورد في التقرير السنوي لوحدة معلومات مجلة الإيكونوميست عام 2016 من أن الديمقراطية في حالة تردٍ، وأنه في هذا العام تراجع الالتزام بالقيم الديمقراطية في 72 دولة، وأن عدد الدول التي شهدت مثل هذا التراجع يفوق تلك الدول التي شهدت تحسنا بنسبة 2 إلى 1(22).

وأشار التقرير السنوي لهيئة "فريدم هاوس" الأمريكية عام 2017 إلى أن مستقبل الديمقراطية في العالم مظلم، وأن خصوم الديمقراطية يتقدمون باطراد لإقامة النظم السلطوية؛ مما يجعل الدول الديمقراطية المتقدمة تواجه أكبر تحد لها منذ نهاية الحرب الباردة. وأشار التقرير الى أن عام 2017 كان العام الثاني عشر على التوالي الذي تشهد فيه النظم الديمقراطية تراجعا، وأشار أيضا إلى خطورة تنامي الاتجاهات غير الليبرالية في عدد من الدول خصوصا في شرق أوروبا(23)، وتقدم الأحزاب القومية ذات التوجه اليميني المتطرف مثل ما حدث هنغاريا.

بالنسبة إلى المجتمعات الهشة التي تعاني انقساما عموديا في بنيتها الاجتماعية، فإن الأحزاب السياسية في هذه المجتمعات غالبا ما تكون أحزابا ممثلة لمكوناتها الطائفية والإثنية وليست أحزابا سياسية وطنية عابرة للمكونات. وفي النتيجة، فليس ثمة من يمثّل الأقليات في بنية تلك الكتل الحزبية، حتى لو وجد بعض مرشحي الأقليات فيها؛ فوجود هؤلاء متماه تماما مع سياسة تلك الكتل؛ نظرا إلى أن الممارسة الانتخابية هي، في الغالب، ممارسة تستند إلى المكونات تصوت فيها الجماهير لممثلي مكوناتها وليس لبرامج سياسية(24). وهذا ما أريد له أن يُطبق في العراق لخدمة المصالح السياسة والاقتصادية والاجتماعية للأحزاب والكتل المتنفذة وارتباطاتها الإقليمية العالمية.

البلدان الأوروبية

بحسب هاوك برونكهورست خلال الثلاثين عاما الماضية من الهيمنة العالمية لليبرالية الجديدة، تحول التوازن الهش بين الديمقراطية والرأسمالية على نحو دراماتيكي لصالح الرأسمالية. وخلال الفترة نفسها من العولمة تحولت أقوى الدول في التاريخ - الديمقراطيات الغربية - إلى وكالات لتحصيل الديون لصالح الاوليغارشية العالمية من المستثمرين(25)، وهذا يعكس الطابع الطبقي للدولة كما حللته الماركسية بعمق.

مع تصاعد حالة عدم الاستقرار الاقتصادي وتباطؤ النمو الاقتصادي من ناحية، وأزمة نموذج الرفاه الاجتماعي من ناحية التكاليف والبيروقراطية، من ناحية أخرى، كان هناك تصاعد في الهجوم على دولة الرفاه الاجتماعي وتدهور في السياسة المالية والاجتماعية للدولة. هذه التغييرات تعني في الوقت نفسه التحول إلى الليبرالية الجديدة في السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية على المستوى العالمي، والأوروبي ومستوى الدولة - الأمة. إضافة إلى ذلك، جرى دعم التحول إلى الليبرالية الجديدة بواسطة سقوط جدار برلين الذي حرر الديمقراطيات الغربية من الحاجة لدعم شرعيتها عبر إعادة توزيع الرفاه الاجتماعي على نحو فعال(26). وهذا يرتبط بحقيقة معروفة أن تبني نموذج الرفاه الاجتماعي في الدول الأوروبية كان من دوافعه الأساسية منافسة البلدان الاشتراكية في نموذج الضمان الاجتماعي والاقتصادي الذي توفره لمواطنيها.

نتج عن التحول الذي حدث في الرأسمالية الليبرالية نحو الليبرالية الجديدة الأزمة العالمية الحالية وأزمة منطقة اليورو. ويستند هذا الطرح على فكرة تقول أن إجراءات التقشف التي تمثّل آلية الليبرالية الجديدة لا تستطيع التغلب على الأزمة، والعودة إلى دولة الرفاه الاجتماعي، هذا يعني ضرورة إحداث أشكال جديدة من الرفاه الاقتصادي واستراتيجيات سياسية للتنمية. هذا ليس مهم فقط للتغلب على الأزمة، لكن أيضا لتقليص التفاوت المفرط على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي، وحماية حقوق الإنسان والحق بحياة كريمة لكل شخص.

تضع أزمة منطقة اليورو وإجراءات التقشف في خطر توقعات الرفاه الاجتماعي لمواطني البلدان الأوروبية، ومن ثم تهدد الشعور بالانتماء إلى الاتحاد الأوروبي، وعموم هويته السياسية. ويتطلب التغلب على الأزمة والتحول إلى الانتعاش، وتنظيم الحكم إحياء أفكار "أوروبا الاجتماعية" وممارساتها، وعكس إجراءات التقشف(27) للتخفيف عن كاهل الفئات محدودة الدخل.

وترى المنظّرة نانسي فريزر وهي من أهم ممثلي الجيل الثالث للنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، أنّ "فهم أزمة الديمقراطية، مثلا، لا يكون إلاّ بفهم أشمل للأزمة الاجتماعية الكلية، وبالارتباط الوثيق بالسيرورة الاقتصادية والاجتماعية للنظام الرأسمالي النيوليبرالي القائم على الأمولة العابرة للحدود الوطنية"(28).

الولايات المتحدة الأمريكية

أحد الملامح المتميزة للحياة السياسية الأمريكية يتمثّل في إضفاء الطابع المؤسسي لنظام الحزبين لنحو 155 عاما تقريبا. لم يُمكّن تاريخيا الضعف الكبير للحركة العمالية الأمريكية من تأسيس حزب سياسي مستقل خاص بها. وبقيت الحياة السياسية تحت هيمنة حزبين برجوازيين، هما الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري، وخلال ذلك جرت السيطرة على المصالح السياسية للطبقة العاملة واحتوائها لفترة أكثر من قرن.

ولتقصي التطور التاريخي لكلا الحزبين، ينبغي القول وبوضوح تام بأن مركز ثقل سياسة البرجوازية الأمريكية تحول بشكل جذري نحو اليمين. في حين أن الليبرالية الاجتماعية واتجاهها الذي ساد أكثر من نصف قرن توقف نشاطها فعليا. هذا الاتجاه ينبغي أن يُفسر في النهاية من وجهة نظر الأسباب الموضوعية. وعلى الرغم من كل الضجة التي أحاطت بقوة الرأسمالية الأمريكية، فإنها أصبحت أقل قدرة على تلبية مطالب الإصلاح الاجتماعي من قبل الطبقة العاملة(29). وهذا واضح من تراجع القوة الاقتصادية للولايات المتحدة وصعود قوى منافسة قوية مثل الصين، وما إجراءات ترامب في فرض رسوم جمركية عالية على الدول الأخرى إلا محاولة لتقليل هذا التراجع لا عكس اتجاهه.

وبدون تقديم أي شيء يتعلق بالإصلاحات الاجتماعية، يستمر الحزب الديمقراطي بتقديم نفسه بأنه المدافع عن مصالح العاملين الأمريكيين. ومن جهة أخرى، أصبح الحزب الجمهوري، على نحو أكثر وضوحا، منظمة لليمين المتطرف. إذ أن الجشع الجامح للشرائح التي لا ترحم من النخبة الحاكمة التي تشمل أولئك الأشخاص الذين استمدوا ثروتهم من طفرة السوق في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، يجد تعبيره الأكثر مباشرة في انتماء هؤلاء للحزب الجمهوري(30)؛ لأنه من الناحية الموضوعية يدافع عن مصالحهم الطبقية.

على الرغم من نجاة الديمقراطية الأمريكية من رئاسة ترامب الأولى، إلا أنها أصيبت بجروح بالغة بسببها؛ إذ في ضوء إساءة استخدام ترامب الشنيعة للسلطة، ومحاولته سرقة انتخابات في عام 2020 وعرقلة الانتقال السلمي، والجهود الجارية على مستوى الولايات لتقييد الوصول إلى صناديق الاقتراع، خفضت مؤشرات الديمقراطية العالمية سلم الولايات المتحدة بشكل كبير منذ عام 2016. واليوم، فإن نتيجة الولايات المتحدة في مؤشر الحرية العالمي لفريدوم هاوس أصبحت على قدم المساواة مع بنما ورومانيا، وأقل من الأرجنتين وليتوانيا ومنغوليا.

يبدو أن الولايات المتحدة تتجه نحو نظام غير مستقر. ومن شأن مثل هذا السيناريو أن يتسم بأزمات دستورية متكررة، بما في ذلك انتخابات متنازع عليها أو مسروقة وصراع حاد بين الرؤساء والكونغرس، والقضاء (مثل الجهود الرامية إلى تطهير المحاكم أو اختيارها)، وحكومات الولايات (مثل المعارك الضارية حول حقوق التصويت وإدارة الانتخابات). ومن المرجح أن تنتقل الولايات المتحدة ذهابا وإيابا بين فترات الديمقراطية المختلة وفترات الحكم الاستبدادي التنافسي التي يسيء خلالها شاغلو المناصب استخدام سلطة الدولة، ويتسامحون مع التطرف العنيف أو يشجعون عليه، ويعملون ضد منافسيهم في العملية الانتخابية(31)، مثلما حدث عندما اقتحم انصار ترامب الكونغرس لتعطيل التصويت على نتائج الانتخابات السابقة، وهو ما عد محاولة انقلابية غير مسبوقة مدفوعة من ترامب لتبرير فشله في الفوز بولاية ثانية في وقته.

البلدان النامية

تتوفر الديمقراطية الرأسمالية (التمثيلية) بصفة عامة على الصفات الآتـية في بلدان العالم الثالث: تشكيل حكومات أقلية في تناقض صارخ مع مبدأ الأغلبية، وفشلها في تعبئة الناس للمشاركة الواسعة في العملية السياسية. وتشجيع الرجعية على المستوى الوطني والعالمي، واجهاض التغيير والثورة من اجل المساواة. وتفاقم الفجوة بين الغني والفقير باسم الديمقراطية. وتشترك الحكومات التمثيلة والدكتاتوريات العسكرية التي اعقبت بعضها البعض على نحو متواتر ومذهل في خداع الجماهير من أجل إبقاء الأخيرة خارج السلطة الاقتصادية والسياسية لإبقاء الوضع الراهن المتسم بالفظاعة. وتحت مسمى مناهضة الشيوعية، قُمعت واستغلت الجماهير العزلاء. لقد صورت الاشتراكية على أنها أكثر أنواع الأنظمة دكتاتورية التي عرفها الإنسان، بينما في الممارسة العملية أسست نظاما شموليا رأسماليا وهو أسوأ من أي نظام آخر على وجه الأرض(32). ودخلت هذه البلدان مرحلة أسوأ عندما فُرضت عليها الليبرالية الجديدة التي فاقمت من حدة الفوارق الطبقية ودفعت المزيد من الجماهير نحو الهامش.

لقد سقطت البلدان المستقلة الجديدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية عموما من المقلاة إلى النار؛ إذ افسح الاحتلال الأجنبي المجال لدكتاتوريات محلية أو محلية الصنع تحت مسمى الديمقراطية "التمثيلية" اعقبتها أو سبقتها انقلابات عسكرية بناء على طلب القوى الاستعمارية السابقة. وقد فشلت الحكومات التمثيلية في توزيع ثمار التنمية على نحو عادل. تُنظم الانتخابات من وقت إلى آخر، لكن أوراق الاقتراع تستخدم أكثر لوقف عجلة التقدم بدلا من نقل السلطة إلى الشعب. ويستخدم الاقتراع كأداة لرد الفعل بدلا من آلية للتغيير. لم تغير الانتخابات عدا نقل السلطة من نخبة حاكمة إلى أخرى. وكل عملية انتخابية تجرى في أحد بلدان العالم الثالث توصف بالانتصار "للديمقراطية" من قبل الغرب الرأسمالي وهذا أمر مفهوم(33)؛ لأن هذا النموذج يتوافق مع المصالح السياسية والاقتصادية لبلدان هذا المعسكر.

وفي هذا الصدد، يذكر الباحث صالح ياسر، "كان مسار التشكل التاريخي للطبقات السائدة في (التشكيلات العالم ثالثية) ليس سوى مولد لميكانيزمات تحكم ديمقراطي فحسب، بل أن نشأته غير ممكنة أيضا إلا على أساس تحطيم الممكنات الديمقراطية في صلب هذه التشكيلات تحطيما كاملا. يحدث ذلك وكأن الثورة الصناعية والنمو والعصرنة لا يمكن أن تتجسم إلا في تناف مع الثورة الديمقراطية، أي أساس حكم معاد للديمقراطية"(34). وما تجربة العراق في ديمقراطيته المشوهة إلا خير دليل على ذلك.

تواجه النظم الديمقراطية - خصوصا الديمقراطيات الجديدة - تحديات أساسية منها: تحدي الحفظ على الإجماع العام بين الفاعلين السياسيين على قواعد العملية الديمقراطية في مواجهة النزاعات الإثنية، والأصوليات الدينية التي تتعامل مع الآخرين بمنهج الإقصاء والتهميش، واستخدامها الديمقراطية لتحقيق أهداف غير ديمقراطية. وتحدي غياب العدالة وتكافؤ الفرص الناشئ عن الارتباط بديناميات النظام الرأسمالي في عصر العولمة(35). وما تجربة العراق إلا مثال ساطع لذلك.

تحكم القوى الاستعمارية الغربية على النظام السياسي بمقياس ما يسمى الصحافة الحرة، وجود أحزاب معارضة، انتخابات برلمانية دورية، سلطة تنفيذية مسؤولة أمام الشعب أو البرلمان، دستور يوزع السلطات بين أقسام الحكومة المختلفة وقضاء مستقل عن السلطة التنفيذية. تستند جميع هذه المعايير على مبدأ حكم الأغلبية وهو أكثر أسطورية من الحقيقة(36)، حيث أن الحكومات في الغالب تمثل الأقلية وليست الأكثرية بحكم آليات العمليات الانتخابية وعزوف كثير من الناس عن المشاركة في الانتخابات والنظر بعدم جدواها، لأنها لم تغيّر أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والخدمية نحو الأفضل.

العراق وتصدير الديمقراطية

كان بعض الأوروبيين البارزين قد اقترح أنه يجب ألا تحول الحدود والثقافة الأوروبيتين دون توسع اتحادهم الديمقراطي. فقد اقترح اللورد رالف داريندورف في خطاب شهير له في ميونخ، أن على الاتحاد الأوروبي أن يتمتع بطموح لتوسيع نفسه، لا ليشمل تركيا وأوكرانيا فقط، بل حتى سنغافورة ونيوزلندا – بالسير على خطى الإمبراطورية البريطانية، كما علق أحد المعلقين. بينما تحدث بيار مانيه، وهو فرنسي بارز صاحب نظرية، بقلق عن تصميم الأوروبيين إنجاز ما سماه "الإمبراطورية الديمقراطية". كما أصبحت الولايات المتحدة منشغلة بسياسة "دمقرطة" العالم. لكن الأحداث الأخيرة، وخاصة في العراق، عمقت الشكوك، وقوّت من الانتقادات الموجهة لهذا المشروع الطموح. فما السر إزاء الصيغة الليبرالية الغربية للديمقراطية الذي يمنح الحق لمحاولة زرعها بديلا من الأنظمة القائمة ذات السمات المختلفة؟ وكيف يمكن تفادي سياسة كهذه، تفادي ما سيكون، في أفضل الأحوال، صيغة أبوية للإمبريالية من جانب القوى الديمقراطية العظمى؟ ومتى سيكون شرعيا استخدام القوة المسلحة في السعي لتحقيق هذه السياسة؟(37). إن القوى الاستعمارية لا تقيم وزنا لأي مصدر للشرعية أو حقوق الإنسان عندما تريد تنفيذ سياساتها التي تخدم مصالحها الاقتصادية والجيواستراتيجية، والدليل على ذلك أن الولايات المتحدة لم تعر أي اهتمام للمعارضة الواسعة على مستوى العالم ضد احتلال العراق.

بعد احتلال العراق عام 2003 وإسقاط النظام وتفكيك مؤسسات الدولة، والذي جاء تنفيذا للسياسة المذكورة أعلاه، أرادوا أن يثبتوا أن العراق بعد صدام كان بالفعل ديمقراطية ناشئة. ولكن محاولة تجميل القوانين والإجراءات الانتخابية الجديدة كانت تهدف إلى إخفاء حقيقة بعيدة كل البعد عن الديمقراطية.

قبل عشر سنوات من الغزو، عملت الولايات المتحدة مع مجموعة من العراقيين في الخارج ومولتهم، وقد اجتمعوا عدة مرات لتصور عراق ما بعد صدام. وفي تلك الاجتماعات، بدأوا في ابتكار نظام لا يحل محل النظام القديم فحسب، بل يضمن سلطتهم أيضا. وهذا النظام يحكم العراق الآن. لقد أدى ذلك إلى تأجيج الانقسامات الطائفية، وترسيخ الفساد، وسحق المعارضة، كل ذلك مع الحفاظ على مصالح النخب السياسية التي سارعت لملء الفراغ الذي تركه صدام. ولكن هذا النظام لا يستطيع ولا يريد أن يقيم ديمقراطية حقيقية في البلاد، وذلك ببساطة لأنه لم يتم تصميمه للقيام بذلك. إن دعم النخبة من قبل القوى الدولية الفاعلة على حساب المؤسسات والمصلحة العامة لن يعزز الديمقراطية في العراق، بل سيستمر في إضعافها(38). وهذا ما سماه صالح ياسر أعلاه بـ "تحطيم الممكنات الديمقراطية".

الديمقراطية التوافقية

الممارسة السياسية في العراق ممارسة مكوناتية وليست ديمقراطية توافقية سياسة، تدعو فيها الأغلبية من أحزاب المكونات الكبرى والصغرى أنصارها إلى الانتخاب على أساس الخلفيات المكوناتية لا البرامج السياسية، وهكذا تم حصر السياسة داخل حدود المكونات، وإغلاق المجال الاجتماعي العام أمامها. السياسة هنا ليست فعلا له القدرة على استيعاب الديناميات الاجتماعية وتنظيم نتائجها وتطويرها لبناء دولة حديثة، بل هي أداة تحافظ على الوضع الراهن وتمنع النظام الطائفي، من أي "انهيار إيجابي". إنها ليست أداة تغيير هنا بل ماكنة إنتاج مستمرة للثقافة المكوناتية (الطائفية، الإثنية، الدينية، اللغوية... إلخ) حتى يستمر الانقسام الطائفي والإثني، ويستمر معه تصويت جماهير تلك الطوائف والإثنيات لأحزابها الطائفية والإثنية. ففي كل مرة تقترب فيها الانتخابات، تبدأ أحزاب المكونات حملة تخويف وتحريض شديدين ضد الآخر لتضمن أصوات أتباعها وولاءهم لها(39). وهذا واضح من الحملات التي تشن حاليا مع قرب موعد الانتخابات في تشرين الثاني/ نوفمبر من هذا العام، خصوصا تشويه سمعة القوى الوطنية الديمقراطية، لأنها تملك مشروعا وطنيا عابرا للمكونات لبناء دولة مدنية ديمقراطية على نقيض المشروع الطائفي - الإثني للأحزاب والكتل المتنفذة.

من جانب آخر، إن أحزاب الأقليات غير مستعدة للمغامرة بمكاسبها السياسية التي حققتها في ظل الديمقراطية التوافقية "المحاصصة"، وأن أي دعوة منها لمقاومة النظام الحالي هي دعوة لمقاومة وجودها وتفكيكه. لذا، فإن أحزاب الأقليات جزء شريك وأساس في جعل الأقليات أقليات سياسية وليس مكوناتية فقط، وذلك من خلال مشاركتها، راغبة أو مرغمة، في العملية المكوناتية المسماة بالديمقراطية التوافقية(40)؛ لأن رؤساء الأحزاب والكتل التي تشكلت على أساس مكوناتي باتت لهم مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية مترابطة مع الأحزاب والكتل المتنفذة، أي أن هناك تخادما في المصالح.

وينبغي التمييز هنا بين التوافق على أساس مكوناتي والتوافق على أساس سياسي، حيث أن الأول يستمر في تمزيق المجتمع عموديا، ويُمكن أن يُمهد مستقبلا لظهور نزعات انفصالية أكثر قوة، أما التوافق الثاني فهو معمول به حتى في الديمقراطيات الراسخة.

وارتباطا بذلك، يذكر عزمي بشارة "إن الأحزاب في حالة الدولة الريعية تعدّ الدولة أداة سيطرة ومصدر دخل للإنفاق على المجتمع، ومن ثمّ اكتساب قواعد اجتماعية عبر منظومة زبائنية متكاملة الوظائف؛ ما زاد من حدة التنافس للسيطرة على الدولة كأنها غنيمة، بدلاً من العمل تحت سقف الدولة بوصفها تعبيرا عن كيان الأمة جمعاء"(41). وهذه النزعة تحكم الأحزاب والكتل المتنفذة في العراق والتي تستخدم الانتخابات كآلية لاقتسام غنيمة الدولة، وهي بالتالي تغذي الفساد الإداري والمالي والسياسي والذي بات متفشيا على نطاق واسع في مفاصل الدولة والمجتمع على الرغم من الادعاء بمحاربته.

إن الأحزاب الشيعية في العراق ليست منشغلة بإعادة هيكلة الدولة وتاريخها من منطلق طائفي سياسي حزبي فحسب، بل إنها منخرطة أيضا في جهد لإعادة تعريف من هو الشيعي "الحقيقي". فالشيعي عندها هو الشيعي سياسيا، والذي يشكّل قاعدتها. وهذه حال الطائفية السياسية في كل مكان؛ فهي تميّز بين ابن الطائفة "الحقيقي"، أي المؤيد للطائفية السياسية، و"غير الحقيقي" الذي لا يعرّف نفسه طائفيا عبر الطائفية السياسية(42)؛ أي هنا يجري انكار التنوع الفكري والسياسي الذي هو حالة طبيعية في داخل أي مكون سواء كان دينيا أو طائفيا أو إثنيا. ما يجعلنا نقول أن البلد سائر ومنذ عام 2003 وبتخطيط محلي وخارجي على نهج لبننة العراق.

يصعب الحديث عن ديمقراطية توافقية، في ظل وجود ميلشيات يقوم مبدؤها على الردع والتغلب. والتوافق في هذه الحالة يكون سلبيا أشبه بالهدنة إذا حصلت، ولا يؤسس نظاما سياسيا توافقيا. يضاف إلى ذلك أن توجه الأحزاب الطائفية هو نحو فرض نظام أكثري طائفي، وليس نحو التوافق، أما الدستور فلا يذكر التوافق(43)، علما أن الدستور يجري خرقه بانتقائية تتوافق مع مصالح القوى المتنفذة.

***

د. هاشم نعمة

......................

الهوامش

1- رالف ميليباند، "الرأسمالية والديمقراطية"، الثقافة الجديدة، العدد، ايلول – تشرين الأول 1997، ص 13 -17.

2 - Miodrag A. Jovanovic & Dorde Pavicevic (eds.), Criss and Quality of Democracy in Eastern Europe (The Hague: Eleven, 2012), p. 62.

3- نهيلة صوفي، "من مرحلة ما بعد الديمقراطية إلى مرحلة الديمقراطية الجديدة"، مراجعة كتاب كلاوس فون بايمه، سياسات عربية، العدد 68، 2024، ص 143.

4- نموذج يتميز بالتمويل المعتمد على البنوك، والشراكة الاجتماعية بين النقابات وأصحاب العمل، وتوازن القوى بين أصحاب المصلحة (بما في ذلك الموظفين) والإدارة.

5  - Miodrag, pp. 23-24.

6- عزمي بشارة، "الشعبوية والأزمة الدائمة للديمقراطية"، سياسات عربية، العدد 40، أيلول| سبتمبر 2019، ص 9.

7- حارث حسن، "التجربة التوافقية في العراق: النظرية والتطبيق والنتائج"، سياسات عربية، العدد 23، تشرين الثاني| نوفمبر 2016، ص 40.

8 - سليم سوزه، "الديمقراطية التوافقية في العراق: إعادة إنتاج الأقليات الإثنية والدينية واللغوية بوصفها أقليات سياسية"، سياسات عربية، العدد 51، تموز| يوليو 2021، ص 52.

9 - Miodrag, p.31.

10 - ميليباند، ص 13 -17.

11 -Miodrag, p. 20.

12 - للمزيد راجع: هاشم نعمة، "في سمات الشعبوية"، الثقافة الجديدة، العدد 447، أيلول| 2024.

13 - NRC Handelsblad, 25 September 2025.

14 - توماس بيكيتي، رأس المال في القرن الحادي والعشرين، ترجمة وائل جمال وسلمى حسين، التنوير، د. ت. ص 453.

15 - بيكيتي، ص 453

16- بيكيتي، ص 632.

17 - Miodrag, pp. 20-21.

18 - صوفي، ص 140.

19 - مارسيل غوشيه، نشأة الديمقراطية II أزمة الليبرالية ، ترجمة جهيدة لاوند، بغداد، دراسات عراقية، 2011، ص 138.

20 - Miodrag, p 1.

21- علي الدين هلال، الانتقال إلى الديموقراطية: ماذا يستفيد العرب من تجارب الآخرين؟، عالم المعرفة، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2019، ص 206.

22 - هلال، ص 206-207.

23 - هلال، ص 207.

24 - سوزه، ص 49.

25 - Hauke Brunkhorst et al., European Democracy in Crisis (The Hague: Eleven, 2018), pp. 56.

26- Ibid., p. 55.

27  - Ibid., p. 53.

28 - سمير بوسلهام، مراجعة كتاب الرأسمالية الكانيبالية، لنانسي فريزر، تبيُّن، العدد 50، خريف 2024، ص237.

29 - David North, The Crisis of American Democracy, United States: Mehring Books, 2006, pp. 28-29.

30- Ibid., p. 29.

31 -Foreign Affairs, 20 January 2022.

32 - Hans Kochler, (ed.), The Crisis of Representative  Democracy, Frankfurt am Main: Verlag Peter Lang, 1987, pp. 170-71.

33- Ibid., p. 171.

34 - صالح ياسر حسن، الدولة، السلطة، الطبقات الاجتماعية، بغداد: بيت الكتاب السومري، 2019، ص 279.

35- هلال، ص 205- 206. 207.

36 - Kochler, p. 170.

37 - زولتان باراني وروبرت موزر، هل الديمقراطية قابلة للتصدير؟، ترجمة جمال عبد الرحيم، بيروت: جداول للنشر، 2012،  ص 47-48.

38  - Foreign Affairs, 20 March 2023.

39 - سوزه، ص 54.

40 - سوزه، ص 58.

41- عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018، ص 729.

42 - المصدر نفسه، ص 736.

43 - المصدر نفسه، ص 754.

كيف يوظف رجل السياسة رجل الدين لتثبيت الوضع القائم*

مقدمة البحث: تشكل الشرعية السياسية إحدى الركائز الأساسية لثبات الأنظمة واستمرارها، إذ يعتمد استقرار أي نظام على قدرته في تبرير سلطته وتحصين موقعه أمام المجتمع. وبينما تتعدد مصادر الشرعية في الفكر السياسي من شرعية دستورية إلى اقتصادية أو ثورية، يبقى الدين من أكثر المصادر عمقا وتأثيرا في الوجدان الجمعي، خصوصا في المجتمعات التي يعد فيها الدين جزءا حيا من هوية الدولة وسلوك المجتمع.

ومن هنا تنشأ علاقة مركبة بين رجل السياسة ورجل الدين، حيث تمارس السلطة السياسية دورا بالغ الحساسية في إعادة إنتاج الشرعية عبر توظيف الخطاب الديني، سواء من خلال المؤسسات الدينية الرسمية أو الشخصيات الدينية ذات الحضور الاجتماعي.

تزداد أهمية هذه الظاهرة في العالم العربي، ولا سيما في دول الخليج العربي، التي تقدم نموذجا معاصرا وواضحا لاستخدام الدين كأداة لإدارة الشرعية وتعزيز الاستقرار السياسي. إذ تمنح البنية الاجتماعية المحافظة وعمق المرجعية الدينية للنظام السياسي مساحة واسعة لدمج الدين في آليات الحكم، وذلك عبر تكريس خطاب ديني يربط بين طاعة ولي الامر والاستقرار وبين حماية الثوابت الدينية والحفاظ على الوضع القائم.

على الجانب النظري، يقدم عالم الاجتماع الالماني ماكس فيبر اطارا تحليليا بالغ الأهمية لفهم هذه الظاهرة. فقد صنف فيبر الشرعية إلى ثلاثة أنماط رئيسية التقليدية، الكاريزمية، والقانونية موضحا الدور الحاسم للقيم الدينية والثقافية في تبرير السلطة السياسية داخل المجتمعات. ويعد هذا الاطار أساسا مناسبا لتحليل العلاقة بين الدين والسياسة في الأنظمة التي تمنح الشرعية التقليدية أو الدينية دورا بارزا في استقرار الحكم.

تكمن أهمية هذا البحث في تحليل كيفية توظيف رجل السياسة لرجل الدين والمؤسسة الدينية لتثبيت الوضع القائم، مع التركيز على الواقع الخليجي كنموذج تطبيقي معاصر. كما يسعى إلى ربط الاطار النظري الفيبري بممارسات السلطة السياسية في السياقات الدينية، مما يتيح فهما أعمق لطبيعة الشرعية في المجتمعات العربية وآليات انتاجها وإعادة انتاجها.

وبذلك، يسهم البحث في سد فجوة معرفية تتمثل في الحاجة إلى ربط النظرية الاجتماعية الغربية بالتطبيقات السياسية العربية، وتحليل الدور المتنامي للدين ليس بوصفه مكونا روحانيا فقط، بل كأداة استراتيجية لإدارة السلطة وتوجيه الوعي الجمعي.

مشكلة البحث

تمثل العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية إحدى أكثر العلاقات تركيباً في بنية الدولة العربية المعاصرة، خصوصا في الدول التي يشكل فيها الدين مصدرا جوهريا للهوية الاجتماعية ومحددا رئيسيا للولاء السياسي. ورغم كثرة الدراسات التي تناولت العلاقة بين الدين والسياسة، إلا أن الإشكال الرئيس يبقى قائما في فهم الآليات الدقيقة التي تستخدمها الأنظمة السياسية لإدارة الشرعية عبر الدين، وكيف يتحول الخطاب الديني من منظومة قيم أخلاقية إلى أداة سياسية تستخدم لتثبيت الوضع القائم وإضفاء القداسة على السلطة.

تتجلى المشكلة بصورة أوضح في دول الخليج العربي، حيث تتداخل البنى القبلية والدينية والسياسية في نظام واحد، وتؤدي المؤسسات الدينية الرسمية، أو العلماء المرتبطون بالدولة، دورا مباشرا في انتاج خطاب يرسخ شرعية الحاكم ويؤطر الطاعة السياسية داخل سياق ديني. وعلى الرغم من وجود ممارسات موثقة لهذا التوظيف، إلا أن الدراسات الأكاديمية التي تربط هذه الممارسات بالإطار النظري الذي وضعه ماكس فيبر حول الشرعية التقليدية والدينية لا تزال محدودة.

من هنا، تتحدد مشكلة هذا البحث في السؤال الجوهري الآتي:

كيف تستخدم المؤسسة الدينية والخطاب الديني في دول الخليج كأدوات لإدارة الشرعية السياسية وتثبيت الوضع القائم، وذلك في ضوء مفاهيم الشرعية عند ماكس فيبر؟

كما تتفرع عن المشكلة عدة نقاط إشكالية إضافية:

ما هي طبيعة العلاقة البنيوية التي تجمع بين رجل السياسة ورجل الدين في الأنظمة الخليجية؟

كيف يتغير الخطاب الديني بما يخدم التحولات السياسية ومصالح الدولة؟

وهل يؤدي هذا التوظيف للدين إلى تعزيز استقرار طويل الأمد أم إلى شرعية هشة قابلة للتآكل؟

إن هذه الإشكالات تكشف الحاجة إلى تحليل يجمع بين النموذج النظري فيبر والنموذج التطبيقي دول الخليج لفهم ديناميات الشرعية في السياق السياسي العربي.

أسئلة البحث

السؤال الرئيس للبحث:

كيف يوظف رجل السياسة في دول الخليج المؤسسة الدينية والخطاب الديني لإدارة الشرعية السياسية وتثبيت الوضع القائم، وذلك في ضوء مفاهيم الشرعية عند ماكس فيبر؟

الأسئلة الفرعية:

1- ما طبيعة الشرعية السياسية كما يعرفها ماكس فيبر؟ وما هي أنواع الشرعية التي يقدمها التقليدية، الكاريزمية، القانونية/العقلانية؟ وكيف تتصل هذه الأنواع بالواقع السياسي في الدول الخليجية؟

2- ما هي البنى المؤسسية الدينية في دول الخليج؟ وكيف تشكلت تاريخيا؟ وما الدور الذي تؤديه في المجال السياسي؟

3- كيف تدار العلاقة بين رجل السياسة ورجل الدين في الأنظمة الخليجية؟ هل العلاقة تكاملية أم تبادلية أم تابعة؟ وما آليات الضبط التي تمارسها الدولة على الخطاب الديني؟

-4 ما أهم أدوات توظيف الدين في الخطاب السياسي الخليجي مثل خطاب الطاعة، درء الفتنة، وحدة الجماعة، شرعية الاستقرار؟

5- كيف يتم ضبط الفتوى والمؤسسات الدينية الرسمية؟ وما أثر هذا الضبط على استقلالية العلماء؟ وكيف تسهم الفتوى الرسمية في تعزيز شرعية الدولة؟

6- إلى أي مدى يساهم هذا التوظيف للدين في تحقيق استقرار سياسي فعلي؟ وهل يعزز استقرارا طويل الأمد أم ينتج شرعية هشة تعتمد على موارد رمزية فقط؟

7- ما المخاطر أو الآثار الجانبية لاستخدام الدين في تثبيت السلطة على الدين كمؤسسة أخلاقية، وعلى المجال العام، وعلى العلاقة بين المجتمع والدولة؟

8- كيف تتوافق أو تتعارض الممارسات الدينية السياسية في الخليج مع نظريات الشرعية الحديثة؟ وأين يتقاطع نموذج الخليج مع المفهوم الفيبري وأين ينفصل عنه؟

فرضيات البحث

الفرضية الرئيسة

توظيف رجل السياسة في دول الخليج للعلماء والمؤسسات الدينية هو عملية منظمة تهدف إلى انتاج شرعية سياسية قائمة على النموذج التقليدي-الديني عند ماكس فيبر، بما يضمن تثبيت الوضع القائم والمحافظة على الاستقرار دون الحاجة إلى آليات تمثيل سياسي موسعة.

الفرضيات الفرعية

1- تستند الأنظمة الخليجية إلى الشرعية التقليدية وفق تصنيف فيبر، مع توظيف الخطاب الديني لتعزيز شرعية الحكم الوراثي والقبلي.

2 - المؤسسة الدينية الرسمية في دول الخليج ليست مستقلة، بل تعاد صياغة دورها عبر الدولة بحيث تتحول إلى ذراع شرعي-رمزي يدعم السياسات العامة.

3- الخطاب الديني الرسمي في دول الخليج يعاد انتاجه باستمرار لخدمة هدف رئيس هو تأكيد الاستقرار السياسي وربط المعارضة أو الاحتجاج بالفتنة أو خلل الجماعة.

4- تنظيم الفتوى وتقييد الخطاب الديني الحر يؤدي إلى انسجام الخطاب الديني مع رؤية الدولة، لكنه يقلل من استقلالية العلماء ويحولهم إلى جزء من الجهاز السياسي.

5- وجود مؤسسات دينية مركزية ومنضبطة في دول الخليج يساهم في منع ظهور خطاب ديني مواز قد يزعزع شرعية الدولة، ويضمن توحيد المجال الديني.

6- كلما زادت سيطرة الدولة على الحقل الديني، زادت قدرتها على إدارة السلوك الاجتماعي والسياسي للمجتمع، خصوصا عبر مفاهيم الطاعة والنظام العام.

7- توظيف الدين في السياق الخليجي يساهم في الاستقرار السياسي على المدى القصير والمتوسط، لكنه قد ينتج هشاشة شرعية على المدى البعيد إذا ظهرت فجوة بين الخطاب الديني والواقع.

8 - الشرعية الرمزية والدينية في الخليج تستخدم لتعويض محدودية المشاركة السياسية في بعض الدول، بحيث يصبح الدين بديلا عن الآليات التمثيلية الحديثة.

9- يزداد اعتماد الأنظمة الخليجية على الخطاب الديني كلما ازدادت التغيرات الاجتماعية أو الاقتصادية التي قد تهدد الوضع القائم.

منهجيات البحث

1 المنهج الوصفي-التحليلي: وصف الظاهرة السياسية والاجتماعية القائمة وتحليلها، دراسة هيكلة السلطات الدينية والمؤسساتية في دول الخليج، والخطاب الديني الرسمي وعلاقته بالسياسات العامة.

2 المنهج المقارن: مقارنة بين الأنظمة المختلفة داخل دول الخليج لفهم التباين في درجة توظيف الدين، مثل السعودية، الإمارات، قطر، والكويت.

3 المنهج التاريخي: تتبع تطور العلاقة بين السلطة والدين عبر الزمن، دراسة الجذور التاريخية للشرعية الدينية في الخليج وتطور المؤسسات الرسمية.

4 تحليل الخطاب: دراسة المحتوى الخطابي والرسائل الرمزية للدين المستخدمة في تعزيز السلطة، تحليل خطب الجمعة، الفتاوى الرسمية، البيانات الإعلامية للسلطة، وتصريحات العلماء الرسميين.

5 مصادر البيانات:

المصادر الأولية: مؤسسات دينية رسمية، خطب الجمعة، الفتاوى الرسمية، قوانين وأنظمة تنظيم المجال الديني.

المصادر الثانوية: كتب ودراسات سابقة حول الشرعية الدينية والسياسية، أعمال ماكس فيبر، وائل حلاق، عبد الله العروي، نصر حامد أبو زيد، عبد الجبار الرفاعي، وأبحاث أكاديمية وتحليلات منشورة عن السياسة الدينية في الخليج.

6 أسلوب التحليل: ربط النظرية بالواقع، التركيز على آليات التوظيف مثل المؤسسات الرسمية، العلماء الرسميون، الفتاوى، الخطاب الديني، ودراسة الآثار المترتبة مثل الاستقرار الاجتماعي والسياسي وتراجع الاجتهاد المستقل وفقدان الثقة بالمؤسسات.

الإطار النظري والدراسات السابقة

الإطار النظري

1 مفهوم الشرعية عند ماكس فيبر: الشرعية هي الاعتراف الاجتماعي بسلطة الحاكم ورضا الناس عن حكمه، وتصنف إلى ثلاثة أشكال:

الشرعية التقليدية: قوة مستمدة من العادات والتقاليد والموروث الثقافي والديني، مثال الطاعة للحاكم بسبب إرثه العائلي أو وضعه المقدس.

الشرعية الكاريزمية: قائمة على شخصية القائد الجذاب المؤثر، الذي يلهم الجماهير ويكسب طاعتهم بحضوره وشخصيته.

الشرعية القانونية-العقلانية: مبنية على القوانين والمؤسسات، وتستمد قوتها من الإجراءات النظامية المنظمة للسلطة.

2 أدوات توظيف الدين في تثبيت السلطة: المؤسسات الدينية الرسمية، الفتوى والخطاب الديني، العلماء الرسميون والرموز الدينية، خطاب الاستقرار ومنع الفتنة.

الدراسات السابقة

وائل حلاق (الدولة المستحيلة)

عبد الله العروي (دراسة عن السلطة والدين)

نصر حامد أبو زيد (النص الديني والخطاب السياسي)

عبد الجبار الرفاعي (الدين والبيروقراطية)

ماكس فيبر (السلطة والشرعية)

الإطار النظري والدراسات السابقة

بداية: الإطار النظري

أولا: مفهوم الشرعية عند ماكس فيبر

يُعد ماكس فيبر مرجعاً أساسياً لفهم العلاقة بين السلطة والقبول الاجتماعي. ويعرّف الشرعية بأنها الاعتراف الاجتماعي بسلطة الحاكم ورضا الناس عن حكمه. ويصنّف فيبر الشرعية إلى ثلاثة أشكال رئيسية:

الشرعية التقليدية: تستمد قوتها من العادات والتقاليد والموروث الثقافي والديني. مثال ذلك الطاعة للحاكم بسبب إرثه العائلي أو وضعه المقدس في المجتمع. أهمية هذا النوع للبحث تظهر في القدرة على توظيف المرجعية الدينية التقليدية لإضفاء قداسة على السلطة وتثبيت الوضع القائم.

الشرعية الكاريزمية: قائمة على شخصية القائد الجذّاب والمؤثر الذي يُلهم الجماهير ويكسب طاعتهم بحضوره وشخصيته. توضح هذه الشرعية كيف يمكن للقائد السياسي استثمار الرموز الدينية أو العلماء لتعزيز حضوره وكاريزمته.

الشرعية القانونية–العقلانية: مبنية على القوانين والمؤسسات، وتستمد قوتها من الإجراءات النظامية المنظمة للسلطة. يظهر هذا النوع الفرق بين الشرعية المبنية على القوانين والشرعية المبنية على الدين، وهو ما يفسر اللجوء إلى الدين كآلية لتعويض نقص الشرعية المؤسسية أو المشاركة السياسية.

ثانيا: أدوات توظيف الدين في تثبيت السلطة

يمكن للسياسي توظيف الدين عبر عدة وسائل عملية، أبرزها:

1 المؤسسات الدينية الرسمية: تمثل وسطاء شرعيين ينقلون خطاب الدولة إلى الجمهور، مثل وزارة الأوقاف أو المجالس العلمية. تعمل على ضبط الخطاب الديني ومنع الانحرافات التي قد تُزعزع الوضع القائم.

2 الفتوى والخطاب الديني: تُستخدم لتبرير سياسات محددة وصياغة فهم ديني للقوانين والقرارات السياسية، مما يحوّل الدين إلى أداة رمزية تعزز الطاعة والاستقرار.

3 العلماء الرسميون والرموز الدينية: يُمنح لهم دور علني في الإعلام والمناسبات الرسمية لإضفاء مصداقية أخلاقية للسياسة، ما يعكس ما يسميه فيبر "رأس المال الرمزي".

4 خطاب الاستقرار ومنع الفتنة: يركّز على الوحدة الوطنية، الامتناع عن التغيير الجذري، ورفض المعارضة السياسية بوصفها تهديداً للفوضى أو "الفتنة".

ثالثا: الدراسات السابقة في السياق العربي والإسلامي

وائل حلاق – الدولة المستحيلة: أوضح أن الدولة الحديثة تستفيد من الرمزية الدينية لتثبيت الحكم دون استنساخ الشرعية الإسلامية التاريخية.

عبد الله العروي – السلطة والدين: أكد أن الشرعية الدينية كانت تاريخياً أداة لتثبيت الحكم وإضفاء القداسة على السلطة.

نصر حامد أبو زيد – النص الديني والخطاب السياسي: حذّر من انتقائية التفسير الديني المستخدمة لخدمة المصالح السياسية، موضحاً كيف يمكن استغلال النصوص الدينية لتوجيه السلوك السياسي والاجتماعي.

عبد الجبار الرفاعي – الدين والبيروقراطية: ناقش فكرة تحويل الفتوى إلى جزء من بيروقراطية الدولة، ما يضعف استقلالية العلماء ويحوّل الدين إلى أداة للسلطة.

ماكس فيبر – السلطة والشرعية: قدم الإطار المفاهيمي لفهم العلاقة بين السلطة والدين، خصوصاً مفهوم الشرعية التقليدية والرمز الديني المستخدم لتعزيز القبول الاجتماعي للسلطة.

ثانياً: خلاصة الإطار النظري

الشرعية الدينية التقليدية أداة رئيسية يستخدمها السياسي لتثبيت الوضع القائم عند غياب الشرعية القانونية أو المشاركة المجتمعية.

العلماء الرسميون والخطاب الديني والفتوى هي وسائل عملية لتطبيق هذه الشرعية.

الدراسات السابقة أكدت المخاطر الاجتماعية والسياسية لدمج الدين بالسياسة: تراجع الاجتهاد الحر، فقدان الثقة، وخلط المجال الديني بالمصالح السياسية.

الفصل التطبيقي: الدراسة التحليلية – (نموذج دول الخليج)

أولا: مدخل عام

تمثل دول الخليج نموذجاً حياً لكيفية توظيف السياسي لرجل الدين في تثبيت السلطة. يكتسب هذا النموذج أهميته من:

طبيعة المجتمعات الخليجية التقليدية القبلية والدينية.

هيمنة العائلات الحاكمة تاريخياً على السلطة السياسية.

قدرة النخب الدينية على منح الشرعية الرمزية للسلطة.

هذا النموذج يعكس عمليا ما تحدثت عنه الدراسات السابقة ونظرية ماكس فيبر حول الشرعية التقليدية، حيث يُستثمر الدين لإضفاء قداسة على السلطة واستقطاب قبول اجتماعي واسع.

ثانيا: المؤسسات الدينية الرسمية كدعامة للشرعية

تعمل المؤسسات الدينية الرسمية في دول الخليج كوسيط شرعي لنقل خطاب الدولة إلى الجمهور.

الأدوار الأساسية تشمل:

تأكيد قيمة الاستقرار السياسي والوحدة الوطنية.

شرعنة السياسات العامة من خلال خطاب ديني مضبوط.

تعزيز طاعة ولي الأمر وربطها بالشرعية الدينية.

تصوير المعارضة كخطر على "الفتنة" والوحدة.

ثالثا: ضبط الفتوى وإدارتها

وجود مؤسسات رسمية مخولة بإصدار الفتاوى، مع منع الاجتهادات الفردية التي قد تخلق انقسامات اجتماعية.

ربط الفتوى برؤية الدولة لضمان انسجام الخطاب الديني مع السياسية.

رابعا: صناعة العلماء الرسميين وإدارة المكانة الرمزية

إستراتيجيات الدولة تشمل تكريم العلماء الموالين للسلطة وإبرازهم إعلامياً ومنحهم أدوار رمزية في التوجيه الديني والاجتماعي.

التحليل: يعكس مفهوم فيبر عن "رأس المال الرمزي"، حيث يصبح العالم الرسمي وسيطاً بين السلطة والجمهور، ويمنح الحاكم بعداً أخلاقياً وشرعياً.

خامسا: توظيف خطاب الاستقرار ومنع الفتنة

الخطاب السائد يركز على الامتناع عن الفوضى السياسية، درء الفتنة والحفاظ على الوحدة الوطنية، ورفض الاحتجاجات كخطر على النسيج الاجتماعي.

التحليل: يجسد الربط بين القوة والقداسة حيث يُستخدم الخطاب الديني لإضفاء شرعية رمزية على السياسة وإقناع المجتمع بأن الطاعة للحاكم واجبة شرعاً وأخلاقيا.

سادسا: قراءة فيبرية للنموذج الخليجي

المجتمعات الخليجية التقليدية تعتمد على الشرعية التقليدية القائمة على الدين والتقاليد.

السياسي يستخدم المؤسسة الدينية الرسمية لإنتاج قبول اجتماعي واسع.

الفتاوى والخطاب الرسمي يعملان كوسيط شرعي، يعكس رأس المال الرمزي للدين.

الشرعية الدينية تعوض أحيانا عن غياب المشاركة السياسية أو المؤسسات التمثيلية القوية..

سابعا: دوافع توظيف الدين

1 الإستقرار الداخلي في مجتمعات تقليدية قبلية ودينية.

2 تعزيز مكانة الدولة كحامية للقيم الدينية.

3 تأمين الولاء العام عبر خطاب جماهيري موحد.

4 توجيه المجال الديني بما يخدم السياسة وتحييد الخطاب المعارض.

5 منع ظهور منافذ قد تهدد السلطة أو الاستقرار.

ثامنا: الآثار الإجتماعية والسياسية

إيجابيات محتملة: الحفاظ على السلم الاجتماعي، الحد من الفوضى الدينية والسياسية، ترسيخ قيم الطاعة والانضباط الاجتماعي.

سلبيات محتملة: تراجع الاجتهاد الديني الحر، خلط الدين بالسياسة، فقدان الثقة في العلماء إذا أصبحوا جزءاً من السلطة، تحويل الدين إلى أداة سياسية أكثر من كونه منظومة قيمية مستقلة.

تاسعا: خلاصة الفصل

السياسي في دول الخليج يوظف الشرعية التقليدية وفق فيبر.

يُستثمر رأس المال الرمزي للدين عبر العلماء الرسميين والخطاب الديني الرسمي.

الفتاوى والخطاب المؤسساتي يعززان قبول المجتمع للسياسة، ويثبتان الوضع القائم.

النموذج الخليجي يقدم مثالا معاصرا وموثوقا على استخدام الدين كأداة لإدارة الشرعية، ويخدم العنوان الرئيسي للبحث بشكل مباشر.

الخاتمة

توظيف رجل الدين من قبل السياسي لتثبيت الوضع القائم يمثل أحد أبرز أشكال التداخل بين الدين والسياسة في المجتمعات التقليدية والمعاصرة. يشمل هذا التوظيف المؤسسات الدينية الرسمية، الفتوى المنظمة، وصناعة العلماء الرسميين، وكلها أدوات تمكّن السلطة من إدارة الشرعية الاجتماعية والسياسية وتحقيق الاستقرار.

الإستنتاجات:

1 الدين يستخدم كأداة لإضفاء الشرعية الرمزية على السلطة وليس كمرجع مستقل للحكم.

2 المؤسسات الدينية الرسمية تتحول إلى أدوات سياسية، مما يضعف النقد الداخلي ويحد من الاجتهاد الحر.

3 الاستقرار السياسي قصير-متوسط المدى غالبا ما يقابله ضعف الشرعية الأخلاقية للمؤسسات الدينية على المدى الطويل.

4 السياسة الذكية تعتمد على إدارة العلاقة بين الدين والسلطة بشكل منهجي، مستندة إلى رأس المال الرمزي والشرعية التقليدية، كما توضح التجربة الخليجية.

التوصيات:

فصل الوظائف بين السياسة والدين لضمان استقلالية العلماء.

حماية الاجتهاد الديني والنقد البناء للسلطة لضمان مصداقية الدين ومؤسساته.

إستخدام الدين كمصدر للقيم والمبادئ، لا كأداة لفرض الطاعة أو تثبيت السلطة.

دراسة التجارب العملية لنماذج أخرى لتعميم الدروس المستفادة على السياقات العربية والإسلامية المختلفة....

***

حسين الأصهب

في هذا العصرٍ الذي تتداخل فيه الحدود بين الواقع والافتراض، وتتشابك فيه خيوط المعرفة مع خوارزميات المنصّات الرقمية، يبرز مفهوم الاستشراق الرقمي بوصفه امتداداً جديداً لخطابٍ قديم أعاد تشكيل نفسه داخل بيئة إعلامية أكثر تأثيراً وانتشاراً. فبينما كان الاستشراق التقليدي يعتمد على الرحّالة والمستشرقين والكتّاب والفنانين لتكوين صورة “عن الشرق”، فإن النسخة الرقمية منه اليوم تُصنع عبر شبكات الأخبار العالمية، ومنصّات التواصل الاجتماعي، ومحركات البحث، وخوارزميات التصفية التي تحدد ما يُرى وما يُخفى، وما يُضخّم وما يُهمّش. وهكذا، لم يعد الشرق يُعاد إنتاجه عبر نصوص أدبية أو لوحات فنية فقط، بل عبر تدفقات هائلة من الصور والفيديوهات والعناوين العاجلة التي تُبنى وفق منطق السرعة والانتشار والتأثير.

لقد أصبحت وسائل الإعلام الغربية لاعباً مركزياً في تشكيل المخيال الجمعي العالمي حول الشرق الأوسط والعالم الإسلامي وآسيا وشمال إفريقيا. فهي لا تنقل الأحداث فحسب، بل تصنع إطاراً تفسيرياً يحدد معنى الحدث، ويعيد ترتيب عناصره، ويُسقط عليه منظومة من القيم والتصورات المسبقة. وفي هذا السياق، يتحول الشرق إلى “شرق رقمي” جديد: شرقٍ مُفلتر، مُجزّأ، مُختزل في ثنائيات جاهزة مثل العنف/الاستقرار، الحداثة/التخلّف، الديمقراطية/الاستبداد، والحرية/التهديد. شرقٌ لا يُرى كما هو، بل كما تسمح به عدسات الكاميرات الغربية وخوارزميات المنصّات التي تُعيد تدوير الصور النمطية القديمة في قالبٍ معاصر.

إن الاستشراق الرقمي لا يقتصر على التغطيات الإخبارية، بل يمتد إلى صناعة الترفيه، وتحليلات الخبراء، وصور “الشرق” في السينما والمسلسلات، وحتى في نتائج البحث على الإنترنت. فحين يبحث المستخدم الغربي عن “العرب” أو “المسلمين” أو “الشرق الأوسط”، فإن ما يظهر أمامه ليس مجرد معلومات محايدة، بل منتج معرفي تشكّله شركات التكنولوجيا الكبرى وفق معايير تجارية وسياسية وثقافية. وهكذا، تتكرّس صورة الشرق كفضاء للأزمات، والحروب، والغرابة الثقافية، في حين تُهمّش جوانب الحياة اليومية، والإبداع، والتنوع، والتاريخ الاجتماعي الحقيقي لشعوبه.

إن هذا المقال يسعى إلى تفكيك آليات هذا الاستشراق الرقمي، وطرح سؤال جوهري: كيف تصنع وسائل الإعلام الغربية شرقاً جديداً؟ وما الذي يجعل الصورة الرقمية للشرق أكثر حضوراً وتأثيراً من الواقع نفسه؟ وهل نحن أمام إعادة إنتاج لخطاب استشراقي قديم، أم أمام شكل جديد من الهيمنة الرمزية التي تُمارس عبر البيانات والصور والخوارزميات؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست مجرد تمرين نظري، بل ضرورة لفهم كيف يُعاد تشكيل وعينا بالعالم في زمن الإعلام الرقمي، وكيف يمكن للشرق أن يستعيد حقه في تمثيل ذاته بعيداً عن عدسات الآخر.

خلفية نظرية عن الاستشراق

يُعدّ مفهوم الاستشراق واحداً من أكثر المفاهيم إثارةً للجدل في حقل الدراسات الثقافية والإنسانية، لأنه لا يقتصر على كونه مجالاً معرفياً يهتم بدراسة الشرق، بل يتجاوز ذلك ليصبح منظومة فكرية وخطابية أسهمت في تشكيل علاقة غير متكافئة بين الغرب والشرق. تاريخياً، ظهر الاستشراق في البداية كتسمية علمية لمجموعة من الدراسات التي اهتمت باللغات الشرقية، والأديان، والتاريخ، والعادات، والجغرافيا، إلا أن القراءات النقدية الحديثة، وعلى رأسها قراءة إدوارد سعيد، كشفت أن هذا الحقل المعرفي لم يكن بريئاً أو محايداً، بل كان متشابكاً مع مشاريع القوة والهيمنة والاستعمار.

في القرون الثامن عشر والتاسع عشر وبدايات القرن العشرين، برز المستشرقون كخبراء في “شؤون الشرق”، يُجيدون لغاته، ويُدرّسون نصوصه الدينية والأدبية، ويُنتجون دراسات عن تاريخه ومجتمعاته. ظاهرياً، يبدو هذا جهداً علمياً يهدف إلى الفهم والمعرفة، لكن المشكلة الأساسية تكمن في زاوية النظر؛ فقد كانت عملية دراسة الشرق تتم عادةً من مسافة، ومن موقع تفوّق حضاري مزعوم، يُفترض فيه أن الغرب هو معيار التقدم والعقلانية والمدنية، بينما يُنظر إلى الشرق كموضوع للدراسة، وكـ“آخر” مختلف وغريب، يحتاج دائماً إلى تفسير وترجمة وتأطير.

هذا الموقع غير المتكافئ بين “الدارس” الغربي و“الموضوع” الشرقي جعل المعرفة المنتجة عن الشرق محمّلة، في كثير من الأحيان، بأحكام مسبقة، وصور نمطية، وتعميمات واسعة، مثل اعتبار الشرق عالماً ساكناً، غير تاريخي، تقليدياً، منغلقاً، عاطفياً وغير عقلاني. وهكذا، لم يكن الاستشراق مجرد مشروع معرفي، بل كان طريقة معينة لرؤية الشرق، طريقة تصنع شرقاً متخيلاً، يختلف كثيراً عن واقع المجتمعات الشرقية المعقد والمتنوع.

قراءة إدوارد سعيد: الاستشراق كخطاب

التحوّل الجذري في فهم الاستشراق جاء مع كتاب “الاستشراق” لإدوارد سعيد (1978)، الذي نقل النقاش من مستوى “ما يقوله الاستشراق عن الشرق” إلى مستوى أعمق: كيف يُنتج الخطاب الاستشراقي الشرقَ ذاته ككيان متخيّل؟ استند سعيد إلى أعمال ميشيل فوكو حول الخطاب والسلطة، ليطرح فكرة أن الاستشراق ليس مجرد مجموعة من الكتب والأعمال الفنية، بل هو خطاب متكامل يربط بين المعرفة والقوة.

في هذا المنظور، يصبح الاستشراق شبكة من النصوص، والصور، والتمثيلات، والمؤسسات الأكاديمية، والسياسات، التي تعمل معاً على إنتاج “شرق” محدد الملامح: شرقٍ غامض، جنسي، استبدادي، متخلّف، يحتاج دائماً إلى توجيه أو إنقاذ أو إدارة من قبل الغرب. هذه الصورة ليست مجرد سوء فهم أو معلومات ناقصة، بل هي بنية متماسكة تخدم دوراً سياسياً واضحاً: تبرير السيطرة الاستعمارية، والتدخل السياسي، وفرض نماذج جاهزة للتقدم والتحضر.

بهذا المعنى، يصبح الاستشراق خطاباً يعمل على مستويين في الوقت نفسه.  أولاً: على مستوى المعرفة: يقدم نفسه كعلم موضوعي محايد. ثانياً: وعلى مستوى السلطة: يخدم مشاريع الهيمنة الغربية، عبر تكريس صورة دونية عن الشرق ورفعة عن الغرب.

"الشرق" كاختراع رمزي

من أهم أفكار الاستشراق النقدي أن الشرق، كما يقدمه الخطاب الغربي، ليس “الشرق الحقيقي” بتعقيداته، بل هو شرق مُتخيَّل تم بناؤه عبر عقود من الكتابة، والرسم، والبحث، والسياسة. هذا الشرق المتخيّل يعمل كمرآة عكسية يرى الغرب فيها ذاته؛ فهو يجعل الغرب يبدو عقلانياً، حراً، متقدماً، في مقابل شرق يُقدَّم كمقابل نقيض: عاطفي، مقموع، متخلّف. وبذلك، لا يكون الاستشراق مجرد حديث عن الآخر، بل هو أيضاً طريقة لبناء صورة الذات الغربية عبر مقارنة مستمرة مع “الآخر الشرقي”.

هذا الاختراع الرمزي للشرق يختزل التنوع الهائل للثقافات واللغات والتجارب التاريخية في قالب واحد، ويحوّل مجتمعات كاملة إلى نمط واحد مسطَّح. فالعرب، والفرس، والهنود، والأتراك، والمسلمون، والآسيويون – بكل ما بينهم من اختلافات – يتم دمجهم في صورة واحدة اسمها “الشرق”، كأنهم كتلة متجانسة لها صفات مشتركة ثابتة لا تتغير.

جزء أساسي من قوة الاستشراق أنه تشكّل بالتوازي مع صعود الحداثة الأوروبية وتوسع الإمبراطوريات الاستعمارية. فكلما توسع النفوذ الغربي في الشرق، ازدادت الحاجة إلى معرفة هذه المجتمعات من أجل إدارتها والسيطرة عليها. هنا تبرز فكرة مركزية: المعرفة ليست منفصلة عن السلطة. فالدراسات التفصيلية عن جغرافيا الشرق، وتركيب مجتمعاته، ونُظمه القبلية أو الدينية، لم تكن مجرد فضول علمي، بل كانت أيضاً أدوات عملية لتسهيل السيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية.

وهكذا، يمكن القول إن الاستشراق كان جزءاً من البنية التحتية الفكرية للمشروع الاستعماري؛ فبينما كانت الجيوش والأساطيل تتقدم على الأرض، كانت الكتب والأبحاث تُمهّد الطريق، وتمنح هذه السيطرة غطاءً معرفياً وأخلاقياً، عبر تصوير الشرق كمجال يحتاج إلى “تمدين” و“تحديث” و“تحرير” من تخلفه الذاتي المزعوم.

من الاستشراق الكلاسيكي إلى الاستشراق المعاصر

مع نهاية الحقبة الاستعمارية بشكلها المباشر، لم يختفِ الاستشراق، بل غيّر أشكاله. فلم يعد المستشرق اليوم ذلك الباحث الكلاسيكي الذي يجلس في مكتبه يترجم نصوصاً عربية أو فارسية فقط، بل أصبح الاستشراق حاضراً في وسائل الإعلام، والسينما، والأكاديميا، والخطاب السياسي، بل وفي المناهج التعليمية أيضاً. ومع كل أزمة أو حرب أو حدث مرتبط بالشرق، تُعاد تنشيط الصور القديمة، وتظهر مفردات استشراقية في ثوب جديد: “العالم الإسلامي”، “المناطق الخطرة”، “محور الشر”، “حزام التطرف”، وغيرها من التعابير التي تضع الشرق داخل إطار جاهز من الشك والريبة والتهديد.

هذا التحوّل من الاستشراق الكلاسيكي إلى ما يمكن تسميته بـ“الاستشراق المعاصر” يفتح الباب للحديث عن الاستشراق الرقمي بوصفه امتداداً جديداً لهذا التاريخ الطويل؛ فبدلاً من أن تُنتج الصورة في كتاب أو لوحة فقط، باتت تُصنع اليوم عبر الشاشات، والمنصات، والخوارزميات، وهو ما يجعل حضورها أكثر كثافة وانتشاراً وتأثيراً على وعي الجمهور العالمي.

أهمية هذه الخلفية لفهم الاستشراق الرقمي

إن فهم الاستشراق بهذا العمق النظري لا يُعدّ ترفاً فكرياً، بل هو شرط أساسي لفهم كيف تعمل وسائل الإعلام الغربية اليوم في إنتاج “شرق رقمي جديد”. فالصور النمطية التي تظهر في العناوين العاجلة، والتقارير الإخبارية، والأفلام والمسلسلات، ليست معزولة عن هذا التاريخ، بل هي امتداد له داخل سياق تقني جديد. ما تغير هو الوسيط وسرعة الانتشار وكمية البيانات، لكن كثيراً من البُنى الذهنية التي حكمت نظرة الغرب إلى الشرق ما زالت حاضرة، وإن كانت تتخفى خلف لغة أكثر مهنية وموضوعية ظاهرياً.

من هنا، تصبح دراسة الاستشراق الرقمي محاولة لربط الماضي بالحاضر: رصد كيف انتقل خطاب قديم من الكتب والمستعمرات إلى الخوادم الرقمية ومنصات التواصل، وكيف ما زال الشرق يُعاد إنتاجه كصورة أكثر مما يُفهم كواقع. هذه الخلفية النظرية ليست سوى نقطة الانطلاق لقراءة أعمق لكيفية صناعة “شرق جديد” في زمن الإعلام الرقمي، وهو ما سيتناوله المقال في محاوره اللاحقة.

مفهوم الاستشراق الرقمي

يشير الاستشراق الرقمي إلى انتقال الخطاب الاستشراقي التقليدي—الذي كان يُنتج عبر الكتب والرحلات والدراسات الأكاديمية—إلى الفضاء الرقمي، حيث تتولى وسائل الإعلام الغربية، والمنصّات الاجتماعية، ومحركات البحث، وخوارزميات الذكاء الاصطناعي مهمة إعادة تشكيل صورة الشرق في الوعي العالمي. فوفقاً لتحليلات حديثة، فإن الاستشراق لم يختفِ، بل “اتخذ شكلاً جديداً في عصر الإعلام الرقمي” عبر ما يُسمّى Digital Orientalism، حيث تستمر الصور النمطية القديمة في الظهور، ولكن عبر وسائط أكثر حداثة وانتشاراً.

في هذا السياق، يصبح الشرق منتجاً رقمياً يُعاد تشكيله من خلال آليات تقنية لا تبدو سياسية في ظاهرها، لكنها تحمل في جوهرها تحيزات ثقافية ومعرفية. فخوارزميات المنصّات الكبرى—مثل فيسبوك، يوتيوب، إنستغرام، وتويتر—تعمل على تضخيم محتوى معين وإخفاء آخر، مما يؤدي إلى تكريس صورة محددة عن الشرق باعتباره فضاءً للأزمات، والصراعات، والغرابة الثقافية. وقد أشارت دراسات في مجال الإعلام إلى أن هذه التحيزات الرقمية ليست مجرد أخطاء تقنية، بل امتداد لبنية معرفية غربية ما زالت تنظر إلى الشرق من خلال ثنائية “الغرب/الآخر” التي تهيمن على كثير من التحليلات الإعلامية المعاصرة.

كما يبرز الاستشراق الرقمي في الرقابة على المحتوى، حيث تُظهر تقارير بحثية أن المحتوى العربي أو المتعلق بقضايا الشرق الأوسط يتعرض لحذف أو تقييد أكبر مقارنة بغيره، وهو ما وصفه باحثون بأنه “شكل جديد من الاستشراق في الفضاء الرقمي” نتيجة إخفاقات الحوكمة الرقمية وتحيزاتها البنيوية. هذا يعني أن الشرق لا يُعاد تمثيله فقط عبر الأخبار والصور، بل أيضاً عبر التحكم فيما يُسمح له بالظهور وما يُحجب، مما يجعل المنصّات الرقمية شريكاً في إنتاج “شرق افتراضي” يتوافق مع التصورات الغربية السائدة.

وبذلك، يمكن القول إن الاستشراق الرقمي هو عملية إعادة إنتاج للشرق كصورة أكثر منه كواقع، حيث تتداخل القوة التقنية مع القوة الرمزية لتشكيل وعي عالمي منحاز. إنه استشراق لا يُمارَس عبر المستشرق التقليدي، بل عبر الخوارزمية التي تختار ما نراه، والمنصة التي تحدد ما ينتشر، والإعلام الذي يصوغ سرديات جاهزة عن الشرق. وهذا ما يجعل الاستشراق الرقمي أكثر خطورة من سابقه: فهو غير مرئي، سريع، عالمي، ويعمل تحت غطاء “الحياد التقني” بينما يعيد إنتاج علاقات القوة القديمة في ثوب جديد.

آليات عمل الاستشراق الرقمي

تعمل آليات الاستشراق الرقمي ضمن منظومة معقدة تجمع بين الإعلام، التكنولوجيا، والخوارزميات، بحيث تُعاد صياغة صورة الشرق داخل الفضاء الرقمي بطريقة تبدو “حديثة” لكنها تحمل جذوراً عميقة في الخطاب الاستشراقي التقليدي. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الاستشراق في العصر الرقمي لا يُمارَس فقط عبر النصوص أو التحليلات، بل عبر بُنى تقنية تتحكم في تدفق المعلومات، وتعيد ترتيبها، وتضفي عليها معنى محدداً يخدم رؤية غربية للعالم.

1ـ إعادة إنتاج الصور النمطية عبر الإعلام الرقمي

وسائل الإعلام الغربية الرقمية—من المواقع الإخبارية إلى المنصّات الاجتماعية—تستمر في تقديم الشرق ضمن إطار جاهز: الشرق كمنطقة صراعات، وكفضاء للغرابة الثقافية، وكتهديد سياسي أو أمني

هذه التمثيلات ليست عشوائية، بل جزء من ممارسات تأطير إعلامي تُظهر الشرق من خلال عدسة تبسيطية، وهو ما أشارت إليه تحليلات نقدية لخطاب الإعلام العالمي الذي يعيد تدوير الصور النمطية القديمة في سياق رقمي جديد.

2ـ الخوارزميات كأدوات لإعادة تشكيل الوعي

الخوارزميات التي تدير المنصّات الرقمية—مثل فيسبوك، يوتيوب، ومحركات البحث—تلعب دوراً مركزياً في تكريس الاستشراق الرقمي. فهي: تضخّم المحتوى الذي ينسجم مع السرديات الغربية. وتقلل ظهور المحتوى الذي يعرض الشرق بصورة مختلفة. وتفضّل المحتوى المثير أو الصادم، ما يعزز الصور السلبية.

وبذلك، تصبح الخوارزمية فاعلًا ثقافياً يعيد إنتاج الشرق وفق منطق تجاري وسياسي، وليس وفق الواقع. هذا ما تؤكده دراسات تناولت كيفية تشكّل “الشرق الرقمي” عبر آليات تقنية غير محايدة.

3ـ الرقابة الرقمية والتحكم في المحتوى

تشير أبحاث حديثة إلى أن المحتوى المتعلق بالشرق الأوسط أو الصين أو المجتمعات الإسلامية يتعرض أحياناً لرقابة أو حذف أو تقييد أكبر من غيره، نتيجة تحيزات مضمّنة في سياسات المنصّات أو في آليات الإشراف على المحتوى. هذه الرقابة لا تُمارَس دائماً بشكل مباشر، بل قد تكون نتيجة: قواعد غير متوازنة. وأنظمة كشف تلقائي متحيزة. معايير “السلامة” التي تُطبّق بشكل غير متساوٍ.  وهكذا، لا يتم فقط إعادة إنتاج الشرق، بل أيضاً إعادة تشكيل ما يُسمح له بالظهور.

4ـ التأطير الخطابي في التحليلات الغربية

التحليلات الغربية للأحداث في الشرق—سواء في الإعلام أو مراكز الأبحاث—تستخدم أحياناً لغة تُعيد إنتاج ثنائية “الغرب المتقدم” مقابل “الشرق المتخلّف”. هذا التأطير يظهر من خلال التغطيات السياسية، والتحليلات الأمنية، ولنقاشات حول التكنولوجيا والرقمنة في الشرق.

وقد أشارت دراسات مقارنة إلى أن هذا التأطير يُعدّ شكلاً من أشكال “الاستشراق الأخلاقي” الذي يقيّم الشرق وفق معايير غربية مسبقة.

5ـ الانتقائية في عرض الأحداث

الاستشراق الرقمي يعمل أيضاً عبر انتقاء ما يُعرض من الشرق، ولتركيز على العنف وإهمال الحياة اليومية، وإبراز التطرف وإخفاء الإبداع، وتضخيم الأزمات وتجاهل النجاحات.

هذه الانتقائية تُنتج شرقاً “مفبركاً” يتوافق مع توقعات الجمهور الغربي، ويعزز سرديات الهيمنة الثقافية. إن الاستشراق الرقمي ليس مجرد خطاب إعلامي، بل بنية تقنية–معرفية تعمل عبر الخوارزميات، التأطير الإعلامي، الرقابة، والانتقائية. إنه استمرار للاستشراق التقليدي، لكن بوسائل أكثر قوة وانتشاراً وتأثيراً.

أمثلة تطبيقية على الاستشراق الرقمي

هذه الأمثلة تُظهر كيف تعمل الخوارزميات، الإعلام، والمنصّات الرقمية على تكريس صورة “شرق جديد” يتوافق مع التصورات الغربية، كما تشير دراسات حديثة تناولت الظاهرة في سياق الإعلام الرقمي.

1- تغطية الشرق الأوسط كمنطقة أزمات فقط

تشير تحليلات نقدية إلى أن الإعلام الرقمي الغربي يركّز بشكل مفرط على الحروب، الإرهاب، والصراعات عند الحديث عن الشرق الأوسط، بينما يُهمل الحياة اليومية، الثقافة، الإبداع، والعلوم. هذا النمط من التغطية يعيد إنتاج صورة الشرق كفضاء دائم للعنف، وهو مثال مباشر على الاستشراق الرقمي الذي يختزل المنطقة في “أزمة مستمرة”.

2 - الصور النمطية عن المسلمين في المنصّات الرقمية

تُظهر دراسات أن المحتوى المتعلق بالمسلمين غالباً ما يُقدَّم في سياق التطرف أو الأمن، مما يعزز صورة “المسلم الخطر” أو “المسلم الغريب”. هذا النوع من التمثيل الرقمي يعكس استمرار الصور الاستشراقية القديمة في بيئة الإنترنت الحديثة.

3 - التركيز على “غرابة” الثقافات الآسيوية

تشير تحليلات حول “الاستشراق الافتراضي” إلى أن المنصّات الرقمية الغربية تُبرز الثقافات الآسيوية—مثل الصين والهند—كعالم غريب، غامض، أو غير مفهوم، خصوصاً في سياق التكنولوجيا أو السياسة. هذا ما وصفته دراسات بأنه “جغرافيا جديدة للتمثيل” في العصر الرقمي.

4 - التحيّز الخوارزمي في نتائج البحث

عند البحث عن كلمات مثل “Arab” أو “Muslim”، تظهر نتائج مرتبطة بالعنف أو الصراعات أكثر من نتائج تتعلق بالثقافة أو الحياة اليومية. هذا مثال على تحيّز خوارزمي يعيد إنتاج الصور النمطية دون تدخل بشري مباشر، لكنه يعكس بنية معرفية غربية.

5 - الرقابة غير المتوازنة على المحتوى الشرقي

تشير تقارير بحثية إلى أن المحتوى المتعلق بقضايا الشرق الأوسط يتعرض أحياناً لحذف أو تقييد أكبر من غيره، نتيجة تحيزات في سياسات الإشراف على المحتوى. هذا النوع من الرقابة الرقمية يُعد شكلاً من “الاستشراق الرقمي” لأنه يتحكم فيما يُسمح للشرق أن يقوله أو يظهره.

6 - الترفيه الرقمي وصناعة “الشرق المتخيل”

تُظهر أمثلة من السينما والمسلسلات الغربية التي تُعرض على المنصّات الرقمية أن الشرق يُقدَّم غالباً كفضاء مليء بالغرابة، السحر، أو العنف. هذه الصور تُعاد تدويرها رقمياً وتنتشر بسرعة عبر المنصّات، مما يعزز “شرقاً افتراضياً” بعيداً عن الواقع.

نحو تفكيك الاستشراق الرقمي وإعادة بناء السردية

يكشف تحليل الاستشراق الرقمي عن تحوّل عميق في الطريقة التي يُعاد بها تشكيل الشرق داخل الفضاء الإعلامي المعاصر. فبدلاً من الخطابات الكلاسيكية التي كانت تُنتج عبر الكتب والرحلات والدراسات الأكاديمية، أصبح الشرق اليوم يُصاغ من خلال منظومة تقنية واسعة تتداخل فيها الخوارزميات مع سياسات المنصّات وأساليب التغطية الإخبارية. هذا التحوّل لا يعني اختفاء الاستشراق، بل انتقاله إلى مستوى أكثر خفاءً وتأثيراً، حيث تتولى التكنولوجيا مهمة إعادة إنتاج التمثيلات القديمة في قالب جديد يبدو محايداً لكنه يحمل في داخله نفس البُنى المعرفية التي حكمت علاقة الغرب بالشرق عبر قرون.

إن خطورة هذا الشكل الجديد من الاستشراق تكمن في قدرته على الانتشار السريع، وفي تأثيره المباشر على تشكيل الوعي العالمي. فالصورة التي تُبنى رقمياً لا تبقى داخل حدود الإعلام، بل تتحول إلى مرجع ثقافي وسياسي يؤثر في السياسات العامة، وفي تصورات الشعوب، وفي العلاقات الدولية. ومع كل عملية بحث، أو مشاركة، أو توصية خوارزمية، تتكرّس صورة “شرق رقمي” يبتعد عن الواقع، ويقترب من الخيال الذي صاغته القوى المهيمنة.

ومع ذلك، فإن هذا الواقع لا يعني استسلام الشرق لتمثيلات الآخر. فالمشهد الرقمي نفسه يتيح إمكانات واسعة لإنتاج سرديات بديلة، ولإعادة تقديم الذات بعيداً عن الفلاتر الغربية. إن الوعي بآليات الاستشراق الرقمي هو الخطوة الأولى نحو تفكيكه، أما الخطوة التالية فهي بناء حضور رقمي قادر على تقديم الشرق كما هو: متنوعاً، معقداً، نابضاً بالحياة، وغير قابل للاختزال في صورة واحدة.

بهذا المعنى، يصبح فهم الاستشراق الرقمي ضرورة معرفية وأخلاقية في زمن تتشكل فيه الحقائق عبر الشاشات. فالمعركة لم تعد فقط حول من يملك القوة، بل حول من يملك القدرة على رواية القصة.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

حدودها الإبستمولوجية وإمكاناتها المعاصرة

يشكّل التأويل في التراث الإسلامي أحد المفاتيح المركزية لفهم العلاقة المعقّدة بين النص والعقل، بين الوحي والفلسفة وبين الدلالة الظاهرة والمعنى الباطن. وإذا كان سؤال التأويل قد اتخذ صيغاً متعددة منذ مباحث المتكلمين حول المحكم والمتشابه، إلى تنظيرات الأصوليين في دلالات الألفاظ، فإن لحظة ابن رشد تمثل ذروة تركيبية فريدة، حيث تبلورت نظرية في التأويل ذات طابع إبستمولوجي صريح، لا تُفهم إلا في سياق مشروعه العام الذي سعى إلى إعادة وصل ما انقطع بين الشريعة والحكمة، وإلى ترميم الشرخ الذي أحدثه سوء الفهم المتبادل بين أهل النظر وأهل النقل.

لم يكن التأويل عند ابن رشد مجرد أداة لغوية لتجاوز ظاهر النص، بل كان ضرورة معرفية يفرضها اختلاف مدارك الناس ومراتبهم في الفهم. فهو ينطلق من مسلمة أن الشرع حق وأن الحكمة حق، وأن «الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له». هذه العبارة التي ترد في كتابه فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، ليست مجرد تقرير توفيقي، بل هي إعلان عن مبدأ معرفي يقوم على وحدة الحقيقة وتعدد طرق الوصول إليها. فإذا كانت الشريعة تخاطب الجمهور بلغة التمثيل والتشبيه، فإن البرهان الفلسفي يخاطب الخاصة بلغة البرهان والقياس. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى التأويل حين يبدو التعارض بين ظاهر النص ومقتضى البرهان اليقيني.

لقد تشكّل وعي ابن رشد التأويلي في سياق جدل حاد مع تيارات فكرية متباينة؛ فهو من جهة وارث للفلسفة المشائية كما صاغها أرسطو، ومن جهة أخرى منخرط في نقاش نقدي مع المتكلمين، وخصوصاً مع أبو حامد الغزالي الذي رأى في الفلسفة خطراً على العقيدة كما تجلّى ذلك في كتابه تهافت الفلاسفة. وكان رد ابن رشد في تهافت التهافت مناسبة لإعادة تحديد طبيعة النظر البرهاني وحدود التأويل المشروع. فهو يميز بين البرهان والجدل والخطابة، ويؤكد أن النصوص التي ظاهرها التشبيه يجب حملها على التأويل إذا قام البرهان القطعي على خلاف ظاهرها، لكن بشرط أن يكون المؤوِّل من أهل البرهان، وأن لا يُشاع التأويل بين الجمهور حتى لا يفضي إلى اضطراب عقائدهم.

تتأسس نظرية التأويل الرشدية على تمييز دقيق بين مراتب الدلالة. فالنص الشرعي عنده يتضمن مستويات من المعنى، بعضها قريب يدركه الجمهور وبعضها عميق لا يدركه إلا الراسخون في العلم. وهو في هذا يستند إلى الآية الكريمة: «وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم»، غير أنه يقرؤها قراءة تجعل الرسوخ في العلم شرطاً لإدراك التأويل، لا مجرد مقام روحي. هذا الرسوخ ليس ذوقاً صوفياً، بل ملكة برهانية تقوم على التمرّس بالقياس المنطقي كما قرره أرسطو في الأورغانون. إن التأويل الرشدي ليس انزياحاً حراً للمعنى، بل هو انتقال مضبوط من الدلالة الحسية أو المتخيلة إلى الدلالة المعقولة، وفق قانون الضرورة البرهانية.

إن الحد الإبستمولوجي الأول لنظرية التأويل عند ابن رشد يتمثل في اشتراط البرهان القطعي. فحيث لا يوجد برهان يقيني، لا يجوز العدول عن الظاهر. وهذا الشرط يضع قيداً صارماً على النزعة التأويلية ويمنعها من الانفلات إلى تخمينات ذهنية أو أهواء مذهبية. وهو بهذا يختلف عن بعض مسالك المتكلمين الذين وسّعوا دائرة التأويل استناداً إلى مقدمات ظنية. فابن رشد يصرّ على أن «كل من أول شيئاً من الشرع بغير برهان فقد افترى على الشرع». هذه العبارة تكشف عن وعي بخطورة التأويل حين يتحول إلى أداة لفرض تصورات مسبقة على النص.

غير أن هذا الشرط نفسه يكشف عن إشكال إبستمولوجي عميق: ما معيار القطع في البرهان؟ هل هو البرهان الأرسطي كما تلقاه ابن رشد في صيغته المشائية، أم أن مفهوم البرهان نفسه تاريخي ومتغير؟ هنا تتبدى حدود المشروع الرشدي، إذ يفترض ثباتاً في نموذج العقل البرهاني، ويجعل منه مرجعاً أعلى للحقيقة. وإذا كان هذا الافتراض مفهوماً في سياق القرن السادس الهجري، حيث كانت الفلسفة الأرسطية تمثل ذروة العقلانية، فإن تحولات المعرفة الحديثة تفرض إعادة نظر في مفهوم البرهان ذاته. ومع ذلك فإن القيمة الدائمة في مشروعه لا تكمن في نموذج البرهان بعينه، بل في المبدأ الذي يقرّ بأولوية العقل المنهجي في فهم النص.

لقد أدرك ابن رشد أن النص الديني بوصفه خطاباً موجهاً إلى عموم الناس، لا يمكن أن يُصاغ بلغة البرهان الخالص. فهو يستعمل المجاز والتمثيل والقصص، لأن هذه الأدوات أقرب إلى مدارك الجمهور. غير أن هذا الاستعمال لا ينفي إمكان ترجمة هذه الصور إلى معانٍ عقلية مجردة. إن التأويل عنده هو عملية ترجمة من الخيال إلى العقل، من الصورة إلى المفهوم. وهو في هذا يلتقي مع ما سيقوله لاحقاً سبينوزا في رسالته اللاهوتية السياسية عن ضرورة قراءة النص في ضوء مقاصده، وإن اختلفا في المنطلقات والنتائج.

إن نظرية التأويل الرشدية تقوم على تصور هرمي للمعرفة والمجتمع. فهناك الجمهور الذين يكتفون بالظاهر، وهناك أهل الجدل الذين يتوسلون بالقياس الظني، وهناك أهل البرهان الذين يدركون المعاني اليقينية. هذا التقسيم ليس اجتماعياً فحسب، بل إبستمولوجي أيضاً، إذ يعكس اختلافاً في أدوات الإدراك. غير أن هذا التصور يطرح سؤالاً معاصراً حول علاقة المعرفة بالسلطة: من يحدد من هو «أهل البرهان»؟ وكيف يُمنع الاحتكار المعرفي من التحول إلى وصاية فكرية؟ إن ابن رشد كان يتحرك في إطار مجتمع تقليدي هرمي، أما في السياق الحديث حيث انتشرت المعرفة وتعددت مناهجها، فإن هذا التقسيم يحتاج إلى إعادة تفكير.

إن إمكانات نظرية التأويل الرشدية في الحاضر تتجلى في قدرتها على تقديم نموذج للتفاعل الخلاق بين النص والعقل. ففي زمن تتصاعد فيه القراءات الحرفية للنصوص، وتُختزل الحقيقة في ظاهر العبارة، يستعيد مشروع ابن رشد راهنيته بوصفه دفاعاً عن شرعية التأويل المنضبط. لقد كان واعياً بأن الجمود على الظاهر قد يؤدي إلى تناقض مع معطيات العقل، وأن إنكار البرهان بدعوى حماية النص إنما يفضي إلى تشويه الاثنين معاً. إن تأكيده على أن الشرع يدعو إلى النظر العقلي، مستشهداً بقوله تعالى: «أفلا يتدبرون»، يجعل من التأويل امتداداً لروح النص لا خروجاً عليه.

إن الحد الإبستمولوجي الثاني يتمثل في ارتباط التأويل عند ابن رشد بوحدة الحقيقة. فهو لا يقبل بازدواجية الحقيقة على النحو الذي نُسب إلى بعض اللاتينيين من أتباعه، بل يرى أن الحقيقة واحدة، وإن اختلفت طرق التعبير عنها. هذا المبدأ يجنّبه الوقوع في نسبية معرفية، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام تحدي التوفيق بين تعدد التأويلات وتوحد الحقيقة. فإذا كانت الحقيقة واحدة فكيف نفسر اختلاف الفلاسفة أنفسهم؟ وهل يمكن أن يكون البرهان القطعي متعدد النتائج؟ هذه الأسئلة تكشف أن وحدة الحقيقة عنده هي افتراض ميتافيزيقي ضروري لضمان الانسجام بين العقل والوحي، لكنها لا تلغي تعقيد الواقع التأويلي.

ولعل من أبرز ما يميز التأويل الرشدي طابعه العقلاني النقدي. فهو لا يكتفي بالدفاع عن الفلسفة، بل يمارس نقداً للخطاب الكلامي الذي يعتمد على الجدل. لقد رأى أن المتكلمين رغم نيتهم الدفاع عن العقيدة، أدخلوا عليها من الشبهات ما لم يكن فيها، لأنهم خاطبوا الجمهور بلغة الجدل التي تثير الشكوك. وهو بهذا يقترب من موقف ابن تيمية في نقد علم الكلام، وإن اختلفا جذرياً في تقييم الفلسفة. هذا التداخل بين النقدين يكشف أن سؤال التأويل لم يكن صراعاً بسيطاً بين عقل ونقل، بل شبكة معقدة من المواقف المتداخلة.

إن استعادة نظرية التأويل الرشدية اليوم لا تعني تبنيها حرفياً، بل تعني تفعيل روحها المنهجية. فالسياق المعاصر يفرض تحديات جديدة، تعددية ثقافية، تطور العلوم الإنسانية، نقد اللغة وتفكيك السلطة. ضمن هذا المنحى يمكن قراءة ابن رشد بوصفه رائداً لفكرة «تاريخية الفهم» وإن لم يصغها بهذا اللفظ. فهو يقرّ بأن النص يخاطب الناس بحسب عاداتهم وألسنتهم، وأن الصور الواردة فيه مرتبطة بمدارك المخاطبين. وهذا الوعي بالسياق يفتح الباب أمام قراءة تأويلية تستحضر شروط النزول دون أن تقيد النص بزمنه.

غير أن ثمة توتراً في مشروعه بين النزعة البرهانية الصارمة وبين الطبيعة الرمزية للنص الديني. فالنص لا يُختزل في قضايا منطقية، بل يحمل أبعاداً جمالية وروحية وأخلاقية. وإذا كان التأويل الرشدي يركز على البعد المعرفي، فإنه لا يفرد حيزاً كبيراً للبعد الوجودي للتجربة الدينية. هنا يمكن أن يُستكمل مشروعه بحوار مع تقاليد أخرى، سواء في التصوف الإسلامي أو في الفلسفة التأويلية الحديثة. غير أن هذا الاستكمال لا يلغي أصالة مقاربته بل يكشف عن غناها وإمكان تطورها.

إن نظرية التأويل الرشدية في حدودها وإمكاناتها، تظل شاهداً على لحظة تاريخية بلغ فيها العقل الإسلامي درجة عالية من الوعي بذاته وبأدواته. لقد سعى ابن رشد إلى تأسيس علاقة متوازنة بين النص والعقل، لا تقوم على إلغاء أحدهما لصالح الآخر، بل على اعتراف متبادل بشرعية كل منهما في مجاله. وإذا كان التاريخ قد شهد أفول المدرسة الرشدية في العالم الإسلامي، فإن أثرها في الفلسفة اللاتينية كان عميقاً، وأسهم في تشكل النزعة العقلانية الأوروبية. غير أن قيمتها بالنسبة لنا اليوم لا تُقاس بما أحدثته في الغرب فحسب، بل بما يمكن أن تلهمه من تجديد في قراءة النصوص الدينية ضمن أفق عقلاني نقدي.

إن التأويل الرشدي ليس مجرد فصل في تاريخ الأفكار، بل إمكان مفتوح لمساءلة علاقتنا المعاصرة بالنص والحقيقة والعقل وحدوده الإبستمولوجية، بدل أن تكون عائقاً يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء نظرية تأويلية تستلهم صرامته المنهجية وتستجيب في الوقت نفسه لتعقيدات الحاضر.

إن التأويل عند ابن رشد ليس إجراءً عرضياً يُستدعى عند الضرورة فحسب، بل هو وظيفة داخل النسق المعرفي الذي شيده، وظيفة تتوسط بين النص بما هو خطاب موجَّه، والعقل بما هو أداة تمييز وترتيب وبرهنة. إن التأويل في هذا المنظور ليس ترفاً فكرياً، بل هو مقتضى التقاء مستويين من القول، مستوى بياني تمثيلي، ومستوى برهاني تجريدي. ولولا هذا التعدد في مستويات الخطاب لما كانت ثمة حاجة إلى التأويل أصلاً.

إن الأساس المنطقي للتأويل الرشدي يستمد شرعيته من التمييز الأرسطي بين أنماط القياس، كما بلوره أرسطو في تحليله للبرهان والجدل والخطابة. فابن رشد يقرأ النص الشرعي في ضوء هذا التقسيم، ويرى أن الخطاب الديني يتوسل بالخطابة لإقناع الجمهور، وبالجدل لإقناع أهل النظر المتوسط وبالبرهان لإقناع الخاصة. غير أن البرهان بما هو قياس مؤلف من مقدمات يقينية تفضي إلى نتيجة يقينية، يظل المعيار الأعلى للفهم. ومن هنا فإن أي تعارض ظاهري بين نص وبين نتيجة برهانية يقينية يستدعي تأويلاً يرفع هذا التعارض. التأويل هنا ليس خرقاً للنص، بل إنقاذ له من سوء الفهم.

إن هذه الرؤية تفترض مسبقاً أن الحقيقة في ذاتها لا تتعدد. فالحقيقة واحدة والاختلاف إنما هو في طرائق عرضها. وقد رفض ابن رشد بشدة ما نُسب إلى بعض اللاتينيين من القول بازدواجية الحقيقة، أي بإمكان أن يكون الشيء حقاً في الفلسفة باطلاً في الشريعة أو العكس. إن هذا الرفض ينبع من إيمانه العميق بوحدة المصدر النهائي للمعرفة. وإذا كان العقل عنده موهبة إلهية، فإن استعماله البرهاني لا يمكن أن يناقض مقصود الشرع، لأن الشرع نفسه يدعو إلى النظر والاعتبار. إن قوله إن “الشرع أوجب النظر بالعقل في الموجودات” ليس مجرد استدلال نصي، بل هو تأسيس لمبدأ إبستمولوجي قوامه أن التفلسف ليس خروجاً عن الدين، بل امتثال لندائه.

غير أن هذا التأسيس لا يخلو من توتر داخلي. فالبرهان الذي يشترطه ابن رشد لشرعية التأويل ليس مفهوماً مجرداً، بل هو محدد تاريخياً ضمن النسق الأرسطي. إن مفهوم اليقين عنده يرتبط بالبنية الصورية للقياس وبفكرة العلل الأربع وبالتصور الكوني الذي كان سائداً في زمانه. وهنا تبرز حدود المشروع، فإذا تغيرت صورة العالم وتبدلت معايير اليقين فهل يبقى شرط البرهان على حاله؟ أم ينبغي إعادة تعريفه؟ إن هذا السؤال لا ينقض المشروع لكنه يكشف عن تاريخيته. ومن ثم فإن إمكانات التأويل الرشدي المعاصرة تتوقف على إعادة قراءة مفهوم البرهان ذاته لا على استعادته حرفياً.

إن البنية المنطقية للتأويل عند ابن رشد تقوم على انتقال من الظاهر إلى المؤول عبر قاعدة عقلية كلية. فإذا ورد في النص ما يوهم التشبيه وكان البرهان يقتضي تنزيه الذات الإلهية عن مشابهة المخلوقات، وجب حمل اللفظ على معنى مجازي. غير أن هذا الانتقال لا يتم اعتباطاً بل عبر قواعد اللغة وأصول الفقه. فالتأويل عنده ليس إلغاءً للدلالة الوضعية بل هو استعمال لأحد وجوهها الممكنة التي يجيزها اللسان العربي. وفق هذا التصوريظل التأويل محكوماً بحدود اللغة ولا يتحول إلى إسقاط حر للمعاني.

إن هذا الوعي اللغوي يضع ابن رشد في تقاطع بين الفلسفة وأصول الفقه. فهو وإن كان فيلسوفاً مشائياً، يظل فقيهاً مالكياً مدركاً لقواعد الاستنباط. غير أن ما يميزه هو أنه لا يجعل أصول الفقه بديلاً عن المنطق، بل يرى في المنطق آلة للفهم الصحيح. إن العلاقة بين المنطق والأصول عنده علاقة تكامل لا تنازع. وهذا ما يضفي على تأويله صرامة مزدوجة، صرامة لغوية وصورية في آن.

غير أن هذه الصرامة نفسها تثير سؤالاً حول أفق المعنى. فالتأويل الرشدي يظل موجهاً أساساً نحو رفع التعارض المعرفي بين ظاهر النص ونتائج البرهان. لكنه لا يتوسع كثيراً في تحليل البعد الوجودي أو الرمزي للنص. إن النص الديني لا يقتصر على الإخبار عن حقائق كونية، بل يتضمن توجيهاً أخلاقياً وتربية روحية. وإذا كان ابن رشد يعترف بهذه الأبعاد، فإنه لا يجعلها محوراً لتحليله التأويلي. وهنا يمكن أن نقارن، على سبيل الإضاءة لا المفاضلة، بين مقاربته ومقاربات لاحقة في الفلسفة التأويلية الحديثة كما عند هانس جورج غادامير، الذي رأى أن الفهم هو اندماج آفاق بين النص والقارئ، وأن المعنى لا يُستخرج من النص استخراجاً، بل يتشكل في أفق الحوار التاريخي.

إن المقارنة بين ابن رشد وغادامير تكشف عن اختلاف عميق في تصور الفهم. فابن رشد يفترض إمكانية الوصول إلى معنى يقيني إذا توفرت شروط البرهان، بينما يرى غادامير أن الفهم محكوم بتاريخية الوعي، وأنه لا يوجد تأويل نهائي مغلق. ومع ذلك، فإن القاسم المشترك بينهما هو رفض الحرفية الجامدة، والإقرار بأن النص يتجاوز ظاهره المباشر. وإذا كان ابن رشد يشترط البرهان، فإن غادامير يشترط الانفتاح على تقليد حي. كلاهما يرفض القراءة الساذجة التي تختزل النص في حروفه.

إن استحضار هذه المقارنة لا يراد به إخضاع ابن رشد لمعايير حديثة، بل إبراز إمكان حواره مع قضايا معاصرة. ففي زمن تتعدد فيه القراءات وتتنازع فيه المرجعيات، يمكن لنظرية التأويل الرشدية أن تسهم في ضبط العلاقة بين الحرية التأويلية والانضباط المنهجي. فهي ترفض إطلاق العنان للتأويل بلا ضابط، لكنها في الوقت نفسه ترفض الجمود على الظاهر. هذا التوازن هو ما يمنحها قيمة راهنة.

إن من أبرز إمكانات التأويل الرشدي في السياق المعاصر قدرته على مواجهة النزعات الأصولية التي ترفض كل قراءة عقلانية للنص. لقد كان ابن رشد واعياً بخطر شيوع التأويل بين غير أهله، لكنه لم يتراجع عن الدفاع عن شرعيته. إنه يميز بين كتمان بعض التأويلات حمايةً للجمهور، وبين إنكار مبدأ التأويل نفسه. هذا التمييز الدقيق يمكن أن يُقرأ اليوم في ضوء النقاش حول التربية الدينية وضرورة التمييز بين الخطاب العام والخطاب التخصصي. غير أن السياق الحديث، حيث انتشرت وسائل المعرفة وتوسعت دوائر التعليم، يفرض إعادة نظر في فكرة حصر التأويل في نخبة محدودة.

إن التحدي المعاصر لا يكمن فقط في الدفاع عن التأويل، بل في إعادة تعريف معاييره. فإذا كان البرهان الأرسطي لم يعد النموذج الوحيد للعقلانية، فإن العلوم الحديثة والعلوم الإنسانية قد وسعت مفهوم المنهج. وهنا يمكن استلهام روح ابن رشد لا حرفيته، أي الإصرار على أن أي تأويل ينبغي أن يكون مؤسساً على منهج صارم، وأن لا يتحول إلى إسقاط أيديولوجي. إن صرامته المنهجية يمكن أن تلهم قراءة نقدية للنصوص الدينية تتفاعل مع معطيات العلم الحديث دون أن تفقد احترامها للتراث.

إن من الحدود الإبستمولوجية لنظرية التأويل الرشدية أيضاً افتراضها انسجاماً تاماً بين العقل والنص إذا فهم كلاهما على وجهه الصحيح. غير أن التجربة التاريخية تكشف أن التوتر بين التأويلات لا يزول بمجرد الاحتكام إلى البرهان، لأن تحديد ما هو برهاني ذاته قد يكون محل نزاع. وهنا يبرز البعد التداولي للفهم، فالتأويل ليس فعلاً فردياً محضاً، بل هو جزء من حوار اجتماعي وثقافي. وإذا لم يتطرق ابن رشد صراحة إلى هذا البعد، فإن مشروعه يفتح الباب أمامه لأنه يقرّ بتعدد مستويات الفهم.

إن إمكانات نظرية التأويل الرشدية المعاصرة تتجلى كذلك في قدرتها على بناء جسر بين التراث الإسلامي والفلسفة العالمية. لقد كان ابن رشد نفسه جسراً بين العالم الإسلامي والغرب اللاتيني، وقد أسهمت شروحه لأرسطو في تشكيل العقل المدرسي في أوروبا. إن استحضار مشروعه اليوم يمكن أن يسهم في حوار حضاري يقوم على الاعتراف المتبادل بالعقلانية المشتركة. فالتأويل في جوهره هو اعتراف بأن النص يحتاج إلى فهم، وأن الفهم يحتاج إلى عقل، وأن العقل يحتاج إلى منهج.

غير أن استلهام ابن رشد لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد غير نقدي. فمشروعه رغم عظمته كان ابن سياقه، وتحكمت فيه شروط سياسية وثقافية معينة. لقد تعرض للنفي والإقصاء في أواخر حياته، وهو ما يكشف عن هشاشة العلاقة بين الفلسفة والسلطة. إن هذا البعد السياسي للتأويل لا يمكن تجاهله. فالتأويل ليس مجرد مسألة معرفية، بل قد يكون رهين توازنات اجتماعية. وإذا أردنا تفعيل إمكاناته المعاصرة، فعلينا أن نعي أن الدفاع عن العقلانية يتطلب فضاءً من الحرية.

إن هذا الامتداد في التفكير لا يهدف إلى تلخيص ما سبق فحسب، بل إلى إعادة طرح السؤال المركزي في أفق أوسع، ما الذي يمكن أن يعنيه التأويل الرشدي اليوم؟ إن الجواب لا يكمن في استنساخ صيغ قديمة، بل في استيعاب روحه النقدية. لقد كان ابن رشد شجاعاً في الدفاع عن حق العقل في الفهم، وفي الوقت نفسه متواضعاً أمام النص معترفاً بسموه وثرائه. هذا الجمع بين الجرأة والاحترام هو ما نفتقده أحياناً في سجالاتنا المعاصرة، حيث يتقابل تطرفان، تطرف يقدس الظاهر ويرفض كل تأويل، وتطرف يجعل النص مادة طيّعة لإسقاطات لا ضابط لها.

إن نظرية التأويل الرشدية تذكّرنا بأن الفهم مسؤولية وأن التأويل أمانة. فهي تضع شروطاً صارمة لمن يتصدى له، لكنها لا تغلق بابه. وهي تؤكد أن العقل ليس خصماً للوحي، بل شريكاً في إدراك معناه. وإذا كان مفهوم البرهان قد تغير، فإن الحاجة إلى منهج لم تتغير. وإذا كانت السياقات قد تبدلت، فإن سؤال العلاقة بين النص والعقل ما يزال مطروحاً بإلحاح.

إن استعادة ابن رشد اليوم ليست عودة إلى الماضي، بل هي انفتاح على إمكان مستقبل تتصالح فيه العقلانية مع الإيمان والتقليد مع النقد والخصوصية مع الكونية. إن التأويل كما فهمه ليس مجرد تقنية تفسيرية بل هو موقف من العالم، موقف يعترف بتعدد مستويات الحقيقة ويبحث عن انسجامها دون إنكار اختلاف طرق التعبير عنها. وفي هذا الموقف تكمن إمكانات متجددة لفلسفة عربية إسلامية معاصرة، تستلهم تراثها دون أن تنغلق فيه وتتحاور مع العصر دون أن تذوب فيه.

إن حدود التأويل الرشدي ليست جدراناً مغلقة، بل هي معالم طريق. إنها تحدد ما ينبغي الحذر منه، التسرع، الهوى، الظن الذي لا يقوم على دليل. وفي الوقت نفسه تشير إلى ما ينبغي السعي إليه، برهان منضبط، فهم عميق وحوار مستمر بين النص والعقل. وإذا كان التاريخ قد شهد أفول مدرسته في زمنه، فإن الأفكار الكبرى لا تموت، بل تعود بأشكال جديدة كلما احتاجت الإنسانية إلى صوت العقل. وفي عالم يموج بالتأويلات المتنازعة، قد يكون في استحضار ابن رشد دعوة إلى إعادة بناء ثقافة الفهم على أساس من الصرامة والحرية معاً، حتى يظل التأويل جسراً لا متراساً، وطريقاً إلى الحقيقة لا ذريعة للفرقة.

***

د. حمزة مولخنيف

 

تعددت تعريفات ومفاهيم التنمية باختلاف وتعدّد المدارس والمقاربات. وتباينت التصورات انطلاقا من المفهوم والممارسة فهي قضية معقدة وشائكة في نفس الوقت. ويختلف هذا المفهوم من إطار نظري إلى آخر ومن تخصّص إلى آخر على اعتبار تعدّد التخصصات العلمية المهتمة بالتنمية.

ويمكن القول في هذا السياق إن نشأة المفهوم ترجع أساسا إلى عمق الفجوة بين الدول الغربية المستعمِرة والدول النامية المستعمَرة، فقد تبلور هذا المفهوم بأكثر وضوح عند حصول بعض الدول على استقلالها ووقوفها على مشاكلها المتراكمة الناتجة عن الاستعمار ولذلك نشأ مفهوم "التخلف" للتدليل على الانحطاط والركود، وهو المقابل لمفهوم التنمية الذي يدل على الحركية والتطور والتقدم والنهوض والنمو... لذلك شاعت التقسيمات بين عالمين "المتقدم" "و المتخلف" أو كما يسميها سمير أمين في نظرية "التطور اللامتكافئ" أو "التبعية" بالمركز والأطراف وجدلية التفاعل بينهما. ومن هذا المنطلق فإن التنمية كانت ولا زالت الهدف الأساسي والرئيسي لكل الدول التي تعاني القصور في تطور بنائها الاجتماعي والاقتصادي (1).

ويمكن تحديد تعريف التنمية من خلال تقرير هيئة الأمم المتحدة للتنمية في 1955 حين تعتبرها "العملية المرسومة لتقدم المجتمع جميعه اقتصاديا واجتماعيا اعتمادا على إشراك المجتمع المحلي" (2) فهي تخطيط يقوم على استيعاب الإمكانيات المحلية واستقطاب الموارد البشرية والفنية واستغلالها في البرامج والمشاريع التنموية لخلق ممهدات النهوض الاقتصادي والاجتماعي وذلك بالاعتماد قدر الإمكان على جهود الأهالي ومشاركتهم ومساعدتهم في تحقيق الاندماج في المجتمع والمساهمة في تقدمه. فالتنمية لها بعد اجتماعي على اعتبار مبدإ التشارك والتعاون بين جميع فئات المجتمع ومؤسساته العامة والخاصة وهياكله المدنية. ويمكن تحديد تعريف التنمية من خلال "أبعاد التغيير المخطط في النظام الاجتماعي الشامل لكافة القطاعات والمؤسسات العامة التي تشرف عليها الدولة إلى جانب المؤسسات الخاصة والقطاع الخاص الشعبي والجماهيري، ومدى التكامل والتوازن والثقة في تنفيذ ما خطط له من أجل النهوض بالمجتمع (3)، ومن هذا المنطلق فإن العملية التنموية تتحدد من خلال مجموعة من الوسائل والطرق أو المسالك التي تستعمل لتوجيه جهود وإرادات الأهالي مع السلطات العامة قصد تحسين وتجويد مستوى الحياة من الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في المجتمعات المحلية وإخراج هذه المجتمعات من عزلتها وتقوقعها لتساهم إيجابيا في الحياة القومية وتقدم البلاد (4) ، فالمشروع التنموي لا يجب أن يكون خارجا عن خطة وطنية شاملة تأخذ في الاعتبار البعد التكاملي في ضرورة التنسيق بين جميع فعاليات المجتمع لتحقيق التنمية الشاملة، وهو مشروع ربط الفئات الاجتماعية والمجتمع الشامل، من جهة وبين مشروع التنمية والخطة الشاملة من جهة ثانية، لذا فهي عملية منظمة ومخططة مسبقا تستوجب توحد كل الإمكانيات المادية والبشرية بهدف التغير في أبعاده التنظيمية والاقتصادية والاجتماعية من أجل الرفاه الاجتماعي، فهي عملية تحوّل كمّي وكيفي في البنى الاجتماعية، وهو تغير متواصل وشامل لا يقبل التجزئة والانقطاع، مما يجعله مجهودا دؤوبا وحركة اجتماعية لا تفصل بين الاقتصادي والاجتماعي وهذا ما عناه حسن إبراهيم عيد حين عرّفها بقوله "إنها الامتداد الكمي والكيفي للاقتصاد الوطني والتغيير في طرق الإنتاج وعلاقاته (5).

و يمكن الإشارة في هذا السياق إلى أن مفهوم التنمية لم يكن منفصلا عن مفاهيم أخرى كمفاهيم التخلف والتقدم والتحديث والتغير.. وهي كلها مفاهيم نشأت وترعرعت في ظل المقارنات بين المجتمعات المتقدمة و"السائرة في طريق النمو" إضافة إلى التحديات والرهانات المعلنة من قبل الفاعل السياسي أو الفاعل التنموي ضمن استراتيجية تنمية المجتمع تنمية شاملة الذي يتخبط في أوضاع متدنية على جميع الأصعدة.

كما يمكن الإشارة إلى أن جذور المفهوم تحيلنا للفكر الخلدوني الذي كان سبّاقا في وضع معالم نظرية العمران، وهي نظرية تُقدِّم تطور المجتمعات إلى مرحلة الحضارة والترف على أنه بداية الانهيار والأفول والسقوط وهي ليست غاية التنمية التي تتناقض أو تتعارض مع التطور المادي المفرط الذي لا يضمن الاستقرار دون المحافظة على الطبيعة البشرية الحقيقية التي تستمد جوهرها من الأخلاق والدين والعيش على الضروريات والتأقلم مع البيئة بفعل التضامن الاجتماعي أو ما يسميه دوركايم "بالتضامن الآلي". فهي تنمية تقوم على البعد النوعي الكيفي دون أن تنفي البعد المادي الضروري. وهذه الرؤية لتطور المجتمعات لا نجدها لدى علماء الاجتماع الغربيين في المجتمعات العلمانية إذ تقوم التنمية على الاستغلال الأمثل للموارد لتحقيق الأهداف المرسومة، فبلوغ التكنولوجيا الحديثة والتقنية المتطورة والنمو السريع للتحضر وهيمنة وسائل الاتصال والمواصلات والتحكم في المجال وبروز ما يسمى بالمجتمع "ما بعد الصناعي" وما يصحبه من حراك كل ذلك بُغية تحقيق الرّفاه الاجتماعي مع الحفاظ على خصوصية المجتمع الذاتية، فالتنمية في هذا السياق تستوجب التغير والتصنيع والقوة والوحدة ومن هذا المنطلق فإن مفهوم التنمية في الفكر الرأسمالي يتحدد من خلال التغييرات الجوهرية في مجال الاقتصاد والرفع من الإنتاج والجودة وتطور وسائل الإنتاج والرفع من مستوى الدخل للتخفيف من حدة الفقر لدى الطبقة العاملة، وهذا التوجه لا يمكن فصله عن إطاره التاريخي والاجتماعي الأوروبي الرأسمالي الذي يعطي للبعد الاقتصادي الأهمية القصوى لتحقيق التقدم الصناعي والتطور التكنولوجي، ومن وراء ذلك الرفاه الاجتماعي عكس ما يراه كارل ماركس في تحليلاته لتطور المجتمعات استنادا للمادية التاريخية وصراع الطبقات...

فالتنمية حسب ماركس لا تنفصل عن الوعي الطبقي الثوري الذي يؤدي إلى تغييرات جذرية في البنى التحتية والفوقية وما التقدم المادي في المجتمع الصناعي إلا عائق تنموي.

و تجد هذه القراءة تواصلها لدى مفكري المدرسة الماركسية التي ترى بأن التنمية هي تغير اجتماعي بنائي يهدف إلى هدم مكونات المجتمع التقليدية "المتخلفة" والارتقاء بها بما يمكّن من تغيير العلاقات الاجتماعية المراد الوصول إليه، لأن هذا البناء التقليدي هو نتاج التبعية متعددة الجوانب بين مجتمعات "متخلفة" وأخرى "متقدمة". لذلك يرون أن الوعي بمسألة التبعية ومن ثم إنجاز التغيير ثوريا هو الحلّ للتحرّر من الهيمنة بكل فروعها لتحقيق التنمية الحقيقية(6).

من هذا المنطلق يمكن القول بأن العملية التنموية هي عملية حضارية وإنسانية شاملة ومتكاملة لا تقبل التجزئة ولا التوقف، فهي حركة محورها الإنسان وهدفها الإنسان في البناء والتطوير بما يضمن إشباعه المادي والمعنوي ويحقق له التوازن خاصة إذا كان فاعلا في العملية التنموية ومشاركا فيها ومتفاعلا معها ومتماهيا مع اختيارات الفاعل التنموي أو الفاعل السياسي ضمن مقاربة تشاركية لا تقوم على الإسقاط والتهميش، ولا يكون هذا إلا إذا تخلصت التنمية من سياسة التنمية الجاهزة وأضحَت فعلا تنمويا (action)، وهذا ما يمكننا من الإشارة إلى أن التنمية عملية معقدة تتشابه فيها استراتيجيات الفاعليْن السياسي والاجتماعي، وهي استراتيجيات كثيرا ما تكون خفية ضمن حقول متعددة تبدأ بالاقتصادي وتنتهي بالثقافي الموسع ولا تخلو من الصراع والرهان.

هذا بالإضافة إلى شمولية هذا المفهوم إذ لا يمكن حصره في الجانب المادي الكمي أي الاقتصادي البحت فهو يتعدى ذلك إلى الأبعاد الاجتماعية على مستوى السلوك والقيم والعلاقات على تعدد أوجهها اقتصادية وسياسية وثقافية (7) وتلك المفاهيم إذا تعلقت بالإنسان تتداخل وتتشابك وتؤكد خصوصية النوع البشري، ويمكننا في هذا الإطار أيضا التأكيد على مرونة مفهوم التنمية لأنه لا يقبل التعريفات الجامدة والنهائية ولا يمكن للباحث في هذا الموضوع إطلاق تعريف محدد، فهو مفهوم متغير يقبل التعديل والإضافة حسب الظرفية الزمنية والبيئية (المكانية) وهو ما يجعل هذا المفهوم في تحَدٍّ جديد ومستمر وقادر على استيعاب التفريعات ذات العلاقة بالتنمية سواء على مستوى المواضيع أي المضمون أو الأبعاد والأشكال فهو مفهوم معقد وشامل ومنفتح.

يعد مفهوم التنمية من أهم المفاهيم في القرن العشرين، حيث أطلق على عملية تأسيس النظم الاقتصادية والسياسية المتماسكة ويشير المفهوم إلى هذا التحوّل بعد ستينيات القرن العشرين في عديد الدول النامية، ومما يزيد في أهمية هذا المفهوم هو تعدّد أبعاده ومستوياته وتشابكه أو تداخله مع مفاهيم أخرى كالتقدم والتحديث والتخطيط والنمو والتطور.

وقد برز هذا المفهوم بصورة جلية منذ الحرب العالمية الثانية، إذ لم يستعمل هذا المفهوم منذ ظهوره في عصر الاقتصادي البريطاني "آدم سميث" في الربع الأخير من القرن الثامن عشر وحتى الحرب العالمية الثانية إلا على سبيل الاستثناء، فقد استعمل مصطلحان للدلالة على التطور وهما "التقدم المادي" أو "التقدم الاقتصادي"، وحتى عند الحديث عن مسألة تطوير الاقتصاد في القرن التاسع عشر كانت الاستعمالات المستخدمة هي التحديث أو التصنيع (8).

ومن هذا المنطلق فإن مفهوم التنمية ارتبط بعلم الاقتصاد حيث يدل على إحداث جملة من التغييرات الجذرية في مجتمع معين، بهدف إكساب ذلك المجتمع قدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسين المتواصل في نوعية الحياة الفردية، وزيادة القدرة على تلبية الحاجيات الأساسية المتزايدة، بطريقة تكفل زيادة درجات الإشباع لتلك الحاجيات عن طريق الاستغلال المحكم للموارد الاقتصادية المتاحة وحسن توزيع الثروة.

ويجدر القول بأن التنمية عملية شمولية لا تقبل التجزئة، فهي إما أن تكون شاملة وكلية وإما أن لا تكون. وتتلخص أهدافها في خلق الشروط والظروف المساعدة على مواجهة مشاكل السكان من خلال إيجاد التوازن بين الموارد والسكان، ومساعدتهم على التحكم أكثر في وسطهم الطبيعي، وذلك بهدف الرفع من مستوى عيشهم ماديا ومعنويا (9)، فهي عملية واعدة طويلة الأمد، شاملة ومتكاملة في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتكنولوجية والبيئية، فبالإضافة إلى كونها عملية مرسومة لتقدم المجتمع في مختلف المجالات، فهي تعتمد بشكل كبير على مشاركة جميع أفراد المجتمع فيها (10)، لتكون فعلا اجتماعيا ديناميكيا يساعد المجتمع ككل بمعطياته ومؤسساته على اكتساب قدرات معرفية جديدة تيسّر له قدرات إنتاجية متزايدة تمكن كل المواطنين من تحسين ظروف عيشهم (11). إنها عملية مركبة ومعقدة يصعب الفصل بين مكوناتها المتفاعلةالتي تسهم بشكل متفاوت في تحقيق وإنجاح البرامج المخططة في عملية التنمية، أي أنها مجموع العمليات التي يتم من خلالها توجيه جهود أفراد المجتمع، لخلق الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية الملائمة لانتقال المجتمع من وضع "متخلف" إلى وضع أفضل على جميع الأصعدة.

و قد رافق إعادة التفكير في مفهوم التنمية التقليدي ظهور مفاهيم جديدة كالتنمية المحلية والجهوية والريفية والحضرية وهي مفاهيم تعطي أكثر جدوى للتنمية الخصوصية في المجتمع المحلي، وتتجاوز الإسقاط الذي لم يعد مجديا ولا يتناسب مع الظروف الموضوعية للمجتمع، لتكون التنمية عبارة عن "عمليات كمية أو نوعية هادفة إلى تحسين مستديم للظروف المعيشية لسكان مقيمين في مجال محدد على الأصعدة المؤسساتية والجغرافية أو الثقافية.وبكلمة يمكن القول إننا بإزاء مسلسل تشاركي وديناميكي للتنمية الاجتماعية والاقتصادية الجماعية يعتمد على تعبئة ومسؤولية تجمع سكاني محلي منظم ومدعم من خلال عمليات قطاعية منسقة. ويندرج إنجاز التنمية المحلية ضمن منطق عمل ينطلق مما هو محلي مرتكز على الإمكانيات الداخلية لمجال معين، ومدمج لفاعلين قطاعيين ومحليين في إعداد برامج ومخططات التنمية المحلية" (12).

إن المقومات الأساسية لعملية التنمية حسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هي أمل الحياة عند الولادة، معرفة القراءة والكتابة بين البالغين، ثم الدخل الفردي من الناتج الإجمالي الخام (13).

ويرى "ألان توران" أن التنمية تستوجب ثلاثة شروط هامة لابد من توفرها وهي: (14)

تحديد الاختيار وضبط المتغيرات.

انتشار المنتوجات الاقتصادية في كل أرجاء المجتمع.

ضبط التغير الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والإداري، على صعيد البنى الاجتماعية المعنية بالتنمية.

ولقد بينت التجارب التنموية في أوروبا وفي غيرها من البلدان-وهي المرتكزة على التنمية الاقتصادية وتكديس الثورة- أن التنمية الأحادية الجانب التي تعتبر الاقتصاد محركا أساسيا لعملية "التقدم" و"التطور" هي السبب الرئيسي للصراعات الطبقية واحتكار الثروة والتوزيع غير العادل لها. ويعتبر الاهتمام بمدلول التنمية الشاملة أو المتكاملة، إثراء لمفهوم التنمية على أنها مجموعة من العناصر والعوامل تشمل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية لتصبح العملية التنموية بهذا المعنى "مجموعة العمليات التي تتوحد بها جهود المواطنين والحكومة لتحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمعات المحلية وتحقيق تكاملها" (15)

وخلاصة القول أن التنمية تهدف إلى إحداث التغيير المطلوب في المجتمعممّا يساعد على النمو السليم وتجنب ما يكون فيه من مشكلات وتخلف اجتماعي أو اقتصادي، اعتمادا على ما يكون عند هذا المجتمع من قدرات مادية وبشرية. وحتى تكون عملية التنمية سليمة ومنظمة ولا ينتابها التعثر، لابدّ أن تكون مؤسسة على تخطيط محكم وخطط تنموية جيدة البناء والموضوعية، لتضحي في المحصلة عملية استغلال رشيد للموارد الطبيعية والبشرية تفترض وجود خصائص معينة كالدينامية والتغير والتصنيع والاستقلال وحريّ بنا هنا التذكير بأن التنمية تختلف بهذا المعنى عن التصنيع.فإذا كان هذا الأخير ينحصر في البعد المادي التكنولوجي، فإنالتنمية تعني تحويل وتطوير العلاقات الإنسانية والإمكانيات الاقتصادية والسياسية بغض النظر عن مستوى الاقتصاد (16).

وجدير بنا في هذا السياق الاشارة الى أنماط التنمية أو مستوياتها ونبدأ بالتنمية الاقتصادية يقصد بها كل ما يتعلق بالجانب المادي الإنتاجي في اقتصاد المجتمع أو ما يتعلق بالبنية الاقتصادية للمجتمع وما تتضمنه من هياكل وأطر اقتصادية ومؤسساته ذات الصلة بالعملية الإنتاجية في سياق تحقيق النمو والفائدة من خلال التراكم الكمي اعتمادا على مؤشرات مثل الدخل والمستوى المعيشي والزيادة في الناتج القومي الخام وتطور وسائل الإنتاج وطرقه بين الهياكل الإنتاجية والقطاعات الاقتصادية المكونة للنسيج الاقتصادي في المجتمع.

و يعرّفها البشير العربي بكونها "عملية ... تهدف إلى الزيادة في الإنتاج السلعي والخدماتي مع حسن توزيع الناتج الإضافي على الفئات الاجتماعية ،و يكون ذلك بالإنتاج في مجال الثروات الطبيعية وتحقيق مستوى هام في مجال التصنيع بإقامة قاعدة صناعية ضخمة وتوفير مصادر الطاقة والرفع من نشاط الإنتاج الزراعي وتحسين الخدمات باستخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة في جميع القطاعات المنتجة." (17)

وهذا تعريف اختزل التنمية في بعدها الاقتصادي، وهو يتمثل في التوصل إلى الوسائل الحديثة في التخطيط والتنظيم توق للزيادة في الإنتاج تصورا وتنفيذا للوصول لأقصى درجات الإنتاج وأكبر حدود الاستهلاك.

وهذه التنمية الاقتصادية التي تشترط الإمكانيات المادية والتقنية البشرية المختصة تجعل من الدول الصناعية الكبرى النموذج الذي تسعى الدول النامية للاقتداء به ارتقاءً بتنميتها ولتخرج من التخلف الاقتصادي وهو ما يجعلها في تبعية متواصلة خاصة إذا تعلق الأمر بالتقنية والتكنولوجيا وإشكالية استيرادها.

وتتحدّد التنمية الاقتصادية من خلال إمكانيات المجتمع وقدرته على التجديد وتوسيع التصنيع، وتدرّج الشرائح والفئات الاجتماعية اقتصاديا من خلال الدخل الفردي، وكثافة المكننة واستغلال العامل التكنولوجي، وتجنب الاختلال بين الريف والمدينة وتحقيق النمو والتراكم في عملية الإنتاج والثروات ورؤوس الأموال والاستثمار، واندماج السوق وانفتاحه على العالمية (18).

وتتأسس التنمية الاقتصادية على مؤشرات الناتج القومي الخام ومتوسط استهلاك الفرد من الطاقة ونسبة مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي والمعدل السنوي للتضخم (19).

و تعتبر التنمية الاقتصادية شرطا ضروريا للخروج من "التخلف" وهو شبه اتفاق عام على حاجة الدول النامية إلى مساعدة الدول الغربية. بدأ الاهتمام بتطور العالم الثالث من قبل علماء الاقتصاد. وظهرت الأبحاث والنظريات عن التنمية الاقتصادية في بداية الأمر، ثم سرعان ما تبين أن التنمية ينبغي أن تكون في جميع الميادين، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية خاصةبعهد أَنْ كان قد ظهر تفاوت واضح بين الجهود المبذولة من قبل الدول النامية في ميدان التنمية الاقتصادية من جهة وفي المجال السياسي من جهة أخرى وتأخر الثاني على الأول.

و قد حصر هذا التعريف التنمية في البعد الاقتصادي بالنظر إليها على أنها،"التوصل للوسائل الحديثة في التنظيم والتخطيط للزيادة في الإنتاج" وهو توجه اقتصادي تطوري اعتمادا على المؤشرات الكمية وهذا ما ذهب إليه المفكر الأمريكي "روستو" في تحديد للمراحل الرئيسية التي تمر بها المجتمعات لتحقيق نموها من التقليدي وصولا للاستهلاك الوفير، وهو ما يعني تطور المجتمعات من التقليدي إلى الحديث، هذا الأخير الذي يمثله المجتمع الغربي الرأسمالي.

و واضح أن تعريق التنمية على النحو لا يمكن فصله عن الثقافة الغربية التي تسعى لفرض سيطرتها على الأنماط الثقافية الأخرى ودعوتها الملحة إلى استيراد نموذجها الرأسمالي؛ إذ يكفي حسب تصور هذا التعريف أن تراكم رؤوس الأموال والتقنية والخبرة من الأجانب لتحصل على الثروات المادية وتتخلص من براثن التخلف.

و يستخدم مصطلح التنمية الاقتصادية للدلالة على تنشيط الاقتصاد وتحويله من حالة الركود وذلك بالتحول إلى اقتصاد الصناعة، ولهذا اعتبرت الزيادة السنوية الملموسة في إجمالي الناتج القومي ومتوسط دخل الفرد المرتفع من المؤشرات الأساسية للتنمية الاقتصادية (20).أما بخصوص التنمية الاجتماعية

فيعرفها أغلب الباحثين بكونها "الرعاية الخدماتية في مجالات التعليم والصحة والسكن والعلوم والترفيه" ... وهي خدمات اجتماعية إنسانية تنمّي المجتمع وتحقّق ترابطه وتكامله والهدف منها تحقيق أفضل الاستثمار في استغلال الإمكانيّات المتاحة لتحقيق الرّفاه والتّقدم.

فالتنمية الاجتماعية -كما يدل عليها اسمها-تُعْنَى بكل ماهو اجتماعي إذا حدّدنا الاجتماعي بأنّه ما يّتعلق بالرّعاية والخدمات التي تؤدّي إلى"إيجاد ظروف عمل أفضل للفئات العاملة في المجتمع والزيادة في دخل الأسرة، مع الزيادة في توقع الحياة، والتخفيض من معدلات الوفيات للعموم وخاصة الأطفال حديثي الولادة " (21)، فهي جملة الاحتياجات والرغبات التي تحقق للفرد اندماجه وتوازنه من خلال رفع مستوى عيشه استنادا لتطلعاته وطموحاته داخل المجتمع.

عَلى أَنَّ هناك من يعرف التنمية الاجتماعية بأنها ليست خدمات اجتماعية فحسب وإنما هي التغير الذي يطرأ على مستوى البناء الاجتماعي الذي لا يصمد أمام التطور لعدم قدرته على تحقيق الإشباع، وهو ما يجعل البناء الجديد بقيمه وعلاقاته أكثر مُلاَءَمَةً للتغيرات الحاصلة(22)، وبذلك يتوسّع المفهوم ليشمل الخدمات الاجتماعية الموجّهة للمجتمع بجميع فئاته والبناء الاجتماعي المتجدّد.

تستمدّ هذه التنمية تنميتها من القوى البشرية الفاعلة ذات التّخصص في مجالات التنمية، إِذْ تعد الموارد البشرية وسيلة من وسائل الإنتاج الاقتصادي المادي فحسب وإنما أصبح يُنْظَرُ للإنسان أَخْذًا بالاعتبار لرغباته المتنوعة والمتعددة وطموحاته وتطلعاته الفردية والاجتماعية والثقافية...

لذلك يهدف هذا المفهوم إلى تهيئة الظروف والأطر التي تجعل الإنسان يحقق تلك الطموحات الذاتية والاجتماعية بتعدّد مجالاتها وخصائصها. وهو ما يجعل القوى البشرية تحتاج للتأطير والعناية على مستوى التكوين في بعده الشامل للارتقاء بها وتمكينها من الخبرة والكفاءة للاستفادة منها داخل المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والوصول للتماهي بين الفاعل الاجتماعي "المبدع" واستراتيجيات التنمية وبرامجها المخططة على المستوى الشامل فيصبح الإنسان هو محور العملية التنموية هدفا ووسيلة. وهذا الجانب البشري هو العمود الفقري لكل تنمية على اعتباره المتحكِّم في هذه العملية، تمويلا أو تدريبا أو تخطيطا. وقد ارتبطت هذه الأهمية في المستوى الوطني بعمليات مراقبة المجال وتنظيمه" (23)، وهذا التّوجّه يعتبر التنمية المحلية هي الرّهان الذي تقوم عليه السياسات التنموية في ظل التغيرات العميقة والسريعة سواء على المستوى العالمي أو على المستوى الوطني. وقد تبنّت المنظمات غير الحكومية هذا التوجّه التنموي منذ أكثر من عقدين مما يكرّس أهميته من خلال البرامج الذاتية وتركيز السكان في مناطقهم الأصلية، وتضامنهم للارتقاء بمجتمعهم المحلي وذلك باستقطاب كل القوى البشرية والفنية من أبناء المجتمع واستغلالها في البرامج التنموية المخططة التي تهدف إلى إدماج المناطق الفقيرة والمعزولة لتحقيق العدالة في توزيع الخدمات والثروة الاجتماعية بحسب المجتمع المحلي واحتياجاته مع مراعاة خصوصية هذا المجتمع ومدى تقبّله للمفاهيم والممارسات المترتبة عن التنمية بجوانبها المتعددة، كي لا تؤدي إلى عرقلة المسار التنموي والإقصاء الاجتماعي (24).

تعتبر التنمية الاجتماعية محصّلة الفعل المشارك في مجتمع يتجه عبر تطوير قدراته والارتقاء بها نحو تحقيق العدالة الاجتماعية (25). وتهتم التنمية الاجتماعية بنهضة المجتمع المحلي، باعتباره المجتمع الأصلي، وهو بالتالي الإطار المرجعي التي تهدف إليه التنمية الاجتماعية، وهو الضّامن الوحيد -كمجتمع محلي- لهوية المجتمع وتقاليده وثقافته لذلك تعتبر التنمية هي محصّلة إحياء القيم وتقاليد المجتمع.

وهَذَا ما دَفَع ببعضهم للقَوْلِ: إن مراعاة برامج التنمية للتقاليد والثقافات والعادات المتعلّقة بالمجتمعات المحلّية، هو أساس التنمية الاجتماعية ذات المفعول طويل المدى"(26).

فالتنمية الاجتماعية تتعارض مع النزعة الفردانية، وتهدف للحفاظ على المؤسسات التقليدية طالما أن "التغير ممكن بشرط أن يساهم كل فرد في قطاعه في تحديث أدواته وإنتاج فكره، العالم تصنعه كل القوى الفاعلة فيه والداخلة في تشكيله وبنائه. ولا يختلف في ذلك عقل متخصص أو عامة متعلمة ممارسة فكرية معقدة أو صناعة يدوية بسيطة" (27).

و قد انصب الاهتمام بالتنمية الاجتماعية على أساس دراسة العلاقات الاجتماعية، فالتنمية هي تطور البشر في علاقاتهم المشتركة والتوافق في العلاقات بينهم، لأنّ تغيّر البناء الاجتماعي مالم يصحبه تغير في طبيعة العلاقات الاجتماعية، فإن التنمية الاجتماعية تكون صعبة التحقيق (28) ولهذا ينظر إليها على أنها "تنمية علاقات الإنسان المتبادلة". ويعتبر عنصر التعاون داخل الحياة الاجتماعية مُهِمًّا، إذ لا تعتمد التنمية في هذا المجال على الإكراه بل على التعاون والعمل المشترك، فهي بذلك تعني "انبثاق ونمو كل الامكانيات والطاقات الكامنة في كيان معين بشكل كامل وشامل ومتوازن سواء كان هذا الكيان فردا أو جماعة أو مجتمعا" (29)

ومن هذا المنطلق فإن التنمية الاجتماعية، هي عمليات تغير اجتماعي يلحق بالبناء الاجتماعي ووظائفه بغرض إشباع الحاجات الاجتماعية للفرد والجماعة، وهي عمليات تخلق التقدّم الاجتماعي والاقتصادي معتمدة على إسهام المجتمع المحلي والمشاركة الواسعة لفئاته(30)؛ ومن هنا جَازَ القول إنّ التّنمية ليست طريقًا واحدًا بل تتعدد طرقها واتجاهاتها باختلاف الكيانات وتنوع الامكانيات، وهو ما يعني توفير المؤسسات المساعدة على نمو هذه الامكانيات المنبثقة إلى أقصى حدودها. والمعوق المهم في عملية التنمية هو الاستغلال بكل مستوياته، ولا يتم تحقيق الاشباع الحقيقي بإزاحته وتحقيق تنمية متحررة(31).

ولا يفوتنا في هذا الصدد الاشارة الى مفهوم التنمية الثقافية إشارة الى الثقافة والتي تعني

مجموع العناصر التي لها "علاقة بطرق التفكير والشعور والفعل، وهي طرق قد صيغت تقريبا في قواعد واضحة يُكَوَّنُ جمعٌ من الأشخاص قد اكتسبوها وتعلَّموها وشاركوا فيها وتستخدم هذه القواعد بصورة موضوعية ورمزية في آن معا، من أجل تكوين هؤلاء الأشخاص في جماعة خاصة ومميزة" (32)، والثّقافة مجموعة معقّدة من المعارف تشمل المعارف والمعتقدات والقانون والفن والتقاليد والأخلاق، وكل ما يتعلّق بالإنسان ويكتسبه بوصفه عضوا في المجتمع (33). وتعني التنمية الثقافية في هذا السياق تنمية العادات والتقاليد والقيم وأنماط الحياة والعلاقات التقليدية، وبالتالي حماية المجتمعات المحلّية من "خطر التقدم" التكنولوجي وما يسبّبه من تهديد للهويّة، واختراقها وعدم القدرة على حمايتها. لأن كل مجتمع بشري له ثقافته الخاصة تميّزه عن باقي المجتمعات. "وقد يحدث أن يوجد تشابه قويّ بين مجتمعين نظرا لقوة الاتصال بينهما وتتشابه المراحل التاريخية والبيئية والجغرافية، وعلى الرّغم من ذلك، فإنّ هذا التّشابه لا يصل حَدَّ التطابق، وذلك لأن كل مجتمع تتميز ثقافته بطابع خاص" (34).

إن ما تتطلبه التنمية الثقافية على المستوى الاجتماعي هو إحياء ثقافة المجتمعات المحلية وتأطيرها وصياغتها بشكل يضمن حماية هويّة المجتمع ولغته وتقاليده وعاداته، "فقراءة المجتمع وفهمه ومعرفة خصوصياته الثقافية هو الذي يعطي معنى للتنمية الثقافية، وليس العكس، فمن شروط التنمية هو بناؤها حول الإنسان لا بناء الإنسان حول التنمية" (35). فمن المتفق عليه أن أي مجتمع انساني له خصوصياته الثقافية بحكم تاريخه الاجتماعي الفريد والذي لا يمكن أن يتكرر، فهي أشبه بالبصمة الثقافية المنفردة. (36) والتنمية الثقافية هي تنمية الخصوصيّات المهدّدة من قِبَلِ العولمة للثقافات المميّزة للشّعوب، لذلك فهي تقف عند حدّ حماية هذه الخصوصية أو الهويّة، وتعني الحماية في هذا السياق عملية الإحياء المستمرة(37)

ويمكن إعادة سيادة المبحث الثقافية في التّسعينات إلى انعدام الحلول في عدّة مباحث اقتصادية تنمويّة إحصائيّة، وذلك لكونه تَوَجُّهًا يُخرج المجتمع من النّمطيّة التي تجعله كيان منغلق على ذاته. (38)

وتعتبر العولمة من أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات المحلية في علاقة بهوياتها الثقافية على اعتبار أن العولمة هي "العملية التي يتم بمقتضاها إلغاء الحواجز بين الشعوب، تلك العملية التي تنتقل بها الشعوب من حالة الفرقة والتجزؤ إلى حالة الاقتراب والتوحّد ومن حالة الصراع إلى حالة التوافق، ومن حالة التّباين والتّمايز إلى حالة التّجانس والتّماثل وهنا تتشكل قيم عالمية موحّدة ويتشكّل وعي عالمي يقوم على مواثيق إنسانية عامة" (39) وهذا جوهر ما يراه بارتران بادي من أنّ العولمة عملية تؤدي إلى قيام نظام دولي يتّجه نحو التّوحد في القواعد والقيم والأهداف، مع توقّع إدماج مجموع الإنسانية ضمنه(40).

وهو ما يطرح إشكالية التّحديات التي تواجهها المجتمعات "النّامية" خاصة بالنَّظَرِ لما تفرضه العولمة من تحدّيات اقتصادية سياسية واعلامية وثقافية بوجهٍ أَخَصَّ. وتتعدد مستويات التنمية لتشمل كذلك التنمية السياسية كثيرا ما يقع الخلط بين مفهوم التنمية السياسيّة ومفاهيم أخرى كالتجديد السياسي والإصلاح السياسي والانتقال السياسي والديمقراطية والانفتاح السّياسيّ. ويقود غموض مفهوم التنمية السياسية بأساس إلى قُرْبِهِ من تلك المفاهيم السَّالِفة، بَلْهَ ما يحتويمن مفاهيم فرعيّة سياسيّة وأخلاقيّة وايديولوجيّة وفلسفيّة لا تقبل القياس والملاحظة والتدقيق العلميّ على غرار قِيَمِ العدل والمساواة والتّعددية والديمقراطيّة، دُونَ أَنّ نُغْفِلَ تعدُّدَ تعريفات التنمية السياسيّة وما تتّسمبه من عموميّات. (41)

فقلد تعددت تعريفات التنمية السياسية عند البعض تدل على العلاقات الاجتماعية والروابط السياسية في المجتمع؛ العلاقات بين الأفراد والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويركز الباحثون في هذا المجال على بنية الهياكل وأجهزة الدولة السياسية ودورها وطبيعة أدائها في الحقل السياسي. وهي تدل على قدرات النظام السياسي وفعالية وجدوى الأداء الحكومي، وتعني استقرار النظام السياسي وشرعيته في المجتمع (42) فهي تعني نماذج العلاقات بين الناس من خلال المؤسسات الحكومية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهي النظام المتطور سياسيا الذي يواجه بنجاح الضرورات الوظيفية لكل نظام سياسي، ووضع رموز سياسية متغيرة ورموز لتوطيد الهوية الوطنية وبنية مركزية قانونية وسياسية، وقنوات لتنظيم الصراع السياسي (43)، فهي عملية تعكس قدرة النظام السياسي على التعامل مع البيئة الداخلية والخارجية، وقدرة النخبة على تحقيق التنمية وعملية بناء الديمقراطية(44).

إن التنمية السياسية سَعْيْ دؤوب من أجل أن لا تكون المؤسسات السياسية والمدنية منغلقة على ذاتها، وهي تستوجب انفتاح المؤسسات وتفاعلها مع بعضها من أجل تطوير أدوات الصَّهْر الاجتماعي والسياسي للفرد بتوحيد الولاء السياسي الذي هو تحت غطاء الدولة على أرضية أنها الحاملة لمصلحة الجميع، وهي الضامن الأساسي للتنمية.

كما أن التنمية السياسية، هي تحقيق وعي أشمل بالانتماء، حيث أنه كلّما كانت الانتماءات أوسع كانت المصلحة العامة أعم، وكلما تضيق أطر الانتماء وتتقلص، تتجه المصلحة لصالح الفرد أو بعض الأفراد (45).

"إن الرهان من خلال التنمية السياسية هو تحقيق ما يسميه على حرب "بالإنسان التواصلي"، وهو الإنسان الذي قوامه الوساطة والتبادل والتحاور والتداول، ذلك أن قيمة الترسانة التكنولوجية أو اللوحات الالكترونية، أو الأقمار الصناعية تكون دون جَدْوى إذا كان النسيج الاجتماعي يزداد تمزقا والواقع السياسي انحصارا وانهيارا والحقل الثقافي والفكري بُؤْسًا وفراغا" (46)

إن هدف التنمية السياسية هو بناء ثقافة سياسية محورها الحريّة وقيم الديمقراطية، والمقصود بالثقافة السياسية تلك الجوانب السياسية للثقافة السائدة في مجتمع ما باعتبار أن هذه الجوانب تشكّل جملة متناسقة الأجزاء (47)،فهي مجموع ما يملكه الفرد من معارف عن النظام السياسي، ومشاعر ايجابية أو سلبية نحو المؤسسات وأحكام تقييمية بشأن الظواهر السياسية (48). وتعتبر الدولة في هذا السياق -عكس ما ذهبت إليه المقاربة الماركسية-أداة سياسية مثلى لتحقيق الحرية وحمايتها، بما أن الثقافة السياسية هي مجموعة القيم والعلاقات السائدة في المجتمع والمتصلة بعلاقات أفراده بالنظام السياسي، فمن الطبيعي أن تعبّر هذه الثقافة على التَّوق الانساني إلى الحرية والعدالة والمساواة، وهكذا اكتسبت الدولة قدسيتها من خلال ارتباطها بمفهومي القانون والعدالة.

وقد انبنت الثقافة السياسية في المجتمعات العربية على حالة من الاندغام بين شخص السياسي وجهاز الدولة، بل إن الدولة والثروة يعتبران امتدادا لسلطانه، فالاندغام (fusion) هي الصفة الأساسية للثقافة السياسية الرسمية، وهو ما يدلّ على طبيعة التنمية السياسية. ثم إن بناء الدولة دون ثقافة سياسية يؤدي إلى سيطرة الايديولوجيا على جميع مستويات الحياة دون الاستناد إلى عمق ثقافي حقيقي؛ فقّد تم تبنّي أنموذج الدولة في اوروبا دون أية ثقافة مصاحبة لها في حين أن التسيير السياسي يحتاج إلى العمق الثقافي والحضاري، أي إلى ثقافة سياسية وتنمية سياسية قادرة على الإقناع والتعبئة، لأن الظاهرة السياسية هي في الأساس ظاهرة ثقافية(49).

وبحكم الارتباط بين الثقافة السياسية والثقافة بوجه عام، كان إقبال الباحثين العرب وغير العرب على النظر في طبيعة الثقافة العربية، خاصة من جهة اتفاقها أو تناقضها مع الديمقراطية(50).

ومهما كان الأمر في طبيعة الاختلاف في هذا الموضوع، فإن انتشار قيم الديمقراطية والمواطنة والتعددية والمساواة وقيمة الفرد وحرية الفرد والجماعة وحريات الفكر وحقوق الإنسان يبقى أمرا مهما لتحقيق التنمية السياسية في المجتمع.

ومن هذا المنطلق يمكن القول إَنّ الثقافة السياسية، هي عَكْسٌ للواقع وتعبير عنه وعن تناقضاته في نفس الوقت، ويمكن من خلالها أن نستقرئ الواقع، من مدخل القيم والتصورات والمعتقدات المؤثرة في المجتمع.

و قد صَنَّفت دراسات التنمية السياسية الأنظمة السياسية، ووضعتها في مجموعات واسعة وغامضة أيضا، فميزت بعض الأنظمة الغربية "المتطورة" سياسيا وسمّتها "نظام المصالحة" وأنظمة العالم الأخرى، وهي على قولها في طور "المجتمعات الانتقالية" المنقسمة بدورها إلى أنظمة "الأوتوقراطيات الحديثة " و"أنظمة التعبئة". وهناك تصنيف آخر ميّز بين "الأنظمة التعدّدية" و"الأنظمة التقليدية" و"الأنظمة العسكرية". وقد قسّم "دايفيد أبتر" الأنظمة السياسية إلى أربعة "نماذج مثالية"، وهي الأنظمة التيوقراطية والأنظمة التعبوية وأنظمة المصالحة والأنظمة البيروقراطية،اعتمادا على خصائصها البنيوية والمعيارية (51).

و حاولت النظريات التنموية في علم الاجتماع السيطرة على فهم قضيّة التنمية وتحليلها واقتراح البدائل والمقترحات في وضعية تاريخية تتميز بالتحول والديناميكية على مستوى المجتمعات أو على مستوى النظام الدولي(52). وبالتوازي مع هذه النظريات، كانت السياسات التنموية تُنْجَزُ اعتمادا أو استنادا إلى خطابات رسمية للتنمية وأيديولوجيات بما جعل المفاهيم التنموية يشوبها اللُّبس والغموض بحكم عُسْرِ فَكِ المفهوم العلمي من بقية الاستعمالات والمفاهيم المستعملة في خطابات السّاسة والإعلاميّين وغيرهم، مما جعل مفهوم التنمية يطرح ضرورة المراجعة وإعادة التساؤل والبناء المفاهيمي، ضمن النقد المعرفي.

و تُمَثِّل مسألة التّنمية ضرورة علمية لفهم المجتمع في ظل التحولات الطارئة على المستوى الداخلي والخارجي، وهو أمر جعل الأسئلة السوسيولوجية حول إشكالية التنمية والتغير الاجتماعي في ظل المتغيرات المحلية والعالمية الجديدة، مسألة أو إشكالية على درجة كبيرة من الأهمية لدراسة تطوّر البيئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والكشف عن آليات التغير والاستمرارية في المجتمع.

***

الدكتور محمد الهادي حاجي – تونس

.....................

المراجع:

- ابراهيم (سعد الدين)، نحو نظرية سوسيولوجية للتنمية في العالم الثالث، أبحاث ومناقشات المؤتمر العلمي السنوي الثاني للاقتصاديين المصريين، القاهرة، مارس 1980.

- أبو العلا(محمد حسين)، ديكتاتورية العولمة، قراءة تحليلية في فكر المثقف، مكتبة مدبولي، القاهرة2004.

- ألان (توران)، ماهي الديمقراطية؟، حكم الأكثرية أم ضمانات الأقلية، ترجمة حسين قبيسي، الطبعة العربية، بيروت لبنان 1995.

- الدبعي (جمال)، المدخل إلى علم الاجتماع، دار الفكر للنشر والتوزيع عمان الأردن، 1991.

- الزين (محمد شوقي)، فلسفة علي حرب النقدية، العولمة والهوية منبوذات محاكم التفتيش الآن في كتابات معاصرة مجلد11 عدد44 تموز 2001..

- السمالوطي (نبيل محمد توفيق)، قضايا التنمية والتحديث في علم الاجتماع المعاصر، دار المطبوعات الجديدة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1990.

- العرفاوي (عادل)، التنمية والتشغيل في جندوبة، شهادة الدراسات المعمقة في علم الاجتماع، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس 1996.

- المقرمي (عبد الملك)، الاتجاهات النظرية لتراث التنمية والتخلف في نهاية القرن العشرين، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر 1991، ص 14(1) علام (سعد طه)، التنمية والمجتمع، مكتبة مدبولي، القاهرة 2006.

- أمين، (سمير)، التطور اللامتكافئ، دراسة في التشكيلات الاجتماعية الرأسمالية المحيطة ترجمة برهان غليون الطبعة الرابعة، دار الطليعة بيروت، 1985.

- بوطالب (محمد نجيب)، الفلاحة والمجتمع الريفي في تونس، مرجع سابق ص52.

- بوكراع (رضا)، التنمية الجهوية والتوجه المؤسساتي الجديد للدولة، مؤلف جماعي تونس الأمس وتونس الغد) المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون بيت الحكمة تونس2002.

- تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.

- حسني (السيد)، التنمية والتخلف، دراسة تاريخية بنائية، القاهرة، مطابع سجل الغربية الطبعة الأولى 1992.

- خليل العمر (معن)، التغير الاجتماعي، دار الشروق للنشر والتوزيع الطبعة الأولى، الأردن، 2004..

- روشي(غي)، مقدمة في علم الاجتماع العام-1- الفعل الاجتماعي تعريب، "د. مصطفى دنشلي" طباعة ونشر وتوزيع مكتبة الفقيه، بيروت 2002، ص197.

- سلطان (جهينة)، التحديث في المجتمع العربي المعاصر، دار كاظمة للنشر والتوزيع والترجمة 1980.

- عارف (نصر)، في مفاهيم التنمية ومصطلحاتها، مجلة ديوان العرب، القاهرة 2008..

- عبد الباسط (محمد حسن)، التنمية الاجتماعية، معهد الدراسات والبحوث العربية، القاهرة 1970، ص87.

- لبيب (الطاهر)، "التنمية الاجتماعية واتجاهاتها في البلدان العربية"، المستقبل العربي، السنة22، العدد253، مارس2000.

- مشورب (إبراهيم)، التخلف والتنمية، دراسات اقتصادية، دار المنهل اللبناني للطباعة والنشر 2002.

- مصطفى (محمود عبد السلام)، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية لسنة 2001، المستقبل العربي عدد 271، سبتمبر 2001، ص154.

-العربي (البشير)، الهجرة الداخلية والتنمية في المجتمع التونسي دراسة سوسيولوجية، مكتبة علاء الدين، صفاقس، 2005.

- حامد (منجي)، توظيف مفهوم العصبية في دراسة المجتمع العربي المعاصر نماذج تطبيقية ذات صلة بالتنمية، شهادة الدراسات المعمقة، كلية العلوم الانسانية والاجتماعية، تونس 2003..

- حجلاوي (غالية)، دراسة سيوسولوجية لمنطقة سيدي بوزيد، دكتوراه، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية تونس 2009

- حسن (عبد الباسط محمد)، التنمية الاجتماعية، معهد الدراسات والبحوث العربية، القاهرة 1970، ص97.

- ربيع محمد (محمود) واسماعيل صبري، موسوعة العلوم السياسية الكويت 1994 .

- عبد الخالق (عبد الله)، العولمة جذورها وفروعها وكيفية التعامل معها، مجلة عالم الفكر، مجلد28، العدد2، الكويت1999،

- عيد (حسن إبراهيم)، دراسات في التنمية والتخطيط، مصر، دار المعرفة الجامعية 1995.

- لبيب (الطاهر)، سوسيولوجيا الثقافة، دار محمد علي الحامي للنشر صفاقس 1987، ص10.

النشار (مصطفى)، ضد العولمة، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة

1999-

- Badie (Bertrand), Pierre Biran Boum, Sociologie de l’Etat, Paris, éditions Grasset, 1982,

- Waterbury (Jean), une démocratie sans démocrates ? le potentiel de libéralisation politique au Moyen-Orient, in Ghassen Salama, démocraties sans démocrates, Paris, Fayard , 1994,

Apter (David), some conceptual approach to the study of modernization, englewood cliffs, prentice hall 1968.

-Duverger (Maurice), sociologie de la politique, Paris, P.U.F 1973 p121..

-Zghal (Riadh), « l’enseignement supérieur entre les rigidités administratives, l’enseignement de masse et la globalisation », in l’université du XXIème siècle et le développement, colloque organisé à Sfax 27- 28 Novembre 1998

هوامش

(1) العربي (البشير)، الهجرة الداخلية والتنمية في المجتمع التونسي دراسة سوسيولوجية، مكتبة علاء الدين، صفاقس، 2005، ص140.

(2) حسني (السيد)، التنمية والتخلف، دراسة تاريخية بنائية، القاهرة، مطابع سجل الغربية الطبعة الأولى 1992 ص5.

(3) الدبعي (جمال)، المدخل إلى علم الاجتماع، دار الفكر للنشر والتوزيع عمان الأردن، 1991، ص119.

(4) عيد (حسن إبراهيم)، دراسات في التنمية والتخطيط، مصر، دار المعرفة الجامعية 1995، ص42.

(5) العربي (البشير)، الهجرة الداخلية والتنمية، مرجع سابق، ص108.

(6) أمين، (سمير)، التطور اللامتكافئ، دراسة في التشكيلات الاجتماعية الرأسمالية المحيطة ترجمة برهان غليون الطبعة الرابعة، دار الطليعة بيروت، 1985، ص86.

(7) العربي (البشير)، الهجرة الداخلية والتنمية، مرجع سابق ص141.

(8) عارف (نصر)، في مفاهيم التنمية ومصطلحاتها، مجلة ديوان العرب، القاهرة 2008، ص 41.

(9) مشورب (إبراهيم)، التخلف والتنمية، دراسات اقتصادية، دار المنهل اللبناني للطباعة والنشر 2002، ص 47.

(10) المقرمي (عبد الملك)، الاتجاهات النظرية لتراث التنمية والتخلف في نهاية القرن العشرين، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر 1991، ص 14.

(11) علام (سعد طه)، التنمية والمجتمع، مكتبة مدبولي، القاهرة 2006، ص 31.

(12) تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.

(13) مصطفى (محمود عبد السلام)، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية لسنة 2001، المستقبل العربي عدد 271، سبتمبر 2001، ص154.

(14) ألان (توران)، ماهي الديمقراطية؟، حكم الأكثرية أم ضمانات الأقلية، ترجمة حسين قبيسي، الطبعة العربية، بيروت لبنان 1995، ص 205.

(15) السمالوطي (نبيل محمد توفيق)، قضايا التنمية والتحديث في علم الاجتماع المعاصر، دار المطبوعات الجديدة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1990 ص29.

(16) سلطان (جهينة)، التحديث في المجتمع العربي المعاصر، دار كاظمة للنشر والتوزيع والترجمة 1980، ص33.

(17) العربي البشير الهجرة الداخلية والتنمية ، مرجع سابق ص 143.

(18) Zghal (Riadh), « l’enseignement supérieur entre les rigidités administratives, l’enseignement de masse et la globalisation », in l’université du XXIème siècle et le développement, colloque organisé à Sfax 27- 28 Novembre 1998 p 12.

(19) السمالوطي (نبيل محمد توفيق)، قضايا التنمية والتحديث، مرجع سابق ص 268.

(20) خليل العمر (معن)، التغير الاجتماعي، دار الشروق للنشر والتوزيع الطبعة الأولى، الأردن، 2004، ص68.

(21) العربي (بشير)، الهجرة الداخلية والتنمية،مرجع سابق ص143-144.

(22) عبد الباسط (محمد حسن) ،التنمية الاجتماعية، معهد الدراسات والبحوث العربية، القاهرة 1970، ص87.

(23) بوطالب (محمد نجيب)، الفلاحة والمجتمع الريفي في تونس، مرجع سابق ص52.

(24) بوكراع (رضا)، التنمية الجهوية والتوجه المؤسساتي الجديد للدولة، مؤلف جماعي تونس الأمس وتونس الغد) المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون بيت الحكمة تونس2002 ص412.

(25) لبيب(الطاهر)، "التنمية الاجتماعية واتجاهاتها في البلدان العربية"، المستقبل العربي، السنة22، العدد253، مارس2000 ص41.

(26)حامد (منجي)، توظيف مفهوم العصبية في دراسة المجتمع العربي المعاصر نماذج تطبيقية ذات صلة بالتنمية، شهادة الدراسات المعمقة، كلية العلوم الانسانية والاجتماعية، تونس 2003، ص47.

(27) الزين (محمد شوقي)، فلسفة علي حرب النقدية، العولمة والهوية منبوذات محاكم التفتيش الآن في كتابات معاصرة مجلد11 عدد44 تموز 2001، ص41.

(28) ابراهيم (سعد الدين)، نحو نظرية سوسيولوجية للتنمية في العالم الثالث، أبحاث ومناقشات المؤتمر العلمي السنوي الثاني للاقتصاديين المصريين، القاهرة، مارس 1980، ص55.

(29)نفس المرجع، ص57.

(30) ابراهيم (سعد الدين)، نحو نظرية سوسيولوجية للتنمية في العالم الثالث، مرجع سابق، ص62.

(31) حسن (عبد الباسط محمد)، التنمية الاجتماعية، معهد الدراسات والبحوث العربية، القاهرة 1970، ص97.

(32) روشي(غي)، مقدمة في علم الاجتماع العام-1- الفعل الاجتماعي تعريب، "د. مصطفى دنشلي" طباعة ونشر وتوزيع مكتبة الفقيه، بيروت 2002، ص197.

(33) لبيب(الطاهر)، سوسيولوجيا الثقافة، دار محمد علي الحامي للنشر صفاقس 1987، ص10.

(34) حجلاوي(غالية)،دراسة سيوسولوجية لمنطقة سيدي بوزيد، دكتوراه، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية تونس 2009، ص71.

(35) حامد (منجي)، توظيف مفهوم العصبية، مرجع سابق ص 52.

(36) عبد الخالق (عبد الله)، العولمة جذورها وفروعها وكيفية التعامل معها، مجلة عالم الفكر، مجلد28، العدد2، الكويت1999، ص89

(37) حامد(منجي)، توظيف مفهوم العصبية، مرجع سابق ص52.

(38)نفس المرجع ص53.

(39) أبو العلا (محمد حسين)، ديكتاتورية العولمة، قراءة تحليلية في فكر المثقف، مكتبة مدبولي، القاهرة2004، ص34.

(40) النشار (مصطفى)، ضد العولمة، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة 1999، ص57.

(41) ربيع محمد(محمود) واسماعيل صبري، موسوعة العلوم السياسية الكويت 1994، ص31- 48.

(42) نفس المرجع، ص 32.

(43) نفس المرجع ص35.

(44) نفس المرجع ص37.

(45) حامد (منجي) توظيف مفهوم العصبية، مرجع سابق ص54.

(46) نفس المرجع ص55.

(47) Duverger (Maurice), sociologie de la politique, Paris, P.U.F 1973 p121.

(48) Ibid, p121.

(49) Badie (Bertrand), Pierre Biran Boum, Sociologie de l’Etat, Paris, éditions Grasset, 1982, p87.

(50) Waterbury (Jean), une démocratie sans démocrates ? le potentiel de libéralisation politique au Moyen-Orient, in Ghassen Salama, démocraties sans démocrates, Paris, Fayard , 1994, p106.

(51) Apter (David), Some conceptual approaches to the study of modernization, Op cit, p334.

(52) العرفاوي (عادل)، التنمية والتشغيل في جندوبة، شهادة الدراسات المعمقة في علم الاجتماع، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس 1996، ص34.

 

شكل العالم العربي على مدى قرون متتالية منارة للعلوم والمعرفة، تضيء دروب الحضارة الانسانية وتفتح افاقا جديدة امام تقدم البشرية. لقد امتدت هذه الحقبة الذهبية من القرن الثامن حتى القرن الثالث عشر الميلادي، حيث كانت حواضر العلم العربية والاسلامية في بغداد وقرطبة والقاهرة ودمشق وفاس والقيروان تشع بنور المعرفة إلى العالم اجمع. لم تكن هذه المرحلة مجرد فترة ازدهار عابر، بل كانت ثورة علمية حقيقية اسست لمنهجية البحث العلمي الحديث ووضعت اللبنات الاولى للعلوم كما نعرفها اليوم.

في بغداد، كانت مكتبة بيت الحكمة - التي اسسها الخليفة العباسي هارون الرشيد واشرف على تطويرها ابنه المأمون - تمثل اعجوبة العالم الفكرية في عصرها. لم تكن مجرد مكان لحفظ الكتب، بل كانت مجمعا علميا شاملا ضم مرصدا فلكيا ومدرسة للترجمة وورشات للنسخ والتأليف. ضمت هذه المكتبة العملاقة اكثر من مليون مخطوط في شتى فروع المعرفة، من الفلسفة إلى الطب، ومن الرياضيات إلى الفلك، ومن الكيمياء إلى الجغرافيا. كان المترجمون والعلماء في بيت الحكمة ينقلون اعمال الفلاسفة والعلماء اليونان والفرس والهنود والسريان، لا مجرد نقل حرفي، بل بنظرة نقدية واضافات مبتكرة.

وفي فاس، كانت جامعة القرويين - التي تأسست عام 859م على يد فاطمة الفهرية - تمثل اقدم جامعة في العالم باستمرار عملها حتى اليوم. لم تكن هذه الجامعة مجرد مكان للتعليم، بل كانت مركزا اشعاعيا حضاريا جمع بين التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع. تخرج فيها علماء كبار مثل ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع، والشافعي واضع اصول الفقه، وابن ماجة وغيرهم من الاعلام.

اما قرطبة في الاندلس، فقد كانت في اوج ازدهارها تحت حكم عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر منارة علمية تزينها مئات المساجد والمكتبات والمدارس. كانت مكتبة قرطبة تحتوي على اكثر من 400 الف مجلد، في وقت كانت تعتبر فيه اوروبا الغربية اي كتاب يحتوي على مائة مخطوط مكتبة ضخمة.

لقد قدم العلماء العرب والمسلمون خلال هذه الحقبة اسهامات جذرية شكلت اساس النهضة العلمية العالمية، ولا تزال آثارها واضحة في المصطلحات العلمية والمناهج البحثية حتى اليوم. يأتي في مقدمة هذه الاسهامات الخوارزمي (780-850م) الذي لم يكتف بتأسيس علم الجبر، بل ادخل النظام العشري والارقام العربية التي اصبحت لغة العلم العالمية. كلمة "Algorithm" المشتقة من اسمه، و"Algebra"  من كتابه "الجبر والمقابلة"، تشهد على عمق تأثيره في المسيرة العلمية العالمية.

ويبرز ابن الهيثم (965-1040م) كأحد اعظم علماء البصريات في التاريخ، حيث وضع في كتابه "المناظر" اسس المنهج العلمي التجريبي القائم على الملاحظة والتجربة والاستنتاج. كانت ابحاثه في انكسار الضوء وانعكاسه وتركيب العين البشرية اساسا لعلم البصريات الحديث. كما قدم ابن سينا (980-1037م) في موسوعته الطبية "القانون في الطب" تنظيما شاملا للمعارف الطبية ظل مرجعا اساسيا في الجامعات الاوروبية لقرون طويلة، وقدم وصفات لاكثر من 760 دواء.

ولا يمكن اغفال دور جابر بن حيان (721-815م) المؤسس الحقيقي للكيمياء التجريبية، الذي ادخل المنهج التجريبي إلى المختبر وطور تقنيات التقطير والتبلور والتسامي. كانت ابحاثه حول الاحماض والقواعد والاملاح تمثل نقلة نوعية في فهم المادة وخصائصها.

هذا الارث العلمي الزاخر لم يقتصر على هؤلاء العلماء الكبار، بل شمل مئات العقول اللامعة مثل البيروني في الجغرافيا والفيزياء، والزهراوي في الجراحة، والبتاني في الفلك، والكندي في الفلسفة، والرازي في الطب، وابن النفيس في اكتشاف الدورة الدموية الصغرى. لقد شكلت اسهاماتهم مجتمعة النظام العلمي الاكثر تطورا في عصرهم، واسست للنهضة الاوروبية لاحقا.

لكن المفارقة المأساوية تكمن في تحول هذا المركز الحضاري الزاهر إلى هامش معرفي في العصر الحديث. فبينما تحتل الدول العربية اليوم اكثر من 5% من سكان العالم، وتسعى لتحقيق مكانة لائقة على الخريطة العلمية العالمية، فإنها تساهم باقل من 2% من الانتاج العلمي العالمي، وفقا لتقرير اليونسكو للعلوم 2021. والامر الاكثر اثارة للقلق ان العالم العربي بأكمله لا يسجل سوى 0.3% من براءات الاختراع العالمية، بحسب احصائيات المنظمة العالمية للملكية الفكرية 2022.

هذه المفارقة التاريخية تطرح اسئلة مصيرية عن الاسباب الكامنة وراء هذا التحول الجذري، والعوامل التي قادت امة كانت رائدة في انتاج المعرفة إلى ان تصبح في ذيل الامم في مضمار الابتكار العلمي والتطور التكنولوجي. من كانوا اساتذة العالم في القرون الوسطى اصبحوا تلاميذ في مؤخرة الركب في العصر الحديث. من كانوا مبدعين ومبتكرين اصبحوا مستهلكين للتكنولوجيا. من كانوا روادا في شتى فروع المعرفة اصبحوا اتباعا ينتظرون ما ينتجه الآخرون.

هذه الازمة ليست مجرد ازمة احصاءات وارقام، بل هي ازمة هوية وحضارة، ازمة مشروع نهضوي تعثر عند منعطفات التاريخ. إنها قصة تحول من الابداع إلى الاستهلاك، من الانتاج إلى التلقي، من الريادة إلى التبعية. قصة تحتاج إلى فهم عميق وتحليل دقيق للجذور التاريخية والسياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي قادت إلى هذا الواقع.

إن دراسة هذه الاشكالية ليست ترفا فكريا، بل ضرورة حتمية لاي مشروع نهضوي عربي مستقبلي. ففي عصر اصبحت فيه المعرفة والتكنولوجيا هما محركا الاقتصاد والقوة، لم يعد بمقدور الدول العربية ان تبقى على هامش المسيرة العلمية العالمية. إن استعادة المكانة العلمية اصبحت مسألة وجودية تتعلق بالقدرة على المنافسة في عالم سريع التغير، والاستقلال في اتخاذ القرار، والمساهمة في صياغة مستقبل البشرية.

الفجوة الاستثمارية

تشير بيانات البنك الدولي (2023) إلى أن متوسط انفاق الدول العربية على البحث والتطوير لا يتجاوز 0.3% من الناتج المحلي الاجمالي (لكن يجدر التنويه أن بعض الدول العربية لديها تفاوت داخلي مثل السعودية وقطر بإنفاق أعلى قليلًا، مقابل دول أخرى شبه معدومة الاستثمار)، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 2.4%، ومتوسط يصل إلى 3.5% في دول مثل كوريا الجنوبية واسرائيل. هذا الاستثمار المحدود لا يعكس فقط ضعف الموارد، بل يكشف عن فجوة معرفية متسعة تتجذر في بنية النظام السياسي والاقتصادي العربي. أما عدد الباحثين، فبيانات البنك الدولي واليونسكو تشير إلى أن العالم العربي يسجل نحو 400–500 باحث لكل مليون نسمة، وهو أقل بكثير من المتوسط العالمي الذي يتجاوز 4,000–5,000 باحث.

وتكشف بيانات اليونسكو أن 70% من الانفاق على البحث العلمي في العالم العربي يأتي من الحكومات، بينما لا تتجاوز مساهمة القطاع الخاص 20%، مقارنة بـ 60% في الدول المتقدمة. هذا الخلل الهيكلي في تمويل البحث العلمي لا يعزى فقط إلى غياب الحوافز الاقتصادية، بل يرتبط ارتباطا وثيقا بطبيعة الانظمة السياسية والاقتصادية التي تهيمن عليها الزبائنية والمحسوبية، حيث توجه الموارد العامة وفق اعتبارات الولاء السياسي لا وفق اولويات التنمية.

فالفساد المالي والاداري المستشري في العديد من الدول العربية يعد من ابرز العوامل التي تعيق تخصيص موارد كافية للبحث العلمي. اذ تهدر مليارات الدولارات سنويا في صفقات مشبوهة ومشاريع غير منتجة، بينما تهمش القطاعات المعرفية لصالح الانفاق على البنى التحتية الشكلية او الامن والدفاع. وغالبا ما تدار مؤسسات البحث العلمي من قبل بيروقراطيات غير متخصصة، تعين على اساس الولاء لا الكفاءة، مما يؤدي إلى تهميش الكفاءات الحقيقية وتكريس الرداءة.

إلى جانب ذلك، تفتقر معظم الدول العربية إلى ارادة سياسية حقيقية لتجاوز الواقع المعرفي المتردي، اذ ينظر إلى الاستثمار في البحث العلمي كتهديد محتمل للسلطة لا كرافعة للتنمية. فالمعرفة النقدية، بطبيعتها، تزعج البنى السلطوية التي تفضل الاستقرار على التغيير، وتخشى من تمكين العقول المستقلة التي قد تطالب بالاصلاح والمساءلة. ولهذا، غالبا ما يختزل دور الجامعات ومراكز الابحاث في التلقين وتكرار الخطاب الرسمي، بدل أن تكون فضاءات حرة للابداع والتفكير المستقل.

كما أن غياب السياسات الوطنية المتكاملة للعلوم والتكنولوجيا، وافتقارها إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى، يؤدي إلى تشتت الجهود وتكرار المشاريع دون تراكم معرفي حقيقي. وغالبا ما تطلق مبادرات بحثية موسمية مرتبطة بتغير الحكومات او رغبة في تحسين الصورة الخارجية، دون أن تترجم إلى بنى مؤسسية مستدامة.

إن الفجوة الاستثمارية في البحث العلمي ليست مجرد خلل في الارقام، بل هي انعكاس لازمة اعمق في بنية الدولة العربية، حيث تقدم الولاءات على الكفاءات، وتقدم المصالح السياسية الضيقة على المصلحة العامة. ولا يمكن ردم هذه الفجوة دون اصلاحات جذرية تطال منظومة الحكم، وتعيد الاعتبار للعلم والمعرفة كأدوات للتحرر والتنمية، لا كترف فكري او ديكور تجميلي.

هجرة العقول

تُعد هجرة الكفاءات العلمية من أبرز التحديات التي تواجه التنمية والابتكار في المنطقة العربية. فقد أكدت تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (ESCWA) أن المنطقة العربية تشهد نزيفًا مستمرًا للعقول، خاصة في التخصصات الطبية والهندسية، وهو ما ينعكس سلبًا على القدرات التنموية والاقتصادية. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن معدلات عودة الطلاب العرب المبتعثين إلى أوطانهم بعد التخرج تبقى منخفضة مقارنة بالمعدلات العالمية، مما يعمّق الفجوة المعرفية ويضعف فرص نقل الخبرات والتقنيات الحديثة.

كما أوضح تقرير الباروميتر العربي (Arab Barometer, 2023) أن نحو 20% من السكان في 14 دولة عربية يفكرون جديًا في الهجرة، مع ميل أكبر بين الشباب وحملة الشهادات الجامعية، وهو ما ينذر بتسرب النخبة العلمية والتعليمية من المنطقة. وفي السياق ذاته، تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن آلاف الأطباء والمهندسين يغادرون المنطقة سنويًا، ما يخلق فجوة حرجة في القطاعات الحيوية مثل الصحة والطاقة والتكنولوجيا.

الأسباب التي تدفع هذه الكفاءات إلى الهجرة متعددة، أبرزها ضعف بيئة البحث العلمي، محدودية التمويل، غياب الحوافز، وانعدام الاستقرار السياسي. كما أن تدني الرواتب مقارنة بالدول المستقبِلة، إضافة إلى الفساد الإداري وتهميش الكفاءات لصالح الولاءات السياسية، كلها عوامل تدفع العقول إلى البحث عن بيئة أكثر احترامًا للعلم والابتكار.

هذه الظاهرة لا تؤثر فقط على الاقتصاد، بل تهدد أيضًا الاستقلال المعرفي والسيادي للدول العربية، إذ تصبح عاجزة عن إنتاج المعرفة أو المنافسة في الاقتصاد الرقمي العالمي. كما أن الاعتماد على الخبرات الأجنبية في القطاعات الحيوية يضعف القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة، ويجعل الدول العربية رهينة للخبرات المستوردة.

ولمواجهة هذه الأزمة، توصي تقارير التنمية الدولية بضرورة إصلاح بيئة البحث العلمي، وتوفير حوافز حقيقية للكفاءات، وتبني سياسات وطنية لاستعادة العقول المهاجرة. كما يجب ربط التعليم بسوق العمل، وتوفير فرص مهنية مجزية، وضمان حرية البحث والتعبير العلمي، حتى يشعر العلماء العرب أن أوطانهم تستحق علمهم وجهدهم.

اشكالية التعليم

تشير تقارير اليونسكو إلى أن الأنظمة التعليمية في معظم الدول العربية ما زالت تعتمد بشكل كبير على أساليب الحفظ والتلقين، على حساب تنمية مهارات التفكير النقدي والإبداع. فالمناهج الدراسية غالبًا ما تُقدِّم الطالب بوصفه متلقّيًا سلبيًا للمعلومة، لا مشاركًا فاعلًا في إنتاج المعرفة أو حل المشكلات المعقدةUNESCO, 2021.

في المقابل، تؤكد الدراسات التربوية الحديثة أن التفكير النقدي يُعد من أكثر المهارات المطلوبة في سوق العمل العالمي، إذ يمكّن الأفراد من تحليل المعلومات وتقييمها واتخاذ قرارات مستنيرة في مواجهة التحديات المعقدةWorld Economic Forum, 2020. وتشير تقارير سوق العمل الدولية إلى أن نسبة كبيرة من المهنيين حول العالم تفتقر إلى هذه المهارات، مما يحد من قدرتهم على التكيف مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية السريعة.

أما الفجوة الرقمية التعليمية، فما زالت واسعة رغم الجهود المبذولة في السنوات الأخيرة. فوفقًا لتقارير الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU,2022)، العديد من المدارس العربية تفتقر إلى البنية التحتية التكنولوجية الأساسية، كما أن إدماج التكنولوجيا في العملية التعليمية أقل بكثير من المتوسط العالمي . هذا النقص لا يعيق فقط الوصول إلى مصادر المعرفة الحديثة، بل يضعف أيضًا فرص تدريب الطلاب على أدوات التفكير الرقمي والتحليلي.

ويضيف تقرير الإسكوا حول التنمية الرقمية العربية  أن نسبة كبيرة من خريجي الجامعات العربية لا يمتلكون المهارات الرقمية المطلوبة في سوق العمل، مما يوسع فجوة المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد المعرفي . وهذا يعني أن التعليم العربي، في صورته الحالية، لا يُنتج أفرادًا قادرين على التفاعل مع الاقتصاد الرقمي العالمي، بل يعيد إنتاج أنماط تقليدية من التفكير لا تتماشى مع متطلبات العصر.

من العوامل المهمة في تطوير التعليم:

1- اصلاح فلسفة التقييم: يجب أن يتحول من قياس الحفظ إلى قياس الفهم والتحليل.

2- تدريب المعلمين على استراتيجيات التفكير النقدي: عبر ورش عمل ومناهج تدريبية متخصصة.

3- توفير بيئة تعليمية محفزة: تشمل مختبرات، مكتبات رقمية، ومنصات تعليمية تفاعلية.

4- ربط التعليم بسوق العمل: من خلال شراكات مع القطاع الخاص، وتحديث المناهج وفقا للمهارات المطلوبة.

إن بناء نظام تعليمي عربي حديث يتطلب ثورة معرفية تبدأ من اعادة تعريف دور الطالب والمعلم، وتنتقل إلى اصلاح المناهج، وتوفير بنية تحتية رقمية، وتنتهي بتعزيز ثقافة التفكير النقدي كقيمة مجتمعية.

التحديات السياسية والاقتصادية

لا يمكن الحديث عن ازمة التعليم والبحث العلمي في العالم العربي دون التوقف عند الجذور السياسية العميقة التي تعرقل اي مشروع نهضوي حقيقي. فقد ادت الحروب والاضطرابات السياسية التي شهدتها العديد من الدول العربية إلى تدمير البنى التحتية العلمية، وتحويل الموارد من التنمية إلى الانفاق العسكري. ووفقا لمعهد ستوكهولم لابحاث السلام، ينفق العالم العربي اكثر من 6% من ناتجه المحلي على التسلح، مقارنة باقل من 2% على التعليم والبحث العلمي مجتمعين، وهو مؤشر صارخ على اختلال الاولويات الوطنية.

لكن الاخطر من ذلك هو غياب الديمقراطية وحرية الفكر، حيث تدار السياسات التعليمية والعلمية في كثير من الدول العربية ضمن منظومات مغلقة لا تسمح بالنقد او المشاركة المجتمعية. تقصى الكفاءات، وتهمش العقول المستقلة، ويحاصر التفكير الحر، مما يجعل الجامعات ومراكز البحث مجرد مؤسسات شكلية تكرر الخطاب الرسمي ولا تنتج معرفة حقيقية. في ظل هذا المناخ، يصبح التعليم اداة للضبط لا للتحرر، ويمنع العلم من اداء دوره في مساءلة الواقع وتغييره.

كما ان الانقسامات السياسية والصراعات بين الدول العربية تمثل عائقا كبيرا امام اي تعاون علمي او تكنولوجي مشترك. فبدلا من بناء شبكات بحثية عربية موحدة، وتبادل الخبرات، وتاسيس صناديق تمويل مشتركة، تغلق الحدود امام العلماء، وتقيد حركة المعرفة، وتهدر فرص التكامل الاقليمي. لا توجد رؤية عربية موحدة للنهوض العلمي، بل تتنافس الدول في مشاريع متفرقة، وتدار المؤسسات العلمية بمنطق السيادة لا بمنطق الشراكة.

وبما ان النفط والغاز يشكلان المصدر الرئيسي لدخل معظم الدول العربية، خلق هذا الاقتصاد الريعي انظمة لا تشجع على الابتكار، بل تكرس التبعية للموارد الطبيعية. تظهر بيانات صندوق النقد الدولي ان نسبة مساهمة القطاعات المعرفية والتكنولوجية في الناتج المحلي الاجمالي العربي لا تتجاوز 8%، مقارنة بـ 35% في الدول المتقدمة، وهو ما يعكس غياب الاستثمار الاستراتيجي في اقتصاد المعرفة.

ان استمرار هذا الواقع السياسي المغلق، والانقسامات الاقليمية، وانعدام الارادة الجماعية للتعاون، يجعل من اي حديث عن نهضة علمية مجرد امنية معلقة. فلا يمكن للعلم ان يزدهر في بيئة تقمع الفكر، وتقصي الحوار، وتفضل الولاء على الكفاءة. ولا يمكن للتعليم ان يتحول إلى قوة تغيير دون حرية، ودون مشروع عربي مشترك يؤمن بان المعرفة هي السبيل الوحيد للخروج من دائرة التخلف.

العوامل الثقافية والمجتمعية

تظهر احصائيات التقرير العربي للتنمية الثقافية أن العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق سنويا في المتوسط، بينما يقرأ الاوروبي بمعدل 200 ساعة سنويا. كما أن نسبة الكتب العلمية في المكتبات العربية لا تتجاوز 1.5% من اجمالي المحتوى، مقارنة بـ 15% في المكتبات الغربية.

ولا تزال النظرة المجتمعية في العديد من الدول العربية تفضل التخصصات النظرية على العلمية، كما أن الوظائف الادارية تحظى بمكانة اجتماعية اعلى من الوظائف البحثية. هذا الواقع يعمق الفجوة بين التعليم وسوق العمل، ويضعف الحوافز نحو التخصص في المجالات العلمية.

دائرة التخلف العلمي المفرغة

يمكن فهم استمرار التخلف العلمي العربي من خلال نموذج "الدائرة المفرغة" الذي يتكون من ثلاث حلقات مترابطة:

في الحلقة الاولى، يؤدي ضعف الاستثمار في البحث العلمي إلى هجرة العقول، مما يسبب تراجع الانتاج العلمي، وهذا بدوره يعزز قناعة بعدم جدوى الاستثمار في العلم.

وفي الحلقة الثانية، تنتج المناهج التعليمية التقليدية عقول غير مبدعة، مما يؤدي إلى مجتمعات استهلاكية، فتصبح تابعة تكنولوجيا، وهذا يعزز بدوره استمرار المناهج التقليدية.

اما الحلقة الثالثة، فتنتج الثقافة المجتمعية غير الداعمة للعلم سياسات غير داعمة للبحث العلمي، مما يضعف الانتاج العلمي، وهذا يعزز بدوره الثقافة المجتمعية المحبطة للعلم.

نحو كسر دائرة التخلف

يتطلب الخروج من دائرة التخلف اصلاحا تعليميا جذريا يتحول من التلقين إلى تنمية التفكير النقدي، وادخال مناهج STEM (العلوم، التكنولوجيا، الهندسة، الرياضيات) بشكل منهجي، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل المستقبلية.

ويمكن بناء اقتصاد المعرفة عبر تحويل جزء من عوائد النفط إلى استثمارات استراتيجية في البحث العلمي، وانشاء صناديق وطنية وعربية لدعم المبتكرين والباحثين، وتطوير صناعات تكنولوجية عربية تنافسية.

كما يتطلب النهوض العلمي اطلاق مبادرات وطنية لنشر الثقافة العلمية، ودعم التأليف العلمي الموجه للجمهور العام، وابراز نماذج علماء عرب معاصرين ناجحين.

من الاستهلاك إلى الانتاج المعرفي

التخلف العلمي والتكنولوجي العربي ليس قدرا محتوما، بل هو نتيجة تراكم اختيارات سياسية واقتصادية وثقافية. الخروج من هذا المأزق يتطلب ارادة سياسية حقيقية، واستثمارا استراتيجيا في التعليم والبحث العلمي، وثورة ثقافية تعيد للعقل والعلم مكانتهما. الامة التي قدمت للعالم اساسيات العلم الحديث تبقى قادرة على العودة إلى ساحة الريادة، اذا استطاعت كسر دائرة التخلف وتبنت مشروعا نهضويا حقيقيا.

***

محمد الربيعي

بروفسور متمرس ومستشار تربوي، جامعة دبلن

تتمتع الليبرالية الجديدة والاستبداد بروابط نظرية قوية، كما يتضح من السرد النيوليبرالي حول ضرورة وجود دولة قوية، قادرة على إعادة تشكيل المجتمع وفق أسس السوق. لا يستطيع النيوليبراليون (وخاصة الليبراليون النظاميون الألمان) التوفيق بشكل كامل بين شكوك الديمقراطية وشغفها وعقلانية السوق. يتطلب نقاء السوق وجود أوصياء، ولا يمكن دائماً اختيار الأوصياء ديمقراطياً. وهذا سيناريو شهدناه يتكشف في الأنظمة التكنوقراطية الأوروبية، ولكن أيضاً في الدول النامية، بدءًا من تجارب أمريكا اللاتينية وآسيا في سبعينيات القرن الماضي. لم يكن الركود الكبير نقطة تحول واضحة، إلا أنه أدى إلى تكثيف العلاقة بين الاستبداد والنيوليبرالية.

أصبح الأوصياء أكثر هيمنة، وغالباً ما رسموا خطاً فاصلاً بين "المواطنين الإثنيين"، الذين يُعتبرون "أكثر ملاءمة" للمنافسة العالمية، و"الأجانب"، وهم عادةً مهاجرون. لقد عادت الرأسمالية جزئياً إلى الحدود الوطنية. حتى في البلدان ذات التقاليد الديمقراطية العريقة، تطلّب بقاء الرأسمالية النيوليبرالية سياسات قومية واستبدادية، أعادت تشكيلها بطريقة أكثر محافظةً وقوميةً وحمائية. لقد ظهر ثلاثة أنواع من النيوليبرالية الاستبدادية. الأول هو التكنوقراطية، التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الاقتصادات الأكثر تقدماً وفي بنية الاتحاد الأوروبي نفسها، وخاصةً منذ تسعينيات القرن الماضي. أما الثاني فهو شكل القومية، الذي غالباً ما يكون "إثنيًا" في محتواه ولهجته شعبوية، والذي ترسخت جذوره في العديد من البلدان (بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية في عهد ترامب)، ولكنه أكثر وضوحاً في شبه أطراف أوروبا الوسطى والشرقية. النوع الثالث هو الاستبداد التقليدي للعديد من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، حيث تضافرت اقتصادات السوق غير المتقدمة مع وضع التبعية العالمي، مما أدى سريعاً إلى تحول نحو سياسات غير ديمقراطية في التسعينيات. نتناول الليبرالية الجديدة الاستبدادية بمزيد من التفصيل دراسة الثلاث نماذج ذات الصلة: التكنوقراطية في إيطاليا، والنيوليبرالية القومية في المجر، والاستبداد التقليدي في كازاخستان.

التكنوقراطية الإيطالية

كانت إيطاليا بعد التوحيد دولة هشة ذات برجوازية ضعيفة، وقد استمرت هذه السمات، إلى جانب الانقسامات المستمرة (شمال/جنوب، مدن/ريف، فاشية/مناهضة للفاشية، أحزاب موالية للغرب/شيوعيين)، حتى ثمانينيات القرن العشرين. وعلى الرغم من النمو السريع الذي شهدته بعد عام 1945 (في عام 1990 كان اقتصادها سادس أكبر اقتصاد في العالم)، إلا أن إيطاليا اضطرت إلى اللحاق بركب دول شمال أوروبا، ونشرت تكنوقراطيين بشكل متكرر للبقاء في قلب الرأسمالية الليبرالية. تدخل التكنوقراط الإيطاليون في السياسة كوكلاء للجزء الليبرالي والمُدوَّل من رأس المال، وهو تقليد حليف متمركز في المدن الشمالية ومجموعات عابرة للحدود الوطنية مثل شركتي "فيات" Fiat وبيريللي  Pirelli. ومع ذلك، فقد تم استقطاب بعض التكنوقراط من قبل الطبقة البرجوازية المعارضة ذات التوجه الوطني والأكثر محافظة، والتي يتمركز معظمها في الشركات التي تسيطر عليها الدولة والشركات الصغيرة؛ وغالباً ما كانت مصالح هذه الطبقة وأعرافها ممثلة من قبل قوى قومية شعبوية مثل حزب "رابطة الشمال الإيطالية"  Lega Nord، ورئيس الوزراء الإيطالي السابق "سيلفيو برلسكوني"Silvio Berlusconi.

تتضح هذه الجدلية من خلال ثلاث فترات في العصر النيوليبرالي الإيطالي: أولاً: فترة التسعينيات، التي اتسمت بالحكومات التكنوقراطية. ثانياً: العقد الأول من القرن الحادي والعشرين التي هيمن عليها برلسكوني. ثالثاً: العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، مع الحكومات التكنوقراطية الجديدة وما يصاحبها من صعود القومية الشعبوية.

سواءً أكانت تكنوقراطية أم قومية، كانت النيوليبرالية الإيطالية في الغالب تجربة من أعلى إلى أسفل، مدفوعة من قبل الدولة. لعب البنك المركزي (بنك إيطاليا) دوراً رئيسياً كحلقة وصل بين السياسة الوطنية والأفكار الدولية، وأصبح المحرك الأساسي للنيوليبرالية. تلقى خبراؤه تعليماً دولياً في كثير من الأحيان، ويعملون كـ"مثقفين عالميين" ويمكن اعتبارهم نموذجاً لبلد موحد حديثاً مثل إيطاليا. في الواقع هم يُفسرون استقلاليتهم كممثلين للأفكار والقيم الأوروبية.

بدأ صعود بنك إيطاليا بانفصاله عن وزارة الخزانة عام 1981، واستمر عندما أصبح محافظه السابق وزيراً للخزانة (1989-1992) في الفترة التي سبقت معاهدة ماستريخت. في عام 1992، انهار النظام الحزبي الإيطالي تحت وطأة التحقيقات القضائية، وتولى "التكنوقراط" زمام الأمور، متخفيين في هيئة اقتصاديين أكاديميين من يسار الوسط، وخاصةً رئيس الوزراء "ماتيو سالفيني" Matteo Salvini، وكبار المسؤولين التنفيذيين في بنك إيطاليا.

ضمت جميع الحكومات بين عامي 1992 و2001 وزراء مستقلين وغير منتخبين؛ وتألفت حكومة ديني فقط من مسؤولين مستقلين، بمن فيهم "سوزانا أنييلي" Susanna Agnelli من سلالة مالكي شركة فيات. أصبح خبراء البنك "مسؤولين تنفيذيين أساسيين" وجلبوا معهم الكفاءة و"أصولاً غير ملموسة" أخرى. في إطار الترويج لأجندة نيوليبرالية، أظهروا قدرةً ثقافيةً وسياسيةً على التأثير. وبشكلٍ عام، تبنوا وجهة نظرٍ "عالمية" مفادها أن "الأوروبية" المستدامة والانفتاح على قوى السوق وحدهما كفيلان بإيصال البلاد إلى الحداثة الكاملة. وبهذا المعنى، كانوا يتبعون أجندةً عبّر عنها بوضوح الزعيم الطموح لحزب يسار الوسط الرئيسي "ماسيمو داليما" Massimo D'Alema في رؤيته لـ"دولةٍ طبيعية": دولةٌ تتمتع بدولةٍ فعّالة، صديقةٌ للمواطنين، قد لا تكون منتجةً للحليب أو الفولاذ، لكنها تعرف كيف تُوفّر مستوياتٍ أوروبيةً من التعليم والبحث العلمي والخدمات الأساسية. دولةٌ تضمن شبكة أمانٍ اجتماعيٍّ قادرةٍ على تقديم الدعم والأمل والفرص لأضعف أفراد المجتمع، ولا تُسرّب الموارد عبر آلاف القنوات المختلفة التي تُتيحها المحسوبية.

منطقة اليورو

انضمت إيطاليا إلى منطقة اليورو منذ نشأتها، لكن الإصلاحات وسياسات التقشف (وخاصة قوانين الميزانية الصارمة) أثّرت سلباً على اقتصادها. فبين عامي 1993 و2000، بلغ متوسط النمو 1.6٪ فقط. أما المحسوبية والفساد، فلم يتراجعا، بل غذّتهما خصخصة شركات مثل عملاق النفط "إيني"  Eni، وشركة الكهرباء "إينيل"  Enel، وشركة التكنولوجيا الفائقة "فينميكانيكا" Finmeccanica. وتُظهر الأبحاث أن الفساد يزداد بعد عمليات الخصخصة عندما تكون هذه الأخيرة "ذات أهمية اقتصادية"، كما كان الحال في إيطاليا. فقد احتفظت الدولة بحصص كبيرة في الشركات المخصخصة، وعُيّنت الإدارة العليا الجديدة من قِبَل الحكومات وفقاً لمعايير سياسية. دفع ترسيخ النخبة والمحسوبية والتقشف العديد من الإيطاليين إلى التخلي عن اليسار وانتخاب "برلسكوني" عام 2001. وبغض النظر عن خطابه الصاخب، لم تُمثل سياسات "برلسكوني" انقساماً جذرياً؛ بل كانت مزيجاً من القومية الشعبوية والتكنوقراطية؛ فلم يكتفِ بتعيين اقتصاديين نيوليبراليين معروفين في مناصب مهمة؛ بل فاز أيضاً في الانتخابات بسبب قدرته المزعومة على إدارة إمبراطورية تجارية.

استغل "برلسكوني" خيبة أمل الإيطاليين من التسعينيات وحوّلها إلى مشروع سياسي، متجذر في الفردية الصارخة لجزء من البلاد، وخاصةً بين الشركات الصغيرة في شمال إيطاليا، ولكنه أيضاً في "صدع أخلاقي" أوسع بين اليسار واليمين التقليديين. في حين ركز خطاب "برلسكوني" غالباً على الكفاءة وريادة الأعمال، إلا أن سياساته كانت أكثر انتهازية منها ليبرالية؛ بل عملت على حماية مصالح الجزء الأكثر وطنية وقومية من رأس المال الإيطالي، والذي شمل إمبراطورية "برلسكوني" الإعلامية "ميدياست" Mediaset ، وشركات معظمها إيطالية. ورغم وعوده بتخفيضات ضريبية كبيرة، لم يُوفِ بها "برلسكوني" قط. وتعارض دفاعه عن الوضع الراهن مع الأفكار الأكثر ليبراليةً لدى بعض معاونيه، مثل الاقتصادي المستقل "دومينيكو سينيسكالكو" Domenico Siniscalco (وزير الاقتصاد 2004-2005)، الذي استقال بطريقة مثيلرة للفضائح. ومع ذلك، كانت ممارسات الليبرالية الجديدة حاضرة في سوق العمل، حيث أدت "قوانين بياجي" Piaget's laws (2003) إلى مزيد من انعدام الأمن والهشاشة. وارتفعت نسبة بطالة الشباب في الجنوب إلى 40%؛ وأثرت الوظائف المؤقتة بشكل رئيسي على الأجيال الشابة. وتغلغلت الليبرالية الجديدة في سوق العمل، بالإضافة إلى إدارات المدن والرعاية الاجتماعية المحلية.

حكومة "ماريو مونتي

بعد أزمة الديون السيادية وضغوط الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي في أواخر عام 2011، أُزيح برلسكوني سريعاً، وحل محله الخبير الاقتصادي والمفوض السابق للاتحاد الأوروبي "ماريو مونتي" Mario Monti الذي أصبح مثالاً يُحتذى به في "التكنوقراطية".

لم يكن أيٌّ من مسؤولي مونتي عضواً في الحزب. تبنى "مونتي" تدابير تقشفية صارمة، لا سيما في نظام الضمان الاجتماعي، تحت ضغط الأسواق المالية.

واجهت إيطاليا ركوداً اقتصادياً حاداً، نتج جزئياً عن سياسات التكنوقراطية التي لم تتوسط فيها الأحزاب. وافق "مونتي" على الطلبات الصارمة من البنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية: في عام 2012، اضطرت إيطاليا إلى التكيف مع الميثاق المالي الأوروبي وإدراج التزام بموازنة ميزانية الدولة في الدستور.

كانت حكومة مونتي مثالاً رئيسياً على الدولة الاستبدادية العابرة للحدود الوطنية في أوروبا. بعد عام 2013، استمرت التكنوقراطية والقومية الشعبوية في لعب دورهما، وغالباً ما كان ذلك معاً. تعاون خليفة "مونتي" مع اقتصاديين سابقين في الحزب الديمقراطي المسيحي وائتلافات يسار الوسط. وظلت وزارة الاقتصاد في أيدي تكنوقراط. في الوقت نفسه، جسّد "ماتيو رينزي" Matteo Renzi الذي تولى رئاسة الوزراء عام 2014 محاولةً من يسار الوسط لإقامة علاقة أكثر مباشرة بين الزعيم والناخبين، دون وساطات أو أيديولوجيات حزبية كبيرة؛ وهو نوع من الشعبوية من يسار الوسط، غنية بالشعارات، ولكنها غامضة وانطباعية بشأن الأفكار والسياسات. في غضون ذلك، واصلت النيوليبرالية شق طريقها خارج السياسة: ففي عام 2017، كان لدى إيطاليا أحد أكبر اقتصادات الظل في العالم) ونقلت شركات كبيرة (مثل فيات) مقراتها إلى الخارج؛ واستمرت الأجور في الانخفاض.

أدى هذا التوجه النيوليبرالي الزاحف والخفي إلى ظهور مشاعر معادية للنخبوية ومواقف معادية للهجرة ومشككة في الاتحاد الأوروبي، والتي أدت في عام 2018 إلى فوز "حركة النجوم الخمس" Five Star Movement وحزب "رابطة الشمال" Lega Nord (الذي كان حتى عام 2018 حزباً إقليمياً مؤيداً لاستقلال شمال إيطاليا)، والذي شكل ائتلافًا غير عادي "يساري-يميني" ذي دلالات قومية قوية. ومع ذلك، احتفظ التكنوقراط بمناصب متميزة في الدولة ومجلس الوزراء، مثل قيادة وزارتي الاقتصاد والخارجية، حيث أُسندت إلى خبراء مستقلين. في الوقت نفسه، شهدت شعبية زعيم حزب الرابطة "ماتيو سالفيني" Matteo Salvini وزير الداخلية (2018-2019)، على انتعاش القومية الشعبوية في إيطاليا. كان ذلك، من نواحٍ عديدة، عودةً إلى سياسات "برلسكوني"، وإن كان ذلك بنبرة أكثر عدوانيةً ومعاداةً للأجانب، وروحاً أقوى معاديةً لأوروبا وللهجرة.

حقق حزب "سالفيني" نجاحاً كبيراً، لا سيما بين عمال الاستقلال والمصانع، الذين يُمثلون مصدر الدعم التقليدي لحزب الرابطة. نجح النداء القومي المناهض للهجرة حيث كان انعدام الأمن الاقتصادي والمخاوف العالمية أكبر، بما في ذلك في جنوب إيطاليا، التي كانت في السابق هدفاً للوم من قِبَل حزب الرابطة. هناك أصداء لدعم الطبقة المتوسطة الدنيا للبونابرتية أو الفاشية، كما حللها المنظرين الماركسيين.

شهدت إيطاليا تحولين آخرين منذ أغسطس 2019، أولاً: أُجبرت الرابطة على الانضمام إلى المعارضة بسبب صعود ائتلاف غير متوقع بين الديمقراطيين وحركة النجوم الخمس، التي لا يزال يقودها "جوزيبي كونتي" Giuseppe Conte وهو أكاديمي قانوني ذو جذور راسخة في المؤسسات الكاثوليكية في روما. ثانياً: في خضم جائحة كورونا، استعادت التكنوقراطية كامل سلطتها، بتعيين محافظ البنك المركزي الأوروبي السابق "ماريو دراجي" Mario Draghi رئيساً للوزراء في 2021. قاد "دراجي" ائتلافاً كبيراً وحكومة تضم 9 تكنوقراط و13 عضواً في الحزب. بدت مهمته أقل توجهاً نحو الليبرالية الجديدة، حيث تعين عليه إنفاق المبلغ الكبير الممنوح لإيطاليا من صندوق الإنعاش الأوروبي. مرة أخرى، تعين على الحكومات الإيطالية غير المنتخبة إنقاذ القدرة التنافسية للرأسمالية الإيطالية والأوروبية (هذه المرة في مواجهة الولايات المتحدة والصين). لكن هل يُعد هذا انحرافاً حقيقياً عن الليبرالية الجديدة؟

النيوليبرالية القومية المجرية

عادةً ما تُربط المجر بشبه المحيط الليبرالي الرأسمالي. خرجت من سياسات نيوليبرالية قاسية بمزيج من النيوليبرالية والقومية غير الليبرالية المتمركزة حول العرق. ورغم أن هذا لم يُترجم إلى استبداد كامل، تبنى رئيس الوزراء "فيكتور أوربان" سياسات عرقية وسلطوية متزايدة منذ 2010. ساهمت المجر تاريخياً في الفكر النيوليبرالي، إذ تعود جذوره إلى خمسينيات القرن الماضي وحوار بين الشرق والغرب، حيث استخدم اقتصاديون لغة المدرسة النمساوية لاقتراح إصلاحات وانتقاد التخطيط المركزي. كما في إيطاليا، يمكن تقسيم العصر النيوليبرالي إلى أربع مراحل: الأولى من الانتقال حتى حكومة أوربان الأولى، الثانية 1998-2002 بسياسات محافظة وقومية، الثالثة حتى الانهيار المالي وتدخل صندوق النقد الدولي (2000-2010)، والرابعة عودة أوربان ببرنامج قومي أكثر استبدادية. لعب التكنوقراط دوراً مهماً في التسعينيات خلال الانتقال إلى الرأسمالية ومفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي. كان معهد البحوث المالية منذ السبعينيات ناقلاً رئيسياً للأفكار النيوليبرالية، وأصبحت توصياته عام 1987 أساساً للانتقال إلى اقتصاد السوق. قاد "جوزيف أنتال" أول حكومة بعد الانتقال (1990-1993) وأطلق إصلاحات نيوليبرالية دون علاج بالصدمة، لكنه واجه تقشفاً مع خطة "كوبا". أدى اتباع سياسات صندوق النقد الدولي إلى انتشار الفقر والبطالة، وانقسام المحافظين، وظهور حزب قومي متطرف جديد (MIEP) هاجم بيع الأصول للشركات الأجنبية.

صعود أكبر للقومية الشعبوية

كافأت انتخابات 1994 الحزب الشيوعي المُصلح (MSZP) الذي شكل حكومة مع الليبراليين، ملتزمين بالتكامل الأوروبي. فرضوا خطة تقشف صارمة "حزمة بوكروس" لخفض الرواتب والإنفاق الاجتماعي وتعزيز النمو القائم على التصدير، ما رسخ وضع المجر شبه الهامشي. تمت خصخصة شركات وبيعها لمستثمرين غربيين، ومنحت مناصب للتكنوقراط. لكن غياب برجوازية وطنية قوية أدى إلى صعود القومية الشعبوية. في 1998 فاز ائتلاف يمين الوسط، وأصبح أوربان زعيماً شاباً لحزب فيديس ورئيساً للوزراء. شكّل حكومة نصف وزرائها مستقلون، وعين ليبرالياً وزيراً للمالية، ما أبرز التكامل الغامض بين التكنوقراطية والقومية. اكتسب الخطاب القومي والشعبوي أهمية مع السياسات النيوليبرالية. قدّم أوربان تخفيضات ضريبية وتقشفاً للانضمام للاتحاد الأوروبي، وعزز برجوازية وطنية. ساعده قطب الإعلام "لاجوس سيميسكا" في تمويل الحزب. بعد 2001، عزز الأشغال العامة والبنى التحتية لدعم نخبة اقتصادية وطنية مستقلة. رغم التنافس الأيديولوجي بين القومية والنيوليبرالية، ظلت القومية محدودة بسبب أهمية الانضمام للاتحاد الأوروبي. في 2002 استعاد الاشتراكيون السلطة بفارق ضئيل، لكن تدهور الحسابات العامة وتراجع الاستثمار الأجنبي أدى لتقشف جديد في عهد رئيس الوزراء "جيوركساني" (2004). مهدت ولايته لعودة القومية، خاصة بعد خطابه السري عام 2006 الذي اعترف فيه بالكذب حول الوضع الاقتصادي. أصيب النمو بالركود وتزايدت التصورات بوجود تواطؤ بين النخب الوطنية والأوروبية، ولم يعد ممكناً إخفاء وضع المجر كاقتصاد تابع.

الانهيار الاقتصادي 2008

أثر انهيار أوروبا الغربية عام 2008 بشدة على المجر. دفع العجز وضعف العملة والمديونية "جيوركساني" لطلب دعم صندوق النقد الدولي، مقترناً بفضائح فساد، ما أدى لاستقالته عام 2009. في انتخابات 2010 انتصر اليمين القومي، وحصل حزب فيديس على 52.7% من الأصوات وثلثي المقاعد، ودخل حزب "يوبيك" المتطرف البرلمان، وعاد أوربان رئيساً للوزراء. رغم خطابه عن "الثورة"، لم تحدث ثورة فعلية. يمكن وصف نظامه بأنه "ليبرالية جديدة في بلد واحد"، حيث تتشابك السياسات المؤيدة للسوق مع القومية والعرقية الإقصائية، في مزيج من رعاية اجتماعية محدودة للمجريين "العرقيين" ونيوليبرالية قمعية للآخرين، خاصة الروما والمهاجرين. شهدت المجر في عهد أوربان معدلات متزايدة من الفقر والحرمان. بعد سداد القرض، تخلت الحكومة عن صندوق النقد الدولي، وعززت خطابها المناهض للعولمة والاتحاد الأوروبي، وأعادت تأميم قطاعات استراتيجية. ترافق ذلك مع إشادة بالتجانس العرقي، تعبئة المجريين بالخارج، واعتماد دستور جديد عام 2011 يتضمن إشارات للمسيحية و"الوطن الأم". مع ذلك، لم تحِد المجر عن النموذج النيوليبرالي، إذ اعتمد أوربان ضريبة ثابتة 16%، وبرنامج عمل اجتماعي يلزم العاطلين بالأشغال العامة، مع تخفيضات كبيرة في المزايا الاجتماعية. سُلّمت وزارات رئيسية لخبراء مستقلين، واستمر تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر، خاصة من شركات السيارات الألمانية. تفسر إمكانات المجر كمستقبل للاستثمار الأجنبي محدودية ردود الفعل الأوروبية على سياساتها القومية. تشترك المجر والشركات الأوروبية في مصالح رئيسية، وسياسة أوربان الصارمة بشأن الهجرة ليست جديدة. تستمر المعارضة الاشتراكية والليبرالية في التفكك، وأصبح حزب يوبيك ثاني أكبر حزب. وهكذا، ترسخت "العرقية" كعلامة مميزة لهذا الشكل الغامض من الليبرالية الجديدة القومية.

الاستبداد التقليدي في كازاخستان

تُعد كازاخستان أغنى جمهوريات آسيا الوسطى السوفيتية، بمساحة تقارب الهند (2,724,900 كيلومتر مربع) وعدد سكان نحو 19 مليون نسمة، ولم تتخلَّ عن نهجها الاستبدادي منذ استقلالها عام 1991، لتُمثل نموذجاً لليبرالية الجديدة الاستبدادية. كانت موطناً لسكان رُحَّل، واستوطنها الروس تدريجياً في القرن التاسع عشر، ثم شهدت تحولاً صناعياً مكثفاً في الحقبة السوفيتية أضرّ بالبيئة وبالسكان الأصليين. منذ التسعينيات، مرّ الاقتصاد السياسي بثلاث مراحل: الأولى صراع الدولة الجديدة بقيادة "نزارباييف" مع العواصف النيوليبرالية وترسخ السلطوية، الثانية نمو قائم على الموارد في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، والثالثة آثار "الركود الكبير" والانفتاح على الصين وترسيخ الاستبداد الرئاسي. أدى الاستقلال إلى تحديات كبرى: غياب طبقة حاكمة أو قومية مهيمنة، إذ شكّل الكازاخستانيون 39.7% والروس 37.8% عام 1989، إضافة إلى قربها من روسيا بحدود طولها 7000 كيلومتر. تولى "نزارباييف" قيادة الدولة حتى 2019، متكيفاً مع موسكو، لكنه تبنى أيضاً توجهاً أممياً بحثاً عن فرص اقتصادية غرباً وشرقاً. لكن التحرير الاقتصادي والخصخصة بين 1991-1995 خفضا الناتج المحلي 40%، وانهار القطاع العام، وانتشر الفقر والجريمة. ورغم جذب بعض الاستثمارات، جلبت الخصخصة فساداً ومحسوبية، وظهرت رأسمالية جامحة. عززت الأزمات الاستبداد، فحدّ دستور 1995 من البرلمان، ومدد ولاية نزارباييف عبر استفتاء، ثم دعا لانتخابات بعد حظر منافسه. وفي خطابه عام 1997 أكد أن دور الدولة يقتصر على تهيئة الظروف لعمل المواطنين والقطاع الخاص.

النموذج الكازاخستاني للنيوليبرالية

لم يكن بناء النموذج النيوليبرالي سهلاً، لكن ظهرت منظمات غير حكومية غربية، وتغلغلت النيوليبرالية في الرعاية الاجتماعية، فيما أسهم تأسيس العاصمة "أستانا" في تعزيز الأعمال والاستهلاك. حقق الاقتصاد نمواً بمعدل 10.2% بين 2000 و2007، مدفوعاً بارتفاع أسعار السلع، مما أدى إلى صعود التكتلات الصناعية المالية المرتبطة بالعائلة الرئاسية والنخبة. أصبح صهرا نزارباييف، "كوليباييف" و"علييف"، مليارديرين يقودان إمبراطوريات من النفط إلى الإعلام والأمن. ومع الإرث السوفيتي والتقاليد العشائرية، نشأت أوليغارشية اقتصادية متشابكة. توسعت السلطوية مع التنافسات الأوليغارشية، فحُلّ حزب الاختيار الديمقراطي عام 2005، وتوفي "علييف" في سجن بالنمسا بعد تورطه بجرائم. منذ 2007 حصل نزارباييف على امتيازات إضافية دون أن يصبح رئيساً مدى الحياة. النمو السريع المدعوم بالنفط قوّض فرص التحول الديمقراطي، إذ لم يخلق حوافز لمعارضة الاستبداد. كما أدت "الثورات الملونة" في جورجيا وأوكرانيا وقيرغيزستان إلى مزيد من التشدد في أستانا. في المقابل، عززت الروابط مع أسواق رأس المال العالمية بقاء القيادة وازدهارها. مثال ذلك شركة الموارد الطبيعية الأوراسية في لندن، وشركة "كازاخميس" بقيادة الملياردير "فلاديمير كيم". تعلمت الشركات الكازاخستانية التعامل مع العصر العالمي عبر استغلال الروابط خارج الفضاء السوفيتي. كما أطلقت الحكومة خطط تحديث تكنوقراطية، مستلهمة تجارب شرق آسيا مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية التي جمعت بين النيوليبرالية والاستبداد.

الاتجاه شرقاً

منذ "الركود الكبير"، اتجهت كازاخستان نحو الشرق، خصوصاً الصين، مع استمرار روابطها بروسيا والغرب. نمت التجارة مع الصين بشكل كبير، واستثمرت بكين بكثافة في الطاقة. أصبحتا شريكين استراتيجيين عام 2011، وأطلق الرئيس شي مبادرة الحزام الاقتصادي في أستانا عام 2013. ومنذ 2009، ربطت خطوط أنابيب الغاز والنفط البلدين بعيداً عن روسيا. كما يشتركان في منظمة شنغهاي للتعاون وأهداف مكافحة الإرهاب والانفصالية. لا يوجد دليل مباشر على دعم الصين للاستبداد، لكنها تؤيد مبدأ السيادة وعدم التدخل، ما ينسجم مع النظم السلطوية. نفوذها لا يخدم الديمقراطية، فيما حافظت النخب الكازاخستانية على روابطها الغربية. تزايد ارتباط كازاخستان بعالم الشركات الخارجية والملاذات الضريبية، حيث برزت هولندا وجزر فيرجن كمستثمرين رئيسيين. كما استثمرت الشركات الكازاخستانية في هذه الملاذات لتقليل التكاليف. وبرز الوسطاء وشركات المحاماة كحلقة وصل بين النخب والغرب. أكد مركز أستانا المالي الدولي انخراط البلاد في عالم الشركات الخارجية، مستنداً إلى القانون الإنجليزي وبدعم من بورصتي "ناسداك" و"شنغهاي". وبرزت مجموعة "كاسبي" بطرحها العام الأولي في لندن عام 2020. بدأ الاستبداد كرد فعل على مشاكل النيوليبرالية، لكنه اندمج معها تدريجياً. أصبح الاستبداد القائم على المحسوبية والقومية والتكنوقراطية وسيلة للتواصل مع الاقتصاد المالي العالمي، مانحاً النخب امتيازات وبعض الرخاء للبلاد. ويبقى السؤال: هل يصمد النظام بعد رحيل مؤسسه نزارباييف؟

***

الدكتور حسن العاصي

أكاديمي وباحث في الأنثروبولوجيا

نحو قراءة في وحدة المنهج المعرفي

يعدّ الفهم الدقيق للعقلانية والمنهجية عند فلاسفة الإسلام، وخصوصا عند الفيلسوف والفقيه في آن واحد، خطوة محورية لفهم المشروع الفكري العربي الإسلامي الذي تمازج فيه الفكر الفلسفي بالفقه والتشريع. ومن بين هؤلاء، يبرز فكر ابن رشد (520-595 هـ / 1126-1198 م) باعتباره نموذجا فريدا في مقاربة العقل والنقل والقياس الفقهي والفلسفي، عبر ما يمكن أن نسميه وحدة المنهج المعرفي. هذه الوحدة لا تعني اختلاط الفلسفة بالفقه، أو مساواتهما في الأهداف، بل تعني انسجام الأدوات العقلية والاستدلالية، واستثمار العقل في مختلف مجالات المعرفة الإنسانية من أجل الوصول إلى الحقيقة، سواء كانت حقيقة شرعية أو حقيقة فلسفية.

إن مسألة القياس عند ابن رشد ليست مجرد مسألة تقنية فقهية، بل هي مدخل لفهم طبيعة الفكر العقلاني عنده، وموقع العقل في سياق التشريع والفلسفة. فالقياس الفقهي عنده لا يقتصر على الاستدلال بالمقدّمات الفقهية للوصول إلى أحكام جديدة، وإنما هو في العمق تعبير عن عقلانية منهجية توازي العقلانية الفلسفية التي ينطلق منها في تفسير الكون والوجود. وهذا ما يجعل دراسة القياس عند ابن رشد ليست دراسة فصلية، بل قراءة في وحدة المنهج المعرفي، حيث تتلاقى أدوات العقل في الفقه والفلسفة، وتتقاطع المبادئ العقلية في استكشاف الشرع والوجود معا.

لقد كانت العقلانية عند ابن رشد وفق ما يشير إليه أرسطو في مقدماته المنطقية، أداة أساسية لاستكشاف الحقيقة، وهو ما جعله يولي للقياس أهمية مركزية في الفقه والعقل. ففي "فصل المقال" و"تهافت التهافت"، نجد أن ابن رشد يوضح أن القياس الشرعي يقوم على قواعد عقلية منطقية، لا تتناقض مع ما يبرزه العقل الفلسفي من استنتاجات، بل يكمله في مستوى المبدأ والمنهج. ويؤكد ابن رشد أن العقل وحيّانه لا ينفصل عن التشريع الإلهي، وأن كل استدلال منطقي في الفقه يجب أن يكون مستندا إلى قاعدة عقلية صحيحة، تماما كما في الفلسفة. يقول ابن رشد: «إذا كان العقل يرى وجوبا لما لا يصل إليه النقل، فالنقل لا يناقضه، بل يكمّله».

إن مفهوم القياس عنده يحمل دلالتين متلازمتين: الأولى في الفقه، حيث يُستعمل القياس للوصول إلى الأحكام التفصيلية المستحدثة، والثانية في الفلسفة، حيث يُستعمل القياس للوصول إلى المبادئ العامة والفكرية، وهما في جوهرهما يعتمدان على قواعد المنطق، وعلى قدرة العقل على الربط بين المقدّمات والاستنتاج. وهنا يصبح القياس عند ابن رشد جسرا بين العقل الشرعي والعقل الفلسفي، وبين النقل والعقل، وبين المبدأ والتطبيق بما يضمن وحدة المنهج.

تُظهر الدراسات المعاصرة أن ابن رشد كان واعيا للفارق بين القياس الفقهي والقياس الفلسفي، لكنه كان يرى أن هذا الفارق شكلي أكثر منه جوهري. فالقياس الفقهي يعتمد على نصوص شرعية محددة كمقدّمات، بينما القياس الفلسفي يعتمد على مبادئ عقلية مجردة. غير أن الآلية العقلية التي يستخدمها العقل البشري في الاستدلال واحدة، وهذا ما يجعل المنهجية واحدة. في هذا الصدد يقول توماس هوبز عن المنطق والاستدلال: «الاستدلال هو أحد الأدوات العقلية التي لا تختلف في موضوعها، بل في طبيعة المدخلات التي تُعطى لها» . ويمكننا تطبيق هذه الرؤية على ابن رشد، حيث إن المدخلات هي النصوص الشرعية في الفقه، والمبادئ العقلية الكونية في الفلسفة، أما الآلية فهي قياس منطقي واحد.

على مستوى الفقه، يعد القياس أداة لاستنباط الأحكام في الأمور المستجدة التي لم يرد فيها نص صريح. وهنا يتضح اهتمام ابن رشد بتأسيس قاعدة عقلية صارمة للقياس، بحيث لا يصبح مجرد اجتهاد عاطفي أو رأي شخصي. يلتزم القياس الفقهي عنده بمراحل محددة: المقدمات العامة، المقدمات الخاصة، الاستدلال، والاستنتاج النهائي للحكم الشرعي. هذه المراحل تشبه إلى حد كبير منهج القياس الفلسفي، الذي يبدأ من المبادئ العامة للوصول إلى النتائج الخاصة في فهم العالم. حيث يشير ابن رشد في هذا السياق: «ليس القياس في الفقه إلا تطبيق العقل على النص، كما أن القياس في الفلسفة تطبيق العقل على المبدأ».

أما على مستوى الفلسفة، فالقياس الفلسفي عند ابن رشد ليس مجرد أداة تحليلية، بل وسيلة للوصول إلى الحقيقة المطلقة. فهو يتأثر بالمنهج الأرسطي، حيث يكون القياس منطقيا بين مقدّمات صحيحة للوصول إلى استنتاج صحيح. وعند مقارنة القياس الفقهي بالقياس الفلسفي، نجد أن الفارق الحقيقي هو في طبيعة المقدمات: نصية في الفقه، ومبدئية عقلية في الفلسفة، أما العقلية التي تحرك عملية القياس فهي واحدة. هذا ما يجعل ابن رشد يرى في العقل أداة واحدة للتفكير في كل من عالم الشرع وعالم الوجود، بما يحقق وحدة المعرفة والمنهج.

لقد كان ابن رشد على وعي بالجدل الذي دار بين الفقهاء والفلاسفة حول العلاقة بين العقل والنقل. في كتابه "تهافت التهافت"، حيث رد على الغزالي الذي أكد على تفوق النقل على العقل في مسائل الأصول والفقه، وبين أن النقل والعقل ليسا في صراع، بل هما مساران متوازيان يلتقيان في خدمة الحقيقة. هذا التأكيد على الانسجام بين العقل والنقل يعكس إيمانه بوحدة المنهجية، حيث تُستعمل قواعد العقل في تفسير النصوص، وتُستعمل المبادئ العقلية في فهم العالم. يشير ابن رشد إلى أن ابن رشد: «الشرع لا يخالف العقل، بل يوجهه ويقوده إلى الحق».

تظهر أهمية هذا التوجه بشكل أكبر عند النظر إلى القياس الفلسفي باعتباره مدخلا لإعادة تفسير الفقه. فالقياس الفلسفي يسمح للعقل بالتحليل والتفكيك، وهو ما ينعكس لاحقا في القياس الفقهي عبر تمكين الفقهاء من فهم النصوص وفقا لمبادئ عقلية عامة. ويمكننا هنا أن نستحضر رأي الفيلسوف جون لوك الذي يرى أن العقل أداة لفهم النظام الكوني، وهو ما يوازي رؤية ابن رشد في أن العقل أداة لفهم الشرع والنظام الكوني في آن واحد.

إن إبراز وحدة المنهج عند ابن رشد يسمح لنا بفهم مشروعه الفكري ككل. فبينما قد يبدو القياس الفقهي والأحكام الشرعية محددة ومقيدة، والقياس الفلسفي حرا ومتسعا، نجد أن ابن رشد يضعهما في إطار عقلاني واحد، يقوم على مبدأ أساسي هو الاتساق المنطقي، والتمسك بالمبادئ العقلية العامة، وعدم التناقض بين نصوص الشرع والعقل. مما يجعل فهمه للقياس أداة معرفية موحدة، تستثمر في مختلف المجالات وتؤسس لعقلانية متكاملة.

إن ابن رشد يتجاوز حدود التقليد الفقهي، كما يتجاوز حدود الفلسفة النظرية، ليؤسس لمنهجية عقلية واحدة، يقوم فيها القياس بأدوار مختلفة بحسب المجال، لكنه يظل قائما على نفس المبادئ العقلية. وهذا يقترب من ما أسماه الفيلسوف الألماني كانط بـ "القوانين العقلية الفطرية"، حيث أن العقل يعمل وفق قواعد أساسية ثابتة مهما اختلفت طبيعة الظواهر أو النصوص.

كما أن الاهتمام بوحدة المنهج يسمح لنا بفهم مشروع ابن رشد كإعادة بناء للمعرفة، يقوم على الربط بين أجزاء المعرفة المشتتة، سواء كانت نصوصية أو عقلية أو فقهية أو فلسفية. إن قياس ابن رشد هو قياس معرفي شامل، لا يقتصر على الفقه وحده أو الفلسفة وحدها، بل يشمل جميع أوجه التفكير العقلاني.

لقد أشار ابن رشد إلى أن القياس الفلسفي والفقيه ليسا في تناقض معا، بل يكمل أحدهما الآخر. فالقياس الفقهي يعتمد على العقل في تفسير النصوص، والقياس الفلسفي يعتمد على العقل في تفسير العالم، وكلاهما يسعى إلى الحقيقة، إما الحقيقة الشرعية أو الحقيقة العقلية. وهنا يظهر مشروعه كمنهج معرفي واحد قائم على العقل، لا يفرق بين شؤون الدين والدنيا في مستوى الأسلوب والمنهج.

كما أن قراءة هذا التوجه عند ابن رشد تقودنا إلى إدراك أنه كان يرى في العقل أداة موحدة للمعرفة، تتجاوز الانقسام التقليدي بين العلوم الشرعية والعلوم العقلية. فالقياس الفقهي هو تطبيق للمنطق على النصوص، والقياس الفلسفي هو تطبيق للمنطق على المبادئ، وبالتالي فالمعيار العقلي واحد: الاتساق، الصحة المنطقية، وعدم التناقض. وهنا نفهم أن ابن رشد هو أول من أسس لفكرة "وحدة المنهج" في الفكر الإسلامي عبر دمج العقل والنقل والفلسفة والفقه، في منظومة معرفية واحدة.

وتجدر الإشارة إلى أن قياس ابن رشد لم يكن مجرد عملية تقنية تجريدية، بل هو ممارسة معرفية متكاملة تربط بين النظر والتطبيق، بين العقل والنقل وبين المبادئ العامة والتطبيقات الجزئية وبين المعرفة الدينية والعلمية. ويصف الفيلسوف ابن سينا هذا النوع من العقلانية بأنه «عقلية قادرة على استنتاج المبادئ من المقدمات والتطبيق على الوقائع، دون أن تفقد صلتها بالحقيقة». ويمكننا تطبيق هذه الرؤية على منهج ابن رشد، حيث يصبح القياس جسراً معرفياً بين الفقه والفلسفة، وبين النص والمبدأ وبين النظر والتطبيق.

على مستوى الفقه، يوضح ابن رشد في كتابه "الكليات" أن القياس الفقهي ليس مجرد إعادة إنتاج للأحكام السابقة، بل هو أداة استنباطية متطورة. فهو يبدأ من قاعدة شرعية عامة، مثل قاعدة "الأصل في الأشياء الإباحة" أو "المضرّة تُزال"، ويطبقها على حالة جديدة لم يرد فيها نص مباشر، فينتج حكما شرعيا متسقا مع النصوص العامة. وما يميز منهج ابن رشد هنا هو استخدامه للمنطق الصوري، وتحديده للمقدمات الخاصة والعامة، وتأكيده على ضرورة انسجام الاستنتاج مع المبادئ العقلية العامة. يقول ابن رشد: «إن القياس الصحيح في الفقه لا يكون إلا إذا وافق العقل ووافق الشرع، وإذا خالف أحدهما كان غير صالح».

أما على مستوى الفلسفة، فالقياس الفلسفي عند ابن رشد يعتمد على المنطق الأرسطي، ويستهدف المبادئ الكونية. فالعقل يبدأ بالمبادئ العامة مثل وحدة الله، أو الضرورة العقلية للوجود، ثم يربطها بالحقائق الجزئية للوصول إلى استنتاجات فلسفية دقيقة. هنا تتضح وحدة المنهج: الآلية العقلية واحدة، سواء في الفقه أو الفلسفة، والاختلاف في طبيعة المقدمات، لا في طريقة الاستدلال. هذا ما يذكرنا برؤية الفيلسوف توما الأكويني، الذي رأى أن العقل الإنساني يستخدم نفس القواعد الاستدلالية لفهم الطبيعة والشرع على حد سواء، وأن أي اختلاف في المجال لا يعني اختلافا في المنهج.

ويجب التوقف عند أحد المفاهيم الجوهرية التي يبرزها ابن رشد، وهو مفهوم "المبدأ والمنهج". فالمبدأ عنده يمثل الحقيقة العليا أو القاعدة العامة، سواء أكانت شرعية أم عقلية، بينما المنهج هو الآلية التي يستخدمها العقل للوصول إلى النتائج الجزئية. ويصبح القياس الفقهي والفلسفي وجهين لمبدأ واحد، هما انعكاسان مختلفان لتطبيق العقل على الحقيقة. ويشير ابن رشد إلى أن «المبدأ واحد والعقلية واحدة، وما يختلف هو التطبيق بحسب مجال البحث».

إن هذه الرؤية تسمح لنا بفهم العلاقة بين القياس الفقهي والقياس الفلسفي كحالة من "التعدد في الوحدة". فعلى الرغم من اختلاف الظاهر بين النصوص الشرعية والمبادئ العقلية المجردة، فإن العقل الذي يستدل عليها واحد، ومنه يتولد انسجام معرفي. وهنا يمكننا الاستعانة برؤية الفيلسوف هيجل عن وحدة المنهج في البحث، حيث أن العقل ينطلق من الكلي إلى الجزئي ويعود إلى الكلي، وفي كل مستوى يعمل وفق نفس المبادئ المنطقية.

علاوة على ذلك، يشير ابن رشد إلى أن القياس الفقهي لا يكتفي بتطبيق القواعد النصية، بل يتطلب فهم الغرض من الشريعة، وهو ما يعرف عنده بـ "المقاصد الشرعية". ففهم هذه المقاصد يتطلب استخدام العقل الفلسفي في تحليل النصوص، وبالتالي يقترب القياس الفقهي من القياس الفلسفي. يقول ابن رشد: «من لا يعرف مقاصد الشرع، لا يصل إلى حكم صائب، ولو اتبع القياس حرفيا». وهنا تتضح وحدة المنهج: العقل يستعمل ذاته في كل المجالات، ويستثمر المنطق في فهم النصوص وتحليل المبادئ، سواء في الفقه أو الفلسفة.

كما أن وحدة المنهج عند ابن رشد تتيح له معالجة الإشكاليات التي طرحها الفقهاء والفلاسفة على حد سواء. فالفلاسفة مثل الغزالي انتقدوا استخدام العقل في مسائل الشرع، معتبرين أن النقل أولى من العقل، بينما الفقهاء أحيانا كانوا يعتبرون القياس مجرد أداة تقنية. إلا أن ابن رشد يرى أن العقل والنقل متكاملان، وأن القياس الفقهي والفلسفي يستندان إلى نفس المبادئ العقلية. ويؤكد على أن «العقلاء إذا اجتمعوا على القياس الصحيح، لم يختلفوا في الحكم، وإن اختلفت الكلمات أو الأساليب».

تتجلّى هذه الوحدة المنهجية بوضوح عند النظر في توظيف القياس عند ابن رشد. ففي المجال الفقهي، يُستثمر القياس لردّ النوازل إلى أصولها، وذلك بإلحاق الوقائع المستحدثة بالمبادئ الكلية والأحكام المنصوصة، عبر تحقيق العلة الجامعة بينها. أمّا في المجال الفلسفي، فينهض القياس بوظيفة تفسيرية وبرهانية، إذ يربط بين الظواهر وأسبابها، وبين الضرورة والوجود، وبين العلة ومعلولها، ضمن نسق استدلالي محكم. ومن ثمّ، لا يظهر القياس عند ابن رشد مجرد تقنية صورية، بل يتبدّى فعلاً عقليا تكامليا، ينسج العلاقات بين مستويات متعددة من المعرفة، مع المحافظة على صرامة البناء المنطقي ودقته.

كما أن ابن رشد لا يقتصر على القياس التقليدي في الفقه، بل يتناول القياس الفلسفي كأداة لتفسير النصوص نفسها، من خلال ما يُعرف عنده بـ "تفسير النص بحسب العقل". فهو يرى أن النصوص الشرعية تحتوي على معانٍ عقلية دقيقة، يمكن إدراكها عن طريق القياس الفلسفي، بما يوضح هدف الشريعة ومقاصدها. وهنا يظهر التناغم بين الفقه والفلسفة، العقل الفلسفي لا يناقض النص بل يكشف أبعاده العميقة، والقياس الفقهي يصبح أداة عملية لتحقيق هذه الأبعاد.

من جهة أخرى، يشير ابن رشد إلى أن القياس الفلسفي يمكن أن يكون أداة نقدية للقياس الفقهي، بما يساعد على كشف التناقضات أو الأخطاء في استنتاج الأحكام. وهكذا يتحقق توازن معرفي، القياس الفلسفي يدعم القياس الفقهي، والقياس الفقهي يطبق العقل على النصوص، بينما العقل الفلسفي يطبق نفس المبادئ على الكون والفكر. ويمكن هنا الاستشهاد برأي الفيلسوف الفارابي الذي يرى أن "العقل أداة واحدة، وظيفتها تحقيق الحقيقة، سواء في السياسة أو الدين أو العلوم الطبيعية".

وفي سياقنا هذا، يصبح مفهوم "وحدة المنهج المعرفي" عند ابن رشد أكثر وضوحا. فالمسألة ليست مجرد توافق شكلي بين القياس الفقهي والفلسفي، بل انسجام جوهري على مستوى المنطق وأداة العقل واستثمار المبادئ العامة للوصول إلى النتائج الجزئية. إن هذا الانسجام يجعل منهج ابن رشد نموذجا فريدا في الفكر الإسلامي، حيث يتحد العقل والنقل والفكر الفلسفي والفقه، في نظام معرفي متكامل، قادر على معالجة مختلف المسائل الإنسانية والكونية.

ولتعميق فهم هذا المنهج، يمكن استعراض بعض الأمثلة التطبيقية من كتب ابن رشد. ففي كتاب "فصل المقال"، يوضح كيف يمكن للقياس الفلسفي أن يفسر الحكم الشرعي في ضوء المبادئ العامة للضرورة والضرر والمصلحة، مؤكداً أن العقل والفلسفة ليسا في صراع مع الشريعة، بل يعملان في إطارها. وفي كتاب "الكليات"، يبرز كيفية تطبيق القياس الفقهي على المعاملات الجديدة، مثل البيع والشراء أو العقود المالية، مع الالتزام بالمنطق العقلي والمبدأ العام للشرع. هذه الأمثلة توضح أن القياس عند ابن رشد ليس مجرد أداة نظرية، بل منهج عملي متكامل، يمكن استخدامه في شؤون الحياة اليومية والفكرية على حد سواء.

كما أمكننا أن نقول إن أهمية هذا المنهج تتجلى في قدرة ابن رشد على معالجة التعارضات بين العقل والنقل، بين القديم والمستحدث، بين النصوص والمبادئ. فالقياس يصبح وسيلة لتحقيق التوازن بين مختلف مستويات المعرفة، وضمان الاتساق الداخلي للنظام المعرفي. وهنا يمكن الاستشهاد بقول الفيلسوف راسل عن المنهجية العقلية، حيث يرى أن "العقلانية لا تعني مجرد التمسك بالقواعد، بل تعني القدرة على توظيفها في معالجة القضايا المختلفة بما يحقق الاتساق الداخلي".

وعلاقة بما سبق، أمكننا أن نخلص في مقالنا هذا إلى أن مشروع ابن رشد الفكري يمثل قمة العقلانية في الفكر الإسلامي، حيث تتكامل الفلسفة مع الفقه، ويصبح القياس أداة معرفية واحدة، تُستثمر في فهم الشرع والوجود على حد سواء. هذه الوحدة المنهجية تجعل من قياس ابن رشد نموذجا فريدا، يمكن دراسته كمثال حي على الانسجام بين العقل والدين، بين النظرية والتطبيق وبين الفقه والفلسفة.

إن دراسة القياس الفقهي والقياس الفلسفي عند ابن رشد تكشف عن رؤية معرفية فريدة، تتجاوز الانقسام التقليدي بين العلوم الدينية والعقلية. فابن رشد لم يرَ القياس مجرد أداة استنتاجية في الفقه، أو أداة تحليلية في الفلسفة، بل جعله منهجا معرفيا شاملا، يقوم على وحدة العقل واتساق المبادئ وتوافق الاستنتاجات مع المقدمات العامة والخاصة. ومن ثمّ يغدو القياس عنده جسرا معرفيا بين الفقه والفلسفة، بين النص والمبدأ، بين النظرية والتطبيق وبين العقل والنقل.

ويعكس هذا المنهج عقلية متفتحة ومرنة، قادرة على التفاعل مع المستجدات، سواء في الحياة العملية أو في الفكر النظري، دون التفريط بالمنطق أو المبادئ العامة. إن وحدة المنهج عند ابن رشد تؤكد على أن العقل أداة واحدة لتحقيق الحقيقة، وأن الاختلاف في الموضوعات لا يعني اختلافا في المنهجية. فالمبدأ واحد والمنهج واحد والاستدلال واحد، سواء تعلق الأمر بالحكم الشرعي أو الفهم الفلسفي للوجود، أو تفسير الظواهر الطبيعية والاجتماعية.

كما أن مشروع ابن رشد يقدم نموذجا فريدا في التفاعل بين التراث الفقهي والفلسفي، ويبرز كيف يمكن للقياس أن يكون أداة عقلية موحدة، قادرة على الجمع بين مختلف مجالات المعرفة. ويظهر جليا أن العقل عنده ليس مجرد أداة نظرية، بل قوة عملية للاستدلال والتحليل والتفسير والابتكار، بما يحقق التوازن بين القديم والمستحدث، بين النص والمبدأ، وبين الفقه والفلسفة.

إن قراءة ابن رشد بهذا المنظور تفتح آفاقا واسعة لفهم الفكر الإسلامي العقلاني، وتبرز إمكانية الجمع بين الدين والعقل، بين الشريعة والفلسفة وبين الاستدلال والنقل، في وحدة معرفية متكاملة. فالقياس عنده ليس مجرد أداة، بل منهج متكامل، يضمن اتساق المعرفة ومرونتها وقدرتها على التعامل مع التعقيدات المعرفية والواقعية. ومن ثمّ يتحدّد قياس ابن رشد ليس بوصفه مجرد تطبيق فقهي أو فلسفي، بل نموذجا معرفيا شاملا، يمكن أن يكون مرجعا لفهم العلاقة بين العقل والدين والفكر التطبيقي والفكر النظري، في سياق حضاري ومعرفي متقدم.

إن قراءة القياس الفقهي والقياس الفلسفي عند ابن رشد بوحدة المنهج المعرفي تكشف عن مشروع معرفي متكامل، حيث تتضافر الفلسفة مع الفقه والعقل مع النقل والمبدأ مع التطبيق، ليؤسس لمنهجية عقلانية متكاملة، قادرة على معالجة مختلف المسائل الإنسانية والفكرية، وتحقيق انسجام معرفي شامل يظل نموذجا خالدا في الفكر الإسلامي والعالمي.

***

د. حمزة مولخنيف

لم يكن الإمام عامر الشعبي -وهو أحد أذكى فقهاء التابعين وأوسعهم إدراكًا لتقلبات الفكر الإسلامي بعد الفتنة الكبرى-، يروي الأمثال عبثًا أو على سبيل التندر. فقد كان ذا نظرةٍ فاحصةٍ في بنية العقول، يُعبِّر عن رؤيته الدينية بلسانٍ رمزي ساخر، لكن يحمل من الفلسفة ما لا يُدركه إلا المتأمل في طبائع الفكر حين ينفصل عن الحكمة.

ومن أبلغ ما رُوي عنه في هذا الباب ما ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى، حيث قال (إن شأن هؤلاء – يعني الخوارج – كرجلٍ مات وترك ثلاثة أبناء: كبيرٍ وأوسطٍ وصغير. فاستأثر الكبيرُ بالمال كلِّه، ولم يُعطِ أخويه شيئًا. فجاء الأوسطُ إلى الأصغر فقال له: أعِنِّي على قتال أخينا الكبير فإنه قد ظلمنا وأخذ حقَّنا. فقال الأصغر: لا أقدر على ذلك ولكن أصبر واحتسب. فعدا الأوسط على الأصغر فقتله، لأنه لم يقاتل معه الكبير).

هذا المثل البسيط في ظاهره ينطوي على تحليلٍ بالغ العمق لظاهرة الغلوّ، إذ يجسّد بنيةً فكرية تتكرّر في التاريخ كلما تحوّل الوعي بالظلم إلى نزعةٍ عدوانيةٍ مغلّفة بثوب الورع. فالأخ الأكبر هنا يرمز إلى (السلطة) التي استأثرت بالأمر بعد انقضاء العدل الأول، والأوسط هو (الخارجي) الذي تأجّجت في نفسه نار الحماسة للدين وطلب الإنصاف، أما الأصغر فهو (الرعية)، الذين آثروا السكينة والانتظار، متوكِّلين على حكم الله لا على سيفه. لكن الكارثة وقعت حين جعل الأوسط الصمتَ جريمة، والحيادَ خيانة، والتوقّيَ من الفتنة نفاقًا، فانقض على من لم يشاركه في الخروج كما لو كان ظالمًا مثل الكبير، فجمع بين التطرّف في الفكرة والعنف في الموقف. وهذه الصورة الدقيقة هي بعينها ما حذّر منه النبي ﷺ في قوله عن الخوارج (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان).

فالشعبي، وهو يتحدث في زمنٍ قريبٍ من وقائع النهروان وما بعدها، لم يكن يستعرض حكاية بل كان يقرأ في جوهر الانحراف الديني في وقته؛ حين يتحوّل الدين إلى وسيلةٍ للتماهي مع الذات المنغلقة على تصورٍ مطلق للحقيقة. فالخوارج لم يبتدعوا باطلهم من فراغ، بل خرجوا من رحم الغيرة على الدين والعدالة، كما قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس (أول تلبيسة عليهم في الدين أنّهم توهّموا أنّهم على غايةٍ من الطاعة، فجعلوا مخالفيهم أعداء الله، فكفَّروا المسلمين وسفكوا دماءهم). وهذا هو لبّ مثل الشعبي، إذ يصوّر الإنسان الذي يبدأ مصلحًا غيورًا ثم ينقلب إلى ظالمٍ متديّن باسم حماية الدين.

ومن لطائف هذا التمثيل أنّ الشعبي لم يجعل الكبير فاسقًا أو خائنًا بالضرورة، بل تركه مجهول الملامح، لأنّ المقصود ليس توصيف السلطة في ذاتها، بل توصيف العقل الذي يُحوّل السلطة إلى ذريعةٍ للخروج، دون ميزانٍ من علمٍ أو فقه. وهذا ما أكّده ابن تيمية بعد قرون حين قال في منهاج السنة (أصل ضلال الخوارج أنهم ظنّوا أنّهم يطيعون الله بقتال المسلمين، ولم يفقهوا معاني الكتاب والسنّة، فاستحلّوا دماء المؤمنين بتأويلٍ فاسدٍ وجهلٍ مركب). وذلك لأن العقل الخارجي لا يعرف التمييز بين الحقّ المشروع والحقّ الموهوم، كما لا يعرف أن العدالة في الإسلام لا تقوم على الغضب بل على الفهم، وأنّ الإصلاح لا يكون بالدم بل بالهداية والتربية.

ولعل أجمل ما في مثل الشعبي أنّه يعبّر عن الحركة النفسية للفكر الخارجي بصدقٍ نفسي نادر. فالأخ الأوسط ليس طالب دنيا، بل هو رمزٌ للإنسان الذي يشعر أنه وحده الذي يملك الحقيقة، فيغتذي من هذا الشعور لذةً أخلاقيةً تُعميه عن رؤية الآخرين. وهنا يكمن ما يمكن أن نسمّيه بـ(مغالطة الطهر)، أي تلك الحالة التي يجعل فيها المرء من نقائه المزعوم مبررًا لإدانة الجميع، ومن إيمانه الشخصي سببًا لاستباحة المخالف. وقد عبّر الغزالي عن هذه الحالة في إحياء علوم الدين بقوله (ما أكثر ما يغترّ المتعبدون بغرورهم فيحسبون الغيرة لله، وهي حميّة للنفس، ويظنون أنّهم يجاهدون في سبيله، وهم إنما يقاتلون في سبيل الهوى). وهذه هي بعينها مأساة الأوسط في مثل الشعبي (غيرةٌ بلا علم، وحميّةٌ بلا بصيرة).

ومن زاويةٍ أخرى، يمكن أن نقرأ هذا المثل في ضوء تطوّر مفهوم الحاكمية الذي صار شعارًا للخوارج، ومن جاء بعدهم من التيارات الحركية التي رفعت راية (لا حكم إلا لله). فلو سُئل الأوسط عن سبب خروجه لقال كما قال أسلافه (نريد أن نُحكم بما أنزل الله). لكنه لم يدرك أنّ الحاكمية ليست شعارًا يُرفع في وجه الحاكم فحسب، بل منظومة قيمٍ تُقام في النفس قبل أن تُقام في الدولة. فحين يرفع الإنسان سيف الدين على أخيه المسلم لمجرّد أنّه لم يشاركه ثورته، فقد جعل من نفسه حاكمًا على نيات الناس، واستبدل سلطان الله بسيفه الخاص. وهذا ما قصده ابن تيمية بقوله (كل من دعا إلى طاعةٍ بغير علمٍ فقد دعا إلى فتنة)، وهي عبارة تصلح أن تُكتب تعليقًا على مثل الشعبي.

وإذا مدّدنا النظر إلى التجارب المعاصرة، وجدنا أن نموذج (الأخ الأوسط) يتكرّر في صورٍ حديثةٍ لا تقلّ خطورة. فكم من جماعةٍ رفعت شعار الإصلاح أو مقاومة الفساد، ثم انتهت إلى تدمير المجتمعات التي خرجت من أجلها، لأنها لم تفرّق بين العدو والمخالف، ولم تميز بين الدين كقيمة والدين كراية سياسية.

والخوارج الجدد، وإن اختلفت أزياؤهم وشعاراتهم، إلا أنهم يحملون العقلية نفسها، يبررون سفك الدم باسم الغيرة على الدين، ويكفّرون من لم يقف في صفّهم باسم الولاء لله، كما فعل الأوسط حين قتل الأصغر لا لأنه ظالم، بل لأنه لم يُقاتل معه الظالم. وهنا يظهر المعنى العميق للمثل (أن التطرف لا يحتاج إلى حجة، بل إلى شعورٍ متضخّم بالحقّ يجرد الآخر من إنسانيته).

وفي سياقٍ مقارب، أشار أبو حامد الغزالي إلى هذا النمط من التفكير في فصلٍ دقيقٍ من فضائح الباطنية، حين قال (إنّ الخطأ في التأويل يُفضي إلى تكفير الأمة بأسرها، حتى لا يبقى في الأرض مسلمٌ غير من وافق رأي المؤوّل، فيسفك الدماء ويزعم أنّه ينصر الله، وهو من أجهل الناس بالله). وهذا التوصيف ينطبق على الأوسط في حكاية الشعبي، إذ جعل من اجتهاده الفردي معيارًا للحقيقة المطلقة، ومن مبايعة الآخرين له دليلَ إيمانهم. ومن هنا ندرك أنّ الإمام الشعبي كان يضرب مثلًا في التحذير من احتكار الصواب أو الحقيقة باسم الدين، لا في سرد حكايةٍ اجتماعيةٍ فحسب.

فالقيمة الفلسفية لهذا المثل إذن تكمن في أنّه يقدّم تصورًا مبكرًا لما يمكن تسميته بـ(انقلاب المعنى الأخلاقي في الفعل الديني)، أي حين يتحول الإحسان إلى عدوان، والغيرة إلى بطش، والإصلاح إلى فوضى. وهو ما يشبه ما سمّاه فلاسفة الأخلاق المحدثون أمثال كانط (1724-1804م)بـ(النية الطيبة المدمّرة)، إذ قد يقود الإخلاص غير العاقل إلى فسادٍ أكبر من النفاق الواعي. فالأوسط كان صادق النية، لكنه أخطأ في فهم المقاصد، فجمع بين صدق الإرادة وسوء الفعل، لأن النية الحسنة وحدها لا تكفي كما ذكر ابن القيم (كم من مريدٍ للخير لم يُصبْه، لأنه لم يزن فعله بميزان العلم والحكمة)، وهي عبارة لو سمعها (الأوسط) لما سالت الدماء بين الإخوة.

وخِتامًا، فإنّ الشعبي لم يورد هذا المثل تندّرًا أو حكاية أدبية، بل أراد أن ينبه العقلاء إلى قاعدةٍ جامعة وهي (لا يُزال الباطلُ بباطلٍ أعظم منه، ولا تُطفأ الفتنةُ بفتنةٍ أشدّ، ولا يُرفع شعار الدين على حساب مقاصده؛ فإنّ العدل لا يُستخرج بروح الانتقام، والحاكمية لله لا تتحقق بتحويل الرأي الفردي أو حماسة الغاضبين إلى معيارٍ للشرع). ولعلّ من أبلغ الشواهد على هذا المعنى ما رُوي عن عمر بن عبد العزيز حين قيل له (إن الناس قد تمرّدوا فقاتِلْهم)، فقال: (إني أكره أن ألقى الله وفي عنقي دمٌ من دمائهم). هنا تتجلّى الحكمة التي غابت عن (الأوسط) في مثل الشعبي، إذ غاب معها التوازن بين الحقّ الإلهي والرحمة الإنسانية، وبين نصّ الشريعة ومقاصدها. فكان مقصد الشعبي تحذيرًا مبكرًا من انقلاب الغيرة إلى غلوّ، وانحراف الإصلاح إلى سفكٍ للدماء باسم الحق.

وعلى هذا، فإنّ المثل الذي ضربه الشعبي ليس مجرّد قصة رمزية عن الخوارج، بل هو مرآة لكل فكرٍ متصلّبٍ يتعامل مع الخلاف بوصفه جرمًا، ومع الصبر بوصفه عجزًا، ومع الحكمة بوصفها خيانة. وهو تنبيه ضد العقلية التي لا ترى في العالم إلا حدّين (أبيض ناصع وأسود حالك)، فتمحو المنطقة الرمادية التي لا يسكنها إلا العقلاء. ولذلك ظل قول الشعبي خالدا، لأنّ الظاهرة التي وصفها لم تنقضِ بزوال الخوارج الأوائل، بل تناسلت في صورٍ جديدة تبنّاها متديّنون غاضبون ظنّوا أنّهم ينصرون الله، وهم في الحقيقة يطفئون نور حكمته.

ولذلك فاستعادة مثل الشعبي اليوم ليست ترفًا بيانيًّا، بل رجوعًا إلى بصيرة مبكرة في فهم السنن الفكرية والاجتماعية؛ إذ إنّ المجتمعات التي ترفع لواء الطهر بلا فقه ولا علم تتحوّل سريعًا إلى ساحاتٍ للدم المقدّس، وتستبيح مخالفيها باسم النية الصالحة. وما لم تُستعدّ الأمة لردّ الغيرة إلى علمٍ، والحماسة إلى حكمة، ستظلّ في كل عصر تُنجب (أوسطًا) جديدًا يثور على (الكبير)، ثم يقتل (الصغير)، ظنا منه أنه يقيم العدل، وهو في الحقيقة يعيد إنتاج الظلم في ثوبٍ ديني مستعار.

***

بقلم د. بدر الفيومي

 

من التصور الفقهي الى التصور القيمي، مقاربة تأسيسية للاجتهاد القيمي فيما لا نص فيه

مدخل: يستمد العقل الفقهي من النص الديني موقفه الاجتهادي في مختلف القضايا والمسائل، موسعاً ومستنطقاً لدلالة النص (قرآنا وسنةً)، لاستنباط المواقف التشريعية تجاه الوقائع والقضايا التي تتصل دلاليا بمنطوق النص او مفهومه، او ما تنتجه طرق الاستدلال والاستنباط، من ربط دلالي بين النص، والواقع.

ومع تقدم الزمن، تستجد كثير من الوقائع، مما حدى بقسم كبير من الفقهاء المسلمين، الى إدراك ما يمكن أن نطلق عليها: (ما لا نص فيه)، من الوقائع التي من المفترض أنها لم يرد فيها نص، أو من غير الممكن شمولها وتغطيتها بدلالة النصوص الشرعية، غير أن قسم آخر من الفقهاء، تنكر لهذه المساحة (غير المنصوص عليها)، إصراراً منهم، على أن العقل الفقهي هو القاصر غالبا، في إدراك المناسبات الدلالية بين النص، ومستحدثات الواقع، وأن بإمكان الموروث الروائي بالجملة، أو في جملة منه، أن يغطي تلك المستحدثات.

فيما اختلف القسم الأول من الفقهاء، بعد تسليمهم بوجود تلك المساحة الفارغة من النص، في تحديد الموقف مما لا نص فيه، عبر مبانٍ واتجاهات عدة، أبرزها:

١- توسيع نطاق الأدلة الشرعية - مضافا الى القران والسنة- ليشمل (العقل، والقياس، والاستحسان، والمصلحة، والعرف، وشرع من قبلنا، وسد الذرائع وفتحها..)، بحسب مبنى كل مذهب..،

٢- تأسيس الأصول العملية التي تعالج موقف الشك في الحكم ودليل الحكم، من خلال الاحتياط والبراءة والاستصحاب، والتخيير، فهذه تعالج موقف الشك بالحكم عندما لا يتم الدليل عليه تبعا للشك في وجود دليله او الشك في شموله بمدلول الدليل..

٣- الدلة الثانوية، والتي تشمل، ما يطلق عليه عند اصوليي الامامية بالدليل اللبي، مثل السيرة العقلائية والارتكاز العقلائي، وما يطلق عليه بسيرة المتشرعة، وما يندرج في العناوين الثانوية مثل حفظ النظام، والاحتياط في الدماء والاعراض، وغيرها من المفاهيم المؤثرة في انتاج الموقف الاجتهادي.

الامر بالمعروف والنهي عن المنكر كفريضة جزئية:

يتناول الفقهاء عادة، فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كفريضة جزئية، ويتصورونها على النحو الآتي:

1- كونها فريضة جزئية لا كلية:

فالفقهاء يعدّونها واحدة من جملة الفرائض الشرعية العملية (إلى جانب الصلاة، الزكاة، الصوم…)، وليست أصلاً تأسيسياً عاماً في أصول الاجتهاد.

أي أنها حكم تكليفي فرعي، وليست أصلاً مؤسساً أو قاعدة فوقية تحكم فهم الموقف من الواقعة التي لا نص فيها.

2- قيود الفريضة وشروطها:

الفقهاء يقيّدون وجوبها بجملة شروط دقيقة، من أهمها:

- المعرفة بالمعروف والمنكر: فلا يجب إلا على من يعرف الحكم الشرعي.

- احتمال التأثير: فإذا علم المكلف أن كلامه لن يغير، أو سيزيد المنكر، يسقط عنه الوجوب.

- أمن الضرر البالغ: إذا كان في الإنكار ضرر على النفس أو المال أو العرض بدرجة شديدة، يسقط التكليف.

- التدرج في المراتب: يبدأ بالإنكار القلبي، ثم اللساني، ثم اليدوي عند القدرة وضمن شروطه.

3- الجزئية التطبيقية:

الفريضة تُمارَس غالباً في المجال الفقهي الأخلاقي الفردي (مثل ترك الصلاة، شرب الخمر، كشف العورة…) أكثر مما تُمارَس في المجال السياسي أو الاجتماعي العام.

ويندر أن يتم توسيعها لتشمل البُنى الاجتماعية والسياسية، بل غالباً تُربط بإذن الحاكم الشرعي أو السلطة.

لذلك فهي أقرب إلى كونها تكليفاً جزئياً فردياً يمارَس في دوائر ضيقة، وليست قاعدة كبرى تُبنى عليها نظم أو منظومات فكرية.

٤- علاقتها ببقية الواجبات:

العقل الفقهي لا ينظر إليها كفريضة تؤسّس لهيمنة الدين على الاجتماع، بل كإحدى الواجبات التي لها أثر في صيانة الفرد والمجتمع من الانحراف، وبحدود ما تسمح به الشروط والقدرة.

ولهذا تراها في الكتب الفقهية تأتي بعد العبادات والمعاملات، كفصل مستقل محدود، لا كمبدأ شامل حاكم.

4- في المجال العام اقترن تصور الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بحكم الجهاد، وهو ما أضفى نوعا من المزاوجة بين الحكمين، وهذا ما جعله تابعا بنحو ما لحكم الجهاد.

تحليل مفردة المعروف:

مفردة المعروف، وبالنظر إلى صياغتها الصرفية التي تفيد المعرفة المقطوع برسوخها في وجدان الأمة، والمنكر كذلك، وكأن كلاهما مقطوع بهما في ظائرة الادراك.

وعبرت بوجدان الأمة، لأن المعرفة بحسب الاصطلاح الفلسفي، العرفاني، هي أقرب إلى الإدراك الوجداني منه إلى الإدراك العقلي، وعند الإمعان والملاحظة نجد أنه لم يقل الأمر بالمعلوم، أو الأمر بما يجب أن يعمل أو الأمر بما شرع الله وغيرها من المعاني والاصطلاحات القريبة والمرادفة فالمعروف ما رسخ وانتشر في وجدان الجميع، وهو أقرب إلى القيم الفطرية التي يدركها الجميع من دون تحصيل وكسب، بخلاف المعلوم، وما ينبغي أن يعلم من أحكام التشريع التي يختص بها الفقهاء، وغيرهم من العلماء الراسخين في تعلم شرع الله وأحكامه.

عند هذا التصور يتضح أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو حكم وأمر كلي يتعلق بالمجموع لا بالأفراد، وقوله (الذين يأمرون بالمعروف) أداة عموم يستفاد منها العموم المجموعي أكثر من العموم الاستغراقي.

ويمكن تقرير ان المعروف: كلّ ما أمر الله به أو استحسنه العقل أو أجمع عليه ضمير الإنسان السوي، فهو معروف، تجب الدعوة إليه والعمل به.

اتجاهان في تصور المعروف:

1.  الاتجاه الواقعي (التحليلي)

يرى أن المعروف نتاجٌ لعقل عمليٍّ يبحث عن المصلحة، فالقيمة تُفهم بقدر منفعتها الاجتماعية.

مثل اعتمادهم على الوفاء بالعهد، أو صدق الخبر، لأنها تحفظ النظام الاجتماعي.

2.  الاتجاه القيمي (المعياري)

يرى أن المعروف ليس مجرد نفعٍ اجتماعي، بل هو تعبير عن إدراك فطري للخير؛ فالقيمة متجذرة في كيان الإنسان قبل التجربة.

محاولة المقاربة التأسيسية:

يمكن عقد مقاربة تأسيسية للمعروف والمنكر كواقع قيمي مؤثر في توجيه الاستنباط فيما لا نص فيه، عبر محاولة ضبط (إدراك القيمة)، كمؤثر فاعل في إنتاج الموقف الاجتهادي فيما لا نص فيه، وضمان حاكمية الإطار المرجعي لقيم النص التشريعي، في مجالها القطعي، وعقد المقاربات والمناسبات بين الموضوعات من جهة، والقيم المنتجة للأحكام، من جهة أخرى، ولا بد من عرض أبرز الكليات التي تسهم في إنضاج هذه الرؤية:

1. المبدأ الجامع

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليسا أحكاماً جزئية فقط، بل آلية مستمرة لحفظ القيم والمعايير في الواقع،

و"ما لا نص فيه" هو فضاء واسع تُترك فيه التفاصيل للفقيه وفق مبادئ الشريعة، وكلاهما يمثلان مساحة مفتوحة للاجتهاد، ويُبنى عليهما تفاعل الدين مع الواقع.

2. التأسيس القيمي

المعروف والمنكر مفهومان مفتوحان، يتغيران بتغير العرف والعقل الجمعي ما لم يخالفا النصوص القطعية، وهذا الانفتاح شبيه بمساحة "ما لا نص فيه"، إذ يُرجع فيه إلى المقاصد والقيم الكبرى.

وعليه فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمثلان منهجية حية لمعالجة المستجدات، لا مجرد واجب أخلاقي فردي.

3. الوظيفة الاجتهادية

في المسائل التي لا نص فيها، المرجع هو الاجتهاد المستند إلى القواعد الكلية (العدل، رفع الحرج، حفظ الضروريات)، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المرجع هو الوعي بالمصلحة والمفسدة المعروفتين، أي قراءة الواقع في ضوء الراسخ والمستقر من القيم.

4. البعد الاجتماعي والسياسي

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس فرديًا فقط، بل له بُعد مؤسساتي (كما في الحسبة قديمًا أو الرقابة الاجتماعية حديثًا)، و"ما لا نص فيه" عادة ما يفرز تشريعات مدنية أو أعراف اجتماعية يحتاج المجتمع لتنظيمها.

والمقاربة: كلا المجالين يبرزان أن الدين لم يرد أن يُحيل المجتمع إلى نصوص جاهزة فقط، بل إلى آليات دائمة تتضمن تفاعلا بين العقل والنص لإنتاج الحلول.

5. النتيجة التأسيسية

يمكن القول إن:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الإطار العملي لحماية مقاصد الدين في فضاء ما لا نص فيه.

بينما النصوص المحدودة تضبط "الحدود"، فإن هذه الفريضة تضمن أن القيم تبقى حيّة وفاعلة في مواجهة المستجدات.

خلاصة:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمكن أن يمثلا أداة تأسيسية لمواكبة ما لا نص فيه، عبر تفعيل القيم الكبرى للشريعة في كل زمان ومكان، من خلال سعة مدلول المعروف لكل ما يتسق مع القيم، وسعة مدلول المنكر لكل ما هو مخالف للقيم.

تبقى اشكالية الضبط والتحديد، وحلها منوط بتأسيس منظومة قيمية مستندة الى النصوص والثوابت، تحكي عن مقولة المعروف، في إطار نظري مرن.

***

د. أسعد عبد الرزاق الأسدي

يُعرِّف منَّاع القطَّان الإعْجازَ بقوله: " الإعجاز: إثبات العجز، والعَجْزُ في التَّعارف: اسمٌ للقُصُورِ عن فِعل الشَّئ، وهو ضِدُّ القُدْرة، وإذا ثَبُتَ الإعجاز ظهرت قدرة المعجز.والُمَرادُ بالإعْجَازِ هُنا إِظْهَار صِدْقِ النَّبي (صلى الله عليه وسلم) في دَعْوى الرِّسَالةِ بإظهار عَجْز العَربِ عن معارضته في مُعجِزته الخَالِدة وهي القُرآن الكريم، وعَجز الأجيال بعدهم، والمعجزةُ هي أمرٌ خارِقٌ للعَادَةِ مَقْرونٌ بالتَّحَدِّي سالمٌ عن الُمعارضَةِ.

و المُسْتقرئُ بتدبر لآياتِ الذِّكْرِ الحَكِيْم يُدرك على الفورِ ما لها من أسلوب فريد ونظام منحها خصوصية عن الأساليب البيانية واللغوية الأخرى وحفظها من الدخيل والاختلاف واللحن،وللقرآن الكريم روعة تهتز لها النفوس والقلوب والألباب، وله وقْعٌ عجيب تخشع له القلوب،  وهذا ليس بغريب على كتاب أنزله ربُّ السموات والأرض، ومما يحفظه القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي لنا من أثر هذا الوقع هو ما استشعر به مشركو مكة وهم أهل البلاغة والبيان والإفصاح حينما استمعوا إلى آيات القرآن الكريم، وحينئذ عرفوا عظمته وإعجازه اللغوي والبياني، لكن الكبر والغرور هو الذي منعهم من الإيمان به وبما جاء فيه.

وقد استطاع الوليد بن المغيرة يوم سماعه القرآن، أن يصف بدقة بالغة أثره في النفوس، حيث قال: (والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما هو بكلام بشر). وكل منصف للحقيقة يُقرُّ أن الأسلوب الذي جاء عليه القرآن الكريم، والنسق الذي صيغت عليه آياته، أمر في غاية الروعة والبيان، ولا عجب في ذلك، فهو كلام رب العالمين، وهو ]أحسن الحديث[ (الزمر:23)،ويقول تعالى: ]ومن أصدق من الله حديثا[ (النساء:87).وكما يذكر الأستاذ سيد قطب في كتابه " التصوير الفني في القرآن الكريم" أن القرآن الكريم سحر العرب منذ اللحظة الأولى، سواء من شرح الله صدره للإسلام، ومن جعل على بصره منهم غشاوة، وقصة إيمان عمر بن الخطاب (رضي اله عنه) وقصة تولي الوليد بن المغيرة نموذجان من قصص كثيرة متعددة للإيمان والتولي وكلتاهما تكشفان عن هذا السحر القرآني الذي أخذ العرب منذ تلك اللحظة الأولى.

ومن المتكلمين من أشار إلى الصِّرفة كمبررٍ للإعجاز القرآني، والصِّرفة في نظر أهل الكلام والمتكلمين هي أن الله صَرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها، فكان هذا الصرف خرقاً للعادة. والمرتضي يرى الصِّرفة أن الله سَلب العربَ العلومَ التي يحتاجون إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: " ومما يبطل القول بالصرفة، أنه لو كانت المعارضة ممكنة، وإنما منع منها الصرفة، لم يكن الكلام معجزاً وإنما يكون المنع معجزاً، فلا يتضمن الكلام فضلاً على غيره في نفسه".

والقول بالصرفة قول فاسد يرد عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً) (سورة الإسراء:88 ـ 89).

ولقد تحدى الله (عز وجل) العرب بالقرآن الكريم، وهم كانوا في قمة البلاغة والفصاحة والبيان، ورغم ذلك التفوق اللغوي نزل القرآن الكريم يتحداهم فيما برعوا فيه فسجلوا عجزهم أمامه مما يدل على أن العجز بغيرهم ألصق، ولقد تحداهم الله (عز وجل) أن يأتوا بمثله، يقول تعالى: ] أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ[ (سورة الطور:33ـ34)، ويقول تعالى: ] أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ[ (هود:13).

والحديث عن فضل القرآن الكريم على لغة العرب لا يحتاج إلى دليل، فقد علم ولا يزال يعلم أهل الأرض كافة أن اللغة العربية تبوأت مكانتها تلك بسبب كونها وعاءً لكلام الله تعالى، ولأجل ذلك قامت العلوم المختلفة لخدمتها ثم صارت اللغة العربية لغة العلم والحضارة، بجانب كونها لغة العبادة والتعبد، ولعل من أسباب هذا السحر البياني الذي تمتعت به آيات القرآن الكريم التناسق والتكامل في اللفظ والمعنى.

وفي هذا الصدد يشير الدكتور السيد تقي الدين إلى أن القرآن الكريم يقدم إلينا لوحات فنية أدبية وقد حدد لنا مثلاً أعلى في الحياة والفن، ورسم للفكر خريطة تستمد خيوطها من تلك الينابيع والمناهل الفياضة. وهذا ما أكده أيضاً الدكتور محمد دراز من أن القرآن الكريم كتاب أدبي وعقيدي في نفس الوقت ونفس الدرجة.

ويشير الباحث السيد سبيط إلى وجه من وجوه الإعجاز القرآني حيث إن في القرآن نظاماً محكماً شديد الصرامة، منتشراً في جميع أجزائه، بحيث ان اللفظ – مفردة كان أو حرفاً- والترتيب والتسلسل المعيَّن للألفاظ في كل تركيب هو جزء من هذا النظام، والخطأ في تصوّر شيء منه في أي موضع يؤدي إلى الخطأ في تصور فروع كثيرة متصلة بذلك الموضع. وخلص مصطفى صادق الرافعي إلى نتيجة السحر القرآني البياني ومدى تأثيره في الودان والألباب من حيث نظمه وأسلوبه، وطرائق نظمه، ووجوه تراكيبه، ونسق حروفه في كلماته في جمله، ونسق هذه الجمل،و هو وجه الكمال اللغوي. والحرف الواحد من حروف القرآن في موضعه من الإعجاز الذي لا يغني عنه غيره في تماسك الكلمة، والكلمة في موضعها من الإعجاز في تماسك الجملة، والجملة في موضعها من الإعجاز في تماسك الآية.

ومن وجوه الإعجاز القرآني اتساقه وائتلاف حركاته وسكناته، ومدّاته وغنّاته... وهذا هو (ما) استرعى الأسماع واستهوى الأفئدة بصورة لا يمكن أن يصل إليها أي كلام آخر سواء أكان شعراً أم نثراً. فكان ذلك الاتساق الفريد كالسور المنيع لحفظ القرآن الكريم بحيث لو داخله شيء من كلام الناس لاعتلّ مذاقه، واختلَّ نظامه. فالقرآن الكريم كله وحدة مترابطة؛ من حيث قوة الموسيقى في حروفه وتآخيها في كلماته، وتلاقي الكلمات في عباراته ونظمه المحكم في رنينه... وكأنَّ المعاني مؤامنة للألفاظ، وكأنَّ الألفاظ قطِعتْ لها وسويت حسبها.

ومن معجزات القرآن أنه يخاطب العقل والقلب معاً، فتجد له وقعاً على كليهما، وجعله الله شفاء للقلوب ورحمة ونور، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ [ (يونس: 57)، وقال:تبارك وتعالى:  (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً [ (الإسراء:82)، كما أن معظم القرآن إنما يخاطب العقل ويحثه على التفكر في خلق الله كالسماوات والأرض وإمعان النظر في الكون وفي الأنفس والآفاق وجعل ذلك وسيلة للوصول إلى الإيمان بالله، قال تعالى: (أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [  (الأعراف:185).

وقد جعله الله تعالى مصدراً لتثبيت النفس وعونها على الصبر ومصدر هداية وتبشير للمؤمنين كما ثبت به الله تعالى فؤاد النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [ (النحل: 102)،كما جعله مصدر راحة واطمئنان للمؤمن، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [ (الرعد: 28)، وكم أسعد هذا القرآن قلوباً مولعة ومشتاقة للرحمن ومتعطشة للقاءه، فتجد كلامه تعالى خير دواء وسكن ينزل برداً وسلاماً على القلب والروح فتسعد النفس بترتيله فما أعظمها نعمة هي نعمة القرآن،وهذا إنما يفهمه ويشعر به المؤمن كامل الإيمان الذي يتوق للقاء الرفيق الأعلى.

وسيبقى هذا القرآن معجزاً بلفظه ومعناه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا[ (سورة النساء:82).إن هؤلاء المنافقين والذين فى قلوبهم مرض قد خيب الله سعيهم، وكشف خباياهم، ورأوا بأعينهم سوء عاقبة الكافرين وحسن عاقبة المؤمنين، فهلا دفعهم ذلك إلى الإِيمان وإلى تدبر القرآن وما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات وأخبار صادقة، وأحكام حكيمة، تشهد بأنه من عند الله، ولو كان هذا القرآن من عند غير الله أى من إنشاء البشر لوجدوا في أخباره، وفى نظمه، وفى أسلوبه، وفى معانيه اختلافاً كثيراً فضلا عن الاختلاف القليل، ولكن القرآن لأنه من عند الله وحده قد تنزه عن كل ذلك وخلا من كل اختلاف سواء أكان كثيراً أم قليلا.

فالمراد بالاختلاف هنا هو تباين النظم، وتناقض الحقائق، وتعارض الأخبار وتضارب المعانى، وغير ذلك مما خلا منه القرآن الكريم لأنه يتنافى مع بلاغته وصدقه. وفى ذلك يقول صاحب الكشاف: قوله تعالى: (لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [ أى: لكان الكثير منه مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه فكان بعضه بالغا حد الإِعجاز. وبعضه قاصراً عنه تمكن معارضته، وبعضه إخباراً يغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخباراً مخالفا للمخبر عنه، وبعضه دالاً على معنى صحيح عند علماء المعانى، وبعضه دالاً على معنى فاسد غير ملتئم.فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائقة لقوى البلغاء، وتناصر معان، وصدق أخبار دل على أنه ليس إلا من عند قادر على ما لم يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه.

فالآية الكريمة تدعو الناس فى كل زمان ومكان إلى تدبر القرآن الكريم وتأمل أحكامه، والانقياد لما اشتمل عليه من توجيهات وإرشادات وأوامر ونواه، ليسعدوا فى دنياهم وآخرتهم. فالتناسق المطلق الشامل الكامل هو الظاهرة التي لا يخطئها من يتدبر هذا القرآن أبدا، ومستوياتها ومجالاتها , مما تختلف العقول والأجيال في إدراك مداها. ولكن كل عقل وكل جيل يجد منها – بحسب قدرته وثقافته وتجربته وتقواه – ما يملك إدراكه , في محيط يتكيف بمدى القدرة والثقافة والتجربة والتقوى. ومن ثم فإن كل أحد , وكل جيل , مخاطب بهذه الآية. ومستطيع – عند التدبر وفق منهج مستقيم – أن يدرك من هذه الظاهرة – ظاهرة عدم الاختلاف، أو ظاهرة التناسق – ما تهيئه له قدرته وثقافته وتجربته وتقواه.

القَرَائِنُ اللَّفْظِيَّةُ:

من أبرز معالم إعجاز القرآن الكريم ظاهرة القرائن اللفظية، وهي ذات التأثير الخاص على الوضع اللغوي والتي تسبب صرف اللفظ عن معناه الحقيقي، وهذا هو الشيء الذي يحصل في الاستعمالات المجازية بما للمجاز من مدلول عام يشمل الاستعارة والكناية وغيرهما.وقبل الخوض في الحديث عن القرائن اللفظية في القرآن الكريم يجدر بنا أن نلقي نظرة سريعة بغير إخلال أو تفريط عن مصلح القرينة وما يرتبط بها من مواضعات ومصطلحات أخرى.

القرينة لغة:

القرينة في اللغة مأخوذة من المقارنة، وهي المصاحبة، ويعرفها اللغوي ابن فارس في كتابه "معجم مقاييس اللغة" بأنها: " يقال فلان قرين فلان، أي مصاحب، ويقال قرنت الشئ بالشئ وصلته به، وتطلق القرينة على نفس الإنسان لاقترانا به، كما تطلق على الزوجة، فيقال فلانة قرينة فلان أي زوجته".

القرينة شرعاً:

يؤكد الشيخ صالح السدلان (1416هـ) على أنه لم يتعرض لتعريف القرينة في الاصطلاح الشرعي إلا المحدثون، ولم يعرفها الفقهاء القدامى ولكن استعملوها بألفاظ مترادفة مثل: القرائن والعلامات والأمارات. ويرجع الشيخ السدلال السبب في ذلك إلى ظهور معناها ووضوح دلالتها على المراد بها.

وممن تعرض لمواضعة القرينة من الجهة الشرعية الشريف الجرجاني في كتابه التعريفات فقال عنها: " إنها أمر يشير إلى المطلوب ". أما مصطفى الزرقاء فيعرفها بأنها: " كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً وتدل عليه، وهي مأخوذة من المقارنة بمعنى الموافقة والمصاحبة". أما الشيخ عبد العال عطوة فيعرفها بأنها: " الأمارة التي تدل على أمر خفي مصاحب لها بواسطة نص أو عرف أو سنة أو غيرها". وتنقسم القرينة في الشريعة الإسلامية إلى ثلاثة أقسام رئيسة وهذا ما أشار إليه الشيخ صالح بن غانم السدلال، حيث حدد هذه الأقسام فيما يلي:

(أ‌) القرينة باعتبار مصدرها.

(ب‌) القرينة باعتبار علاقتها بمدلولها.

(ت‌) تقسيمها باعتبار قوة دلالتها.

القرينة قانوناً:

أما رجال القضاء والقانون فيرون القرينة أنها ما يستنبطه المشرع أو القاضي من أمر معلوم للدلالة على أمر مجهول. وهذا ما قضت به محكمة النقض المصرية في تعريفها لمفهوم القرينة بأنها استنباط أمر مجهول من واقعة ثابتة، بحيث إذا كانت هذه الواقعة محتملة وغير ثابتة بيقين، فإنها لا تصلح مصدراً للاستنباط.

وقد أشار أستاذنا الدكتور تمام حسان في كتابه الماتع " البيان في روائع القرآن " إلى القرينة اللفظية بأنها عنصر من عناصر الكلام يستدل به على الوظائف النحوية " فيمكن الاسترشاد بها أن نقول هذا اللفظ فاعل، وذلك مفعول به ". ويذكر أن مثل هذه القرائن كمثل معالم الطريق التي يهتدى بها المرء إلى المكان الذي يقصده. وتختلف القرائن باختلاف اللغات، ومن القرائن اللفظية في اللغة العربية قرينة البنية والإعراب والربط والرتبة والتضام، والسياق.

قرينة البنية:

قرينة البنية هي دلالة صورة الكلمة على المعنى النحوي، بمعنى آخر القرينة هي الدليل، أما البنية فهي كما يعرفها الدكتور تمام حسان إطار ذهني مجرد للكلمة المفردة وليست الكلمة ذات المعنى المفرد.

قرينة الرتبة:

هي قرينة نحوية ووسيلة أسلوبية، أي أنها في النحو قرينة على المعنى وفي الأسلوب مؤشر أسلوبي ووسيلة إبداع وتقليب عبارة واستجلاب معنى أدبي.

قرينة السِّياقِ:

يشير الدكتور أنس وكاك في دراسته المعنونة بـ " السياق وأهميته في سلامة الاستدلال" إلى قرينة السياق بقوله: " المتعلق والبعد والمجرى الذي يأتي الكلام منصبا فيه، فسياق الكلام أسلوبه ومجراه الذي يجري فيه. والسياق من حيث هو قرينة كبرى أو مجموعة قرائن صغرى ينقسم قسمين: سياق لغوي (مقالي) يعتمد على القرائن اللغوية التي يتضمنها الدليل و يستدل بها على مدلوله من جهة اللفظ والمعنى لتحديد المعنى اللغوي، أو ما يعبر عنه البعض بالمعنى النحوي أو الوظيفي للجملة.

وسياق غير لغوي (مقامي) يعتمد على سائر القرائن الأخرى المرتبطة بالـدليل والمدلول لتحديد مراد المتكلم بحسب مقتضى الحال،و هذا المعنى المقصود في خطاب المتكلم هو ما يعبر عنه البعض بالمعنى الوظيفي المراد من الخِطاب، ومقتضى الحال يشمل عناصر كثيرة تتصل بالمخاطِب والمخاطَب وسائر الظروف التي تحيط بالخِطاب، وهذا قدر زائد على مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة، ألا ترى إلى اختلاف الغاية التي تساق من أجلها القصة في القرآن، فتذكر بعض معانيها الوافية بالغرض في مقام، وتبرز معان أخرى في سائر المقامات حسب اختلاف مقتضيات الأحوال.

ويؤكد الدكتور تمام حسَّان على اعتبار قرينة السياق في تحديد المعنى المراد من النَّص، وبيان اعتماد هذه القرينة على مختلف القرائن من داخل النص وخارجه، بقوله: "وهكذا تمتد قرينة السياق على مساحة واسعة من الركائز، تبدأ باللغة من حيث مبانيها الصرفية وعلاقاتها النحوية ومفرداتها المعجمية، وتشمل الدلالات بأنواعها من عرفية إلى عقلية إلى طبيعية، كما تشتمل على المقام بما فيه من عناصر حسية ونفسية واجتماعية كالعادات والتقاليد ومأثورات التراث، وكذلك العناصر الجغرافية والتاريخية، مما يجعل قرينة السياق كبرى القرائن بحق؛ لأن الفرق بين الاستدلال بها على المعنى، وبين الاستدلال بالقرائن اللفظية النحوية كالبنية والإعراب والربط والرتبة والتضام، هو فرق ما بين الاعتداد بحرفية النَّص والاعتداد بروح النص، وقرينة السياق هي التي يحكم بواسطتها على ما إذا كان المعنى المقصود هو الأصلي أو المجازي، وهي التي تقضي بأن في الكلام كناية أو تورية أو جناسا، وهي التي تدل عند غياب القرينة اللفظية على أن المقصود هذا المعنى دون ذاك؛ إذ يكون كلاهما محتملا".

المشْتَركُ اللَّفظِي:

يعرف ابن فارس المشترك اللفظي في كتابه معجم مقاييس اللغة بأنه: " اللَّفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين فأكثر دلالة على السواء عند أهل اللغة". وظاهرة الاشتراك اللفظي من بين أهم الظواهر التي تمتاز بها اللغة العربية.

وقد بحث عُلَماءُ اللُّغة القدماء في هذه الظاهرة كما اختلفوا في وجودها وفوائدها وتفرقوا فريقين، فريق منكر وفريق قائل بالظاهرة مدافع عنها،كما احتج كل منهما بعلل واستدلالات بغية إثبات صحَّة مذهبِه ودَحض مذْهَب معارضه.

ويعد سيبويه (ت 180 هـ) هو أوّل من أشار إلى المشْترك اللَّفظي حيث ذكره في تقسِيمات الكلامِ في كتابهِ قائلا: "أعلم أنّ من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين واختلاف اللَّفظين والمعنى واحد واتفاق اللَّفظين واخْتلافِ المعنيين، واتفاق اللفظين والمعنى مختلف، قولك: وجدت عليه من الموجدة ووجدت إذا أردت وجدان الضالّة "وأشباه هذا كثير".

أما الإمام الشَّوكَاني فيرى المشترك اللَّفظي أنه: "اللَّفظةُ الموضوعةُ لحقيقتين مختلفتين، أو أكثر، وضعا أولا، من حيث هما كذلك. فخرج بالوضعِ، ما يدل على الشَّيء بالحقيقة، وعلى غيره بالمجاز، وخرج بقيد الحيثيَّة، المتواطئ. فإنه يتناول الماهيات المختلفة، لكن لا من حيث هي كذلك، بل من حيث إنها مشتركة في معنى واحد". بينما يذهب تاج الدين السبكي إلى أنه "اللفظ الواحد، الدال على معنيين مختلفين، أو أكثر، دلالة على السواء، عند أهل تلك اللغة. سواء كانت الدلالتان مستفادتين من الوضع الأول، أو من كثرة الاستعمال، أو كانت إحداهما مستفادة من الوضع الأول، أو من كثرة الاستعمال. أو كانت إحداهما مُستفادة من الوضع، والأخرى من كثرة الاستعمال.

ومن قولنا الواحد، احتراز عن الأسماء المتباينةِ والمترادفة، فإنه يتناول الماهيّة، وهي معنى واحد، وإن اختلفت محالها. وقولنا عند أهل تلك اللغة إلى آخره، إشارة إلى أن المشترك، قد يكون بين حقيقتين لغويتين، أو عرفيتين، أو عرفية ولغوية.

الفِرَاسَةُ:

يُعرِّف ابن العَربي الفِراسَةَ بكسر الفَاء بأنها هي التَّوسُّمُ ـ تَفَعُّلٌ من الوسم ـ وهي العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها. وهناك ثمة فوارق بين القرينة والفريسة وأضا نقاط اتفاق، منها أن كلا من القرينة والفراسة متفقتان في أن كلا منهما علامة، ولكن القرينة علامة ظاهرة محسوسة، أما الفراسة فإنها تعتمد على حجج وأمور غيبية خفية لا يدركها إلا المتفرس. والقرينة قابلة للإثبات، أما الفراسة فلا يمكن إثباتها بطريق الشهادة.

قَرِيْنَةُ السِّيَاقِ:

السِّياقُ في مجال تفسيرِ القُرآن لا يمكن الحديث فيه بمعزلٍ عن علمِ المناسبة أو التَّناسبِ؛ لأنه قد ينظر إليه نظرةً أعم، فيتجاوز المفسِّر النظر في لُحمة المقاطع المتَّصلة إلى ما هو أشمل من ذلك، وهو النظر في سياق السورة كلها، وكيف انتظمت معاني يأخذ بعضها بحجز بعض، وهو في ذلك يوضح المناسبات الخاصة بين آية وأخرى داخل السورة موضع الدرس، أي: دون أن يطغى الاهتمام بالسياق الأعم على السياق الأخص.

بل منهم من عُني بدرس التنــاسب والمشاكلة في القرآن كله كما فعـل الإمام أبو جعفر ابن الزبير شيخ أبي حيان، وبرهان الدين البقاعي في كتاب سماه: "نظم الدرر في تناسب الآي والسور"، والسيوطي في كتابه: "تناسق الدرر في تناسب السور". وممن عُني به من المفسرين الإمام الفخر الرازي في "مفاتيح الغيب"، وأبو حيان في "البحر المحيط"، وهو علم غزير جدا قلت عناية العلماء به.

وممن عُني به –أيضا– من المعاصرين صاحب الظِّلال؛ فإنه نظر إلى السياقات العامة لكل سورة على حدة، وبين أن كل سورة سيقت لخدمة هدف معين، وأن جميع عناصر السورة وإن بدا بينها – أحيانا- في الظاهر شيء من عدم التناسب، فهي كلها في خدمة السياق العام للسورة. وقال القاضي أبو بكر ابن العربي في "سراج المريدين": "ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، منتظمة المباني علم عظيم، لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة،ثم فتح الله ـ عزَّ وجل ـ لنا فيه، فلما لم نجد له حَمَلة،و رأينا الخلق بأوصاف البطالة،ختمنا عليه،و جعلناه بيننا و بين الله،و رددنـاه إليه".

أَنْواعُ التَّناسُبِ:

ينقسم التناسب إلى عدة أنواع منها؛ تناسب الجزاء وهذا النوع من التناسب يكثر وقوعه في الآيات التي تضمنت الإشارة إلى جزاء الله على الأفعال السيئة؛ كالاستهزاء، والخداع، والمكر، والنسيان، ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم ما يلي من الآيات الكريمة:

] وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) [ (البقرة:14ـ15).

] إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً[ (النساء:142).

] وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [ (آل عمران:54).

ومن أنواع التناسب أيضاً ومن أنواع التناسب تناسب الجنس، وهو كثير في القرآن الكريم، والمراد من هذا النوع: استعمال لفظين، يجمعهما أصل واحد في اللغة، للدلالة على معنيين، ويسمى عند البلاغيين (الجناس). وتناسب الجنس، إما أن يكون تناسباً بين اسم وفعل، وإما أن يكون تناسب الجنس تناسباً بين فعلين، وإما أن يكون التناسب بين اسمين. ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم الآيات الكريمة التالية:

] يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ[ (البقرة: 267).

] قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ[ (الأنعام: 164).

] وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [ (الأنعام:9)

] وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [ (آل عمران: 14).

وأيضاً من أنواع التناسب ما يسمى بالتناسب الصوتي؛ وهذا النوع من التناسب يكون بين كلمتين لا يجمعهما أصل لغوي واحد، وإنما الذي يجمع بينهما تجانس الصوت، الذي يحسن في أذن المستمع، من أمثلة هذا النوع قوله تعالى:

(أ‌) ] قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [ (البقرة:144).

(ب‌)  [وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ (التوبة: 61).

(ت‌)  [ ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ [ (غافر: 75).

(ث‌)  [ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [ (الكهف: 104).

وآخر ما نورده في هذا المقام من أنواع التناسب في القرآن الكريم ما عُرِف بالتناسب البياني؛ وهو أن تكون هناك وحدة بين أجزاء الصورة البيانية، فلا تتنافر جزئياتها، بل تكون متآلفة غاية الائتلاف، ومنسجمة نهاية الانسجام. ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم:

(أ‌) ] هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور [ (الملك: 15).

(ب‌) [أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71) [ (المؤمنون: 70ـ71).

(ت‌) [لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) [ (الأنعام: 103ـ104).

أقْسامُ السِّياقِ اللَّفْظِي:

النظم القرآني معجز ليس له نظير، وكثيراً ما يمكن الوصول الى معانيه من خلاله، فينظر إلى السياق وما به من قرائن تدل على المعنى بدقة، فيكون الإستدلال بها على الحقائق في التفسير. ويقسم السياق اللفظي على أساس قرب او بعدها فيه على قسمين: سياق لفظي متصل وهو (البسيط). وسياق لفظي منفصل، وهو (المركب).

أولاً ـ – السِّياقُ اللَّفظِي المُتّّّصِل (البسيط):

إن القَرينةَ الدَّلاليّةَ السِّياقيّةَ، هي التي تكون في مجرى الكلام ونسقهِ، ويُراد بها ما يُصاحِب النص من دلالاتٍ وإشاراتٍ كاشفةٍ عن معناه، إذ إن هذه القرائن هي السبيل الرَّئيس للوصول إلى المعنى الحقيقي المراد للنص – أي نص – ولا سيما إذا كان هذا النص على مستوى عال من البلاغة كنص القرآن الكريم، فيكون الاحتكام إلى النص القرآني نفسه من خلال سياقه للكشف عن المعنى المراد في الآيات الكريمة كالإيجاز بالحذف، والتقديم والتأخير والتكرار. فصارت هذه القرائن منارَ المفسرين للوصول إلى المراد وحجتهم في خلافاتهم، ومناظراتهم في إثبات ما يعتقدون.

وقد نبَّه الإمام علي (رضي الله عنه) على هذا النوع من القرائن في (نهج البلاغة)، في ضوء وصفه القرآن الكريم، إذ يقول: ((كتاب الله، تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض)، فهو (رضي الله عنه) يتحدث عن تفسير القرآن بالقرآن، في ضوء قول الله : (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (القيامة: 17-19)، وهو أسلُوبٌ تبنَّاه كثيرٌ من المفسرين، من القدماء والمحدثين، ويحصل بالقرائن السياقيّة للكشف باللَّفظ المفردِ أو المركبِ عن معنى لفظ مفرد أو مركب، قريب منه في الكلام غير بعيد عنه، وهو فيما تبيّن بعد البحث أنه ثلاثة أنواع: متقدم، ومتأخر، ومكتنف.

ويُعَد هذا الأسْلُوبُ أفضل أسَاليب تفسيرِ القرآن؛لأنه ينبع من داخلِ النَّص المعجز الكريم لا من خارجه، إذ إن كلام الله – تعالى – إذا كان شَاهداً لكلامِ الله، فهو خيرُ شَاهدٍ، ودونه كل الشَّواهد . والقَرينة الدَّلاليّة السِّياقيَّة في القُرآنِ الكَريم لها ثلاثة رتبٍ أو مواضع: متقدمة على اللَّفظة التي تفسرها، أو متأخرة عنها، أو مكتنفة لها من جانبيها السّابق لها واللاحق بها، وجميعها من داخل النص القرآني.

(أ) القَريْنَةُ المُتَقدّمةُ:

وهي القرينة اللفظية السياقية التي تسبق ما تفسره وتدل عليه، إذ تتقدم في صورة من الصور، بأن تكون قريبة منه، وغير تالية له. ومن أمثلة هذه القرينة السياقية، ما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى، يصف المشركين حين يُدعون إلى الإيمان وسماع القرآن: (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) (المدثر: 50-51)، فشُبِّه المشركون من حيث حالهم في الإعراض عن سماع القرآن بالحُمر الوحشية المستنفرة، وهي التي فرت خوفاً وهلعاً من شيء يطاردها.

ومثال القرينة المتقدمة أيضاً قوله تعالى:(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (فصلت: 34)، فقد فُسِّرت الآية تفسيرات عِدّة، منها: أن الله أمر المؤمنين بالصبر عند الغضب والحلم والعفو عند الإساءة. وقيل: إنه خطاب للنبي محمد r في أن يدفع بحقهِ باطلهم وبحلمه جهلهم وبعفوه إساءتهم. فإذا دفع خصومه بلين ورفق ومداراة صار، عدوه في الدين كأنه وليه القريب في دينه وحميمه في النسب. وقيل معناه: لا تستوي الملة الحسنة التي هي الإسلام، والملة السيئة التي هي الكفر، وفُسّرت أيضاً بأن شعارها: ادفع بالسلام على من أساء إليك.

ومن القرائن السياقية المتقدمة أيضاً، قوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً) (الكهف:12). ففي الآية الكريمة وردت لفظة (البعث)، والبعثُ لغةً، هو: الإرسالُ، كبعثِ الله من في القُبورِ . ولفظُ البعثِ تختلف دلالته بحسبِ اختلاف ما عُلِّق به، ففي الآية السابقة البعث يعني: إحياء الموتى الذي خصّ به الله بعض أوليائه .

وفُسِّر البعث في الآية الكريمةِ بالإيقاظِ من النَّوم، بالقرينة المتقدمة، وهي قوله تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً) (الكهف: 11)، أي: أنمناهم سنين ذات عدد وسددنا آذانهم بالنوم الغالب على نفوذ الأصوات إليها سنين كثيرة؛ لأن القائم إنما ينتبه بسماع الصوت ودل سبحانه بذلك على أنهم لم يموتوا وكانوا نياماً في أمن وراحة، وجمام نفس، وهذا من فصيح لغات القرآن التي لايمكن أن يترجم بمعنىً يوافق اللفظ، فبذلك أثبتت القرينة المتقدمة كون البعث كان الإيقاظ من النوم لا الإحياء، والدليل على أنهم كانوا نياماً، قوله تعالى في موضع آخر: (وَتَحْسَبهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ) (الكهف: 18)، أي تظنهم يقظين، مع أنهم في واقع الحال نيام بقدرة الله.

(ب) القرينة السياقية المتأخرة:

وهي القَرينَة التي تأتي بعد اللفظة المبهمة، مفسرة وموضحة لها، فتحدد معناها في السياق اللفظي. وهناك كثير من القرائن المتأخرة في التعبير القرآني، منها ما ورد في قوله تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ) (الزمر: 32).

ومن القرائن السياقية المتأخرة أيضاً، حمل (التين والزيتون)، في قسم الله بهما في قوله تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) (التين: 1)، على أنهما منابت التين والزيتون، وهي بلاد الشام، وليس الفاكهتين المعروفتين أقسم الله بهما لما فيهما من الفوائد الجمّة والخواص النافعة، بل قيل: إن المراد بالتين، الجبل الذي عليه مدينة دمشق، وبالزيتون، الجبل الذي عليه بيت المقدس. ولعل اطلاق اسم الفاكهتين على الجبلين لكونهما مننبتيهما، ولكونهما مبعثي جمّ غفير من الأنبياء. وهذا هو الرأي الراجح، بقرينة السياق بعدها، في قوله تعالى:(وَطُورِ سِينِينَ ، وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) (التين: 2-3)، وهما أيضاً أماكن مهبط للأنبياء والرسل، و(طور سينين) أيضاً جبل، وهو الذي كلم الله فيه موسى بن عمران ويسمى طور سيناء. وقد ورد في سياق آخر بهذه الصيغة (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ) (المؤمنون: 20). والمراد بـ(البلد الأمين)، مكة المشرفة، وهي مكان مقدس، ومبعث الأنبياء ومهبطهم من أمثال: إبراهيم واسماعيل (عليهما السلام)، ومحمدr .

فبذلك تكون القرينة السياقية من المحاور الأساسية التي اعتمدها المفسرون في الوصول إلى الدلالة الصحيحة للنصوص القرآنية، فضلاً عن معنى المفردة، وقرينة الحال، والقرينة العقلية، وتكون القرينة الفيصل فيه، في ترجيح دلالة دون أخرى من خلال النظر إلى القرائن التي فيه، سواء أكانت محيطة بالنص مكتنفة إياه، أم كانت متقدمة عليه، أو متأخرة عنه. ولولا وجود القرائن السياقية لم نتوصل إلى المقصود في كثير من النصوص القرآنية.

(ج) القَرائِنُ السِّياقيَّةُ المُكْتَنفة:

وهي القَرائِنُ التي تَكون محيطةً بالنص من جانبيه، مفسرة له وموضحة إيَّاه، ومؤكدة لمعناه، وهي كثيرة في القرآن الكريم، منها: قوله تعالى في آية التطهير: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (الأحزاب: 33).

فقد نزلت هذه الآية خاصة برسول الله محمد r وأهل بيته وهم: علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)،، عندما ألقى النبي محمد r عليهم الكساء، وقال: هؤلاء أهل بيتي . واختلف المفسرون في كون هذه الآية نزلت بهم (أهل البيت) الخمسة فقط، أم يُقصد بـ(أهل البيت) أزواج النبي، وحجتهم في ذلك أن آية التطهير كان يكتنفها آيات نزلت في نساء النبي r، فالآية بذلك تكون لأجلهن أيضاً، وهذا ما ذهب إليه عدد من المفسرين مثل البيضاوي، إذ يقول: "الاحتجاج بذلك على عصمتهم وكون اجماعهم حجة ضعيفة لأن التخصيص بهم لايناسب ما قبل الآية وما بعدها. والحديث يقتضي أنهم أهل البيت لا أنه ليس غيرهم" .

ثانياً ـ القرائن المنفصلة (المركبة):

وهي قرائن لفظية غير سياقية منفصلة عن النص بعيدة عنه، متقدمة عليه أو متأخرة عنه، أو مكتنفة له من جانبيه، إلا أنها في غير مجرى الكلام، بل هي في كثير من الأحيان في موضع آخر من النص الكريم، أو سورة أخرى، لكنها مرتبطة به دَلالياً.

وكان هذا اللون من القرائن معروفاً ومتداولاً في بيت النُّبوةِ والرِّسَالةِ، وكانت هذه الطريقة هي المستأثرة لديهم في تفسير القرآن، وتأويله. فالنَّبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أول من اتخذ القرآن قرينة دلالية للقرآن، منها قوله حين فسَّر (الظُّلم)، في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام: 82)، فظنَّ فريق من الصحابة أن الظلم هنا "بخس الحق، وهضم حقوق الناس، فقالوا: يا رسول الله: وأينا لم يظلم نفسه"؟، فبيّن (صلى الله عليه وسلم) أن الظلم هنا ليس الذي يذهبون إليه، بل هو الشرك، واحتج له بقوله تعالى في وصية لقمان لابنه وهو يعظه: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: 13). ففسر r القرآن بالقرآن – وهو أبلغ وأقوى – فهو أول مفسر في الإسلام للقرآن بالقرآن.

وقد أطلق على هذا النوع من التفسير، اسم تفسير القرآن بالقرآن، وهو أحسن الطرق، فقد ذكر العلماء: أنه من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولاً من القرآن؛ فما أجمل منه في مكان فقد فُسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بُسط في موضع آخر منه.

***

د. بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرق تدريس اللغة العربية

كلية التربية جامعة المنيا

الملخص: تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة فلسفية-عقدية لبحث علاقة الإنسان بالله في الفضاء السيبراني، في ظل التحولات العميقة التي أحدثتها الثورة الرقمية في أنماط المعرفة والهوية والتدين. وتنبع أهمية البحث من أنّ الفضاء السيبراني أصبح فضاءً وجوديًا جديدًا يفرض إعادة التفكير في صلة الإنسان بخالقه، سواء على مستوى الإدراك أو الممارسة أو المعنى، وهو مجال لم يحظَ بعدُ بدراسة معمقة من زاوية فلسفية-عقدية.

وقد اعتمد البحث على المنهج التحليلي النقدي للكشف عن التحولات الفكرية والروحية التي فرضها العالم الرقمي، مع توظيف المنهج الاستشرافي لاستطلاع مآلات العلاقة بالله في المستقبل.

وقد توصلت الدراسة إلى عدة نتائج، أبرزها أنّ الفضاء السيبراني يعيد تشكيل الإدراك العقدي عبر وفرة المعرفة وتناقض الخطابات، مما يفتح آفاقًا للتفكر لكنه يهدد بالتشظي والسطحية. وقد أوصت الدراسة بضرورة بناء مشروع فلسفي-عقدي متجدد يعيد تجذير العلاقة بالله كجوهر أصيل، ويوظف التقنية لتعزيز الروحانية بدل إضعافها.

الكلمات المفتاحيّة: الخالق عز وجل، الإنسان، الفضاء السيبراني، التحول الرقمي، الذكاء الاصطناعي.

Abstract:

This study seeks a philosophical-theological approach to exploring the human relationship with God in cyberspace, in light of the profound transformations brought about by the digital revolution in patterns of knowledge, identity, and religiosity. The importance of this study stems from the fact that cyberspace has become a new existential space that requires a rethinking of the human relationship with their Creator, whether at the level of perception, practice, or meaning. This is an area that has not yet received in-depth study from a philosophical-theological perspective.

The study relied on a critical analytical approach to uncover the intellectual and spiritual transformations imposed by the digital world, while employing a foresight approach to explore the future prospects of the relationship with God.

The study reached several conclusions, most notably that cyberspace reshapes theological perception through an abundance of knowledge and contradictory discourses, which opens horizons for reflection but threatens fragmentation and superficiality. The study recommended the need to build a renewed philosophical-theological project that re-establishes the relationship with God as an authentic essence and employs technology to enhance spirituality rather than weaken it.

Keywords: God Almighty, humanity, cyberspace, digital transformation, artificial intelligence.

المقدّمة

شهد العالم المعاصر ثورة رقمية هائلة أدّت إلى إعادة تشكيل أنماط التفكير والتواصل والمعرفة، وبرز معها ما يُعرف بالفضاء السيبراني باعتباره فضاءً مفتوحاً، لا تحدّه الجغرافيا ولا الزمان، ويؤثر في وعي الإنسان وهويته وعلاقاته.

وفي خضم هذا التحوّل، يبرز سؤال جوهري: كيف تتأثر علاقة الإنسان بالله في عالم تهيمن عليه التقنيات الرقمية وتعيد صياغة تصورات الفرد عن الغيب والمعنى والمقدّس؟

وتنبع أهمية الموضوع من أنّه يمسّ جوهر الوجود الإنساني، إذ يتعلّق بالصلة الروحية والعقدية التي تربط الإنسان بخالقه، ومدى قدرتها على الصمود أو التحوّل أمام ضغوط الثورة الرقمية. كما تكمن الأهمية في أنّ الفكر الفلسفي والعقدي لم يُولِ بعدُ عناية كافية لدراسة انعكاسات الفضاء السيبراني على هذه العلاقة، رغم أنّه أصبح ساحة جديدة للتدين والتشكيك والبحث عن المعنى.

أما أسباب اختيار الموضوع، فتعود إلى ما يعيشه الجيل المعاصر من انتقال جذري نحو العوالم الافتراضية، وما يحمله ذلك من فرصٍ لتجديد الخطاب الديني والفلسفي، ومخاطر على وعي الإنسان العقدي إذا لم يُدرَس هذا التحوّل بعمق ونقد علمي رصين.

وتنبثق من ذلك إشكالية الدراسة، وهي: كيف أثّر الفضاء السيبراني في علاقة الإنسان بالله من حيث الإدراك، الممارسة، والمعنى؟ وهل أدّى هذا الفضاء إلى تعزيز هذه العلاقة أو إلى إضعافها وإعادة تشكيلها؟

ومن هذه الإشكالية تتفرّع أسئلة الدراسة:

ما طبيعة الفضاء السيبراني وأبعاده الفلسفية والوجودية؟

كيف غيّر الفضاء السيبراني من أشكال التعبير الديني والتواصل الروحي؟

ما التحديات التي تواجه العلاقة العقدية باللّه في بيئة رقمية مفتوحة؟

هل يمكن للفضاء السيبراني أن يكون فضاءً داعماً لتجديد الخطاب الديني وتقوية الإيمان؟

أما أهداف الدراسة فهي:

الكشف عن التحولات التي أحدثها الفضاء السيبراني في علاقة الإنسان بالله.

بناء مقاربة فلسفية-عقدية تفسّر أثر العالم الرقمي في تشكيل الوعي الديني.

استشراف آفاق التعامل مع الظاهرة بما يحفظ للإنسان توازنه الروحي والقيمي.

وتقتصر حدود الدراسة على دراسة العلاقة بين الإنسان والله في سياق الفضاء السيبراني من منظور عقدي-فلسفي، دون الدخول في التفاصيل التقنية البحتة أو الجوانب الفقهية التطبيقية المباشرة.

وتعتمد هذه الدراسة على المنهج التحليلي النقدي من خلال تحليل الظاهرة في ضوء المفاهيم الفلسفية والعقدية، مع توظيف المنهج الاستشرافي لاستكشاف مآلاتها المستقبلية.

وفيما يخص الدراسات السابقة، فقد تناولت بعض الأبحاث علاقة الدين بالتكنولوجيا بشكل عام، وأخرى بحثت التدين الرقمي أو التواصل الافتراضي للطقوس الدينية، غير أنّ معظمها لم يركّز بعمق على البعد العقدي والفلسفي لعلاقة الإنسان بالله في الفضاء السيبراني، وهو ما يجعل هذا البحث جديداً من حيث الزاوية والمقاربة.

ويُبنى هيكل الدراسة على ثلاثة مباحث رئيسة:

المبحث الأول: الإطار النظري والمفاهيمي للفضاء السيبراني وعلاقته بالإنسان.

المبحث الثاني: التحولات التي أحدثها الفضاء السيبراني في علاقة الإنسان بالله (الإدراك – الممارسة – المعنى).

المبحث الثالث: مقاربة فلسفية-عقدية لاستشراف مستقبل علاقة الإنسان بالله في العالم الرقمي.

المبحث الأول: الإطار النظري والمفاهيمي للفضاء السيبراني وعلاقته بالإنسان

يشكّل الفضاء السيبراني واحداً من أكثر المفاهيم تعقيداً وتشابكاً في الفكر المعاصر؛ إذ يتجاوز مجرد وصفه كبيئة رقمية أو شبكة اتصالات، ليُعبّر عن فضاء وجودي جديد تتقاطع فيه التقنية مع الوعي الإنساني.

ويعود أصل مصطلح "السيبرانية" (Cybernetics) إلى الكلمة اليونانية kybernetes التي تعني "الموجّه" أو "الربّان"، وهو ما يحيل منذ البداية إلى بعدٍ فلسفي عميق مغزاه: من يقود من؟ هل الإنسان هو الذي يوجّه التقنية، أم أنّ التقنية باتت هي التي تعيد توجيه وعي الإنسان وسلوكه؟(1)

أما اصطلاحاً، فيُعرَّف الفضاء السيبراني بأنه المجال غير المادي الذي تنشئه شبكات الحوسبة والاتصالات، حيث تتشكل هويات جديدة، وتُعاد صياغة العلاقات والمعاني بعيداً عن حدود الزمان والمكان(2).

وهنا لا يكون الإنسان مجرد مستخدم للتقنية، بل يصبح كائناً سيبرانياً يعيش بين الواقعي والافتراضي، بين الجسد المادي والهوية الرقمية.

ومن الناحية التقنية، يقوم الفضاء السيبراني على التفاعل بين الإنترنت، والذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي والمعزز، وشبكات البيانات الضخمة، غير أنّ ما يهم الفلسفة والعقيدة ليس البنية التقنية في ذاتها، بل ما تُحدثه من تحولات في أنماط المعرفة وإنتاج المعنى، فقد نقل هذا الفضاء الإنسان من المعرفة الخطية إلى المعرفة الشبكية، ومن الذاكرة الفردية إلى "الذاكرة السحابية"، ومن التواصل المباشر إلى التفاعل الرقمي العابر للحدود.

وهذه التحولات لا يمكن قراءتها بمعزل عن السؤال الوجودي الأكبر: كيف يؤثر هذا التوسّع السيبراني في إدراك الإنسان لذاته ولموقعه في الكون ولعلاقته بالمطلق؟

لم يعد الفكر الإنساني بمنأى عن تأثيرات الفضاء السيبراني، فالفلسفة ذاتها تعيد النظر في أسئلتها التقليدية متسائلة: ما الحقيقة؟ ما الهوية؟ ما الحرية؟ وما الغاية من الوجود؟

إذ يفرض العالم الرقمي إعادة صياغة هذه الأسئلة في ضوء معطيات جديدة، حيث الحقيقة باتت تُصاغ عبر خوارزميات، والهوية تُبنى عبر ملفات رقمية، والحرية تُختزل في "خيارات" تتحكم فيها المنصات والشبكات.

وهنا يبرز التوتر بين الفضاء السيبراني بوصفه أداة تحرير من قيود الزمان والمكان، وبين كونه آلية جديدة للهيمنة والسيطرة على الوعي الجمعي.

يتجاوز أثر الفضاء السيبراني حدود الممارسة التقنية إلى إعادة تشكيل الوعي ذاته، فالإنسان لم يعد يعيش تجربته الدينية أو المعرفية كما عاشها في الماضي؛ بل بات يختبرها عبر وسائط رقمية تُعيد تشكيل تجربته الروحية.

وهنا يصبح السؤال الفلسفي-العقدي أكثر إلحاحاً مُثارًا: كيف يمكن للوعي الإيماني أن يحافظ على أصالته في فضاءٍ مفتوح على كل أشكال التأويل، التضليل، والتعدد اللامتناهي في المعاني؟

إنّ الوعي في الفضاء السيبراني ليس وعياً فردياً خالصاً، بل هو وعي متشابك تُسهم في تشكيله ملايين العقول والبرمجيات في آنٍ واحد، وهو ما يستدعي إعادة التفكير في مفهوم الذات ومسؤوليتها أمام الله سبحانه.

وفي ضوء ما سبق، يتضح أنّ العلاقة بين الإنسان والفضاء السيبراني علاقة جدلية بامتياز؛ فهو فضاء يفتح للإنسان آفاقاً غير مسبوقة للتعبير عن إيمانه، والتواصل مع النصوص المقدسة، وبناء مجتمعات روحية عابرة للحدود، لكنه في الوقت ذاته يطرح تحديات عميقة على مستوى الهوية، والمعنى، والقدرة على التمييز بين الحق والباطل.

ومن هنا تتجلّى خطورة هذه العلاقة؛ فهي ليست مجرد علاقة استخدام للأداة؛ بل علاقة وجودية تُعيد تعريف موقع الإنسان بين الأرض والسماء، بين الفناء والخلود، بين العجز البشري والقدرة الإلهية.

المبحث الثاني: التحوّلات التي أحدثها الفضاء السيبراني في علاقة الإنسان بالله (الإدراك – الممارسة – المعنى)

لقد مثّل الفضاء السيبراني نقطة انعطاف في تاريخ الوعي الإنساني، إذ لم يعد الدين مجرد منظومة تقليدية تُمارس في حدود المسجد أو الكنيسة أو المعبد؛ بل أصبح حاضرًا في فضاء مفتوح تتداخل فيه الأصوات والرؤى والتجارب الروحية.

ومن ثمّ، فإن علاقة الإنسان بالله لم تعد بمنأى عن هذه التحولات؛ بل وجدت نفسها في قلبها، تُعاد صياغتها إدراكًا وممارسةً ومعنى.

إن الإدراك يمثل البوابة الأولى لعلاقة الإنسان بالله سبحانه، حيث يتجلّى الوعي بالوجود وبالمطلق، وتتشكّل صورة الإله في ضمير الفرد، فقد أحدث الفضاء السيبراني ثورة في أنماط الإدراك، إذ أتاح للإنسان سيولة معرفية غير مسبوقة، جعلته يتعرّض لفيض متناقض من الخطابات الدينية والفلسفية واللادينية.

وفي هذا السياق، برزت مفارقة مزدوجة؛ فمن جهة عزّز الفضاء الرقمي إمكانية الوصول إلى مصادر الوحي والتفسير والتأملات الفلسفية، بما يقرّب الإنسان من الله ويفتح أمامه آفاقًا جديدة للتفكّر. ومن جهة أخرى ضخّ هذا الفضاء خطابًا تشكيكيًا متناميًا، يخلط بين النقد المعرفي والسطحية الإعلامية، مما يربك الإدراك ويضعف الثقة بالثوابت العقدية.

لقد صار الإدراك في العصر السيبراني إدراكًا مهدّدًا بالتشظي، لا بسبب قوة الحجة الفلسفية دائمًا، بل بسبب إغراء الصورة الرقمية وسرعة انتشارها. وهنا يواجه الإنسان سؤالًا وجوديًا عميقًا: هل يستند وعيه بالله إلى يقينٍ روحي أصيل، أم إلى معطيات متقلبة تتقاذفها المنصات الافتراضية؟

إذا كان الإدراك يمثّل البعد النظري؛ فإن الممارسة تجسّد البعد العملي لعلاقة الإنسان بالله، والفضاء السيبراني غيّر شكل هذه الممارسة بشكل جذري، فقد ظهرت أنماط جديدة من "التدين الرقمي"؛ مثل صلوات تُنقل عبر البث المباشر، وخطب تُلقى عبر المنصات، وحلقات ذكرٍ وتأمل تُعقد في غرف افتراضية، واستشارات فقهية تُقدّم عبر الذكاء الاصطناعي!

لقد جعلت هذه الوسائط الممارسة الدينية أكثر شمولًا وانتشارًا، وأتاحت للمغتربين والبعيدين عن المؤسسات الدينية التقليدية أن يحافظوا على صلتهم بالله بشكلٍ ما.

غير أن هذه الممارسة الرقمية تحمل مخاطر لا يمكن إنكارها، فهي قد تُحوّل العبادة إلى تجربة سطحية تفتقد عمق الحضور الروحي، حيث يتحول "المصلّي" إلى "مشاهد"، ويستعيض الإنسان عن خشوع المسجد بجاذبية الشاشة.

وهكذا يظل السؤال مفتوحًا: هل الممارسة الرقمية قادرة على أن تكون امتدادًا أصيلًا للعبادة، أم أنها مجرد صورة هجينة تُضعف صلة الإنسان بالله بدل أن تعزّزها؟

ويبقى المعنى هو جوهر العلاقة بالله؛ إذ لا قيمة للإدراك والممارسة ما لم يتوّجا بمعنى يمنح للحياة غايتها ولمسار الإنسان وجهته، وهنا يتجلّى أثر الفضاء السيبراني بعمق؛ إذ لم يعد المعنى الديني متحصنًا خلف جدران العقيدة وحدها، بل أصبح جزءًا من حوار عالمي مفتوح، فالإنسان في العالم الرقمي يجد نفسه أمام بدائل متنوعة: خطابات إيمانية تقليدية، رؤى صوفية، أطروحات فلسفية وجودية، وأحيانًا دعوات عبثية تلغي كل معنى.

وفي هذا السياق، لم يعد معنى التدين مرتبطًا فقط بمفاهيم الطاعة والعبادة؛ بل انفتح على آفاق جديدة كالهوية الرقمية، والبحث عن السكينة في وسط الضجيج الافتراضي، ومحاولة استعادة الحضور الإلهي في عالم يزداد تغريبًا، غير أن هذا الاتساع في إمكانات المعنى يهدّد بوقوع الإنسان في فراغ روحي إذا لم يُحسن التمييز بين الحقائق والمُلهيات.

وهكذا يمكن القول إن الفضاء السيبراني لم يُلغِ المعنى الديني، لكنه أعاد تشكيله، فجعله أكثر هشاشة من جهة، وأكثر انفتاحًا من جهة أخرى.

وهنا يظل التحدي الأكبر: كيف يُمكن للإنسان أن يحافظ على مركزية علاقته بالله كمعنى وجودي أصيل، وسط عالمٍ يميل إلى تفكيك كل المعاني الكبرى؟

المبحث الثالث: مقاربة فلسفية-عقدية لاستشراف مستقبل علاقة الإنسان بالله في العالم الرقمي

إنّ استشراف مستقبل علاقة الإنسان بالله في الفضاء السيبراني ليس تمرينًا في الخيال وحده؛ بل هو ضرورة فلسفية وعقدية تمليها التحوّلات الجذرية التي يعيشها الإنسان المعاصر، فنحن أمام واقع يتغير بوتيرة سريعة، يفرض إعادة التفكير في موقع المقدّس ودور الدين وعمق العلاقة بالله وسط عالم يزداد تغريبًا وتشابكًا مع الآلة والافتراض.

وهنا لا يكتفي البحث بالوصف والتحليل، بل يسعى إلى بناء مقاربة فلسفية-عقدية تستنطق الاحتمالات، وتستكشف المآلات، وتبحث في السبل الكفيلة بصون جوهر العلاقة الروحية رغم رياح التغيير.

ومن المرجّح أن يتعرض الإدراك الديني لمزيد من التشظّي في ظل الثورة المعرفية القادمة، مع تنامي قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي وتدخل الخوارزميات في تشكيل قناعات الإنسان، فقد يصبح الدين مُختزلًا في "محتوى" رقمي يُقدّم للإنسان بما يناسب ذائقته اللحظية، مما يهدّد بتحويل العقيدة إلى مجرد سلعة معرفية خاضعة للعرض والطلب.

لكن، على الجانب الآخر، يمكن لهذه الأدوات ذاتها أن تعمّق إدراك الإنسان بالله إذا وُظّفت في خدمة التأمل العقلي والبحث العقدي الرصين، فالمعارف المجمّعة، والشروح المبسّطة، والمنصات التفاعلية، قادرة على فتح آفاق جديدة للتفكر والتأمل في النصوص المقدّسة، بحيث يغدو الفضاء الرقمي مجالًا لتقريب العقيدة لا لتشتيتها.

وسوف تشهد الممارسة الدينية مزيدًا من "الرقمنة"، بحيث تصبح الطقوس والعبادات جزءًا من بيئات افتراضية أو معزّزة، قد تتداخل فيها عناصر الواقع والخيال.

وهنا يطرح سؤال جوهري: هل يمكن أن تنقل التجربة الافتراضية حقيقة العبادة؟ وهل تتحقق فيها شروط الحضور القلبي والخشوع الذي هو لبّ العلاقة بالله؟

فمن الناحية العقدية، يظل الأصل أن العبادة ليست مجرّد فعل شكلي؛ بل هي مقام يتجاوز الصورة إلى الجوهر، فإذا استطاع الإنسان أن يوظّف الوسائط الرقمية لتقوية صلته بالله مع المحافظة على جوهر العبادة، فإن هذه الممارسة قد تكون امتدادًا مشروعًا. أما إذا تحوّلت إلى محاكاة فارغة تُغري بالسطح وتفتقر إلى العمق، فإنها ستكون صورة من صور الاغتراب الديني الجديد.

يمكن القول إن المعنى هو الكنز الذي يسعى الإنسان لحمايته في وجه العدمية التي تلوّح بها الحضارة الرقمية، فمن جهة يمكن للفضاء السيبراني أن يفتح أمام الإنسان إمكانات جديدة للبحث عن الله، عبر حوارات عابرة للثقافات والأديان، وعبر تجارب روحية تتخطى الحدود الجغرافية واللغوية، ومن جهة أخرى يمكن أن يغدو هذا الفضاء ساحة لتفكيك المعنى وإحلال العدمية محلّه، عبر الترويج لفلسفات ما بعد الحداثة التي ترفض المطلقات وتحتفي بالنسبية المطلقة.

إن المقاربة العقدية هنا تتطلّب التأكيد على مركزية التوحيد كإطار جامع للمعنى في مواجهة التفكك، وعلى أنّ العلاقة بالله ليست خيارًا بين خيارات؛ بل هي أصل الوجود وغاية الحياة، وهكذا يغدو التحدي في المستقبل مزدوجًا: الحفاظ على معنى أصيل في عالمٍ يوسوس له العدم، وفي الوقت ذاته إعادة صياغة خطاب ديني جديد قادر على مخاطبة إنسان الفضاء السيبراني بلغة عقلانية وروحية عميقة.

إنّ استشراف المستقبل في ضوء الفلسفة والعقيدة لا يعني الانحياز لليوتوبيا(3) أو الاستسلام للدستوبيا(4)، بل يقتضي وعيًا نقديًا متوازنًا، فمن منظور فلسفة الدين يتّضح أنّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا معنى يتجاوز ذاته، وأنّ كل محاولات استبدال الله بالآلة أو بالعقلانية التقنية مصيرها إلى الفراغ الوجودي. ومن منظور العقيدة الإسلامية يظلّ التوحيد هو البوصلة التي تهدي هذا الإنسان في مساره الرقمي، لتذكّره بأنّ الله هو الثابت amid سيولة الصور والرموز، وهو الحق amid ضجيج الافتراض.

وعليه، فإن المقاربة المستقبلية تقوم على مبدأين، وهما:

1- إعادة تجذير العلاقة بالله كجوهر غير قابل للمحو، مهما تعددت الوسائط أو تغيّرت الصور.

2- تجديد الخطاب العقدي والفلسفي بلغة قادرة على التفاعل مع تحديات الرقمنة، دون أن تفقد أصالتها.

يمكن القول إنّ مستقبل علاقة الإنسان بالله في العالم الرقمي سيظل ميدانًا مفتوحًا بين إمكانات الانبعاث الروحي وخطر الاغتراب الوجودي، فالتقنية ليست قدرًا محتومًا، بل أداة يملك الإنسان أن يوظفها في بناء وعيه الديني أو في تقويضه.

ومن هنا فإنّ المسؤولية الفلسفية والعقدية تقتضي بناء مشروع معرفي متجدد، يحفظ للإنسان توازنه الروحي وسط الطوفان السيبراني، ويؤكد أنّ العلاقة بالله ليست مجرّد ممارسة تقليدية، بل هي حقيقة وجودية أبدية تعبر العصور والوسائط.

الخاتمة

أولًا: النتائج

أثبت التحوّل الرقمي أنّه ليس مجرّد تطور تقني، بل ثورة معرفية وفلسفية تعيد صياغة الوعي الإنساني والأنساق القيمية.

يشكّل الفضاء السيبراني فضاءً جديدًا للوجود الإنساني، حيث تتداخل فيه مفاهيم الذات والآخر والزمان والمكان بصورة غير مسبوقة.

العلاقة بالله في العالم الرقمي تتأثر على مستويين: مستوى الإدراك الذي يعيد تشكيل صورة الإنسان عن الغيب والمقدّس، ومستوى الممارسة الذي يحوّل الطقوس إلى أنماط رقمية تثير أسئلة حول أصالة العبادة.

يتسم الإدراك العقدي في البيئة الرقمية بالازدواجية: فهو قد يتعمّق عبر سهولة النفاذ إلى المعرفة الدينية، وقد يتشظى بفعل هيمنة الخوارزميات والانتقائية المعلوماتية.

الممارسة الدينية في الفضاء الافتراضي تحمل إمكانات للتواصل الروحي وتجاوز الحدود، لكنها في الوقت نفسه مهدّدة بالسطحية والاختزال إذا غاب البعد القلبي والجوهر التعبّدي.

يشكّل "المعنى" أكبر رهانات العلاقة بالله في العالم الرقمي، إذ تتنازع الإنسان نزعتان: نزعة البحث عن يقين مت transcendental، ونزعة الانجراف إلى العدمية والنسبية المطلقة.

الفضاء السيبراني أتاح فرصًا لتجديد الخطاب الديني والفلسفي، لكنه كشف أيضًا هشاشة بعض الأسس التقليدية التي لم تتفاعل مع تحديات التقنية.

التوحيد في المنظور الإسلامي يظل البوصلة العقدية التي تمنح الإنسان استقرارًا في مواجهة التشظي الرقمي، بما يعيد مركزية الله في الوعي الإنساني.

العلاقة بالله ليست جامدة أو ثابتة الشكل، بل قادرة على التكيّف والتجدّد مع الوسائط المستحدثة، شريطة بقاء جوهرها الروحي متأصّلًا.

الفضاء الرقمي يطرح تحديات غير مسبوقة أمام مفاهيم الحقيقة والمعرفة والحرية، ما يتطلّب خطابًا فلسفيًا عقديًا متوازنًا يجمع بين النقد والتأصيل.

الانفتاح الرقمي أوجد فضاءً للتلاقح الديني والثقافي، لكنه في الوقت نفسه أفسح المجال أمام موجات الإلحاد واللاأدرية، ما يفرض تحديًا على المؤسسات الدينية.

الهوية الإنسانية في العصر الرقمي تواجه خطر التفكيك بفعل سيولة الحدود بين الواقعي والافتراضي، مما ينعكس مباشرة على علاقة الإنسان بالله.

الفكر الفلسفي الإسلامي يمتلك من المرونة ما يمكّنه من الحوار مع الرقمنة دون أن يفقد أصالته.

مستقبل العلاقة بالله مرهون بمدى قدرة الإنسان على التمييز بين الجوهر والشكل، وبين الوسيلة والغاية.

العلاقة بالله ستبقى الميدان الأعمق لامتحان إنسانية الإنسان وسط التحوّلات الرقمية، فهي الكفيلة بمنحه الأمان الوجودي والمبدأ الأخلاقي والوجهة النهائية.

ثانيًا: التوصيات

إعادة تجديد الخطاب العقدي والفلسفي بما يراعي تحديات الرقمنة ويخاطب الإنسان السيبراني بلغة عقلانية وروحية.

توظيف التقنيات الرقمية في خدمة التربية الإيمانية والتأمل العقدي العميق، بدل الاكتفاء بالمضامين الوعظية السطحية.

إقامة حوارات بين الأديان والفلسفات عبر الفضاء السيبراني لتعزيز قيم التلاقي الروحي بدل الانغلاق أو التفكيك.

***

إعداد: محمد أحمد عبيد

كاتب وباحث في الفلسفة

............................

قائمة المصادر والمراجع

الجوانب القانونية للحرب السيبرانية دراسة في إطار القانون الدولي الإنساني، ناجى محمد اسامه الشاذلى، مجلة روح القوانين، المجلد 35، العدد 103 - الرقم المسلسل للعدد 103 يوليو - الجزء الثانى يوليو 2023.

الفضاء السيبراني: المفاهيم والأبعاد، نورالدين حامد، المجلة العلمية للبحوث والدراسات التجارية، المجلد 38، العدد 2، يونيو 2024.

معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عبد الحميد عمر، عالم الكتب الطبعة: الأولى، 2008م.

معنى الديستوبيا باللغة اليونانية المكان الخبيث وهي عكس المكان الفاضل يوتوبيا. انظر: مدينتي.. بين اليوتوبيا والدستوبيا!، الكاتب: محمود أبو العدوس، موقع الجزيرة نت – منصة المدونات: me، تاريخ الدخول: 28/07/2025، الوقت: 12:55 م.

(1) الجوانب القانونية للحرب السيبرانية دراسة في إطار القانون الدولي الإنساني، ناجى محمد اسامه الشاذلى، مجلة روح القوانين، المجلد 35، العدد 103 - الرقم المسلسل للعدد 103 يوليو - الجزء الثانى يوليو 2023، ص 1244.

(2) الفضاء السيبراني: المفاهيم والأبعاد، نورالدين حامد، المجلة العلمية للبحوث والدراسات التجارية، المجلد 38، العدد 2، يونيو 2024، ص 711-746.

(3) يوتوبيا: أفكار متعالية تتجاوز نطاق الوجود المادي للمكان، وتحتوي على أهداف ونوازع العصر غير المحققة، ويكون لها تأثير تحويلي على النظام الاجتماعي القائم. معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عبد الحميد عمر، عالم الكتب الطبعة: الأولى، 2008م، 3/2520.

(4) معنى الديستوبيا باللغة اليونانية المكان الخبيث وهي عكس المكان الفاضل يوتوبيا. انظر: مدينتي.. بين اليوتوبيا والدستوبيا!، الكاتب: محمود أبو العدوس، موقع الجزيرة نت – منصة المدونات: ajnet.me، تاريخ الدخول: 28/07/2025، الوقت: 12:55 م.

دراسة في آفاق الفكر الإنسانيّ

الملخص: التحوّل الرقمي يشكّل أحد أبرز التحوّلات الكبرى في التاريخ المعاصر، إذ لم يعد أثره مقتصرًا على المجال التقني وحده؛ بل امتد ليطال البنية الفكرية والقيمية للإنسان. ومن هنا تنبع أهمية هذه الدراسة التي تسعى إلى استكشاف العلاقة بين الرقمنة وتجديد الخطاب الفلسفي، عبر مساءلة آفاق الفكر الإنساني في ظل الثورة الرقمية.

وتهدف الدراسة إلى بيان كيف يمكن للفلسفة أن تتفاعل مع التحوّلات الرقمية، وأن تجدد خطابها بما يواكب القضايا الميتافيزيقية والمعرفية والأخلاقية التي أفرزتها التقنية الحديثة. كما تسعى إلى إبراز أثر الرقمنة في إعادة تشكيل الهوية الإنسانية، واستجلاء التحديات التي تفرضها أمام مفاهيم الحقيقة والمعرفة والحرية.

وقد اعتمدت الدراسة منهجًا تحليليًا-نقديًا يجمع بين استقراء النصوص الفلسفية، وتحليل التحولات التقنية، ثم مقاربتها في ضوء الرؤية الفلسفية الكونية. وجاءت النتائج لتؤكد أن الرقمنة حدث أنطولوجي يفرض إعادة نظر جذرية في أسس الفكر الفلسفي؛ إذ أعادت صياغة العلاقة بين الذات والآخر، وأنتجت هوية رقمية موازية، وطرحت تحديات وجودية أمام معنى الإنسان ذاته. كما أظهرت النتائج أن الخطاب الفلسفي الجديد مطالب بأن يكون عابرًا للتخصصات، قادرًا على بناء أخلاقيات رقمية تحفظ للإنسان مكانته في عالم متحوّل.

وقد ركزت التوصيات على ضرورة تأسيس حقل فلسفة رقمية معاصرة، إلى جانب ترسيخ الوعي المجتمعي بأخلاقيات الفضاء الرقمي، وفتح حوار عالمي حول القيم الإنسانية المشتركة في ظل هذا التحول العميق.

الكلمات المفتاحيّة: التحوّل الرقمي، الخطاب، الفلسفة، الفكر، الإنسان.

Abstract:

Digital transformation represents one of the most significant transformations in contemporary history. Its impact is no longer limited to the technical field alone; rather, it has extended to encompass the intellectual and value structures of humanity. Hence, the importance of this study, which seeks to explore the relationship between digitization and the renewal of philosophical discourse by questioning the horizons of human thought in light of the digital revolution.

The study aims to demonstrate how philosophy can interact with digital transformations and renew its discourse to keep pace with the metaphysical, epistemological, and ethical issues generated by modern technology. It also seeks to highlight the impact of digitization in reshaping human identity and clarify the challenges it poses to the concepts of truth, knowledge, and freedom.

The study adopted an analytical-critical approach that combines the induction of philosophical texts, the analysis of technological transformations, and their approach in light of a universal philosophical vision. The results confirm that digitization is an ontological event that requires a radical reconsideration of the foundations of philosophical thought. It has reshaped the relationship between self and other, produced a parallel digital identity, and posed existential challenges to the very meaning of human beings. The results also demonstrated that the new philosophical discourse must be transdisciplinary and capable of constructing digital ethics that preserve humanity's place in a transforming world.

The recommendations focused on the need to establish a contemporary field of digital philosophy, in addition to consolidating societal awareness of the ethics of the digital space, and initiating a global dialogue on shared human values ​​in light of this profound transformation.

Keywords: Digital transformation, discourse, philosophy, thought, humanity.

المقدمة

يشكّل التحوّل الرقمي أحد أبرز الظواهر الكبرى التي تعصف بالعالم المعاصر، ليس فقط على مستوى التقنية والاقتصاد والسياسة، بل أيضًا على مستوى الفكر الإنساني ومنظومته القيمية. ومع بروز الذكاء الاصطناعي، وتنامي الواقع الافتراضي، وتضاعف تأثير المنصّات الرقمية، لم يعد بالإمكان فصل سؤال التقنية عن سؤال الفلسفة، إذ أضحى الخطاب الفلسفي معنيًا بإعادة التفكير في القضايا الميتافيزيقية والوجودية والمعرفية والأخلاقية في ضوء التحولات الرقمية.

ومن هنا تأتي أهمية البحث في إمكانات تجديد الخطاب الفلسفي بما يتلاءم مع أسئلة العصر ويواكب تحدياته.

أولًا: أهمية الموضوع:

تنبع أهمية الموضوع من كونه يلامس صميم العلاقة بين التقنية والفكر، ويكشف عن مدى حاجة الفلسفة إلى استعادة فاعليتها في قراءة الواقع الجديد، وصياغة رؤى نقدية حول أثر التحوّل الرقمي في الإنسان والمعرفة والهوية والقيم.

ثانيًا: أسباب اختيار الموضوع:

اختير هذا الموضوع لقلة الدراسات الفلسفية العربية التي تناولت التحوّل الرقمي من منظور تجديد الخطاب الفلسفي، ولضرورة المساهمة في إثراء النقاش الفكري والفلسفي حول مستقبل الفكر الإنساني في زمن الرقمنة.

ثالثًا: إشكالية الدراسة:

تكمن إشكالية الدراسة في السؤال الرئيس: كيف يمكن للتحوّل الرقمي أن يسهم في تجديد الخطاب الفلسفي، وما حدود هذا التجديد في ضوء الأسئلة الوجودية والمعرفية والقيمية التي يطرحها الفكر الإنساني المعاصر؟

رابعًا: أسئلة الدراسة:

يتفرع عن الإشكالية السابقة عدة أسئلة تسعى الدراسة للإجابة عنها وبيانها، وهي:

ما طبيعة العلاقة بين التحوّل الرقمي والفكر الفلسفي؟

ما أوجه التأثير المتبادل بين الثورة الرقمية والأسئلة الميتافيزيقية والوجودية؟

إلى أي مدى يمكن تجديد الخطاب الفلسفي ليستوعب تحديات الرقمنة؟

ما آفاق الفكر الإنساني في ظل تلاقي الفلسفة والتقنية؟

خامسًا: أهداف الدراسة:

تكمن أهداف الدراسة فيما يأتي:

الكشف عن أبعاد العلاقة بين الرقمنة وتجديد الخطاب الفلسفي.

تحليل الأسئلة الميتافيزيقية والوجودية والمعرفية في ضوء التحوّل الرقمي.

إبراز آفاق الفكر الإنساني في زمن الثورة الرقمية.

الإسهام في إثراء النقاش الفلسفي حول قضايا التقنية والإنسان.

سادسًا: حدود الدراسة:

تنحصر حدود الدراسة فيما يأتي:

الموضوع: العلاقة بين التحوّل الرقمي وتجديد الخطاب الفلسفي.

المجال: الطروحات الفلسفية المعاصرة المتصلة بالرقمنة.

الزمن: القرن الحادي والعشرون بوصفه سياق التحولات الرقمية الكبرى.

سابعًا: منهج الدراسة:

تعتمد الدراسة المنهج التحليلي النقدي، القائم على قراءة النصوص المعاصرة، ومناقشتها في ضوء التطورات الرقمية، مع الاستعانة بالمقاربة المقارنة لاستجلاء أبعاد التجديد الفلسفي.

ثامنًا: الدراسات السابقة:

تنقسم الدراسات السابقة إلى دراسات تناولت الفلسفة في عصر التقنية بوجه عام، وأخرى ناقشت التحوّلات الرقمية من منظور إنساني أو اجتماعي، غير أن قلة من الأبحاث ربطت مباشرة بين التحوّل الرقمي وتجديد الخطاب الفلسفي، الأمر الذي يبرز فرادة هذه الدراسة، وكان من أبرز هذه الدراسات السابقة ما يأتي:

دور الإنسانيات الرقمية في تطور العلوم الإنسانية، سعاد هزلون (مؤلف)، يمينة شيكو (مشاركة)، مجلة المقدمة للدراسات الإنسانية والاجتماعية، جامعة باتنة 1 الحاج لخضر – كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، الجزائر، مج6، ع2، 2021م، ص155–168.

نمذجة الإنسانيات الرقمية في المكتبات والمؤسسات التوثيقية: من الخطط النظرية إلى الممارسات والتجسيد، العربي بن حجار ميلود، منير الحمزة، مجلة مقاربات، مج7، ع2، 2021م، ص123–141.

الإنسانيات الرقمية: دور وتموقع علوم الإعلام والاتصال، سميشي وداد، مجلة الإبراهيمي للعلوم الاجتماعية والإنسانية، مج5، ع2، 2021م، ص38–52.

وتتميز هذه الدراسة عن سابقاتها بتركيزها على البعد الفلسفي للظاهرة الرقمية، حيث لا تكتفي بوصف أثر التحوّل الرقمي في العلوم الإنسانية أو الإعلام أو المكتبات؛ بل تسعى إلى تجديد الخطاب الفلسفي ذاته في ضوء هذه التحولات. كما أنها تطرح إشكالية العلاقة بين الرقمنة والفكر الإنساني على مستوى الميتافيزيقا والمعرفة والأخلاق، وهو ما لم تتعرض له الدراسات السابقة إلا بصورة غير مباشرة.

تاسعًا: هيكل الدراسة:

تضمن هذا البحث مقدمة، وثلاثة مباحث، وخاتمة، ثم قائمة بالمصادر والمراجع، ثم فهرسًا للمحتويات.

المقدمة تتضمن أهمية الدراسة وأهدافها، ومشكلة الدراسة وتساؤلاتها وخطتها، ومنهج الدراسة، والدراسات السابقة.

المبحث الأول: التحوّل الرقمي وسياقاته الفكرية

المطلب الأول: المفهوم اللغوي والاصطلاحي للتحوّل الرقمي.

المطلب الثاني: الأبعاد التقنية والمعرفية للتحوّل الرقمي.

المطلب الثالث: التحوّل الرقمي وتداعياته على الفكر الإنساني

المطلب الرابع: التحوّل الرقمي وإعادة تشكيل الوعي الإنساني.

المطلب الخامس: أثر الرقمنة على القيم الإنسانية والمعايير الأخلاقية.

المبحث الثاني: الخطاب الفلسفي وأسئلة التجديد في ظل الرقمنة

المطلب الأول: ماهية الخطاب الفلسفي وأبعاده النظرية.

المطلب الثاني: تطور الخطاب الفلسفي في الفكر الحديث والمعاصر.

المطلب الثالث: تجديد الخطاب الفلسفي في ضوء الرقمنة

المطلب الرابع: الأسئلة الميتافيزيقية والوجودية في عصر التحوّل الرقمي.

المطلب الخامس: تحديات الرقمنة أمام مفاهيم الحقيقة، المعرفة، والحرية.

المبحث الثالث: الإنسان والهوية في ظل التحوّل الرقمي

المطلب الأول: إشكالية الذات والآخر في الفضاء الرقمي.

المطلب الثاني: الهوية الإنسانية بين التفكيك وإعادة التشكل.

المطلب الثالث: الفلسفة ومستقبل الفكر الإنساني

المطلب الرابع: نحو خطاب فلسفي جديد في عصر الذكاء الاصطناعي.

المطلب الخامس: آفاق التجديد الفلسفي في ضوء الثورة الرقمية.

"الخاتمة": وتحتوي على النتائج، والتوصيات.

قائمة بالمصادر والمراجع

فهرس المحتويات

المبحث الأول: التحوّل الرقمي وسياقاته الفكرية

التحوّل الرقمي من أبرز الظواهر التي فرضت حضورها على الفكر الإنساني المعاصر، إذ لم يَعُد يقتصر على كونه انتقالاً تقنيًّا من الوسائل التقليدية إلى الوسائط الإلكترونية؛ بل أصبح تحوّلًا جذريًّا في أنماط المعرفة والإدراك والاتصال، فهو يشبه السياق الشامل الذي أعاد صياغة علاقة الإنسان بالعالم، ليس فقط في مستوى الأدوات والآليات، وإنما في مستوى الرؤية والوعي والمخيال.

ومن هنا تأتي ضرورة تفكيك هذا التحوّل بالعودة إلى أصوله اللغوية والاصطلاحية، ثم الوقوف على أبعاده التقنية والمعرفية، وما ترتّب عليها من انعكاسات على الفكر والقيم والوعي الإنساني.

المطلب الأول: المفهوم اللغوي والاصطلاحي للتحوّل الرقمي

التحوّل الرقمي لغةً:

يحمل لفظ "التحوّل" معنى الانتقال من حال إلى حال(1)، ومن موضع إلى موضع، ومن صورة إلى أخرى، وهو في جوهره دلالة على الحراك والتغيّر والانقلاب(2).

وكذلك يُقال: تحوَّل الشَّخصُ إلى كذا - تحوَّل الشَّيءُ إلى كذا: تبدَّل من حال إلى حال، أو تنقّل من موضع إلى موضع "تحوّل من دراسة اللغة الإنجليزيّة إلى اللغة العربيّة - تحوَّل الماءُ إلى بُخار- باع بيته وتحوَّل إلى بيت آخر" تحوَّل بوجهته إلى أمرٍ آخر: غيّرها(3).

أما كلمة "الرقمي"، فترتبط بالأرقام والحوسبة وما يستند إلى أنظمة ثنائية تُترجم كلّ وجود إلى وحدات حسابية دقيقة(4).

وعند الجمع بين المفهومين، نحصل على تركيب يفيد انتقالاً واسعًا نحو عالم تُدار معارفه وعملياته وفق آليات رقمية باردة، لكنها بالغة الدقة والفاعلية.

التحوّل الرقمي اصطلاحًا:

يشير التحوّل الرقمي إلى تلك العملية التاريخية الممتدة التي أعادت صياغة البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمعرفية استنادًا إلى تقنيات المعلومات والاتصالات، بحيث أضحى الإنسان يعيش داخل "بيئة رقمية" تتوسّطها الشاشات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي(5).

وعرّف بأنه العملية شاملة لإعادة تصميم الأعمال والأنشطة والعمليات والخدمات، وتحويلها من نمطها التقليدي إلى صيغ رقمية إلكترونية قائمة على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بما يتيح الاستفادة القصوى من الإمكانات التي يوفّرها الواقع الرقمي في مختلف جوانب الحياة الفردية والمؤسسية والمجتمعية(6).

وقيل في وصفه أنه: توظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بهدف تطوير الأداء المؤسسي، ورفع مستويات الفاعلية والكفاءة في تقديم الخدمات، ولا سيما الخدمات الحكومية، وذلك عبر اعتماد التقنيات الحديثة والمتجددة في تصميم العمليات والإجراءات. ولا يتوقف الأمر عند تحسين سرعة الإنجاز أو خفض التكاليف فحسب، بل يتعدّاه إلى إرساء نموذج جديد في الإدارة يقوم على الشفافية، والحوكمة الرشيدة، وإتاحة الوصول إلى المعلومات، بما يعزز ثقة المجتمع في المؤسسات ويواكب متطلبات العصر الرقمي(7).

إنه مفهوم يتجاوز حدود التقنية ليغدو ظاهرة حضارية متكاملة، تُغيّر أسئلة الوجود بقدر ما تغيّر أدوات الإنتاج والتواصل.

المطلب الثاني: الأبعاد التقنية والمعرفية للتحوّل الرقمي

إن التحوّل الرقمي في بُعده التقني يتمثّل في الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والبيانات الضخمة، وكلها عناصر أسست لبنية تحتية جعلت من العالم فضاء مترابطًا، غير أن البُعد الأكثر خطورة يتجلّى في كونه ثورة معرفية غير مسبوقة؛ فقد تحوّل العقل البشري من البحث اليدوي عن المعلومة إلى الغوص في محيط لا نهائي من البيانات المتدفقة.

بهذا المعنى، لم يَعُد التحوّل الرقمي مجرد اختراع أدوات جديدة؛ بل أصبح آلية لإعادة تشكيل "إبستيمولوجيا العصر"؛ حيث تغيّرت معايير إنتاج الحقيقة، وانتقلت المعرفة من التراكم الورقي إلى التدفق الشبكي، ومن الثبات إلى السيولة، ومن التفرد إلى التشارك.

وهذه الثورة أفرغت إمكانات هائلة للتحرّر المطلق، لكنها حملت كذلك أخطارًا على صعيد التلاعب بالمعرفة وإعادة توجيهها وفق مصالح القوى المسيطرة، إذ لم يعد ضابطًا موضوعيًا ثابتًا يُطبق على هذه الثورة.

المطلب الثالث: التحوّل الرقمي وتداعياته على الفكر الإنساني

أحدث التحوّل الرقمي صدمة فلسفية عميقة، لأنه نقل الفكر الإنساني من الانشغال بالماهية والجوهر إلى الانشغال بالوظيفة والأداة، فقد تراجعت الأسئلة الكلاسيكية عن "ما هو الوجود؟" لتحل محلها أسئلة أكثر إلحاحًا مثل: "كيف يُدار الوجود عبر الخوارزميات؟" و"ما معنى الحرية في فضاء تحكمه المنصات الرقمية؟".

لقد أدى هذا التحوّل إلى إعادة طرح إشكاليات الهوية، والعقل، والحرية، والمعرفة من منظور جديد، إذ لم يعد العقل البشري هو المركز المطلق في إنتاج الفكر؛ بل بات شريكًا -وربما تابعًا- لآلة رقمية تتعلّم وتنتج وتقرّر.

ومن هنا يثور السؤال الفلسفي الأعمق: هل ما زلنا نملك زمام فكرنا، أم أننا سلمناه للآلة التي صنعناها بأيدينا؟

المطلب الرابع: التحوّل الرقمي وإعادة تشكيل الوعي الإنساني

الوعي البشري لم يَعُد كما كان قبل ثورة الرقمنة، فالإنسان اليوم يتشكل وعيه في فضاء متداخل بين الواقعي الحقيقي والافتراضي، وبين الحضور المادي والتجسيد الرقمي، فقد غدا الوعي ذاته "هجينًا"، يتغذّى من صور عابرة على الشاشات أكثر مما يتغذّى من الخبرات الحياتية المباشرة.

إن هذا التحوّل لم يقف عند حدود تغيير طرائق التفكير؛ بل أعاد صياغة "البنية الإدراكية" ذاتها، فقد أصبح الزمن أكثر تسارعًا، والمكان أكثر سيولة، والذات أكثر عرضة للتشظي بين هويات متعددة.

وهنا يتأكّد أن التحوّل الرقمي لا يطال الأداة فحسب، وإنما يعيد إنتاج الإنسان من الداخل، ليتحول وعيه إلى مرآة تعكس الصور والبيانات أكثر مما تعكس التجارب والمعاني.

المطلب الخامس: أثر الرقمنة على القيم الإنسانية والمعايير الأخلاقية

القيم التي شكّلت ضمير الإنسانية لم تَعُد بمنأى عن الرقمنة، فالعدالة والحرية والخصوصية والصدق، كلها معايير تعرّضت لهزّة عميقة بفعل تقنيات المراقبة، وتحليل البيانات، وتوجيه السلوك عبر المنصات الرقمية.

إن الرقمنة فتحت آفاقًا واسعة للتواصل الإنساني والتبادل المعرفي، لكنها في الوقت ذاته ولّدت تحديات أخلاقية غير مسبوقة؛ أبرزها انتهاك الخصوصية، وتزييف الحقائق، وتحويل الإنسان إلى مجرد "بيانات قابلة للتداول"!

ومن هنا تنبثق إشكالية فلسفية كبرى: كيف يمكن للإنسانية أن تحافظ على منظومتها القيمية في عصر تُقاس فيه قيمة الفرد بعدد متابعيه، وتُختزل فيه كرامته في ملف بيانات يُباع ويُشترى؟

إنها معركة فلسفية وأخلاقية تستدعي تجديد الخطاب الفلسفي بما يضمن بقاء الإنسان إنسانًا في مواجهة طوفان التقنية.

المبحث الثاني: الخطاب الفلسفي وأسئلة التجديد في ظل الرقمنة

المطلب الأول: ماهية الخطاب الفلسفي وأبعاده النظرية

الخطاب الفلسفي ليس مجرد صياغة للأفكار في قوالب نظرية محضة؛ بل هو عملية تفكيك عميق للوجود وللمعنى، ومحاولة لتشييد رؤية تفسّر العالم وتؤطّر علاقة الإنسان بذاته وبغيره، فهو خطاب يتجاوز اللغة ليكشف ما وراءها، ويفتح ثغرات في جدار المألوف الذي يحجب الحقيقة.

ولعلّ ما يميّز الخطاب الفلسفي أنه لا يكتفي بالتفسير بل يسعى إلى مساءلة التفسير نفسه، فلا حقيقة عنده تُعطى نهائيًا، بل تُعاد صياغتها في كل سياق جديد. وفي زمن الرقمنة يصبح الخطاب الفلسفي مضطرًا إلى أن يعيد تعريف ذاته، لا باعتباره خطابًا نظريًا معزولًا؛ بل ممارسة نقدية متواصلة، تلامس الوعي وتضع الإنسان في مواجهة أسئلته الكبرى وسط عاصفة من التحوّلات التقنية.

المطلب الثاني: تطور الخطاب الفلسفي في الفكر الحديث والمعاصر

لقد شهد الخطاب الفلسفي في العصر الحديث تحوّلات كبرى؛ فمن العقلانية الكلاسيكية التي رفعت راية العلم والتقدّم، إلى النقد الكانطي الذي وضع حدودًا للعقل، إلى الفلسفات الوجودية التي جعلت من الحرية والقلق محورًا للوجود. ثم جاءت الموجة ما بعد الحداثية لتعلن تفكيك الأنساق الكبرى، وتفتح الباب أمام التعددية والاختلاف.

وهذا التطوّر لم يكن انعكاسًا لتطور الفكر وحسب؛ بل كان صدى للتحوّلات التاريخية والاجتماعية والسياسية التي مرّ بها الإنسان. واليوم مع بروز الرقمنة كقوة مهيمنة على الحياة، يجد الخطاب الفلسفي نفسه مدعوًّا لا لمجرّد الاستمرار في مساره؛ بل لصياغة مرحلة جديدة تستوعب طبيعة هذا التحوّل الذي لم يعد معرفيًا فحسب، بل وجوديًا وحضاريًا في آن واحد.

المطلب الثالث: تجديد الخطاب الفلسفي في ضوء الرقمنة

التجديد في الفلسفة أضحى ضرورة وجودية، فالرقمنة بما تحمله من إمكانيات في إعادة تشكيل اللغة والمعرفة والذاكرة، تفرض على الخطاب الفلسفي أن يواجه سؤالًا محوريًا، وهو: كيف يمكن للإنسان أن يبقى فاعلًا في عالم تُعاد صياغته وفق خوارزميات لا تُرى؟

إن التجديد الفلسفي هنا لا يعني القطيعة مع التراث؛ بل استدعاءه في ضوء المتغيّرات الرقمية، لإنتاج خطاب يوازن بين الأصالة والانفتاح، بين العقل النقدي والقدرة على قراءة الواقع الجديد، ونحن إذًا أمام لحظة تاريخية قد يكون فيها التجديد الفلسفي السبيل الوحيد لحماية الإنسان من الذوبان في أنساق افتراضية تُهدّد حضوره الحرّ.

المطلب الرابع: الأسئلة الميتافيزيقية والوجودية في عصر التحوّل الرقمي

لم يلغِ التحوّل الرقمي الأسئلة الميتافيزيقية القديمة؛ بل أعاد صوغها بأشكال أكثر إلحاحًا؛ فإذا كان الفلاسفة قد تساءلوا عبر القرون عن معنى الوجود والعدم، وعن ماهية الروح والجسد، فإنّ الرقمنة جعلت هذه الأسئلة تكتسب وجوهًا جديدة: ما معنى الوجود في عالم افتراضي؟ هل الذات الرقمية امتداد للذات الحقيقية أم بديل عنها؟ وهل يمكن للوعي أن ينفصل عن الجسد ويتجسّد في بيانات وخوارزميات؟

إنّ الوجودية الرقمية التي نعيشها اليوم تضع الإنسان أمام تجربة لم يعرفها من قبل: أن يعيش بين عالمين؛ أحدهما ملموس والآخر مُتخيّل، وأن يبحث عن ذاته بين واقعه المادي وصورته المرقمنة.

المطلب الخامس: تحديات الرقمنة أمام مفاهيم الحقيقة، والمعرفة، والحرية

من أخطر ما تطرحه الرقمنة أنها تعيد تشكيل مفاهيم أساسية طالما شكّلت قلب الخطاب الفلسفي؛ مثل الحقيقة، والمعرفة، والحرية. ففي فضاء مفتوح حيث تختلط المعلومات بالتمثيلات تصبح الحقيقة مسألة إشكالية يذوب فيها الصدق في بحر من الصور والمعلومات المضلّلة.

والمعرفة حينئذ لم تعد فعلًا نقديًا يسعى إلى التثبّت والتأصيل؛ بل أصبحت متاحة لحظيًا، سهلة الاستهلاك، تُقدّمها الآلة أكثر مما ينتجها العقل.

أما الحرية، فهي في قلب المأزق الرقمي؛ فبين وعود التحرّر من قيود الزمان والمكان، وتهديدات المراقبة والهيمنة الخوارزمية، يجد الإنسان نفسه أمام مفارقة كبرى: هل صارت الرقمنة أفقًا جديدًا للحرية أم قيدًا جديدًا يتخفّى في صورة الانفتاح؟

المبحث الثالث: الإنسان والهوية في ظل التحوّل الرقمي

المطلب الأول: إشكالية الذات والآخر في الفضاء الرقمي

الفضاء الرقمي لم يفتح للإنسان نافذة جديدة للتواصل فحسب؛ بل زجّ به في تجربة غير مسبوقة، حيث تذوب الحدود بين "الأنا" و"الآخر"، ففي العالم الواقعي تقوم العلاقة بين الذات والآخر على تماس مباشر مع الجسد، ومع اللغة، ومع الذاكرة الحيّة، أما في الفضاء الافتراضي فإنّ العلاقة تُصاغ عبر الصور والبيانات والرموز.

وهنا تنشأ إشكالية عميقة، وهي: هل الآخر الذي نواجهه في العالم الرقمي هو حضور حقيقي أم انعكاس مشوّه تصنعه الخوارزميات؟ وهل الذات في هذا الفضاء تعكس حقيقتها أم تمارس نوعًا من "التقمّص" الذي يُعيد تشكيلها وفق إملاءات التقنية؟

إنّ ما كان في الفلسفة الكلاسيكية سؤالًا أنطولوجيًا عن الآخر، صار في الفلسفة الرقمية سؤالًا مزدوجًا عن صدقية الوجود وصحة التمثيل.

المطلب الثاني: الهوية الإنسانية بين التفكيك وإعادة التشكل

لم تعد الهوية في زمن الرقمنة معطًى ثابتًا أو ميراثًا يُحمل ببساطة من الماضي إلى الحاضر؛ بل صارت ساحة للتفكيك وإعادة البناء المستمر، فالإنسان لم يعد يُعرف باسمه أو أصله أو ثقافته وحدها، بل أصبح يمتلك "بصمة رقمية" تتراكم تفاصيلها في كل لحظة من حياته.

إنّ الهوية الرقمية ليست مجرد امتداد للهوية الإنسانية؛ بل هي عالم موازٍ يفرض شروطه الخاصة، حيث يمكن للإنسان أن يُعيد صياغة ذاته، أن يخفي أو يكشف ما يشاء، أن يتقمّص أدوارًا أو ينشئ عوالم افتراضية بديلة، غير أنّ هذا التفكيك المستمر للهوية يطرح سؤالًا وجوديًا مقلقًا: هل يظل الإنسان هو هو، أم يتحوّل إلى كائن متعدّد الوجوه، متشظّي الحضور، بلا مركز ثابت يؤسّس لمعناه؟

المطلب الثالث: الفلسفة ومستقبل الفكر الإنساني

الفلسفة لم تُخلق لتبقى أسيرة الماضي؛ بل لترافق الإنسان في تحوّلاته الكبرى، وتفتح أمامه أفقًا لفهم ذاته والعالم. واليوم أمام التحوّل الرقمي العاصف تبدو الفلسفة مدعوّة أكثر من أي وقت مضى إلى أن تسائل المستقبل، لا من زاوية التكهّن أو التنبؤ؛ بل من زاوية النقد والاستشراف.

إنّ مستقبل الفكر الإنساني مرتبط بقدرة الفلسفة على أن تكون يقظة، قادرة على قراءة التحوّلات العميقة التي تصنعها التقنية في البنى المعرفية والوجدانية والأخلاقية، فبين خطر انمحاء الإنسان في أنظمة ذكية مستقلة، وفرصة بناء حضارة جديدة أكثر عدلًا وإنسانية، تقف الفلسفة كحارس للمعنى تذكّر الإنسان بحدوده وبحريته وبكرامته.

المطلب الرابع: نحو خطاب فلسفي جديد في عصر الذكاء الاصطناعي

يمكن القول بأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية؛ بل هو حدث فلسفي بامتياز؛ إذ يُعيد طرح أسئلة الوعي والإرادة والحرية من جديد. وإذا كانت الفلسفة قد تساءلت طويلًا: "ما الإنسان؟"، فإنّها اليوم مطالبة بأن تسأل أيضًا: "ما معنى الإنسان في مواجهة كائنات ذكية غير بشرية؟"

إنّ الخطاب الفلسفي الجديد لا يمكن أن يكتفي بتراثه الكلاسيكي أو المعاصر؛ بل عليه أن يؤسس لغة جديدة تستوعب حضور الذكاء الاصطناعي، لا بوصفه تهديدًا فقط، بل أيضًا كإمكان يُعيد صياغة العلاقة بين الفكر والآلة، بين الإبداع البشري والابتكار الخوارزمي.

وهنا تتبدّى الحاجة إلى فلسفة قادرة على بناء "أخلاقيات للذكاء الاصطناعي" تحفظ للإنسان مكانته دون أن تنكر التحولات العظمى التي يشهدها العالم.

المطلب الخامس: آفاق التجديد الفلسفي في ضوء الثورة الرقمية

إنّ الثورة الرقمية ليست محطة عابرة في التاريخ البشري؛ بل هي نقطة انعطاف كبرى تُغيّر ملامح الحضارة، وتُعيد تشكيل مفهوم الإنسان ذاته. وفي هذا السياق يصبح التجديد الفلسفي ضرورة مصيرية، لا باعتباره إضافة فكرية فحسب؛ بل باعتباره شرطًا لبقاء الإنسان كفاعل حرّ، قادر على صوغ قيمه وتحديد مصيره.

إن آفاق هذا التجديد لا تقتصر على تطوير الأدوات والمناهج؛ بل تمتد إلى إعادة التفكير في أسس الفلسفة ذاتها: في أنطولوجيا الوجود، في نظرية المعرفة، في الأخلاق والسياسة، بل وفي معنى الحقيقة ذاته.

وإذا كان الماضي قد شهد فلسفات عقلانية ووجودية وما بعد حداثية، فإنّ المستقبل يلوّح بولادة "فلسفة رقمية" قادرة على احتضان جدلية الإنسان والتقنية، وعلى تحويل التحديات إلى فرص لبناء عالم أكثر وعيًا وإنصافًا.

الخاتمة

خلصت هذه الدراسة إلى جملة من النتائج والتوصيات التي يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة للنقاش الفلسفي في ظل الثورة الرقمية، ويمكن عرضها على النحو الآتي:

أولًا: النتائج:

التحوّل الرقمي حدثًا أنطولوجيًا ومعرفيًا وأخلاقيًا، وليس مجرد تطور تقني.

الخطاب الفلسفي الكلاسيكي لم يعد كافيًا لاستيعاب أسئلة العصر الرقمي.

الذكاء الاصطناعي يمثّل تحديًا فلسفيًا في تعريف الإنسان، وطرح بدائل جديدة لمعنى الوعي والإبداع.

أصبح للهوية الإنسانية بعدٌ رقميّ متنامٍ، يشكّل جزءًا من الذات المعاصرة.

الفضاء الرقمي أوجد أنماطًا جديدة من العلاقات الاجتماعية والمعرفية تقوم على الرمزية والتشفير.

التحوّل الرقمي يفرض إعادة نظر في مفاهيم الحقيقة والمعرفة، في ظل هيمنة الخوارزميات على إنتاج المعلومة.

القيم الإنسانية التقليدية تواجه اختبارًا عسيرًا أمام أنماط جديدة من التفاعل الرقمي.

الخطاب الفلسفي الجديد يجب أن يكون عابرًا للتخصصات، يستوعب التقنية والعلوم الإنسانية معًا.

التداخل بين الإنسان والآلة أصبح واقعًا لا يمكن تجاوزه في التفكير الفلسفي.

الفلسفة أمام مسؤولية صياغة "أخلاقيات رقمية" تحمي الإنسان من الاستلاب والاغتراب.

الخطاب الفلسفي المتجدد ينبغي أن يوازن بين النقد والاستشراف، فلا ينغلق في التشاؤم ولا يذوب في التفاؤل.

الرقمنة دفعت الفكر الإنساني نحو تجاوز المحلي والجزئي إلى أفق كوني شمولي.

تجديد الخطاب الفلسفي لا يعني القطيعة مع التراث، بل إعادة قراءته في ضوء الأسئلة الجديدة.

هناك حاجة إلى فلسفة جديدة للحرية، تتعامل مع الرقابة الرقمية والهيمنة الخوارزمية.

الهوية الإنسانية في العالم الرقمي باتت "سائلة"، مما يقتضي فلسفة قادرة على فهم هذا التشظي.

التجديد الفلسفي في عصر الرقمنة يمثل شرطًا لحماية المعنى الإنساني من الانمحاء في عالم افتراضي متسارع.

ثانيًا: التوصيات:

ضرورة تأسيس حقل فلسفي جديد يُعنى بالرقمنة والذكاء الاصطناعي بوصفهما قضايا وجودية.

تشجيع الدراسات العابرة للتخصصات بين الفلسفة وعلوم الحاسوب والاجتماع والإعلام.

فتح حوار عالمي حول القيم الإنسانية المشتركة في ظل التحوّل الرقمي، لتجنب الانزلاق نحو استلاب حضاري أو فقدان للمعنى.

***

إعداد: محمد أحمد عبيد - كاتب وباحث في الفلسفة

2025م

..........................

قائمة المصادر والمراجع

قلعجي، محمد رواس؛ قنيبي، حامد صادق. معجم لغة الفقهاء. دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1988م.

الرازي، زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي. مختار الصحاح. تحقيق: يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية – الدار النموذجية، بيروت – صيدا، الطبعة الخامسة، 1999م.

عمر، أحمد مختار عبد الحميد. معجم اللغة العربية المعاصرة. عالم الكتب، الطبعة الأولى، 2008م.

وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. الدليل الإجرائي لوحدات نظم المعلومات والتحول الرقمي. 2021م.

البلوشية، نوال بنت علي وآخرون. "واقع التحول الرقمي في المؤسسات العمانية". مجلة دراسات المعلومات والتكنولوجيا، 2020م، ع1.

موقع Bakkah Learning – بكه للتعليم. "التكنولوجيا الرقمية وتطورها وأنواعها الفوائد والسلبيات وأمثلة عليها". متاح على: com. تاريخ الدخول: 28/07/2025، الساعة 12:15م.

موقع Amazon Web Services – AWS. "ما المقصود بالتحوّل الرقمي؟". متاح على: amazon.com. تاريخ الدخول: 22/08/2025، الساعة 12:45م.

(1) معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعجي - حامد صادق قنيبي، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية، 1988م، ص 124.

(2) مختار الصحاح، زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي، المحقق: يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية - الدار النموذجية، بيروت - صيدا الطبعة: الخامسة، 1999م، ص 84.

(3) معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عبد الحميد عمر، عالم الكتب، الطبعة: الأولى، 2008م، 1/586.

(4) انظر: التكنولوجيا الرقمية وتطورها وأنواعها الفوائد والسلبيات وأمثلة عليها، موقع Bakkah Learning – بكه للتعليم: bakkah.com، تاريخ الدخول: 28/07/2025، الوقت: 12:15 م.

(5) انظر: ما المقصود بالتحوّل الرقمي؟، موقع Amazon Web Services – AWS: aws.amazon.com، تاريخ الدخول: 22/08/2025، الوقت: 12:45 م.

(6) وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات - الدليل الإجرائي لوحدات نظم المعلومات والتحول الرقمى، 2021م، ص 15.

(7) واقع التحول الرقمي في المؤسسات العمانية. نوال بنت علي البلوشية وآخرون، مجلة دراسات المعلومات والتكنولوجيا، 2020م، ع1، ص2-3.

 

الملخص: تتناول هذه الدراسة مفهوم الخلود في جدلية تمتد بين العقيدة الإسلامية ونظريات ما بعد الإنسانية (Transhumanism)، بوصفه من أعمق الأسئلة التي شغلت الفكر الإنساني عبر العصور، فقد شكّل الخلود في التصور الإسلامي وعدًا إلهيًا يتجاوز حدود الدنيا، حيث يتأسس على الإيمان والعمل الصالح ويتحقق في الآخرة باعتباره استكمالًا للعدالة الإلهية، وبذلك يتجاوز كل محاولات البشر لتمديد وجودهم المادي.

وقد بيّنت الدراسة أن الاختلاف الجوهري بين الرؤيتين يكمن في المصدر والغاية؛ فالخلود في الإسلام غايته روحية وأخروية مرتبطة بالمطلق الإلهي، بينما الخلود في ما بعد الإنسانية مقترن بوسائل مادية تؤطره ضمن حدود الزمان والمكان. كما يكشف التحليل أن خطاب ما بعد الإنسانية، رغم تقدمه العلمي، يواجه تحديات أنطولوجية وأخلاقية عميقة؛ أبرزها مسألة الهوية الإنسانية، العدالة في توزيع فوائد التقنية، ومعنى الحياة في ظل غياب النهاية الطبيعية للموت.

وقد خلصت الدراسة إلى أن التقنية، وإن أسهمت في تحسين نوعية الحياة وإطالة أعمار البشر، تبقى عاجزة عن معالجة سؤال المعنى الوجودي. ومن ثمّ توصي الدراسة بضرورة بناء حوار فلسفي-عقدي يوازن بين الإمكانات العلمية والمعايير الأخلاقية، مع ترسيخ الوعي النقدي تجاه أطروحات ما بعد الإنسانية، وتوجيه التقنية نحو خدمة مقاصد إنسانية شاملة بدل الانخداع بوهم الخلود المادي.

الكلمات المفتاحيّة: فلسفة الخلود، العقيدة الإسلاميّة، الإنسانية، Transhumanism.

Abstract:

This study examines the concept of immortality within a dialectic that extends between Islamic doctrine and transhumanist theories. It is one of the most profound questions that has preoccupied human thought throughout the ages. In the Islamic view, immortality represents a divine promise that transcends the confines of this world. It is founded on faith and good deeds and is realized in the afterlife as a fulfillment of divine justice, thereby transcending all human attempts to extend their material existence. The study demonstrates that the fundamental difference between the two visions lies in their source and purpose. Immortality in Islam is a spiritual and otherworldly goal linked to the divine absolute, while immortality in transhumanism is linked to material means that frame it within the confines of time and space. The analysis also reveals that the transhumanist discourse, despite its scientific advancements, faces profound ontological and ethical challenges, most notably the question of human identity, the justice in distributing the benefits of technology, and the meaning of life in the absence of the natural end of death.

The study concludes that technology, while it has contributed to improving the quality of life and extending human lifespans, remains incapable of addressing the question of existential meaning. The study therefore recommends the necessity of building a philosophical-theological dialogue that balances scientific capabilities and ethical standards, while fostering critical awareness of transhumanist theories, and directing technology toward serving comprehensive human purposes rather than being deceived by the illusion of material immortality.

Keywords: Philosophy of immortality, Islamic faith, humanism, transhumanism.

 المقدمة

مفهوم الخلود من أعمق الأسئلة التي شغلت الفكر الإنساني عبر العصور، إذ ارتبط بمصير الإنسان ووجوده ومعنى حياته، وكان أحد المحاور المركزية في الأديان والفلسفات على حدّ سواء.

وفي العقيدة الإسلامية، يمثّل الخلود وعدًا إلهيًا يتجاوز حدود الدنيا إلى عالم الآخرة، حيث تكتمل عدالة الله ويجد الإنسان ثمرة عمله. وفي المقابل برزت في الفكر المعاصر نظريات ما بعد الإنسانية (Transhumanism) التي تسعى، عبر توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات البيولوجية والهندسة الوراثية، إلى إطالة العمر وربما محاكاة شكل من أشكال "الخلود" الدنيوي.

وهنا تتجلّى أهمية الموضوع في كونه يجمع بين البُعد العقدي الديني والطرح الفلسفي-التقني الحديث، في إطار حوار نقدي حول معنى الخلود وحدوده.

أما أسباب اختيار الموضوع فترجع إلى: الحاجة إلى استجلاء الموقف العقدي والفلسفي الإسلامي تجاه محاولات "تأليه التقنية"، وتفكيك الأبعاد الفكرية والأخلاقية التي تطرحها نظريات ما بعد الإنسانية، خاصة في ظل تسارع التطور التكنولوجي الذي يغيّر تصورات الإنسان عن جسده ونهايته.

وتتمثل إشكالية الدراسة في السؤال الرئيس: كيف يمكن فهم فلسفة الخلود بين التصور العقدي الإسلامي ونظريات ما بعد الإنسانية، وما حدود التلاقي أو التباين بينهما؟

ومن هذه الإشكالية تنبثق أسئلة الدراسة:

1. ما مفهوم الخلود في العقيدة الإسلامية وما مرتكزاته العقدية والفلسفية؟

2.  كيف تصوّر الفلسفات الحديثة، وخاصة تيار ما بعد الإنسانية، مسألة الخلود وإطالة العمر؟

3.  ما أوجه التلاقي والاختلاف بين الخلود الأخروي والخلود التكنولوجي المزعوم؟

4.  كيف يمكن أن يسهم الفكر الإسلامي في نقد وتوجيه خطاب ما بعد الإنسانية؟

وتسعى الدراسة إلى تحقيق جملة من الأهداف، أهمها:

1.  توضيح الرؤية العقدية الإسلامية لمفهوم الخلود.

2.  تحليل مرتكزات نظريات ما بعد الإنسانية في مسألة تجاوز الموت.

3.  إجراء مقاربة نقدية بين المنظور الديني والفلسفي-التقني للخلود.

4.  بيان الأبعاد الأخلاقية والإنسانية لمفهوم الخلود في كلا السياقين.

أما حدود الدراسة فتنحصر في: المقارنة بين العقيدة الإسلامية وتيار ما بعد الإنسانية دون التوسع في كل المدارس الفلسفية أو جميع الأديان، مع التركيز على الخلود بوصفه مفهومًا فلسفيًا-وجوديًا.

وتعتمد الدراسة على المنهج التحليلي المقارن، من خلال تحليل النصوص العقدية الإسلامية، ومقارنتها بالكتابات الفلسفية المعاصرة في ما بعد الإنسانية، مع توظيف المنهج النقدي لاستجلاء الإشكالات الفكرية والأنطولوجية.

وبالنسبة إلى الدراسات السابقة، فقد تركزت معظم الأبحاث على دراسة علاقة الدين بالتكنولوجيا أو على تحليل ما بعد الإنسانية في أبعاده التقنية، بينما لم يُخصّص بحث مستقل لمقارنة فلسفة الخلود في العقيدة الإسلامية مع مفهوم الخلود في خطاب ما بعد الإنسانية، وهو ما يجعل هذا البحث إضافة نوعية.

وأخيرًا، يقوم هيكل الدراسة على ثلاثة مباحث رئيسة:

المبحث الأول: مفهوم الخلود في العقيدة الإسلامية – الأسس العقدية والفلسفية.

المبحث الثاني: الخلود في فلسفة ما بعد الإنسانية – الرهانات والتحديات.

المبحث الثالث: مقاربة نقدية – جدلية الخلود بين الإيمان والتقنية. 

المبحث الأول: مفهوم الخلود في العقيدة الإسلامية – الأسس العقدية والفلسفية

يحتلّ الخلود في العقيدة الإسلامية موقعاً محورياً في البناء العقدي والتصوّر الكوني؛ إذ يشكّل الامتداد الوجودي للإنسان بعد الموت، ويُعدّ من أبرز المعالم التي تميّز الرؤية الدينية عن التصورات المادية والفلسفات الوضعية، فالخلود في الإسلام ليس مجرّد حلم إنساني بالنجاة من الفناء؛ بل هو وعد إلهيّ محكوم بعدالة الله وحكمته، تتحقق به الغاية النهائية للوجود الإنساني عبر الجزاء الأخروي.

يمكن القول إنّه الامتداد الذي يربط الدنيا بالآخرة، والفعل بالنتيجة، والعمل بالمصير.

ينطلق المفهوم من مرتكزات عقدية أساسية، في مقدمتها الإيمان بالغيب، حيث تُعدّ الحياة الآخرة وما يترتب عليها من خلود نعيمًا أو عذابًا، ركناً إيمانياً لا يستقيم الإيمان بدونه، والخلود في النصوص القرآنية والحديثية ليس حالة رمزية أو استعارة مجازية؛ بل حقيقة وجودية ترتبط بسنن الخلق الإلهي، وبمقاصد البعث والحساب والجزاء.

وقد جعل القرآن الكريم الخلود مقروناً بالعدل الإلهي: "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ" (الزلزلة: 7)، فالحياة الدنيوية ليست سوى مرحلة اختبار يفضي إلى الخلود الأبدي.

ويفتح مفهوم الخلود في الإسلام أفقاً واسعاً للوعي الإنساني، إذ يعيد تعريف معنى الزمن والوجود؛ فالزمن الدنيوي محدود، لكن الزمن الأخروي لا نهائي، ما يحرّر الإنسان من أسر الفناء، ويجعله كائناً معنياً بما يتجاوز اللحظة الآنية.

وهذا البعد يمنح الوجود الإنساني قيمة متعالية، إذ لا يُختزل في الجسد ولا في التجربة المادية؛ بل يمتد إلى ما وراء الطبيعة حيث تتحقق كمالات الروح.

أما من الناحية الوجودية فإن الخلود الإسلامي يضع الإنسان أمام مسؤولية أخلاقية كبرى، لأن الوجود الأبدي ليس قدراً بيولوجياً أو تقنياً؛ بل هو ثمرة حرية الإنسان في الاختيار، واستعماله لعقله وإرادته في مواجهة الإغراءات والشهوات.

وبذلك يصبح الخلود معياراً أخلاقياً يربط بين الحرية والجزاء، وبين الفعل الدنيوي والنتيجة الأخروية.

إنّ التصوّر الإسلامي للخلود يتجاوز محاولات الإنسان للبحث عن "مخارج تقنية" من الموت، لأنه لا ينظر إلى الموت بوصفه خللاً في الطبيعة ينبغي إصلاحه؛ بل باعتباره سنّة كونية تفتح الطريق نحو حياة أرحب.

ومن هنا تتبدّى خصوصية هذا التصور: فالخلود ليس مشروعاً يصنعه الإنسان لنفسه؛ بل هبة إلهية تترتب على إيمانه وعمله، بما يحفظ التوازن بين العدل الإلهي والحرية الإنسانية، ويمنح الوجود البشري معناه الأسمى. 

المبحث الثاني: الخلود في فلسفة ما بعد الإنسانية – الرهانات والتحديات

تُعَدّ نظريات ما بعد الإنسانية (Transhumanism) واحدة من أكثر التيارات الفكرية المعاصرة إثارة للجدل؛ إذ تحمل مشروعاً يقوم على تجاوز المحدوديات الطبيعية للجسد البشري، وعلى رأسها الشيخوخة والموت، فالخلود هنا لا يُفهم في بعده الغيبي أو الأخروي كما في الأديان؛ بل في إطار دنيوي-تقني يسعى إلى إطالة العمر البشري إلى أقصى مدى، وربما محاكاة "اللانهاية" عبر التكنولوجيا.

ومن ثمّ، فإنّ ما بعد الإنسانية لا تقدّم مجرّد تصوّر نظري، بل مشروعاً طموحاً يرتكز على الهندسة الوراثية، والذكاء الاصطناعي، وزراعة الأعضاء، وتقنيات النانو، وغيرها من الابتكارات التي تجعل من "الخلود الأرضي" هدفاً ممكناً – على الأقل في مخيلة أنصارها.

ويقوم خطاب ما بعد الإنسانية على رهان أساسي؛ وهو أنّ الإنسان كائن قابل للتحسين إلى ما لا نهاية، وأنّ الموت ليس قدراً محتوماً بل عطب بيولوجي يمكن تجاوزه بالتدخل العلمي. وهنا تتداخل الفلسفة مع البيولوجيا والمعلوماتية، حيث يُعاد تعريف "ماهية الإنسان" باعتباره مشروعاً مفتوحاً للتعديل والتطوير.

إذن الرهان هو كسر حدود الطبيعة والانتقال من "الإنسان العاقل" (Homo Sapiens) إلى "الإنسان المتفوق" (Homo Deus) أو ما يُسمّى بالـ Posthuman.

إن الخلود في خطاب ما بعد الإنسانية ليس مجرد إطالة زمنية للحياة؛ بل إعادة صياغة لعلاقة الإنسان بذاته وبالعالم، فإذا كان الموت هو الذي يمنح الحياة معناها وفق التصور الفلسفي التقليدي، فإن تجاوزه يهدّد هذا المعنى، إذ قد يتحول الوجود إلى دائرة زمنية فارغة بلا غاية.

ومن هنا يبرز السؤال الفلسفي: هل الخلود التقني تحقيق لانتصار الإنسان، أم سقوط في عبثية وجودية جديدة؟

ويمثّل مشروع الخلود التكنولوجي تحدياً عميقاً للقيم الإنسانية؛ إذ يثير قضايا العدالة (من المستفيد من هذه التقنيات؟)، والمساواة (هل يصبح الخلود امتيازاً للأثرياء فقط؟)، والهوية (هل يظل الإنسان إنساناً إذا استُبدل جسده بأعضاء صناعية أو نُقلت وعيه إلى خوارزميات رقمية؟). كما يُطرح تحدي الأنطولوجيا: هل الخلود التقني خلود حقيقي، أم مجرد محاكاة للوجود البيولوجي؟

ورغم الطموح الكبير؛ فإن خطاب ما بعد الإنسانية يظل مشوباً بالتساؤلات العلمية والعملية؛ فالموت ليس ظاهرة بيولوجية فقط، بل له جذور وجودية وروحية عميقة. وبالتالي فإنّ مشروع "إلغاء الموت" قد ينتهي إلى وهم أو "يوتوبيا رقمية"، تَعِد بما لا يمكن تحقيقه.

ومع ذلك، يظل أثر هذا المشروع كبيراً على وعي الإنسان المعاصر، إذ يعيد صياغة تصوراته عن جسده وحدود حياته ومصيره.

إنّ الخلود في فلسفة ما بعد الإنسانية ليس نهاية للإنسان؛ بل بداية لجدل جديد حول معنى أن يكون الإنسان إنساناً، وحول حدود ما يمكن أن تمنحه التقنية مقارنة بما يعد به الإيمان. ومن هنا تكمن خطورة هذا الطرح؛ أنّه يضع "الخلود الأخروي" في مواجهة "الخلود الدنيوي"، فاتحاً أفقاً واسعاً للتساؤل والنقد.

المبحث الثالث: مقاربة نقدية – جدلية الخلود بين الإيمان والتقنية

يضع مفهوم الخلود الإنسان أمام مفترق طرق فلسفي وروحي؛ فبينما تقدّمه العقيدة الإسلامية بوصفه وعدًا إلهيًا مشروطًا بالإيمان والعمل الصالح، تحاول فلسفة ما بعد الإنسانية أن تُعيد صياغته في أفق دنيوي عبر أدوات التقنية والذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية.

وهنا يبرز التوتر الجدلي بين الإيمان الذي يستند إلى المطلق، والتقنية التي تظلّ رهينة النسبي والاحتمالي.

وفي التصور الإسلامي، الخلود ليس غاية يُسعى إليها بذاتها؛ بل هو ثمرة طبيعية لإيمان الإنسان وارتباطه بخالقه، إذ يتحقق في الآخرة حيث يُرفع الحجاب عن الحقيقة وتكتمل العدالة الإلهية. أما في خطاب ما بعد الإنسانية، فإن الخلود يتحوّل إلى غاية تقنية يُراد تحقيقها من خلال السيطرة على الجسد وتعديل الجينات وتخزين الوعي.

وهنا تنشأ مفارقة أساسية؛ وهي بينما يربط الإسلام الخلود بالمطلق والغاية الأخروية، يربطه الخطاب التكنولوجي بالوسيلة المادية التي قد تختزل الإنسان إلى مجرد "مادة قابلة للبرمجة".

ويتعامل الفكر الإسلامي مع الموت بوصفه حقيقة وجودية أصيلة، مرتبطة بالحكمة الإلهية والسنن الكونية: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران: 185)، أما ما بعد الإنسانية فينظر إلى الموت كـ"خلل بيولوجي" يمكن تجاوزه بالعلم، محاولًا تحويله من قدر محتوم إلى مشكلة تقنية.

وهنا يثور التساؤل: هل يؤدي السعي إلى إلغاء الموت إلى تعزيز كرامة الإنسان أم إلى تفريغه من جوهره ومعناه؟

ويحمل خطاب الخلود التكنولوجي إشكالات أخلاقية عميقة، منها:

1.  العدالة: هل سيكون "الخلود" متاحًا للجميع، أم سيقتصر على نخبة قادرة على شراء التقنية؟

2.  الهوية: إذا حُمّل وعي الإنسان في جهاز أو عُدّل جينيًا، هل يبقى هو ذاته، أم يصبح "كائنًا آخر"؟

3.  المعنى: إذا أُلغيت نهاية الحياة، هل يفقد الوجود الإنساني عنصر المعنى المرتبط بندرة الزمن ومحدودية العمر؟

في المقابل، يقدّم الإسلام رؤية تُحافظ على قيمة الموت بوصفه انتقالًا إلى حياة أخرى، وعلى معنى الخلود باعتباره تحققًا للوعد الإلهي، مما يرسّخ المسؤولية الأخلاقية ويُبقي للوجود غايته القصوى.

ولا يمكن تجاهل إسهامات التكنولوجيا في تخفيف المعاناة وإطالة العمر وتحسين جودة الحياة، غير أن محاولة تحويلها إلى بديل شامل عن المعنى الأخروي تظلّ محمّلة بالمخاطر. ومن هنا تبرز ضرورة حوار نقدي بين الإيمان والتقنية؛ فالإيمان يذكّر التقنية بحدودها ويحميها من السقوط في نزعة "التأليه". والتقنية إذا وُظّفت في إطار أخلاقي رشيد، يمكن أن تكون وسيلة لخدمة مقاصد إنسانية دون أن تدّعي تجاوز الموت أو إلغاء القدر.

يمكن القول إن جدلية الخلود بين الإيمان والتقنية تكشف عن عمق السؤال الوجودي الذي يواجه الإنسان المعاصر: هل يُختزل الخلود إلى مشروع علمي-تقني، أم يبقى في جوهره وعدًا إلهيًا يتجاوز حدود المادة؟

والجواب، من منظور نقدي، أن الخلود الحقيقي لا يتحقق إلا في إطار رؤية تؤمن بالمطلق، في حين أن الخلود التكنولوجي يظلّ وهمًا محكومًا بحدود الطبيعة، مهما بلغت التقنية من تطور.

الخاتمة

أولاً: النتائج:

1. الخلود وعد إلهي مرتبط بالإيمان والعمل، لا يتحقق في الدنيا بل في الآخرة حيث تُستكمل العدالة الإلهية.

2.  الموت ليس خللاً بيولوجيًا، بل سنة كونية وحكمة إلهية، وهو شرط للانتقال إلى الحياة الأبدية.

3.  الخلود يُطرح كإمكانية تقنية تسعى إلى تجاوز الموت عبر الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية.

4.  النظر إلى الجسد باعتباره مادة قابلة للتعديل، والوعي كبيانات يمكن تخزينها أو محاكاتها، يختزل الإنسان إلى بعد آلي مادي.

5.  الخلود الإسلامي يرتبط بالغاية والبعد الميتافيزيقي، بينما الخلود التكنولوجي يقوم على الوسيلة والبعد المادي.

6.  الخلود التكنولوجي يطرح إشكالات أخلاقية كبرى: العدالة في إتاحته، الحفاظ على الهوية، ومعنى الوجود في غياب النهاية.

7.  التقنية -وإن ساهمت في تحسين الحياة- تظل عاجزة عن معالجة السؤال الوجودي العميق المتعلق بالموت والمعنى.

ثانياً: التوصيات:

1.  ينبغي أن يُبنى خطاب تواصلي يوازن بين الإنجازات العلمية والمرجعية العقدية، بحيث تستفيد التقنية من قيم الإيمان، ويستفيد الفكر الديني من معطيات العلم دون تناقض.

2.  يجب أن يُخضع خطاب ما بعد الإنسانية لمراجعات أخلاقية صارمة، تمنع تحوّله إلى مشروع للنخبة أو إلى مسار يهدد هوية الإنسان.

3.  الحاجة ماسة إلى أبحاث أكاديمية متعمقة تربط بين الفكر الإسلامي والفلسفات التقنية الحديثة، خاصة في موضوعات مثل "الوعي"، "الجسد"، و"الموت".

4.  إعادة توظيف التكنولوجيا لخدمة المقاصد الإنسانية بدلًا من السعي وراء وهم "الخلود المادي"، ينبغي توجيه التقنية إلى تحسين نوعية الحياة، مكافحة الأمراض، وصون كرامة الإنسان.

***

إعداد: محمد أحمد عبيد - كاتب وباحث في الفلسفة

2025م

بين الصرامة الأرسطية وإعادة التأسيس الإسلامي للمعقولية

يشكّل البرهان أحد أكثر المفاهيم كثافة في تاريخ الفكر، لأنه يتجاوز كونه تقنية منطقية إلى كونه تعبيرا عن تصور شامل للعقل وللحقيقة. فحين يُطرح سؤال البرهان يُطرح معه سؤال اليقين، وسؤال العلاقة بين الفكر والوجود، وسؤال المشروعية المعرفية للقول الإنساني. بذلك يغدو البرهان مرآةً لطبيعة الثقافة التي تحتضنه، إن كانت ترى العالم انتظاما قابلاً للفهم، أم ترى المعرفة ضربا من الاحتمال أو العادة أو التسليم.

داخل أفق الحضارة الإسلامية، اتخذ مفهوم البرهان دلالة مخصوصة، إذ ارتبط بجدل عميق حول حدود العقل ووظيفته إزاء النص، وحول إمكان قيام علم يقيني في قضايا الطبيعة والإلهيات. ولم يكن الأمر خلافا في النتائج فحسب، بل كان اختلافا في تحديد معيار الحقيقة ذاته: هل يقوم على الضرورة العقلية أم على القبول الجدلي أم على سلطة النقل؟ من هنا صار البرهان عنوانا لصراع صامت حول من يمتلك حق تعريف اليقين.

في هذا المفترق التاريخي يتبلور مشروع ابن رشد بوصفه محاولة لإعادة تثبيت معيار العقل داخل بنية الثقافة الإسلامية، مستندا إلى الإرث المنطقي الذي صاغه أرسطو، غير أنه لا يورده على سبيل التكرار، بل يعيد إدراجه ضمن أفق ديني يرى في انتظام العالم أثرا للحكمة الإلهية. فالبرهان عنده ليس أداة خارجية تُفرض على النص، ولا خصما ينازع الوحي سلطته، بل هو نمط من النظر ينسجم مع مقصد الشريعة في تحصيل العلم بالحق.

ويعد مفهوم البرهان مفتاحا لقراءة المشروع الرشدي بأسره لأن فيه تتقاطع رؤيته للوجود، وتصوره للعلم وموقفه من التأويل ونظرته إلى مراتب الخطاب. إنه مفهوم تتكثف فيه رهانات فلسفية وكلامية وحضارية، ويتحول إلى معيار لإعادة ترتيب العلاقة بين العقل والإيمان وبين الضرورة والاعتقاد وبين الفلسفة والفقه. ومن ثم فإن مقاربة البرهان في فكر ابن رشد هي مقاربة لبنية معقولية كاملة، سعت إلى أن تمنح العقل مكانته من غير أن تفصله عن جذوره الروحية.

حين نلج فضاء التفكير الرشدي نجد أنفسنا أمام مشروع فلسفي يتجاوز حدود الشرح والتلخيص إلى مقام التأسيس وإعادة البناء. فابن رشد ليس شارحا لأرسطو فحسب، كما درج التقليد اللاتيني الوسيط على تصويره، بل هو مفكر انخرط في إعادة صياغة شروط المعقولية داخل أفق الثقافة الإسلامية، متوسلا بمفهوم البرهان باعتباره معيارا للحقيقة ومقياسا للفصل بين مراتب القول ودرجات الإقناع. لقد تشكل مفهوم البرهان عند ابن رشد في سياق جدلي مركب، يتقاطع فيه الإرث الأرسطي كما بلوره أرسطو مع مقتضيات الخطاب الشرعي كما استقر في علم الكلام وأصول الفقه. ومن هذا التقاطع تولد تصور مخصوص للبرهان، لا يكتفي باستعادة الصرامة المنطقية، بل يسعى إلى إدماجها في بنية الثقافة الإسلامية إدماجا يُعيد ترتيب العلاقة بين العقل والنقل، وبين الفلسفة والشريعة.

إن البرهان في معناه الأرسطي هو قياس مؤلف من مقدمات يقينية، أولى وأسبق وأعرف بالطبع، تُفضي بالضرورة إلى نتيجة يقينية. وقد صاغ أرسطو هذا المفهوم في كتاب “البرهان” من “الأورغانون”، حيث جعل من البرهان ذروة الصناعة المنطقية، مميزا إياه عن الجدل والخطابة والسفسطة. وقد استوعب ابن رشد هذا التحديد بدقة، لكنه لم يقف عند حدود التلقي، بل أعاد إدراجه في سياق إشكالي جديد، هو سياق التوتر بين الفلسفة والمتكلمين، وبين التأويل العقلي للنصوص الشرعية والنزعة الحرفية أو الجدلية التي سادت في بعض التيارات الكلامية.

لقد كان ابن رشد واعيا بأن مسألة البرهان ليست مسألة تقنية منطقية فحسب، بل هي مسألة ثقافية حضارية، تتعلق بتحديد من له حق الكلام في قضايا الوجود والإلهيات والطبيعيات، وبأي منهج يُتكلم. ومن هنا جاء حرصه على التمييز الصارم بين أصناف الأقيسة، وعلى بيان أن لكل صنف من الناس نصيبه من طرق الإقناع بحسب استعداده. ففي كتاب “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال” يقرر أن الناس في تلقيهم للحق ثلاث طبقات: أهل البرهان وأهل الجدل وأهل الخطابة. هذا التقسيم ليس توصيفا اجتماعيا بريئا، بل هو إعلان عن هرمية معرفية تجعل البرهان في القمة بوصفه الطريق الذي لا يحتمل إلا اليقين.

غير أن البرهان عند ابن رشد لا يُختزل في صرامته الصورية، بل يتأسس على رؤية أنطولوجية تعتبر الوجود نظاما معقولا، يمكن للعقل أن يدركه من خلال النظر في الموجودات. فالمعقولية ليست إسقاطا ذهنيا على العالم، بل هي بنية في صميم الوجود نفسه. وهذا ما يفسر دفاعه المستميت عن الفلسفة الطبيعية والميتافيزيقا، في مواجهة من اعتبروا البحث فيهما بدعة أو انحرافا. إن العالم عند ابن رشد ليس مسرحا للفوضى، بل هو انتظام علّي يمكن للعقل أن يكشفه، والبرهان هو الأداة التي تمكّن من هذا الكشف.

ولعل المواجهة الشهيرة بين ابن رشد وأبي حامد الغزالي تكشف عن عمق الرهان الذي كان على المحك. فالغزالي في “تهافت الفلاسفة”، لم يرفض المنطق من حيث هو منطق، بل اعترض على دعوى الفلاسفة أنهم بلغوا اليقين في مسائل الإلهيات، معتبرا أن كثيرا من أقوالهم لا يتجاوز حدود الظن. وقد ميز الغزالي بين البرهان في الرياضيات، حيث تسود الضرورة، وبين قضايا الميتافيزيقا التي تظل في نظره محل نزاع. غير أن ابن رشد في “تهافت التهافت”، لم يكتف بالدفاع عن الفلاسفة، بل سعى إلى إعادة تحديد معنى البرهان ذاته، مبينا أن كثيرا مما اعتبره الغزالي برهانيا عند المتكلمين لا يرقى إلى درجة البرهان بالمعنى الدقيق، بل هو من قبيل الجدل.

إن الصرامة الأرسطية التي يتمسك بها ابن رشد تظهر بوضوح في نقده للأقيسة الكلامية، حيث يرى أن المتكلمين يعتمدون مقدمات مشهورة أو مقبولة عند جمهورهم، لكنها لا ترقى إلى اليقين الضروري. فالبرهان عنده يشترط أن تكون المقدمات أولى، إما بديهية أو مستنبطة من مبادئ بديهية على نحو لا يدخله الشك. ومن هنا كان اعتراضه على الاستدلال بحدوث الأجسام على حدوث العالم، إذا لم يكن هذا الحدوث قد ثبت ببرهان يقيني. فالعقل في نظره لا يكتفي بإمكان الشيء أو رجحانه، بل يطلب الضرورة.

غير أن ابن رشد وهو يستعيد هذه الصرامة، لا ينقلها نقلا حرفيا، بل يكيفها مع مقتضيات الثقافة الإسلامية. فهو لا يرى في البرهان خصما للشريعة، بل يعتبره أداة لفهمها على الوجه الأكمل. ويذهب إلى أن النصوص الشرعية نفسها تحض على النظر العقلي، مستشهدا بآيات تدعو إلى التفكر في خلق السماوات والأرض. فالشرع في نظره لا يناقض البرهان، بل يدعو إليه، غير أن هذا الدعاء موجه إلى من كان من أهله. وهنا تتجلى إعادة التأسيس الإسلامي للمعقولية، إذ يصبح البرهان جزءا من النظام المعرفي الإسلامي، لا عنصرا دخيلا عليه.

إن إعادة التأسيس هذه تقوم على مبدأ التأويل الذي يحتل مكانة مركزية في فكر ابن رشد. فإذا تعارض ظاهر النص مع مقتضى البرهان اليقيني وجب تأويل النص بما يوافق البرهان، لأن الحقيقة لا يمكن أن تتناقض مع نفسها. فالحقيقة واحدة، وإن اختلفت طرق التعبير عنها. وهذا المبدأ الذي يعكس ثقة عميقة في وحدة العقل والشرع، يحرر البرهان من أن يكون مجرد أداة نظرية، ويجعله معيارا لتحديد الفهم الصحيح للنصوص. غير أن التأويل ليس مفتوحا لكل أحد، بل هو شأن أهل البرهان، حتى لا ينقلب إلى عبث تأويلي يزعزع استقرار العقائد عند الجمهور.

ومن خلال هذا التصور يتضح أن ابن رشد لا يكتفي بإعادة إنتاج البرهان الأرسطي، بل يدمجه في نسق معرفي ثلاثي البنية: برهان للفلاسفة وجدل للمتكلمين وخطابة للجمهور. هذا النسق يعكس وعيا عميقا بتعدد مستويات الخطاب داخل المجتمع الإسلامي، ويمنح كل مستوى مشروعيته، من غير أن يسوي بينها. فالبرهان يظل المعيار الأعلى لأنه وحده الكفيل بإنتاج العلم اليقيني.

ويبدو أن هذا الإعلاء من شأن البرهان يرتبط عند ابن رشد بنقد ضمني للنزعة اللاعقلانية التي يمكن أن تتولد عن الإفراط في التعويل على النص بمعزل عن النظر. فالعقل في نظره هبة إلهية، ولا يمكن أن يكون استعماله على الوجه الأكمل خروجا عن الدين. بل إن تعطيله هو الذي يشكل خطرا على الدين، لأنه يفتح الباب أمام التأويلات الاعتباطية وأمام الخلط بين الظن واليقين. ومن هنا كانت معركته في جوهرها، معركة من أجل إعادة الاعتبار للعقل البرهاني داخل الثقافة الإسلامية.

إن مفهوم البرهان عند ابن رشد ينهض إذن على ثلاث دعائم مترابطة: صرامة منطقية مستمدة من أرسطو، ورؤية أنطولوجية تعتبر الوجود معقولا، ومشروع ثقافي يهدف إلى إدماج العقل البرهاني في صميم الخطاب الشرعي. وهذه الدعائم تجعل من البرهان أكثر من مجرد أداة استدلال، بل تجعله مبدأً ناظما للمعرفة ومعيارا للحقيقة وأفقا لإعادة ترتيب العلاقة بين الفلسفة والدين.

وفي هذا الأفق يمكن فهم إصراره على أن الفلسفة واجبة شرعا على من كان من أهلها، لأن النظر البرهاني في الموجودات يقود إلى معرفة الصانع. فليس ثمة تعارض بين أن يكون البرهان صناعة عقلية دقيقة، وأن يكون في الوقت ذاته سبيلا إلى تعميق الإيمان. وهنا تتجلى خصوصية المشروع الرشدي فهو لا يفصل بين المعقول والمقدس، بل يرى أن القداسة الحقّة لا تناقض المعقولية، بل تتأسس عليها.

إن هذا التصور بما ينطوي عليه من ثقة في قدرة العقل على إدراك نظام الوجود، وبما يستبطنه من تمييز بين مراتب الخطاب، يشكل لحظة مفصلية في تاريخ الفكر الإسلامي. فقد أعاد ابن رشد تعريف شروط القول الفلسفي داخل حضارة كانت تشهد توترا بين التيارات العقلانية والنصية، وقدم نموذجا للبرهان بوصفه أداة للتحقيق المعرفي، لا مجرد زخرف جدلي.

إن مفهوم البرهان عند ابن رشد ليس مجرد امتداد للصرامة الأرسطية، بل هو إعادة صياغة لهذه الصرامة في سياق إسلامي، بحيث يصبح البرهان عنصرا تأسيسيا في بناء معقولية جديدة تستند إلى وحدة الحقيقة، وتقر بتعدد طرق التعبير عنها، وتضع العقل في مكانه اللائق داخل نظام الشريعة. وفي هذا المسار يتجلى ابن رشد لا بوصفه تابعا لأرسطو، بل بوصفه مفكرا يؤسس داخل أفقه الحضاري، لمصالحة عميقة بين العقل والشرع، على قاعدة البرهان.

إن البرهان عند ابن رشد لا ينفصل عن نظرية العلم كما تلقاها من أرسطو، لكنه يعيد تأويلها ضمن سياق مغاير. فالعلم البرهاني بحسب التصور الأرسطي هو معرفة بالشيء من حيث علته، أي إدراك الضرورة التي بها يكون الشيء على ما هو عليه. غير أن ابن رشد يضيف إلى هذا التحديد بعدا حاسما يتمثل في ربط العلية بالنظام الكوني الذي هو أثر الحكمة الإلهية. فالعلل ليست مجرد انتظامات طبيعية صماء، بل هي مظاهر لحكمة الخالق. وهنا يبرز الفرق بين قراءة طبيعية خالصة للعلية، وقراءة ترى في انتظام العالم برهانا على انتظام العقل الإلهي. إن البرهان هنا يصير طريقا إلى معرفة الله عبر معرفة العالم، لا بمعنى الاستدلال الكلامي القائم على الحدوث والإمكان، بل بمعنى إدراك الضرورة التي تحكم الموجودات.

ومن هنا نفهم نقده الحاد لنزعة نفي السببية التي دافع عنها بعض المتكلمين، وفي مقدمتهم أبو حامد الغزالي. فالغزالي في معرض دفاعه عن القدرة الإلهية المطلقة، ذهب إلى أن الاقتران بين الأسباب والمسببات ليس ضروريا، بل هو مجرد عادة أجراها الله. غير أن ابن رشد رأى في هذا التصور تهديدا لبنية البرهان ذاتها؛ إذ كيف يمكن تأسيس علم يقيني إذا كانت الروابط العلية غير ضرورية؟ إن نفي الضرورة يفضي في نظره إلى نفي إمكان العلم البرهاني. ولذلك اعتبر أن القول بالعادات لا ينسجم مع ظاهر الشرع ولا مع مقتضى العقل، لأن النصوص نفسها تشير إلى سنن ثابتة في الكون. إن الدفاع عن العلية هو في العمق دفاع عن إمكان البرهان، ودفاع عن معقولية العالم.

غير أن ابن رشد لا يختزل البرهان في بعده الطبيعي، بل يمده إلى مجال الإلهيات. وهنا تظهر جرأته الفلسفية؛ إذ يذهب إلى أن مسائل الإلهيات يمكن أن تُبحث برهانيا، شريطة الالتزام بشروط البرهان الصارمة. فهو يميز بين ما هو برهاني حقا، وما هو جدلي أو خطابي، حتى داخل الخطاب الفلسفي ذاته. وليس كل ما قاله الفلاسفة في الإلهيات برهانيا عنده. هذه الروح النقدية تكشف أن انتماءه إلى التقليد الأرسطي لم يكن انتماءً تبعيا، بل كان انتماءً تمحيصيا.

وفي سياق حديثه عن النفس والعقل، يطرح ابن رشد تصورا معقدا للعقل الفعال والعقل المنفعل، مستعيدا إشكاليات أرسطو ومفسريه. إن العقل الفعال في تأويله ليس مجرد مبدأ معرفي، بل هو شرط إمكان المعقولية ذاتها. ومن خلال هذا التصور يسعى إلى تفسير كيف يمكن للإنسان أن يبلغ العلم الكلي الضروري. فالمعقولات ليست نتاجا فرديا صرفا، بل هي اتصال بنظام كلي. هذا البعد الكوني للمعقولية يعزز فكرة أن البرهان ليس نشاطا ذاتيا معزولا، بل هو انخراط في نظام عقلي أوسع.

ولا يمكن فهم مشروع البرهان عند ابن رشد بمعزل عن رهانه السياسي الضمني. فإعلاء شأن البرهان يترتب عليه إعادة توزيع السلطة الرمزية داخل المجتمع. إذ يصبح الفيلسوف بوصفه صاحب النظر البرهاني، مؤهلا للبت في قضايا الحقيقة النظرية، بينما يحتفظ الفقيه أو المتكلم بمجاله الخاص. هذا لا يعني إقصاء أحد، بل يعني تنظيم العلاقة بين التخصصات. إن التداخل غير المنضبط بين الجدل والبرهان في نظره، يؤدي إلى اضطراب المعايير، وإلى انتشار الشبهات بين العامة. ومن هنا كان حرصه على أن يظل الخطاب البرهاني محصورا في أهله، وأن يُصان الجمهور من تأويلات قد لا يحتملها.

إن هذه الرؤية الهرمية للخطاب قد تُفهم اليوم بوصفها نزعة نُخبوية، لكنها في سياقها التاريخي كانت محاولة لحماية المعقولية من الانهيار تحت ضغط السجالات الكلامية. فقد شهد القرن السادس الهجري توترا حادا بين الفلاسفة والفقهاء والمتكلمين، وكان خطر التكفير حاضرا بقوة. في هذا المناخ، لم يكن الدفاع عن البرهان مسألة نظرية خالصة، بل كان أيضا دفاعا عن مشروعية التفلسف داخل الحضارة الإسلامية.

وإذا انتقلنا إلى البعد المنهجي، وجدنا أن ابن رشد يؤكد على ضرورة البدء من المحسوسات والانتقال منها إلى الكليات، في انسجام مع المنهج الأرسطي. غير أنه يضيف أن النظر في الموجودات هو ضرب من العبادة العقلية، لأن فيه امتثالا لأمر الشرع بالتفكر. وهنا يبلغ مشروعه ذروته: إذ يصبح البرهان بما هو نظر في العلل، ممارسة تجمع بين العقل والدين. ليست الفلسفة خصما للشريعة، بل هي تحقق لمقاصدها العليا في معرفة الحق.

إن إعادة التأسيس الإسلامي للمعقولية عند ابن رشد تتجلى كذلك في طريقته في قراءة النصوص. فهو يميز بين الظاهر والباطن، وبين ما يجب حمله على ظاهره وما يجب تأويله. غير أن معيار التأويل ليس الهوى ولا الرغبة في التوفيق الاعتباطي بل هو البرهان اليقيني. فإذا قام البرهان على أمر ما وكان ظاهر النص مخالفا له، وجب صرف النص إلى معنى يوافق البرهان، لأن الحق لا يضاد الحق. هذا المبدأ يعكس ثقة عميقة في انسجام النظامين: نظام العقل ونظام الوحي.

ومن اللافت أن هذا التصور سيجد صدى واسعا في الفلسفة اللاتينية الوسيطة، حيث تلقى مفكرون مثل توما الأكويني شروح ابن رشد لأرسطو، وإن اختلفوا معه في بعض النتائج. لقد أصبح “الشارح” مرجعا في فهم أرسطو، وأسهمت قراءته في تشكيل النقاشات حول العلاقة بين العقل والإيمان في أوروبا. وهذا الامتداد يكشف أن مفهوم البرهان عنده لم يكن حبيس سياقه المحلي، بل كان جزءا من تاريخ عالمي للمعقولية.

غير أن المفارقة تكمن في أن المشروع الرشدي لم يحظ في السياق الإسلامي اللاحق بالامتداد نفسه الذي عرفه في الغرب اللاتيني. فقد تراجع الحضور الفلسفي لصالح أنماط أخرى من التفكير، وبقي البرهان في صورته الرشدية لحظة مكثفة لم يكتب لها أن تتحول إلى تقليد مؤسسي دائم. ومع ذلك فإن قيمته لا تقاس بمدى استمراره المؤسسي، بل بعمق الأسئلة التي طرحها، وبالنموذج الذي قدمه لإمكان التعايش بين الصرامة العقلية والانتماء الديني.

إن مفهوم البرهان عند ابن رشد يضعنا أمام تصور للحقيقة بوصفها واحدة في ذاتها، متعددة في طرق الوصول إليها. هذا التصور يرفض النسبية المطلقة كما يرفض الانغلاق الحرفي. فالحقيقة ليست رهينة أذواق أو سياقات، لكنها في الوقت ذاته تتجلى للناس بحسب استعداداتهم. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين مراتب الخطاب، لا بوصفه تمييزا قيميا بين الناس، بل بوصفه اعترافا بتنوع القدرات.

إن البرهان عند ابن رشد هو حجر الزاوية في مشروعه الفلسفي. فهو الأداة التي بها يدافع عن الفلسفة، والمعيار الذي به ينتقد المتكلمين، والجسر الذي به يصل بين العقل والشرع. وإذا كانت الصرامة الأرسطية قد منحته الإطار المنهجي، فإن انتماءه الإسلامي منحه الأفق القيمي والروحي الذي أعاد فيه إدماج البرهان في نسيج الثقافة الإسلامية.

إن التأمل في مفهوم البرهان عند ابن رشد يكشف عن مشروع يتجاوز حدود الجدل التاريخي بين الفلاسفة والمتكلمين، ليطرح سؤالا دائما عن شروط المعقولية في أي ثقافة. فالبرهان في جوهره ليس مجرد تقنية منطقية، بل هو التزام أخلاقي تجاه الحقيقة، وحرص على أن يكون القول مؤسسا على ما يقتضيه العقل من ضرورة. ومن هنا يمكن النظر إلى المشروع الرشدي بوصفه دفاعا عن كرامة العقل، وعن حقه في أن يكون شريكا في فهم النصوص وفي تنظيم الحياة الفكرية.

لقد أدرك ابن رشد أن الحضارة التي تفقد ثقتها في البرهان تفقد قدرتها على إنتاج العلم، وتصبح عرضة للتنازع الخطابي الذي لا يحتكم إلى معيار. ولذلك كان دفاعه عن العلية وعن إمكان العلم البرهاني دفاعا عن استقرار النظام المعرفي برمته. وإذا كانت معركته قد اتخذت شكل رد على الغزالي، فإن رهانها كان أوسع من شخص أو كتاب؛ كان رهانا على مستقبل العقل في الإسلام.

إن إعادة التأسيس الإسلامي للمعقولية التي أنجزها ابن رشد لم تكن دعوة إلى استنساخ أرسطو، بل كانت محاولة لإدماج الصرامة المنطقية في سياق ديني من غير أن يُضحى بأي من الطرفين. فالعقل عنده لا يستغني عن الوحي، والوحي لا يناقض العقل. والبرهان هو المساحة التي يلتقيان فيها، لأن كليهما صادر عن الحق.

وفي زمن تتجدد فيه الأسئلة حول العلاقة بين الدين والعقل، وحول مكانة البرهان في الخطاب العمومي، يظل النموذج الرشدي مصدر إلهام. فهو يذكرنا بأن المعقولية ليست ترفا فكريا، بل شرطا لسلامة التفكير، وأن الصرامة لا تناقض الإيمان، بل قد تكون تعبيرا عن عمقه. وإذا كان التاريخ قد عرف تحولات جعلت صوت البرهان يخفت في بعض المراحل، فإن إمكان استعادته يظل قائما ما دام السؤال عن الحقيقة حيا.

هكذا يتبدى مفهوم البرهان عند ابن رشد لحظة مضيئة في تاريخ الفكر، لحظة تلاقت فيها الصرامة الأرسطية مع الروح الإسلامية في تركيب فريد، أسس لمعقولية قادرة على أن تستوعب الاختلاف، وأن تحتكم إلى معيار، وأن تفتح أفقا للحوار بين العقول. وفي هذا الأفق يظل ابن رشد شاهدا على أن الفلسفة حين تتجذر في ثقافتها، لا تكون غريبة عنها، بل تكون أحد أعمق تعبيراتها عن ذاتها العاقلة.

***

د. حمزة مولخنيف

الملخص: تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة مفهوم الغيب في الفلسفة الدينية في ضوء تحديات الواقع الافتراضي، من خلال تحليل جدلية التفاعل بين الثابت العقدي والمتحوّل التقني. وقد أوضحت الدراسة أن الأديان الكبرى، وعلى رأسها الإسلام، جعلت الغيب مجالاً خاصاً بالوحي، يحدّ من طموحات العقل التجريبية ويمنح الإنسان أفقاً للتسليم واليقين. وقد خلصت إلى أن المستقبل الرقمي سيضاعف من هذه الجدلية، مما يستدعي خطاباً نقدياً وفلسفياً يحافظ على نقاء مفهوم الغيب، ويميز بين الغيب الحقيقي والمحاكاة الرقمية.

وعليه، تقدم الدراسة رؤية نقدية تستشرف مستقبل العلاقة بين الدين والتقنية، مؤكدة ضرورة بناء وعي فلسفي-عقدي معاصر يدمج بين الأصالة الدينية والتحديات الرقمية، بما يحفظ التوازن بين الإيمان بالغيب واستخدام الوسائط الافتراضية.

الكلمات المفتاحيّة: الغيب، الفلسفة، الدين، الواقع الافتراضي.

Abstract:

This study seeks to approach the concept of the unseen in religious philosophy in light of the challenges of virtual reality, by analyzing the dialectic of interaction between doctrinal constants and technological variables. The study demonstrates that major religions, most notably Islam, have made the unseen a domain of revelation, limiting the ambitions of the experimental mind and granting humanity a horizon of submission and certainty. It concludes that the digital future will exacerbate this dialectic, calling for a critical and philosophical discourse that preserves the purity of the concept of the unseen and distinguishes between the real unseen and digital simulations.

Accordingly, the study presents a critical vision that anticipates the future of the relationship between religion and technology, emphasizing the necessity of building a contemporary philosophical-doctrinal awareness that integrates religious authenticity and digital challenges, thus maintaining a balance between belief in the unseen and the use of virtual media.

Keywords: the unseen, philosophy, religion, virtual reality.

المقدّمة

الغيب في التصور الديني يُعَدّ من أهم المرتكزات التي يقوم عليها الوعي الإنساني والإيمان الروحي، فهو الحيّز الذي يتجاوز حدود المحسوس والعقلاني ليؤسّس لمعنى الوجود ويفتح أمام الإنسان آفاق التسليم والبحث عن الحقيقة.

ومع بروز الواقع الافتراضي كأحد أهم إفرازات الثورة الرقمية، أخذت الأسئلة الفلسفية تتضاعف حول طبيعة الغيب وحدوده: هل يظلّ الغيب كما هو في الفلسفة الدينية فضاءً مطلقاً لا تدركه التجربة الإنسانية، أم أنّ العوالم الافتراضية بما تخلقه من صور ومحاكاة أصبحت تُنتج "غيوبيات مزيّفة" تثير ارتباكاً معرفياً جديداً؟

وتتجلّى أهمية الموضوع في كونه يعالج جدلية عميقة بين الثابت والمتحوّل: الثابت المتمثّل في مفهوم الغيب في الأديان والفلسفات الدينية، والمتحوّل المتمثل في الواقع الافتراضي الذي يقدّم خبرات حسّية غير تقليدية تحاكي الماورائيات.

وهذه الجدلية تجعل الموضوع مجالاً خصباً للتفكير الفلسفي والنقدي حول مكانة الغيب في عصر الرقمنة.

أما أسباب اختيار الموضوع، فترجع إلى الحاجة إلى فهم كيف تؤثر التحولات الرقمية على التصورات العقدية والفلسفية للإنسان، خاصةً مع تنامي حضور العوالم الافتراضية التي قد تُضعف أو تُعيد تشكيل إدراك الإنسان للغيب.

وتنحصر إشكالية الدراسة في السؤال المركزي: كيف يتقاطع مفهوم الغيب في الفلسفة الدينية مع معطيات الواقع الافتراضي، وإلى أي حد يمكن أن يؤثر هذا الواقع في الوعي الإنساني بالغيب؟

ومن هذه الإشكالية تتفرع أسئلة الدراسة:

ما طبيعة الغيب في الفلسفات الدينية الكبرى؟

كيف يسهم الواقع الافتراضي في إنتاج خبرات جديدة قد تحاكي الغيب؟

هل يمكن اعتبار المحاكاة الافتراضية بديلاً معرفياً عن مفهوم الغيب؟

ما حدود التمييز بين الغيب الحقيقي والغيب المزيّف في الوعي المعاصر؟

أما أهداف الدراسة فهي:

توضيح مفهوم الغيب في الفلسفة الدينية وبيان مكانته في الوعي الإنساني.

تحليل أثر الواقع الافتراضي على إدراك الغيب وتمثلاته.

الكشف عن أبعاد العلاقة بين الغيب والافتراض الرقمي من منظور نقدي.

استشراف مستقبل مفهوم الغيب في ظل الثورة الرقمية.

وتقتصر حدود الدراسة على دراسة المفهوم في نطاق الفلسفة الدينية والواقع الافتراضي، دون التوسع في الجوانب التقنية البحتة للواقع الافتراضي أو التفاصيل اللاهوتية الدقيقة في كل دين على حدة.

وتعتمد هذه الدراسة على المنهج التحليلي المقارن من خلال تحليل المفهوم في الفلسفات الدينية، ومقارنته بما يتيحه الواقع الافتراضي من بدائل إدراكية.

وبالنسبة إلى الدراسات السابقة، فقد انصبّ معظمها على دراسة العلاقة بين الدين والتكنولوجيا، أو على البعد النفسي والاجتماعي للتدين الرقمي، بينما لم يُولَ الاهتمام الكافي لمفهوم الغيب ذاته في تداخله مع العوالم الافتراضية، وهو ما يجعل هذه الدراسة رائدة من حيث الإشكالية والمقاربة.

ويقوم هيكل الدراسة على ثلاثة مباحث رئيسة:

المبحث الأول: الغيب في الفلسفة الدينية – المفاهيم والحدود.

المبحث الثاني: الواقع الافتراضي وإنتاج المحاكاة – قراءة فلسفية.

المبحث الثالث: الغيب بين الفلسفة الدينية والواقع الافتراضي – جدلية التفاعل والاستشراف.

الغيب في الفلسفة الدينية – المفاهيم والحدود

الغيب يشكّل أحد الركائز الكبرى في الفكر الديني والفلسفي على السواء؛ إذ يعبّر عن المجال الذي يتجاوز حدود المحسوس والتجربة المباشرة ليضع الإنسان أمام أفقٍ أوسع من إدراكه الحسي والعقلي.

ويُقصد بالغيب في الأديان السماوية كل ما استتر عن إدراك الإنسان، مما لا يُدرك بالحواس ولا بالعقل المجرد، وإنما يُعرَف بالوحي أو بالإيمان(1).

وقد ارتبط الغيب بالمعنى الوجودي العميق؛ فهو ليس مجرد مجهول، بل هو مجال اليقين الذي يُؤسَّس على الثقة بالمطلق الإلهي، فالإيمان بالغيب أجل المقامات على الإطلاق"٤. وكما أن الإيمان بالغيب يقوم على أساس متين من الشرع، فهو يقوم كذلك على أساس متين من الفطرة والعقل. طريق الهداية - مبادئ ومقدمات علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة، محمد يسري، الطبعة: الثانية، 2006م، ص 216.

وفي التصور الإسلامي يحتل الغيب موقعاً مركزياً؛ فالقرآن الكريم يصف المؤمنين بأنهم "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ" (البقرة: 3)، مما يجعل الإيمان بالغيب شرطاً أولياً للانتماء العقدي، ويتسع مفهوم الغيب ليشمل الله سبحانه وتعالى، واليوم الآخر، والملائكة، والقدر، وما وراء الحس(2).

وفي الفكر المسيحي يرتبط الغيب بسرّ الإيمان، فعندهم: "وَلَهُمْ سِرُّ الإِيمَانِ بِضَمِيرٍ طَاهِرٍ"(3)؛ حيث يُنظر إليه باعتباره مجالاً لنعمة الله التي تتجاوز حدود العقل البشري، وتظهر في العقيدة المسيحية مفاهيم مثل سرّ التجسد والفداء كأسرار إيمانية تقع في حيز الغيب.

أما في الفلسفة اليهودية فيبرز الغيب في مفهوم "الإله المتعالي" الذي لا يُدرَك كنهه ولا يُتصوّر تماماً، وإنما يُعرَف عبر أفعاله وإرادته في التاريخ، فــ"يهوه إله اليهود الذي آمن به فيلو هو الإله المفارق للعالم المحسوس، وهو الإله المتعالي اللامتناهي في صفات الكمال... لذلك فهو لا يمكن وصفه إلاَّ بالسلب كقولنا غير المحوي غير المحدود غير المتناهي... غير أنه لفرط علوه عن العالم ولعظم الهوة التي تفصله عنه، لا يؤثر مباشرة في العالم، بل يؤثر عن طريق وسائط أو قوى إلهية... أولها وأهمها هيَ: الكلمة أو اللوغوس"(4).

وعلى الرغم من أن الغيب ارتبط بالوحي، إلا أن الفلسفة الدينية تعاملت معه باعتباره ضرورة وجودية وعقلية معاً، فعند الفلاسفة المسلمين -مثل ابن سينا والفارابي- كان الغيب متجذّراً في مراتب الوجود، حيث يميزون بين العالم المحسوس والعالم المعقول، ويعتبرون الغيب امتداداً لمجال العقول المجردة والفيض الإلهي(5).

يمكن القول أن الغيب في الفلسفة الدينية يتحدد بحدودٍ دقيقة تميّزه عن المجهول أو الوهم، وهي:

الغيب المطلق: وهو ما لا يمكن للإنسان إدراكه بحال من الأحوال، كذات الله أو حقيقة الروح.

الغيب النسبي: وهو ما يمكن أن يُكشف جزئياً عبر الوحي أو التجربة الروحية، مثل حقائق الآخرة أو بعض المعجزات.

المجهول المؤقت: وهو ما يجهله الإنسان في زمن ما، ثم يمكن أن يكشفه العلم أو التجربة، كالقوانين الطبيعية أو أسرار الكون.

وبذلك يصبح الغيب ليس مجرد "مجهول" يثير الحيرة؛ بل أفقاً معرفياً وروحياً يرسم للإنسان حدود قدرته ويذكّره بمقام العبودية، ويمنحه في الوقت ذاته معنى يتجاوز التجربة المادية.

ويشكّل الغيب محوراً أساسياً في تشكيل وعي الإنسان بذاته وبالوجود؛ فهو يرسّخ التواضع المعرفي أمام أسرار الكون، ويغذّي البعد الروحي الذي يربط الإنسان بالمطلق، كما يحدّد المنظور الأخلاقي، إذ إن الإيمان بالغيب يوجّه سلوك الإنسان نحو المسؤولية أمام إله عليم.

وبهذا يتضح أن الغيب في الفلسفة الدينية ليس مفهوماً ثانوياً؛ بل هو أساس الإيمان والوعي بالوجود. غير أن ظهور الواقع الافتراضي أوجد عوالم جديدة من "اللامرئي" قد تداخلت مع هذا المفهوم، وهو ما يستدعي بحثاً مستقلاً في المبحث الثاني حول علاقة المحاكاة الرقمية بالغيب الحقيقي.

الواقع الافتراضي وإنتاج المحاكاة – قراءة فلسفية

يمثل الواقع الافتراضي (Virtual Reality) أحد أبرز التحولات التكنولوجية التي غيّرت إدراك الإنسان للوجود والمعرفة، إذ لم يعد مقتصراً على محاكاة العالم الواقعي؛ بل تجاوز ذلك إلى خلق عوالم جديدة متخيلة، قابلة للتجربة الحسية والمعايشة المباشرة(6).

ويعني ذلك أن الواقع الافتراضي ليس مجرد أداة تقنية، بل هو بنية فكرية ومعرفية تعيد صياغة حدود الممكن والمستحيل، وتثير أسئلة فلسفية عميقة حول معنى الحقيقة والتمثيل، وحول الفاصل بين الوهم والواقع.

وقد ارتبط مفهوم المحاكاة تاريخياً بالفلسفة اليونانية، حيث اعتبر أفلاطون أن الفن محاكاة للمحاكاة، أي صورة ناقصة للوجود الحق(7)، وفي الفلسفة المعاصرة قدم جان بودريار مفهوم "المحاكاة الفائقة" (Hyper-simulation حيث تصبح الرموز والصور أكثر حضوراً من الواقع نفسه، وتكتسب سلطة في تشكيل الوعي والمعنى(8).

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الواقع الافتراضي باعتباره امتداداً لهذه الفلسفات، إذ لا يكتفي بإعادة إنتاج العالم الواقعي، بل يؤسس لعوالم بديلة قد تحل محل الواقع في تشكيل إدراك الإنسان لنفسه وللآخر وللإلهي.

ومع اتساع نطاق تطبيقات الواقع الافتراضي في التعليم، والطب، والفن، والطقوس الدينية، يتعرض الإنسان لإعادة تشكيل جذري في تجربته الوجودية، فالتجربة الافتراضية تتيح له إمكانات غير محدودة للانتقال، والتقمص، وإعادة التمثيل، مما يجعل حدود الجسد والمكان والزمان أكثر سيولة.

وتفتح هذه السيولة باباً لإعادة التفكير في ماهية "الواقعي": هل هو ما ندركه مباشرة عبر الحواس، أم ما يقدمه الجهاز الرقمي كبديل أكثر كثافة وثراء؟

ويثير الواقع الافتراضي جدلاً فلسفياً حول العلاقة بين الحقيقة والوهم، فمن منظور واقعي لا يمكن أن تحل الصورة محل الأصل؛ لكن من منظور ما بعد الحداثة، قد لا يكون ثمة فرق جوهري بين الأصل والنسخة، لأن كلاهما يتحدد في فضاء المعنى والتداول.

ومن ثم فإن الواقع الافتراضي يدفعنا إلى التساؤل: هل نحن بصدد توسيع نطاق إدراك الحقيقة، أم أننا أمام طمس تدريجي للفوارق بين الحقيقة والوهم بحيث يصبح الإنسان أسير "عالم المحاكاة"؟

إن المحاكاة التي ينتجها الواقع الافتراضي ليست حيادية؛ بل تحمل آثاراً عقدية وأخلاقية، فهي قد تُعيد صياغة الممارسات الدينية عبر "طقوس افتراضية"، أو تُقدم تمثيلات جديدة للغيب والقداسة، مما يفرض تحدياً على العقيدة الإسلامية التي تؤكد على التمييز بين الغيب المحجوب والشهادة المشهودة. كما تثير قضايا أخلاقية تتعلق بالمسؤولية، حيث قد ينزلق الإنسان إلى تجربة ما هو محرّم واقعياً في فضاء افتراضي دون شعور بالذنب أو المساءلة.

يمكن القول بأن التعامل مع الواقع الافتراضي يقتضي قراءة فلسفية نقدية لا تنبهر بوعوده التقنية ولا ترفضه مطلقاً، فالمسألة تتعلق بكيفية توظيفه في خدمة القيم الإنسانية والدينية، وتجنب تحوله إلى أداة تفكيك للمعنى أو بديل عن التجربة الروحية الأصيلة.

وهنا يظهر دور الفلسفة والعقيدة معاً في وضع معايير توجه هذا الواقع الجديد، بحيث يبقى الإنسان قادراً على التمييز بين الحقيقة والمحاكاة، وبين الوسيلة والغاية.

الغيب بين الفلسفة الدينية والواقع الافتراضي – جدلية التفاعل والاستشراف

الغيب في التصور الديني -لا سيما في العقيدة الإسلامية- يمثل البُعد الذي يتجاوز حدود الحسّ والتجربة المباشرة، وهو مجال محفوظ لله تعالى، يُعرف بالوحي ويُستدل عليه بالعقل، لكنه يظل بمنأى عن المحاكاة والتجسيد البشري، فلا سلطان لأحد على الغيب إلا ما أعلمنا الله إياه(9).

ويُشكل الإيمان بالغيب أحد أركان التصور الإسلامي للوجود، بما يتضمنه من إيمان بالله والملائكة واليوم الآخر وما وراء الحسّ، فهذا المفهوم يطرح إشكاليات فلسفية متجددة حين يُقارن مع أدوات الواقع الافتراضي التي تحاول "محاكاة" أو "إعادة بناء" ما هو غير مُدرَك بالحواس.

وتناولت الفلسفات الدينية عبر العصور الغيب باعتباره منبعاً للمعنى، ومصدراً لتجاوز المحدود إلى اللامحدود، فالفلسفة المسيحية مثلاً نظرت إلى الغيب باعتباره الحقل الذي يتجاوز العقل البشري ويقتضي الإيمان. أما الفلسفة الإسلامية، فقد بلورت رؤية وسطية تؤكد أنّ الغيب لا يُلغى بالعقل ولا يُحاكى بالخيال؛ بل يُصدَّق به بالوحي، ويُفهم بالعقل كأداة لتأكيد إمكانه.

وهذه الرؤية تضبط حدود المعرفة الإنسانية، وتضع فاصلاً بين ما هو متاح إدراكه بالحواس وبين ما لا يُنال إلا بالإيمان.

مع تطور تقنيات الواقع الافتراضي، بدأ الإنسان يبتكر عوالم بديلة تمثل نوعاً من "الغيب المصطنع"، حيث يُتاح له أن يعيش تجارب لم يختبرها في الواقع، أو أن يستحضر صوراً لآخرةٍ متخيلة، أو ملائكة وأرواح رقمية، غير أنّ هذا "الغيب الافتراضي" لا يتجاوز كونه محاكاة من صنع الخيال والتقنية، ما يجعله خطراً فلسفياً وعقدياً إن استُخدم لتقويض الإيمان بالغيب الحقيقي الذي حدده الوحي.

وهنا تبرز إشكالية: هل يمكن اعتبار هذا الغيب المصطنع شكلاً من أشكال الإبداع الإنساني، أم أنه يمثل تشويشاً على العقائد وتلاعباً بالوجدان؟

تقوم الجدلية هنا على مفارقة أساسية؛ فمن جهة الواقع الافتراضي يفتح أفقاً جديداً لفهم قدرة الإنسان على التخيل والتجسيد، بما يعزز وعيه بحدوده أمام الغيب الإلهي. ومن جهة أخرى قد يؤدي التوغل في هذه العوالم إلى طمس الحدود بين الحقيقي والمتخيل، فيتوهم الإنسان أن بمقدوره الإحاطة بالغيب أو تمثيله.

ومن ثم يصبح التفاعل بين الغيب والافتراضي مزدوج الوجه؛ محفزاً على إدراك محدودية الإنسان، ومهدداً في الوقت ذاته لتوازن العقيدة إن لم يُضبط بالمعايير الشرعية والفلسفية.

وتطرح هذه الجدلية سؤالاً استشرافياً مفاده: كيف سيتشكل وعي الإنسان بالغيب في ظل تطور الواقع الافتراضي؟

يمكن القول إن المستقبل سيشهد مزيداً من "التداخل الرمزي" بين الغيب الديني والغيب الرقمي، وهو ما يتطلب بناء وعي نقدي يحفظ التمايز بينهما، ولعل التحدي الأكبر هو أن يستخدم الإنسان هذه التقنيات لتعزيز معاني الإيمان والتأمل في عظمة الخالق، لا أن يجعلها بديلاً عن الوحي أو أداة لمحاكاة الغيب بطرائق قد تفضي إلى الانحراف العقدي.

لا يعني ذلك رفض الواقع الافتراضي جملة وتفصيلاً؛ بل ضرورة ضبطه بمنظور فلسفي-عقدي يُقرّ بمحدودية الإنسان في إدراك الغيب، فالمنهج الإسلامي، في جوهره، لا يُعادي الخيال ولا التقنية، لكنه يضعهما في إطار الوسيلة لا الغاية، وفي حدود ما يخدم الحقيقة الإيمانية.

من هنا تأتي الحاجة إلى مشروع معرفي يعيد قراءة الغيب في ضوء التحولات الرقمية، مستفيداً من التقنيات دون الوقوع في فخ المحاكاة التي تُشوّه قداسة الغيب.

الخاتمة

أولًا: النتائج:

مفهوم الغيب في الفلسفة الدينية يشكل أساساً مركزياً للوعي الإنساني، إذ يضبط العلاقة بين المحسوس واللامحسوس، ويضع حدوداً للمعرفة البشرية. وقد أكدت الفلسفة الإسلامية بشكل خاص أنّ الغيب مجال محفوظ لا يدرك إلا بالوحي، مع إمكان الاستدلال العقلي على إمكانه وضرورته.

الواقع الافتراضي يقدم إمكانات جديدة لمحاكاة التجربة الإنسانية، تصل إلى حدّ صناعة "غيوبيات مزيّفة" تُثير ارتباكاً معرفياً، من خلال قدرتها على محاكاة ما وراء الحسّ، إلا أنّ هذه المحاكاة لا تخرج عن إطار الخيال التقني، ولا يمكن أن تكون بديلاً عن الغيب الديني الحقيقي.

العلاقة بين الغيب والواقع الافتراضي تتسم بالجدلية؛ فهي من جهة قد تساعد على إبراز محدودية الإنسان أمام الغيب الإلهي، ومن جهة أخرى قد تفضي إلى تشويش على الوعي الديني إذا لم تُضبط. كما أظهرت الدراسة أن المستقبل الرقمي سيضاعف من هذه الجدلية، بما يستدعي صياغة وعي نقدي يحمي المفاهيم العقدية من التمييع أو التحريف.

ثانياً: التوصيات:

إدماج البُعد النقدي في دراسة الظواهر الرقمية داخل الحقول الشرعية والفلسفية، بحيث لا يقتصر الاهتمام على الجوانب التقنية أو الاجتماعية.

بناء خطاب ديني وفلسفي معاصر يوضح للمتلقي الفرق بين المحاكاة الافتراضية والغيب الحقيقي، ويبرز قيمة الإيمان بالغيب باعتباره بعداً لا يُنال بالتجربة الحسية ولا بالخيال الرقمي.

تشجيع البحوث البينية (Interdisciplinary Studies) بين الفلسفة، الدراسات الدينية، وعلوم التقنية لفهم انعكاسات الواقع الافتراضي على الوعي العقدي.

توظيف الواقع الافتراضي إيجابياً في خدمة التربية الإيمانية والفلسفة الدينية، كأداة لتقريب المعاني لا لمحاكاة الغيب أو تمثيله.

إعادة قراءة التراث العقدي والفلسفي في ضوء الأسئلة التي يثيرها العالم الرقمي، لإثراء الدراسات المعاصرة بمقاربات رصينة تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

***

إعداد: محمد أحمد عبيد - كاتب وباحث في الفلسفة

2025م

..............................

قائمة المصادر والمراجع

ابن عاشور، محمد الطاهر. التحرير والتنوير. الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م.

أبو زهرة، محمد بن أحمد بن مصطفى. زهرة التفاسير. دار الفكر العربي.

إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي. رسالة التوحيد المسمى بـ تقوية الإيمان. نقلها للعربية وقدم لها: أبو الحسن علي الحسني الندوي. دار وحي القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 2003م.

أفلاطون. الجمهورية، د.ت.ط.

بدر الدين مصطفى أحمد محمد. من المحاكاة إلى الواقع الفائق: قراءة في فكر جان بودريار. حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة الكويت – مجلس النشر العلمي، 2016م.

بولس الرسول. الرسالة الأولى إلى تيموثاوس.

تاوضروس، موريس. اللوغوس: مفهوم الكلمة في العهد الجديد.

السيوطي، جلال الدين. جهد القريحة في تجريد النصيحة (مطبوع مع: صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام). تحقيق: علي سامي النشار، سعاد علي عبد الرازق. مجمع البحوث الإسلامية.

الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم. الملل والنحل. مؤسسة الحلبي.

الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. قواعد العقائد. تحقيق: موسى محمد علي. عالم الكتب، لبنان، الطبعة الثانية، 1985م.

الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. معارج القدس في مدارج معرفة النفس. دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثانية، 1975م.

الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. معيار العلم في فن المنطق. تحقيق: سليمان دنيا. دار المعارف، مصر، 1961م.

موقع مجرة. الواقع الافتراضي Virtual Reality. hbrarabic.com، تاريخ الدخول: 10/9/2025.

الهلال، محمد. تفسير القرآن الثري الجامع. دار المعراج، ودار جوامع الكلم، دمشق، الطبعة الأولى، 2022م.

الهوامش

(1) قواعد العقائد، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، المحقق: موسى محمد علي الناشر: عالم الكتب - لبنان الطبعة: الثانية، 1985م، ص 264. تفسير القرآن الثري الجامع، محمد الهلال، دار المعراج، ودار جوامع الكلم)، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، 2022م، 9/61. التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، الدار التونسية للنشر - تونس، 1984م، 1/229.

(2) زهرة التفاسير، محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة، دار الفكر العربي، 8/4343.

(3) رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس 3: 9

(4)  اللوغوس مفهوم الكلمة في العهد الجديد، أورد د. موريس تاوضروس، 1/72.

(5) الملل والنحل، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبى بكر أحمد الشهرستاني، مؤسسة الحلبي، 2/147. معيار العلم في فن المنطق، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، المحقق: الدكتور سليمان دنيا، دار المعارف، مصر، 1961م، ص232. معارج القدس في مدراج معرفة النفس، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، دار الآفاق الجديدة - بيروت الطبعة: الثانية، 1975، ص 166. جهد القريحة في تجريد النصيحة (مطبوع مع: صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام)، جلال الدين السيوطي، المحقق: الدكتور علي سامي النشار، السيدة سعاد علي عبد الرازق، مجمع البحوث الإسلامية، ص56.

(6) الواقع الافتراضي Virtual Reality، موقع مجرة، hbrarabic.com، تاريخ الدخول: 10/9/2025.

(7) أفلاطون: الجمهورية، ف 598. ،

(8) من المحاكاة إلى الواقع الفائق : قراءة في فكر جان بودريار، بدر الدين مصطفى أحمد محمد، حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية جامعة الكويت - مجلس النشر العلمي، 2016، ص9 - 98.

(9) رسالة التوحيد المسمى بـ تقوية الإيمان، إسماعيل بن عبد الغني بن وَلي الله بن عبد الرحيم العُمري الدهلوي، نقلها للعربية وقدم لها: أبو الحسن علي الحسني الندوي، دار وحي القلم - دمشق، سورية الطبعة: الأولى، 2003م، ص103.

الملخص: يتناول هذا البحث مشكلات الإنسان المعاصر في ضوء رؤية المفكر الإسلامي وحيد الدين خان، الذي اهتم بشكل خاص بتحليل الأزمات الاجتماعية والنفسية التي يواجهها الإنسان في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم. وقد ركز البحث على ثلاثة محاور رئيسية: دور الدين في مواجهة الجريمة، وأسباب التفكك الأسري والأمراض النفسية الناتجة عن تجاهل القيم الإلهية، وأخيرًا أثر وسائل الاتصال الحديثة في إعادة تشكيل وعي الإنسان بالدين. وأكدت الدراسة أن الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة دون تأصيل ديني يؤدي إلى مزيد من الانحراف والاضطراب الفكري.

وقد خلص البحث إلى ضرورة التكامل بين القانون والأخلاق، وإعادة الاعتبار للقيم الأسرية، مع توجيه الجهود الإسلامية نحو العمل الدعوي المنهجي باستخدام أدوات العصر. كما أوصى بضرورة تشجيع الدراسات المتخصصة في فكر وحيد الدين خان للاستفادة من رؤاه في معالجة المشكلات المعاصرة.

الكلمات المفتاحيّة: المشكلات، الإنسان، المعاصرة، وحيد الدين خان.

Abstract:

This study addresses the problems of contemporary humanity in light of the vision of the Islamic thinker Wahiduddin Khan, who was particularly interested in analyzing the social and psychological crises facing humanity in light of the rapid transformations taking place in the world. The study focused on three main axes: the role of religion in combating crime, the causes of family disintegration and psychological illnesses resulting from ignoring divine values, and finally, the impact of modern communication methods in reshaping human awareness of religion. The study emphasized that reliance on modern technology without religious grounding leads to further deviation and intellectual confusion.

The study concluded that it is necessary to integrate law and ethics, restore respect for family values, and direct Islamic efforts toward systematic advocacy work using contemporary tools. It also recommended the need to encourage specialized studies on Wahiduddin Khan's thought to benefit from his insights in addressing contemporary problems.

Keywords: Problems, Human, Contemporary, Wahiduddin Khan.

المقدمة:

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتمّ علينا النعمة، وجعل شريعته صالحة لكل زمان ومكان، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد بن عبد الله، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد؛

أولًا: أهمية الموضوع:

إن قضايا الإنسان المعاصر تُمثل اليوم محورًا رئيسيًا في مختلف الدراسات الفكرية والاجتماعية، نظرًا لما يشهده العالم من تحولات سريعة ومتلاحقة في شتى المجالات. وفي خضم هذه التغيرات، تبرز إشكالات عميقة تتعلق بالهوية، والانتماء، والأمن النفسي والاجتماعي، مما يجعل الحاجة ملحّة إلى قراءة هذه المشكلات من منظور منهجي متكامل يجمع بين الثوابت الدينية ومتطلبات العصر الحديث.

ومن هنا؛ برز فكر المفكر الإسلامي وحيد الدين خان كأحد الأصوات التي سعت بجدية لطرح معالجة فكرية ودينية للمشكلات التي يعاني منها الإنسان المعاصر، محذرًا من الاكتفاء بالحلول المادية والقانونية وحدها دون العودة إلى المنابع الأصيلة للإنسانية: الدين والأخلاق.

ومن هنا جاء اختيار هذا الموضوع بعنوان: "مشكلات الإنسان المعاصر عند وحيد الدين خان"، رغبةً في تسليط الضوء على أبرز القضايا التي تناولها خان، وتحليل رؤيته في كيفية علاجها في ظل التحديات الفكرية والاجتماعية الراهنة.

ثانيًا: أسباب اختيار الموضوع:

الحاجة إلى قراءة فكرية عميقة لمشكلات الإنسان المعاصر من منظور إسلامي متجدد.

ندرة الدراسات المتخصصة التي تناولت فكر وحيد الدين خان في معالجة هذه المشكلات بصورة منهجية متكاملة.

أهمية الربط بين الفكر الإسلامي وقضايا الإنسان الراهنة، وخاصة في ظل تنامي المشكلات الاجتماعية والأسرية والنفسية.

رغبة الباحث في تسليط الضوء على الجهود الفكرية المتميزة التي تربط بين الدعوة الإسلامية ومشكلات الواقع الحديث.

ثالثًا: إشكالية الدراسة:

تكمن إشكالية الدراسة في السؤال المركزي: كيف عالج وحيد الدين خان مشكلات الإنسان المعاصر في ضوء التغيرات الاجتماعية والثقافية، وما مدى فاعلية هذه المعالجة في تحقيق التوازن بين القيم الدينية ومتطلبات العصر؟

رابعًا: أسئلة الدراسة:

ما رؤية وحيد الدين خان لدور الدين في مواجهة الجريمة وتحقيق العدالة؟

كيف فسّر وحيد الدين خان العلاقة بين التفكك الأسري والمشكلات النفسية والاجتماعية؟

ما الدور الذي يمنحه وحيد الدين خان لوسائل الاتصال الحديثة في إصلاح الوعي الديني لدى الإنسان المعاصر؟

خامسًا: أهداف الدراسة:

توضيح رؤية وحيد الدين خان في معالجة مشكلات الإنسان المعاصر.

بيان العلاقة بين الدين والقانون في تحقيق العدل الاجتماعي في فكر خان.

تحليل أسباب التفكك الأسري والمشكلات النفسية من منظور وحيد الدين خان.

إبراز أهمية وسائل الاتصال في دعم العمل الدعوي وتصحيح المفاهيم الدينية.

سادسًا: حدود الدراسة:

الحدود الموضوعية: اقتصرت الدراسة على تحليل مشكلات الإنسان المعاصر كما عرضها وحيد الدين خان في كتبه ومحاضراته.

الحدود الزمانية: تناولت الدراسة الفترة التي برز فيها إنتاج خان الفكري، وخاصة النصف الثاني من القرن العشرين حتى وفاته.

الحدود المكانية: ركزت الدراسة على المشكلات العامة للإنسان المعاصر دون تخصيص لدولة أو مجتمع بعينه، نظرًا لعالمية خطاب خان.

سابعًا: منهج الدراسة:

اعتمدت الدراسة على المنهج التحليلي؛ لتحليل النصوص الفكرية لوحيد الدين خان، مع الاستعانة بالمنهج النقدي في تقييم الأفكار وربطها بالواقع المعاصر.

ثامنًا: الدراسات السابقة:

اطّلعت الدراسة على عدد من الدراسات المرتبطة بفكر وحيد الدين خان، ومن أبرزها:

دراسة: الطيب الأمير إبراهيم الفكي، الشيخ وحيد الدين خان وجهوده في الدعوة، رسالة ماجستير، كلية الدعوة الإسلامية، جامعة أم درمان الإسلامية، السودان، 1430هـ / 2009م، إشراف: نور الدين عوض الكريم إبراهيم بابكر، 267 صفحة.

تناولت هذه الدراسة جهود وحيد الدين خان في المجال الدعوي، مع التركيز على منهجه في تبليغ الدعوة وأسلوبه في الحوار مع المخالفين، لكنها لم تتعمق في تحليل المشكلات الاجتماعية والإنسانية التي تناولها خان في مؤلفاته المختلفة.

دراسة: طارق حسن محمد الخضري، وحيد الدين خان وآراؤه الاعتقادية والفكرية: دراسة نقدية، رسالة ماجستير، كلية الدعوة وأصول الدين، جامعة أم القرى، السعودية، 1431هـ / 2010م، إشراف: سعود بن عبد العزيز بن محمد العريفي، 416 صفحة.

ركزت هذه الدراسة على تحليل آراء وحيد الدين خان الاعتقادية والفكرية، مع مناقشة نقدية لبعض مواقفه الفكرية، لكنها لم تتناول بشكل مستقل مشكلات الإنسان المعاصر في فكره.

وعليه، جاءت هذه الدراسة لسد الفراغ في تحليل مشكلات الإنسان عند خان بمنهج مستقل.

تاسعًا: هيكل الدراسة:

جاءت الدراسة في مقدمة وثلاثة مباحث رئيسية، إضافة إلى الخاتمة والنتائج والتوصيات.

المقدمة: تناولت التعريف بالموضوع، وبيان أهميته، وأسباب اختياره، مع توضيح إشكالية الدراسة وأسئلتها وأهدافها وحدودها، والمنهج المتبع فيها، إضافة إلى عرض موجز لأبرز الدراسات السابقة ذات الصلة، وبيان هيكل الدراسة.

المبحث الأول: الدين في مواجهة الجريمة.

المبحث الثاني: التفكك الأسري والأمراض النفسية عند وحيد الدين خان.

المبحث الثالث: أثر وسائل الاتصال في الوعي وإعادة بناء فهم الدين.

الخاتمة: تتضمن أبرز النتائج والتوصيات المستخلصة من الدراسة.

المبحث الأول: الدين في مواجهة الجريمة

مقاصد الدين والحد من الجريمة:

تسعى الشريعة الإسلامية إلى تحقيق غايات عليا ومصالح شاملة للإنسان في الدنيا والآخرة، وذلك من خلال بناء مجتمع مثالي يقوم على العبادة الخالصة لله وإعمار الأرض، وتسخير الموارد الطبيعية لإقامة حضارة إنسانية عادلة، تتميز بالأمن والسلام وتحقق التوازن بين المتطلبات الروحية والمادية للإنسان، وتلك الغاية تعكس توازنًا دقيقًا في معالجة مختلف جوانب الشخصية الإنسانية، سواء الروحية أو العقلية أو الجسدية، في إطار شريعة تهدف إلى توفير ظروف معيشية تحقق الاستقرار والرفاهية للجميع(1).

وعند استعراض أحكام الشريعة، نجد أنها تعمل بشكل واضح على تحقيق مصالح الخلق من خلال ما يُعرف بالكليات الخمس، وهي(2):

حفظ النفس: تهدف الشريعة إلى حماية حياة الإنسان وسلامته الجسدية من الاعتداء أو الأذى، ولهذا السبب شرعت الحدود والعقوبات التي تمنع القتل أو الإيذاء الجسدي، كما أنها حرمت الانتحار وأمرت بالحفاظ على الصحة الجسدية.

حفظ الدين: تكمن أهمية حفظ الدين في تمكين الفرد من أداء عباداته بحرية ومنع أي تدخل أو إجبار يمس عقيدته، وقد شرعت الشريعة إجراءات حماية الدين من الفساد والاعتداء، بما في ذلك الدفاع عن الحق في العقيدة وفرض حدود لمنع الفتنة الدينية.

حفظ العقل: لأن العقل هو أساس القدرة على التمييز واتخاذ القرارات، فقد شرعت الشريعة ما يحافظ على العقل من كل ما يؤدي إلى فساده، مثل تحريم الخمر والمسكرات وكل ما يؤدي إلى تعطيل أو إضعاف القدرات العقلية.

حفظ النسل: الشريعة تعزز بناء الأسرة وحماية العلاقة الزوجية من خلال تشريعاتها المتعلقة بالزواج والإنجاب وحماية النسل من الانتهاكات الاجتماعية، وكذلك حرمت العلاقات المحرمة التي تهدد استقرار الأسرة، وحفظت حقوق الأبناء والأجيال القادمة.

حفظ المال: تحرص الشريعة على حماية المال من السرقة والفساد، وشرعت وسائل لحمايته كالحدود الخاصة بالسرقة، وأحكام المعاملات التجارية العادلة، وفي الوقت نفسه، تدعو الشريعة إلى التكافل الاجتماعي وضمان حقوق الفقراء والمحتاجين من خلال الزكاة والصدقات.

إن هذه الكليات الخمس تشكل حجر الزاوية في أي مجتمع إسلامي يسعى لتحقيق العدل والحد من الجريمة، ومن خلال تطبيق هذه المبادئ، تعمل الشريعة على تلبية احتياجات الأفراد والمجتمع بشكل شامل، بما يحفظ حقوقهم الأساسية ويعزز قيم التعايش والسلم الاجتماعي.

ومن أصول هذه الشريعة، يستمد المسلمون نظامهم في مواجهة الجريمة وأثرها المدمر للمجتمع، الذي من حقه الأمن والأمان، بما توفره الشريعة من وقاية من الجريمة، وردع لها في أحكام الحدود والقصاص والتعزيزات(3).

الحد من الجريمة في نظر وحيد الدين خان:

يرى وحيد الدين خان أن القانون بمفرده عاجز عن تحقيق العدل ما لم يرتبط بالأخلاق والدين، فالقانون من وجهة نظره لا يستطيع العمل بشكل مستقل لأنه يعتمد على السلوك الصادق للأفراد، وخاصة الشهود في المحاكم، وإذا تعمد الطرفان الكذب في قضية ما فلن يتمكن القاضي من كشف الحقيقة والوصول إلى العدل مهما بذل من جهد، وبالتالي يذهب خان إلى القول بأنه لا بد من وجود "قانون آخر" يتجاوز القانون المدني، يكون مبنيًا على الأخلاق والدين، ليحفز الناس على قول الحق(4).

كما يشير خان إلى أن جميع المحاكم حول العالم تعترف بهذه الحاجة إلى ربط القانون بالدين، وهو ما يظهر في إلزام الشهود بحلف اليمين بالله قبل الإدلاء بشهادتهم، وهذا الإجراء يؤكد على أهمية العقائد الدينية في الحفاظ على نزاهة القانون وتحقيق العدالة، ومع ذلك ينتقد خان المجتمع الحديث الذي قلل من أهمية المعتقدات الدينية إلى حد أن القسم أمام المحاكم أصبح مجرد إجراء شكلي أو تقليد لا يحمل أي تأثير حقيقي، مما يفرغ النظام القانوني من القيم التي يحتاجها لتحقيق العدالة(5).

إن وحيد الدين خان يتناول العلاقة بين الدين والجريمة من منظور إسلامي شامل، ويركز على دور الإنسان في تدهور الحياة بسبب سوء استخدامه للحرية التي منحها الله له، بالإضافة إلى الحلول الإسلامية التي يقدمها الإسلام لمواجهة هذا التدهور من خلال الإصلاح الديني والاجتماعي، فيبدأ بتوضيح أن الكون بأسره يسير وفق نواميس إلهية لا يمكن التمرد عليها، حيث ينقاد كل ما فيه -من النملة إلى الكواكب والمجرات- إلى إرادة الله، إلا أن الإنسان، على عكس باقي المخلوقات، قد منح حرية الاختيار ليقوم بتحديد مساره إما نحو الخير أو الشر، ويرى أن هذه الحرية تشكل أساساً للاختبار الإلهي، حيث يُمتحن الإنسان في كيفية استخدامه لهذه الحرية(6).

إن هذه الفكرة تعبر عن رؤية إسلامية تقليدية ترى أن العالم مليء بالخيرات والنعم التي أودعها الله، ولكن بسبب الفساد الناتج عن سوء تصرف الإنسان، تحولت الدنيا إلى مكان مليء بالعذاب والمحن، وقدر الله هذا الفساد من أجل التمييز بين من سيختار طريق الحق والإصلاح وبين من سيختار طريق الفساد، ويركز وحيد الدين خان على مفهوم "الزمرة المصطفاة" أو "النوع الأفضل" من البشر الذين تم اختيارهم من بين بني الإنسان، وهم أولئك الذين يختارون طاعة الله بإرادتهم الحرة، وهؤلاء الأفراد يمثلون النخبة الروحية التي لا تستسلم للأنانية أو الأهداف الشخصية، بل يسعون إلى تحقيق الحق والعدل وتطبيق القيم الإسلامية(7).

ويرى وحيد الدين خان أن هذا الاختبار ليس مجرد تحدٍّ فردي، بل هو جزء من مسار تاريخي طويل من الصراع بين الفساد والصلاح، ويشير إلى أن تاريخ الإنسان مليء بالظلم والفساد، وهذا يعكس استخدام الإنسان لحريته بطريقة خاطئة، ولكنه في الوقت نفسه يعتبر هذا الفساد وسيلة لتجلي الخيار الأفضل من بين الناس، حيث يختار الأفراد الأتقياء الإيمان والصلاح عن وعي وإرادة، رغم أن لديهم الحرية للقيام بالعكس(8).

ينتقل وحيد الدين خان بعد ذلك إلى مناقشة مفهوم الإصلاح الإسلامي، ويرى أن الإسلام لا يعتمد على الثورة السياسية أو المدنية كأسلوب مباشر للتغيير، وبدلاً من ذلك يعتبر التغيير نحو الأفضل نتيجة غير مباشرة لتطبيق الإسلام في الحياة، أي أن التغيير الذي يحدث في المجتمع يأتي نتيجة لترسيخ قيم الإيمان والإخلاص، وليس من خلال القفز إلى السلطة أو السيطرة على الحكم، ويرى أن إصلاح المجتمع يأتي من خلال تكوين "زمرة مختارة" من المؤمنين الذين يعيشون حياة نقية روحياً وأخلاقياً، وهؤلاء الأفراد ينتمون إلى مجتمع يُدار بواسطة رجال لا تغريهم التجارة أو السياسة عن ذكر الله وعبادته، ويعتبر هؤلاء القادة الفاقدين للأنانية هم الذين يستطيعون قيادة الأمة نحو إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي دعائم النظام الإسلامي(9).

وفي نقد وحيد الدين للحركات الإسلامية المعاصرة، يشير الكاتب إلى أنها قد انحرفت عن الطريق الصحيح بالتركيز على السياسة والقوة بدلاً من الدعوة والتربية الروحية، ويرى أن هذه الحركات غالباً ما تتخذ الهتافات السياسية والشعارات الدينية واجهة للوصول إلى السلطة، ولكنها في الحقيقة تهدف إلى تحقيق أهداف شخصية ضيقة، ويعتبر أن هذا التوجه السياسي يؤدي إلى الفوضى بدلاً من الإصلاح الحقيقي، حيث يتم التركيز على السعي وراء السلطة بدلاً من العمل على تربية الأفراد الروحيين وإعدادهم لتحمل المسؤولية بطريقة إسلامية خالصة، ويشدد على أن هذه الحركات لا يمكن أن تحقق الإصلاح الحقيقي لأن الإصلاح يأتي من الداخل، من خلال بناء أخلاق وسلوكيات حسنة تنبع من دافع داخلي، وليس من خلال الثورة الخارجية أو السيطرة على السلطة(10).

يؤكد خان نهاية أن النهضة الإسلامية لا يمكن أن تتحقق إلا بوجود أفراد فاقدين للأنانية، قادرين على قيادة المجتمع من خلال قيم الإخلاص والصدق والإيمان، وهؤلاء الأفراد الذين يتركون مطامع الدنيا ويعيشون في نعيم الآخرة وهم لا يزالون في الدنيا، هم المؤهلون لأن يكونوا قادة المجتمع الإسلامي، فالحركات السياسية المعاصرة لا تمتلك هذه الميزة، بل بالعكس، تغذي الأنانية الشخصية وتفتقر إلى القدرة على خلق "إخلاص" داخلي، ويعتبر أن أي محاولة لإحداث ثورة خارجية أو تغيير سياسي دون بناء قاعدة أخلاقية وروحية قوية، ستكون محكومة بالفشل(11).

كما يرى وحيد الدين خان أن الضمير المستند إلى الدين هو العامل الحاسم في منع الجريمة وليس القانون الوضعي وحده، فالقوانين الصادرة عن البرلمانات لا يمكنها أن تخلق شعورًا بالذنب أو بشاعة الفعل الإجرامي ما لم تكن مستمدة من شرع إلهي ومقبولة في وعي المجتمع، فالوازع الداخلي الذي يمنع الناس من ارتكاب الجرائم يأتي من الإيمان بأن الله هو المشرع الذي يراقب كل أعمالنا ونوايانا، وأنه بعد الموت سنقف أمامه للحساب، حيث لا يمكن التهرب من عقاب الله، حتى وإن أفلت الشخص من محاكم الدنيا. ويضيف أن العقاب الإلهي في الآخرة يكون أكثر شدة وقسوة مقارنة بأي عقاب دنيوي، وهذا الشعور العميق بالمراقبة الإلهية هو ما يعزز لدى المؤمنين الالتزام بالأخلاق ويشكل حاجزًا حقيقيًا أمام ارتكاب الجريمة(12).

ويشير وحيد الدين خان إلى أن الشعائر الإسلاميّة توطد في المسلم المسالمة والبعد عن التشدد والعنف، فالحج على سبيل المثال ليس مجرد طقوس دينية، بل هي تدريب عملي على الانضباط، فالحاج يُحرم من صيد الطيور أو الحيوانات البرية، بل ويُحرم عليه أن يساعد في أي نشاط صيد حتى ولو بشكل غير مباشر، والغاية من هذه الأحكام المشددة هي تربية الحاج على الالتزام بالشرع والانضباط في سلوكه، ليس فقط أثناء الحج، بل ليعود إلى حياته بعد الحج أكثر التزامًا وأقل أذى للآخرين، فهو وسيلة لتربية الضمير وتعزيز السلوك المنضبط، حيث يؤكد حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحج الذي يغفر الذنوب هو الحج الذي لم يؤذِ فيه الحاج أحدًا بلسانه أو يده، وبالتالي يُعد الحج تدريبًا عمليًا على الحياة الأخلاقية المسالمة، والتي تعكس فلسفة الإسلام في تربية المسلم ليعيش في سلام وانضباط دائمين(13).

يمكننا القول بأن رؤية وحيد الدين شاملة لكيفية مواجهة الجريمة والفساد من خلال الالتزام بالقيم الدينية والإصلاح الروحي، ويرى أن الحل لا يكمن في التغيير السياسي السريع أو السيطرة على السلطة، بل في بناء حركة إسلامية خالصة تقوم على تربية الأفراد وتوجيههم نحو الإيمان والإصلاح الداخلي، كما ينتقد الحركات السياسية التي تستخدم الدين كوسيلة للوصول إلى السلطة، ويرى أن هذا التوجه يؤدي إلى الفوضى والانحراف عن الأهداف الحقيقية للإسلام.

المبحث الثاني: التفكك الأسري والأمراض النفسية عند وحيد الدين

التفكك الأسري وآثاره السلبية:

ظاهرة التفكك الأسري تشير إلى انهيار الوحدة الاجتماعية للأسرة، مما يؤدي إلى اختلال وظائفها وتدهور نظامها، ويُعرف التفكك الأسري على أنه فقدان التماسك الداخلي للأسرة وتحلل الأدوار الاجتماعية بين أفرادها، سواء كان ذلك ناتجًا عن إهمال أحد أفراد الأسرة لدوره أو بسبب رفض التعاون بين أفراد الأسرة بشكل عام، مما يؤدي إلى الصراع والتنافس بدلاً من التعاون(14).

ويُعرّف التفكك الأسري أيضًا بأنه "انهيار الوحدة الأسرية وتحلل نسيج الأدوار الاجتماعية"، ويحدث هذا عندما يعجز فرد أو أكثر من أفراد الأسرة عن القيام بدوره بالشكل المناسب، فالتفكك الأسري قد يكون جزئيًا أو كليًا، وفي الحالة الجزئية يمكن أن تكون هناك مشكلات بين أفراد الأسرة دون انهيار كامل، بينما التفكك الكلي يشير إلى انهيار الأسرة بشكل تام، سواء من خلال الطلاق، أو الوفاة، أو حتى عبر الحوادث المأساوية مثل الانتحار أو القتل(15).

إن التفكك الأسري يُعتبر من أخطر الظواهر الاجتماعية التي تؤثر على استقرار المجتمع، حيث أنه يؤدي إلى زيادة التوترات النفسية والاجتماعية ويؤثر سلبًا على الأفراد، خاصة الأطفال، مما يجعل من الضروري معالجة هذه الظاهرة من خلال تعزيز القيم الأسرية وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأسر التي تعاني من مشكلات(16).

إن التفكك الأسري والطلاق يترك آثاراً سلبية عميقة على كل من الزوجين وعلى الأطفال، ويؤدي إلى تداعيات نفسية واجتماعية متعددة، فيواجه الزوج والزوجة بعد الطلاق مشكلات نفسية واجتماعية تؤثر على استقرارهم النفسي، وتتضمن هذه المشكلات ما يلي(17):

الإحباط وخيبة الأمل: يصاب كلا الزوجين بخيبة أمل نتيجة فشل العلاقة، مما يؤدي إلى تدهور الشعور بالتوافق الشخصي والنفسي.

الصحة النفسية: قد يعاني المطلقون من اضطرابات نفسية مثل القلق المرضي، الاكتئاب، الهستيريا، الوساوس، أو المخاوف المرضية، وهذه الحالات يمكن أن تؤدي إلى صعوبات في التكيف مع الحياة الاجتماعية أو بناء علاقات جديدة.

العزلة الاجتماعية: بسبب الأثر النفسي للطلاق، قد ينطوي الزوج أو الزوجة على ذاتهما، مما يؤدي إلى العزلة الاجتماعية والانسحاب من الحياة العامة والمجتمعية، وهو ما يعطل مشاركتهم الفعالة في المجتمع.

عدوى التفكك الأسري: في حالات وجود علاقات قرابة أو روابط زواج بين العائلتين، قد ينتشر أثر الطلاق ليؤثر على العلاقات بين العائلتين، مما يزيد من حدة القطيعة والعداوة، وهذا يضر بتماسك المجتمع واستقراره.

أما أثر الطلاق السيء على الأطفال والأبناء فيتمثل في عدة أمور أهمها ما يلي(18):

اضطراب النمو الانفعالي والعقلي: يواجه الطفل في الأسرة المفككة صعوبة في التكيف مع الوضع الجديد، فقد يؤدي ذلك إلى اضطرابات انفعالية وعقلية تؤثر على تطور شخصيته.

التأثير على الأداء الدراسي: الطلاق قد يؤثر سلباً على تحصيل الطفل العلمي وأدائه الدراسي، فعدم استقرار البيئة الأسرية قد يشتت الطفل ويقلل من تركيزه واهتمامه بالدراسة.

فقدان العلاقات الاجتماعية: من الممكن أن يفقد الطفل أصدقاءه القدامى بسبب التفكك الأسري، مما يعرضه إلى الانضمام إلى مجموعات جانحة أو اتخاذ مسارات سلبية في حياته الاجتماعية.

يمكننا القول بأن حالة التفكك الأسري والطلاق لا تؤثر فقط على الزوجين والأطفال، بل تمتد تأثيرها لتشمل المجتمع ككل، حيث يعزز التفكك الأسري من القطيعة الاجتماعية والعداوات ويؤثر على تماسك المجتمع واستقراره.

التفكك الأسري والأمراض النفسية عند وحيد الدين خان:

إن التفكك الأسري والأمراض النفسية والخلقية في رأي وحيد الدين خان هي نتيجة مباشرة لتجاهل القوانين الإلهية والتغاضي عن الفروق الفطرية بين الجنسين، ويرى خان أن النظام الاجتماعي الحديث الذي يتجاهل هذه الفروق ويحاول التساوي بين الرجل والمرأة في كل شيء أدى إلى اختلاط مروع في المجتمع، مما تسبب في انتشار الأمراض الجنسية، النفسية، والأخلاقية بين الشباب، كما يؤكد أن أحد أسباب هذا التفكك هو الانغماس في العلاقات الحرة بين الجنسين، حيث يلاحظ الأطباء الغربيون تزايد حالات الأمراض النفسية الناتجة عن مثل هذه العلاقات، ويشير خان إلى تجربة فتاة تزور الطبيب وتبدأ بالحديث عن أعراض جسدية مثل الصداع وقلة النوم، لكن مع التعمق في الحديث يتبين أن المشاكل النفسية الناجمة عن علاقات عاطفية هي السبب الأساسي وراء مشكلاتها(19).

ويرى خان أن المجتمع الغربي بدأ يشعر بخطر هذه الظاهرة، لكنه غير قادر على فهم جذورها أو تقديم حلول حقيقية، ويتناول رأي الطبيبة الغربية ماريون هيليارد التي كتبت ضد الاختلاط الحر بين الجنسين، وأكدت على صعوبة بقاء العلاقات بين الرجل والمرأة طاهرة في ظل الانفراد الطويل بينهما، لكنها على الرغم من انتقادها، لم تقدم حلاً فعليًا للحد من هذه الظاهرة، وبالنسبة لتعدد الزوجات، يدافع خان عن هذا التشريع الإسلامي، موضحًا أنه يحمي المجتمع من الوقوع في الفساد الأخلاقي، ويشير إلى إحصائيات نشرتها الأمم المتحدة عام 1959 تظهر ارتفاع نسبة الأطفال غير الشرعيين في بعض البلدان الغربية إلى مستويات غير مسبوقة، بينما تبقى هذه النسبة ضئيلة جدًا في البلدان الإسلامية، ويعزو السبب إلى نظام تعدد الزوجات الذي يعتبره خان تشريعًا مناسبًا للطبيعة الإنسانية ويحمي المجتمعات الإسلامية من انتشار الأمراض النفسية والفساد الاجتماعي(20).

بهذا، يرى وحيد الدين خان أن التفكك الأسري والأمراض النفسية هي نتيجة مباشرة لابتعاد المجتمعات عن التعاليم الإلهية، وأن الحل يكمن في العودة إلى النظام الأخلاقي والتشريعي الإسلامي الذي يحافظ على استقرار الأسرة وحماية المجتمع من الانحلال.

المبحث الثالث: أثر وسائل الاتصال في الوعي إعادة بناء فهم الدين

ماهية التواصل:

التواصل هو عملية تفاعل اجتماعي تشاركي تهدف إلى تقوية العلاقات بين الأفراد سواء في إطار الأسرة أو المجتمع أو على مستوى الدول، ويتم هذا التفاعل من خلال تبادل المعلومات والأفكار والمشاعر، مما يسهم في تحقيق التفاهم والتعاطف بين الأفراد، وبناءً على طبيعة هذا التواصل، يمكن أن تنشأ روابط قوية ومحبة بين الأطراف، أو قد تؤدي إلى التباعد والصراع في حال غياب الفهم المشترك، فالتواصل ليس مجرد نقل للبيانات، بل هو فعل اجتماعي يعزز الروابط الإنسانية(21).

يعرّف بعض العلماء التواصل على أنه عملية تفاعل بين مرسل الرسالة ومستقبلها ضمن سياقات اجتماعية محددة، وخلال هذه العملية، يتم تبادل الأفكار والمعلومات حول قضايا معينة، سواء كانت واقعية أو مجردة، ما يساعد الأفراد على اكتساب مفاهيم جديدة أو تبني مواقف معينة بناءً على الرسائل المتبادلة(22).

كما يُنظر إلى التواصل كنوع من التفاعل الذي يعتمد على استخدام الرموز، وهذه الرموز قد تكون حركات جسدية، صور، لغة محكية أو مكتوبة، أو أي وسيلة أخرى تعمل كمنبه للسلوك الإنساني، فعلى سبيل المثال يمكن أن تنقل الإيماءات معاني معقدة بطريقة غير لفظية، مثل رفع الحاجب أو ابتسامة، مما يعزز التفاعل بين الأفراد ويفسح المجال لفهم متبادل أعمق(23).

وتتمتع مواقع التواصل الاجتماعي بعدة سمات تميزها وتجذب المستخدمين إليها، ومن أبرز هذه السمات ما يلي(24):

تتميز مواقع التواصل الاجتماعي بتصميم جرافيكي مبتكر وحرفي، حيث يتم تنظيم الموضوعات بشكل واضح وميسر، مما يسهل على المستخدمين التنقل والاستفادة من المحتوى بشكل فعال.

تتيح هذه المواقع خدمات تمكّن الأعضاء من تجاوز القيود المفروضة على المحتوى، ما يسمح لهم بالوصول إلى معلومات جديدة ومتنوعة بحرية أكبر.

تحرص هذه المواقع على تحديث محتواها باستمرار وبشكل دوري، مما يتيح لها مواكبة الأحداث الجارية وتمكين المستخدمين من التفاعل معها بشكل فوري، مع تعزيز القدرة على التعليق والمشاركة الفعّالة.

تسعى مواقع التواصل الاجتماعي إلى جذب كتاب معروفين وعلماء متخصصين لتقديم الفتاوى والمحتوى الموثوق، مما يعزز ثقة المستخدمين في المعلومات التي يتم تداولها.

تعمل هذه المواقع بالتنسيق مع بعضها البعض لنشر البيانات والخطابات والمواد الجديدة، مما يخلق شبكة معلوماتية عالمية متكاملة تدعم تبادل الأفكار والبيانات.

توفر هذه المنصات محتوى سمعيًا ومرئيًا متنوعًا، إلى جانب الكتب الإلكترونية، مما يعزز من تجربة المستخدم، مع تقديم هذه المواد في أشكال فنية محترفة وذات جودة عالية.

أثر وسائل الاتصال في الوعي الديني عند وحيد الدين خان:

يعد وحيد الدين خان من الشخصيات الفكرية التي اهتمت ببحث تأثير وسائل الاتصال الحديثة على الوعي الديني، حيث رأى في هذه الوسائل فرصة كبيرة لإعادة بناء فهم الدين ونشره بشكل عالمي، وفي دراسته لتأثير هذه الوسائل على الدعوة الإسلامية، يقدم خان رؤية فريدة تتضمن عدة نقاط هامة، ويمكننا حصر هذه الجوانب فيما يلي:

أولاً: يشير خان إلى الفارق الكبير بين وسائل الاتصال القديمة والحديثة، ففي الماضي كان انتشار الرسائل الدينية محصوراً ضمن مناطق جغرافية ضيقة، بسبب محدودية وسائل النقل والتواصل، ومثالاً على ذلك لم يتعدَّ صوت المسيح نطاق فلسطين في حياته، ولكن بفضل الثورة في وسائل الطباعة والاتصال الحديثة، أصبحت الرسالة الدينية المسيحية تُنقل إلى أكثر من ألفي لغة وتُبث في جميع أنحاء العالم، ويعتبر خان هذا التطور قفزة هائلة في نشر الرسائل الدينية، مؤكداً أن الإسلام يمكنه الآن الاستفادة من هذه الوسائل للوصول إلى نطاق عالمي مشابه، إن لم يكن أكبر(25).

ثانياً: يؤكد وحيد الدين خان أن الفرص الحديثة للدعوة لا تقتصر على تحسين الوسائل التقنية، بل تتعداها إلى زوال العوائق المادية والفكرية التي كانت تعترض سبيل الدعوة، فففي الماضي كانت العوائق السياسية والفكرية، وكذلك الضعف الاقتصادي، تمنع المسلمين من استغلال وسائل الاتصال الحديثة بشكل فعال، ولكن خان يرى أن الله قد أزال هذه العوائق من خلال الثروات النفطية التي مكنت المسلمين من استخدام أغلى التقنيات والوسائل الإعلامية في الدعوة، وهذا يعكس رؤية خان لوجوب استغلال هذه الثروات بشكل فعّال من أجل نشر رسالة الإسلام(26).

ثالثاً: يشدد خان على أهمية الاستفادة من الفرص الفكرية التي وفرتها الثورة الفكرية الإسلامية، فقد أحدث الإسلام تغيراً جذرياً في العالم، وأزال عقائد الشرك التي كانت مسيطرة قبل ظهوره، إلا أن الثورة الفكرية الإسلامية انقسمت بعد مرور ألف عام على ظهورها، حيث بقي الجزء الديني في العالم الإسلامي، بينما استمر الجزء الدنيوي في التطور في الغرب، مما أدى إلى ظهور قيم الحرية والجمهورية والفكر العلمي، ويؤكد خان أن هذه القيم التي ساهمت الإسلام في بلورتها قد فتحت آفاقاً جديدة لنشر دعوة التوحيد في بيئة عالمية حرة(27).

رابعاً: ينتقد خان الحركات الإسلامية الحديثة التي انحرفت عن مسار الدعوة إلى السياسة والجهاد، ففي حين أن العالم الحديث وفّر إمكانيات هائلة لنشر الإسلام بطرق سلمية وباستخدام الوسائل الإعلامية، اختارت بعض الحركات الإسلامية التركيز على المواجهة السياسية مع الحكومات بدلاً من التركيز على الدعوة، ويرى خان أن هذا التحول كان خطأً فادحاً، لأنه أعاد المشكلات التي حلّها الإسلام في الماضي وجعل الإسلام في مواجهة مباشرة مع السلطة، وبهذا الشكل، أهدرت هذه الحركات فرصاً ثمينة لنشر رسالة الإسلام عالميًا(28).

خامساً: يدعو خان إلى إعادة التركيز على الدعوة الدينية كأولوية قصوى، وترك السياسات والصراعات جانباً، يرى خان أن الوسيلة الوحيدة لتحقيق الهدف الديني والدنيوي هي نشر رسالة القرآن والسنة على مستوى عالمي باستخدام الإمكانيات الحديثة، وأن المسلمين يجب أن يركّزوا على القيام بدورهم كشهود على الناس، كما جاء في القرآن(29).

وبناء على ما سبق؛ نرى أن خان يدعو إلى إعادة توجيه الجهود الإسلامية نحو العمل الدعوي الصافي، واستغلال وسائل الاتصال الحديثة بشكل استراتيجي لتحقيق هدف نشر الإسلام عالمياً، ويرى أن التطورات التكنولوجية والفكرية قد فتحت آفاقًا لم تكن موجودة من قبل، وأن الفشل في استغلالها قد يكون له تبعات جسيمة على مستقبل الدعوة.

الخاتمة:

في نهاية هذا البحث تم التوصل إلى النتائج التالية:

يرى وحيد الدين خان أن القانون بمفرده عاجز عن تحقيق العدل، ما لم يرتبط بالأخلاق والدين، وهذا يشير إلى ضرورة التكامل بين القوانين الوضعية والمبادئ الأخلاقية والدينية لتحقيق العدالة الاجتماعية.

يؤكد وحيد الدين خان أن الضمير المستند إلى الدين هو العامل الحاسم في منع الجريمة، وليس القانون الوضعي وحده، فالأخلاق الدينية تُعزز من وعي الأفراد ورفضهم للقيام بأفعال غير قانونية.

يعتبر خان أن التفكك الأسري والأمراض النفسية والخلقية هي نتيجة مباشرة لتجاهل القوانين الإلهية والتغاضي عن الفروق الفطرية بين الجنسين، مما يستدعي إعادة النظر في القيم الأسرية والمبادئ الدينية التي تُعتبر ضرورية للحفاظ على تماسك الأسرة والمجتمع.

يدعو خان إلى إعادة توجيه الجهود الإسلامية نحو العمل الدعوي الصافي، مشدداً على أهمية استغلال وسائل الاتصال الحديثة بشكل استراتيجي لتحقيق هدف نشر الإسلام عالمياً، وهذه الدعوة تعكس أهمية استثمار التكنولوجيا في تعزيز الرسالة الإسلامية وتوسيع نطاق الفهم الصحيح للدين.

وعليه نوصي بـما يلي:

تعزيز التكامل بين القانون والأخلاق والدين في مناهج التعليم الجامعي والدراسات القانونية، بحيث يتم التأكيد على أن العدالة الحقيقية لا تتحقق بالقانون وحده، وإنما بتأصيل القيم الأخلاقية والدينية في الضمير الجمعي للأفراد.

إعادة الاعتبار للقيم الأسرية في السياسات الاجتماعية، من خلال دعم المبادرات التي تعمل على ترسيخ المفاهيم الإسلامية الصحيحة حول الأسرة والعلاقات بين الجنسين، بما يساهم في معالجة التفكك الأسري والانحرافات الأخلاقية.

تشجيع الدراسات الأكاديمية المتخصصة في فكر وحيد الدين خان، وخاصة ما يتعلق برؤيته في العلاقة بين الدين والقانون والمجتمع، للاستفادة منها في بناء منظومة فكرية تسهم في معالجة المشكلات المعاصرة.

***

إعداد: محمد أحمد عبيد

كاتب وباحث دكتوراه في الفلسفة

.................................

قائمة المراجع

أحمد الريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، الدار العالمية للكتاب الإسلامي، ط2، 1992م.

أحمد يحيى عبد الحميد، الأسرة والبيئة، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، 1998م.

الجريمة والعقاب في الإسلام، موقع وزارة الأوقاف، السعودية، نسخة الشاملة، https://shamela.ws/، تاريخ الدخول: 24/10/2024م.

خالد بن سعود بن عبد العزيز الحليبي، مهارات التواصل مع الأولاد - كي تكسب ولدك؟، مركز الملك عبد الله للحوار الوطني، ط1، 1431هـ.

دليو فضيل، مقدمة في وسائل الاتصال للجماهيرية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ط2، 1998م.

فضيل دليو، تاريخ وسائل الإعلام والاتصال، الخلدونية للنشر والتوزيع، الجزائر، 2013م.

فايز بن عبد الله الشهري، الخطاب الفكري على شبكة الإنترنت: رؤية تحليلية لخصائص وسمات التطرف الإلكتروني، الرياض، 1429هـ.

فكيه محمد جمعة محمد، التفكك الأسري وأثره على استقرار المجتمع، مجلة الشريعة والقانون، 2019م، عدد 35.

مجموعة مؤلفين، معجم العلوم الاجتماعية، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1975م.

محمد الطاهر بن محمد بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، 2004م.

محمود حسن، الأسرة ومشكلاتها، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1981م.

مصطفى الخشاب، دراسات في علم الاجتماع، دار النهضة العربية، 1985م.

وحيد الدين خان، الإسلام يتحدى مدخل علمي للإيمان، ترجمة ظفر الإسلام خان، دار الصحوة، القاهرة، 1984.

وحيد الدين خان، البعث الإسلامي المنهج والشروط، ترجمة محسن عثمان الندوى، دار الصحوة للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 1984م.

وحيد الدين خان، إمكانات جديدة للدعوة الإسلامية، مؤسسة الرسالة الربانية للإعلان الدولي، القاهرة، ط2، 1992، العدد 9

وحيد الدين خان، حقيقة الحج، ترجمة: ظفر الإسلام خان، دار الصحوة، ط1، 1987م.

عبد الله بن عبد المحسن بن عبد الرحمن التركي، حقوق الإنسان في الإسلام، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، ط1، 1419هـ.

(1) الجريمة والعقاب في الإسلام، موقع وزارة الأوقاف، السعودية، نسخة الشاملة، https://shamela.ws/، تاريخ دخولي: 24/10/2024.

(2) محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي، مقاصد الشريعة الإسلامية، المحقق: محمد الحبيب ابن الخوجة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، 2004م، ص ج2، ص 170. وأحمد الريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، الدار العالمية للكتاب الإسلامي، ط2، 1992م، ص 47.

(3) عبد الله بن عبد المحسن بن عبد الرحمن التركي، حقوق الإنسان في الإسلام، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، ط1، 1419هـ، ص 112.

(4) وحيد الدين خان، الإسلام يتحدى_ مدخل علمي إلى الإيمان، ص 221.

(5) الموضع نفسه.

(6) وحيد الدين خان، البعث الإسلامي المنهج والشروط، ص 40.

(7) المصدر السابق، ص 41.

(8) الموضع نفسه.

(9) المصدر السابق، ص 41 - 42.

(10) الموضع نفسه.

(11) المصدر السابق، ص 42.

(12) وحيد الدين خان، الإسلام يتحدى_ مدخل علمي إلى الإيمان، ص 223.

(13) وحيد الدين خان، حقيقة الحج، ترجمة ظفر الإسلام خان، دار الصحوة، ط1، 1987م، ص 84 - 85.

(14) مجموعة مؤلفين، معجم العلوم الاجتماعية، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1975م، ص 168.

(15) احمد يحيى عبد الحميد، الأسرة والبيئة، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، 1998م، ص 74.

(16) مصطفى الخشاب، دراسات في علم الاجتماع، دار النهضة العربية، 1985م، ص 233 - 234.

(17) فكيه محمد جمعة محمد، التفكك الأسري وأثره على استقرار المجتمع، مجلة الشريعة والقانون، 2019م، عدد 35، ص 536.

(18) محمود حسن، الأسرة و مشكلاتها، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1981م، ص 203 - 208.

(19) وحيد الدين خان، الإسلام يتحدى_ مدخل علمي إلى الإيمان، ص 232.

(20) المصدر السابق، ص 233 - 234.

(21) خالد بن سعود بن عبد العزيز الحليبي، مهارات التواصل مع الأولاد - كي تكسب ولدك؟، مركز الملك عبد الله للحوار الوطني، ط1، 1431هـ، ص 11.

(22) فضيل دليو، تاريخ وسائل الإعلام والاتصال، الخلدونية للنشر والتوزيع، الجزائر، 2013م، ص 16.

(23) دليو فضيل، مقدمة في وسائل الاتصال للجماهيرية، ديوان المطبوعات الجامعية،  الجزائر، ط2، 1998م، ص 18.

(24) فايز بن عبدالله الشهري، الخطاب الفكري على شبكة الانترنت رؤية تحليلية لخصائص وسمات التطرف الالكتروني، الرياض، 1429هـ، ص 45 – 46.

(25) وحيد الدين خان، إمكانات جديدة للدعوة الإسلامية، ص 18.

(26) المصدر السابق، ص 19.

(27) الموضع نفسه.

(28) المصدر السابق، ص 20.

(29) الموضع نفسه.

 

من عنف الحركات الاصولية

تعريفات:

بدءاً: يراد بالمركز الديني: المؤسسة الدينية العابرة للجغرافيا والتي لها مسالكها المنهجية، ولها اتباع وعندها رؤى ومواقف محدده ازاء القضايا – وتمارس دوراً مهماً في السياسة المحلية وتؤثر في السياسات الدولية.

الاصوليات: اسم يطلق على الأفكار والمفاهيم التي تتبناها جماعات كايديولوجيات ماضوية غير قابلة للتعامل مع عصورها الحاضرة / بل لديها موقف مضاد للحداثة، لانها تقرأ الحاضر من خلال الماضي لا بوصفه تراثاً فكرياً تتواصل معه انما بوصفه معياراً للفكر والمدنية والعقلانية المعاصرة وهي انواع (مؤسساتية اصولية – دعوية اصولية – جهادية أصولية)

ونقصد باصوليات العنف: تلك الجماعات التي ترى ان واجبها الديني حمل الناس على منهجهم ومسلكهم، وتجيز لنفسها استعمال العنف كوسيلة من وسائل نشر الدين وترى في استعمال القوة والقتل طريقاً شرعياً، وتاريخياً تعد المراكز الدينية مرتبطة من حيث النشأة والتأسيس بالعواصم السياسية للدول الاسلامية المتعاقبة فالمدينة المنورة عاصمة دولة الإسلام الأولى (دولة النبوة والخلافة)، و الكوفة (عاصمة الخلافة الراشدة على عصر الامام علي عليه السلام)، ودمشق (عاصمة الدولة الاموية)، وبغداد (عاصمة الدولة العباسية)، والقاهرة (عاصمة الدولة الفاطمية).وقد ظلت هذه المدن (العواصم) بعد انتهاء عصور دويلاتهم مراكز دينية للمجتمع الإسلامي على الرغم من ان المراكز الدينية مرتبطة بالتاريخ ما عدا المراكز الدينية في ايران، اما المراكز فهي الازهر الشريف، مكة المكرمة، المدينة المنورة، النجف الاشرف، قم المقدسة).

1- الازهر الشريف في مصر: وهو المؤسسة الدينية الرئيسة في مصر وهو امتداداً لإزهر الفاطميين وقد بقي حتى الوقت الحاضر مركزاً دينياً عالمياً ينتهج الاشعرية كلاما والصوفيه مسلكا والشافعية فقها ويصرح بانه (يتنهج الوسطية الاسلامية).

2- مدينة قم المقدسة في ايران: وهي مؤسسة دينية مرجعية شيعية نشات قبل اكثر من قرنين على تراث القميين الاوائل قبل عشرة قرون أمثال (العياشي، وابنا بابويه). ونمت بعد 1979 فصارت موسسة عالمية ذات بنى ارتكازية عديدة

3-النجف الاشرف في العراق: وهي موسسة دينية مرجعية تأسست عام 448 ه عند قدوم الشيخ الطوسي الى النجف، ولطالما غادرها الدرس العلمي الى أماكن أخرى لكنه عاد اليها وبقت ولاتزال مؤسسة مرجعية للشيعة في العالم اجمع.

4- مكة المكرمة والمدينة المنورة : وهي مراكز ثقافية (غير مرجعية) في الأصل وبعد (التحالف القبلي الديني) بين (ال سعود – محمد بن عبد الوهاب) نشات دولة تعتمد السلفية التقليدية، على مسلك الوهابية كحركة دينية تحولت فيما بعد الى حركة سياسية وانضوت ضمن الاستراتيجيات العالمية ولهاتين المدينتين وجود ديني ولهما اعلام ممتاز وتاثير في النفوس.

ما موقف هذه المركز وتياراتها من اصوليات العنف؟

النجف الاشرف: التيار المرجعي التقليدي وموقفه من اصوليات العنف:

يلاحظ الدارسون ان مرجعية النجف: لم تبد اهتماماَ ملحوظا لنشوء التيارات الأصولية العنفية في اواخر سبعينيات القرن الماضي ولم يظهر لديها رفض فتوائي لهذه الجماعات كما لم تظهر دراسات فكرية عميقة إزاء نشوء ظاهرة التكفير وتداعياته في السبعينات، بل لم تلاحق هذه الظاهرة حتى بالرصد والدراسة والتحليل، وقد تطور هذا التيار (في الثمانينات) ابان الحرب على ايران والهجمات على الشيعة في الباكستان والهجوم على الشيعة (أفغانستان)، وتحالف هذه الجماعات مع صدام، وكل ذلك لم يكن حافزاَ للرصد والتحليل، لتخطيط مستقبلي للمواجهة وتكوين اللوبيات الضاغطة.وبين 2003 – 2014، ورغم مرور اكثر من عشر سنوات على بدء (التفجيرات في العراق) فلم يتعد موقفها (الادانة) والشجب وقد ابتعدت المرجعية ُ عن اتهامهم بالتكفير ولم تدع الى قتالهم وتمسكت بالنصح والدعوة الى الوحدة والمواجهة السلمية.

ب / التيار الحركي الشيعي: سار هذا التيار مع المرجعية التقليدية حتى 2006 وعندما اشتدت عمليات القتل الطائفي اضطر الحركيون بدافع الدفاع عن الناس مواجهة العنف الطائفي (بعنف عقائدي أيضا) (داخل العراق) دون ان يكون للحركيين الاسلاميين الشيعة مجموعات ذكية تحلل وتدرس الخيارات الاستراتيجية لمستقبل الشيعة في العراق تعمل على دراسة معلوماتية عن مناطق تواجد المتطرفين داخل وخارج العراق ومناطق نشوء الاصوليات العنفية

وبعد 10/6/ 2014 تحرك التيار المرجعي التقليدي للمواجهة فأفتى بالجهاد الكفائي لمواجهة عسكرية شاملة لحماية العتبات المقدسة،وحماية الوجود الشيعي فتجاوب معه التيار الحركي بالتحشيد، لكننا الى الان لم نرصد ابدا محاولة لتحليل وتفكيك الظاهرة من الناحية العلمية.

سمات رد الفعل الشيعي: سمات الدفاع الشرعي عن الوجود الشيعي

أ / التمييز بين السّنة المعتدلين الايجابيين والسلفيات كالوهابيه والقاعدة .

ب / لاتزال الدعوة عند مرجعية الشيعة قائمة لاحتواء السّنة وعدم دفعهم للاصطفاف مع التطرف.

جـ / عدم التفكير بوسائل الضغط على السعودية من خلال المنطقة الشرقية مثلاَ.

د / عجز الحركات السياسية الشيعية من اختراق خفايا الصراع السعودي الإيراني، ويعتقد غيرهم عدم وجود دور مستقل لهم عن السيناريو الإيراني في الصدام البارد مع السعودية.ويقال انهم اصطفوا الاستراتيجية الإيرانية في العراق – لاتفاق الأهداف.

الصورة المستقبلية المتوقعة:

- تفاهم اعمق بين التيارين المرجعي والحركي وتفهم افضل من كل منهما للآخر.

- نحن امام احتمال ظهور موجه ثالثة تحمل جينات التيارين، تطور الاتجاهين المرجعي والحركي.

- سيكون المستقلون والمدنيون جبهة جاذبة للطرفين

مصر (الازهر): تعتبر أصول الازهر اصول شيعية اسماعيلية لكن حاضر الازهر انه مؤسسة سنية صوفية اشعرية ويعاني الازهر من مجموعة متاعب:

- الازهر داخل بصراع مع الاخوان والجماعات السلفية فالازهريون التقليديون: يرون ان (منهج الاخوان) ومسلك القرضاوي مخالف للنهج الازهري التاريخي وهو خروج عن الوسطية (التاريخية). ويدعو بعض الازهرين الى اسلام حضاري ويرى بعضهم ان الاخوان (ملة مضللة)

- اشتد الخلاف على الشرعية المرجعية لاهل السنة من أيام عبد الناصر وكانه صراع تاريخي الصراع على المرجعية الدينية لاهل السنة هل الازهر او القيادة العالمية للاخوان حتى ان الاخوان هاجموا الازهر اكثر من مرة

- من المعلوم ان الوهابية: تقلل كثيرا من قيمة الازهر، وتتهمه بانه اشعري النزعة / والاشعرية عندهم بدعة عند السلفيين

موقف الازهر من اصوليات العنف: يرى الازهر في الجماعات الاصولية:

- انها ولدت من رحم الاخوان وانها ليس فقط تهدد الامن القومي المصري، بل تهدد الامن العالمي (ومن تلك هجماتهم في 11/ أيلول)، وقد وصفهم شيخ الازهر امام فيصل بن سعود وزير خارجية السعودية: بانهم مجرمون وان افعالهم تشوه الإسلام، وهي سبب من أسباب انتشار الالحاد الجديد في العالم الإسلامي وسبب في حقن الغرب بكراهية شديدة للاسلام والمسلمين بسبب اعمال العنف والوحشية

- ويرون انهم ادخلوا متغّيرات على عقائد المسلمين، وادخلوا على فقه الجهاد ما ليس منه واهدروا اخلاقيات الإسلام اثناء الدفاع عن الوجود الإسلامي ولديهم توصيفان للقاعدة: اولا انهم خوارج معاصرون وثانيا انهم صناعة أمريكية.

المراكز الدينية (الحرمين الشريفين)

اضحت الحجاز في الاونة الاخيرة اقليما احادي المذهب فهم على مذهب الحنابلة: ثم تحولوا الى مسلك ابن تيمية.ومع نشأة الدولة السعودية صار مسلك الوهابية نظرية سياسية

تقوم المؤسسة السلفية الرسمية بالسعودية بالامور الاتية:

- تشكل هندسة المجتمع صياغة فكرية دينية ثقافية تكفيرية اقصائية.

- و تشرف على مؤسسات القضاء (و مجلس القضاء الأعلى الذي تشكل عام 1975).

- تشرف على مؤسسات التعليم العام والتعليم الديني.

- تدير هيأة كبار العلماء للسيطرة على (الإفتاء).

- تدير جهاز هيأة الامر بالمعروف (لاغراض الرقابة على تطبيق الشريعة) (فهناك 470 مكتب و4400 موظف) يمارسون مهام الرقابة على الناس ومدى التزامهم بالطقوس.

- تدير رابطة العالم الإسلامي + المجمع العلمي (للعلاقات العلمية، والخارجية).

- و تدير جامعتين اسلاميتين في المدينة المنورة والرياض.

- وتمتلك النفوذ الكبير لاستغلال شعيرة الحج (واجتماع اغلب المسلمين بالعالم) لنشر افكارها

- وتحت يدها فائض مالي كبير فهي تصدر (10) ملايين برميل نفط سنوياً.

- وتشرف على التبليغ العالمي (وتقدم التنظير المذهبي الطائفي التكفيري

- في سياق المواجهة مع ايران تتبنى فصائل تكفيرية متعصبة وتوظفهم لسياساتها

ينتج عنها:

1- بيئة فكرية (محلية وعالمية) حاضنة للتكفيريين ومساندة لمقولاتهم.

2- تمويل الاصوليات التكفيرية والقتالية ويسخرون مخابراتها لدعمهم تعد السعودية موردا بشريا ضخما لهذه الجماعات.

تواجه المؤسسة التقليدية السلفية في السعودية تحديات على المشروعية من:

- الاخوان المسلمين (كمنظمة عالمية) فهؤلاء يسعون لقيادة العالم الاسلامي دينيا وسياسيا.

- لم تترك التطور في نشاة جماعات الصحوة الإسلامية الذين دمجوا بين الوهابية وفكر سيد قطب .

- وعن دعمها نشات السلفية الجهادية من رحم السلفية التقليدية

فالمواقف السياسية للسعودية تدعم داعش والنصرة في سوريا دعما علنيا، وفي العراق تدعمه دعما سريا، ويتمثل الدعم بالاموال والأشخاص والاعلام والاسناد السياسي الدولي والمخابراتي. بينما في نفس الوقت تعتبر أي تحرك لداعش في الخليج او الاقتراب من السعودية مدعاة لاستنفار كبير وتسمي داعش تنظيمات متطرفة ترتكب جرائم الحرابة، وتصفهم بانهم مفسدون في الأرض وتطالب بايقاع اغلظ العقوبات عليهم لكنها في الوقت الذي تكفر الاخرين لا تكفر داعش فالمعلن: ان داعش والقاعدة خرجا من طاعة العاهل السعودي وامام الحرمين ولان الجماعات التكفيرية والدولة السعودية (يلتقيان مثلا على اسقاط النظام السوري) فتتحد ارادتهما والتخادم لا يزال قائما، اما القاعدة ومشتقاتها فهي تفكر علنا بان تهاجم السعودية وتخطط للوصول الى ثروة النفط ومكانة الحرمين لكن تمويلها الاساس من الاشخاص السعوديين.

وهنا سؤال مهم : لماذا تدعم تركيا داعش؟ والجواب: جاء في بعض التحليلات ان تركيا تريد ان تكون مركزا إسلاميا (عثمانيا) وهي انما تدعم داعش فلضرب السعودية للتخلص من مركزيتها الدينية (المهيمنة) لتكون هي المركز باعتبارها عاصمة الخلافة الأخيرة وهذا ما يفسر تحفظ السعودية من الإعلان بالدخول بحلف دولي ضد داعش **، لانها اذا أعلنت الدخول في حلف ضد داعش تخشى حركة المتطرفين من داخل المجتمع السعودي وتخرب الجهد المخابراتي التخادمي مع داعش والقاعدة

لقد ظهر بعد الثمانينات (حلف عالمي – سعودي – صدامي) ضد الشيعة في العراق وايران وتعاظمت قوى التطرف الديني الذي اقترن بالإرهاب. فصار هدف السلفية الجهادية في كل مكان ضرب (ايران والشيعة)، لكن ايران حققت ردعا استراتيجيا ومخابراتيا لحماية بلدها من ضربات الأصوليين وحققت اتفاقات سياسية مع قوى سنيه معتدلة (الاخوان) رغم التنافر العقائدي بينهما واستطاعت ان تحمي نفسها من الهجمات البربرية فتركزت هجماتهم الفاشية على شيعة العراق وتتفادى السعودية سؤالا مهما : اذا كنتم صادقين في تدينكم فلماذا تقفون مع الغرب (الكافر) وتقاتلون من يقاتل الغرب مثل ايران وسوريا ولبنان ؟

قم المقدسة

قم المقدسة: مدينة مقدسة في وسط ايران كانت محط اقامة عدد من المشردين الشيعة كالاشعريين في القرن الثاني الهجري ثم قبل قرابة ثلاثة قرون صارت مقرا لعشرات العلماء المجتهدين وتحولت الى حوزة دينية ايرانية وتعاظم شانها بعد ثورة ايران 1979 وانشات بها مئات المؤسسات الدينية والتحقيقية ونالت دعم الدولة واحتوت على عدد كبير من طلبة العلوم الدينية من عموم انحاء العالم

خلاصة القول: ان المراكز الدينية الكبرى في العالم الإسلامي لا تزال في مرحلة الشجب والادانة والتنديد للاصوليات التكفيرية في احسن الأحوال، والواقع ان النجف / قم / الازهر / والمؤسسات الدينية بالعالم بإمكانها لثقلها المعنوي ومرجعيتها ان تؤثر على اختيار التابعين لها من خلال:

1- اعلان البراءة من قوى التطرف واصوليات العنف.

2- اعلان خروجهم السلوكي عن الإسلام المحمدي وارتكابهم جرائم ضد الإنسانية فسلوكهم مدان.

3- عقد مناظرات فكرية معهم من كبار العلماء لاسقاط مشروعيتهم الدينية.

4- تشكيل ضغط على دول العالم لمحاصرة التمويل والامداد، والحواضن الفكرية.

5- ادانة المؤسسة التعليمية السعودية السلفية

6- مراجعة شاملة لنظام التعليم (الذي يصنع اصوليات العنف).

***

د. عبد الامير كاظم زاهد

......................

*بعد هجوم السعودية – تركيا – قطر على سوريا في 2011 – دخلت ايران ومن يتحالف معها في آتون المواجهة مع التكفيريين في سوريا، ودعمت حزب الله لبنان للدخول المباشر والعلني في المواجهة، وبعد 10/6/2014 دخلت بمواجهة علنية مع من يتحالف معها في رد عدوان الإرهاب على العراق.

 

في المثقف اليوم