عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

ابان عهد اسرة شانغ (1600-1046) قبل الميلاد

 الجذور الاولى لفكرة تقديم القرابين البشرية

ويرى كثير من علماء التاريخ والمتخصصين في الحضارات القديمة، ان تنوع العقائد والطقوس في الديانات الوضعية القديمة فلكل من هذه العقائد والطقوس متطلبات متنوعة ومختلفة وهي في الغالب عادات ة تقاليد موروثة من السلف ومنها ما يصل الى ممارسة تقديم القرابين البشرية او التضحية بالنفس من قبل الشخص نفسه وهذه الممارسات الدينية تعد ظاهرة تاريخية ارتبطت بمرحلة من مراحل نشوء الوعي البشري وتطوره.

 فقد شكل تاريخ البشرية عبر مراحله القديمة صورا عديدة لأداء طقوس القربان او الاضاحي او الفداء من اجل التقرب الى الإلهة وكسب ودها او الى الاسلاف المقدسيين او الامبراطور كونه سليل الإلهة والمفوض عنها في ادارة البلاد، وذلك نابع من اعتقادهم في الروح وما ترمز اليه من معاني فلسفية فالروح محور الديانات الوضعية باعتبارها القوة المسيطرة على الكون والبشر وهي في حالة استمرارية وتجدد حتى بعد موت الشخص تصبح روحه مقدسة لذلك قدس الصينيون ارواح اجدادهم وقدموا لهم القرابين ومنها القرابين البشرية.3103 chaina

تطورت فكرة تقديم القرابين وتغيرت في اشكالها ومضمونا والمعنى المراد من تقديمها وحتى كانت المبالغة في نوعية القربان فأصبحت القرابين البشرية نوعا مهما من الاضاحي في الحضارة الصينية فيتم استخدام اجساد البشر ودماؤهم لأغراض شعائرية من اجل التواصل مع الإلهة في معابد الاسلاف وهذه ابرز سمة في سلالة شانغ.

 فقد كانت الدوافع من وراء هذه الاضاحي او القرابين هو بالأساس الخوف من غضب الهه الطبيعة وما تسببه من اخطار متمثلة بالعواصف، والزلازلَ، والفيضانات التي كان بعضها يجرف الزرع، او حلول المجاعة وغيرها من الظواهر الاخرى التي دفعت بني البشر الى الحماية من هذه الكوارث الطبيعية عن طريق فكرة تقديم القرابين لكي ترضى الإلهة او الاسلاف او الاباطرة وهذه الفكرة جزء من عقيدتهم الدينية الني كانت لاتزال تؤدي عند شعب الهاكا الذين يختلفون في ثقافاتهم عن باقي سكان الصين الاخرين ويعيشون في قرية توفانغ بمقاطعة فوجيان شرق الصين اذ كانوا يضحون بالأطفال من اجل الحماية من غضب الشياطين حتى وقت قريب من الغاء هذا الطقس الوحشي.3104 chaina

 فقد كانت هذه الفكرة هي وليدة منذ مهد الحضارة الصينية، اومن الدوافع الاخرى هي عدم فهم ماهية الوجود واصله، من قبل الانسان القديم والتسليم بوجود قوة خارقة، أو إله عظيم غير مشخص (مجهول)، شكل سببًا آخر من أسباب انتشار ممارسات التقرب للآلهة عن طريق القرابين التي عدت كمنح وعطايا مهما غلا ثمنها ومهما كانت تلك العطايا عزيزة على الفرد حتى ان كانت بعض أبنائهم وبناتهم تقدم لتلك الإلهة لتشكل هذه الفكرة وسيلة تفاهم بين البشر والإلهة ، فالتضحية ببعض سكان التجمع خير من فَناء التجمع كله، وخراب العمران بسبب غضب الإلهة، وكان التقرب بالأضحية يتم عبْرَ طقوس خاصة، وفي محافل مقدسة، وفي اوقات معينة، وبهذا تعد شكلًا من أشكال تأكيد الإيمان بقوة الآلهة او الاجداد الاسلاف او الاباطرة وسلطتهم، وتحاشيًا لغضبهم، وردًّا لشرور الطبيعة والارواح المؤذية، ويأملً الفرد الاستجابة للدعوات او المطالب، او الحصول على المعرفة، وإطالة العمر.3105 chaina

القرابين في عهد سلالة شانغ (1600_1046) قبل الميلاد

 تعد سلالة شانغ من اهم السلالات الاولى في تاريخ الصين لأنها سلالة فاتحة للعصور التاريخية اذ بدا التدوين في عهد هذه السلالة واليها يعود الفضل في معرفة اصل الكتابة واشكالها اضافة الى تدوين تاريخ هذه الحضارة ومنجزاتها وكذلك معرفة الحياة الدينية في الصين والفكر الديني بما فيه من طقوس ومعتقدات بعضها مازال سائدا الى الان.

 بفضل نظام التدوين القديم في الحضارة الصينية، تم تزويدنا بالكثير من المعلومات عن تفاصيل المجتمع الصيني والطقوس القديمة وخاصة في عهد أسرة شانغ (1600-1046) قبل الميلاد ومن هذه الكتابات ما يعرف باسم "مخطوطات الكهانة العظمية" ينظر شكل (1) التي كانت تستخدم لاتخاذ القرارات المصيرية وخاصة تلك القرارات التي تخص الأسرة الامبراطورية وشؤون البلاد.

فقد كان يتم التدوين على العظام واصداف السلاحف ثم ترق فيما بعد من اجل الكشف عن ماهية تلك الشقوق والخطوط التي تنتج بعد حرق تلك العظام وكذلك اكتشفت بعض التنقيبات الاثرية في موقع في الصين القديمة شظية من جمجمة بشرية للكتابة عليها من أجل الكهانة وهو ما قد يشير إلى احتمالية وجود التضحيات البشرية منذ عهد مبكر في الصين يعود غالبا الى عهد اسرة شانغ ؛وما يؤكد هذا الاحتمال وجود بعض النصوص محفوظة برموز منقوشة على العظام تشير الى التضحيات البشرية بكل وضوح، وخاصة انشطة التضحية في الجنائز الملكية ومن هذه النصوص "هل يُضحى بألف رأس من الماشية وألف إنسان؟". وتسجل مخطوطة أخرى "كيف أن 9 آلاف إنسان جرت التضحية بهم". وبحسب المخطوطات يلاحظ ان هناك نوعان رئيسيان من التضحيات البشرية، أحدهما إعدام الخدم والعبيد بأعداد هائلة بعد وفاة أي حاكم، فيُجبرون على اللحاق بهم عند وفاتهم، أو يفعلون ذلك طوعاً، وتتضمن التضحية الأخرى قتل أسرى الحرب لإرضاء الآلهة وإنهاء مجاعة ما.3106 chaina

ومن جانب اخر قام علماء الآثار من معهد مقاطعة خنان للآثار الثقافية والآثار وفريق الآثار الثقافية أثناء عمليات التنقيب في موقع تشاي تشوانغ في جييوان، جييوان بحفر 6000 متر مربع من الموقع منذ عام 2019 ووجدوا الأن مستوطنة تشاي تشوانغ القديمة كانت تغطي مساحة 300 ألف متر مربع. والتي تم العثور فيها على المنازل والآبار وحفر الرماد والطرق والألعاب النارية في الموقع، إلى جانب مجموعة من الآثار بما في ذلك الفخار والحجر والعظام البشرية والحيوانية واليشم ، ينظر شكل (2)، وايضا وجدوا عددًا كبيرًا من المقابر تعود أواخر أسرة شانغ، ينظر شكل (3)، مما قدمت هذه الاكتشافات أدلة واضحة لدراسة الثقافات الاجتماعية بما تحتويه من عادات وتقاليد وكذلك دراسة الافكار الدينية بما تحتويه من طقوس وشعائر القديمة ومنها ما يخص طقوس الاضاحي الجنائزية التي يتم التضحية خلالها قرابين بشرية احيانا تشمل التضحية بعائلة كاملة، وما ثبتته صحة وجود طقس الاضحية البشرية في سلالة شانغ هو العثور على البقايا العظمية البشرية في المواقع الاثارية اذ وجد ما يقارب 300_500 هيكل عظمي بشر ي في احدى مقابر شانغ الملكية وكذلك في مقبرة اخرى اكتشف 1000 حفرة في كل واحدة عثر على 12 هيكل عظمي بشري بدون رؤوس قد وزعت هذه الحفر ين صفوف المقابر الملكية ينظر شكل (4)، وقد ضمت هذه المقابر عظام بشرية في وضع ركوع في حفرة أضاحي يعود تاريخها إلى أواخر عهد أسرة شانغ في مقاطعة خنان بوسط الصين، وأن الذبيحة البشرية التي تم ذبحها، وجدت بعضها وهي مواجهه الى اتجاه الشمال وركعت في الحفرة وكانت يديها متقاطعتين أمامها وقال ليانغ فاوي، رئيس مشروع التنقيب في موقع تشاي تشوانغ: " إن هذا العظم البشري المحفوظ جيداً يشبه رمز " كان " من رموز أوراكل ولفت ليانغ انه وفقا لدراسة تسجيلات الرموز المنقوشة على درع السلحفاة وعظم الحيوانات في أطلال يين، سادت ثقافة التضحية في أسرة شانغ. ينظر شكل (5).

اما البعض الاخر من الاضاحي البشرية المكتشفة تكون في الغالب في وضع الرقود وافترض الخبراء أن طريقة الأضحية المسجلة في الهيروغليفية الصينية "كان" تشير إلى أسلوب دفن في وضع مستقيم والذي يجب أن يكون أكثر انتشارا من وضع الرقود. ينظر شكل (6).

 ويقدر العلماء أنه على مدى نحو 200 سنة، تم التضحية بأكثر من 13000 شخص في ينكسوفي خنان قرب العاصمة انيانغ ( ينكسو: موقع قبيلة ينكسو التي ضمت 24 مقبرة تابعة لقبيلة ينكسو التي رمز لها بالحرفين ce تبعا للنقوش التي وجدت على اثارها من حجر ويشم وبرونزيات لذلك اطلق عليها قبيلة سي التي تعد من اكبر المقابر في شانغ) وهؤلاء الاضاحي عادة من الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عاما، وكانت أكبر تضحية وجدت حتى الآن ما لا يقل عن 339 شخصا، وكذلك عثر في الموقع نفسه على عدد من هياكل لجنود وخيول وسائقي العربات والمرافقون لهم التي يعتقد علماء الاثار انها هذا الاكتشاف يشير الى دفن هؤلاء الجنود ومعداتهم مع الحاكم كقربان له وهذا حدث في عام 1500 قبل الميلاد.3107 chaina

وأشار الباحثون، إلى أن التضحيات البشرية كانت تتم من اجل اسلاف الحاكم أو الآلهة، ويقول كريستينا تشيونج، عالم علم الأحياء الحيوية في جامعة سيمون فريزر في برنابي بكندا: "إن هذا الموقع يعتبر من المواقع المذهلة، فقد تضمن القطع الأثرية البرونزية، وتحف العظام مذهلة، وحجم الهياكل المعمارية. ينظر شكل (7).

وسُجّلت تفاصيل التضحيات البشرية خلال هذه الفترة كنحت على القطع الأثرية المعروفة باسم عظام أوراكل. وتحمل هذه القطع المسطحة من عظام الحيوانات أقدم دليل على الكتابة في الصين. ووفقا للمكتبة البريطانية، سيفسر العرافون الأنماط في الشقوق للعثور على إجابات لأسئلتهم وقد اعتمدت اقامة هذه الطقوس على فكرة مفادها وجود علاقة بين عالم الاحياء وعالم الاموات اذ يقوم الخدم او الجنود او الاسرى بخدمة سيدهم واسرته بعد وفاته كما كانوا يخدمونهم في الدنيا وهم احياء وهذه احد اساليب تقديم الاضاحي البشرية في الصين القديمة.

ومن الاساليب الاخرى هي ذبح الفتاة العذراء بعد اختيار الكهنة لهن بعناية فائقة وطلبها من والديها مما يجعل العائلة تفرح بطلب ابنتهم وتقديمها كقربان اذ توضع على دكة المذبح للإله بوذا اثناء راس السنة الصينية ضمن احتفال طقسي في اليوم الرابع والعشرين من شهر فبراير من كل عام بعد ان تغسل وتطهر كالذبائح الحيوانية ومن ثم تقييد اليدين والرجليين وتنحر لتجمع دماؤها لشربها كجزء مهم من معتقداتهم الدينية.

اما في مقاطعة التبت الصينية يتم الاضاحي البشرية من خلال تقطيع جسم الانسان بعد وفاته الى قطع صغيرة توضع على قمة جبل لكي تأكلها الجوارح وتتعرض لعوامل الطبيعية وقد اطلق على هذا الاسلوب من الاضاحي الوب الدفن في السماء او اعطاء الوعاء للطيور وحسب فكرهم الديني والعقائدي خذا الطقس هو بمثابته تكريم للميت لان الجسد فاني والروح تبقى ملازمة لعالم الاحياء لذلك تعد الروح مقدسة ينظر شكل (8).

نستنتج مما تقدم

ان القرابين وسيلة يستخدمها الحكام لإظهار مدى قوة سلطتهم السياسية وبث الرعب والرهبة في النفوس لذلك لا تعد مجرد طقس ديني.

كانت الصين كباقي الحضارات القديمة تؤمن ان هناك حياة بعد الموت وعلى الخدم والاسرى ان يقدموا خدماتهم لسيدهم في العالم الاخر لذلك تتم التضحية بهم، كما ان هذا التحيز للطبقات الضعيفة بجعلنا نلاحظ النظام الاجتماعي الطبقي الصارم المتبع في الصين القديمة والمقدرة والقوة العسكرية التي تمتعت بها سلالات الصين بما جلب لهم عدد من الاسرى الذين تتم التضحية بهم.

تعد التضحية البشرية وسيلة من اجل الحصول على رضا ارواح الاجداد والاسلاف ومن اجل نيل البركة للحياء وحماية الدولة وهذا يعني ارضاء القوى الخفية والارواح مقابل تلك الحماية ومدى ضعف البشر امام القدرات العليا والطبيعة منذ القدم.

***

م. م هند خليل العبودي

البعد الشرعي والسياسي والاجتماعي في قصور الخلفاء

التطور التاريخي لمؤسسة الزواج من الجذور البيولوجية حتى الزواج المدني الحديث

تُعد مؤسسة الزواج واحدة من أعرق المؤسسات البشرية؛ فقد نشأت في بداياتها تبيّناً لضرورات بيولوجية واجتماعية ملحة، أبرزها رعاية الأبناء في طفولتهم الطويلة وتوفير الحماية والدفاع المشترك. ومع الانتقال إلى الاستقرار الزراعي، تحولت إلى أداة أساسية لضبط النسب وحماية الملكية الخاصة وتوريث الممتلكات، متجاوزة البعد الفردي لتصبح معاهدة سلام وأداة للتحالفات القبلية والسياسية لتقليل الصراعات وتبادل الموارد بعيداً عن المفاهيم العاطفية الحديثة.

وفي الديانات الإبراهيمية، انتقلت المؤسسة إلى مرتبة ذات أبعاد روحية مقدسة؛ فالديانة اليهودية نظرت إليها عقداً مقدساً يقوم على التراضي والمهر الموثق بوثيقة "الكيتوباه" لتحقيق الإنجاب وتكاثر النسل، بينما جعلت المسيحية منها سِراً مقدساً يرمز لاتحاد المسيح بالكنيسة، فارضةً أحادية الزواج ومنع الطلاق لجعل الروابط خاضعة لسيطرة الكنيسة لقرون طويلة. وفي المقابل، خضعت الزيجات في الحضارات القديمة لنواميس الأرض والقوانين الوضعية والأعراف المدنية التي ضمنت عقوداً مكتوبة لحماية حقوق المرأة والنفقة والميراث، بينما اعتمدت المجتمعات الوثنية والقبلية على زواج الشراء أو الخدمة لتلبية متطلبات بيئتها القاسية بعيداً عن الأطر الدينية.

وصولاً إلى العصر الحديث، شكّل ظهور الزواج المدني في أوروبا تحولاً كبرى نقل السيطرة من الكنيسة إلى الدولة والقانون الوضعي؛ ليكون عقداً قانونياً بحتاً يقوم على الرضا الحر والسن القانوني مع منع تعدد الزوجات، ومنح الطرفين مساواة تامة وحقوقاً مالية وإجراءات طلاق منظمة عبر المحاكم بعيداً عن الهيمنة الدينية التقليدية.

الزواج في الجاهلية وصدر الإسلام، والحياة الأسرية للصحابة والخلفاء الراشدين

في سياق مجتمعات العرب قبل الإسلام، تميز الزواج بتنوع واسع في الأشكال والأنماط التي تراوحت بين ما أقرته الأعراف واستمر لاحقاً، وبين ما كان يعكس ظروف البيئة القبلية وقوانين الصراع والتحالف؛ حيث ظهر نكاح الخطبة التقليدي إلى جانب أنماط أخرى مرتبطة برغبة تحسين النسل أو كثرة العدد مثل نكاح الاستبضاع والرهط، إضافة إلى أنماط قسرية مثل نكاح المقت، لتتداخل هذه الأعراف بين تقاليد قبلية وممارسات متفرقة.

وحتى أحدث الإسلام لاحقاً تحولاً جذرياً حين جعل من الزواج عقداً مدنياً دينياً مُلزمأً يقوم على التراضي الاختياري الكامل والعلانية والإشهار بحضور الشهود وتقديم المهر وتحديد الحد الأقصى للزوجات في عصمة الرجل بأربع مع إعطاء المرأة ذمة مالية مستقلة تماماً عن زوجها، وهذّب الأعراف الجاهلية ليصبح الزواج وسيلة لتحقيق الإحصان والسكن النفسي وبناء الأسرة المستقرة على أسس المودة والمسؤولية المتبادلة.

وقد انعكس هذا المنهج بأدق تفاصيله على حياة الخلفاء الراشدين الأربعة الذين اتسمت حياتهم الأسرية بالزهد والتقشف والالتزام الصارم بالحدود الشرعية بعيداً عن أي مظاهر بذخ إمبراطوري: 

أبو بكر الصديق: تزوج في حياته من أربع نساء على التوالي دون أن يجمع بينهن في وقت واحد، فهن: قتيلة بنت عبد العزى ولدت له عبد الله وأسماء، وأم رومان بنت عامر ولدت له عبد الرحمن وأبو بكر وعائشة، وأسماء بنت عميس ولدت له محمد، وحبيبة بنت خارجة ولدت له أم كلثوم.

عمر بن الخطاب: تزوج خلال حياته بنحو سبع إلى تسع نساء بعضهن بالتتابع وبعضهن بالتزامن في حدود الحد الشرعي منهن أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وفاطمة بنت أمية، وأم حكيم بنت الحارث، وجميلة بنت أبي جهل، وقد أدار حياته الأسرية بخشونة العيش والعدل الصارم حتى مع نسائه.

عثمان بن عفان: عُرف بـ "ذي النورين" لتزوجه ابنتي النبي صلى الله عليه وسلم رقية ثم أم كلثوم تباعاً، وتزوج خلال حياته بنحو ثماني نساء رئيسيات أنجبن له أولاده منهن فاطمة بنت الولد، ورملة بنت أبي سعيد، ونائلة بنت الفرافصة التي شهدت مقتله

علي بن أبي طالب: اقتصر طوال فترة حياة السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها على زواج واحد ولم يتزوج عليها قط حتى وفاتها، وبعد وفاتها تزوج وتسري بعدة نساء بلغ عددهن نحو سبع حرائر وعدد من الإماء، وأنجب ذرية واسعة بلغ مجموع أبنائه وبناته نحو خمسة وثلاثين ابناً وبنتاً.

مؤسسة الجواري والسراري في العصور الإمبراطورية الأموية والعباسية ودوافعها ومصادرها التاريخية

مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية والفتوح الكبرى في العصرين الأموي والعباسي واختلاط المجتمع الإسلامي بالأمم المجاورة كالفرس والروم، دخلت مؤسسة الجواري والسراري مرحلة جديدة اتسمت بالأرقام الهائلة والعوالم المغلقة داخل قصور الخلافة؛ حيث تشير روايات أمهات الكتب التاريخية إلى أن أعداد الجواري والخدم في بلاط بعض الخلفاء بلغت المئات بل الآلاف لتتحول إلى مظاهر سيادية تعكس قوة الدولة وثروتها. ويتضح ذلك جلياً في نماذج موثقة تاريخياً مثل الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك الذي عُرف بنهمه الواسع للطعام والنساء وامتلاكه أعداداً ضخمة من الإماء، والخليفة العباسي المتوكل على الله الذي خُصصت لجواريه دور وقصور مستقلة، وصولاً إلى الخليفة المقتدر بالله الذي وُثقت تفاصيل دار الخلافة في عصره بدقة شديدة ليبلغ عدد الخادمات والجواري والخصيان والخدم في بلاطه الداخلي أكثر من أحد عشر ألف خادمة وجارية، وهو رقم استثنائي يوضح ذروة البذخ الإمبراطوري، إلى جانب بروز الجواري القيان والأديبات اللاتي نافسن الحرائر في الحظوة الثقافية والسياسية.

ولم تكن هذه الظاهرة مجرد ميل شخصي للترف، بل حكمتها منظومة كاملة من الأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تمثلت في التحالفات السياسية وتثبيت أركان الملك من خلال إنجاب الأولاد من إماء ينتمين لعائلات أو أعراق كبرى لضمان ولاءات واسعة وتهدئة الجبهات، وقضية ولاية العهد والصراع على السلطة حيث أصبح الأبناء المولودون للسراري ينافسون أبناء الحرائر على كرسي الخلافة مثل الخليفة هارون الرشيد الذي كانت أمه الخيزران جارية أُعتقَت وتزوجها المهدي، وكذلك المأمون والمعتصم بالله مما جعل مؤسسة الجواري رافداً أساسياً لدماء البيت العباسي الحاكم، إضافة إلى التقليد الإمبراطوري والتباهي بالثروة تأثراً بأنظمة البيزنطيين والفرس في بناء القصور الضخمة وأسواق الرقيق العالمية التي كانت تورّد الجواري من أطراف الأرض.

وخاتمة المطاف، فإن تتبع البُعد الجنسي والعاطفي في علاقة الخلفاء والنخب الحاكمة بالجواري والإماء يكشف عن مساحة شديدة التعقيد تداخلت فيها الغرائز البشرية مع متطلبات الحكم الإمبراطوري، حيث لم تكن تلك العلاقة مجرد ممارسة عابرة للتلذذ، بل تحولت في كنف القصور العباسية والأموية إلى مؤسسة مدعومة بمسوغات شرعية وفقهية ممثلة بنظام ملك اليمين، ومحاطة بترتيبات اجتماعية وبروتوكولات صارمة أفرزت واقعاً فريداً أصبح فيه الفراش السياسي جزءاً من استراتيجيات البقاء وتثبيت عُرى السلطنة، لتلتقي على تلك السُّرُر دوافع الهيمنة الذكورية مع طموحات سياسية بعيدة المدى، وينجح نتاج تلك العلاقات من الأبناء والإماء في إعادة صياغة خريطة الصراع على العرش، مخلفين وراءهم إرثاً تاريخياً وثقافياً ضخماً وثقته أمهات الكتب بدقة متناهية بين مجالس الأنس والغناء وأروقة الحكم المظلم؛ ويتجلى ذلك بوضوح عبر مسارين أساسيين:

الإطار الشرعي والفقهي الناظم نظام ملك اليمين: حيث استندت تلك العلاقة إلى منظومة فقهية مقننة أباحت الاستمتاع الجنسي الخالص بالجواري والإماء دون الحاجة لعقد زواج تقليدي أو إشهار، مع اشتراط الاستبراد للتأكد من براءة الرحم، وإلحاق أبناء السراري بأبائهم الخلفاء ليصبحوا أبناءً شرعيين ووارثين لعرش الخلافة تماماً كأبناء الحرائر، مما ألغى الفوارق الطبقية في خط الخلافة. 

الآلية البروتوكولية وإدارة "دور الحريم": حيث جرى تنظيم هذا الجانب داخل عوالم مغلقة وقصور ضخمة دار الخلافة وحرم الحريم خضعت لترتيبات بروتوكولية صارمة، تحولت فيها تلك الفضاءات الخاصة إلى مؤسسات سيادية تدار فيها استراتيجيات السلطة وتتداخل فيها مصالح القصر مع صراعات النفوذ.

***

ئاريان علي

 

نواصل في هذا الجزء، وهو الثاني والأخير، متابعتنا النقدية لمحتويات البودكاست الذي يحمل عنوان؛ الكلمات السريانية في القرآن. ماذا تكشف مخطوطات صنعاء؟

طرائف عشوائية

ومن طريف ما روته المتحدثة، والذي يعطينا فكرة واضحة عن صدقيتها ومستواها العلمي، إنها دخلت جامعاً إسلاميا في الهند، وهناك عرضوا عليها مخطوطة للقرآن، وسألوها عن "اللغة القرآن". تقول: "فقلنا لهم، لأننا من (المدل إيست) "منطقة الشرق الأوسط"، إنها كتبت باللغة العربية"، فقالوا لنا" لا مش مزبوط، هي خليط من العربي والآرامي. فأنا انصدمت". وتضيف "وبرافو على الهنود لأنهم مش عرب وما عندهم الأديولوجي الموجودة في راس العرب لأنه ما فيك (لا تستطيع) تقول إنه لغة القرآن مش عربية كأنك عَم تكفر"!

والمبالغة والخلط هنا واضحان، فالقول إن "لغة القرآن ليست عربية" شيء، والقول إنّ من الممكن كتابة القرآن بلغة غير عربية" شيء آخر ومختلف. إن تحريم كتابة القرآن بأية لغة أخرى غير العربية دافعه الأول ألسني علمي هو تفادي الإخلال والتحريف في لفظه، فيتبعهما تغير وفساد في معناه. وهذا ما قالته لجنة الفتوى في الأزهر عن كتابة القرآن بالحروف اللاتينية فكان نص جوابها: "لا شك أن الحروف اللاتينية المعروفة خالية من عدة حروف توافق العربية فلا تؤدي جميع ما تؤديه الحروف العربية، فلو كتب القرآن الكريم بها على طريقة النظم العربي لوقع الإخلال والتحريف في لفظه ويتبعهما تغير المعنى وفساده، وقد قضت نصوص الشريعة بأن يصان القرآن الكريم من كل ما يعرضه للتبديل والتحريف". أما القول إن لغة القرآن سريانية وليست عربية فهو مرفوض لأنه خطأ من الناحية العلمية أولاً، ولأنه -ثانياً - يتناقض مع النص القرآن نفسه الذي كرر في أكثر موضع أنه عربي (إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون/ يوسف 2)، و (بلسان عربي مبين/الشعراء 195)، وغير ذلك.

تكثر المتحدثة من استخدام متقابلات نحن وهم، نحن السريان وهم العرب حتى في كتابة القرآن على الورق. وتأتينا بمعلومة تقول إن "القرآن أول كتاب عربي كتب على ورق، والأكيد أخذوا الكتابة على الورق من عندنا"، وتقصد من السريان! مع العلم أن أقدم مصحف قرآني عثر عليه مكتوب على رق جلدي وليس على ورق. فأقدم المصاحف القرآنية - كما سجلت في إحدى دراسات كتابي "نقد الجغرافيا التوراتية خارج فلسطين - دار الانتشار العربي بيروت 2021" ونشرت أيضا في مجلة الآداب- هو ذاك الذي توجد بقايا منه في مكتبة برلين. وقد أكد العلماء السويسريون المتخصصون بعد فحص الرق الجلدي الذي كتبت عليه تلك الأجزاء بواسطة الكاربون المشع، أنه كتب على الأرجح بعد حوالي ثمانية عشر عاما على وفاة النبي العربي الكريم. والمصحف القرآني الموجود في جامعة برمنغهام البريطانية والعائد للفترة التاريخية نفسها تقريبا (2).

هل كلمة (قرآن) سريانية؟

من الكلمات التي توقفت عندنا السيدة المتحدثة كلمة قرآن نفسها. وقالت إنها كلمة سريانية بدليل وجود كتاب سرياني للصلاة اسمه قريانا! والمتحدثة ربما تجهل أصل كلمة قرآن في اللغة العربية ومن أين جاءت. ربما تكون قد سمعت بهذه المعلومة حول الأصل السرياني لكلمة "قرآن" التي قال بها الباحث الألماني كريستوف لوكسنبرغ (اسم مستعار لباحث ألماني في اللغات الساميات والإسلاميات) في كتابه (قراءة آرامية سريانية للقرآن: مساهمة في تفكيك شفرة لغة القرآن) الصادر سنة 2000، ولكن هذا الرأي ظل هامشيا لا يعتد به علميا. وقد تعرض لوكسنبرغ لانتقادات علمية لاذعة من مستشرقين بارزين مثل فرانسوا دي بلوا وغلين بويرسوك، ووُصفت فرضياته بأنها سطحية وكلام هواة فقير علميا وخصوصا في اللسانيات. ونذكر إنه هو أول من فسَّر عبارة (حور العين) القرآنية بأنها تعني (العنب الأبيض) السريانية والتي كررتها المتحدثة في البودكاست وهذا ما يؤكد أنها تنهل معلوماتها من أقوال هذا الشخص "الهاوي" على حد تعبير باحث رصين مثل دي بلوا!

أما المؤرخ الأمريكي البارز غلين بويرسوك، الأستاذ الفخري في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون ورئيس قسم الدراسات الكلاسيكية السابق في جامعة هارفارد، فقد انتقد أطروحة كريستوف لوكسنبرغ واعتبرها غير علمية وتتأسس على التخمين الكلي والظنون.

وقد سبق لوكسنبرغ مستشرق آخر هو جوزيف شافالي الذي قال بأن كلمة قرآن آتية من الكلمة السريانية "قريانا"، وهي المعلومة التي كررتها المتحدثة، غير أن نظريته حول الأصول السريانية لبعض ألفاظ القرآن قوبلت أيضا بنقد أكاديمي واسع من مختصين باللغات السامية نظراً لضعف منهجيتها.

عروبة كلمة "قرآن"

أما القائلون بعروبة الكلمة فيذهبون إلى أنها عربية قديمة وجذرها الثلاثي (ق. ر. أ). وهناك إشارات قديمة للاشتقاق من الفعل قرأ من قبل العرب قبل قرنين من الدعوة الإسلامية. والشاهد اللغوي على ذلك ورود واحد من مشتقاته هذا الجذر في شعر عبيد بن عبد العزى السلمي الأزدي (ت 85 ق.هـ 537 م) أي أنه توفي قبل قرن من عام الهجرة (622م). أضف إلى القرن تخمينا نصف قرن آخر قبل موت الشاعر حين قال القصيدة يصف ما فعلته الأنواء الجوية من رياح عاصفة وأمطار بديار حبيبته (3). وهذا هو الرأي الأرجح بين أربع أراء رئيسة حول أصل كلمة قرآن (4).

كلمات قرآنية سريانية أخرى

وتضيف المتحدثة إن كلمة رحمن سريانية لأن السريان لا يكتبون الألف في وسط الكلمة وكلمة (نعمة) تكتب في المصحف القرآني "نعمت" فهي سريانية لأننا في السريانية لا نستعمل التاء المربوطة. وهي تجهل أن هناك فرقا كبيراً وثابتاً يُعرف علمياً بالفرق بين "الرسم العثماني" (الخاص بالمصحف القرآني) و"الرسم الإملائي" العادي الذي نكتب به اليوم. ولا يخص كلمة نعمت فقط بل هناك العشرات من هذا النوع من الكلمات.

-وتضيف؛ كلمة (بسم) في "بسم الله الرحمن الرحيم" سريانية لأننا في السريانية نقول بشم ألوهو ... وكلمة الله في العربية لا تكتب بالألف فهي سريانية. المتحدثة تجهل حتى أبسط قواعد الإملاء العربي ولا تعرف أن شبه الجملة "بسم" لها شروط خاصة تكتب بها بالألف حين تكون البسملة ناقصة (باسم الله) أو حين تأتي بعد اسم (نبدأ باسم الله) أو حين ترتبط بضمير كقولنا (باسمك اللهم) وأحيانا من دونه كما في البسملة الكاملة!

-جنة كلمة سريانية مئة بالمئة وهي گنتو "بالقاف الحميرية أي الجيم القاهرية" وتعني بستان. وهذه كلمة مشتركة بين اللغات السامية الشقيقة ولا عجب في ذلك وثمة منها المئات جمعها العلامة العراقي في كتاب معجمي عنوانه "من تراثنا اللغوي القديم: ما يسمى في العربية بالدخيل"، صدر عن المجمع العلمي العراقي عام 1980وفند فيه أن هذه الكلمات دخيلة بل هي شقيقة وذات جذور مشتركة مع العربية.

وهناك معلومات ومداخلات أخرى أكثر عشوائية وكاريكاتورية من هذه النماذج التي يمكن الرد عليها ليس بقصد النفي فهي لا يمكن ان تؤخذ بجدية أساسا بل بوضعها في سياقها العلمي الصحيح. إن هذا السياق الذي يعتمده كاتب هذه السطور ينظر إلى اللغات العربية والآرامية بلهجاتها المختلفة ومنها النبطية والسريانية والمندائية ...إلخ، واللغة الكنعانية بلهجاتها المختلفة واللغة الأكدية بلهجتيها الآشورية والبابلية الجنوبية على أنها لغات ولهجات شقيقة ذات أصل واحد ومن أسرة واحدة سماها العلماء أسرة اللغات السامية وعلى هذا فليس من المفاجئ والجديد وجود متشابهات وحتى متطابقات معجمية وقواعدية ونبرية بينها.

الأصل المشترك للغات شقيقة

إن هذا الأصل المشترك لهذه اللغات الشقيقة هو ما يفسر وجود المئات من الكلمات وجذور الكلمات المشتركة والقواعد النحوية اللغوية المشتركة وليس فهذا التشابه والتزاوج في المعاني والألفاظ أي شيء خارق وعجيب بل هو أمر طبيعي جدا كما أن التشابه بين الكتب المقدسة بين الديانات الإبراهيمية الثلاثة هو امر مفهوم في ضوء البيئة الجغرافية والإناسية والعاطفية المشتركة لشعوب المنطقة الشقيقة أو هي تمظهرات مختلفة لأصل انثروبولوجي واحد. ولهذا فإن هذا التشابه والتماثل لا ينبغي أن يسمح بترويج معادلات وشعارات حزبية عدائية ومتعادية من قبيل "نحن وهم" و"نحن الأصل وهم أخذوا عنا، ونحن أفضل منهم وأكثر تحضرا وهم بدو متخلفون". أعتقد ان من يلوكون هذه المعلومات في البودكاسات المنتشرة كالجراد في أيامنا يسيئون إساءة بالغة للمنهج العلمي في الدراسات اللغوية واللسانية والنحوية ويرتكبون أخطاء فادحة لا مبرر لها وكان حري بهم لو أتعبوا أنفسهم ودرسوا هذه العلوم بالغة الدقة والتخصص أو أن يسكتوا فلا يفضحوا جهلهم أمام الجمهور.

وأخيرا فلم نسمع من المتحدثة شيئاً مهماً ومفصلاً عما أعلنته في عنوان البودكاست حول وجود "مخطوطات صنعاء" للقرآن بالأبجدية العربية غير المنقوطة (غير المعجمة) والتي هي في رأيها الأبجدية الآرامية! ومع أنني شاهدت بعض الصور لصفحات من مخطوطات صنعاء القرآنية العربية الجميلة ودهشت لوضوحها وأنه من الممكن قراءتها بالرغم من أنها غير مُعَجَّمة / الصورة، ولكني أردت مراجعة المعلومة فسألت عنها الموسوعات المفتوحة ومواقع الذكاء الاصطناعي إن كانت هذه المخطوطات مكتوبة بالحروف الآرامية أو ربما كان هناك باحثون يعتقدون بهذه الفرضية فجاءني الجواب التالي: "الخطوط في مخطوطات صنعاء للقرآن عربية خالصة وليست آرامية. وهي تحديداً بالخط الحجازي والكوفي، هي حروف عربية بالكامل. هي الحروف نفسها التي نكتب بها اليوم، وتعبّر عن النظام الصوتي للغة العربية (مثل وجود حروف الخاء، والضاد، والظاء، والذال التي لا توجد في الأبجديات الآرامية). القارئ الآرامي أو السرياني لا يمكنه قراءة مخطوطات صنعاء، بينما القارئ العربي يمكنه ذلك".

إن السريانية ليست هوية قومية جديدة بل هي اسم جديد للهوية الآرامية ذاتها ولكن في طورها المسيحي كما أسلفنا. وتعد اشتقاقا من سوريا التي اشتقت بدورها من دولة رافدانية هي آشوريا. وقد توقفت عند هذا المفصل المهم من الموضوع في دراسة سابقة سألخصها في الأسطر التالية:

بدايات التوثيق لمصطلح "السريان"

ربما يكون كتاب الراهب الموصلي يعقوب الكلداني المطبوع سنة 1900، في مطبعة دير الآباء الدومنكيين بالموصل، تحت عنوان «دليل الراغبين في لغة الآراميين» من أوائل الكتب التي تطرقت في العصر الحديث إلى أصول السريان وعلاقتهم بغيرهم.

في هذا الكتاب - المكتوب باللغة العربية كمعجم آرامي عربي ولكنه لا يخلو من فقرات ومقتبسات باللغة السريانية من دون ترجمة - يكرر الكلداني في مقدمته ما بات في عداد البديهيات في زماننا من أن "جميع البلاد المعروفة بالسريانية سواء كانت شرقية أم غربية كانت معروفة في قديم الزمان بالآرامية، وهذه كانت تسميتها الحقيقية...، قد اختلفت آراء العلماء في لفظة سوريا التي منها سُمّي السريان أي اختلاف. فلقد ذهب البعض منهم لا سيما العلماء في أصل لفظة سوريا مشتقة من آثور أو آشور، اشتقها اليونانيون بعد استيلاء ملوك الآثوريين على الديار الشامية/ - الكلداني يعقوب - دليل الراغبين في لغة الآراميين – ط1 – سنة 1900 -مطبعة الآباء الدومنيكان – الموصل – ص9".

ويخلص الراهب الكلداني إلى ثلاث خلاصات سأدرجها أدناه بحرفها لأهميتها:

1-"إن السريان عموماً، شرقيين أم غربيين، لم يكونوا في قديم الزمان يسمّون سرياناً بل آراميين نسبة إلى جدّهم آرام بن سام بن نوح".

2- إن اسم السريان لا يمكن أن يرتقي عهده عندهم إلى أكثر من أربعمائة أو خمسمائة سنة قبل التاريخ المسيحي خلافاً لمن يحاول أن يجعل اسم السريان أصلاً للآراميين.

3- الخلاصة الأخيرة والتي تهمنا هنا فيقول فيها الراهب الكلداني: "إنَّ اسم السريان لم يدخل على الآراميين الشرقيين أي الكلدان والآثوريين إلا بعد المسيح على يد الرسل الذين تلمذوا هذه الديار، لأنهم كانوا شديدي التمسك بالدين المسيحي الحق، أحبوا أن يسموا باسم مبشريهم، فتركوا اسمهم القديم واتخذوا اسم السريان ليمتازوا عن بني جنسهم الآراميين الوثنيين، ولذا أضحت لفظة الآرامي مرادفة للفظة الصابئي والوثني ولفظة السرياني مرادفة للمسيحي والنصراني إلى اليوم/ م.س".

تعليل اسم السريان

إن الخلاصة التي يمكن أن نخرج بها من كلام يعقوب الكلداني، إضافة إلى إرجاعه أصل كلمة السريان إلى سوريا، هو أن اللغة أو اللهجة الغربية "الرهاوية" التي سميت السريانية لا وجود لها شرقاً، أي في بلاد الرافدين، حيث تسود ما سماها الكلداني «الآرامية الصحية الفصيحة القديمة»، واعتبر اللهجة الغربية «السريانية» لهجة آرامية فاسدة. ويبدو السجال المذهبي الطائفي بين مكونات الإقليم الشرقي والغربي -الكاثوليكي والأرثوذكسي- بارزاً هنا. والملاحظ أيضاً أن المسيحيين العراقيين/ وعلى اختلاف طوائفهم، نادراً ما يستعملون تسمية أو صفة السريان.

نترك كتاب الراهب يعقوب الكلداني الموصلي، وننتقل إلى موصلي آخر هو عالم آثار متخصص ومؤرخ وكلداني أيضاً هو د. بهنام أبو الصوف (ت 2012)، والذي يعترض بدءاً على اعتبار «الكلدان» قومية (إثنية) بل هم في نظره مسيحيون نساطرة قدماء، ومن الأتباع الأوائل ليسوع المسيح، ولكنهم من أصل آرامي، وقد تمت «كثلكة» قسم كبير منهم بمختلف الأساليب في القرن الخامس عشر بتدخل من روما، وأطلق عليهم البابا ليون، وربما يقصد البابا ليون العاشر في القرن السادس عشر، اسم «المسيحيين في أرض الكلدان». يضيف أبو الصوف "ولهذا يطلق بطريرك الكلدان على نفسه إلى اليوم لقب «بطريرك بابل على الكلدان/ أبو الصوف بهنام – مقالة بعنوان "عن الكلديين والكلدانيين والخطأ في التسمية"، وتسجيل صوتي لقاء معه - على مدونة " موقع الآثاري د. بهنام أبو الصوف " – الشبكة نت " أي أن الكلدانية عنده مذهب ديني وليس هوية قومية"، وهذا رأي قابل للنقاش ويثير إشكالات كثيرة أخرى.

- في القرن الأول الميلادي كانت اللغتان السائدتان هما الآرامية في بلاد الشام مع اليونانية والفارسية في شرقي بلاد الرافدين وإيران وحتى مجيء الفتح العربي الإسلامي، وبدأت اللغة العربية -ومن ثم خطها- يحل محل الفارسية في شرق العراق كما صار يزاحم الآرامية بعد أن تبنى المسيحيون الجدد هذه اللغة وأطلقوا عليها السريانية.

ما يهمنا في الاقتباس الأخير أن الباحث بهنام أبو الصوف يميز بين الآرامية ووريثتها السريانية، بما يذكرنا بالتفريق الذي قال به الراهب يعقوب الكلداني، حول أصل تسمية السريان ويرجعه إلى سوريا، أو «سورث» كما يستدرك أبو الصوف.

خاتمة وخلاصات

نخلص من كل ما سبق إلى الخلاصات التالية: إذا كان من السهل أن يجلس أي شخص أمام كاميرة هاتفه الذكي بمفرده، أو بمعية محاور آخر، ويثرثر بما شاء من طرائف وآراء فالناس جميعاً أحرار في التعبير عن أفكارهم وأنفسهم، فإن من المستحيل المساواة بين ثرثرة ترفيهية كهذه والكلام العلمي المنهجي المقيد بشروطه. وإنَّ محاولة خلط الاثنين أو تغليف الثرثرة بقشرة علموية فاسدة لا فائدة منها بل إنها قد تدخلت في باب التضليل غير المقصود إذا أحسنّا الظن.

إن الخوض في غمار قضايا علمية وتخصصية من قبيل اللغات والحضارات القديمة ليس أمراً هيناً. وثمة فرق كبير بين الخبير أو المتخصص بهذه العلوم وبين المهتم بها اهتمام الإعلامي الاستقصائي كحال كاتب هذه السطور. إنَّ التخصص وحيازة لقب خبير أو باحث يتطلب في أقل تقدير شهادة علمية أكاديمية جيدة وخبرة تنقيبية عملية في خنادق الحفريات الآثارية ولغة عربية سليمة إضافة لغة أجنبية أو لغة قديمة جزيرية "سامية" أو أكثر.

بكلمات أخرى لا يكفي أن يكون الشخص قادراً على أن يتكلم ويكتب بلغته أو لهجته المحلية الأم كأن تكون السريانية أو المندائية او غيرهما، ليجعل نفسه وبقرار شخصي "باحثاً وخبيرا متخصصاً في اللغات والحضارات القديمة" بلا أية شهادة أكاديمية أو خبرة بحثية وتنقيبية عملية، متكأ فحسب على عدة فيديوهات ومقالات إنشائية تخلو من أية منهجية أو توثيق أكاديمي أو مراجع ومصادر معلنة. ثم أن الحديث أو الكتابة بلغة عربية واضحة وسليمة، ولا نقول فصحى جزلة، أمر ضروري أو على الأقل يتحدث عند الضرورة بلهجة عامية أنيقة وواضحة، لا أن يتحدث في أمور لغوية معقدة بلهجة "مش مزبوط والمدل إيست"!

وأخيرا، لماذا هذا الذعر والعداء للعرب والعروبة من قبل القائلين بالسريانية والهوية القومية السورية. إنْ شئتَ أن يقال عنك إنك سرياني فهذا من حقك وهي مشيئتك ورغبتك الشخصية فلا تحشرها في العلوم التخصصية وتجعل منها حقيقة مطلقة تريد فرضها كهويةٍ وحيدة وفريدة على الآخرين. فالسريانية مثلها مثل النبطية، وهما بعد هذا وذاك لهجتان من اللغة الآرامية، التي هي شقيقة اللغة العربية وكلتاهما من أسرة لغوية واحدة.

ولم أتوقف هنا لضيق المجال عند رأي القائلين بأن الأنباط عرب وليسوا آراميين كالباحث الأردني زياد السلامين وآخرين من القوميين العروبيين، لأنه رأي أيديولوجي ملزوز للفخار القومي لا للمنهج البحث العلمي ولا يقوم على أدلة جديرة بالاعتبار (5).

كما أنه ليس من المنهج العلمي في شيء المفاضلة بين "عرب بدو" و"سريان آراميين متحضرين"، لأن الآراميين هم في الأصل قوم بدو في القرن 12 ق. م، ولعدة قرون تلت. ثم استوطنوا الأرياف والمدن فتمدينوا، ومثلهم الأموريون بناة بابل كانوا بدواً ثم تحضروا. ومن غير الساميين كان العيلاميون والحيثيون والكيشيون والميديون والفرس الأخمينيون...إلخ بدواً. ويكاد هذا المنحى في تطور الشعوب من مرحلة البداوة إلى الاستقرار والتحضر ينطبق على غالبية الشعوب القديمة وآخرهم أتراك الأناضول.  أما أن تحاول المتحدثة إرغام ملايين الناس على أن يكونوا سرياناً هويةً ولغةً وأصلاً قومياً (كما قالت في بودكاست آخر) فهذا ما لا سبيل إلى تحقيقه، وهو أمر لا سابق له ومثير للسخرية. فثمة أمور لا يمكن فرضها قسراً أو خداعاً على البشر كالحب والكره والإيمان والكفر!

***

علاء اللامي

...................

هوامش:

*رابط يحيل إلى النص الكامل للجزء الثاني من الدراسة:

(1) رابط يحيل إلى البودكاست موضوع الدراسة:

https://www.youtube.com/watch?v=Pv31PjIeFj8

(2) علما أن الورق ولا سيما المصنوع من ورق البردي قد اخترع في مصر القديمة 3000 سنة ق.م، أي قبل ظهور الأراميين ولغتهم وأبجديتهم والسريان ولهجتهم الرهاوية.  فأقدم كتابات مصرية على ورق البردي هي برديات وادي الجرف (أو يوميات مرر) وتعود إلى عهد الملك خوفو (حوالي 2560 قبل الميلاد)، اما أقدم كتابات الآرامية وجدت فهي برديات الفرات بالسريانية وتعود إلى القرن الثالث الميلادي. أي بعد أكثر من 28 قرنا! وأدناه رابط دراستي في مجلة الآدب الذي ورد فيه ذِكر مخطوطات القرآن الأقدم على الرق الجلدي:

https://al-adab.com/article/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%AF%D9%8A%D9%91-%D8%A8%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A2%D9%84-%D8%B9%D9%8A%D8%B3%D9%89-%D9%86%D9%85%D9%88%D8%B0%D8%AC%D9%8B%D8%A7

(3) قال الشاعر عبيد بن عبد العزى الأزدي:

فَلَـمْ يَتْرُكَا إِلَّا رُسُـوماً كَأَنَّهَـا

أَسَاطِيرُ وَحْيٍ فِي قَرَاطِيسِ مُقْتَرِي

المقتري = القارئ وهو مشتق من الجذر ق.ر.أ.

(4) أن كلمة قرآن مشتقة من القراءة والتلاوة وهو الرأي الأشهر وقد تقدم ذكره في البيت الشعري القديم.

وكلمة قرآن ليست المشتقة الوحيدة أو نادرة المثال في اللغة العربية فهي مصدر على وزن (فُعْلَان)، ومثلها غُفران من غَفَرَ وشُكران من شَكَرَ ورضوان من رضيَ، وقرآن من قرأ وقربان من التقرب إلى الآلهة، وجريان وخفقان وطيران...إلخ.

2-والثاني مشتقة من الجَمْع والضَم: كان العرب يقولون: "قرأتُ الماء في الحوض" أي جَمَعْتُهُ. وسُمي القرآن بهذا الاسم لأنه يجمع ويضم السور والآيات بين دفتيه.

3- والثالث مشتقة من الملازمة والاقتران.

4- والرابع هي عَلَمٌ مُرتجَل وهذا رأي الإمام الشافعي.

(5) كنت قد ناقشت هذا الرأي بشيء من التفصيل في دراسة بعنوان "العرب والنبط والآراميون - مقاربة إناسية/ كتابي "الأندلس ودراسات أخرى في التأريخ التراث-دار فضاءات، ص 115".

(6) لمزيد من التوسع في الاطلاع على الموضوع أدناه ثلاثة روابط لمقالات حول موضوع العلاقة بين الأنباط والعرب والآراميين: العرب والنبط والآراميون: مقاربة أنثروبولوجية للأصول والعلاقات وعلاقة الآشوريين والكلدان المعاصرين بالقدماء المنقرضين.

1- العرب والنبط والآراميون: مقاربة أنثروبولوجية

https://www.al-akhbar.com/Opinion/344047

2-السريان والآراميون: مقاربة للأصول والعلاقات والتجليات [2/2]

https://www.al-akhbar.com/Opinion/344125

3-الآشوريون والكلدان المعاصرون... سريان آراميون متأشورون!

https://www.al-akhbar.com/Opinion/379228

لم تعد كلمة بودكاست (Podcast) تنطبق على معناها، فهي كانت تعني في الأصل "البث الصوتي / التدوين الصوتي" وقد اشتقت الكلمة من مفردتين؛ الأولى (Pod) المأخوذة من اسم (iPod) والثانية (Broadcast) البث الإذاعي أو التلفزيوني فقد أصبح البودكاست مصوراً هذه الأيام. وقد غزا البودكاست في السنوات القليلة الماضية شبكات التواصل والمواقع المعلوماتية على الانترنيت وحتى القنوات الفضائية أصبح لها بودكاستات خاصة بها بشكل واسع ومتنام.

عصر البودكاست

من الواضح أن البودكاست غدا سلاحاً ذا حدين كما يقال. فهو قد يكون وسيلة نافعة لنشر العلوم والفنون بطريقة سهلة ومناسبة، وقد يكون وسيلة لتضليل الناس وتجهيلهم بطريقة فعالة لا سابق لها. النوع الأخير، الضار، من البودكاست، نجده في ذلك النوع الذي يخوض في أمور علمية بطريقة عشوائية وسطحية في آن واحد ويكون دافعه الأقوى هو السعي وراء الشهرة الرخيصة والسهلة. على النقيض من النوع الأول المفيد لوجود أهداف أخرى نبيلة وعلمية وهو قليل ونادر ومحترم يقدمه أناس متخصصون أو شبه متخصصين يحترمون ع- قول الناس وعقولهم.

مناسبة هذا الكلام هي أنني اطلعت على حوار مصور "بودكاست" قبل أيام. كان الحوار فيه مع سيدة لبنانية تصف نفسها بالباحثة في الحضارات واللغات القديمة، وعنوان الحوار "الكلمات السريانية في القرآن. ماذا تكشف مخطوطات صنعاء". سأنشر رابط الفيديو في نهاية الجزء الثاني من هذه المقالة وفيه تجدون اسم المتحدثة واسم محاورتها، فما يهمني بالدرجة الأولى هو نقد الأفكار والمعلومات الواردة في هذا التسجيل وليس أسماء الأشخاص إذا لم يكونوا باحثين معروفين بإنجازهم العلمي.

معلوم أن هذا ليس البودكاست الأول حول القرآن والإسلام ونبي الإسلام وشخصيات إسلامية مهمة، بطرق لا تمت بصلة إلى المنهجيات العلمية المعتمدة ولكنها تتلطى خلفها آخذةً بأسلوب الفرقعة الإعلامية والإبهار المعلوماتي المشوِّش والموشوَّش غالباً. ولكنه قد يكون البودكاست الأحدث من نوعه والأكثر تخليطاً وعشوائية لا سيما في مواضيع تخصصية معقدة كاللسانيات واللغات واللهجات والأبجديات القديمة. وإذا كان من حق الناس أن تقول ما تريد وبالطريقة التي تشاء فإن من حق الآخرين أن يردوا عليهم الكلمة بالكلمة والفكرة بالفكرة بلا قسر أو عنف أو تكميم للأفواه.

خلط مرتجل ولا علمي مؤسف

في إجابة لها على سؤال قالت السيدة المتحدثة - وسوف أحرر إجاباتها باللغة العربية الفصيحة لأنها كانت تتحدث بلهجة عامية مطعمة بكلمات إنكليزية: "كشف علماء اللغات السامية أن القرآن الذي كُتب في زمن النبي محمد وعثمان بن عفان كان بالخط النبطي". ثم توضح المتحدثة أن الأنباط هم آراميون سريان 100%". وفي مداخلاتها اللاحقة ستكف المتحدثة عن استعمال اسم "الآرامية" وتستعمل السريانية فقط، حاشرة معلومة تقول "أن جميع الكتاب والعلماء في البلاط الأموي كانوا كلهم سريان" وهذا تعميم ومبالغة لا يمكن قبولهما تأريخياً فالأمر يتعلق بمستشار معاوية بن أبي سفيان المسمى سرجون بن منصور الذي كان يلقب بالرومي وابنه يحيى بن سرجون وعدد آخر من الأشخاص السريان الذين يجيدون اللغتين العربية واللغة اليونانية البيزنطية لتعريب الدواوين الحكومية، ثم ما علاقة هذا بذاك؟

ولي على هذا الخلط المؤسف في المصطلحات والأسماء، وعلى هذا الكلام الخالي من أي توثيق أكاديمي مأخذان؛ الأول هو إنَّ المتحدثة لم تذكر لنا اسم واحد من هؤلاء "العلماء في اللغات السامية" الذين قالوا بذلك الرأي، أو اسم كتاب واحد من كتبهم. إنه كلام مرسل وعلى العواهن ولا يعتد به في لغة البحث العلمي.

المأخذ الثاني هو الخلط وعدم التفريق بين مصطلحات ذات ماهيات وأنساق منهجية مختلفة رغم تقاربها الجذوري كالنبطية والآرامية والسريانية. فالثابت أن النبطية والسريانية والمندائية هي لهجات من لغة قديمة هي الآرامية. وهي واحدة من لغات ولهجات أسرة العائلات الجزيرية "السامية" الشمالية الغربية. أي إنها لغة شقيقة للغة العربية، التي ستكون الوريثة الوحيدة للغات السامية القديمة، والتجلي اللغوي والثقافي الأخير والحي لها. أي إنَّ العربية ليست لغة أجنبية كاللغات الفارسية واللاتينية واليونانية. وإذا شئنا التفصيل قلنا؛ إنَّ هناك فرقا كبيرا بين لغة الكلام أي لغة "اللسان" واللغة الكتابة "أي القلم".

فيمكننا أن نكتب اللسان الآرامي بالقلم المسماري ويمكن أن نكبته بالخط الآرامي النبطي أو العربي أو الفرنسي المعاصر أو غير ذلك. علما أن الخط الآرامي ليس خطأ أصيلاً فهو مشتق من الخط الفينيقي وقد تطور بعد قرون إلى ما استقر عليه كما أثبت العلمان الفرنسي جان جاك بارتلمي والألماني ويلهلم جيزينيوس، ومن العلماء العرب رمزي بعلبكي وبهجت قبيسي والمصري اليهودي إسرائيل ولفنسون.

فرضيتان حول أصل الخط العربي

أما عن رأي المتحدثة في أن أصل الخط العربي هو الخط النبطي المشتق من الآرامي فهذه فرضية واحدة من فرضيتين. وكان الأفيد أن تذكرهما باقتضاب، فلنلق نظرة عليهما:

الأولى: أصل الخط العربي هو الخط النبطي الآرامي بدليل الخصائص المشتركة بين الخطين، ووجود تشابه كبير في اتصال الحروف ببعضها (الخط النسجي/المشبك) وغياب حروف العلة القصيرة واعتماد الأبجدية على الصوامت "غير المعتلة". وممن قالوا بهذه الفرضية الألماني نولدكه وزميله إدوارد بير والفرنسي رينيه دوسو.

أما الفرضية الثانية فتقول إن الخط العربي مشتق من خط المُسْنَد اليماني الحميري الذي انتقل إلى الحيرة والأنبار ثم اتجه جنوبا نحو الحجاز. وتقوم هذه الفرضية على ثلاثة أنواع من الأدلة:

1- الأدلة التراثية والتاريخية كأقوال ابن خلدون: اعتمدت هذه النظرية بشكل أساسي على ما ذكره ابن خلدون في مقدمته؛ حين قال إنَّ الخط العربي بلغ إحكامه في دولة "التبابعة" وعُرف بـ الخط الحميري. وكلام ابن خلدون وغيرة من مؤرخين قدماء في هذه القضايا لا يعول عليه إلا بحدود ضيقة لأنه أقرب الى التخمينات والظنون في الثقافات والروايات الشفهية إلا إذا كان مدعوما بأدلة أركيولوجية من نقوش وما شابه.

2- أدلة تعتمد على سلسلة الانتقال الجغرافي: تروي المصادر التراثية (مثل البلاذري وابن النديم) أن الخط المسند انتقل من اليمن إلى قبائل كندة في أثناء إقامتهم في وسط الجزيرة العربية. ومن كندة انتقل إلى قبائل المناذرة في الحيرة والأنبار بالعراق، حيث تهذَّب الحرف وتطور وتحول إلى خط يُسمى "الجزم"، ومن العراق تلقّفه أهل الحجاز (مكة والطائف) قبيل الإسلام. وهذه الأدلة تكون مقبولة إذا أيدتها شواهد من الحالة اللغوية والكتابية التي كانت سائدة في زمان هؤلاء المؤرخين؟

3- الأدلة الأركيولوجية الأثرية ومنها:

- نقوش قرية الفاو(1).

- نقوش المسند في شمال الجزيرة (2).

- هناك فرضية فرعية في هذا الباب ترى أن الخط العربي لم يشتق من المسند الرسمي الجاف المربع المنقوش على الحجر، بل اشتق من خط الزبور اليماني المتصل (3).

ويعتقد أنصار هذا الرأي أن خط الزبور هو الشقيق الشعبي للمسند، وقد يذكرنا هذا التشبيه بالعلاقة بين خط النسخ العربي الوقور الخاص بالنصوص المقدسة والوثائق الرسمية وخط الرقعة السريع والشعبي. وكان خط الزبر يتميز بليونة الحروف وتشابكها واتصالها ببعضها، وهي الميزة الأساسية التي بني عليها الخط العربي الحالي أي الخط ذو الأصل النسجي المتموج مع النسيج القماشي وعجز عنه خط المسند الحجري الجامد/ الصورة.

ولم تحسم قضية أصل الخط العربي بشكل حاسم ونهائي حتى الآن ولكن أنصار الأصل النبطي الآرامي يتمتعون بدرجة أكبر من الانتشار والتبني لوجود كمية أكبر من الأدلة الإركيولوجية. وكان الخط النبطي حلقة وصل بين الكتابة الآرامية المنفصلة الجامدة والكتابة النبطية المرنة المتصلة والتي تطورت كثيرا في الكتابة العربية لاحقا. وعلى هذا فالخط النبطي الجنوبي كما قلنا ليس هو الخط السرياني الشمالي تماما، وربما يخرج علينا الباحثون المتخصصون بفرضية جديدة تجمع بين هاتين الفرضيتين النبطية والمسندية مستقبلا.

أنواع الخطوط الآرامية

أما كلام السيدة المتحدثة في هذا الموضوع فكان أقرب إلى الترقيع، وربما كان للارتجال في الحديث وعدم الإلمام البحثي بالموضوع دوره في تقديمه هذه الخلطة من الآراء والانطباعات.

مما قالته السيدة المتحدثة كدليل على أن الخط الآرامي هو أصل الخط العربي هو أن الخط العربي لم يكن منقطاً (مُعَجَّماً) وهذا يعني أنه خط آرامي وليس عربياً أصلا، لأن الخط والحروف الآرامية غير منقَّطة. وهذا رأي غريب ولا يُتَوقع أن يصدر من شخص يصف نفسه بالباحث. إنَّ كون الحروف العربية غير منقطة، وفق هذا المنطق العجيب، يمكن أن يعني انها لاتينية أو روسية أيضا فالحروف في هاتين اللغتين غير منقطة! ويكفي لتبيان تهافت هذا الرأي أن نقارن بين الحرف العربية بعد رفع النقاط عنها بالحروف الآرامية. علما أن الخط الارامي ليس واحداً، فقد تطور عبر التاريخ ليفرز نوعين رئيسين هما الخط النُصبي (العمودي) والخط المائل (اللين). إضافة إلى خط فرعي يجمع هذين النوعين هو (المنداحايا) أولا، ثم تفرّع لاحقاً إلى ثلاثة خطوط سريانية أساسية في العصر المسيحي، بالإضافة إلى خطوط فرعية ارتبطت بحضارات الشرق القديم. أما من الناحية الشكلانية التاريخية فالقلم الآرامي أو "الأبجدية الآرامية" تفرع إلى عدة خطوط محلية هي: المربع الذي أخذه اليهود وسموه العبري وهو لا علاقة له بالعربية والعبريين إطلاقا والنبطي والتدمري والمندائي(4).

فأي خط آرامي من هذه الخطوط تقصد السيدة المتحدثة ذاك الذي كتب به القرآن، الذي أصبح عربياً بعد تنقيطه؟

خلاصة القول؛ لا يمكن إنكار وجود وجه شبه بين بعض الحروف العربية والحروف الآرامية ولكنه شبه محدود وضعيف وأحيانا يكون بقلب الحرف إلى الجهة المعاكسة كما في حروف السيمكا (السين) والعين والصاد والجيم والباء والراء...إلخ.

وإذا ألقينا نظرة عملية على الحروف الآرامية والعربية بعد تجريدها من النقاط فلا نجد أي تشابه في إحدى طرق الكتابة السريانية الثلاث مثلا بين الباء الآرامية التي تشبه الدال العربية وبين الباء العربية. ولا بين الواو الآرامية وهي دائرة مغلقة تحاكي ضم الشفتين على شكل دائرة عند نطق الواو، أما في الخط العربي فالواو ذات ذيل طويل قد يوحي بامتداد الصوت الواوي المعتل، ولا بين الدال الآرامية الشبيه بعلامة التعجب والدال العربية، ولا بين الحاء الآرامية التي تشبه السين العربية وبين الحاء العربية، ولا بين الكاف الآرامية التي تشبه دال عربية صغيرة والكاف العربية، ولا بين السين الآرامية التي تشبه الهاء العربية والسين المعروفة ذات الأسنان. وينطبق هذا الكلام والتفارق بين الأشكال على غالبية الحروف الآرامية والعربية/ الصورة.

والفرق بين الخطوط السريانية كبير وملحوظ وخصوصا في خط الباء "بيث"(5).

وأخيرا فالكتابة السريانية بأنواعها المتقدمة لا تخلو من النقاط بل استعملت النقاط قبل الكتابة العربية بعدة قرون ولكن النقاط في السريانيات تستخدم لأغراض نحوية وصوتية.

وكل ما تقدم من معلومات متوفر ومشروح جيدا في الموسوعات المعلوماتية المفتوحة ويمكن بسهولة الاطلاع عليها وليس حكرا على من يتكلم اللغة الآرامية بلهجتها السريانية ولكن سيكون من المفيد أكثر أن يكون ذلك ممن يتكلمونها.

الأوغاريتية أقرب للعربية منها للآرامية

أما الكتابة بالأبجدية الأوغاريتية فهي الأصل الأقدم من الأبجدية الفينيقية وبعدها الآرامية. والمدهش، الذي قد يصدم بعض الناس اليوم هو أن الأوغاريتية قريبة من الفينيقية والعربية معا وبعيدة بعض الشيء عن الأبجدية الآرامية. وسأتوقف عند هذه النقطة لاحقا، ولكن لنعد إلى اللغة الآرامية لنجد أنها تنقسم إلى قسمين رئيسين هما: اللهجات الآرامية الغربية وتضم السريانية الغربية ولهجة معلولا، واللهجات الآرامية الشرقية وتضم السريانية والمندائية والآشورية الحديثة (السورث).

أما من حيث العمر الكرونولوجي اللغوي فلدينا اللهجات الآرامية القديمة "بضمنها الآرامية الإمبراطورية" والآراميات الوسطى: النبطية والتدمرية والفلسطينية الغربية. واللهجات الحديثة: ما زالت تُحكى حتى اليوم في قرى قليلة بسوريا مثل معلولا وجبعدين وبخعا، وفي بعض مناطق لبنان سابقا.

تشمل اللهجات الآرامية الشرقية السريانية (لهجة الرها). والمندائية: لهجة خاصة بالصابئة المندائيين في العراق وتُستخدم في كتبهم الدينية. أما اللهجة الآشورية والكلدانية الحديثة (السورث) فلا علاقة لهما باللهجة باللغة الآشورية القديمة التي هي أكدية شمال الرافدين والبابلية التي هي أكدية الجنوب. ولا علاقة لمن يتحدثون بها اليوم يسمون أنفسهم مجازاً بالآشوريين والبابليين القدماء. فالآشوريون القدماء وكذلك الكلدان البابليون القدماء انقرضوا كبشر وهويات أو ذابوا واندمجوا في شعوب المنطقة الأخرى شانهم شأن السومريين - إن صح وجودهم كشعب - والأكديين من قبلهم كما يرى الباحثان العراقيان بهنام أبو الصوف وموفق نيسكو اللذان يعدان الآشوريين والكلدان المعاصرين سريان نساطرة تحولوا الى كاثوليك لاحقا.

إذن، يمكن أن نقول إنَّ الأنباط قوم آراميون، ولهجتهم لهجة آرامية ولكن لا علاقة لهم بالسريان فهذه الكلمة تحيل إلى لهجة أخرى لاحقة زمنيا يتكلم بها الآراميون الذين كفوا عن استعمال اسم الآرامية لأنها كلمة تحيل إلى التراث الوثني، أما السريان فقد مالوا إلى تكريس هذه الكلمة "السريان/ السريانية" في مرحلتهم المسيحية في إقليم سوريا الذي سماه العرب وما يزالون "بلاد الشام". أما محاولة تحويل السريانية إلى هوية قومية لبلاد الشام أو لعموم المشرق العربي فهي فكرة واضحة عن الطريقة المؤسفة التي يفكر بها زبائن البودكاستات!

إن الكتابة بالأبجدية الأوغاريتية من حيث القواعد والمعجم المفرداتي أقرب للعربية حيث تعد الأوغاريتية "شقيقة كبرى" للعربية الفصحى؛ فالأوغاريتية تحتوي على ثلاثين صوتاً والعربية على ثمانية وعشرين صوتاً، وتتطابقان في وجود أصوات تميزت بها عن بقية اللغات السامية هي الحروف الروادف الستة الضاد، الظاء، الغين، الخاء، الثاء، الذال. كما تشترك اللغتان في نظام الإعراب الكامل (الرفع، النصب، الجر).

ثم إنَّ الأوغاريتية أبعد عن الآرامية القديمة عمرياً، ففي عصر ازدهار أوغاريت (1400 ق.م)، لم تكن اللغة الآرامية قد ظهرت ككيان لساني وقلمي مستقل؛ فالبدو الآراميون لم يبرزوا في التاريخ كقوة سياسية ولغوية في عمق بلاد الشام إلا بعد سقوط أوغاريت بنحو ثلاثة قرون (حوالي 1000- 900 ق.م). يتبع في الجزء القادم والأخير وفيه سأنشر رابط البودكاست موضوع الحديث. وللحديث صله.. يتبع

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

.................

هوامش:

[1] - يُعد اكتشاف موقع قرية الفاو (عاصمة مملكة كندة الأولى في وادي الدواسر/ المملكة السعودية) دليلاً رئيسياً للمؤيدين. فقد عُثر هناك على نقوش مكتوبة بـ خط المسند، ولكنها تُعبر عن لغة عربية شمالية فصيحة وليست لغة حميرية. وقد عدَّ الباحثون ذلك دليلاً على أن العرب الشماليين استخدموا المُسْنَد في البداية ثم تطور لاحقا.

2- عثر علماء الآثار على نقوش للمسند (بأشكاله المحلية مثل الثمودي والصفائي واللحياني) وفي الحِجر (مدائن صالح) وبادية الشام والأنبار العراقية ونفوذ حائل النجدية. هذا الانتشار يُثبت أن المسند كان القلم السائد للكتابة في كامل شبه الجزيرة العربية وخصوصا في شمالها لقرون طويلة.

3 - الزبور خط سريع ولين، وثمة خفة ورشاقة في كتابته ودقة في قدرته التوصيلية والحركة والتشكيل بحسب قدرات الكاتب. وبهذا الخط كانت تكتب المراسلات والمعاملات على أعواد وصفائح خشبية مثل عُسب النخيل والعشار والعرعر. وكلمة الزبور تعني نصا، صحيفة أو كتابا. والجذر زَبَرَ يعني كتب ودون.

4 - الباء في الخطوط الآرامية الثلاثة:

- في خط الإسطرنجيلي (النُصبي): يُرسم بزاوية قائمة حادة، حيث ينزل الخط عمودياً ثم ينعطف أفقياً على السطر ليشبه الزاوية القائمة المفتوحة من جهة اليسار والمغلقة من الأسفل.

- خط السرطو (المائل): يُرسم كسِنَّة مائلة صغيرة تشبه تماماً الباء العربية في أول الكلمة (بـ)، لكنه يحافظ على هذا الشكل القصير والمنحني حتى لو جاء في آخر الكلمة.

- خط المدنحايا (الشرقي): يُرسم بشكل مربع مدور قليلاً من الأسفل، ويشبه الصندوق المفتوح من الأعلى واليسار.

5- النقاط في السريانيات: مثلا، توضع نقطة واحدة فوق الحرف أو تحته لتغيير طريقة نطق ستة حروف بين اللين والقسوة. ونقطة تحت الدال لتفريق بينها وبين الراء. وتوضع نقطتان في حالة جمع الكلمة. وتستعمل النقطة المفردة او النقطتان في الكتابة المدنحاينية "الشرقية" لتمييز الحروف المعتلة الطويلة عن القصيرة أي حركات الضمة والفتحة والكسرة.

بين تحديات التحول الرقمي ورهانات الحفاظ على الهوية الحضارية

على سبيل الافتتاح: تعتبر اللغة من أحد أهم المقومات المؤسسة لوجود الأمم واستمرارها الحضاري، حيث لا تقتصر وظيفتها على كونها أداة للتواصل والتعبير، بل تتجاوز ذلك لتصبح وعاء للذاكرة الجماعية، ومستودعا للقيم والمعارف، وحافظة للهوية الثقافية والتاريخية للشعوب. ومن هذا المنطلق، اكتسبت اللغة العربية مكانة خاصة في الوجدان العربي والإسلامي، بوصفها لغة القرآن الكريم، ولسان التراث الفكري والأدبي والعلمي الذي أسهم في بناء الحضارة الإنسانية عبر قرون طويلة. وقد استطاعت العربية، رغم تعاقب الأزمنة وتعدد التحديات، أن تحافظ على حضورها واستمراريتها، وأن تؤدي دورا محوريا في توحيد المجال الثقافي العربي والإسلامي.

غير أن التحولات الكبرى التي شهدها العالم المعاصر، وفي مقدمتها ظاهرة العولمة وما صاحبها من ثورة رقمية هائلة، أفرزت واقعا لغويا وثقافيا جديدا، اتسم بتسارع تدفق المعلومات، واتساع فضاءات التواصل، وتنامي هيمنة اللغات العالمية، خاصة اللغة الإنجليزية، في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والبحث العلمي والإعلام الرقمي. وقد أدى هذا الواقع إلى بروز تحديات متزايدة أمام اللغة العربية، تمثلت في تراجع استعمالها في بعض المجالات الحيوية، واتساع نطاق الازدواجية اللغوية، وهيمنة المصطلحات الأجنبية، وضعف حضور العربية في الصناعات الرقمية الحديثة.

ولا يمكن النظر إلى العولمة بوصفها ظاهرة سلبية خالصة أو إيجابية مطلقة، بل هي عملية تاريخية مركبة تتيح فرصا وتفرض تحديات في الوقت نفسه. فإذا كانت العولمة قد أسهمت في تعميق التبادل المعرفي والثقافي بين الشعوب، فإنها أوجدت أيضا أشكالا جديدة من التنافس اللغوي والثقافي، جعلت بعض اللغات أكثر قدرة على الانتشار والتأثير بفعل القوة الاقتصادية والعلمية والسياسية التي تستند إليها. ومن ثمّ، أصبح الحفاظ على اللغة العربية وتطويرها رهينا بمدى قدرتها على الاندماج في العصر الرقمي، واستيعاب المستجدات العلمية والتكنولوجية، والانفتاح على معطيات المعرفة الحديثة دون التفريط في خصوصيتها الحضارية.

لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن اللغات لا تضعف بسبب بنياتها الداخلية، وإنما تتأثر بواقع المجتمعات التي تتحدث بها، فازدهار اللغة مرتبط بازدهار البحث العلمي، وتقدم التعليم، وقوة الإنتاج الثقافي والمعرفي. ومن هذا المنظور، فإن مستقبل اللغة العربية لا يتحدد فقط بالدفاع العاطفي عنها، بل يتطلب سياسات لغوية واضحة، وإصلاحا عميقا لمنظومة التعليم، وتطويرا لمناهج تدريس اللغة، وتوسيع حضورها في الإعلام، وتعزيز استخدامها في مجالات العلوم والتقنيات الحديثة.

وفي ظل التحولات الرقمية الراهنة، وما يشهده العالم من تطور متسارع في مجالات الذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية والتطبيقات اللغوية، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في موقع اللغة العربية داخل الفضاء الرقمي العالمي، والعمل على تحويلها من لغة مستهلكة للتكنولوجيا إلى لغة منتجة للمعرفة ومساهمة في صناعة المستقبل.

وانطلاقا من هذه المعطيات، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة واقع اللغة العربية في عصر العولمة، من خلال تحليل التحديات التي تواجهها، واستكشاف الفرص التي تتيحها الثورة الرقمية، واقتراح سبل عملية لتعزيز حضورها في مجالات التعليم والإعلام والبحث العلمي والتكنولوجيا، بما يضمن استمرار دورها الحضاري والثقافي في عالم يشهد تحولات متسارعة.

 إشكالية الدراسة:

يشهد العالم المعاصر تحولات متسارعة فرضتها العولمة والثورة الرقمية، وأعادت تشكيل أنماط التواصل والإنتاج المعرفي والثقافي، الأمر الذي جعل اللغات تدخل في فضاء تنافسي غير مسبوق، تتحدد فيه مكانتها بمدى قدرتها على مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي. وفي ظل هذا الواقع، تواجه اللغة العربية جملة من التحديات المرتبطة بتراجع حضورها في بعض مجالات التعليم العالي والبحث العلمي، واتساع هيمنة اللغات الأجنبية في الفضاء الرقمي، فضلا عن انتشار اللهجات المحلية واللغات الهجينة في وسائل التواصل الاجتماعي، بما يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل العربية وقدرتها على الحفاظ على مكانتها الحضارية.

وفي المقابل، فإن الثورة الرقمية ذاتها تتيح فرصا واعدة لإعادة الاعتبار للغة العربية من خلال توظيف التقنيات الحديثة، والذكاء الاصطناعي، والتطبيقات اللغوية، والمنصات التعليمية، بما يمكن أن يسهم في توسيع انتشارها وإثراء محتواها الرقمي وتعزيز حضورها العالمي.

وانطلاقا من ذلك، تتمحور إشكالية هذه الدراسة حول السؤال الرئيس الآتي:

كيف يمكن للغة العربية أن تحافظ على هويتها الحضارية وتطور وظائفها المعرفية في ظل التحولات التي فرضتها العولمة والثورة الرقمية؟

ويتفرع عن هذا السؤال عدد من الأسئلة الفرعية، من لعل من أهمها ما يلي:

ما المقصود بالعولمة اللغوية؟ وما أبرز انعكاساتها على اللغة العربية؟

ما أهم التحديات التي تواجه اللغة العربية في مجالات التعليم والإعلام والبحث العلمي؟

كيف أسهمت الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الواقع اللغوي العربي؟

ما السبل الكفيلة بتعزيز حضور اللغة العربية في الفضاء الرقمي والمعرفي العالمي؟

وكيف يمكن تحقيق التوازن بين الانفتاح على اللغات الأجنبية والحفاظ على الهوية اللغوية العربية؟

أهداف الدراسة:

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف العلمية والمعرفية، لعل من أبرزها ما يأتي:

إبراز المكانة الحضارية للغة العربية ودورها في بناء الهوية الثقافية للأمة.

تحليل مفهوم العولمة وآثارها في الواقع اللغوي العربي.

تشخيص أبرز التحديات التي تواجه اللغة العربية في العصر الرقمي.

بيان الفرص التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة لتطوير العربية ونشرها عالميا.

إبراز أهمية التكامل بين المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية في خدمة اللغة العربية.

اقتراح آليات عملية لتطوير تعليم العربية وتعزيز حضورها في مجالات البحث العلمي والذكاء الاصطناعي.

الإسهام في إثراء النقاش الأكاديمي حول مستقبل اللغة العربية في ظل التحولات العالمية الراهنة.

 أهمية الدراسة:

تنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تتناول قضية تمس أحد أهم مقومات الهوية الحضارية والثقافية للأمة العربية، في مرحلة تاريخية تشهد تحولات عميقة في وسائل إنتاج المعرفة وتداولها. فاللغة لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت عنصرا أساسيا في تحقيق التنمية، وبناء الاقتصاد المعرفي، وتعزيز الحضور الثقافي للدول داخل النظام العالمي الجديد.

وتكتسب الدراسة أهميتها أيضا من سعيها إلى تجاوز الطرح التقليدي الذي يختزل العلاقة بين اللغة العربية والعولمة في إطار الصراع أو التهديد، لتقديم رؤية أكثر توازنا تقوم على اعتبار العولمة فضاء يمكن استثماره لخدمة العربية، إذا ما توفرت الإرادة المؤسسية، والسياسات اللغوية الرشيدة، والاستثمار الحقيقي في البحث العلمي والتكنولوجيا.

كما تستمد الدراسة قيمتها من ارتباطها بقضايا معاصرة، مثل التحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وصناعة المحتوى العربي، والترجمة الآلية، والتعليم الإلكتروني، وهي موضوعات أصبحت تشكل محورا رئيسا في النقاشات العلمية والثقافية، وتفرض ضرورة إعادة صياغة السياسات اللغوية بما ينسجم مع متطلبات العصر، دون التفريط في الخصوصية الحضارية للغة العربية أو رسالتها الثقافية والإنسانية.

اللغة العربية ومقومات حضورها الحضاري:

اللغة العربية بين الأصالة والامتداد الحضاري:

إن اللغة العربية تعتبر من أعرق اللغات الحية التي حافظت على استمراريتها عبر التاريخ، حيث ارتبطت منذ نشأتها بمسار حضاري طويل أسهم في تشكيل الوعي الثقافي والفكري للأمة العربية والإسلامية. ولم يكن انتشارها نتيجة عوامل لغوية فحسب، بل جاء أيضا ثمرة لارتباطها بالدين الإسلامي، وبدورها في نقل العلوم والمعارف، واحتضانها لحركة التأليف والترجمة والإبداع التي ازدهرت خلال العصور الإسلامية المختلفة.

وقد اكتسبت العربية مكانة عالمية لكونها لغة القرآن الكريم، الأمر الذي منحها خصوصية لم تحظ بها كثير من اللغات الأخرى، وجعلها تتجاوز حدود الانتماء القومي لتصبح لغة دينية وثقافية يتواصل بها ملايين المسلمين في مختلف أنحاء العالم. كما أسهمت في بناء منظومة معرفية متكاملة شملت علوم اللغة، والفقه، والفلسفة، والطب، والفلك، والرياضيات، وغيرها من العلوم التي انتقلت إلى الحضارة الأوروبية وأسهمت في نهضتها.

ولم تكن العربية مجرد أداة لنقل المعرفة، بل كانت وعاء للإبداع الإنساني، إذ ازدهر بها الشعر والخطابة والنثر، وظهرت من خلالها مدارس أدبية وفكرية كان لها أثر بالغ في تطور الفكر الإنساني. كما استطاعت أن تستوعب مختلف الثقافات التي تفاعلت معها واحتكت بها، وأن تعرب آلاف المصطلحات العلمية والفلسفية دون أن تفقد خصائصها أو بنيتها اللغوية.

خصائص اللغة العربية ومقومات بقائها:

تتميز اللغة العربية بجملة من الخصائص التي أسهمت في بقائها واستمرارها عبر القرون، وفي مقدمة هذه الخصائص ثراؤها المعجمي، ومرونتها الاشتقاقية، ودقة نظامها الصرفي والنحوي، وقدرتها على توليد الألفاظ الجديدة بما يتلاءم مع المستجدات الحضارية والعلمية. فالاشتقاق، على سبيل المثال، يمنح العربية قدرة كبيرة على إنتاج مفردات حديثة انطلاقا من جذور لغوية أصيلة، وهو ما يجعلها لغة قابلة للتطور دون الحاجة إلى التفريط في هويتها.

كما تمتاز العربية بدقة التعبير، وغنى الأساليب البلاغية، وتنوع مستوياتها الدلالية، وهو ما جعلها لغة قادرة على استيعاب النصوص الدينية والفلسفية والعلمية والأدبية بدرجة عالية من الإحكام والوضوح. ويضاف إلى ذلك نظامها الصوتي المتوازن، الذي أسهم في الحفاظ على كثير من خصائصها عبر العصور، مقارنة بلغات أخرى شهدت تغيرات جذرية في بنيتها.

ومن أبرز عوامل قوة العربية أيضا امتلاكها تراثا علميا وأدبيا ضخما، يشكل رصيدا معرفيا وحضاريا متراكما، ويمنحها قدرة مستمرة على التفاعل مع مختلف التحولات الفكرية والثقافية. فاللغة التي تمتلك تراثا غنيا تكون أكثر استعدادا لتجديد نفسها واستثمار خبراتها التاريخية في مواجهة التحديات الجديدة.

 اللغة العربية والهوية الحضارية:

ترتبط اللغة العربية ارتباطا وثيقا بالهوية الحضارية للمجتمعات العربية، فهي تمثل الإطار الذي تنتقل من خلاله القيم والعادات والتقاليد والذاكرة التاريخية من جيل إلى آخر. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتخاطب، وإنما هي نظام ثقافي متكامل يعكس رؤية المجتمع للعالم، ويجسد منظومته الفكرية والأخلاقية والحضارية.

ومن هذا المنطلق، فإن المحافظة على اللغة العربية تعني في جوهرها المحافظة على الهوية الثقافية، وحماية الخصوصية الحضارية من الذوبان في أنماط ثقافية وافدة قد تؤدي إلى إضعاف الانتماء اللغوي والثقافي. لذلك، فإن قضية العربية لم تعد قضية لغوية محضة، بل أصبحت قضية تنموية وثقافية واستراتيجية ترتبط بمستقبل المجتمعات العربية وقدرتها على إنتاج المعرفة وتعزيز استقلالها الحضاري.

ومع هذا، فإن الحفاظ على الهوية اللغوية لا يعني الانغلاق أو رفض الانفتاح على اللغات الأخرى، بل يقتضي إقامة علاقة متوازنة تقوم على الإفادة من منجزات الحضارات المختلفة، مع تعزيز مكانة العربية باعتبارها لغة للعلم والتعليم والإبداع. فالتجارب الدولية تؤكد أن الأمم التي نجحت في تحقيق التنمية لم تتخل عن لغاتها الوطنية، بل جعلتها أساسا للإنتاج العلمي، مع الانفتاح الواعي على اللغات الأجنبية بوصفها أدوات للتواصل واكتساب المعرفة.

ومن ثم، فإن مستقبل اللغة العربية لا يتوقف على الدفاع الخطابي عنها، وإنما يرتبط بقدرة المؤسسات التعليمية والبحثية والثقافية على تحويلها إلى لغة فاعلة في مجالات الابتكار والتكنولوجيا والاقتصاد المعرفي، بما يضمن استمرار رسالتها الحضارية في عالم يشهد تغيرات متسارعة.

 العولمة وتحولات المشهد اللغوي والثقافي:

العولمة وإعادة تشكيل الواقع اللغوي:

أصبحت العولمة من أبرز الظواهر التي أعادت صياغة العلاقات بين الشعوب والثقافات، حيث لم تعد تقتصر على الجوانب الاقتصادية والتجارية، بل امتدت آثارها إلى مجالات الفكر والإعلام والتعليم واللغة. وقد أسهم التطور الهائل في وسائل الاتصال والتكنولوجيا الرقمية في تسريع انتقال الأفكار والمعلومات، مما جعل العالم فضاء معرفيا مفتوحا تتفاعل داخله اللغات والثقافات بصورة غير مسبوقة.

وفي هذا السياق، برزت اللغة بوصفها إحدى أدوات القوة ، إذ ارتبط انتشارها بمكانة الدول اقتصاديا وعلميا وتقنيا. لذلك، اكتسبت بعض اللغات حضورا عالميا واسعا نتيجة ارتباطها بالإنتاج العلمي والتكنولوجي، في حين وجدت لغات أخرى نفسها أمام تحديات متزايدة تتعلق بالحفاظ على وظائفها الثقافية والعلمية داخل مجتمعاتها.

ولا يعني ذلك أن العولمة تستهدف اللغات الوطنية بصورة مباشرة، وإنما تفرض واقعا تنافسيا جديدا يجعل بقاء اللغة وتطورها مرتبطين بقدرة المجتمع على إنتاج المعرفة، وتطوير التعليم، والاستثمار في البحث العلمي والابتكار. ومن ثم، فإن مستقبل اللغة لم يعد رهينا بعدد الناطقين بها فقط، بل أصبح مرتبطا أيضا بحجم حضورها في الاقتصاد الرقمي، والمنصات الإلكترونية، وقواعد البيانات العالمية.

 التحديات التي تواجه اللغة العربية في عصر العولمة:

فرضت العولمة على اللغة العربية تحديات متعددة، لعل من أبرزها تنامي هيمنة اللغات الأجنبية في مجالات العلوم الدقيقة والتكنولوجيا والاقتصاد، الأمر الذي دفع كثيرا من المؤسسات التعليمية والبحثية إلى اعتماد لغات أجنبية في التدريس والنشر العلمي، وهو ما انعكس على محدودية إنتاج المعرفة باللغة العربية في بعض التخصصات الحديثة.

ومن التحديات كذلك اتساع الفجوة الرقمية، حيث أن المحتوى العربي على شبكة الإنترنت لا يزال أقل من حجم الحضور الديموغرافي للناطقين بالعربية، سواء من حيث الكم أو الجودة. كما أن ضعف الاستثمار في البرمجيات اللغوية، ومعالجة اللغة الطبيعية، والترجمة الآلية، أسهم في الحد من قدرة العربية على المنافسة داخل البيئة الرقمية.

ويضاف إلى ذلك انتشار أنماط لغوية هجينة في وسائل التواصل الاجتماعي، تمزج بين العربية واللغات الأجنبية، أو تعتمد الحروف اللاتينية في كتابة الكلمات العربية، وهو ما يؤثر تدريجيا في سلامة الاستعمال اللغوي، خاصة لدى فئة الشباب. كما أسهمت بعض الممارسات التعليمية والإعلامية في إضعاف الثقة باللغة العربية، من خلال ربط التقدم العلمي بإتقان اللغات الأجنبية وحدها، بدل ترسيخ ثقافة التعدد اللغوي المتوازن.

ومن التحديات أيضا غياب سياسة لغوية عربية موحدة، وتفاوت جهود التعريب بين الدول العربية، مما أدى إلى تعدد المصطلحات العلمية، وصعوبة توحيدها، وإبطاء حركة إنتاج المعرفة باللغة العربية.

 الفرص التي تتيحها العولمة للغة العربية:

على الرغم من هذه التحديات، فإن العولمة تتيح فرصا حقيقية للنهوض باللغة العربية إذا ما تم استثمارها بشكل جيد. فقد وفرت الثورة الرقمية إمكانات واسعة لنشر المحتوى العربي عبر المنصات الإلكترونية، وإتاحة المصادر العلمية، وإطلاق المبادرات التعليمية المفتوحة التي تسهم في تعليم العربية للناطقين بها و للناطقين بغيرها.

كما أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومعالجة اللغات الطبيعية، والترجمة الآلية، يفتح آفاقا جديدة أمام تطوير التطبيقات اللغوية، وإنشاء المعاجم الرقمية، وبناء قواعد بيانات لغوية ضخمة، وتحسين أدوات التدقيق اللغوي، والتعرف الآلي على الكلام، وإنتاج المحتوى المعرفي باللغة العربية.

ومن جانب آخر، أصبحت وسائل الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي فضاء رحبا لإبراز الإبداع العربي، ونشر الثقافة العربية، والتعريف بالتراث الحضاري للأمة، شريطة توجيه هذه الوسائط نحو إنتاج محتوى علمي وثقافي رصين يجمع بين جودة المضمون وجاذبية العرض.

ومن ثم، فإن العولمة ليست قدرا يهدد اللغة العربية، وإنما تمثل تحديا حضاريا يفرض الانتقال من مرحلة الدفاع عن اللغة إلى مرحلة الاستثمار في إمكاناتها، وتحويلها إلى لغة قادرة على إنتاج المعرفة، والتفاعل مع التحولات العلمية، والإسهام في بناء المجتمع الرقمي المعاصر.

ويؤكد ذلك أن مستقبل العربية لن يتحدد بقدرتها على مقاومة العولمة، بل بقدرتها على المشاركة الفاعلة فيها، من خلال تعزيز البحث العلمي، وتطوير التعليم، وتشجيع الابتكار، وتوسيع حضورها في الفضاء الرقمي العالمي، بما يرسخ مكانتها كلغة للثقافة والعلم والتنمية في القرن الحادي والعشرين.

 اللغة العربية في ظل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي:

 التحول الرقمي وآفاق تطوير اللغة العربية:

أحدثت الثورة الرقمية تحولا جذريا في طرائق إنتاج المعرفة وتداولها، إذ انتقلت المجتمعات من الاعتماد على الوسائط التقليدية إلى بيئة رقمية متكاملة تقوم على الحوسبة، والإنترنت، والهواتف الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي، وقواعد البيانات الضخمة. وقد انعكس هذا التحول بصورة مباشرة على واقع اللغات، فأصبح حضورها مرتبطا بمدى جاهزيتها للاندماج في البيئة الرقمية وقدرتها على مواكبة التطورات التقنية المتسارعة.

وفي هذا الإطار، تواجه اللغة العربية تحديا مزدوجا، فمن جهة، يتعين عليها المحافظة على أصالتها وخصائصها اللغوية، ومن جهة أخرى، فهي مطالبة بالانخراط الفاعل في المنظومة الرقمية العالمية حتى لا تتحول إلى لغة محدودة الاستعمال في المجالات العلمية والتكنولوجية. ولهذا، أصبح تطوير البنية الرقمية للعربية ضرورة حضارية، وليس مجرد خيار ثقافي.

ويقتضي هذا التطوير تعزيز المحتوى العربي على شبكة الإنترنت، ودعم المبادرات الرقمية التي تهدف إلى نشر المعرفة باللغة العربية، وتشجيع إنتاج الكتب الإلكترونية، والدوريات العلمية المحكمة، والمنصات التعليمية المفتوحة، بما يسهم في توسيع دائرة استعمال العربية داخل الفضاء الرقمي العالمي.

 الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة العربية:

أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أبرز محركات التحول المعرفي في القرن الحادي والعشرين، لما يوفره من إمكانات هائلة في تحليل البيانات، والتعلم الآلي، ومعالجة اللغات الطبيعية، وإنتاج المحتوى. وقد أتاح هذا التطور فرصا واعدة أمام اللغة العربية، من خلال تصميم تطبيقات قادرة على فهم النصوص العربية، وتحليلها، وترجمتها، واستخراج المعلومات منها بدقة متزايدة.

وتشمل تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال اللغوي أنظمة التدقيق الإملائي والنحوي، والترجمة الآلية، والتعرف على الكلام، وتحويل النصوص إلى صوت، ومحركات البحث الذكية، والمساعدات الرقمية، فضلا عن تقنيات تحليل المشاعر، والتلخيص الآلي، واستخراج المصطلحات، وهي أدوات أصبحت عنصرا أساسيا في الاقتصاد الرقمي وصناعة المعرفة.

غير أن الاستفادة من هذه التقنيات تظل مرتبطة بتوفير مدونات لغوية عربية واسعة، وقواعد بيانات دقيقة، ومعاجم إلكترونية حديثة، ومشروعات بحثية متخصصة في معالجة اللغة العربية، لأن جودة الأنظمة الذكية تعتمد أساسا على جودة البيانات التي تدرب عليها.

ومن هنا، فإن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي اللغوي يمثل استثمارا في مستقبل العربية، ويتيح لها الانتقال من مرحلة الاستخدام التقليدي إلى مرحلة التفاعل الذكي مع مختلف التطبيقات الرقمية.

 المحتوى الرقمي العربي بين الواقع والطموح:

يمثل المحتوى الرقمي أحد أهم مؤشرات الحضور اللغوي في العصر الحديث، إذ أصبحت قيمة اللغة تقاس أيضا بحجم إنتاجها المعرفي في البيئة الإلكترونية، ومدى إسهامها في تداول العلوم والثقافة والمعلومات عبر الوسائط الرقمية.

ورغم الزيادة الملحوظة في المحتوى العربي خلال السنوات الأخيرة، فإنه لا يزال بحاجة إلى تطوير نوعي يركز على الجودة والموثوقية والابتكار، بدل الاقتصار على المحتوى الاستهلاكي أو الترفيهي. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في كثرة النصوص المنشورة، وإنما في إنتاج معرفة عربية أصيلة قادرة على المنافسة عالميا.

ولهذا، فإن الجامعات ومراكز البحث العلمي ودور النشر والمؤسسات الثقافية مطالبة بالاضطلاع بدور أكبر في رقمنة التراث العربي، ونشر الأبحاث العلمية باللغة العربية، وإنتاج الموسوعات الإلكترونية، وقواعد البيانات المفتوحة، بما يسهم في تعزيز مكانة العربية داخل الاقتصاد المعرفي.

 نحو رؤية استراتيجية لمستقبل العربية في العصر الرقمي:

إن نجاح اللغة العربية في مواجهة تحديات الثورة الرقمية لا يتحقق من خلال الاكتفاء بالدعوة إلى المحافظة عليها، وإنما يقتضي تبني رؤية استراتيجية شاملة تجعل منها لغة للإبداع والابتكار والإنتاج العلمي. ويتطلب ذلك تطوير سياسات لغوية وطنية وعربية مشتركة، وربط التعليم بالتحول الرقمي، وتشجيع البحث العلمي في مجال اللسانيات الحاسوبية، وتوسيع التعاون بين الجامعات وشركات التكنولوجيا ومراكز الذكاء الاصطناعي.

كما ينبغي العمل على إعداد جيل جديد يمتلك كفايات لغوية ورقمية متكاملة، قادر على استخدام العربية في البرمجة، وإنتاج المحتوى الرقمي، والبحث العلمي، والتواصل العالمي، بما يعزز مكانة اللغة العربية في بيئة تتسم بالتنافسية العالية.

ومن ثم، فإن مستقبل العربية في العصر الرقمي لا تحدده التكنولوجيا في حد ذاتها، وإنما تحدده الإرادة العلمية والثقافية التي تستثمر هذه التكنولوجيا لخدمة اللغة، وتجعل منها أداة لإنتاج المعرفة، وتعزيز الهوية الحضارية، والمشاركة الفاعلة في بناء الحضارة الإنسانية المعاصرة.

 آليات تعزيز مكانة اللغة العربية في التعليم والإعلام والبحث العلمي:

 إصلاح التعليم بوصفه مدخلا لتمكين اللغة العربية:

يشكل التعليم الركيزة الأساسية في بناء المكانة الحضارية لأي لغة، إذ لا يمكن الحديث عن نهضة لغوية حقيقية في ظل منظومة تعليمية تعاني ضعفا في مناهجها أو اضطرابا في سياساتها اللغوية. ومن ثم، فإن تعزيز حضور اللغة العربية يبدأ بإعادة النظر في فلسفة تعليمها، والانتقال من الأساليب التقليدية القائمة على الحفظ والتلقين إلى مقاربات حديثة تنمي التفكير النقدي، والقدرة على التحليل، والإبداع اللغوي، والتواصل الفعال.

كما يتطلب الأمر تحديث المناهج الدراسية بما يواكب التطورات العلمية والتكنولوجية، وإدماج التطبيقات الرقمية في تعليم اللغة العربية، مع توظيف الوسائط التفاعلية، والمنصات التعليمية، والبرمجيات الذكية التي تجعل تعلم العربية أكثر ارتباطًا بواقع المتعلمين واحتياجاتهم المعرفية.

ومن الضروري كذلك العناية بإعداد المدرس وتأهيله، لأن نجاح أي مشروع لغوي يرتبط بكفاءة العنصر البشري القادر على تحويل المناهج إلى ممارسات تعليمية مؤثرة. لذلك، ينبغي الاستثمار في برامج التكوين المستمر، وتطوير الكفايات الرقمية واللغوية للمدرسين، بما يمكنهم من توظيف التقنيات الحديثة في تعليم العربية.

 الإعلام الرقمي وصناعة الوعي اللغوي:

أصبح الإعلام، بمختلف وسائطه التقليدية والرقمية، من أكثر المؤسسات تأثيرا في تشكيل الذوق اللغوي والوعي الثقافي داخل المجتمع. فاللغة التي تتداولها القنوات التلفزيونية، والإذاعات، والصحف الإلكترونية، ومنصات التواصل الاجتماعي، تترك أثرا مباشرا في أنماط الاستعمال اللغوي لدى الجمهور، ولا سيما لدى فئة الشباب.

ومن هنا، فإن تطوير الإعلام العربي ينبغي أن يقترن بتعزيز استخدام العربية الفصيحة المبسطة، دون تكلف، مع تشجيع البرامج الثقافية والعلمية التي تقدم المعرفة بلغة سليمة وجذابة. كما ينبغي دعم صناعة المحتوى الرقمي العربي، وتشجيع المبادرات التي تستثمر الوسائط الحديثة في نشر الثقافة العربية، وترسيخ قيم القراءة، والإبداع، والحوار.

ولا يقل أهمية عن ذلك تشجيع المؤثرين وصناع المحتوى على توظيف العربية بصورة صحيحة في الفضاء الرقمي، لأنهم أصبحوا يمتلكون تأثيرا واسعا في تشكيل الثقافة اللغوية للأجيال الجديدة.

البحث العلمي وتوطين المعرفة باللغة العربية:

لا يمكن للغة أن تحافظ على مكانتها الحضارية ما لم تتحول إلى لغة منتجة للمعرفة. لذلك، فإن دعم البحث العلمي باللغة العربية يمثل أحد أهم المداخل الاستراتيجية لتعزيز حضورها في العصر الحديث.

ويتطلب ذلك تشجيع الجامعات ومراكز البحث على نشر الدراسات المحكمة باللغة العربية، وتطوير المجلات العلمية، ودعم حركة التأليف والترجمة، وإنشاء قواعد بيانات عربية مفتوحة تتيح للباحثين الوصول إلى المعرفة وتبادلها. كما ينبغي العمل على توحيد المصطلحات العلمية، وتحديثها بصورة مستمرة، حتى تتمكن العربية من استيعاب المستجدات في مختلف التخصصات.

وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الترجمة بوصفها مجرد وسيلة لنقل المعرفة، بل باعتبارها آلية استراتيجية لتوطين العلوم، وإغناء الرصيد المعرفي العربي، وتعزيز التواصل الحضاري مع الثقافات الأخرى.

 نحو سياسة لغوية عربية متكاملة:

إن مواجهة التحديات التي تفرضها العولمة والثورة الرقمية تتطلب تبني سياسة لغوية عربية شاملة، تنطلق من رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وتتكامل فيها جهود المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية والبحثية.

وتقوم هذه السياسة على جملة من المرتكزات، من أبرزها تعزيز مكانة العربية في مختلف مستويات التعليم، وتوسيع استخدامها في البحث العلمي، ودعم مشاريع الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وتشجيع الاستثمار في الصناعات اللغوية، وإقامة شراكات بين الجامعات والمؤسسات التقنية لتطوير تطبيقات تخدم اللغة العربية.

كما تستوجب هذه الرؤية توثيق التعاون بين المجامع اللغوية العربية، وتنسيق جهودها في وضع المصطلحات العلمية، وتحديث المعاجم، وإصدار الأدلة اللغوية الموحدة، بما يسهم في تقليص الفجوة المصطلحية بين الدول العربية، ويعزز وحدة الفضاء اللغوي العربي.

وفي ضوء ذلك، يتبين أن مستقبل اللغة العربية لن تصنعه المبادرات الفردية وحدها، وإنما يحتاج إلى مشروع حضاري متكامل يجعل من اللغة محورا للتنمية الثقافية والعلمية، ويعيد إليها دورها التاريخي بوصفها لغة للإبداع، وإنتاج المعرفة، وبناء الإنسان، والمشاركة الفاعلة في صناعة مستقبل الحضارة الإنسانية.

على سبيل الختام:

تكشف هذه الدراسة أن اللغة العربية تقف اليوم أمام مرحلة تاريخية دقيقة تتجاوز الإشكالات اللغوية التقليدية إلى رهانات حضارية ومعرفية ترتبط بموقعها في عالم يتسم بالتسارع الرقمي والتنافس العلمي. فالعولمة، بما أفرزته من تحولات في أنماط التواصل وإنتاج المعرفة، لم تعد مجرد ظاهرة اقتصادية أو ثقافية، بل أصبحت إطارا عالميا يعيد تشكيل العلاقات بين اللغات، ويجعل بقاءها مرهونا بقدرتها على التكيف مع متطلبات العصر والانخراط في الاقتصاد المعرفي.

وقد بينت الدراسة أن اللغة العربية تمتلك من المقومات التاريخية والحضارية واللسانية ما يؤهلها للاستمرار والازدهار، فهي لغة ذات تراث علمي وثقافي عريق، ونظام لغوي يتميز بالثراء والمرونة والقدرة على الاشتقاق والتجديد. غير أن هذه المقومات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان مستقبل اللغة، ما لم تقترن بإرادة مؤسساتية حقيقية تجعل من العربية لغة للإبداع والبحث العلمي والتكنولوجيا، لا مجرد لغة للتراث والتواصل اليومي.

كما أظهرت الدراسة أن الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي يمثلان، في الوقت نفسه، تحديا وفرصة. فالتحدي يتمثل في هيمنة اللغات الأكثر حضورا في المجالات العلمية والتقنية، وفي محدودية المحتوى العربي الرقمي، أما الفرصة فتتمثل في الإمكانات الهائلة التي تتيحها التقنيات الحديثة لتطوير التطبيقات اللغوية، وإنتاج المعرفة، وتوسيع انتشار العربية عالميا، شريطة الاستثمار في البحث العلمي، واللسانيات الحاسوبية، والصناعات الرقمية.

وانتهت الدراسة إلى أن مستقبل اللغة العربية لا ينبغي أن يبنى على خطاب الدفاع عن الهوية وحده، بل على استراتيجية تنموية تجعل اللغة جزءا من مشروع حضاري شامل، يرتكز على جودة التعليم، وقوة البحث العلمي، وكفاءة الإعلام، وتطوير المحتوى الرقمي، وتفعيل الشراكات بين المؤسسات الأكاديمية والتقنية والثقافية. فكلما ازداد حضور العربية في ميادين الابتكار والإنتاج العلمي، تعززت قدرتها على مواكبة التحولات العالمية والإسهام في بناء الحضارة الإنسانية المعاصرة.

نتائج الدراسة:

أسفرت الدراسة عن جملة من النتائج، لعل من أهمها:

أن اللغة العربية تمتلك مقومات حضارية ولسانية تؤهلها للتفاعل الإيجابي مع متغيرات العصر، متى توفرت البيئة العلمية والمؤسساتية الداعمة.

أن العولمة لا تمثل تهديدا مطلقا للعربية، بل تفرض واقعا تنافسيا يستدعي تطوير أدواتها العلمية والرقمية.

أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أصبحا من أهم العوامل المؤثرة في مستقبل اللغات، مما يجعل الاستثمار في التقنيات اللغوية ضرورة استراتيجية.

أن ضعف المحتوى العربي الرقمي، وتراجع النشر العلمي باللغة العربية في بعض التخصصات، يمثلان من أبرز التحديات التي ينبغي معالجتها.

أن إصلاح التعليم، ودعم البحث العلمي، وتطوير الإعلام، وتوحيد المصطلحات العلمية، تشكل ركائز أساسية للنهوض باللغة العربية.

أن الحفاظ على الهوية اللغوية لا يتعارض مع الانفتاح على اللغات الأجنبية، بل يقتضي تحقيق تكامل يضمن الاستفادة من المنجزات العلمية مع صيانة الخصوصية الحضارية.

توصيات الدراسة:

استنادا إلى النتائج السابقة، توصي الدراسة بما يأتي:

وضع سياسات لغوية عربية متكاملة تعزز حضور اللغة العربية في مختلف القطاعات التعليمية والعلمية والإدارية.

تحديث مناهج تعليم اللغة العربية وربطها بالمهارات الرقمية والتقنيات الحديثة، بما ينسجم مع متطلبات مجتمع المعرفة.

دعم البحث العلمي باللغة العربية، وتشجيع الجامعات ومراكز الدراسات على نشر الإنتاج العلمي الرصين باللغة العربية إلى جانب اللغات الأجنبية.

توسيع الاستثمار في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة العربية، وإنشاء قواعد بيانات ومدونات لغوية مفتوحة  متاحة في خدمة الباحثين والمطورين.

تعزيز المحتوى الرقمي العربي من خلال دعم المبادرات العلمية والثقافية، وتشجيع إنتاج المنصات الإلكترونية والموسوعات الرقمية المحكمة.

توحيد الجهود بين المجامع اللغوية العربية لتطوير المصطلحات العلمية وتحديثها بصورة مستمرة، بما يواكب التطور العلمي العالمي.

تشجيع حركة الترجمة والتعريب، مع الاهتمام بالترجمة  للإنتاج العلمي العربي إلى اللغات العالمية، بما يسهم في إبراز إسهامات الباحثين العرب في الساحة الدولية.

ترسيخ ثقافة الاعتزاز باللغة العربية بوصفها لغة للعلم والإبداع والحضارة، مع تعزيز الانفتاح الواعي على اللغات الأجنبية والثقافات الأخرى في إطار التكامل الحضاري لا التبعية الثقافية.

وبهذا، فإن النهوض باللغة العربية ليس مسؤولية المؤسسات اللغوية وحدها، بل هو مشروع حضاري تشارك فيه الدولة، والجامعة، والمدرسة، ووسائل الإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني، والباحثون، والمبدعون.  حيث بتكامل هذه الجهود، تستطيع اللغة العربية أن تستعيد مكانتها الطبيعية بوصفها لغة قادرة على إنتاج المعرفة، ومواكبة الثورة الرقمية، والإسهام في صياغة مستقبل أكثر ازدهارا للثقافة العربية والإنسانية.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ السياسي والحضاري

 

دراسة في الدوافع والمرتكزات المنهجية وآفاق التأسيس العلمي

على سبيل الافتتاح: يمثل الدرس اللغوي العربي أحد أبرز المنجزات العلمية التي أبدعتها الحضارة العربية الإسلامية، إذ لم ينشأ بوصفه نشاطا معرفيا معزولا أو ترفا فكريا، وإنما كان استجابة علمية واعية لجملة من التحديات الدينية والثقافية والحضارية التي رافقت ظهور الإسلام واتساع رقعة الدولة الإسلامية. فقد وجد العلماء الأوائل أنفسهم أمام نص مقدس يتطلب أقصى درجات الضبط والدقة في القراءة والفهم والتفسير، وهو ما جعل العناية باللغة العربية تتحول من ممارسة فطرية قائمة على السليقة إلى مشروع علمي متكامل يقوم على الملاحظة والاستقراء والتحليل والتقعيد.

لقد كانت العربية، قبل الإسلام، لغة مكتملة البنية في بيئتها الطبيعية، يتداولها أهلها بالسليقة، دون حاجة إلى قواعد مدونة أو مؤلفات لغوية تضبط قوانينها. غير أن نزول القرآن الكريم أحدث تحولا عميقا في مسار التفكير اللغوي، إذ غدت المحافظة على سلامة العربية جزءا من المحافظة على سلامة النص القرآني نفسه، لأن أي خلل في الأداء أو الإعراب قد يفضي إلى اضطراب الدلالة أو الإخلال بالمعنى. ومن هنا تبلورت الحاجة إلى بناء معرفة لغوية تتجاوز الاستعمال الفطري إلى التقعيد العلمي.

وازداد هذا الشعور إلحاحا مع اتساع الفتوحات الإسلامية، واختلاط العرب بغيرهم من الأمم، ودخول أعداد كبيرة من غير الناطقين بالعربية في الإسلام، الأمر الذي أفضى إلى شيوع ظاهرة اللحن، وظهور أنماط جديدة من الاستعمال اللغوي لم تكن مألوفة في البيئة العربية الأولى. وقد أدرك علماء العربية مبكرا أن استمرار هذه الظاهرة يهدد سلامة لغة القرآن، ويضعف قدرة المسلمين على فهم نصوص الوحي فهما صحيحا، فانطلقت حركة علمية واسعة هدفها جمع اللغة، وتوثيق مفرداتها، وتمييز الفصيح من غيره، واستقراء الظواهر اللغوية في مستوياتها الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية.

وفي هذا السياق، لم يقتصر اهتمام العلماء على تفسير غريب القرآن والحديث الشريف، بل توسعت جهودهم لتشمل جمع المادة اللغوية من مصادرها الأصيلة، اعتمادا على الرواية الشفوية والسماع المباشر من القبائل التي حافظت على نقاء لغتها، ولا سيما قبائل قيس وتميم وأسد وهذيل وبعض كنانة وبعض طيء. وقد شكل هذا الجهد الميداني الأساس الذي قامت عليه مختلف علوم العربية، وفي مقدمتها النحو والصرف والمعجم، إذ أتاح للعلماء بناء مدونة لغوية واسعة أصبحت مرجعا لاستنباط القواعد وتقعيد الظواهر اللغوية.

ومع تراكم المادة اللغوية، برزت الحاجة إلى تنظيمها وفق أسس علمية دقيقة، فانتقلت الجهود من مجرد الجمع والرواية إلى مرحلة التصنيف والتبويب، فظهرت الرسائل اللغوية المتخصصة، ثم معاجم الموضوعات، قبل أن تبلغ الصناعة المعجمية درجة عالية من النضج مع ظهور المعاجم الشاملة التي سعت إلى استيعاب ألفاظ العربية في إطار منهجي متكامل. وقد مثّل معجم العين للخليل بن أحمد الفراهيدي منعطفا حاسما في تاريخ التأليف المعجمي، إذ لم يكن مجرد سجل للمفردات، بل كان مشروعا علميا ابتكر نظاما جديدا لترتيب المادة اللغوية اعتمادا على مخارج الأصوات، وهو ما يكشف عن عمق التفكير اللغوي الذي بلغه علماء العربية في مرحلة مبكرة.

ولا يمكن الحديث عن نشأة الصناعة المعجمية بمعزل عن تطور الدرس النحوي، لأن العلاقة بينهما علاقة تكامل لا انفصال، فالمعجم كان معنيا بضبط المفردة وبيان دلالتها، في حين انصرف النحو إلى دراسة وظائفها داخل التركيب، وصياغة القواعد التي تحكم انتظامها في الكلام. ومن ثم فإن المشروع اللغوي العربي لم يتأسس على علوم متفرقة، بل قام على منظومة معرفية متكاملة، تفاعلت فيها الدراسات الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية والمعجمية لتكوين رؤية علمية شاملة للغة العربية.

وانطلاقا من هذه المعطيات، تسعى هذه الدراسة إلى إعادة قراءة نشأة الدرس اللغوي العربي في ضوء الظروف التي أفرزته، والكشف عن الدوافع التي أسهمت في ميلاد الصناعة المعجمية، مع إبراز المراحل التي انتقلت خلالها الجهود اللغوية من الرواية الشفوية إلى التأليف المنهجي، ومن جمع المفردات إلى بناء المعاجم الشاملة، بما يسمح بفهم طبيعة المشروع اللغوي العربي في بداياته، وإبراز قيمته العلمية في حفظ العربية وصيانة تراثها، وترسيخ الأسس التي قامت عليها الدراسات اللغوية والمعجمية في الحضارة العربية الإسلامي.

إشكالية الدراسة:

إن الصناعة المعجمية العربية تعتبر من إحدى أبرز المنجزات العلمية التي أسهمت في حفظ اللغة العربية وصيانتها، غير أن النظر إليها في كثير من الدراسات ظلّ محصورا في بعدها الوصفي أو التاريخي، من خلال تتبّع نشأة المعاجم أو التعريف بمناهجها وترتيبها، دون الوقوف بالقدر الكافي عند السياقات الفكرية والعلمية التي أفرزت هذا المنجز الحضاري، وعلاقته الوثيقة بتطور الدرس اللغوي العربي في مراحله الأولى.

فالمعجم العربي لم ينشأ بوصفه مشروعا مستقلا عن غيره من العلوم اللغوية، وإنما كان ثمرة لمسار علمي متكامل بدأ مع الحاجة إلى تفسير غريب القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، ثم تطور مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية، واختلاط العرب بغيرهم، وظهور اللحن، الأمر الذي استوجب جمع اللغة، وتمحيص مادتها، وتقعيدها، ثم تنظيمها في مؤلفات معجمية أصبحت فيما بعد من أهم ركائز التراث اللغوي العربي.

ومن هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى إعادة قراءة البدايات الأولى للصناعة المعجمية العربية، من خلال ربطها بحركة الدرس اللغوي القديم، والكشف عن الأسس المعرفية والمنهجية التي حكمت انتقال الجهود اللغوية من مرحلة الرواية الشفوية وجمع المادة اللغوية إلى مرحلة التأليف المعجمي المنظم، مع إبراز الأبعاد الحضارية والعلمية التي رافقت هذا التحول.

وانطلاقا من ذلك، تتحدد إشكالية الدراسة في السؤال الرئيس الآتي:

كيف تشكلت الصناعة المعجمية العربية في سياق نشأة الدرس اللغوي العربي القديم، وما العوامل الدينية واللغوية والعلمية التي أسهمت في انتقالها من مرحلة جمع المادة اللغوية إلى مرحلة التأليف المعجمي المنهجي؟

ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة الفرعية، من أبرزها:

ما الدوافع الدينية واللغوية التي أسهمت في ظهور الحركة اللغوية العربية في القرون الإسلامية الأولى؟

كيف أسهم تفسير غريب القرآن الكريم وغريب الحديث في توجيه الجهود اللغوية نحو جمع المادة المعجمية؟

ما أثر ظاهرة اللحن واختلاط العرب بغيرهم في نشأة التأليف المعجمي؟

كيف تطورت عملية جمع اللغة من الرواية الشفوية إلى التصنيف المنظم؟

ما المراحل التي مرّت بها الصناعة المعجمية قبل ظهور المعاجم العربية الشاملة؟

ما طبيعة العلاقة بين الدرس النحوي والصرفي والجهد المعجمي في مرحلة التأسيس؟

كيف أسهمت جهود الخليل بن أحمد الفراهيدي ومن جاء بعده في ترسيخ المنهج العلمي للتأليف المعجمي؟

أهداف الدراسة:

ترمي هذه الدراسة إلى تحقيق جملة من الأهداف العلمية، بعل من أهمها ما يلي:

بيان الظروف التاريخية والعلمية التي صاحبت نشأة الدرس اللغوي العربي القديم.

الكشف عن الدور المحوري للقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف في توجيه الحركة اللغوية العربية.

إبراز أثر ظاهرة اللحن واختلاط العرب بغيرهم في نشأة علوم اللغة العربية عامة، والصناعة المعجمية خاصة.

تتبع مراحل تطور العمل المعجمي منذ جمع المادة اللغوية حتى ظهور المعاجم الشاملة.

تحليل المناهج التي اعتمدها علماء العربية في جمع المفردات وتصنيفها وترتيبها.

إبراز العلاقة التكاملية بين النحو والصرف والمعجم في بناء الدرس اللغوي العربي.

الوقوف عند إسهامات الخليل بن أحمد الفراهيدي في تأسيس الصناعة المعجمية العربية وبيان قيمتها العلمية.

التأكيد على أن المعجم العربي يمثل مشروعا حضاريا ومعرفيا متكاملا، وليس مجرد سجل لحفظ الألفاظ.

أهمية الدراسة:

تنبع أهمية هذه الدراسة من أهمية موضوعها، الذي يتصل بأحد أبرز منجزات الحضارة العربية الإسلامية، والمتمثل في الصناعة المعجمية العربية، باعتبارها ثمرة للتطور الطبيعي الذي عرفه الدرس اللغوي منذ نشأته الأولى.

وتتجلى أهمية الدراسة في عدة جوانب، أبرزها:

أنها تعيد قراءة نشأة الصناعة المعجمية العربية في إطارها التاريخي والعلمي، بعيدا عن الاقتصار على السرد التاريخي للأحداث.

تسهم في إبراز الترابط العضوي بين مختلف علوم العربية، ولا سيما النحو، والصرف، والدلالة، والمعجم.

تكشف عن المنهج العلمي الدقيق الذي اعتمده علماء العربية في جمع المادة اللغوية وتمحيصها وتصنيفها.

تبرز قيمة التراث المعجمي العربي بوصفه أحد أعظم الإنجازات العلمية في تاريخ الحضارة الإنسانية.

تؤكد أن الصناعة المعجمية العربية قامت على أسس علمية راسخة تجمع بين الرواية الدقيقة، والاستقراء، والتحليل، والتقعيد.

تسلط الضوء على الدور الحضاري الذي اضطلعت به المعاجم العربية في حفظ الهوية اللغوية وصيانة لغة القرآن الكريم.

تمثل إضافة علمية يمكن أن تفيد الباحثين في مجالات الدراسات اللغوية، واللسانيات، والمعجمية، وتاريخ العلوم العربية.

تفتح آفاقا جديدة لإعادة قراءة التراث المعجمي العربي في ضوء المناهج اللسانية والمعجمية الحديثة، بما يسهم في تجديد البحث في هذا المجال وإبراز راهنيته العلمية.

 السياقات المؤسسة لنشأة الدرس اللغوي العربي القديم:

اللغة العربية قبل التدوين بين السليقة الشفوية وبلاغة الإنجاز:

لم تكن اللغة العربية قبل ظهور حركة التدوين اللغوي علمًا مستقلا له قواعده ومناهجه ومصطلحاته، وإنما كانت ملكة لغوية راسخة في ألسنة العرب، يتلقونها بالسماع والمشافهة، ويستعملونها استعمالا طبيعيا يقوم على الفطرة اللغوية وسلامة الذوق. فقد نشأت العربية في بيئة شفوية كان الاعتماد فيها على الحفظ والرواية، حيث مثل الشعر والخطابة والأمثال وسائر أشكال التعبير الشفهي المجال الأبرز لتجلي القدرة اللغوية العربية.

وقد أسهمت طبيعة الحياة العربية القديمة في المحافظة على قدر كبير من الصفاء اللغوي، إذ كانت القبائل البدوية، بحكم بعدها عن مراكز الاختلاط الحضاري، تمثل المصدر الأوثق عند علماء العربية اللاحقين في جمع اللغة واستقصاء ألفاظها وأساليبها. ولذلك توجه اللغويون إلى هذه القبائل باعتبارها خزانا لغويا حافظا للفصيح، واعتمدوا على روايتها في بناء قواعد العربية ومعاجمها.

غير أن هذه المرحلة، على الرغم من غناها اللغوي وثرائها التعبيري، لم تعرف وعيا علميا باللغة بالمعنى الاصطلاحي، فلم تكن هناك حاجة إلى وضع القواعد أو تصنيف الألفاظ، لأن اللغة كانت تمارس باعتبارها جزءا من الحياة اليومية، وكان امتلاكها قائما على السماع والمخالطة، لا على الدراسة والتحليل.

ومن هنا يمكن القول إن العربية قبل الإسلام كانت تمتلك نظاما لغويا متكاملا على مستوى الاستعمال، لكنها لم تنتقل بعد إلى مرحلة الوعي العلمي بهذا النظام، وهي المرحلة التي ستبدأ مع التحولات الكبرى التي عرفها المجتمع العربي بعد ظهور الإسلام.

القرآن الكريم وبداية الوعي العلمي باللغة العربية:

يمثل نزول القرآن الكريم نقطة التحول الأساسية في تاريخ اللغة العربية، إذ انتقلت العربية بفضله من كونها وسيلة للتواصل والتعبير إلى كونها موضوعا للبحث والدراسة والحفظ. فقد جاء القرآن الكريم في مستوى لغوي وبياني غير مسبوق، متحديا العرب في ميدان كانوا يعدّونه مجال تفوقهم، وهو مجال الفصاحة والبيان.

وقد فرض القرآن الكريم على المسلمين ضرورة العناية باللغة العربية، لأن فهم معانيه واستيعاب دلالاته ارتبط ارتباطا وثيقا بفهم نظامها اللغوي وأساليبها التعبيرية. ومن هنا بدأت الحاجة إلى تفسير الألفاظ الغريبة، وشرح التراكيب المشكلة، والبحث في دلالات الكلمات التي قد لا تكون واضحة لجميع المتلقين.

وكان من أوائل مظاهر هذا الاهتمام ما عرف بتفسير غريب القرآن، وهو مجال علمي نشأ نتيجة الحاجة إلى بيان معاني الألفاظ التي قد تبدو غامضة بسبب اختلاف لهجات العرب أو دخول ألفاظ من لغات أخرى أو استعمال ألفاظ لم تعد مألوفة لدى بعض الناس.

وقد أشار حسين نصار إلى أن بعض العلماء الذين تصدوا لتفسير غريب القرآن لاحظوا أن بعض ألفاظه ليست من لغة قريش وحدها، بل تضمنت ألفاظا من لغات قبائل عربية أخرى، كما أشار بعضهم إلى وجود ألفاظ لها صلات بلغات الأمم المجاورة للعرب. وهكذا جمعت هذه الجهود الأولى بين تفسير الغريب والكشف عن أصول الألفاظ ومصادرها اللغوية.

ولم يقتصر الأمر على القرآن الكريم، بل امتد الاهتمام إلى الحديث النبوي الشريف، حيث ظهر مجال غريب الحديث الذي كان يهدف إلى شرح الألفاظ غير المألوفة الواردة في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد اكتسب هذا المجال أهمية خاصة لأن الحديث كان يمثل مصدرا أساسيا لفهم القرآن وتفسيره، باعتبار الرسول صلى الله عليه وسلم المبيّن الأول لمعاني الكتاب الكريم.

ومن هنا أصبحت دراسة اللغة مرتبطة بالعلوم الدينية ارتباطا وثيقا، وأسهم ذلك في تأسيس حركة علمية واسعة تجاوزت حدود التفسير إلى بناء علوم العربية المختلفة.

 اتساع الدولة الإسلامية وظهور الحاجة إلى صيانة العربية:

لم يكن ظهور الدرس اللغوي العربي مرتبطا بالعامل الديني وحده، بل ارتبط كذلك بالتحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفها المجتمع الإسلامي بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية ودخول شعوب غير عربية في الإسلام.

فقد أدى هذا الامتداد الجغرافي إلى احتكاك العرب بغيرهم من الأمم، ونتج عن ذلك ظهور أنماط لغوية جديدة تأثرت باللغات الأخرى، كما ظهرت ظاهرة اللحن التي أصبحت تمثل خطرا على سلامة العربية، خاصة في قراءة القرآن الكريم واستعمال اللغة في المجالات العلمية والدينية.

وقد أشار حسين نصار إلى أن اختلاط العرب بغيرهم أدى إلى نشوء لغة تواصل مشتركة لم تكن عربية خالصة ولا أعجمية خالصة، وهو ما أثر في النظام الصوتي والتركيبي والمعجمي للعربية، وأدى إلى ظهور أخطاء في النطق والإعراب والتركيب.

ولهذا أصبح الحفاظ على العربية ضرورة علمية وحضارية، فعمل العلماء على جمع اللغة الصحيحة وتمييزها من الاستعمالات الدخيلة، كما سعوا إلى وضع القواعد التي تضبط الاستعمال وتحفظ سلامة اللسان.

وفي هذا السياق يقول تمام حسان إن دراسة اللغة العربية الفصحى نشأت علاجا لظاهرة كان يخشى منها على اللغة وعلى القرآن، وهي ظاهرة اللحن. كما يؤكد أحمد عبد الغفور عطار أن كثرة الأمم غير العربية التي دخلت الإسلام واتخذت العربية لغة لها كانت من الأسباب التي دفعت العلماء إلى تأليف كتب اللغة والمعجمات خوفا من دخول ما ليس من كلام العرب في لغة القرآن.

وهكذا أصبح جمع اللغة وتقعيدها مشروعا علميا يهدف إلى حماية الهوية اللغوية والحفاظ على النصوص المؤسسة للثقافة العربية الإسلامية.

 الإطار التاريخي لنشأة الدرس اللغوي العربي وبدايات التكوين المعجمي:

 العربية قبل التدوين: من الملكة الفطرية إلى الحاجة العلمية:

كانت اللغة العربية قبل ظهور الإسلام تمثل نظاما لغويا حيّا مكتمل العناصر في وجدان الناطقين بها، إذ مارسها العرب ممارسة طبيعية قائمة على السليقة والملكة الفطرية، دون حاجة إلى قواعد نظرية تضبط بنياتها أو مؤلفات تجمع مفرداتها. فقد كانت البيئة العربية، ولاسيما البيئات البدوية، مجالا حافظت فيه اللغة على قدر كبير من صفائها، نتيجة اعتماد العرب على المشافهة في نقل الشعر والخطب والأمثال والروايات.

ولم يكن غياب التدوين اللغوي في هذه المرحلة دليلا على ضعف النظام اللغوي أو قصوره، وإنما كان نتيجة طبيعية لطبيعة المجتمع العربي الذي كانت اللغة فيه جزءا من الممارسة اليومية، تنتقل بالسماع والحفظ، وتُكتسب من خلال الاحتكاك المباشر بأهل الفصاحة والبيان. لذلك لم يشعر العرب آنذاك بالحاجة إلى تأسيس علوم لغوية مستقلة، لأن اللغة كانت حاضرة في حياتهم بوصفها أداة للتواصل والتعبير والإبداع.

غير أن هذا الوضع سيعرف تحولا جذريا مع ظهور الإسلام، إذ انتقلت العربية من مجال التداول الشفهي الطبيعي إلى مجال الاهتمام العلمي المنهجي، وأصبحت موضوعا للدراسة والبحث والتقعيد.

القرآن الكريم وبداية الوعي اللغوي العربي:

يمثل نزول القرآن الكريم اللحظة الفاصلة في تاريخ اللغة العربية، إذ منحها مكانة مركزية داخل الثقافة الإسلامية، وجعل من صيانتها وضبطها ضرورة دينية وحضارية. فقد جاء القرآن الكريم في أرقى مستويات البيان العربي، متحديا العرب في مجال عرفوا فيه التفوق والتميز، وهو مجال الفصاحة والبلاغة.

ومع انتشار الإسلام خارج الجزيرة العربية، ودخول شعوب غير عربية في الإسلام، بدأت تظهر تغيرات في الاستعمال اللغوي، وبرزت ظاهرة اللحن التي أصبحت تهدد سلامة النطق بالعربية، خاصة في قراءة القرآن وفهم معانيه. ومن هنا نشأت الحاجة إلى وضع أسس علمية تضبط اللغة وتحفظها من الاختلال.

وقد كان الاهتمام الأول منصبا على تفسير الألفاظ الغريبة في القرآن الكريم والحديث النبوي، إذ وجد العلماء أن فهم النصوص الدينية يقتضي أولا فهم ألفاظها ودلالاتها، خاصة تلك الكلمات التي لم تكن مألوفة لجميع المسلمين بسبب اختلاف البيئات والقبائل.

وهكذا ظهرت مؤلفات تهتم بتفسير " غريب القرآن" و" غريب الحديث " ، فكانت هذه الجهود بداية عملية للبحث اللغوي العربي، لأنها لم تكتف بتفسير الألفاظ، وإنما دفعت العلماء إلى البحث في أصولها، ومصادرها، واستعمالاتها في كلام العرب.

وقد أشار عبد القادر الفاسي الفهري إلى أن الحركة اللغوية العربية بدأت في القرن الأول الهجري بهدف تفسير غريب القرآن والحديث، ثم اتجهت بعد ذلك إلى جمع اللغة وحفظها من الفساد الناتج عن اختلاط العرب بالأعاجم.

 الخوف على العربية من اللحن ودوره في تأسيس العلوم اللغوية:

ارتبط ظهور الدرس اللغوي العربي كذلك بالخوف من فساد اللسان نتيجة التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفها المجتمع الإسلامي بعد الفتوحات. فقد أدى اتساع رقعة الدولة الإسلامية إلى احتكاك العرب بغيرهم من الأمم، ونتج عن ذلك ظهور لغة تواصل مشتركة لم تكن مطابقة للعربية الفصيحة، مما أثار قلق العلماء من تسرب مظاهر الاختلال إلى لغة القرآن.

وقد تمثل هذا الخلل في مستويات متعددة، منها الخطأ في نطق الأصوات، والخطأ في تركيب الجمل، والخطأ في الإعراب، وهو ما اصطلح عليه القدماء بمفهوم " اللحن " .

ومن هنا أصبح الحفاظ على العربية مشروعا علميا متكاملا، لم يقتصر على تصحيح الأخطاء، بل اتجه إلى جمع اللغة من مصادرها الأصيلة، ووضع قواعد تضبط استعمالها. وقد كان هذا الوعي منطلقا لظهور علوم العربية المختلفة، وفي مقدمتها النحو والصرف والمعجم.

جمع المادة اللغوية: من الرواية الشفوية إلى التوثيق العلمي:

بعد أن أدرك العلماء ضرورة حماية العربية، اتجهوا إلى جمع مادتها من مصادرها الأولى، فاعتمدوا على القرآن الكريم، والحديث النبوي، والشعر العربي، وكلام العرب الفصحاء، وخاصة القبائل التي عرفت بسلامة لغتها وبعدها عن الاختلاط.

ولهذا قصد اللغويون البادية، باعتبارها موطن الفصاحة، فاستمعوا إلى الأعراب، وسجلوا ألفاظهم وتراكيبهم وأساليبهم التعبيرية. وقد شكل هذا العمل مرحلة أساسية في تاريخ الدرس اللغوي، لأنه نقل اللغة من مجال الحفظ الشفهي إلى مجال الجمع والتصنيف والدراسة.

وقد اعتمد العلماء في هذا الجمع على منهج يقوم على الانتقاء والتحقق، فلم يأخذوا عن جميع القبائل، وإنما حددوا قبائل رأوا أن لغتها أكثر محافظة على الفصاحة، مثل قيس وتميم وأسد وهذيل وبعض كنانة والطائيين.

وبفضل هذه الجهود تراكمت مادة لغوية ضخمة أصبحت فيما بعد الأساس الذي قامت عليه المعاجم العربية وكتب النحو والتصريف.

الرسائل اللغوية وبداية التنظيم المعجمي:

مثلت الرسائل اللغوية المرحلة الأولى في طريق بناء المعجم العربي، إذ انتقل العلماء من مجرد جمع الألفاظ إلى محاولة تنظيمها وتصنيفها وفق موضوعات محددة.

فكانت هناك رسائل تهتم بغريب القرآن، ورسائل تجمع ألفاظ موضوعات معينة، مثل كتب خلق الإنسان، والإبل، والخيل، والنبات، والمطر، وغيرها. وقد شكلت هذه المؤلفات بداية الانتقال من مرحلة الرواية المتفرقة إلى مرحلة التصنيف العلمي.

وتكمن أهمية هذه الرسائل في أنها أرست الأساس الأول لما سيعرف لاحقا بالمعاجم المتخصصة، حيث أصبح اللفظ لا يرد منفردا، وإنما داخل مجال دلالي محدد.

المعجم العربي الشامل: من الجمع إلى الصناعة:

شهد القرن الثاني الهجري مرحلة جديدة في تاريخ التأليف اللغوي، تمثلت في ظهور المعاجم الشاملة التي سعت إلى جمع أكبر قدر ممكن من ألفاظ العربية وتنظيمها وفق مناهج دقيقة.

ويعتبر  معجم " العين" للخليل بن أحمد الفراهيدي أول محاولة معجمية شاملة في تاريخ العربية، إذ لم يكن مجرد سجل للألفاظ، بل كان مشروعا علميا يقوم على تصور منهجي خاص. فقد اعتمد الخليل ترتيبا صوتيًا للحروف بناء على مخارجها، وجعل من النظام الصوتي أساسا لبناء المعجم.

وقد شكل هذا العمل نقلة نوعية في تاريخ الفكر المعجمي، لأنه نقل المعجم من مجرد جمع للمادة اللغوية إلى بناء علمي يقوم على التصنيف والتحليل.

ثم توالت المعاجم بعد الخليل، وتنوعت مناهجها بين الترتيب الصوتي، والترتيب الألفبائي، والترتيب بحسب أواخر الكلمات، مما يدل على ثراء التجربة المعجمية العربية وتطور أدواتها.

النحو والمعجم: علاقة تكامل في بناء الدرس اللغوي:

لم يكن ظهور المعجم منفصلا عن بقية علوم العربية، بل ارتبط ارتباطا وثيقا بالنحو والصرف. فإذا كان المعجم يهتم بجمع الألفاظ وشرح معانيها، فإن النحو يهتم بوظائفها داخل التركيب، وبالعلاقات التي تربط بينها في الجملة.

وقد انشغل النحاة بوصف اللغة واستنباط قواعدها من خلال الشواهد المسموعة، فحددوا أحوال الإعراب، وصنفوا الكلمات إلى أسماء وأفعال وحروف، ووضعوا قواعد عامة تضبط الاستعمال اللغوي.

وقد أدى اختلاف العلماء في تفسير الظواهر اللغوية إلى ظهور مدارس نحوية متعددة، أبرزها مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة، ثم مدارس أخرى كالبغدادية والمصرية والأندلسية، مما يعكس الحيوية الفكرية التي ميزت الدرس اللغوي العربي.

خاتمة الدراسة:

تكشف رحلة البحث في نشأة الدرس اللغوي العربي وبدايات تشكل الصناعة المعجمية عن حقيقة أساسية مفادها أن المعجم العربي لم يظهر بوصفه عملا لغويا معزولا أو استجابة جزئية لحاجة عملية محدودة، وإنما كان ثمرة مشروع علمي وحضاري متكامل نشأ في سياق تاريخي اتسم بتحولات عميقة مست جوانب الدين والثقافة والمجتمع واللغة.

فالعربية قبل الإسلام كانت نظاما لغويا حيا قائما على السليقة والفطرة، تستمد قوتها من التداول الشفهي ومن قدرة العرب على إنتاج الخطاب الشعري والخطابي في أعلى درجات البيان. غير أن هذه المرحلة، على الرغم من غناها اللغوي، لم تعرف وعيا علميا باللغة يقوم على الجمع والتصنيف والتحليل، لأن اللغة كانت جزءا من الحياة اليومية، ولم تكن قد أصبحت موضوعا للبحث المنهجي والدراسة العلمية.

وقد مثّل نزول القرآن الكريم نقطة التحول الكبرى في تاريخ العربية، إذ نقل اللغة من مجال التداول الطبيعي إلى مجال التأمل العلمي، وجعل العناية بها مرتبطة ارتباطا وثيقا بفهم النص القرآني وصيانة دلالاته. فمع انتشار الإسلام واتساع المجال الجغرافي للدولة الإسلامية، واحتكاك العرب بالأمم الأخرى، ظهرت الحاجة إلى حماية العربية من مظاهر التغير التي لحقت بها، خاصة ظاهرة اللحن التي أصبحت تهدد سلامة الإنجاز اللغوي وفهم النصوص المقدسة.

ومن هنا بدأت المرحلة التأسيسية للدرس اللغوي العربي، حيث انصرف العلماء إلى جمع اللغة من مصادرها الأصيلة، واعتمدوا الرواية والمشافهة والسماع أدوات أساسية في بناء المعرفة اللغوية. فلم يكن جمع اللغة عملية عشوائية، بل خضع لضوابط دقيقة، تمثلت في اختيار القبائل التي اشتهرت بالفصاحة، والتحقق من سلامة الرواية، والاحتكام إلى الشواهد القرآنية والحديثية والشعرية.

وقد أسهم هذا العمل الجمعي في تكوين رصيد لغوي ضخم مهّد لظهور مرحلة جديدة هي مرحلة التصنيف والتقعيد. فبعد أن كانت اللغة مادة متفرقة محفوظة في الصدور والروايات، أصبحت موضوعا لعلوم قائمة بذاتها، فظهر النحو لضبط العلاقات التركيبية، والصرف لدراسة بنية الكلمات، والصوتيات لتحليل مخارج الحروف وصفاتها، والمعجم لتنظيم الثروة اللفظية العربية وضبط دلالاتها.

وتتجلى أهمية الصناعة المعجمية العربية في كونها مثلت انتقالا نوعيا من مرحلة جمع الألفاظ إلى مرحلة بناء نظام معرفي يقوم على التنظيم والمنهج. فقد لم يكتف العلماء بتسجيل الكلمات، وإنما سعوا إلى الكشف عن أصولها، وبيان اشتقاقاتها، وتحديد معانيها، وربطها بسياقات استعمالها.

ويظل معجم " العين" للخليل بن أحمد الفراهيدي علامة فارقة في تاريخ المعجمية العربية، لأنه لم يكن مجرد قائمة للألفاظ، بل كان مشروعا علميًا قائمًا على رؤية دقيقة للغة، اعتمد فيها الخليل على الترتيب الصوتي للحروف، والنظر في أبنية الكلمات، وتقليب الجذور، مما جعله نموذجا مبكرا للتفكير المنهجي في دراسة اللغة.

كما أن تطور المعاجم العربية بعد الخليل يكشف عن حيوية الفكر اللغوي العربي وقدرته على التجدد، فقد تعددت المناهج المعجمية بين الترتيب الصوتي، والترتيب الهجائي، والترتيب القائم على الأواخر، وغيرها من المناهج التي تعكس تعدد الرؤى العلمية في التعامل مع المادة اللغوية.

وبناء على ذلك، فإن نشأة المعجم العربي تمثل تجربة معرفية فريدة في تاريخ العلوم الإنسانية، لأنها جمعت بين المحافظة على التراث اللغوي، والاستجابة لحاجات المجتمع، وبناء أدوات علمية قادرة على دراسة اللغة وتحليلها. ولم يكن المعجم مجرد وعاء لحفظ الكلمات، بل كان مؤسسة معرفية أسهمت في تثبيت هوية العربية، وحفظ تراثها، وتمكينها من أداء وظيفتها الحضارية عبر العصور.

إن دراسة بدايات الصناعة المعجمية العربية تؤكد أن علماء العربية الأوائل امتلكوا وعيا منهجيا متقدما، وأن جهودهم لم تكن محكومة فقط بالدافع الديني، وإنما انطلقت أيضا من إدراك عميق لأهمية اللغة بوصفها حاملة للمعرفة والثقافة والهوية. ولذلك ظل المعجم العربي شاها على قدرة العقل العربي على الانتقال من الممارسة اللغوية الفطرية إلى بناء علم لغوي متكامل.

نتائج الدراسة:

خلصت الدراسة إلى مجموعة من النتائج الأساسية، يمكن إجمالها فيما يأتي:

أن نشأة الدرس اللغوي العربي القديم ارتبطت بعوامل دينية وثقافية وحضارية متداخلة، ولم تكن نتيجة عامل واحد منفرد.

أن القرآن الكريم شكل المحرك الرئيس لظهور الوعي اللغوي العربي، لأنه دفع العلماء إلى ضبط اللغة وتفسير ألفاظها وصيانة دلالاتها.

أن الاهتمام بغريب القرآن وغريب الحديث كان منطلقا أساسيا لبداية الدراسات المعجمية الأولى، إذ مثل محاولة مبكرة لفهم الألفاظ غير المألوفة والكشف عن أصولها.

أن ظاهرة اللحن الناتجة عن اختلاط العرب بغيرهم أسهمت في تسريع عملية التقعيد اللغوي، ودفع العلماء إلى وضع قواعد تحافظ على سلامة العربية.

أن الرواية الشفوية والمشافهة شكلتا الأساس الأول في جمع المادة اللغوية، حيث اعتمد العلماء على السماع المباشر من العرب الفصحاء.

أن اختيار القبائل التي تؤخذ عنها اللغة لم يكن اختيارا اعتباطيا، بل قام على معايير تتصل بالفصاحة والبعد عن الاختلاط اللغوي.

أن المعجم العربي نشأ في إطار مشروع علمي شامل يضم النحو والصرف والصوتيات والدلالة، وليس باعتباره علما منفصلا عن باقي علوم العربية.

أن الرسائل اللغوية الأولى مثلت مرحلة انتقالية مهمة بين الجمع العفوي للمادة اللغوية وبين بناء المعاجم المنظمة.

أن معجم " العين " للخليل بن أحمد الفراهيدي يمثل نقطة تحول كبرى في تاريخ المعجم العربي، لما قدمه من منهج صوتي وتصوري متكامل.

أن تعدد المناهج المعجمية العربية يدل على ثراء الفكر اللغوي العربي وقدرته على الابتكار والتطوير.

أن الصناعة المعجمية العربية القديمة أسهمت في حفظ اللغة العربية وتراثها، وجعلتها قادرة على استيعاب مختلف العلوم والمعارف.

توصيات الدراسة:

في ضوء النتائج التي توصلت إليها الدراسة، تقترح مجموعة من التوصيات:

ضرورة إعادة قراءة التراث المعجمي العربي قراءة علمية حديثة تكشف عن قيمته المنهجية والمعرفية بعيدا عن الاقتصار على الجانب التاريخي.

تشجيع الدراسات المقارنة بين المعجم العربي القديم والمعاجم الحديثة للكشف عن نقاط القوة والإمكانات التي يمكن الإفادة منها في تطوير الصناعة المعجمية المعاصرة.

الإفادة من المناهج اللسانية الحديثة في إعادة تحليل المعاجم العربية التراثية، خاصة في مجالات الصوتيات والدلالة والعلاقات المعجمية.

ضرورة توظيف التقنيات الرقمية الحديثة في خدمة التراث المعجمي العربي، من خلال إنشاء قواعد بيانات إلكترونية تستفيد من المادة المعجمية الضخمة التي خلفها العلماء العرب.

تعزيز حضور الدراسات المعجمية في البرامج الجامعية، باعتبار المعجم أحد المكونات الأساسية للهوية اللغوية والثقافية.

الاهتمام بتحقيق المخطوطات المعجمية القديمة ونشرها وفق مناهج علمية دقيقة، لما تمثله من مصادر أساسية لفهم تاريخ العربية.

تشجيع الباحثين على دراسة العلاقة بين المعجم والعلوم العربية الأخرى، خاصة النحو والصرف والبلاغة والتفسير، لإبراز وحدة المشروع اللغوي العربي القديم.

التأكيد على أن التراث المعجمي العربي ليس مجرد ماض تاريخي، بل هو رصيد معرفي يمكن أن يسهم في تطوير الدراسات اللغوية الحديثة.

***

بقلم: د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ السياسي والحضاري

 

بينّا في مقالة سابقة تحت عنوان (المتلاعبون بالتاريخ في مواجهة معطيات العلم) وكيف زعم الزاعمون بان هناك تناص مكثف بين الاديان السماوية والحضارات القديمة السابقة لهذه الاديان في سلم الزمن، وقد بينا درجة تهافت فكرة التناص فيما يتعلق بالنصوص الاصلية لهذه الاديان، ولكني لا استبعد بنفس الوقت التفسيرات لهذه النصوص بانها استوحت بقدر ما من ثقافة ورؤى، ومعارف ترشحت من هذه الحضارات، كنوع من التثاقف والتلاقح الحضاري استمده بعض المفسرين المسلمين، وجعلوا منها كوسائل توضحية لتفسير نصوص القران الكريم، وهو ما يشبه الاستعانة بالعلم الحديث في تاويل وتفسير بعض الايات القرانية، وهي استعانة قد تكون موفقة وقد تكون غير موفقة ببلوغ مقاصد المشرع لهذه النصوص، ولكن لا يمكن لايٍ كان ان ينسب هذه التفسيرات والنظريات العلمية التي استعان بها بعض المفسرين بالوقت الحاضر الى النص الاصلي للنصوص المقدسة، واعتبارها جزءً لا يتجزأ منها والامر سيان مع الروايات الاسرائيلية التي استعان بها بعض مفسري القران في ذلك الوقت في تفسير النص المقدس، ولتوضيح الامر للقاريء الكريم فيما يخص مصطلح الاسرائيليات، والتي يمكن تعريفها بشكل مختصر : بانها الروايات والقصص والاخبار المنقولة الى التراث الاسلامي عن مصادر يهوديه ومسيحية، تسربت الى كتب التفسير والتاريخ الاسلامي، ومن اشهر رواة الاسرائيليات هم (كعب الاحبار، وعبد الله بن سلام، ووهب بن منبه) وقد استعان بعض المفسرين وكتبة التاريخ من المسلمين بما نقلوه من روايات عن طريق هؤلاء، ومن بعض هؤلاء ابن عباس وابو هريرة وابن كثير وغيرهم، ومن كثرة الدخيل من هذه الاسرائيليات الى المعارف الاسلامية اصبحت تشكل مشكلة كبيرة وعويصة اخذت جهدا استثنائيا من الباحثين المسلمين من اجل فرزها والتنبه منها، وغربلة النصوص الاسلامية منها بسبب خطورتها، وبسبب ما تؤديه من تشوهات على النص والفكر الاسلامي، ومن المهم ان يعلم القاريء ان سبب هذا التسرب هو ان الفكر التلمودي اليهودي كان هو الفكر المكتوب والشائع في الفضاء الثقافي لذلك العصر، حيث هو الفكر المسيطر على الشارع الثقافي، مما ساهم في عملية التثاقف بين المفسرين المسلمين وما هو سائد من ثقافة يهودية على ايدي حاخامات وشخصيات يهودية دخلت الاسلام، وادخلت معها ثقافتها السابقة التي تنتمي لديانتها السابقة، والتي عجنتها مع معتقدها الجديد، بغض النظر عن مدى جدية هذه الشخصيات المتحولة الى الديانة الجديدة ودرجة وفاءها لها، ولكن على كل حال حصل نوع من التماس والتداخل والاحتكاك الثقافي، فتسرب منها الكثير الى التفسيرات الاسلامية كمادة توضيحية للنصوص المقدسة، وخاصة في البعد التاريخي، وتصورات التكوين والخلق التي هي مشبعة بالاساطير ذات المصادر المجهولة والموغلة بالقدم، وهي المصادر المُدونة الوحيدة في ذلك الزمن . هذا الانتحال الفكري لم يلتفت الى تاثيرة الدراماتيكي الذين عملوا به ونقلوا منه، ناهيك عن الوضع المُتعمد لبعضه من قِبل شخصيات خططت بعمد لحدوث ذلك ولغايات مشبوهة، ظهرت نتائجها المدمرة بعد ذلك، وهنا لا اريد الاستطالة في موضوع الاسرائيليات فهو موضوع شائك وطويل، ومن يُريد التوسع ومعرفة المزيد عنه، فهناك الكثير من المؤلفات في هذا الجانب يمكن الرجوع اليها، وقد اشبعها الباحثون والمفكرون المسلمون بحثا وتاليفا، وقد قامت محاولات علمية رصينة بالتصدي لهذا الخرق الخطير، في محاولة لعزلها عن التراث الاسلامي، بسبب ماتجلبه من اثر خطير وشبهه واساءة لنصوصنا المقدسة . المهم لما تقدم من تقدمة مختصرة هو ان الاسرائيليات لم يحدث منها اي محاولة تناص الى نصوص القران الكريم، وان ما تسرب منها هو في مجال الحديث النبوي، والتاريخ، والادب الشعبي، وقد انتبه له المسلمون وقاموا بعملية تنقية هذه الاحاديث منها، وان لا يمكننا الجزم بانها كانت تنقية تامة، فما زال بعضها معشعش بين نصوص الاحاديث، وبين سطور التاريخ .

في هذه المقالة ساتطرق لموضوع التناص المزعوم بين القران والعهد القديم، الذي حاول البعض تثبيته عبر طروحات فكرية يقودها الدكتور خزعل الماجدي والباحث السوري فراس السواح، زاعمين بان السماء لم تنزل رسالة على الاطلاق، ولم ينزل منها الا المطر، وما هذه النصوص المقدسة الا نتاج عملية تناص قام بها محمد من نصوص دينية سبقته بالزمن، وهو راي لايثبت امام ما سوف نطرحه، وبشكل مختصر فيما يخص الاختلاف بين القران الكريم وما جاء بالتوراة، مما يوضح درجة التهافت التي جاءت به افكار من زعموا ذلك، ولكن قبل البدء في تبيان هذه الاختلافات يكون من المفيد ان اشير الى ان القران وتوراة موسى يصدران من نبعٍ واحد، وهو المصدر الالهي، لذلك لا يمكن ان تتقاطع توراة موسى (الحقيقية) مع ما جاء بالقران الكريم الا بتشريعات هو الله اراد لها ان تكون مختلفة، قدرتها الارادة الالهية.

من المهم ان نقدم فكرة موجزة عن حقيقة التوراة الحالية، وهو كتاب يكتنف مصدره الغموض، واختلط فيه ماهو الهي، وماهو غير الهي، فنصوص التوراة الحاليه عبارة عن سيرة انبياء بني اسرائيل، ولا يُعرف من جمع هذه الاسفار والاصحاحات، وان هذه النصوص يكتنفها الكثير من الاساطير المجهولة المصدر، ولا يُستبعد ان يكون فيها من التناص الكثير من مصادر اخرى، ترجع الى الادب الشفوي الموغل بالقدم، وهناك انطباع واضح من خلال طبيعة النصوص الموجوده انها نتاج شخصيات ينتمون للكهنوت اليهودي ساهم في كتابتها، لان التوراة الحقيقة قد وضعت في تابوت العهد في بناية الهيكل في اورشليم ولكن تم تدمير الهيكل بما فيه من نسخة اصلية في زمن الملك البابلي نبوخذ نصر، التي دونها موسى بيده(تاريخ اليهود/ الدكتور اسماعيل حامد: ص٣٣٤ وكان ذلك الحرق والتدمير في عام ٥٨٦ ق.م، وبعد ذلك حصل السبي البابلي لذي اخذ به نبوخذ نصر اغلب اليهود الى بابل، ومنهم حاخاماتهم، وبقوا هناك الى ان سمح لهم الملك الفارسي كورش بالرجوع الى فلسطين وذلك عام ٤٥٨ ق.م، حيث اعاد عزرا تدوين التوراة، وتقول التوراة (لان عزرا هيا قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها(عزرا-٧)، كما تقول (عزرا الكاهن كاتب شريعة اله السماء الكامل (عزرا-٧)(تاريخ اليهود:ص٣٨١) وهذا مايعتقد به الكثيرون، ان عزرا هو الذي لعب الدور الابرز في تدوين التوراة الحالية، ومن بين هؤلاء الفيلسوف اليهودي باروخ اسبينوزا (١٦٣٢-١٦٧٧م)، وهنا نُشير الى مايقوله (ول ديورانت) (ان عزرا الكاتب دعا اليهود حوالي سنة ٤٤٤ق.م الى اجتماع هام، ثم اخذ يقرا عليهم شريعة موسى..)(ول ديورانت:ص٣٦٦)، واذا نظرنا فقط الى فترة دمار الهيكل وحرق التوراة الاصلية، واعادة تدوين التوراة على يد عزرا والتي تتراوح مابين ٥٨٠-٤٥٨ ق.م لنجدانها ١٢٢ سنة، هذا على افتراض ان عزرا قد بدا بالتدوين حين وصوله لاورشليم بعد عودته من بابل في العراق، وهذه فترة غير قصيرة، وكيف لانسان يستطيع تذكر نصوص بالدقة طوال هذه السنيين من دون ان يعتري هذه النصوص زيادة ونقصان، ولاشك ما للتلاقح الثقافي من اثر في طبيعة الصياغة اللغوية حيث كُتبت باللغة الارامية، ولايمكن استبعاد ان يكون هناك تناص مع ما موجود من تراث ثقافي بابلي المعروف بملامحه الاسطورية، ولهذا يفضل الكثير نسبة التوراة الحالية الى عزرا الكاهن، ويُطلق عليها توراة عزرا، وهو من دوّن الاسفار الخمسة مضاف اليها سفر يسوع، ومن نافلة القول هناك راي يقول ان التوراة التي دونها موسى قد فقدت لما استولى الفلسطينيون على تابوت العهد سنة ١٠٧٦ق.م. هذا موجز مختصر عن التوراة وما تعرضت له من ضياع وحرق، واعادتها بعد سنين طويلة على يد كاهن اجتهد في كتابتها، وانا لا اريد ان ادخل في المجال اللغوي الذي هو ليس باختصاصي، والذي يبين ويحلل اسلوب صياغة التوراة، والذي توضح بشكل جلي لا علاقتها البته بما هو منزل من الله، فهو مكتوب بطريقة شخص ثالث يكتب عن الله وعن موسى وعن ماجرى من احداث على بني اسرائيل، وهذا واضح من النص التالي (فمات هناك موسى عبد الرب في ارض مؤاب، حسب قول الرب، ودُفن في الجوار في ارض مؤاب مقابل بيت فغور، ولم يعرف انسان قبره الى هذا اليوم ..)(تقنية-٣٤)، وهنا نكتفي بهذه المقدمة الضرورية، كمقدمة مهمة لتبيان الاختلافات بين القران والتوراة، للكشف عن نفي مزاعم التناص بين القران والتوراة.

من المفارقات بين القران والتوراة، ان القران يصرح بان ابو ابراهيم هو ازر (اذ قال ابراهيم لابيه ازر اتخذ اصناما الهة)(الانعام:٧٤)، في حين تدعي التوراة ان ابو ابراهيم هو تارح (وهذه مواليد تارح، ولد تارح ابرام وناحور وهاران...(التكوين:٢٢)، كما ان الرؤية الاسلامية تقول ان الذبيح هو اسماعيل لان ابراهيم تلقى الامر من الرب بذبح ابنه الاكبر، وكان الابن الاكبر هو اسماعيل وليس اسحاق، في حين تكون الرؤية التوراتية تقول ان الذبيح هو اسحاق (وحدث بعد هذه الامر ان الله امتحن ابراهيم، فقال له ابراهيم .. خذ ابنك وحيدك الذي تحبه اسحاق.. واصعده هناك محرقة على احد الجبال الذي اقول لك..)(تكوين-٢٢). يقول الدكتور عبّد الوهاب المسيري في موسوعته ج١ ص٤٠١ (وليس لاسحاق اهمية كبيرة في التراث الديني اليهودي.. ويرى بعض دارسي العهد القديم ان اهميته كانت اكبر بروزا في نسخ العهد القديم التي فقدت..)، وهنا يتاكد فقدان النسخة الاصلية للتوراة، وقد كُتبت نسخ اخرى جديدة مغايرة . في التوراة وردت كلمة فرعون في قصة يوسف (فقال فرعون لعبيده هل نجد مثل هذا رجلا فيه روح الله، ثم قال فرعون ليوسف..)(تاريخ اليهود:ص٥٧)، اما في القران يذكر في قصة يوسف الملك (وقال الملك ائتوني به استخلصه لنفسي..)(يوسف٥٤-٥٦). القران يقول ان من ربت موسى هي امراة فرعون وقد ورد اسمها بالاحاديث النبوية واسمها (اسية بنت مزاحم)(واوحينا الى امّ موسى ان ارضعيه..وقالت امرات فرعون قُرت عين لي ..)(القصص ٧:٩)، وحتى الانجيل يقول ان بنت فرعون هي من ربته (ولما نبذ موسى اتخذته ابنة فرعون وربته لنفسها..)(سفر اعمال الرسل-٧)، ونلاحظ الاختلاف واضح وجلي بين القران الذي يقول ان قتل موسى للمصري كان غير متعمد ولم يقصد قتله(..فوكزه موسى فقضى عليه، قال هذا من عمل الشيطان، انه عدو مضل مبين، قال ربي اني ظلمت نفسي فاغفر لي..)(القصص٢٤-١٧) في حين تبين التوراة ان عملية القتل كانت متعمده (..فالتفت (موسى) هنا وهناك وراى انه ليس احد فقتل المصري وطمره في الرمل..)(خروج-٢). كما نرى من اختلافات القران مع التوراة، حيث يُسمي القران الجبل الذي صعد اليه موسى لمناجاة الله بجبل الطور، وطور سنين، في حين تسميه التوراة بجبل الله، وجبل حوريب، وجبل موسى . وهناك خلاف واضح وحاد بين القران والتوراة في مسالة صنع العجل، حيث تزعم التوراة ان هارون هو من صنع العجل من الذهب، فتقول (..لان هذا موسى الرجل الذي اصعدنا من ارض مصر لا نعلم ماذا اصابه، فقال لهم هارون انزعوا اقراط الذهب التي في اذان نسائكم وبنيكم وبناتكم واتوني بها ..فاخذ ذلك من ايديهم وصوره بالازميل وصنعه عجلا مسبوكا . فقال هذه الهتك يا اسرائيل التي اصعدتك من ارض مصر، فلما نظر هارون بنى مذبحا امامه ونادى هارون وقال غدا عيد الرب)(خروج-٢٢)(تاريخ اليهود:ص١٤٥) في حين ان القران لا يقول بذلك عن هارون وان العجل قد عمله السامري (قالوا ما اخطانا موعدك بملكنا ولكن حُملنا اوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك القى السامري، فاخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا الهكم واله موسى ..)(طه-٨٨). وعندما نسترسل في تبيان الاختلافات نجد ان التوراة تزعم ان زوجة موسى (صفورة)، وهي بنت كاهن مدين، الذي اسمه يثرون، في حين تذكر الروايات الاسلامية انه النبي شُعيب. ويذكر الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته ج١ ص٤١٤ ان داوود لم يكن نبي عند الاسرائيلين، اما حسب العقيدة الاسلامية فهو نبي وملك، ولا يقف الاختلاف على هذا المستوى، بل ينسحب الى التقيم الاخلاقي والتصرف السلوكي للانبياء فترى التوراة ان هناك انبياء يحتسون الخمرة، في حين القران لا يقر ذلك، ويذكر السفر التوراتي (اخبار الايام (١-١٥) (.. ولما انتهى داود من اصعاد المحرقات وذبائح السلامة بارك الشعب باسم الرب، وقسم على كل ال اسرائيل. من الرجال والنساء على كل انسان رغيف خبز وكاس خمر وقرص زبيب..)((اخبار الايام-١-١٦)، في حين يصف القران كل الانبياء بانهم ناس صالحون، على مستوى اخلاقي عالي، ولم يقتربوا من المحرمات ومنها الخمرة، بل نرى التوراة تصور النبي لوط بصورة غير اخلاقية مع بناته حيث يحتسي الخمرة ويتضاجع معهن ويلدن منه (.. ابونا قد شاخ، وليس في الارض رجل ليدخل علينا كعادة كل الارض، هلُمَّ نسقي ابانا خمرا ونضطجع معه فنحي من ابينا نسلا)(التكوين١٩ : ٣٠-٣٥)، وهذه اهانه مابعدها اهانه لاحد انبياء الله الصالحين، في حين القران كما ذكرنا يذكر الانبياء بكل اجلال وتكريم، ويجعل منهم قدوة لباقي البشر (ولكم في رسول الله اسوة حسنة)(الاحزاب؛٢١). كما هناك اختلافا واضحا بين القران الذي يقول بنبوة داود وابنه سليمان، في حين لا تقر التوراة ذلك، بل تدعوهم بالملوك، لذلك نسبوا اليهم امور وسلوكيات لا تُليق بالانبياء، وتستمر الخلافات بين الكتابين حتى نصل الى قصة مجيء عرش بلقيس الى سُليمان، حيث تُشير التوراة بانها جاءت بنفسها مع حشمها وخدمها، في حين يخبرنا القران ان مجيء بلقيس بطريقة اخرى لاتمت بصلة لما جاءت به التوراة، حيث يذكر القران الكريم، جاء به من له علم من الكتاب، والذي تقول بعض التفاسير واسمه اصف بن برخيا (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ انَا اتِيكَ بِهِ قَبْلَ انْ يَرْتَدَّ الَيْكَ طَرْفُكَ)(النمل).

ويمكن تلمس ذلك من خلال الاطلاع على رواية (سفر الملوك-١٠)(تاريخ اليهود، اسماعيل حامد:ص٢٦٨). وكما قلنا اعلاه ان التوراة تعامل النبي سليمان على انه ملك، وتفتري عليه بان قلبه مال عن الرب وجاء في سفر الملوك الاول -١١) عن سليمان (وكان في زمان شيخوخة سليمان اذ نساءه امالن قلبه وراء الهة اخرى، ولم يكن قلبه كاملا مع الرب كقلب ابيه داود..)(تاريخ اليهود:ص٢٧٣)في حين القران الكريم كما قلنا يعتبر سليمان نبيا، والنبي لايمكن الا ان يكون قلبه كله لله ومعصوم من التدنيس والمعصية. اضافة لما ذكرنا من الاختلافات، نرى هناك قصصا جاء بها القران، وليس لها اثر ولا ذكر في التوراة، ومثال ذلك قصة ابن نوح وكفره ومعصيته لامر والده النبي نوح، وغرقه بالطوفان، كذلك حادثة اشعال النار بابراهيم عليه السلام، وحفظ الله له، وقصة ايمان امراة فرعون، وكذلك قصة المسيح وهو يكلم الناس بالمهد، كما ينجر الاختلاف الى حادثة ذبيح ابراهيم الذي تقول عنه التوراة انه اسحاق، في حين في الاسلام يكون الذبيح اسماعيل باعتباره هو الابن الاكبر لابراهيم . كما ان القران يختلف مع العهد الجديد في مسالة صلب النبي عيسى، وان الذي صُلب هو من شُبه لهم، وان الله اصعده السماء . واذا انتلقنا الى مسالة الخلق نرى هناك تفاوت كبير بين القران والتوراة، ونُشير هنا للباحث الفرنسي موريس بوكاي في مقارنته بين قصة الخلق في القران والتوراة والانجيل الذي وضح الفارق بينهما، والتي يمكن الرجوع اليها بالتفصيل ، واشير هنا الى قضية مهمة الا وهي خلق حواء من ضلع ادم الذي لايقرها القران، والذي اكد على ان الرجل والمراة خُلقا من نفس واحدة "يَا ايُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا"، ولم يتوقف امر الاختلاف على ماذكرنا، فالقران ينطق بوضوح بان الله رب العالمين اجمع (الحمدُ لله رب العالمين)(سورة الفاتحة)، في حين رب بني اسرائيل كما تذكر التوراة هو رب الشعب المختار، وهذا خلاف كبير، حيث يضعون منزلة متميزة لبني اسرائيل، وينظرون لباقي البشر كعبيد لهم، في حين يقول القران (ولقد كرمنا بني ادم)(الاسراء :٧٠)، والحديث النبوي يقول (الناس سواسية كاسنان المشط).

نلمس من القران الرحمة والمودة لكل البشر، حيث يصف الله بالرحمن الرحيم، ويدعو نبيه الكريم محمد ص الى التعامل بالرفق والمودة،  سورة ال عمران: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، في حين نرى التوراة تدعو لاسلوب العنف والقسوة اتجاه غير اليهود، فمما جاء بالتوراة بامر اله التوراة بقتل كل المواليد الابكار في مصر (سفر الخروج:١٢ العدد ٩)، ويامر اليهود بعد خروجهم من الاسر في مصر بقتل الكنعانيين جميعا(سفر التثنية ٢٠ الاعداد ١٦-١٨)، ويامر بقتل امة المماليك كلها الرجال والنساء والاطفال والماشية والخرفان والماعز والجمال والحمير، في حين نرى القران يدعو الى حفظ الحياة وعدم قتل النفس المحترمة (﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ اوْ فَسَادٍ فِي الْارْضِ فَكَانَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ احْيَاهَا فَكَانَّمَا احْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، وهذا فرق جوهري بين من يدعو الى احياء الناس وصون النفس المحترمة، ومن يدعو الى قتل الانسان والحيوان . من الاختلافات الواردة بين القران والتوراة، نرى القران يقول (ولقد اتينا موسى تسع ايات بينات) ويقصد بها معجزات، في حين تُشير التوراة ان الله سلط على مصر عشر ضربات موجعة تاديبية ليزرع بها فرعون، وهي ضربات رادعة لفرعون كي يسمح للعبرانيين بالخروج من ارض مصر، وتستمر الاختلافات بين الكتابين تباعا، بينما نرى ان القران اورد قصة موسى مع الخضر، في حين لا وجود لقصة الخضر، ولا ذكر لشخصيّته في التوراة، كما ذكر القران ولادة مريم للمسيح، حيث جاءها المخاض تحت جذع نخلة، في حين يذكر الانجيل ولدت في اسطبل للحيوانات في قرية من قرى بيت لحم، وهنا اذكر الانجيل باعتباره العهد الجديد، والقران يذكر ان المسيح تكلم بالمهد، وهو طفل امام اليهود ليبرا امه، اما في الانجيل لا وجود لمثل هذه الحادثة المعجزة. ولو جئنا الى النبي ابراهيم، حيث يذكر القران ان النمرود هو من القاه الى النار، في حين لا يوجد ذكر لذلك في التوراة عن النمرود، ولا ذكر لحادثة الحرق. كما اشار القران الكريم الى ان ابراهيم واسماعيل هم من بنو الكعبة ورفعوا قوائمها في ارض مكة، سورة البقرة: ﴿وَاذْ يَرْفَعُ ابْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَاسْمَاعِيلُ)(سورة البقرة)، في حين لم تشر التوراة الى ذهاب ابراهيم الى مكة اطلاقا. كما هناك اختلافا في امور العقيدة، حيث يصف الله المسيح بانه عبد الله ورسوله (انَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ادَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)(ال عمران:٥٩)، ولكن المسيح يعتبرونه ابن الله،  واذا ذهبنا الى امر الله لابليس بالسجود لادم (واذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم، فسجدوا الا ابليس ابى واستكبر وكان من الكافرين)(البقرة)، في لم يكن هناك اي ذكر لهذه الحادثة في التوراة، ولو انتقلنا الى قصة النبي يوسف، يذكر القران ان اخوته ادعوا اكله الذئب (..فاكله الذئب، وما انت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين)(يوسف:١٧)، في حين تذكر التوراة اكله الوحش . من المفارقات الحادة بين القران والتوراة نرى ان التوراة تدعي كما في سفر التكوين -١٢) ما لا يمكن ادعاءه على نبي مرسل، فتقول عنه (..وحدث لما قرب ان يدخل ابرام مصر انه قال لساراي زوجته اني قد علمت انك امراة حسنة المنظر، فيكون اذا راك المصريين انهم يقولون هذه امراته فيقتلوني ويستبقونك . قولي انك اختي، ليكون لي خير بسببك، وتحيا نفسي من اجلك..)(تاريخ اليهود:ص٢٩)، وفي نص اخر تدعي التوراة ان فرعون اخذ ساراي الى بيته لجمالها واعطى لابراهيم الكثير من الغنم والبقر والحمير والجمال، ويمكن الاطلاع على ذلك في سفر التكوين-١٢)(تاريخ اليهود:ص٢٩)، وماذكرته التوراة تمثل اساءة بالغة للنبي ابراهيم وهدر لكرامته وطعن بزوجته، في حين القران لم يذكر ذلك، بل يذكر العكس عن النبي ابراهيم، قال تعالى: ﴿ قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(النحل:١٢٠)، ويصفه الله في مقام اخر بالامام، لرفعته وعلو منزلته (وَاذِ ابْتَلَىٰ ابْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَاتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ اني جاعلك لِلنَّاسِ امَامًا..)، (البقرة:١٣٤)، وهكذا يكرم القران انبياء الله، في حين تذكرهم التوراة بصفات لا يتصف بها الا احقر واسقط البشر، والامر لا يتوقف بالوصف المُشين على ابراهيم ولوط وبل حتى اسحاق ويعقوب، فتقول التوراة في سفر التكوين : ٢٧:٢٥ وهو يصف ما وقع بين اسحاق ويعقوب، وكيف يطلب اسحاق الخمرة من ابنه يعقوب (قَدم لي الاكل من صيد ابني حتى تُباركك نفسي فقدم له فاكل واحضر له خمرا فَشرب)، ولم يقف الاختلاف بالموقف من الانبياء عند ذلك، فنرى التوراة تجسد الذات الالهية (وظهر الرب لابرام وقال لنسلك اعطي هذه الارض)(تاريخ اليهود:ص٢٥، في حين القران يقول عن الذات الالهية (ليس كمثله شيء)(الشورى:١١)، فهم هنا يجسدوا الذات الالهية ويجعلوا لله يد (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ ايْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا..}، وهذا منافي ومخالف لما جاء به القران الكريم, والادهى من ذلك ان هناك خلاف جوهري، وهو ان اليهود يقولوا انهم ابناء الله (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ ابْنَاءُ اللَّهِ وَاحِبَّاؤُهُ)(المائدة)، (وفي اية اخرى (وقالت اليهود عزيز ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله .. قاتلهم الله انى يؤفكون، اتخذوا احبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله) (التوبة ٤٠-٣١)، وفي اية اخرى يقول القران (في حين يذكر القران في سورة التوحيد (لم يلد ولم يولد) وهذا فرق شاسع بين العقيدتين اليهودية والاسلامية .

طبعا لم نتطرق الى اختلافات بامور الشريعة والعقيدة والتاريخ، فهي كثيرة جدا، وهناك مؤلفات كثيرة وكبيرة تتحدث عن ذلك، وليس مقامها مقالة بحثية لا يمكنها ان تتجاوز حدودها، وما تمليه عليها حدود المقالة .

واخيرا يتضح للقاريء الكريم ليس هناك ما يدل على وجود تناص، بشكليه الحرفي، وهو نقل للنص بحذافيره، ولا تناص بالفكرة، فالقران والعهدين القديم والجديد لامشابه بينهم الا اللهم في امور مرجعها الاصل الواحد كاديان جاءت من مصدر الهي واحد، اما غير ذلك، لم نجد مايؤكد مزاعم البعض بان هناك تناص بين القران والتوراة لا من بعيد ولا من قريب، وان التناص المزعوم يبدو فقط في مخيلة من يدعيه، زاعما افتراضات غير موفقة، دفعته لها افكار مسبقة تبنوها في مخيالهم لعلها تخدم ايديولوجيات تعادي الاديان في محاولة بائسة للنيل منها، والحط من مكانتها التي كانت ولا زالت عصية على كل من حاول تسفيهها، وانزالها من علياءها التي تحدت من خلالها الزمن، واثبت التاريخ تهافت الكثير الكثير من الافكار والفلسفات والايدلوجيات، وبقى القران وكانه جاء من الامس القريب، وماتت الملاحم الاسطورية والمعلقات الشعرية، واصبحت نسيا منسيا وبقي القران حيا طريا، يمارس تاثيره وبقوة على شعوب الارض جميعا، من اعتقد به، ومن لم يعتقد.

***

اياد الزهيري

 

مقدمة: جوهر الموضوع الذي نناقشه في هذه الدراسة يكمن في العلاقة بين الحرية والسلطة. هذه الثنائية من أهم الإشكالات الفلسفية والسياسية في الفكر الإنساني إذ تمثل الحرية غاية الفرد وطموحه الأصيل نحو تحقيق ذاته وتطوير إمكانياته بينما تمثل السلطة - خصوصا في شكلها المؤسسي- أداة التنظيم والإكراه الضرورية - لضمان النظام واستمرار المجتمع.

لفهم هذه العلاقة وتحديد حدود تدخل الدولة الحديثة في المجتمع - وهي من الأمور الشائكة في كثير من الأذهان - نفتتح القول بالآتي:

أولا: طبيعة العلاقة بين الحرية والسلطة:

تراوحت النظريات الفلسفية والسياسية في تفسير طبيعة هذه العلاقة بين منظورين أساسيين:

1. منظور التضاد الصراعي: وجهة نظر الليبرالية الكلاسيكية والفوضوية.

في اعتقادهم أن العلاقة هي علاقة "نفي متبادل" فكلما زادت مساحة السلطة وتدخلت الدولة انحسرت حرية الفرد.

ويرى أنصار هذا الاتجاه مثل "جون لوك" و"هربرت سبنسر" أن الدولة في أصلها خطر محتمل على حريات الأفراد ولذلك يجب تقليص صلاحياتها إلى الحد الأدنى ويسمونها (دولة الحراسة أو الدولة الحدية).

2. منظور التكامل والتمكين: وجهة نظر الليبرالية الحديثة والجمهورية.

ترى هذه المدرسة أن السلطة -باعتبارها تعبيرا عن القانون والنظام العام- ليست بالضرورة نقيضا للحرية بل هي الضامن الفعلي لها. فبدلا من غياب القوانين تضمن الدولة شروط الحرية المتساوية عبر منع الأقوياء الأشرار من استعباد الضعفاء. هنا تصبح الدولة أداة لتوفير "الحرية الإيجابية" وتعني هذه الحرية القدرة الفعلية على الاختيار والفعل. وليست فقط "الحرية السلبية" التي تعني مجرد غياب التدخل.

3. منظور الهيمنة والضبط: المقاربات النقدية والبنيوية.

تنظر هذه المدارس مثل طروحات "ميشيل فوكو" إلى السلطة بوصفها شبكة معقدة من الخطابات والمؤسسات التي لا تقتصر على القمع الفوقي بل تتغلغل في صياغة الوعي وتوجيه السلوك مما يجعل إشكالية الحرية مرتبطة بمدى قدرة الفاعلين الاجتماعيين والنخب على تفكيك هذه الهيمنة وإعادة صياغة العقد الاجتماعي.

ثانيا: معايير حدود تدخل الدولة:

تحديد الحدود الفاصلة بين ما هو "شأن عام" تملكه الدولة وما هو "شأن خاص" يحميه حق الفرد في الحرية خضع لعدة معايير فلسفية وتاريخية مثل:

1. مبدأ الضرر:

يُعد هذا المعيار الأساس الأبرز في الليبرالية المعاصرة إذ ينص على أن الحرية الفردية لا تُقيد إلا لمنع إلحاق الضرر بالآخرين. بناءً على ذلك ليس للدولة الحق في التدخل في خيارات الأفراد المعنوية أو أسلوب حياتهم أو معتقداتهم طالما أن تلك الممارسات لا تتسبب في أذى ملموس ومباشر لأعضاء المجتمع الآخرين.

وتختصر مقولة الفيلسوف الأنگليزي جون ستيوارت ميل هذا المبدأ بالقول: "تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الناس الآخرين".

2. الاستقلالية الذاتية والأخلاقية للفرد:

تضع الفلسفات الإنسانية خطاً أحمر أمام تدخل الدولة في الضمير والمعتقد وحرية التفكير والاعتقاد الديني أو الفلسفي والتعبير عن الآراء.

والحياة الخاصة أي الفضاءات التي لا تشكل تهديدا للنظام العام أو السلم الاجتماعي.

3. الوظائف الأساسية للدولة: الحدود الدنيا والقصوى.

1. الحد الأدنى الدولة الحارسة:

يقتصر دور الدولة على حفظ الأمن الداخلي والدفاع الخارجي وإنفاذ العقود وفض النزاعات القضائية.

2. الحد الأوسع:

يتسع تدخل الدولة ليشمل تنظيم الاقتصاد توفير التعليم والرعاية الصحية وتقليل التفاوتات الطبقية. ويُبرر هذا التدخل من قِبل الدولة بأن الفقر المدقع والمرض يمثلان قيودا هيكلية تُلغي حرية الإنسان الفعلية وتجعله عرضة للاستغلال.

ثالثا: التحديات المعاصرة في رسم الحدود:

تواجه المجتمعات المعاصرة تعقيدات متزايدة في إعادة رسم هذه الحدود ومن أبرزها:

الأمن مقابل الحرية:

في أوقات الأزمات والتهديدات كالجرائم السيبرانية والإرهاب أو الأوبئة الصحية هنا تميل الدول إلى توسيع نطاق صلاحياتها الرقابية والأمنية مما يفتح باب النقاش حول مدى مشروعية التضحية بالحقوق المدنية لحماية الاستقرار الجماعي.

السلطة والمجتمع المدني: من المعروف أن التحديث الاجتماعي الحقيقي لا يتحقق فقط عبر تشريعات الدولة الفوقية بل يتطلب بناء مجتمع مدني قوي ونخب مستقلة قادرة على مأسسة الحوار العقلاني لكي لا تتحول الدولة إلى وصي مطلق على الهوية الثقافية والاجتماعية للأفراد. وهذا ما تفعله الدولة الدينية في المجتمع محولة إِياه إلى مجتمع مأزوم محطم ومريض بأنواع العقد النفسية كارها للغير حاقدا على كل جميل من قول أو فعل.

بعد هذه المقدمة نأتي إلى موضوعنا الأساس:

طبيعة "الدولة الدينية" الثيوقراطية وإشكالياتها البنيوية:

أولا: طبيعة الدولة الدينية:

نستطيع أن نختصر طبيعة "الدولة الدينية" بالدولة التي تقوم على تمثيل فكرة "المقدس" وتطبيق تعاليمه وهي بذلك تمثل تقويضا ذاتيا لمفهوم العقل الحر النقدي فهي بحكم تكوينها المعتمد على تعاليم الدين الصارمة التي لا تقبل التغيير والتبديل تحتكر الحقيقة المطلقة وتقوم بطبيعتها على تبني رؤية مقدسة ومطلقة للعالم مما يحول قوانينها إلى نصوص قطعية لا تقبل التغيير أو المراجعة النقدية. هذا الاحتكار للحق في التشريع يقيد حرية الفرد في الاختيار والأنكى أنه يلغي فكرة "الفاعل التاريخي المستقل" الذي يصنع قيمه بنفسه.

وعلى هذا الأساس تقوم "الدولة الدينية" بإلغاء الفصل بين الفضاءين "العام والخاص" بعكس الدولة العلمانية التي تكتفي بتنظيم الشأن العام وفق عقود توافقية وتترك الشأن الخاص كالدين والمعتقدات والأخلاق الفردية للضمير الشخصي.

كذلك تمارس الدولة الدينية وصاية شاملة تتغلغل في الحياة الخاصة والضمير والملبس والمأكل والمشرب والسلوكيات معتبرة كل اختلاف عن تعاليم دينها انحرافا يجب تقويمه ولو بالقوة والإكراه حيث يتفنن رجال الدين بطيف واسع من المحرمات حتى تتحول حياة الناس إلى جحيم.

من هذا الباب تدخل "الدولة الدينية" في أزمة "الشرعية" و"التغيير" نظرا لأن الخطاب الديني المؤسسي غالبا ما يرتبط بثوابت مذهبية تاريخية يصعب عليها مع الاحتفاظ بها مواكبة التغيرات الاجتماعية المتسارعة فتصبح الدولة الدينية عاجزة عن التطور العضوي مما يجعلها تلجأ إلى آليات الإكراه والقمع البوليسي لفرض بقائها واستمراريتها.

مختصر القول: الطبيعة البنيوية للدولة الدينية يمكن تلخيصها بالشكل التالي:

1. تخدم حقيقة متعالية.

2. تحتكم إلى شريعة مقدسة.

3. جهاز تأويل رسمي:

فقاء مجتهدين - مؤسسة دينية "حوزة".

4. ولي فقيه يكون مرشدا للدولة.

5. مجلس شرعي يسن قوانين مُلزمة للدولة.

6. سلطة سياسية دينية تمارس الإكراه على مجتمع متنوع في الاعتقاد والتأويل وتفرض اعتقادا واحدا. هذه هي طبيعة أي دولة دينية.

ثانيا: إشكاليات "الدولة الدينية":

يمكن فهم "الدولة الدينية" بوصفها نمطا من التنظيم السياسي لا يكتفي بأن يكون المجتمع متدينا أو أن تستلهم الدولة بعض القيم الدينية بل يجعل مصدر الشرعية العليا ومرجعية القانون وتحديد المجال العام مرتبطا بدين معين ومذهب معين - لأن أي دولة دينية هي دولة طائفية بالضرورة - أو بتأويل رسمي له. بهذا المعنى تقترب الدولة الدينية من مفهوم "الثيوقراطية" حيث تُنسب السلطة إلى الهداية الإلهية أو إلى مسؤولين مقدسين يُنظر إليهم بوصفهم ناطقين باسمها وغالبا ما يكون القانون فيها مؤسسا على الشريعة الدينية.

من المهم هنا التمييز منهجيا بين الدولة ذات المرجعية الدينية والمجتمع المتدين والدولة التي تعترف بدين رسمي. فليست كل صيغة دستورية تعترف بدين ما ثيوقراطية كاملة. الإشكال يبدأ حين لا يعود الدين مجرد عنصر ثقافي أو أخلاقي في المجال العام بل يتحول إلى مبدأ تأسيسي للدولة يحدد من أين تأتي الشرعية ومن يملك حق التأويل الملزم وكيف تُسن القوانين وتُفرض على الجميع.

الإشكال البنيوي الأول: هنا هو مشكلة الشرعية: ففي الدولة الحديثة يُفترض أن يكون الإكراه القانوني مبررا أمام المواطنين بوصفهم مواطنين لا بوصفهم أتباع عقيدة واحدة. أما إذا استند القانون إلى أسباب دينية خالصة تظهر معضلة هي: كيف يكون القانون ملزما أخلاقيا لمن لا يعتقد بهذا الإيمان أو لا يشارك التأويل الرسمي له؟

هذا هو قلب ما تسميه الفلسفة السياسية المعاصرة مشكلة العلاقة بين الدين والسلطة السياسية. فهل تكفي الأسباب الدينية وحدها لتبرير قوانين قسرية في مجتمع تعددي؟

ومن هنا تنشأ إشكالية التعددية: فالدولة الدينية تميل بنيويا إلى تحويل الاختلاف الديني والمذهبي من تنوع مشروع إلى نقص في الشرعية أو انحراف عن الحقيقة الرسمية. ولذلك لا تكون المشكلة مجرد تعصب أخلاقي عابر بل إن البنية الدينية للدولة نفسها تدفع نحو تراتبية بين المواطنين: مؤمن - مخالف-مرتد- أكثرية مذهبية- أقلية مذهبية. وكلما توحدت المواطنة مع الهوية الدينية الرسمية صار من المستحيل حماية المساواة السياسية الحقة الكاملة.

الإشكال البنيوي الثاني:

هو احتكار التأويل. فالدولة الدينية لا تستطيع الاكتفاء بقول "الحكم لله" إذ لا بد أن يظهر فورا سؤال: ومن يفسر ويحدد حكم الله؟ هنا تتشكل طبقة أو مؤسسة أو هرم تأويلي يملك سلطة تحويل النص المقدس إلى قواعد تنفيذية. وبما أن النصوص الدينية بطبيعتها قابلة لتعدد الفهم فإن الدولة الدينية تنقل الصراع من المجال الفكري إلى المجال السيادي حيث يصبح الخلاف في التأويل خلافا على السلطة نفسها لا مجرد اختلاف علمي. لذلك تظهر "حروب تفسير" شبيهة بما يحدث في تفسير الدساتير لكن حدتها أكبر في الدولة الدينية لأن النزاع هنا يمس "المقدس" والسيادة معا.

الإشكال البنيوي الثالث:

هو ازدواج السيادة أو ما يمكن تسميته صراع "النظامين": نظام الدولة الدستورية من جهة والنظام الديني من جهة أخرى. فالدين حين يتحول إلى بنية سياسية لا يقدم مجرد قيم عامة بل يقدم نظاما قانونيا موازيا ومرجعية قضائية موازية ومفهوما مستقلا للشرعية والعدالة والالتزام.

فعندها يقع التنازع بين  أي مؤسستين في الدولة تكون الكلمة النهائية للهيئة الدينية المهيمنة على الحكم الشرعي!

هذا التنافس المؤسسي ليس عرضا جانبيا بل هو من صلب بنية الدولة الدينية.

الإشكال البنيوي الرابع:

هو أن تدين الدولة يسيس الدين ولا يدين السياسة فقط. فحين تلتزم الدولة بدين بعينه يتحول هذا الدين من كونه مجالا مستقلا نسبيا إلى جزء من الجهاز الحكومي فيفقد القدرة على تعريف ذاته بذاته وتصبح هويته ومضامينه رهينة للمؤسسات السياسية وقراراتها. والسياسة محكومة بمنطق الأغلبية والمساومات وإدارة النفوذ بينما الدين يدعي الانشغال بالحقيقة العقدية أو الصواب اللاهوتي. لذلك فإن الاندماج بينهما يفضي غالبا إلى إفساد الدين سياسيا بقدر ما يفضي إلى تقديس السلطة دينيا.

الإشكال البنيوي الخامس: هو تحويل المعارضة السياسية إلى شبهة دينية. ففي الدولة المدنية يمكن الاعتراض على الحكومة دون الطعن في أصل الشرعية الوطنية. أما في الدولة الدينية فالمعارضة قد تُقرأ بوصفها اعتراضا على "الشرع" أو "الإرادة الإلهية" كما تفسرها السلطة. وهنا تضعف قابلية النظام لتداول السلطة وللنقد العمومي لأن الحاكم لا يظهر فقط كمدير للشأن العام بل كحارس "للمقدس" أو ممثل له. هذه البنية تغري بالاستبداد حتى إن لم يكن كل نظام ديني مستبدا بالضرورة في كل لحظة.

الإشكال البنيوي السادس: هو الميل إلى تقييد المجال الخاص والعام معا. بما أن الدين في الخبرة الإيمانية قد يمتد إلى كل تفاصيل الحياة فإن الدولة الدينية تميل إلى توسيع نطاق التقنين الأخلاقي: الأسرة، الجسد، الملبس، التعليم، الفن، التعبير، والمعتقد الشخصي. وهنا لا تعود الدولة حَكما بين حريات متعارضة بل تصبح وصية على صورة "الحياة القويمة". وهذا ما يجعل التوتر حادا بينها وبين الحريات الحديثة خصوصا حرية الضمير وحرية التعبير وحقوق الأقليات.

ولو أردنا تكثيف المسألة في صيغة نظرية واحدة يمكن القول: إن الدولة الدينية تعاني من مفارقة تأسيسية: فهي تريد أن تجعل المطلق الديني أساسا لنظام سياسي يحتاج عمليا إلى إدارة النسبي والتعدد والتفاوض وتبدل المصالح وتغير الأحوال. أي أنها تحاول صب الحقيقة النهائية في مؤسسات هي بطبيعتها تاريخية وقابلة للخطأ والصراع.

ومن هنا تنبع أزماتها البنيوية: أزمة شرعية وأزمة تأويل وأزمة مواطنة وأزمة سيادة وأزمة علاقة بين المقدس والسياسي.

أخيرا أقول: أن الدولة الدينية ليست فقط "دولة تطبق الدين" بل هي دولة تعيد تعريف القانون والشرعية والمواطنة من داخل مرجعية مقدسة مؤسسة سياسيا. ومشكلتها الأساسية ليست أخلاقية فقط بل بنيوية: لأنها تجعل الدولة طرفا في الحقيقة وتجعل الحقيقة طرفا في السلطة فتُنتج توترا دائما بين الإيمان والتعدد وبين التأويل والسيادة وبين القداسة والنقد. ودولة كهذه لا تستطيع البقاء إلا بالقمع والأكراه الذي لا يدوم حتما وزوالها واقع لا محالة وإن أطال عمرها السيطرة بالقوة الغاشمة.

***

سليم جواد الفهد

بين الرمز والرماد.. جمالية التوحيد في الفن الإسلامي

يُمثِّل الفن الإسلامي تجلّيًا ماديًّا للرؤية التوحيدية التي تُشكِّل العمود الفقري للعقل الإسلامي، فهو ليس زخارف تُزيّن المساحات، بل هو لغة وجودية تترجم فلسفة كاملة عن الخالق والخَلق. إنه تصوير بصري لفكرة "لا إله إلا الله"؛ حيث تتحول العقيدة المجردة إلى إيقاع مرئي يخاطب الحواس والروح معًا. الفلسفة هنا لا تُقال بل تُرى، لا تُنظّر لها بل تُلمس، فهي حاضرة في انحناءة القوس، وفي تداخل الأرابيسك، وفي انسيابية الخط.

ينبع هذا الفن من مبدأ "التنزيه" المطلق، أي تنزيه الخالق عن التشبيه والمحاكاة. لذلك، كان رفض محاكاة الطبيعة رفضًا فلسفيًّا وليس تقنيًّا؛ فالمحاكاة تُقيِّد المطلق في صورة المحدود، وتُحصّر اللامتناهي في شكل متناهٍ. من هذا الرفض، وُلد "التجريد" ليس كنزعة فنية حديثة، بل كضرورة وجودية. فالتجريد في الفن الإسلامي هو لغة التعبير عن اللامرئي، عن الجوهر الذي لا يُرى لكنّ آثاره تُدرك في كل شيء. إنه ترجمة بصرية لفكرة أن الحقيقة المطلقة تتجلّى في نظام الكون وإيقاعه، لا في مظاهره المادية العابرة.

الزخرفة الهندسية المتكررة التي تبلغ درجة الهوس ليست هروبًا من الفراغ، بل هي سعيٌ نحو الامتلاء باللاتناهي. التكرار هنا ليس رتابة، بل هو ذِكرٌ بصري. كل دائرة، كل نجمة، كل شكل متداخل هو عبارة عن دعوة للتأمل في وحدة الوجود التي تَتَكَثَّر في أشكاله دون أن تفصلها التكثرة عن أصلها. العين تتبع الخطوط لتضيع في اللانهاية، في عملية إيهام محسوبة تُذكّر الإنسان بأنه جزء من كلٍّ أكبر، وأن انتماءه لهذا الكل هو الذي يُعطي وجوده معناه. هذا النظام الهندسي المُحكم هو مرآة للنظام الكوني الذي يسير بقانون إلهي دقيق، فالفنّان هنا لا يبتكر من عدم، بل يكتشف ويُعيد تركيب القوانين الرياضية والهندسية التي هي أصل هذا الكون.

أما الخط العربي، فهو أكثر من فن للكتابة؛ إنه تجسيد لفكرة "الكلمة" كمبدأ خلاق. الكلمة في الإسلام، خاصة الكلمة القرآنية، هي وعاء للمعنى المقدس. تحويل هذه الكلمة إلى كيان بصري جميل هو عملية تكريم لهذا المعنى. الخطّاط لا يكتب كلمات، بل يصوغ حضورًا. الحروف المتشابكة والمتداخلة والتي تتحول أحيانًا إلى زخارف نباتية هي استعارة بصرية عن تداخل المقدس بالدنيوي، عن اختراق النص الإلهي لنسيج الحياة اليومية. الخط هو حيث يلتقي النطق بالرؤية، والمنطق بالجمال، والدليل بالرمز.

العمارة الإسلامية، بفساحتها وقبابها التي تُحاكي السماء، والمئذنة التي تصل الأرض بالعلى، واستخدام الضوء ليس لإضاءة الفراغ بل لخلق فراغ جديد من الظل والنور، كلها عناصر تُجسّد فكرة "التوسط". المسجد ليس مكانًا للعبادة فقط، بل هو مركز كوني مصغّر (ميكروكوزموس) يُعيد ترتيب علاقة الإنسان بالمكان والزمان. القبة هي تجسيد للسماء، أما الماء والحديقة في الساحات الداخلية فهما تذكير بالجنة. العمارة هنا تُقدّم جغرافيا مقدسة، تُعيد صياغة العالم المادي ليعكس العالم الروحي.

وهكذا، فإن أهمية الفن الإسلامي تنبع من كونه مشروعًا معرفيًّا متكاملاً. إنه يُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم من خلال الجمال. فهو يرفض أن يكون الفن للفن، ويؤكد أن الفن لله، وبالتالي للحقيقة والجمال المطلق. إنه يُعلّم أن إدراك الجمال هو طريقٌ لإدراك الحق، وأن الحسّ السليم لا يُغذي الروح فحسب، بل يقودها إلى التأمل في مبدع الجمال. في هذا الفن، يصبح الجمال عبادة، والتصميم تأملًا، والإبداع شهادة على الوحدة التي تَجمَع بين أصغر تفاصيل الزخرفة وأعظم أسرار الوجود.

بقد انبثقت تلك الصلة العميقة بين الزخارف التجريدية الإسلامية والمشاعر الروحية للمسلم من أعماق التصور العقائدي نفسه، فلم تكن الخطوط والدوائر والمشكاليات الهندسية المعقدة مجرد زخارف تملأ الفراغ، بل كانت لغة بصرية تخاطب الوجدان.

جاء هذا الربط كتعبير طبيعي عن رفض تمثيل الذات الإلهية، مما دفع الفنان المسلم إلى ابتكار عالم من الجمال يتجاوز المحسوس والمادي، ليرسم بعقله ويده تجريدًا يعكس تجريد الإيمان بوحدانية الله المطلقة. فالنمط المتكرر الذي لا بداية ولا نهاية له يذكر بالنظام الكوني البديع وعلم الله اللامحدود، وكأن جدار المسجد أو صفحة المصحف قد تحولا إلى مرآة صامتة تعكس إحكام الخلق ودقته.

أصبحت هذه الزخارف وسيلة للتأمل والذكر، فتعقيدها الجميل يدعو الناظر إلى التوقف والتأني، محاولًا تتبع خيوطها في رحلة ذهنية تبعده عن ضجيج العالم وتوصله إلى لحظة من الصفاء الروحي. إنها ليست مجرد زخرفة، بل هي صورة من صور "التفكر" التي حث عليها الإسلام، وجسر يعبر منه المسلم من جمال الصنعة إلى جمال الصانع، من دقة النقش إلى إتقان الخلق، ومن النظام الهندسي إلى حكمة الخالق.

ولعل من أبرز مميزات المنمنمات الإسلامية أنها فن زخرفي، فقد استفاد الفنان المسلم من كل ما وقع عليه نظره من عناصر، سواء أكانت نباتية أم حيوانية أم آدمية، لتحقيق أهدافه الزخرفية وقد ركب هذه العناصر وزواج بينهما في كثير من الموضوعات[1]

وهكذا، لم يكن هذا الفن المجرد منفصلاً عن المشاعر، بل كان تجسيدًا لها: خاشعًا في مسجد، مذكرًا في محراب، مفعمًا بالحياة في قصر، لكنه دائمًا يهمس في نفس المسلم عن نظام الكون، وجمال الخالق، وضرورة التأمل، مذكرًا إياه بأن كل هذا الجمال المنظور هو مجرد انعكاس باهت لجمال لا يُرى.

لنسلم أولاً بأنها مجرد زخارف عابثة، أي مجرد تنسيقات خطوط للأشكال المجردة على المساحات الجدارية، أو الجدران أو غيرها، فهي تحوير لأشكال لا علاقة لها. أما أن يكون لها مضمون روحي، ونحن نستدل على هذا من حيثياتها الخاصة، فتدل في أن الفنان المسلم كان ينحو في تزيينه جدران المسجد بالزخارف حيث يترفع الفن الإسلامي عن التشخيص، كان ينحو إلى تجريد الطبيعة من مظاهرها الآنية، أليس السعيد هو الذي كان في وقت ما سعيداً، أو في مكان ما سعيداً، أليس السعيد عارضاً زائلاً، أليس الجمال كذلك؟ فهذه طبيعة الحال. أما خطوط الطبيعة، والألوان في الطبيعة، فهي باقية، أي أن الفنان المسلم كان يلجأ إلى التجريدية. وهذا ما نقوله أو ما نسميه بالأسلوب التجريدي.

ونحن إذا قلنا الأسلوب التجريدي فما هو إلا تعبير الفنان عن استشعاره بالشكل طابعاً مروحياً، واستشفاف ما وراء الطبيعة، وتأكيداً لقوة هذا الحس صالحة للتعبير عنه من خلال أي شكل من الأشكال التي يفرضها الأسلوب التجريدي.

وعلى هذا نستطيع أن نقول إن استشعار الفنان المسلم للحضرة الإلهية هو ما جعله يقرّ في الأسلوب التجريدي، لا لشيء، إلا أن طبيعة عقيدته هي التي دفعته دفعاً إلى هذا الأسلوب. ولقد سبق أن رأينا أن الحضارات الإنسانية القديمة كيف ارتبط فنها كذلك بالعقائد الدينية المختلفة فهي عبّرَتْ، وكان انعكاسها كذلك. ولكننا رأينا فيما تقدم، أن التصوير التشخيصي على التعيين، لم يختلف الطابع العام للفن في علاقته بالدين، بل بين مختلف الحضارات. والحضارة الإسلامية، فالعقيدة الدينية لا تدفع بالفنان بالضرورة إلى انتهاج الأسلوب.[2]

إن طبيعة التصورات الدينية التي تحملها حضارة ما هي التي تحدد جوهر فنها، فإما أن يتجه نحو التشخيص أو ينزع نحو التجريد. فالفن الديني في صميمه هو مرآة لتصور الإنسان لقدسيته، إما أن يكون موضوعيًا مجسدًا أو تجريديًا مجردًا. فقد "كانت المنمنمات التي رسمها الواسطي (على مقامات الحريري) مثالاً نموذجيًا لهذا الإبداع التصويري في شكله الهندسي الذي تجاوز المنمنمات الشرقية الأولى. كأَّن ثمّةَ إصراراً على الكمال في رسم الطبيعة المجرّدة في أبهى صورها وفي أزهى ألوانها[3]

لقد ساد في الحضارات القديمة تصورٌ يجسد الإلهي في هيئة بشرية أو حيوانية، أو كينونة متغلغلة في كل مخلوق. وهذا ما دفع فنانها حتمًا نحو التشخيص في أعماله المرتبطة بالعقيدة.

أما في الإسلام، فإن حجر الأساس في العقيدة هو الإله الواحد الأحد، المطلق الكمال، الذي {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. فهذه الذات المتعالية لا تُدرك بالأحاسيس ولا تُحد بالصورة، مما أغلق باب التجسيم من أساسه. وبقيت الحاجة إلى تعبير فني يليق بهذا التصور، فلم يكن هناك من مخرج فني يتوافق مع روحية هذه العقيدة إلا واحدا: هو الأسلوب التجريدي. ومن ثم، فإن ارتباط الأشكال التجريدية في الفن الإسلامي بتلك التصورات العقائدية كان ارتباطًا وجوديًا، لا مناص منه.

وهنا يثور سؤال جوهري: هل كان الفنان المسلم واعيًا بهذه المعاني العميقة وهو ينقش زخارفه المعقدة؟ هل كان يعي أن خطوطه ودوائره هي ترجمة بصرية لعقيدة التوحيد، أم كان ينفذها ببراءة وبعفوية الحرفي فقط؟

وفي تقديرنا، لم يكن هذا الانزياح نحو التجريد حدثًا اعتباطيًا أو صدفة عمياء، خاصة في البدايات التأسيسية. فتصور المسلم لله وللكون كان قائمًا في عقله، متجذرًا في روحه، يشكل عدسته التي يرى من خلالها العالم. لذا، حينما أمسك الأزميل أو القلم، كانت هذه التصورات تتحقق في عمله حتمًا، سواء أكان واعيًا بها تمام الوعي في اللحظة ذاتها، أم أنها كانت تفيض من لا وعيه الجمعي المُشبع بروح العقيدة. لقد تحقق التجريد في الفن الإسلامي كما يتحقق أي فن تجريدي أصيل: بمزيج لا ينفصم من الوعي الفكري واللاوعي الروحي.

حضور التمويه الجمالي كآلية للتعبير عن ما يتجاوز المرئي

يمثل التمويه الجمالي في جوهره مقاربة فلسفية وفنية عميقة تتجاوز حدود الزخرفة أو التعمية السطحية، إذ يعيد تشكيل علاقة المتلقي بالعمل الإبداعي عبر نقله من تلقّي جاهز للمعنى إلى مشاركة فاعلة في إنتاجه. فالمسألة لا تتعلق بغياب الدلالة، وإنما بإعادة تموضعها في طبقات أكثر تعقيداً وغموضاً، حيث يغدو التمويه وسيلة لكشف ما يتجاوز المرئي والمباشر، أي ذلك الفائض من التجربة الإنسانية الذي يعصى على التحديد الصريح من حب وموت وقلق ووجود (هايدغر، 1950). وفي هذا السياق، يقوم التمويه على الإيحاء عوض التصريح، باعتباره استراتيجية تمنح الغموض شرعية فلسفية بوصفه أحد أبعاد الكينونة، وهو ما أشار إليه أدورنو في النظرية الجمالية حين أكد أن الفن الحقيقي يقاوم التبسيط والإيضاح المفرط، حفاظاً على طاقته النقدية والرمزية (أدورنو، 1970).

في الشعر، تتجلى هذه الآلية عبر الاستعارة والرمز، حيث تتحول المشاعر المباشرة إلى صور مجازية تمنحها عمقاً إضافياً، كما هو الشأن في التجارب الصوفية عند ابن عربي وجلال الدين الرومي، اللذين لجآ إلى لغة الخمر والمعشوق والحانة لترميز الاتحاد الروحي مع المطلق، في محاولة لإبقاء التجربة ضمن حقل الغموض الذي يمنحها قدسيتها (ابن عربي، الفتوحات المكية؛ الرومي، المثنوي). أما في الفنون البصرية، فقد جسّد جاكسون بولوك من خلال التعبيرية التجريدية تمويهاً للصورة الواقعية عبر شبكات لونية وخطوطية تعكس الطاقة واللاوعي أكثر مما تحاكي العالم المرئي. وتعيد السريالية بدورها صياغة الواقع عبر الحلم والتجاور الغريب بين العناصر، محاولةً الإفصاح عن دواخل اللاوعي (بريتون، 1924). حتى العمارة لم تخلُ من هذه النزعة، إذ إن استخدام المواد الشفافة أو الأشكال العضوية المنسابة عند معاصرين مثل فرانك غيري أو تويو إيتو، يهدف إلى تمويه الكتلة الصلبة وإحالتها إلى رموز للخفة، والزمن، والتكامل مع الطبيعة.

فلسفياً، يرتبط التمويه بما يسميه هايدغر بالصراع بين الظهور والاختفاء، حيث لا تتكشف الحقيقة إلا بقدر ما يتم حجبه في العمل الفني، بما يجعل الحجب نفسه شرطاً للانكشاف (أصل العمل الفني). وهنا يتضح أن التمويه ليس نقيض الكشف، بل وسيلته الجوهرية. إنه مقاومة ضمنية للثقافة الجماهيرية التي تسعى إلى تبسيط المعنى وتحويل الفن إلى سلعة قابلة للاستهلاك، وهو ما يحرم الإنسان من إمكان العبور إلى مستويات أعمق من التجربة الوجودية. والحديث عن جمالية المنمنمة الإسلامية يؤدي بنا إلى الحديث عن الخلفيات الزخرفية التي قد شغلت مساحة معتبرة وعكست اللوحة الفنية للحدث المحور وللنص، فقد لعبت الأرضيات أو الخلفيات المزخرفة دورا وسيطا بين الصورة والكتابة فهي تحمل في طياتها الإيقاع المشترك بينهما. ولعل من أبرز مميزات الزخرفة الإسلامية أنها فن جمالي، فقد استفاد الفنان المسلم من كل ما وقع عليه نظره من عناصر، سواء أكانت نباتية أم حيوانية أم آدمية، لتحقيق أهدافه الزخرفية وقد ركب هذه العناصر وزواج بينهما في كثير من الموضوعات[4]

إن حضور التمويه الجمالي، في الشعر كما في التشكيل والعمارة والفلسفة، يمثل شهادة على سمو الفن وقدرته على ملامسة اللامحدود من خلال أدوات محدودة. فالفن لا يعكس الحقيقة كما هي، بل يفتح نوافذ على طبقاتها المخبأة، محولاً الغموض إلى أرقى أشكال الوضوح، ومؤكداً أن ما يتوارى خلف الرموز والظلال لا يقل حقيقة عن ما يظهر في السطح، بل قد يكون هو الحقيقة الأكثر أصالة وعمقاً.

وتتمثل هذه الإشكالية في غياب آليات منهجية للقراءة النقدية للمدونات التراثية ذات الطابع البصري والفني، بما يستدعي فهرستها وتصنيفها وتحليلها وفق مقاربات علمية دقيقة. غير أن هذا النقص لا يقتصر على التراث وحده، بل يتجلى كذلك في التجارب الفنية العربية المعاصرة التي غالبًا ما تفتقر إلى المتابعة النقدية المنتظمة والتحليل الجمالي الرصين. وعليه، فإنّ أمام الفكر العربي مهاماً مركزية تفرضها الحاجة إلى مواكبة تحولات الحساسية الجمالية الحديثة، والقدرة على إدراك أبعادها والتفاعل مع ما تطرحه من متغيرات في ضوء مستجدات الحداثة الفنية.

وتشير الكثير من الدراسات إلى أنّ «مسؤولية تصحيح المفاهيم المغلوطة في الذهن العالمي عن فنّنا ولساننا وأرضنا ووجودنا هي مسؤولية مشتركة يتعيّن الاضطلاع بها على نحو جماعي. وتتمثل هذه المسؤولية في جملة من المهام العلمية التي ينبغي أن يتكامل فيها جهد الفنّانين المسلمين والنقاد والفلاسفة وعلماء الجمال والمؤرخين ومؤرخي الفن وعلماء الاجتماع والنفس، وذلك في تعاملهم مع النتاج الفني العربي الإسلامي في مراحله القديمة والحديثة والمعاصرة. وتكتسب هذه الدعوة مشروعيتها من عراقة الفن الإسلامي وثرائه، إذ تقتضي السياقات المقصدية التي يتمظهر من خلالها إخضاعه للبحث العلمي الرصين والتأمل النقدي الجمالي، بما يتيح الكشف عن طاقاته الرمزية ويضمن تحقيق مصالحه الجمالية العامة.[5]

الفن الإسلامي والوسيط الجديد: رقمنة المعنى وتجديد المعاصرة

يعد الفن الإسلامي والوسيط الجديد موضوعًا يعبر عن العلاقة الحديثة بين الفن الإسلامي التقليدي والتقنيات الرقمية التي تغير طرق إنتاجه وفهمه وتقديمه في العصر الحالي، مما يؤدي إلى تجديد مستمر في حضور الفن الإسلامي وأدواره الثقافية والمعاصرة. فالفن الإسلامي، الذي يُعرف بعناصره الجمالية كالخط العربي، الزخرفة الهندسية، والنقوش النباتية، يحمل تاريخاً عميقاً وقيمًا روحية وفلسفية، ولم يعد مقتصراً فقط على العمل اليدوي أو الوسائل التقليدية، بل أصبح يستفيد من التكنولوجيا الرقمية كالبرمجيات ثلاثية الأبعاد، الواقع الافتراضي، والتصميم الرقمي، ليعيد تقديم نفسه بطرق جديدة تتناسب مع متطلبات واهتمامات الجمهور الحديث. من خلال الرقمنة، يتم تحويل المعاني الجمالية والدينية للفن الإسلامي إلى صيغة رقمية تسهل التفاعل معها، مما يفتح المجال لفهم أعمق وتجارب متعددة الأبعاد، سواء في المتاحف الافتراضية أو الوسائط الرقمية المختلطة، وبذلك يصبح الفن الإسلامي قادراً على التواصل مع العصر الحديث بشكل أكثر حيوية وحضوراً. هذه الرقمنة لا تعني فقط النقل الحرفي للفن التقليدي إلى صيغة رقمية، لكنها تعكس عملية إبداعية تجديدية تسمح بالتجديد المستمر للمعاصرة في الفن الإسلامي، مما يضمن بقاءه حياً ومتفاعلاً مع التحولات الثقافية والتكنولوجية الحديثة، ويجعل منه وسيلة تعبير فنية ذات بعد روحي وثقافي متصل بالواقع الرقمي الجديد.

كما يمثل التقاء الفن الإسلامي التقليدي بالوسائط الرقمية الجديدة ظاهرة ثقافية معقدة ومثيرة، تتجاوز مجرد نقل التراث إلى الفضاء الإلكتروني، لتصبح عملية إبداعية عميقة تعيد صياغة المعنى وتجدد مفهوم المعاصرة لهذا الفن. هذه العلاقة ليست مجرد تزيين رقمي لأشكال قديمة، بل هي حوار جوهري بين فلسفة جمالية عريقة وتقنيات عصرية، ينتج عنه "رقمنة المعنى" و"تجديد المعاصرة".

أولاً: رقمنة المعنى

لا تعني "رقمنة المعنى" مجرد تحويل لوحة خط أو نقش زخرفي إسلامي إلى صورة رقمية (ديجيتال). بل هي عملية تحويل أكثر عمقاً تتمثل في:

أ- تفكيك وإعادة تركيب الرمز: الفن الإسلامي التقليدي قائم على رموز ذات دلالات روحية وجمالية عميقة (مثل النقوش الهندسية التي ترمز إلى تناهي الخلق وإلى اللانهاية الإلهية، أو الخط العربي الذي يحمل في طياته معنى مقدساً هو كلام الله). الوسيط الرقمي يتيح للفنان تفكيك هذه الرموز إلى مكوناتها الأولية (أشكال هندسية، وحدات زخرفية، ضربات فرشاة رقمية) ثم إعادة تركيبها في تشكيلات جديدة. هذه العملية لا تلغي المعنى الأصلي بل تثريه، فالنقشة الهندسية لم تعد مُغلقة ومكتملة في إطار لوحة، بل يمكن تحريكها وتطويرها بشكل ديناميكي لا نهائي على الشاشة، مما يعزز معنى اللانهاية والتدفق الذي كانت تلمح إليه بشكل ثابت.

ب- إضافة طبقات دلالية جديدة: التقنيات الرقمية مثل التفاعلية (Interactive Art)، والواقع المعزز (AR)، والواقع الافتراضي (VR) تضيف بُعداً جديداً للتجربة الجمالية. يمكن للمشاهد الآن أن "يدخل" داخل النقش الهندسي، أن يتجول بين تفاصيله، أن يلمس الشاشة لتتفرع الزخرفة وتتوسع، أو أن يسمع صوت تلاوة قرآنية يرافق تحولات الخط العربي على الشاشة. هذه التفاعلية تحول المتلقي من مشاهد سلبي إلى مشارك فاعل في خلق التجربة، مما يضيف معاني المشاركة، والحركة، والتجدد إلى الدلالات التقليدية للثبات والنظام.

ج - الاشتباك بين المعنى والمادة: كان المعنى في الفن الإسلامي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمادية الحامل (ورق المصحف، جدار المسجد، سجادة الصلاة). الرقمنة تفصل المعنى الجمالي عن المادة الأصلية، فتصبح الزخرفة مجردة وقابلة للتجلي بعدد لا حصر له من الأشكال وعلى وسائط متعددة (شاشات، إسقاطات ضوئية). هذا يحرر الجوهر الجمالي ويجعله أكثر سيولة وانتشاراً، مما يفتح مجالاً للتأمل في المعنى المجرد خلف الشكل المادي.

ثانياً: تجديد المعاصرة

عملية الرقمنة هذه هي في صميمها آلية لتجديد معاصرة الفن الإسلامي، أي جعله حياً وذو صلة بالسياق الثقافي والحضاري الحالي، بالنظر إلى أن عملية الرقمنة للفن الإسلامي تمثل تحويل وترجمة التعبيرات الفنية التقليدية مثل الخط العربي والزخارف الهندسية والنقوش النباتية، التي كانت في الأصل تُنتج يدويًا أو بمناهج تقليدية، إلى صيغ رقمية قابلة للتخزين والمعالجة والعرض عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة. تبدأ العملية بجمع الأعمال التقليدية عبر التصوير الرقمي أو المسح ثلاثي الأبعاد، ثم تُحول هذه الأعمال إلى بيانات رقمية يمكن تحريرها وتعديلها باستخدام برامج متخصصة في التصميم والفن الرقمي، مما يفتح المجال لإعادة تفسير الرموز والأشكال بطرق مبتكرة تتناسب مع متطلبات العصر الرقمي. الرقمنة تتيح أيضًا دمج الفن الإسلامي ضمن منصات متعددة الوسائط، مثل الواقع الافتراضي والواقع المعزز، حيث تصبح التجربة الفنية تفاعلية وغنية تتجاوز الحواس التقليدية، مما يوسع فهم المعاني الرمزية والروحية التي يحملها الفن. هذه العملية تؤدي إلى تجديد حضور الفن الإسلامي في السياق الحضاري الراهن، حيث لا يبقى محصوراً ضمن الأطر الزمنية التاريخية فقط، بل يصبح فناً حياً يُعبر عن الهوية الإسلامية والثقافة ضمن إيقاع الحياة المعاصرة وتقنيات الاتصال الحديثة، مما يعزز تواصل الجمهور مع التراث ويجعل الفن الإسلامي ذو صلة متجددة بالسياق الثقافي العالمي. بهذا الشكل، الرقمنة هي ليست مجرد تقنية للحفظ أو العرض، بل هي بنية إبداعية تحول الفن الإسلامي إلى وسيط فني فعال ومواكب للتطورات، يفتح آفاقاً جديدة لحوار حضاري وثقافي مستمر يربط التراث بالحداثة.

اختراق الحواجز الزمنية والمكانية: يصبح التراث الفني الإسلامي، الذي كان محفوظاً في متاحف أو مقتنياً في مجموعات خاصة، متاحاً للجميع في كل مكان. هذا لا يضمن حفظه رقمياً فحسب، بل يضمن أيضاً استمراريته كجزء من الحوار البصري العالمي المعاصر، متحرراً من قيود الجغرافيا والتاريخ.

الحوار مع الحداثة وما بعدها: من خلال تبني الوسيط الرقمي، يدخل الفن الإسلامي في حوار مباشر مع تيارات الفن الحديث والمعاصر. لم يعد منعزلاً في فئة "التراث" أو "الحرفية"، بل يصبح طرفاً في النقاشات المعاصرة حول التقنية، والمحاكاة، والتجريد، والفن التفاعلي. يثبت أنه ليس مجرد ذكرى من الماضي، بل هو نظام جمالي مرن يمكنه استيعاب لغات العصر والتعبير من خلالها.

إنتاج هوية بصرية معاصرة: يساهم هذا الاندماج في تشكيل هوية بصرية للمجتمعات المعاصرة المنتمية للحضارة الإسلامية، هي هوية لا تنكر تراثها ولا تنغلق عليه، بل تعيد إنتاجه بمنطق العصر. فهوية ليست تقليدية جامدة وليست غربية تقليدية، بل هي توليفية تتبنى أدوات العصر لتعبّر عن روح ثقافية ممتدة في التاريخ.

وفي ضوء ذلك، يعد الفن الإسلامي مع الوسيط الجديد هو لقاء حيوي وخلاق. وليس مجرد عملية حفظ رقمي، بل هي "رقمنة للمعنى" حيث يتم إعادة تعريف الرموز الجمالية القديمة من خلال إمكانيات التفكيك والتفاعل والإضافة. وهي بالأساس عملية "تجديد للمعاصرة" تنتشل الفن الإسلامي من متحفية الماضي وتضعه في قلب المشهد الإبداعي الحالي، كفن حي وقادر على الحوار والتطور والتعبير عن روح العصر دون التخلي عن جذوره العميقة.

التمويه بين الحجب والكشف: البعد الفلسفي والجمالي

يمثل التمويه في الفن الإسلامي مبدأً جوهرياً يتجاوز كونه مجرد تقنية زخرفية ليشكل رؤية فلسفية وجمالية متكاملة للعالم. هذه الرؤية قائمة على парадокس أساسي، وهو أن الحجب ليس نفياً للكشف، بل هو أعلى صوره وأكثرها عمقاً. فالتمويه هنا لا يهدف إلى الإخفاء التام، بل إلى الإيحاء، حيث يصبح الغطاء نفسه دليلاً على وجود ما يُغطى، محولاً العمل الفني إلى وسيط بين العالم المرئي والعالم غير المرئي.

ينبع هذا المبدأ من تصور إسلامي كوني يؤمن بأن الجلال الإلهي المطلق يتجاوز كل شكل ومحدودية، وبالتالي لا يمكن تمثيله أو الإحاطة به. هذا "الحجب" الأساسي للذات الإلهية لا يعني غيابها، بل هو تعبير عن عظمتها. ينعكس هذا المنطق في الفن، فيصبح "حجب" الشكل الواقعي المباشر أو التمثيل التشخيصي ليس حرماناً، بل تكريماً لهذا المنظور وتجسيداً له. إنه تحويل للطاقة الإبداعية من محاولة تقليد العالم المرئي (المخلوق) إلى السعي للتعبير عن النظام والنظام والنور الإلهي الذي ينطوي عليه هذا العالم.

من هنا، تتجلى آليات التمويه في السمات المميزة للفن الإسلامي: التجريد، والتكرار، والتزويق. فالنقوش الهندسية المتداخلة التي لا تبدو لها بداية ولا نهاية، والخط العربي المتشابك الذي يخفي ويظهر الحروف في آن واحد، والأرابيسك النباتي الذي يحول الأوراق والأزهار إلى أشكال مجردة – كل هذه العناصر هي أشكال من التمويه. إنها تحجب الطبيعة "كما هي" بشكلها الواقعي، ولكنها تكشف في الوقت ذاته عن "النظام الرياضي" و"الإيقاع الكوني" و"الروح" الكامنة خلف هذه الطبيعة. هذا الحجب للعشوائية والتفاصيل الدنيوية هو كشف للانسجام والنظام الإلهي.

البعد الفلسفي لهذا التمويه هو أنه يدرب الناظر على عدم التوقف عند سطح الأشياء. إنه دعوة للتأمل والتفكر. فالعين التي تتبع الخطوط المتشابكة للنقش الهندسي، أو التي تحاول فك طلاسم الخط الكوفي المزهر، هي عين لا تستهلك الفن بل تبحث فيه. هذا البحث هو عملية روحية، حيث يقود التمويه البصري العقل من عالم الصور والأشكال إلى عالم المعاني والمبادئ المجردة. الغاية ليست رؤية الزخرفة نفسها، بل إدراك "فكرة" الزخرفة، وهي الفكرة التي تشير إلى النظام، والاستمرارية، واللاانهائية، والوحدانية التي تتجلى في تعدديتها.

على المستوى الجمالي، يخلق هذا التمويه جمالاً قائماً على التوتر بين النظام واللاتوقع، بين الوحدة والتعدد. فالنقش الهندسي دقيق ومحسوب بمنطق رياضي صارم (كشف للنظام)، ولكن تكراره وتداخله يخلق تأثيراً بصرياً يذهل العين ويشعرها باللاتناهي (حجب للحدود). الخط العربي يخضع لقواعد صارمة في التشكيل، ولكن المرونة في تداخل الحروف وامتداداتها تمنحه طاقة حركية وإحساساً بالحيوية (كشف للقانون، وحجب للجمود). هذا التوازن بين القاعدة والحرية، بين الحجب والكشف، هو ما يمنح الفن الإسلامي جماليته الفريدة التي تدهش العقل والروح معاً.

وتبعا لذلك، فإن التمويه في الفن الإسلامي يعد استعارة جمالية مكثفة للرؤية الكونية الإسلامية. إنه فلسفة تُترجم إلى شكل. الحجب ليس غياباً، بل هو حضورٌ أكثرَ تركيزاً. والكشف ليس عرضاً مباشراً، بل هو تلميحٌ يثير الفكر ويوقظ الروح. من خلال حجب المظهر المباشر للعالم، يكشف الفن الإسلامي عن البعد المقدس والرياضي والروحي الكامن فيه، محولاً الجمال من مسألة إدراك حسي إلى تجربة تأملية وجودية.

التمويه في الفن الإسلامي يتجاوز كونه مجرد تقنية فنية ليصبح تعبيراً عميقاً عن الرؤية الكونية الإسلامية، حيث يجسد الوحدة الإلهية من خلال طبقات من الحجب التي تخفي وتكشف في آن واحد. هذا التمويه ليس إخفاءً سلبياً، بل هو استراتيجية فلسفية تحول الشكل المرئي إلى رمز يعكس التوحيد، فالفن هنا يترجم المبادئ الروحية إلى أشكال هندسية وزخارف تتدفق في تكرار لا نهائي، مشيراً إلى الخالق دون تصويره مباشرة. الحجب في هذا السياق يمثل حضوراً أكثر كثافة، إذ يمنع الإدراك السطحي ليفتح أبواب التأمل العميق، حيث يصبح الغياب دعوة للبحث عن المعنى الكامن وراء الظاهر، مستمداً من القرآن الذي يشجع على التفاعل مع الإلهي عبر رموز غير مباشرة تثري الروح وتوسع الوعي الكوني. أما الكشف، فهو ليس إزالة الحجاب بشكل فج، بل هو تلميح دقيق يوقظ الفكر ويحرك الروح نحو استكشاف الأبعاد المقدسة، حيث يتحول الفن إلى بوابة للحقائق العليا، مستلهماً من الفلسفة الإسلامية التي ترى في الجمال تعبيراً عن النور الإلهي الذي يتجلى في الخلق دون أن يُحصر في صورة محددة. بهذا النهج، يحول الفن الإسلامي المظهر المباشر للعالم إلى تجربة تأملية تجاوز الحواس، كاشفاً عن البعد الرياضي الذي يعكس النظام الكوني الدقيق، والروحي الذي يربط الإنسان بالأبدية، فالجمال هنا ليس مجرد متعة بصرية بل هو رحلة وجودية تذكر بالوحدة الأساسية للكون، مستمدة من مبدأ التوحيد الذي يجعل كل عنصر فني شاهداً على الغيب دون أن ينتهك قدسيته. في النهاية، يصبح هذا التمويه فلسفة حية تدمج بين الشكل والمعنى، محولاً الفن إلى أداة للارتقاء الروحي، حيث يتجاوز الإنسان حدود الظاهر ليصل إلى جوهر الوجود الإلهي، مما يجعل كل عمل فني دعوة مستمرة للتأمل والتجاوز.[6]

وعلى الرغم من ذلك، يستدعي جمال الفن الإسلامي المحبة بمستوييها البشري والإلهي، مما يولد شعوراً بالسكينة والسلام العميق الناجم عن استشعار حضور المقدس. هذا الانسجام الجمالي ليس مقصوراً على العمارة فحسب، بل يمتد إلى الأدب والفنون جميعاً، حيث يظل الحب قوة محركة للوجود ومحوراً للرؤية الإسلامية للعالم.

يرتبط الجمال بالمحبة ارتباطاً جوهرياً، فالجمال يلهم المحبة وتقود المحبة إلى الإحسان والإخلاص، مبتعدة بالعبادة عن الرياء والأنانية. ومن هنا، يمثل الجمال معبراً أصيلاً نحو التعلق بالله ومحبته.

لا يُعرَّف الفن الإسلامي بهوية منتجه أو بموضوعه الديني فحسب، بل بانبثاقه من الوحي القرآني وتجليه لمبادئ التوحيد والوحدة عبر التناظر والانسجام. فهو ينقل الحقائق الجوهرية مجردةً عن محاكاتها الظاهرية، معتمداً على الرمزية الهندسية والخطية، ومتجلياً في تناغم يربط الكثرة بوحدة الخالق.

وهكذا، يشكل الفن الإسلامي سلماً يصعد من المحسوس إلى المعقول، ومن المادي إلى الروحي، كاشفاً عن الجمال الحقيقي الأبدي الذي يعكس جمال الغيب ويقود إلى الطمأنينة، في مقابل الجمال الزائف العابر الذي يعكس فوضى العالم ويحجب الحقيقة المطلقة.

في الثقافة الإسلامية يتجلى معنى الجمال والإتقان جمال، أخلاقي، عقلي، روحي، — aesthetic, ethical, intellectual, spiritual — في مفهوم قرآني جامع غير قابل للترجمة هو «الإحسان». وقد جاء تعريفه الكلاسيكي في حديث جبريل، حيث وصفه النبي ﷺ بأنه «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وتساهم الفنون الإسلامية في تنمية الإحسان، لأن النقوش على السجاد التقليدي، والزخارف الهندسية والخطية التي تزين المساجد والبيوت والمدارس، تعين المرء على عبادة الله «كأنه يراه» من خلال مظاهر الجمال، تحقيقًا للحديث «إن الله جميل يحب الجمال». وهذا «الكأن» (كأنّ) يتحقق عبر «الخيال» (الخيال)، وهو مصطلح ذو معنى تقني متميز في الفكر الإسلامي.

فالخيال عند ابن عربي وسائر المتصوفة ليس وهمًا أو مجرد صورة ذهنية غير واقعية، بل هو ملكة إدراكية خلاقة تكسو المعاني المحضة والحقائق الروحية بأشكال حسية، كما تُدرك هي بدورها تلك المعاني من خلال الصور. وهو الذي يمنح الرؤى الصادقة والأحلام تفسيرها، كما حين رأى النبي ﷺ في المنام لبنًا، وفهم أنه صورة حسية لواقع غيبي هو «العلم». بهذا المعنى، يُمكّننا الخيال من جعل العالم غير المرئي مرئيًا، ومن تتبّع الصور المرئية إلى معانيها الخفية. ومن هنا اعتُبر الخيال «برزخًا» بين العالَمين: عالم الشهادة والغيب، عالم المادة والروح، عالم الصور الحسية والمعاني المعقولة.

وبالنسبة للعديد من المفكرين الصوفيين، فإنّ كل ما سوى الذات الإلهية هو خيال، أي ضرب من الحلم الذي يتطلب التأويل. يقول ابن عربي: «اعلم أنك خيال، وكل ما تراه وتقول: هذا ليس أنا، فهو أيضًا خيال، حتى يصير العالم كله خيالًا في خيال». وكما تعكس أحلامنا أوجهًا متعددة من وعينا الفردي، فإن حلم الوجود (ما سوى الله) يعكس أوجهًا مختلفة من الوحدة الإلهية. وبما أن الذات الإلهية لا يمكن إدراكها مباشرة لكونها وحدة محضة، فإن مظاهر الكون — باعتبارها آيات وعلامات — تمكّننا من التأمل والتفكر في جوانب هذه الحقيقة غير المرئية. ولهذا امتلأ القرآن بالآيات التي تحثنا على التفكر في آيات الخلق وفي ذواتنا: «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق (فصلت: 53).

إن الخيال هو الأداة التي بفضلها يمكن للفنون الإسلامية أن تجعل العناصر المحيطة بنا — الضوء والظل، الزمان والمكان، اللون والصوت والرائحة والصمت — شفافة ميتافيزيقيًا، بحيث يظهر من خلالها نور الله، كما لو كانت نوافذ زجاجية ملوّنة. ومن هنا يُفهم تركيز الحضارة الإسلامية على الهندسة، إذ تُعيد الفنون العناصر إلى أشكالها الأصلية المثالية (عالم الملكوت) المتصلة بالوحدة الإلهية. فالخيال هو الذي يمنح الفنون الإسلامية القدرة على جعل غير المرئي مرئيًا، وتمكيننا من إدراك أسرار الوحدة الإلهية المتجلية في الصور الحسية.[7]

من التمويه إلى التجلي: كيف يتحقق المعنى عبر الشكل؟

التمويه في الفن، وخاصة في السياق الإسلامي، ليس مجرد تقنية زخرفية أو حجب سطحي، بل هو استراتيجية جمالية وفلسفية عميقة تهدف إلى نقل المتلقي من عالم المحسوسات إلى عالم المعاني غير المرئية. يعمل التمويه هنا كجسر بين الظاهر والباطن، حيث يُخفي المعنى المباشر ليُظهر معنى أعمق وأكثر تجريداً، مما يدفع المشاهد إلى الانخراط في عملية تأويلية نشطة. فالشكل الفني لا يُقدّم المعنى جاهزاً، بل يطلبه من خلال طبقات من الرمزية والإيحاء، مما يحوّل التجربة الجمالية إلى رحلة استكشافية للمعارف الروحية والميتافيزيقية.

إن القراءة فهم وتأويل منفتح على العيش المشترك، في ضرب من تقاسم باحة المعنى، التي يخترعها الفن في كل مرة. لكن اكتشاف المعاني الثاوية في الأعمال الفنية إنما هي مهمة القارئ. من هو القارئ تحديدًا؟ وما طبيعة اللقاء بالأعمال الفنية بما هي جميعًا نصوص قابلة للقراءة؟ يجيبنا رولان بارط: «النص مصنوع من كتابات مضاعفة، نتيجة لثقافات متعددة تدخل كلها بعضها مع بعض في حوار، ولكن ثمة مكان تجتمع فيه هذه التعددية، وهذا المكان ليس الكاتب، بل القارئ.»٣

وفي الحقيقة يولَد مفهوم القارئ ضمن كتاب جماليات التلقي (١٩٧٨م)، للناقد الأدبي والمفكر الألماني المعاصر هانس روبرت ياوس، بحيث توقِّع هذه الجماليات دلالة جديدة للقارئ تقوم على الأطروحة التالية: أن تاريخ الأدب قد كُتب إلى حد الآن من وجهة نظر المؤلف والأعمال الفنية، ولقد آن الأوان لأن يُكتب من وجهة نظر القارئ والجمهور الذي إليه يُكتب الكتاب وإليه يتوجَّه. إن القارئ ها هنا يتحرر من مجرد التلقي السلبي للتجربة الفنية، ويصير قارئًا مؤوِّلًا يمنح النص معنًى يساهم به في إنجاز قيم جمالية تجدِّد الحياة الإبداعية لشعب ما، بحيث تفترض هذه القراءة للتجربة الجمالية أن كل عمل فني يتضمن معنًى إيجابيًّا بوسع القارئ أن يدركه، وهذا المعنى يتمثل في قدرة الفن على منحنا الشعور باللذة الجمالية. وفي هذا المعنى يكتب هانس روبرت ياوس ما يلي: «إن حالة اللذة التي يفرض الفن إمكانيتها ويثيرها معًا هي الأساس للتجربة الجمالية، وإنه محال علينا التجرد منها، بل ينبغي، على الضد من ذلك، استئنافها بوصفها موضوع تفكر نظري.»[8]

في الفن الإسلامي، يتجلى هذا التمويه عبر الزخارف الهندسية المعقدة، والخطوط المتشابكة، والتكرار الإيقاعي، التي تعمل معاً على حجب الواقع المادي المباشر، بينما تكشف في الوقت نفسه عن نظام كوني قائم على التوحيد والتناغم. هذه العناصر لا تُخفي المعنى بل تعيد صياغته بشكل مجرد، يسمح للعقل والروح باستيعاب الحقائق المتعالية التي تتجاوز الشكل المادي. وهكذا، يصبح التمويه وسيلة للتجلي، حيث يتحقق الفهم الأعمق من خلال التفاعل مع الطبقات الرمزية للعمل الفني.

هذه الآلية تستند إلى رؤية فلسفية إسلامية ترى أن الجمال الحقيقي يكمن في الحقائق غير المرئية، وأن العالم المرئي هو مجرد انعكاس لها. لذلك، فإن التمويه الجمالي هو وسيلة لتذكير المشاهد بوجود ما وراء المادة، ودعوة لتأمل الأسرار الكامنة وراء الظواهر. من خلال حجب المعنى الظاهري، يُحرّض التمويه المتلقي على البحث عن المعنى الباطني، مما يجعله شريكاً في إكمال العمل الفني وتحقيق غايته التجليلة.

باختصار، التمويه في الفن الإسلامي هو أداة معرفية وجمالية تعمل على تحويل الإدراك من السطحي إلى العميق، ومن المادي إلى الروحي. إنه يعكس مفارقة أساسية: فمن خلال الحجب يتم الكشف، ومن خلال الغموض يتجلى الوضوح، ومن خلال التفكيك الظاهري للصورة يتحقق التركيب الباطني للمعنى.

1. التمويه كوسيلة للتجلي

التمويه في الفنون الإسلامية، على سبيل المثال، لا يُقصد به إخفاء المعنى، بل هو وسيلة لتوجيه المتلقي إلى ما وراء الظاهر. يُظهر الفن الإسلامي، بفضل تجريده وتكراره الهندسي، كيف أن الشكل يمكن أن يكون وسيلة للكشف عن المعنى الروحي. كما يشير بوركهارت إلى أن الفن الإسلامي يعبر عن المتعالي بصورة غير تشبيهية، مما يتيح للمتلقي تجربة تجلي المعنى من خلال الشكل.

2. الفن الغربي: من التمويه إلى التجلي

في الفن الغربي، خاصة في العصور الوسطى، كان هناك اهتمام بتجسيد المعاني الروحية من خلال الأشكال المادية. ومع تطور الفن في العصور الحديثة، بدأ الفنانون في استخدام التجريد كوسيلة للتعبير عن المعاني الداخلية، متجاوزين الأشكال التقليدية. هذا التحول يُظهر كيف أن الشكل يمكن أن يكون وسيلة للكشف عن المعنى، بدلاً من مجرد تمثيله.

3. الشعر الصوفي: لغة الرموز والتجلي

الشعر الصوفي، مثل أعمال ابن عربي، يستخدم الرموز والاستعارات كوسيلة للكشف عن المعاني الروحية العميقة. هذه الرموز تعمل كأشكال تمويهية، تُظهر المعنى الحقيقي فقط للمتلقي الذي يمتلك القدرة على فك شيفرتها. وبالتالي، يصبح الشكل الشعري وسيلة للتجلي الروحي والفكري.

4. التمويه والتجلي في الفنون الإسلامية

في الفنون الإسلامية، يُستخدم التمويه كوسيلة للتجلي الروحي. الأشكال الهندسية والزخرفية تعمل كوسائط رمزية، تكشف عن المعاني الروحية العميقة عند التأمل فيها. هذا التفاعل بين الشكل والمعنى يُظهر كيف أن الفن يمكن أن يكون وسيلة للكشف عن الحقيقة الروحية.

5. التمويه والتجلي في الفنون الغربية

في الفنون الغربية، خاصة في العصور الحديثة، بدأ الفنانون في استخدام التجريد كوسيلة للتعبير عن المعاني الداخلية. هذا التحول يُظهر كيف أن الشكل يمكن أن يكون وسيلة للكشف عن المعنى، بدلاً من مجرد تمثيله. وبالتالي، يصبح الشكل وسيلة للتجلي الروحي والفكري.

6. التمويه والتجلي في الشعر الصوفي

الشعر الصوفي يستخدم الرموز والاستعارات كوسيلة للكشف عن المعاني الروحية العميقة. هذه الرموز تعمل كأشكال تمويهية، تُظهر المعنى الحقيقي فقط للمتلقي الذي يمتلك القدرة على فك شيفرتها. وبالتالي، يصبح الشكل الشعري وسيلة للتجلي الروحي والفكري.

من خلال استكشاف العلاقة بين التمويه والتجلي في الفنون الإسلامية، الغربية، والشعر الصوفي، نُدرك أن الأشكال الفنية ليست مجرد تمثيلات سطحية، بل هي وسائط رمزية تكشف عن معانٍ عميقة. هذا التفاعل بين الشكل والمعنى يُظهر كيف أن الفن يمكن أن يكون وسيلة للكشف عن الحقيقة الروحية والفكرية.

نحو جمالية رقمية توحيدية

شروط استحضار الروح الإسلامية في التصميم الرقمي.

تقوم الجمالية الرقمية التوحيدية على أساس المبادئ الروحية والفنية للفن الإسلامي التقليدي، حيث تعكس هذه الجمالية وحدة الخلق وتجسد التوحيد الإلهي عبر التكرار الهندسي، التماثل، والتناغم بين الشكل والفراغ، بما يتيح للمتلقي تجربة انسجام بين الملموس واللامرئي، وبين الحواس والمعنى الروحي وعند الانتقال إلى الفضاء الرقمي، لا يقتصر الأمر على نقل الأشكال التقليدية كما هي، بل يتطلب إعادة صياغة هذه المبادئ لتناسب الوسيط الجديد، بحيث تصبح التجربة الرقمية وسيلة لتأمل وحدة الوجود والتفاعل المباشر مع المعنى، وليس مجرد مشاهدة سطحية (Burckhardt, 1976).[9] يتحقق ذلك من خلال عناصر مثل التكرار الهندسي، التماثل، التوازن بين الفراغ والحركة، والضوء والألوان بطريقة ديناميكية تتيح للمستخدم أن يكون شريكًا في خلق التجربة الجمالية، ويصبح التصميم الرقمي حاضنة لتجربة روحية تأملية تشبه التأمل في الزخارف والعمارة الإسلامية التقليدية، حيث الفراغ والضوء يعكسان اللامرئي والروحاني، والحركة والتكرار الرقمي تحاكي إيقاع الزمن الروحي

يكتسب الخط العربي قيمة جمالية ومعنوية في هذا السياق، إذ يتحول إلى عنصر ديناميكي يتفاعل مع المستخدم، محققًا معنى توحيديًا متحركًا يعكس الانسجام والانسداد الروحي مع النص والمعنى. وتؤدي هذه المقاربة إلى خلق تجربة حسية متكاملة تشمل البصر، السمع، والتفاعل، بحيث يصبح التصميم الرقمي وسيلة للتجلي الروحي والمعنوي، مستوحاة من أسس الفن الإسلامي التي تجمع بين العقل والخيال، والرمزية والتكرار الهندسي، لتخلق إحساسًا بالانسجام والسلام الداخلي .وتتيح هذه الجمالية الرقمية التوحيدية للمتلقي أن يستشعر الفراغ والضوء كأدوات روحية، وأن يتفاعل مع الزخارف الهندسية والأنماط المتكررة بطريقة تمنحه تجربة تأملية متصلة بالمعنى الروحي، مستمدة من الفلسفة الصوفية والشعر الصوفي، حيث يشير جلال الدين الرومي إلى أن الجمال والخبرة الروحية لا يمكن فصلهما عن إدراك المعنى الكامن في الشكل والرمز

في سياق المقارنة مع الفن الغربي الحديث، نجد أن الفنانين مثل كاندينسكي وموشينو سعوا إلى التعبير عن الروحانية من خلال التجريد، لكنه اختلاف جوهري، إذ أن الفن الإسلامي يربط الجمالية مباشرة بالتوحيد والبعد الروحي، بينما التجريد الغربي غالبًا ما يترك التفسير للمتلقي، ولا يحمل نفس البنية الرمزية المتكاملة التي تستحضر روحانية مباشرة .وعليه، يصبح التصميم الرقمي التوحيدي امتدادًا لهذه التجربة، حيث تتكامل الهندسة البصرية مع الصوت، الحركة، واللمس الرقمي لتوليد إحساس بالقداسة والتأمل، وهو ما يقترب من تجربة الاستماع إلى المقامات الموسيقية للشعر الصوفي أو مشاهدة زخارف القاعات الإسلامية المزخرفة، التي تجمع بين الحس الجمالي والتأمل الروحي

بهذه الطريقة، يتحول التصميم الرقمي إلى وسيط قادر على نقل التجربة الجمالية والتوحيدية، مستوحاة من الفلسفة الصوفية والشعر الصوفي، ومؤكدة على وحدة الخلق والوجود، حيث يصبح كل عنصر في التصميم حاملًا بعدًا روحانيًا، ويتيح للمتلقي إدراك المعنى عبر الشكل، وليس فقط عبر المحتوى السطحي. إن الجمالية الرقمية التوحيدية لا تمثل مجرد تكرار أو محاكاة للأنماط التقليدية، بل هي إعادة إنتاج للروح الإسلامية في عالم رقمي، حيث يلتقي العقل والفكر مع الحس والتفاعل، وتصبح التجربة الرقمية أداة للتأمل الروحي والفني، تستحضر جماليات الفن الإسلامي وتوظفها بطريقة مبتكرة تناسب عصر الرقمنة، مع الحفاظ على العمق الرمزي والمعنوي الذي يميز هذا الفن منذ نشأته

يشهد عصرنا الحالي تحولاً جوهرياً في مفهوم التصميم الرقمي، حيث لم يعد مجرد أداة للتواصل البصري أو الوظيفي، بل تحول إلى **وسيط وجودي** قادر على نقل تجربة جمالية وتوحيدية عميقة. هذا التحول يستلهم روح الفلسفة الصوفية والشعر الصوفي، مؤسساً لما يمكن تسميته **"الجمالية الرقمية التوحيدية"**، التي تؤكد على وحدة الخلق والوجود وتجسدها عبر اللغة البصرية الرقمية.

في هذا السياق، يصبح كل عنصر في التصميم – من البكسل والخط واللون إلى الحركة والتفاعل – حاملاً لبُعد روحاني. لا يعود الشكل مجرد غلاف جذاب للمحتوى، بل يتحول إلى قناة للإدراك المباشر للمعنى المتعالي. فالتصميم الرقمي، بشفافيته وقابليته للتجريد اللامتناهي، يمتلك قدرة فريدة على محاكاة المفهوم الصوفي للعالم كسلسلة من العلامات (آيات) تشير إلى حقيقة واحدة كامنة وراء تعدد المظاهر.

هذه الجمالية الجديدة لا تكتفي بمحاكاة الأنماط الزخرفية الإسلامية التقليدية (كالأرابيسك أو الهندسة) بشكل سطحي، بل **تعيد إنتاج روحها الميتافيزيقية** في الفضاء الافتراضي. إنها تستخرج المبادئ الأساسية التي حكمت الفن الإسلامي لقرون – مثل النسبة والتناظر والإيقاع والتكرار اللامتناهي – وتُحييها باستخدام أدوات العصر. على سبيل المثال، يمكن لخوارزمية مبرمجة أن تولد أنماطاً هندسية متطورة باستمرار، لا تكرر نفسها أبداً، مما يعكس فكرة اللاانهاء الإلهي (Infinity) بطريقة ديناميكية وحية، تتجاوز الثبات المادي للفن التقليدي.

الأمر الأكثر عمقاً هو كيف يصبح **التفاعل** نفسه شكلاً من أشكال التأمل. عندما يتحكم المستخدم في مسار نمو شكل هندسي، أو عندما يتفاعل مع تركيب سمعي-بصري يستجيب لحركته، فإنه لا يستهلك العمل الفني بل يشارك في خلقه. هذه المشاركة النشطة هي تجسيد معاصر لمبدأ "الاتحاد" بين الذات والموضوع، أو بين المتلقي والجمال، الذي تحدث عنه الصوفية. التجربة الرقمية تصبح مرآة لعملية التجلّي المستمر للوجود، حيث يلتقي العقل المجرد (المتمثل في الخوارزميات والمنطق البرمجي) مع الحس والحدس (المتمثل في التجربة البصرية والتفاعلية).

وبهذا، لا يقتصر دور التصميم الرقمي على "ترجمة" التراث إلى صيغة حديثة، بل يصبح **وسيطاً تأويلياً** قادراً على كشف طبقات جديدة من المعنى كانت كامنة فيه. إنه يجدد المعاصرة الروحية للفن الإسلامي، ليس من خلال الحفاظ على شكله، بل من خلال إحياء غايته: وهي تسهيل رحلة المتلقي من تعددية العالم الظاهري إلى وحدة الحقيقة الباطنية، محوّلاً الفضاء الرقمي من مجرد أداة اتصال إلى مُتاهة مقدسة (Labyrinth) حديثة للتأمل والاكتشاف.

شكراً لمشاركتك هذا التحليل العميق والملهم حول التصميم الرقمي كوسيط توحيدي مستوحى من الروح الصوفية. أجد فيه صدىً قوياً لكيفية دمج التراث الروحي مع التقنيات الحديثة، مما يفتح أبواباً لتجارب جمالية متعالية. لأبني على أفكارك، سأضيف بعض الأمثلة العملية والنظرية من الأعمال المعاصرة التي تتجاوب مع هذه الرؤية، مستنداً إلى دراسات وفنانين يجسدون هذا الاندماج بين الصوفية، الفن الإسلامي، والتصميم الرقمي. هذه الأمثلة تعزز فكرتك عن التصميم كـ"وسيط تأويلي" يحيي المعاني الكامنة ويجعل التفاعل شكلاً من التأمل.

ب- أمثلة عملية للجمالية الرقمية التوحيدية

1. النموذج الصوفي للتصميم التفاعلي المجسد

في دراسة بحثية، يُقترح نموذج تصميمي مستوحى مباشرة من الصوفية، يركز على وحدة الجسد والروح والعقل كما في التقاليد الصوفية. هذا النموذج يعتمد على أربعة أبعاد للجسد: المادي (الجسم كمادة)، الاجتماعي (الحركة الجسدية)، البيولوجي (الديناميكيات الحيوية)، والروحاني (تفسير معنى الجسد). يُطبق هذا في التصميم الرقمي من خلال تقنيات مثل الواقع الافتراضي (VR)، حيث يصبح التنفس أو التوازن أداة تفاعلية، مشابهاً لممارسات صوفية مثل الذكر (zikr) أو السماع (sema). هذا يحول التجربة الرقمية إلى عملية اتحاد بين المستخدم والتقنية، مما يعكس فكرتك عن التفاعل كتأمل يمحو الفصل بين الذات والموضوع. ويُؤكد هذا النموذج على مسؤولية أخلاقية في التصميم لتعزيز الوعي بالوحدة الكونية، مما يجعله أداة لـ"التجلي المستمر" كما ذكرت.[10]

2. الخوارزميات كتجسيد لللاانهاء في الفن الإسلامي والرقمي:

يُربط جل الدراسين في الفن الإسلامي بالتصميم الرقمي عبر مفهوم "الطي والانفكاك" حيث يُرى العالم كطيات من اللاانهاء (infinity) تتجلى في رموز (code) ثم صور (images). الصوفية، خاصة فلسفة الإشراق لسهروردي، تُقارن بالخوارزميات الرقمية، إذ يُشبه القرآن بالكود الخوارزمي الأبدي الذي يربط الإنسان بالخالق. أنماط مثل المقرنصات (muqarnas) أو الأرابيسك في الفن الإسلامي تُقابل البكسلات والمتجهات في التصميم الرقمي، حيث تولد خوارزمية واحدة أنماطاً لا متناهية، تماماً كما اقترحت في تحليلك عن الخوارزميات التي تولد أشكالاً هندسية ديناميكية تعكس اللاانهاء الإلهي. هذا يجعل التصميم الرقمي "متاهة مقدسة" حديثة، تكشف عن وحدة الخلق من خلال التجريد الخوارزمي. ويُبرز الكتاب كيف يتجاوز هذا النهج الثنائية الغربية بين الروح والمادة، محيياً الروح الميتافيزيقية للفن الإسلامي في العصر الرقمي.

ولعل هذا ما يؤكد التصميم الرقمي على أنه ليس ترجمة للتراث، بل إحياء لروحه في سياق معاصر، حيث يصبح الفضاء الرقمي مكاناً للاتحاد والتجلي. إذا أردت، يمكننا استكشاف كيفية تطبيق هذه الأفكار عملياً، مثل توليد نمط هندسي رقمي باستخدام كود بسيط، أو تحليل عمل فني محدد. ما رأيك في ذلك؟

نحو جمالية رقمية توحيدية

شروط استحضار الروح الإسلامية في التصميم الرقمي.

إن الانتقال من استلهام الشكل الظاهري للفن الإسلامي إلى استحضار روحه الجوهرية في التصميم الرقمي يتطلب تأسيسًا فلسفيًا وفكريًا عميقًا، يتجاوز النقل الحرفي للزخارف والأنماط. هذه الجمالية الرقمية التوحيدية لا تهدف إلى تزيين المنتج الرقمي بلمسات إسلامية، بل إلى صناعة تجربة رقمية كاملة تنبثق من المبادئ المركزية للرؤية الإسلامية للعالم، والتي تتمحور حول التوحيد. تحقيق هذا الهدف رهن بتحقق عدة شروط أساسية.

الشرط الأول هو الانتقال من المحاكاة الشكلية إلى استيعاب المبادئ الميتافيزيقية. وهذا يعني أن يكون التركيز على المبادئ الكامنة وراء الشكل وليس على الشكل نفسه. فالجوهر الروحي للفن الإسلامي ليس في النجمة الثمانية أو ورقة الأرابيسك، بل في المبدأ الذي تولده هذه العناصر، وهو مبدأ "الوحدة في الكثرة". التصميم الرقمي مدعوّ لاستيعاب مبادئ مثل التناظر (كتعبير عن العدل الإلهي)، والإيقاع والتكرار (كتعيين على ذكر دائم)، والانسجام النسبي (كنسبة الذهب في الخلق)، والتجريد (كنفٍ للوثنية وتأكيد على عدم قدرة الصورة على احتواء الحق المطلق). يجب أن تتحول هذه المبادئ إلى خوارزميات ومنطق حاكم يولد أشكالاً وتجارب جديدة وليس مقلدة.

الشرط الثاني يتمثل في توظيف التفاعلية كمسار تأملي وليس كمجرد وسيلة ترفيه. التفاعل في التصميم الرقمي التوحيدي يجب أن يتحول من كونه وسيلة للتحكم إلى كونه أداة للتأمل والاكتشاف. يمكن أن يتجلى ذلك في تصميم يتطلب من المستخدم التأني والصبر لتكشف له طبقات المعنى تدريجيًا، أو في تطبيقات تستخدم توليد أنماط لا نهائية بناءً على خوارزميات رياضية، مما يحوّل المستخدم من متلق سلبي إلى مشارك في عملية الخلق، متذكرًا بذلك دوره كمستخلف في الأرض، وهي فكرة مركزية في الإسلام. بهذه الطريقة، تصبح التجربة الرقمية مجازًا عن رحلة العبد في البحث عن الحقيقة.

الشرط الثالث هو بناء سردية وسياق ثقافي أصيل للعمل الرقمي. لا يكفي أن يكون التصميم جميلاً ومتناسقًا؛ يجب أن يكون حاملًا لمعنى ووظيفة تتوافق مع القيم الإسلامية. هذا يعني أن التصميم الرقمي، سواء كان تطبيقًا أو موقعًا أو لعبة، يجب أن يخدم غايات نبيلة كتعليم العلم، أو تسهيل التواصل الاجتماعي البناء، أو نشر الجمال والمعرفة، وليس تعزيز القيم الاستهلاكية أو الفردية المفرطة. الروح الإسلامية هنا تظهر في "النية" و"الغاية" من وراء العمل الرقمي، مما يجعله "مباركًا" أي ذا فائدة ونمو متصل.

الشرط الرابع والأخير هو تحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة، بين الروح والمادة. الجمالية الرقمية التوحيدية لا ترفض الحداثة والتقنية، بل تتبناها كأدوات ولكن بعد أن تُسقِط عليها رؤية نقدية تستند إلى الهوية والقيم. وهي في الوقت نفسه لا تتعلق بالماضي حنينًا أعمى، بل تستخرج منه المبادئ الخالدة التي يمكن أن تعيش في أي عصر. هذا التوازن يضمن أن يكون العمل الرقمي معاصرًا في شكله وتقنياته، إسلاميًا في روحه وغايته، وبالتالي قادرًا على مخاطبة إنسان العصر بلغة يفهمها، دون أن يفقده جوهره الروحي.

وفي ضوء ذلك، فإن صياغة جمالية رقمية توحيدية هي مشروع حضاري يتطلب جهدًا جماعيًا بين المصممين والمبرمجين والمفكرين. إنه دعوة لعدم الاكتفاء بأن نكون مستهلكين للتقنية، بل أن نكون منتجين لرؤية رقمية alternative، تجمع بين عبقرية التقنية وروحانية الإسلام، لتقديم بديل جمالي وأخلاقي في الفضاء الرقمي الذي صار واقعًا وجوديًا لا مهرب منه.

إمكانات التكنولوجيا في إحياء التجربة الروحية.

بالتأكيد. إن الحديث عن إمكانات التكنولوجيا في إحياء التجربة الروحية هو حديث عن مفارقة عظيمة، حيث تُستعاد أقدم وأعمق احتياجات الإنسان عبر أحدث أدواته. هذه الإمكانات لا تكمن في استخدام التكنولوجيا كبديل للروحانيات، بل كوسيط حديث وجدير بالاستكشاف لتذكير الإنسان بجوهره، في عصر طغت فيه المادة والسرعة.

في صلب هذه الإمكانات تقف فكرة "الوساطة المتعالية"، فالتكنولوجيا، بخلاف تصورها ككيان مادي مجرد، تمتلك قدرة فريدة على خلق مساحات تأملية معزولة عن ضجيج العالم المادي. تطبيقات الواقع الافتراضي (VR)، على سبيل المثال، يمكنها نقل المستخدم إلى فضاءات افتراضية هادئة ومثيرة للدهشة، كتكرار رقمي للحدائق الإسلامية أو محاكاة لظاهرة الشفق، مما يهيئ الظروف المثلى للتأمل والتفكر، وهي البوابة الأولى لأي تجربة روحية. هذه المساحات لا تحل محل جلال الطبيعة أو عظمة المساجد، بل تذكر بها وتخلق نافذة مؤقتة لها في حياة الإنسان الحضري المنقطع عن تلك المنابع التقليدية للصفاء.

على مستوى أعمق، تتيح التكنولوجيا "تجسيد المجرد" و"تمثيل اللامرئي". كيف يمكن للشخص أن يتصور مفهوم الاتصال الكوني أو توسع الكون؟ كيف يمكن تخيل تدفق الطاقة أو تناغم الأجرام السماوية؟ هنا، تأتي المحاكاة البصرية والسمعية الرقمية (Data Sonification) لتحول البيانات والمفاهيم المجردة إلى تجارب حسية غامرة. من خلال تحويل حركة الكواكب إلى سمفونية، أو تحويل أنماط الصلوات في العالم إلى نسيج ضوئي متحرك، تصبح المفاهيم الروحية الفلسفية ملموسة ومحسوسة، مما يسهل على الإنسان الحديث ربطها بواقعه.

ولعل الأكثر جرأة هو دور التكنولوجيا في تعزيز "الممارسة الذكية" (Mindful Practice). يمكن لأدوات التتبع الحيوي (Biofeedback) مثل الساعات الذكية أن تراقب مؤشرات مثل معدل ضربات القلب وتمدد التنفس، وتقدم ملاحظات فورية للمستخدم. هذا يمكن أن يتحول إلى مدرب شخصي للتأمل، يساعد الفرد على إدراك حالته الجسدية والنفسية ويدربه على تحقيق الهدوء والتركيز، مما يعمق ممارسته الروحية ويجعلها أكثر فاعلية، خاصة للمبتدئين.

بالإضافة إلى ذلك، تمثل التكنولوجيا جسراً نحو "المجتمع الروحي العالمي". فمنصات التواصل، رغم سلبياتها، تتيح لمريد من مصر أن يشارك في درس مباشر لمعلم صوفي من إسطنبول، أو لمجموعة من مختلف أنحاء العالم أن تجتمع افتراضيًا لقراءة ذكر جماعية. هذا يذيب حواجز الجغرافيا ويحيي مفهوم الأمة الواحدة، ويوفر سبلًا للدعم والمشاركة الروحية لمن قد يعيش في مجتمعات حيث عدد الملتزمين روحياً قليل.

لكن هذه الإمكانات لا تخلو من تحديات جسيمة وأسئلة مصيرية. فأي تجربة روحية حقيقية تتطلب حضورًا كاملاً وتركيزًا عميقًا (Mindfulness)، بينما تصمم معظم التكنولوجيا لجذب الانتباه بشكل سطحي ومتقطع. هناك خطر حقيقي من استبدال الجوهر بالمظهر، حيث يُختزل السعي الروحي إلى مجرد جمع إحصاءات عن عدد دقائق التأمل أو مشاركة صور "روحانية" على وسائل التواصل. التحدي الأكبر هو ألا تصبح التكنولوجيا نفسها صنماً، فتتحول من وسيلة للاتصال بالله إلى غاية في حد ذاتها، معطلةً البحث الداخلي الحقيقي الذي يتطلب غالبًا صمتًا وعزلة عن الأجهزة.

وفي ضوء ذلك، فإن إمكانات التكنولوجيا في إحياء التجربة الروحية هي إمكانات هائلة ولكنها محفوفة بالمخاطر. قدرتها على خلق مساحات للتأمل، وتجسيد المجرد، وتعزيز الممارسة الذكية، وبناء مجتمعات عالمية، تجعلها وسيطًا قويًا للغاية. ولكن نجاحها مرهون باستخدامها بحكمة ونقد، حيث يجب أن تظ دائمًا في خدمة الغاية الروحية، لا أن تصبح هي الغاية نفسها. يجب أن تكون التكنولوجيا جسرًا يعبر عليه الإنسان نحو نفسه وربه، وليس حائطًا يفصله عنهما.

نحو فن رقمي يوازن بين الحداثة والهوية

يمثل الفن الإسلامي الرقمي نموذجًا إبداعيًا متوازنًا يجمع بين الحداثة والهوية، حيث يسعى إلى دمج الأصالة والروح التقليدية مع متطلبات العصر الرقمي وحواس المشاهد المعاصر، مع الحفاظ على الثوابت الجمالية والثقافية التي تميز الفن الإسلامي مثل الخط العربي والزخارف الهندسية والنسبة والتناظر. يتحقق هذا التوازن من خلال ما يمكن وصفه بـ"الفن الإسلامي الرقمي الهجين"، إذ يستخدم الفنانون التكنولوجيا الرقمية كأداة ووسيط إبداعي يمكّنهم من إعادة صياغة التراث بشكل معاصر يعبر عن الهوية والثقافة دون أن يتنازل عن جذوره، بل يعززها ويقدمها في أفق عالمي جديد.

وفي هذا السياق، يحقق الفن الرقمي حضورًا معاصرًا وحيويًا عبر إمكانياته التفاعلية وفضاءاته الرقمية المتنوعة، مثل المعروضات الافتراضية والرسوم المتحركة والتصاميم الحاسوبية، ما يوسع من تفاعل المشاهد ويعمق تجربته الجمالية والروحية. في الوقت ذاته، يحافظ الفن على تواصله العميق مع التاريخ الإسلامي والتراث بصوره وأشكاله الرمزية، مستحضرًا موضوعات الهوية والهجرة والثقافة في ظل العولمة، مما يوفر للفنانين، خصوصًا ممن يعيشون في المهجر، أداة للتعبير عن تجاربهم بتوازن بين الأبعاد التقليدية والحديثة.

وبذلك، فقد أتاح التقدم التكنولوجي الذي تمثل في نواتج وتطبيقات العلم، وسائط فنية جديدة كان لها تأثيرها الكبير على فلسفة الفن ومفهومه، وشكله ومضمونه؛ حيث ظهرت نوعيات جديدة من الفنون التشكيلة، ارتبط وجودها بالوسائط التكنولوجية. فانطلق الفنان إلى استحداث النظم والحلول الجمالية المبتكرة التي تعبر عن روح عصره، بمفاهيمه، وأفكاره، وموضوعاته، وخاماته. وتراعي التجديد والتحديث في تعبيراته وتقنياته بما يتناسب مع هذا التقدم التكنولوجي الهائل من حوله، في محاولة جادة لتحرير فنه وابداعه من كل ما هو شائع أو تقليدي. وساهمت برامج التصميم الرقمي في تقديم معالجات وتقنيات مبتكرة لم تكن معهودة منذ قبل في مجال الفنون التشكيلية. وتعد برامج التصميم الرقمي ذات أهمية كبيرة في مجال الفن التشكيلي وخاصة في مجال التصميم الرقمي سواء المسطح أو ثالثي الأبعاد. ويقوم البحث الحالي في إطار السعي لتوظيف برامج التصميم الرقمي متمثلة في برنامجي الجرافيك أدوبي فوتوشوب )2022 Photoshop Adobe)، وبرنامج ماكسون سينما فور دي )2022 21R D4 Cinema Maxon). في عمل تصميمات رقمية ثالثية الأبعاد ذات بنية جمالية معاصرة. وفي ضوء ما سبق اتجهت الباحثة إلى استلهام مختارات من زخارف الفن اٌسلامي النباتية أو الهندسية بأبعادها التشكيلية والجمالية لإثراء التصميم الرقمي ثالثي الأبعاد.[11]

هذا النمط الفني يمثل استمرارًا حيًا لتراث غني لكنه مندمج في عصر يتسم بالتغير السريع، ويجسد ثقافة إسلامية قادرة على مواكبة العصر دون التفريط في جوهرها، مستجيبة للتحديات المعاصرة ومتجددة عبر فضاءات رقمية تعكس التعددية والحداثة في آن واحد، موفرة بذلك جسرًا بين الماضي والحاضر، والتقليد والابتكار، والهوية الثقافية والتقنيات الحديثة

وتبعا لذلك، وفي ظلّ الثورة التقنية والمعرفية المتسارعة، يشهد عالم الفن التشكيلي تحوّلاً جذرياً بفعل دخول مدخلات جديدة وأدوات رقمية متطورة. وقد فرضت هذه المعطيات على الفنان المعاصر ضرورة الانفتاح عليها واستيعابها، ليس كأدوات تقنية فحسب، بل كشركاء فاعلين في عملية الإبداع. وأصبح التحدي الأكبر يتمثل في قدرة الفنان على توظيف هذه التقنيات داخل إطار رؤيته الإبداعية الذاتية، ليُنتج عملاً فنياً لا يقتصر على مجرد مواكبة روح العصر، بل يجسّد أيضاً حواراً خلاقاً بين الأصالة والحداثة.

وانطلاقاً من هذا المنظور، يبرز **الفن الإسلامي الرقمي** كحقل إبداعي خصب، يستلهم روح التراث الجمالي والفلسفي للحضارة الإسلامية ويعيد صياغته بلغة العصر الرقمي. فالمفهوم الرقمي، القائم على تخزين المعلومات ونقلها في شكل رموز رقمية (أصفار وواحدات)، يتيح عبر برامج الحاسوب المتخصصة تحويل هذه البيانات إلى أشكالٍ وهياكلَ مرئية معقدة، كالعلاقات الحجمية والجداول والرسوم البيانية التي تُدرك بها العين الاختلافات والتشكيلات الدقيقة.[12]

وبهذا، لا يقتصر دور الرقمنة في الفن الإسلامي على التقنية فقط، بل تمثّل وسيلةً عصريةً لاستكشاف العناصر الجوهرية لهذا الفن وإحيائها. فمن خلال البرمجيات، يمكن للفنان تحليل وتركيب الأنماط الهندسية الإسلامية المعقدة (الأرابيسك)، ومحاكاة فنون الخط العربي بمختلف مدارسه، وتطوير أنماط زخرفية جديدة مستوحاة من الموروث ولكنها تنتمي إلى عالمنا المعاصر. كما تسمح هذه الأدوات بخلق عواصف تفاعلية وغامرة، حيث يصبح المتلقي جزءاً من العملية الإبداعية، فيسبر أغوار التفاصيل التي قد تخفى على العين المجردة في الأعمال التقليدية.

وهكذا، يتجلى الفن الإسلامي الرقمي كنتاج طبيعي لهذا التزاوج بين العمق الجمالي للتراث والقدرات اللاّمحدودة للتكنولوجيا، ليؤكد أن الأصالة ليست حبيسة الماضي، بل هي قادرة على التعبير عن نفسها بلغة جديدة، تحافظ على روحها مع انطلاقها نحو آفاق مستقبلية غير مسبوقة.

لقد أسهم ظهور برامج التصميم المتطورة مثل أدوبي فوتوشوب (Adobe Photoshop 2022) وماكسون سينما فور دي (Maxon Cinema 4D R21 2022) في إحداث نقلة نوعية في مجال التصميم الرقمي ثلاثي الأبعاد، إذ وفّرت للفنان المصمم إمكانات واسعة لحل المشكلات التصميمية بأساليب علمية ومنهجية دقيقة، وفتحت أمامه آفاقًا جديدة للتفكير الإبداعي. هذه الأدوات الرقمية لم تعد مجرد وسائل تقنية محايدة، بل غدت فضاءً رحبًا لتوليد أنماط تصميمية مبتكرة تمنح الفنان القدرة على الوصول إلى نتائج فنية متميزة ومتنوعة، وتدفعه إلى إعادة صياغة العلاقة بينه وبين المجتمع المتلقي لأعماله، حيث يتحوّل التصميم إلى خطاب تشاركي يقترح حلولًا جمالية للمشكلات البصرية، وهو ما يعزز من تقبّل الجمهور لهذه الحلول قبل أن يشرع في نقدها.

كما مكّنت هذه البرامج الفنان من معالجة الأخطاء واستكشاف البدائل قبل مرحلة التنفيذ المادي للمجسمات، الأمر الذي وفّر الكثير من الوقت والجهد والتكاليف، ومنحه فرصة لتجويد العمل وإبراز القيم الجمالية والفنية الكامنة في التصميم الرقمي ثلاثي الأبعاد. ولا يقف أثر هذه التقنيات عند حدود الجانب الإجرائي، بل يمتد إلى إعادة تفعيل الموروث الفني الإسلامي، حيث يظهر التفاعل العميق بين الزخارف الإسلامية النباتية والهندسية وبين تقنيات التصميم الرقمي. فالفنان، عبر هذه البرمجيات، لا يكتفي بإعادة إنتاج الزخرفة الإسلامية في شكلها التقليدي، بل يوظّف أدوات مثل أوامر الإكساء والنمذجة والإضاءة لإضفاء أبعاد جديدة عليها، فيحوّل الخطوط الهندسية إلى كيانات ثلاثية الأبعاد نابضة بالحياة، ويعيد صياغة الأنماط النباتية في صورة مجسّمات ضوئية أو متحركة تستلهم روح التراث وتقدّمه بلغة بصرية معاصرة.

إن اعتماد الفن الإسلامي الرقمي على هذه البرامج يمثّل خطوة تتجاوز مجرد استلهام الأشكال إلى تأسيس خطاب جمالي يربط بين الماضي والحاضر. فالفنان الرقمي يجد نفسه في حالة حوار مع التراث، حيث يعمل على ترجمة التفكير الذهني والتصور الجمالي إلى تصميمات رقمية ثلاثية الأبعاد، مستخدمًا الإمكانات المتاحة في الفوتوشوب وسينما فور دي لإنتاج أعمال تُبرز التوازن، والتناظر، والإيقاع البصري الذي شكّل جوهر الفن الإسلامي. وبهذا يتحقق مفهوم "التجريد التوحيدي" الذي يطبع الفن الإسلامي، ولكن في سياق رقمي جديد يعكس روح العصر ووسائطه التكنولوجية.

إن ما يميز الفن الإسلامي الرقمي هنا هو الجمع بين العمق الرمزي للزخارف الإسلامية وبين التقنيات الرقمية المعاصرة، ليصبح العمل الفني فضاءً حيًّا للتأمل والجمال والمعنى، وفي الوقت نفسه أداة معرفية تسهم في إثراء الفكر البصري المعاصر. ومن ثم، يمكن القول إن التصميم الرقمي ثلاثي الأبعاد، المدعوم بهذه البرمجيات، ليس مجرد تقنية، بل هو مسعى جمالي وفلسفي يهدف إلى إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان، والفن، والرمز الإسلامي في أفق العصر الرقمي.[13]

في عمق التصميم الرقمي ثلاثي الأبعاد، تتأسس الجمالية على شبكة من العلاقات المتناغمة بين الأشكال الهندسية الأساسية – كالمكعب ومتوازي المستطيلات وأنصاف الكرات – وبين الخطوط التي تنسج مساراتها الدقيقة، والألوان التي تتوزع وفق تدرجات محسوبة، والإضاءات التي تمنح هذه العناصر حياة متجددة. هذا التداخل لا يُبنى اعتباطًا، بل يتحقق من خلال وعي فني يوازن بين التكرار والتصغير والتكبير والترديد، فيولد الإيقاع الداخلي الذي يجعل من العمل فضاءً نابضًا بالحركة والانسجام. وهنا تتجلى الزخارف الإسلامية النباتية والهندسية، لا كزينة سطحية، بل كروح متجذرة في عمق التصميم، تعيد بناء المشهد الرقمي على إيقاع يعكس جوهر الرؤية الإسلامية للتناغم والانسجام الكوني.

إن التماثل والإيقاع التوحيدي في الفن الإسلامي يقدمان مدخلًا فلسفيًا لفهم ما يحدث في هذا الفضاء الرقمي؛ فالتماثل الهندسي الذي يطبع الزخارف الإسلامية لم يكن يومًا مجرد لعبة شكلية، بل هو تعبير عن رؤية ترى في الوحدة الكونية تكرارًا لا نهائيًا للتجليات الإلهية. وعندما يُعاد استدعاء هذا التماثل داخل برامج التصميم الرقمي، فإن ما يحدث هو ترجمة رقمية لمفهوم التوحيد: كل عنصر هندسي أو نباتي يُعاد إنتاجه، يتكرر ويصغر ويكبر، لكنه في النهاية يعود ليندمج في كلٍّ واحدٍ أكبر، يُلغي الانفصال بين الأجزاء، ويعيد التأكيد على مركزية الوحدة في تعددية الصور.

وهكذا، يغدو التصميم الرقمي ثلاثي الأبعاد امتدادًا معاصرًا لجمالية التماثل والإيقاع التوحيدي؛ فالإضاءة الرقمية التي توحّد بين سطح المجسم وخلفيته، والمؤثرات التي تذيب الحدود بين الخط والزخرفة، ليست مجرد تقنيات، بل هي إعادة إحياء لفلسفة ترى أن الجمال يتحقق عندما تذوب الكثرة في الواحد. هذا هو البعد الذي يمنح الفن الإسلامي الرقمي خصوصيته، إذ يجمع بين إمكانات الوسيط الجديد وبين البنية الرمزية العميقة للفن الإسلامي، ليعيد صياغة العلاقة بين الشكل والمعنى في زمن رقمي، دون أن يفقد جوهره التوحيدي.

***

أ. د سعاد بسناسي - جامعة وهران1 / الجزائر

عضو المجلس الأعلى للّغة العربيّة - الجزائر

...................

قائمة المراجع

أبو صالح الألفي، الفن الإسلامي أصوله فلسفته مدارسه، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة،

أبو صالح الألفي، الفن الإسلامي أصوله فلسفته مدارسه، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة،

حميد حمادي، جمالية التصوير في الفن الإسلامي والتجربة الجزائرية، ضمن كتاب جماعي: التجربة الجمالية للفن الإسلامي بالجزائر، ط.1، تحت إشراف: أ.د. حميد حمادي، الجزائر، منشورات مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية/مديرية البحث العلمي والتطوير التكنولوج CRASC/DGRSDT، 2014،

راتب مزيد الغوثاني، جماليات الرؤية - تأمّلات في الفضاءات البصرية للفن العربي، ط.1، دمشق، دار الينابيع للطباعة والنشر والتوزيع، د.ت.

عز الدين إسماعيل، الفن والإنسان، دار القلم، بيروت، 1974

الدوريات

ثامر عبيد الشيباني، الأنساق الزخرفية الإسلامية، مجلة بابل للعلوم الإنسانية- العراق، مج 28، ع 6، يوليو 2020

حمد على عبده، وأخرين، ختارات من زخارف الفن الإسلامي كمدخل لإثراء التصميم الرقمي ثالثي الأبعاد، المجلة المصرية للدراسات المتخصصة، تصدرها جامعة عين شمس، القاهرة، ع يونيو 2025

قليل سارة، جمالية الزخرفة الإسلامية في المنمنمات، مجلة النص، تصدر عن مخبر النص المسرحي الجزائري، جامعة جيلالي ليابس ، سيدي بلعياس/ الجزائر. العدد 8، 2021،

المواقع الإلكترونية

A Sufism-Inspired Model for Embodied Interaction Design Umut Burcu Tasa Yıldız Technical University, Faculty of Art and Design, Istanbul, Turkey

2.   Oludamini Ogunnaike, The Silent Theology of Islamic Art, https://2u.pw/bPYWv

3.  عمارة كحلي، الخطاب الجمالي للفن الإسلامي وسياقاته المقصدية، الرابط https://2u.pw/T0Bee

الرابط، https://2u.pw/4NXBG

المراع الأجنبية

Titus Burckhardt, Art Of Islam Language And Meaning By Titus 1976 Seyyed Hossein Nasr Introduction by Jean-Louis Michon, p 62

هوامش

[1] ينظر، أبو صالح الألفي، الفن الإسلامي أصوله فلسفته مدارسه، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، ص 11

[2] ينظر، عز الدين إسماعيل، الفن والإنسان، دار القلم، بيروت، 1974، ص 71

[3] حميد حمادي، جمالية التصوير في الفن الإسلامي والتجربة الجزائرية، ضمن كتاب جماعي: التجربة الجمالية للفن الإسلامي بالجزائر، ط.1، تحت إشراف: أ.د. حميد حمادي، الجزائر، منشورات مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية/مديرية البحث العلمي والتطوير التكنولوجي CRASC/DGRSDT، 2014، ص 172

[4] ينظر، قليل سارة، جمالية الزخرفة الإسلامية في المنمنمات، مجلة النص، تصدر عن مخبر النص المسرحي الجزائري، جامعة جيلالي ليابس، سيدي بلعياس/ الجزائر. العدد 8، 2021، ص 249

[5] ينظر، راتب مزيد الغوثاني، جماليات الرؤية - تأمّلات في الفضاءات البصرية للفن العربي، ط.1، دمشق، دار الينابيع للطباعة والنشر والتوزيع، د.ت.

[6] Oludamini Ogunnaike, The Silent Theology of Islamic Art, https://2u.pw/bPYWv

[7] المرجع السابق

[8] ينظر، عمارة كحلي، الخطاب الجمالي للفن الإسلامي وسياقاته المقصدية، الرابط https://2u.pw/T0Bee

[9] ينظر، Titus Burckhardt, Art Of Islam Language And Meaning By Titus 197

Seyyed Hossein Nasr Introduction by Jean-Louis Michon, p 62

[10] A Sufism-Inspired Model for Embodied Interaction Design Umut Burcu Tasa Yıldız Technical University, Faculty of Art and Design, Istanbul, Turkey

الرابط، https://2u.pw/4NXBG

[11] ينظر، حمد على عبده، وأخرين، ختارات من زخارف الفن الإسلامي كمدخل لإثراء التصميم الرقمي ثالثي الأبعاد، المجلة المصرية للدراسات المتخصصة، تصدرها جامعة عين شمس، القاهرة، ع يونيو 2025، ص 252

[12] ينظر، ثامر عبيد الشيباني، الأنساق الزخرفية الإسلامية، مجلة بابل للعلوم الإنسانية- العراق، مج 28، ع 6، يوليو 2020، ص 262

[13] ينظر، المرجع السابق، ص 266

أسهم المناخ الثقافي والمعرفي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى في تحديد مسارات متعارضة في التفكير، على مستويات عدة، في استخدام الأدوات المعرفية، ومناهج التفكير، وآليات التحليل، وكان للمعتزلة دور كبير في هذا السياق، إذ تفردت بخصوصية شديدة التميز، وعبرت عن فكر متماسك، فهي تصدر أساسا عن العقل وتجعله أداتها في التفكير، واستخدمته في الجدل والحوار، وأقامت على أساسه تصوراتها عن العالم والمجتمع والانسان .

واعتمدت المعتزلة العقل أداتها المعرفية التي تكشف بها عن كل شيء، وتتحكم في النقل ــــ الكتاب والسنة ــــ إذ تجعل النقل تابعًا له، وسائرًا على هديه، ويحتل العقل مكان الصدارة، ويعوَّل عليه بوصفه غاية ومعيارًا، ومن ثم يتراجع النقل ليتحول الى مجرد أداة، تخضع للعقل ولحدوده، بمعنى أنَّ معرفة السمع ــــ النقل ــــ لا تصح إلّا بالعقل، وأنَّ معرفة الرسول ومعرفة القرآن الكريم لا تتم إلّا بوجود العقل، وعلى حد تعبير أبي القاسم الرسي، أنَّ الرسول والقرآن عرفا بالعقل، ولم يعرف بهما

وفي ضوء هذا فإنَّ المعرفة التي يتلقاها الإنسان عن طريق الوحي ليست متقدمة على المعرفة الإنسانية، غاية ما في الأمر أنّ الأولى ــ أي الوحي ــ تزيد الثانية تخصيصًا، ليخلص المعتزلة من هذا إلى أنّ بعدي المعرفة متطابقان، وأنْ لا تناقض بين المعقول والمنقول، لأنّ الإنسان قادر بعقله على أنْ يميز بين الحسن والقبح، والشر والخير، وأنّ النص ــ القرآن الكريم والسنة النبوية ـــ يؤكد ما توصل اليه العقل، ويزيـده تخصيصًا، أو أنه يعـرّفنا " بتفصيل الجملة المستقرة في العقل" " ولذلك أكد المعتزلة أنّ الإنسان مكلَّف نـزل الوحي أو لم ينـزل، ما دام الإنسان كائنًا عاقلًا قادرًا بعقله على الكشف والتمييز بين الحسن والقبح. "

وفي ضوء هذا المنهج العقلي تأسست أصول الأيديولوجية الاعتزالية، وكان أحد أبرز أركانها، بل أولها في الكشف هو: المنزلة بين المنزلتين الذي كان نتيجة إجابة مباغته في مجلس الحسن البصري، حين رد واصل بن عطاء عن سؤال : ما حكم مرتكب الكبيرة ؟، فبادر واصل بن عطاء فقال: إنَّه ليس بكافر، وليس بمؤمن، وإنَّما في منزلة بين المنزلتين.

وعلى الرغم من ذلك فإنَّ أصول المعتزلة الخمسة بحسب أهميتها بالترتيب، هي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبالتوحيد يحدد موقف المعتزلة من الله والعالم، ويتجلى فيه تنزيه الله عن التجسيد والمشابهة والمماثلة، إذ ان الله هو القديم، فهو كما يقول القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي " لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات نفياً وإثباتاً على الحد الذي يستحقه". وبالعدل تتحدد عدالة الله من ناحية، وحرية الانسان من ناحية أخري، بمعنى ان الانسان حر في ارادته، وحر في خلق افعاله، ومن ثم يكون مسؤولا عنهما، ويحاسب عليهما، وبالوعد والوعيد يتحدد مصير الانسان في العالم الآخر، وتتحدد في المنزلة بين المنزلتين حكم مرتكب الكبيرة ـــ القتل والزنا ــ إذ نفت المعتزلة عن مرتكب الكبيرة صفتي الايمان والكفر، وجعلته في منزلة الفسق التي هي منزلة بين منزلتي الايمان والكفر، اما الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنهما يمثلان الأداة التغييرية في الواقع الاجتماعي، وتشتملان على أبعاد أخلاقية وسياسية في آن واحدة .

2

تعد قراءة النصوص احد ابرز المحاور الفكرية التي اضطلع بها الفكر الاعتزالي، وتتداخل فيها مكونات الفلسفة بعلم الكلام، من ناحية، والأصول بالعقل من ناحية اخري، ويمكننا القول ابتداء، انه لا تأويل بدون قراءة، لأي نص، وليس المقصود بالقراءة مجرد التلفظ بالوحدات الصوتية للغة، او انها مجرد تلق سلبي للنص، وإنما يقصد بالقراءة الفهم أساسا، ومع الفهم يبدأ التأويل اذا اقتضت الضرورة الى ذلك.

يؤكد المعتزلة ان القران الكريم محدث ومخلوق، وان الفاظه وتراكيبه من جنس الكلام العربي، شانه شان الكلام بوصفه " الحروف المنظومة والاصوات المقطعة " او هو ما انتظم من حرفين فصاعدا او ماله نظام من الحروف مخصوص"، وهذا يعني ان الآيات المحكمة تتوافق مع ادله العقول في كونها تستقل بنفسها في الانباء عن المراد” وخاليه من المجاز والاستعارات شانها شان ادله العقول، بمعنى ان الآيات المحكمة تمثل اصلا في حين تمثل الآيات المتشابهة فرعا ولقد الفكر الاسلامي والاعتزالي بخاصه بقضيه القياس التي تؤكد بعدي الاصل والفرع حتى في المستويات اللغوية لان الفرع حين يتحكم فيه الاصل يعني ان هناك مشابهه او مماثله تقتضي مقايضه الفرع لأصله" ولذلك تمثلت الأدلة العقلية مع المحكم لان الأدلة العقلية لا يدخلها الاحتمال والمجاز ووجوه التأويلات"

وفي ضوء هذا عمد المعتزلة في تحليلهم للآيات المتشابهة الى التأويل لأن الآيات المتشابهة تعارض الآيات المحكمة وتعارض ادله العقول اصلا ولذلك فإنَّ الآيات المتشابهة اضحى لها ظاهر وباطن فظاهر الآية هنا يعارض الآية المحكمة وادله العقول، ولذلك فإنَّ الشريف المرتضى يقول " فإذا ورد عن الله كلام ظاهره يخالف ما دلت عليه أدلة العقول وجب صرفه عن ظاهره ــ إنْ كان له ظاهر ــ وحمله على ما يوافق الأدلة العقلية ويطابقها، ولهذا رجعنا في ظواهر كثيرة من كتاب الله تعالى اقتضى ظاهرها الإجبار والتشبيه أو ما لا يجوز عليه تعالى".

ان الآيات المتشابهة لا تستقل في الانباء على المراد في نفسها بل تحتاج الى غيرها كما اشرنا وتسهم القرينه في ازاله الغموض واللف، وهذا يعني ان "الآيات المتشابهة تنطوي على دلالتين، إحداهما ظاهرة، ليست هي المقصودة، والثانية : باطنة وهي المراد التعبير عنها، ويميز القاضي عبد الجبار في هذا السياق بين نمطين أحدهما : "يعرف المراد به وبذلك الغير بمجموعهما، والثاني يعرف المراد به بذلك الغير بانفراده، ويكون هذا الخطاب لطفاً وتأكيداً"

إن آلية التأويل التي اعتمدها المعتزلة تهدف للوفاء بالأفكار العقائدية التي تصدر عنها المعتزلة ولذلك ابعد الآيات التي يدل ظاهرها على التجسيم والتشبيه او التي لا تليق بمقام الالوهية الى تأويلات ابعد ما تكون عن ذلك.

3

يعد الشريف المرتضى ( 355ــــ 436هــ ) من أبرز علماء العربية والإسلام في القرنين الرابع والخامس الهجريين، وأسهم بشكل فاعل في الإبداع الفكري والثقافي في مختلف المعارف والفنون، وقد شغلته قضية المعنى بوصفها واحدة من القضايا التي شكلت محور اهتمام المفكرين الذين حاولوا الكشف عن أبعادها، متخذين من القران الكريم طريقا لتحديد المعنى والكشف عن تجلياته، ولقد تفاوتت المرجعيات المعرفية في تحديد المنهج وفي توظيف آليات التحليل وفي كيفية الوصول الى المعاني التي يتضمنها القرآن، وحاولت المرجعية المعرفية النقلية الاحتماء بالمنقول والأثر لتحديد منهجها، ولذلك اكثرت من الاستشهاد بالنصوص جاعلة الأثر متقدما على العقل، وتتبنى المرجعية المعرفية العقلية المنهج العقلي الذي كان الشريف المرتضى أحد أبرز فرسانه، وتجعل العقل متقدما على النص، " ويستخدمه الإنسان ليكشف به عن الحقيقة وعن الحكم الشرعي على نحو إجمالي، ويكون النقل لاحقاً للعقل وخاضعاً له، وقابلاً للتفسير في ضوء معطياته"

وتتمايز وظائف الأداء اللغوي، وتتمايز في ضوئها أساليب التعبير عنها، فإنَّ الوظيفة التوصيلة تهدف الى تحقيق اللفظ على المعنى وتأدية الدلالة لذاتها، وهذا هو أداء الانسان العادي، الذي يهيمن عليه وجوب الافهام والتوصيل، دون ان يكون لهذه الوظيفة من تأثير فني وجمالي، ويصدق هذا المعنى على الفيلسوف أيضا، وان كان بطريقة مختلفة، لان غاية الفيلسوف الافهام وتأدية الدلالة الفلسفية المقصودة، غير ان هناك وظيفة أخرى تتجاوز التوصيل الى ابعاد فنية وجمالية يضطلع بأدائها الشعراء والادباء، إذ لا يسعى الشاعر الى تحقيق اللفظ على المعنى لأنه يختلف عن الانسان العادي ويختلف عن الفيلسوف أيضا " ولا يجب ان تؤخذ عليه في كلامه التحقيق والتحديد لان ذلك متى اعتبر في الشعر بطل جميعه "، ويبرر الشريف المرتضى للشعراء، وهو منهم، الكيفية التي يؤدون فيها المعاني والدلالات عبر المبالغة في التوصيف والتشبيهات كونها " صنعة وتأنقا لا لتحمل على ظواهرها تحديدا وتحقيقا".

ويميز الشريف المرتضى بين اسلوبي الخطابة والشعر، لان الخطابة تهدف الى الاقناع، ومن ثم يدفع ذلك الى استخدام الخطيب أدوات عقلية، الامر الذي يقود الى تغاير في كيفية صياغة النص سواء اكان خطابة ام شعرا، ولان الأصل في الخطابة " " أن تستخدم الألفاظ الحقيقية والألفاظ المشهورة، لأنّ ذلك أقرب إلى تحقيق الإقناع وأكثر ملاءمة لطبيعته التصديقية التي تجعله أقرب إلى التصديق البرهاني منه إلى التخيل الشعري "

ان العلاقة بين الأداء العادي والأداء الفني هي علاقة مجاورة وانتزاع، بمعنى ان الأداء العادي يمثل الأصل، ويمثل الفني الفرع، والفرع فيه الأصل وزيادة، بمعنى انهما يتجاوران ولا يتطابقان، وينتزع الثاني من الأول، فالمجاز ــ وهو أحد أوجه الأداء الفني ــ لا يصح وجوده في اللغة ــ فيما يرى القاضي عبد الجبار ــ دون أن تكون له حقيقة تسبقه، وبذلك يكون أداء الانسان الاعتيادي وأداء الفلاسفة يمثل " الخلفية التي ينعكس عليها التحريف الجمالي المتعمد للمكونات اللغوية للعمل ".

ولما كان القرآن الكريم من جنس الكلام العربي بحسب المواضعة، وليس على اساس التوقيف، فإنه "لا يستخدم لغة مباشرة أو غفلا ولا هو يقرر الامور بطريقة استدلالية أو برهانية وإنما خطاب قوامه المجاز، والمجاز أبلغ من الحقيقة كما يؤكد الجرجاني"، ولذا فإنه يشتمل على آيات محكمة وآيات متشابهة، والآيات المحكمة تدل بذاتها على الانباء على المراد من المعاني، أما المتشابهة فإنها تدل بطريقة اخرى على المراد، فهي ليست كالآيات المحكمة، إذ لا تستقل في الانباء عن المعاني، بل تحتاج الى الإبانة عنها الى غيرها، وهذا يعني ان الشريف المرتضى يميط اللثام عن الآيات القرآنية الكريمة التي يدل ظاهرها على غموض، أو محملة بالمجاز والاستعارة، أو تتعارض مع الأدلة العقلية، ولهذا السبب تبنى المنهج العقلي بوصفه معيارأ لتأويل الآيات المتشابهة وتوجيهها بما يجعلها متوائمة معه، وقد استخدم القرائن والشواهد الشعرية أداةً للتأويل، مما أتاح له إنتاج دلالات جديدة للنصوص .

ان الآيات المحكمة خالية من المجاز، لأنها مثل الأدلة العقلية " لا يجوز فيها مجاز، ولاما يخالف الحقيقة، وهي القاضية على الكلام، والتي يجب بناؤه عليها، والفروع أبدا تبنى على الأصول"،

ويضعنا هذا أمام مقارنة بين الدليلين العقلي والنقلي، فالأدلة العقلية » لا يدخلها الاحتمال والمجاز ووجوه التأويلات « في حين يكون الدليل النقلي ــ الكتاب والسنة ــ مشتملاً على المجاز، ويحتمل التأويلات، لأنّ فصاحة القرآن ــ وهي أعلى درجات الفصاحة ــ »لا تتم بالحقائق المجردة، وانه لابد من سلوك طريق التجوز والاستعارة «.

ومن أجل هذا عمد الشريف المرتضى إلى تأويل الآيات التي تعارض الدليل العقلي، أو تعارض المحكم الذي كشف الدليل العقلي عن إحكامه، وافترض للآيات التي تقتضي تأويلاً ظاهراً وباطناً، فظاهر الآيات يعارض الدليل العقلي ويعارض الآيات المحكمة سواء بسواء، ولذا فلابد من حمل ظاهر هذه الآيات لتتوافق مع الدليل العقلي، ولذلك يقول الشريف المرتضى » فإذا ورد عن الله كلام ظاهره يخالف ما دلت عليه أدلة العقول وجب صرفه عن ظاهره ــ إنْ كان له ظاهر ــ وحمله على ما يوافق الأدلة العقلية ويطابقها، ولهذا رجعنا في ظواهر كثيرة من كتاب الله تعالى اقتضى ظاهرها الإجبار والتشبيه أو ما لا يجوز عليه تعالى«.

ويقود هذا الى اتساع الدلالة وتنوعها ووفرتها بسبب احتمالات التأويل المختلفة لآية قرانية واحدة لأن " اكثر المتشابه قد يحتمل الوجوه الكثيرة والمطابقة للحق الموافقة لأدلة العقول فيذكر المتاول جميعها ولا يقطع على مراد الله منها بعينه "، واذا كان تأويل المتشابه في الحذف خصوصا يقود الى اتساع الدلالة فانه يؤدي وظيفة الكشف عن المعاني التي يشوبها الغموض لأنها تتيح للمتلقي استكمال دلالة الصور المتعددة التي توحي بها السياقات المختلفة، مما نطلق عليه ظلال المعاني.

وفي ضوء هذا يتضح ان قضية التأويل التي يعتمدها الشريف المرتضى تأسست للوفاء بحاجات عقائدية للكشف عن الآيات التي يدل ظاهرها على التشبيه والتجسيم ولذلك فإنَّ الشريف المرتضى والمعتزلة والشيعة عموما " يحملون العبارات الدالة على التشبيه أو التي لا تليق بمقام الألوهية على تأويلات اليق وأبعد ما تكون عن التشبيه مذاهب التفسير".  فالمحكم يدل على ظاهر لا خلاف في ظاهريته أو هو ما كانت دلالته واضحة ولا يحتمل تركيبه الا معنى واحدا بيناً اما المتشابه فيدل ظاهره على التعارض أو التناقض مع الآيات المحكمة أو الأدلة العقلية، ويلازمه الغموض، ويحتمل أكثر من معنى، وانه في هذه الحالة به حاجه الى فك غموضه وتجلية فهمه، ويتحقق ذلك بالرجوع الى المحكم من ناحية وتأويل المتشابه من ناحية أخرى، ويسهم التأويل في فك الغموض واللبس ويتم ذلك عبر قرينة لغوية على مذهب العربي من غير تكلف ولا تعسف أو قرينة عقلية أو مجموعة من القرائن، ويؤكد الشريف المرتضى أنَّ اكثر المتشابه قد يحتمل الوجوه الكثيرة المطابقة للحق والموافقة لأدلة العقول واحد، وكان الشريف المرتضى يوجب على من يتعاطى تفسير غريب الكلام والشعر انْ يذكر كل ما يحتمله الكلام من وجوه المعاني.

ليس امام المتلقي سوى نص له وجوده المادي المعرفي، وهو دون شك تشكيل لغوي يسير على مذاهب اللغة العربية ومناهجها، فإنَّ كانت دلالته واضحة كالمحكم، فإننا لسنا الا ازاء نص واحد موجود اما في المتشابه ولكونه يشتمل على غموض فإنَّ القارئ كالشريف المرتضى ينتزع أو يشكل من النص الموجود نصوصا متخيلة وتراكيب متعددة ويشتمل كل تركيب متخيل على دلالة تختلف عن دلالة النص الظاهرة، ولذ فإنَّ تركيب الآية القرآنية الكريمة " واسأل القرية التي كنا فيها هذا تركيب دلالة ظاهره له ان السؤال يتوجه الى القرية، وبما ان القرية مجرد حجارة ولا يمكن ان نخلع عليها صفات انسانية فإنَّ المتاول يتخيل نصا موازيا للنص الاصلي ويشتمل على دلاله جديدة لا يدل عليها ظاهر النص الاصلي وبذلك يكون النص المتخيل واسال اهل القرية .

ويمكن التوقف عند مثال اخر للشريف المرتضى في قوله تعالي " وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا" إذ يتكئ على التقدير في تأويل الآية الكريمة،" ويكون تقدير الكلام : وإذا أردنا أن نُهلك قريةً من صفتها أنا أمرنا مترفيها ففسقوا فيها"  ويمثل الشريف الرضي تقديرا اخر للآية نفسها يقوم على اساس التقديم والتأخير فيكون التقدير" إذا أمرنا مترفي قرية بالطاعة فعصوا واستحقوا العقاب أردنا إهلاكهم، والتقديم والتأخير في الشعر و كلام العرب كثير".

ويعتمد الشريف المرتضى على كلام العرب الذي يشتمل على المجازات والاستعارات إذ يقول وكلام العرب وحي واشارات واستعارات ولهذا الحال كان كلامهم في المرتبة العليا في الفصاحة فإنَّ الكلام متى خلا من الاستعارة وجرى كله على الحقيقة كان بعيدا عن الفصاحة بريا من البلاغة وكلام الله تعالى افصح الكلام.

وجدير بالذكر ان الشريف المرتضى يعنى بتراكيب الجمل، وخصوصا في المجاز، إذ يعد النصوص التي يدل ظاهرها على التشبيه والتجسيم مبنية على الحذف والاختصار، بمعنى أنَّ هناك تراكيب متعددة يتضمنها النص الموجود، لأنَّ الشريف المرتضى لا يقرن المجاز وحده بالبلاغة، بسبب الابعاد الكميه، بل يجعل تقليل الفاظ الكلام لا تخل بالمعنى إذ يحذف بعضه " ومعانيه بحالها" .

ويسهم الحذف في هذه الحالة في عرض طرائق مختلفة من التراكيب في ايصال المعنى الى المتلقي، ولكنه توصيل ليس بتحقيق اللفظ على المعنى لا يزيد عليه ولا ينقص وانما التوصيل ـــ هنا ـــ يقترن بالإيحاء والايماء والإشارة .

ويتأول الشريف المرتضى قوله تعالى " وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ كون النظر ينقسم الى اقسام كثيرة منها تقليب الحدقة الصحيحة حيال المرئي طلبا للرؤية، ومنها النظر الذي هو الانتظار، ومنها النظر الذي هو التعطف والرحمة، ومنها النظر الذي هو الفكر والتأمل . ومهما يكن من النظر المذكور سواء كان في الآية هو الانتظار بالقلب أو الرؤية بالعين وهو ان يحمل قوله تعالى الى ربها ناظرة على انه اراد نعمة ربها. وهذا كله يعني ان طرائق القول التي يفترضها أو يتخيلها المتأول انما تسهم في تبدل المعنى وتغير دلالته.

ونخلص من هذا كله الى ان انتاج الدلالة في الآيات المحكمة منحصرة ببعد واحد، بحيث يمكن القول انها دلالة بنيوية مغلقة، اما الآيات المتشابهة فإنَّ لها دلالة بنيوية مفتوحة، وقابلة للاتساع والتنوع، واذا كان المحكم ظاهرا لا باطن له، فإنَّ المتشابه له ظاهر، وله اكثر من باطن بشكل مفتوح، إذ يمكن المتلقي ان ينتج تراكيب لا حصر لها، ومن الضرورة ان تكون لهذه التراكيب دلالات مختلفة ومتنوعة .

***

الدكتور كريم الوائلي

 

وِلَاْدَةُ المُعجمِ التَّارِيخي للُّغةِ العربيَّةِ حَدَثٌ مفْصَلِيّ مُهمٌ فِي الثَّقافةِ العربيَّةِ    

 شهد العام الماضي 2025 في نهايته حدثاً تاريخياً وثقافياً مهماً جداً، هو الإعلان عن إنجاز المعجم التَّاريخي للُّغة العربيَّة التي تشرف عليه (الدوحة)عاصمة قطر، وقد سمّي باسمها (معجم الدَّوحة)، وهو حدث مفصلي مهم في الثقافة العربيَّة، ولسنا مبالغين إذا قلنا إنَّه أهم حدث ثقافيّ عربيّ في نهاية الربع الأوَّل من القرن الحادي والعشرين، فمعجم العربية التاريخي سوف يكرس سُنناً وتقاليد بحثية جديدة، وفي الوقت نفسه سوف يشرع البابَ في إعادة النَّظر في الكثير من المفاهيم المعرفيَّة التي جرى تداولها والتسليم بنتائجها اللغوية والثقافية، فالمعجم التاريخي هو معجم لغوي لا يكتفي بتقديم ما يقابل الألفاظ من معانٍ وضبط الكلمات صرفياً وإملائياً ويوثّق استعمالاتها الأدبية والمجازية وأصولها وصورها الاشتقاقية، فالأمر يتعدى كلَّ ذلك إلى مسالة مهمة هي النظر في البعد التأثيليّ والتأصيليّ لهذه المفردات وتحقيق أصولها وروافدها التي اقترضتها العربيَّة من اللُّغات الأخرى، فاللُّغة كائنٌ حي ينمو وتتسع تعابيرُها وتتطورُ ألفاظها للإيفاء بحاجاتٍ تعبيريَّة وأفكار جديدة، فالمتغيرُ الجديدُ في صناعة هذا المعجم هو أنَّ المدخلَ المفرداتي لكل كلمة يضع تاريخاً لعامٍ محدد يضبط ويوثّق استعمالها لأوَّل مرة ويضع تواريخ تتعقبُ الانزياحاتِ الدلاليَّة في تطور معاني المفردات موثقة بنصوصها وشواهدها الاستعماليَّة. يوفر هذا المعجم مقاربة دلالية موضوعية تقترب من قصدية النصوص وفهما في بعدها التاريخي إذ غالباً ما يتم إسقاط دلالات الالفاظ المعاصرة المتطورة على النصوص القديمة فيتم فهم دلالة ألفاظها بغير مقاصدها وبغير أفقها التاريخي.وهذا اللون من المعاجم هي فكرة بل حلمٌ انبثق في القرن العشرين وغرسه المستشرقُ الالمانيّ(فيشر) أحد أساتذة علم اللُّغة التَّاريخيّ والمقارن الذين درَّسوا في الجامعات المصريَّة ووضع نواته وشرع بجمع مادته لكنه لم يكتملْ فقد اضطرته ظروفُ الحرب العالميَّة الثَّانية إلى مغادرة مصر إلى بلاده وتوفي هناك وترك ما جمع من مفردات عربية تاريخية على أمل أن تكون نواة يعمل عليها المجمع العلمي في القاهرة، ولكنَّ المجمع انشغلَ بوضع (المعجم الوسيط) وأرجأ العملَ فيه لمعوقاتٍ وتحدياتٍ كبيرة واجهته، فهو أمرٌ ليس بالهين ويستدعي وقتاً طويلاً، فالمعجم التاريخيّ الألمانيّ وهو أوَّل معجم تاريخي يظهر وقد وضعه مشروعه الأخوان (غريم) وهما عالمانِ في الفيلولوجيا وعلم اللغة التاريخي قد استغرق وضعه أكثر من ثمانين عاماً وقد أنجز عام 1961 وقد جمع المفردات الألمانية الفصيحة من عام 1450 إلى عام 1832، أما المعجم التاريخيّ للُّغة الإنكليزيَّة فقد استغرق وضعُهُ أكثرَ من عشرين عاماً.وحاولتِ الدراسات المعجمية العربيَّة الحديثة بلورة رؤية نقدية تستلهم العربيَّة المعاصرة في وضع معاجم عربيَّة معاصرة تفي بمتطلبات البحث العلميّ وروح المعاصرة، فشرعتْ بنقد المعجم القديم وعدم تمييزه بين المعنى الاستعمالي المعني بالبعد التزامني للغة العربية الأدبية وبين المعنى التأريخي المهتم بتطور الأفكار واشتقاق ألفاظها المعبرة عنها وكيفية ولادة المصطلحات العلمية بتحول الدلالة وتطورها من العام إلى المعاني الخاصة بكل حقل من الحقول العلمية مع محاولة تأصيل جذور الألفاظ وردِّها لأصولها السَّامية الأم.والمشكلة تكمن في الامتداد التاريخيّ الطويل للعربية فهو يربوا على أكثر من ألفين عام مما يقتضي تعقب هذه الحقب الزمنية ورصد تحولات الألفاظ وانبثاق المُولَّد منها، وهذا أمر لا يتأتي لباحث واحد أو فريق بحثي أن يضطلعوا به ما لمْ ترعه مؤسساتٌ مهمة وفاعلة وجادة وتُكرَّس له الجهود وتُوظَّف له الأموال وينطلق العمل من حسن التخطيط والإرادة الحقيقية التي تعضدها الهمم المخلصة والطموحة وهذا ما قد تحقق في معجم الدَّوحة. فأي دراسة في أي حقل من حقول المعرفة تحرص على ضبط المفاهيم خلال المعالجة الاصطلاحية سوف تقوم بمراجعة الكثير من المفردات والمصطلحات لتعقب تطور الأفكار العلمية، فالفكرة لا تولد دفعة واحدة وانَّما هناك مراحل ومسار طويل لتشكل هذه الفكرة من خلال انتقالها عبر حقول معرفية مختلفة فتنتقل معاني هذه الألفاظ وتتطور مواكبة لتطور المصطلح، وقد تستعير بعضُ الحقول المعرفية مفاهيمَ ومصطلحاتٍ فيتم تبيئة هذه المفرداتِ في مناخ علميّ جديد مع احتفاظها لبعض ملامحها الأصل. ومما لاشك فيه أنَّ هذا الأمر لا يتأتى إلا للمحقق الثَّبت، ولكن المعجم التَّاريخيّ الجديد سوف يسهّل هذه المهمة أمام الباحثين والدارسين ويذللُ الكثيرَ من العقبات،فهو معجم يؤرِّخ للذاكرة الثقافية العربية وتحولاتها الفكرية وسوف يشرع باباً مهماً لإعادة النظر في الكثير من الأوهام والمسلمات البحثية غير الدقيقة في مختلف المجالات في علوم اللغة والنقد وعلوم الاجتماع والفقه والأصول وألفاظ الحضارة والعلوم العقلية كالمنطق والفلسفة العربية ضمن المنجز التراثي إلى جنب العلوم الإنسانية الحديثة كاللسانيات والنقد الأدبيّ وعلم الاجتماع وعلم النَّفس والإعلام والسياسة والاقتصاد وعلم الأديان وكذلك العلوم الصرفة كالهندسة والطب والتشريح والصيدلة وعلوم الفيزياء وغيرها من علوم اشتمل على مصطلحاتها المختلفة معجم الدَّوحة الجديد.

وللمعجم موقع الكتروني افتراضي يسهّل المراجعة والبحثَ بإدخال المفردة فيظهر المعنى الاستعمالي للمفردة وضبطها الصرفي ويؤرّخ لسنة استعمالها في شواهد من الكلام، ويزوّد القارئ بتحولات استعمالها المجازية أو الاصطلاحية في سنوات لاحقة. ويشير هذا الموقع الافتراضي للمعجم أنه يشتمل على أكثر من (300 ألف مدخل معجمي) ويتضمن أكثر من (مليار كلمة عربية)، تعود إلى أكثر من (10 آلاف جذر لغوي عربي) جرى استقراؤها من خلال مضان عربية تاريخية تربو على أكثر من (10 آلاف) مصدر من البيبليوغرافيا العربية والمصادر المختلفة. ويبدأ المعجم من القرن الخامس قبل الهجرة بالاعتماد على نقوش حجرية وحفريات دونت عليها المفردات العربية وصولاً الى عام 2025 ميلادية أي يمسح حقبة لغوية تاريخية تبلغ ألفين عام. وقد اعتمد المعجم المدخل التاريخي نهجاً أساساً في تنظيم المفردات وليس الترتيب القائم علي التمييز بين المصادر وصورها الاشتقاقيَّة بسبب طابعه التَّخصصيّ التَّاريخيّ، ولكن المشرفين على المعجم وعدوا بإمكان تطويره وتحديثه مستقبلاً ليشمل تعدد المداخل إلى جنب المدخل التاريخي، فهو معجم رقمي غير ورقي قابل للتطوير والتحديث. ويتيح المعجم تحديد مدة البحث التاريخي في ظهور المفردة لأوَّل مرة في التداول وتطوراتها الاستعمالية،فهو يعتمد في صناعته ووضعه على أساس مفهوم التحقيب الزمني. وقد استلهم المعجم في مداخله المفرداتية فكرة (الوسم)، وهي فكرة لسانية صورية توليدية انبثقت على يد العالمين (كاتز) و(بوسطال) واستأنس بها (تشومسكي) فيما يتعلق بالمعجم الذهنيّ وكيفية استدعاء المفردة في الدماغ في توليد البنى العميقة. وقد أفادَ منها معجمُ الدَّوحة في تحديد السمات الصوتيَّة والصرفيَّة والنحويَّة والدلاليَّة وربطها بسياقها. لقد حاول الكثير من العلماء اللغويين العرب بجهود فردية وأبرزهم اللغويّ عبدالله العلاليّ أن يضعوا معاجم تاريخية ولكن ضخامة المشروع ومحدودية إمكاناتهم المادية الفردية لم تسعفْهم في إتمام مشاريعهم الجادة والمخلصة، وكذلك حاولتْ بجهود مخلصة الجامعة التّونسيَّة قبل عقود عديدة من الزمن ولكن جهدها تلخص بإصدار أجزاء لحقبة تاريخية محدودة بسبب صعوبة هذا المشروع. ويعود الفضلُ إلى (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) الذي يرأسه المفكر الفلسطيني (عزمي بشارة) وباقتراح من مجموعة من أساتذة اللغة الأفذاذ العاملين فيه وأبرزهم (رمزي البعلبكي) بأن يتبنى المركز وضع هذا المعجم في عام 2011، وما كان للمركز وحده أن ينهض بأعباء هذه المهمة الصعبة من دون عرضها على دولة قطر وتبنيها ودعمها المالي الكبير للمشروع، وما كان للمشروع أن ينجح لولا التطور في مشاريع حوسبة اللغة العربية بفضل ظهور اللسانيات التطبيقية وأبحاث الذكاء الاصطناعي وتطور الرقمية في العالم العربي. وبعد الاتفاق على رؤية علمية معجمية في دراسات دؤوبة ورصينة انطلق المشروع عام 2013 واكتمل نهاية عام 2025 وأُعْلِنَ عنه في اليوم العالميّ للُّغة العربيَّة. وهناك إصدار ورقي مطبوع صادر عن هذا المركز يتحدث عن هذا المشروع مفصلاً. وهناك بوابة افتراضية للمعجم تحمل عنوان (معجم الدوحة التاريخي للغة العربية) يمكن للقارئ الكريم الدخول عليه والإفادة من المعجم والاطلاع بنحو مفصل على المنطلقات اللغوية في صناعة هذا المعجم.

ومن أبرز المآخذ التي يمكن تسجيلها على معجم الدوحة: أولا: هناك الكثير من النصوص الشعرية الجاهلية وغيرها من المؤلفات، هي نصوص منحولة وموضوعة في عصور لاحقة وقد دخلها الشك من قبل كثير من المحققين، فمن الصعب الارتكاز عليها بتوثيق تطور الألفاظ، وكذلك المدونات من الأحاديث النبوية الشريفة خضعت الى التوهين والتضعيف والإنكار مما يصعب توظيفها في توثيق تطور الألفاظ وضبط الدلالات التاريخية للمعاني. وثانياً: أهمل المعجم العاميات العربية المعاصرة وهي تشتمل على الكثير من الألفاظ الفصيحة التي تطورت عن العربية القديمة ووحصل انزياح في دلالة ألفاظها، فهناك نظر دلالي معاصر في دراسة المحكيات العامية بقصد (تفصيح العاميات) وتقريبها من العربية القياسية يستند إلى تعزيز الفصيح ضمن ما يسمى بـ (رد العامي إلى الفصيح) ومعرفة جذوره وأصوله الأم.

ومهما يكن من أمر يبقى الشيء المهم الذي يريد التنويه به هذا المقال هو ضرورة التثقيف بالعودة إلى هذا المعجم وتدريب الطلبة في كليات ومعاهد تعليم اللغات في جامعاتنا العربية وتدريب الباحثين بنحوٍ عامٍ لا بحقل العربيَّة فحسب على الإفادة من هذا المعجم في توثيق تطور الأفكار. إنَّ ولادة هذا المعجم هي بشارة بوليد معرفيّ يُؤمل أنْ يُحدثَ تحولاتٍ فيْ كثيرٍ من التصورات ويعيدُ النَّظرَ في كثير من المسلمات المعرفيَّة والثَّقافيَّة، والأمرُ الأهم أنَّه لا يسع أي باحثٍ أكاديميّ ــ بعد الآن ــ يريدُ أن ينتهجَ الرَّصانة أنْ يغضَّ الطرف أو يتجاهل هذا المعجم ويغفل عن العودة إليه في توثيق تطور الأفكار والتاريخ لانبثاق المصطلح العلميّ.

***

كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي بجامعة بـغـداد

 

كل ما لدينا من التراث في اللغة العربية يعود الى القرن السادس للميلاد وإرتبط تاريخياً بـالشعر الجاهلي ولغته فقد كانت النصوص الأدبيّة في تلك الفترة تُمثّل اللغة العربيّة في عُنفوان إكتمَالها، وبـالقرآن في القرن السابع الميلادي، ثم دونت النصوص العربية والإسلامية بعد ذلك من القرن الثامن للميلاد في مجموع ات كديوان الحماسة لأبي تمام وكتاب الأغاني للأصفهاني وغيرهما...

وهذا ما دفع عدد من الباحثين المعاصرين للقول:

1- أنّ اللغة العربية قد اِشتقت من اللهجة الآرامية والمسماة بالنبطية، وكما يقول مدرس اللغات السامية في الجامعة المصرية - الاستاذ إسرائيل ولفنسون[1]:

(... يجب أن لا يغيب عن بالنا أن وجود اللغة الآرامية عند النبط الذين كانوا قد إتصلوا إتصالاً مباشراً بالعرب قد أثر تأثيراً لا يستهان به على الحضارة العربية الجاهلية وعلى تكوين المادة اللغوية العربية في شمال الجزيرة من ناحية التمدن والعمران كما يتضح لنا ذلك من الخط النبطي وتأثيره على الخط العربي).

2- يذهب د. خالد أسماعيل [2] إن إختلاط العرب بالآراميين والتمازج في بيئة واحدة جعلتهم أن يشتركوا بصيغ متشابهة أو متماثلة والأتفاق على ألفاظ متناظرة. وكما في صيغة المتكلمين في العربية والتي تنتهي بـضمير الرفع (نا) وليس (ن) كما في (سمعنا) بدلا من (سمعن) المفترض أن يكون الضمير مجتز من (نحن) فتبين له انها بفعل تأثير آرامية التوراة كون الضمير هو (نحنا) فبدلا من (سمع + نحن = سمعن) أصبحت (سمع + نحنا = سمعنا) وهذه الصيغة (نحنا أو أحنا) لا تزال مستخدمة في العراق وغيرها من البلدان العربية.

3- الاستاذ نجيب محمد البهيتي[3] يقول في كتابه (تاريخ الشعر العربي) إن بين اللغتين (السريانية والعربية) من القرابة ما يجعلهما أشبه باللهجتين من اللغة الواحدة. لذا فكان العربي إذا نزل العراق تحدث الى أهله بلغتهم، والسرياني قادر كذلك على فهم حديث العربي إن هو تحدث اليه بلغته.

4- يقول العلامة البطريرك أغناطيوس يعقوب الثالث في كتابه (البراهين الحسية على تقارض السريانية والعربية ص5):

أن اللغة العربية أقرب من السريانية الحالية الى اللغة الأم، وأكثر منها شبها بها... ويستشهد بذلك العديد من الأمثلة...

5- وفي مدخل كتابه (تراث وفقه) يلخِّص الالماني كرستوف لوكسنبرغ[4] بالقول: في صدر الاسلام لم تكن العربية بعدُ لغةً مكتوبة؛ فقد كانت السريانية هي لغة التواصل المكتوبة في الشرق الأدنى، بدءًا من القرن الثاني للميلاد وحتى القرن السابع ومن خلالها إنتشرت المسيحية والثقافة عبر آسيا لتصل حتى أقاصي مالابار وشرق الصين.

لذا كانت السريانية وحتى بزوغ القرآن، هي لغة التواصل الأوسع لنشر الثقافة والأدب والعلوم الأخرى عند السريان والعرب.

ويذهب العديد من الكتاب القدامى بان الرسول محمد كان يحضُّ صحابته على تعلُّم السريانية كما حصل مع زيد بن ثابت والذي يقول:

سألني الرسول هل تجيد العبرية قلت لا فقال تعَلّمْ كتاب اليهود، فإنّي ما آمنهم على كتابي ففعلتُ، فما مضى لي نصف شهر حتى حَذِقْتُهُ، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأتُ له ثم طلب مني أن أتعلم «السريانية» حيث تصلنا العديد من الرسائل بالسريانية فتعلمتها في سبعة عشر يوماً.

6- يذهب د. إبراهيم السامرائي[5] قائلا السريانية هي أقرب اللغات السامية للعربية لأنها عاصرتها في حين ان سائر اللغات الأخرى قد عفى عليها الزمان ويزيد قائلا: ما موجود من الألفاظ السريانية في العربية لا يمكن إعتبارها دخيلة او معربة بل هي مادة عربية كما هي سريانية لأن الأصل السامي مشترك وهو يشير بذلك وينتقد الى ما ذهب اليه الجواليقي في كتابه (المعرب) وكتاب (شفاء الغليل) للخفاجي اللذين ذهبا الى وجود العديد من الألفاظ السريانية في العربية...

7 - هناك من يذهب على ان العربية مشتقة من السبأية من بينهم الاستاذ حفني ناصف / تاريخ الأدب [6] فبذهب على أن الخط العربي جاء من اليمن الى النبط والحيرة ومنها الى الحجاز والمسمى بخط المسند، وهناك شواهد عثر عليها مكتوبة بخط المسند الذي كان شائعا في الجنوب والشمال في مملكتي السبأ والمعين وحتى القرن الرابع الميلادي وهذا ما يذهب اليه الاستاذ جواد علي. ولكن من يتمعنه سيجده بعيد كل البعد عن الخط الذي دون فيه القرآن[7] وهذا ما لاحظته من خلال المقارنة التي أجريتها بين شكل حروفهما في كتابي (نشأة الكتابة السريانية والعربية والمنشور من قبل دار الفارابي – بيروت) فلم أجد اية تقارب بينهما.

المرويات: ظهرت العديد من المرويات في تاريخ اللغة العربية وأبجديتها، وجميع هذه الآراء ينقصها شواهد ملموسة نستشف منها شيئاً عن تاريخِها، أو عن طفولتِها ومن بين هذه الآراء:

1- ما يؤكده الطبري[8] حين يقول:

(إن أنصاريا، ظهر على ظهر الجماء ـ جبل بالعقيق قرب المدينة ـ فوجد حجرين وفيهما كتابة فحمل أحدهما فعرضه على أهل السريانية فلم يعرفوا كتابه وعرضه على من يكتب بالزبور من أهل اليمن ومن يكتب بالمسند فلم يعرفوه... والظاهر إنه كان في الأغلب أكدياً). ولكون الطبري لا يشير الى تاريخ وشكل النقشين لذا ربما كانت الكتابة فيهما آرامية فتعذر عليهما القراءة.

نستدل من هذا إن لغة العرب في الجزيرة كانت قد تأثرت بالأكدية في مرحلتها الأولى كون المنطقة قد إحتلت من قبل الآشوريين أولا في عهد الملك الآشوري تيجلات بلاسر الثالث (القرن الثامن) وفي عهدي الملكين الآشوريين سرجون الثاني، وآشور بانيبال (القرن السابع)، وكذلك من قبل الكلدانيين في عهد الملك الكلداني نبونيد (555 ـ 539 ق.م)، الذي إحتلها، واستقر بها لمدة عشر سنوات، هذا يعني لا بد أنهم تركوا آثارا للغتهم في المنطقة.

ومن ثم تأثرها بالآرامية واليمنية لذا نجد هذا التقارب الكبير بين السريانية والعربية في لفظ الكثير من المفردات. ويجب أن لا ننسى نحن نتكلم عن منطقة جغرافية تضمّ العراق والجزيرة العربية وسوريا ولبنان، والأردن وفلسطين وهو ما يعني إنها حلقة مربوطة بعضها ببعض وحيث لا توجد بينهم حواجز طبيعية تعرقل الإنتقال من مكان لآخر مثلما لا توجد بين الجزيرة واليمن، فمن الطبيعي أن تطورت لغات المنطقة ضمن تطور المجتمع وتراكم المعرفة عند البشر الذين يقطنون تلك المنطقة. لذا كان العرب من قريش، ومن غير قريش تجارا يرحلون الى الحبشة واليمن، والى الشام، والى العراق، وكانوا من غير شك يتفاهمون مع أهل هذه البلاد بلغة يفهمونها جميعاً، بالقدر الذي يمكنهم من التفاهم وعقد العقود وكذلك إبرام معاهدات.

وحتى من حيث الكتابة فكان الخط الآرامي بلهجاته هو السائد في المنطقة وخصوصا منذ القرن الثامن أو التاسع قبل الميلاد الى جانب وجود الكتابة بخط المسند اليمني والمتداول في اليمن والجزيرة وبلاد الحبشة والصومال. حيث يؤكد الأستاذ نجيب محمد البهيتي [9] في كتابه (تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري):

(إن الكتابة قد جاءت بلاد العرب الداخلية (الجزيرة العربية) في أزمنة مختلفة وعن ثلاث طرق أقدمهن ما جاءها عن طريق الشمال الشرقي، وهـذه فـي الأغلب كانت متأثرة بالكتابة الآشورية (يقصد الأكدية). وكانت من الصعوبة بحيث لم تلبث إن حلت محلها حروف أخرى جاءتها من الجنوب والشمال معا، فكانت الآرامية والمسند اليمني وسيلتين للكتابة في قلب شبه الجزيرة وقد تطورت هذه الحروف في أزمنة متأخرة الى الحروف الأخيرة المعروفة بالعربية).

2- ما يؤكده أبن حَزم الاندلسي[10] (تولد 994م) في كتابه (الأحكام في أصول الأحكام) الذي يذهب بالقول:

(إن الذي وقفنا عليه، وعلمناه يقيناً، أن السريانية والعبرانية والعربية واحدة، تبدلت بتبدل مساكن أهلها... فإنهُ بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى، تتبدل لغتها تبدلاً لا يخفى على من تأملهُ... فمن تدبرَّ العربية والعبرانية والسريانية، أيقن أن إختلافهما من نحو ما ذكرناه، من تبديل ألفاظ الناس على طول الأزمان، وإختلاف البلدان، ومجاورة الأمم. وأنها لغة واحدة في الأصل).

3- ما رواه البلاذري (منتصف القرن التاسع) في كتابه (فتوح البلدان):

(إجتمع ثلاثة أشخاص من طي بـ (بقة – قرب الحيرة) وهم:

مرامر بن مرة، أسلم بن سدرة، عامر بن جدرة

فوضعوا الخط العربي على قياس الخط السرياني ومنهم تعلم قوم من أهل الأنبار والحيرة ومن بينهم بشر بن عبد الملك الذي بدوره نقله الى المكة فعلمه الى أبي سفيان بن أمية وآخرون...)

رواية كهذه لا يمكن الأخذ بها لعدم وجود أدلة ملموسة وخصوصا إن أسمائهم لو أعيد كتابتها بالسريانية لتبين إنها ليست أسماء حقيقية وذلك:

(مرامر بن مرة) تكتب بالسريانية (ܡܪ ܐܡܪ ܒܢ ܡܪ – مر امر بن مر) وتعني / السيد أمر ابن السيد).

(أسلم بن سدرة) تكتب بالسريانية (ܫܠܡ ܒܢ ܣܕܪܐ – شلم بن سدرا) وتعني / أنهى أبن الخطاط).

(عامر بن جدرة) تكتب بالسريانية (ܥܐܡܪ ܒܢ ܓܕܪܐ – عامر بن جدرا) وتعني / عامر الحاذق).

العبارة بأجمعها تقرأ:

ܡܪ ܐܡܪ ܒܢ ܡܪ ܫܠܡ ܒܢ ܣܕܪܐ ܥܐܡܪ ܒܢ ܓܕܪܐ

ترجمتها:

(السيد أمر إبن السيد أنهى إبن الخطاط عامر إبن الحاذق (الماهر).

هذا يعني بطلان الرواية وخاصة لم يكن ما يثبت ذلك من خلال نقش او مخطوطة تؤيد ما ذهب اليه الراوي، وحيث تناقلت الرواية شفاهيا، هذا يعني ربما تعرضت الى تحوير أثناء النقل.

4- هناك رواية ثانية يذكرها القلقشندي (قرن 14) وإبن النديم[11] (القرن 11) مفادها: إن ستة أشخاص من العرب العاربة من طسم أسماؤهم:

(أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت) هم اللذين وضعوا الكتابة على ضوء أسمائهم ومن ثم ألحقوا بها الروادف (ث، خ، ذ، ظ، غ، ض) ومنهم إنتقلت الكتابة الى الأنبار والحيرة ومنهم الى بقية العرب... طبعا لا يمكن الأخذ بها أيضا فهذه الأسماء هي الأبجدية الآرامية / السريانية والعبرية والعربية ولا يوجد ما يثبت رأيهم من دليل... وكذلك كلا الروايتين لم يذكرا التاريخ لنستدل منهما تاريخ نشوء الخط العربي لذا علينا البحث عن مفهوم آخر.

من خلاصة قولهم نستطيع أن نقول إن منشأ الكتابة العربية هي العراق وبالأخص الكوفة والأنبار المكتظة بالأديرة والمدارس السريانية ومن هناك نقلت الكتابة بواسطة بشر بن عبد الملك الكندي وعبد الله بن جدعان اللذان خرجا من الأنبار الى المكة وقاما بنشر الكتابة، وأول من تعلمها من مكة هو (حرب بن أمية) ومن ثم إنتشرت بين القريش فتعلم منهم أبو سفيان وأبناه معاوية ويزيد وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب[12] من مكة.. ويجب أن لا ننسى بأن الكتابة واللغة السريانية كانت منتشرة في الجزيرة ربما قبل قدومهما (بشر بن عبد الملك الكندي وعبد الله بن جدعان) ومستخدمة من قبل الرهبان الذين قدموا من بلاد النهرين الى الجزيرة وأسسوا الكنائس والآديرة، ومن المؤكد اللغة المستخدمة في صلواتهم كانت السريانية.

بالحقيقة من يدرس العربية والسريانية سيجدهما لغتان شقيقتان، لتشابههما في كثير من الأمور من بينها إتفاق العديد من ألفاظها ومعانيها. (ܥܝܢܐ عينا عين ، ܣܥܪܐ سعرا شعر ، ܐܕܢܐ إذنا اذن، ܝܕܐ يدا يد، ܪܓܠܐ رجلا رجل... ܚܕ حد احد، ܬܪܝܢ ترين اثنين، ܬܠܬ تلاث ثلاث... ܗܘهو هو، ܗܝ هي هي، ܐܢܐ إنا انا، ܐܢܬܘܢ أنتون انتم  ܚܢܢ حنن نحن  ܐܟܠ إكل أكل، ܟܬܒ كتب كتب ܩܐܡ قام قام...

- ومن الأصوات الأخرى المشتركة بين السريانية والعربية[13] فهي التاء السريانية بدلاً من الثاء العربية، الذال السريانية بدلاً من الدال العربية والكمل السريانية والتي تنطق كجيم المصرية بدلا من الجيم العربية ومن الأمثلة على ذلك:

- تعلب وكما في السريانية ܬܥܠܐ تعلا بدلا من ثعلب

تلث كما لدى السريانية ܬܠܬ تلات بدلا من ثلاث العربية

وتوم، تور بالعربية ثوم، ثور... وكذلك

ديب كما لدى السريان ܕܐܒܐ ديبا بدلاً من ذئب العربية

دراع كما لدى السريان ܕܪܥܐ دراعا بدلا من ذراع العربية و...

نستنتج من كل هذا، تطور الخط الآرامي الى حيث شكل الخط النبطي، التدمري، الحضري، الرهاوي (السرياني) ونستطيع أن نضيف اليهم العربي ولكن المشكلة لا يوجد نص عربي أو نقش يعود ولو الى القرون الثلاثة الآولى فالنقوش العربية المكتشفة تعود الى القرن السادس الميلادي، وفي هذه الفترة إختفت جميع الخطوط إلا السرياني والعبري وظهور المندائي، لذا لا يمكننا القول بأن الخط العربي مشتق من السبأي مطلقا بل هو منبثق من الخط الآرامي بفروعه وخاصة السرياني وذلك للتشابه الكبير بينهما أكثر مما هو عند النبطي والتدمري والحضري...

النقوش:

هذا كان من خلال المرويات والان سنعرض بعض النقوش والتي تعود الى ما قبل الأسلام والتي اعتمد عليها الباحثون لتحديد تاريخ نشأت الخط العربي.

نقش أم الجمال الأول: عثر عليه في منطقة أم الجمال الواقعة في جنوبي حوران التابعة الى الأردن، نجد فيه، بعض حروفه متصلة وهو نص آرامي كتب بالخط الآرامي النبطي يعود الى سنة 250م وكما مبين في الشكل أدناه:3047 nazar3048 nazar

قرأه العلماء:

دنه نفو فهرو بر سلي ريو جذيمة ملك تنوخ

ترجموه:

هذا قبر فهر بن سلي مربي جذيمة ملك تنوخ

إلا أني لا أتفق مع هذه القراءة فخطه يميل الى السرياني، فالكلمة الآولى مكتوبة (ܪܚܫ – رحش) بمعى سار، وربما هي ܕܚܫ دحش بمعنى حرس وليس دنه، والكلمة الثانية قرأت نفو ولكن هناك حرف آخر بعد حرف ف الذي هو حرف (ش) النبطي فتقرأ نفشو ܢܦܫܘ بمعنى نفس والكلمة الثالثة فهرو مشكوك في قراءتها فالحرف الاول ربما هو ف وربما ع وهي الاصح والحرف الثاني ربما هي (م) أو(ت) والحرف الاخير هو (د، ر) و... والكلمة الأخيرة قرأت ملك تنوخ الأصح هي ملك ديلوخ ܡܠܟ ܕܝܠܘܟ ملكك وربما هي ܡܠܟ ܕܝܢܘܟ ملك ديانوخ بمعنى الديان (حاكمك) أي ملكك الديان...

2- نقش النمارة:3049 nazar

والنمارة هو بيت صغير للروم بني في الجهة الشرقية لجبل دروز ووجد على قبر أمرئ القيس بن عمرو وسمي بنقش أمرئ القيس بن عمرو [14] ثاني ملوك الحيرة عثر عليه في موقع النمارة جبل الدروز يرقى الى عام 328 م ويقول عنه الخبراء أنه أول نص عربي مكتوب بالخط الأرامي النبطي وكما مبين في الشكل اعلاه وآخرون يعتبرونه بداية الخط العربي.

بالحقيقة لا أرى فيه ما يدعونا الى الإعتماد على أن الخط العربي منحدر منه ربما نجد بعض الحروف تشبه العربي والسرياني ولكنها قليلة وحتى اللغة.

نقش زبد

3- نقش زبد: عثر عليه في خربة زبد الواقعة بين قنسرين ونهر الفرات يعود تاريخه الى سنة 502 م [15] ويبدو أنه كان نقش وضع في جدار الكنيسة دون فيه أسماء الذين شيدو الكنيسة فالخط الظاهر يتبين أنه قريب الشبه الى الخطين السرياني والعربي وكما في الشكل أعلاه.3050 nazar

قرأوه [16]:

بنصر الإله شرحو بر أمت منغو وهلبا بر مر القيس

وشرحو بر سعدو وسترو وشريحو بتميمي.

4- نقش حران: عثر عليه في حران في المنطقة الشمالية من جبل الدروز وضع فوق باب الكنيسة يرتقي تاريخه الى عام 568 م ويقول عنه المطران أندراوس صنا كتب بالعربية واليونانية ولغته العربية صافية خالية من المفردات السريانية[17]، والنص تراه بلا نقاط ولكنه يقرأ:3051 nazar

(أنا شرحبيل بن طلمو بنيت ذا المرطول سنة 463 بعد مفسد 34 خيبر بعم

والكتابة هذه عربية وفيها شبه بالخط السرياني في الكثير من مفرداتها.

5- نقش أم الجمال الثاني: عثر عليه في أم الجمال الواقعة في جنوبي حوران التابعة الى الأردن يعود الى أواخر القرن السادس 152الميلادي (قبل الأسلام) يقرأ:

الله غفر لأليه (الأصح إلا لله)

بن عبيدة كاتب

الخليد أعلى بنيه

عمري كتبه عنه من يقروه3052 nazar

ويقول عنه المطران أندراوس صنا[18] خطه يشبه الى حد كبير خط النصوص التي كتبت في عهد صدر الإسلام وكما في الشكل الآتي، الخط المستخدم في كتابة المصحف:3053 nazar

مما تبين يبدو لي أن النقش الأول والثاني لا يمكن إعتبارهما مراحل للخط العربي بل البداية هي من نقش زبد والنقشين (حران، جمال الثاني) هم باكورة الخط العربي ما لم نعثر على سواهما أي أن البداية هي القرن السادس الميلادي وهذا يعود بنا للتساؤل وهل هذه البداية هي للغة العربية أيضا ؟ وهذا غير جائز لأن لغة المعلقات والقرآن تدل على أن هذه اللغة لا بد قد مرت بما لا يقل عن قرنين أو ثلاث. والمشكلة حتى المعلقات التي يقال عنها إنها كتبت بماء الذهب وعلقت على جدار الكعبة لم نعثر على أي أثر منها لنعرف بأي خط كتبت كونها تناقلت شفاهيا، هذا يعني ربما كانت العرب تُدوِّن ما لديها بأحد الخطوط، إما الخط السبئي وإما الخط الآرامي (السرياني أو النبطي) وأغلب الظن كانت كفة الميزان تتأرجح نحو السريانية.

ويذهب الأقدمون من أمثال (البلاذري (فتوح البلدان ص471)، أبن النديم (الفهرست ص4-5)، القلقشندي (صبح الأعش ح3 ص14)، أبن دريد (الآشتقاق ص472)، أبن خلدون (مقدمة أبن خلدون ج2 ص340)، المطران أقليمس يوسف داود (اللمعة الشهية ج1 ص143-144، البطريرك أغناطيوس أفرام برصوم (اللؤلؤ المنثور ص36)، الاب أنستاس الكرملي (مجلة لغة العرب م2 ص320) والمطران اندراوس صنا و....) أن الكتابة دخلت الجزيرة من الحيرة والأنبار وخصوصا كانت المنطقة العربية مكتظة بالأديرة والمدارس وظلت قائمة الى ما بعد دخول الإسلام المنطقة، وتعلم أولادهم في هذه المدارس مما سهل عملية إنبثاق الكتابة العربية وهذا ما لاحظناه في رسم الأحرف في النقوش الارامية المكتشفة في السعودية فهناك شبه كبير بين أغلب حروفها والسريانية.. نأمل من الحكومة العراقية أن تكثف التنقيب في هاتين المنطقتين (الحيرة والأنبار) ربما سنعثر على الكثير من الشواهد تساعدنا في الوصول الى الحقيقة..

ولكن المشكلة تكمن بعدم عثورنا على شواهد بالكتابة العربية في الحيرة والأنبار في فترة هذه النقوش ليتبين لنا مدى التقارب. ربما هذا يعني كان العرب في الحيرة والأنبار يكتبون صلواتهم ومداريشهم و... بالحرف السرياني أي الكرشوني (لغة عربية وخط سرياني) مثلما كانت مستخدمة عند الفرس الأخمينيين (خط ارامي) قبل الميلاد...

***

نزار حنا الديراني

........................

[1] أ. ولفنسون – تاريخ اللغات السامية / دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت – لبنان

[2] للمزيد راجع: د. خالد اسماعيل – أستاذ في كلية الآداب – جامعة بغداد والخبير في هيئة اللغة السريانية / مجلة مجمع اللغة السريانية – عدد 6 لسنة 1982 ص142- 148

[3] نجيب محمد البهيتي / تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري

[4] كرستوف لوكسنبرغ / تراث وفقه - ترجمة: أكرم أنطاكي وديمتري أفيرينوس- من الأنترنيت

[5] د. ابراهيم احمد السامرائي / السريانية بين لغات العامية وفصيح العربية – مجملة المجمع العراقي – عدد 1 لسنة 1981 ص 254

[6] حفني ناصف / تاريخ الأدب – القاهرة 1958 ص64 - 70

[7] المطران أندراوس صنا / مجلة المجمع – عدد 4 سنة 1978 ص 9

[8]  الطبري ج1 ص738 للمزيد راجع - تاريخ الشعر العربي / نجيب محمد

[9] نجيب محمد البهيتي / تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري – القاهرة – مطبعة دار الكتب المصرية 1950 – ص198

[10] الاب أنستاس ماري الكرملي / نشوء اللغة العربية ونموها وأكتمالها – ص67 – المطبعة العصرية – مصر – القاهرة 1938 ص68

[11] المطران أندراوس صنا / مجلة المجمع عدد 4 سنة 1978 ص4

[12] ناصر النقشبتدي / مجلة سومر م3 ج1 ص133-134 وآخرين (البلاذري، أبن دريد، القلقشندي – المصادر السابقة)

[13] د. خالد حسين / مجلة مجمع اللغة السريانية – عدد 8 لسنة 1984ص51

[14] طه باقر / سومر م1 ج2 ص57، أسرائيل ولفنسن ص189، ناصر النقشبندي / مجلة سومر م3 ج1 ص131 و...

[15] المطران أندراوس صنا / مجلة المجمع – عدد 4 سنة 1978 ص16

[16] المطران اندراوس - المصدر السابق

[17] المطران أندراوس صنا / مجلة المجمع – عدد 4 سنة 1978، طه باقر / مجلة سومر م1 ج2 ص57، أسرائيل ولفنسون ص192، ناصر النقشبندي / مجلة سومر م3 ج1 ص122

[18] المطران أندراوس صنا / مجلة المجمع – عدد 4 سنة 1978

مقدمة نظرية: لماذا السوسيولوجيا والأنثربولوجيا السياسية؟

تطرح المُمارسة السياسية في السّودان* إشكالية جوهرية تتمثل في الارتباط المعقّد بين فلسفة الدولة الحديثة القائم على المؤسسة والقانون، وفلسفة المجتمعات القائم على الأفق القبائلي والولاءات الأولية؛ ففي بلد يظل فيه "أفق المخيال" السياسي والاجتماعي أسير البنى القبلية، تصبح المعالجة السوسيولوجية والأنثربولوجية شرطاً معرفياً مسبقاً لفهم ديناميكيات وآليات التحول، وليست فقط مجرد أداة مساعدة. إذ تستند هذه المعارف إلى منهجيات تمكننا من فك شفرات التمثّلات الرمزية للسلطة، وتفكيك أشكال التضامن العرقي والإثني وتحالفاته، وتتبّع استراتيجيات التوظيف السياسي للهويات الفرعية في لحظات الأزمات والانتقال.

إن أهمية الاستعانة بهذه المعارف تنبع من قدرتها على توفير أدوات لتفسير المُفارقة السودانية: ففي الوقت الذي تسعى فيه (الشّلة /النخبة) (1) السياسية إلى بناء مؤسسات حداثية، تظل آليات الفعل السياسي الفعلية تُدار برموز القبلية وأفق مخيالها، وحيث تتحول الدولة/ المؤسسة الحديثة إلى واجهة شكلية تخترقها شبكات الولاءات القديمة.

 وتتأسس إشكالية هذه الورقة في التناقض الجوهري بين فلسفة الدولة والمجتمعات السودانية القائمة على الأفق القبائلي والولاءات الأولية.  وحين يكون "المخيال السياسي" أسير البنى القبلية؛ تصبح القبيلة كياناً سياسياً موازياً يعيد إنتاج نفسه في قلب الحداثة. ومن هنا، فإن التحليل السوسيولوجي يكشف عن كيفية تشكّل "الدولة الموازية" في العقل الجمعي، بينما يرصد الأنثربولوجي التحولات في البنى الأسرية والعشائرية وتفاعلها مع مشاريع السلطة المركزية.

وهكذا، فإن فهم مسار التحولات السياسية في السودان؛ سواء تعلق الأمر ببناء السلام، أو صياغة الدساتير، أو إدارة الأزمات؛ يظل رهناً بقدرتنا على استيعاب أن المجتمعات لا تسلّم ولاءها للمؤسسة المجردة، بل تعيد إنتاجها وفقاً لتصوراتها القبلية (أفقها المخيالي) عن العدالة والزعامة والشرعية. لذلك، فإن إدماج الرؤية السوسيولوجية والأنثربولوجية في صلب التّخطيط السياسي ليس خياراً أكاديمياً، بل ضرورة معرفية لتجنّب فشل النماذج التنموية والسياسية المستوردة، وانتهاج مسارات تحوّلٍ تُراعي خصوصية التشكيل الاجتماعي السوداني، وتستثمر في فهم "الواقع" بدلاً من فرض "المثالي" الغربي.

إن غياب الاهتمام المنهجي بدراسة القبيلة، وتحديداً في بُعدها السوسيوسياسي والمخيالي، يخلق فراغاً معرفياً خطيراً. فهذا الغياب لا يسمح بفهم كيف تعمل الخطابات القبلية كأداة لتعبئة واستقطاب وإعادة تشكيل الوعي الجمعي، ولا بكيفية توظيف النّخب / الشّلة السياسية لهذه الخطابات لتحقيق مكاسبها، ولا بإدراك أن الخطاب القبلي لم يعد محصوراً في الأرياف، بل تسلل إلى مراكز القرار، وأصبح يؤطر المُمارسة السياسية اليومية، من تشكيل التحالفات إلى توزيع الموارد إلى إدارة الصراعات. فالقبيلة، كما تؤكد الوقائع، ليست مجرد ماضٍ يندثر، بل هي حاضر متجدد، تتخذ من الدين تارة، ومن العلمنة تارة أخرى، غطاءً لها.

إن اللامبالاة الأكاديمية بدراسة القبيلة، أو اختزالها في "عصبية" معيقة للتحديث، هو في حد ذاته موقف سياسي، يغفل عن حقيقة أن القبيلة ليست مجرد هوية اجتماعية، بل هي بنية سياسية موازية، قادرة على حشد وتعبئة وتوجيه الأفراد، وفرض مصالحها على حساب الجماعات الأخرى، خاصة في سياقات فشل الدولة وتراجع العدالة.

لذا، فإن دراسة المجتمعات السودانية من زاوية سوسيوسياسية أنثروبولوجية، تركز على أنساقها القبلية كمنظومات سياسية فاعلة، وتتتبع تحولاتها في سياقات الاستعمار والاستقلال والحكم العسكري والتحول الديمقراطي، ليست ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة منهجية لفهم قواعد بناء الدولة في السودان. فالدولة في السودان لم تتشكل قط على أنقاض القبيلة، بل تفاوضت معها، واستوعبتها، وأعادت إنتاجها. لذلك، فإن أي مشروع لبناء الدولة اليوم، أي مشروع للسلام والمواطنة، لا يمكن أن ينجح دون أن يضع في اعتباره أن القبيلة ليست عدواً يجب هزيمته، ولا تراثاً يجب تحجيمه، بل هي واقع اجتماعي وسياسي يجب فك شفراته، وفهم ديناميكيات تحركاته، والاشتغال عليه، إما بدمجه في بنية الدولة بشكل مبتكر، أو بتفكيك أسبابه الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع الأفراد إلى الاحتماء به. وإلا، فسيظل السودان أسير صراع أبدي بين "دولة" لا تعرف مجتمعها، و"قبيلة" لا تعترف بدولة، وهو نزاعٌ سيادي ظلّ يشهده السودان منذ ما قبل الاستقلال وما بعده؛ وتجلّى بشكل أوضح في حرب الخامس عشر من أبريل العام 2023.

إننا نعيش في جغرافيا واسعة؛ وقبائل متناثرة هنا وهُناك؛ ضُمّت قسراً تحت نظام إداري واحد؛ حيث عمل على الحفاظ على البنية المنقسمة أصلا بين المجتمعات أكثر من مساهمته في جمعها وهي الوقائع التي قد يختلف معها البعض أو يتفق، وهكذا الحال في الدولة الافريقية، حين أصطنع المستعمر حدوداً جغرافية وأعطى حتى أسماءاً لقبائل لم يكن لها وجود مُستقل خارج دائرة الاجتماع الافريقي الكبير؛ مع وضع بذرة الشقاق لتفتيتها وذلك من أجل إنجاح سياساته. واليوم لا يمكن فهم الدولة الافريقية دون الرجوع لدراسة وتفكيك البنى الاستعمارية التاريخية التي اختلقت هذه الكيانات الهشة وغذّت هذه النُظم القبلية بالفرقة والشتات.

تكتسي دراسة المجتمعات السودانية عبر المقاربة السوسيوسياسية (Political Sociology) أهمية بالغة لفك تعقيدات التّحولات السياسية في السودان، والعلاقة الجدلية بين القبيلة والدولة. لا تنظر هذه الورقة إلى القبيلة كبقايا اجتماعية، بل كفاعل سياسي وثقافي يستدعي فهم بنيته الداخلية (الأفق والمخيال) لفهم مسار الدولة ذاتها وحيث تمثل الفرضية المركزية التي تنطلق منها هذه الورقة حول أن القبيلة في السودان ليست مجرد هوية اجتماعية أو بقايا عتيقة، بل هي بنية سياسية ومعرفية فاعلة، تمتلك أفقاً مخيالياً خاصاً يتفوق على مؤسسة الدولة في توجيه الفعل السياسي، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وفرض منطقها في إدارة الصراع وتوزيع الموارد. وأن هذا التفوق ليس نتيجة ضعف الدولة فحسب، بل هو نتاج لسياسات تاريخية (استعمارية وما بعد استعمارية) أعادت إنتاج القبيلة كأداة للحكم، واستمرت الشلليات الحاكمة في توظيفها لتحقيق مكاسبها، مما جعل الدولة عاجزة عن بناء مشروع وطني جامع قائم على المواطنة المتساوية. ولا تقدّم هذه الورقة إحاطة كاملة بالاجتماع السوداني بل تسعى إلى خلق إطار معرفي ومداخل منهجية من شأنها أن تساعد على قراءة وفهم المجال السوسيوسياسي السوداني.

لكن كيف نقرأ الاجتماع السوداني وخاصة في راهن الحرب هذه؟ وكيف يمكننا تعريف وصياغة الاجتماع السوداني بعد العام 1956. حيث أن الدراسات في حقلي الاجتماع والأنثروبولوجيا إن وجدت في السودان فهي تعاني ضعفاً مفاهيمياً وخللاً منهجياً واضحاً في الاستقراء والتحليل وخلق الأدوات المعرفية التي تساهم في معرفة وفهم الأفق القبائلي للبلاد السودانية. فمعظم الدراسات الأنثروبولوجية في السودان لم تتخطى الدراسة التقليدية حول الفلكلور ودراسة الانساب؛ وقد ولّت ظهرها لدراسة التفاعلات الاجتماعية ودراسة الفاعلين الاجتماعيين وكذا صناعة التعايش وبناء الانسان في وسط كيانات لا تعرف بعضها وتعرّف ذواتها كجيوب بشرية محشورة في زاوية (القبيلة).

وتأسيساً على الخطاب السياسي السائد في المشهد السوداني اليوم؛ والذي يمكن أن نجزم بأنه قبائلي البنية والثقافة بامتياز؛ فقد طفت على السطح مسألة مهمة تمثّل أساس وجوهر وبنية الصراع في السودان وهو أن السودان ليس شعب واحد بل شعوب متعددة في جغرافيا كبيرة وهو أمر تجلّى بكل ثقله في هذه الحرب المهمة! حيث أن الإصرار على تعريفه بصيغة (الشعب السوداني) هو حلمٌ أكثر مما هو واقع وللوصول لصيغة الشعب السودان يتطلب الأمر عمل ضخمٌ وكبير ومنهجي يبدأ بفهم المجتمعات السودانية والأفق الذي تنطلق منه ورؤيتها للمسألة. إن القضيتين الجوهرتين في هذه الخطاطة والتي نعتقد أنها تفسر حالة الصراع الدائم في السودان بالأمس واليوم هما القبائلية والمخيال القبائلي؛ ولقد تجنّب العقل النخبوي الأكاديمي والمثقف في السودان التفكير في الواقع السوداني وتجنب دراسة الخارطة السوسيوسياسية المؤثرة جداً والمتجذرة بعمق في بنية الممارسة السودانية؛ لأن هذا العقل ونخبه تعمل ضمن هذا الأفق القبائلي والذي يكفل لها الحماية ورأس المال الرمزي ويحوّل خطابها إلى سلطة.

تُريد هذه الكتابة أن تقرأ وتتبّع المخيال والفعل السياسي داخل الاجتماع السوداني؛ فالفاعل الحقيقي في مشهدنا السوسيوسياسي هي المجتمعات القبلية ومخيالها القبائلي، بتواطؤ من الشُّلليات/ النّخب لا أكثر ولا أقل. إذ يظهر في واقعنا فعلياً سيطرة المخيال القبائلي للمجتمعات على السّرد والفعل؛ ومعبراً عن نفسه باعتباره الأفق والمعيار الجوهري الذي يُستقي منه الفعل والممارسة.

البِنى المؤسسة للاجتماع السوداني:

إن مقاربة مسألة "المجتمع" في السودان، ليست مجرد استعراض لتركيبة ديموغرافية أو وصف لتعدد إثني، بل هي غوص في أعماق التاريخ الأنثربولوجي والسوسيولوجي لتفكيك البنى الخفية التي تشكل نسيجَه الاجتماعي، وتحدد إيقاع حركته، بل وتسبغ عليه هويته المتشظية. فـ"المجتمع السوداني"، بهذا المعنى، ليس كياناً جامداً أو معطى نهائياً، بل هو حقل متوتر من العلائق، والصراعات، والتمثلات الرمزية التي تتأسس عبر زمن طويل من التفاعل بين الإنسان والأرض، وبين الجماعة والأخرى، وبين السلطة والهوية.

من منظور سوسيولوجي تاريخي، يفرض علينا السؤال عن البنى المؤسسة لهذا المجتمع الانتقال من قراءة الأنساق الاجتماعية بوصفها مجرد أطر وظيفية، إلى قراءتها باعتبارها بنىً مخيالية، أي منظومات دلالية وسردية تنتج المعنى وتوجه الفعل. فهذه البنى ليست وليدة لحظة آنية، بل هي نتاج تراكمات تاريخية تمت صياغتها عبر أنساق ثقافية متوارثة، تجلت في القصص، والأشعار، والأمثال، والحكايات، التي شكلت معاً "نسقاً مخيالياً" ضابطاً. وهذا النسق ليس مجرد انعكاس سلبي للواقع، بل هو أداة إنتاجية للواقع نفسه؛ فهو الإطار الذي من خلاله يُدرك أفراد المجتمع ذواتهم، ويُفسرون علاقاتهم، ويشرعون ممارساتهم، ويُخضعون الآخر لسلطة رؤيتهم للعالم.

وهنا تبرز الأنثربولوجيا الفلسفية كأداة نقدية، حين تكشف لنا أن هذا "المخيال" في السياق السوداني، وفي غياب مشروع وطني جامع، قد اتخذ شكلاً قبلياً ضيقاً. فالمخيال القبائلي، لا يحمل في طياته وعوداً تحررية تتجاوز الجماعة الضيقة نحو أفق إنساني أوسع، بل هو يستدعي الماضي كصحوة أصولية، تنتج إغراء الاستعلاء، وتكرس منطق إقصاء الآخر، وتُعيد إنتاج ذات الجماعة في مواجهة "الغير" بوصفه تهديداً وجودياً. إنه مخيال يستوطن الأرض لا ليعمرها، بل ليرسم حدودها الفاصلة، ويفرض قوانينه المتسيّدة، فيتحول الفضاء الجغرافي إلى مسرح للصراع الدائم، ليس مع جيران الجماعة فحسب، بل حتى داخلها بين عشائرها المكونة، فيما يشبه "حرب الكل ضد الكل" في غياب ضابطة رمزية أو سياسية عليا.

هذه السيادة المخيالية للقبيلة، أدت إلى مفارقة تاريخية كبرى: وهي أن الدولة السودانية الحديثة، سواء في صورتها الاستعمارية أو ما بعد الاستقلال، لم تستطع الخروج من خطاب هذه الكيانات القبلية، بل ظلت أسيرة له، وتحولت في كثير من الأحيان إلى أداة سائلة في أيديها، تعكس توازنات القوة بينها، وتُكرس هيمنة الأقوى على حساب الأضعف. وهنا يبرز السؤال حول مفهوم "المدينة" في هذا السياق: فالمدينة، التي يفترض أن تكون فضاء الحداثة والتعدد والتعاقد المدني، لم تشكل في السودان بوتقة انصهار قومي حقيقي، بل لم تخرج من حالتها القبائلية الأولى؛ بل إن بعض مدنها تحولت إلى "غيتوهات" قبلية، يعيش سكانها في زمن قبائلي متجمد، يحكمه نسق ثقافي واحد، يكرس العزلة، ويرسخ دعائم الإقصاء والعنصرية بحق أي "دخيل" يهدد تماسك هذا النسق.

ومن هنا، فإن قراءة البنى المؤسسة للمجتمع السوداني، تقتضي منا تجاوز النظريات التقليدية التي تتحدث عن "الصراع بين المركز والأطراف"، إلى مقاربة أكثر عمقاً تفكك أركيولوجيا المخيال السوداني المتعدد، أي البحث في طبقاته الجيولوجية التاريخية، حيث تتراكم سرديات الانتماء، وتتشكل أنساق الهيمنة، وتُبنى شرعية السلطة. إنها محاولة لفهم كيف تحولت التنوعات الثقافية واللغوية والدينية من ثراء افتراضي إلى عامل تفكك، وكيف تم أسر الدولة في خطابات الهوية الضيقة، وكيف يمكن، انطلاقاً من هذا التشخيص، استشراف إمكانيات تعافي المجتمع من خلال إعادة بناء مخيال آخر، يتجاوز الاستعلاء والإقصاء، نحو أفق وطني تعددي قائم على الاعتراف بالآخر، ليس بوصفه تهديداً، بل بوصفه شرطاً لوجود الذات وتجددها.

وهكذا، فإن هذه الخطاطة تسعى لوضع إطار نظري وتاريخي يربط بين سوسيولوجيا البنى، وأنثروبولوجيا المخيال، وفلسفة التاريخ، لتقديم قراءة متماسكة لمشكلات المجتمع السوداني، لا تكتفي بوصف الأعراض، بل تتعقب جذورها في أعماق البنى المؤسسة، مؤملة في أن تكون مدخلاً لنقد هذه البنى، وربما لتجاوزها.

الذات السودانية بين البنية المعرفية وعصاب الهوية

إن تأمل نظرة السوداني إلى ذاته في "المرآة"، لا يمكن أن يكون مجرد استعراض انطباعي أو وصف لحالة نفسية عابرة؛ بل هو بالضرورة مقاربة إبستمولوجية تبحث في البنية المعرفية التي تشكل رؤية الذات للذات وللآخر، ضمن إطار كلي يحكم هذه التمثلات ويضبطها. حيث لا يمكن تعريف أي مجتمع بمعزل عن هذه البنية المعرفية التي تمثل الأساس الراسخ الذي تنطلق منه ماهيته وتصوراته. وهنا تكمن المفارقة المركزية في السياق السوداني: إذ يبدو أن البنية المعرفية الجامعة إما أنها غائبة، أو أنها متعددة ومتصارعة إلى درجة تجعل صورة السوداني، حين ينظر إلى نفسه في مرآة الجغرافيا والتاريخ والممارسة يجدها صورة غائمة، مشوشة، شائهة، تعكس أزمة عميقة في تكوين الذات الفردية والجمعية على حد سواء.

من منظور الأنثروبولوجيا المعرفية، تستند أي جماعة إلى مرجعية معرفية (أسطورية، دينية، تاريخية، أو فلسفية) تتيح لها استبطان وجودها، وتفسير علاقتها بالآخر، وتبرير أنماط ممارستها اليومية. وهذه المرجعية تشكل ما يمكن تسميته بـ “مرآة المجتمع" التي يرى من خلالها ذاته منتصبة، متماسكة، ذات معنى. غير أن السودان، بتعدده الإثني والثقافي واللغوي، لم يشهد حتى الآن تولد بنية معرفية وطنية جامعة تتجاوز خصوصيات المجموعات، وتستوعب تعددها في إطار كلي متسامح. وبدلاً من ذلك، تسيدت بنى معرفية متعددة ومتنافسة، كل منها تدعي أنها "الأساس الراسخ" الذي تنطلق منه الماهية، ولكنها في الواقع تعكس مخيالاً قبلياً أو جهوياً أو عرقياً ضيقاً، أن هذه التعددية، في غياب حوار معرفي حقيقي، لم تنتج تنوعاً غنياً، بل أنتجت حالة من الفوضى المرجعية، حيث أصبح السوداني يبحث عن ذاته في مرايا متعددة، لا تعكس له وجهاً واحداً، بل وجوهاً متشظية لا تلتئم.

إن غياب البنية المعرفية الجامعة، يقود بالضرورة إلى ما يمكن، استعارة بمفهوم التحليل النفسي، تسميته بـ “العصاب الهوياتي". فالسوداني يعيش حالة من عدم اليقين الذاتي، فهو غير متيقن من كيفية ظهور كينونته أمام الآخر، والآخر بدوره غير معترف بالتعريف الذي يلقاه، والعكس صحيح. وهذه الحالة تنتج توتراً دائماً يظهر في الممارسة اليومية على شكل استبسال دفاعي عن صور عرقية وثقافية شائهة، وتصلب في المواقف، وعنف رمزي أحياناً، لأن الذات، التي لا تجد انعكاساً مستقلاً لها، تضطر إلى تأكيد وجودها عبر نفي الآخر أو استعلائها عليه. ففي غياب مرآة كلية تعكس الجميع، يصبح كل فرد وجماعة مرآة الآخر، ولكن هذه المرايا مشوهة، مكسورة، لا تعكس إلا صورة الذات كما يريد لها الآخر أن تكون، أو كما تخشى الذات أن تكون؛ فالصورة التي يراها السوداني لنفسه في مرآة الحياة، هي في الغالب صورة مبنية على نظرة الآخر إليه، وليست صورة مستمدة من جوهره الذاتي المستقل.

يتجسد هذا التشوش بوضوح حين "يتجول السوداني في بقاع السودان المختلفة"، فهذا التجوال، الذي يفترض أن يكون اكتشافاً للذات عبر التنوع، يتحول إلى اختبار مستمر للهوية وسط مرايا متغيرة. ففي الشرق، ينظر إليه بوصفه "غربياً" أو "وسطياً"، وفي الغرب يوصف بوصفه "شرقياً" أو "نيلياً"، وفي الجنوب (قبل الانفصال) كان يُصنف بوصفه "شمالياً"، وفي الشمال قد يُصنف بوصفه "جنوبياً" أو "غربياً" وفي كل محطة، يعاد تشكيل صورته وفقاً لمخيال القبيلة أو الجهة المسيطرة، وكأن الذات السودانية ليست كياناً قائماً بذاته، بل هي نتاج متغير لعدسات النظر المتعددة. وهكذا، يصبح السوداني رهينة "المنظور إليه من عدسة الآخر دائماً"، يفقد السيطرة على سرديته الخاصة، ويتحول إلى موضوع يُرى ويُصنف، بدلاً من أن يكون فاعلاً يرى ويُعرف.

من منظور السوسيولوجيا السياسية، فإن هذه الأزمة المعرفية تنعكس وتتغذى في آن واحد من علاقة الدولة بالمجتمع. فالدولة السودانية، التي كان يُفترض أن تكون الصانعة للبنية المعرفية الجامعة من خلال التعليم والإعلام والسياسات العامة، تحولت هي نفسها إلى ساحة للصراع بين الهويات المتشظية. فهي لم تنجح في إنتاج "مواطن" له هوية مدنية جامعة، بل ظلت أداة في أيدي الجماعات القبلية وأسيرة للمخيال القبائلي وحيث تعكس توازنات القوة لا توازنات المعنى. وهذا الفشل السياسي في إنتاج إطار رمزي وطني، عمّق من التشوش المعرفي، وجعل السوداني ينظر إلى الدولة نفسها كمرآة مشوهة تعكس هيمنة الآخرين، لا كمرآة تعكس حقه في الوجود والمواطنة المتساوية.

ورغم هذا التشوش العميق، فإن تأمل السوداني لذاته في مرآة الحياة ليس لحظة يأس مطلق، بل يمكن أن يكون لحظة نقد ذاتي ووعي نقدي. فالاعتراف بـ “تشوه الصورة" هو الخطوة الأولى نحو إعادة بناء بنية معرفية جديدة، تقوم ليس على إنكار الاختلاف، بل على إعادة تأويله في إطار وطني تعددي. وهذا يتطلب جهداً فلسفياً وسياسياً وثقافياً لبناء مرآة جديدة، مرآة لا تكرس استعلاء مجموعة على أخرى، بل تسمح للجميع بأن يروا أنفسهم فيها، ويروا الآخرين، في آن واحد، كوجوه مكملة، وليست مهددة. إنها مهمة شاقة، تتطلب إعادة كتابة التاريخ، وتنقية الذاكرة، وتطوير تعليم ينتج وعياً وطنياً نقدياً، وسياسات تعترف بالتعدد كثراء، وليس كتهديد.

وتظل نظرة السوداني إلى ذاته في مرآة الحياة معلقة بين حاضر مشوش ومستقبل مرتجى. لكن ثمة إمكانية للخلاص، إذا ما تحول التشوش إلى فضول معرفي، وإذا ما تحول العصاب الهوياتي إلى طاقة نقدية، وإذا ما تمكن السودانيون، عبر مرآتهم المتكسرة، من رؤية بعضهم بعضاً على حقيقتهم، والبدء في بناء مرآة جديدة قادرة على احتضان كل هذه الوجوه دون أن تهشمها ولن يتم ذلك الا بالنظر إلى سلطة التاريخ ومخيالاته.

سلطة التاريخ ومخياله:

إن الحديث عن سلطة التاريخ ومخياله في السياق السوداني، يقتضي تجاوز النظرة الأحادية للتاريخ بوصفه خطاً زمنياً متصلاً (كورنولوجياً)، إلى مقاربة نقدية تبحث في آليات إنتاج التاريخ وعلاقتها بالسلطة والهوية. فالتاريخ، كما تقترح السوسيولوجيا السياسية، ليس مجرد وعاء لحفظ الوقائع، بل هو حقل للصراع الرمزي تُمارس فيه الجماعات المختلفة سلطتها في تشكيل الذاكرة الجمعية، وفرض سردياتها، وتثبيت وجودها السياسي والثقافي. وفي السياق السوداني، حيث تتشظى الذات الوطنية إلى هويات قبلية ومخيالات متعددة، يصبح التاريخ أداة مزدوجة: فهو من جهة مرآة تعكس تواريخ الجماعات المختلفة، ومن جهة أخرى هو سلاح تستخدمه النخب / الشلة لفرض سردية واحدة تكرس هيمنتها وتلغي الآخرين.

تفترض مقاربتنا الأنثروبولوجية التاريخية أن السوداني، في وعيه الجمعي، لا يمتلك تاريخاً واحداً، بل تواريخ متعددة، كل منها مرتبط بجماعته المرجعية المباشرة: قبيلته، أسلافه، تقاليده، وقصص أجداده. هذا الانقسام يقود بالضرورة إلى انقسام في التاريخ، حيث يصبح كل كيان اجتماعي هو المرجعية التاريخية لنفسه، في غياب إطار وطني جامع يُعيد تأويل هذه التواريخ في سياق واحد. وهنا تكمن الأزمة: ففي مقابل استئثار شلة السلطة بالتاريخ واحتكار السرد، تم تذكية بعض التواريخ وإخماد أخرى، بل تم اختراع تواريخ جديدة وادعاء فاعلية تاريخية لمجموعات لم تكن تعرف بأسمائها القبلية الحالية إلا في عقود متأخرة من القرن العشرين.

في هذا السياق، يمكن الحديث عن "سياسة التاريخ" باعتبارها ممارسة سلطوية تهدف إلى إعادة تشكيل الذاكرة الجمعية وفقاً لمصالح النخب/ الشلة. فالسلطة، التي تسيطر على مؤسسات التعليم والإعلام والبحث العلمي، تمتلك القدرة على تخييل تاريخ موحَّد، أو على الأقل فرض سردية تاريخية تهمش الجماعات الأخرى وتُلحقها بهامش التاريخ. ومع احتكار التاريخ وحق السرد، تم اختراع هويات جديدة وادعاء أنها فاعلة تاريخياً، في عملية تعكس ما نصفه بـ “تذكية التواريخ" أو حتى اختراعها. وهذه الممارسة، التي تجد جذورها في السياسات الاستعمارية التي عملت على تصنيف المجتمعات السودانية وتركيبها في أطر جامدة، قد استمرت في مرحلة ما بعد الاستقلال في إطار منافسة النخب / الشلة على شرعية تمثيل الوطن.

ولقد ظل مفهوم الوطن مصطلحا مشوشاً حسب النظرة السوسيولوجية والاثنوجرافية. ففي غياب تعريفات واضحة للانتماء الوطني، يصبح الوطن في المخيال الجمعي للمجتمعات القبلية المستبعدة مفهوماً غامضاً، بل أداة للهيمنة تُستخدم لتبرير سياسات التهميش والإقصاء. فبعض المجتمعات تجد نفسها غير قادرة على تفسير سبب تعرّض مناطقها للهجوم باسم "الوطن ووحدته". وهذا الغموض في مفهوم الوطن يُنتج حالة من الرفض لأي مشروع وطني رسمي، ويتحول إلى مقاومة رمزية وعنيفة في آن واحد.

وتتخذ هذه المقاومة أشكالاً متعددة؛ فمن جهة، تتمثل في رفض الانصهار في بوتقة وطنية واحدة لا تعترف بهذه المجتمعات إلا كقطيع، وهذا الرفض يتجلى في التمسك بالأنساق الثقافية الخاصة والعادات والأعراف كآليات للحفاظ على الذات في مواجهة التذويب. ومن جهة أخرى، تتخذ المقاومة شكلاً سياسياً أكثر وضوحاً، حيث تقوم هذه المجتمعات بفرض سيادتها على مناطقها، وممارسة أعمال السيادة في الرقعة التي تقطنها كما تفعل الدولة، وذلك عبر فرض قوانينها العرفية، وتحصيل الأتاوات، والقدرة على حشد قواتها للدفاع عن أراضيها في مواجهة القبائل الأخرى أو الحكومة، فيما يُعرف بـ “الفزع". وهذه الممارسات تُظهر بوضوح فشل الدولة/ المؤسسة الحديثة في اخضاع هذه المجتمعات لسلطة التاريخ المخترع، وتؤكد على استمرارية التعددية السيادية في الجغرافيا السودانية

إن استمرار هذه الحالة من تعدد التواريخ وصراع السرديات، لا يمكن فصله عن مسار تفكك الدولة السودانية. وتظهر الدراسات السوسيولوجية أن الحروب المتتابعة واستنزاف الموارد، إلى جانب انقسامات النخب الإثنية والمناطقية، قد قوضت احتكار الدولة لوسائل العنف المشروع وأدت إلى نمط تفكك هجين، تحتفظ فيه الدولة باعتراف دولي بينما تتوزع السلطة فعلياً بين شبكات قبلية/ محلية مسلحة، وهذه البنية الهجينة للسلطة هي نتاج مباشر لسياسات التاريخ التي أخفقت في إنتاج سردية وطنية جامعة، واستمرت في تكريس منطق الهيمنة والإقصاء، مما دفع المجتمعات المهمشة إلى البحث عن شرعيتها التاريخية والسياسية خارج إطار الدولة.

في مواجهة هذه الإشكالية العميقة، يصبح من الضروري التفكير في كيفية تجاوز سلطة التاريخ المخترع نحو بناء تاريخ نقدي وجامع. وهذا يتطلب، أولاً، الاعتراف بتعدد التواريخ السودانية كثراء معرفي وليس كتهديد للوحدة. وثانياً، العمل على إنتاج سردية تاريخية تتسع للاختلاف، وتعترف بمعاناة الجماعات المهمشة، وتعيد كتابة التاريخ الرسمي بعيداً عن هيمنة نخبة واحدة. وهذه المهمة، وإن كانت شاقة، تبقى ضرورية لإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوداني ولإنقاذ مشروع الدولة من الانهيار. فالتاريخ، عندما يتحرر من سلطة الاستئثار، يمكن أن يتحول من أداة للهيمنة إلى جسر للتواصل، ومن مرآة مشوشة إلى فضاء للاعتراف المتبادل، حيث يمكن لكل السودانيين رؤية أنفسهم وهم يشاركون في صناعة مستقبلهم، دون أن يلغى أحدهم وجود الآخر أو تاريخه.

القبيلة كدولة: أفق سياسي واجتماعي

ترى السوسيوسياسية أن القبيلة ليست مجرد هوية، بل مؤسسة سياسية واجتماعية متكاملة، وهو ما يجعلها إطارًا لفهم تحولات الدولة. حيث تعمل حسب منطقها الخاص وتعمل القبيلة بمنطق الولاء والانتماء والحماية، وهو ما يتعارض جوهريًا مع منطق الدولة القائم على القانون والمؤسسات. وعندما تضعف الدولة، يصبح هذا المنطق القبلي هو البديل الفعال وفي غياب الدولة الفاعلة، تتحول القبيلة إلى شبكة أمان اقتصادية واجتماعية توفر التضامن، وتصبح ملاذًا للأفراد الباحثين عن الأمن والانتماء ومن ثم تعيد المؤسسة القبلية إنتاج نفسها في سياقات التهميش، خاصة في الأطراف، حيث تترسخ كبديل عن الدولة الغائبة.

وتميز السوسيوسياسية بين "القبيلة" كهوية اجتماعية، و "القبائلية" كعقلية وسلوك إقصائي يتم تسيسه لأغراض سياسية فلقد وظفت النخب / الشلة الحاكمة (خاصة منذ 1989) القبائلية عمدًا لتفكيك المؤسسات الوطنية وإضعاف الدولة لصالح عصبيات أولية، مما أدى إلى تحول من "منطق الدولة" إلى "منطق الجماعة". ولم يكتفِ مشروع الإسلاميين بإضعاف الدولة، بل أعاد إنتاج المجتمع سياسيًا على أساس قبلي وأهلي مما أدى إلى تغذية الصراعات وبروز كيانات مسلحة قبلية والتي نشأت كأداة أمنية ضمن الدولة ثم تحولت إلى قوة سياسية منافسة لها؛ حيث تؤدي القبائلية إلى اختزال العلاقات الإنسانية في صراع ثنائي، مما يعمق الانقسامات ويُفشل أي مشروع وطني جامع.

ويكشف هذا الإطار عن أزمات السودان البنيوية:

حيث أدى استحواذ (الخرطوم) على السلطة والثروة إلى تهميش الأطراف، مما عزز التمسك بالهويات القبلية كبديل عن الدولة وحيث فشلت الدولة في تحقيق العدالة، مما أدى لعودة قوية للانتماءات القبلية كبحث عن الأمان في عالم متغير. وهذا يفسر تصاعد النزعات القبلية في فترات الأزمات السياسية. وأدى صراع الهوية وصراع الموارد حيث تتداخل الصراعات القبلية في مناطق مثل دارفور مع صراع على الموارد (الأرض والماء) وسياسات التهميش، حيث تحولت بعض القبائل إلى "دول داخل الدولة".

وحيث أن المخيال القبائلي انتهازي على الدوام، ولأنه منغلق على ذاته وأفقه؛ وهو اقصائي ولا يتسع إلا بقدر ما تستوعبه مصالحه وغنائمه. فالدولة / المؤسسة الحديثة؛ هي غنيمة في الأفق المخيالي القبائلي. والمخيال القبائلي متقدم على المؤسسة الحديثة في رؤيته للمصلحة وذلك من عدة وجوه:

1-  واصلت بعض المكونات القبلية في السودان بذل جهودها من أجل الحفاظ على موقعها السياسي؛ فالدولة التي تركها المستعمر، استأثرت بها كيانات محددة قامت بهندسة الوضع السياسي وفقاً لأفقها القبائلي. ولقد أعادت الشلليات الحاكمة إعادة انتاج القبيلة ضمن عملية تحالف واسعة ضمت رموز الكيانات القبلية والزعامات الدينية والمؤسسة العسكرية وكبار الموظفين مع أدوار تكميلية لبعض السياسيين في الأحزاب المعارضة والمثقفين، ولقد كان أكثر المستفيدين من هذا التحالف العريض؛ هي القبيلة وأفقها وتحول الزعماء الأهليون إلى لعب أدواراً مزدوجة؛ عبّرت عن فهم ووعي بالعمل السياسي وفقاً لتطور الوعي القبائلي وبنزعة براغماتية.

2-  إن النزعة البراغماتية للقبيلة كانت قد تراوحت دوماً بين التوحد أو الانقسام. ووفقاً لهذا الإطار؛ فانه في حالة كانت القبيلة تسعى إلى الاندماج في كيان سياسي أكبر منها أو تؤسسه فإنها تنزع في الغالب إلى ضرورة احتلال مراكز سياسية هامة لرموز القبيلة في المؤسسة/ الدولة، وتمثل الانتخابات في السودان أو تغييرات التشكيل الوزاري في الأقاليم والمحليات أمثلة حية. وحين تضعف الدولة تكون القبيلة هي الوريث الوحيد لامتلاك السّلطة والثروة أو الأكثر حظوة في استئثارها على غرار ما يحدث الان. وتتحول القبيلة إلى أداة سياسية في حالات الضعف التي يعتريها حين يحدث النزاع بينها والدولة ومؤسساتها على الغنيمة؛ وفي الحالتين فان المخيال القبائلي استطاع التعامل مع المؤسسة الحديثة بل وحافظ قوة أوراقه.

التحوّلات في البنى الأسرية والعشائرية: إعادة الإنتاج والغنيمة السياسية

وحيث لم تكن القبيلة في السودان مجرد وعاء اجتماعي جامد، كما ذكرنا آنفاً بل تحولت، عبر تفاعلها مع مشاريع السلطة المركزية، إلى كيان سياسي مرن، أعاد إنتاج نفسه في قلب المؤسسة الحديثة، مستفيداً من تحولات الدولة ذاتها. ففي غياب مشروع وطني قائم على المواطنة، ووسط هشاشة المؤسسات، أصبحت القبيلة ليس فقط ملجأً للأمن الوجودي، بل أداةً للوصول إلى السلطة والثروة، وشبكةً لتوزيع الغنائم في دولة الريع.

لقد تفاعلت البنى الأسرية والعشائرية مع مشاريع السلطة المركزية عبر آليات معقدة، لم تكن فيها القبيلة مجرد متلقٍ سلبي، بل فاعلاً براغماتياً يُعيد تشكيل تحالفاته وفقاً لتقلبات المكسب السياسي. ففي مرحلة الاستعمار، أعادت الإدارة البريطانية إنتاج القبيلة كوحدة حكم غير مباشر، مما منحها شرعية إدارية وقانونية لم تكن تمتلكها بنفس الحدة من قبل. وفي مرحلة ما بعد الاستقلال، استمرت النخب الحاكمة في توظيف الروابط العشائرية لتأمين ولاءاتها، سواء عبر تفعيل نظام الإدارة الأهلية، أو عبر توزيع المناصب والموارد على أساس قبلي، مما جعل القبيلة شريكاً في الحكم، بل ودولة موازية في المناطق المهمشة.

وتكمن المفارقة في أن الدولة التي يفترض أن تكون هي الصانعة للحداثة والمؤسسة الجامعة، تحولت إلى ساحة لتعزيز النزعات القبلية، لأن النخب الحاكمة نفسها وليدة هذا المخيال، ولم تسعَ إلى تفكيكه، بل استثمرته في معاركها السياسية، وأعادت إنتاجه في ثوب حداثي عبر خطاب التعددية والمواطنة، دون أن تترجمه إلى ممارسة. وهكذا، كسبت القبيلة سياسياً واقتصادياً من هذه التحولات: سياسياً عبر احتكار المناصب السيادية، وتشكيل تحالفات عابرة للجهات، وتحويل الصراع على السلطة إلى صراع على تمثيل القبائل؛ واقتصادياً عبر التحكم في الموارد الطبيعية، وتحصيل الأتاوات، والاستفادة من شبكات الفزع في النزاعات المسلحة التي أصبحت، في كثير من الأحيان، أدوات للابتزاز السياسي والاقتصادي؛ وهو ما يحدث الآن.

لكن هذا الكسب القبلي لم يكن بلا ثمن؛ إذ عمّق الانقسامات الوطنية، وأضعف مؤسسات الدولة، وجعلها أسيرة لصراعات لا نهائية بين القبائل، وكرس منطق الغنيمة على حساب المواطنة. وهكذا، تحولت البنى الأسرية والعشائرية من إطار للتضامن الاجتماعي إلى أداة للهيمنة والإقصاء، وأصبحت الدولة نفسها رهينة للمخيال القبائلي، غير قادرة على تجاوزه، لأنها، وهي تسعى لامتلاكه، كانت تمتلكه هي ذاتها.

المخيال القبائلي: في تفوق الأفق القبائلي على مؤسسة الدولة:

نعرّف "المخيال القبائلي" بأنه نسق معرفي كلي، يضبط علاقة الجماعة بالذات وبالآخر وبالأرض والتاريخ، ويمنح الأفراد شعوراً بالوجود والمعنى في غياب أي إطار وطني بديل؛ فهو بنية معرفية تُنتج المعنى وتُوجه الفعل، وتتكون عبر تراكمات تاريخية وثقافية (قصص، أشعار، أمثال، أنساب)، وتعمل كمرجعية معرفية تُفسر من خلالها الجماعة ذاتها وعلاقتها بالعالم.

 أما في الإطار السياسي فان المخيال القبائلي هو أفق سياسي واجتماعي يضبط حركة المجتمع وينظم علاقته بالسلطة، ويتسلل إلى خطابات النخبة وممارسات الحكم وبنية الصراع المسلح، وهو إطار يسبق المؤسسة الحديثة في رؤيته للمصلحة، ويعمل كـ "دولة موازية" في العقل الجمعي، حيث تتحول الدولة/المؤسسة في نظره إلى غنيمة يجب اقتسامها، وليس إلى إطار جامع للتعاقد المدني. ويعمل المخيال القبائلي أنثروبولوجياً كمنظومة دلالية وسردية تنتج المعنى وتوجه الفعل، وتتخذ من الماضي صحوة أصولية، تنتج إغراء الاستعلاء، وتكرس منطق إقصاء الآخر، وتعيد إنتاج ذات الجماعة في مواجهة 'الغير' بوصفه تهديداً وجودياً، وهو مخيال يستوطن الأرض لا ليعمرها، بل ليرسم حدودها الفاصلة، ويفرض قوانينه المتسيدة، مما يحول الفضاء الجغرافي إلى مسرح للصراع الدائم، والمدن إلى "غيتوهات قبلية".

ونخلص إلى أن المخيال القبائلي هو الإطار الذي من خلاله يُدرك أفراد المجتمع ذواتهم، ويُفسرون علاقاتهم، ويشرّعون ممارساتهم، ويُخضعون الآخر لسلطة رؤيتهم للعالم، ويتجلى عملياً عبر: آليات "الفزع" (الحشد القبلي للدفاع)، فرض القوانين العرفية، تحصيل الأتاوات، استيراد مقاتلين من شبكات عابرة للحدود واحتكار المناصب السياسية في مؤسسات الدولة لصالح رموز القبيلة مع فرض نموذج ثقافي يمثل هذا المخيال القبائلي.

إن ظاهرة القبائلية في السودان تتجاوز في جوهرها مجرد وحدة العرق أو الأرض أو الأشكال الثقافية الظاهرة، لتشكل ما يمكن وصفه، في إطار السوسيولوجيا السياسية والأنثربولوجيا المعرفية، بـ “أفق مخيالي" يضبط حركة المجتمع ويفرض منطقاً خاصاً في التعامل مع الذات والآخر والدولة. فالقبائلية، كما يرى الباحثون، ليست بقايا عتيقة من الماضي، بل هي بنية نفسية وثقافية نشطة تؤطر أنماط السلوك، بما في ذلك السلوك السياسي، وتؤثر بعمق في العملية السياسية بأسرها. وهذا الأفق المخيالي الذي يتشكل ليس مجرد وعي زائف، بل هو حاجة لا واعية لدى الجماعة لإكمال شعور بالنقص أو البحث عن معنى يعتري ذاتها، مما يفسر التمجيد المبالغ للعرق والصفات، والاعتقاد بأن هذه الصفات منحصرة في جماعة بعينها، وكأنها جوهرها المتفرد الذي لا يشاركها فيه أحد.

لا يمكن فهم سيادة المخيال القبائلي في السودان دون العودة إلى السياسات الاستعمارية التي أسست لهذا المنطق وجعلته محوراً للهوية السياسية. فقد عملت الإدارة البريطانية، منذ مطلع القرن العشرين وبشكل متزايد في العشرينيات، على "قبلنة" السودان، من خلال إقامة حواجز قانونية ومادية بين جماعات كانت تتداخل على الرغم من اختلافاتها الثقافية، وإخضاعها لنظام حكم قبلي مخترع من قبل الإداريين الاستعماريين، بهدف منع تطور تضامنات تتجاوز القبيلة. وهذا يعني أن الاستعمار لم يخترع الاختلافات الثقافية والمرجعية التي كانت قائمة أصلاً، بل استثمرها سياسياً وحولها إلى حدود للسلطة ومرجعيات للحكم. وتعمقت هذه السياسة في ظل حكم الشلة/ النخبة، مما رسخ انقساماً بنيوياً في الأمن والمجتمع.

في هذا السياق، يظهر المشهد السوداني كميدان يتجلى فيه تفوق المخيال القبائلي على أفق الدولة الحديثة، وهو تفوق يتسم بطابع انتهازي من الجانبين. فالدولة، تمتلك الأدوات والمؤسسات، لكنها لا تمتلك المخيال أو الأفق المؤسسي القادر على استدامة سلطتها؛ إنها محرومة من حق السرد العام، وتفتقر إلى إطار فكري وبِنى معرفية للتعامل مع الحالات التي تهدد بقاء مؤسساتها. وهنا تبرز انتهازية الدولة المزدوجة: فهي، في لحظات الأزمات الكبرى كالحروب ونزاعات الأراضي والقضايا القانونية والموارد، تلجأ إلى الأفق القبائلي لتسوية إشكالاتها، معتبرة إياه أداةً للسيطرة، لكنها في الوقت نفسه واقعة في تأثيره عبر من يديرونها، الذين هم أنفسهم وليدوا هذا المخيال. وهذا ما تؤكده الدراسات التي تشير إلى أن القبيلة، رغم مظاهر التنمية والحداثة في المدن الكبرى، لا تزال تحتفظ بوضعها كبنية نفسية وثقافية تؤطر السلوك السياسي.

هذا التفوق الفكري للمخيال القبائلي، وهو تفوق مدركٌ من قبل الطرفين، يجعل الدولة عاجزة عن تجاوز الأطر التاريخية التي شكلته، لأنها هي نفسها واقعة في أسره، والمؤسسة الحديثة مجرد استيراد شكلي لا يتوافق مع عمق البنى الاجتماعية القائمة. وتكمن المأساة: فحتى تعليم النخب الحاكمة لم يساهم في تحررها من هذا المخيال، بل زادها خضوعاً لسلطته، مقابل الامتيازات التي تتلقاها من إدارة المؤسسة الحديثة التي تخدم في النهاية منطق القبيلة.

إن هذه الحالة من العُصاب، التي اجتاحت المجتمعات السودانية، تجعل فكرة تأسيس وحدة وجدانية منتجة لمعنى التعايش بين مجتمعات متعددة، دون إعادة قراءة علمية ومنطقية لحالة الاجتماع السوداني، ثم قيام المؤسسة الحديثة باستحداث أنظمة تخضع فيها هذه المجتمعات لمنطق تشكيل الدولة ومفهوم المواطنة، تبدو صعبة المنال، بل شبه مستحيلة. ففي غياب هذه القراءة، يظل الصراع محتدماً بين أطراف لا تجمعها رؤية مشتركة للمستقبل، وتظل الدولة رهينةً للمخيال القبائلي الذي تسنّم الرأس في الفكر والممارسة، متفوقاً على مؤسساتها، ومستمراً في إعادة إنتاج ذاته عبر آليات الفزع، وفرض القوانين العرفية، وتحصيل الأتاوات، وأحياناً عبر استيراد مقاتلين من شبكات عابرة للحدود، كما نرى في تفعيل العصبية القبلية في النزاع المسلح الذي يدور الان.

ولا يمكن فهم استمرار المخيال القبائلي وتفوقه دون ربطه باقتصاد الريع والموارد، حيث أن الدولة، في غياب إنتاج حقيقي، تحولت إلى آلة لتوزيع الغنائم، وأصبحت القبيلة هي الوعاء الأكثر كفاءة للوصول إلى هذه الغنائم. فالصراع القبلي ليس صراع هويات محض، بل هو صراع على الأرض، والماء، والثروة، والمناصب، والسلطة، في إطار اقتصاد ريعي جعل الدولة مجرد "كعكة" يتنافس عليها النخب/ الشلة باسم القبائل. ولا يمكن عزل السودان عن محيطه الإقليمي والدولي، حيث أن تدخلات القوى الخارجية، سواء الاستعمارية القديمة أو الجديدة، لعبت دوراً محورياً في تغذية الانقسامات القبلية، وتسليح الميليشيات، ودعم بعض الكيانات القبلية على حساب أخرى، بهدف الحفاظ على مصالحها في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي وحوض النيل. فالصراع السوداني لم يكن يوماً صراعاً داخلياً خالصاً، بل هو ساحة لتنافس إقليمي ودولي يعيد إنتاج القبلية كأداة للهيمنة.

الدولة بعيون المخيال القبائلي:

إن فهم طبيعة الدولة السودانية، في تشكلها التاريخي ومعضلاتها المعاصرة، يقتضي مقاربة تنظر إلى القبيلة ليس باعتبارها بقايا قبلية من عصور مضت، بل باعتبارها فعل وفاعلين حيث تعمل على ضبط حركة المجتمع وتنظم علاقاته بالسلطة، وتتسلل إلى خطابات الشلة/ النخبة وممارسات الحكم وبنية الصراع المسلح. فالدولة في السودان، منذ نشأتها الحديثة، لم تكن كياناً جامداً مفروضاً من أعلى، بل كانت نتاجاً لتفاعل متوتر بين ثلاثة أضلاع رئيسية شكلت مثلث التماسك الهش: الزعامات القبلية، الزعامات الدينية، والنخبة الحديثة/الشلة الحاكمة. وقد ظل هذا المثلث، في أحايين كثيرة، هو الضامن الوحيد لوحدة الدولة، لكن هشاشته تكمن في أن استمراريته مرتبطة بمصالح أطرافه، وأي اختلال في توازن هذه المصالح، وخصوصاً الصراع بين الدولة والقبيلة، يقود إلى انهيار المؤسسة الحديثة وإعادة إنتاج الفوضى.

لم تأت القبيلة في السودان ككيان سياسي فارغ من التاريخ؛ إذ كانت الكيانات القبلية تمتلك، قبل الحكم الثنائي وما قبله، مؤسساتها الحاكمة للإدارة والحكم، وعاشت في حالة أشبه بالاستقلال الذاتي. فهذه الكيانات كانت تمارس السيادة في رقعتها الجغرافية، وتفرض قوانينها العرفية، وتدير علاقاتها مع الجوار. وحتى عند الحديث عن نماذج متقدمة مثل " سنار" والذي ويوصف في بعض الكتابات ب " دولة سنار"، فإنها كانت في جوهرها حلفاً قبلياً أُديرت أجهزة حكمها بمخيال قبائلي، مما يؤكد أن القبيلة لم تكن يوماً نقيضاً للدولة بقدر ما كانت هي الدولة في صورتها الأولى. وقد حمل التاريخ في ثناياه أدلة واضحة على مقاومة هذه الكيانات القبلية للغزو الخارجي، وكذلك لمحاولات المهدية بسط نفوذها عليها، مما يشير إلى وعي قبلي متجذر بالاستقلالية الذاتية.

ومع مجيء الحكم الثنائي البريطاني (1899-1956)، لم يتم تجاهل هذه البنى القبلية، بل أعيد إنتاجها وتوظيفها في إطار ما عُرف بـ “الإدارة الأهلية". ففي عام 1922، تم الشروع في تنظيم السلطة "العرفية" للزعماء من مختلف الاتجاهات، وهو ما تحول إلى أيديولوجية حكم غير مباشر شملت شمال السودان وجنوبه لاحقاً. ولم تكن هذه السياسة مجرد تسهيل لحكم المستعمر، بل جاءت كنتيجة للشد والجذب بين الكيانات القبلية والسلطة الاستعمارية، فلو كانت هذه الكيانات متحدة ومتماسكة، لأصبح حكمها أشبه بالمستحيل. وقد عمل الاستعمار على "قبلنة" السودان من خلال إقامة حواجز قانونية ومادية بين جماعات كانت تتداخل فيما بينها رغم اختلافاتها الثقافية، وإخضاعها لنظام حكم قبلي مخترع، لمنع تطور تضامنات تتجاوز القبيل كما ذكرنا أنفاً.

وظلت الدولة السودانية، بعد الاستقلال، أسيرة لهذا الميراث الاستعماري، حيث لم تستوعب السياقات الفكرية والممارسية للدولة التاريخ السوسياسي للكيانات القبلية، والتي ظلت تحتفظ باستقلاليتها النسبية. وهكذا، لم تنجح المؤسسة الحديثة في استحداث أنظمة تخضع هذه المجتمعات لمنطق تشكيل الدولة ومفهوم المواطنة، بل ظلت مجرد أداة في أيدي النخب الحاكمة، تعكس هيمنة جماعات على أخرى. ولعل المفارقة الأعمق هي أن الدولة عندما تواجه أزماتها الكبرى كالحروب ونزاعات الأراضي والقضايا القانونية، تلجأ إلى الأفق القبائلي لحلها، عاجزة عن تطوير إطار فكري مؤسسي للتعامل معها. هذا التفوق الفكري للمخيال القبائلي، وهو تفوق مدرك من الطرفين، يجعل الدولة محرومة من حق السرد العام، وتظل رهينة لانتهازية واعية: فهي تمتلك الأدوات لكنها لا تمتلك المخيال أو أفق الدولة الحديثة لاستدامة سلطتها.

وهنا نصل إلى جوهر الأزمة: فالدولة والمؤسسة الحديثة في السودان ليستا ساحة لتجاوز القبيلة، بل هي ساحة لإعادة إنتاجها في ثوب حداثي. وحيث لا يزال السؤال عن "الدولة" في السودان سؤالاً مفتوحاً على إشكالاته التاريخية والمعاصرة، بل تحول إلى أزمة وجودية تطال مفهوم الوطن ذاته. فبينما تتساقط النماذج المركزية للدولة الحديثة الواحدة، يعود المشهد القبلي ليفرض نفسه بقوة، ليس بوصفه رواسب قبلية، بل بوصفه وعاءً سياسياً واجتماعياً أعاد إنتاج نفسه في قلب الحداثة، وتسلل إلى خطابات النخبة وممارسات الحكم وبنية الصراع المسلح. وهذا الواقع يطرح سؤالاً منهجياً جوهرياً: كيف يمكن فهم الدولة السودانية من دون تفكيك البنية القبلية التي تشكل، في آن واحد، أداة للهيمنة وملجأ للمقاومة ووعاء للولاءات المتقاطعة.

عجز وعود المؤسسة الحديثة/ الدولة: في إشكالية المؤسسة والمواطنة

إن الحديث عن عجز الدولة السودانية عن الوفاء بوعودها، سواء تلك المتعلقة بالوحدة الوطنية أو العدالة الاجتماعية أو بناء مجتمع المواطنة، يقتضي مقاربة نقدية تبحث في البنى العميقة التي شكّلت هذه الدولة، وفي طبيعة العلاقة بين المؤسسة الحديثة والمخيال القبائلي المهيمن. فالعجز، كما ترى الأنثربولوجيا السياسية، ليس مجرد فشل إداري أو سوء تدبير، بل هو نتاج لتناقض بنيوي بين شكل الدولة المستورد ومضمون المجتمع القبائلي، وبين خطاب الحداثة الوطني وممارسة السلطة القبلية. وهذا التناقض، الذي يتجلى في غياب المؤسسة المستقلة عن شخص الحاكم، وفي استمرار تفوق الولاء القبائلي على الولاء الوطني، هو ما جعل الدولة عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها، وتحولت وعودها إلى مجرد خطاب لا يجد طريقه إلى الممارسة.

لعل أبرز مظاهر عجز الدولة يتمثل في عدم تطورها كمؤسسة مستقلة عن شخصية الحاكم. فالدولة في السودان ظلت أداة في قبضة الحاكم يفعل بها ما يشاء، وهو ما يعكس استمرارية النمط التقليدي للحكم القبائلي حيث السلطة شخصية وليست مؤسسية. وهذا ما تؤكده الدراسات المعاصرة التي تشير إلى أن المشكلة؛ تكمن في فشل دول ما بعد الاستقلال في بناء دولة وطنية قائمة على المواطنة، تحترم تعدد الأعراق والأديان والثقافات، وتقوم على سيادة القانون والحكم المدني. وقد أدى غياب المؤسسة المستقلة إلى تحول الدولة إلى غنيمة يتنافس عليها النخب، وإلى أداة في أيدي الجماعات القوية لفرض هيمنتها، وهو ما يفسر استمرار الصراع على السلطة وتفكك مؤسسات الدولة.

وفي الوقت نفسه، لم تتغير منظومة العلاقات الاجتماعية التقليدية، حيث ظل الولاء للقبيلة يتفوق على الولاء للدولة، وأعضاء القبيلة لم يتبلور لديهم الشعور الوطني. حيث لا يزال العديد من السودانيين يشعرون بأن القبيلة هي التي تحدد وجودهم الرمزي والمخيالي في المجتمع، وأن الإحساس بقيمتهم كذوات لا يتم إلا عبرها. وهذه الحالة، التي تتغذى على سياسات الاستعمار التي أعادت تشكيل البنى القبلية وأخضعتها لمنطق الحكم غير المباشر، تجعل من الصعب بناء مجتمع مواطنة حديث دون تفكيك هذا المخيال القبائلي وإخضاعه لإطار الدولة المؤسسي.

لم تسع الدولة وشلتها الحاكمة إلى إيجاد مشروع وطني يخضع الأفق المخيالي القبائلي لإطار الدولة المؤسسي، حين تكون المواطنة هي الأساس لتعريف الذوات. بل على العكس، ظلت الدولة تعيد إنتاج القبيلة وقيمها بشكل مقصود مع حقنها داخل النظام، لأنها مستفيدة من هذا المخيال في الحفاظ على نفوذها. وقد تجلى ذلك في إعادة تفعيل نظم الإدارة الأهلية، كما حدث في عهد حكومة الإنقاذ التي أعادت تفعيل نظام يشبه الإدارة الأهلية من خلال السماح بوجود زعامات تقليدية في الخرطوم، كإستراتيجية لإنتاج الموافقة على هيمنة الدولة وإضعاف المعارضة عبر توظيف الروابط القبلية. وهذه الانتهازية الواعية من قبل الدولة، التي تظهر بوضوح في لجوئها إلى الأطر القبلية لحل الأزمات، تثبت أن الدولة ليست فاعلاً مستقلاً يسعى لتجاوز القبيلة، بل هي وعاء لإعادة إنتاجها في ثوب حداثي. وقد سادت سياسة الأحادية ثقافياً، بدلاً من الإقرار بمبدأ التنوع والتعدد، كما سادت سياسة الوحدانية السياسية التي أبرزت أهم مشكل في بناء مجتمع المواطنة الحديث: ضعف إطار الدولة المؤسسي والقانوني

وتأسيساً على ذلك فقد شهد الخطاب السياسي السوداني منذ العام 2005 نشاطاً مكثفاً في تحديث أطره ومفرداته الخطابية، حيث تغذى على مفاهيم ومصطلحات التعدد والتنوع والمواطنة والسودان الجديد والعدالة والمساواة. وقد كان هذا الخطاب، الذي تجسد في رؤية "السودان الجديد" التي أطلقها جون قرنق، يهدف إلى بناء دولة موحدة علمانية ديمقراطية قائمة على المواطنة المتساوية. غير أن هذا الخطاب ظل حبيس الشعارات دون أن يخطو خطوة واحدة تجاه الممارسة. والمفارقة أن هذا الخطاب استمرت في ترديده كافة الكيانات السياسية في الحكم والمعارضة وبشكل كبير اليوم، بينما ظل الواقع يشهد تعمق الأزمات: انفصال الجنوب، حروب دارفور، الصراع المسلح الحالي.

وهذه الفجوة بين الخطاب والممارسة تعكس أزمة عميقة في طبيعة الدولة نفسها، التي ظلت عاجزة عن ترجمة وعودها إلى مؤسسات وإجراءات، لأنها لم تستطع تحرير نفسها من أسر المخيال القبائلي، ولم تستطع بناء إطار قانوني ومؤسسي قادر على استيعاب التنوع وإدارة الصراعات. وكما يشير الباحثون، فإن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب تحولاً جذرياً في وعي النخب والمجتمع على حد سواء، من الخضوع لسلطة الفرد إلى الإيمان بسيادة المؤسسات ويبقى عجز الدولة السودانية عن الوفاء بوعودها نتيجة حتمية لفشلها في بناء مشروع وطني جامع، واستمرارها في إعادة إنتاج منطق الهيمنة القبلية، واكتفائها بخطاب المواطنة والتعدد دون ممارسته. وهذا العجز، الذي تحول إلى أزمة وجودية تطال مفهوم الوطن ذاته، يطرح سؤالاً مصيرياً حول إمكانية تجاوز هذا المأزق، وإمكانية بناء دولة حقيقية قائمة على المؤسسة والمواطنة، قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه جميع مكونات المجتمع السوداني.

خاتمة:

في ختام هذه القراءة السوسيولوجية والأنثربولوجية للبنى القبائلية السودانية، وبعد تتبع أركيولوجيا المخيال القبائلي وتفكيك آليات سلطة التاريخ وعجز الدولة عن الوفاء بوعودها، نصل إلى حقيقة جوهرية مفادها أن إشكالية السودان ليست إشكالية تنمية أو إدارة أو صراع على موارد فحسب، بل هي إشكالية وجود ومعرفة وكينونة، تتعلق بكيفية تشكل الذات الجمعية، وكيفية إنتاج المعنى، وكيفية توزيع السلطة الرمزية في فضاء سياسي واجتماعي ظل أسيراً لتناقض بنيوي بين أفق الدولة الحديثة ومخيال القبيلة المتجذر.

لقد كشفت لنا السوسيولوجيا السياسية أن الدولة في السودان لم تكن يوماً كياناً مستقلاً قادراً على إنتاج مواطنة جامعة، بل ظلت أداةً سائلة في أيدي النخب/الشلة، تعكس توازنات القوة القبلية لا توازنات الحقوق المدنية. وهي، في انتهازيها الواعية، لم تسعَ إلى هدم المخيال القبائلي الاقصائي، بل أعادت إنتاجه وحقنته في مؤسساتها، لأنها مستفيدة منه، ولأنها هو نفسه في جوهرها. وهذا ما جعل الدولة عاجزة عن الوفاء بوعودها، وخطاب المواطنة والتعدد مجرد غطاء إيديولوجي لممارسة هيمنة جماعات على أخرى، وحلم الوحدة الوطنية يتبدد كلما اصطدم بواقع العصبية القبلية التي لا تعرف من الوطن إلا ما يكفل لها الغنيمة والموقع. وحيث تقوم الشلة بدور وسيط بين الدولة والقبيلة، في توظيف الخطابات القبلية كأداة لتعبئة واستقطاب وإعادة تشكيل الوعي الجمعي وإعادة إنتاج القبيلة ضمن تحالفات واسعة تضم رموز الكيانات القبلية والزعامات الدينية والمؤسسة العسكرية وكبار الموظفين. وتستفيد من المخيال القبائلي في الحفاظ على نفوذها، بدلاً من العمل على تفكيكه أو تجاوزه حيث تتحكم بسياسة التاريخ، وتحتكر السرد، وتُذكي بعض التواريخ وتخمد أخرى، بل تخترع تواريخ جديدة لخدمة مصالحها.

ومن جهة فإن المخيال القبائلي ليس مجرد وعي زائف أو بقايا عتيقة من الماضي، بل هو نسق معرفي كلي، يضبط علاقة الجماعة بالذات وبالآخر وبالأرض والتاريخ، ويمنح الأفراد شعوراً بالوجود والمعنى في غياب أي إطار وطني بديل ويعيد إنتاج ذاته في كل لحظة أزمة، محولاً الجغرافيا إلى مسرح صراع دائم، والمدن إلى غيتوهات قبلية، والتاريخ إلى ساحة لتزكية السرديات واحتكارها واختراع هويات لا وجود لها إلا في خدمة السلطة.

إن ما نعيشه في السودان اليوم، وخصوصاً في رحم الحرب الراهنة التي تجلت فيها كل التناقضات، ليس سوى انكشاف للحقيقة المرة: أن السودان ليس شعباً واحداً يجمعهم حلم وطني واحد، بل هو شعوب متعددة في جغرافيا واحدة، يجمعهم فقط نظام إداري استعماري اصطنع حدوداً ووحدات وأسماءً لم تكن موجودة، ثم ظلت النخب /الشلة السودانية تعيد إنتاج هذا الاصطناع دون جرأة التفكير في بناء مشروع وطني جديد يقوم على الاعتراف بالتعدد والاختلاف، وإنتاج مخيال آخر يتجاوز الاستعلاء والإقصاء نحو أفق تعددي قائم على المواطنة المتساوية والعدالة.

وتكمن المفارقة الكبرى: فالسوداني، في غياب مرآة جامعة تعكس له ذاته، يظل معلقاً بين مرايا الآخرين المتكسرة، لا يرى نفسه إلا كما يراه الآخرون، فيتشوش وعيه، ويستبسل في الدفاع عن صور شائهة للعرق والثقافة، لأنه لا يجد أي معنى آخر يمنح وجوده قيمة. وهذه الحالة من العصاب الهوياتي، التي تغذيها سلطة التاريخ وسياسات التهميش، تجعل الخروج من المأزق شبه مستحيل دون إعادة بناء بنية معرفية جديدة، تقوم على نقد الذات ونقد التاريخ، والاعتراف بأن الآخر ليس تهديداً، بل شرطاً لوجود الذات وتجددها.

إن مهمة هذه الكتابة أن تقدم إطاراً معرفياً نقدياً لفهم الاجتماع السوداني، لا تكتفي فيه بوصف الأعراض، بل تتعقب الجذور في أعماق البنى المؤسسة: المخيال القبائلي، سلطة التاريخ، عجز الدولة، تشوش الذات.

في النهاية، تبقى هذه الكتابة محاولة لفك شفرات الواقع السوداني، ودعوة مفتوحة لإعادة التفكير في كل المسلمات التي قامت عليها الدولة والمجتمع والهوية. فالسودان، إن أراد لنفسه خلاصاً، يحتاج إلى ثورة معرفية وثقافية قبل أن تكون ثورة سياسية، يحتاج إلى إنتاج مخيال جديد، يؤسس لوطن يقوم على الاعتراف بالآخر، والاعتراف بالخطأ التاريخي، والاعتراف بأن وحدة السودان ليست في إنكار تعددياته، بل في احتضانها ضمن إطار مدني ديمقراطي عادل. وإلا، فسيظل السودان أسير صراع أبدي بين دولة لا تعرف مجتمعها، وقبيلة لا تعترف بدولتها، وكما تجلت هذه الحقيقة بوحشية في حرب الخامس عشر من أبريل 2023، ستتجلى مرة تلو الأخرى، ما لم يتغير جوهر الرؤية ذاتها.

خلاصة القول، إن دراسة المجتمعات السودانية عبر السوسيوسياسية الأنثربولوجية تتيح لنا تجاوز القراءات السطحية للصراع، لنرى في القبيلة ليس عائقًا للحداثة فحسب، بل نتاجًا لسياسات الدولة ذاتها وإخفاقاتها. إن فهم "أفق" القبيلة و"مخيالها" يفسر كيف يمكن للولاءات الأولية أن تعيد تشكيل الدولة، وكيف يمكن لسياسات التهميش والتمكين أن تحول المجتمع إلى ساحة صراع قبلي، وهذه المقاربة أداة لا غنى عنها لفهم ماضي السودان وحاضره ومستقبله.

***

د. أحمد يعقوب

....................

هوامش:

* هذه الورقة هي الأولى ضمن مشروعنا الذي يهدف إلى مساءلة البنى المعرفية التي تؤطر عمل الفعل والفاعليين واتجاه جديد لقراءة الصراع في السودان عبر أدوات القبائلية والمخيال القبائلي كمنتج سوسيولوجي وانثروبولوجي من داخل البيئة السودانية. حيث ندرس الفاعليين الحقيقيين ونحاجج البِنى التي تشكل وتؤطر التفكير والممارسة.

1-  الشلة" مصطلح نشير به إلى النخب السياسية والحاكمة في السودان، والتي تتميز بكونها جماعة ضيقة ومغلقة، تتقاسم المصالح والامتيازات، وتعمل ضمن إطار المخيال القبائلي، وتستخدم مؤسسات الدولة لخدمة أغراضها الفئوية، بدلاً من أن تكون نخبة وطنية جامعة تسعى لبناء دولة المواطنة والمؤسسات. وتعمل "الشلة" ضمن "الأفق القبائلي" ذاته الذي تفترض أنها تسعى لتجاوزه. فالنخب الحاكمة، رغم تعليمها الحديث وامتلاكها أدوات الدولة، تظل أسيرة للمخيال القبائلي، ولم يساهم تعليمها في تحررها منه، بل زادها خضوعاً له، مقابل الامتيازات التي تتلقاها من إدارة المؤسسة الحديثة التي تخدم في النهاية منطق القبيلة ونستخدم الشلة بدل النخبة لنوضح أن هذه الفئات لم تصل بعد إلى مرحلة النخبوية أي أنها مجموعة  منغلقة تجاه مصالحها ولم تتجاوزها لتشكّل نخبة تتطلع إلى كامل مصلحة البلاد بعد.

مراجع:

1.  2.  Musa, A. M. (2018). The Tribal Impact on Political Stability in Sudan. Contemporary Arab Affairs, 11(1-2), 163-184.

2.  Al-Rahim, M. A. (1970). Arabism, Africanism, and Self Identification in the Sudan. Journal of Modern African Studies, 8(2), 233-249.

3.  Zain, M. E. (1996). Tribe and Religion in the Sudan. Review of African Political Economy, 23(70), 523-529.

4.  Galaleldeen, A. (2025). The Sudanese Identity in the Mirror of Colonial and Post-Independence History. The Journal of Social Encounters, 9(2), 268-280.

5.  Akbaba, S. (2024). Post-Partition and Sudanese Nationalisms: Rethinking What It Means to be a Northerner and a Southerner.Politik Ekonomik Kuram, 8(3), 834-847.

6.  Şan, M. K., Ali, H. A. M., & Tzampaz, S. (2026). Who Owns the State? A Qualitative Inquiry of the Failed Construction of National Identity in Postcolonial Sudan. Nations and Nationalism.

7.  Ahmed, A. G. M. (1979). 'Tribal' elite: a base for social stratification in the Sudan. In Toward a Marxist anthropology: problems and perspectives (pp. 321-335).

8.  Tribal Reawakening and the Future of State-Building in Kuwait and Qatar لمريم الكواري (2025)

9.  Tribes and State Formation in the Middle East (تحرير: فيليب خوري وجوزيف كوستينر، 1991)

 

دراسة فلسفية واجتماعية في مشروع الفارابي ونظرية ابن خلدون

على سبيل الافتتاح: شكّلت العلاقة بين العقل والدين والدولة إحدى أعقد الإشكالات التي واجهت الفكر الإنساني عبر تاريخه الطويل، لأنها ترتبط مباشرة بالسؤال عن أصل الحقيقة ومصدر الشرعية وطبيعة المعرفة الإنسانية وحدود السلطة السياسية. فحين بدأ الإنسان في تأمل الوجود ومحاولة فهم العالم، وجد نفسه أمام مستويين متداخلين من التفسير: مستوى يقوم على الإيمان والوحي والتصورات الدينية، ومستوى آخر يقوم على العقل والبرهان والتأمل الفلسفي. ولم يكن التوتر بين هذين المستويين مجرد خلاف نظري عابر، بل تحول عبر العصور إلى صراع عميق حول من يمتلك حق تفسير العالم والإنسان والتاريخ، ومن يحدد صورة المجتمع والدولة والقيم والمعايير التي ينبغي أن تحكم الحياة الإنسانية.

وفي الحضارة الإسلامية، اكتسب هذا التوتر طابعا خاصا بسبب التفاعل المبكر بين النص الديني الإسلامي وبين التراث الفلسفي اليوناني الذي انتقل إلى الثقافة العربية الإسلامية عبر حركة الترجمة الكبرى في العصر العباسي. فقد وجدت الفلسفة الإسلامية نفسها أمام تحدّ مزدوج، فمن جهة كان عليها أن تستوعب الإرث العقلي اليوناني بما يحمله من تصورات ميتافيزيقية ومنطقية وعلمية، ومن جهة أخرى كان عليها أن تحافظ على انسجامها مع المرجعية الدينية الإسلامية التي تمثل الإطار الأعلى للحقيقة داخل المجتمع الإسلامي. ومن هنا لم تكن الفلسفة الإسلامية مجرد امتداد للفلسفة اليونانية، بل كانت مشروعا لإعادة بناء العلاقة بين العقل والوحي داخل سياق حضاري جديد.

وقد مثّل الفارابي أحد أبرز المفكرين الذين سعوا إلى تأسيس هذا المشروع الفكري الكبير، إذ حاول بناء نسق فلسفي شامل يفسر الوجود والمعرفة والسياسة والأخلاق والدين ضمن رؤية عقلية مترابطة. ولم يكن اهتمامه مقتصرا على الجوانب النظرية المجردة، بل كان ينظر إلى الفلسفة باعتبارها مشروعا لإعادة تنظيم العالم الإنساني على أساس العقل والكمال والسعادة. ولهذا ارتبطت فلسفته بمباحث الوجود والعقل والنبوة والسياسة والمدينة الفاضلة، لأن الفارابي كان يرى أن الإنسان لا يستطيع تحقيق كماله إلا داخل مجتمع منظم وفق نظام عقلي وأخلاقي ينسجم مع النظام الكوني نفسه.

غير أن مشروع الفارابي لم يكن معزولا عن الصراعات الفكرية التي عرفها عصره، فقد أدى اعتماده على التأويل العقلي للمفاهيم الدينية إلى إثارة التوتر مع الاتجاهات الكلامية والفقهية التي رأت في الفلسفة تهديدا لسلطة النص والعقيدة. فحين أعاد الفارابي تفسير العلاقة بين الله والعالم عبر نظرية الفيض، وحين جعل النبوة مرتبة ضمن مراتب المعرفة الإنسانية، وحين ربط السياسة بالحكمة العقلية، بدا وكأنه يؤسس لنمط جديد من الشرعية المعرفية لا يقوم فقط على التلقي والإيمان، بل على البرهان العقلي والنسق الفلسفي الشامل. ومن هنا أصبح الصراع بين الفلسفة واللاهوت تعبيرا عن صراع أعمق يتعلق بطبيعة الحقيقة وحدود العقل ومصدر السلطة الرمزية داخل المجتمع.

وفي مقابل هذا المنظور الفلسفي الميتافيزيقي، يظهر مشروع ابن خلدون باعتباره انتقالا نوعيا من التفكير التجريدي إلى التفكير التاريخي والاجتماعي. فإذا كان الفارابي قد انشغل بالسؤال عن النظام العقلي للوجود والمدينة الفاضلة، فإن ابن خلدون انشغل بتحليل الواقع السياسي والاجتماعي كما يتجلى في التاريخ والعمران البشري. لقد حاول ابن خلدون أن يكتشف القوانين التي تتحكم في نشوء الدول وازدهارها وسقوطها، وأن يفسر السلطة بوصفها ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالعصبية والقوة والتماسك الجماعي، لا بمجرد المثال الأخلاقي أو التصور الميتافيزيقي.

ومن هنا جاءت نظريته في العصبية باعتبارها الأساس الحقيقي للعمران السياسي والاجتماعي، حيث رأى أن الدولة لا تقوم على المبادئ المجردة وحدها، بل على قوة اجتماعية تمتلك القدرة على التغلب وفرض السلطة وتنظيم الجماعة. كما اعتبر أن التاريخ لا تحركه الصدفة أو الإرادة الفردية وحدها، بل تحكمه قوانين اجتماعية يمكن اكتشافها وتحليلها. ولهذا يُعد ابن خلدون مؤسسا لنمط جديد من التفكير يقوم على الربط بين الاجتماع والسياسة والاقتصاد والعمران ضمن رؤية تفسيرية شاملة.

إن الجمع بين الفارابي وابن خلدون داخل دراسة واحدة لا يعني فقط المقارنة بين مفكرين كبيرين، بل يعني أيضا تتبع مسار تطور الفكر الإسلامي من الفلسفة الميتافيزيقية إلى التحليل الاجتماعي التاريخي. فالفارابي يمثل لحظة البحث عن الحقيقة الكلية والنظام العقلي للعالم، بينما يمثل ابن خلدون لحظة البحث عن القوانين الواقعية التي تحكم المجتمع والتاريخ والدولة. ومن هنا تتجلى أهمية هذه الدراسة في كونها تكشف عن تنوع المناهج والرؤى داخل التراث الفكري الإسلامي، كما تكشف عن قدرة هذا التراث على إنتاج تصورات فلسفية وسياسية واجتماعية عميقة ما تزال قادرة على إضاءة كثير من القضايا المعاصرة المتعلقة بالدين والعقل والدولة والسلطة والمعرفة.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية تتمثل في البحث في طبيعة العلاقة بين العقل والدين والدولة في الفكر الإسلامي من خلال مشروع الفارابي الفلسفي ومشروع ابن خلدون الاجتماعي التاريخي، ومحاولة الكشف عن الكيفية التي أسهم بها كل منهما في تفسير السلطة والمعرفة والعمران الإنساني.

وتنبثق عن هذه الإشكالية مجموعة من التساؤلات الفرعية التي تشكل البنية الداخلية لهذه الدراسة. فكيف استطاع الفارابي بناء تصور فلسفي للعلاقة بين الله والعالم والإنسان؟ وكيف حاول التوفيق بين العقل والوحي؟ وما طبيعة الصراع الذي نشأ بين الفلسفة والسلطة الدينية بسبب هذا المشروع؟ ثم كيف انتقل ابن خلدون من التأمل الفلسفي إلى تحليل العمران البشري؟ وما المقصود بالعصبية؟ وكيف تتحول الجماعة من رابطة اجتماعية إلى سلطة سياسية؟ وهل تخضع الدولة لقوانين ثابتة في نشأتها وسقوطها؟ وما حدود التقاطع والاختلاف بين التصور الفلسفي عند الفارابي والتصور الاجتماعي التاريخي عند ابن خلدون؟

إن هذه الأسئلة لا تتعلق فقط بالماضي الفكري الإسلامي، بل ترتبط أيضا بإشكالات الحاضر، لأن قضية العلاقة بين العقل والدين والدولة ما تزال من أكثر القضايا حضورا في النقاشات الفكرية والسياسية المعاصرة. ولذلك فإن دراسة الفارابي وابن خلدون ليست مجرد عودة إلى التراث، بل هي محاولة لفهم الأسس الفكرية العميقة التي ما تزال تؤثر في تصوراتنا الحديثة للمعرفة والسلطة والسياسة والمجتمع.

أهداف الدراسة:

تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن الأسس الفلسفية والفكرية التي قام عليها مشروع الفارابي في تفسير العقل والدين والسياسة، وإلى تحليل نظرية العصبية والعمران عند ابن خلدون باعتبارها محاولة لتفسير نشوء الدولة وحركية التاريخ. كما تسعى الدراسة إلى إبراز أوجه التفاعل والتوتر بين الفلسفة واللاهوت في الفكر الإسلامي الوسيط، وبيان كيف تحولت الفلسفة عند الفارابي إلى مشروع شامل لإعادة بناء المعرفة والسياسة وفق نظام عقلي ميتافيزيقي.

وتهدف الدراسة كذلك إلى تحليل التحول الذي أحدثه ابن خلدون في فهم التاريخ والدولة، من خلال انتقاله من التفسير الأخلاقي أو الديني إلى التفسير الاجتماعي القائم على دراسة العمران البشري وقوانين العصبية والسلطة. كما ترمي الدراسة إلى المقارنة بين المنهج الفلسفي الميتافيزيقي والمنهج الاجتماعي التاريخي داخل الفكر الإسلامي، وإبراز القيمة الحضارية والمعرفية لهذا التراث الفكري في معالجة قضايا الدولة والعقل والدين والسلطة.

الفارابي وإعادة تأسيس العلاقة بين العقل والدين: السياق التاريخي والفكري لظهور فلسفة الفارابي:

لم تظهر فلسفة الفارابي داخل فراغ فكري أو حضاري، بل تشكلت في سياق تاريخي بالغ التعقيد، تداخلت فيه التحولات السياسية مع الصراعات الفكرية والدينية والثقافية التي عرفها العالم الإسلامي خلال العصر العباسي. فقد شهدت تلك المرحلة توسعا هائلا في حركة الترجمة والنقل من التراث اليوناني والفارسي والهندي، الأمر الذي أدى إلى دخول مفاهيم فلسفية ومنطقية جديدة إلى البيئة الإسلامية. ولم يكن هذا التحول مجرد توسع معرفي بسيط، بل كان بداية لمرحلة جديدة أصبح فيها العقل أداة مركزية في مناقشة قضايا الوجود والدين والسياسة والمعرفة.

لقد أدت حركة الترجمة، خاصة في بغداد، إلى انتقال مؤلفات أرسطو وأفلاطون وشراحهما إلى الثقافة العربية الإسلامية، مما جعل المفكر المسلم يواجه أسئلة جديدة تتعلق بطبيعة العالم، وأصل الوجود، وحدود العقل، ومكانة الإنسان داخل الكون. وفي هذا السياق لم تعد المعرفة الدينية وحدها كافية لتفسير جميع الظواهر الفكرية والعلمية، بل بدأ يظهر اتجاه يسعى إلى بناء معرفة عقلية قائمة على البرهان والمنطق.

غير أن هذا التحول لم يكن سهلا أو هادئا، لأن الفلسفة دخلت إلى مجال كانت تهيمن عليه علوم الكلام والفقه والتفسير، وهي علوم كانت ترتبط مباشرة بالسلطة الدينية والشرعية العقائدية للمجتمع الإسلامي. ولهذا بدأت تظهر حالة من التوتر بين الاتجاه العقلي الفلسفي وبين الاتجاه الكلامي والفقهي، خاصة عندما شرع الفلاسفة في مناقشة قضايا تمس العقيدة مباشرة، مثل طبيعة الله، وخلق العالم، والمعاد، والنبوة، والعلاقة بين العقل والوحي.

وفي خضم هذا الصراع الفكري برز الفارابي بوصفه مفكرا حاول تجاوز الانقسام التقليدي بين الدين والفلسفة عبر بناء مشروع فلسفي شامل يقوم على إعادة تنظيم المعرفة ضمن نسق عقلي متكامل. لم يكن هدفه مجرد شرح الفلسفة اليونانية أو نقلها، بل كان يسعى إلى تأسيس فلسفة إسلامية قادرة على استيعاب الدين داخل رؤية عقلية كونية. ومن هنا اكتسب مشروعه طابعا تركيبيا يجمع بين الميتافيزيقا والسياسة والأخلاق والمعرفة.

لقد أدرك الفارابي أن الأزمة الحقيقية التي يعيشها الفكر الإسلامي في عصره لا تتعلق فقط بالخلاف حول بعض المسائل الجزئية، بل ترتبط بطبيعة العلاقة بين العقل والسلطة والحقيقة. ولذلك حاول أن يؤسس تصورا يجعل العقل قادرا على فهم النظام الكوني والديني والسياسي بوصفه بنية واحدة مترابطة. ومن هنا جاءت فلسفته بوصفها مشروعا لإعادة بناء العالم على أساس عقلي، لا مجرد تأملات نظرية معزولة عن الواقع.

مفهوم الوجود والأول في فلسفة الفارابي:

ينطلق التصور الفلسفي عند الفارابي من البحث في أصل الوجود وطبيعة العلاقة بين الله والعالم. وقد حاول في هذا المجال أن يبني رؤية ميتافيزيقية متماسكة تستند إلى المنطق والعقل، مع الحفاظ على فكرة التنزيه الإلهي التي تشكل أساس العقيدة الإسلامية.

يرى الفارابي أن الله هو “الأول” أو “واجب الوجود”، أي الموجود الذي لا يحتاج في وجوده إلى أي سبب خارجي، لأنه موجود بذاته وكامل من جميع الوجوه. وهذا التصور يجعل الله مختلفا جذريا عن باقي الموجودات التي تعد " ممكنة الوجود "، أي إنها تحتاج إلى علة أو سبب يخرجها من العدم إلى الوجود.

وقد كان هدف الفارابي من هذا التصور هو الوصول إلى فهم عقلاني لطبيعة الإله، بعيدا عن التشبيه والتجسيم والصفات الحسية. فالله عنده ليس جسما ولا مادة ولا يخضع للتغير أو النقص، بل هو عقل خالص وكمال مطلق. ومن هنا يظهر تأثره بالفلسفة اليونانية، خاصة التصورات الأفلاطونية المحدثة التي كانت تؤكد فكرة الواحد المتعالي الكامل.

لكن أهمية هذا التصور لا تكمن فقط في تعريف الله، بل في الطريقة التي يفسر بها صدور العالم عن هذا "الأول" فبدل أن يعتمد التفسير الكلامي القائم على الخلق الزمني المباشر، لجأ الفارابي إلى بناء نظرية عقلية معقدة تعرف بنظرية الفيض.

نظرية الفيض وإشكالية خلق العالم:

تعتبر نظرية الفيض من أكثر عناصر فلسفة الفارابي إثارة للجدل، لأنها تمثل النقطة التي ظهر فيها الصدام بوضوح بين الفلسفة واللاهوت. وقد حاول الفارابي من خلال هذه النظرية أن يفسر كيف يمكن للعالم المتعدد والمتغير أن يصدر عن الله الواحد البسيط الكامل.

يقوم هذا التصور على فكرة التدرج الوجودي، حيث يصدر عن " الأول " العقل الأول، ومن العقل الأول تصدر بقية العقول والأفلاك السماوية، إلى أن نصل إلى العقل الفعال الذي يرتبط بالعالم الأرضي والإنسان والمعرفة. وبهذا يصبح الكون كله سلسلة مترابطة من المراتب الوجودية التي تنبع من مصدر واحد هو الله.

لقد أراد الفارابي من خلال هذا التصور أن يحل إشكالا فلسفيا عميقا يتعلق بكيفية صدور الكثرة عن الوحدة، لكنه في الوقت نفسه نقل تفسير العالم من مجال الإرادة الإلهية المباشرة إلى مجال الضرورة العقلية والفيض الوجودي. ومن هنا بدأت الاعتراضات الكلامية على فلسفته، لأن المتكلمين رأوا في نظرية الفيض تهديدا لفكرة الخلق من العدم، وإيحاء بقدم العالم.

غير أن الفارابي لم يكن يقصد مساواة العالم بالله أو جعله مستقلا عنه، بل كان يؤكد أن العالم يظل مفتقرا إلى " الأول " في وجوده بشكل دائم. إلا أن طريقته في تفسير العلاقة بين الله والعالم جعلت الفلسفة تبدو وكأنها تقدم تصورا منافسا للتفسير الديني التقليدي.

لقد كشف هذا الصراع عن اختلاف عميق بين نمطين من التفكير: نمط يقوم على الإيمان والتسليم بالنصوص الدينية، ونمط آخر يقوم على البرهان العقلي والبحث عن التفسير الفلسفي الشامل. ولهذا لم يكن الخلاف حول نظرية الفيض مجرد خلاف حول مسألة جزئية، بل كان تعبيرا عن أزمة أعمق تتعلق بحدود العقل نفسه.

العقل والمعرفة والنبوة:

يحتل العقل مكانة مركزية في فلسفة الفارابي، لأنه يمثل الوسيلة الأساسية التي يستطيع الإنسان من خلالها إدراك الحقيقة وتحقيق الكمال. ولهذا بنى الفارابي تصورا هرميا للمعرفة يجعل الموجودات والعقول متفاوتة في درجات الكمال والإدراك.

ولعل مفهوم " العقل الفعال " من أهم المفاهيم في هذا السياق، لأنه يمثل الحلقة التي تصل العالم العلوي بالعالم الإنساني. فالعقل الفعال هو الذي يمنح الصور والمعقولات للنفس الإنسانية، ويساعدها على الانتقال من المعرفة الحسية الجزئية إلى المعرفة العقلية الكلية.

وقد أدى هذا التصور إلى إعادة تفسير النبوة ضمن إطار عقلي فلسفي. فالنبي عند الفارابي ليس مجرد شخص يتلقى الوحي بطريقة خارقة بالكامل، بل هو إنسان بلغ أعلى درجات الكمال العقلي والروحي، واستطاع أن يتصل بالعقل الفعال بدرجة استثنائية تمكنه من تلقي الحقائق وتحويلها إلى صور ورموز وتشريعات تناسب عامة الناس.

هذا التصور منح النبوة بعدا فلسفيًا جديدا، لكنه في المقابل أثار مخاوف السلطة الدينية، لأن جعل النبوة جزءا من نظام المعرفة العقلية بدا وكأنه تقليص للطابع المعجز والمطلق للوحي. ومن هنا اتهمه الفلاسفة بمحاولة إخضاع الدين للعقل.

غير أن الفارابي لم يكن يسعى إلى إلغاء الدين، بل كان يرى أن الفلسفة والدين يشتركان في الغاية نفسها، وهي الوصول إلى الحقيقة وتحقيق السعادة الإنسانية، مع اختلاف الوسائل والأساليب. فالفلسفة تعتمد البرهان العقلي، بينما يعتمد الدين الرموز والتخييل والخطاب المناسب للجمهور.

ومن هنا يظهر البعد السياسي لفلسفة الفارابي، لأن المعرفة ليست غاية فردية فقط، بل هي أساس تنظيم المجتمع والدولة. ولهذا انتقل الفارابي من الحديث عن العقل والمعرفة إلى الحديث عن السياسة والمدينة الفاضلة باعتبارهما الامتداد العملي للنظام الكوني.

المدينة الفاضلة وإشكالية السياسة عند الفارابي:

لم يكن اهتمام الفارابي بالسياسة منفصلا عن مشروعه الفلسفي العام، بل كانت السياسة تمثل عنده الامتداد العملي للنظام الكوني والعقلي الذي حاول تأسيسه ميتافيزيقيا ومعرفيا. فكما أن الكون يقوم على التدرج والنظام والانسجام، كذلك ينبغي أن يقوم المجتمع الإنساني على نظام عقلي وأخلاقي يحقق التوازن بين الأفراد ويوجههم نحو السعادة والكمال. ومن هنا جاءت فلسفته السياسية بوصفها محاولة لبناء نموذج مثالي للمدينة الإنسانية التي تتوافق فيها المعرفة مع الأخلاق، ويتكامل فيها الدين مع الفلسفة، وتنسجم فيها السلطة السياسية مع النظام العقلي للوجود.

لقد كان الفارابي يدرك أن الإنسان لا يستطيع تحقيق كماله في العزلة، لأن طبيعته الاجتماعية تجعله محتاجا إلى الآخرين من أجل تلبية حاجاته المادية والروحية والعقلية. ولهذا اعتبر أن الاجتماع الإنساني ليس مجرد تجمع عرضي للأفراد، بل هو ضرورة وجودية مرتبطة بطبيعة الإنسان نفسه. غير أن هذا الاجتماع لا يصبح مجتمعا فاضلا إلا إذا تأسس على التعاون من أجل الخير والسعادة، لا على الصراع والمصلحة والهيمنة.

ومن هنا يميز الفارابي بين أنواع متعددة من المدن والاجتماعات الإنسانية، فهناك المدينة الفاضلة التي تقوم على المعرفة والحكمة والفضيلة، وهناك المدن الجاهلة والفاسقة والضالة التي تنحرف عن غاية الكمال بسبب سيطرة الجهل أو الشهوة أو السلطة غير العقلانية. إن هذا التصنيف يكشف عن البعد الأخلاقي العميق لفلسفة الفارابي السياسية، لأن قيمة الدولة لا تقاس عنده بالقوة أو الثروة أو الاتساع، بل بمدى قدرتها على تحقيق السعادة الحقيقية للإنسان.

وتقوم المدينة الفاضلة عند الفارابي على تشبيه عضوي بين المجتمع الإنساني والجسد الحي. فكما أن أعضاء الجسد تتفاوت في وظائفها لكنها تتكامل داخل وحدة واحدة يقودها القلب، كذلك يتكون المجتمع من فئات ومراتب مختلفة تتعاون داخل نظام منسجم يقوده الرئيس الفاضل. ولا يعني هذا التشبيه مجرد التنظيم الإداري للدولة، بل يعكس رؤية فلسفية تعتبر أن النظام السياسي ينبغي أن يكون صورة للنظام الكوني .

الرئيس الفاضل وعلاقة السلطة بالحكمة:

يشكل مفهوم " الرئيس الفاضل'" محور الفلسفة السياسية عند الفارابي، لأنه يمثل الحلقة التي تربط بين العقل والسياسة والدين. فالحاكم في المدينة الفاضلة ليس مجرد قائد عسكري أو مدير إداري، بل هو إنسان بلغ أعلى درجات الكمال العقلي والأخلاقي، وأصبح قادرا على توجيه المجتمع نحو الخير والسعادة.

وقد تأثر الفارابي في هذا التصور بوضوح بجمهورية أفلاطون، خاصة بفكرة: " الفيلسوف الملك”، لكنه أعاد صياغتها داخل السياق الإسلامي. فالرئيس الفاضل عنده يجمع بين الحكمة الفلسفية والقدرة السياسية والفضيلة الأخلاقية، كما يمتلك القدرة على فهم الشرائع وتوجيه الناس وفق مقتضيات العقل والخير العام.

ولذلك وضع الفارابي مجموعة من الشروط الدقيقة التي ينبغي أن تتوفر في الحاكم، من بينها الذكاء وقوة الفهم وحب المعرفة والصدق والشجاعة والقدرة على الإقناع وحسن التدبير. وهذه الشروط تكشف أن السلطة السياسية في فلسفته ليست مجرد امتلاك للقوة، بل هي وظيفة معرفية وأخلاقية قبل كل شيء.

غير أن البعد الأكثر إثارة في هذا التصور يتمثل في العلاقة التي أقامها الفارابي بين الرئيس الفاضل والنبي. فالحاكم الكامل عنده قد يكون فيلسوفا أو نبيا أو يجمع بين الصفتين معًا، لأن الغاية في الحالتين واحدة، وهي قيادة المجتمع نحو الحقيقة والخير. ومن هنا تصبح السياسة امتدادا للحكمة، ويصبح الدين أداة تربوية ورمزية تساعد على تحقيق النظام الأخلاقي داخل المجتمع.

لكن هذا التصور كان يحمل في داخله توترا عميقا، لأنه يجعل الشرعية السياسية قائمة على المعرفة العقلية لا على الوراثة أو الغلبة أو التقليد. ولهذا يمكن القول إن الفارابي كان يحاول تأسيس نموذج جديد للسلطة يقوم على التفوق المعرفي والأخلاقي، وهو ما جعل فلسفته تبدو أحيانا بعيدة عن الواقع السياسي الذي كان قائمًا في عصره.

الفلسفة والسلطة الدينية وإشكالية التأويل:

يكشف مشروع الفارابي الفلسفي عن توتر عميق بين نمطين مختلفين في فهم الحقيقة والسلطة، نمط يقوم على البرهان العقلي والتأويل الفلسفي، ونمط يقوم على التمسك بحرفية النصوص والسلطة الدينية التقليدية. ولم يكن هذا التوتر مجرد خلاف فكري عابر، بل كان تعبيرا عن صراع يتعلق بمن يمتلك حق تفسير الدين والعالم والمجتمع.

لقد حاول الفارابي أن يمنح العقل دورا مركزيا في فهم العقائد والنبوة والسياسة، وهو ما جعل الفلسفة تتحول من مجرد نشاط معرفي إلى مشروع ينافس المؤسسات الدينية في مجال إنتاج الحقيقة. فالفيلسوف لم يعد مجرد ناقل للتراث أو شارح للنصوص، بل أصبح صاحب رؤية شاملة تفسر الكون والإنسان والدولة وفق نسق عقلي متكامل.

ومن هنا ظهرت حساسية السلطة الدينية تجاه الفلسفة، خاصة عندما بدأ الفلاسفة في تأويل النصوص الدينية وربطها بالمفاهيم العقلية والميتافيزيقية. فقد رأت الاتجاهات الكلامية والفقهية أن هذا التأويل يهدد استقرار العقيدة ويضعف سلطة النص، لأن الحقيقة تصبح خاضعة للتفسير العقلي بدل أن تكون معطاة بشكل نهائي ومغلق.

وقد بلغ هذا الصراع ذروته في القضايا المتعلقة بالمعاد والنبوة وطبيعة الوحي. فحين فسّر الفلاسفة السعادة بوصفها حالة عقلية وروحية، وحين أعادوا فهم المعاد ضمن إطار نفسي وعقلي، بدا وكأنهم يقللون من مركزية التصور الحرفي للثواب والعقاب. ولهذا اتّهموا بأنهم يحاولون إخضاع الدين للفلسفة.

لكن أهمية مشروع الفارابي تكمن في أنه كشف عن إمكانية قيام قراءة عقلية للدين دون السقوط بالضرورة في الإلحاد أو إنكار الوحي. لقد كان يؤمن بأن الدين والفلسفة يشتركان في الحقيقة نفسها، لكنهما يختلفان في اللغة والأسلوب وطرق التعبير. فالفلسفة تخاطب النخبة القادرة على البرهان العقلي، بينما يخاطب الدين عامة الناس عبر الرمز والتخييل والتشريع.

ومن هنا فإن الصراع بين الفلسفة والسلطة الدينية لم يكن صراعا بين الإيمان والكفر بقدر ما كان صراعا بين طريقتين في بناء المعرفة وتنظيم المجتمع. ولهذا بقيت الأسئلة التي طرحها الفارابي حاضرة في الفكر الإنساني إلى اليوم: ما حدود العقل في فهم الدين؟ وهل يمكن التوفيق بين البرهان والإيمان؟ ومن يملك سلطة تفسير الحقيقة داخل المجتمع؟

القيمة الفلسفية والحضارية لمشروع الفارابي:

تتجاوز أهمية الفارابي حدود عصره التاريخي، لأنه لم يكن مجرد شارح للفلسفة اليونانية، بل كان مؤسسًا لمشروع فلسفي إسلامي متكامل حاول أن يعيد بناء العلاقة بين الإنسان والعالم والدين والسياسة ضمن رؤية عقلية شاملة. لقد جمع بين الميتافيزيقا والأخلاق والسياسة والمنطق والمعرفة داخل نسق واحد، وهو ما جعل فلسفته تمثل ذروة من ذرى الفكر العقلي في الحضارة الإسلامية.

كما تكمن أهمية مشروعه في كونه حاول أن يؤسس لفكرة عالمية العقل، أي أن الحقيقة لا تنحصر داخل جماعة أو ثقافة معينة، بل يمكن للعقل الإنساني أن يصل إليها عبر البرهان والتأمل. ولهذا أصبحت فلسفته جسرا بين التراث اليوناني والفكر الإسلامي، وأسهمت لاحقا في انتقال الفلسفة إلى أوروبا الوسيطة.

غير أن القيمة الحقيقية لفلسفة الفارابي لا تكمن فقط في بعدها التاريخي، بل في الأسئلة التي ما تزال تثيرها إلى اليوم. فالعلاقة بين الدين والعقل، وبين السلطة والمعرفة، وبين السياسة والأخلاق، ما تزال من أعقد القضايا التي تواجه المجتمعات الحديثة. ولذلك فإن العودة إلى الفارابي ليست مجرد استعادة لماض فكري قديم، بل هي أيضا محاولة لفهم الجذور العميقة لكثير من الإشكالات المعاصرة المتعلقة بالدولة والشرعية والهوية والعقلانية.

ومع ذلك، فإن فلسفة الفارابي ظلت في كثير من جوانبها ذات طابع مثالي، لأنها ركزت على النموذج الكامل للمدينة الفاضلة أكثر مما ركزت على تحليل الواقع التاريخي والاجتماعي كما هو. ومن هنا ستظهر الحاجة لاحقا إلى نمط جديد من التفكير يتجاوز المثال الفلسفي نحو دراسة الواقع الفعلي للعمران والدولة، وهو ما سيجده الفكر الإسلامي بصورة أكثر وضوحا في مشروع ابن خلدون الذي سيحوّل الاهتمام من سؤال " كيف ينبغي أن تكون الدولة؟ " إلى سؤال " كيف تنشأ الدولة فعلا وكيف تسقط؟" .

ابن خلدون وتأسيس علم العمران البشري:

السياق التاريخي والفكري لنشأة الفكر الخلدوني:

ظهر مشروع ابن خلدون في مرحلة تاريخية اتسمت بعمق التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفها العالم الإسلامي في أواخر العصر الوسيط، وهي مرحلة كانت تختلف جذريا عن السياق الذي ظهر فيه مشروع الفارابي. فإذا كان الفارابي قد عاش في زمن ازدهار الحضارة العباسية وقوة الدولة المركزية وحيوية الترجمة والجدل الفلسفي، فإن ابن خلدون عاش في زمن التفكك السياسي والصراعات القبلية والانقسامات السلطوية والانهيارات المتتالية للدول. ولهذا جاء فكره أقل ميلا إلى المثال الفلسفي وأكثر ارتباطا بتحليل الواقع التاريخي والاجتماعي كما يتجلى في التجربة الإنسانية الفعلية.

لقد شهد القرن الثامن الهجري اضطرابات كبرى داخل المجال الإسلامي، خاصة في المغرب والأندلس، حيث تعاقبت الدول بسرعة، وتنازعت القبائل والعصبيات على السلطة، وتعرض العمران للاضطراب والانهيار بسبب الحروب والمجاعات والأوبئة والتحولات الاقتصادية. وقد عاش ابن خلدون هذه التحولات بشكل مباشر، إذ تنقل بين البلاطات السياسية، وشارك في الحياة الدبلوماسية والإدارية، وعاين من الداخل طبيعة الصراع على الحكم وتقلب الولاءات وسقوط الدول. ولهذا لم يكن فكره نتاج تأمل نظري مجرد، بل كان ثمرة تجربة تاريخية وسياسية عميقة.

ومن هنا نفهم لماذا اتجه ابن خلدون إلى البحث عن القوانين التي تتحكم في حركة التاريخ والعمران بدل الاكتفاء بسرد الأحداث. لقد أدرك أن كتابة التاريخ كما كانت سائدة في عصره تعاني من مشكلات منهجية خطيرة، لأنها تعتمد غالبا على النقل غير النقدي للروايات والأخبار دون البحث في أسبابها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ولذلك حاول أن يؤسس منهجا جديدا يقوم على النقد والتحليل وربط الأحداث بالقوانين العامة التي تتحكم في الاجتماع البشري.

لقد كان مشروع ابن خلدون يمثل قطيعة معرفية مع كثير من أشكال التفكير التاريخي التقليدي، لأنه نقل دراسة التاريخ من مجال الحكاية والأخبار إلى مجال التفسير العلمي والاجتماعي. ومن هنا جاءت فكرته الأساسية المتعلقة " بعلم العمران البشري " ، وهو العلم الذي يدرس أحوال الاجتماع الإنساني وقوانين تشكل الدول والمجتمعات والحضارات.

مفهوم العمران وتحول التاريخ إلى علم:

إن مفهوم " العمران " من أهم المفاهيم التي قام عليها الفكر الخلدوني، لأنه يشكل الإطار النظري الذي يفسر من خلاله طبيعة الاجتماع الإنساني وحركة التاريخ والدولة. ولم يكن المقصود بالعمران مجرد البناء المادي أو التحضر العمراني، بل كان مفهوما شاملا يشير إلى كل أشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي التي ينتجها الإنسان داخل المجتمع.

ويرى ابن خلدون أن الإنسان " مدني بالطبع "، أي إنه لا يستطيع العيش منفردا، لأن حاجاته المتعددة تفرض عليه التعاون مع الآخرين. فالإنسان عاجز وحده عن توفير الغذاء والحماية والاستقرار، ولهذا ينشأ الاجتماع البشري بوصفه ضرورة طبيعية. غير أن هذا الاجتماع لا يقوم فقط على التعاون، بل يتضمن أيضا الصراع والتنافس والرغبة في السيطرة والغلبة.

ومن هنا تصبح الدولة ضرورة لتنظيم المجتمع وضبط العلاقات بين أفراده. لكن الدولة عند ابن خلدون لا تفسر انطلاقا من المثال الأخلاقي أو العقد الاجتماعي، بل انطلاقا من القوة الاجتماعية التي تفرض النظام وتحمي الجماعة. ولهذا فإن فهم السياسة لا يتم عنده عبر التأمل الفلسفي المجرد، بل عبر دراسة طبيعة الاجتماع البشري نفسه.

لقد حاول ابن خلدون أن يحول التاريخ إلى علم يقوم على اكتشاف القوانين العامة التي تتحكم في نشوء الدول والحضارات وسقوطها. ولهذا كان يؤكد أن الأخبار التاريخية لا ينبغي قبولها لمجرد ورودها في الروايات، بل يجب عرضها على " طبائع العمران " ، أي على القوانين التي تحكم الواقع الاجتماعي. فإذا كانت الرواية تخالف منطق الاجتماع البشري أو الظروف الاقتصادية والسياسية المعروفة، فإنها تكون موضع شك حتى لو نقلها المؤرخون.

ويكشف هذا المنهج عن نزعة عقلية نقدية عميقة، لأن ابن خلدون لم يعد ينظر إلى التاريخ بوصفه سلسلة من الوقائع المعزولة، بل بوصفه ظاهرة تخضع لقوانين يمكن فهمها وتحليلها. ومن هنا يعد مشروعه بداية لتحول كبير في دراسة التاريخ والاجتماع والسياسة داخل الفكر الإنساني.

العصبية باعتبارها أساس الاجتماع السياسي:

تحتل " العصبية " موقعا مركزيا في فلسفة ابن خلدون الاجتماعية والسياسية، لأنها تمثل القوة الأساسية التي تفسر نشوء الدول واستمرارها وسقوطها. غير أن العصبية عنده لا تعني مجرد التعصب القبلي الضيق، بل تشير إلى رابطة اجتماعية تقوم على التضامن والتماسك والشعور المشترك بالانتماء، وهي رابطة تمنح الجماعة القدرة على الفعل الجماعي والتغلب والسيطرة.

يرى ابن خلدون أن الإنسان بطبيعته محتاج إلى الجماعة، لكن الجماعة لا تستطيع أن تستمر دون قوة توحد أفرادها وتدفعهم إلى التعاون والدفاع المشترك. وهذه القوة هي العصبية، لأنها تجعل الأفراد يتجاوزون مصالحهم الفردية لصالح الجماعة. ولهذا تصبح العصبية أساسا للقوة السياسية والعسكرية والاجتماعية.

وقد لاحظ ابن خلدون أن العصبية تكون أقوى في المجتمعات البدوية مقارنة بالمجتمعات الحضرية، لأن حياة البداوة تقوم على الخشونة والتقشف والمواجهة المستمرة مع الأخطار، وهو ما يولد روح التضامن والشجاعة والاستعداد للتضحية. أما المجتمعات الحضرية، فعلى الرغم من تقدمها العمراني والثقافي، فإنها تميل إلى الترف والاعتماد على الدولة، مما يؤدي تدريجيا إلى ضعف الروابط الجماعية.

ومن هنا ربط ابن خلدون بين العصبية والدولة ربطًا مباشرا. فالدولة لا تنشأ عنده من الاتفاق المجرد أو الإرادة الأخلاقية، بل من قدرة جماعة تمتلك عصبية قوية على فرض الغلبة والسيطرة على غيرها. ولهذا فإن أصل السلطة سياسي واجتماعي قبل أن يكون قانونيًا أو دينيا.

لكن العصبية ليست مجرد مرحلة أولى في تأسيس الدولة، بل هي أيضا العامل الذي يحدد قوتها أو ضعفها. فكلما كانت العصبية قوية ومتماسكة، استطاعت الدولة أن تفرض الاستقرار والتوسع. أما عندما تبدأ العصبية في التفكك نتيجة الترف والانقسام والصراعات الداخلية، فإن الدولة تدخل مرحلة الانحدار.

نشأة الدولة وتحول العصبية إلى سلطة:

يفسر ابن خلدون نشأة الدولة بوصفها انتقالا من التضامن الاجتماعي إلى السيطرة السياسية. فالجماعة التي تمتلك عصبية قوية لا تكتفي بالدفاع عن نفسها، بل تميل بطبيعتها إلى التغلب على الجماعات الأخرى وفرض الهيمنة عليها. ومن هنا ينشأ الملك أو السلطة السياسية.

ففي المرحلة الأولى من نشأة الدولة تكون السلطة مرتبطة مباشرة بالعصبية المؤسسة لها، ويكون الحاكم قريبا من جماعته يعتمد على تماسكها وقوتها. ولهذا تتسم الدولة في بدايتها بالبساطة والقوة والخشونة، لأن قيم البداوة ما تزال حاضرة داخلها.

غير أن الدولة لا تبقى على هذه الحال، لأنها مع الاستقرار والتوسع تبدأ في بناء المؤسسات الإدارية والعسكرية والمالية، كما تتجه نحو الترف والحضارة. وهنا يحدث تحول عميق حيث يبدأ السلطان في الاستقلال عن العصبية التي جاءت به إلى الحكم، ويعمل على احتكار السلطة عبر إنشاء جيش وإدارة موالية له شخصيا بدل الاعتماد على الجماعة الأصلية.

وهذا التحول يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف العصبية نفسها، لأن الدولة التي قامت بها تبدأ في تهميشها لصالح البيروقراطية والترف والاستقرار الحضري. ومن هنا تظهر المفارقة الكبرى في الفكر الخلدوني، فالدولة تحتاج العصبية لكي تنشأ، لكنها تعمل مع مرور الزمن على تدمير الأسس التي قامت عليها.

ويكشف هذا التحليل عن رؤية ديناميكية للتاريخ، لأن الدولة عند ابن خلدون ليست كيانا ثابتا أو أبديا، بل ظاهرة تخضع لقوانين الصعود والانحدار مثل الكائن الحي. ولهذا فإن كل دولة تحمل داخلها منذ البداية بذور ضعفها المستقبلي، لأن الانتقال من القوة والبداوة إلى الحضارة والترف يؤدي حتمًا إلى فقدان روح العصبية والتماسك الجماعي.

الحضارة والترف وبداية الانهيار في فكر ابن خلدون:

لا ينظر ابن خلدون إلى الانتقال من البداوة إلى الحضارة باعتباره انتقالا خطيا بسيطا من النقص إلى الكمال، بل يراه عملية تاريخية مركبة تحمل في داخلها عناصر القوة وعناصر الضعف في آن واحد. فالحضارة تمثل ذروة العمران البشري من حيث الاستقرار والتنظيم وازدهار العلوم والصناعات والفنون، لكنها في الوقت نفسه تنتج الشروط التي تؤدي تدريجيا إلى تفكك الدولة وانهيارها. ومن هنا تظهر إحدى أكثر الأفكار عمقا في الفكر الخلدوني، وهي أن القوة التي تصنع الدولة ليست هي نفسها القوة التي تحافظ عليها في مراحل الحضارة المتقدمة.

يرى ابن خلدون أن الجماعات البدوية تمتلك خصائص تجعلها أكثر قدرة على تأسيس الدول، لأنها تعيش حياة قائمة على التقشف والخشونة والتحمل والتضامن القوي. فالبدوي يعيش في بيئة قاسية تفرض عليه الاعتماد على جماعته، ولذلك تتشكل لديه روح العصبية والشجاعة والاستعداد للتضحية. أما الحضارة، فعلى الرغم مما تحققه من استقرار وازدهار، فإنها تضعف هذه الخصائص تدريجيا، لأن الإنسان الحضري يعتاد الراحة والترف ويصبح أكثر اعتمادا على مؤسسات الدولة بدل اعتماده على الجماعة.

ومن هنا فإن الحضارة عند ابن خلدون ليست مجرد تقدم عمراني أو ثقافي، بل هي أيضا لحظة تحول نفسي واجتماعي عميق. فمع اتساع الدولة وتراكم الثروة، تبدأ القيم التي قامت عليها العصبية في التراجع، ويحل محلها الميل إلى الراحة والمتعة وحب الترف. ومع الزمن تصبح الطبقة الحاكمة أكثر انشغالا بالمظاهر والقصور والامتيازات، وأقل ارتباطا بروح القوة والتضامن التي كانت أساس قيام الدولة.

ولا يقتصر أثر الترف على الجانب الأخلاقي فقط، بل يمتد إلى البنية السياسية والاقتصادية للدولة. فحين تتوسع حاجات السلطة وتزداد نفقاتها، تضطر الدولة إلى فرض ضرائب متزايدة على السكان، مما يؤدي إلى إنهاك الاقتصاد وإضعاف النشاط الإنتاجي. كما يصبح الجيش أقل اعتمادا على العصبية وأكثر اعتمادا على المرتزقة أو الجند المأجورين، وهو ما يؤدي إلى فقدان الرابط المعنوي الذي كان يربط السلطة بالجماعة المؤسسة لها.

وهكذا تتحول الدولة تدريجيا من كيان قائم على القوة الاجتماعية الحية إلى جهاز إداري ضخم يعتمد على القهر والجباية والتنظيم البيروقراطي. وفي هذه المرحلة تبدأ علامات الضعف في الظهور، حتى وإن بدت الدولة في ظاهرها قوية ومستقرة. فالقوة الحقيقية عند ابن خلدون لا تقاس فقط بالثروة أو العمران، بل بمدى استمرار العصبية والقدرة على التضامن والتماسك الجماعي.

إن هذا التحليل يكشف عن رؤية عميقة لطبيعة السلطة والحضارة، لأن ابن خلدون لا يفسر سقوط الدول بعوامل عرضية أو أخطاء فردية فقط، بل يربطه ببنية العمران نفسها. فكل حضارة تحمل داخلها تناقضا أساسيا حيث إنها تحقق الاستقرار والرفاه، لكنها في الوقت نفسه تضعف القيم التي كانت شرطًا لقيامها.

الدورة التاريخية للدولة وقانون التعاقب الحضاري:

يُعد تصور ابن خلدون للدولة بوصفها كائنا تاريخيا يمر بمراحل متعاقبة من أهم إسهاماته الفكرية، لأنه نقل فهم السلطة من التصور الثابت إلى التصور الديناميكي القائم على التحول والتغير. فالدولة عنده لا تبقى في حالة واحدة، بل تمر بدورة تاريخية تبدأ بالقوة والعصبية وتنتهي بالضعف والانهيار.

في المرحلة الأولى تكون الجماعة المؤسسة للدولة قوية العصبية، و متماسكة الإرادة، وقادرة على التغلب وفرض السيطرة. ويكون الحاكم في هذه المرحلة قريبًا من جماعته، وتظل قيم البداوة من شجاعة وتقشف وصلابة حاضرة بقوة داخل الدولة.

ثم تدخل الدولة مرحلة الاستقرار والتنظيم، حيث تبدأ المؤسسات الإدارية والعسكرية والمالية في التشكل، ويتوسع العمران وتزدهر المدن والتجارة والصناعات. وفي هذه المرحلة تبلغ الدولة ذروة قوتها السياسية والحضارية، لكنها في الوقت نفسه تبدأ في الابتعاد عن روحها الأصلية.

ومع مرور الزمن يتحول الاستقرار إلى ترف، ويتحول الترف إلى ضعف. فالأجيال الجديدة التي ولدت داخل الحضارة لم تعد تمتلك خصائص الجيل المؤسس، لأنها لم تعش ظروف الصراع والخشونة التي أنتجت العصبية الأولى. ولهذا تميل إلى الراحة والاستهلاك والتنافس على الامتيازات بدل الدفاع عن الجماعة.

وفي هذه المرحلة تبدأ الدولة في فقدان قدرتها على التجدد، لأن العصبية التي كانت تمنحها القوة أصبحت ضعيفة أو منعدمة. ومن هنا تصبح الدولة عرضة لظهور جماعة جديدة تمتلك عصبية أقوى، فتدخل في صراع معها ينتهي غالبا بسقوطها وقيام دولة جديدة على أنقاضها.

إن هذا التصور يجعل التاريخ عند ابن خلدون حركة دورية تقوم على تعاقب العصبيات والدول، لا على التقدم الخطي المستمر. ولهذا فإن الحضارات لا تسقط فجأة، بل تدخل تدريجيا في مسار من التفكك الداخلي قبل أن تنهار سياسيا. ويكشف هذا التحليل عن فهم عميق للعلاقة بين الاجتماع والسلطة والتاريخ، لأن الدولة ليست عنده مجرد مؤسسة قانونية، بل تعبير عن توازنات اجتماعية ونفسية واقتصادية متغيرة.

الدين والعصبية والشرعية السياسية:

على الرغم من الطابع الاجتماعي الواقعي لفكر ابن خلدون، فإنه لم يفصل الدين عن السياسة أو الاجتماع، بل اعتبر أن الدين يمكن أن يمنح العصبية قوة إضافية ويحولها من رابطة قبلية محدودة إلى مشروع حضاري واسع. فالدعوة الدينية عنده تمتلك قدرة استثنائية على توحيد الجماعات وتجاوز الانقسامات القبلية، لأنها تمنح الأفراد شعورا برسالة مشتركة تتجاوز المصالح الضيقة.

يرى ابن خلدون أن العصبية وحدها قد تكفي لتأسيس الملك، لكنها تبقى محدودة إذا لم تدعمها فكرة دينية أو أخلاقية تمنحها الشرعية والاستمرار. ولهذا كانت الدول التي جمعت بين العصبية والدعوة الدينية أكثر قدرة على التوسع والاستقرار. فالدين لا يلغي العصبية، بل يقويها ويوجهها نحو غاية تتجاوز مجرد التغلب السياسي.

ومن هنا يمكن فهم نجاح التجربة الإسلامية الأولى في نظر ابن خلدون، لأن الإسلام استطاع أن يحول القبائل العربية المتفرقة إلى جماعة موحدة تمتلك عصبية دينية وسياسية قوية. لقد تجاوز الدين حدود القرابة القبلية وخلق رابطة أوسع تقوم على العقيدة والانتماء الحضاري، وهو ما منح الدولة الإسلامية قوة استثنائية في بداياتها.

لكن ابن خلدون، رغم اعترافه بأهمية الدين، لم يجعل الشرعية السياسية قائمة عليه وحده. فالسلطة في النهاية تحتاج إلى قوة اجتماعية تحميها وتفرض النظام. ولهذا فإن الدعوة الدينية نفسها لا تستطيع النجاح دون عصبية تحملها وتدافع عنها. ومن هنا تظهر الطبيعة الواقعية لتحليله السياسي، لأنه يربط دائما بين المثال الديني والقوة الاجتماعية الفعلية.

كما يكشف هذا التصور عن اختلاف عميق بينه وبين الفارابي. فإذا كان الفارابي ينظر إلى السياسة من زاوية الحكمة والعقل والمدينة الفاضلة، فإن ابن خلدون ينظر إليها من زاوية العمران والقوة والعصبية والتاريخ. فالدولة عند الفارابي ينبغي أن تقوم على الفضيلة والمعرفة، بينما تقوم عند ابن خلدون على التماسك الاجتماعي والغلبة والقدرة على فرض السلطة.

ومع ذلك، فإن المفكرين يشتركان في نقطة أساسية، وهي إدراكهما أن السياسة لا تنفصل عن البنية الفكرية والأخلاقية للمجتمع. فالفارابي ربط الدولة بالحكمة والعقل، وابن خلدون ربطها بالعصبية والدين والعمران، لكن كليهما كان يبحث عن الأسس العميقة التي تجعل المجتمع قادرا على الاستمرار والتنظيم وتحقيق الاستقرار التاريخي.

المنهج النقدي عند ابن خلدون وتحويل التاريخ إلى معرفة عقلية:

تكمن أهمية مشروع ابن خلدون الفكرية في كونه لم يكتف بوضع أفكار حول الدولة والعصبية والعمران، بل أسس أيضا منهجا جديدا في النظر إلى التاريخ والمعرفة الاجتماعية. فقد أدرك أن المشكلة الكبرى التي كانت تعاني منها الكتابة التاريخية في عصره لا تتعلق فقط بقلة المعلومات أو ضعف التوثيق، بل بطريقة التفكير نفسها التي كانت تحكم المؤرخين. ولهذا اتجه إلى نقد الأساليب التقليدية في تدوين التاريخ، محاولا بناء رؤية تجعل من التاريخ علما قائما على الفحص العقلي والتحليل الاجتماعي بدل الاكتفاء بنقل الأخبار والروايات.

لقد لاحظ ابن خلدون أن كثيرا من المؤرخين كانوا يقعون في أخطاء جسيمة بسبب اعتمادهم على الرواية المجردة دون تمحيص أو نقد. فالأحداث تنقل أحيانا كما سُمعت، والأرقام تضخم، والوقائع تفسر وفق الأهواء السياسية أو المذهبية، دون النظر في مدى انسجامها مع طبيعة العمران البشري. ومن هنا رأى أن التاريخ لا ينبغي أن يُبنى على الثقة المطلقة بالرواة، بل على إخضاع الأخبار لمنهج نقدي يعتمد العقل والمعرفة بطبائع الاجتماع.

وقد كان هذا التحول بالغ الأهمية، لأنه نقل التاريخ من مجرد حكاية للماضي إلى محاولة لفهم القوانين التي تتحكم في حركة المجتمعات والدول. فالمؤرخ الحقيقي عند ابن خلدون ليس من يجمع الروايات فقط، بل من يستطيع تفسيرها وربطها بالسياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي نشأت فيه. ولهذا أصبحت المعرفة التاريخية عنده مرتبطة بفهم طبيعة الإنسان والعمران، لا بمجرد سرد الوقائع.

ومن أبرز الأمثلة التي يقدمها ابن خلدون على منهجه النقدي تشكيكه في بعض الأرقام الضخمة المتعلقة بأعداد الجيوش أو الثروات أو المدن التي ترد في كتب المؤرخين. فهو يرى أن هذه الأخبار ينبغي عرضها على " " مقياس العمران " ، أي على الإمكانات الواقعية للمجتمع والاقتصاد والتنظيم السياسي في تلك المرحلة التاريخية. فإذا كانت الرواية تتحدث عن أعداد يستحيل على المجتمع إعالتها أو تنظيمها، فإنها تصبح موضع شك مهما كان مصدرها.

إن هذا المنهج يكشف عن وعي علمي متقدم، لأن ابن خلدون لم يعد يعتبر الحقيقة التاريخية شيئا جاهزا ينقل كما هو، بل شيئا يبنى عبر التحليل والنقد والمقارنة. ومن هنا يمكن اعتباره من أوائل المفكرين الذين حاولوا تأسيس علم اجتماعي للتاريخ يقوم على البحث في الأسباب العميقة للأحداث بدل الاكتفاء بوصف مظاهرها الخارجية.

الاقتصاد والعمل والعمران في الفكر الخلدوني:

لم يقتصر تحليل ابن خلدون على السياسة والعصبية، بل امتد إلى دراسة الاقتصاد والعمل والعلاقات الإنتاجية باعتبارها عناصر أساسية في قيام العمران واستمرار الدولة. فقد أدرك أن الثروة لا تنشأ من الفراغ، بل من العمل الإنساني والتنظيم الاجتماعي، وأن ازدهار الدولة مرتبط بازدهار النشاط الاقتصادي والإنتاجي داخل المجتمع.

يرى ابن خلدون أن الإنسان لا يستطيع إنتاج حاجاته منفردا، ولذلك ينشأ التعاون وتقسيم العمل داخل المجتمع. وهذا التقسيم يسمح بزيادة الإنتاج وتحسين مستوى العمران، لأن كل فرد أو جماعة تتخصص في نشاط معين، مما يؤدي إلى تنوع الصناعات والحرف وازدهار التجارة والأسواق.

ومن هنا تصبح المدينة مركزا للنشاط الاقتصادي والحضاري، لأنها تجمع بين السكان والحرف والتبادل التجاري والمؤسسات السياسية. غير أن هذا الازدهار الاقتصادي يظل مرتبطا بطبيعة السلطة السياسية نفسها. فإذا كانت الدولة عادلة معتدلة في الضرائب والجباية، ازدهر الإنتاج وزادت الثروة. أما إذا بالغت السلطة في فرض الضرائب والمصادرات، فإن النشاط الاقتصادي يضعف ويتراجع العمران.

وقد كان ابن خلدون من أوائل المفكرين الذين انتبهوا إلى العلاقة بين الجباية والإنتاج الاقتصادي. فهو يرى أن الدولة حين تفرض ضرائب معتدلة تشجع الناس على العمل والاستثمار، مما يؤدي إلى زيادة الثروة العامة. لكن حين تتوسع السلطة في الجباية بسبب الترف وكثرة النفقات، فإن الناس يفقدون الحافز على الإنتاج، فتضعف التجارة والزراعة والصناعة، ويدخل العمران في حالة من الانكماش.

ويكشف هذا التحليل عن رؤية اقتصادية عميقة، لأن ابن خلدون يربط بين السياسة والاقتصاد والاجتماع ضمن بنية واحدة مترابطة. فالدولة ليست مجرد سلطة قانونية، بل فاعل اقتصادي يؤثر مباشرة في حركة العمران. ولهذا فإن فساد السلطة أو إسرافها لا يؤدي فقط إلى أزمة سياسية، بل ينعكس أيضا على البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع كله.

كما أدرك ابن خلدون أن الحضارة تؤدي إلى تنوع الحاجات الإنسانية وتطور الصناعات والفنون، لكنه لاحظ في الوقت نفسه أن الإفراط في الترف والاستهلاك يمكن أن يتحول إلى عامل ضعف وانهيار. ومن هنا ظل تحليله قائمًا على فكرة التوازن بين القوة الاقتصادية والأخلاق الاجتماعية والعصبية السياسية.

الإنسان والتاريخ بين الحتمية والإرادة:

يثير الفكر الخلدوني سؤالا فلسفيا عميقا يتعلق بطبيعة العلاقة بين القوانين التاريخية وإرادة الإنسان. فإذا كانت الدول تخضع لدورات منتظمة من الصعود والانهيار، وإذا كانت العصبية تتحكم في نشوء السلطة وسقوطها، فهل يعني ذلك أن التاريخ يسير وفق حتمية صارمة لا مكان فيها لحرية الإنسان؟

إن قراءة فكر ابن خلدون تكشف أنه لم يكن يؤمن بحتمية ميكانيكية مغلقة، بل كان يرى أن التاريخ تحكمه " طبائع " وقوانين عامة، لكنها لا تلغي دور الفعل الإنساني. فالعمران عنده ليس قدرا ثابتا، بل مجالا للتفاعل بين العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنفسية والدينية. ولهذا فإن الإنسان يظل فاعلا داخل التاريخ، لكنه يتحرك ضمن شروط وحدود يفرضها الواقع الاجتماعي.

ومن هنا جاءت أهمية مفهوم " طبائع العمران " ، لأن هذه الطبائع لا تعمل بوصفها قوانين جامدة، بل باعتبارها اتجاهات عامة يمكن أن تتغير أو تتعقد بحسب الظروف. فالدولة قد تطيل عمرها إذا أحسنت التدبير، وقد تسرّع انهيارها إذا غرقت في الظلم والترف والانقسام. كما أن الدين أو الإصلاح أو القيادة القوية قد يمنح العصبية قدرة جديدة على الاستمرار.

ولهذا فإن الفكر الخلدوني يجمع بين الواقعية التاريخية والإدراك العميق لتعقيد الظواهر الاجتماعية. فهو لا يختزل التاريخ في إرادة الأفراد وحدهم، ولا يرده إلى قوانين مادية صارمة، بل يحاول فهم التفاعل بين البنية الاجتماعية والفعل الإنساني.

ويكشف هذا التوازن عن نضج فلسفي كبير، لأن ابن خلدون لم يكن مجرد مؤرخ أو عالم اجتماع بالمعنى الضيق، بل كان مفكرا يحاول فهم طبيعة الإنسان داخل حركة التاريخ. ولهذا فإن مشروعه تجاوز حدود عصره وأصبح واحدًا من أهم المشاريع الفكرية التي مهدت لظهور التفكير الاجتماعي الحديث.

القيمة الحضارية والفكرية لمشروع ابن خلدون:

تكمن عظمة مشروع ابن خلدون في أنه استطاع أن يحول التجربة التاريخية الإسلامية إلى موضوع للتحليل العقلي والاجتماعي، وأن ينتقل من تفسير الأحداث الجزئية إلى البحث عن القوانين العامة التي تتحكم في العمران البشري. لقد كان أول من أدرك أن الدولة والمجتمع والاقتصاد والتاريخ ليست ظواهر منفصلة، بل عناصر مترابطة داخل بنية واحدة تتحكم فيها علاقات القوة والعصبية والعمل والعمران.

كما تكمن أهمية مشروعه في أنه تجاوز الطابع المعياري للفلسفة السياسية القديمة، فلم يسأل فقط كيف ينبغي أن تكون الدولة، بل سأل كيف تنشأ الدولة فعلا، وكيف تعمل، ولماذا تسقط. ومن هنا كانت رؤيته أكثر التصاقا بالواقع التاريخي والاجتماعي.

وقد أثّر الفكر الخلدوني لاحقًا في عدد كبير من الدراسات الحديثة المتعلقة بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي وفلسفة الحضارة، لأن كثيرًا من أفكاره حول الدولة والعصبية والدورة الحضارية تشبه ما ستصل إليه العلوم الاجتماعية الحديثة بعد قرون طويلة.

غير أن القيمة الحقيقية لفكره لا تكمن فقط في سبقه التاريخي، بل في قدرته المستمرة على تفسير كثير من الظواهر السياسية والاجتماعية المعاصرة. فأسئلة السلطة والشرعية والانهيار الحضاري والعلاقة بين الدولة والمجتمع ما تزال حاضرة بقوة في عالم اليوم، وهو ما يجعل العودة إلى ابن خلدون ليست مجرد اهتمام بالماضي، بل محاولة لفهم الحاضر نفسه.

ومع ذلك، فإن الفكر الخلدوني ظل بدوره مرتبطا بسياقه التاريخي، لأنه ركز أساسا على المجتمعات القبلية والدول التقليدية. ولهذا ستظل الحاجة قائمة إلى مقارنة مشروعه بمشاريع فلسفية أخرى، وفي مقدمتها مشروع الفارابي، لفهم الفرق بين الرؤية الميتافيزيقية المثالية للدولة والرؤية الاجتماعية التاريخية الواقعية للعمران والسياسة.

على سبيل الختام:

تكشف هذه الدراسة، من خلال تحليل مشروعَي الفارابي وابن خلدون، عن العمق الفلسفي والحضاري الذي بلغه الفكر الإسلامي في معالجته لقضايا العقل والدين والدولة والعمران البشري. فهذه القضايا لم تكن بالنسبة إلى المفكرين المسلمين مجرد موضوعات نظرية معزولة، بل كانت مرتبطة مباشرة بالسؤال عن طبيعة الإنسان، وأسس الاجتماع، ومصدر السلطة، وحدود المعرفة، وإمكان بناء مجتمع يحقق التوازن بين القيم الروحية والتنظيم السياسي والاستقرار الحضاري.

لقد مثّل مشروع الفارابي لحظة تأسيسية في تاريخ الفلسفة الإسلامية، لأنه حاول بناء نسق عقلي شامل يفسر الوجود والمعرفة والسياسة ضمن رؤية مترابطة تجعل من العقل أداة لفهم العالم والإنسان والدين. ولم يكن الفارابي مجرد ناقل للفلسفة اليونانية أو شارح لها، بل كان مفكرا يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين الفلسفة والوحي داخل أفق حضاري إسلامي جديد. ومن هنا جاءت فلسفته بوصفها مشروعا لإقامة مصالحة بين الحكمة والشريعة، وبين البرهان العقلي والحقيقة الدينية.

وقد بينت الدراسة أن الفارابي نظر إلى العالم باعتباره نظاما عقليا متدرجا يبدأ من " الأول " أو واجب الوجود، ويمر عبر العقول والمراتب الكونية، وصولا إلى الإنسان والمجتمع. ومن خلال هذا التصور حاول أن يجعل السياسة امتدادا للنظام العقلي الكوني، فتصبح المدينة الفاضلة صورة أرضية للانسجام الكوني، ويصبح الحاكم الفاضل تجسيدا للحكمة والمعرفة والفضيلة.

غير أن هذا المشروع، رغم عمقه الفلسفي، كان يحمل في داخله توترا واضحا مع السلطة الدينية التقليدية، لأن الفارابي أعاد تفسير النبوة والوحي والمعرفة ضمن إطار عقلي فلسفي، وهو ما جعل الفلسفة تبدو وكأنها تنافس اللاهوت في مجال تفسير الحقيقة. ولهذا أصبح الصراع بين الفلسفة والفقه والكلام تعبيرا عن صراع أعمق يتعلق بسلطة العقل وحدود التأويل ومصدر الشرعية المعرفية داخل المجتمع الإسلامي.

وفي المقابل، مثّل مشروع ابن خلدون انتقالا نوعيًا من التفكير الميتافيزيقي إلى التفكير الاجتماعي التاريخي. فإذا كان الفارابي قد بحث في كيفية بناء المدينة المثالية، فإن ابن خلدون انشغل بتحليل الدولة الواقعية كما تتجلى في حركة التاريخ والعمران البشري. لقد حاول أن يكتشف القوانين التي تتحكم في نشوء الدول وازدهارها وسقوطها، وأن يفسر السلطة انطلاقا من العصبية والقوة والتماسك الاجتماعي بدل الاكتفاء بالمثال الأخلاقي أو الشرعية النظرية.

وقد أبرزت الدراسة أن ابن خلدون أسس رؤية جديدة للتاريخ تقوم على النقد والتحليل وربط الأحداث بطبائع العمران، وهو ما جعله يتجاوز الأسلوب التقليدي القائم على جمع الروايات والأخبار. كما كشفت أن مفهوم العصبية يشكل المحور المركزي لفلسفته السياسية والاجتماعية، لأن الدولة لا تقوم عنده على المبادئ المجردة وحدها، بل على قوة اجتماعية تمتلك القدرة على التغلب وفرض النظام.

كما أوضحت الدراسة أن ابن خلدون لم ينظر إلى الحضارة بوصفها تقدما مطلقا، بل باعتبارها مرحلة تحمل في داخلها أسباب ضعفها. فالدولة التي تنشأ بقوة العصبية والبداوة تتحول مع الزمن إلى دولة حضرية يغلب عليها الترف والاستقرار، مما يؤدي تدريجيا إلى تآكل روح التضامن والقوة التي كانت أساس قيامها. ومن هنا جاءت فكرته الشهيرة حول الدورة التاريخية للدول والحضارات.

ومن خلال المقارنة بين الفارابي وابن خلدون، يتبين أن الفكر الإسلامي لم يكن اتجاها واحدا أو رؤية موحدة، بل كان مجالا غنيا بتعدد المناهج والتصورات. فالفارابي يمثل الاتجاه الفلسفي الميتافيزيقي الذي يبحث عن الحقيقة الكلية والنظام المثالي، بينما يمثل ابن خلدون الاتجاه الواقعي الاجتماعي الذي يدرس العمران والتاريخ كما يتحققان في الواقع. وإذا كان الأول قد انطلق من سؤال: " كيف ينبغي أن تكون الدولة؟ " ، فإن الثاني انطلق من سؤال: " كيف تنشأ الدولة فعلا وكيف تسقط.؟ " .

غير أن هذا الاختلاف لا يلغي وجود تقاطع عميق بين المشروعين، فكلاهما كان يسعى إلى فهم الأسس التي تجعل الاجتماع الإنساني ممكنا، وكلاهما ربط السياسة بالبنية الفكرية والأخلاقية للمجتمع. فالفارابي ربطها بالحكمة والعقل والفضيلة، وابن خلدون ربطها بالعصبية والعمران والقوة الاجتماعية، لكنهما التقيا في إدراك أن الدولة ليست مجرد جهاز إداري أو سلطة قهرية، بل تعبير عن رؤية الإنسان للعالم ولنفسه ولموقعه داخل التاريخ.

كما تؤكد هذه الدراسة أن القيمة الحقيقية للفكر الإسلامي الكلاسيكي لا تكمن فقط في بعده التراثي أو التاريخي، بل في قدرته المستمرة على إثارة الأسئلة الكبرى التي ما تزال تشغل الفكر الإنساني المعاصر. فقضايا العقل والدين، والسلطة والمعرفة، والدولة والمجتمع، والانهيار الحضاري، ما تزال من أكثر القضايا حضورا في النقاشات الفكرية والسياسية الحديثة. ولهذا فإن العودة إلى الفارابي وابن خلدون ليست مجرد استعادة للماضي، بل هي أيضا محاولة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.

إن الفكر الفلسفي والاجتماعي الإسلامي، كما يتجلى في هذين المشروعين، يكشف عن قدرة الحضارة الإسلامية على إنتاج نماذج فكرية عميقة ومركبة، قادرة على الجمع بين التأمل العقلي والتحليل الواقعي، وبين البحث في القيم والبحث في القوانين الاجتماعية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة هذا التراث قراءة نقدية حديثة، لا بوصفه ماضيا مغلقا، بل بوصفه مجالا حيًا للحوار الفكري والمعرفي.

نتائج الدراسة:

أظهرت الدراسة أن مشروع الفارابي يمثل محاولة فلسفية شاملة لإعادة بناء العلاقة بين العقل والدين والسياسة ضمن نسق ميتافيزيقي مترابط يقوم على مركزية العقل والبحث عن الكمال الإنساني. كما بينت أن الفارابي لم يكن مجرد ناقل للفلسفة اليونانية، بل كان مفكرا سعى إلى تأسيس فلسفة إسلامية عقلية تجمع بين الحكمة والشريعة.

وكشفت الدراسة أن نظرية الفيض شكلت الأساس الميتافيزيقي لفلسفة الفارابي، إذ حاول من خلالها تفسير العلاقة بين الله والعالم وفق تصور عقلي متدرج، غير أن هذا التصور أدى إلى توتر واضح مع الاتجاهات الكلامية والفقهية بسبب اختلاف فهمها لطبيعة الخلق والوحي والمعرفة.

كما أوضحت الدراسة أن المدينة الفاضلة عند الفارابي ليست مجرد تصور سياسي، بل هي امتداد للنظام العقلي الكوني، حيث تصبح السياسة أداة لتحقيق السعادة والكمال الإنساني. وقد بينت الدراسة أيضا أن مفهوم الرئيس الفاضل يكشف عن تصور يجعل الشرعية السياسية قائمة على الحكمة والمعرفة والفضيلة، لا على القوة أو الوراثة وحدهما.

وفيما يتعلق بمشروع ابن خلدون، أكدت الدراسة أنه أسس تحولا نوعيا في دراسة التاريخ والاجتماع، لأنه انتقل من جمع الأخبار والروايات إلى البحث في القوانين التي تتحكم في العمران البشري ونشوء الدول والحضارات. كما كشفت أن مفهوم العصبية يمثل المحور الأساسي لفهم السلطة والدولة في الفكر الخلدوني، لأن الدولة لا تقوم إلا بوجود قوة اجتماعية متماسكة قادرة على فرض الغلبة والسيطرة.

وأظهرت الدراسة أن ابن خلدون قدم تفسيرا ديناميكيا للتاريخ يقوم على فكرة الدورة الحضارية، حيث تمر الدول بمراحل النشأة والقوة ثم الترف والضعف والانهيار. كما بينت أن الترف والفساد الاقتصادي والسياسي يؤديان تدريجيا إلى تفكك العصبية وانهيار العمران.

وقد توصلت الدراسة إلى أن الفرق الجوهري بين الفارابي وابن خلدون يتمثل في اختلاف المنهج، فالفارابي اعتمد المنهج الفلسفي الميتافيزيقي القائم على المثال العقلي، بينما اعتمد ابن خلدون المنهج الاجتماعي التاريخي القائم على تحليل الواقع والعمران. ومع ذلك، فقد التقيا في محاولة فهم الأسس العميقة التي يقوم عليها الاجتماع الإنساني والدولة.

توصيات الدراسة:

توصي هذه الدراسة بضرورة إعادة قراءة التراث الفلسفي والاجتماعي الإسلامي قراءة نقدية حديثة تتجاوز الأحكام التبسيطية أو القراءات الأيديولوجية المغلقة، وذلك من أجل الكشف عن القيمة المعرفية العميقة التي يحملها هذا التراث في معالجة قضايا العقل والدين والدولة والمجتمع.

كما توصي الدراسة بتشجيع البحوث المقارنة بين الفكر الإسلامي والفكر الفلسفي والاجتماعي الحديث، خاصة في ما يتعلق بقضايا السلطة والشرعية والعمران والتحولات الحضارية، لأن كثيرا من الأسئلة التي طرحها الفارابي وابن خلدون ما تزال حاضرة بقوة في النقاشات المعاصرة.

وتؤكد الدراسة أهمية إدماج الفكر الخلدوني في الدراسات الحديثة المتعلقة بعلم الاجتماع السياسي وفلسفة التاريخ والدراسات الحضارية، لما يتضمنه من رؤى عميقة حول الدولة والعصبية والتحولات الاجتماعية.

كما توصي بالاهتمام بالفلسفة السياسية عند الفارابي بوصفها محاولة مبكرة لبناء تصور عقلاني للدولة يقوم على العلاقة بين المعرفة والأخلاق والسياسة، وهو ما يمكن أن يثري النقاشات الحديثة حول الدولة المدنية والشرعية الفكرية والأخلاقية للسلطة.

وتدعو الدراسة كذلك إلى تحقيق المخطوطات الفلسفية والاجتماعية الإسلامية ونشرها، وتشجيع الدراسات الأكاديمية التي تعيد قراءة التراث الإسلامي في ضوء المناهج الحديثة.

وأخيرا، تؤكد الدراسة أن فهم قضايا الحاضر المتعلقة بالدولة والهوية والدين والسلطة يتطلب حوارا عميقا مع التراث الفكري الإسلامي، لأن هذا التراث لا يمثل مجرد ماضٍ تاريخي، بل يشكل جزءا أساسيا من البنية الثقافية والمعرفية للعالم العربي والإسلامي المعاصر.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ السياسي والحضاري

 

أصبح استعمال مصطلح الإسلام السياسي شائعاً في كل مجالات الحوار والثقافة والفكر والسياسة، وأصبح من المصطلحات العامة والمتداولة بكثرة عند كل الناس وفي مختلف أنحاء العالم. ومن المعلوم أنّ مصطلح الإسلام السياسي يخص الدين الإسلامي والمجتمع الإسلامي حصراً. وغالباً ما يستعمل للإشارة إلى الجماعات الإسلامية أو الأصولية المتشددة والمتطرفة أو المسلحة. ويستعمل الغربيون هذا المصطلح لإظهار عنف وهمجية الجماعات الإسلامية المتشددة أو السلفية وبالتالي الإيحاء بإن الدين الإسلامي دين إرهابي.

تساؤلات عن مصداقية مصطلح الإسلام السياسي

وتبرز هنا تساؤلات عن أصل وصحة هذا المصطلح، وما إذا كان فعلاً يجسّد صفة من صفات الإسلام والمسلمين أم هو مصطلح كاذب، افتراه الغربيون وصدقّه العرب واستعملوه بصدق وقناعة؟ ويثار أيضاً تسائلاً آخر هو: لماذا وصف الإسلام تحديداً بالإسلام السياسي ولم توصف المسيحية (بالمسيحية السياسية)، وكذلك لم توصف الديانة اليهودية (باليهودية السياسية)؟؟

من المعلوم أن الكنيسة (وبالتالي الديانة المسيحية) كانت هي السلطة السياسية العليا في أوروبا في القرون الوسطى واستمرت لقرون عديدة، ثم ازيحت السلطة السياسية عن الكنيسة بعد الثورة الفرنسية واقتصرت صلاحياتها على الصلاحيات الدينية فقط، وهذا يوضح بل ويؤكد أن الكنيسة تعتمد الفكر الاصولي المتشّدد، وتعتمد منهج الدين والسياسة في إدارة شؤونها. وفي التاريخ المعاصر، وقد اعتقَدَ عدد من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية أمثال رونالد ريغان وجورج بوش الابن وحالياً دونالد ترامب، بأنهم قد أرسلوا من قبل الرب لتخليص العالم من شرور الأشرار، ناهيك عن اعتقاد معظم الأمريكيون بأن عودة السيد المسيح (ع) لا تتم إلاّ بإقامة دولة إسرائيل في فلسطين. ولم يشار إلى الحرب الدينية الصربية ضد مسلمي البوسنة والهرسك بأنها "حرب مسيحية سياسية" على الرغم من كمية الكره والتطهير العرقي الذي مارسه الصرب الأرثوذكس ضد المسلمين. وهناك الأحزاب الديمقراطية المسيحية خصوصاً في المانيا وإيطاليا. وحالياً، يَحكم المانيا الحزب الديمقراطي المسيحي، وعلى الرغم من أنه يسمى بالحزب المسيحي إلا أنه لا يعتبر حزباً دينياً بل يعتبر حزباً سياسياً، كما هي الحال عندنا حيث نصف احزابنا بصبغة دينية وليست سياسية على الرغم من أن أهدافها هي بحتة سياسية وليست دينية.

أفلا يكون كل ذلك مسوّغاً كافياً لوصف الديانة المسيحية (بالمسيحية السياسية).

وعلى غرار ذلك، عمل اليهود الإسرائيليون على إنشاء دولتهم الدينية بتكوين فرق الهاغانا الإرهابية لترويع الفلسطينيين (سكان البلد الأصليين)، وتفجيرهم الإرهابي لفندق الملك داوود الشهير، وقيامهم بحروبهم الدينية العنصرية، وجرائهم ضد الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليون. وخير مثال على ذلك، ما يقترفونه الآن من جرائم تدنى لها الجبين، والتطهير العرقي الذي تمارسه قيادتهم السياسية الحالية المتطرفة دينياً والمتعصبة عنصرياً ضد العرب والمسلمين من اجل إقامة دولتهم اليهودية، ويناصرهم في ذلك الأوروبيون والأمريكان. ومع كل ما تقدم ذكره، لا ولم يَذكر الأوروبيون والغرب مصطلح (اليهودية السياسية) ولا الأصولية اليهودية لوصف تشددهم وتطرفهم وجرائمهم، واستخدامهم السياسة لأغراض دينية.

فلماذا إذن اقترن مصطلح (الإسلام السياسي) بالإسلام فقط دون غيره من باقي الأديان؟ ولماذا يتجنب المفكرين والسياسيين الغربيين أن يصفوا دينهم بالسياسي، مثلما يصف العرب دينهم بالسياسي، على الرغم من وضوح الصلة القوية بين الدين والسياسة في التاريخ الغربي القديم والمعاصر؟ وهو تساؤل مشروع يتطلب البحث عن جواب مقنع.

تفسير أحداث الماضي بعقلية الحاضر

قبل الخوض في التفاصيل، يجب توضيح نقطة مهمة وهي: الملاحظ إنّ المفكرين والباحثين المعاصرين يفسرون أحداث الماضي القديم بعقلية القرن الحالي، دون النظر إلى ما كان متوفراً من أعراف وتقاليد وعلوم يتبعها الناس في تلك العصور، والتي تختلف كلياً عما لدينا من علوم ومعرفة وقوانين وحقوق، وما شابه ذلك مما كان غير معروفاً تماماً في المجتمعات القديمة. وبالتالي فإننا نفسر أحداث الماضي بعقول وأفكار الزمن الحاضر، وهذا يبرز أخطاء واضحة في الاستنتاجات والتحليلات. فعلى سبيل المثال، في كتابه (محمد في مكة) يتحدث المستشرق البريطاني مونتغمري وات، عن ذهاب النبي محمد (ص) إلى غار حراء فيقول "إن زيارة محمد لحراء، وهو جبل قريب من مكة، مع عائلته أو بدونها، ليست مستحيلة، ويمكن أن يكون ذلك للفرار من اتون المدينة (كلمة اتون لغوياً تعني الفرن) خلال فصل الصيف للذين لا يستطيعون التوجه إلى الطائف"!!. وأتساءل هنا؛ كيف قبل مونتغمري أن يسَوّل له عقله أن يفسّر هذه الزيارات التعبدية بمبدأ السياحة والاصطياف، علماً أن المجتمع المكي في ذلك الزمان (القرن السابع الميلادي) هو مجتمع قبلي بدائي، يعيش حياة بسيطة ومتواضعة جداً مقارنة بالمقياس الحضاري والعقلي لمجتمع القرن العشرين، وإن الناس في ذلك الزمان لم تكن عندهم الرفاهية والتحضّر ليتعرفوا على، ويمارسوا، فكرة السياحة والاصطياف. وعلى ذلك فإن هذا التبرير لزيارة غار حراء هو استنتاج خاطئ مبني على ملاحظات غير واقعية ولا صحيحة، ومبنية على قناعته كمسيحي (كما هو حال كل المسيحيين) لا يؤمن بإن محمد (ص) هو نبي، وإن محمد (ص) هو الذي كتب القرآن، وليس هناك وحي يوحى إليه، وبالتالي فهو لم يكن ليتعبد في غار حراء.

ولذلك يتوجب على كل من يحاول أن يفسر أو يحلل أحداث التاريخ القديمة أن يراعي الظروف والأعراف والعقائد السائدة في ذلك الزمن وليس بما يؤمن به أو ما يعرفه من أعراف وعقليات وأفكار الزمن الحاضر.

كيف ظهر مصطلح الإسلام السياسي

إن مصطلح (الإسلام السياسي) في الأصل ليس عربياً بل هو غريب ودخيل على الفكر العربي والإسلامي. وهو مصطلح حديث ظهر في التاريخ المعاصر، حيث ظهر وانشر بصورة واسعة في النصف الثاني من القرن العشرين. لذلك فهو ليس قديم النشأة كما يعتقد البعض. ويعود أصل المصطلح إلى عهد الاستشراق الغربي عندما اتجه العلماء والباحثون الغربيون إلى دراسة التاريخ والتراث الإسلامي فاستعملوا مصطلح (Political Islam) والذي نقل إلى اللغة العربية وترّجم على الشكل المعروف، وهو بذلك تكون له جذور سياسية بالدرجة الأولى وليست تاريخية أو دينية.

وقد ظهر مصطلح الإسلام السياسي في المجتمعات الغربية أولاً، حيث تداوله المفكرون والسياسيون الغربيون عندما كانوا يبحثون الحركات الإسلامية، ويدرسون افكارها وأهدافها ويصفون توجهاتها بالتوجهات السياسية. وتزامن ظهور المصطلح مع بروز الحركات الإسلامية الأصولية المتشددة، واستخدم لوصف الحركات والتيارات الدينية المتطرفة وتحديداً الإسلامية منها. ولم يطلق السياسيون أو المفكرون الغربيون هذا المصطلح على أي من الأديان الأخرى سوى الإسلام.

عندما نقل المصطلح (بصيغته العربية) إلى الفكر والثقافة العربية استُعمل لوصف الحركات الدينية الإسلامية المتطرفة والمتشددة، أو ما تسمى بالأصولية، والتي تهدف إلى التخلص من الاستعمار (الاخوان المسلمين) أو لمحاربة الكفار (طلبان والقاعدة) أو لاستلام الحكم لتحقيق أهدافها بقيام حكم الشريعة الإسلامية (حزب الدعوة).

ويعتبر المستشرق البريطاني برنارد لويس (اليهودي الأصل توفي سنة 2018) من أبرز من روّجوا لهذا المصطلح. وبرنارد لويس معروف بعداءه الشديد للعرب والإسلام. وفي كتابه المعنون (لغة السياسة في الإسلام) يحاول المؤلف أن يبين التأثير الأوروبي على اللغة العربية من خلال ربط الكلمات العربية في التاريخ الإسلامي بالمفهوم السياسي الحديث، وأخذ منحاً غريباً في التفسيرات. فمثلاً يقول في كتابه المذكور "توصف مكة بأنها أم القرى وهي ترجمة حرفية للمصطلح اليوناني Metropolis، والصراط المستقيم الذي أُوصِيَ المسلمون بسلوكه هو الطريق الروماني المستقيم، فالصراط ليس إلا ال Strata اليونانية، والتي قمنا نحن في الإنكليزية باشتقاق كلمة Street منها". ولم يذكر برنارد لويس مصدر هذه المعلومة، ويبدو أنه استنتجها وابتدعها بنفسه. والغريب أن بعض الكتّاب والمفكرين العرب صدّقها وروّج لها في كتاباتهم بدون أي تمحيص أو تدقيق وكأنها معلومة صحيحة. وللعلم فإن كلمة الصراط عربية الأصل، ذكرت في لسان العرب بمعنى الطريق، وذكرت أيضاً في ابيات شعر قديمة مما يؤكد اصالتها ونفي علاقتها باللغة اليونانية أو الإنكليزية. أما ترجمة كلمة أم القرى من كلمة Metropolis فلا أجد لها تفسيراً مقنعاً أو مقبولاً سوى أن المؤلف يبتدع الأفكار جزافاً.

نبذة تاريخية مختصرة

إذا ما نظرنا إلى طبيعة الحكم الإسلامي (الخلافة) منذ فترة الخلفاء الراشدين مروراً بالدولة الأموية والعباسية إلى نهاية الدولة العثمانية، لتبين لنا أن طبيعة الحكم فيها ديني إسلامي سياسي يتماشى مع مفهوم الإسلام السياسي الذي نعرفه اليوم، ومع ذلك لم يستعمل مصطلح الإسلام السياسي في تراث الحضارة الإسلامية منذ بدايتها وحتى اليوم. ومعروف أن مفهوم كلمة السياسة في الزمن الحديث والمعاصر تعني إدارة شؤن الدولة من قبل السلطة الحاكمة. لكن، لم يكن لهذا المفهوم السياسي الحديث وجود في فكر الحضارة الإسلامية منذ تكوينها وإلى اليوم. فكلمة السياسة في ذلك الزمن (زمن الحضارة الإسلامية) مأخوذة من سايس الخيل، أي القائم على إدارة الخيل ولم تستعمل بالمفهوم السياسي المعاصر. فكيف دخل هذا المصطلح في ثقافتنا؟

بويع الخلفاء الراشدون على أساس أنهم أكثر المسلمين فهماً وعلماُ بالدين، وقد عملوا على المحافظة على تطبيق الشريعة الإسلامية الصحيحة وبناء المجتمع الإسلامي السليم، ويمكن اعتبار ذلك حكماً دينياً. لكن الفتوحات الإسلامية بدأت أيضاً في تلك الفترة، ففتحت بلاد فارس والعراق، وسقطت الإمبراطورية الفارسية العظيمة. وفتحت بلاد الشام ومصر وخسرت الإمبراطورية البيزنطية العظيمة. وتتماشى هذه الفتوحات الإسلامية مع مفهوم كلمة السياسة في الفكر الحديث والمعاصر، لكنها على الرغم من ذلك لم توصف بالسياسية وإنما وصفت بأنها فتوحات إسلامية أو دينية. ونفس الشيء يقال عن فتوحات الدولة الأموية التي امتدت إلى شمال افريقية والأندلس، والدولة العثمانية واحتلالها للبلدان العربية والبلقان. فلماذا لم يستعمل المؤرخون أو المفكرون، سواء العرب أو الغربيون، مصطلح الإسلام السياسي لوصف نهج هذه الدول الإسلامية في التاريخ والتراث الاسلامي؟ ولماذا اقتصر استعمال الإسلام السياسي على الحركات الإسلامية المتشددة أو الأصولية السلفية التي ظهرت في التاريخ المعاصر فقط؟

وإذا كان البعض من المفكرين يحاول أن يحصر استعمال هذا المصطلح على الحركات الإسلامية المتشّددة التي ظهرت في التاريخ المعاصر فقط فما بالك بحركة الخوارج. ألم تكن حركة دينية سياسية. ألم تضع صفات خاصة للحكام المسلمين تتطابق مع مبدأ الحاكمية، الذي يتخذ اليوم كذريعة لمحاربة الفكر الإسلامي المتشدد، وقد كَفّر الخوارج الحكام الذين لا يتماشون مع معتقداتهم وحاربوهم. لذلك، أليست هي حركة إسلامية متشددة ينطبق عليها مفهوم الإسلام السياسي. وماذا عن القرامطة وحركة الحسن الصباح (المسماة خطأ بالحشاشين) الذين جندوا الانتحاريين لقتل رجال الدولة العباسية. ألم يكفّروا المسلمين وقتلوهم وأحدثوا فوضى عارمة.

نستنتج من كل ذلك، أن الحركات التي ظهرت في القرن العشرين قد تم وصفها بأنها حركات اسلامية سياسية أصولية متشددة، بينما لم ينطبق هذا الوصف على الحركات الإسلامية في الزمن القديم على الرغم من وجود عنصر التشابه بينهم، أليس هذا كيل بمكيالين؟

متى ولماذا ظهرت الحركات الإسلامية السياسية

قبل النصف الثاني من القرن العشرين، لم تظهر حركات أصولية إسلامية متشددة، حسب المفهوم السياسي الحديث للمصطلح. ويمكن اعتبار بداية ظهور هذه الحركات في ثمانينيات القرن الماضي تحديداً عندما غزى الإتحاد السوفياتي أفغانستان عام 1979 واستمر لعشر سنوات. لم تفلح أمريكا في إيقاف الهجوم الروسي لمنع المد الشيوعي، فعمدت إلى استغلال فكرة تقول "بما أن الشيوعيون كفار ملحدون لذلك يمكن استغلال المسلمين الجهاديين المتشددين، الذين يؤمنون بفريضة قتل الكفار، لأداء مهمة محاربة المقاتلين الروس الشيوعيين". وفعلاً تم التنسيق مع أجهزة المخابرات في الباكستان والمملكة السعودية، وقام الثلاثي بدعوة الجهاديين للالتحاق بجيش المؤمنين للقتال في سبيل الله. فاضطلعت السعودية بالدعوة إلى التطوّع للجهاد والتمويل المالي، وقامت الباكستان بتدريب المقاتلين، وكلها بتخطيط وإدارة أمريكية. وتم تأهيل تسعين ألف مجاهد، معظمهم من الأفغان. كان كل مجاهد يتلقى راتباً شهرياً مغرياً مع وعد بالحصول على البطاقة الخضراء للهجرة إلى أمريكا، وأطلق عليهم لقب مقاتلو الحرية. وقد نجحت المهمة وانسحب الروس من أفغانستان. وانسحبت أمريكا أيضا من المشهد، فعمّت أفغانستان الفوضى، فنشأت حرب أهلية مدمرة ظهرت على إثرها حركة طالبان في عام 1996م وأعلنت دولة أفغانستان الإسلامية المتزمتة.

أما تنظيم القاعدة فقد أسسه أسامة بن لادن في أفغانستان عام 1986م بدعوة المجاهدين العرب في افغانستان لمحاربة الدول الاستعمارية الكافرة. ومنها انفصل تنظيم أبو مصعب الزرقاوي، وظهرت داعش وجبهة النصرة وغيرها من التنظيمات التكفيرية المتشددة والتي عاثت في الأرض فساداً.

وقد عملت هذه الحركات على تدمير الدين الإسلامي والمسلمين والشعوب الغربية، وغالباً ما كانت مخترقة وتدار من قبل المخابرات الأمريكية لتحقيق أهداف سياسية بغطاء ديني. ويجمع المسلمون في أنحاء العالم على أنهم بريؤون من هذه الحركات، وأن هذه الحركات ليس لها أي شيء من الإسلام. ومع ذلك مازالت الأقلام العربية تتحدث عن الإسلام السياسي وتضع الدين موضع تهم الإرهاب بدل أن تتحدث عن دور السياسة القذر.

الخلاصة

والخلاصة هي إن الدين الإسلامي هو رسالة سماوية واحدة، يدعو إلى التوحيد وعبادة الخالق ونبذ الشرك والقبول بمبدأ الحياة بعد الموت. وهو دين واحد لا يقبل التعدد. فليس هناك إسلام سياسي، ولا إسلام اقتصادي ولا إسلام ثقافي أو اجتماعي أو غيرها من المسميات الفكرية التي ابتدعها البشر. إنما هو دين واحد يدعو إلى بناء مجتمع إسلامي واحد متقدم ومثقف ومرفّه وفق قواعد دينية.

إن حقيقة ما يجري هو استخدام الدين لأهداف سياسية (تسيّس الدين)، وليس إن الدين يستخدم السياسية لأغراض دينية، كما يوحي مصطلح الإسلام السياسي. فالأهداف هي سياسية بحتة وليست دينية، لكنها تغطى بغطاء ديني يكسبها شرعية مقدسة لتحقيق الهدف. فليس للدين أي علاقة بالسياسة، وحاشى للدين أن يستخدم السياسة لأغراض دينية، لكن السياسة والسياسيين هم الذين يستخدمون الدين لتحقيق أهدافهم الخاصة، خصوصاً عن طريق تجنيد البسطاء والسذج من المسلمين الذين يصدقون تلك الدعوات.

إن تسيّس الدين بالصورة التي نراها اليوم يهدف بالأساس إلى إحداث الفرقة في المجتمع ونشر الكراهية والاقتتال بين أفراده، وهذا ما جعل السياسيون والمفكرون الغربيون يمتنعون عن وصف المسيحية واليهودية بالسياسية على الرغم من وجود أدلة كثيرة عليها، وحصر استعمال المصطلح بالإسلام السياسي فقط. ومما يدعو للأسف إن سياسينا ومفكرينا صدقوا تلك الدعوات واستعملوها في أقوالهم وكتاباتهم فنشأة الفرقة والاقتتال بين أفراد المجتمع.

***

د. صائب المختار

 

تأليف: أُ. د. عبد السَّلام عبد الكريموفيتش غوسينوف

ترجمة: د. علي صغير

***

ﻓﻲ اﻟﻄَّﺒﯿﻌﺔ، يُصْبِحُ العديدُ ﻣﻦ الظَّواهر معروفًا ﺑﻌﺪ اكتشافه ﻓﻲ ﺳﯿﺮورة اﻟﻤﻌﺮﻓﺔ اﻟﻌﻠﻤﯿَّﺔ، وﻏﺎﻟﺒًﺎ ﻣﺎ ﺗﺤﻤﻞ هذه الظَّواهر اﻟﻤُﻜْﺘَﺸَﻔَﺔُ ﺣﺪﯾﺜًﺎ أﺳﻤﺎء مكتشفيها: أﻣﺒﯿﺮ، ﻓﻮﻟْﺖ، ﺟَﺪْوَل ﻣﻨﺪﻟﯿﯿﻒ، ﻣُﺬﻧَّﺐ هالي، ﺑﻮزون هيغز، ﻣُﺆﺷِّﺮ ﻣﺎﺳﻠﻮف، وإﻟﺦ. أمَّا ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، فهذا ﻧﺎدِرٌ ﺟِﺪًّا. ذلك أنَّ العلوم اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ ﺗﺘﻌﺎﻣﻞ، عادةً، ﻣﻊ الظَّواهر الَّتِي اجتازت المُعالَجَة اﻷوَّﻟﯿَّﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮى اﻟﻮﻋﻲ اﻟﯿﻮﻣﻲِّ، وحصلت ﺧﻼل هذه اﻟﻤُﻌﺎﻟَﺠَﺔ ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ ﻋﻠﻰ ﺗﺴﻤﯿﺎتها. وﻟﻜِﻦْ اﻷﻛﺜﺮ ﻗﯿﻤﺔً هُوَ ﺗﻠﻚ اﻻﺳﺘﺜﻨﺎءات الَّتِي ﺗﻜﻮن فيها اﻟﻤﻌﺮﻓﺔ اﻟﻌﻠﻤﯿَّﺔ للظَّاهرة اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ هِيَ، ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ عينه، اكتشافًا لها، وكشفًا أوَّليًّا يميط اللّثام عنها ويفتح اﻷﻋﯿُﻦ عليها، ويحمل اﺳْﻢَ اﻟﺒﺎﺣﺚ نَفْسِه. ﻟﯿﺲ اﻟﻤﻘﺼﻮد هُنا المذاهب أو اﻟﻨَّﻈﺮﯾَّﺎت اﻟَّﺘِﻲ هِيَ إﺑﺪاﻋﺎت ﻓﺮدﯾَّﺔ، وﺑﺎﻟﺘَّﺎﻟﻲ، ﺗﺤﻤﻞ تلقائيًّا أﺳﻤﺎء مبدعيها اﻟﻌﯿﺎﻧﯿّﯿﻦ، ﻛﻤﺎ ﻓﻲ اﻟﻜﺎﻧﻄﯿَّﺔ، واﻟﻤﺎرﻛﺴﯿَّﺔ، واﻟﻔﺮوﯾﺪﯾَّﺔ،،،، وإﻟﺦ. فاﻟﺤﺪﯾﺚ إنَّما هُوَ ﻋﻦ ﺷﻲءٍ آﺧَﺮَ – ﻋﻦ الظَّواهر اﻟﻮاﻗﻌﯿَّﺔ ذاتها ﻟﻠﻤﻤﺎرﺳﺔ اﻟﺒﺸﺮﯾَّﺔ اﻟَّﺘِﻲ ﯾُﺸﺎرُ إليها ﺑﺄﺳﻤﺎء اﻷﺷﺨﺎص اﻟَّﺬِﯾﻦ عرفوها ﺑِﻌُﻤْﻖٍ ﻷوَّلِ ﻣَﺮَّةٍ ﻛﻤﻔﻜِّﺮﯾﻦ أو اﻟَّﺬِﯾﻦ خَبِروها ومارسوها بانتظامٍ ﻛﺄﻓﺮاد. وهِيَ ﺗُﺴَﻤَّﻰ بأسمائهم، لأنَّها ﻗﺒﻞ ذﻟﻚ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻗﺪ مُيِّزت، وﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻣﺮﺋﯿَّﺔً، وﻟﻢ تكن مُدرَجةً ﻓﻲ ﻓﻀﺎء اﻟﻠُّﻐﺔ، وﻟﻢ تكن لها دﻻﻟﺔٌ ﺧﺎﺻَّﺔ. وﺑﺬﻟﻚ ﺗﻜﺘﺴﺐ هذه اﻷﺳﻤﺎء ﻣﻌﻨًﻰ عامًّا غَيْرَ ﺷﺨﺼﻲٍّ، وﺗﺼﺒﺢ مفاهيم، وهذا ﻣﺎ ﯾﻤﻜﻦ اﻋﺘﺒﺎره ﻓﻲ ﺣَﺪِّ ذاته دليلًا ﻋﻠﻰ القيمة الجوهريَّة ﻟﻼﻛﺘﺸﺎﻓﺎت اﻟَّﺘِﻲ ﻗﺎم بها هؤلاء اﻷﺷﺨﺎص. هُنا ﯾﻌﻤﻞ اﻟﻤﻨﻄﻖ نَفْسُهُ الَّذِي تحمل بموجبه اﻟﺠﺰﯾﺮة اﻟﻤُﻜْﺘَﺸَﻔَﺔُ ﺣﺪﯾﺜًﺎ اِﺳْﻢَ مُكْتَشِفِها، ﻣِﻦْ مِثْلِ: اﻟﺤُﺐُّ اﻷﻓﻼطوﻧﻲُّ، اﻷﺑﯿﻘﻮرﯾَّﺔُ، اﻟﺒﻮﻧﺎﺑﺮﺗﯿَّﺔُ، اﻟﺴَّﺎدﯾَّﺔ، وغيرها. وتقع اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ الَّتِي يُقصَد بها اللَّاأخلاقيَّة اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ في صفِّ هذه الفئة، وترتبط بِاِسْمٍ ﻧﯿﻜﻮﻟﻮ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ- اﻟﻤﻔﻜِّﺮ واﻟﻜﺎﺗﺐ اﻟﻤﺴﺮﺣﻲِّ والنَّاشط السِّياسيِّ اﻹﯾﻄﺎﻟﻲِّ اﻟﻌﻈﯿﻢ ﻓﻲ أواﺧﺮ اﻟﻘﺮن اﻟﺨﺎﻣﺲ ﻋَﺸَﺮ وأواﺋﻞ اﻟﻘﺮن اﻟﺴَّﺎدس ﻋَﺸَﺮ. وﻓﻲ اﻵوﻧﺔ اﻷﺧﯿﺮة، ﯾﺘﺤﺪَّﺛﻮن ﻋﻦ اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿﺔ أﯾﻀًﺎ كنمطٍ ﻧَﻔْﺴِﻲٍّ وسُلوكيٍّ ﻣﻌﯿَّﻦ (ﺗﻼﻋﺒﻲٌّ وﻧﻔﺎﻗﻲٌّ في المبدإِ). ﻟﻜﻨَّﻨﺎ نَدَعُ هذا الشِّقَّ ﺟﺎﻧﺒًﺎ.

كانت اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ ﻛﺒُﻌْﺪٍ واﻗﻌﻲٍّ ﻟﻠﺴَّﯿﺎﺳﺔ ﻣﻮﺟﻮدةً ﻗﺒﻞ ﻧﯿﻜﻮﻟﻮ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺑﻜﺜﯿﺮ وﺑﻤﻌﺰلٍ عنه (1)، مثلما ﻛﺎن عالَمُ اﻟﺠﺴﯿﻤﺎت الأوَّليَّة ﻣﻮﺟﻮدًا، ﻛﻤﺎ ﯾُﻔْﺘَﺮَضُ، ﻗﺒﻞ أنْ ﺗﻜﺘﺸﻒ اﻟﻔﯿﺰﯾﺎء اﻟﻤُﻌﺎﺻِﺮة هذا اﻟﻌﺎﻟَﻢ. فمكيافيللي اكتشف فقط هذا اﻟﺒُﻌْﺪَ، ووَصَفَهُ، وبَحَثَ فيه، وأسَّسَ ضرورته ﻓﻲ إطار النَّظرة اﻟﻌﻠﻤﯿَّﺔ إﻟﻰ السِّياسة. وقد ﻛﺎن هذا اﻻﻛﺘﺸﺎف، ﻣﻦ ﻧﺎﺣﯿﺔٍ، واﺿﺤًﺎ ﺟِﺪًّا، وﻣﻦ ﻧﺎﺣﯿﺔٍ أُﺧﺮى، ﻏﯿﺮ ﻣﺘﻮﻗَّﻊٍ ﺗﻤﺎﻣًﺎ، وﺻﺎدﻣًﺎ، وﺣَﺘَّﻰ مُهينًا إلى درجةٍ أنَّه ﻟﻢ توجد ﻛﻠﻤﺔٌ أُﺧﺮى للدَّلالة عليه ﻏﯿﺮ اﺳْﻢِ ﻣﻦ ﻗﺎم بهذا اﻻﻛﺘﺸﺎف، أو ﻟِﻨَﻘُﻞ ﺑﺸﻜﻞٍ أدَقَّ: ﻣَﻦْ ﺗَﺠَﺮَّأَ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﯿﺎم به (2). السُّؤال الَّذِي أُريد طَرْحَهُ هُوَ الآتي: ﻣﺎ هِيَ حقيقةُ اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﯿﺮ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ نَفْسِهِ، وﻋﻠﻰ وَجْهِ اﻟﺨﺼﻮص، هَلِ اﻟﺤﺪﯾﺚُ هُوَ ﻋﻦ اللَّاأخلاقيَّة ﻓﻲ السِّياسة أمْ ﻋﻦ لاأخلاقيَّة السِّياسة ذاتها؟ اﻟﻔﺮق ﺑﯿﻦ اﻟﺼِّﯿﻐﺘﯿﻦ واﺿﺢ: اللَّاأخلاقيَّة في السِّياسة ﺗﻌﻨﻲ أنَّ اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة ﺗﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺗﺮﺳﺎﻧﺔ السِّياسة، وﯾﺠﺐ أنْ ﺗﻜﻮن مُكوِّنًا ﻣﻦ مكوِّناتها، وأنَّها ﺣﺎﺿﺮةٌ فيها حتمًا، وإنْ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ اﻟﻮﺣﯿﺪة؛ أﻣَّﺎ لاأخلاقيَّة السِّياسة ﻓﺘﻌﻨﻲ أنَّ السِّياسة نَفْسَها، حَسْبَ تعبير الصِّيغة الشَّائعة، هِيَ ﺷﻲءٌ ﻻأﺧﻼﻗﻲٌّ "وﻋﻤﻞٌ ﻗﺬرٌ"، وأنَّها ﻛﺬﻟﻚ ﻓﻲ اﻟﻤﻘﺎم اﻷوَّل وﻻ ﯾﻤﻜﻦ أنْ ﺗﻜﻮن ﻏَﯿْﺮَ ذﻟﻚ. وهُنا، ﺗﺒﺮز ﺣﺘﻤًﺎ ﻣﺴﺄﻟﺔٌ أﻛﺜﺮ ﻋﻤﻮﻣﯿَّﺔً تتعلَّق باﻟﻤﻘﺎم الأخلاقيِّ للسِّياسة، ومشروعيَّة ﺗﻄﺒﯿﻖ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ الأخلاقيَّة ﻋﻠﻰ النَّشاط السِّياسيِّ. وﻓﻲ اﻟﻌِﻠْﻢِ السِّياسيِّ اﻟﻤُﻌﺎﺻِﺮ، ﺳﺎدت النَّظرة الَّتِي تُخرِجُ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻣﻦ دائرة النَّقد الأخلاقيِّ. وﯾُﻌْﺘَﻘَﺪُ ﻋﻤﻮﻣًﺎ أنَّ هذه النَّظرة تعود، ﺗﺤﺪﯾﺪًا، إﻟﻰ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ (3). فَهَلْ هذا ﺻﺤﯿﺢٌ ﺣﻘًّﺎ؟ وهَلْ كان، بالفعل، فَصْلُ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻋﻦ اﻷﺧﻼق و"تحريرها" ﻣﻦ التَّقييمات الأخلاقيَّة هُوَ مَرامُ مذهب مكيافيللي الدَّقيق ومعناه العميق؟

وفي الحقيقة، ﻟﻢ ﯾﻘﺘﺼﺮ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﺗﺜﺒﯿﺖ واﻗﻌﺔ اﻻﺳﺘﺨﺪام اﻟﺤﺘﻤﻲِّ ﻟﻠﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة ﻓﻲ السِّياسة، ﺑَﻞْ إنَّه أقرَّ هذا اﻻﺳﺘﺨﺪام ﻧﻈﺮﯾًّﺎ، بإدراجه إﯾَّﺎه ﻛﻠﺤﻈﺔٍ مُهِمَّةٍ ﻓﻲ الفَهْمِ السَّليم للسِّياسة. يذهب ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ إﻟﻰ اﻟﻘﻮل إنَّ الرَّفض المبدئيَّ ﻟﻠﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة ﺑﺴﺒﺐ طبيعتها اللَّاأخلاقيَّة، ﯾُﻌَﺪُّ مُدمِّرًا للسِّياسة، وﯾﻨﻘﻠﺐ وَبَالًا ونَكَالًا ﻋﻠﻰ الشَّعب والدَّولة. فَهُوَ ﯾﻨﻈﺮ إﻟﻰ النَّشاط السِّياسيِّ-الحكوميِّ بعيونِ المنطق الخاصِّ بهذا النَّشاط، وبحياديَّة اﻟﺒﺎﺣﺚ الموضوعيِّ، ﻣﺘﺠﺎوزًا التَّقييمات الأخلاقيَّة اﻟﻤُﺤْﺘََﻤَﻠَﺔ له، أو ﻟِﻨَﻘُﻞْ ﺑﺸﻜﻞٍ أدَقَّ: معتبرًا هذه اﻟﺘَّﻘﯿﯿﻤﺎت ﻟﺤﻈﺔً ﺗﺎﺑﻌﺔً لِلسِّياسَةِ نَفْسِها.

ﺗﺘﻌﺎرضُ هذه اﻟﻨَّﻈﺮةُ اﻟﻤُﻌﻠَﻨَﺔُ ﺑﺼﺮاﺣﺔٍ وﻗﺴﻮةٍ واﺗِّﺴﺎقٍ ﻣﻊ ﺟﻤﯿﻊ التَّصوُّرات اﻟﻤﺄﻟﻮﻓﺔ، اﻟﻘﺎدﻣﺔ ﻣُﻨْﺬُ عَهْدِ أرﺳﻄﻮ ﺣﻮل ﻋﻼﻗﺔ اﻷﺧﻼق بالسِّياسة. وﻓﻲ رأﯾﻲ، ﯾُﻤْﻜِﻨُﻨﺎ الإبانَةُ عن اﻟﺠﺪﯾﺪ اﻟﺠﺬريِّ الَّذِي ﺟﺎء به ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻓﻲ معرفة السِّياسة، وفَهْمِ الأُسُس اﻟَّﺘِﻲ قامت عليها هذه المعرفة، بشكلٍ أفضلَ، إذا ﻣﺎ ﻗﺎرﻧَّﺎ مَوْقِفَهُ مِنْ هذه اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ بِمَوْقِفِ أرﺳﻄﻮ.

يُقَدِّمُ أرﺳﻄﻮ وﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ رؤﯾﺘﯿﻦ ﻣﺨﺘﻠﻔﺘﯿﻦ، ﺑَﻞْ وﻣﺘﻌﺎرﺿﺘﯿﻦ ﻓﻲ حدودهما، ﻟﻌﻼﻗﺔ اﻷﺧﻼق بالسِّياسة. ﻓﻲ اﻟﻮاﻗﻊ، ﯾﺮى أرﺳﻄﻮ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﺗﻌﺒﯿﺮًا عن الأخلاق وامتدادًا لها، وفضاءً أساسيًّا ﻟﻠﻮﺟﻮد اﻷﺧﻼﻗﻲِّ اﻟﻔﺎﺿﻞ ﻟﻸﻓﺮاد. وبخلاف أرسطو، يَفْصُلُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺑﯿﻦ هذين اﻟﻤﺠﺎﻟﯿﻦ، ﺑَﻞْ يعارض واحدهما بالآخر، ﻋﻠﻰ اﻷﻗَﻞِّ ﺟﺰﺋﯿًّﺎ، مُعتَقِدًا أنَّ السِّياسة هِيَ ﻣﺠﺎلٌ ﻣﺴﺘﻘﻞٌّ للنَّشاط وﺗَﺨْﻀَﻊُ لِمَنْطِقِها الخاصِّ، وهذا ما ﯾُﺆدِّي ﻏﺎﻟﺒًﺎ إﻟﻰ أنْ يكون الثَّمنُ المدفوعُ لقاء اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ النَّاجحة هُوَ انتهاك اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ. لكِنْ، هَلْ ﯾُﻤْﻜِﻦُ فَهْمُ هذا التَّأكيد الصَّائب بِحَدِّ ذاته للاختلاف ﺑﯿﻦ آراء مفكِّرَين ﻋﻠﻰ نَحْوٍ يبدو فيه أرﺳﻄﻮ حاملًا راية الدِّفاع ﻋﻦ اﻟﻨَّﻈﺮة الأخلاقيَّة إلى السِّياسة، ﺑﯿﻨﻤﺎ يبدو ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻣﻨﺎﺻﺮًا ﻟﻼأﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ؟ ﺳﺄﺣﺎول أنْ أُﺑَﯿِّﻦَ أوَّلًا: ﻋﻠﻰ اﻟﺮَّﻏﻢ ﻣﻦ ﺟﻤﯿﻊ اﻻﺧﺘﻼﻓﺎت اﻟﻨَّﻈﺮﯾَّﺔ الجوهريَّة بين أرسطو ومكيافيللي، فإنَّ هناك أﯾﻀًﺎ ﻗﻮاﺳﻢَ ﻣُﺸْﺘَﺮَﻛَﺔً ﻓﻲ المنهجيَّة ذاتها لتحليل ﻋﻼﻗﺔ اﻷﺧﻼق ﺑﺎﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ؛ ثانيًا، عدم جواز ﺗﻔﺴﯿﺮ مذهب ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻓﻲ هذه اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺑﺮوح التَّصوُّرات الشَّائعة عن اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ باعتبارها دفاعًا ﻋﻦ اللَّاأخلاقيَّة اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ.

وبالعودة إلى أرﺳﻄﻮ، يَجِدُ المنقِّبُ في روائع فلسفته الأخلاقيَّة والسِّياسيَّة ﺗﻌﺮﯾﻔﯿﻦ ﻟﻺﻧﺴﺎن ﻣﺮﺗﺒﻄﯿﻦ ارتباطًا جوهريًّا وﻻ ﯾﻤﻜﻦ فَهْمُ أحدهما بمعزلٍ عن الآخر: "اﻹﻧﺴﺎنُ هُوَ الكائن العاقل من بين كُلِّ اﻟﻜﺎﺋﻨﺎت اﻟﺤَﯿَّﺔ" (4)؛ و "اﻹﻧﺴﺎن بطبيعته ﻛﺎﺋﻦٌ ﺳﯿﺎﺳﻲٌّ" (5).

وإذ يَصْقُلُ الإنسانُ نَفْسَهُ ﻛﻜﺎﺋﻦٍ ﻋﺎﻗﻞٍ، فإنَّه يصبح فاضلًا أﺧﻼﻗﯿًّﺎ، وﯾُﻀﻔﻲ ﻋﻠﻰ أفعاله ﺻﻮرةً ﻛﺎﻣﻠﺔً، ويوجِّهها ﻧَﺤْﻮَ اﻟﺨﯿﺮ اﻷﺳﻤﻰ. فاﻟﺴِّﻤَﺔُ اﻷﺳﺎﺳﯿَّﺔُ اﻟﻘﺎﻋﺪﯾَّﺔ ﻟﻠﻔﻀﺎﺋﻞ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ (الإطيقيَّة) – هِيَ اﺗِّﺒﺎعُ اﻹﻧﺴﺎن ﻓﻲ سُلوكه لإرشادات اﻟﻌﻘﻞ، واﻷﺣﻜﺎم اﻟﺼَّﺤﯿﺤﺔ. فاﻹﻧﺴﺎن ﯾﻜﻮن فاضلًا ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻨﺘﻈﻢُ أﺟﺰاءُ نَفْسِهِ اﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ ﺑﻄﺮﯾﻘﺔٍ ﯾﺴﯿﻄﺮ فيها اﻟﻌﻘﻞ، وﺗَﺘَّﺒِﻊُ الشَّهوات والانفعالات توجيهاته، ﻛﻤﺎ ﯾﻄﯿﻊ اﻟﻄُّﻔﻞُ أﺑﺎهُ، وﻧﺘﯿﺠﺔً ﻟﺬﻟﻚ ﯾﺼﺒﺢ ﻗﺎدرًا ﻋﻠﻰ اﻟﻘﯿﺎم ﺑﺄﻓﻌﺎلٍ قيِّمةٍ ﻓﻲ ذاتها، ﺗﺤﻮي مقياسها ﻓﻲ داخلها.

ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﺘﺼﺮَّف اﻷﻓﺮاد ﻋﻠﻰ هذا اﻟﻨَّﺤْﻮِ، أيْ ﯾﺘﺼﺮَّﻓﻮن ﺑﻔﻀﯿﻠﺔٍ، وﯾَﺠِﺪونَ ﻓﻲ ﻛُﻞِّ ﻣَﺮَّةٍ اﻟﻮﺳْﻂَ الذَّهبيَّ اﻷﻣﺜﻞ ﻓﻲ الشَّهوات واﻷﻓﻌﺎل، ﻓﺈنَّ اﻟﻨَّﺘﯿﺠﺔ اﻟﺨﺎرﺟﯿَّﺔ واﻟﻤﺠﻤﻠﺔ لنشاطهم ﺗﻜﻮن هِيَ اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ-الدَّولة. اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ هِيَ اﻟﻌﻘﻞ المنبسط إﻟﻰ اﻟﺨﺎرج والمتجسِّد فيه، والنَّمط العقلانيُّ للوجود اﻹﻧﺴﺎﻧﻲِّ. فاﻹﻧﺴﺎن اﻟَّﺬِي يُظهر ذاته ﺑﺸﻜﻞٍ ﻓﻌَّﺎلٍ ﻛﻜﺎﺋﻦٍ ﻋﺎﻗﻞٍ، ﯾﺼﺒﺢ ﻛﺎﺋﻨًﺎ ﻣﺪﻧﯿًّﺎ. ﻟﻜِﻦْ، ﻓﻲ الوقت نَفْسِهِ، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻟﻺﻧﺴﺎن أنْ ﯾﺼﺒﺢ فاضلًا أﺧﻼﻗﯿًّﺎ، عاقلًا ﻓﻲ سُلوكه، إلَّا بِصِفَتِهِ ﻛﺎﺋﻨًﺎ ﺳﯿﺎﺳﯿًّﺎ ﻣﺪﻧﯿًّﺎ. وليست اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ ثمرة اﻟﻮﺟﻮد اﻟﻌﺎﻗﻞ-اﻟﻔﺎﺿﻞ ﻟﻸﻓﺮاد فقط، ﺑَﻞْ هِيَ ﻣﺼﺪره اﻟﺤﯿﻮيُّ الخلَّاق. ﻓﻔﻀﺎﺋﻞ أرﺳﻄﻮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﯿﺴﺖ ﺳِﻮى ﻋﺎداتٍ اﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔٍ، وﻋﻼﻗﺎتٍ ﺗُﻤﺎرس ﻓﻲ المدينة ﺑﯿﻦ اﻟﻨَّﺎس تَشَرَّبها اﻷﻓﺮاد، فصارت لَهُمْ هيئةً نفسيَّةً راسخة، وَصِفاتٍ مُكْتَسَبَةً، ومهاراتٍ سُلوكيَّة (6).

إنَّ اﻟﻔﻀﺎﺋﻞ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ باعتبارها النَّمط الأفضل ﻟﻠﺘَّﻔﺎﻋﻞ ﺑﯿﻦ اﻟﺠﺰء اﻟﻌﺎﻗﻞ واﻟﺠﺰء ﻏﯿﺮ اﻟﻌﺎﻗﻞ ﻣﻦ اﻟﻨَّﻔْﺲِ هِيَ، بحسب أرﺳﻄﻮ، ﺻِﻔﺎتٌ إﻧﺴﺎﻧﯿَّﺔٌ ﺑﺤﺘﺔ. ﻓﺎﻟﺤﯿﻮاﻧﺎت والآلهة ﺗﻔﺘﻘﺮ إليها، ﻷنَّ اﻷُوﻟﻰ ﺗﻔﺘﻘﺮ إﻟﻰ اﻟﻌﻘﻞ، بينما تفتقر اﻟﺜَّﺎﻧﯿﺔ إﻟﻰ الشَّهوات. وبِالمِثْلِ ﯾَﺼِﻒُ أرﺳﻄﻮ ﻣﻜﺎنة المدينة-اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻓﻲ ﺣﯿﺎة اﻹﻧﺴﺎن: "اﻹﻧﺴﺎن.ُ.. ﺧﺎرج الدَّولة – إﻣَّﺎ ﻛﺎﺋﻦٌ ﻏﯿﺮ ﻣُﻜْﺘَﻤِﻞِ اﻟﻨُّﻤُﻮِّ ﻣﻦ اﻟﻨَّﺎﺣﯿﺔ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ وإمَّا إﻧﺴﺎنٌ خارقٌ وﻓﻮق اﻟﻌﺎدة" (7).

إنَّ دوﻟﺔ أرﺳﻄﻮ ﻟﯿﺴﺖ أداةً ﻟﻠﻔﻀﯿﻠﺔ، ﺑَﻞْ هِيَ اﻟﻔﻀﯿﻠﺔ ﻣﺠﺴَّﺪةً بذاتها. فَهِيَ ﺗﻤﺜِّﻞ اﺗِّﺤﺎدًا للمواطنين اﻷﺣﺮار، ﺗﻨﺸﺄُ ﻓﻲ إطار سعيهم ﻧَﺤْﻮَ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﻄَّﯿِّﺒﺔ واﻟﻮﺟﻮد اﻟﻜﺎﻣﻞ واﻟﻤﻜﺘﻔﻲ بذاته: "اﻟﺘَّﻮاﺻُﻞُ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲُّ... ﯾﻮﺟﺪُ ﻣِﻦْ أﺟْﻞِ العمل الفاضل، وﻟﯿﺲ ﻣِﻦْ أﺟْﻞِ اﻟﻌﯿﺶ اﻟﻤُﺸْﺘَﺮَكِ فقط" (8). فاﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻟﯿﺴﺖ ﻓﻲ اﻻرﺗﺒﺎط ﺑﺈﻗﻠﯿﻢٍ ﻣﺸﺘﺮَكٍ، وﻻ ﻓﻲ اﻟﺠﺪران. على ما ﯾﻘﻮل أرﺳﻄﻮ، ﺑﺠﺪارٍ واﺣﺪٍ ﯾﻤﻜﻦ ﺗﺤﺼﯿﻦ ﻛُﻞِّ البيلوبونيز، لكِنَّه ﻟﻦ ﯾﺼﺒﺢ ﺑﺬﻟﻚ دوﻟﺔً، ﻛﻤﺎ أنَّ اﻟﺴُّﻮرَ ﻟﻢ ﯾﺠﻌﻞ ﺑﺎﺑﻞَ دوﻟﺔً. فاﻟﻨَّﺎس لا يتَّحِدون ﻓﻲ اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻣﻦ أﺟْﻞِ اﻟﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﯿﺎة وحمايتها فحسب، ﺑَﻞْ ﻣﻦ أﺟْﻞِ إﺿﻔﺎء ﺻِﻔَﺔِ اﻟﻜﻤﺎل ﻋﻠﻰ اﻟﺤﯿﺎة أيضًا.

السِّياسة – هِيَ اﻟﻔﻀﺎء العامُّ الَّذِي ﯾﻨﺸﺄُ ﻓﻮق اﻟﻌﻼﻗﺎت الأُسَرِيَّةِ واﻻﻗﺘﺼﺎدﯾَّﺔِ وغيرها ﻣﻦ اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻟﻤﻮﺟﻮدة ﻣﻦ أﺟْﻞِ اﺳﺘﻤﺮار اﻟﺤﯿﺎة واﻟﺤﻔﺎظ عليها وحمايتها. إنَّها ﺗﻘﻊ ﻓﻲ ﻣﺎ وراء اﻟﺤﺎﺟﺔ، وتمثِّل تواصلًا ﺣُﺮًّا ﺑﯿﻦ المواطنين. وهِيَ تتشكَّل ﻋﻨﺪﻣﺎ يتحوَّل اﻟﺨﯿﺮ اﻷﺳﻤﻰ ﻟﻸﻓﺮاد اﻟﻤﻨﻔﺼﻠﯿﻦ إﻟﻰ ﺧﯿﺮٍ ﻣُﺸْﺘَﺮَكٍ ﻟﺠﻤﯿﻊ المواطنين، وﯾﺘﺮﺳَّﺦ اﻟﻨِّﻈﺎم اﻟﻔﺎﺿﻞ ﻟﻠﻨُّﻔﻮس اﻟﻔﺮدﯾَّﺔ ﻓﻲ اﻟﻨِّﻈﺎم اﻟﻌﺎدل للكيان-اﻟﺪَّوﻟﺔ. إذ إنَّ "الدَّولة ﻟﯿﺴﺖ ﻣﺠﺮَّد ﻣﺸﺎعٍ مشترَكٍ ﻟﻠﺴَّﻜﻦ. وﻟﻢ ﺗُﺨْﻠَﻖْ ﻷﺟْﻞِ ﻣَﻨْﻊِ الإساءات اﻟﻤﺘﺒﺎدﻟﺔ أو ﻷﺟْﻞِ تسهيل اﻟﺘَّﺒﺎدل. وﺑﺎﻟﻄَّﺒﻊ، ﯾﺠﺐ أنْ ﺗﺘﻮاﻓﺮ ﻛُﻞُّ هذه اﻟﺸُّﺮوط ﻟﻮﺟﻮد اﻟﺪَّوﻟﺔ، وﻟﻜِﻦْ، ﺣَﺘَّﻰ ﻣﻊ توافرها جميعها، ﻟﻦ تكون اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻗﺪ وُﺟِﺪَتْ ﺑَﻌْﺪُ؛ فَهِيَ تَظْهَرُ ﻓﻘﻂ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﻨﺸﺄُ ﺗﻮاﺻُﻞٌ ﺑَﯿْﻦَ اﻷُﺳَﺮِ واﻟﻌﺸﺎﺋﺮ ﻣﻦ أﺟْﻞِ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﻄَّﯿِّﺒﺔ، ومن أجْلِ اﻟﻮﺟﻮد اﻟﻜﺎﻣﻞ اﻟﻤﻜﺘﻔﻲ والقيِّم بذاته" (9).

وهكذا، ﻓﺎﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ﻛﻤﺎ يفهمها أرﺳﻄﻮ، ﻟﯿﺴﺖ ﻣُﻜَﺒَّﻠَﺔً ﺑﻄﻮقٍ ﺧﺎرﺟﻲٍّ ﻣﻦ اﻟﻘﯿﻮد اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ، إنَّها أﺧﻼﻗﯿَّﺔٌ ﻓﻲ ذاتها وﺑﻘﺪر ﻣﺎ تهدف إﻟﻰ اﻟﺨﯿﺮ اﻟﻌﺎمِّ، وتُطَبِّقُ اﻟﻌﺪاﻟﺔ ﺑِﻜِﻠْﺘﺎ دﻻﻟَﺘَﻲِ اﻟﻤﺼﻄﻠﺢ اﻟﻠَّﺘَﯿْﻦِ مَيَّزَهُما أرﺳﻄﻮ – ﻛﻤﺮادفٍ ﻟﻠﻔﻀﺎﺋﻞ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﺑﺎﻟﺼُّﻮرة الَّتِي تظهر بها ﻓﻲ اﻟﻌﻼﻗﺎت ﻣﻊ اﻵﺧﺮﯾﻦ (اﻟﻌﺪاﻟﺔ اﻟﻌﺎﻣَّﺔ)، وﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ نَفْسِهِ، ﻛﻔﻀﯿﻠﺔٍ مميَّزةٍ ﻟﻠﻤﺆﺳَّﺴﺎت الدَّولويَّة (اﻟﻌﺪاﻟﺔ اﻟﺨﺎﺻَّﺔ) اﻟَّﺘِﻲ ﺗﺤﺪِّد اﻟﻤﻘﯿﺎس اﻷﺧﻼﻗﻲَّ ﻟﺘﻮزﯾﻊ ﻣﻨﺎﻓﻊ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﻤُﺸْﺘَﺮَﻛَﺔ ومَشاقِّها. اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ واﻷﺧﻼق، بحسب أرﺳﻄﻮ، هُما ﻓﻲ اﻷﺳﺎس الشَّيءُ نَفْسُه. وإذا ﻛﺎن ﻻ بُدَّ من تبيان ما هُوَ مصدريٌّ وأوَّليٌّ ﻓﻲ هذه اﻟﺜُّﻨﺎﺋﯿَّﺔ اﻟﻤﺘﺮاﺑﻄﺔ واﻟﻤﺘﺪاﺧﻠﺔ، فإنَّه سيكون، ﺑﻼ أدنى شَكٍّ، اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ. فاﻹﻧﺴﺎن لا ﯾﻜﻮن أﺧﻼﻗﯿًّﺎ إلَّا بِصِفَتِه مواطنًا ﻓﻲ اﻟﻤﺪﯾﻨﺔ.

ﯾُﺴَﻤِّﻲ أرﺳﻄﻮ الإطيقا ﻋِﻠْﻤًﺎ ﺳﯿﺎﺳﯿَّﺎ، ﺑَﻞْ اﻟﻌِﻠْﻢَ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲَّ اﻟﺮَّﺋﯿﺲ. ﻓﺎﻷﺧﻼق هِيَ اﻟﻌِﻠْﻢُ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲُّ اﻷﺳﻤﻰ، لأنَّها ﺗﻨﻈﺮ إﻟﻰ اﻟﻨَّﺸﺎط اﻹﻧﺴﺎﻧﻲِّ اﻟﻮاﻋﻲ ﻣﻦ ﻣﻨﻈﺎرٍ ﯾﻘﻮد إﻟﻰ اﻟﺨﯿﺮ اﻷﺳﻤﻰ. وهذا ﻣﻤﻜﻦ ﻓﻘﻂ ﺑﻘﺪر ﻣﺎ ﯾﺪﺧﻞ اﻷﻓﺮاد اﻟﺴَّﺎﻋﻮن إﻟﻰ اﻟﺨﯿﺮ اﻷﺳﻤﻰ ﻓﻲ ﺗﻮاﺻُﻞٍ بَعْضُهُمْ مع بعضٍ، وﯾﻨﻈِّﻤﻮن أنْفُسَهُمْ كمواطنين أﺣﺮار ﻓﻲ دوﻟﺔ. ﻓﻔﻲ اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻓﻘﻂ ﯾُﻤْﻜِﻦُ أنْ ﯾﺘﺤﻘَّﻖ اﻟﻨَّﺸﺎط اﻟﻤُﻨﺎﺳِﺐ اﻟَّﺬِي ﯾُﻤَﻜِّﻦُ الأفراد ﻣﻦ مزاولة فضائلهم، وأنْ يتيسَّر تأمين فضاء الوقت الحُرِّ اﻟﻀَّﺮوريِّ لتطوير مَلَكاتِهِمْ وبلوغ كمالهم. ﻓﺎﻷﺧﻼق واﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، وَفْقًا لأرسطو، ﻣﺮﺗﺒﻄﺘﺎن بعضهما ببعض على نَحْوٍ تتضاعف فيه اﻟﻮاﺣﺪة منهما بالأُخرى وتكون اﻣﺘﺪادًا لها. وقد لا نحيد عن جادَّة الصَّواب إنْ قُلْنا، ﻓﻲ إطار هذا الفَهْمِ، إنَّ اﻷﺧﻼق هِيَ ﺳﯿﺎﺳﺔ اﻟﺤﯿﺎة الفرديَّة، واﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ هِيَ أﺧﻼق اﻟﻮﺟﻮد اﻟﺠَﻤﺎﻋﻲِّ.

وﺑﺎﻟﻄَّﺒﻊ، فقد أدرَكَ أرسطو ﺟَﯿِّﺪًا أنَّ وﺣﺪة اﻷﺧﻼق واﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻓﻲ اﻟﺘَّﺠﺮِﺑﺔ اﻟﻮاﻗﻌﯿَّﺔ ﻟﻠﺤﯿﺎة اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ لا تظهر إلَّا ﻋَﺒْﺮَ ﺳﻠﺴﻠﺔٍ ﻣﻦ اﻻﻧﺤﺮاﻓﺎت اﻟﺤﺘﻤﯿَّﺔ. ﻓﺎﻟﺘَّﺸﺮﯾﻌﺎت الفعليَّة للمدن اﻟﻮاﻗﻌﯿَّﺔ يمكنها فقط أنْ ﺗﻘﺘﺮب ﻣﻦ اﻟﻜﻤﺎل؛ وﻓﻲ ﺣﺎﻻتٍ ﻛﺜﯿﺮةٍ ﻻ ﺗﺘﻄﺎﺑﻖ ﻓﻀﯿﻠﺔ المواطن ﻣﻊ ﻓﻀﯿﻠﺔ اﻹﻧﺴﺎن اﻟﺼَّﺎﻟﺢ. ﻟﻜِﻦْ، ﺣَﺘَّﻰ اﻟﺘَّﺸﺮﯾﻌﺎت اﻟﻜﺎﻣﻠﺔ ﻟﯿﺴﺖ ﺿﻤﺎﻧًﺎ ﻟﻜﻤﺎل اﻟﻮﺟﻮد المدنيِّ. وذلك لأنَّ اﻟﻘﻮاﻧﯿﻦ، قبل كُلِّ شيءٍ، ﻋﺎﻣَّﺔٌ، ﺑﯿﻨﻤﺎ اﻷﻓﻌﺎل داﺋﻤًﺎ مفردة. وتاليًا، لأنَّ المدينة-الدَّولة وإنْ كانت تواصُلًا بين المواطنين اﻷﺣﺮار ﯾُﺒﻨﻰ ﻓﻮق ﻣﺠﺎل اﻟﻤﻨﺎزل اﻟﺨﺎﺻَّﺔ واﻟﻤﺼﺎﻟﺢ اﻟﻤﺮﺗﺒﻄﺔ بها، فإنَّها ليست منفصلةً عنها ﺑﺠﺪارٍ حصينٍ ﻏﯿﺮ قابلٍ للاختراق، وﯾﻤﻜﻦ أنْ تُحْدِثَ هذه المصالح فيها ﺗﺄﺛﯿﺮًا مُشَوِّهًا. وأﺧﯿﺮًا، تحمل إدارة المدينة-الدَّولة، بما تضمُّه من ﻣﻨﺎﺻﺐ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ وﺗﻨﻈﯿﻢٍ للسُّلطة اﻟﻌﻠﯿﺎ، ﻓﻲ طيَّاتها أﯾﻀًﺎ مخاطر تقويض التَّناسب ﺑﯿﻦ السَّيطرة واﻟﺨﻀﻮع، اﻟﻘﺎدرة ﻋﻠﻰ ﺗﺪﻣﯿﺮ المساواة بين المواطنين.

إنَّ ﻛُﻞَّ اﻷﺧﻄﺎر والتَّحدِّيات اﻟﻮاﻗﻌﯿَّﺔ ﺟِﺪًّا واﻟﻜﺜﯿﺮة ﻓﻲ طريق المدينة-الدَّولة ﻻ ﺗﻌﻨﻲ ﺳِﻮى أنَّ المدينة-الدَّولة نَفْسَها ﻻ توجد ﻛﻤﻌﻄًﻰ جاهزٍ، ﺑَﻞْ كجهودٍ ﻋﻤﻠﯿَّﺔٍ، وﺗﻮاﺻُﻞٍ ﻓﻌَّﺎلٍ ﺑِﺎﺳْﻢِ غايات سامية ونبيلة. ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻛﻤﺎ أنَّ اﻟﻔﻀﺎﺋﻞ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﻸﻓﺮاد – ليست ﺷﯿﺌًﺎ يمتلكونه في جَبْلَتِهِمْ، ﺑَﻞْ ﺷﯿﺌًﺎ يكتسبونه ويُظهرونه ﻓﻲ أفعالهم، فكذلك ليست المدينة ﺑﯿﺌَﺔً ﺧﺎرﺟﯿَّﺔً وشرطًا ﻟﻠﺤﯿﺎة اﻟﻔﺎﺿﻠﺔ، ﺑَﻞْ هِيَ اﻟﺤﯿﺎة اﻟﻔﺎﺿﻠﺔ نَفْسُها ﻓﻲ حالتها النَّاشطة. وﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﺘﺤﺪَّث أرسطو عن اﻟﺴَّﻌﺎدة، فإنَّه ﯾُﻤﯿِّﺰ ﺑﯿﻦ اﻟﺸُّﺮوط اﻟﺨﺎرﺟﯿَّﺔ اﻟﻀَّﺮورﯾَّﺔ لها والعمل وَﻓْﻘًﺎ ﻟﻠﻔﻀﯿﻠﺔ. وفي ما يخصُّ المدينة فقد أكَّدَ أيضًا أنَّها فضاء اﻟﺤﯿﺎة اﻟﺴَّﻌﯿﺪة ﻟﯿﺲ ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﻤﺸﺮوط، ﺑَﻞْ ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﻤﺒﺎﺷﺮ والتَّامِّ. فالمدينة-الدَّولة – ﻟﯿﺴﺖ ﻣﺠﻤﻮع أﻓﺮادٍ، إنَّما هِيَ عِبارَةٌ عن كيانٍ كُلِّيٍّ مُوَحَّدٍ، لكِنَّه ﻣﻦ اﻟﻨَّﻮع اﻟَّﺬِي ﻻ ﯾﺘﻨﺎﻗﺾ ﻣﻊ المواطنين الأفراد. وهِيَ من حيث أهدافها وجهودها اﻟﺠﻤﺎﻋﯿَّﺔ اﻟﻤﺘﻨﺎﻏﻤﺔ تصبو إﻟﻰ المكان نَفْسِهِ اﻟَّﺬِي يصبو إليه ﻛُﻞُّ إﻧﺴﺎن-مواطن ﻓﺎﺿﻞ. إنَّه ﯾﻤﺜِّﻞ توحيدًا لجهود اﻷﻓﺮاد اﻟﻔﺎﺿﻠﯿﻦ، ما داموا يَسْعَوْن إلى أنْ ﯾﻜﻮﻧﻮا ﻓﺎﺿﻠﯿﻦ: "ﻓﻀﯿﻠﺔ المواطنين واﻟﺤﺎﻛﻢ مُماثِلَةٌ ﻟﻔﻀﯿﻠﺔ أﻓْﻀَﻞِ إﻧﺴﺎنٍ" (10). وﻣِﺜْﻞُ هذا اﻟﺘَّﻄﺎﺑﻖ ﻣﻮﺟﻮد ﻓﻲ إطار اﻟﺪَّوﻟﺔ اﻟَّﺘِﻲ ﺗﺘﻮاﻓﻖ ﻣﻊ وظيفتها، وهذه الوظيفة واﺣﺪة "ﻋﻨﺪ أﻓْﻀَﻞِ إﻧﺴﺎنٍ، كما ﻋﻨﺪ أﻓْﻀَﻞِ ﻧﻈﺎمٍ دولويٍّ" (11). ﻟﻜِﻦَّ المُهِمَّ ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إﻟﯿﻨﺎ هُوَ اﻟﺘَّﺄﻛﯿﺪ أنَّ هذا التَّطابُقَ، ﻣﻦ وجهة ﻧﻈﺮ أرﺳﻄﻮ، ﻣﻤﻜﻦٌ ﻣﻦ ﺣﯿﺚ اﻟﻤﺒﺪإِ.

وﻛﻤﺎ أشرنا آنِفًا، ﯾﺒﺤﺚ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻓﻲ اﻟﺪَّوﻟﺔ ﺑﻤﻮﺿﻮﻋﯿَّﺔٍ وﺣِﯿﺎدٍ؛ إذ إنَّ تحليله ﺧﺎلٍ ﻣﻦ اﻟﻘﯿﻮد واﻟﺘَّﻘﯿﯿﻤﺎت اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ، وهُوَ بهذا اﻟﻤﻌﻨﻰ واﻗﻌﻲٌّ وﻋﻠﻤﻲٌّ ﺑﺤﺖ. ﻟﻜِﻦْ ﻣﻊ ذﻟﻚ، ليست اﻟﺪَّوﻟﺔ ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إليه ﻣُﺠَﺮَّدَ ﻣﻮﺿﻮعٍ، ﯾﻜﻮن هُوَ نَفْسُهُ ﻛﺒﺎﺣﺚٍ ﻣُﺮاﻗِﺒًﺎ ﺧﺎرﺟﯿًّﺎ وﻏﯿﺮ ﻣﺒﺎلٍ تُجاهها. كَلَّا، فَهِيَ ﺗﻤﺜِّﻞ ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إليه ﻗﯿﻤﺔً ﻋﺎﻟﯿﺔً، ﺑَﻞْ أﻋﻠﻰ ﻗﯿﻤﺔ. وهُوَ ﻻ يبحث في اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻓﺤﺴﺐ، ﺑَﻞْ يبحث فيها ﻣﻦ زاوﯾﺔ اﻟﺸُّﺮوط اللَّازمة لتقويتها وازدهارها. ﯾﺪرس ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ اﻟﺪَّوﻟﺔ اﻟﻘﻮﻣﯿَّﺔ ﻓﻲ أﻛﺜﺮ ﻣﺮاﺣﻞ تكوُّنها دراﻣﺎﺗﯿﻜﯿَّﺔً، وهُوَ منهمكٌ ﺑﻤﺸﻜﻠﺔ ﺗﻮﺣﯿﺪ إﯾﻄﺎﻟﯿﺎ، وتحريرها ﻣِﻦَ اﻟﺘَّﺒﻌﯿَّﺔ اﻷﺟﻨﺒﯿَّﺔ، وﻣِﻦَ اﻟﻌﺎرِ واﻟﻌﺒﻮدﯾَّﺔ، على ما ﯾﻘﻮل هُوَ نَفْسُه. وباﻋﺘﺮافه بالمقام اﻟﻘﯿﻤﻲِّ اﻟﺮَّﻓﯿﻊ ﻟﻠﺪَّوﻟﺔ، ﯾﻮاﺻﻞ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ اﻟﻨَّﻈﺮة التَّقليديَّة اﻷرﺳﻄﯿَّﺔ، لكِنَّه، وبخلاف اﻷﺧﯿﺮة، ﻻ ﯾﻌﺘﻘﺪ أﺑﺪًا أنَّ ﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ وﺧﯿﺮ اﻟﻔﺮد ﻣﺘﻄﺎﺑﻘﺎن. وهُوَ ﯾﺪرك أنَّ اﻟﺪَّوﻟﺔ هِيَ ﻛﯿﺎنٌ ﺟﻤﺎﻋﻲٌّ له منطقه وقوانينه الخاصَّة المتمايزة ﻋﻦ المنطق الفرديِّ. فَخَيْرُ الدَّولة ﻟﯿﺲ ﺗﻌﺒﯿﺮًا ﻋﻦ خير الأفراد المنفصلين أو امتدادًا له، ﺑَﻞْ ﯾﺨﺘﻠﻒ عنهم ويتعارض معهم ويعلو عليهم. إذ إنَّ الدَّولة، في نظر مكيافيللي، ﻓﻮق ﻛُﻞِّ ﺷﻲءٍ واعتبار. وفي مقام الكلام على إنقاذ الوطن وحُرِّيَّته، ﯾﺠﺐ اﻟﺘَّﺨﻠَّﻲ ﻋﻦ ﻛُﻞِّ اﻻﻋﺘﺒﺎرات اﻟﻤﺘﻌﻠِّﻘﺔ ﺑﺎﻟﻌﺪاﻟﺔ واﻟﺮَّﺣﻤﺔ، وحَتَّى ﻧﺴﯿﺎن ﻛُﻞِّ ﺷﻲءٍ آﺧﺮ عمومًا، ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ذﻟﻚ النَّفْسُ اﻟﺨﺎﺻَّﺔ. وفي معرض وَصْفِهِ للصَّفحات اﻟﺒﻄﻮﻟﯿَّﺔ ﻣﻦ ﺗﺎرﯾﺦ ﻓﻠﻮرﻧﺴﺎ، ﯾُﺆﻛِّﺪ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ بإعجابٍ شديدٍ أنَّ "المواطنين ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻟﻮﻗﺖ ﻛﺎﻧﻮا يهتمُّون ﺑﺈﻧﻘﺎذ الوطن أﻛﺜﺮ ﻣﻦ اهتمامهم بإنقاذ أرواحهم" (12). ﻓﻤﺎ ﯾُﺴَﻤَّﻰ باللَّاأخلاقيَّة ﻟﺪى ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، ﯾﻨﺒﻊ ﻣﻦ التَّوجُّه اﻟﻘﯿﻤﻲِّ لفلسفته اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ اﻟَّﺬِي يؤكِّد أنَّ ﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ يعلو على ﺧﯿﺮ اﻷﺟﺰاءِ اﻟﻤُﻜَﻮِّﻧَﺔِ لها، وعلى خير المواطنين الأفراد ومجموعاتهم.

وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻓﺈنَّ ﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ اﻟﻤﺠﺴَّﺪ، ﻋﻠﻰ وَجْهِ اﻟﺨُﺼﻮصِ، ﻓﻲ اﻟﺤﺎﻛﻢ، ﻏﺎﻟﺒًﺎ ما يتطلَّب ﺗﺠﺎوُزَ الخطِّ اﻟﻔﺎﺻﻞ ﺑﯿﻦ اﻟﺨﯿﺮ والشَّرِّ: "وينبغي للأمير الحاكم ألَّا يخشى اﻟﺴُّﻤﻌﺔ اﻟﺴَّﯿِّﺌﺔ ﻟﺘﻠﻚ اﻟﺮَّذاﺋﻞ اﻟَّﺘِﻲ من دونها ﯾَﺼْﻌُﺐُ عليه إﻧﻘﺎذ اﻟﺪَّوﻟﺔ" (13). يَحُثُّ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، حاشدًا اﻟﺤُﺠَﺞَ المنطقيَّة المعزَّزة، ﻗﺒﻞ ﻛُﻞِّ ﺷﻲءٍ، بوﻓﺮة اﻷﻣﺜﻠﺔ والشَّواهد اﻟﺘَّﺎرﯾﺨﯿَّﺔ، اﻟﺤﺎﻛﻢَ على ﻋﺪم اﻟﺨﻮف ﻣﻦ الاتِّهامات ﺑﺎﻟﻘﺴﻮة واﻟﺒﺨﻞ، وﻋﺪم اﻟﺨﻮف ﻣﻦ أنْ ﯾُﻮﺻَﻒَ بأنَّه ﻏَﯿْﺮُ أﻣﯿﻦٍ وﻛﺎذبٍ، ﻷنَّ هذه اﻷﻓﻌﺎل اﻟﻤﺮذوﻟﺔ ﯾﻤﻜﻦ أنْ ﺗﻜﻮن وﺳﺎﺋﻞ ﻣﻔﯿﺪةً ﻟﻠﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ اﻟﺴُّﻠﻄﺔ وإنجاز ﺗﻠﻚ المَهَمَّة اﻟﺘَّﺤﺮُّرﯾَّﺔ واﻟﺘَّﻮﺣﯿﺪﯾَّﺔ القوميَّة المُكَلَّفِ بها والمُؤتَمَنِ عليها. ويُخْتَتَم ﻛﺘﺎب ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺑﻤﺎ يُشْبِهُ نداءً تحريريًّا، ﯾﻘﻮل فيه اﻟﻤﻔﻜِّﺮُ ﻷﺟْﻞِ أيِّ ﺷﻲءٍ، ومِنْ أيِّ ﻣﻨﻈﺎر ﻣِﻦْ ﺑَﯿْﻦِ أُﻣﻮرٍ أُﺧﺮى كان ﯾﺪﻋﻮ اﻟﺤﺎﻛﻢ إﻟﻰ اﻟﺤﺴﻢ اﻟﻘﺎدر ﻋﻠﻰ ﺗﺠﺎوُزِ اﻟﻘﯿﻮد اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ: "ﻛﻤﺎ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ مهجورةً ﻣِﻦَ اﻟﺤﯿﺎة، ﺗﻨﺘﻈﺮ إﯾﻄﺎﻟﯿﺎ ﻣَﻦْ ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ أنْ يُداوي جراحها، وﯾﻀﻊ ﺣَﺪًّا لِنَهْبِ ﻟﻮﻣﺒﺎردﯾﺎ، وأخْذِ الإتاوات ﻓﻲ ﻧﺎﺑﻮﻟﻲ وﺗﻮﺳﻜﺎﻧﺎ، وﯾﻌﺎﻟﺞ اﻟﻘﺮوح المتقيِّحة ﻣﻨﺬ زﻣﻦٍ طويلٍ. اُﻧْﻈُﺮوا ﻛﯿﻒ ﺗﺘﻮﺳَّﻞ إﻟﻰ ﷲ أنْ ﯾُﺮْﺳِﻞَ إليها ﻣَﻦْ ينقذها ﻣِﻦْ قَسْوَةِ اﻟﺒﺮاﺑﺮة ووقاحتهم! اُﻧْﻈُﺮوا ﻛﺬﻟﻚ، ﻛﯿﻒ أنَّها ﻣُﺴْﺘَﻌِﺪَّةٌ ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻟﻼﻧﻀﻮاء ﺗﺤﺖ أيِّ راﯾﺔٍ، لِتَجِدَ فقط ﻣَﻦْ يرفعها" (14).

ﺑﺎﺧﺘﺼﺎر، يكمن اﻟﻮاﻗﻊ اﻟﻘﺎﺳﻲ اﻟَّﺬِي يرصده ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ويعترف به ﻧﻈﺮﯾًّﺎ، ﻓﻲ أنَّ اﻟﺨﯿﺮ من منظار غايات اﻟﻔﺮد أو اﻷﺧﻼق اﻟﻔﺮدﯾَّﺔ، واﻟﺨﯿﺮ من منظار ﻣﺼﺎﻟﺢ اﻟﺪَّوﻟﺔ واﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، أيْ أﺧﻼق اﻟﻔﺮد وأﺧﻼق اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ واﻟﺪَّوﻟﺔ ﯾﺘﺒﺎينان بعضهما عن بعض. وﻓﻲ هذا السِّياق، لا بُدَّ من إجراء تدقيقٍ مصطلحيٍّ. ففي اﻟﻨَّﻈﺮﯾَّﺔ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ، ﻻ ﯾﻮﺟﺪ ﺗﻘﻠﯿﺪ ﻟﻠﺘَّﻤﯿﯿﺰ ﺑﯿﻦ مفهومَيِّ اﻷﺧﻼق اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ وأﺧﻼق اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ. بَيْدَ أنَّ هذا اﻟﺘَّﻤﯿﯿﺰ مُهِمُّ ﺟِﺪًّا للفَهْمِ السَّليم لخصوصيَّة اﻷﺧﻼق. فاﻷﺧﻼق بطبيعتها ظاهرة اﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ وﺗﺎرﯾﺨﯿَّﺔ. إنَّها ﻛﺬﻟﻚ ﺗﺤﺪﯾﺪًا بِصِفَتِها اﺳﺘﺮاﺗﯿﺠﯿﺎ فرديَّة مسؤولة لسُلوك اﻷﻓﺮاد اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿّﯿﻦ، ﺗُﻌَﺒِّﺮُ، مبدئيًّا، ﻋﻦ المعالم الشَّخصيَّة لوجودهم. اﻷﺧﻼق اﻟﻔﺮدﯾَّﺔ (أﺧﻼق اﻟﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ) هِيَ اﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ، ﻋﻠﻰ الأقَلِّ، لاعتبارين اثنين: أوَّلًا، لأنَّ خطَّ اﻟﺴُّﻠﻮك اﻟﻤُﻌﺒَّﺮ عنه ﺷﺨﺼﯿًّﺎ ليس ممكنًا إلَّا ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، وﻷنَّ اﻟﻔﺮد لا يصير ﺷﺨﺼﯿَّﺔً إلَّا ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ وﺑِﻘُﻮَّةِ اﻟﻌﻤﻠﯿَّﺔ اﻟﺘَّﺎرﯾﺨﯿَّﺔ؛ وﺛﺎﻧﯿًﺎ، لأنَّها تُشكِّل ﻣﺼﺪر اﻟﻘُﻮَّة اﻟﺪَّاﺧﻠﯿَّﺔ ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻊ وصلابته وديناميَّته. ﯾﻤﻜﻦ اﻟﺤﺪﯾﺚ ﻋﻦ "أﺧﻼق" اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻓﻘﻂ إذا ما وضعناها ﺑﯿﻦ مُزدوجَيْنِ، وﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﻤﺸﺮوط واﻟﻤﺠﺎزيِّ ﻟﻠﻜﻠﻤﺔ. وذلك عائد إلى عدم وجود أﺷﺨﺎصٍ وﻣﺆﺳَّﺴﺎتٍ بإمكانها أنْ تكون صَوْتَهُ الأخلاقيّ. اﻟﻤﻘﺼﻮد هُوَ أنَّه لا وجود ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ لأشخاصٍ وﻣﺆﺳَّﺴﺎتٍ ﺗﺘﻤﺘَّﻊ ﺑﺤﻖٍّ حصريٍّ ﻣُﻌْﺘََﺮَفٍ به (ﺑِﻐَﺾِّ اﻟﻨَّﻈﺮ ﻋﻦ ﻧﻮع اﻻﻋﺘﺮاف – أرسميًّا كان أم ﻏﯿﺮ رﺳﻤﻲٍّ) – للتَّحدُّث ﺑِﺎﺳْﻢِ اﻷﺧﻼق، ﻋﻠﻰ النَّحْوِ، مثلًا، الَّذِي تتحدَّث فيه هذه الفئة أو تلك من اﻟﻤﺘﺨﺼِّﺼﯿﻦ أو اﻟﺨﺒﺮاء، وهُمْ، ﻓﻲ اﻟﻐﺎﻟﺐ، مراجعُ مؤهَّلةٌ وحَمَلَةُ شهاداتٍ عُليا، ﺑِﺎﺳْﻢِ ذﻟﻚ اﻷﻣﺮ المُعترَفِ والمشهودِ لَهُمْ بِباعِهِمِ الطَّويلِ فيه. فلا وجود ولم يكن يومًا ثَمَّةَ وجودٍ، ﺳﻮاءٌ ﻓﻲ ﻣﺮﺣﻠﺔ اﻟﺘَّﻘﺴﯿﻢ اﻟﻌﺸﻮاﺋﻲِّ للوظائف أو ﻓﻲ اﻟﻈُّﺮوف المُعاصِرة للعقلنة المتزايدة للحياة وﺗﻘﺴﯿﻢ اﻟﻌﻤﻞ، لمتخصِّصين ﺗَﻢَّ تفويضهم اﻟﺤﻖَّ ﻓﻲ ﺗﻤﺜﯿﻞ وجهة ﻧﻈﺮ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻓﻲ ﻣﺴﺎﺋﻞ اﻷﺧﻼق، ﻋﻠﻰ النَّحْوِ، مَثَلًا، الَّذِي ﯾُﻤَﺜِّﻞُ فيه اﻟﻘُﻀﺎةُ اﻟﺪَّوﻟﺔَ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﯿﺮ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﯿَّﺔ، ويُمَثِّلُها اﻟﺪِّﺑﻠﻮﻣﺎﺳﯿّﻮن ﻓﻲ ﺑﻨﺎء اﻟﻌﻼﻗﺎت ﻣﻊ الدُّول واﻟﺸُّﻌﻮب الأُخرى، وإﻟﺦ. فاﻟﻘﺮارات اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ هِيَ ﻣﺴﺄﻟﺔٌ ﺷﺨﺼﯿَّﺔٌ مَحْضٌ، وﻻ ﯾﻤﻜﻦ تفويضها ﻷﺣﺪ. ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻟﻠﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ أنْ ﺗُﻮﻛِﻞَ موقفها اﻷﺧﻼﻗﻲَّ ﻷﺣَﺪٍ، ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻛﻤﺎ ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻟﻠﻔﺮد اﻟﺤَﻲِّ أنْ ﯾﻨﻘﻞ ﺗﻨﻔﯿﺬ وظائفه الحيويَّة إلى أحد.

ﺳَﺠَّﻞَ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ التَّضارب ﺑﯿﻦ اﻟﻤﻮﻗﻒ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ ﻟﻠﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ واﻟﻤﻮﻗﻒ الوظيفيِّ ﻟﻠﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ، وبَيَّنَ حتميَّته. وهذا التَّضارُب ليس ﺻﺮاعًا ﺑﯿﻦ أﻓﺮاد ﻣﺨﺘﻠﻔﯿﻦ، ﺑَﻞْ داﺧﻞ الفرد الواحد ذاته. فالسِّياسيُّ الحاكم باعتباره فاعلًا سياسيًّا وﺣﺎﻛﻤًﺎ هُوَ أﯾﻀًﺎ ﺷﺨﺼﯿَّﺔ. لذا، ﻓﻘﻂ اﻟﺘَّﺤﻠﯿﻞ غير المتحيِّز واﻟﻤُﺤﺎﯾِﺪِ أخلاقيًّا ﻟﺘﻠﻚ اﻟﻘﺮارات واﻷﻓﻌﺎل اﻟﺒﺸﺮﯾَّﺔ اﻟﻀَّﺮورﯾَّﺔ، ﻣﻦ وجهة ﻧﻈﺮ ﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ، والفاعلة وظيفيًّا ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إلى السِّياسيِّ الرَّاغب ﻓﻲ أداء عمله ﺟَﯿِّﺪًا، هُوَ ما ﯾﺴﻤﺢ بِفَهْمِ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ نَفْسِها ودَوْرِ اﻷﺧﻼق فيها ﺑﺸﻜﻞٍ ﺳﻠﯿﻢٍ. وتكمن ﻣﻔﺎرﻗﺔ اﺳﺘﻨﺘﺎﺟﺎت ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻓﻲ أنَّ لاأخلاقيَّة اﻷﻓﻌﺎل اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ تُشَكِّل ﺟﺰءًا ﻻ ﯾﺘﺠﺰَّأ ﻣﻦ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ذاتها المفهومة واﻟﻤﺒﻨﯿَّﺔ ﺑﺸﻜﻞٍ صحيحٍ، ﻋﻠﻰ اﻷﻗَﻞِّ، ﺑﻘﺪر ﻣﺎ تُعَدُّ فيه السِّياسة واﻟﺪَّوﻟﺔ ذاتهما أشكالًا ذات قيمةٍ وأهمٍّيَّةٍ أﺧﻼﻗﯿَّﺔٍ ﻟﻠﺤﯿﺎة اﻟﺠَﻤﺎﻋﯿَّﺔ. ومن أجْلِ فَهْمِ ﻣﻮﻗﻒ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ من هذه المسألة وتقييمه على نحوٍ دقيقٍ، لا بُدَّ من تسليط الضَّوءِ على اﻟﻨُّﻘﻄﺘﯿﻦ الآتيتين:

1- ﻻ ﯾﺘﺨﻠَّﻰ مكيافيللي ﻋﻦ مفاهيم الفضيلة والرَّذيلة، الخير والشَّرِّ ذاتها. فالصِّفات من مِثْلِ اﻟﻘﺴﻮة، واﻟﺒﺨﻞ، واﻟﺨﺪاع، واﻟﻨِّﻔﺎق ﻻ تَكُفُّ ﻋﻦ كونها ﻗﺴﻮةً، وبخلًا، وﺧﺪاﻋًﺎ، وﻧﻔﺎﻗًﺎ، أيْ أنماط ﺳُﻠﻮكٍ قبيحةً ومذمومةً أﺧﻼﻗﯿَّﺎ، ﻟِﻤُﺠَﺮَّدِ أنَّها ﺗﺨﺪم مصلحة اﻟﺪَّوﻟﺔ. والحالُ أنَّ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺑﻌﯿﺪٌ ﻛُﻞَّ اﻟﺒُﻌْﺪِ من إﻋﺎدة ﺗﺴﻤﯿﺔ هذه التَّحريفات اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ، وﺗﺴﻤﯿﺔ اﻟﺸَّﺮِّ ﺧﯿﺮًا. ذلك أنَّ مكيافيللي اﻟَّﺬِي يدعو اﻟﺤﺎﻛﻢ إلى ﻋﺪم اﻟﺨﻮف ﻣﻦ أنْ ﯾﻜﻮن ﻣﻨﺎﻓﻘًﺎ، هُوَ نَفْسُهُ كباحثٍ، ﺑﺮيءٌ ﻣﻦ هذه اﻟﺮَّذﯾﻠﺔ (15). ﻓﺎﻟﺸَّﺮُّ اﻷﺧﻼﻗﻲُّ يبدو قُوَّةً إيجابيَّةً ﻓﻲ ﻧﺸﺎط الأمير اﻟﺤﺎﻛﻢ بِصِفَتِهِ شرًّا أخلاقيًّا على وَجْهِ التَّحديد، مع بقائه ﻓﻲ ﺳﯿﺎق اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ اﻟﺪَّولوﯾَّﺔ وخارجها على ما هُوَ عليه بالفعل من حيث كونه رذيلةً ونمطَ ﺳُﻠﻮكٍ ﻏﯿﺮ مقبولٍ أخلاقيًّا.

وعليه، يُنظَرُ ﻓﻲ ﺳﯿﺎق اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ الدَّولويَّة (الحكوميَّة، السُّلطويَّة) ذاتها إﻟﻰ الشَّرِّ ﻋﻠﻰ أنَّه نمطُ ﻋَﻤَﻞٍ مُباحٍ وملائمٍ وضروريٍّ ﺳﯿﺎﺳﯿًّﺎ، لكِنَّهُ ليس بأيِّ ﺣﺎلٍ مرغوبًا. إذ ينبغي لنا، بحسب تعبير مكيافيللي: "ألَّا ﻧﺤﯿﺪ ﻋﻦ اﻟﺨﯿﺮ إنْ ﻛﺎن ذﻟﻚ ﻣُﻤْﻜِﻨًﺎ، ﻟﻜِﻦْ ينبغي أنْ ﻧﻌﺮف ﻛﯿﻒ ﻧﺴﻠﻚ طريق الشَّرِّ إنْ ﻛﺎن ذﻟﻚ ﺿﺮورﯾًّﺎ" (16). هذه هِيَ اﻟﺼِّﯿﻐﺔُ اﻟﻤُﺤْﻜَﻤَﺔُ والدَّقيقةُ ﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ اﻟَّﺘِﻲ ﺗُﺤَﺪِّدُ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﻠﻨَّﺸﺎط اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ. وﺑﺬﻟﻚ تؤدِّي اﻷﺧﻼق، وإنْ يكن ﺑﺸﻜﻞٍ ﻏﯿﺮ ﻣﺒﺎﺷﺮ، دورًا ضابطًا ﺗُﺠﺎه اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ﻣﺤﺪِّدةً ﻧﻘﺎط ضعفها وهشاشتها ﻣﻦ اﻟﻨَّﺎﺣﯿﺔ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ. إضافةً إلى ذﻟﻚ، هناك ﺑﻌﺾ اﻟﻘﯿﻮد ﻋﻠﻰ ﻧﺸﺎط الأمير-اﻟﺤﺎﻛﻢ الَّتِي تملك بالنِّسبة إليه طابَعًا أمريًّا؛ يجب على الأمير الحاكم، وَفْقًا لمكيافيللي، أنْ ﯾﻤﺘﻨﻊ امتناعًا تامًّا ﻋﻦ اﻷﻓﻌﺎل الَّتِي ﺗُﻮَﻟِّﺪُ الكَراهِيَةَ واﻻﺣﺘﻘﺎر تُجاهه، وبخاصَّةٍ، اﻏﺘﺼﺎب ﻣﻤﺘﻠﻜﺎت الرَّعايا وسَبْيِ نِسائِهِمْ.

تُشَكِّل اﻟﺪَّوﻟﺔ واﻟﺤﯿﺎة الحكوميَّة-اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ واقعًا مستقلًّا، رغم كَوْنِها ﻣﻮﺟﻮدةً ﻓﻲ صورة ﻧﺸﺎطٍ بشريٍّ، إلَّا أنَّها ﻣﻊ ذﻟﻚ ﻻ تتوقَّف عليه، ﺑَﻞْ إنَّها ﻣﻮﺿﻮﻋﯿَّﺔٌ وﺧﺎرﺟﯿَّﺔٌ ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إلى الجهود البشريَّة الواعِيَة المكوِّنة لها، وﺗَﺨْﻀَﻊُ لقوانينها وقواعدها اﻟﺨﺎﺻَّﺔ. وإذا ﻣﺎ ﺗَﺼَﻮَّرْﻧﺎ اﻟﺪَّوﻟﺔ فردًا ﯾﺴﻌﻰ إﻟﻰ ﺧﯿﺮه اﻟﺨﺎصِّ، لكان هُوَ الفرد الَّذِي يُوجَدُ ﻓﻲ اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻵﺧﺮ ﻣﻦ اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ، وﻓﻮق اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ، ولكان، ﺑﺎﻟﺘَّﺎﻟﻲ، ﻗﺎدرًا ﻋﻠﻰ اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ ﻋﻠﻰ ﺣَﺪٍّ ﺳﻮاءٍ، ﺗﺒﻌًﺎ لمصلحته. ﯾﻨﻄﻠﻖ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻓﻲ مؤلَّفه "اﻷﻣﯿﺮ" ﻣﻦ أنَّ اﻟﺤﺎﻛﻢ هُوَ اﻹﻧﺴﺎن اﻟَّﺬِي ﯾﺠﺴِّﺪ اﻟﺪَّوﻟﺔ، ويتحدَّث بِاسْمِها وﯾﻌﻤﻞ ﻣﻦ أﺟْﻞِ خيرها. هذا هُوَ اﻟﻔﺮد اﻟَّﺬِي ﯾﺘﻄﺎﺑﻖ ﺧَﯿْﺮُهُ اﻟﺸَّﺨﺼﻲُّ ﻣﻊ ﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ، وهُوَ الَّذِي ﻻ يمكنه اﻟﻮﺟﻮد إلَّا بِصِفَتِهِ ﺣﺎﻛﻤًﺎ، ومكانه إمَّا ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺮش وإمَّا على مِنَصَّةِ اﻹﻋﺪام. ومع أنَّ التَّطابق بين اﻟﺨﯿﺮ اﻟﺸَّﺨﺼﻲِّ وﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ، بين اﻟﺪَّواﻓﻊ اﻟﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ واﻟﻮاﺟﺒﺎت الوظيفيَّة يَبْلُغُ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ اﻟﺤﺎﻛﻢ أقصى درجاته، لكِنَّهما ليسا اﻟﺸَّﻲءَ نَفْسَهُ، إنَّما وحدة المُخْتَلِف. فَرَجُلُ الدَّولة والفاعلُ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲُّ ﯾﺒﻘﻰ إﻧﺴﺎﻧًﺎ حَتَّى ولو كان حاكمًا. وهذا اﻻﺧﺘﻼف ﻓﻲ اﻟﻔﺮد اﻟﻮاﺣﺪ عينه ﺑﯿﻦ اﻟﺤﺎﻛﻢ واﻹﻧﺴﺎن اﻟﻌﺎديِّ يبقى قائمًا على الدَّوام، وﯾﻜﻮن ﺻﺎرﺧًﺎ ﺑﺸﻜﻞٍ ﺧﺎصٍّ، ومتأزِّمًا، وﺣَﺘَّﻰ ﻣﺄﺳﺎوﯾًّﺎ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﺘﻌﻠَّﻖ اﻷﻣﺮ ﺑﺎﻷﺑﻌﺎد اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﻸﻓﻌﺎل. يَظْهَرُ هذا الانقسام، ﺑﺸﻜﻞٍ فاضحٍ وﻣﺄﺳﺎويٍّ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺘﻌﺎرض مصالح اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻣﻊ اﻟﻤﺸﺎﻋﺮ واﻟﻮاﺟﺒﺎت اﻟﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ، وﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺸﺘﻌﻞ، ﻛﻤﺎ ﺣﺪث ﻛﺜﯿﺮًا، ﻓﻲ ﻧَﻔْﺲِ اﻹﻧﺴﺎن اﻟﻮاﺣﺪ نيرانُ المُواجَهَةِ والصِّراعِ ﺑﯿﻦ اﻟﺤﺎﻛﻢ واﻷب (17). وﻏﺎﻟﺒًﺎ ﻣﺎ ﯾﻜﻮن ﻣﻦ اﻟﺼَّﻌﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﻔﺮد باعتباره إنسانًا، ﺑَﻞْ وﻣﻦ اﻟﻤﺴﺘﺤﯿﻞ، ﺗﺤَﻤُّﻞُ ﻣﺎ ﯾﺠﺐ عليه فعله ﻛﺤﺎﻛﻢ. وﻟﯿﺲ ﻣﻦ ﻗﺒﯿﻞ المُصادَفَةِ أنْ يدعو ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ الأميرَ إلى تَعَلُّمِ اﻟﺘَّﻐَﻠُّﺐِ ﻋﻠﻰ ما فيه مِمَّا هُوَ "إنسانيٌّ، إنسانيٌّ للغاية"، إذا ما اﺳﺘﺨﺪﻣﻨﺎ ﻋﺒﺎرة نيتشه، وأنْ يتعلَّم، ﻗﺒﻞ ﻛُﻞِّ ﺷﻲءٍ، ﺗﺠﺎوُزَ ﻣﺎ يُعَدُّ، على وَجْهِ الخصوص، ﻣُﻘَﺪَّﺳًﺎ ومُسَلَّمًا به – أيْ اﻟﻘﯿﻮد اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻌُﻨْﻒِ واﻟﻜَﺬِبِ واﻟﻘَﺴْﻮَة.

إنَّ اﻟﺪَّوﻟﺔ ليست فقط واقعًا موضوعيًّا قائمًا بذاته، ﯾﺠﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﻨَّﺎس اﻟَّﺬِﯾﻦ ﯾﻌﯿﺸﻮن في كَنَفِها أنْ ﯾُﺮاﻋﻮه ﺑﺎﻟﻀَّﺮورة. فَهِيَ أﯾﻀًﺎ ﺧَﯿْﺮٌ لَهُمْ (18). فاﻟﺪَّوﻟﺔ – ﻟﯿﺴﺖ ﺣﻘﯿﻘﺔً ﻗﺎﺳﯿﺔً فقط، ﺑَﻞْ هِيَ ﻗﯿﻤَﺔٌ ﻻ ﺷَﻚَّ فيها. وﻓﻲ اﻟﺪَّوﻟﺔ ﯾُﺤَﻘِّﻖُ اﻹﻧﺴﺎنُ ماهِيَّتَهُ ﻛﻜﺎﺋﻦٍ اﺟﺘﻤﺎﻋﻲٍّ. لذا، تملكُ اﻷﻓﻌﺎلُ ﺑِﺎﺳْﻢِ اﻟﺪَّوﻟﺔ ومن أجْلِ خيرها مقامًا قيميًّا إيجابيًّا بالنِّسبة إليه، وتنتمي إلى الأفعال المحمودة. وهُنا ينشأُ السُّؤال الآتي: ﻣﺎ العمل ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﺘﻌﯿَّﻦ اﻟﻘﯿﺎم ﺑﺄﻓﻌﺎلٍ مُنافِيَةٍ للأخلاق ﺑِﺎﺳْﻢِ اﻟﺪَّوﻟﺔ؟ وهَلْ ﯾُﻤْﻜِﻦُ اﻋﺘﺒﺎرُ اﻷﻓﻌﺎلِ المذمومةِ أﺧﻼﻗﯿًّﺎ والمستقبَحةِ مبدئيًّا، ﻣﻘﺒﻮﻟﺔً ومستحسَنةً لِمُجَرَّدِ أنَّها تَصُبُّ في مصلحة اﻟﺪَّوﻟﺔ وخيرها؟ أو لِنَقُل ﺑﻌﺒﺎرةٍ أُﺧﺮى، هَلْ ﯾﺘﻐﯿَّﺮ المقام اﻟﻘﯿﻤﻲُّ ﻟﻠﺸَّﺮِّ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ، لأنَّه مُجْدٍ للدَّولة ومُلائِمٍ لها؟

ﯾﻤﻜﻦ اﺧﺘﺼﺎر اﻹﺟﺎﺑﺔ ﻋﻦ هذا اﻟﺴُّﺆال ﻓﻲ إطار اﻟﻌﻠﻮم اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ اﻟﻤُﻌﺎﺻِﺮة (19)، إذا ما أغفلنا اﻻﺧﺘﻼﻓﺎت اﻟﻔﺮدﯾَّﺔ بين ﻣﻮاﻗﻒ بعض اﻟﻤﺆﻟِّﻔﯿﻦ، ﻓﻲ ﺛﻼث ﻧُﻘﺎطٍ: اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ واﻟﺪَّوﻟﺔ ﻛﺄﺷﻜﺎلٍ مُهِمَّةٍ ومُلازِمةٍ ﻟﻠﻮﺟﻮد البشريِّ هُما خيرٌ، ويحملان ﻣﻌﻨًﻰ أﺧﻼﻗﯿًّﺎ إﯾﺠﺎﺑﯿًّﺎ، وﻻ ﯾﻤﻜﻦ، بالتَّالي، اعتبارهما ﻣﻨﻄﻘﺔً ﻣﺤﺎﯾﺪةً أﺧﻼﻗﯿًّﺎ؛ وﺗَﺨْﻀَﻊُ اﻷﻓﻌﺎل اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ ﻟﻠﺘَّﻘﯿﯿﻢ طِبْقًا لمعايير ﺳﯿﺎﺳﯿَّﺔ خالصة. إذ إنَّ تقييمها الأخلاقيَّ مشروطٌ بالجدوى والمُبرِّر اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﯿﻦ، وهُوَ ﺛﺎﻧﻮيٌّ ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إليهما؛ ومع ذلك، تبقى ﺗﻠﻚ اﻟﺤﺎﻻت الَّتِي ﺗﺘﻌﺎرض فيها اﻷﻓﻌﺎل اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ ﺑﺸﻜﻞٍ واﺿﺢٍ ﻣﻊ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ، وﻻ ﯾﻤﻜﻦ اعتبارها أخلاقيَّةً بذاتها خارج نطاق السِّياسة، قابلةً ﻟﻠﺘَّﺒﺮﯾﺮ ﻓﻲ ﺳﯿﺎق اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ. فاﻟﻨُّﻘﻄﺔ اﻷﺧﯿﺮة هِيَ نُقطة أساسيَّة لِفَهْمِ ﻣﺴﺄﻟﺔ العلاقة بين الأخلاق والسِّياسة: فَهِيَ تشهد ﻋﻠﻰ مَنْحِ اﻷﺧﻼق ﻣﻌﻨًﻰ أداتيًّا في علاقتها بالسِّياسة. وهُنا ﯾﺒﺮز ﺳﺆال بديهيٌّ: هَلْ ﺗﺒﻘﻰ اﻷﺧﻼقُ المُنَزَّلَةُ إﻟﻰ ﻣﺴﺘﻮى الأداة والوسيلة أخلاقًا؟ فقد كان يُنْظَرُ، على الدَّوام، إلى مكانتها المميَّزة (ضمن إطار النَّظريَّات الفلسفيَّة، وعلى مستوى الوعي اليوميِّ) ﻓﻲ ﻧﻈﺎم الغايات اﻟﺒﺸﺮﯾَّﺔ على أنَّها قيِّمَةٌ بذاتها، وﻻ يَصِحُّ بأيِّ حالٍ من الأحوال الحطُّ بها إلى دَرْكِ الوسيلة، وأنَّها تمثِّل المرجع الأعلى والأسمى لتقييم الأفعال البشريَّة.

وﻟﯿﺲ ﻣﻦ ﻗﺒﯿﻞ اﻟﻤُﺼﺎدَﻓَﺔِ أنَّه وﻓﻲ ﻛُﻞِّ ﻣَﺮَّةٍ تتخلَّى فيه اﻷﺧﻼق عن مطالبها اﻻﺳﺘﻘﻼﻟﯿَّﺔ-اﻟﻤُﻄْﻠَﻘَﺔ وتهبط إﻟﻰ مستوى الوﺳﯿﻠﺔ لغاياتٍ أُﺧﺮى، ﻓﺈنَّ هذه الأخيرة ﺗُﻌﻄَﻰ، بصورةٍ صريحةٍ أو مُضْمَرَةٍ، ﻣﻌﻨًﻰ ذا قيمةٍ كامنة (20). فموقف مكيافيللي من ﻣﺴﺄﻟﺔ اﻟﻤﻘﺎم اﻟﻘﯿﻤﻲِّ لللَّاأخلاقيَّة المُحفَّزة سياسيًّا حَمَّالُ أوجُهٍ، ويسمح ﺑﺘﻔﺴﯿﺮات ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ. إذ ﯾﻤﻜﻦ اﻟﻌﺜﻮر ﻋﻨﺪه ﻋﻠﻰ أقوالٍ يُفْهَمُ منها أنَّ اﻷﻓﻌﺎل اللَّاأخلاقيَّة ﺗَﻔْﻘِﺪُ صِفَتَها اللَّاأخلاقيَّة إنْ ﻛﺎﻧﺖ ﺿﺮورﯾَّﺔً ﻟﺨﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ، وﻣُﻼﺋِﻤَﺔً سياسيًّا. فَهُوَ ﯾﺘﺤﺪَّث، ﻋﻠﻰ ﺳﺒﯿﻞ اﻟﻤﺜﺎل، ﻋﻦ اﻟﻘﺴﻮة المُستخدَمة جَيِّدًا، ﻣُﺪْرِﻛًﺎ ﻛُﻞَّ اللَّامعقوليَّة المتناقضة لهذا المفهوم ومدافعًا عنها: "ﯾﻤﻜﻦ ﺗﺴﻤﯿﺔ اﻟﻘﺴﻮة المُستخدَمة ﺟَﯿِّﺪًا (إذا جاز ﻓﻘﻂ أنْ ﯾُﻘﺎل ﻋﻦ السَّيِّئ إنَّه ﺟَﯿِّﺪٌ) ﺗﻠﻚ الَّتِي ﺗُﺮﺗﻜَﺐ لمرَّةٍ واﺣﺪةٍ ﻓﻘﻂ بدافع الحاجة إلى حفظ الذَّات، من دون أنْ يتمادى في ارتكابها بعد ذلك، ﺑَﻞْ يَسْتَخْلِصُ منها كُلَّ اﻟﻔﺎﺋﺪة اﻟﻤﻤﻜﻨﺔ ﻟﻠﺮَّﻋﯿَّﺔ"، ويُتابِعُ قائلًا ﻓﻲ السِّياق نَفْسِهِ: "وبَعْدَ إظهاره، ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ اﻟﻀَّﺮورة اﻟﻘﺼﻮى، ﺑﻀﻌﺔ أﻣﺜﻠﺔٍ ﻣُﺮْﻋِﺒَﺔٍ، فإنَّه ﺳﯿﻜﻮن أرﺣﻢ ﻣﻦ أوﻟﺌﻚ اﻟَّﺬِﯾﻦ ﯾﺴﻤﺤﻮن، من جَرَّاءِ تَسامُحِهِمِ اﻟﻤُﻔْﺮِطِ، بمفاقمة الفوضى والقلاقل الَّتِي تؤدِّي إﻟﻰ ﺟﺮاﺋﻢ ﻗﺘﻞٍ أو ﺳَﻠْﺐٍ تهزُّ، غالبًا، اﻟﻤﺠﺘﻤﻊَ بأكمله، ﺑﯿﻨﻤﺎ تطال اﻟﻌﻘﻮﺑﺎت اﻟَّﺘِﻲ يفرضها اﻷﻣﯿﺮ ﻓﺮدًا بعينه" (21). واللَّافتُ أنَّ مكيافيللي ﻻ ﯾُﺴَﻤِّﻲ اﻟﻘﺴﻮة رﺣﻤﺔً، وﻻ ﺣَﺘَّﻰ يُسَمِّي اﻷﻣﯿﺮ نَفْسَهُ رﺣﯿﻤًﺎ ﻓﻲ قسوته، إنَّما يقول ﻓﻘﻂ إنَّ ذﻟﻚ اﻷﻣﯿﺮ، وإنْ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ رحيمًا في هذه الأفعال، إلَّا أنَّه أرﺣﻢ مِمَّنْ ﯾﻜﻮن ﺳﺒﺒًﺎ ﻓﻲ ﻗﺴﻮةٍ أشَدَّ ضراوةً وأوسع نطاقًا. ﻛﻤﺎ نعثر عنده أﯾﻀًﺎ على قولٍ ﯾﻤﻜﻦ أنْ يُفْهَمَ منه أنَّ الأمير-اﻟﺤﺎﻛﻢ وﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ هُما اﻟﻤﻌﯿﺎر ﻟﺘﻘﺴﯿﻢ اﻷﻓﻌﺎل اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ إﻟﻰ ﻓﺎﺿﻠﺔٍ ومرذولةٍ: "وإذا ما ﺗﺄﻣَّﻠﻨﺎ ﻛُﻞَّ ﺷﻲءٍ ﺑﺪِﻗَّﺔٍ، ﻓﺴﻨﺠﺪ ﺷﯿﺌًﺎ ﯾﺒﺪو ﻓﻀﯿﻠﺔً، وﻟﻜِﻦَّ الاقتداء به ﺳﯿﻜﻮن هلاكًا ﻟﻸﻣﯿﺮ؛ وﺳﻨﺠﺪ ﺷﯿﺌًﺎ آﺧَﺮَ ﯾﺒﺪو رذﯾﻠﺔً، وﻟﻜِﻦَّ العمل بمقتضاه يضمن للأميرِ الأمْنَ والرَّفاهِيَة" (22).

وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻓﺈنَّ اﻟﻤﻮﻗﻒ العامَّ اﻟَّﺬِي ﻋَﺒَّﺮَ عنه ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻣِﺮارًا وبِكُلِّ وﺿﻮحٍ، وسار على هُداه ﺑﺜﺒﺎتٍ هُوَ أنْ اﻷﻓﻌﺎل - اﻟﻔﺎﺿﻠﺔ منها واللَّاأخلاقيَّة على حَدٍّ سواءٍ- اﻟﻤﻨﺪرﺟﺔ ﻓﻲ ﻣﻨﻄﻖ الجدوى اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ، ﻻ ﺗَﻔْﻘِﺪُ طبيعتها اﻷﺻﻠﯿَّﺔ اﻟَّﺘِﻲ تجعلها حسنةً أو قبيحةً بذاتها. إنَّ اﻟﺠﺪﯾﺪ اﻟَّﺬِي أضافه ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ إﻟﻰ اﻟﻔﻜﺮ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ، وافترق به ﻋﻦ اﻵراء السَّائدة، إنَّما يكمن، ﺑﺎﻟﻀَّﺒﻂ، ﻓﻲ اﻟﺪَّﻋﻮة أو اﻟﻤﻄﺎﻟﺒﺔ ﺑﺎرﺗﻜﺎب اﻟﺸَّﺮِّ لأهداف ﺳﯿﺎﺳﯿَّﺔ على أنْ تكون مصحوبةً برؤيةٍ وفَهْمٍ واضِحَيْنِ أنَّ اﻟﺤﺪﯾﺚ يجري ﻋﻦ ﻓﻌﻞٍ كان ويبقى وسيبقى، بِحَدِّ ذاته، مرفوضًا ومرذولًا من النَّاحية الأخلاقيَّة. ﻋﻠﻰ اﻷﻣﯿﺮ أنْ يتحلَّى باﻟﺸَّﺠﺎﻋﺔ ﻟﯿﺴﻠﻚ طريق اﻟﺸَّﺮِّ، وأنْ ﯾﻌﺮف ﻛﯿﻒ ﯾﻔﻌﻞ ذﻟﻚ. عليه، ﺑﺎﻟﻄَّﺒﻊ، أنْ ﯾﻌﺮف ﻛﯿﻒ ﯾُﺤﺪِث اﻧﻄﺒﺎﻋًﺎ ﺟَﯿِّﺪًا ً وﯾﺒﺪو فاضلًا، ﻟﻜِﻦْ هذا ﯾﻌﻨﻲ ﻓﻘﻂ أنَّ آفة اﻟﻨِّﻔﺎق أﯾﻀًﺎ ﺗﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺗﺮﺳﺎﻧﺔ وﺳﺎﺋﻞ نشاطه اﻟﻨَّﺎﺟﺢ: "ﻛﻢ ﺳﯿﻜﻮن ﺟﺪﯾﺮًا ﺑﺎﻟﺜَّﻨﺎء أنْ يفي اﻷﻣﯿﺮ بالعهد وأنْ ﯾﻜﻮن ﻣﺴﺘﻘﯿﻤًﺎ ﻓﻲ حياته، وﻻ يُراوغ، هذا ما يَفْهَمُهُ كُلُّ واحدٍ" (23). وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻟﯿﺲ ﻣﻦ اﻟﻀَّﺮوريِّ ﻟﻸﻣﯿﺮ أنْ يتحلَّى بهذه اﻟﻔﻀﺎﺋﻞ واقعيًّا (وﻟﯿﺲ البَتَّةَ، لأنَّ ذﻟﻚ ﺻﻌﺐٌ، بَلْ، لأنَّه يكادُ ألَّا يكون ممكنًا في صورةٍ لا غبارَ عليها)، ﺑَﻞْ ﯾﺠﺐ بالتَّأكيد أنْ ﯾﺒﺪو وكأنَّه يمتلكها حقيقةً: "زيادةً على ذلك: أﺟﺮُؤُ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﻮل إنَّه إذا كان يمتلكها ويتصرَّف داﺋﻤًﺎ وَﻓْﻘًﺎ لها، فإنَّها ﺿﺎرَّةٌ، وإذا ﺑﺪا كما لو أنَّه يمتلكها، فإنَّها ﻣﻔﯿﺪةٌ؛ وهكذا، ﯾﺠﺐ أنْ ﯾﺒﺪو رﺣﯿﻤًﺎ ووﻓﯿًّﺎ وإﻧﺴﺎﻧﯿًّﺎ وﺻﺎدﻗًﺎ وﺗﻘﯿًّﺎ؛ وأنْ تكون بالفعل ﻛﺬﻟﻚ، ﻟﻜِﻦْ ﯾﺠﺐ أنْ تحافظ على رباطة جأشك ﺑﺤﯿﺚ تتمكَّن وتستطيع، إذا ما اقتضت الضَّرورة أنْ ﺗﺼﺒﺢ آخرًا وأنْ ﺗﺘﺤﻮَّل إﻟﻰ الضِّدِّ. وينبغي العلم بأنَّ اﻷﻣﯿﺮ، وﺧﺼﻮﺻًﺎ اﻷﻣﯿﺮ اﻟﺠﺪﯾﺪ، ﻻ ﯾﺴﺘﻄﯿﻊ مراعاة كُلِّ ﻣﺎ ﯾَﻤْﻨَﺢُ اﻟﻨَّﺎسَ مجدًا عظيمًا، لأنَّه مضطرٌّ في أغلب الأحيان، ﻣﻦ أﺟْﻞِ اﻟﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ اﻟﺪَّوﻟﺔ، إﻟﻰ التَّصرُّفِ ﺿِﺪَّ اﻟﻮﻓﺎء، وضِدَّ محبَّة اﻟﻘﺮﯾﺐ، وﺿِﺪَّ اﻹﻧﺴﺎﻧﯿَّﺔ، وﺿِﺪَّ اﻟﺪِّﯾﻦِ" (24). ﯾُﻌَﻠِّﻢُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ اﻷﻣﯿﺮَ أنْ ﯾُﻘْﺪِمَ ﻋﻠﻰ الأفعال الَّتِي تُعدُّ، طِبْقًا للمعايير الأخلاقيَّة، مذمومةً، مع فَهْمٍ واضحٍ لِما يفعله، وأنْ يُحافظ ﻋﻠﻰ رؤيةٍ ثاقبةٍ مُماثِلَةٍ تُجاهها، فلا ﯾﻨﺨﺪع بها ﻋﻨﺪﻣﺎ تتضاعف ﺑﺮذﯾﻠﺔ اﻟﻨِّﻔﺎق وترتدي ﻗﻨﺎع اﻟﺨﯿﺮ.

تجدنا هُنا أمام ﺣﺎﻟﺔ الشَّرِّ المُتعمَّد اﻟَّﺬِي يعدَّه ﺳﻘﺮاط ممتنَعًا، وﻟﻜﻦ اﻟَّﺬِي ﻟﻮ ﻛﺎن ﻣﻤﻜﻨًﺎ ﻟﻜﺎن أﻓﻀﻞ ﻣﻦ اﻟﺸِّﺮِّ اﻷﻋﻤﻰ واللَّاإراديِّ. يؤسِّس ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻹﻣﻜﺎﻧﯿَّﺔ المُحال.

وفي هذا السِّياق، ﻣﻦ اﻟﻤُﻨﺎﺳِﺐ إبداء الملاحظة الآتية: ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾﺘﺤﺪَّث مكيافيللي في العبارات المذكورة أعلاه عن ﺟﻮاز ارتكاب الحاكم أفعالًا تَتَّسِمُ باﻟﻘﺴﻮة والشَّراسة، ﻓﺈنَّه ﯾُﻮَﺿِّﺢ أنَّ اﻟﺤﺪﯾﺚ يجري ﻋﻦ ﻓﻌﻞٍ ﻟِﻤَﺮَّةٍ واﺣﺪةٍ، أو ﻋﻦ ﻋِﺪَّةِ أﻣﺜﻠﺔ. وبهذا اﻟﺘَّﻮﺿﯿﺢ يُظْهِرُ مكيافيللي ﻣﻌﺮﻓﺔً ﻋﻤﯿﻘﺔً ﺑﻄﺒﯿﻌﺔ اﻟﻔﻀﺎﺋﻞ واﻟﺮَّذاﺋﻞ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ اﻟَّﺘِﻲ لا تتشكَّل كصفاتٍ ﻧﺘﯿﺠﺔً لأﻓﻌﺎلٍ ﻣﻨﻔﺮدةٍ، ﺑَﻞْ ﻧﺘﯿﺠﺔَ ﺳﻠﺴﻠﺔٍ ﻣﺘﺘﺎﻟﯿﺔٍ منها تؤلِّف نهجًا سُلوكيًّا. تسمح اﻟﻨَّﻈﺮة الواعية إلى حالة اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ بصِفَتِهِ شرًّا اضطراريًّا بتقليله إﻟﻰ اﻟﺤَﺪِّ اﻷدﻧﻰ وتُبْقِي اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔَ ضمن الحقل التَّوجيهيِّ ﻟﻸﺧﻼق.

وبالاستنكاف عن إعادة إكساء اﻟﺮَّذﯾﻠﺔ حُلَّةَ الفضيلةِ أو أشباه الفضيلة لِمُجَرَّدِ أنَّها وسيلةٌ ناجعةٌ ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إلى السِّياسة، يفترق مكيافيللي عن اﻟﻤﻔﻜِّﺮﯾﻦ اﻟﻤﻌﺎﺻﺮﯾﻦ ﻓﻲ الإطيقا اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ اﻟَّﺬِﯾﻦ ﯾﻌﺘﻘﺪون ذﻟﻚ، ويسمو عليهم بالمعايير العلميَّة والأخلاقيَّة على حدٍّ سواء. ﻣﻦ السَّيِّئِ ارﺗﻜﺎب أﻓﻌﺎلٍ ﻗﺎﺳﯿﺔٍ ومُضَلِّلَةٍ، واﻷﺳﻮأُ أنْ ﻧُﻐْﻤِﺾَ أﻋْﯿُﻨﻨﺎ عنها ونُسمِّيها رحمةً وﺻﺪﻗًﺎ (أو ﻏﯿﺮ ﻣﺘﻨﺎﻗﻀﺔ ﻣﻊ اﻟﺮَّﺣﻤﺔ واﻟﺼِّﺪق). ففي اﻟﺤﺎﻟﺔ اﻷُوﻟﻰ يَبْقى الأُفق مفتوحًا والفرصة متاحةً لإزالتها، وﺗﺤﺘﻔﻆ اﻷﺧﻼق باستقلاليَّتها وسيادتها في علاقتها بالسِّياسة، أﻣَّﺎ ﻓﻲ اﻟﺒﺪﯾﻞ الثَّاني، فإنَّها ﺗَﻔْﻘِﺪُ ذﻟﻚ.

2- ومع اعتراف مكيافيللي ﺑﺤﺘﻤﯿَّﺔ اللُّجوء إلى اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﻏﯿﺮ اللَّائقة أﺧﻼﻗﯿًّﺎ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، فإنَّه ﻻ يدعو ﺑﺄيِّ ﺣﺎلٍ إلى تبنِّيها والمواظبة عليها. وهُوَ لا يكتفي فقط بعدم تشجيع الأمير اﻟﺤﺎﻛﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﺘَّﻌﺎﻣﻞ معها ﻛﻤﻤﺎرﺳﺔٍ ﺳﯿﺎﺳﯿَّﺔٍ سويَّةٍ، ﺑَﻞْ ﯾُﺤﺬِّره ﻣﻦ ذﻟﻚ. وانسجامًا مع قوله الصَّائب بأنَّ اﻟﺤﺘﻤﯿَّﺔ والمبرِّر السِّياسيَّين ﻟﻸﻓﻌﺎل اللَّاأخلاقيَّة ﻻ يُغيِّران شيئًا في طبيعتها اللَّاأخلاقيَّة، يدعو مكيافيللي إلى التَّحكُّم بها والسَّيطرة عليها. وهذا ﯾﻌﻨﻲ – اﻟﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ الموقف اﻟﺴَّﻠﺒﻲِّ اﻟﻤﺤﺪَّد أخلاقيًّا منها، ﻣُﺪرِﻛًﺎ أنَّها ﺷَﺮٌّ أﺧﻼﻗﻲٌّ، وﺑﺎﻟﺘَّﺎﻟﻲ، ﯾﺠﺐ تجنُّبها. وإنْ ﺗَﻌَﺬَّرَ تجنُّبها، فالإقلال منها. إذ يجب جَعْلُها موضوعًا للاختيار العقلانيِّ وممارستها ﺑﺤﻜﻤﺔٍ، وهذا ﯾﻌﻨﻲ – مزاولتها ﻓﻘﻂ ﺑﺎﻟﺤﺪود اﻟﺪُّﻧﯿﺎ اﻟﻀَّﺮورﯾَّﺔ: "هكذا هُوَ ﻧﻈﺎم اﻷُﻣﻮر، حيث إنَّه ﻻ ﯾﻤﻜﻦ أﺑﺪًا اﻟﺴَّﻌﻲُ إلى تجنُّب ضررٍ ﻣﺎ من دون اﻟﻮﻗﻮع ﻓﻲ آﺧَﺮَ. فاﻟﺤﻜﻤﺔ ﺗﻜﻤﻦ ﻓﻲ اﻟﻘﺪرة ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺧﺼﺎﺋﺺ هذه اﻟﺼُّﻌﻮﺑﺎت، واﻋﺘﻤﺎد اﻷﻗَﻞَّ ﺳﻮءًا ﻛﺨﯿﺮ" (25).

والأرجح أنَّ مفهوم الشَّرِّ الأصغر واﻷﻗَﻞِّ ﺳﻮءًا - هُوَ المفتاح اﻟَّﺬِي ﯾﻜﺸﻒ كُنْهَ ﻣﻮﻗﻒ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ من اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ اﻟَّﺘِﻲ تهمُّنا. فالشَّرُّ، ﻛﻤﺎ أشرنا أﻋﻼه، وكما بات معلومًا لدينا مُنْذُ زمن سُقراط، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ أنْ ﯾﻜﻮن ﻗﺮارًا ﯾﺨﺘﺎره اﻹﻧﺴﺎن ﺑِﻮَﻋْﻲٍ. فاﻟﺸَّﺮُّ اﻟﻤُﺘَﻌَﻤَّﺪُ – ﺗﻨﺎﻗُﺾٌ ﻓﻲ اﻟﺘَّﻌﺮﯾﻒ، ﻷنَّه يرمز إﻟﻰ القطب السَّالب في إحداثيَّات الاختيار اﻟﺒﺸﺮيِّ. فَهُوَ ﯾﺸﯿﺮ إﻟﻰ ﻣﺎ يتجنَّبه اﻹﻧﺴﺎن داﺋﻤًﺎ، بقدر ما يتوقَّف اﻷﻣﺮ عليه، أيْ أنَّه ﻣﺎ ﻻ ﯾﻤﻜﻦ أنْ ﯾﻜﻮن ﻣﺘﻌﻤَّﺪًا. فاﻹﻧﺴﺎن ﯾﺨﺘﺎر اﻟﺸَّﺮَّ اﻷﻗَﻞَّ ﻟﯿﺲ لأنَّه ﺷَﺮٌّ، ﺑَﻞْ لأنَّه الأهْوَنُ واﻷﻗَﻞُّ. إذ إنَّ للشَّيطان يَدان، على ما يقول س.س. أفيرينتسيف، إنْ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ أﻛﺜﺮ، ﻧُﻀﯿﻒُ ﻣﻦ ﻋﻨﺪﻧﺎ. فاﻟﺸَّﺮُّ اﻷﺻﻐﺮ – ﻗﺮارٌ ﻋﻘﻼﻧﻲٌّ، ﺗﺤﺪﯾﺪًا، في الأوضاع اﻟَّﺘِﻲ ﯾﺪﺧﻞ فيها الشَّيطان ﻋﻠﻰ اﻟﺨﻂِّ وتكون مِرْوَحَةُ اﻟﻘﺮارات اﻟﻤﻤﻜﻨﺔ كُلِّها ﻣُﻌﯿﺒَﺔً أﺧﻼﻗﯿًّﺎ وﺷﯿﻄﺎﻧﯿَّﺔ. فهُوَ ﯾﻤﺜِّﻞ بذاته فعلًا اضطراريًّا ﻟﻢ ﯾﻜﻦ اﻹﻧﺴﺎن (بِصِفَتِهِ ذاﺗًﺎ أﺧﻼﻗﯿَّﺔً) ﻟﯿﺨﺘﺎره أﺑﺪًا إلَّا في سياقاتٍ مُعيَّنةٍ قاهرة. وهُنا ينطوي هذا الفرق بين الشَّرِّ الأكبر والشَّرِّ الأصغر على أهمِّيَّةٍ جوهريَّةٍ ﯾﻤﻜﻦ بسببه اعتبار الأخير فعلًا ﻣﺴﻤﻮحًا به وﺣَﺘَّﻰ خيرًا نسبيًّا. ففي حالة اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ، ﯾﺘﻠﺨَّﺺ اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻷﺧﻼﻗﻲُّ ﻟﻼﺧﺘﯿﺎر ﻓﻲ التَّأثير المحدود (الضَّئيل)، ويُرَدُّ اﻻﺧﺘﯿﺎر نَفْسُهُ إﻟﻰ عملية ﺣﺴﺎبٍ ﻧﻔﻌﻲٍّ ﻋﻘﻼﻧﻲٍّ ﺑَﺤْﺖٍ ﻟﻠﺨﺴﺎﺋﺮ والأضرار. وهذا أشْبَهُ ما يكون، على وَجْهِ التَّقريب، بحاكمٍ خبيثٍ ظالمٍ عَرَضَ ﻋﻠﻰ شخصٍ أنْ يختار أمرًا من اثنين: إمَّا أنْ تُبتَر يَدُهُ اليُمنى وإمَّا أنْ تُبتَر قَدَمُهُ اليُمنى؟ فاﻻﺧﺘﯿﺎر، إنْ صحَّ أصلًا استخدام هذا المفهوم ﻓﻲ هذه اﻟﺤﺎﻟﺔ، ﻻ يحتوي على أيِّ ذرَّةٍ ﻣﻦ اﻷﺧﻼق. وﻛُﻞُّ اﻟﻌَﻤَﻞِ اﻟﻔﻜﺮيِّ للشَّخصِ اﻟﻤُﺘَﺨَﯿَّﻞ، إنْ ﻟﻢ ﯾَﻔْﻘِﺪْ صوابه ﻗﺒﻞ أنْ ﯾَﻔْﻘِﺪَ ﯾَﺪَهُ أو قَدَمَهُ، سيُرَدُّ إﻟﻰ ﺣﺴﺎبٍ ذهنيٍّ ﻟﻠﺨﺴﺎﺋﺮ النَّاجمة عن ﻛُﻞِّ بديلٍ ﻣﻦ البديلَيْنِ المطروحَيْنِ. ﺑﺎﻟﻄَّﺒﻊ، ﯾﻤﻜﻦ هُنا أﯾﻀًﺎ ﺗَﻔَﺤُّﺺُ اﻟﺒﺪاﺋﻞ: إذا ﻛﺎن اﻟﻔﺮد، على سبيل المثال، ﺻﺎﺋِﻐًﺎ، فإنَّه سيُفَضِّل اﻹﺑﻘﺎء ﻋﻠﻰ ﯾﺪه سليمةً، وإذا ﻛﺎن ﺳﺎﻋﻲ ﺑﺮﯾﺪٍ، فإنَّه سَيُفَضِّل الحفاظ على سلامة قَدَمِهِ وما شابه، ﻟﻜﻦ اﻋﺘﺒﺎر ﻛُﻞِّ هذا ﺧﻄﺎﺑًﺎ "أﺧﻼﻗﯿًّﺎ" – ﻣﻌﻨﺎه ارتكاب حماقةٍ ما بعدها حماقة.

هَلْ ﯾﻤﻜﻦ أنْ ﯾﺼﺒﺢ اﻟﺤﺴﺎب ﺑﯿﻦ اﻟﺸَّﺮَّين اﻷﻛﺒﺮ واﻷﺻﻐﺮ ﻣﻮﺿﻮﻋًﺎ ﻟﻠﺘَّﺤﻠﯿﻞ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ، وﻓﯿﻢَ ﯾﻤﻜﻦ أنْ يكمن إسهام اﻷﺧﻼق اﻟَّﺬِي ﻣﻦ شأنه أنْ ﯾﻤﻨﻊ سوء اﻻﺳﺘﺨﺪام الأخلاقيِّ ﻟﻔﻜﺮة اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ ذاتها؟

ﻓﻲ اﻷدبيَّات الأخلاقيَّة المُعاصِرة، يُناقَشُ ﻣﻮﺿﻮعُ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ بحماسةٍ لافتةٍ وعلى نطاقٍ واسعٍ، وبخاصَّةٍ، الشِّقَّ الأخلاقيَّ منه، ﺣﯿﺚ تبلورت مقارباتٌ ورُؤًى ﻣﺨﺘﻠﻔﺔٌ، وفُرِزَتْ ﺣﺎﻻتٌ نمطيَّةٌ، وﻗُﺪِّﻣَﺖ اﺳﺘﺮاﺗﯿﺠﯿﺎتٌ وﺟﺪاولُ ﺗﻘﯿﯿﻢٍ ﻣﺘﻨﻮِّﻋﺔ (26). ومن أجْلِ فَهْمِ اﻟﻤﻼﻣﺢ اﻟﻌﺎﻣَّﺔ ﻟﻠﻤﻨﺎﻗﺸﺎت الدَّائرةِ ﺣﻮل ﻣﺸﻜﻠﺔ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ، ﯾُﻌَﺪُّ اﻟﺘَّﻌﻤﯿﻢ الآتي للباحث الكَنَديِّ المتخصِّص م. إغناتييف دالًّا ومُعبِّرًا: "...إذا ما ﻟﺠﺄﻧﺎ إﻟﻰ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ، ﻓﯿﺠﺐ أنْ ﻧﻔﻌﻞ ذﻟﻚ، أوَّلًا، مُدرِكين تمامًا ﺑﺄنَّ ﻣﺎ نرتكبه إنَّما هُوَ ﺷَﺮٌّ؛ ﺛﺎﻧﯿًﺎ، ﯾﺠﺐ علينا أنْ نفعله ﻓﻘﻂ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ اﻟﻀَّﺮورة اﻟﻘﺼﻮى اﻟَّﺘِﻲ ﯾﻤﻜﻦ إﺛﺒﺎت وجودها؛ ﺛﺎﻟﺜًﺎ، ﯾﺠﺐ أن ﻧﺨﺘﺎر أنماط اﻟﻔﻌﻞ اﻟﺴَّﯿِّﺌﺔ كوسيلةٍ قصوى ﻓﻘﻂ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻜﻮن ﺟﻤﯿﻊ اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اﻷُﺧﺮى ﻗﺪ استُنفِدت وﺟُﺮّﺑﺖ. وأﺧﯿﺮًا، ﯾﺠﺐ علينا أنْ نُنفِّذ الالتزام اﻟﺮَّاﺑﻊ: ﯾﺠﺐ علينا أنْ نُسَوِّغَ أﻓﻌﺎﻟﻨﺎ ﻋَﻠَﻨًﺎ ونعرضها ﻋﻠﻰ المواطنين ﻟﯿﺤﻜﻤﻮا ﻋﻠﻰ صِحَّتها" (27). فقط النُّقطة الأُولى تدخل ضمن نطاق صلاحيَّات الأخلاق ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﺪَّﻗﯿﻖ واﻟﺨﺎصِّ ﻟﻠﻜﻠﻤﺔ، وﺗﺤﺪﯾﺪًا، ﺗﺼﻨﯿﻒ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ ﻓﻲ إطار التَّضادِّ بين قطبيِّ اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ. أﻣَّﺎ ﺟﻤﯿﻊ اﻟﺸُّﺮوط (اﻟﻘﻮاﻋﺪ) اﻷُﺧﺮى اﻟَّﺘِﻲ ﯾﺠﺐ تنفيذها ﻓﻲ إطار ﻣﻨﻄﻖ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ، ﻓﺘﻨﺘﻤﻲ إﻟﻰ ﻣﺠﺎل اﻟﻤﺴﺆوﻟﯿَّﺔ اﻟﺨﺎﺻَّﺔ، وهِيَ، بِحَسَبِ عبارة م.م. ﺑﺎﺧﺘﯿﻦ، ﺗﻔﺘﺮض تحليلًا عيانيًّا للموضوع، مصحوبًا ﺑﻤﻌﺎرف مِهْنيَّةٍ، وﺟﻮاﻧﺐ ﻗﺎﻧﻮﻧﯿَّﺔٍ، وﻣﻮاﻓﻘﺔٍ اﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔٍ… وإﻟﺦ. فالحديث هُنا ﻟﻢ ﯾَﻌُﺪْ حديثًا ﻋﻦ ﺑﺪء اﻟﻔﻌﻞ ﻓﻲ إطار اتِّجاه اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ اﻟَّﺬِي ﯾﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ اﻟﻔﺮد اﻟﻔﺎﻋﻞ نَفْسِهِ، وﻋﻠﻰ هُوِيَّتِهِ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔِ، إنَّما ﻋﻦ مضمونه و"مادَّته"، وعواقبه اﻟﻤُﺤْﺘَﻤَﻠَﺔِ اﻟَّﺘِﻲ ﯾﻌﺘﻤﺪ احتسابها ﻋﻠﻰ مَلَكاتِهِ العقليَّة ومهاراته المهنيَّة واﻟَّﺘِﻲ، ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ ذﻟﻚ، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ تتبُّعها، ﻣﻦ ﺣﯿﺚ اﻟﻤﺒﺪإِ، ﺑﺎﺳﺘﯿﻔﺎءٍ ﺗﺎمٍّ. فالموقف اﻟَّﺬِي ﻋَﺒَّﺮَ عنه م. إغناتييف ﺑﻮﺿﻮحٍ، واﻟﻘﺎﺋﻞُ ﺑﺄنَّ اﻟﺸَّﺮَّ اﻷﺻﻐﺮ هُوَ ﺷﺮٌّ (ﺑﺎﻟﻤُﻨﺎﺳَﺒَﺔِ، ﻻ يتبنَّاه اﻟﻜﺜﯿﺮون، ﺑَﻞْ رُﺑَّﻤﺎ أﻏﻠﺒﯿَّﺔ اﻟﻤﺆﻟِّﻔﯿﻦ اﻟَّﺬِﯾﻦ ﯾﻜﺘﺒﻮن ﻓﻲ هذا اﻟﻤﻮﺿﻮع)، وﺣﻘﯿﻘﺔ أنَّه اﻷﻗَﻞُّ ﺑﯿﻦ ﻛُﻞِّ ﻣﺎ هُوَ ﻣﻤﻜﻦ ﻓﻲ وضعٍ ﻣﺤﺪَّدٍ، ﯾﺴﻤﺢ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎر ﻣِﺜْﻞِ هذا اﻻﺧﺘﯿﺎر مُسَوَّغًا ﻋﻘﻼﻧﯿًّﺎ، لكِنَّهُ ﻻ ﯾُﻐَﯿِّﺮُ اﻧﺘﻤﺎءه المبدئيَّ إﻟﻰ ﻗُﻄْﺐِ اﻟﺸَّﺮِّ.

يُحدِّد هذا اﻟﺮَّأي، كونه ﻣﻼﺋﻤًﺎ لجوهر اﻷﺧﻼق ذاته، اﻟﻤﻮﻗﻒ اﻟﻘﯿﻤﻲَّ اﻟﻮﺣﯿﺪ اﻟﻤﻤﻜﻦ الموجِّه إلى اﺧﺘﯿﺎر اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ ﺗﺤﺪﯾﺪًا: إذا أُﺟﺒِﺮ اﻹﻧﺴﺎن ﻋﻠﻰ اﺧﺘﯿﺎر ﻣﺎ ﻟﻢ ﯾﻜﻦ ﻟﯿﺨﺘﺎره أبدًا ﻟﻮ ﻛﺎن اﻷﻣﺮ طوع يدَيه، أيْ ما يَعُدُّهُ، وَفْقًا لقناعاته، شرًّا يفضي إﻟﻰ هلاكه اﻷﺧﻼﻗﻲِّ، وأنَّه يحمل وِزْرَ اختياره هذا اﻟﻔﻌﻞ، ﻓﻤﻦ اﻟﻄَّﺒﯿﻌﻲِّ أنَّه سيسعى جاهدًا إﻟﻰ ﺗﻘﻠﯿﻞ هذا اﻟﻔﻌﻞ ذاته وعواقبه إﻟﻰ اﻟﺤَﺪِّ اﻷدﻧﻰ. واﻟﻌﻜﺲُ ﺻﺤﯿﺢٌ: اﻋﺘﺒﺎر اﻟﺸَّﺮّ اﻷﺻﻐﺮ فعلًا أﺧﻼﻗﯿًّﺎ ﻣﺴﻤﻮﺣًﺎ به ﯾﻤﺜِّﻞ ضربًا ﻣﻦ ضروب اﻟﻔﺴﺎد اﻷﺧﻼﻗﻲِّ، ﻛﻤﺎ ﻟﻮ أﻧَّﻨﺎ، ﺑِﺮَﻓْﻀِﻨﺎ اﻟﺮَّﺷﻮة ﺑﻤﺒﺎﻟﻎ ﻛﺒﯿﺮةٍ، ﺳﻤﺤﻨﺎ بها بمقادير ﺻﻐﯿﺮةٍ، أو ﺑِﺮَﻓْﻀِﻨﺎ اﻻﻋﺘﺪاءات اللُّصُوصيَّة، أﺟَﺰﻧﺎ اﻟﻤﺸﺎﺟﺮات الزُّقاقيَّة. وﺑﺎﻟﻔﻌﻞ، إذا ما أﺧﺬﻧﺎ اﻟﻤﺜﺎل اﻟﻤُﻔﻀَّﻞ والشَّائع ﻓﻲ إطار المناقشات المتعلِّقة بمشكلة اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ، وهُوَ ﻣﺜﺎل "اﻟﺘﺮاﻣﻮاي"، ﻓﻤﻦ اﻟﻮاﺿﺢ ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻷيِّ إﻧﺴﺎنٍ ﻋﺎﻗﻞٍ أنَّ ﻣﻮت ﻋَﺸَﺮَةِ أﺷﺨﺎصٍ أﺳﻮأُ بكثير من ﻣﻮت شخصٍ واﺣﺪٍ. ﻟﻜِﻦَّ اﻋﺘﺒﺎر اﻟﻔﻌﻞ اﻟَّﺬِي ﺗﻜﻮن نتيجَتُهُ (حَتَّى لو كانت ﻋَﺮَﺿِﯿَّﺔً) ﻣﻮت ﺷﺨﺺٍ واﺣﺪٍ فعلًا أﺧﻼﻗﯿًّﺎ ﻣﺴﻤﻮﺣًﺎ به، وﺑﻨﺎء ﺳﻼﺳﻞ ﻣﻨﻄﻘﯿَّﺔ ﻣُﻌَﻘَّﺪة ﻣﻦ المحاججة لتسويغ مِثْلِ هذا اﻻﺳﺘﻨﺘﺎج يُشَكِّلُ، على الأرجح، خروجًا ﻋﻦ ﺣﺪود التَّفكير السَّليم. فعلى سبيل المثال، يمكن لإنسانٍ فَقَدَ قَدَمَهُ هربًا ﻣﻦ أنْ يسحقه اﻟﺘﺮاﻣﻮاي ﺗﻤﺎﻣًﺎ، أنْ ﯾﻘﻮل: ﻣﻦ اﻟﺠَﯿِّﺪِ أﻧَّﻨﻲ ﺑﻘﯿﺖ ﺣَﯿًّﺎ. لكِنَّهُ ﻟﻦ ﯾﻘﻮل أﺑﺪًا: ﻣﻦ اﻟﺠَﯿِّﺪِ أو ﺣَﺘَّﻰ ﻟﯿﺲ ﺑﺎﻷﻣﺮ اﻟﻔﻈﯿﻊ أﻧَّﻨﻲ ﺑﻘﯿﺖ ﺑﻼ قَدَم.

ينطلق مكيافيللي متسلِّحًا بمنطق الباحث الصَّارم، لا الواعظ الأخلاقيِّ ﻣﻦ اﻟﻤﻮﻗﻒ الآتي: إنَّ الاستخدام اﻟﻤُﻨﺎﺳِﺐ (اﻟﻤُﻨﻔَّﺬ ﺑﺎﻟﺤﺪود اﻟﺪُّﻧﯿﺎ اﻟﻀَّﺮورﯾَّﺔ) ﻟﻠﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة (اﺧﺘﯿﺎر اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ) جائزٌ ﻓﻘﻂ إنْ لازَمَهُ إدراكٌ بأنَّ الجدوى والمبرِّر السِّياسيَّين ﻟﻠﻔﻌﻞ اللَّاأخلاقيِّ ﻻ ﯾُﻐﯿِّﺮانه وﻻ يُحوِّلانه إﻟﻰ ﻓﻌﻞٍ أﺧﻼﻗﻲٍّ ﻣﺴﻤﻮحٍ به. وقد ﯾﻜﻮن ﻣﻔﺘﺎح اﻟﺘَّﻔﺴﯿﺮ اﻟﺼَّﺤﯿﺢ لموقفه، اﻟﻤُﻌﺒَّﺮُ عنه ﻓﻲ الأطروحة اﻟﻔﻠﺴﻔﯿَّﺔ-اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ "اﻷﻣﯿﺮ"، هُوَ عمله المسرحيُّ اﻟﺴَّﺎﺧﺮ "تُفَّاحَةُ الشَّيطان" (mandragora) الَّذِي وإنْ كان أﻗَﻞّ شهرةً ﻣﻦ ﻛﺘﺎب "اﻷﻣﯿﺮ"، إلَّا أنَّه يُشَكِّلُ ﻣﻊ ذﻟﻚ ﺻﻔﺤﺔً ﻣﻌﺮوﻓﺔً ﻓﻲ ﺗﺎرﯾﺦ اﻟﺪّْراﻣﺎ. وفي هذا العمل المسرحيِّ يرسم مكيافيللي صورة الرَّاهب اﻟﺠﺸﻊ الماجن ﻓﺮا ﺗﯿﻤﻮﺗﯿﯿﻮ اﻟَّﺬِي ﯾﺸﺎرك مقابل مبلغٍ مِنَ اﻟﻤﺎل ﻓﻲ مكيدةٍ ﻣﻌﻘﺪةٍ وﯾﺪﻓﻊ اﻟﺰَّوﺟﺔ اﻟﺘَّﻘﯿَّﺔ المُخْلِصة إﻟﻰ ارﺗﻜﺎب اﻟﺰِّﻧﺎ، بإقناعها بأنَّ لا معصية ولا خطيئة في ذلك إطلاقًا. ﯾُﻐﻄِّﻲ رِﯾﺎءَهُ الفَرِّيسيَّ ﺑﻤﻨﻄﻖ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ: "أﻣَّﺎ في ما يخصُّ ضميركم، ﯾﺠﺐ عليكم أنْْ تأخذوا ﺑﺎﻟﻘﺎﻋﺪة اﻟﻌﺎﻣَّﺔ الَّتِي تَنُصُّ على وجوب عدم التَّخلِّي أبدًا عن الخير خوفًا من الشَّرِّ ﺣﯿﺚ ﯾﻮﺟﺪ ﺧﯿﺮٌ ﻣﺆﻛَّﺪٌ وﺷَﺮٌّ ملتبسٌ ﻏﯿﺮ ﻣﺆﻛَّﺪٍ... وفي ما يخصُّ الفعل ذاته، وكأنَّه ﺧﻄﯿﺌﺔ – فهذا ﺧﺮاﻓﺔٌ، ﻷنَّ اﻹرادة هِيَ اﻟَّﺘِﻲ ﺗُﺨْﻄِﺊُ، ﻻ اﻟﺠﺴﺪ... ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ ذﻟﻚ، إنَّ الأمر الَّذِي ﯾﺠﺐ مراعاته ﻓﻲ ﻛُﻞِّ اﻟﻈُّﺮوف هُوَ الغاية" (28). يفضح ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ زﯾﻒ اﻟﺤُﺠَّﺔ اﻷﺳﺎﺳﯿَّﺔ، اﻟﻤﺘﻤﺜِّﻠﺔ ﻓﻲ تبديل ﺻﯿﻐﺔ: "اﻟﻐﺎﯾﺔُ ﺗُﺒَﺮِّرُ اﻟﻮﺳﯿﻠﺔَ" بصيغة أُخرى: "اﻟﻐﺎﯾﺔُ تُعظِّمُ اﻟﻮﺳﯿﻠﺔَ". والحقُّ أنَّ ﻓﻜﺮ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﯾﺨﻠﻮ ﻣﻦ الصَّرامة الميكانيكيَّة الحادَّة. فَهُوَ يُتْقِنُ فنَّ الجمع بين الأضَّداد، ويُدْرِكُ تمامًا أنَّه ﺣَﺘَّﻰ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻐﺎﯾﺔ ﺗﺒﺮِّر اﻟﻮﺳﯿﻠﺔ، فهذا ﻻ ﯾﻌﻨﻲ أﺑﺪًا أنَّ اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﺗﺼﺒﺢ ﻏﺎﯾﺔً أو ﺗﺼﻄﻒُّ ﻓﻲ الصَّفِّ (المرتبة، المستوى) القيميِّ نَفْسِهِ. وفي هذه الحالة، لا يجري الحديث ببساطةٍ عن خَطَإٍ ﻣﻌﺮﻓﻲٍّ وغَفْلَةٍ منطقيَّة. ذلك أنَّ مآل "تطهير" اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة وتبرئة ذِمَّتِها بدعوى أﺧﻼﻗﯿَّﺔ الغايات، على ما يبيِّن ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، هُوَ تجريدُ اﻟﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ من سلاحها الأخلاقيِّ، وتهدئة ضميرها ﻏﯿﺮ اﻟﻨَّﻘﻲّ.

لقد أدرَك ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ جَيِّدًا أنَّه لكي نستخدم اﻷﻓﻌﺎل اللَّاأخلاقيَّة ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﺑﺤﺬرٍ وﺑﺎﻟﺤﺪود اﻟﺪُّﻧﯿﺎ اﻟﻀَّﺮورﯾَّﺔ، ﯾﺠﺐ أنْ ﻧُﻘْﺪِم عليها بِفْهْمٍ واﺿﺢٍ أنَّها ﻻأﺧﻼﻗﯿَّﺔ، وﺳﺘﻈﻞُّ ﻛﺬﻟﻚ. وﻓﻲ فلسفته اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ، تُباحُ اﻷﻓﻌﺎل اللَّاأخلاقيَّة باعتبارها شرًّا أﺻﻐﺮ ﻣﻦ وجهة ﻧﻈﺮ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ اﻟﻨَّﺎﺟﺤﺔ، وﻣﺼﺎﻟﺢ اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻛﻜُﻞٍّ. فاﻟﻤﻌﯿﺎر هُنا هُوَ، تحديدًا، ﺧﯿﺮُ اﻟﻜُﻞِّ وﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ. وﺑﺬﻟﻚ يُنْقَلُ ﺗﺤﻠﯿﻞ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻣﺘﻰ وإﻟﻰ أيِّ ﺣَﺪٍّ ﯾﺠﺐ إتيان اﻷﻓﻌﺎل اللَّاأخلاقيَّة إﻟﻰ ﻣﺠﺎل اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ وتصبح ﻣﻮﺿﻮﻋًﺎ ﻟﻠﺘَّﺤﻠﯿﻞ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ ﺗﺤﺪﯾﺪًا، وﻟﯿﺲ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ. وفي ما يتعلَّق بالأخلاق ومنظارها، فإنَّ الجدوى السِّياسيَّة ﻻ ﺗُﻐَﯿِّﺮ اﻟﺼِّﻔﺔ النَّوعيَّة اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﻸﻓﻌﺎل: ﻓﺎﻷﻓﻌﺎل المرذولة ﺗﺒﻘﻰ مذمومةً ومرفوضةً أﺧﻼﻗﯿًّﺎ، ﺣَﺘَّﻰ ولو ﻛﺎﻧﺖ أﻓﻌﺎلًا يؤتيها الأمير ﻟﺨﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ، وﺣَﺘَّﻰ لو ﻛﺎﻧﺖ افعالًا اضطراريَّةً أوَّلًا وثانيًا وثالثًا.

ﻻ ﯾُﻨْﻜِﺮُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ دَوْرَ اﻷﺧﻼق ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ﺑَﻞْ إنَّه، إذا ﺟﺎز اﻟﺘَّﻌﺒﯿﺮ، ﯾﺪﻣﺞ اﻷﺧﻼق ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ﻣﺨﻀِﻌًﺎ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﻠﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻟﺴَّﯿﺎﺳﯿَّﺔ. وهُوَ ﯾﻨﻈﺮ إﻟﻰ اﻷﺧﻼق باعتبارها وسيلةً ﺑﺎﻟﻨِّﺴﺒﺔ إﻟﻰ الأهداف اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ. ﯾﺠﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﺎﻛﻢ اﻟَّﺬِي ﯾﺠﺴِّﺪ اﻟﺪَّوﻟﺔ في شخصه أنْ ﯾﻜﻮن ﻗﺎدرًا ﻋﻠﻰ ﺗﺠﺎوُز اﻷﺧﻼق، وألَّا ﯾﺨﺸﻰ، بِالقَدْرِ نَفْسِهِ، أنْ ﯾُﻮﺻَﻒَ ﺑﻌﺪم اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ، وأنْ ﯾﻔﻌﻞ ذﻟﻚ من أجْلِ ﺗﻘﻮﯾﺔ سُلطته فقط: "ﻋﻠﻰ اﻷﻣﯿﺮ اﻟﺮَّاﻏﺐ ﻓﻲ اﻟﺒﻘﺎء، أنْ ﯾﺘﻌﻠَّﻢ كيف يستطيع أنْ ﻻ ﯾﻜﻮن فاضلًا، وأنْ ﯾﺴﺘﺨﺪم هذا أو ﻻ يستخدمه، وَفْقًا لمقتضيات اﻟﻀَّﺮورة" (29). أنْ ﺗﺘﻌﻠَّﻢ اﻻﻧﺤﺮاف ﻋﻦ اﻟﺨﯿﺮ – ﻻ ﯾﻌﻨﻲ أنْ تصبح شرِّيرًا وﺗﻔﻘﺪ اﻟﻘﺪرة ﻋﻠﻰ أنْ ﺗﻜﻮن طيِّبًا، إنَّما ﯾﻌﻨﻲ أنْ ﺗُﻄﻮِّر ﻓﻲ ذاﺗﻚ اﻟﻘﺪرة ﻋﻠﻰ ارﺗﻜﺎب أﻓﻌﺎلٍ ﺷﺮِّﯾﺮةٍ ﻓﻲ ﺣﺎل ﻛﺎﻧﺖ ﺿﺮورﯾَّﺔً ﺳﯿﺎﺳﯿًّﺎ: "من الضَّروريِّ للأمير – على ما يقول ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ – أنْ يكون قادرًا على الاتِّصاف بطبيعة الوحش واﻹﻧﺴﺎن معًا" (30). بهذا اﻟﺘَّﺼﺮُّف ﯾﺮﺗﻔﻊ اﻟﺤﺎﻛﻢ اﻟَّﺬِي ﯾﺠﺴِّﺪ بشخصه إرادة اﻟﺪَّوﻟﺔ ﻓﻮق تضادِّ اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ، لكِنَّهُ ﻻ ﯾُﻠْﻐﻲ هذا التَّضادَّ نَفْسَهُ. فَهُوَ يتخطَّاه ﺑِﺎﺳْﻢِ اﻟﺪَّوﻟﺔ، لكِنَّهُ ﻻ يُعْدِمُه. وﺑﻤﺎ أنَّ الكلام هُنا هُوَ على انتهاكات للأخلاق ﺗُﺮﺗَﻜَﺐ ﺑﻌﯿﻮنٍ ﻣﻔﺘﻮﺣﺔٍ، وﺑِﻮَﻋْﻲٍ وفَهْمٍ أنَّها انتهاكاتٌ ﺗﺤﺪﯾﺪًا، ﻓﺈنَّ اﻷﺧﻼق نَفْسَها ﺗﺤﺎﻓﻆ ﻋﻠﻰ استقلاليَّتها. وهِيَ بهذا تحديدًا – بحفاظها ﻋﻠﻰ اﻻﺳﺘﻘﻼﻟﯿَّﺔ وتسميَّتها اﻟﺸَّﺮَّ ﺷﺮًّا، ﺣَﺘَّﻰ ﻟﻮ ارﺗُﻜِﺐَ ﻟﺨﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ – تُسْهِمُ ﻓﻲ الإقلال من الشَّرِّ المُحَفَّزِ بدوافعَ سياسيَّةٍ. ﺑﺎﻟﻄَّﺒﻊ، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ اﻋﺘﺒﺎر ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، ﻛﻤﺎ ﯾﺰﻋﻢ بعض الباحثين، "ﻣﻌﻠِّﻤًﺎ ﻟﻠﺸَّﺮِّ"، إنْ كان مِثْلُ هذا الأمر ﻣﻤﻜﻨًﺎ أصلًا؛ ﯾﻤﻜﻦ اﻋﺘﺒﺎره ﻣُﻌﻠِّﻤًﺎ كهذا ﻓﻘﻂ بمعنى أنَّه ﯾُﻌﻠِّﻢ ارﺗﻜﺎب اﻷﻓﻌﺎل اﻟﺸِّﺮِّﯾﺮة ﻛﻮﺳﯿﻠﺔٍ اضطراريَّةٍ، ولكِنْ من غير أنْ ﯾﺼﺒﺢ اﻟﻤﺮءُ نَفْسُهُ ﺷﺮِّﯾﺮًا. وإذا ﻛﺎن ﯾُﻌﻠِّﻢ ﺷﯿﺌًﺎ ذا صلةٍ ﺑﺎﻷﻓﻌﺎل اﻟﺸِّﺮِّﯾﺮة، فَهُوَ أنْ يكون المرء ﺳﯿِّﺪَ مِثْلِ هذه اﻷﻓﻌﺎل، وأنْ يرتكبها بِفَهْمٍ واﺿﺢٍ لغاياتها وحدود ضرورتها. وﻋﻠﻰ أيِّ ﺣﺎلٍ، لا يَصِلُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ إﻟﻰ ﺣَﺪِّ اﻋﺘﺒﺎر الجدوى (اﻟﻤﻼءﻣﺔ) اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ بذاتها ﻣﺼﺪرًا ﻟﻠﻤﺒﺎدئ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ.

وهكذا، ﯾﻤﻜﻨﻨﺎ اﻟﺘَّﺤﺪُّث ﻋﻦ الإطيقا اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ عند مكيافيللي، وﻟﯿﺲ ﻋﻦ اللَّاأخلاقيَّة اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ، ﺑَﻞْ ﻋﻦ اﻷﺧﻼق اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ ﺗﺤﺪﯾﺪًا اﻟَّﺘِﻲ ﺗﻜﻤﻦ خصوصيَّتها ﻓﻲ كونها ذات طابَعٍ مُؤسَّسيٍّ وسياسيٍّ. هذه اﻷﺧﻼق، وإنْ ﻛﺎﻧﺖ تبيح الأفعال اللَّاأخلاقيَّة، إلَّا أنَّها ﻻ تَعُدُّها إﻟﺰاﻣﯿَّﺔً، وﺗُﺤَﺬِّر ﻣﻦ الوَهْمِ اﻟﺮِّﯾﺎﺋﻲِّ اﻟﻘﺎﺋﻞ إنَّها ما أنْ تصبح ﺿﺮورﯾَّﺔً ﺳﯿﺎﺳﯿًّﺎ حَتَّى تبطل عن كونها ﻻأﺧﻼﻗﯿَّﺔ. إضافةً إلى ذلك، يفتح هذا اﻟﺘَّﺤﺮﯾﺮ ﻟﻠﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻣﻦ اﻷﺧﻼق اﻟَّﺬِي يُؤسِّسُهُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، والمصحوب بالنَّظر إليها بوصفها مجالًا ﻟﻠﻨَّﺸﺎط الَّذِي ﯾَﺨْﻀَﻊُ لقوانينه اﻟﺨﺎﺻَّﺔ، أُفُقًا رحبًا أمام النَّقد اﻷﺧﻼﻗﻲِّ ﻟﻠﺴِّﯿﺎﺳﺔ.

ﻟﻘﺪ أﺻﺒﺢ من شِبْهِ المُسَلَّم به أنْ ﯾُﻨْﺴَﺐَ إﻟﻰ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ الرَّأي القائل بأنَّ ﻛُﻞَّ ﻣﺎ هُوَ ﻣﻔﯿﺪ ﻟﻠﺪَّوﻟﺔ وداعم لها هُوَ ﻣُﺒﺮَّر أﺧﻼﻗﯿًّﺎ. هذا ﻏﯿﺮ ﺻﺤﯿﺢ. إذ إنَّ موقف ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﻣﺨﺘﻠﻒ: فَهُوَ يرى أنَّ اﻷﻓﻌﺎل اللَّاأخلاقيَّة تندرج في عِدادِ اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اﻹﻟﺰاﻣﯿَّﺔ ﻟﻠﻨَّﺸﺎط اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ-اﻟﺪَّوﻟﻮيِّ، فضلًا عن أنَّ اﻟﺮَّﻓﺾ اﻟﻤﺒﺪﺋﻲَّ لها، وﻛﺬﻟﻚ ﻋﺪم اﻟﻘﺪرة ﻋﻠﻰ استخدامها ﺑِﻮَﻋْﻲٍ، يرتدَّان، ﺣﺘﻤًﺎ، ﻋﻠﻰ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﺑﻌﻮاﻗﺐ وخيمةٍ ﻣﺪﻣِّﺮة. ﻟﻘﺪ عَلَّلَ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ وأﻗَﺮَّ ﻧﻈﺮﯾًّﺎ (ﻟﻢ ﯾُﻤﺠِّﺪ، ﺑْﻞْ عَلَّلَ وأﻗَﺮَّ ﻧﻈﺮﯾًّﺎ) اللَّاأخلاقيَّة ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، لكنَّه ﻟﻢ ﯾُﻘِﺮَّ ﻻأﺧﻼﻗﯿَّﺔ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، وﻟﻢ يحسب اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ضربًا من ضروب اللَّاأخلاقيَّة، لأنَّه ﻟﻢ يَرَ في اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة اﻟﻤﺤﺘﻮى المُهَيْمِنَ، وﻻ حَتَّى اﻟﻤﺤﺘﻮى اﻟﻮﺣﯿﺪ ﻟﻠﻤﻤﺎرﺳﺔ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ.

تُظْهِرُ اﻟﻘﺮاءةُ اﻟﻤﺘﺄﻧِّﯿﺔ للفصول ﻣﻦ ﻛﺘﺎب "اﻷﻣﯿﺮ" اﻟَّﺘِﻲ ﯾﺒﺘﻌﺪ فيها ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، ﻛﻤﺎ ﯾُﺪرِكُ هُوَ نَفْسُهُ، أﻛﺜﺮ ﻣﺎ ﯾﻜﻮن من "آراء اﻵﺧﺮﯾﻦ"، أنَّ داﻓﻌَﯿﻦ أﺳﺎﺳﯿَّﯿﻦ يهيمنان عليها: فَهُوَ يوجِّه الأمير-اﻟﺤﺎﻛﻢ ويدعوه، أوَّلًا، إلى اﻟﺘَّﺨﻠُّﺺ ﻣﻦ الوَهْمِ اﻟﻘﺎﺋﻞ ﺑﺄنَّ ﺧﯿﺮ اﻟﺪَّوﻟﺔ يستبعد اﺳﺘﺨﺪام اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة، وإلى اﻟﻨَّﻈﺮ إﻟﻰ اﻷُﻣﻮر ﺑﻮاﻗﻌﯿَّﺔٍ وﻋﺪم اﻟﺨﻮف ﻣﻦ أنْ يُنْعَتَ ﺑﺎﻟﻘﺴﻮة والخداع، أيْ إلى ﺧَﻠْﻊِ اﻟﻘﻨﺎع اﻟﻤﻌﺘﺎد ﻟﻠﻨِّﻔﺎق اﻷﺧﻼﻗﻲِّ الَّذِي ﯾُﻘَﺪَّمُ اﻟﺸَّﺮَّ ويُصوِّره ﻋﻠﻰ أنَّه ﺧﯿﺮٌ؛ وﺛﺎﻧﯿًﺎ، إﻟﻰ أنْ ﯾﻜﻮن "ﻣﻘﺘﺼﺪًا" وﻣﺘﺤﻔِّﻈًﺎ للغاية ﻓﻲ اﺳﺘﺨﺪام اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اللَّاأخلاقيَّة، لكي ﻻ ﯾﺘﺠﺎوز اﻟﺤَﺪَّ اﻷدﻧﻰ اﻟﻀَّﺮوريَّ ﺳﯿﺎﺳﯿًّﺎ.

وأيًّا تكن دِقَّةُ تأويلنا لموقف مكيافيللي وتمييزه ﻋﻦ التَّحريفات واﻟﺘَّﺒﺴﯿﻄﺎت المبتَذَلة اللَّاحِقَة، ﻓﺈنَّ ﺷﯿﺌًﺎ واﺣﺪًا يبقى واضحًا ﺗﻤﺎﻣًﺎ: ﻟﻘﺪ بَيَّنَ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ (سوَّغ، أﺛﺒﺖ، أﺻﺮَّ) أنَّ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻣُﻘْﺘَﺮِﻧَﺔٌ باللَّاأخلاقيَّة واﻟﻌﻨﻒ واﻟﺨﺪاع. هذا هُوَ اﻟﺪَّرسُ اﻟﻨَّﻈﺮيُّ الأهَمُّ اﻟَّﺬِي قدَّمه مكيافيللي واﻟَّﺬِي، ﻓﻲ رأﯾﻲ، ﻟﻢ ﯾُﺴﺘﻮﻋَﺐ جَيِّدًا ﺣَﺘَّﻰ النِّهاية. وﻋﻨﺪﻣﺎ أﻗﻮل "ﻟﻢ ﯾُﺴﺘﻮﻋَﺐ جَيِّدًا ﺣَﺘَّﻰ النِّهاية"، ﻓﺄﻧﺎ أﻋﻨﻲ، ﻋﻠﻰ اﻷﻗَﻞِّ، ﻧﺘﯿﺠﺘﯿﻦ ﻣﺘﺮاﺑﻄﺘﯿﻦ ﺗﺘﺮﺗَّﺒﺎن ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ. ﺗﺘﻌﻠَّﻖ الأُولى ﺑﺎﻷﺧﻼق، وتتعلَّق اﻟﺜَّﺎﻧﯿﺔ ﺑﺎﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، وبفهمهما ومعرفة مكانتهما ﻓﻲ ﺣﯿﺎة اﻹﻧﺴﺎن واﻟﻤﺠﺘﻤﻊ.

ﻟﻤﺎذا، وَفْقًا لمكيافيللي، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﺗﻄﺒﯿﻖ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻟﻠﺘَّﻤﯿﯿﺰ ﺑﯿﻦ اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ، وﺑﯿﻦ اﻷﻓﻌﺎل الصَّالحة والأفعال الطَّالحة ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ؟ لأنَّها تظهر، ﻗﺒﻞ ﻛُﻞِّ ﺷﻲءٍ، ﻓﻲ ﺻﻮرة ﻣﺒﺎدئ ﻏﯿﺮ مشروطة. وبهذه اﻟﺼُّﻮرة، يمكنها أنْ تكون مُجْدِيَةً وفعَّالةً باعتبارها قناعةً ﺷﺨﺼﯿَّﺔً فقط. أﻣَّﺎ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ فَهِيَ ﺗﻤﺜِّﻞ ﻣﺠﺎلًا للتَّفاعل المتبادل ﺑﯿﻦ اﻟﻨَّﺎس، وﻧﻮﻋًﺎ ﻣﻦ اﻟﺘَّﻮازن القائم بين قوى وﻣﺼﺎﻟﺢ ﻏﯿﺮ ﻣﺘﺠﺎﻧﺴﺔٍ؛ وﻟﯿﺴﺖ اﻟﻘﻨﺎﻋﺎت (اﻟﻤﺒﺎدئ) هِيَ الأمر المُهِمُّ فيها، ﺑَﻞْ اﻷﻓﻌﺎل ذاتها ﻓﻲ نتائجها الملموسة واﻟﻤﺮﺋﯿﺔ، اﻟﻤﺆﺛِّﺮة في اﻟﻮﺿﻊِ اﻟﻌﺎمِّ ﻟﻸُﻣﻮر. ﻟﺪى ﻓﻼدﯾﻤﯿﺮ إيليتش ﻟﯿﻨﯿﻦ اﻟَّﺬِي يُشْبِهُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺟِﺪًّا ﻓﻲ ﻣﺴﺄﻟﺔ العلاقة بين اﻷﺧﻼق والسِّياسة، ﻣﻘﻮﻟﺔٌ دﻗﯿﻘﺔٌ ﺟِﺪًّا مُفادُها أنَّ اﻟﻔَﺮْقَ ﻛﺒﯿﺮٌ، من النَّاحية الشَّخصيَّة، ﺑﯿﻦ اﻟﺨﺎﺋﻦ عن غباءٍ واﻟﺨﺎﺋﻦ عن سابق إصرارٍ وتصميمٍ، ﻟﻜِﻦْ ﻻ وﺟﻮد لهذا اﻟﻔَﺮْقِ ﻣﻦ اﻟﻨَّﺎﺣﯿﺔ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ.

ﯾﺴﻤﺢ اﻟﺘَّﺤﻠﯿﻞ اﻟَّﺬِي قَدَّمَهُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺣﻮل ﺳﺒﺐ ﻋﺪم جواز اللُّجوء إلى المعايير اﻷﺧﻼقيَّة ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، بِفَهْمِ طبيعة الأخيرة ذاتها. اﻟﻤﻘﺼﻮد هُوَ إﺑﺮاز خصوصيَّة اﻷﺧﻼق واﻷﻓﻌﺎل اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ودراستها ﻣﻦ جهة تَضارُبها ﻣﻊ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ. بَيْدَ أنَّ هذا اﻻﺗِّﺠﺎه اﻟﺒﺤﺜﻲَّ الواعد واﻟﻤﺜﻤﺮ ﺟِﺪًّا ﻟﻢ ينل نصيبه الوافي من التَّطوير الكافي، ﺑَﻞْ تعرَّض لتحريفٍ ملحوظٍ. ﯾﺘﺠﻠَّﻰ التَّحريف ﻓﻲ ﻣﺤﺎوﻻت إﻋﺎدة ﺗﻔﺴﯿﺮ اللَّاأخلاقيَّة ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ لتبدو وكأنَّها نمطُ أفعالٍ مقبولٌ أﺧﻼﻗﯿًّﺎ، وﻋﻨﺼﺮٌ شرعيٌّ ﻓﻲ اﻷﺧﻼق اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ. وبدلًا ﻣﻦ الغوص واﻟﺒﺤﺚ ﺑﻌﻤﻖٍ أﻛﺒﺮ ﻓﻲ ﺧﺼﻮﺻﯿَّﺔ اﻷﺧﻼق الَّتِي بسببها ﺗﺒﺪو عنصرًا متطفِّلًا وغريبًا ﻓﻲ ﻋﺎﻟَﻢ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ وﺗﺒﻘﻰ، مِنْ حَيْثُ المبدإِ، ﺳُﻠﻄﺔً ﻧﻘﺪﯾَّﺔً تُجاهها، تُقدِّم الإطيقا ﻓﻲ نُسخها اﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ – اﻟﻨَّﻔﻌﯿَّﺔ واﻟﺘَّﻄﺒﯿﻘﯿَّﺔ ﻗﺒﻞ ﻛُﻞِّ ﺷﻲءٍ – ذلك الفَهْمَ للأخلاق المُلتبس اﺟﺘﻤﺎﻋﯿًّﺎ الَّذِي يُجَرِّدُها ﻣﻦ لَدْغَتِها اللَّاذعة اﻟﻤُﻄْﻠَﻘَﺔ واﻟﻔﺮدﯾَّﺔ-اﻟﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ، ويُصالحها ﻣﻊ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ويُكيِّفها معها. وﻣﺎ عساها أنْ ﺗﻜﻮن ﻣﺤﺎوﻻت اﻟﺘَّﺸﻜﯿﻚ ﻓﻲ اﻟﻤﺜﺎل اﻷﺧﻼﻗﻲِّ لِلَّاعنف أو، ﻋﻠﻰ اﻷﻗَﻞِّ، إحداث صدع ﻓﻲ هذا المثال وتسفيهه بُغْيَة إفساح المجال أمام جواز اﻟﺘَّﺒﺮﯾﺮ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ ﻟﻠﺤﺮب وأﺷﻜﺎل اﻟﻌﻨﻒ اﻷُﺧﺮى، ﺳِﻮى إفسادًا للأخلاق ذا دواﻓﻊ ﺳﯿﺎﺳﯿَّﺔ؟! وﻣﺎ عساه أنْ ﯾﻜﻮن اﻟﺴَّﻌﻲ ﻹﺛﺒﺎت الشَّرعيَّة الأخلاقيَّة ﻟﻠﺤﻖِّ ﻓﻲ اﻟﻜﺬب، ﺳِﻮى اﺳﺘﺴﻼﻣًﺎ ﻧﻈﺮﯾًّﺎ أﻣﺎم اﻟﻨِّﻔﺎق اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ واﻟﯿﻮﻣﻲِّ؟

تحملُ ﺣﻘﯿﻘﺔُ الفصلِ المكيافيلليِّ ﺑﯿﻦ اﻷﺧﻼق واﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻛﻮاﻗﻌﯿﻦ ﻣﺨﺘﻠﻔﯿﻦ ﻓﻲ طياتها فَهْمًا معيَّنًا ﻟﻸﺧﻼق. وﺑﺘﺤﺮﯾﺮه اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻣﻦ اﻷﺧﻼق، ﯾَﻔْﺼُﻞ مكيافيللي، ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ نَفْسِهِ، اﻷﺧﻼق ﻋﻦ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ. فَهُوَ ﯾﺮى ﻓﻲ اﻷﺧﻼق: أ) ﻣُﻄْﻠَﻘِﯿَّﺔ اﻟﻤﺒﺪإِ اﻟﻔﺎﺻﻞ ﺑﯿﻦ اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ الَّذِي ﺗﻜﻮن بموجبه اﻷﻓﻌﺎلُ الحسنةُ والأفعالُ القبيحةُ حسنةً أو قبيحةً ذاتها في ذاتها، وتحتوي ﻓﻲ ذاتها على ثوابها وعقابها اﻟﺨﺎﺻَّﯿﻦ؛ ب) ﻣﻮﻗﻔًﺎ ﻓﺮدﯾًّﺎ ﻟﻠﺸَّﺨﺼﯿَّﺔ (31)، ﺗﺘﺤﻤَّﻞ مسؤوليَّته أﻣﺎم نَفْسِها وأﻣﺎم ﷲ، لأنَّ الحديث، ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ ﻟﻸﻓﻌﺎل، إنَّما يطال مقدار مدى وجُرْعَة استعداد الشَّخصيَّة لتأخذ على عاتقها مسؤوليَّة إثمها. إنَّ اﻷﺧﻼق المفهومة على هذا النَّحْوِ بالذَّات، وﻓﻘًﺎ ﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ، هِيَ اﻟﻤﻨﻔﺼﻠﺔ ﻋﻦ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ (32).

والحالُ، إنَّ فَهْمَ مكيافيللي للسِّياسة يَظْهَرُ بأوضح ما يكون في ضوء فَهْمِهِ ﻟﻸﺧﻼق. ليس المقصود السِّياسة المدنيَّة، ﺑَﻞْ ﺳﯿﺎﺳﺔ اﻟﺪُّول اﻟﻘﻮﻣﯿَّﺔ. ويكمن اﻟﻔﺮق الجوهريُّ بينهما ﻓﻲ أنَّ اﻟﺪَّوﻟﺔ اﻟﻘﻮﻣﯿَّﺔ، ﻛﺸﻜﻞٍ ﻣﻦ أﺷﻜﺎلِ اﻟﺠﻤﺎﻋﯿَّﺔ الجماهيريَّة اﻟﻜﺒﯿﺮة ﻣﻦ اﻟﻨَّﺎس، تمتلك منطقها التَّطوُّريَّ اﻟﺨﺎصَّ وهُوِيَّتَها الذَّاتيَّة، ويتوقَّف مصيرها – إﻟﻰ ﺣَﺪٍّ ﻛﺒﯿﺮٍ – على الحظِّ (fortune). زِدْ على ذﻟﻚ، أنَّ اﻷﻓﺮاد لا ينخرطون في اﻟﺪَّوﻟﺔ بوصفهم شخصيَّاتٍ ﻣﻨﻔﺮدةً، ﺑَﻞْ ﻛﺠﺰءٍ ﻣﻦ ﻣﺠﻤﻮﻋﺎتٍ اﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔٍ ذات ﻣﺼﺎﻟﺢ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔٍ (وﻏﺎﻟﺒًﺎ ﻣﺘﻌﺎرﺿﺔً)، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺣﯿﺚ اﻟﻤﺒﺪإِ اﻟﺘَّﻮﻓﯿﻖ بينها. ﻟﺬﻟﻚ، ﻓﺈنَّ اﻟﺼِّﺮاﻋﺎت اﻟﺪَّاﺋﻤﺔ واﻟﻨَّﺎﺷﺌﺔ ﺑﺸﻜﻞٍ ﻏﯿﺮ ﻋﺸﻮاﺋﻲٍّ هِيَ رﻓﯿﻖٌ ﺣﺘﻤﻲٌّ ﻟﻠﺪَّوﻟﺔ، ودور اﻷﺧﯿﺮة هُوَ تخفيفها، وﻟﯿﺲ حَلَّها ﻓﻲ توليفةٍ مثاليَّةٍ ﻣﺎ. فالفضاء اﻟﺪَّوﻟﻮيُّ-اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲُّ ﻟﯿﺲ، وﻻ ﯾﻤﻜﻦ أنْ ﯾﻜﻮن، فضاءً ﻟﻠﻔﻀﯿﻠﺔ اﻹﻧﺴﺎﻧﯿَّﺔ.

إضافةً إلى ذلك، ﻓﺈنَّ اﻻﻋﺘﺮاف باللَّاأخلاقيَّة كعنصرٍ ﻋﻀﻮيٍّ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ﯾﻌﻨﻲ ﺑﻼ ﺷَﻚٍّ ﻣﺎ ﯾﻠﻲ: لا يمكن للنَّشاط اﻟﺴِّﯿﺎﺳﻲِّ-اﻟﺪَّوﻟﻮيِّ أنْ يتوافق مع التَّطلُّعات اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ اﻟﻤﺜﺎﻟﯿَّﺔ، وأنْ ﯾُﻨْﻈَﺮَ إليه كمسارٍ أساسيٍّ لتحقيقها. وكذلك، ﯾﺠﺐ أنْ يبقى هذا النَّشاط داﺋﻤًﺎ ﺗﺤﺖ مجهر اﻟﺸَّﻚِّ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ وأنْ يكون ﻣﻮﺿﻮﻋًﺎ ﻟﻠﻨَّﻘﺪ اﻷﺧﻼﻗﻲِّ، وﻟﻮ ﻓﻘﻂ ﻟﺘﻘﻠﯿﻞ اللَّاأخلاقيَّة اﻟﻤﻼزﻣﺔ له إﻟﻰ اﻟﺤَﺪِّ اﻷدﻧﻰ. ويمكن لأنظمة الحُكْمِ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ بِنُخبها وقادتها أنْ تكون متباينةً ومختلفةً، وأنْ تكون هذه الاختلافات بِحَدِّ ذاتها كبيرةً ومُهِمَّةً جِدًّا ﻓﻲ ﺟﻮاﻧﺐ معيَّنة، ﻟﻜِﻦْ، ﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻻ ﯾﻤﻜﻦ لأيٍّ منها، حَتَّى لأكثر بدائلها ﻣﺜﺎﻟﯿَّﺔً، أواقعيًّا كان أم تصوُّريًّا، أنْ يكون مطابقًا للخير الأخلاقيِّ، أو أنْْ يُعَدَّ مثالًا ﯾُﺤﺘﺬى به ﺣﺴﺐ اﻟﻤﻌﺎﯾﯿﺮ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ. وﻻ ﺣﺎﺟﺔ إﻟﻰ اﻟﻘﻮل إنَّ هذا اﻟﺪَّرس المكيافيلليَّ ﻟﻢ ﯾُﺴﺘﻮﻋَﺐ ﺟَﯿِّﺪًا، واﻟﺪَّﻟﯿﻞ ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ هُوَ ﺗﺠﺎرب اﻟﺸُّﻤﻮﻟﯿَّﺔ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ اﻟﻤﻠﯿﺌﺔ بالدِّيماغوجيا اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻓﻲ اﻟﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﯾﻦ، معطوفًا عليها أﯾﻀًﺎ المَيْلُ اﻟﻤﺘﻔﺸِّﻲ ﺗﻘﺮﯾﺒًﺎ في أوساط اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿّﯿﻦ إﻟﻰ التَّحدُّث ﺑﻤﺼﻄﻠﺤﺎت اﻟﺨﯿﺮ واﻟﺸَّﺮِّ، والرِّهانات واﻵﻣﺎل اﻟﻤﻌﻘﻮدة ﻋﻠﻰ اﻟﻘﺎدة اﻟﻜﺎرﯾﺰﻣﺎﺗﯿﯿﻦ، وﻣﺎ إﻟﻰ ذﻟﻚ. وﻗﺪ ﯾﻜﻮن قول أﻟﺒﺮت ﺷﻔﺎﯾﺘﺰر ﺑﺄنَّ هلاك اﻟﺜَّﻘﺎﻓﺔ ﯾﺒﺪأ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﯾُﻔَﻮَّضُ تكوين اﻷﺧﻼق إﻟﻰ اﻟﺪَّوﻟﺔ ضربًا من المغالاة. ﻟﻜِﻦْ ﻣﻦ المؤكَّد ﺗﻤﺎﻣًﺎ أنَّ ﻓُﻘﺪان اﻷﺧﻼق ﻟﻠﻤﺴﺎﻓﺔ اﻟﻨَّﻘﺪﯾَّﺔ ﺗُﺠﺎه اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ واﻟﺪَّوﻟﺔ هُوَ اﻋﺘﺮافٌ بتدهوُرِ اﻷﺧﻼق ذاتها.

***

...........................

الهوامش والتَّعليقات:

* ﻧﺴﺨﺔٌ ﻣﻮﺳَّﻌﺔٌ ﻣﻦ ورﻗﺔٍ ﺑﺤﺜﯿَّﺔٍ ﻗُﺪِّﻣَﺖْ ﻓﻲ ﻣﺆﺗﻤﺮٍ في معهد اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ اﻟﺘَّﺎﺑﻊ ﻟﻸﻛﺎدﯾﻤﯿَّﺔ اﻟﺮُّوﺳﯿَّﺔ ﻟﻠﻌﻠﻮم ﺑِﻤُﻨﺎﺳَﺒﺔ اﻟﺬِّﻛﺮى اﻟﻤﺌﻮﯾَّﺔ اﻟﺨﺎﻣﺴﺔ ﻟﻜﺘﺎب ﻧﯿﻜﻮﻻي ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ "اﻷﻣﯿﺮ". ﻧُﺸِﺮَتْ ﻧﺴﺨﺔٌ ﻣﺨﺘﺼَﺮةٌ عنها: ﻏﻮﺳﯿﻨﻮف ع.ع. ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ واﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ. مقالاتٌ في مُناسَبَةِ اﻟﺬِّﻛﺮى اﻟﻤﺌﻮﯾَّﺔ اﻟﺨﺎﻣﺴﺔ ﻟﻜﺘﺎب ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ "اﻷﻣﯿﺮُ" // نشرات الإطيقا التَّطبيقيَّة. الإصدار 43. تيومين. 2013. ص 111-124.

1) وهكذا، نجدُ، مثلًا، عند أرسطو قولًا مُفاده أنَّه من الأفضل للطَّاغية، لكي يُحافظ على قُوَّتِه وتكون سُلطته أكثر رسوخًا، أنْ يُنظِّم نشاطه بحيث لا يظهر في صورة الطَّاغية، بَلْ بمظهر القيصر، ويَلْزَمه "أنْ لا يبدو إنسانًا نذلًا بالكامل، إنَّما نصف نذل فقط". اُنظُر: أرسطو. السِّياسَةُ. / ترجمة س.أ. جيبليوف // أرسطو. المؤلَّفات في أربعة مُجلَّدات. المُجلَّد 4. موسكو. 1983. ص 565.

2) بِغَضِّ النَّظر ﻋﻦ السُّؤال اﻟﻤﺜﯿﺮ للاهتمام ﺣﻮل ﺗﺎرﯾﺦ ﻣﺼﻄﻠﺢ "اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ"، ﺗﺠﺪر اﻹﺷﺎرة إﻟﻰ أنَّه ﻟﻄﺎﻟﻤﺎ ﺣﻤﻞ دﻻﻟﺔً قيميَّةً سلبيَّةً، ﺧَﻔَّﺖْ حِدَّتها ﺑﻤﺮور اﻟﺰَّﻣﻦ، واﻧﺘﻘﻠﺖ، ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ نَفْسِهِ، ﻣﻦ شخصيَّة ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ إﻟﻰ الظَّاهرة ذاتها. ﻓﻲ اﻟﺒﺪاﯾﺔ، فُهمَت اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ ﻋﻠﻰ أنَّها ﻧﻈﺮةٌ ﻣﻨﺤﺮﻓﺔٌ إﻟﻰ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، ﯾُﻔْﺘَﺮَضُ أنَّها خَصلةٌ من خِصالِ اﻟﻔﻠﻮرﻧﺴﻲِّ اﻟﻤﻨﺤﺮف تُعبِّر عن سوء خُلُقه وطباعه أﻛﺜﺮ مِمَّا تعبِّر عن حقيقة اﻟﻤﻮﺿﻮع نَفْسِه. ﻧﺎلَ كتابُ ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ﺷﺮف اﻟﺤﻈﺮ ﻟﻔﺘﺮةٍ طويلةٍ، ﻛﻤﺎ ﻟﻮ أنَّه ﯾُﺸَﺠِّﻊُ اﻻﻧﺤﺮاﻓﺎت اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ويُرَوِّجُها، وﺑﺎﻟﺘَّﺎﻟﻲ، ﻛﺎن ﻏﯿﺮ ﻻﺋﻖٍ ﻓﻲ الفضاء العموميِّ شأنه ﻓﻲ ذﻟﻚ ﺷﺄن الألفاظ والشَّتائم اﻟﺒﺬﯾﺌﺔ. ومع ﻣﺮور اﻟﻮﻗﺖ، وﺗَﻄﻮُّر المنهج اﻟﻌﻠﻤﻲِّ في فَهْمِ الظَّواهر اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﯿَّﺔ، أﺻﺒﺢ ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أنَّ اللَّاأخلاقيَّة ﻣﺮﺗﺒﻄﺔ بجوهر اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ نَفْسِها، وأﺻﺒﺤﺖ اﻟﻤﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﯿَّﺔ ﺗﺪلُّ ﻋﻠﻰ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ اللَّاأﺧﻼﻗﯿَّﺔ. وﻓﻲ اﻟﻮﻋﻲ اﻟﻌﺎمِّ وﻓﻲ اﻟﻠُّﻐﺔ اﻟﺮُّوﺳﯿَّﺔ اﻟﺪَّارﺟﺔ ينطوي هذا اﻟﻤﺼﻄﻠﺢ، إﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﻣﻌﻨﺎه اﻟﻤﺤﺪَّد اﻟﻤﺘﻤﺜِّﻞ ﻓﻲ اللَّاأخلاقيَّة ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ، على معنًى أوﺳﻊ يشمل اﻟﻤﻜﺮ واﻟﺨﯿﺎﻧﺔ واﻟﻐﺪر عمومًا. وﻓﻲ ﻛﻠﺘﺎ اﻟﺤﺎﻟﺘﯿﻦ يجري الحديث ﻋﻦ الظَّواهر الواﻗﻌﯿَّﺔ الَّتِي يحتوي وجودها ذاته ﻋﻠﻰ ﻣﻮﻗﻒٍ أخلاقيٍّ-ﺳﻠﺒﻲٍّ تُجاهها.

3) "ﯾُﻔﺘَﺮَضُ أنَّ اﻷﺧﻼق واﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ ﻣﺠﺎﻻن مستقلَّان، واﻟﺨﻠﻂ بينهما ﻋﺒﺜﻲٌّ ﻧﻈﺮﯾًّﺎ ﺑﻘﺪر ﻣﺎ هو ﺿﺎرٌّ ﻋﻤﻠﯿًّﺎ. وفي الحقيقة، أصبح هذا الفَهْمُ سِمَةً مُمَيَّزَةً للنَّظريَّة السِّياسيَّة المُعاصِرة: وقد أصبح هذا الفَهْم الَّذِي عَبَّرَ عنه مكيافيللي وهوبز مُسَلَّمةً في العلوم الاجتماعيَّة المُعاصِرة". اُنظُر: Hösle V. Moral und Politik. Grundlage einer politishen Ethik für das 21. Jahrhundert. München, 1997. S.15. تُعَبِّرُ هذه النَّظرة إلى علاقة السِّياسة بالأخلاق عن المَيْلِ الأساسيِّ للنَّظريَّة السِّياسيَّة. وهِيَ، من دون شَكٍّ، النَّظرة المهيمنة في العلم السِّياسيِّ المُعاصِر، بما في ذلك نُسخَته الرُّوسيَّة، لكِنَّها ليست الوحيدة. ثَمَّةَ وجهة نظر قريبة منها لا بُدَّ من الإشارة إليها في سياق موضوعنا مُفادها أنَّ الأخلاق والسِّياسة هُما مجالان مستقلَّان، لكنَّهما يتقاطعان في بعض النُّقاط. وتكمن المسألة كُلُّها في تحديد هذه النُّقاط. وتُقتَرَحُ ههُنا حلولٌ جزئيَّةٌ بدلًا من صيغةٍ ما مُوَحَدَّة. وعلى سبيل المثال، يرى ب.غ. كابوستين أنَّ مسألة التَّفاعل المتبادل بين الأخلاق والسِّياسة تحظى بإجاباتٍ مختلفةٍ، وذلك تبعًا لِما إذا كان الحديث يدور حول الأخلاق في نسختها الكانطيَّة أم النَّفعيَّة، أو حول السِّياسة الكبرى أم السِّياسة الصُّغرى، أو حول ما إذا كان الموقف صادرًا من داخل السِّياسة ذاتها أم من خارجها (اُنظُر: كابوستين ب.غ. الأخلاقُ والسِّياسَةُ // كابوستين ب.غ. نَقْدُ الفلسفة السِّياسيَّة. مقالات مختارة. موسكو، 2010. ص 347-366). يمكن النَّظر إلى هذا النَّموذج للتَّطابق الجزئيِّ بين الأخلاق والسِّياسة كحالةٍ خاصَّةٍ من الانفصال بينهما باعتبارهما مجالين مختلفين من النَّشاط؛ يبقى ذلك الحيِّزُ القيميُّ من السِّياسة الَّذِي يتقاطع مع الأخلاق لحظةً من لحظات السِّياسة ذاتها تابعةً لمنطق الأخيرة الدَّاخليِّ وقوانينها. تُدرَجُ الأخلاق في السِّياسة بِصِفَتِها وسيلةً من وسائلها، ولحظةً من لحظات الجدوى السِّياسيَّة. وهذا ما يبدو جليًّا عند تحليل دور استخدام العنف في السِّياسة وشروطه - المسألة الأساسيَّة المولِّدة لتوترها الأخلاقيِّ. كما يبدو هذا التَّحليل خاليًا من الحِمْلِ الأخلاقيِّ ويجري في إطار التَّبرير الحكوميِّ الأوَّلي للعنف باعتباره مكوِّنًا طبيعيًّا من مكوِّنات السِّياسة السَّويَّة. وتجدر الإشارة إلى أنَّ فَصْلَ السِّياسة عن الأخلاق مرتبط عضويًّا بتبرير العنف السِّياسيِّ، ما يسمح بالافتراض أنَّ مقصود هذا الفصل هُوَ هذه الغاية بالذَّات.

لقد أصبحت نظرية العدالة لجون رولز بعد صدور كتابه الَّذِي يحمل العنوان نفسه عام 1971 علامةً فارقةً للنَّظريَّة السِّياسيَّة في عصرنا. وفي هذا الكتاب قام رولز بمحاولة لاقت صدًى واسعًا في الأوساط الأكاديميَّة لإعادة الأخلاق إلى السِّياسة. ومع ذلك، لم تُبْدِ تأثيرًا جدِّيًّا في السِّياسة الواقعيَّة الَّتِي تطوَّرت طوال هذه السَّنوات، بخاصَّة، في الرُّبع الأخير من القرن العشرين، في الاتِّجاه المضادِّ تمامًا. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار النَّزعة السَّائدة، فإنَّنا نجد عدم المساواة يتفاقم ويتحقَّق في المقام الأوَّل (في الاتِّجاه المعاكس لبرنامج جون رولز المعياريِّ) لصالح شرائح السُّكان الأكثر ثراءً. إضافةً إلى ذلك، فقد تعرَّض موقف جون رولز لِلنَّقدِ من داخل النَّظريَّة السِّياسيَّة ذاتها، لأنَّه ينظر إلى السِّياسة بالعيون الأخلاقيَّة المجرَّدة-الشَّاملة للفرد العقلانيِّ. واللَّافتٌ في هذا الصَّدد هُوَ بَحْثُ ف. أنكِرسمت "السِّياسة الجماليَّة" (أنكِرسميت ف.ر. السِّياسة الجماليَّة. الفلسفة السِّياسيَّة في ما وراء الواقعة والقيمة/ ترجمه عن الإنجليزيَّة كراليتشكين د. تحت الإشراف العلميِّ بوريسوفا إ. موسكو. 2014). من المُهِمِّ التَّأكيد أنَّ المؤلِّف وفي مجابهته للنَّظريَّة السِّياسيَّة الموجَّهة أخلاقيًّا يلجأُ إلى التَّقاليد الموروثة عن مكيافيللي.

4) أرسطو: في النَّفْسِ / ترجمة ب. س. بابوف // أرسطو. المؤلَّفات في أربعة مُجلَّدات. المُجلَّد الأوَّل. موسكو. 1975. ص 415. (باللُّغة الرُّوسيَّة).

5) أرسطو: السِّياسَةُ. ص 378. (باللُّغة الرُّوسيَّة).

6) "النَّظريَّةُ السِّياسيَّةُ عند أرسطو هِيَ نظريَّةُ المأسَسات الأخلاقيَّة للمدينة". اُنظُر: Ritter J. Metaphysik und Politik. Studien zu Aristoteles und Hegel. Suhrkamp. Fr.a/M.,1969. S. 12

7) أرسطو. السِّياسَةُ، 1253a. ص 378. (باللُّغة الرُّوسيَّة).

8) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. 1281a. ص 462.

9) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. 1280b. ص 461-462.

10) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. 1333a. ص 616.

11) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. 1334a. ص 619.

12) مكيافيللي ن. تاريخُ فلورنسا / ترجمة ن. يا. ريكوفا. موسكو. 1987. ص 112.

13) مكيافيللي ن. الأميرُ/ ترجمة م.س. فيلدشتاين. المؤلَّفات. المُجلَّد الأوَّل. موسكو-لينينغراد. 1934. ص 278. (باللُّغة الرُّوسيَّة).

14) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. ص 325.

15) يمكن تطبيق موقفه، المُعبَّر عنه في هذه الرِّسالة الفلسفيَّة-السِّياسيَّة على قوله الَّذِي أدلى به في مؤلَّفه التَّاريخيِّ "تاريخُ فلورنسا": "على امتداد سردي لم تكن لديَّ قَطُّ رغبةٌ في إخفاء فعلٍ قبيحٍ بِرِداءٍ جميلٍ، ولا في حَجْبِ عملٍ صالحٍ بِحُجَّة أنَّه رام غايةً مذمومةً" (مكيافيللي ن. تاريخ فلورنسا. ص 6).

16) مكيافيللي ن. الأميرُ. ص 289.

17) وفي هذا الصَّدد، يبدو مثال قيصرنا بطرس الأكبر الَّذِي أعدم ابنه بتهمة الخيانة العظمى مثالًا لافتًا. ففي كتاب "تاريخ روسيا منذ الأزمنة السَّحيقة" لمؤلِّفه س.م. سولوفيوف، نقرأ: "أمَرَ بطرس في رسائله إلى وزرائه الخارجيّين بوصف وفاة ابنه على النَّحو الآتي: بعد إعلان حكم المحكمة على وَلِيِّ العهد كنَّا نحن الأب بين نارَيِّ الشُّعور الطَّبيعيِّ بالعطف والرَّحمة من جهة، والقلق البالغ على سلامة دولتنا وأمنها المستقبليِّ من جهة أُخرى، ولم نكن قادرين بعد على اتِّخاذ قرارنا في هذه المسألة الشَّائكة والمُهمَّة. لكِنَّ الله العلي القدير الرَّحيم أراد بمشيئته وحكمه العادل أنْ يُخلِّصنا من هذا الشَّكِّ، ويخلِّص بيتنا من الخطر والعار، فقام أمسِ ( بتاريخ 27 يونيو) بإنهاء حياة ابننا اليكسي بعد إعلان هذا الحكم المتعلِّق باكتشاف تَورُّطه في جرائم ضِدَّنا، وضِدَّ الدَّولة بأسرها، الأمر الَّذِي سبَّب له مرضًا قاسيًّا كان في البداية أشبه ما يكون بالسَّكتة الدِّماغيَّة" (سولوفيوف س.م. مُؤلَّفات في 18 كتابًا. الكتاب التَّاسع. موسكو.، 1993. ص 182-183). تَغَلَّبَ منطقُ الحاكم على منطقِ الأُبُوَّةِ، على ما تجلَّى ذلك في قيام بطرس بِنَسبِ كُلٍّ من الحكم بالإعدام على الابن-الخائن وتنفيذ هذا الحكم إلى إرادة الله.

18) لقد كان هذا الاكتشاف فتحًا تاريخيًّا. كان ه. فراير مُحقًّا تمامًا عندما كتب: "قَبْلَ جيلٍ من إعادة كوبرنيكوس النَّظر في النِّظام الشَّمسيِّ، وقَبْلَ قرنٍ من ابتكار غاليليو الميكانيكا كنظريَّةٍ رياضيَّةٍ للحركة، اكتشف مكيافيللي قوانين العالَم السِّياسيِّ الطَّبيعيَّة" (فراير ه. مكيافيللي/ ترجمة د.ف. كوزنيتسين. سانت بطرسبورغ. 2011. ص 285).

19) اُنظُر: Buchbeim H. Politik und Ethik. München, 1991; Сутор Б. Малая политическая этика //Политическая и экономическая этика. М.,2001; Капустин Б. Г. Указ. соч.

20) ويمكن تتبُّع هذه الخطوة المحتومة منطقيًّا بوضوحٍ تامٍّ في مقالة ل. تروتسكي "أخلاقهم وأخلاقنا"، حيث تتبوأ المركز الأعلى للأخلاق تلك القُوَّة ذاتها الَّتِي أُنزِلت عنه بِاسْمِها. وانطلاقًا من الأطروحة القائلة بأنَّ الأخلاق تخدم المصالح الطَّبقيَّة، وإنَّ الحديث هو فقط عن مصالح أيِّ طبقة تخدمها الأخلاق، توصَّلَ تروتسكي إلى استنتاج مُفاده أنَّ الغاية التَّحريريَّة الَّتِي تؤدِّي إلى الدِّيمقراطيَّة والاشتراكيَّة "تبرِّر، في ظِلِّ ظروف معيَّنة، وسائل من مِثْلِ العنف والقتل. فما بالك بالحديث عن الكذب!". بَلْ وأكثر تحديدًا: " بالنِّسبة إلى الماركسيِّ الثَّوريِّ لا يمكن أنْ يكون هناك تَناقُضٌ بين الأخلاق الشَّخصيَّة ومصالح الحزب، لأنَّ الحزب يحيط في وعيه بأسمى مهام الإنسانيَّة وغاياتها". وبتعميمه لهذه النَّظرة صاغ "أَمْرَهُ القطعيَّ": "تتشابك قضايا الأخلاق الثَّوريَّة مع قضايا الستراتيجيا والتَّكتيك الثَّوريَّين. فالإجابة الصَّحيحة عن هذه المسائل إنَّما تُقدِّمها التَّجربة الحَيَّة للحركة في ضوء النَّظريَّة العامَّة" Троицкий Л.Д. Их мораль и наша (Памяти Льва Седова) // Этическая мысль: научно-публ. Чтения.1991. М. С. 230, 236, 240. إنَّ أقوال تروتسكي هذه المروِّعة بِحَدِّ ذاتها، لكن الصَّريحة إنسانيًّا والمتَّسقة نظريًّا، قَيِّمَةٌ، لأنَّها تفضح جوهر إفساد الأخلاق الَّذِي غالبًا ما يتوارى خَلْفَ أحكامٍ أكاديميَّةٍ رصينةٍ عن الطَّابَع الظَّرفيِّ والسِّياقيِّ للأخلاق، وعن ضرورة التَّخلِّي عن الأخلاقيَّة المُجَرَّدة، والاعتماد على التَّجربة الحَيَّة المُعاشة، والأخذ بعين الاعتبار تضارُب القيم وإلخ.

21) مكيافيللي ن. الأميرُ. ص 282.

22) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. ص 278-279.

23) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. ص 286.

24) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. ص 288.

25) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. ص 313.

26) يمكن العثور على عرض تحليليٍّ للمناقشات الخاصَّة بهذه المشكلة في مقالات ا.ف. بروكوفيف: أنظر: بروكوفيف ا.ف. اختيار الأقلِّ شرًّا ومشكلة حدود الجائز أخلاقيًّا // الفكرُ الأخلاقيُّ. الإصدار التَّاسع. موسكو. 2009. ص 122-145؛ المسؤوليَّة الأخلاقيَّة في السِّياسة: رؤية من منظار أخلاق الشَّرِّ الأصغر // المجلَّة الفلسفيَّة. 2011. العدد 1(6). ص 103-114. وإذ يتبنَّى المؤلِّف المذكور، إجمالًا، الرَّأي السَّائد في الأدبيَّات (مع الأخذ بعين الاعتبار تصويباته وإضافاته)، فإنَّه يرى في أطروحة الشَّرِّ الأصغر موقفًا مُباحًا من النَّاحية الأخلاقيَّة.

27) نقلًا عن بروكوفيف ا.ف: المسؤوليَّة الأخلاقيَّة في السِّياسة… ص 104. Ignatieff M. The lesser Evil: Political Ethics in an Age of Terror. Princeton, 2004. P.19.

28) مكيافيللي ن: تُفَّاحَةُ الشَّيطان// مكيافيللي ن. المؤلَّفات. / بإشراف ا.ك دجيفيليغوف. المُجلَّد الأوَّل. موسكو-لينينغراد. 1934. ص 449.

29) مكيافيللي ن: الأمير. ص 277.

30) المَصْدَرُ نَفْسُهُ. ص 286-287.

31) "الإطيقا السِّياسيَّة- هِيَ مبادئ معياريَّة موجِّهة للأفعال، وتحديدًا، الأفعال الجماعيَّة. أمَّا الأخلاق فَهِيَ مبادئ معياريَّة موجِّهة للتَّفكير، وتحديدًا، التَّفكير الفرديِّ" (كابوستين ب.غ. مرجع سابق. ص 350). وإذ نترك جانبًا الشُّبهة ذات التَّقاليد العريقة الَّتِي تردُّ الأخلاق إلى مجال القناعات الدَّاخليَّة وتختزلها بها (موجِّهات معياريَّة للتَّفكير) باعتبارها رأيًا مشكوكًا في صِحَّته، وذلك لأنَّ الأخلاق هِيَ مقولة من مقولات المُمارَسَة ولا وجود لها خارج الأفعال، فإنَّه ينبغي الاعتراف بِدِقَّة التَّمييز بين السِّياسة كشكلٍ جماعيٍّ والأخلاق كشكلٍ فرديٍّ للنَّشاط الإنسانيِّ.

32) "ينبغي ألَّا يُفسَّر مكيافيللي وكأنَّه يهاجم الإطيقا والأخلاق. فموقفه ليس مضادًّا للأخلاق، إنَّما هُوَ مُجاوِزٌ إيَّاها" (أنكِرسميت ف. السِّياسَةُ الجماليَّةُ. موسكو. 2014. ص 208).

ﻗﺎﺋﻤﺔ المصادر واﻟﻤﺮاﺟﻊ

- أﻧﻜِﺮﺳﻤﯿﺖ ف.ر. اﻟﺴِّﯿﺎﺳَﺔُ اﻟﺠﻤﺎﻟﯿَّﺔُ. اﻟﻔﻠﺴﻔﺔُ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔُ في ما وراء الواقعة واﻟﻘﯿﻤﺔ / ﺗﺮﺟﻤﺔ د. ﻛﺮاﻟﺘﺸﻜﯿﻦ؛ ﺗﺤﺖ اﻹﺷﺮاف اﻟﻌﻠﻤﻲِّ: إ. ﺑﻮرﯾﺴﻮﻓﺎ. ﻣﻮﺳﻜﻮ: دار ﻧﺸﺮ "اﻟﻜُﻠِّﯿَّﺔ اﻟﻌﻠﯿﺎ ﻟﻼﻗﺘﺼﺎد". 2014.

- أرسطو. ﻓﻲ اﻟﻨَّﻔْﺲِ / ﺗﺮﺟﻤﺔ ب.س. ﺑﻮﺑﻮف // أرﺳﻄﻮ. اﻷﻋﻤﺎل: ﻓﻲ 4 ﻣُﺠﻠَّﺪات. ﻣُﺠﻠَّﺪ 1. موسكو. 1976. ص 369-448.

- أرﺳﻄﻮ. اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔُ / ﺗﺮﺟﻤﺔ س.أ. جيبيلف // أرﺳﻄﻮ. اﻷﻋﻤﺎل: ﻓﻲ 4 ﻣُﺠﻠَّﺪات. ﻣُﺠﻠَّﺪ 4. ﻣﻮﺳﻜﻮ. 1983. ص 375-644.

- ﻛﺎﺑﻮﺳﺘﯿﻦ ب.غ. اﻷﺧﻼقُ واﻟﺴِّﯿﺎﺳَﺔُ // ﻛﺎﺑﻮﺳﺘﯿﻦ ب.غ. ﻧَﻘْﺪُ اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ: ﻣﻘﺎﻻت ﻣﺨﺘﺎرة. ﻣﻮﺳﻜﻮ. 2010. ص 347-366.

- ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ن. اﻷﻣﯿﺮُ / ﺗﺮﺟﻤﺔ م.س. ﻓﯿﻠﺪﺷﺘﺎﯾﻦ؛ ﺗﺤﺖ إﺷﺮاف أ.ك. ﺟﯿﻔﯿﻠﯿﺠﻮف // ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ن. اﻷﻋﻤﺎل. ﻣُﺠﻠَّﺪ 1. ﻣﻮﺳﻜﻮ-ﻟﯿﻨﯿﻨﻐﺮاد. 1934. ص 211-329.

- ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ن. تفاحة الشَّيطان/ ﺗﺤﺖ إﺷﺮاف أ.ك. ﺟﯿﻔﯿﻠﯿﺠﻮف // ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ن. اﻷﻋﻤﺎل. ﻣُﺠﻠَّﺪ 1. ﻣﻮﺳﻜﻮ-ﻟﯿﻨﯿﻨﻐﺮاد. 1934. ص 409-475.

- ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ ن. ﺗﺎرﯾﺦُ ﻓﻠﻮرﻧﺴﺎ / ﺗﺮﺟﻤﺔ ن.ﯾﺎ. رﯾﻜﻮﻓﺎ. اﻟﻄَّﺒﻌﺔ اﻟﺜَّﺎﻧﯿﺔ. ﻣﻮﺳﻜﻮ. دار ﻧﺎؤﻛﺎ للنَّشر. 1987.

- ﺑﺮوﻛﻮﻓﯿﻒ أ.ف. اﻻﺧﺘﯿﺎر ﻟﺼﺎﻟﺢ اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ ومشكلات ﺣﺪود اﻟﻤﺴﻤﻮح به أﺧﻼﻗﯿًّﺎ // اﻟﻔﻜﺮ اﻷﺧﻼﻗﻲُّ. اﻟﻌﺪد 9. ﻣﻮﺳﻜﻮ. 2009. ص 122-145.

- ﺑﺮوﻛﻮﻓﯿﻒ أ.ف. اﻟﻤﺴﺆوﻟﯿَّﺔ اﻷﺧﻼﻗﯿَّﺔ ﻓﻲ اﻟﺴِّﯿﺎﺳﺔ: رؤية ﻣﻦ منظار أﺧﻼق اﻟﺸَّﺮِّ اﻷﺻﻐﺮ // اﻟﻤﺠﻠﺔ اﻟﻔﻠﺴﻔﯿَّﺔ. 2011. اﻟﻌﺪد 1(6). ص 103-114.

- ﺳﻮﻟﻮﻓﯿﻮف س.م. ﺗﺎرﯾﺦ روﺳﯿﺎ ﻣﻨﺬ أﻗﺪم اﻟﻌﺼﻮر // ﺳﻮﻟﻮﻓﯿﻮف س.م. المؤلَّفات ﻓﻲ 18 ﻛﺘﺎﺑًﺎ. اﻟﻜﺘﺎب 9. ﻣﻮﺳﻜﻮ. 1993.

- ﺳﻮﺗﻮر ب. الإطيقا اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ اﻟﺼُّﻐﺮى // الإطيقا اﻟﺴِّﯿﺎﺳﯿَّﺔ واﻻﻗﺘﺼﺎدﯾَّﺔ. ﻣﻮﺳﻜﻮ.2001. ص 27-174.

- ﺗﺮوﺗﺴﻜﻲ ل.د. أخلاقهم وأﺧﻼﻗﻨﺎ (ذﻛﺮى ﻟﯿﻒ ﺳﯿﺪوف) // اﻟﻔﻜﺮُ اﻷﺧﻼﻗﻲُّ: ﻗﺮاءات ﻋﻠﻤﯿَّﺔ. 1991 ﻣﻮﺳﻜﻮ. 1992. ص 212-244.

- ﻓﺮاﯾﺮ ھـ. ﻣﻜﯿﺎﻓﯿﻠﻠﻲ / ﺗﺮﺟﻤﺔ د.ف. ﻛﻮزﻧﯿﺘﺴﯿﻦ. ﺳﺎﻧﺖ ﺑﻄﺮﺳﺒﻮرغ: ﻓﻼدﯾﻤﯿﺮ دال. 2011.

- Buchbeim H. Politik und Ethik. München: Oldenbourg, 1991.

- Hösle V. Moral und Politik. Grundlage einer politishen Ethik für das 21. Jahrhundert. München: Beck, 1997.

- Ritter J. Metaphysik und Politik. Studien zu Aristoteles und Hegel. Fr.a/M.: Suhrkamp, 1969.

مقاربة سوسيولوجية تاريخية

مقدمة الدراسة: شهدت الدراسات الأدبية خلال العقود الأخيرة تحولات إبستمولوجية عميقة أعادت النظر في طبيعة الأجناس السردية ووظائفها المعرفية، فلم يعد الاهتمام مقتصرا على الرواية أو الشعر أو المسرح، بل امتد إلى الأشكال الكتابية التي ظلت زمنًا طويلا تعدّ نصوصا هامشية أو وثائق شخصية لا ترقى إلى مرتبة الأدب. ومن بين هذه الأشكال برز خطاب اليوميات بوصفه جنسا كتابيا يجمع بين التوثيق والتخييل، وبين المرجعي والمتخيل، وبين التعبير الذاتي والشهادة التاريخية، الأمر الذي جعله يحظى باهتمام متزايد في النقد الأدبي الحديث، وفي الدراسات السوسيولوجية والتاريخية والثقافية.

ولعل هذا التحول يرتبط بإعادة الاعتبار لمفهوم الذات داخل العلوم الإنسانية، بعد أن أصبحت الذات تفهم باعتبارها بناء ثقافيا واجتماعيا وتاريخيا، لا معطى ثابتا أو جوهرا مكتملا. فالإنسان لا يكتشف ذاته خارج اللغة، بل يبنيها عبر الخطاب، ويعيد تشكيلها من خلال فعل الكتابة والتذكر والتأويل. ومن هنا غدت الكتابة عن الذات مجالا خصبا للكشف عن أنماط تشكل الهوية، وعن العلاقة التي تقيمها الذات مع ذاكرتها، ومع مجتمعها، ومع الزمن الذي تعيشه.

ويعد خطاب اليوميات من أكثر أشكال الكتابة الذاتية قدرة على تمثيل هذه العلاقة المركبة؛ لأنه يقوم على تسجيل التجربة الإنسانية في امتدادها اليومي، ويجعل من الزمن المعيش مادة أساسية للسرد. فالكاتب لا يعود إلى الماضي بعد اكتمال التجربة كما يحدث في السيرة الذاتية، وإنما يكتب في قلب الحدث أو على مقربة منه، وهو ما يمنح اليوميات خصوصية جمالية ومعرفية تجعلها أكثر التصاقا بالحياة اليومية، وأكثر قدرة على التقاط التفاصيل الدقيقة التي كثيرا ما تغيب عن الكتابات التاريخية أو السيرية التقليدية.

غير أن اليوميات لا يمكن اختزالها في كونها سجلا زمنيا للأحداث، لأن الكتابة فيها لا تعكس الواقع بصورة آلية، بل تعيد إنتاجه من خلال الذاكرة والوعي واللغة. فالذات وهي تكتب، لا تنقل ما وقع فحسب، وإنما تختار، وتحذف، وترتب، وتؤوّل، وتمنح الوقائع دلالات جديدة تنبع من رؤيتها للعالم. وبذلك تصبح اليوميات ممارسة تأويلية بقدر ما هي ممارسة توثيقية، ويتحول النص إلى فضاء تتداخل فيه الحقيقة بالتخييل، والمرجع بالتمثيل، والواقع بإعادة بنائه سرديًا.

ومن هذا المنطلق، تبرز الذاكرة باعتبارها أحد المفاهيم المركزية في فهم خطاب اليوميات، لأنها تمثل الوسيط الذي تنتقل من خلاله التجربة من مستوى العيش إلى مستوى الكتابة. فالذاكرة ليست مستودعا محايدا للوقائع، وإنما عملية انتقائية تعيد تنظيم الماضي وفق حاجات الحاضر ورؤية الذات. ولذلك لا تستعيد اليوميات الأحداث كما جرت، بل كما تتذكرها الذات، وكما ترغب في أن تمنحها معنى داخل مسارها الوجودي والثقافي. وهنا تغدو الذاكرة فعلا من أفعال إنتاج المعنى، لا مجرد استرجاع للزمن المنقضي.

ويتقاطع هذا التصور مع المنظور السوسيولوجي الذي يرى أن الذاكرة ليست فردية خالصة، بل تتشكل داخل الأطر الاجتماعية والثقافية التي ينتمي إليها الإنسان. فالذات لا تتذكر بمعزل عن الجماعة، كما أن التجربة الشخصية تظل مشروطة بالسياقات التاريخية والاجتماعية التي أنتجتها. ومن ثم فإن اليوميات لا تعكس سيرة فرد واحد فحسب، وإنما تكشف عن صورة المجتمع في لحظة تاريخية معينة، وعن القيم والتمثلات وأنماط التفكير التي تؤطر الحياة اليومية.

ومن هنا تكتسب المقاربة السوسيولوجية التاريخية أهميتها، لأنها تتجاوز القراءة الشكلية للنص، وتسعى إلى فهم العلاقات التي تربط الخطاب بسياقه الاجتماعي والثقافي، وإلى الكشف عن الكيفية التي تتحول بها التجربة الفردية إلى شهادة على عصر بأكمله. فالنص اليومي لا يعيش في فراغ، بل يتشكل داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية والتاريخية، ويعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة التحولات السياسية والثقافية والفكرية التي يعرفها المجتمع.

وتنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تسعى إلى إعادة التفكير في خطاب اليوميات بوصفه جنسا أدبيا ومعرفيا تتقاطع داخله أسئلة الذات والهوية والذاكرة والتاريخ، بعيدا عن الاقتصار على نموذج تطبيقي بعينه. فهي لا تستهدف تحليل يوميات كاتب محدد، وإنما تهدف إلى بناء تصور نظري ونقدي لخطاب اليوميات، من خلال الإفادة من منجزات النقد الأدبي الحديث، والدراسات السوسيولوجية، ونظريات الذاكرة، بما يسمح بفهم أعمق للوظائف الجمالية والثقافية التي تؤديها الكتابة اليومية في الأدب الحديث.

كما تروم هذه الدراسة إبراز أن اليوميات ليست نصوصا هامشية أو وثائق شخصية محدودة القيمة، وإنما هي شكل من أشكال إنتاج المعرفة، ووسيلة لإعادة بناء الذات، وأداة لحفظ الذاكرة الفردية والجماعية، وسجل حي للتحولات الاجتماعية والتاريخية. ولذلك فإن الاهتمام بها لا يندرج ضمن دراسة جنس أدبي فحسب، بل يتصل أيضا بدراسة الإنسان وهو يعيد كتابة وجوده، ويمنح حياته اليومية أبعادا رمزية وثقافية تتجاوز حدود التجربة الفردية إلى أفق إنساني أكثر رحابة.

وانطلاقا من هذا التصور، تسعى الدراسة إلى مقاربة العلاقة الجدلية بين الذات والذاكرة في خطاب اليوميات، والكشف عن أبعادها السردية والاجتماعية والتاريخية، بما يبرز القيمة العلمية لهذا الجنس الأدبي، ويؤكد مكانته داخل الدراسات النقدية المعاصرة بوصفه أحد أكثر الخطابات قدرة على تمثيل الإنسان في علاقته بذاته، وبالآخر، وبالزمن، وبالتاريخ.

إشكالية الدراسة:

أفرزت التحولات التي عرفتها الدراسات الأدبية والإنسانية خلال العقود الأخيرة مراجعات عميقة لمفهوم الكتابة عن الذات، بعد أن انتقل الاهتمام من البحث في الوقائع والأحداث إلى البحث في آليات تمثيل الذات وبناء الهوية وإنتاج المعنى. فلم تعد النصوص الذاتية تقرأ بوصفها وثائق تعكس حياة أصحابها فحسب، وإنما غدت أنساقا خطابية معقدة تتداخل فيها الذاكرة مع التاريخ، والواقع مع التأويل، والتجربة الفردية مع المرجعيات الاجتماعية والثقافية. ومن هذا المنطلق، أصبح خطاب اليوميات واحدا من أكثر الأجناس الأدبية قدرة على استيعاب هذه التحولات، لأنه يجمع بين آنية الكتابة وعمق التجربة، وبين التوثيق اليومي وإعادة بناء الذات عبر اللغة.

ورغم هذا التحول، ما يزال خطاب اليوميات في النقد العربي أقل حضورا من السيرة الذاتية والرواية وأدب الرحلة، سواء من حيث التأصيل النظري أو من حيث الدراسات التطبيقية. ويبدو أن هذا القصور لا يرجع إلى ضعف هذا الجنس الأدبي، وإنما إلى تعقيد بنيته، وتداخل حدوده مع أجناس مجاورة، وصعوبة الفصل بين ما هو ذاتي وما هو تاريخي، وبين ما هو توثيقي وما هو إبداعي.

وتزداد هذه الإشكالية تعقيدا عندما تصبح الذاكرة محورا للكتابة اليومية، فالذات لا تستعيد ماضيها كما وقع، وإنما تعيد بناءه في ضوء خبراتها اللاحقة، وانتقائها للوقائع، ورؤيتها للعالم. وهكذا تتحول الذاكرة إلى فعل تأويلي، يتجاوز وظيفة الحفظ إلى وظيفة إنتاج المعنى، مما يجعل اليوميات فضاء لإعادة تشكيل الهوية أكثر من كونها مرآة تعكسها بصورة مباشرة.

ومن جهة أخرى، فإن الذات التي تتجلى في اليوميات ليست ذاتا معزولة عن محيطها، وإنما هي ذات اجتماعية وتاريخية، تتشكل داخل منظومة من العلاقات الثقافية والسياسية والاقتصادية والرمزية. ولذلك فإن قراءة خطاب اليوميات تقتضي تجاوز التحليل الداخلي للنص، والانفتاح على المقاربة السوسيولوجية التاريخية، بوصفها مدخلا يكشف عن التفاعل بين التجربة الفردية والبنيات الاجتماعية، وبين الذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية، وبين الخطاب الأدبي والسياق التاريخي الذي أنتجه.

وانطلاقا من هذه المعطيات، تتمحور إشكالية هذه الدراسة حول السؤال المركزي الآتي:

كيف تتشكل العلاقة بين الذات والذاكرة في خطاب اليوميات؟ وإلى أي حد يسهم المنظور السوسيولوجي التاريخي في الكشف عن الأبعاد السردية والثقافية والتاريخية التي تؤطر هذا الخطاب، وتمنحه قيمته الأدبية والمعرفية؟

ويتفرع عن هذا السؤال الرئيس مجموعة من الأسئلة الفرعية، من أبرزها:

ما المقصود بخطاب اليوميات؟ وكيف تطور مفهومه داخل الدراسات الأدبية الحديثة؟

ما الخصائص السردية والفنية التي تمنح اليوميات استقلالها داخل أجناس الكتابة عن الذات؟

كيف تتشكل الذات داخل الخطاب اليومي؟ وما الآليات السردية التي تعتمدها في تمثيل نفسها؟

ما طبيعة العلاقة بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية داخل اليوميات؟

كيف يسهم الزمان والمكان في بناء التجربة اليومية وإنتاج دلالاتها؟

ما موقع الآخر في تشكيل وعي الذات داخل خطاب اليوميات؟

كيف يمكن للمقاربة السوسيولوجية التاريخية أن تكشف عن الوظائف الثقافية والاجتماعية والتاريخية لليوميات؟

إلى أي حد يمكن اعتبار اليوميات وثيقة معرفية تحفظ تفاصيل التاريخ الاجتماعي والثقافي إلى جانب قيمتها الأدبية؟

أهداف الدراسة:

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق جملة من الأهداف العلمية، من أهمها:

تأصيل مفهوم خطاب اليوميات في ضوء الدراسات الأدبية الحديثة.

إبراز الخصائص الفنية والسردية التي تميز اليوميات عن غيرها من أجناس الكتابة الذاتية.

تحليل العلاقة الجدلية بين الذات والذاكرة باعتبارها البنية المؤسسة لخطاب اليوميات.

الكشف عن الأبعاد السوسيولوجية والتاريخية التي تنطوي عليها الكتابة اليومية.

بيان دور المكان والزمان والآخر في بناء التجربة الذاتية داخل اليوميات.

إبراز القيمة المعرفية لليوميات بوصفها وثيقة أدبية وثقافية وتاريخية.

الإسهام في إغناء الدراسات العربية المتعلقة بالكتابة الذاتية، من خلال تقديم تصور نظري يجمع بين النقد الأدبي والسوسيولوجيا والتاريخ.

أهمية الدراسة:

تنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تعالج موضوعا يحتل موقعا متقدما في النقد الأدبي المعاصر، وهو خطاب اليوميات بوصفه أحد أبرز أشكال الكتابة عن الذات. كما تستمد أهميتها من سعيها إلى بناء رؤية نقدية تجمع بين التحليل الأدبي والمقاربة السوسيولوجية التاريخية، بما يسمح بفهم أعمق للعلاقات التي تربط النص بسياقه الثقافي والاجتماعي.

وتتمثل أهمية الدراسة أيضا في أنها تنقل الاهتمام من تحليل النماذج الجزئية إلى بناء إطار نظري شامل لخطاب اليوميات، يستوعب قضاياه المفهومية والجمالية والمعرفية، ويبرز دوره في حفظ الذاكرة الفردية والجماعية، وفي توثيق التحولات التاريخية والاجتماعية، وفي الكشف عن الكيفية التي يعيد بها الإنسان بناء ذاته عبر فعل الكتابة.

خطاب اليوميات: النشأة والمفهوم والتحولات الجمالية والمعرفية:

على سبيل الافتتاح:

تحتل الكتابة اليومية موقعا خاصا ضمن خريطة الكتابات الذاتية، لأنها تمثل أحد أكثر الأشكال السردية التصاقا بالتجربة الإنسانية في بعدها المباشر واليومي. فإذا كانت بعض الأجناس الأدبية تقوم على إعادة بناء التجربة بعد اكتمالها، فإن اليوميات تنشأ غالبا في قلب الحدث، حيث تتفاعل الذات مع لحظتها التاريخية، وتسجل علاقتها بالعالم وهي ما تزال في طور التشكل. ولهذا فإنها لا تقدم لنا الماضي بوصفه مادة مكتملة، وإنما تكشف عن الإنسان وهو يعيش الزمن، ويمنح تفاصيل حياته العادية معنى رمزيا يتجاوز حدود اللحظة العابرة.

وقد ظلت اليوميات لفترة طويلة أسيرة نظرة تقليدية اعتبرتها مجرد كتابات شخصية ذات طابع حميمي، لا تتجاوز حدود الاعتراف الفردي أو التسجيل الخاص. غير أن التحولات التي عرفتها العلوم الإنسانية خلال القرن العشرين، خاصة مع تطور الدراسات السردية، وتنامي الاهتمام بمفهوم الذات والذاكرة والتاريخ الاجتماعي، أسهمت في إعادة النظر في هذا الجنس الكتابي، فأصبح يقرأ باعتباره خطابا مركبا يجمع بين الأدبي والمعرفي، وبين الفردي والجماعي، وبين التجربة الخاصة وتمثيلات العصر.

إن أهمية اليوميات لا تكمن فقط في كونها تسجل تفاصيل الحياة اليومية، بل في كونها تكشف الطريقة التي تتحول بها التجربة المعاشة إلى خطاب، وكيف تنتقل الذات من موقع العيش إلى موقع التأمل والكتابة. فالكاتب اليومياتي لا يكتفي بوصف ما يحدث حوله، وإنما يعيد ترتيب العالم وفق منظوره الخاص، ويمنح الأحداث الصغيرة دلالات مرتبطة بأسئلته الوجودية والثقافية والتاريخية.

ومن هنا فإن دراسة خطاب اليوميات تستوجب تجاوز النظرة التي تختزله في كونه وثيقة شخصية، والانفتاح على أبعاده السردية والاجتماعية والتاريخية، باعتباره مجالا تتقاطع فيه قضايا الهوية والذاكرة والزمن والتمثيل.

نشأة خطاب اليوميات وتطوره في الآداب الإنسانية

الجذور الأولى للكتابة اليومية:

لا يمكن تحديد نشأة اليوميات باعتبارها جنسا أدبيا مستقلا في تاريخ معين، لأنها ترتبط بحاجات إنسانية قديمة تتمثل في الرغبة في تسجيل التجربة وحفظ أثر الذات داخل الزمن. فقد عرف الإنسان منذ الحضارات القديمة أشكالا متعددة من التدوين الشخصي، سواء في شكل سجلات أو رسائل أو تأملات فلسفية أو ملاحظات خاصة.

غير أن هذه الأشكال لم تكن تحمل بالضرورة الوعي الجمالي الذي أصبحت تتميز به اليوميات الحديثة، إذ كان الهدف الأساسي منها غالبا عمليا أو معرفيا، مثل تسجيل الأحداث أو حفظ المعلومات أو تنظيم الحياة اليومية. أما التحول الحقيقي فقد حدث عندما أصبحت الكتابة اليومية مرتبطة بتكوين صورة الذات، وبمحاولة الإنسان فهم نفسه والعالم المحيط به.

لقد بدأت الذات الحديثة تكتشف الكتابة باعتبارها وسيلة للوعي بالوجود، فلم تعد الكتابة مجرد حفظ للأحداث، بل أصبحت فعلا تأمليا يسمح للفرد بإعادة اكتشاف ذاته. وهنا انتقلت اليوميات من مجال التسجيل إلى مجال بناء المعنى.

اليوميات وتشكل مفهوم الذات الحديثة:

يرتبط ظهور اليوميات الحديثة ارتباطا وثيقا بصعود مفهوم الفرد في الفكر الغربي الحديث، حيث أصبح الإنسان ينظر إلى ذاته باعتبارها موضوعا جديرا بالتأمل والتحليل. فقد ساهم التحول الفكري الذي عرفته أوروبا منذ عصر النهضة في تعزيز قيمة الفرد، وإبراز التجربة الشخصية بوصفها مصدرا من مصادر المعرفة.

وفي هذا السياق، ظهرت الكتابات الاعترافية والتأملات الذاتية التي جعلت من الأنا مركزا للسرد، ومن التجربة الداخلية مادة للكتابة. ويعد كتاب الاعترافات من الأعمال التي أسهمت في ترسيخ حضور الذات داخل الكتابة الحديثة، إذ جعل من الحياة الشخصية مجالا للتأمل والكشف عن أعماق النفس الإنسانية.

لكن اليوميات تختلف عن الاعترافات في كونها لا تنطلق من استعادة شاملة للماضي، وإنما من متابعة لحظية للحياة وهي تتشكل. فالذات في اليوميات لا تنظر فقط إلى ما كانت عليه، بل تسجل ما تعيشه لحظة بلحظة، ولذلك فهي أكثر ارتباطا بحركة الزمن وتحولاته.

مفهوم اليوميات وإشكالية تعريفها:

تطرح اليوميات صعوبة واضحة على مستوى التعريف، بسبب طبيعتها الهجينة وتداخلها مع أجناس كتابية أخرى. فهي ليست سيرة ذاتية بالمعنى الكامل، وليست مذكرات تاريخية فقط، وليست اعترافات شخصية خالصة، بل هي خطاب يقع في منطقة وسطى تجمع بين هذه الأشكال دون أن يذوب فيها.

ويمكن تعريف اليوميات بأنها:

" كتابة ذاتية تقوم على تسجيل التجربة الإنسانية في امتدادها الزمني القريب، حيث تتفاعل الذات مع أحداثها اليومية، وتعيد تشكيلها سرديا وفق منظور شخصي يكشف علاقتها بذاتها وبالعالم."

ويشير هذا التعريف إلى مجموعة من العناصر الأساسية:

حضور الزمن اليومي بوصفه أساس البناء السردي، فاليوميات تقوم على مبدأ التتابع الزمني المرتبط بالأيام أو اللحظات أو المراحل القصيرة.

مركزية الذات، لأن الكاتب لا يسجل الأحداث باعتبارها موضوعًا خارجيا، وإنما من خلال وعيه الخاص بها.

العلاقة بين الواقع والكتابة، إذ إن اليوميات لا تنقل الحياة كما هي، بل تعيد بناءها داخل نظام لغوي وسردي.

ومن هنا فإن اليوميات لا تمثل نسخة مطابقة للحياة، وإنما تمثل حياة معاد تشكيلها عبر فعل الكتابة.

الخصائص الفنية والسردية لخطاب اليوميات:

تتميز اليوميات بمجموعة من الخصائص التي تمنحها خصوصيتها داخل الكتابة الذاتية، ولعل من أبرزها:

آنية الكتابة وحضور اللحظة:

تقوم اليوميات على القرب الزمني بين الحدث وتسجيله، ولذلك فإنها تمنح القارئ إحساسا بأنه يعيش التجربة مع الكاتب في لحظة حدوثها. غير أن هذه الآنية لا تعني غياب التأويل، لأن مجرد اختيار حدث معين لتسجيله يحمل موقفا ورؤية.

فالكاتب لا يكتب كل شيء، وإنما ينتقي ما يراه جديرا بالحفظ، وهذا الانتقاء يكشف نظام القيم الذي يحكم وعيه.

مركزية الذات الساردة:

تحتل الذات موقعا محوريا في اليوميات، لكنها ليست ذاتا مغلقة على نفسها، بل ذات تتفاعل مع الآخرين ومع المجتمع والتاريخ.

فالكاتب عندما يتحدث عن تفاصيل حياته الخاصة يكشف في الوقت نفسه عن البيئة الاجتماعية والثقافية التي يعيش داخلها.

التوتر بين الحقيقة والتخييل:

رغم ارتباط اليوميات بالواقع، فإنها لا تخلو من البعد الإبداعي، لأن اللغة لا تعمل كمرآة شفافة للواقع، وإنما كوسيط يعيد تشكيله.

ولهذا فإن الحقيقة في اليوميات ليست حقيقة الحدث فقط، بل حقيقة التجربة كما عاشتها الذات وكما فهمتها.

حضور التفاصيل الصغيرة:

تتميز اليوميات باهتمامها بما يبدو هامشيا في الحياة اليومية كلقاء عابر، أو إحساس داخلي، أو موقف بسيط، أو مكان مألوف. غير أن هذه التفاصيل تكتسب قيمتها لأنها تكشف البنية العميقة للحياة الاجتماعية والثقافية.

فالجزئي في اليوميات يصبح مدخلًا لفهم الكلي.

وهكذا يتضح من خلال ما تمت الإشارة إليه أن خطاب اليوميات يمثل أحد أكثر أشكال الكتابة الذاتية تعقيدا، لأنه لا يقوم على تسجيل الحياة فقط، بل على إعادة إنتاجها داخل خطاب يجمع بين التجربة والذاكرة واللغة. كما أن تطوره ارتبط بتحولات عميقة في تصور الإنسان لذاته، حيث أصبحت الذات موضوعا للمعرفة والتأمل.

وبذلك فإن اليوميات لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد نصوص شخصية هامشية، وإنما بوصفها فضاء تتقاطع داخله أسئلة الفرد والمجتمع والتاريخ، وهو ما يفتح المجال لدراسة العلاقة بين الذات والذاكرة، والكشف عن الأبعاد السوسيولوجية والتاريخية التي تجعل من اليوميات وثيقة أدبية وثقافية في آن واحد.

الذات في خطاب اليوميات: من التعبير الفردي إلى بناء الهوية السردية:

على سبيل التقديم:

تحتل الذات موقعا محوريا في مختلف أشكال الكتابة عن النفس، غير أن حضورها في خطاب اليوميات يكتسب خصوصية متميزة، لأنها لا تظهر بوصفها كيانا مكتملا وثابتا، بل باعتبارها ذاتا في طور التشكل المستمر. فالكاتب اليومياتي لا يقدم صورة نهائية عن نفسه، وإنما يكشف عن حركة الوعي وهي تتفاعل مع الزمن والأحداث والتجارب اليومية.

لقد أدى التحول الذي عرفته العلوم الإنسانية الحديثة إلى إعادة النظر في مفهوم الذات، فلم تعد الذات تفهم باعتبارها جوهرا مستقلا قائما بذاته، كما كانت التصورات الفلسفية التقليدية تميل إلى اعتبارها، وإنما أصبحت تدرس بوصفها بناء رمزيا وثقافيا يتشكل داخل اللغة والتاريخ والمجتمع. فالإنسان لا يكتشف ذاته خارج الخطاب، بل يبنيها من خلال الطريقة التي يحكي بها تجربته، ومن خلال المعاني التي يمنحها لأفعاله وذكرياته وعلاقاته.

ومن هذا المنظور، تصبح اليوميات مجالا خصبا لدراسة تشكل الهوية، لأنها تكشف عن المسار الذي تنتقل فيه الذات من التجربة المعيشة إلى التجربة المكتوبة، ومن الوجود الفردي إلى التمثيل السردي. فالكاتب حين يسجل يومياته لا يكتب عن نفسه فقط، بل يعيد إنتاج صورة معينة عنها، ويحدد موقعها داخل العالم الذي تنتمي إليه.

مفهوم الذات وتحولاته في الفكر الإنساني:

الذات بين الفلسفة الكلاسيكية والتصورات الحديثة:

ارتبط مفهوم الذات في الفكر الفلسفي طويلا بفكرة الثبات والاستمرارية، حيث اعتبرت الذات مركزا للوعي ومصدرا للمعرفة. فقد نظر الفلاسفة إلى الإنسان باعتباره كائنا قادرا على إدراك ذاته والتفكير فيها، مما جعل مفهوم الأنا يحتل مكانة أساسية في بناء التصورات الفلسفية حول الإنسان.

غير أن الفكر الحديث والمعاصر عمل على مراجعة هذا التصور، بعدما أظهرت العلوم الإنسانية أن الذات ليست مستقلة عن شروطها التاريخية والاجتماعية والثقافية. فالإنسان لا يتشكل في فراغ، وإنما داخل شبكة من العلاقات والرموز والمؤسسات التي تؤثر في طريقة إدراكه لنفسه وللآخرين.

وقد ساهمت الدراسات النفسية والاجتماعية واللسانية في الانتقال من تصور الذات باعتبارها مركزا ثابتا إلى تصورها باعتبارها بناء متحركا ينتج عبر التفاعل مع اللغة والمجتمع والتاريخ.

ومن هنا أصبحت الذات في الدراسات المعاصرة سؤالا مفتوحا، لا حقيقة مكتملة، وأصبحت الهوية نفسها عملية مستمرة من البناء وإعادة البناء.

الذات بوصفها بناء سرديا:

يعتبر التصور السردي للذات من أهم التحولات التي عرفتها الدراسات الإنسانية الحديثة، إذ لم تعد الهوية تفهم باعتبارها مجموعة صفات ثابتة، وإنما باعتبارها قصة يرويها الإنسان عن نفسه.

وفي هذا السياق يرى بول ريكور أن الإنسان لا يصل إلى فهم ذاته إلا عبر السرد، لأن الهوية الإنسانية تتشكل من خلال القدرة على تنظيم التجارب المتفرقة داخل بناء قصصي يمنحها الوحدة والمعنى.

فالذات لا توجد قبل الحكاية، وإنما تتكون جزئيا من خلال الطريقة التي تحكي بها نفسها. وهذا التصور يكتسب أهمية خاصة في دراسة اليوميات، لأن الكاتب اليومياتي يقوم يوميا بإعادة صياغة علاقته بذاته عبر فعل الكتابة.

إن الأنا في اليوميات ليست مجرد شخصية تتحدث عن نفسها، بل هي ذات تقوم بإنتاج صورتها الخاصة، وتفاوض موقعها بين الماضي والحاضر والمستقبل.

الذات اليومية وآليات بناء الهوية:

الكتابة اليومية باعتبارها ممارسة لبناء الذات:

لا تمثل الكتابة اليومية عملية تسجيل محايدة للأحداث، بل هي ممارسة تساهم في تشكيل وعي الإنسان بذاته. فالكاتب حين يكتب عن يومه، فإنه يقوم بعملية اختيار وتنظيم وتأويل، وهذه العمليات تكشف الطريقة التي يريد من خلالها أن يقدم نفسه.

فقد يركز الكاتب على أحداث معينة ويهمل أخرى، وقد يمنح أهمية كبيرة لتجربة تبدو بسيطة، لأنها تحمل بالنسبة إليه قيمة رمزية أو وجدانية. ومن هنا تصبح اليوميات فضاء لإنتاج المعنى، وليس مجرد أرشيف للأحداث.

فالذات لا تظهر في اليوميات كما هي في الواقع، وإنما كما تريد أن تفهم نفسها وتقدمها للآخر.

العلاقة بين الأنا والآخر في خطاب اليوميات:

رغم الطابع الشخصي لليوميات، فإنها لا تقوم على عزلة الذات عن العالم، لأن الأنا لا تتحدد إلا عبر علاقتها بالآخر. فالأسرة، والأصدقاء، والمؤسسات، والبيئة الثقافية والسياسية، كلها عناصر تدخل في تشكيل صورة الذات.

فالكاتب عندما يتحدث عن علاقاته بالآخرين لا يسجل فقط وقائع اجتماعية، بل يكشف عن منظومة القيم التي تحكم نظرته إلى المجتمع وإلى موقعه داخله.

ولهذا فإن اليوميات تقدم صورة مزدوجة:

صورة للذات كما ترى نفسها.

وصورة للمجتمع كما يظهر من خلال تجربة هذه الذات.

وهنا تتجاوز اليوميات حدود الاعتراف الفردي لتصبح شهادة ثقافية على مرحلة تاريخية معينة.

الذات بين الفردي والاجتماعي: نحو قراءة سوسيولوجية:

من الذات الفردية إلى الذات الاجتماعية:

تكشف المقاربة السوسيولوجية أن الذات ليست نتاجا فرديا خالصا، بل هي حصيلة تفاعل مع المحيط الاجتماعي. فالإنسان يتذكر ويكتب ويتصرف داخل منظومة من القيم والعادات والتقاليد والتمثلات الجماعية.

وقد أكد عالم الاجتماع موريس هالبفاكس أن الذاكرة الفردية لا تعمل بمعزل عن الجماعة، لأن الفرد يستعيد الماضي اعتمادا على الأطر الاجتماعية التي تمنحه إمكانات التذكر والتفسير.

وينطبق هذا التصور على اليوميات، إذ إن التجربة التي تبدو شخصية تحمل في داخلها آثار المجتمع الذي أنتجها.

فعندما يكتب الفرد عن التعليم، أو العمل، أو الأسرة، أو التحولات السياسية، فإنه لا يقدم تجربة خاصة فقط، بل يكشف عن بنية اجتماعية كاملة.

اليوميات بوصفها مرآة للتحولات التاريخية:

تكمن أهمية اليوميات من الناحية التاريخية في كونها تحفظ جوانب من الحياة اليومية قد لا نجدها في المصادر الرسمية. فالتاريخ التقليدي يهتم غالبا بالأحداث الكبرى والشخصيات المؤثرة، بينما تمنحنا اليوميات فرصة الاقتراب من حياة الأفراد العاديين، ومن تفاصيل المجتمع في لحظاته الصغيرة.

ولهذا أصبحت اليوميات مصدرا مهما في الدراسات التاريخية والاجتماعية، لأنها تكشف عن:

أنماط العيش اليومية.

التحولات في القيم والعلاقات الاجتماعية.

تمثلات الأفراد للأحداث الكبرى.

تأثير التحولات السياسية والثقافية في الحياة الخاصة.

فالحدث التاريخي لا يعيش فقط في ساحات السياسة، بل يدخل البيوت والذاكرات والأحاسيس الفردية.

هكذا يتبين من خلال ما تمت الإشارة إليه  أن الذات في خطاب اليوميات ليست ذاتا جاهزة تستعيد حياتها، وإنما هي ذات تتشكل عبر فعل الكتابة ذاته. فاليوميات تمثل فضاء لإنتاج الهوية السردية، حيث تعيد الذات تنظيم تجربتها ومنحها معنى داخل سياق زمني واجتماعي محدد.

كما أن المقاربة السوسيولوجية تكشف أن الذات اليومية لا يمكن فصلها عن محيطها، لأنها تحمل آثار المجتمع والتاريخ والثقافة. ومن ثم فإن اليوميات تتحول من خطاب فردي محدود إلى وثيقة تكشف عن علاقة الإنسان بعصره وبالتحولات التي يعيشها.

الذاكرة في خطاب اليوميات: بين الاسترجاع الفردي وبناء الذاكرة الجماعية:

على سبيل التقديم:

تعتبر الذاكرة من المفاهيم المركزية التي استأثرت باهتمام مختلف العلوم الإنسانية، نظرا لما تؤديه من دور أساسي في تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. فالذاكرة ليست مجرد قدرة نفسية على استحضار الأحداث الماضية، وإنما هي نشاط معقد تتداخل فيه أبعاد نفسية وثقافية واجتماعية وتاريخية، تجعل من الماضي مادة قابلة لإعادة البناء والتأويل.

وتزداد أهمية الذاكرة داخل خطاب اليوميات، لأن هذا الخطاب يقوم أساسا على تحويل التجربة المعاشة إلى نص مكتوب. فالكاتب اليومياتي لا ينقل الواقع كما هو، وإنما يعيد صياغته من خلال وعيه به، ومن خلال الطريقة التي اختزن بها أحداثه وانفعالاته وتجربته الخاصة. لذلك فإن اليوميات لا تقدم الماضي في صورته الأصلية، بل تقدمه كما أعادت الذات تشكيله داخل الوعي واللغة.

ومن هنا تتأسس العلاقة الجدلية بين الذاكرة والكتابة، فالذاكرة تمنح اليوميات مادتها الأولية، بينما تمنح الكتابة للذاكرة شكلا ودلالة واستمرارا. وبذلك يصبح النص اليومياتي فضاء تتحول فيه الذكريات الفردية إلى خطاب قابل للتداول، وقد يتحول هذا الخطاب بدوره إلى جزء من الذاكرة الجماعية للمجتمع.

مفهوم الذاكرة وتحولاتها في الدراسات الإنسانية:

الذاكرة بين الاسترجاع وإنتاج المعنى:

ارتبط مفهوم الذاكرة في التصورات التقليدية بفكرة الحفظ والاسترجاع، حيث كان ينظر إليها باعتبارها قدرة تسمح للإنسان باستعادة أحداث الماضي كما وقعت. غير أن الدراسات الحديثة تجاوزت هذا التصور البسيط، وأكدت أن الذاكرة ليست خزانا محايدا للمعلومات، وإنما عملية دينامية يعيد الإنسان من خلالها بناء علاقته بالماضي.

فالإنسان لا يتذكر كل شيء، ولا يستعيد الأحداث بطريقة آلية، وإنما ينتقي منها ما يتوافق مع حاجاته النفسية والثقافية وأسئلته الراهنة. ومن ثم فإن فعل التذكر يحمل دائمًا أثر الحاضر، لأن الذات تستعيد الماضي من موقعها الحالي، وبناء على تجربتها المتجددة.

وهذا يعني أن الذاكرة ليست مجرد عودة إلى ما مضى، بل هي إعادة إنتاج للماضي داخل الحاضر.

وفي خطاب اليوميات تتضح هذه الخاصية بشكل كبير، لأن الكاتب حين يسجل لحظة معينة فإنه لا يقدم الحدث فقط، بل يقدم علاقته الخاصة بذلك الحدث، وما تركه من أثر في وعيه وشخصيته.

الذاكرة بوصفها بناءً اجتماعيا:

أسهمت الدراسات السوسيولوجية في تغيير النظرة إلى الذاكرة، خصوصا مع أعمال موريس هالبفاكس الذي أكد أن الذاكرة الفردية لا يمكن فهمها خارج الأطر الاجتماعية التي يعيش داخلها الفرد.

فالإنسان لا يتذكر باعتباره كائنا منفصلا عن الجماعة، بل يستعيد ماضيه من خلال اللغة والقيم والعلاقات الاجتماعية التي تحيط به. وحتى الذكريات الأكثر خصوصية تحمل في داخلها آثار المجتمع والثقافة.

فعندما يستعيد الكاتب طفولته مثلا، فإنه لا يستعيد أحداثا فردية فقط، وإنما يستحضر عالما اجتماعيا كاملا  أي أنه يستحضر  الأسرة، والعادات، والفضاءات، والعلاقات الإنسانية، والقيم السائدة في تلك المرحلة.

ومن هنا تصبح اليوميات وثيقة اجتماعية بقدر ما هي نص ذاتي، لأنها تكشف عن المجتمع من خلال ذاكرة الفرد.

الذاكرة والكتابة اليومية: من التجربة إلى النص:

اليوميات بوصفها فعلا تذكريا:

تقوم اليوميات على علاقة خاصة بالزمن، فهي غالبًا كتابة مرتبطة بالحاضر، لكنها في الوقت نفسه تستند إلى عملية تذكر وانتقاء. فالكاتب عندما يسجل أحداث يومه لا يقوم بمجرد نقل مباشر، لأن عملية الكتابة نفسها تتطلب وعيا بالحدث واختيارا لما يستحق التدوين.

حتى الكتابة القريبة من لحظة وقوع الحدث تحمل تدخل الذاكرة، لأن الإنسان لا يعيش الأحداث منفصلة عن تفسيره لها، بل يخزنها داخل شبكة من المعاني والانطباعات.

ولهذا فإن اليوميات تمثل نقطة التقاء بين زمن الحدث وزمن التذكر وزكن الكتابة.

وهذه المستويات الزمنية الثلاثة تمنح الخطاب اليومياتي ثراءه الفني والمعرفي.

الانتقاء والنسيان في بناء الذاكرة اليومية:

لا يمكن الحديث عن الذاكرة دون الحديث عن النسيان، لأن ما يتم تذكره يرتبط دائمًا بما يتم إغفاله أو استبعاده. فالذاكرة ليست عملية شاملة، وإنما تقوم على الاختيار.

وفي اليوميات يظهر هذا الاختيار بوضوح، فالكاتب يقرر ما يكتب وما لا يكتب، وما يمنحه قيمة وما يعتبره غير جدير بالحفظ. ومن هنا فإن الصمت داخل اليوميات قد يكون ذا دلالة بقدر ما هو مكتوب. فغياب حدث معين قد يكشف عن موقف نفسي أو اجتماعي، كما أن التركيز على تفاصيل محددة قد يعبر عن منظومة قيم أو رؤية للعالم.

وبذلك تصبح اليوميات نصا يكشف الحضور والغياب معا.

من الذاكرة الفردية إلى الذاكرة الجماعية:

اليوميات باعتبارها شهادة على العصر:

تتجاوز اليوميات حدود التجربة الفردية عندما تحفظ تفاصيل الحياة الاجتماعية في مرحلة معينة. فالكاتب، وهو يتحدث عن حياته الخاصة، يقدم صورة عن العالم الذي يعيش داخله. ولهذا فإن الباحث في التاريخ الاجتماعي يجد في اليوميات مادة غنية لفهم الحياة اليومية، لأنها تكشف عن الجوانب التي قد تغيب عن الوثائق الرسمية. فاليوميات تستطيع أن تقدم معلومات حول أنماط التفكير السائدة، وحول العلاقات الأسرية والاجتماعية، و حول التحولات الثقافية كما تقدم معلومات كذلك حول أثر الأحداث السياسية في حياة الأفراد وحول تمثلات المجتمع لذاته وللآخر.

وهنا تتحول الذاكرة الفردية إلى نافذة تطل على الذاكرة الجماعية.

الذاكرة الجماعية وصناعة الهوية:

لا تقتصر وظيفة الذاكرة على حفظ الماضي، بل تسهم في بناء الهوية. فالجماعات والأفراد يحتاجون إلى استحضار ماضيهم من أجل فهم حاضرهم وتحديد موقعهم في العالم.

وفي هذا السياق، تصبح اليوميات وسيلة للحفاظ على أشكال من التجربة الإنسانية قد تكون مهددة بالنسيان. فهي تحفظ الأصوات الفردية، والانفعالات، والتفاصيل الصغيرة التي تشكل جزءا من تاريخ المجتمع.

إن أهمية اليوميات تكمن في أنها تمنح التاريخ بعده الإنساني، فهي لا تكتفي بسرد ما حدث، بل تكشف كيف عاش الناس الأحداث، وكيف فهموها، وكيف أثرت في وجدانهم.

الذاكرة بين التاريخ والتخييل في خطاب اليوميات:

حدود الفصل بين الذاكرة والتاريخ:

رغم أن التاريخ والذاكرة يشتركان في العودة إلى الماضي، فإنهما يختلفان في طبيعة علاقتهما به. فالتاريخ يسعى إلى بناء معرفة منظمة تعتمد على الوثائق والتحليل، بينما ترتبط الذاكرة بالتجربة الشخصية والانفعال والانتقاء.

غير أن العلاقة بينهما ليست علاقة تعارض مطلق، بل علاقة تفاعل، فالذاكرة تقدم للتاريخ مادة إنسانية حية، والتاريخ يساعد على فهم الذاكرة داخل سياقها العام.

ومن هذا المنظور، تحتل اليوميات موقعا وسيطا بين المجالين، فهي نص ذاتي يحمل قيمة تاريخية، ووثيقة تاريخية تحمل أثر الذات.

التخييل ودوره في تشكيل الذاكرة:

حتى عندما تهدف اليوميات إلى الصدق والتوثيق، فإنها لا تخلو من البعد التخيّيلي، لأن اللغة بطبيعتها تعيد تشكيل التجربة. فالتخييل هنا لا يعني اختلاق أحداث غير موجودة، بل يعني الطريقة التي تُنظم بها التجربة داخل الخطاب، وكيف تُمنح الوقائع معنى ودلالة.

فالكاتب لا يقدم حياته كما هي في الواقع، وإنما كما فهمها وتأملها وأعاد بناءها سرديا.

ومن ثم فإن الحقيقة في اليوميات ليست مجرد مطابقة بين النص والحدث، بل هي حقيقة التجربة كما تشكلت داخل وعي الذات.

وهكذا يكشف تحليل مفهوم الذاكرة في خطاب اليوميات أن هذه الأخيرة لا تقوم على استعادة الماضي بصورة آلية، وإنما على إعادة بنائه وفق رؤية الذات وتجربتها وموقعها الاجتماعي والتاريخي. فالذاكرة تمنح اليوميات مادتها، لكنها لا تعمل خارج اللغة والثقافة والجماعة.

كما أن اليوميات تتجاوز بعدها الشخصي لتصبح سجلا للذاكرة الجماعية، لأنها تحفظ تفاصيل الحياة اليومية وتمثل طريقة الأفراد في فهم التحولات التاريخية التي يعيشونها. وبذلك تتأكد العلاقة العميقة بين الذات والذاكرة؛ فالذات لا تُبنى إلا من خلال ما تتذكره وتحكيه، والذاكرة لا تستمر إلا عندما تجد شكلا تعبيريا يحفظها، وهو ما يجعل خطاب اليوميات فضاء أساسيا لفهم الإنسان في علاقته بذاته وبمجتمعه وبالتاريخ.

المقاربة السوسيولوجية التاريخية لخطاب اليوميات:

من النص الفردي إلى الوثيقة الثقافية

تقديم:

إذا كانت القراءة الأدبية التقليدية تنظر إلى اليوميات باعتبارها خطابا ذاتيا يقوم على التعبير عن التجربة الفردية، فإن المقاربة السوسيولوجية التاريخية تقترح أفقا أوسع لفهم هذا النوع من الكتابة، من خلال الكشف عن الروابط العميقة التي تصل بين النص والبيئة الاجتماعية والتاريخية التي أنتجته.

فالكاتب اليومياتي، مهما بدا منشغلا بذاته وتفاصيل حياته الخاصة، لا يكتب خارج المجتمع، ولا يعبر عن تجربة منفصلة عن شروطها التاريخية. إن الذات التي تتحدث في اليوميات تحمل داخلها آثار الزمن الذي تعيشه، وتحمل كذلك القيم والتمثلات والصراعات والتحولات التي يعرفها المجتمع.

ومن هنا فإن اليوميات تمثل نقطة التقاء بين الفردي والجماعي، فهي تبدأ من تجربة شخصية، لكنها تنفتح على أسئلة المجتمع والتاريخ. فالحدث الصغير الذي يسجله الكاتب قد يكشف عن بنية اجتماعية كاملة، والتجربة الخاصة قد تصبح شاهدا على مرحلة تاريخية بأكملها.

ولهذا فإن المقاربة السوسيولوجية التاريخية لا تهدف إلى إلغاء البعد الأدبي والجمالي لليوميات، بل تسعى إلى توسيع دائرة فهمها، من خلال دراسة العلاقة بين الخطاب وسياقه، وبين الذات والبنية الاجتماعية، وبين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية.

اليوميات بوصفها خطابا اجتماعيا:

النص الأدبي وعلاقته بالبنية الاجتماعية:

تنطلق المقاربة السوسيولوجية للأدب من فكرة أساسية مفادها أن العمل الأدبي لا يظهر في فراغ، وإنما يتشكل داخل شروط اجتماعية وثقافية محددة. فالنص يحمل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، آثار المجتمع الذي أنتجه.

ولا يعني ذلك أن الأدب مجرد انعكاس آلي للواقع، لأن العلاقة بين النص والمجتمع أكثر تعقيدا من علاقة النسخ والتصوير، فالأديب يعيد تشكيل الواقع من خلال رؤيته الخاصة، ومن خلال أدواته الجمالية واللغوية.

وينطبق هذا التصور على اليوميات بشكل خاص، لأن هذا النوع الكتابي يقوم على التفاعل المباشر بين الذات والعالم. فالكاتب يسجل ما يراه، وما يشعر به، وما يعيشه داخل محيط اجتماعي معين.

ومن ثم فإن تحليل اليوميات لا يقتصر على سؤال: " ماذا يقول الكاتب عن نفسه؟"، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق: ماذا تكشف هذه الذات عن المجتمع الذي تنتمي إليه؟

اليوميات وتمثيل الحياة اليومية:

تتميز اليوميات بقدرتها على التقاط التفاصيل الصغيرة التي تشكل نسيج الحياة الاجتماعية. فبينما تركز المصادر التاريخية الرسمية غالبا على الأحداث الكبرى، تمنحنا اليوميات إمكانية الاقتراب من الحياة العادية للأفراد.

فالحديث عن الأسرة، وعن التعليم، والعمل، والعلاقات الاجتماعية، والعادات، والأماكن، والتحولات الثقافية،

لا يمثل مجرد تسجيل لتجارب شخصية، بل يكشف عن أنماط الحياة والقيم التي تسود المجتمع.

وهنا تكمن القيمة السوسيولوجية لليوميات، لأنها تجعل من اليومي والعادي مادة للبحث العلمي، وتكشف أن التفاصيل البسيطة قد تكون مدخلًا لفهم البنيات الكبرى.

الذات اليومية داخل السياق التاريخي:

الكاتب اليومياتي شاهد على عصره:

لا يعيش الكاتب اليومياتي خارج التاريخ، بل يوجد داخله ويتأثر بأحداثه وتحولاته. وحتى عندما لا يقصد كتابة التاريخ، فإن نصه يحتفظ بآثار المرحلة التي ينتمي إليها.

فاليوميات التي تكتب في فترة سياسية معينة، أو خلال تحول اجتماعي كبير، تحمل في لغتها ومضامينها صدى تلك المرحلة.

فالكاتب قد يسجل مخاوفه من أحداث سياسية،

أو مواقفه من تحولات ثقافية، أوأثر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. أوتغير العلاقات بين الأفراد، أو تحولات القيم والمفاهيم.

وبذلك تصبح اليوميات شهادة تاريخية غير مباشرة، لأنها تكشف كيف عاش الإنسان التاريخ من الداخل.

التاريخ من منظور الحياة اليومية:

تقدم اليوميات نوعا مختلفا من المعرفة التاريخية، فهي لا تهتم فقط بما حدث، بل بكيفية تأثير ما حدث في حياة الأفراد.

فالحروب، والتحولات السياسية، والأزمات الاجتماعية، لا تظهر في اليوميات باعتبارها أحداثا مجردة، وإنما باعتبارها تجارب إنسانية لها آثار نفسية واجتماعية.

ومن هنا فإن اليوميات تمنح التاريخ بعده الإنساني، لأنها تنقلنا من تاريخ المؤسسات والقرارات إلى تاريخ التجارب والأحاسيس. وهذا ما يجعلها قريبة من مفهوم "التاريخ من أسفل"، الذي يهتم بحياة الناس العاديين وتمثلاتهم للأحداث الكبرى.

اليوميات والهوية الاجتماعية والثقافية:

الكتابة اليومية وحفظ الذاكرة الثقافية:

لا تقتصر وظيفة اليوميات على حفظ ذكريات الفرد، بل تساهم في حفظ عناصر من الذاكرة الثقافية للمجتمع.

فالكاتب عندما يتحدث عن تفاصيل حياته اليومية فإنه يحفظ صورا من اللغة المتداولة والعادات الاجتماعية، وأشكال التواصل، والقيم الأخلاقية، وأنماط التفكير.

وهذه العناصر قد لا نجدها دائما في الوثائق الرسمية، لكنها تشكل جزءا أساسيا من هوية المجتمع.

لذلك يمكن اعتبار اليوميات أرشيفا ثقافيا حيا، لأنها تحفظ ما يمكن أن يختفي من تفاصيل الحياة الاجتماعية.

الآخر والمجتمع في بناء الذات:

تكشف اليوميات أن الذات لا تتشكل منفردة، بل من خلال علاقتها بالآخرين. فالأسرة، والأصدقاء، والزملاء، والمؤسسات الاجتماعية، كلها عناصر تدخل في تشكيل هوية الكاتب. فحتى اللحظات التي تبدو شخصية وخاصة تحمل داخلها أثر العلاقات الاجتماعية.

فالكاتب عندما يصف لقاء أو حوارا أو موقفا عابرا، فإنه لا يسجل شخصا آخر فقط، بل يعبر عن نظرته إلى المجتمع وعن موقعه داخله. ومن هنا تصبح دراسة الآخر في اليوميات مدخلا لفهم الذات نفسها.

حدود المقاربة السوسيولوجية التاريخية وإمكاناتها:

تجاوز الاختزال الاجتماعي للنص:

رغم أهمية المقاربة السوسيولوجية التاريخية، فإن التعامل مع اليوميات يتطلب الحذر من اختزالها في بعدها الاجتماعي فقط. فالنص الأدبي ليس مجرد وثيقة تعكس المجتمع، وإنما هو بناء جمالي له خصوصيته.

فاللغة، والأسلوب، والبنية السردية، وطريقة تنظيم التجربة، كلها عناصر أساسية في إنتاج المعنى.

ولهذا فإن المقاربة السوسيولوجية الناجحة هي التي تجمع بين فهم السياق الاجتماعي، وتحليل البنية الأدبية،

ودراسة موقع الذات داخل الخطاب.

التكامل بين النقد الأدبي والسوسيولوجيا والتاريخ:

إن خطاب اليوميات يحتاج إلى مقاربة متعددة التخصصات، لأن طبيعته المركبة لا تسمح بمنهج واحد.

فالتحليل الأدبي يكشف عن جماليات السرد، والسوسيولوجيا تفسر علاقته بالمجتمع، والتاريخ يضيء سياقه الزمني. ومن خلال هذا التكامل يمكن الوصول إلى فهم أكثر شمولا لليوميات باعتبارها نصا أدبيا ووثيقة ثقافية في آن واحد.

وهكذا نخلص إلى أن خطاب اليوميات لا يمكن اختزاله في التعبير عن حياة فردية خاصة، لأنه يحمل في داخله آثار المجتمع والتاريخ والثقافة. فالذات التي تكتب يومياتها لا تتحدث من موقع فردي معزول، بل من داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية والتحولات التاريخية.

كما تبين أن اليوميات تمنح الباحث إمكانية دراسة الحياة اليومية باعتبارها مجالا لإنتاج المعنى، وتكشف عن كيفية تفاعل الأفراد مع عصرهم وتحولاتهم. وبذلك تصبح اليوميات جسرا بين الأدب والتاريخ والسوسيولوجيا، لأنها تجمع بين قيمة النص الإبداعية وقيمة الوثيقة المعرفية.

جماليات خطاب اليوميات: البنية السردية والزمن والمكان واللغة:

على سبيل البداية:

إذا كانت اليوميات تكتسب أهميتها من قدرتها على حفظ التجربة الفردية والجماعية، فإن قيمتها الأدبية تتأسس أيضا على الطريقة التي تتحول بها هذه التجربة إلى خطاب. فالكاتب اليومياتي لا يقدم حياته في صورتها الخام، وإنما يعيد تشكيلها من خلال مجموعة من الاختيارات السردية والجمالية التي تمنح النص خصوصيته.

ومن هنا فإن دراسة جماليات اليوميات تقتضي الانتقال من سؤال: ماذا تقول الذات؟ إلى سؤال أكثر عمقا: كيف تبني الذات ما تقوله؟

فالأحداث اليومية، مهما كانت بسيطة، لا تصبح مادة أدبية إلا عندما تدخل في نظام لغوي وسردي يجعل منها تجربة قابلة للتأويل. ولهذا فإن اليوميات تكشف عن علاقة معقدة بين الحياة والكتابة، وبين الواقع وتمثيله، وبين التجربة الفردية وصياغتها الجمالية.

وتتجلى خصوصية خطاب اليوميات في عناصر متعددة، من أبرزها: البناء السردي، وتنظيم الزمن، ودلالة المكان، ووظيفة اللغة والأسلوب.

البنية السردية في خطاب اليوميات:

السرد اليومياتي بين التلقائية والتنظيم:

قد يبدو خطاب اليوميات قائما على العفوية، لأنه يرتبط غالبا بتسجيل الأحداث وفق ترتيبها الزمني، غير أن هذه العفوية تخفي وراءها بناء سرديا مقصودا.

فالكاتب، حتى عندما يكتب عن يوم عادي، يقوم بعملية تنظيم واختيار، فهو يقرر نقطة البداية، ويحدد الأحداث التي تستحق الحضور، ويمنح بعضها أهمية أكبر من غيرها. وهكذا فإن اليوميات لا تقدم الحياة كما هي، بل تقدم رؤية الذات للحياة.

إن ترتيب الأحداث داخل النص ليس مجرد ترتيب زمني، وإنما هو ترتيب دلالي يكشف عن أولويات الكاتب واهتماماته وطريقة فهمه للعالم.

حضور الأنا الساردة:

تتميز اليوميات بحضور قوي للراوي الذاتي، حيث تتحدث الذات عن نفسها بضمير المتكلم غالبًا. غير أن هذا الحضور لا يعني أن النص مجرد اعترافات شخصية، لأن الأنا الساردة تقوم بوظائف متعددة.

فهي من جهة راوية للأحداث، وشاهدة على التجربة، ومن جهة ثانية فهي أيضا مفسرة لما يحدث، ومنتجة للمعنى. ومن هنا فإن الأنا في اليوميات ليست مجرد شخصية داخل النص، بل هي المركز الذي تنتظم حوله مختلف العناصر السردية.

لكن هذه الأنا ليست ثابتة، فهي تتغير مع مرور الزمن، لأن الكاتب يكتب ذاته وهي تتحول وتتفاعل مع التجارب.

الزمن في خطاب اليوميات: بين لحظة العيش ولحظة الكتابة:

خصوصية الزمن اليومياتي:

يمثل الزمن أحد أهم عناصر بناء اليوميات، لأن هذا الجنس يقوم أساسًا على متابعة حركة الحياة في امتدادها اليومي. غير أن زمن اليوميات ليس زمنا واحدا، بل هو تداخل بين مستويات متعددة:

زمن الحدث: وهو الزمن الذي وقعت فيه التجربة.

زمن الكتابة: وهو اللحظة التي يسجل فيها الكاتب الحدث.

زمن القراءة: وهو الزمن الذي يستقبل فيه القارئ النص.

وهذا التعدد يجعل الزمن في اليوميات أكثر تعقيدا من مجرد تسلسل للأيام.

الذاكرة وإعادة تشكيل الزمن:

رغم ارتباط اليوميات بالحاضر، فإنها لا تنفصل عن الماضي، لأن كل لحظة حاضرة تحمل آثار تجارب سابقة.

فالكاتب قد يكتب عن حدث يومي بسيط، لكنه يستدعي من خلاله ذكريات وتجارب قديمة، فتتداخل الأزمنة داخل النص. وهنا تظهر وظيفة الذاكرة باعتبارها قوة تمنح الزمن اليومياتي عمقه، لأنها تحول اللحظة العابرة إلى تجربة ذات معنى.

فالزمن في اليوميات ليس مجرد إطار خارجي للأحداث، بل هو عنصر فاعل في بناء الهوية.

المكان في خطاب اليوميات: من الفضاء الجغرافي إلى الفضاء الرمزي:

المكان بوصفه ذاكرة للذات:

لا يظهر المكان في اليوميات باعتباره مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى عنصر أساسي في بناء التجربة.

فالبيت، والمدينة، والشارع، والمؤسسة، وأماكن اللقاء، كلها تحمل دلالات مرتبطة بذاكرة الكاتب وهويته.

فالمكان يحتفظ بآثار التجارب، ويصبح جزءًا من تاريخ الذات. ولهذا فإن وصف المكان في اليوميات لا يقدم معلومات جغرافية فقط، بل يكشف عن علاقة الإنسان بالفضاءات التي عاش فيها.

المكان الاجتماعي والثقافي:

يحمل المكان في اليوميات أبعادا اجتماعية وثقافية، لأنه يعكس طبيعة العلاقات وأنماط الحياة داخل المجتمع.

فالمدينة مثلا ليست مجرد موقع جغرافي، بل فضاء يكشف عن التحولات الاجتماعية، وعن اختلاف الطبقات،

كما يبرز هذا الأخير أيضا تغير أنماط العيش، ويظهر العلاقة بين التقليد والحداثة. ومن خلال المكان يستطيع القارئ أن يستعيد صورة مجتمع كامل في مرحلة تاريخية معينة.

اللغة والأسلوب في كتابة اليوميات:

اللغة بين البساطة والتشكيل الأدبي:

تتميز لغة اليوميات غالبا بالقرب من اللغة اليومية، لأنها مرتبطة بالتجربة المباشرة، غير أن هذه البساطة لا تعني غياب القيمة الجمالية. فالكاتب يستطيع تحويل اللغة العادية إلى لغة ذات كثافة أدبية من خلال اختيار الألفاظ، وبناء الجمل، واستخدام الوصف، والتعبير عن الأحاسيس، وتنظيم الإيقاع السردي.

وهنا تكمن المفارقة الجمالية لليوميات، فهي تنطلق من العادي لتنتج معنى استثنائيًا.

الحوار والوصف والتأمل:

توظف اليوميات مجموعة من التقنيات السردية التي تقربها من الأجناس الأدبية الأخرى، مثل الحوار والوصف

والتأمل، والمونولوج الداخلي.

فالحوار يكشف علاقة الذات بالآخر، والوصف يمنح التفاصيل اليومية قيمتها الجمالية، أما التأمل فيحول الحدث البسيط إلى سؤال فكري أو وجودي.

وبذلك تصبح اليوميات فضاءً يلتقي فيه السرد بالتأمل.

شعرية اليوميات وتحويل العادي إلى أدبي:

جماليات التفاصيل الصغيرة:

تكمن إحدى أهم خصائص اليوميات في قدرتها على منح القيمة للأشياء البسيطة التي قد تبدو غير مهمة.

فكوب قهوة، أو لقاء عابر، أو لحظة صمت، أو مشهد من الشارع، يمكن أن يتحول داخل النص إلى علامة تكشف عن حالة نفسية أو وضع اجتماعي أو رؤية فلسفية.

وهنا تظهر شعرية اليوميات، إذ يصبح اليومي مادة للتأمل والكشف.

اليوميات بين الواقعي والإبداعي:

لا تقوم شعرية اليوميات على الابتعاد عن الواقع، بل على إعادة اكتشافه. فالإبداع هنا لا يعني اختراع عوالم بعيدة، وإنما رؤية العمق الكامن في التفاصيل العادية.

ولهذا فإن اليوميات تحقق نوعا خاصا من الأدبية، يقوم على تحويل التجربة الشخصية إلى خطاب إنساني قابل للتواصل.

نخلص اعتمادا على ما سبق أن خطاب اليوميات لا يستمد قيمته من موضوعاته فقط، بل من الطريقة الجمالية التي يعيد بها بناء التجربة. فاليوميات ليست مجرد تسجيل للأحداث، وإنما هي بناء سردي يقوم على تنظيم الزمن، وتشكيل المكان، وصياغة اللغة.

كما تبين أن قوة هذا الجنس الأدبي تكمن في قدرته على تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى علامات ذات أبعاد إنسانية وثقافية عميقة.

وبذلك تكتمل صورة اليوميات باعتبارها خطابا يجمع بينالذات والذاكرة، والأدب والتاريخ، والفرد والمجتمع، والواقع والتخييل.

الخاتمة:

لقد سعت الدراسة إلى إعادة النظر في خطاب اليوميات باعتباره أحد الأشكال التعبيرية التي ظلت لفترة طويلة خارج دائرة الاهتمام النقدي المركزي، رغم ما يختزنه من إمكانات معرفية وجمالية قادرة على الإسهام في فهم الإنسان في علاقته بذاته وبالعالم الذي يعيش فيه.

وقد انطلقت الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن اليوميات لا تمثل مجرد كتابة شخصية أو سجلا خاصا للأحداث اليومية، وإنما هي خطاب مركب تتداخل داخله أبعاد متعددة: ذاتية وسردية واجتماعية وتاريخية. فالكاتب اليومياتي لا ينقل حياته كما وقعت فقط، بل يعيد بناءها عبر الذاكرة واللغة والتأويل، مما يجعل النص اليومياتي فضاء لإنتاج المعنى وتشكيل الهوية.

وقد أظهرت الدراسة أن التحولات التي عرفتها الدراسات الأدبية والإنسانية الحديثة أسهمت في إعادة الاعتبار للكتابات الذاتية عموما، ولليوميات خصوصا، بعد الانتقال من النظر إليها بوصفها وثائق شخصية هامشية إلى اعتبارها أشكالا خطابية لها قيمتها الأدبية والمعرفية. فقد أصبح الاهتمام منصبا على الطريقة التي تبني بها الذات صورتها، وعلى الكيفية التي تتحول بها التجربة الفردية إلى خطاب قابل للقراءة والتأويل.

وقد بين البحث أن نشأة خطاب اليوميات ارتبطت بتحولات عميقة في مفهوم الفرد والذات داخل الفكر الحديث، حيث أصبحت التجربة الشخصية مجالا للتأمل والكتابة. كما أوضح أن صعوبة تعريف اليوميات ترجع إلى طبيعتها الهجينة، فهي تقع في منطقة وسطى بين السيرة الذاتية والمذكرات والاعترافات وأدب الرحلة، لكنها تمتلك خصوصيتها القائمة على آنية الكتابة، وحضور اللحظة، والارتباط بالتجربة اليومية.

كما  ركزت الدراسة أيضا على مفهوم الذات في خطاب اليوميات، وأبرزت أن الذات لا تظهر باعتبارها جوهرا ثابتا، بل باعتبارها بناء سرديا يتشكل عبر فعل الكتابة. فالكاتب حين يروي حياته لا يقدم صورة نهائية عن نفسه، وإنما يعيد إنتاج هويته من خلال الاختيار والتفسير وإعادة ترتيب التجارب. كما تبين أن الذات اليومية ليست منفصلة عن محيطها، بل تحمل آثار العلاقات الاجتماعية والثقافية التي تشكلها.

كما  كشفت هذه الدراسة أيضا  عن الدور المركزي الذي تؤديه الذاكرة في بناء خطاب اليوميات، إذ لا يمكن فهم هذا الجنس الأدبي خارج العلاقة بين التذكر والكتابة. فالذاكرة ليست مخزنا محايدا للأحداث، وإنما عملية تأويلية تعيد تشكيل الماضي وفق حاجات الحاضر ورؤية الذات. كما أكدت الدراسة أن الذاكرة الفردية تتداخل مع الذاكرة الجماعية، لأن التجربة الشخصية تحمل داخلها آثار المجتمع والتاريخ والثقافة.

أكما  أبرز هذا البحث أهمية المقاربة السوسيولوجية التاريخية في قراءة اليوميات، حيث تبين أن هذا الخطاب لا يمثل مجرد انعكاس لحياة فردية، بل يشكل شهادة ثقافية على عصر معين. فاليوميات تكشف عن أنماط العيش، والقيم الاجتماعية، والتحولات الثقافية، وتمثلات الأفراد للأحداث الكبرى، مما يجعلها مصدرا مهما لفهم التاريخ من زاوية الحياة اليومية.

كما  تم التركيز على البعد الجمالي لخطاب اليوميات، حيث اتضح أن هذا الجنس لا يستمد قيمته من مضمونه الواقعي فقط، بل من الطريقة الفنية التي يعيد بها بناء التجربة. فالزمن والمكان واللغة والسرد كلها عناصر تساهم في تحويل الحياة اليومية إلى نص ذي قيمة أدبية، وتجعل من التفاصيل الصغيرة علامات حاملة لدلالات إنسانية وثقافية عميقة.

وانطلاقا من مجموع هذه النتائج، يمكن القول إن خطاب اليوميات يمثل منطقة خصبة للبحث العلمي، لأنه يجمع بين خصوصية التجربة الفردية واتساع الدلالة الجماعية. فهو نص يكتب فيه الإنسان ذاته، لكنه في الوقت نفسه يكتب عصره، ويحفظ ذاكرته، ويكشف عن علاقته بالمجتمع والتاريخ.

إن اليوميات ليست مجرد أثر من آثار الماضي، بل هي ممارسة مستمرة لإنتاج الذات، إذ تمنح الإنسان القدرة على التأمل في وجوده، وفهم تجاربه، وإعادة ترتيب علاقته بالعالم. ولذلك فإن دراستها لا تندرج فقط ضمن تاريخ الأجناس الأدبية، وإنما تندرج ضمن دراسة الإنسان نفسه، باعتباره كائنًا يعيش التجربة ويحولها إلى معنى.

نتائج الدراسة:

توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج العلمية الأساسية، يمكن إجمالها فيما يلي:

اليوميات جنس أدبي ومعرفي مستقل:

أثبتت الدراسة أن خطاب اليوميات لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد وثيقة شخصية أو كتابة هامشية، بل هو جنس له خصائصه الفنية ووظائفه المعرفية الخاصة، رغم تقاطعه مع أجناس أخرى كالسيـرة الذاتية والمذكرات والاعترافات.

الذات في اليوميات بناء سردي متحرك:

بينت الدراسة أن الذات لا تظهر في اليوميات باعتبارها حقيقة جاهزة، وإنما باعتبارها مشروعًا يتشكل عبر الكتابة. فالكاتب يعيد بناء هويته من خلال طريقة حكايته لتجاربه.

الذاكرة عنصر مؤسس للخطاب اليومياتي:

أكدت الدراسة أن الذاكرة ليست مجرد وسيلة لاسترجاع الماضي، بل هي آلية لإنتاج المعنى وبناء الهوية، لأنها تعيد تنظيم التجربة وفق رؤية الذات وموقعها في الحاضر.

اليوميات جسر بين الفرد والمجتمع:

كشفت الدراسة أن التجربة الفردية في اليوميات تحمل أبعادا اجتماعية وثقافية، لأن الكاتب لا يعيش خارج شروطه التاريخية، بل يعبر عن عصره من خلال تفاصيل حياته الخاصة.

القيمة التاريخية لليوميات:

أظهرت الدراسة أن اليوميات تمثل مصدرا مهما للتاريخ الاجتماعي والثقافي، لأنها تحفظ جوانب من الحياة اليومية قد تغيب عن الوثائق الرسمية.

التكامل المنهجي ضرورة لفهم اليوميات:

بينت الدراسة أن تحليل خطاب اليوميات يحتاج إلى الجمع بين النقد الأدبي والسوسيولوجيا والتاريخ ونظريات الذاكرة، لأن طبيعة هذا الخطاب المركبة لا تسمح بمقاربة أحادية.

التفاصيل اليومية تحمل دلالات كبرى:

أكدت الدراسة أن اليوميات تمنح قيمة للأحداث الصغيرة، لأن الجزئي واليومي يمكن أن يكشف عن تحولات اجتماعية وثقافية واسعة.

توصيات الدراسة:

استنادا إلى النتائج السابقة، تقترح الدراسة مجموعة من التوصيات:

ضرورة توسيع دائرة البحث في اليوميات:

ينبغي تشجيع الدراسات العربية التي تتناول اليوميات باعتبارها جنسا أدبيا قائما بذاته، وعدم حصر الاهتمام بها داخل الدراسات المتعلقة بالسيرة الذاتية فقط.

إنشاء مشاريع بحثية تهتم بأرشفة اليوميات:

نظرا لقيمتها التاريخية والثقافية، من المهم جمع اليوميات وحفظها ودراستها باعتبارها جزءا من الذاكرة الثقافية للمجتمعات.

تعزيز المقاربات البينية:

تحتاج دراسة اليوميات إلى تعاون بين تخصصات مختلفة  كالأدب، والتاريخ، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والدراسات الثقافية.

إعادة الاعتبار للحياة اليومية بوصفها موضوعًا معرفيا:

فاليومي والعادي ليس هامشيا، بل يمثل مدخلا لفهم الإنسان والمجتمع والتحولات الكبرى.

الاهتمام باليوميات الرقمية:

مع التحولات التكنولوجية الحديثة، ظهرت أشكال جديدة من الكتابة اليومية عبر المدونات والمنصات الرقمية، مما يفتح آفاقا جديدة لدراسة تحولات الذات والذاكرة في العصر الرقمي.

إن خطاب اليوميات يكشف أن الإنسان لا يعيش الزمن فقط، بل يعيد إنتاجه عبر الذاكرة واللغة. فهو يحول اللحظة العابرة إلى أثر، والتجربة الخاصة إلى شهادة، والذاكرة الفردية إلى جزء من الذاكرة الجماعية.

ومن ثم فإن اليوميات تمثل أحد أكثر الخطابات قدرة على القبض على الإنسان في لحظة تشكله، لأنها تتابع حركة الذات وهي تفاوض وجودها داخل المجتمع والتاريخ. إنها كتابة للحياة، لكنها في العمق كتابة للمعنى، وكتابة للإنسان وهو يحاول أن يفهم نفسه والعالم من حوله.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

 

مقاربة ثقافية وسردية في ضوء النقد الثقافي

مقدمة الدراسة: يشكل الأدب الشعبي أحد أهم الحقول الثقافية التي تختزن الذاكرة الجمعية للمجتمعات، إذ يمثل مرآة صادقة لتصوراتها الفكرية والاجتماعية والرمزية، ويعكس مختلف التحولات التي عرفتها عبر التاريخ. فهو ليس مجرد إنتاج شفهي يهدف إلى التسلية أو الترفيه، بل هو نظام ثقافي متكامل يحمل أنساقًا فكرية وقيمًا اجتماعية ورؤى جماعية تتناقلها الأجيال، لتصبح جزءا من الهوية الثقافية والحضارية للأمة. ومن بين الأجناس التي احتلت مكانة متميزة داخل الأدب الشعبي تبرز الحكاية الشعبية باعتبارها أكثر الأشكال السردية قدرة على حفظ الذاكرة الجماعية، وإعادة إنتاج التصورات التي يحملها المجتمع حول الإنسان والعالم والعلاقات الاجتماعية.

وتتميز الحكاية الشعبية المغربية بثراء مضامينها وتنوع شخصياتها، إذ تستمد مادتها من الواقع الاجتماعي، لكنها تعيد تشكيله عبر الخيال والرمز والعجائبية، فتتحول إلى خطاب ثقافي قادر على كشف البنيات الذهنية التي تؤطر رؤية المجتمع إلى ذاته وإلى الآخر. ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى الحكاية الشعبية بوصفها مجرد قصة متوارثة، وإنما باعتبارها وثيقة ثقافية تكشف أنساق التفكير السائدة، وتعيد إنتاجها بصورة فنية ورمزية.

وتحتل المرأة داخل هذا المتخيل الحكائي موقعا محويا؛ فهي ليست مجرد شخصية تؤدي وظيفة سردية، بل تمثل علامة ثقافية محملة بجملة من الدلالات الاجتماعية والرمزية والإيديولوجية. فقد تظهر في صورة الأم الحنون، أو الزوجة الوفية، أو الابنة الصالحة، كما قد تتجسد في هيئة الساحرة، أو الغولة، أو المرأة الماكرة، أو زوجة الأب الظالمة. ويكشف هذا التنوع في التمثلات عن طبيعة الرؤية الثقافية التي صاغها المخيال الشعبي تجاه المرأة، كما يعكس الصراع القائم بين منظومة القيم الأخلاقية والتصورات الاجتماعية التي حكمت علاقة المجتمع بالأنوثة عبر مراحل تاريخية مختلفة.

وتزداد أهمية دراسة صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية في ظل التحولات التي عرفتها الدراسات النقدية المعاصرة، ولاسيما النقد الثقافي، الذي تجاوز حدود التحليل الجمالي للنصوص الأدبية، لينفتح على دراسة الأنساق الثقافية المضمرة التي تتحكم في إنتاج المعنى، وتعيد تشكيل العلاقات بين السلطة والهوية والجندر والتمثلات الاجتماعية. وبذلك أصبحت الشخصيات الحكائية علامات ثقافية يمكن من خلالها الكشف عن المرجعيات الفكرية التي تؤسس رؤية المجتمع للمرأة، وعن الكيفية التي يتم بها ترسيخ الصور النمطية أو مساءلتها داخل المتخيل الشعبي.

وتنبع أهمية هذا الموضوع أيضا من كون الحكاية الشعبية المغربية ما تزال تمثل مجالا خصبا للبحث العلمي، لما تتضمنه من ثراء رمزي وتنوع دلالي، ولأنها تشكل سجلا حيًا للعادات والتقاليد والمعتقدات والقيم التي ساهمت في تشكيل الوعي الجمعي المغربي. كما أن دراسة صورة المرأة داخلها تسهم في فهم العلاقة بين الخطاب الحكائي والواقع الاجتماعي، وتبرز الدور الذي لعبته الحكاية في تكريس بعض التصورات الثقافية أو إعادة إنتاجها عبر الأجيال.

وانطلاقا من هذا التصور، فإن هذه الدراسة لا تتوقف عند وصف الشخصيات النسائية أو تصنيفها، وإنما تسعى إلى تفكيك الأبعاد الثقافية والرمزية الكامنة وراء هذه الصور، والكشف عن وظائفها السردية ودلالاتها الاجتماعية والإيديولوجية، مع استحضار السياق الثقافي الذي أنتجها. كما تحاول بيان مدى ارتباط هذه الصور بمنظومة القيم السائدة، ومدى قدرتها على التعبير عن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي في نظرته إلى المرأة ومكانتها داخل البناء الأسري والاجتماعي.

وتستند الدراسة إلى مقاربة تجمع بين النقد الثقافي والتحليل السردي، بما يسمح بقراءة الحكاية الشعبية بوصفها خطابا ثقافيا يختزن أنساقا مضمرة تتجاوز ظاهر الحكاية إلى ما تحمله من رؤى للعالم والإنسان، وبما يمكن من الكشف عن طبيعة العلاقة بين البنية السردية والمرجعيات الثقافية التي تحكم بناء الشخصية النسائية في المتخيل الشعبي المغربي.

إشكالية الدراسة:

تعد الحكاية الشعبية المغربية أحد أهم الخطابات الثقافية التي أسهمت في تشكيل الوعي الجمعي، إذ لم تقتصر وظيفتها على الترفيه ونقل الخبرات الإنسانية، بل تجاوزت ذلك إلى إنتاج منظومة من القيم والتمثلات التي تحدد رؤية المجتمع للعالم وللعلاقات الاجتماعية. ومن بين أكثر القضايا حضورا داخل هذا الخطاب قضية المرأة، التي احتلت موقعا مركزيا في البناء الحكائي، سواء باعتبارها فاعلا رئيسا في تطور الأحداث، أو بوصفها رمزا ثقافيًا تتقاطع عنده المرجعيات الاجتماعية والدينية والأخلاقية والإيديولوجية.

غير أن المتأمل في الحكايات الشعبية المغربية يلاحظ أن صورة المرأة لا تأتي في صيغة واحدة، وإنما تتعدد بتعدد الأدوار والوظائف السردية التي تؤديها؛ فهي الأم المضحية، والزوجة الوفية، والابنة الصالحة، والأخت الحنون، كما قد تتحول إلى زوجة الأب القاسية، أو المرأة الماكرة، أو الغولة، أو الساحرة، أو الحاسدة. ويثير هذا التنوع جملة من التساؤلات حول المرجعيات الثقافية التي أنتجت هذه الصور، ومدى ارتباطها بالواقع الاجتماعي الذي تشكلت داخله الحكاية الشعبية.

وانطلاقا من توجهات النقد الثقافي، فإن هذه الصور لا تُقرأ باعتبارها شخصيات متخيلة فحسب، وإنما بوصفها علامات ثقافية تكشف الأنساق الفكرية المضمرة التي تحكم تمثيل المرأة داخل المخيال الشعبي. فالنص الحكائي لا يعكس الواقع بصورة مباشرة، بل يعيد إنتاجه وفق رؤية ثقافية تسهم في ترسيخ بعض التصورات الاجتماعية، أو إعادة صياغتها في قالب رمزي، الأمر الذي يجعل الحكاية الشعبية وثيقة ثقافية بامتياز، قادرة على الكشف عن طبيعة العلاقة بين السلطة والهوية والجندر والقيم الاجتماعية.

وتنبع إشكالية هذه الدراسة من محاولة الكشف عن الكيفية التي بنيت بها صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية، وعن الأبعاد الرمزية والثقافية التي تختزنها هذه الصورة، ومدى ارتباطها بالبنيات الذهنية والاجتماعية التي حكمت المجتمع المغربي عبر تاريخه.

أسئلة الدراسة

تنبثق عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الرئيسة والفرعية، من أهمها:

كيف تمثل الحكاية الشعبية المغربية المرأة على المستوى السردي والثقافي؟

ما أبرز الصور النسائية التي يقدمها المتن الحكائي المغربي؟

ما الوظائف السردية التي تضطلع بها الشخصيات النسائية داخل الحكاية الشعبية؟

إلى أي حد تعكس هذه الصور الأنساق الثقافية والاجتماعية السائدة؟

هل أعادت الحكاية الشعبية إنتاج الصور النمطية للمرأة، أم أنها قدمت تمثلات أكثر تنوعا وعمقا؟

ما العلاقة بين البنية السردية للحكاية الشعبية والبنية الثقافية التي أنتجتها؟

كيف يمكن للنقد الثقافي أن يسهم في الكشف عن المضمرات الإيديولوجية الكامنة وراء تمثيل المرأة في الحكاية الشعبية المغربية؟

فرضيات الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من جملة من الفرضيات، أبرزها:

أن صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية ليست صورة بريئة، بل هي بناء ثقافي يعكس رؤية المجتمع للأنوثة ولمكانة المرأة.

أن الشخصيات النسائية تؤدي وظائف رمزية تتجاوز حدود الحدث الحكائي لتكشف عن منظومة القيم والسلطة السائدة.

أن الحكاية الشعبية تعيد إنتاج عدد من الصور النمطية المرتبطة بالمرأة، لكنها في بعض النماذج تقدم صورة إيجابية تمنحها الحكمة والقدرة على القيادة والتضحية.

أن مقاربة الحكاية الشعبية من منظور النقد الثقافي تمكن من الكشف عن الأنساق الفكرية والإيديولوجية التي لا يظهرها التحليل السردي التقليدي.

أهداف الدراسة:

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، أهمها:

رصد صور المرأة في الحكاية الشعبية المغربية وتصنيفها.

تحليل الوظائف السردية التي تؤديها الشخصيات النسائية.

الكشف عن الأبعاد الثقافية والاجتماعية والإيديولوجية لهذه الصور.

إبراز العلاقة بين المخيال الشعبي والواقع الاجتماعي في تشكيل صورة المرأة.

توظيف آليات النقد الثقافي في قراءة الحكاية الشعبية المغربية.

الإسهام في إغناء الدراسات المتعلقة بالأدب الشعبي المغربي وتمثلات المرأة داخله.

أهمية الدراسة:

تستمد هذه الدراسة أهميتها من كونها تتناول موضوعا يجمع بين الأدب الشعبي والنقد الثقافي والدراسات النسوية، وهي مجالات تشهد اهتماما متزايدا في البحث الأكاديمي المعاصر. كما أنها تسهم في إعادة قراءة الحكاية الشعبية المغربية بوصفها خطابا ثقافيا يحمل أنساقا مضمرة تتجاوز بعدها الحكائي إلى أبعاد اجتماعية وفكرية ورمزية، فضلا عن أنها تقدم رؤية تحليلية لصورة المرأة باعتبارها عنصرا فاعلا في تشكيل الوعي الجمعي، وليس مجرد شخصية داخل البناء السردي.

 الأدب الشعبي بوصفه حاضنة للذاكرة الثقافية:

يمثل الأدب الشعبي أحد أهم المكونات الأساسية للتراث اللامادي، لأنه يعبر عن التجربة التاريخية والوجدانية للمجتمع، ويختزن منظومة القيم والتصورات التي تشكل وعيه الجمعي. ولا تكمن أهميته في كونه إنتاجا شفهيا متوارثا فحسب، وإنما في كونه خطابا ثقافيا قادرا على حفظ الذاكرة الجماعية وإعادة إنتاجها عبر الأجيال. فكل حكاية أو مثل أو أسطورة أو أغنية شعبية ليست سوى تمظهر رمزي لرؤية المجتمع إلى الإنسان والطبيعة والعلاقات الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، لا ينفصل الأدب الشعبي عن السياق الثقافي الذي نشأ فيه، بل يعد انعكاسا للبنية الفكرية والاجتماعية للمجتمع. فهو يحمل آثار التحولات التاريخية، ويكشف عن أنماط التفكير السائدة، كما يعكس طبيعة السلطة والقيم والأعراف التي تؤطر الحياة اليومية. ولذلك أصبح الأدب الشعبي في الدراسات الحديثة وثيقة ثقافية لا تقل أهمية عن الوثائق التاريخية، لما يتضمنه من تمثلات ذهنية وأنساق ثقافية يصعب الوصول إليها عبر المصادر الرسمية.

كما أن انتقال الأدب الشعبي شفهيا من جيل إلى آخر جعله نصا مفتوحا على التغيير والإضافة، إذ يخضع باستمرار لعمليات الحذف والتعديل بما ينسجم مع تحولات المجتمع. ومن ثم فإن استمراره لا يقوم على الثبات، بل على قدرته الدائمة على إعادة إنتاج ذاته وفق متطلبات كل مرحلة تاريخية، وهو ما يمنحه حيوية خاصة تميزه عن النصوص المكتوبة.

 الحكاية الشعبية بين الوظيفة الجمالية والوظيفة الثقافية:

تعد الحكاية الشعبية أكثر الأجناس السردية حضورا داخل الأدب الشعبي، لأنها استطاعت أن تجمع بين المتعة الفنية والوظيفة الثقافية. فهي تقوم على السرد والتشويق والخيال، لكنها في الوقت نفسه تحمل رسائل أخلاقية واجتماعية عميقة، وتسهم في نقل منظومة القيم التي يتبناها المجتمع.

ولذلك لا ينبغي النظر إلى الحكاية الشعبية بوصفها مجرد قصة خيالية، بل باعتبارها نصا ثقافيا يعيد إنتاج الواقع بصورة رمزية. فالعناصر العجائبية والسحرية التي تتضمنها ليست غاية في ذاتها، وإنما أدوات فنية لتجسيد الصراع بين الخير والشر، والعدل والظلم، والقوة والضعف، وهي ثنائيات تعكس البنية الفكرية للمجتمع أكثر مما تعكس الواقع المباشر.

ومن هنا أصبحت الحكاية الشعبية موضوعا لعدد من الدراسات السردية والأنثروبولوجية، لأنها تمثل فضاء غنيًا لتحليل المخيال الجمعي، والكشف عن الآليات التي تنتج بها الثقافة رموزها وأساطيرها وصورها النمطية.

مفهوم الصورة من المنظور النقدي:

تعتبر الصورة من أكثر المفاهيم تداولا في النقد الأدبي، غير أنها من أكثرها تعقيدا أيضا، لتعدد الحقول المعرفية التي تناولتها، بدءا من البلاغة العربية القديمة، مرورا بالفلسفة وعلم النفس، وانتهاء بالنقد الأدبي والثقافي الحديث.

وقد انشغل النقاد القدامى بمفهوم الصورة من زاوية بلاغية، فجعلوها مرتبطة بالتشبيه والاستعارة والتمثيل، بينما وسع النقاد المحدثون مفهومها ليصبح مرتبطا بآليات إنتاج المعنى داخل النص، وبقدرة اللغة على تشكيل رؤية خاصة للعالم.

أما النقد الثقافي، فقد تجاوز هذا التصور البلاغي، لينظر إلى الصورة باعتبارها بناءً ثقافيًا يعكس رؤية المجتمع للذات والآخر. فالصورة ليست مجرد شكل لغوي، وإنما تمثل منظومة من الدلالات والأفكار والقيم التي تتشكل داخل سياق ثقافي معين، وتؤثر في طريقة إدراك الأفراد للواقع.

وبهذا المعنى، تصبح صورة المرأة داخل الحكاية الشعبية تعبيرا عن رؤية المجتمع للأنوثة، أكثر من كونها وصفا لامرأة بعينها، وهو ما يمنحها قيمة تحليلية كبيرة في الدراسات الثقافية

 العلاقة بين الأدب الشعبي والنسق الثقافي:

تكشف القراءة الثقافية للحكاية الشعبية أن النصوص الشعبية لا تنقل الوقائع كما هي، وإنما تعيد بناءها وفق أنساق ثقافية مضمرة تتحكم في إنتاج المعنى. فكل شخصية أو حدث أو رمز داخل الحكاية يؤدي وظيفة ثقافية تتجاوز وظيفته السردية.

ومن هنا فإن الشخصيات النسائية، على اختلاف صورها، ليست كيانات روائية مستقلة، بل هي تمثيلات لخطابات اجتماعية متجذرة في الثقافة الشعبية. فالأم، والزوجة، والابنة، والغولة، والساحرة، وزوجة الأب، جميعها رموز تعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية، وموقع المرأة داخل النظام الثقافي السائد.

كما أن تكرار هذه الصور في عدد كبير من الحكايات الشعبية يؤكد أنها لا ترتبط بخيال الراوي وحده، وإنما تعبر عن أنساق فكرية مستقرة داخل الوعي الجمعي، الأمر الذي يجعل دراستها مدخلا لفهم الثقافة المغربية التقليدية، وكيفية تشكل تصوراتها حول المرأة والسلطة والأسرة والقيم الأخلاقية.

وبذلك يغدو الاطار المفاهيمي أساسا نظريا ضروريا لفهم التحليلات التطبيقية اللاحقة، إذ يحدد المفاهيم والإطارات المرجعية التي ستستند إليها الدراسة في تحليل صور المرأة داخل الحكاية الشعبية المغربية، ويبرز أن هذه الصور ليست معطيات سردية محضة، بل هي نتاج تفاعل معقد بين المخيال الشعبي والبنية الثقافية للمجتمع.

 الأنساق الثقافية المضمرة في تمثلات المرأة:

تكشف قراءة الحكايات الشعبية مجتمعة عن مجموعة من الأنساق الثقافية التي تتحكم في بناء صورة المرأة داخل المخيال الشعبي المغربي.

 نسق الثنائية:

تعتمد الحكايات على بناء ثنائي واضح، يتمثل في:

المرأة الخيرة / المرأة الشريرة.

الأم الحنون / زوجة الأب القاسية.

الأخت الوفية / الأخت الحاسدة.

المرأة المنقذة / المرأة المدمرة.

وتكشف هذه الثنائية أن الثقافة الشعبية كانت تميل إلى تصنيف الشخصيات وفق معيار أخلاقي صارم، يجعل المرأة رمزا للخير المطلق أو الشر المطلق.

 نسق الصبر:

تكاد جميع البطلات يحققن النجاح بعد سلسلة طويلة من المعاناة.

ويشير ذلك إلى أن المخيال الشعبي يجعل الصبر شرطا للاستحقاق، ويقدم المرأة باعتبارها أكثر الشخصيات قدرة على تحمل الألم حتى يتحقق لها الاعتراف.

نسق الذكاء:

تكشف معظم الحكايات أن البطلات ينتصرن بفضل الذكاء لا القوة.

فالأميرة تعالج الأمير بالحيلة والمعرفة.

والفتاة تهتدي إلى طريق النجاة بحسن التدبير.

والأخوات يتجاوزن المحن بالتعاون.

ويؤكد هذا النسق أن الثقافة الشعبية لم تجعل القوة الجسدية أساس البطولة، وإنما منحت الذكاء مكانة مركزية في صناعة الانتصار.

 نسق السلطة

على الرغم من هيمنة السلطة الذكورية داخل المجتمع التقليدي، فإن الحكايات تمنح المرأة سلطة موازية تتمثل في:

سلطة الحكمة.

سلطة المعرفة.

سلطة التربية.

سلطة اتخاذ القرار.

سلطة إنقاذ الآخرين.

وبذلك لا تظهر المرأة بوصفها عنصرا هامشيا، وإنما باعتبارها فاعلا رئيسا في إعادة التوازن إلى العالم الحكائي.

وهكذا يتضح من خلال التحليل أن الحكاية الشعبية المغربية لا تقدم صورة واحدة للمرأة، بل تبني شبكة معقدة من التمثلات تتراوح بين النموذج الإيجابي والنموذج السلبي. غير أن الملاحظ هو أن الشخصيات النسائية الإيجابية هي الأكثر تأثيرا في توجيه الأحداث وصناعة نهاياتها، وهو ما يدل على أن المخيال الشعبي، رغم تأثره بالبنية الأبوية، ظل يمنح المرأة مكانة رمزية مهمة بوصفها حاملة للقيم الأخلاقية، وصانعة للتوازن الاجتماعي، ووسيطا بين الإنسان والعالم.

إن هذه القراءة تكشف أن صورة المرأة في الحكاية الشعبية ليست انعكاسا مباشرا للواقع، بل هي بناء ثقافي تتداخل فيه المرجعيات الاجتماعية والدينية والأسطورية، وتتشابك داخله مفاهيم السلطة والهوية والأخلاق، مما يجعل الحكاية الشعبية وثيقة ثقافية غنية يمكن من خلالها فهم جانب مهم من رؤية المجتمع المغربي التقليدي للمرأة ووظائفها داخل النسق الاجتماعي.

 التركيب العام ومناقشة نتائج التحليل:

 المرأة بوصفها بناءً ثقافيا لا شخصية سردية فحسب:

أفضى تحليل الحكايات الشعبية المغربية إلى نتيجة أساسية مفادها أن المرأة لا تحضر داخل المتن الحكائي باعتبارها شخصية تؤدي وظيفة سردية فقط، وإنما باعتبارها بناء ثقافيًا تتقاطع داخله المرجعيات الاجتماعية والدينية والرمزية. فالشخصية النسائية، مهما اختلف موقعها داخل الحكاية، تتحول إلى حامل لمنظومة من القيم والتصورات التي تعكس رؤية المجتمع التقليدي للأنوثة، وللعلاقات الأسرية، ولتوزيع السلطة داخل المجال الاجتماعي.

ويؤكد هذا المعطى أن الحكاية الشعبية لا تعكس الواقع بصورة فوتوغرافية، وإنما تعيد إنتاجه وفق مخيال جماعي يختزل التجربة الإنسانية في صور ورموز قابلة للتداول عبر الأجيال. ومن ثم فإن صورة المرأة لا يمكن فصلها عن السياق الثقافي الذي أفرزها، لأن دلالتها لا تتحدد بخصائصها الفردية، وإنما بوظيفتها داخل النسق الثقافي العام.

 ثنائية الخير والشر في بناء الشخصية النسائية:

أظهرت الدراسة أن الحكايات الشعبية تعتمد بصورة واضحة على الثنائية الضدية في تشكيل شخصياتها النسائية، حيث تنقسم المرأة إلى نموذجين متقابلين: المرأة الخيرة التي تجسد قيم التضحية والوفاء والحكمة، والمرأة الشريرة التي ترتبط بالحسد والطمع والخداع. ويكشف هذا البناء الثنائي عن نزعة تعليمية واضحة، تجعل الحكاية وسيلة لترسيخ منظومة أخلاقية محددة، أكثر من كونها محاولة لتقديم صورة واقعية ومعقدة للمرأة.

غير أن هذا التصنيف لا ينبغي فهمه بوصفه موقفا من المرأة في حد ذاتها، بل باعتباره آلية ثقافية اعتمدها المخيال الشعبي لتجسيد الصراع الدائم بين الخير والشر، فجعل المرأة، مثل الرجل، وسيطًا رمزيًا للتعبير عن هذا الصراع.

ثالثًا: المرأة والسلطة: إعادة توزيع الأدوار داخل الحكاية:

على الرغم من أن المجتمع التقليدي يقوم على مركزية السلطة الذكورية، فإن الحكايات المدروسة تكشف عن منح المرأة أشكالا متعددة من السلطة، تختلف عن السلطة السياسية أو الجسدية، لكنها لا تقل عنها تأثيرا. فقد ظهرت المرأة بوصفها صاحبة معرفة، وصاحبة قرار، ومصدرا للحكمة، وقادرة على حماية الأسرة وإنقاذ الآخرين.

ويتجلى ذلك بوضوح في شخصية الأميرة التي تتولى علاج الأمير، وفي الفتاة التي تحمي أخاها وتغير مصيرها بفضل ذكائها، وفي الشخصيات النسائية التي تسهم في إعادة التوازن إلى العالم الحكائي. ويشير هذا الحضور إلى أن المخيال الشعبي، رغم خضوعه للبنية الأبوية، لم يحرم المرأة من الفاعلية، بل منحها سلطة رمزية وأخلاقية أساسية.

 البعد الرمزي للشخصيات النسائية:

اتضح من خلال التحليل أن الشخصيات النسائية لا تؤدي وظائف فردية فحسب، بل تحمل أبعادا رمزية تتجاوز حدود الحكاية. فالأم ترمز إلى الحماية والاستقرار، والأخت إلى التضامن، والعجوز إلى الحكمة، والحمامة إلى الهداية، بينما تجسد الغولة وزوجة الأب مظاهر الانحراف عن النظام الأخلاقي.

وبذلك تتحول المرأة داخل الحكاية إلى علامة ثقافية، لا تُقرأ من خلال أفعالها فقط، وإنما من خلال ما تحمله من دلالات اجتماعية ونفسية ورمزية، وهو ما يجعل تحليلها مدخلا لفهم البنية الذهنية للمجتمع المغربي التقليدي.

الحكاية الشعبية وإعادة إنتاج الثقافة:

تكشف الدراسة أن الحكاية الشعبية تؤدي وظيفة مزدوجة؛ فهي من جهة تحفظ التراث والقيم الجماعية، ومن جهة أخرى تعيد إنتاج الأنساق الثقافية عبر التكرار والتداول الشفهي. ولذلك فإن صور المرأة التي تتكرر في الحكايات ليست مجرد عناصر فنية، وإنما آليات ثقافية تسهم في ترسيخ تصورات المجتمع عن الأنوثة، والأسرة، والسلطة، والعلاقات الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار الحكاية الشعبية مؤسسة ثقافية موازية، أسهمت في تشكيل الوعي الجمعي، وفي نقل القيم من جيل إلى آخر، وهو ما يفسر استمرار كثير من صورها ورموزها داخل الثقافة المغربية حتى اليوم.

خلاصة: التصورات في ضوء النقد الثقافي:

تنسجم نتائج هذه الدراسة مع التصورات التي قدمها النقد الثقافي، والتي ترى أن النص الأدبي يخفي وراء بنيته الجمالية أنساقا فكرية وإيديولوجية تتحكم في إنتاج المعنى. فقد أظهرت الحكايات أن صورة المرأة ليست صورة طبيعية أو محايدة، بل هي نتاج بناء ثقافي تشكل عبر التاريخ، وتداخلت في إنتاجه الأعراف الاجتماعية، والمعتقدات الشعبية، والقيم الأخلاقية.

كما تؤكد النتائج أن التحليل الثقافي يتيح تجاوز القراءة الوصفية للحكاية، لينتقل إلى الكشف عن البنيات العميقة التي تتحكم في تشكيل الشخصيات، وتوزيع الأدوار، وإنتاج الرموز، وهو ما يجعل النقد الثقافي من أكثر المناهج قدرة على مقاربة الأدب الشعبي وتحليل تمثلاته.

و كخلاصة لما سبق يتبين على أن صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية تتجاوز بعدها الحكائي لتغدو تمثيلا ثقافيًا يعكس رؤية المجتمع التقليدي للمرأة ووظائفها ومكانتها. وقد أبانت الدراسة أن هذه الصورة تتشكل داخل شبكة من الأنساق الثقافية المتداخلة، التي تجعل المرأة مرة رمزا للحكمة والخلاص، ومرة أخرى رمزا للشر والانحراف، بما يعكس طبيعة الصراع القيمي الذي يحكم المخيال الشعبي. ومن ثم فإن الحكاية الشعبية لا تقدم المرأة باعتبارها شخصية ثابتة، بل باعتبارها فضاء دلاليًا تتفاعل داخله السلطة والأخلاق والهوية والثقافة، وهو ما يمنحها قيمة معرفية كبيرة في الدراسات الأدبية والثقافية المعاصرة.

على سبيل النهاية:

سعت هذه الدراسة إلى مقاربة صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية من منظور ثقافي وسردي، انطلاقا من فرضية أساسية مفادها أن الشخصية النسائية داخل المتن الحكائي لا تمثل عنصرا تخييليا فحسب، بل تشكل بناءً ثقافيًا يعكس أنساق المجتمع وقيمه ورؤيته إلى المرأة ومكانتها داخل المنظومة الاجتماعية. وقد كشفت القراءة التحليلية للحكايات المدروسة أن الحكاية الشعبية، بوصفها أحد أهم مكونات التراث الشفهي، لم تكن مجرد وسيلة للترفيه أو التسلية، وإنما مثلت خطابا ثقافيا حافظ على الذاكرة الجماعية، وأسهم في نقل القيم الاجتماعية والأخلاقية من جيل إلى آخر.

وقد بينت الدراسة أن صورة المرأة داخل الحكاية الشعبية المغربية اتسمت بالتعدد والتنوع، فلم تقتصر على نموذج واحد، بل توزعت بين صور إيجابية تجسد الحكمة، والصبر، والتضحية، والوفاء، والقدرة على تجاوز المحن، وصور سلبية ارتبطت بالحسد، والطمع، والخداع، والرغبة في الهيمنة. غير أن هذا التعدد لم يكن اعتباطيا، بل جاء منسجما مع الوظيفة التربوية والثقافية للحكاية الشعبية، التي اعتمدت على التقابل بين الخير والشر لترسيخ منظومة أخلاقية محددة داخل الوعي الجمعي.

كما أظهرت الدراسة أن الشخصيات النسائية، على اختلاف أدوارها، أدت وظائف سردية وثقافية متكاملة، فالأميرة لم تكن مجرد بطلة رومانسية، بل مثلت نموذج المرأة القادرة على اتخاذ القرار وصناعة المصير، بينما جسدت الأخت الكبرى قيم المسؤولية والتضحية، في حين مثلت العجوز الحكمة والخبرة، وتحولت الغولة وزوجة الأب إلى رمزين للسلطة المنحرفة التي تهدد استقرار الأسرة والنظام الأخلاقي.

ومن خلال توظيف آليات النقد الثقافي، تبين أن الحكاية الشعبية تخفي وراء بنيتها السردية أنساقا ثقافية مضمرة، تعيد إنتاج رؤية المجتمع إلى المرأة، وإلى الأسرة، وإلى السلطة، وإلى العدالة. فالنص الشعبي لا يقدم الواقع كما هو، وإنما يعيد تشكيله في صورة رمزية، تجعل من الشخصيات النسائية علامات ثقافية قابلة للتأويل، بما يسمح بالكشف عن البنيات الفكرية العميقة التي تحكم المخيال الشعبي المغربي.

وقد أكدت الدراسة كذلك أن الحكاية الشعبية المغربية، على الرغم من نشأتها داخل مجتمع ذي بنية أبوية، لم تحصر المرأة في موقع التبعية، بل منحتها في كثير من الأحيان أدوارا قيادية، وجعلتها مصدرا للحكمة والخلاص، وهو ما يعكس وجود تصور ثقافي أكثر تعقيدا من الصورة النمطية التي غالبا ما تلصق بالأدب الشعبي.

وعليه، فإن دراسة صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية لا تقتصر على تحليل الشخصيات أو الأحداث، وإنما تمثل مدخلا لفهم الثقافة المغربية التقليدية، ورصد التحولات التي عرفتها تمثلات المرأة داخل الوعي الجمعي، مما يجعل الحكاية الشعبية وثيقة ثقافية ذات قيمة معرفية كبيرة، تستحق مزيدا من البحث والدراسة في ضوء المناهج النقدية الحديثة.

نتائج الدراسة:

أسفرت الدراسة عن مجموعة من النتائج، لعل من أهمها ما يلي:

أثبتت الدراسة أن الحكاية الشعبية المغربية تشكل خطابا ثقافيًا يعكس البنية الفكرية والاجتماعية للمجتمع، ولا تقتصر وظيفتها على الترفيه أو السرد الحكائي.

تبين أن صورة المرأة داخل المتن الحكائي جاءت متعددة ومتنوعة، ولم تقتصر على نموذج واحد، بل تراوحت بين المرأة المنقذة، والحكيمة، والمضحية، والمرأة الشريرة، والمخادعة، والمستبدة.

كشفت الدراسة أن البناء السردي للحكايات يعتمد على ثنائية الخير والشر، ويجعل الشخصيات النسائية وسيلة لتجسيد هذا الصراع القيمي.

 أن المرأة الإيجابية هي الأكثر تأثيرا في مسار الأحداث، إذ كانت صاحبة المبادرة، وصانعة الحلول، والمسؤولة عن إعادة التوازن داخل العالم الحكائي.

 أن الشخصيات النسائية تحمل أبعادًا رمزية تتجاوز وظائفها السردية، لتصبح علامات ثقافية تعبر عن منظومة القيم السائدة داخل المجتمع.

أكدت القراءة الثقافية أن الحكاية الشعبية تسهم في إعادة إنتاج عدد من الصور النمطية المرتبطة بالمرأة، لكنها في الوقت نفسه تقدم نماذج نسائية تتسم بالذكاء، والاستقلالية، والقدرة على القيادة.

أثبتت الدراسة فاعلية النقد الثقافي في الكشف عن الأنساق المضمرة التي لا تظهرها القراءة السردية التقليدية، ولا سيما ما يتعلق بعلاقة المرأة بالسلطة والهوية والقيم الاجتماعية.

وقد خلصت الدراسة إلى أن صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية تعكس جدلية مستمرة بين المحافظة على التقاليد والانفتاح على إمكانات جديدة تمنح المرأة دورًا أكثر فاعلية داخل البناء الحكائي.

التوصيات:

في ضوء النتائج التي توصلت إليها الدراسة، يمكن اقتراح ما يلي:

تشجيع الدراسات الأكاديمية التي تعنى بالأدب الشعبي المغربي، لما يمثله من رصيد ثقافي ومعرفي يسهم في فهم الهوية المغربية.

توسيع البحث في صورة المرأة داخل مختلف أشكال التراث الشفهي، مثل الأسطورة، والخرافة، والسيرة الشعبية، والأمثال، والأغاني الشعبية.

الإفادة من مناهج النقد الثقافي، والسرديات، والأنثروبولوجيا الثقافية في دراسة النصوص الشعبية، بما يتيح الكشف عن أنساقها الفكرية العميقة.

العمل على جمع الحكايات الشعبية المغربية وتوثيقها علميًا، حفاظًا عليها من الاندثار، وإتاحتها للباحثين والدارسين.

تشجيع الدراسات المقارنة بين الحكاية الشعبية المغربية ونظيراتها في الثقافات العربية والإفريقية والمتوسطية، لرصد أوجه التشابه والاختلاف في تمثلات المرأة.

إعادة قراءة التراث الشعبي بعيدا عن الأحكام المسبقة، والنظر إليه بوصفه مصدرا معرفيا قادرا على تفسير كثير من الظواهر الاجتماعية والثقافية المعاصرة.

الإفادة من نتائج هذه الدراسات في تطوير المناهج التعليمية والبرامج الثقافية التي تعنى بالتراث والهوية، بما يسهم في تعزيز الوعي بقيمة الأدب الشعبي ودوره في بناء الثقافة الوطنية.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ.

(تأويل الأثر الفنّي نموذجا)

بقلم: ناتالي هاينيش

ترجمة: عبد الوهاب البراهمي

***

يحمل لفظ " تأويل" interprétation تعدّدا ملحوظا للمعني: فهو يشير، لو اقتصرنا على المجال الفنّي، إلى أداء الممثّل والفنان أو الراقص أو الموسيقي فيما يتعلق بمادّة المشهد الحيّ مثلما يشير إلى" الدلالة" التي يسندها قرّاء أو مشاهدين إلى عمل ما. وسأهتمّ هنا بهذا المعنى الثاني.

يجب أن تكون لنا القدرة على التفريق بين تأويلات عادية interprétations profanes، مثل التي يكتشفها التقصّي الميداني، وتأويلات عالمة interprétations savantes، وهي التي تولّدها نصوص مطبوعة، في المجلات المختصة أو في الكتب. فإذا كانت التأويلات الأولى (العادية) وغير معروفة كثيرا، تستحقّ فعلا عناية سوسيولوجية أو انتروبولوجية، فإنّ الثانية (العالمة) تمثّل جزءا من الثقافة المشتركة لكلّ شخص مثقف: نحمل في ذاكرتنا جميعا، حتى لا نضرب أمثلة معروفة، تحليل ميشيل فوكو، في مجال الرسم، "الوصيفات" لدييغو فيلازكيز أو، في مجال الأدب، تحليل بيير بورديو " للتربية العاطفية" لفلوبير، أو أيضا بشكل أكثر عمقا مختلف التأويلات السوسيولوجية لأثر بروست بل تأويلاتَ تأويلاتِه هو. ولن اهتم، مع ذلك، في الإطار المختصر لهذا المقال، بمؤلّفي التأويل. ولا أكثر بمضامين التأويل، التي نميل غالبا إلى التركيز عليها. دون أن يعني هذا عدم أهمية هذه الإشكالية: فقد اقترحت في موضع آخر بأنّ ما يطرحه مختلف أصناف المُؤوّلين من تأويلات، عالِمة أو عادية، تختلف بحسب أفقها المرجعي، كونها لامتجانسة أكثر أو أقلّ (حينما يتعلق المرجع المُثار بالمجتمع أو بالحياة المعيشة) أو مستقلّة (حينما يُحيل المرجع إلى الفنّ و، الأفضل من ذلك، إلى نوع مخصوص)2. يتحكّم هذا التنوّع في درجة الخارجية أو الداخلية للمرجع، في كل تقييدٍ لدلالةِ عمل، في كلّ ضروب التأويل، منذ الشرح والتفسير والتأويل، في التقليد اللاهوتي، إلى حدّ التفسير ذي المقصد العلمي(3). لكن ليس هذا ما يشغلني هنا. إذ أيّ كان الأفقُ المرجعي لمختلف أنماط النشاطات التأويلية، فهناك قاسم مشترك بينها وهو فعل شيء ما بموجب عملية إعلان النشاطات التأويلية عن نفسها، بمعزل عن محتواها، ومرجعها ومؤلفها. سأركز إذن اهتمامي هنا - باختصار شديد- على الوظائف التي يضطلع بها تأويلُ أثر فنّي وفق إشكالية تندرج ضمن المنظور الذي دشّنه علم الاجتماع البراجماتي، خيارا بديلا للآثار الملموسة للأفعال- هذه التي لا تَصنع سوى أفعال خطاب. ولا يتعلّق الأمر هنا بملاحظة عينية لآثار هذا التأويل بل أن نرسم فحسب، في مرحلة أولية، تصنيفا لوظائف النشاط التأويلي. وسيحملنا هذا على ملاحظة تعاقب ثلاثة أنماط من التأويل، سنوضحّها بأمثلة استعرناها من تاريخ الرسم الغربي ومن تاريخ الفنّ الحديث وعلم اجتماع الفنّ والفنّ المعاصر. لكن قبل إثارة ما يجعله النشاط التأويلي ممكنا، يجدر بنا تدقيق ما يجعل النشاط التأويلي ذاته ممكنا.

الألغزة:

يقترح جورج ديدي- هيبارمان في كتاب "ما نراه وما يَنْظر إلينا" تحليلا لوضعيتين ممكنتين اعتُمدتا إزاء تجربة الفراغ، سواء تعلّق الأمر بقبرٍ"، بـ"وحيد اللون" لغازيمير مالوفيتش أو بـ"علبة" دونالد جود: من جهة نظام تحصيل الحاصل الذي بموجبه "هذا ليس إلاّ هذا" (القبر ليس إلاّ القبر، وجزءٌ من لوحة ليس إلا جزء من لوحة، وعلبة فارغة ليست سوى علبة فارغة)، ومن جهة أخرى نظام الاعتقاد، الذي بموجبه يوجد في هذا " شيء آخر" (روح الميت، الروح، عالم الآخرة، النوايا التصويرية للفنان، وتكثيف الخبرات الجمالية أو المكونات الأساسية للفنّ لا بل الوضعية الإنسانية، الخ.)

إنّ لهذا التناقض بين الوضعيتين الذهنيتين إزاء الواقع، ميزةُ أنه ينسحب على الاعتقاد الدينيّ كما ينسحب على الإعجاب الجمالي. إنه يُبرز الاستعداد المخصوص جدّا، بل تبدّل النظرة التي يكتسبها "نظام الاعتقاد" بالتسليم بوجودٍ، من وراء المرئي، لشيء مخفيّ: إذن، للُغز مطلوب توضيحه. هذا ما أسْميته، في شأن المعلِّقين الأوائل على "فون غوغ"، بوصفها تفسيرات راهنة للفنّ المعاصر، بـ" الألغزة " mise en enigme. إذ هي التي تسمح بـ"النظر" في عمل فنّي من وراء ظاهره المباشر، وهي التي تسمح إذن بإضفاء معنى عليه أو تمعينه.

إن إضفاء المعنى: ليس هو، بعبارة أخرى، كشفا عن معناه فحسب، بل هو أيضا وقبل كلّ شيء أن نجد فيه معنى وليس بالأحرى لاشيء ." أجد أن لهذا الأثر معنى" هذه هي المصادرة الأولية التي تجعل كلّ تأويل ممكنا حتى قبل الانخراط في الفعل التأويلي. هذا هو الإجراء الأول، والأوّلي الذي لم ينتبه إليه تحديدا أولئك الذين يركزّون الاهتمام على محتوى المعنى "المُكتشف" عوضا بالأحرى عن الاهتمام بفعل البحث ذاته. كما لو أنه من البديهي أن يثير الأثر الفني السؤال، ويشكّل لغزا يحتفظ بمعنى من خارج قبل أن نسعى للعثور عليه. حسنا، ليس الأمر كذلك: الألغزة ليست شيئا بديهيا. إنها تمثل مطلبا مُسبقا لكلّ نشاط تأويلي، مثل نظّارة لا نرى أنها هي التي تسمح لنا بالرؤية، لأنه من خلالها وبفضلها نحن نرى.

أما وقد صرفنا نظرنا عن التأويل ذاته ووجّهناه صوب منبعه- فرضية وجود معنى خفيّ، ولغز علينا تفكيكه-، فلنلتفت الآن نحو ضمانَه، أي وظائفه. أميّز في هذا الباب بين ثلاث وظائف: العقلنة والتثمين (التقييم) والتبرير. وسأضرب أمثلة من باب التوافق، مستمدة من أعمالي السابقة، ولكلٍّ الحرية في العثور على أخرى في تجربته الخاصّة أو في توثيقه الخاص.

العقلنة:

الوظيفة الأولى للتأويل هي " عقلنة " العلاقة مع الأثر، على خلاف مقاربة حسيّة خالصة أو حساسّة له. يحافظ التناقض بين هذين التصورين أو هذين الممارستين للإدراك الجمالي على راهنيته إلى اليوم، ولا يكفّ عن مواجهتنا في النقاشات حول الفنّ المعاصر، حيث يأسف كثيرٌ للنزعة " التصوّرية " بينما يسخر منها أتباع الفن المعاصر، مثل مارسال ديشان، في تصوّر " شبكي"< rétinien > خالص للرسم. غير أنّ المعارضين لهذا النقاش يجهلون أحيانا أنّه يعود إلى أصول الأدبيات الفنّية، مع انبثاق علاقة أصولية أو عالمة savante بالآثار الفنية، مفضّلا البحث عن "معناها" العرفاني بدل الانتباه إلى الأحاسيس- الفيزيولوجية وخاصّة الانفعالية، الناتجة عن المظهر التشكيلي الخالص للأثر.

تنبثق المطالبة بالمقاربة التصوّرية، مُضافة إلى النشاط التأويلي بالفعل مع الترسيم الأكاديمي لمنزلة الرسم:" أقرئوا التاريخ واللوحة حتى تعرفوا إذا ما كان كل شيء ملائم للذات"على حدّ نصيحة " بوسان"Poussin حتى قبل إنشاء محاضرات للأكاديمية الملكية للرسم والنحت التي، تبعا لها وبالالتزام بتصورها للفنّ، ستقرّ هذه المحاضرات لا أولوية الذات فحسب، بل ستشجّع أيضا على التعليق الأدبي، مُطابِقة بين تصوّر الأثر التصويري بفعل قراءة له، وتقييمه بمواجهة الصورة بالنصّ الذي يوضّحها. إنّ دور تراتبية الأجناس، التي تضع في القمّة الرسم المسمّى" للتاريخ"- أي تصوير نصّ، سواء أكان دينيّا أو عاديا- هو أساسيّ في أولوية العقلي على الحسّي، ذي الصلة الواسعة بالبحث عن معنى أو باحترام دلالة أولية initiale. تشهد المحاضرات، منذ الجيل الأكاديميّ الأوّل، بأنّ نخبة الرسامين يلتحقون بالدائرة الموسّعة للخبراء المتعلّمين للمطالبة بخضوع الصورة للنصّ والإحساس للمعنى. يعترض البعض بعد جيل كامل، منذ سنوات 1680، على هذه الهيمنة لتصوّر عَالِمٍ savantللرسم، يُهْمل " فنّ الرسّام"، و" جمال الأسلوب " و" جمال التنفيذ"، على حدّ عبارات روجي دو بيل Roger de Piles.إنّ تواجد هذين النوعين من السلوك تجاه اللوحات - العالمة أو الجمالية، الأدبية أو التصويرية، العقلية أو الحسيّة- لا يندرج مع ذلك ضمن المواجهة المنظمة بين زمرتين يتطوّر كل منهما حُججا خاصّة: يتعلق الأمر بتعارض بين مقولات أقلّ من كونه انقاسامات بين ضربين من السلوك، ومواقف نظرية أقلّ من كونها مواقف عقلية، ربما هي حاضرة في لحظات مختلفة لدى الفرد نفسه. هذا التراوح ملفت لدى ديدرو، بل ربّما هو ما يشكّل أصالة جماليته، مرآة صلبة للتناقضات، والالتباسات والتردّدات الخاصّة لثقافة العصر.

إنّ هذه العقلنة للنظر، وبواسطة مضاعفة النصوص على الرسومات ورسوخ المعايير الأدبية للتقييم والمقاربات التأويلية، هي نتيجة مباشرة لتحرير منزلة الفنّان، أي خروجه عن النظام التقليدي، نحو نظام مهني يسمح بموقف اجتماعي أكثر قيمة. غير أنّ هذا التحرير يُصنع على حساب فقدان الرسّام لاستقلاليته، الذي دفع ثمن اندماجه في " الفنون الحرّة " وبالخصوص في الآداب، وثمن خضوعه للمعايير المُعقلنة، المستمدّة من عالم نصّي ليس عالم الرسّام ذاته. إنّ ألغزة الأثر هي هنا كما يسمح بعقلنة النظرة، والتي تضمن بدورها السموّ بمنزلة الرسام في السلم ّ الترتيبيّ.

التقييم أو التقدير:

هذا ما يقودنا مباشرة نحو وظيفة التأويل: تلك التي تنتج عن التقييم. وبالفعل، تفترض كل ألغزة أنّ الأثر يستحقّ عناء البحث فيه عن شيء، لأنّه حامل لشيء آخر عير ماديّته أو حتى (لاماديته). إنّ هذا الإجراء، الذي يكوّن كلّ إضفاء لقيمة فنّية، هو إجراء لامرئيّ في مجال أعمال مكرّسة، حيث يبدو إجراء بديهيا،لأنه بالتحديد شيء سابق لكلّ تكريس. ولا يصبح ظاهرا من جديد إلاّ بالنسبة إلى الأعمال الإشكالية، حيث لم تُشر فرادتها بعدُ إلى أطر قابلة أن يُجعل منها معيارا للكيفية.

كان هذا هو الشأن، بالخصوص، بالنسبة فان غوغ وثروته النقدية. وقد بيّنتُ بالمناسبة كيف، أنه، في النقد الذي ظهر طيلة العشر سنوات التي لحقت موته، والتي سبق عرضه الأوّل، انفتح " فضاء تأويلي" وبعبارة أخرى فضاء أنساق تأويل وإضفاء المعنى الذي يشير إلى علم النفس أو علم النفس المرضي بقدر ما يشير إلى تاريخ الفنّ. إنّ وصف اللوحات وردود الفعل التي تثيرها تترك موضعا لبحثٍ عن المعنى بإقامة صلة مبررة لخصوصية لوحة مع مجموعات أكثر عمومية: موضوعات العالم التي في متناول التمثّل " أنماط خاصّة بتاريخ الرسم، تقنيات وأسلوبية ممكنة، أعمال منجزة من الفنان، تحديدات شخصية الخ . من الملفت للنظر ملاحظة إلى أيّ حدّ لا يستند هذا العمل التأويلي إلاّ على الوجود المفترض للغز، الذي يقصد تعدّد التأويلات حلّه: لغز رسمه، ولغز جنونه، ولغز انتحاره. إذ كيف يمكن أن نبرّر، بواسطة الخطاب، موضوعا ما (صورة ونصا وحدثا)، اللهمّ إلاّ بافتراض وجود شيء لنفهمه وهو أن الإدراك المباشر لا يسمح بأن نطاله؟ يبيّن مثال فون غوغ بشكل لافت بأنّه يجب على عمل فني أن ينشأ كلغز- لغزا أصيلا، يسبق في الوجود مشروع كشفه - حتى يمكن للفعل التأويلي أن يشتغل ومعه تقييم موضوعه، سواء تعلّق الأمر بالأثر ذاته أو شخص مبدعه. ينسحب الأمر على الخطابات النقدية حول الفنّ المعاصر: الفراغ العرفاني الذي تفتحه بإحباط الانتظارات العادية التي تعود إليه في شكل ألغاز. إنّ طرح وجود لغز، هو القدرة على السيادة عليه فيما بعد بأن نطبّق عليه الكلمات والمعنى. إنّ انفتاح لغز بألغزة طبيعة الأثر الفنّي، وانغلاق اللغز بتأويل هذه الطبيعة بوصفها تساؤلا، أي بوصفها مناداة للعالم المشترك: تلك هي هنا اللحظتان المتوازيتان اللتان تحدّان النقد العالم، من وراء تجربة البنية التحتية اللغوية للمواجهة مع الأثر الفنّي. هكذا نلاحظ بيسر في كتابات المختصين في الفن المعاصر وصف العُدَّة المقترحة، وأعْضَلَتها سرديا بالنسبة إلى تمشي الفنان وتاريخ الفنّ والتأويل المنهجي، الذي يحيل إلى مستوى آخر للتجربة غير الفنّ ذاته. ("الاجتماعي "، و"العالم"، و" الكوني"، و" الروحي" الخ). ندرك جيدا في هذه الشروط أهمية التعليق في تقديم الأثر - حيث نجد بالفعل عقلنة قد وقع ذكرها من قبل. يميل التعليق التأويلي إلى أن يتشكّل في ثلاثة أشكال: شكل سلبي، يقول بأنّ الأثر ليس (مثلا، لعبة مجانية بالأشكال)، وفي شكل إيجابي يقول ما هو الأثر(مثلا، إخراج مشهدي لمجتمع الاستهلاك)؛ وفي شكل تساؤلي، يفترض بأنّ الأثر يطرح " أسئلة "، ويُجري " تساؤلات"، و" يعيد النظر". هذا ما أسميته التأويل ألتساؤلي الذي يَسِمُ المرورَ من التواطؤ إلى الألغزة التي تعمل على دخول الأثر في فضاءاتِ موضوعاتٍ جديرة للخطابِ وبالتالي للتقييم، مع الوضع بين قوسين، وفي الآن نفسه وبصورة مفارقة، للسؤال عن قيمته لصالح نقاش حول دلالته.

التبرير

إذا كانت عملية تقييم الموضوعات أو الأشخاص تندرج ضمن قواعد أو نَحْوٍgrammaire معقدّ جدّا ومتعدّد الأشكال، فإنّ عمليات التبرير للأفعال خاضعة هي الأخرى لدليل أكثر إكراها ومتّصل بسهولة أكثر بالوصف. بيد أنّ التبرير باتهام المعنى (الذي يقع، فيلنموذج بولتونسكي Boltanski وتيفونوت Thévenot تحت طائلة " العالم المُستلهم") هي عملية متكرّرة في المادّة الجمالية، بالخصوص فيما يتعلق بالفنّ المعاصر. تلك هي الوظيفة الثالثة للتأويل. إنها تفترض الوظيفتين السابقتين، من حيث أنه، من جهة أنها تمرّ بالضرورة عبر حجّة تقصد الإقناع من وراء التفاعل المباشر، وبالتالي فهي مُعقلنة نسبيا(بخلاف تعبير الوجه عن الانفعال، الذي يقتصر عليه غالبا مَنْ يريد التواصل مع شخص آخر بردّة فعل وجها لوجه مع أثر فنّي)، ومن حيث أنها تعني من جهة أخرى، أنّ صانع التأويل يُقيّد لحساب الأثر موضوع التأويل، قيمةً معينة، بما انه مدعوّ إلى تبرير وجود الأثر أو اقتناءه أو عرضه. هكذا، تقترح المسرحية المشهورة " فنون" لياسمينة ريزا Yasmina Reza جدولا واسعا من التبريرات لنوعية أثر فنّي، انطلاقا من مشروعية ذوقِ مَاِلِكِه قُبالة عدم فهم الصديق، الذي يسخر، بالتحديد من غياب المعنى لشبه أحادي اللون الأبيض ـ الذي يقتضي من المخاطب أن يجيب بمراكمة القضايا التأويلية، قبالة الفراغ الناتج عن المسافة بين الانتظارات الجمالية والقضية الفنيّة، أو قبالة صعوبة وضعها في تناسق، ويسمح " السجّل التأويلي" بالحجاج على مقتضى المعنى وإضفاء الدلالة الذي نجده في النقد الذي لا يحصره العدّ من نوع " هذا لا يعني شيئا"،...هذا فارغ"، " أود أن يفسّروا لي ". نقدا قريبا ممّا يسمّيه جان إلسار" هوس المعنى" (12)، وهذا السجل للقيم هو مهمّ بالخصوص لفهم رهانات فن معاصر، الذي، بتدميره المعايير الفنيّة القديمة، يؤدّي إلى انزياح السؤال من سؤال عن الجمال إلى سؤال عن المعنى. يتدخّل التبرير باتهام معنى، ودلالة خاصّة حينما نستدعي نقدا على صعيد إيتيقي، يمكن أن يُعترض عليه بحجاج جمالي خالص، بمفاهيم الجمال أو الانتماء للفنّ. (13) يمثّل المجال التأويلي هنا استراتيجيا يمكن تعقّبها لنوعية القضايا الفنيّة الإشكالية، التي يوفّر الفنُّ المعاصر أمثلة مهمّة عنها. ذاك هو الشأن مثلا في قضية هيونغ يونغ بينغ في مركز بومبيدو، عندما عزم هذا الفنان الصينيّ تقديم على عرض جماعي في قفص بلوري ممتلئ حشرات عليها أن تبقى على الحياة، وبالتالي أن تلتهم بعضها بعضا على مرأى من المتفرجين، طيلة مدّة العرض. إنّ المقيمين على المؤسسة (مركز بومبيدو)، وبموجب إكراههم على تبرير هذا التصرف تجاه تحرّك المدافعين عن الحيوانات، يقدمون العمل الفني بوصفه رمزا، يشير إلى النقيض تماما لما يجب رؤيته، بما أن العدوانية بين الحيوانات هي ما يفترض به توضيحا لضرورة التفاهم بين الكائنات:" إنّ عمل هيونغ يونغ بينغ " مسرحُ العالم " هو الترميز بصفة فلسفية للتناسق الضروريّ بين الأعراق والثقافات والأديان بالرغم من أشكال العنف والطبائع والقسوة الخاصّة بالطبيعة الأرضية". يصبح الأثر إذن وبصورة مفارقية فعلا نضاليّا سلميّا:" يوضع المجموع على طاولة في شكل سلحفاة. إنّ السلحفاة هي الرمز الصيني للسلام. يتعلق الأمر إذن بعمل فنّي نضالي في خدمة التناسق بين الأعراق والثقافات". ويلحّ المدافعون على العمل الفنّي إذن على الطابع غير المتناسب للرهان (حياة بعض الحشرات التي لا نتردّد في تحطيمها في المطبخ) قبالة الرسالة الرمزية التي يحملها الأثر الفني والتي يعرضها- نقيضا لكلّ عنف- أي فعل نضالي في خدمة السلام.

لنُلاحظ أن اللجوء إلى التبرير بالتأويل- وبعبارة أخرى، في السجلّ التأويلي- هو مصدر غير حاضر بشكل متساوٍ في مختلف الثقافات، على أيّ حال، مثل مجموع النحو الأكسيولوجي. فقد بينّ بحث أجري حول رفض الفن المعاصر في أمريكا أنه، إذا كان الخبراء في فرنسا ينغمسون عن طيب خاطر في تحليل رمزي للأثر الفني، مع الإحالة إلى " خطاب" عن العالم الخارج عن الفنّ، فذاك لأنّ حجّة الجمال، ذاتها تضمن بالأحرى الطابع الفنّي، الذي يسند من وراء المحيط الأطلسي، عمليات التبرير (نلاحظ ذلك بالخصوص في قضية إيفلابروتروب lvlapplethorpe، عندما حوكم في ستينات عام 1980، محافظ متحف سينسيناتي Cincinnati، ثم وقع إطلاق سراحه، بموجب عرضه لصور فوتغرافية اعتبرت خادشة للحياء (بورنوغرافية).

عندما يقع استدعاء السجلّ التأويلي يكون ذلك في شكل، عَاِلمٍ savavntأو عارف، للقراءة العوارضية symptomale (الأثر الفني بوصفه عارضا لواقع خارج عن عالم الفنّ) أقلّ من استدعاءه في شكل عاديّ profane

التأويل بوصفه مشكلا بالنسبة إلى علم الاجتماع

عقلنة التقبّل وافتراض قيمة الموضوع المُؤؤّل وتأطير أنماط دفاعه: لا يمكن لعلم الاجتماع، في ضوء هذه الوظائف الثلاث التي يضطلع بها الفعل التأويلي، أن يدخل على نحو ساذج في اللعبة التأويلية. فإذا كان يريد أن يقترح بدوره تأويله الخاص، فعليه أن يضطلع، من جهة بالنتائج البراجماتية لمقترحه. ومن جهة أخرى فإنّ التخلّي عن كل موقف خارجي تجاه الفاعلين، حينما يتموقعون على نفس السجلّ المقالي.

لكلٍّ أن يتخذ موقعا داخل هذا الفضاء للإمكانات التي توهب لعلم الاجتماع. فمن جهة نجد أولئك الذين يتصوّرون الخطاب السوسيولوجي حول الفنّ بمثابة نمط تأويلي إضافيّ بالنسبة إلى الأنماط الأخرى الممارسة في ميدان العلم، لا يملك من خصوصية سوى إضافة مرجعية في معنى المجتمع (مرجعية مستثمرة بقوّة منذ جيل، من قبل نقاد الفنّ المعاصر). وفي الجهة المقابلة، نجد أولئك الذين يتحفّظون عن أيّ خطاب حول الأعمال الفنية، ليهتموا بموضوع واحد بالعلاقة التي يقيمها الفاعلون بهذه الأعمال. ويركزّ المدافعون عن التحليل البنيوي، بين هذين الموقفين، على تحاليلهم على النسق الداخلي المنظّم لواحد أو عدّة أعمال فنيّة.

إنّ اختيار، كما أحاول أن أفعل في أعمالي في علم الاجتماع عن الفنّ، الخطّ الأكثر توافقا مع علم الاجتماع، أي الأكثر خصوصية لهذا التخصص، يعني أن نتخلّى عن صناعة تأويلات للفنّ، حتى نهتمّ بالتأويلات التي ينشئها الفاعلون، عادية أو عالمة. لا ازعم أن هذا الموقف هو الموقف الوحيد المناسب. بل أعتبر أنه فحسب الأكثر حذرا، إذا كان علم الاجتماع متمسكا بتخصّصه. ويحدث أن يبدو لي أيضا أنه الأكثر إنتاجا- حتى إثبات خلاف ذلك."

***

.......................

ناتالي هاينيش: "علم الاجتماع" 2008 (13) ص 11- 29 نشر هارتمان. (انظرwww.cairn.info (IP: 197.3.116.221

 

برزت الكثير من الدراسات الغربية، وبعض منها على أيادي عرب ومسلمون، جروا على ما جرى عليه الغربيون، ويمكننا القول إن الأخيرين قد تناصوا على ما أنتجه الغربيون من آراء وكتابات بالموضوع الذي نحن بصدد البحث فيه، والذي تناولوا فيه موضوع الحضارات القديمة، وربط بعضهم بين هذه الحضارات التي أنتجت الكثير من الآداب والمعتقدات والممارسات الدينية وبين الأديان السماوية (اليهودية، المسيحية، الإسلام)، وقالوا إن هناك عملية تناص بين ما أنتجته هذه الحضارات وبين ما ورد من نصوص وسرديات في كتب الأديان السماوية المذكورة أعلاه، وفي هذه المقالة البحثية لا يمكنني حصر العدد الكبير من هؤلاء الباحثين والكتاب الغربيين، ومنهم صموئيل نوح كريمر وغيره، ولكن في السنوات الأخيرة ظهر علينا باحثان، نسجوا على منوال الباحثين الغربيين، احدهم سوري وأسمه فراس السواح وآخر عراقي، وهو خزعل الماجدي، اللذان اعتمادا بشكل شبه تام على بحوث ودراسات ومقالات الغربيين، وكما ذكر عالم الآثار نائل حنون، (بأن فراس السواح وخزعل الماجدي غير متخصصين بالآثار، وينقلون ما يقرأون وشوهوا الحضارة)، وأنا أتفق مع الأستاذ حنون لا بسبب التعاطف الشعوري ولا الديني، ولكن بسبب ما تحمله كتاباتهم من قصور علمي، ونقل أعمى لما يدعيه الغربيون الذين يحملون أجندات مختلفة، لا يمكن حمل الكثير منها على محمل علمي بحت، وفي هذا البحث أحاول أن أُبين عن سقطات قد وقوعوا في شباكها ولا أعلم بالضبط بأن هذه السقطات مقصودة لأهداف أيديولوجية، أو عن جهل، وهنا ينبغي أن نقدم بعض المعلومات التي تساعدنا على فهم مجريات الأحداث وتاريخ تسلسلها لكي تكون لنا خير دليل في تحديد ما وقع فيه هؤلاء من أخطاء لا تستقيم مع التسلسل التاريخي.

تقول عالمة البيولوجيا الدكتورة رنا الدجاني في مقابلة تلفزيونية مع الدكتور باسم الجمل إن عمر الإنسان المماثل لإنسان الحاضر هو ٢٠١ ألف سنة، أما عالم الآثار العراقي طه باقر يذكر في كتابه (مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ص١٥٧) إن عمر الإنسان الحديث، المسمى بالإنسان العاقل يرجع إلى نحو 40,000-50,000 سنة. أما عمر الإنسان الذي يمشي على قدمين فيذكر الدكتور طه باقر في كتابه المذكور في ص ١٦٩ (والعصور القديمة هذه أزمان طويلة موغلة في القدم، حيث تبدأ منذ أن وجد الإنسان على الكرة الأرضية قبل أكثر من مليون عام)، ولو رجعنا إلى ظهور الحضارة السومرية التي هي اقدم من الأكدية والآشورية لرأينا أنها بدأت بعصور متأخرة مقارنة بزمن ظهور الإنسان على وجه الأرض، حيث يذكر العلامة طه باقر في كتابة المقدمة في ص ٧١ إن (حضارة وادي الرافدين ظهرت في مطلع الألف الثالث ق، م)، وإن اللغة السومرية كأقدم لغة في وادي الرافدين على حد قول العلامة طه باقر في المقدمة ص ٧٢، (حيث ظهر الخط المسماري في الدور الأخير من عصر الوركاء، أي في حدود ٣٥٠٠ ق، م)، وازداد وضوح تدوين اللغة السومرية في ألواح الطين في عصر فجر السلالات الثاني في حدود (٢٨٠٠-٢٧٠٠ ق، م) (المقدمة-ص٧٢)، ومن المهم أن يعرف القاريء إن السومريين إنما كانوا أحد الأقوام الذين عاشوا في جهة ما من وادي الرافدين في عصور ماقبل التاريخ، ثم أستقروا في السهل الرسوبي منه في حدود الألف الخامس ق.م، وأنهم لم يكونوا المستوطنين الوحيدين، ولا أقدم المستوطنين، وأنما تعايشوا مع جماعات من أقوام أخرى وفي مقدمتهم الأقوام السامية)(مقدمة في تاريخ الحضارات-طه باقر ص ٧٤)، ويذكر طه باقر ان السومريين لم يكونوا أقدم المستوطنين في السهل الرسوبي، بل جاءوا أقواماً أخرى وفي مقدمتهم الجزريون (المقدمة-ص٧٥)، بل الأدهى من ذلك يقول العلامة طه باقر في المقدمة ص٨٥ ان هناك اقوام مجهولين ليسوا من السومريين، ولا من الساميين، ويُرجح أنهم سبقوا هذين القومين في الإستيطان في السهل الرسوبي، وكان الباحث لاندرزبيركر (landsborger) أول باحث أثار هذا الموضوع وسمى أولئك القوم المجهولين بالفراتيين الأوائل، ويشير هذا الباحث إن هؤلاء القوم المجهولين يمتلكون أرقى حضارة من السومريين وأن السومريين تأثروا بهم بسبب مجاورتهم لهم . كما من المهم للقاريء الكريم أن يعلم إن هناك أقوام أخرى عاشت في العراق القديم أمثال السوباريون، والحوريون. هذه الأقوام عاشت ضمن دائرة ما يُسمى بالإنسان العاقل، في حين لو نظرنا إلى فترة وجود الإنسان ماقبل العاقل حيث عاش في عصور سحيقة المسمى بالعصر الحجري الايوليثي، الذي يرجع الية ما يُسمى بالإنسان الجنوبي، وهناك الإنسان الذي عاش في العصر الحجري القديم وزمنه منتصف عصر البلايستوسين إلى نهاية العصور الجليدية، أي من حدود ٦٠٠، ٠٠٠ أو ٥٠٠، ٠٠٠ إلى ١٠، ٠٠٠ ق. م . يتضح من خلال ما قدمنا وان كان بشكل مختصر جداً إن الإنسان تاريخه موغل بالقدم، وإن المسافة الزمنية طويلة جداً لكي تصل إلى العصر فجر السلالات الذي يكون مابين (٢٨٠٠-٢٣٧٠ق.م) وهو عصر ظهور المدن، والذي سبقه العصر الشبيه بالكتابي أو التاريخي ويكون مابين (٣٥٠٠-٢٨٠٠ ق.م) (المقدمة ص١٦٠) ويُشير العلامة طه باقر بأن عصور ما قبل التاريخ قد أنتهت في مطلع الألف الثالث ق.م، ويقصد بعصور ماقبل التاريخ، اي العصور التي سبقت التاريخ أي التدوين بظهور الكتابة، اي ان لا كتابة ولا تدوين للعقائد والأحداث والروايات والقصص قبل الألف الثالث قبل الميلاد، وهنا يتبين للقاريء الكريم كم هو الفرق الهائل والكبير بين ظهور الإنسان على كوكب الأرض الذي يقدره العلماء بمليون سنة، وهناك من يقدره بأكثر من ذلك، وبين ظهور الكتابة في بدايات الألف الثالث ق.م، وحتى الكتابة لم تكن في صورتها الأبتدائية إلا كتابة بسيطة جداً وذات طابع صوري، اي لا يمكن من خلالها كتابة ونقل كامل الاحداث والروايات والعقائد بمحتواها الأصلي والتفصيلي، حتى ان الباحثين سموها بالشبيه بالكتابة، والتي تمتد إلى ٢٣٣٤ ق.م، وهذا التاريخ يُعتبر تاريخ قريب مقارنةً مع عمر الإنسان على الأرض، وهنا لو افترضنا ان بداية الكتابة بدأت من ٢٣٣٤ق.م مضاف أليها زمن ما بعد الميلاد لكان ٢٣٣٤+٢٠٢٦ =٤٠٣٦٠، وهي عدد سنوات عمر ظهور الكتابة، وهو رقم لا يمثل شيء امام عمر تواجد الإنسان على هذه الأرض، أي إن الإنسان بقى ١٠٠٠، ٠٠٠_٤٣٦٠=٩٩٥٦٤٠ سنة من دون أن يدون تاريخه وعقائده وطبيعة طقوسه وأساطيره، وكل سردياته الأدبية، يتبين من ذلك ان عمر ظهور الكتابة قصير جداً، والسؤال المهم الذي يطرح نفسه، هل الإنسان ماقبل ظهور الكتابة كان خالي من السرديات الأدبية والتاريخية والدينية مع الأشارة إلى إن الإنسان العاقل يُشار إلى ظهوره قبل ٥٠، ٠٠٠ سنة، يعني إن هناك لاشك سرديات ولكن بشكل شفوي لعدم وجود تدوين لها، وهي مسافة زمنية ليست بالقصيرة، ولاشك إن الإنسان أنتج الكثير من الأنتاج الأدبي، وحدث له الكثير من الأحداث وجيءَ له بالكثير من التعليمات والوصايا الآلهية التي لا يمكن لأي إنسان أن يقطع بنكرانها، لأن حدوثها أمر قائم الأحتمالية، وبعد ظهور الكتابة ما بعد الصورية، التي لا يمكنها أن تستوعب التدوين في ألواح الطين في عصر فجر السلالات الثاني في حدود (٢٨٠٠-٢٧٠٠ ق. م)(المقدمة:ص٧٢) أخذ الإنسان يدون مايسمعه من سرديات وأحداث تاريخية وعقائد وطقوس أستورثوها عبر الأجيال، وهنا نسأل أسئلة في غاية الأهمية، وهي ؛ هل كانت اللغة في بداية تشكيلها لها من الأمكانية والسعة من المفردات ما تستطيع إستيعاب كل الآداب والحوادث وكل الموروث الديني ؟! أنا لا أعتقد ذلك لأن اللغة كانت في بواكيرها الأولى، وأدواتها بدائية، فلاشك ماكان لها أن تستوعب هذا الكم الهائل من التراث الأدبي والتاريخي طوال آلاف السنين، كما إن الأمر لا يتوقف على قابلية اللغة وسعتها، بل على قابلية الذاكرة الإنسانية ومدى دقتها وأمانتها بنقل وتذكر موروث ضخم تراكم عبر آلاف السنيين، وهذا غير ممكن على الأطلاق، لأن الواقع يخبرنا ان الإنسان لعاجز عن نقل عدة سطور خلال بضعة أيام بحرفية تامة، فلابد أن تزيد أو تنقص في مضمونها، وها نحن كمسلمين قد كُتب تاريخنا الإسلامي بطرق وبمضامين مختلفة، والإن هو يشكل مشكلة عويصة علينا، حتى بات أكبر مشاكلنا، وهو تاريخ يُعتبر قصير، لم يتجاوز ١٥٠٠ عام، وحتى تاريخنا العربي الحديث الذي يقع في حدود قرن من الزمان لم يُكتب بأمانه، داعيك عن التشويه المتعمد له، لذلك لايمكننا أن نقطع بان ما جائنا من مادة ادبية وتشريعية وتاريخية على شكل ملاحم كملحمة كلكامش مثلاً، أنها من أنتاج سومري وبابلي وآشوري بحت، فأنا أعتقد بأن السومريين والبابليين والآشوريين لابد وأن أخذوا من تراث ممن سبقهم، أو جاورهم من الأقوام، ولكنهم أستخدموا عملية تناص من الحالة الشفوية إلى الحالة الكتابية لهذا الموروث، أي إن هناك أصل مرجعي سابق لها، إن لم يكن بشكل كامل، فهو بشكل لاشك كبير، لأن من المستحيل أن يبدأ الإنسان من الحالة الصفرية، البدائية بهكذا مادة أدبية وقانونية تكشف عن خيال، وذكاء كبيرين، والتواصل معروف بين الحضارات، ولا يخفى على أقل الباحثين شأناً، وهنا لابد من الأشارة إلى نقطة في غاية الأهمية، ألا وهي إن العصور التاريخية لم تكن بعيدة مقارنة بعمر وجود الإنسان على هذا الكوكب وقد ذكرنا ذلك أعلاه، وهو تقريباً بين (٢٨٠٠-٢٣٧٠ ق.م)، في حين يكون العصر البابلي القديم ما بين (٢٠٠٠-١٥٠٠ق.م)(المقدمة:ص١٦١)، فما بالك بأن الأساطير اليونانية كُتبت بعصور متأخرة جداً، ولعلم القاريء الكريم، إن ملحمة كلكامش لم تُكتب في بداية العصر البابلي القديم، بل في فترة متأخرة منه، فهناك سلالات بابلية سبقت عصر كلكامش، وسبقت عصر فترة حمورابي (١٧٩٢-١٧٥٠ ق.م)، أما الحضارة اليونانية فأنها لا تتعدى أبعد من القرن التاسع أو الثامن من ق. م (المقدمة، طه باقر:ص١٧٠)، أما لو نظرنا إلى العصور التاريخية لأوربا الشمالية فنراها بأنها تأخرت إلى القرن الأول ق. م، ولا ننسى أن هناك شعوب بقت خارج التاريخ إلى وقت متأخر محسوبة على العصور الحديثة، كل هذا يبين لنا إن هناك فارق زمني كبير جداً يقدر بمئات آلاف السنيين إذا حسبناها من بداية وجود الإنسان على هذه الأرض، وإن العصر الكتابي هو عصر حديث بالمقارنة مع وجود الإنسان، وهنا يبرز سؤال ؛ وهو هل كان الإنسان قبل عصر الكتابة بلا أنتاج فكري، وبلا معتقدات، ولا معارف وعلوم، وهذا ما لا يمكن، إن قال قائل بأن الإنسان القديم كان شبه عاقل، فنقول له طيب، فالعلماء قدروا عمر الإنسان العاقل إلى نحو ٥٠، ٠٠٠ سنه مضت، وعلى وجه التحديد في النصف الثاني من العصر الحجري القديم (طه باقر، المقدمة:ص١٧٠). ولو أبتدأنا من هذا الزمن وهو ٥٠، ٠٠٠ سنة، وهذا من غير المعقول أنه لا يكون بدون تصورات وأفكار، ونمط من التفكير، فلابد أذن من أن ينتج من خلالها الكثير من السرديات والأساطير، ولا أستبعد أن تكون هناك رسائل سماوية بُعثت إليه (أحسب الإنسان أن يُترك سدى…)، لذلك لاشك بالمطلق بأن يكون هناك الكثير الكثير من السرديات بكل أنواعها، بصورتها الشفوية وقد أنتقلت مابعد التاريخ إلى الحضارات التي تشكلت من سومرية وبابلية وآشورية وفرعونية، في حين يلغي الدكتور خزعل الماجدي في كتبه (أنبياء سومريون ص١٥) ان يكون هناك سرديات مقدسة، ولم يبني مايقوله على دليل، فهو يقول(ان المصدر المقدس للكتب المقدسة لم يكن المقدس نفسه، بما كانوا يطلقون عليها ب (النصوص الوثنية)… وهذا يعني حسب قوله وكما يقول بالنص (وهذا يعني ببساطة أن تلك النصوص موضوعة، وليست منزلة من المقدس نفسه) (أنبياء سومريون:ص١٥)، لا أعرف لماذا يقطع بهذا الشكل بعدم وجود نص مقدس بالمطلق، ولكن يمكن ان نتفق معه بأن النص المقدس قد جرى عليه التحريف والتشويه بشكل متعمد، وآخر بسبب التحريف الناتج من طول الفترة الزمنية الشفاهية . بالحقيقة أنا لا أعرف كيف قرر الدكتور الماجدي وزميله فراس السواح بأن أصل ما جاء بالأديان السماوية هو هذه الحضارات التي جاءت بعد نشوء الكتابة، في حين عمر هذه الحضارات قصير جداً لو أعتمدنا بعض تقديرات العلماء التي يقولون فيها بأن عمر وجود الإنسان يُقدر بمليون سنة، وهنا يتضح إن عصور ما قبل التاريخ قد شغلت ٩٩٪؜ من عمر الإنسان، ولا أعرف كيف فكر الماجدي والسواح، بماذا كان منشغل الإنسان، ايكون مجرد كائن يأكل وينام ويتناسل، ولا يتمتع بالتفكير والتعقل والتصورات؟!. ودليل على إن الإنسان ماقبل التاريخ يتمتع بمستوى فكري جيد إنه قد عمل على أختراع رحى الطحين في زمن العصر الحجري الحديث الذي يكون في حدود الألف التاسع أو الثامن إلى ٥٦٠٠ ق. م، والتي بقت هذه الآلة قيد الأستعمال إلى أواسط القرن العشرين، ولم تقتصر صناعته على هذه الآلة، فقد صنع المحراث، والمعازف والمناجل، ورؤوس النبل والسهام، وحتى أدوات الغزل والحياكة(المقدمة، طه باقر: ص١٩٩)، وهنا ينطرح سؤال مهم ومفصلي، هل يكون الإنسان بهذا المستوى المعرفي والعملي العالي يفتقد للتفكير والتأمل بهذا الكون، وبصانع هذا الكون؟، وإن ما يؤكد صحة نظرتنا على أن الإنسان ماقبل التاريخ يمتلك تصورات ومعارف وتأملات ذات مستوى راقي هو إن العلماء يقولون إن الدين وجد منذ وجدَ الإنسان على وجه هذه الأرض. وتشير الوكيبيديا (بأن الأدلة الآثارية التي فسرها البعض على أنها تشير إلى ظهور أفكار دينية إلى عدة مئات الآلاف من السنين ..)، فمثلاً شريعة حمورابي شُيدت (١٧٩٢-١٧٥٠ ق.م) وهذا زمن يُعتبر ليس ببعيد مقارنة على ماذكرنا من عمر الإنسان، كذلك من المفيد أن ننوه إلى مسألة غاية في الأهمية، وهي أن بداية ظهر عصر الكتابة، كانت الكتابه فيه بسيطة جداً ويذكر العلامة طه باقر في مقدمته ص٢٣٤ (إن الكتابة في الطور الشبيه بالكتابي كانت صورية، وأقتصر أستعمالها على تدوين أشياء بسيطة مادية … ولم تُدون بها نصوص تاريخية، ولا شؤون الحياة العامة … إن مصادرنا المدونة عنه مقتصرة على تلك الألواح الصورية الخالية من الأخبار التاريخية)، أي ليس هناك نصوص نُقلت سرديات أدبية وحوادث تاريخية عن عهود سابقة، وهذا مايفسر فترة ما قبل التاريخ بأنها فترة تتسم بالغموض، ومساحة كبيرة من المجاهيل، لا يمكن الماجدي او غيره من الغربيين البت بها بشكل تام، وقد ظهرت بين الحين والآخر مكتشفات أثرية جديدة، وهناك الكثير من المدفونات التي لم تُكتشف لحد الآن، وهذا ما يؤكد قصر نظر الماجدي في غور أعماق التاريخ، والكشف عن مكنوناته التاريخية، مما يجعلهم في موقع لا يحق لهم القطع بشكل تام بأن مصادر سرديات الأديان السماوية، هي الحضارات التي جاءت ما بعد الكتابة. فمثلاً يذكر خزعل الماجدي بكتابه (أنبياء سومريون: الطبعة الثانية) بأن قصة الطوفان هي أسطورة، في حين يقول العلامة طه باقر في كتاب المقدمة في تاريخ الحضارات ص٢٩١، وهو العالم المتبحر والمختص بالتاريخ القديم بأن الطوفان حادثة تاريخية نُقشت في ذاكرة الأجيال، فيقول (فلعله يمكن الأفتراض أنَّ زمن ذلك الطوفان يرجع إلى عصور ما قبل التاريخ البعيدة، وعلى وجه التحديد إلى العصر الحجري القديم..)، كما أن المؤرخ المغربي أحمد شحلان المختص بمقارنة الأديان والأستاذ بجامعة السوربون، في مقابلة تلفزيونية بأن الطوفان حدث في التاريخ فعلاً، ويقول ان البحث الأركيولوجي أثبت وجود الطوفان في المنطقة، وأزاء حادثة الطوفان يتضح تخبط الماجدي في تقريراته عن هذا الحدث المهم، ومحاولة نسبه إلى ملحمة كلكامش، في حين رأينا كيف ثبتها تاريخياً الباحث والأستاذ أحمد شحلان والعلامة طه باقر، الذي حدد زمانها في العصر الحجري القديم، وإذا رجعنا إلى زمن هذا العصر، لوجدنا أنه في حدود (٦٠٠، ٠٠٠ أو ٥٠٠، ٠٠٠ إلى ١٠، ٠٠٠ ق.م، في حين أن ملحمة كلكامش كانت تعود إلى عصر سلالة أور الثالثة حوالي ٢١٠٠ ق.م، وهذا يعني إن هناك فارق زمني كبير جداً بين ما وقع من طوفان، وبين ما جاء في الملحمة الكلكامشية، وهذا يكشف عن بون المسافة الزمنية بين الحدث التاريخي للطوفان، وبين كتابة الملحمة، والقاريء عليه أن يعلم إن هذا البعد الزمني كانت تنتقل احداث القصة بطرق المشافهة، ومايعتري هذه الطريقة من زيادة ونقصان، وتشويه، ودور الخيال الشعبي من نسج حبكة يُضاف للأصل، وما يتعرض له محتوى القصة من تشوهات عبر الفهم الخاطيء لها، أضافة لقصور اللغة الدارجة، ومستوى ثقافة الناس، ودرجتهم المعرفية، التي لابد لها من أثر على بنية القصة، وما يتعرض لها أبطالها من تغير بالأسم والأدوار، ولاشك كل ذلك يعرض القصة إلى تغيرات كبيرة، ومن ناحية ثانية، حتى لو دققنا في زمن وجود جلجامش لرأينا أنه كان الملك الخامس في سلالة الوركاء الأولى، بحسب وثيقة أثبات الملوك، وهذه السلالة الأولى التي حكمت حوالي (٢٨٠٠-٢٦٠٠ ق.م). ولو أردنا أن نطيل الحديث أكثر في مسألة ملحمة كلكامش لرأينا إن هناك رأي يقول إن من كتبها شخص أسمه (شين ئيقي ئونيني) الذي يُتصور أنه كاتب الملحمة وإن أسمه موقع في الألواح المكتوبة باللغة الأكدية، ومن المهم أن الملحمة أساسها يرجع إلى عدة قصص سومرية ثم ألف منها باللغة الأكدية في العصر البابلي القديم في حدود القرن الثامن عشر ق.م (المقدمة، طه باقر :ص٢٩٦ . حتى لو أخذنا قضية أسطورة الخليقة البابلية المشهورة لرأينا أنها دونت في حدود (١٧٠٠ ق.م) (المقدمة:ص٣١٦)، وهي لم تكن الرؤية الأولى في مسألة الخلق لكي تكون هي حجر الأساس لمسألة الخلق التي مدت الأديان السماوية بها على زعم خزعل الماجدي، وزميله السواح، فالدكتور طه باقر يُشير في المقدمة:ص٣٢٥ (ويكاد يكون من المؤكد أن القوم كان لهم عبادة وآلهة شعبية جماهيرية لا نعرف عنها أمور كثيرة، لأن مصادرنا عن ديانة حضارة وادي الرافدين تقتصر بالدرجة الأولى على الديانة الرسمية…)، هذه المعطيات التاريخية التي ينقلها لنا العلامة طه باقر تعاكس ماذهب إليه خزعل الماجدي الذي يقول في مقدمة كتابه (أنبياء سومريون :ص١٥) (نحن المهتمين بالتاريخ والفكر لنبني على معطياتها تصورات جديدة أساسها العلم لا الخيال ولا المعتقدات)، ولكن لأسف لن نرى فيما يقوله الماجدي من توجه علمي، ولا نلمس أي تمحيص للنصوص بشكل دقيق وعلمي، بل كان مبتعداً عن الرؤية الموضوعية العلمية، وبالعكس ألمس فيه ترسبات فكرية آيديولوجية يوظفها في تقريرات البحث والتأليف، وإن مايثير الشفقة إنه يدعي في كتابه (أنبياء سومريون ص١٦) فيقول (غرضي من البحث العلمي في هذه الحقول كان ومازال : البحث العلمي).

يدعي الماجدي بأن ما جاءت به الكتب المقدسة وخاصة العهد القديم في مسألة الخلق، والطوفان وغيرها، يكون مصدرها الأساطير التي مصدرها الحضارات القديمة من سومرية واكدية وبابلية وآشورية، وقد أشار إلى ذلك في كثير من المرات في كتابه وما ألقاه من محاضرات وندوات كثيرة، وقد نظّر لذلك كثيراً، وأنا هنا لا أُريد أن أدافع عن العهد القديم لأني مؤمن بأنه هو الآخر كتاب مُحرف، وفيه الكثير من التناص من مصادر أخرى ولعل بعضها من خلال معايشتهم للبابليين، ومنها ما كتبه الحاخامات من عندياتهم، ولكن يمكنني القول، وأرجح إلى حد مايقارب من اليقين، وحسب ما جاء من معطيات ما قدمته الآثار وما توصل له علماء التاريخ إن السرديات التي ترجع إلى السومريين وغيرهم من بابليين وآشوريين، وكذلك العهد القديم والجديد قد أنتهلوا الكثير من مادتهم السردية من أديان ومعتقدات سبقتهم بكثير من الزمن، ولا أستبعد من بين ذلك كانت نصوص سماوية مقدسة نزلت على أنبياء بعثهم الله إلى أقوامهم آنذاك، وليس هناك ما يمنع هذا الترجيح، أو الإيمان بذلك، كما من الملاحظ إن الكتب والمخطوطات اليهودية أكثر بكثير جداً من المخطوطات والألواح السومرية والبابلية، كما إن هناك الكثير من النصوص المتمثلة بالأحداث والتشريعات تختلف تماماً عما جاء بالألواح والنصوص التي ترجع للحضارات القديمة .

خلاصة الموضوع، إن السومريون وغيرهم من بابليون وآشوريون، وكذلك كتاب العهد القديم والجديد، لاشك كان لهم عملية تناص لما قبلهم من سرديات على كثير من المستويات، ولا يمنع، إن هناك أنتاج سردي ذاتي لكل من كتاب الملاحم القديمة، وما كتبه الحاخامات، ولكن بالنهاية، لا يمكن أنكار بأن هناك مصادر ذات مصدر ألهي لكثير من النصوص عمل على تناصها الأقدمون، ولكن أُدخلت عليها تغيرات، وما عمله مخيالهم من أنتاج نصوص جديدة مضاف لما أنتقل لهم شفاهةً، أما النصوص الحقيقة التي أتفقت عليها الأديان السماوية في نسختها الأصلية، فهي لاشك من نبع واحد، وهو المصدر الألهي لها لا غير.

***

أياد الزهيري

 

دراسة تحليلية نقدية في ضوء اللسانيات النفسية والاتجاهات المعرفية الحديثة

مقدمة الدراسة: يشكل اكتساب اللغة أحد أكثر الموضوعات تعقيدا وإثارة في ميادين اللسانيات وعلم النفس المعرفي، لما ينطوي عليه من تداخل بين الأبعاد البيولوجية والعقلية والاجتماعية والثقافية. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل أو أداة لنقل الأفكار، بل هي نسق رمزي معقد يمثل الإطار الذي تتشكل داخله المعرفة الإنسانية، وتتبلور من خلاله الخبرات والتصورات والعلاقات الاجتماعية. ومن ثم، فإن البحث في كيفية اكتساب الطفل للغته الأولى لا يقتصر على دراسة الظاهرة اللغوية في ذاتها، وإنما يمتد ليشمل آليات التفكير، والنمو المعرفي، والاستعدادات الفطرية، والتفاعل مع البيئة، وهو ما جعل هذا الموضوع يحتل مكانة مركزية في الدراسات اللسانية والنفسية والتربوية على حد سواء.

وقد ظل سؤال اكتساب اللغة محوراً لجدل علمي امتد لعقود طويلة، انقسمت حوله الاتجاهات النظرية بين من يرى أن اللغة نتاج مباشر لعوامل البيئة والتعلم والتعزيز، وبين من يعدها ثمرة للنمو المعرفي وتطور البنيات الذهنية، وبين من يؤكد وجود استعداد فطري موروث يجعل الإنسان مهيأً لاكتساب اللغة بصورة طبيعية. وقد أفرز هذا التباين ثلاث مدارس كبرى كان لها بالغ الأثر في تطور اللسانيات النفسية، وهي: النظرية السلوكية، والنظرية البنائية التكوينية، والنظرية التوليدية التحويلية، حيث قدمت كل واحدة منها تفسيراً مختلفا لطبيعة اللغة وآليات اكتسابها، مستندة إلى خلفيات فلسفية ونفسية ومنهجية متباينة (Skinner, 1957؛ Piaget, 1952؛ Chomsky, 1959).

ولئن أسهمت هذه النظريات في تعميق فهم الظاهرة اللغوية، فإن أيا منها لم يتمكن من تقديم تفسير شامل يستوعب جميع أبعاد اكتساب اللغة الإنسانية، إذ ركزت السلوكية على أثر البيئة والتعزيز، وربطت البنائية اللغة بالنمو المعرفي، بينما جعلت التوليدية الفطرة والقدرة العقلية محور العملية اللغوية. وقد أفضى هذا التعدد النظري إلى بروز اتجاهات معاصرة تدعو إلى تبني رؤية تكاملية تستثمر مكامن القوة في كل نظرية، وتجمع بين الاستعداد البيولوجي، والنمو المعرفي، والتفاعل الاجتماعي، بوصفها مكونات متكاملة في تفسير اكتساب اللغة.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية نقدية للنظريات الثلاث الكبرى في اكتساب اللغة، من خلال الوقوف عند أسسها الفكرية، ومنطلقاتها اللسانية والنفسية، وآليات تفسيرها لاكتساب الطفل لغته الأولى، مع إبراز أهم ما وجه إليها من انتقادات، وصولا إلى بناء تصور تكاملي أكثر قدرة على تفسير هذا السلوك الإنساني الفريد، الذي لا يزال يشكل أحد أكثر الموضوعات استقطابا للبحث في العلوم الإنسانية.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من الإشكالية الرئيسة الآتية:

إلى أي حد تستطيع النظريات اللسانية النفسية الكبرى تفسير الكيفية التي يكتسب بها الطفل لغته الأولى؟ وهل يمكن الاعتماد على إحدى هذه النظريات منفردة، أم أن تفسير الاكتساب اللغوي يقتضي تبني مقاربة تكاملية تجمع بين المعطيات البيئية والمعرفية والفطرية؟

ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة الفرعية:

ما المقصود باكتساب اللغة؟ وما خصائصه النفسية واللسانية؟

ما الأسس الفكرية والمنهجية التي قامت عليها النظرية السلوكية في تفسير اكتساب اللغة؟

كيف فسر جان بياجيه العلاقة بين النمو المعرفي والنمو اللغوي؟

ما المرتكزات التي اعتمد عليها نعوم تشومسكي في الدفاع عن فطرية اللغة؟

ما أوجه القوة والقصور في كل نظرية؟

وهل يسمح التكامل بين هذه النظريات ببناء تصور أكثر شمولاً لتفسير اكتساب اللغة؟

فرضيات الدراسة:

تنطلق الدراسة من الفرضيات الآتية:

لا تستطيع أي نظرية منفردة تفسير جميع أبعاد اكتساب اللغة الإنسانية.

تؤدي البيئة دورا مهما في توفير المدخلات اللغوية، لكنها لا تفسر وحدها الإبداع اللغوي.

يرتبط النمو اللغوي ارتباطا وثيقا بالنمو المعرفي للطفل.

يمثل الاستعداد الفطري أحد الشروط الأساسية لاكتساب اللغة، غير أنه يحتاج إلى بيئة لغوية محفزة حتى يتحقق بصورة طبيعية.

يعد التفسير التكاملي أكثر قدرة على استيعاب الظاهرة اللغوية من التفسيرات الأحادية.

أهداف الدراسة

تهدف هذه الدراسة إلى:

توضيح مفهوم اكتساب اللغة في ضوء اللسانيات النفسية.

تحليل الأسس النظرية لكل من السلوكية والبنائية والتوليدية التحويلية.

إبراز أوجه الاتفاق والاختلاف بين هذه النظريات.

تقويم مدى قدرة كل نظرية على تفسير الظاهرة اللغوية.

اقتراح تصور تكاملي يجمع بين الاستعداد الفطري، والنمو المعرفي، والتفاعل البيئي.

أهمية الدراسة:

تنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تعالج إحدى أكثر القضايا تعقيدا في اللسانيات النفسية، كما أنها تقدم قراءة نقدية مقارنة بين أهم النظريات التي تناولت اكتساب اللغة، وتسهم في تقريب العلاقة بين علم اللغة وعلم النفس المعرفي، فضلاً عن تقديم إطار نظري يمكن الإفادة منه في الدراسات اللسانية، والبحوث التربوية، ومناهج تعليم اللغات.

الإطار المفاهيمي والنظري لاكتساب اللغة:

تأصيل المفهوم وحدود التمايز عن التعلم:

يُعدُّ اكتساب اللغة من أكثر المفاهيم تداولا في اللسانيات النفسية وعلم النفس المعرفي، لما يحمله من أبعاد لغوية ونفسية واجتماعية متداخلة. وقد حظي هذا المفهوم باهتمام واسع من قبل الباحثين، باعتباره يمثل العملية التي ينتقل من خلالها الطفل من مرحلة العجز عن التعبير إلى امتلاك نظام لغوي متكامل يمكنه من التواصل مع محيطه والتفاعل معه بصورة طبيعية.

ويشير مفهوم اكتساب اللغة إلى العملية الطبيعية والعفوية التي يكتسب بواسطتها الطفل لغته الأولى من خلال الاحتكاك اليومي ببيئته اللغوية، دون حاجة إلى تعليم رسمي أو تدريب منهجي. وتتميز هذه العملية بأنها تتم بصورة تدريجية ومتواصلة، وتستند إلى تفاعل معقد بين الاستعدادات البيولوجية والقدرات العقلية والخبرات البيئية، الأمر الذي يجعلها إحدى أكثر الظواهر الإنسانية تعقيدا وإثارة للاهتمام.

ولا يقتصر اكتساب اللغة على حفظ الكلمات أو تقليد الأصوات، بل يشمل بناء منظومة متكاملة من القواعد الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية والتداولية، بما يسمح للطفل بإنتاج عدد غير محدود من الجمل الجديدة التي لم يسبق له سماعها. ومن هنا يغدو الاكتساب عملية إبداعية تتجاوز مجرد التقليد أو التكرار، إذ تكشف عن قدرة العقل الإنساني على تنظيم الخبرة اللغوية وإعادة إنتاجها في صور جديدة تتلاءم مع مقتضيات التواصل.

وفي مقابل ذلك، يختلف تعلم اللغة عن اكتسابها من حيث الطبيعة والآليات. فالتعلم يقترن غالبا بالتعليم المنظم، ويقوم على التخطيط والتدريب والممارسة الواعية داخل المؤسسات التعليمية، ويستهدف عادة اكتساب لغة ثانية أو أجنبية. أما الاكتساب فيتسم بالعفوية والطبيعية، ويحدث في السنوات الأولى من عمر الطفل نتيجة انغماسه في بيئة لغوية حية، دون شعور منه بأنه يتعلم اللغة أو يدرس قواعدها.

وعلى الرغم من هذا التمييز المنهجي، فإن العلاقة بين الاكتساب والتعلم ليست علاقة انفصال تام، بل علاقة تكامل، إذ قد يسهم التعلم لاحقا في تطوير الكفاية اللغوية التي تشكلت أساسا عبر الاكتساب، كما قد تساعد الخبرة المكتسبة في تسهيل تعلم لغات أخرى خلال المراحل اللاحقة من النمو.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن اكتساب اللغة يمثل الأساس الذي تبنى عليه جميع الكفايات اللغوية اللاحقة، وهو العملية التي تفسر تمكن الطفل، في فترة زمنية قصيرة نسبيا، من امتلاك نظام لغوي بالغ التعقيد، الأمر الذي دفع الباحثين إلى البحث عن الآليات الكامنة وراء هذه القدرة الإنسانية الفريدة.

خصائص اكتساب اللغة عند الطفل:

تكشف الدراسات اللسانية والنفسية أن اكتساب اللغة يتميز بجملة من الخصائص التي تمنحه طابعا إنسانيا خاصا، وتجعله مختلفا عن باقي أنماط التعلم الأخرى.

أولى هذه الخصائص هي الطابع الإنساني لاكتساب اللغة، إذ يمر الأطفال، على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم وبيئاتهم الاجتماعية، بمراحل متقاربة في اكتساب اللغة، وهو ما يدل على وجود نظام تطوري مشترك يحكم تطور القدرة اللغوية لديهم .

أما الخاصية الثانية فتتمثل في التدرج الاكتسابي، حيث لا ينتقل الطفل مباشرة إلى استعمال اللغة في صورتها المكتملة، وإنما يمر بمراحل تبدأ بالصراخ، ثم المناغاة، فالكلمات المفردة، ثم الجمل الثنائية، وصولا إلى الجمل المركبة الأكثر تعقيدا. ويؤكد هذا التدرج أن النمو اللغوي يخضع لتنظيم داخلي يتفاعل مع الخبرة البيئية بصورة مستمرة.

وتتمثل الخاصية الثالثة في الإبداع اللغوي، إذ لا يقتصر الطفل على تكرار ما يسمعه من محيطه، بل ينتج تراكيب جديدة لم يسبق أن تعرض لها، وهو ما جعل العديد من الباحثين يعدون الإبداع اللغوي من أقوى الأدلة على وجود قدرات عقلية تتجاوز آليات التقليد والمحاكاة.

كما يتسم اكتساب اللغة بصفة الانتظام؛ فالأخطاء التي يقع فيها الأطفال ليست أخطاء عشوائية، وإنما تعكس محاولاتهم لاستخلاص القواعد العامة للغة وتطبيقها على مختلف المواقف التواصلية، وهو ما يدل على أن الطفل يبني نظامه اللغوي بصورة تدريجية ومنظمة.

ومن الخصائص المهمة كذلك التفاعل بين العوامل البيولوجية والبيئية، إذ تؤكد الدراسات الحديثة أن الاستعداد الفطري وحده لا يكفي لاكتساب اللغة، كما أن البيئة وحدها لا تستطيع تفسير جميع مظاهر النمو اللغوي؛ وإنما يتحقق الاكتساب من خلال التفاعل المستمر بين القدرات العقلية الفطرية والمدخلات اللغوية التي يوفرها المحيط الاجتماعي.

العوامل المؤثرة في اكتساب اللغة:

تشير البحوث المعاصرة إلى أن اكتساب اللغة لا يخضع لعامل واحد، وإنما يتأثر بمجموعة من العوامل المتداخلة التي تعمل بصورة تكاملية.

يأتي في مقدمة هذه العوامل الاستعداد البيولوجي، إذ يولد الإنسان مزودا بجهاز عصبي وأعضاء نطق تمكنه من استقبال اللغة وإنتاجها، وهو ما يفسر قدرة الأطفال على اكتساب لغاتهم الأولى في ظروف متقاربة رغم اختلاف البيئات.

ويتمثل العامل الثاني في النمو المعرفي، حيث يرتبط التطور اللغوي ارتباطا وثيقا بتطور العمليات العقلية كالانتباه والإدراك والذاكرة والتصنيف والتجريد، وهو ما جعل المدرسة البنائية تؤكد أن اللغة لا يمكن أن تنمو بمعزل عن تطور البنيات المعرفية.

أما العامل الثالث فهو البيئة اللغوية والاجتماعية، إذ يؤدي الوالدان والأسرة والأقران والمؤسسات التربوية دورا أساسيا في توفير المدخلات اللغوية التي يعتمد عليها الطفل في بناء كفايته التواصلية. فكلما كانت البيئة أكثر ثراء وتنوعا، ازدادت فرص الطفل في تطوير رصيده اللغوي وتنمية مهاراته التعبيرية.

ويضاف إلى ذلك التفاعل الاجتماعي، الذي يمثل أحد أهم شروط النمو اللغوي؛ فاللغة تنمو داخل سياقات التواصل، ومن خلال الحوار والمشاركة والتبادل الرمزي، يكتسب الطفل الوظائف الاجتماعية للغة، ويتعلم استعمالها في التعبير والإقناع والاستفهام والوصف والتفاعل مع الآخرين.

ومن خلال استقراء هذه العوامل يتبين أن اكتساب اللغة ظاهرة متعددة الأبعاد، لا يمكن ردها إلى سبب واحد أو تفسيرها بمنظور أحادي، وهو ما يفسر تعدد الاتجاهات النظرية التي حاولت تفسيرها، ويبرر الحاجة إلى دراسة مقارنة تكشف نقاط القوة والقصور في كل اتجاه من هذه الاتجاهات.

النظرية السلوكية وتفسير اكتساب اللغة:

على سبيل الافتتاح:

تعد النظرية السلوكية أول اتجاه علمي حاول تقديم تفسير منظم لاكتساب اللغة في إطار علم النفس الحديث، وقد جاءت امتدادا للفلسفة التجريبية التي سعت إلى تفسير السلوك الإنساني انطلاقا من الظواهر القابلة للملاحظة والقياس، بعيدا عن تفسير العمليات العقلية الداخلية التي رأت أنها لا تخضع للملاحظة العلمية المباشرة. ومن هذا المنطلق، اعتبرت السلوكية أن اللغة ليست سوى شكل من أشكال السلوك الإنساني، تخضع للقوانين نفسها التي تحكم سائر السلوكيات الأخرى، كالعادة والتعلم والتكيف.

وقد ترك هذا التصور أثرا بالغا في الدراسات اللسانية خلال النصف الأول من القرن العشرين، إذ تبناه عدد من علماء النفس واللسانيين، وفي مقدمتهم بافلوف، و واطسون، وإدوارد ثورندايك، ثم بلغ ذروته مع سكينر الذي حاول بناء نظرية متكاملة لتفسير اكتساب اللغة في ضوء مبادئ التعلم السلوكي. كما وجد هذا الاتجاه صداه في اللسانيات الوصفية الأمريكية من خلال أعمال ليونارد بلومفيلد، الذي سعى إلى تفسير الظاهرة اللغوية تفسيرا سلوكيا يقوم على علاقة المثير بالاستجابة.

الجذور الفكرية للنظرية السلوكية:

نشأت السلوكية في سياق علمي كان يسعى إلى جعل علم النفس علما تجريبيا قائما على الملاحظة والقياس، متأثرا بالعلوم الطبيعية. وقد كان العالم الروسي إيفان بافلوف من أوائل الباحثين الذين مهدوا لهذا الاتجاه من خلال تجاربه الشهيرة حول "المنعكس الشرطي"، حيث أثبت أن الكائن الحي يستطيع تكوين استجابات جديدة نتيجة اقتران مثير محايد بمثير طبيعي بصورة متكررة (Pavlov, 1927).

ثم جاء جون واطسون ليؤسس المدرسة السلوكية بصورة أكثر وضوحا، داعيا إلى استبعاد دراسة الشعور والعمليات العقلية، والتركيز حصرا على السلوك الظاهر القابل للملاحظة. وقد انطلق من أن جميع أشكال السلوك، بما فيها اللغة، يمكن تفسيرها اعتمادا على العلاقة بين المثير والاستجابة، دون الحاجة إلى افتراض وجود عمليات ذهنية داخلية (Watson, 1913).

وفي المرحلة اللاحقة، طور سكينر هذا التصور من خلال مفهوم "الإشراط الإجرائي"، مضيفا عنصر التعزيز بوصفه العامل الحاسم في تكوين السلوك واستمراره. وقد عدّ اللغة سلوكا لفظيا يخضع للقوانين نفسها التي تحكم تعلم أي مهارة أخرى، كالسباحة أو ركوب الدراجة أو استعمال الأدوات المختلفة.

تفسير السلوكية لاكتساب اللغة:

تنطلق النظرية السلوكية من فرضية مركزية مفادها أن الطفل يولد خاليا من أي معرفة لغوية سابقة، وأن عقله يشبه الصفحة البيضاء التي تبدأ البيئة بكتابة الخبرات عليها تدريجيا. ومن ثم فإن اكتساب اللغة لا يعدو أن يكون نتيجة مباشرة للتفاعل المستمر مع المحيط الاجتماعي، وما يقدمه هذا المحيط من مثيرات لغوية واستجابات وتعزيزات.

وبناء على هذا التصور، يتعلم الطفل الكلمات والتراكيب عن طريق التقليد والمحاكاة، ثم يعمل التعزيز الإيجابي على تثبيت الاستجابات اللغوية الصحيحة، في حين يؤدي التعزيز السلبي أو إهمال الاستجابة إلى اختفاء الأنماط اللغوية غير الصحيحة. وبهذه الكيفية تتكون العادات اللغوية تدريجيا حتى تصبح جزءا من السلوك اليومي للطفل.

ويرى السلوكيون أن الأسرة تمثل المؤسسة الأولى لاكتساب اللغة، إذ يتلقى الطفل من الوالدين والأشقاء مختلف المثيرات اللغوية، فيحاول تقليدها، ثم يتلقى التغذية الراجعة التي تحدد ما ينبغي الاحتفاظ به وما ينبغي التخلي عنه. ولا يختلف دور المدرسة في هذا السياق عن دور الأسرة، إذ تستمر في ترسيخ العادات اللغوية عن طريق التكرار والتدريب والممارسة المنظمة.

ومن ثم، فإن اللغة ـ وفق المنظور السلوكي ـ ليست نظاما ذهنيا معقدا، وإنما هي مجموعة من العادات اللفظية التي تتكون نتيجة التفاعل بين المثير، والاستجابة، والتعزيز، والتكرار، وهو ما يجعل البيئة العامل الأكثر تأثيراً في عملية الاكتساب.

بلومفيلد والتفسير السلوكي للغة:

وجدت السلوكية امتدادها داخل اللسانيات الأمريكية مع ليونارد بلومفيلد، الذي حاول تفسير اللغة وفق المبادئ السلوكية نفسها، متأثرا بعالم النفس ألبرت بول فايس. وقد رأى بلومفيلد أن التواصل اللغوي يمكن تحليله بوصفه سلسلة من المثيرات والاستجابات المتعاقبة، بحيث يصبح كل سلوك لغوي مثيرا لسلوك لغوي جديد.

ولعل أشهر مثال قدمه بلومفيلد لتوضيح هذا التصور هو الحوار المعروف بين "جاك" و"جيل". ففي هذا المثال تشعر جيل بالجوع، فترى تفاحة معلقة على شجرة، فتصدر أصواتا أو تطلب من جاك إحضارها، فيستجيب جاك لهذا المثير، ويتسلق الشجرة ويقطف التفاحة ويقدمها إليها، فتأكلها جيل. ووفق هذا التحليل، فإن الجوع يمثل المثير الأول، بينما يشكل الكلام استجابة لذلك المثير، ثم يتحول بدوره إلى مثير جديد يدفع جاك إلى القيام بالفعل المطلوب، فتتوالى سلسلة من المثيرات والاستجابات التي تفسر عملية التواصل اللغوي برمتها.

وقد أراد بلومفيلد من هذا المثال أن يبين أن اللغة لا تحتاج إلى تفسير عقلي معقد، بل يمكن تحليلها في إطار السلوك الظاهر، شأنها شأن أي نشاط إنساني آخر.

غير أن هذا التصور، على الرغم من قيمته المنهجية، اختزل اللغة في بعدها الخارجي، وأغفل العمليات العقلية التي تصاحب إنتاج الخطاب وفهمه، وهو ما سيصبح لاحقاً أحد أهم أسباب تراجع الاتجاه السلوكي.

تقويم النظرية السلوكية:

لا يمكن إنكار أن النظرية السلوكية قدمت إسهاما مهما في فهم أثر البيئة والتفاعل الاجتماعي في اكتساب اللغة، كما أبرزت أهمية التدريب والممارسة والتغذية الراجعة في تنمية الإنجاز اللغوي، وهي مبادئ لا تزال حاضرة في كثير من التطبيقات التربوية الحديثة.

ومع ذلك، فقد تعرضت هذه النظرية لانتقادات واسعة، لأنها فسرت اللغة تفسيرا آليا يقوم على العلاقة بين المثير والاستجابة، وأهملت البعد العقلي والإبداعي الذي يميز الإنسان عن غيره من الكائنات. كما عجزت عن تفسير قدرة الطفل على إنتاج جمل جديدة لم يسبق له سماعها، أو تفسير الأخطاء اللغوية المنتظمة التي يقع فيها الأطفال رغم عدم سماعهم لها من البيئة.

وقد وجه نعوم تشومسكي نقدا حادا لهذا الاتجاه في مراجعته الشهيرة لكتاب سكينر السلوك اللفظي  (Verbal Behavior) سنة 1959، مبينا أن المدخلات اللغوية التي يتلقاها الطفل محدودة، بينما تكون مخرجاته اللغوية غير محدودة، الأمر الذي يدل على وجود نظام عقلي داخلي لا يمكن تفسيره بقوانين التعزيز وحدها (Chomsky, 1959).

ومن ثم، فإن السلوكية، رغم أهميتها التاريخية، لم تستطع تقديم تفسير شامل لاكتساب اللغة، لأنها ركزت على أثر البيئة والتعزيز، وأغفلت دور البنيات المعرفية والاستعدادات الفطرية. وقد مهدت هذه الثغرات الطريق لظهور الاتجاه البنائي مع جان بياجيه، الذي حاول تفسير النمو اللغوي من خلال تطور البناء المعرفي للطفل، قبل أن تأتي النظرية التوليدية لتحدث تحولاجذريا في دراسة اللغة واكتسابها.

النظرية البنائية التكوينية عند جان بياجيه وتفسير النمو اللغوي:

على سبيل التقديم:

مثّل ظهور النظرية البنائية التكوينية منعطفا حاسما في دراسة اكتساب اللغة، إذ انتقلت بؤرة الاهتمام من السلوك الخارجي إلى العمليات المعرفية الداخلية التي تشكل الأساس الحقيقي للنمو اللغوي. فإذا كانت المدرسة السلوكية قد فسرت اللغة بوصفها عادة مكتسبة تتكون بفعل المثير والاستجابة والتعزيز، فإن المدرسة البنائية، التي ارتبطت باسم عالم النفس السويسري جان بياجيه، رأت أن اللغة ليست نقطة البداية في حياة الطفل، بل هي نتيجة طبيعية لتطور بنياته العقلية ونموه المعرفي.

وانطلاقًا من هذا التصور، لم يعد النمو اللغوي يفهم باعتباره حصيلة للتقليد أو التكرار، وإنما غدا أحد المظاهر الأساسية للتطور العقلي، بحيث لا يمكن للطفل أن يكتسب مفاهيم لغوية جديدة ما لم يبلغ درجة من النضج المعرفي تمكنه من إدراكها واستيعابها. ومن هنا أصبحت دراسة اللغة، في المنظور البنائي، جزءا لا يتجزأ من دراسة التفكير الإنساني.

الأسس الفكرية للنظرية البنائية

تقوم النظرية البنائية على مبدأ جوهري مفاده أن المعرفة لا تنقل إلى الطفل جاهزة، وإنما يبنيها بنفسه من خلال تفاعله المستمر مع البيئة المحيطة. فالطفل ليس متلقيًا سلبيًا للمثيرات، بل هو كائن نشط يسعى باستمرار إلى تنظيم خبراته وإعادة بنائها وفق بنياته العقلية المتنامية.

وقد انطلق بياجيه من رفض التفسير السلوكي الذي يجعل البيئة العامل الحاسم في التعلم، كما رفض القول بوجود معارف فطرية مكتملة، مؤكدًا أن النمو العقلي يمر بمراحل متتابعة، لكل مرحلة خصائصها وطرائقها في التفكير، وأن اللغة تخضع لهذا التطور ولا تسبقه.

وبذلك أصبحت المعرفة، في التصور البنائي، حصيلة عملية دينامية تتفاعل فيها الخبرة الحسية مع النشاط العقلي، فينشئ الطفل مفاهيمه تدريجيًا من خلال الاحتكاك بالعالم الخارجي، لا عن طريق الحفظ أو التلقين.

العلاقة بين النمو المعرفي والنمو اللغوي:

يرى بياجيه أن اللغة ليست أصل التفكير، وإنما هي إحدى نتائجه. فالعمليات العقلية تسبق التعبير اللغوي، والطفل لا يستطيع استعمال مفهوم لغوي معين قبل أن يكتسب المقابل المعرفي لذلك المفهوم.

ولهذا فإن النمو اللغوي يرتبط ارتباطا وثيقا بالنمو المعرفي؛ فكلما تطورت البنيات العقلية للطفل، ازدادت قدرته على فهم العلاقات بين الأشياء، وأصبح أكثر قدرة على توظيف اللغة في التعبير عن أفكاره وخبراته.

ومن هذا المنطلق، رفض بياجيه النظر إلى اللغة بوصفها نظامًا مستقلا، وعدّها أحد مظاهر الوظيفة الرمزية التي تتيح للإنسان تمثيل الواقع بواسطة الرموز والإشارات. فاللغة، والرسم، واللعب الرمزي، والمحاكاة المؤجلة، كلها تجليات لقدرة عقلية واحدة تتمثل في التمثيل الرمزي للأشياء والأحداث.

وعليه، فإن اكتساب اللغة لا يحدث بصورة منفصلة عن باقي جوانب النمو، وإنما يتقدم بالتوازي مع تطور الإدراك والذاكرة والانتباه والتصنيف والاستدلال، وهي العمليات التي تشكل البنية الأساسية للفكر الإنساني.

مفاهيم الاستيعاب والمواءمة والموازنة:

اعتمد بياجيه في تفسير النمو المعرفي على ثلاثة مفاهيم مركزية، هي: الاستيعاب، والمواءمة، والموازنة.

فالاستيعاب يعني إدماج الخبرات الجديدة داخل البنيات المعرفية الموجودة مسبقا، بحيث يحاول الطفل تفسير العالم الخارجي في ضوء ما يمتلكه من تصورات سابقة.

أما المواءمة فتعني تعديل هذه البنيات عندما تعجز عن تفسير الخبرة الجديدة، فيعيد الطفل تنظيم معرفته بما يسمح له بفهم الواقع بصورة أكثر دقة.

ومن خلال التفاعل المستمر بين الاستيعاب والمواءمة تتحقق عملية الموازنة، التي تمثل حالة من الاتساق الداخلي بين المعرفة الجديدة والمعرفة السابقة، وهي التي تضمن استمرار النمو العقلي بصورة تدريجية.

وانطلاقًا من هذه المبادئ، يرى بياجيه أن الطفل لا يكتسب اللغة نتيجة تكرار الكلمات أو تلقي التعزيز، وإنما لأنه أصبح قادرا معرفيًا على استيعاب المفاهيم التي تعبر عنها اللغة.

الوظيفة الرمزية ودورها في اكتساب اللغة:

يحتل مفهوم الوظيفة الرمزية مكانة محورية في نظرية بياجيه، إذ يعدها الأساس الذي تنبثق عنه اللغة وسائر أنظمة الرموز.

ويقصد بالوظيفة الرمزية قدرة الطفل على تمثيل الأشياء ذهنيًا حتى في غيابها، وذلك باستعمال رموز تحل محلها. وتبدأ هذه القدرة في الظهور خلال السنوات الأولى من العمر، قبل أن تبلغ اللغة صورتها المكتملة.

وتتجلى الوظيفة الرمزية في أنشطة متعددة، مثل التقليد المؤجل، واللعب التخيلي، والرسم، واستعمال الأشياء للدلالة على أشياء أخرى. فالطفل الذي يجعل قطعة خشب هاتفا، أو يتظاهر بأن الوسادة طفل صغير، إنما يمارس نشاطا رمزيا يدل على انتقاله من التعامل المباشر مع الأشياء إلى تمثيلها ذهنيًا.

ويرى بياجيه أن اللغة ليست سوى أكثر هذه الرموز تطورا وتعقيدا، ولذلك فإن ظهورها مرتبط بظهور الوظيفة الرمزية، وليس العكس.

قراءة نقدية للنظرية البنائية:

أسهمت النظرية البنائية إسهاما بارزا في إعادة الاعتبار للعمليات العقلية بعد هيمنة السلوكية، وربطت اللغة بالنمو المعرفي، وأبرزت الدور الإيجابي للطفل في بناء معارفه، كما فسرت كثيرا من مظاهر التطور اللغوي في ضوء تطور التفكير.

ومع ذلك، فقد وجهت إليها جملة من الانتقادات. فقد بالغ بياجيه في جعل اللغة تابعة للنمو المعرفي، في حين أظهرت دراسات لاحقة أن العلاقة بينهما علاقة تأثير متبادل؛ فاللغة تسهم بدورها في تنظيم التفكير وتطوير العمليات العقلية، ولا تقتصر على التعبير عنها.

كما أن النظرية لم تقدم تفسيرا كافيًا للسرعة الكبيرة التي يكتسب بها الأطفال لغاتهم الأولى، ولا لقدرتهم على إنتاج تراكيب لغوية جديدة تتجاوز ما تسمح به خبراتهم المعرفية المباشرة.

ومن جهة أخرى، قللت البنائية من أثر البيئة اللغوية والتفاعل الاجتماعي، وهو ما دفع باحثين لاحقين، وفي مقدمتهم ليف فيغوتسكي، إلى التأكيد على أن اللغة تنمو أساسًا داخل التفاعل الاجتماعي والثقافي.

وقد مهدت هذه الثغرات الطريق أمام ظهور النظرية التوليدية التحويلية، التي ستجعل الاستعداد الفطري والقدرة العقلية الموروثة محورًا لتفسير اكتساب اللغة، وتعيد رسم العلاقة بين اللغة والعقل في ضوء تصور جديد أحدث ثورة في اللسانيات المعاصرة (Chomsky, 1959).

وكخلاصة يتضح من خلال ما سبق أن النظرية البنائية شكلت مرحلة انتقالية بين التفسير السلوكي والتفسير المعرفي لاكتساب اللغة؛ فقد رفضت اختزال اللغة في العادة السلوكية، وربطتها بالنمو العقلي وبالوظيفة الرمزية، مؤكدة أن الطفل يبني معارفه اللغوية تدريجيًا وفق تطور بنياته المعرفية. غير أن تركيزها الكبير على العامل المعرفي جعلها تقلل من أهمية الاستعدادات الفطرية والمدخلات اللغوية، الأمر الذي هيأ الأرضية الفكرية لظهور النظرية التوليدية التحويلية التي أعادت الاعتبار للبعد الفطري في تفسير اكتساب اللغة.

النظرية التوليدية التحويلية عند نعوم تشومسكي وإعادة بناء تفسير اكتساب اللغة:

على سبيل التقديم:

مثّل ظهور النظرية التوليدية التحويلية منعطفا حاسما في تاريخ اللسانيات الحديثة، إذ أحدثت تحولا جذريا في دراسة اللغة وانتقلت بها من الاهتمام بوصف البنية الظاهرة إلى البحث في الآليات العقلية التي تجعل الإنسان قادرا على إنتاج اللغة وفهمها. وقد ارتبط هذا التحول باسم اللغوي الأمريكي نعوم تشومسكي، الذي وجّه نقدا علميا صارما إلى كل من الاتجاه السلوكي والاتجاه البنائي، معتبرا أن كليهما أخفق في تفسير القدرة الإبداعية للإنسان في استعمال اللغة.

وقد انطلقت التوليدية التحويلية من مسلمة أساسية مفادها أن اللغة ليست مجرد سلوك مكتسب ولا نتيجة مباشرة للنمو المعرفي، وإنما هي قدرة عقلية فطرية أودعها الله تعالى في الإنسان، وجعلها جزءا من تكوينه البيولوجي والمعرفي. فالطفل لا يبدأ حياته صفحة بيضاء كما افترض السلوكيون، ولا ينتظر اكتمال نموه المعرفي حتى يكتسب اللغة كما ذهب بياجيه، وإنما يولد مزودا باستعداد لغوي فطري يمكنه من اكتشاف القواعد الكامنة في اللغة التي يسمعها، وتحويلها إلى نظام لغوي متكامل (Chomsky, 1957).

ومن هنا، نقل تشومسكي البحث اللساني من دراسة السلوك اللغوي الظاهر إلى دراسة البنية العقلية التي تنتج هذا السلوك، مؤكدا أن فهم اللغة يقتضي فهم العقل الإنساني، وأن اللسانيات ينبغي أن ترتبط بعلم النفس المعرفي والعلوم الإدراكية، لا أن تظل حبيسة الوصف الشكلي للغة.

الأسس الفكرية للنظرية التوليدية التحويلية:

انبثقت النظرية التوليدية في سياق علمي شهد مراجعة واسعة للمناهج السائدة في علم اللغة وعلم النفس خلال خمسينيات القرن العشرين. فقد رأى تشومسكي أن الاقتصار على وصف التراكيب اللغوية لا يكشف حقيقة اللغة، لأن ما ينطق به الإنسان ليس إلا المظهر الخارجي لنظام عقلي داخلي بالغ التعقيد.

ولذلك دعا إلى الانتقال من دراسة اللغة بوصفها نتاجا إلى دراستها بوصفها قدرة ذهنية، وعدّ أن الهدف الحقيقي لعلم اللغة هو الكشف عن القواعد العقلية الكامنة التي تمكن الإنسان من إنتاج عدد غير محدود من الجمل الصحيحة انطلاقا من عدد محدود من القواعد.

ويستند هذا التصور إلى الفلسفة العقلانية التي تعود جذورها إلى ديكارت، والتي ترى أن الإنسان يمتلك قدرات عقلية فطرية لا يمكن تفسيرها اعتمادا على الخبرة الحسية وحدها. وقد وجد تشومسكي في هذا التصور أساسا نظريا لإعادة الاعتبار للعقل بعد عقود من هيمنة الاتجاه السلوكي.

اللغة بوصفها ملكة فطرية:

يعد مفهوم الملكة اللغوية من أهم المرتكزات التي قامت عليها النظرية التوليدية التحويلية. ويرى تشومسكي أن جميع الأطفال يولدون مزودين باستعداد بيولوجي خاص لاكتساب اللغة، بغض النظر عن اللغة التي سيتعلمونها أو البيئة التي سينشؤون فيها.

ويعني ذلك أن الطفل لا يرث لغة معينة، وإنما يرث القدرة على اكتساب أي لغة بشرية إذا توفرت له بيئة لغوية طبيعية. ولذلك يستطيع الطفل المغربي أن يكتسب العربية أو الأمازيغية أو الفرنسية، كما يستطيع الطفل الياباني أو الصيني أو الإنجليزي اكتساب لغة مجتمعه بنفس الكفاءة، لأن الاختلاف يكمن في المدخلات اللغوية، لا في القدرة العقلية ذاتها.

ويؤكد هذا التصور أن اللغة الإنسانية ظاهرة نوعية تميز الإنسان عن سائر الكائنات، فلا يمكن ردها إلى الغريزة الحيوانية أو إلى آليات التعلم العامة، لأن الإنسان وحده يمتلك القدرة على الإبداع اللغوي وإنتاج تراكيب جديدة بصورة لا نهائية.

جهاز اكتساب اللغة والقواعد الكلية:

ولتفسير هذه القدرة الفريدة، افترض تشومسكي وجود آلية عقلية فطرية أطلق عليها اسم جهاز اكتساب اللغة، وهي جهاز افتراضي يمثل مجموعة من المبادئ الفطرية التي تساعد الطفل على تحليل الكلام الذي يسمعه واستخلاص القواعد التي تحكمه.

ولا يعني هذا الجهاز وجود عضو تشريحي مستقل داخل الدماغ، وإنما يشير إلى استعداد معرفي موروث يجعل الطفل قادرا على تحويل المدخلات اللغوية المحدودة إلى نظام لغوي بالغ التعقيد.

ويرتبط بهذا المفهوم ما عرف لاحقا بالكليات اللغوية، وهي مجموعة من المبادئ العامة المشتركة بين جميع اللغات الإنسانية، بحيث تختلف اللغات في مظاهرها السطحية، بينما تتقاسم بنية عميقة واحدة ترجع إلى الطبيعة العقلية المشتركة بين البشر.

وانطلاقًا من هذا التصور، فإن الطفل لا يبدأ تعلم اللغة باعتبار ذهنه صفحة بيضاء، بل ينطلق من منظومة عقلية سابقة تساعده على تفسير ما يسمعه واكتشاف قواعد لغته في زمن وجيز، وهو ما يفسر السرعة المذهلة التي يكتسب بها الأطفال لغاتهم الأولى.

القدرة اللغوية والإنجاز اللغوي

ومن أهم الإسهامات التي قدمها تشومسكي تمييزه بين القدرة اللغوية (Competence) والإنجاز اللغوي (Performance).

فالقدرة اللغوية تمثل المعرفة الضمنية التي يمتلكها المتكلم بقواعد لغته، وهي معرفة داخلية تمكنه من تكوين عدد غير محدود من الجمل الصحيحة، حتى وإن لم يسبق له استعمالها.

أما الإنجاز اللغوي فهو الاستعمال الفعلي لهذه المعرفة أثناء التواصل، وهو قد يتأثر بعوامل خارجية، مثل التعب، أو النسيان، أو التردد، أو ظروف الخطاب.

ويكتسي هذا التمييز أهمية كبيرة؛ لأنه يوضح أن الخطأ في الكلام لا يعني بالضرورة ضعف القدرة اللغوية، بل قد يكون نتيجة ظروف أدائية عارضة، وهو ما يفسر قدرة الإنسان على فهم الجمل الصحيحة حتى وإن لم يستطع إنتاجها في كل موقف.

البنية العميقة والبنية السطحية:

يرى تشومسكي أن كل جملة لغوية تتكون من مستويين متكاملين هما: البنية العميقة والبنية السطحية.

فالبنية العميقة تمثل العلاقات الدلالية والمنطقية الكامنة في ذهن المتكلم، وهي المصدر الحقيقي للمعنى.

أما البنية السطحية فهي الصورة اللفظية التي تظهر بها الجملة بعد تطبيق مجموعة من القواعد التحويلية.

وبذلك يمكن أن تتعدد البنى السطحية للجملة الواحدة مع احتفاظها بالبنية العميقة نفسها، كما يمكن أن تتشابه بعض الجمل في صورتها الظاهرة بينما تختلف في معناها العميق.

وقد أسهم هذا التصور في إحداث ثورة في دراسة النحو، لأنه جعل التركيب اللغوي مرتبطًا بالعمليات العقلية، لا بمجرد ترتيب الكلمات.

نقد النظرية السلوكية وإثبات الإبداع اللغوي:

وجّه تشومسكي نقدًا صارما للنظرية السلوكية، وخاصة لكتاب السلوك اللفظي لمؤلفه سكينر، مؤكدا أن تفسير اللغة بالمثير والاستجابة والتعزيز لا ينسجم مع طبيعة اللغة الإنسانية.

ومن أبرز حججه أن الطفل يستطيع إنتاج وفهم جمل لم يسمعها من قبل، وأن ما يتلقاه من مدخلات لغوية محدود، في حين أن عدد الجمل التي يستطيع إنتاجها غير محدود، وهو ما عُرف في الأدبيات اللسانية بـحجة فقر المنبه .

كما استدل بالأخطاء اللغوية المنتظمة التي يقع فيها الأطفال، مثل تعميم القواعد الصرفية أو النحوية على كلمات لا تخضع لها، وهي أخطاء لم يتعلموها من البيئة، وإنما نتجت عن محاولتهم استنباط القواعد العامة للغة.

وتؤكد هذه الظواهر، في نظر تشومسكي، أن الطفل لا يقلد ما يسمعه فحسب، بل يبني نظاما لغويا داخليًا يعتمد على قواعد عقلية مجردة.

قراءة نقدية للنظرية التوليدية

أحدثت النظرية التوليدية ثورة حقيقية في اللسانيات وعلم النفس المعرفي، إذ أعادت الاعتبار للعقل بوصفه محورًا لتفسير اللغة، وفسرت القدرة الإبداعية التي عجزت السلوكية عن تفسيرها، كما أرست أسسا جديدة لدراسة العلاقة بين اللغة والإدراك.

ومع ذلك، لم تسلم هذه النظرية من النقد؛ فقد رأى عدد من الباحثين أنها بالغت في التركيز على العامل الفطري، وقللت من أهمية البيئة والتفاعل الاجتماعي والثقافي في بناء القدرة اللغوية. كما أن مفهوم جهاز اكتساب اللغة ظل افتراضا نظريا لم يثبت وجوده البيولوجي بصورة مباشرة، رغم ما حققه من تأثير واسع في اللسانيات المعاصرة.

وقد دفعت هطذه الانتقادات إلى ظهور اتجاهات حديثة حاولت التوفيق بين الفطرة والبيئة، وبين النمو المعرفي والتفاعل الاجتماعي، مؤكدة أن اكتساب اللغة لا يمكن تفسيره من خلال عامل واحد، بل هو نتاج تفاعل معقد بين الاستعداد البيولوجي، والنمو العقلي، والخبرة اللغوية، والسياق الثقافي.

وكخلاصة لما سبق فقد كشفت النظرية التوليدية التحويلية أن اللغة ملكة إنسانية فطرية، وأن الطفل يولد مزودا بقدرة عقلية تؤهله لاكتساب أي لغة بشرية متى توافرت له بيئة لغوية مناسبة. وقد استطاعت هذه النظرية أن تفسر كثيرا من الظواهر التي عجزت عنها السلوكية والبنائية، غير أنها لم تستطع هي الأخرى استيعاب جميع العوامل المؤثرة في النمو اللغوي، الأمر الذي يعزز الاتجاه المعاصر الداعي إلى تبني رؤية تكاملية تجمع بين الاستعداد الفطري، والنمو المعرفي، والتفاعل الاجتماعي بوصفها مكونات متداخلة في تفسير اكتساب اللغة.

خاتمة الدراسة:

شكلت قضية اكتساب اللغة ولا تزال إحدى أكثر القضايا تعقيدا وإثارة للاهتمام في الدراسات اللسانية والنفسية والتربوية، لأنها تتصل بجوهر الإنسان وبإحدى أبرز الخصائص التي تميزه عن غيره من الكائنات، وهي القدرة على إنتاج اللغة واستعمالها استعمالا إبداعيًا لا تحده حدود. وقد أفضى هذا التعقيد إلى ظهور اتجاهات نظرية متعددة، حاول كل منها تفسير الكيفية التي ينتقل بها الطفل من مرحلة العجز اللغوي إلى مرحلة القدرة التواصلية، مستندا إلى مرجعيات فلسفية ونفسية ولسانية مختلفة.

وقد بينت هذه الدراسة أن النظرية السلوكية انطلقت من تصور تجريبي جعل البيئة والتعزيز والتكرار الأساس الذي يقوم عليه اكتساب اللغة، معتبرة أن الطفل يبني عاداته اللغوية تدريجيًا عن طريق التقليد والمحاكاة والاستجابة للمثيرات الخارجية. ورغم ما قدمته هذه النظرية من إسهام في إبراز أهمية البيئة والتفاعل الاجتماعي في تكوين السلوك اللغوي، فإنها لم تستطع تفسير القدرة الإبداعية التي يتميز بها الإنسان، ولا تفسير تمكن الطفل من إنتاج عدد لا متناه من الجمل التي لم يسبق له سماعها.

كما أظهرت الدراسة أن النظرية البنائية التكوينية، التي ارتبطت بجان بياجيه، مثلت انتقالا من تفسير اللغة بوصفها عادة سلوكية إلى اعتبارها مظهرا من مظاهر النمو المعرفي. فاللغة، وفق هذا الاتجاه، لا تسبق الفكر، وإنما تتطور في ضوء تطور البنيات العقلية والوظيفة الرمزية، وهو ما منح العمليات المعرفية مكانة محورية في تفسير النمو اللغوي. غير أن هذا التصور، على الرغم من أهميته، ظل يربط اللغة بالنمو العقلي ربطا يكاد يكون حتميا، ولم يمنح التفاعل اللغوي والاجتماعي المكانة التي يستحقها في بناء القدرة اللغوية.

أما النظرية التوليدية التحويلية فقد أحدثت تحولا جذريا في دراسة اللغة، حين أعادت الاعتبار للعقل الإنساني بوصفه المنطلق الحقيقي لفهم الظاهرة اللغوية. فقد أكد نعوم تشومسكي أن الطفل يولد مزودا بملكة لغوية فطرية تؤهله لاكتساب أي لغة بشرية، وأن المدخلات اللغوية التي توفرها البيئة لا تخلق هذه القدرة، وإنما تنشطها وتوجهها. وقد استطاعت هذه النظرية أن تفسر كثيرا من الظواهر التي استعصت على السلوكية، وفي مقدمتها الإبداع اللغوي، والأخطاء اللغوية المنتظمة، والسرعة المذهلة التي يكتسب بها الأطفال لغاتهم الأولى. ومع ذلك، فإنها لم تسلم من النقد، خاصة فيما يتعلق بميلها إلى تغليب العامل الفطري على حساب التفاعل الاجتماعي والثقافي.

ومن خلال المقارنة بين هذه الاتجاهات الثلاثة، يتضح أن كل نظرية أسهمت في الكشف عن بعد من أبعاد الظاهرة اللغوية، لكنها في المقابل عجزت عن الإحاطة بها في شموليتها. فاللغة ليست نتاج البيئة وحدها، كما أنها ليست انعكاسا مباشرا للنمو المعرفي، ولا يمكن ردها إلى الاستعداد الفطري بمعزل عن الخبرة الاجتماعية. وإنما هي حصيلة تفاعل دينامي بين الاستعداد البيولوجي، والبناء المعرفي، والتفاعل الاجتماعي، والخبرة اللغوية التي يعيشها الطفل داخل محيطه الثقافي.

وانطلاقا من ذلك، تؤكد هذه الدراسة أن الاتجاه التكاملي يمثل الإطار الأكثر قدرة على تفسير اكتساب اللغة في ضوء المعطيات اللسانية والنفسية المعاصرة؛ لأنه لا ينفي دور البيئة، ولا يهمل النمو المعرفي، ولا يتجاهل الاستعداد الفطري، وإنما ينظر إلى هذه العناصر باعتبارها مكونات متفاعلة تتكامل فيما بينها لتفسير ظاهرة لغوية تعد من أكثر الظواهر الإنسانية تعقيدا.

نتائج الدراسة

أسفرت الدراسة عن مجموعة من النتائج، يمكن إجمالها فيما يأتي:

يعد اكتساب اللغة عملية إنسانية مركبة تتداخل فيها العوامل البيولوجية والمعرفية والاجتماعية والثقافية.

لا يمكن تفسير اكتساب اللغة بالاعتماد على عامل واحد أو نظرية واحدة.

أسهمت النظرية السلوكية في إبراز أهمية البيئة والتعزيز في بناء السلوك اللغوي.

يظل التقليد والمحاكاة عنصرين مساعدين في اكتساب اللغة، لكنهما لا يفسرانها تفسيرا كاملا.

أثبتت النظرية البنائية وجود علاقة وثيقة بين النمو المعرفي والنمو اللغوي.

تمثل الوظيفة الرمزية أحد المرتكزات الأساسية في تفسير تطور اللغة عند الطفل.

أبرزت النظرية التوليدية التحويلية الدور المحوري للعقل في اكتساب اللغة.

تشكل الملكة اللغوية الفطرية أحد أهم المفاهيم التي غيرت مسار الدراسات اللسانية الحديثة.

تؤكد الأخطاء اللغوية المنتظمة التي يقع فيها الأطفال أن الطفل يبني قواعد لغته بصورة إبداعية.

لا تؤدي البيئة دورا إنشائيًا للغة بقدر ما توفر المدخلات اللازمة لتنشيط الاستعداد الفطري.

يظل التفاعل الاجتماعي عنصرا أساسيًا في تنمية القدرة التواصلية.

كشفت الدراسة أن اللغة ظاهرة دينامية تتطور بتفاعل مستمر بين العقل والبيئة.

أسهمت النظريات الثلاث في تطور اللسانيات النفسية، رغم اختلاف منطلقاتها.

أثبتت الدراسات الحديثة محدودية التفسيرات الأحادية في معالجة الظواهر اللغوية.

تعد المقاربة التكاملية الإطار الأكثر انسجامًا مع نتائج البحوث المعاصرة في اللسانيات النفسية.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي.

(أوقفني في البحر، فرأيتُ المراكب تغرق، والألواح تسلم، ثم غرقت الألواح. فقال لي: لا يسلم من ركب. وقال لي: خاطِرْ بنفسك تسلم. وقال لي: إن من لم يخاطر بنفسه لم يشم رائحة الفلاح. وقال لي: الأخطار جزء من النجاة. وقال لي: من توكل على غيري ضاع، ومن ركن إلى سواي هلك. وقال لي: الدنيا بحرٌ، والآخرة بحرٌ، وأنا البحران، وليس فيهما غيري)…

(وقال لي: إذا رأيتَ الخلق فلا ترهم حجابًا عني، وإذا رأيتهم لأنفسهم فهم الحجاب. وإذا رأيتني فيهم رأيتَ النور في النور. وقال لي: لا تطلبني من جهة دون جهة، فإني لستُ في جهة. ولا تطلبني بعلمك، فإن علمك يقف دوني. واطلبني بي، فإنك لا تصل إليّ إلا بي)..

من كتاب (المواقف والمخاطبات)..

***

بحسب النظر الصوفي او المراجعات التي تمت لاشتغالات النفري (متوفي 354 هجرية) من قبل المتصوفة أنفسهم، نجد ان الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي وصف كتاب المواقف للنفري بقوله: " كتاب شريف يحوي على علوم آداب المقامات" معتبراً أن المقامات في الطريق الصوفي كأنواع الاعمال في الشريعة(1).

وآداب المقامات ليست جديدة في التصوف بل هي من الأمور التي تعارف عليها المتصوفة على مدى قرون خلت، والمقام في التصوف معناه: مقام العبد بين يدي الله عز وجل، بما يقوم به من مجاهدات ورياضات وعبادات وشرطه أن لا يرتقي من مقام الى مقام إذا لم يستوف احكام ذلك المقام، ففي مقام القناعة مثلاً مالم يتحقق العبد بها لتكون القناعة له ملكة، لم يصح له الارتقاء الى مقام التوكل، ومن لم يتحقق بعد بالتوكل لم يصح له مقام التسليم وهكذا في كل المقامات. وقيل ان المقامات مائة واربعة وعشرين مقاماً او فوق ذلك(2).

وخصوصية النفري انه تكلم وهو في حالة العبور من مقام الى مقام عندما كان في حالة اشبه. بالحالة البرزخية، وهذا ما اشار له بن عربي بقوله:" واعلم أنه ما من منزل من المنازل، ولا منازلة من المنازلات، ولا مقام من المقامات، ولا حال من الحالات، إلا وبينهما برزخ يوقف العبد فيه يسمى الموقف، وهو الذي تكلم عنه صاحب المواقف محمد بن عبد الجبار النفري(3).

على الرغم من وحدة الميراث الصوفي ازاء مسألة (المقامات) لكن النفري تفرد بطبيعة الحال بأسلوبه المختلف عن سائر نصوص المدونة الصوفية فهي لم تكن ذات نزعة تعليمية او بيانية توضيحية، ولم يكن يخاطب في الحقيقة سوى (نفسه) ليعبر عن انتقالاته واطواره الروحية في سائر الوقفات بين مقام ومقام، ولهذا قال احد الباحثين في المدونة الصوفية: "هنالك تمييز كبير لكتابة النفري عن غيرها من الكتابات الصوفية الأخرى، فهي ليست تعليمية، ولم تكتب بهاجس التواصل أصلاً، انها لا تخاطب قارئ خارجياً(4).

على الرغم من كل ذلك، إلا ان اطروحتنا الجوهرية التي نقول بها بهذا المقال هي أن،: النفري ظل يتحرك بين فضاءين متصلين بعضهما بالبعض الآخر الاوهما (فضاء الكينونة) او (الذات)، و(فضاء الكونية) او (العالم)، فهو يتحرك بين كشف ذاته وتعليمها وتسيرها وبين كشف ماهية العالم والكون والتماهي معه ومن ثم الخروج منه !!، وهذان الامران وان كتبا بلغةٍ جديدة، إلا انهما يمثلان ميراثا روحيا ثابتا في تجارب المتصوفة والعرفاء، أي انه أمر جوهري حرك كل المتصوفة.

ومن ثم نحن نسعى للكشف اولاً عن هذين الفضاءين وتباينهما بنحو مكثف من خلال كتاب المواقف والمخاطبات، ونسعى في الوقت عينه لقراءة ذلك فلسفياً واجتماعياً عبر مماهاة ذلك ومطابقته مع تجارب ونصوص معرفية اخرى.

ربما بدت (موقف الوقفة) هي منطلق الحد بين الفضاءين، فضاء الكينونة وفضاء الكونية، بلحاظ الاتجاه نحو الكينونة وان لاترى (السوى) اي الغير او الغيرية. يقول النفري:

أوقفني في الوقفة وقال لي إن لم تظفر بي أليس يظفر بك سواى.

وقال لي من وقف بي ألبسته الزينة، فلم ير لشئ زينة.

وقال لي تطهر للوقفة وإلا نفضتك.

وقال لي في الوقفة ترى السوى بمبلغ السوى فاذا رأيته خرجت عنه (5).

وعليها يتأسس الانطلاق بين المقامات ولهذا يستمر قائلاً:

وقال لي الوقفة تعتق من رق الدنيا والآخرة.

وقال لي الصلوات تفتخر بالواقف كما يفتخر بها السائر.

وقال لي ماعرفني شيء فإن كاد أن يعرفني فالواقف(6).

ومن اقترب من العالمين (الناس) وأخذ من علومهم (الدنيوية) تعطل ولم يسر في المقامات من دون (السوى)، او كما قال:

وقال لي الواقف يبعد بقرب العالمين ويحتجب بعلوم العالمين.

وقال لي إن وقفت بي فالسوى حرمي فلا تخرج اليه فتنحل مني(7).

والواقف هو بين حدين (الكينونة) و(الكونية) يتحرك فيهما ذهابا وايابا، ولكن ما الكينونة؟ وما الكونية؟ التي ينشدهما النفري في الوقفة وفي المقام؟.

أن مفهوم الكينونة "Being" كتب حوله الكثير في تاريخ الفلسفة(8)، وفي الحقيقة نحن لسنا بصدد التصدي للبحث المعمق فيه إنما الذي يعنينا معانيه المتعددة الماهية، أو الوجود أو الجوهر، والتي نتعرف عليها بوضوحاً أعمق في داخل تجربة المتدين/ الصوفي الذي يحاول إيجاد كينونته تلك ونقلها من مستوى الانصهار في بوتقة الوجود الإنساني إلى مستوى الانصهار في عالم الملكوت العلوي الذي يسعى إليه، أي ديمومة السير نحو المطلق.

ولكننا وعبر تأثرنا بالمفكر آريك فروم أنما نسعى وإياه إلى التعامل مع مفهوم السيرورة أو التصير "Process" والفاعلية والحركة، كعنصر من عناصر الكينونة، ولقد أشار جورج زمل "George Simmel" في هذا السياق إلى أن الكينونة تتضمن التغيير، أي أن الكينونة هي الصيرورة "Becoming". وهذه النظرة وجدت لدى مفكرين متباعدين زمنياً متقاربين في تصوراتهما الفكرية حول الكينونة وهما هيراقليطس (Heracletus) وهيجل "Hegel". فهذه النظرة الجذرية لديهما إلى الحياة كعملية تغير مستمرة، لا كجوهر ثابت، توازيها فلسفة بوذا في العالم الشرقي. فلا مكان في فكر بوذا لمفهوم الجوهر الدائم المستمر، لا في الأشياء ولا في الذات البشرية. أذن الصيرورة هي الحقيقة الوحيدة(9).

وهذه الصيرورة محل تحركها بطبيعة الحال هي الذات والتفكير فيها من أجل فهمها واستيعاب مدياتها الكونية المشتقة من عالم الطبيعة والمنشقة عنها في الوقت ذاته، وبالتأكيد أن تبيان المسافات أو الحدود القائمة بين تلك الذات الإنسانية المالكة لكينونتها بعد الانفصال ثم الاتصال بعالمها أو محيطها، تحتاج الاستعانة ببعض رؤى الإنثروبولوجيا الفلسفية لاسيما أطروحات ماكس شيلر (1892-1985).

ففي عمله المميز (منزلة الإنسان في الكون) كان منطلقه الرئيس هو معرفة أن "الإنسان لم يكن في أي زمن من تاريخه أكثر إشكالية مما هو عليه في الحاضر". وتأسيساً على هذه البداهة شرع شلر في علاج منزلة الإنسان في إطار ما لبنية الكون من درجات منزلته التي تتمثل في تأصيله الميتافيزيقي. فمن العالم الجامد أنفصل النبات والحيوان والإنسان بغريزة الإحساس المتسامية وفيها تجلت غريزة الحياة التي لم تتمركز على ذاتها بل توجهت إلى خارجها. وبالتالي فقد حصل ذلك بصورة غير شعورية وغير واعية. وحسب شلر فإن كل الكائنات الحية متنفسة. وإلى جانب ما لها من نزوع مرئي دافع بها إلى خارج ذاتها فأنها تحتوي على نزوح باطني من نفس الجنس دون أن يكون في متناول إدراكها(10).

وبفضل الغريزة التي هي الدرجة الثانية من الحي ظهر دور العلاقة بين الإنسان الحيوان. فبالمقابل مع الإنسان الذي هو ضعيف الغريزة يتوفر للحيوان بفضل تجهيزه الغريزي ثقة سلوكية قوية. لكن الإنسان بسبب ضعف غرائزه يتزايد نقص الثقة لديه. وبالتالي فإن ما ينقص الإنسان من دفع في التحريك الغريزي هو الذي يمثل العلة الأصلية لما عنده من فائض في النوازع يميزه عن غيره من الحيوانات. ولكي يستطيع الإنسان العيش في إطار علاقات الجماعة وبحسب البنى الاجتماعية فلابد له من أن يعدل بالكبت والتصعيد ما تتميز به نوازعه من فائض الطاقة(11).

أما التأصيل الآخر لدى شيلر فهو أن الإنسان يقاسم الحيوانات ما لها من قدرة في ملكة الذاكرة التواردية التي تربط بين النوازع والحاجات بفضل السلوك الغريزي فتؤدي دوراً مهماً بفضل الانعكاس الشرطي وإعادة إنتاج السلوك. والدرجة الرابعة التي يتقاسمها الإنسان مع الرئيسات في جميع الحالات تتمثل في الذكاء العملي والاختيار. فهما يعدان الشكل الأسمى من الموجود الحيوي الطبيعي(12).

ومن مجموع هذه الدرجات يصل شلر إلى النتيجة المهمة والرئيسة التي نبني عليها معطى الكينونة وحقيقتها الجوهرية إلا وهي تمايز الإنسان وخصوصيته بوصفه كائناً روحياً قياساً إلى الموجودات الطبيعية/ الحية التي تشاركه المحيط البيئي. فيستنتج ومن هذه الدرجات الأربع للموجود الحيوي الطبيعي الدرجات التي للإنسان فيها سهم كبير تتميز الدرجة الأخيرة عند الإنسان بوصفها مجال الروح (العقل والفكر)، وهو المجال الذي لا يلجه إلا الإنسان. ذلك أنه يتجاوز به تبعيته للطبيعة. فليس الإنسان مثل الحيوانات رهين النوازع والمحيط بل هو متحرر من المحيط ومنفتح على العالم. وهذا النوع من الكائن الروحي (الإنسان) كائن ذو عالم. وبخلاف الحيوان الذي يدرك المحيط بخصوص نوازعه وغرائزه فإن ضعف غرائز الإنسان والفجوة الموجودة بين نوازعه وسده لها تجعله يصبح كائناً روحياً(13).

فهو كائن لم يرتهن إلى محددات الطبيعة وتقلباتها لكونه يمتلك الأدوات التي حررته من ذلك كله، وتلك الأدوات هي العقل والروح فبينما الأول يجعله يقيم تنظيماته الحياتية مسيطراً على الطبيعة وعلى علاقاته الإنسانية في عالمه المنتج اجتماعياً؛ تجعله الأداة الثانية يتجاوز الطبيعة باحثاً عن التوازن التي تطلبه أسئلة تلح عليه من قبيل الوجود وماهيته وماهيته هو وما المصير وما المآل أيثوي بفكره وعقله كما تثوي الكائنات الحية التي تجاوزها بمجاله الحيوي (الفكري والروحي). وبالفاعلية التي تحركه وبالصيرورة التي تغيره وتعيد موائمة ذاته مع العالم. وبعبارة أخرى وبحسبما قال شيلر: فالانفتاح على العالم يتحقق في سلسلة الأجوبة التي يعلم الإنسان كيف يقدمها لتحديات العالم خلال تحويل وجوده. ويمكن بنحو من النظرة الصورية أن نعتبر الأمر في ذلك وكأنه مقصور على تقسيم العمل بحيث يكون الإنسان تارة مرجحاً لنفسه بمعنى كونه يعلم كيف يسود على العالم وطوراً يعترف الإنسان برجحان العالم عليه فيتكيف معه، وفي الحقيقة فأن الأمر يتعلق هنا بعلاقة حوار بين الإنسان والعالم(14).

ومن أهم نتاجات حوار الإنسان مع العالم هي مسألة الإيمان بعد مسائل ومتعلقات حياته الوجودية من مأكل ومأوى. فالإنسان، ككل كائن حي، يهتم بأشياء كثيرة، يهتم في المحل الأول بالأشياء التي تشرط وجوده نفسه، كالغذاء والمأوى. لكن لدى الإنسان- في مقابل الكائنات الحية الأخرى- هموماً روحية، معرفية وجمالية واجتماعية وسياسية(15) ولكن: الإيمان هو أكثر الأفعال المتركزة في العقل الإنساني. وهو ليس حركة جزء خاص أو وظيفة معينة في وجود الإنسان الشامل. بل تتحد هذه جميعاً في فعل الإيمان. غير أن الإيمان ليس المجموع الرياضي لأوجهها المتعددة. فهو يتعالى على كل أثر خاص كما يتعالى على شموليتها، ويمارس هو نفسه أثره الحاسم على كل منها(16).

وبالتالي هو بنظر صاحب النصوص المقتبسة أنفة الذكر اللاهوتي والفيلسوف الوجودي بول تيليش يمكن أن يمثل هماً أقصى، قياساً بكل همومه وشؤونه الحياتية الأخرى ولكن أليس فعل الإيمان هذا هو المحرك الرئيس للكينونة أي انه بعبارة أخرى هو السؤال والجواب في حد ذاته، وهو موجه التجربة ونتاجها، وبالتالي فهو تجربة شخصية بالدرجة الأولى، لأنها لو كانت وفق مقاربات أريك فروم حول (إيمان التملك وإيمان الكينونة)، فأنها في الإيمان الأول ستكون إجابات توصل إليها آخرون والذين يشكلون قاعدة مرجعية لا يمكن الخروج عنها(17).

أما في إيمان الكينونة فهي عبارة عن توجه داخلي، موقف. ولعله بنظر فروم من الأنسب أن يقال أن شخصاً ما في حالة الإيمان، على أن يقال إنه يملك إيماناً. وبالتالي أن اليقين الناتج عنها أنه يقين الحقيقة التي قد يستحيل إثباتها بأدلة عقلانية ملزمة، ومع ذلك فهي الحقيقة التي أنا على يقين منها لأن ثمة أدلة عليها من تجربتي الذاتية(18).

وفي هذا السياق يقول النفري:

وقال لي اكتب من أنت لتعرف من أنت، فأن لم تعرف من أنت فما أنت من أهل معرفتي.

وقال لي أليس ارسالي اليك العلوم من جهة قلبك إخراجاً لك من العموم الى الخصوص، أو ليس تخصيصي لك بما تعرفت به اليك من طرح قلبك وطرح ما بدا لك من العلوم من جهة قلبك إخراجاً لك الى الكشف أوليس الكشف أن تنفي عنك كل شيء وعلم كل شيء وتشهدني بما اشهدتك....(19)

وبالتأكيد أن إيمان التملك هو إيمان الفقهاء الذين يأخذون إيمانهم من بعضهم البعض، والذين شكلوا عبره مرجعية فكرية- تنظيمية يستوجب على كل أفراد المجتمع أن يمروا من خلالها لكي يتزودوا بالإيمان لكونهم هم المحطة الدينية الوحيدة التي تمتلك القدرة على تسويق الإيمان بعد إنتاجه في تجاربهم النصية التي تهرع دائماً إلى النص المقدس لبناء الحقائق والبناء عليها في سلسلة من التفسيرات والحواشي التي تتوارث جيلاً بعد جيل حتى تأخذ القداسة أكثر من النص المقدس (القرآن الكريم والسنة وتعاليم أهل البيت (ع)التي تدعي أنها استوعبته وبالتالي حولته إلى معطى جاهز يتسنى لأي باحث عن الإيمان أن يتشبث به بوصفه الحقيقة اليقينية/ المطلقة.

أما إيمان الكينونة فهو في حقيقة الأمر إيمان الأنبياء والمتصوفة والعرفاء، أنه إيمان التجريب الذاتي الذي يمارسه الفرد بنفسه كيما يتوصل إلى الحقائق ويتذوقها بطريقته الخاصة دون وصاية من أحد، أنه العالم الباطني/ الروحي الذي يتجاوز إيمان العالم/ الجماعي/ الظاهري (إيمان الفقهاء). أنه إيمان الفاعلية والسيرورة في آن واحد لكونه يحاول جاهداً تلمس الحقائق ومعرفة (المطلق) عبر التحقق من الإجابات بعد أن ألقى الأسئلة الجسام على كينونته.

ولكن لماذا هذه الأسئلة الجسام والعظام؟ لماذا إيمان الكينونة أصلاً؟ ما الداعي له؟ هل للبحث عن التجربة الدينية فحسب أم أن المسألة بها تعقيدات كثيرة؟ نعتقد أن المسألة فيها تعقيدات كثيرة ومتنوعة لا يمكن الوقوف عليها برؤية شمولية ولكن يمكن تلمس بعض جنباتها. ولهذا فأننا نعتقد أن الأمر يمكن أن نوجزه من خلال الوقوف على بعدين رئيسين وهما:

البعد الخارجي لإيمان الكينونة: وهذا البعد يقوم على محيط الإنسان الاجتماعي/ الديني، ذلك المحيط وبشتى تنظيماته وصيغه الدينية الذي لا يستطيع أن يلبي حاجات هذا الإنسان المتطلع إلى الكشف عن أسرار الإيمان وتذوقه على أيدي رجال الدين (علماء الشريعة). ولهذا فهو يتجه إلى الصيغ الدينية المتجنب التعامل معها وبها اجتماعياً ألا وهو (التصوف/ العرفان)، وذلك كيما يلبي حاجاته الروحية التي لا تستجيب لها ظاهر الشريعة. ولكن على الرغم من ذلك فأن المتصوفة والعارفين يؤكدون على التعامل مع المجتمع من خلال الالتزام بالشريعة لأجل الدخول في العالم الروحي الآخر ألا وهو (الحقيقة). إذ أن الشريعة أمر بالتزام العبودية والحقيقة مشاهدة الربوبية (أي رؤيته إياها بقلبه ويعبر عن ذلك بأن الشريعة معرفة السلوك إلى الله تعالى والحقيقة دوام النظر إليه، والطريقة سلوك طريقة الشريعة أي العمل بمقتضاها، وبعضهم لم يفرق بينها وبين الشريعة ظاهر الحقيقة والحقيقة باطن الشريعة وهما متلازمان لا يتم أحدهما إلا بآخر)(20). وفي الحقيقة هذا النوع من الإيمان تتطلب الإخلاص لله تعالى كيما يتجاوز مرتبتي الإسلام والإيمان، لأنها بنظرهم تعد مرتبة لا ينالها إلا الموحد الحقيقي(21).

ولهذا يقسم الطريق المؤدي إلى الله تعالى لديهم إلى ثلاث مراحل طبقاً لما ينسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "الشريعة أقوالي والطريقة أعمالي والحقيقة أحوالي". وكل من الشريعة والطريقة والحقيقة ترتبط إحداهما بالأخرى: شريعة بلا حقيقة رياء، وحقيقة بلا شريعة نفاق، وهما مثل شخص حي بالروح، عندما تنفصل عنه الروح يصير جيفة، وتصير الروح ريحاً، والشهادة تتضمن كلاهما؛ فكلمة "لا إله إلا الله" هي الحقيقة، وكلمة "محمد رسول الله" هي الشريعة، فمن ينكر الحقيقة كافر ومن يهمل الشريعة زنديق)(22).

البعد الداخلي لإيمان الكينونة: أن الحديث عن هذا البعد مسألة شائكة لأنها تعتمد على القوى والقابليات والاستعدادات النفسية والعقلية للإنسان الذي أختار طريق التصوف، فضلاً عن كونه بعد يتداخل مع العالم الغيبي من جهة والعالم أو المحيط الاجتماعي من جهة أخرى، وذلك لكونه ناجم عنهما بنحواً أو بآخر لأنهما يدخلان بين تأثيرات الله المباشرة على الإنسان وبشتى النواحي والأساليب وبين تأثيرات التجارب الاجتماعية السلبية أو الإيجابية المؤدية إلى طريق التصوف والعرفان.

ففي تأثيرات العالم الغيبي، نقرأ على سبيل المثال (لا الحصر) ما قاله سيد العرفاء الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): "إلهي أن لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق فمن السالك بي إليك في واضح الطريق وإن أسلمتني أناتك لقائد الأمل والمنى فمن المقيل عثراتي من كبوات الهوى وأن خذلني نصرك عند محاربة النفس والشيطان فقد وكلني خذلانك إلى حيث النصب والحرمان،..."(23). فالمؤدي أو قائد السالك إلى الله تعالى هو رحمة الله بالإنسان ذو الإيمان الكينوني، وهذا ما تؤكده الكثير من قصص دخول بعض المؤمنين إلى طريق التصوف عبر الإشارات والإلهامات الإلهية الخاصة، ومن ذلك على سبيل المثال: أن أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم بن منصور من كورة بلخ، كان من أبناء الملوك فخرج يوماً متصيداً فأثار ثعلباً أو أرنباً وهو في طلبه فهتف به هاتف يا إبراهيم ألهذا خلقت أم بهذا أمرت ثم هتف به أيضاً من قربوس سرجه والله ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت فنزل عن دابته، وصادف راعياً لأبيه فأخذ جبة للراعي من صوف ولبسها وأعطاه فرسه وما معه(24) حتى أصبح صوفياً بعد أن تتلمذ لبعض الوقت على يدي سفيان الثوري والفضيل بن عياض.

وقد يأتي الإيمان التجريبي (إيمان الكينونة) عن طريق إرشاد وتوجيه خاص ومباشر من بعض المتصوفة أو العرفاء وكما جرى على سبيل المثال للمتصوف الكبير أبو نصر بشر الحافي بن الحارث (م 226هـ)، والذي كان في بداية حياته يعاقر الخمر ويرتكب المحرمات، وإذا بكلمات وتنبيهات رمزية سريعة من الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) يتحول إلى ولي من أولياء الله الصالحين(25). ولعل الاستعداد والقابليات لديه هي التي أهلته لاستلام الإشارة إلى الطريق).

ومثلما يقول النفري:

وقال لي حدث عني وعن حقوقي وعن نعمتي فمن فهم عني فاتخذه عالماً ومن فهم عن حقي فاتخذه نصيحاً، ومن فهم عن نعمتي فأتخذه أخاً.

وقال لي من لم يفهم عني ولا عن حقي ولا عن نعمتي فاتخذه عدواً فأن جاءك بحكمتي فخذها منه كما تأخذ ضالتك من الأرض المسبقة.

وقال لي الذي يفهم عني يريد بعبادته وجهي والذي يفهم عن حقي يعبدني من أجل خوفي، والذي يفهم عن نعمتي يعبدني رغبة فيما عندي.

وقال لي من عبدني وهو يريد وجهي دام، ومن عبدني من أجل خوفي فتر، ومن عبدني من أجل رغبته أنقطع.(26)

وقد يأتي هذا الإيمان من تداخل البعد الاجتماعي (الخارجي) مع البعد الغيبي (الداخلي) كما في حالة رابعة العدوية، "التي أحبت مولاها، والحبيب هو المولى، ولا يهمها أن كان يحبها أم لا"(27). والتي لم تتحول إلى الحب الإلهي (الصوفي) إلا بعد أن ذاقت مرارة الحب الأرضي لسيدها ومالكها ولما فقدت وصالها به، وجدت أن خير الوصال لخير حبيب هو الله تعالى، فسلكت طريق التصوف.

ولكن على الرغم من اختلاف بداياتهم في التوجه نحو التصوف، إلا أنهم يشتركون وبشكلاً عام في الخطوات السلوكية في الطريق الصوفي، أي أنهم ينطلقون من قاعدة سلوكية متشابهة بنحواً أو بآخر غايتها التفاعل والتواصل مع الله تعالى لأجل الوصول إليه، وسنتحدث عن هذه القاعدة بشكل مكثف لأنها ذات تشعبات هائلة لا يمكن لهذا البحث الاستغراق فيها، لكونها مقدمات أساسية لمقاصد البحث وأهدافه.

وأن أول قواعد الطريق الصوفي هو التسليم للشخص الذي يعلم العبد طريق التصوف، ويقال له (المرشد) (الشيخ) و(الدليل) وغيرها، ويقال للراغب في السلوك (السالك) (المريد) (الصوفي) (درويش). ولكن كيف نصل إلى الله سبحانه وتعالى عن طريق المرشد؟، علينا وكما يرى (أحدهم) أولاً أن نتحرى عن صفات المرشد فعليه:

1- أن يتطابق سلوكه مع ميزان الشرع، 2- أن يكون عالماً بالشريعة الإسلامية، ذلك أن الطريقة جوهرها فمن لم يفهم الشريعة فكيف يفهم جوهرها (الحقيقة)؟، 3- أن يكون عارفاً بمسالك الطريق، 4- أن يكون قد تخرج على يد مرشد كامل في حلقة متصلة بسيد الكون محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). 5- أن يكون قد بلغ درجة البقاء بعد الفناء وتنور قلبه بحق اليقين، 6- أن يكون طبيب القلب خبراً بمداواة الأمراض المعنوية ويحس به مريدوه(28).

ولهذا يرد لديهم كذلك من "لا شيخ له فشيخه الشيطان"، ولكن الشيخ محي الدين أبن عربي أحد أكابر المتصوفة يرى ان السالك إلى الله نوعين سالك بنفسه (تجربته الخاصة) وسالك بغيره (الشيخ). ويجب على الشيخ الذي يعلم المناهج والرياضات الروحية أن يختبر المريد أولاً ليرى إذا ما كان عازماً وقادراً على تحمل الصعوبات التي تنتظره على الطريق، فأحياناً يتركه لعدة أيام منتظراً ببابه، وغالباً ما يعامله في البداية بقسوة، وفي العادة كان يطلب من المريد أن يعمل لمدة ثلاث سنوات قبل أن يقبل رسمياً في صحبة الشيخ، في السنة الأولى يعمل في خدمة الخلق، وفي الثانية يجتهد في عبادة الحق، وفي الثالثة يراقب قلبه ويرعاه(29).

وهذه العلاقة التي تجمع بين الشيخ والمريد تخضع لضوابط تنظيمية كثيرة وتشتمل على عدة جوانب، منها الجانب المكاني (المربوطية أو الخانقاه أو التكية أو الزاوية) التي تكون بمثابة جغرافياً المقدس (المرتكز الأول الذي يتلاشى فيما بعد كلياً ليغدو الكون جغرافيته) التي يعد فيها المريد إعداداً روحياً دقيقاً لكي ينطلق إلى جغرافيا العالم عبر السياحة الروحية أو ما يسميوه بالهجرة الخارجية بعد أن بدأ الهجرة الداخلية إلى الله تعالى، هذا من جهة ومن جهة أخرى فأن الضوابط التنظيمية الجديدة التي دخل فيها السالك تتمثل في السيطرة على الزمان وتنظيمه (العبادي/ الارتياضي)؛ فعبر التنظيم الديني الدقيق للمكان والزمان يمكن بعدئذ تحقيق مرامي وغايات الشيخ التي تتجاوز (الزمكان) الحسي/ الشعوري إلى (الزمكان) اللاحسي/ اللاشعوري الذي ينشأ في أواخر السحر ليغدو النهار والليل كله.

ولا ينتظم ذلك كله دون الدخول في رمزية العبودية لأربعين يوم كما أتفق على ذلك الكثير من المتصوفة والعرفاء، ولهذا الأمر ترابطية كبرى مع خلق آدم عندما خمر طينه أربعين عاماً ورحلة موسى (ع) أربعين يوماً،....، حتى نصل إلى حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): "ما أخلص عبد لله أربعين صباحاً إلا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"(30). وعلى أية حال، فإن خاصية الأربعين في ظهور الفعلية وبروز القابلية والقوة وحصول الملكة أمر مصرح به في الآيات والأخبار، ومجرب لدى أهل الباطن والأسرار، وهو ما أخبر عنه في الحديث الشريف بأنه حصول آثار الخلوص، أي بنوع عين المعرفة والحكمة في هذه المرحلة(31).

أسرار العبودية/ من عالم الجسد إلى عالم الروح (رحلة الخلاص):

أن غاية المتصوف هو الخروج من تأثيرات المحيطيين الطبيعي والاجتماعي أي الخروج من كينونته العضوية بوصفه كائن عضوي ومن كينونته الاجتماعية بوصفه إنساناً له أبعاده الوجودية. وذلك لاعتقاده أن المعادلة الكونية التي بدأت بنزول آدم (أبو البشر) يجب أن تصبح بصعود آدم الصوفي- الجديد (أبو الحقائق)، وهذا الأمر لا يتم إلا عبر ركنين رئيسين هما: جعل التماهي مع المطلق هو الهم الأعلى، وجعل تلبية الحاجات العضوية الهم الأدنى، وبهذا يصبح تحرك الكينونة من عالم الجسد وتلبية متطلباته بأبسط الأشياء لأجل الوصول إلى عالم الروح عبر أبهض الأثمان أي عبر إخضاع جدلية النفس/ الجسد إلى جدلية الروح/ المطلق (الله تعالى).

هذه التحولات الكبرى في حياة الصوفي لا تتم إلا من خلال تصفية وتزكية للنفس وتريض يستهدف نسف الحواجز العلائقية التي تمنع الروح أو النفس من الالتحاق بعنصرها الإنشائي الأول، لذا تأتي التجربة الصوفية كنوع من أنواع الإشراق الروحي الهادف لاحتواء الحقيقة الكلية الجامعة(32).

وهذا الأمر لا يتم عبر اعتقادهم إلا من خلال ما أسموه كيمياء السعادة (التصوف)، على اعتبار أن الكيمياء تسعى إلى الوصول إلى التحولات العظيمة في المادة للوصول إلى العنصر الكلي الشمولي أو روح المواد الساري في الوجود (الإكسير) الذي بدوره يحول كل معدن إلى ذهب ويحول المرض إلى صحة ويوقف سريان السم ويطيل أمد الحياة...الخ، فأن كيمياء التصوف بنظرهم ستحول الإنسان من كائن أرضي إلى كائن سماوي أي من عالم النقص إلى عالم الكمال(33).

وبحسب أبيات أبن العربي:

من انتقاصي إلى كمالي

ومن سناي إلى جمالي

*

ومن شتاتي إلى اجتماعي

ومن خسيسي إلى نفيسي

*

من انحرافي إلى اعتدالي

ومن سنائي إلى جلالي

*

فمن صدودي إلى وصالي

فمن حجار إلى اللآلي

ولكن هذا الأمر لا يعني القطيعة الكاملة بين الإنسان وعالمه الأرضي، وذلك لأن العالم هو مدار التحرك والفاعلية والصيرورة لتلك الكينونة الصوفية، بعبارة أخرى أن الموازاة بين الإنسان والعالم تظل قائمة وأن كانت مرتبة الإنسان هي آخر مراتب الوجود، فالإنسان هو أرقى الموجودات وأعلاها من حيث أنه مجلى كل حقائق الوجود ومراتبه من جهة، وهو مجلى الحقيقة الإلهية من جهة أخرى. ولكن هذه الموازاة بينهما لا تنفي كون الإنسان جزءاً من العالم، فهو جزأ أصيل يمثل الروح بالنسبة للجسد، ذلك لأن وجود العالم قبل إيجاد الإنسان، مع الحذر دائماً من تصور وجود (قبلية)، أو بعدية، زمانية- لأنه وبحسب أبن العربي، كان: "وجود شبح لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة... فاقتضى الأمر جلاء تلك المرآة، فكان آدم جلاء تلك المرآة، وروح تلك الصورة"(34).

فالمشروع الصوفي في الوجود هو التحقق باطنياً بالإنسان الكبير (العالم) وكما في بيت الشعر المشهور:

وتحسب نفسك جرمٌ صغير

وفيك انطوى العالم الأكبر

أو هو عملية ارتفاع عن سلطة عالم المادة المعينة المحسوسة إلى عوالم المادة المجردة من حيث هي جملة أسرار (مكثفة) يلقاها الصوفي في الطريق، عروجاً إلى عالم السماء العلوية فعالم الروح المجردة من ملبوسات المادة والجسد والعلائق ككل، ففي تجربتهم تلك أسسوا لفلسفة الانفصال والاتصال بين عالم الخلق، وعالم الحق هذه الفلسفة التي أدركها متصوفة الإسلام، تنطلق من قانون طوي في باطنه حقيقة التجربة هذا القانون هو (أن هذه الثنائية تعبر عن حقيقة لا تدرك بشكل أحادي) فالاتصال هو اتصال بعد انفصال، كما أن الانفصال كان عن اتصال مسبق!(35).

فإنني عشقت غيري

فعين فصلي هو اتصالي

عن هذا الوصل والاتصال يقول النفري:

أوقفني في التقرير وقال لي تريدني او تريد الوقفة او تريد هيئة لوقفة، فأن اردتني كنت في الوقفة لا في ارادة الوقفة وان أردت لوقفة كنت في ارادتك لا في الوقفة وان أردت هيئة الوقفة عبدت نفسك وفاتتك الوقفة.

وقال لي الوقفة وصف من أوصاف الوقار، والوقار وصف من أوصاف البهاء، والبهاء وصف من أوصاف الغنى، والغنى، وصف من أوصاف الكبرياء والكبرياء وصف من اوصاف الصمود والصمود وصف من أوصاف العزة، والعزة وصف من أوصاف الوحدانية والوحدانية وصف من اوصاف الذاتية.

وقال لي الوقفة خروج الهم عن الحرف وعما ائتلف منه وانفرق.

وقال لي اذا خرجت عن الحرف خرجت عن الاسماء، واذا خرجت عن الاسماء خرجت عن المسميات، واذا خرجت عن كل المسميات خرجت عن كل مابدا، واذا خرجت عن كل مابدا قلت فسمعت ودعوت فأجبت .(36)

فرحلة الخلاص "salvation" تتبدى بوصفها العملية الرئيسة التي يقوم بها المتصوف لتخلص من ثقل مطاليبه العضوية (الجسدية) عبر تحجيمها، والتخلص من تبديات أو تموجاته النفسية عبر تهذيبها، وذلك لأجل إجراء عملية المعراج الروحي الذي لا يتم دون التخلص من المطاليب والأثقال العضوية والنفسية والاجتماعية، التي تحول دون الهم الأعلى- التماهي مع المطلق.

نحو آفاق الكونية أو الفراغ من الكون:

وكان الشيخ الاكبر اول من اعتمد هذا المفهوم في الحديث عن النفري لما وسمه (بالفارغ من الكون)، وسم دال، لأنه يهب الفراغ في هذه التجربة شسوعاً يطول الكون كله بهذا الشسوع ذاته، يتبدى الفراغ رهاناً على المستحيل، لأنه يروم الانفصال عن المحدود والانتساب الى المطلق.الفراغ من الكون، عند النفري تجربة تعال، فيها تختبر الذات أقصى ممكنها. تجربة وعرة، تقيم، بمسعاها الى توقيف التعلق بالخلق والى الاستغناء إلا عن المطلق، على تخوم المستحيل. في هذه التجربة، تتحدد الوقفة عن انها نار الكون كما يصرح هذا الصوفي الذي رأى الكون كله سوى، رأه ضيقا، لا يتسع بالاحكام الحاجبة، للرحابة التي ينشدها الفراغ .(37)

أن معراج الروح يحتاج دعائم أو قوائم يستند إليها الصوفي في رحلته تلك، ومن أهم تلك الدعائم هو عملية التواجد، أي بداية الحب الإلهي الذي بنظرهم بعدئذ سيؤدي إلى الوجد الحقيقي ثم يقود إلى الوجود. فالتواجد بداية والوجود نهاية والوجد واسطة بين البداية والنهاية. ولهذا يقول أحدهم: التواجد يوجب استيعاب العبد والوجد يوجب استغراق العبد والوجود يوجب استهلاك العبد، فهو كمن شهد البحر ثم ركب البحر ثم غرق في البحر. وترتيب هذا الأمر قصود ثم ورود ثم شهود ثم وجود ثم خمود بمقدار الوجود يحصل الخمود وصاحب الوجود له صحو ومحو فحال صحوه بقاؤه بالحق وحال محوه فناؤه بالحق(38).

وهنا أشاروا إلى الفناء إلى سقوط الأوصاف المذمومة وأشاروا بالبقاء إلى قيام الأوصاف المحمودة به. وبعبارة أخرى وعلى حد قولهم: فمن فنى عن جهله بقي بعلمه ومن فنى عن شهوته بقى بإنابته ومن فنى عن رغبته بقى بزهادته، ومن فنى عن منيته بقى بإرادته، وكذلك القول في جميع صفاته فإذا فنى العبد عن صفته بما جرى ذكره يرتقى عن ذلك بفنائه عن رؤية فنائه وإلى هذا أشار قائلهم:

فقوم تاه في أرض بقفر

فأفنوا ثم أفنوا ثم أفنوا

*

وقوم تاه في ميدان حبه

وأبقوا بالبقا من قرب ربه(39)

ولكن أن الحب مقدمته المعرفة مثلما الفناء مقدمته الحب، والمعرفة هي نتاج البعدين (الداخلي والخارجي) للإيمان الكينونة اللذين أشرنا إليهما سابقاً، فالمرء لا يحب حتى يعرف ماذا يحب ومن يحب ولماذا يحب؛ وهذا الأمر بالنسبة لصوفية لا يأتي إلا بعد عملية الجذب الإلهي المؤدي للقرب الإلهي والتي لا تتم إلا بعد سير الطريق أي المجاهدات الروحية وعمليات تهذيب النفس التي تستغرق ردحاً من الزمن.

وأحياناً ينظر للحب والمعرفة على إنهما مكملين لبعضهما، ومرة يكون الحب أعلى من المعرفة، وأخرى تكون المعرفة أعلى. ويرى الإمام أبو حامد الغزالي: "الحب بدون المعرفة مستحيل، فالمرء لا يحب إلا من يعرف"(40). لكن الشيخ شهاب الدين السهروردي يرى أن "المحبة من لوازم المعرفة، وأن كانت المعرفة قليلة. وكل معرفة توجب محبة وأن كانت المحبة قليلة. فإذا كملت النفس بها فذلك نور على نور. والمحبوب من يكون لنفسه فطنة وحدس قوي ينال دون تعب عظيم ما لا ينال غيره، والرجل لا يصير أهلاً إلا بالمعارف والمكاشفات العظيمة(41).

عن هذه المكاشفات العظيمة يقول النفري في مواقفه:

واوقفني في بيته المعمور فرأيته وملائكته ومن فيه يصلون ورأيته وحده ولا بيت مواصلاً في صلواته على الدوام ورأيتهم لا يواصلون.... يحيط بصلواتهم علماً ولا يحيطون....

وقال لي اخل بيتك من السوى واذكرني بما ايسر لك ترني في كل جزئية منه.

وقال لي أما تراه اذا ما عمرته بسواي ترى في كل جزئية منه خاطفاً كاد ان يخطفك.(42)

في هذا السير المضطرب/ المطمئن في رحلة العاشق إلى المعشوق تتجمع المقدمات والنتائج أي (البقاء/ الفناء والحب/ المعرفة) لكي تؤسس بناء روحياً متكاملاً يعرج بالمتصوف من عالم نقصه وخسيسه إلى عالم كماله ونفيسه، أنه عالم المطلق/ الواحد الذي ولد الكثرة والتعددية الكونية، التي تتلاشى في ظلالها كل المتناقضات والمفارقات الأرضية التي كابدها الإنسان لكي تتحول إلى مأتلفات ومتقاربات، وذلك عبر طهارة القلب (لا تسعني السماوات والأرض، ويسعني قلب عبدي المؤمن).

***

ا. د. جعفر نجم نصر

........................

المصادر والهوامش

(1) خالد بلقاسم، الصوفية والفراغ/ الكتابة عند النفري، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط2، 2018، ص27.

(2) عبد المنعم الحنفي، الموسوعة الصوفية، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط5، 2006، ص1278.

(3) خالد بلقاسم، المصدر نفسه، ص28.

(4) عبد الحق منصف، أبعاد التجربة الصوفية، أفريقيا الشرق، المغرب، ط1، 2007، ص221.

(5) محمد بن عبد الجبار النفري، المواقف والمخاطبات، تحقيق ارثر يوحنا اربري، مكتبة المتنبي، القاهرة، دون تاريخ، ص10.

(6) المصدر نفسه، ص11.

(7) المصدر نفسه، ص11.

(8) ونلاحظ على سبيل المثال أن اللغة اليونانية القديمة لم يكن فيها كلمة تقابل كلمة وجود العربية أو existence بالإنجليزية، فاليونانيون كانوا يستخدمون كلمة Toov بمعنى "being" أو كائن أو على الأصح كينونة، ولهذا أخطأ العرب بترجمة هذه الكلمة إلى الوجود والأصح أن تبقى كينونة. ينظر مقال: تطور مفهوم الوجود/ الكينونة في الفلسفة من اليونانيين وإلى العصر الحديث على الرابط:

www.tabee3i.com

(9) ينظر: أريك فروم، الإنسان بين الجوهر والمظهر، ت: سعد زهران، مراجعة وتقديم: لطفي فطيم، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ع (140)، 1980، ص44-45.

(10) ينظر: كريستوف فولف، علم الأناسة/ التاريخ والثقافة والفلسفة، ت: د. أبو يعرب المرزوقي، دار كلمة، أبو ظبي، الإمارات، ط1، 2009، ص65-66.

(11) المصدر السابق نفسه، ص66.

(12) المصدر السابق نفسه، ص66-67.

(13) المصدر السابق نفسه، ص67.

(14) المصدر السابق نفسه، ص68-69.

(15) بول تيلتيش، بواعث الإيمان، ت: سعيد الغانمي، منشورات الجمل، بغداد، ط1، 2007، ص7.

(16) المصدر السابق نفسه، ص10.

(17) ينظر: أريك فروم، المصدر السابق نفسه، ص63.

(18) ينظر: المصدر السابق نفسه، ص63-64.

(19) النفري، المصدر نفسه، ص 30.

(20) أبو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية في علم التصوف، دار التربية، بغداد، د.ت، ص72.

(21) ينظر كتاب: رسالة في السير والسلوك، للسيد مهدي بحر العلوم، تقديم وشرح: السيد محمد حسين الطهراني الحسيني، مطبعة ثامن الحجج، قم، 1424هـ.ق، ص49.

(22) آنا ماري شيمل، الابعاد الصوفية في الاسلام، ت: محمد اسماعيل، منشورات الجمل، بغداد، 2006، ص113-114.

(23) ينظر: دعاء الصباح للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في كتاب مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي، طبع المكتبة الحيدرية، د.ت، ص113.

(24) أبو القاسم القيشري، المصدر السابق نفسه، ص13.

(25) ينظر تفاصيل قصته تلك كتاب (مراقد المعارف) للشيخ محمد حرز الدين، المجلد الأول، مصدر سابق، ص191-194.

(26) النفري، المصدر السابق نفسه. ص 34

(27) ينظر ذلك في كتاب: الحب والفناء : لعلي حرب، منشورات الاختلاف (الجزائر)، والدار العربية للعلوم ناشرون (بيروت)، ط2، 2009، ص82-83.

(28) الشيخ أمين الشيخ علاء الدين النقشبندي، ما هو التصوف/ ما هي الطريقة النقشبندية، طبع الدار العربية، بغداد، د.ت، ص74-75.

(29) آنا ماري شيمل، المصدر السابق نفسه، ص116.

(30) الشيخ مهدي بحر العلوم، رسالة في السير والسلوك، مصدر سابق، ص21-26.

(31) المصدر السابق نفسه، ص37.

(32) شريف هزاع شريف، نقد/ تصوف، مصدر سابق، ص96-97.

(33) ينظر: المصدر السابق نفسه، ص94-95.

(34) ينظر: د. نصر حامد أبو زيد، هكذا تكلم أبن عربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط2، 2004، ص232.

(35) ينظر: شريف هزاع شريف، المصدر السابق نفسه، ص109-110.

(36) النفري، المصدر السابق نفسه، ص 37.

(37) خالد بلقاسم، المصدر السابق نفسه، ص 11.

(38) أبو القاسم القشيري، المصدر السابق نفسه، ص61-62.

(39) المصدر السابق نفسه، ص62.

(40) آنا ماري شيمل، المصدر السابق نفسه، ص149.

(41) شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي، نصوص إشراقية، تحقيق وتقديم: قاسم محمد عباس، ديوان المساء للترجمة والنشر، بغداد، ط1، 2006، ص92.

(42) النفري، المصدر السابق نفسه،ص 40.

دراسة استدلالية في ضوء الفقه الإسلامي المعاصر

شهد الفقه الإسلامي المعاصر حراكاً فكرياً واسعاً في إعادة دراسة قضايا المرأة، في ضوء تباين المناهج الأصولية وآليات الاستنباط التي يعتمدها الفقهاء في فهم النصوص الشرعية. ومن أبرز المسائل التي ما تزال محل نقاش واجتهاد مسألة أهلية المرأة لتولي المناصب الدينية والعامة، ولا سيما المرجعية الفقهية، والقضاء، ورئاسة الدولة.

وتبرز في هذه القضية مفارقة فقهية لافتة؛ إذ يكاد الفقهاء يتفقون على إمكان بلوغ المرأة مرتبة الاجتهاد المطلق، بما تمتلكه من أهلية علمية لاستنباط الأحكام الشرعية، إلا أن هذا الاتفاق لا ينعكس ـ في المشهور ـ على الإقرار بأهليتها للمرجعية العامة والتقليد، فضلاً عن القضاء والولاية العامة. ومن هنا تنشأ إشكالية البحث: هل يرجع هذا المنع إلى نصوص شرعية قطعية، أم إلى تداخل مفاهيمي وتراكمات فقهية وتاريخية أسهمت في توسيع دائرة المنع؟

يسعى هذا البحث إلى معالجة هذه الإشكالية معالجةً استدلالية، من خلال تحليل الأدلة، ومناقشة المباني الأصولية، والتمييز بين طبيعة الإفتاء والولاية، وصولاً إلى تقييم هذه المسائل في ضوء الاجتهاد الفقهي المعاصر.

المحور الأول

إفتاء المرأة ومرجعيتها الفقهية (دراسة استدلالية)

أولاً: أدلة القول بعدم اشتراط الذكورة في مرجع التقليد

يمكن تأسيس القول بجواز مرجعية المرأة وتقليدها على ثلاثة مسالك استدلالية رئيسة.

الدليل الأول: الأهلية التكوينية وحجية القطع

إن بلوغ المرأة مرتبة الاجتهاد المطلق أمر ممكن عقلاً وواقعاً، وقد شهد التاريخ الإسلامي بنساء بلغن مراتب عالية في العلم والفقه. فإذا استنبطت المرأة الحكم الشرعي حصل لها القطع أو الاطمئنان المعتبر، والقطع حجة ذاتية لا يمكن رفع حجيته تعبداً، وهو من المباني الأصولية المستقرة.

وعليه، تمتنع عليها شرعاً وعقلاً متابعة مجتهد آخر يخالف ما انتهت إليه، لأنها خرجت عن موضوع رجوع الجاهل إلى العالم، وأصبحت بنفسها من أهل الخبرة والاجتهاد.

الدليل الثاني: عمومات الأدلة وإطلاقاتها

يقوم هذا الدليل على ركيزتين:

أولاً: الإطلاقات اللفظية

استدل أصحاب هذا الاتجاه بعموم قوله تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

وقوله تعالى:

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ...﴾.

فقد علقت الآيات الرجوع على عنوان العلم والفقاهة، ولم تقيده بخصوص الذكورة.

ثانياً: السيرة العقلائية

استقرت سيرة العقلاء في جميع العلوم على رجوع غير المختص إلى المختص دون التفات إلى جنس الخبير، ولم يثبت صدور ردع خاص من الشارع عن هذه السيرة في باب الإفتاء، فتكون ممضاة شرعاً.

الدليل الثالث: الاستدلال بالسكوت التقريري

ذهب بعض الباحثين إلى الاستدلال بسكوت أئمة أهل البيت (ع) عن تصدي السيدة عائشة للإفتاء، مع اشتهار جواز إفتاء المرأة في الفقه السني، باعتبار أن الفقه الإمامي كان يتحرك ـ بحسب بعض المباني ـ بوصفه مصححاً أو ناقداً للفقه السائد.

إلا أن هذا الاستدلال يواجه مناقشتين:

الأولى: أن مسألة المرجعية العامة للمرأة لم تكن مطروحة بصورتها الحالية في القرون الأولى حتى ينعقد ظهور للسكوت.

والثانية: أن الردع قد يتحقق عبر تراكم النصوص والارتكازات المتشرعية، لا بمجرد وجود نص مانع صريح، وهو ما يجعل السكوت غير كافٍ لإثبات المشروعية.

وبعد استعراض هذه الأدلة يتبين أن محل النزاع لا يدور حول قدرة المرأة على الاجتهاد، وإنما حول طبيعة المرجعية وحدودها، وهل هي وظيفة علمية خالصة أم ولاية دينية ذات امتدادات تنفيذية.

ثانياً: تفكيك الاندماج التاريخي بين الإفتاء والولاية

يبدو أن أبرز أسباب الإشكال هو اندماج مفهوم الإفتاء عبر التاريخ بمفهوم الولاية العامة، حتى أصبحت المرجعية الفقهية تمثل مؤسسة تمارس الإفتاء والقضاء والإدارة والولاية المالية والاجتماعية في آن واحد.

غير أن الإفتاء في حقيقته ليس ولاية ولا سلطة تنفيذية، وإنما هو إخبار عن الحكم الشرعي، شأنه شأن رجوع المريض إلى الطبيب أو الطالب إلى الخبير في تخصصه.

وعلى هذا الأساس، ذهب عدد من الأعلام، ومنهم المحقق الإصفهاني، إلى ضرورة الفصل بين البحث في أهلية المرأة للإفتاء والبحث في أهليتها لسائر الولايات الشرعية، لأن لكل واحد منهما دليله الخاص.

المحور الثاني

تصدي المرأة لمنصب القضاء

لم يرد في القرآن الكريم نص صريح يمنع المرأة من القضاء، ولذلك وقع الخلاف بين الفقهاء، وإن اشترط جمهورهم الذكورة اعتماداً على مجموعة من الأدلة.

أولاً: الأدلة الروائية

استند الجمهور إلى عدة روايات، من أبرزها:

حديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، وألحقوا القضاء بالولاية العامة.

رواية حماد بن عمرو المتضمنة النهي عن تولي المرأة القضاء.

رواية جابر عن الإمام الباقر (ع): «ولا تولى المرأة القضاء ولا الإمارة».

ثانياً: الاستدلال بالقرائن القرآنية

استدل بعض الفقهاء بآية القوامة، معتبرين أن ثبوت القوامة في الأسرة يقتضي ـ بالأولوية ـ ثبوتها في القضاء.

كما استدلوا بآية الشهادة، ورأوا أن اختلاف نظام الشهادة بين الرجل والمرأة ينعكس على منصب القضاء.

مراجعة نقدية معاصرة

يقتضي التحقيق الفقهي المعاصر الفصل بين القضاء القديم والقضاء الحديث.

فالقضاء في الدولة الحديثة لم يعد عملاً فردياً قائماً على الاجتهاد الشخصي، بل أصبح مؤسسة قانونية تخضع لدرجات متعددة من الرقابة والاستئناف والتمييز، وتعتمد على هيئات قضائية وإجراءات مكتوبة، الأمر الذي يضعف كثيراً من المبررات التي استند إليها الفقه التقليدي في اشتراط الذكورة.

ومن ثم فإن الخلاف لم يعد متعلقاً بالأهلية العلمية أو القانونية، وإنما بمدى استمرار موضوع الأدلة بعد تغير طبيعة النظام القضائي.

المحور الثالث

التكييف الفقهي لمنصب رئاسة الدولة والولايات العامة

اتفق جمهور الفقهاء على منع المرأة من تولي الولاية الكبرى، مستندين إلى حديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، وإلى الارتكاز الفقهي المتوارث الذي لم يعرف تولي امرأة قيادة الدولة الإسلامية.

القراءة الفقهية المعاصرة

يرى عدد من الفقهاء المعاصرين أن كثيراً من أدلة المنع ليست قطعية الدلالة، وأنها تأثرت بالواقع الاجتماعي والسياسي الذي تشكلت فيه.

ويؤكد هؤلاء ضرورة التمييز بين الفتوى بوصفها إخباراً عن الحكم الشرعي، وبين القضاء والولاية بوصفهما سلطتين تنفيذيتين، لكل منهما أدلته وشروطه.

كما يرون أن جانباً من المنع ارتبط بالقوالب الاجتماعية التي كانت تنظر إلى خروج المرأة للقيادة على أنه منافٍ لوظيفتها الاجتماعية، وهو أمر قد لا يبقى موضوعه قائماً مع تغير الظروف.

المقاربة التحليلية من منظور علم اجتماع المعرفة

يفيد توظيف أدوات علم اجتماع المعرفة في الكشف عن أثر البيئة التاريخية في توجيه الفهم الفقهي.

فقد تشكل جانب مهم من التراث الفقهي في ظل أنظمة سياسية قبلية وإمبراطورية اعتمدت على القوة العسكرية والسلطة الفردية، وهو ما أسهم في ترسيخ تصور ذكوري للولاية العامة بوصفها امتداداً للقيادة العسكرية والسياسية.

ولا يعني ذلك نفي حجية النصوص، وإنما يدعو إلى التمييز بين النص الثابت، وبين الفهم التاريخي الذي تأثر بظروف إنتاجه، بما يفتح المجال لإعادة النظر في بعض التطبيقات الاجتهادية في ضوء تغير بنية الدولة الحديثة.

خلصت هذه الدراسة إلى عدد من النتائج الرئيسة، أبرزها:

إن الاجتهاد ملكة علمية لا تختص بالرجال، بل يمكن للمرأة بلوغها تكويناً وتشريعاً، فإذا استنبطت الحكم الشرعي كان قطعها حجة عليها وفق المباني الأصولية المستقرة.

إن الإشكال في مرجعية المرأة لا يرجع إلى قصور في الأهلية العلمية، وإنما إلى اندماج مفهوم الإفتاء تاريخياً بمفهوم الولاية العامة، وهو اندماج يمكن إعادة النظر فيه بعد التمييز بين الوظيفة العلمية والسلطة التنفيذية.

إن أكثر أدلة منع المرأة من القضاء تعتمد على روايات خاصة، أو على قرائن اجتهادية، أو على ارتكازات متشرعية، وهي جميعها قابلة للدراسة والنقد من حيث السند والدلالة وتحقيق المناط.

إن تطور النظم القضائية الحديثة، القائمة على المؤسسية وتعدد درجات التقاضي، يفرض إعادة تقييم كثير من المبررات التي بُني عليها اشتراط الذكورة في القضاء.

أما رئاسة الدولة، فهي تبقى أكثر الولايات إثارةً للخلاف؛ لارتباطها بالنصوص الروائية، والارتكاز الفقهي التاريخي، وطبيعة مفهوم الولاية في التراث الإسلامي، مما يجعل إعادة قراءتها بحاجة إلى دراسات أوسع تجمع بين التحقيق الفقهي والتحليل التاريخي والسوسيولوجي.

وتؤكد هذه النتائج أن عدداً من الأحكام المتعلقة بالولايات العامة قد تأثر، بدرجات متفاوتة، بالسياقات السياسية والاجتماعية التي تشكل فيها الفقه التاريخي، وهو ما يبرر استمرار البحث الاجتهادي في ضوء تغير البنى المؤسسية للدولة الحديثة، مع الالتزام بالضوابط الأصولية في الاستنباط.

***

بقلم الباحث الأكاديمي: أسعد الجوراني

أولاً - مختصر الدراسة: لا تهدف هذه الدراسة إلى نقد الأصول الفكريّة للخطاب السني السلفي، وهذا ما سنقوم به في دراسات لا حقة، ولكن ما يهمنا هنا هو عرض أهم هذه الأصول وكيف تتجلى في الفكر والممارسة عند القوى السلفيّة، ويأتي في مقدمة هذه الأصول مسألة التوحيد، التي يجدون فيها بأن كل شيء مخلوق لله، وهو متفرد في وجوده ولا شيء يشبهه في هذا الكون. ثم تأتي المسألة القضاء والقدر، فالإنسان عندهم قد فقد إرادته وقدرته على تحقيق مصيره، فكل شيء يقوم به لا شأن له فيه، وهو مقدر له ومسجل في لوح محفوظ. وفي المسألة الاتباع، يعتبرون الرسول مُبلغ عن ربه، وأنه قد جاء بوحيين: القرآن والسنة. وأن محمدا لا يأمر ولا ينهي ولا يُحل ولا يُحرم من قبل نفسه، والطاعة المطلقة لا تدانيها منزلة لأحد من البشر، فهي للرسول وحده، ولذلك فلا يُقبل قول أحد كائنا من كان يخالف قول الرسول ويتعداه. أما رأيهم في قضية كثرة الاستدلال بالكـتـاب والسنة. فالمقصود منها بأن مسائل الدين، في أصولها وفروعها، تؤخذ من خطاب الشارع عز وجل، فالحلال والحرام وأمور الاعتقاد وغيرها إنما تعرف عن طريق الوحي. والوحي يجسد في القرآن والحديث. وفي قضية تقديم النقل علي العقل فالمقصود بالنقل، هو اعتبار كل ما جاء في القرآن والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة في القرون الهجريّة الثلاثة الأولى ومن اتبعهم إلى يوم الدين، هي المرجع الأول والأخير في الشرع. وعلى علماء الإسلام أن يُعملوا العقول في فهم النصوص وفي دراستها وفي الاستنباط منها، لا أن تكون العقول هي مصدر الاستدلال الأول، ولا أن تكون هي المتحكم في النصوص الصحيحة الصريحة. أما التزكية فهي عندهم، إحدى المهمات التي من أجلها بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هي غاية الرسالات وثمرتها‏.‏ والتزكية هي طهارة النفس من آفاتها وتنميتها وتربيتها بالعمل الصالح، وبأعمال القلوب والجوارح، وهي الشيء الذي قال عنه الله عز وجل "قد افلح من زكاها وخاب من دساها".

ثانياً - التوحيد:

السلفيون، أي " أهل السنة والجماعة"، يؤمنون بوحدانية الله، وهو رب هذا الكون وخالقه. وبأن لله أسماء وصفات أثبتها لنفسه في القرآن وفي سنة نبيه، وهم بذلك يثبتون لله كل ما أثبته لنفسه في القرآن والسنة الصحيحة من الأسماء والصفات. كما يوجبون الإيمان بها مجتنبين التشبيه، معتقدين أن الله لا يشبه شيئاً في صفاته صفات الخلق، ولا ذاته كذلك، كما ورد في القرآن: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). "سورة الشورى" (الآية- 11).

كما يعتقدون أن الله وحده فقط هو المستحق للعبادة، ولا تصرف العبادة إلا له، ويُحبون على العباد أن يتخذوا الله محبوباً ومعبوداً ويفردونه بالحب والخوف والرجاء والتوبة والنذر والطاعة والطلب والتوكل.

إن طبيعة التوحد وفق تصورهم ترى أن الأمور كلها من الله ، وهذه رؤية تلغي النظر إلى الأسباب والوسائط. فهم كما أشرنا لا يرون الخير والشر إلا منه. وإن صُرف أي شيء من العبادة لغيره أو اتخذ من الخلق أنداداً ووسائط بينهم وبينه فهو شرك بالله. (1).

هكذا نرى أن عقيدة التوحيد لا تقف عند حدود الإيمان واليقين بالله فحسب، بل تمتد لتطبع الفكر الإسلامي بالنظر والتأمل والإدراك والوعي بهذا الإيمان واليقين بالله.

ثالثاً - القضاء والقدر:

إن مسألة القضاء والقدر من المسائل الإشكاليّة في تاريخ الخطاب السلفي، فمعظم الصراع السياسي والعقدي كانت مرجعياته الأساسيّة التبريريّة هي قضية القضاء والقدر.

إن القضاء هو الأمر الرباني المباشر النافذ حتمًا، وهو أيضا السنن الكونيّة التي خلقها الله، أي السبب والنتيجة الحتميّة لكل ما يجري بالكون دون استثناء. ومن السنن الكونيّة تتكون شبكة عظيمة محكمة من الأنظمة التلقائيّة التي تُسير هذا الكون بمشيئة الله. فالله سبحانه وتعالى هو من أوجد الكون وخلق ما فيه وما سيخلقه، وهو من يسيره بمشيئته أو بقضائه، بقوله وأمره إن أراد شيئاً قال كن فيكون، وبالسنن الكونية أو النظم التلقائية التي خلقها. ولا يقع شيء في هذا الكون إلا بإذنه ومشيئته، فهو القاهر فوق مخلوقاته.(2).

أما القدر فإنه العلم الرباني المطلق الذي لا يقيده قيد الزمان أو المكان أو الحواس المحدودة، وكل شيء بالنسبة لهذا العلم المطلق حاضر من حيث الزمان أو المكان والإحاطة التامة به. وقد أمر الله القلم بأن يسجل ما كان وما سـيكون من هذا العلم المطلق في اللوح المحفوظ. فلا يقع شيء إلا كما تم تسجيله تسجيل وصف، لا تسجيل حكم. أي هو مسجل ينتظر القضاء أو الحكم للتنفيذ. ولكن لا أحد سوى الله سبحانه وتعالى يعرف ما هو مكتوب.(3)

وبهذا يتضح أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يتعارض مع الإيمان بأن الجن والإنس كما يقول بعض مشايخ السلفيّة وأئمتها، مسؤولون عن الطريقة التي يُسخرون بها ما أنعم الله به عليهم من نعم لا تُعـد ولا تحصى. وترتكز هذه المسؤوليّة وهذا التكليف بشكل أساس على نعمة العقل، والهداية، وحرية الاختيار بين الأسباب ذات النتائج الحتميّة أو ما نسميه بالسنن الكونيّة. ولكن يلاحظ أن هذه الحرية التي أنعم الله بها على المخلوق المكلف ليست مطلقة. فهي مقيدة بمشيئة الخالق المهيمنة عليها هيمنة مطلقة. فالله هو الذي خلـق الجن والإنس وجميع المخلوقات وهو الذي منحها النعم التي تستمتع بها وتستثمرها للحصول على السعادة في الدنيا والآخرة، ولاسيما في الآخرة. وهو سبحانه وتعالى قادر على تجريد المخلوقات المكلفة منها متى شاء. وهو الذي خلق الأشياء التي يُختار منها، ولا يختار إلا بإذنه تعالى.

يؤمن السلفيونً إذاً بالجبر على خيره وشره، وللجبر عندهم مراتبه وهي:

آ- العلم: هم يؤمنون أن علم الله أزلي أحاط بكل شيء، بما كان وسيكون ومالم يكن.

ب- الكتابة: وهي عندهم التكليف الأول للقلم من قبل الله عز وجل ليكتب مقادير وحظوظ الخلائق ووضعها في اللوح المحفوظ حتى قيام الساعة.

ت- المشيئة: يؤمنون أن مشيئة الله نافذة فما شاء كان وما لم يشئ لم يكن. ولا يحدث شيء صغيراً كان آم كبيراً إلا بمشيئته... وهم يفرقون بين المشيئة "الكونيّة"، والمشيئة "الشرعيّة"، فما أراده الله كوناً خلقه خيراً كان أو شراً. وما أراده شرعاً، فهو أمر يدعو الله عباده إليه فعلوه أم لم يفعلوه.

ث- الخلق: منهم من قال: ما أراده الله خلقه في أجل معلوم. ومنهم من قال: إن الفرق بين القضاء والقدر هو الخلق، فإذا علم الله أمراً فكتبه وجرت به مشيئته، فذلك هو القدر، وعندما تتحقق مسألة الخلق لهذا الأمر، فذاك هو القضاء.(4). ومنهم من قال وهم الأشاعرة: إن الله وحده هو من حدد قضاء وقدر الإنسان وكل ما هو موجود بشكل مسبق لا مناص عنه، وبالتالي فإن أفعال العباد مخلوقة لله وليس للإنسان فيها غير اكتسابها. أي إن الله هو من حدد مسألة قدرة الإنسان على ممارسة أفعاله التي أحدثها عند الإنسان، وما الإنسان إلا مكتسب للفعل الذي أحدثه الله على يديي الإنسان. وهذه هي نظرية (الكسب) عند الشاعرة.

رابعاً - الإتباع:

يأتي الاتباع عند السلفيّة بالأمور التالية:

1- بأن الرسول مُبلغ عن ربه، وأنه قد جاء بوحيين: القرآن والسنة. وأن محمدا لا يأمر ولا ينهي ولا يُحل ولا يُحرم من قبل نفسه. ويدخل في أقوال الرسول جميع أحكام التكاليف من واجب ومندوب وحرام ومكروه ومباح. وأن الدين هو المنهج والطريق والصيغة العامة لسير البشرية وليس التقرب فحسب، والرسول هو المشرع بأمر الله، في جميع شؤون الحياة، وهو المعصوم عن الخطأ أو الذنب. (5).

2- الطاعة المطلقة لا تدانيها منزلة لأحد من البشر، وهي للرسول، ولذلك فلا يُقبل قول أحد كائنا من كان يخالف قول الرسول ويتعداه ، ومن قدم قولا لأحد على قول الرسول فقد أساء وتعدى وظلم، وخالف الإجماع.ولا تكتمل هذه المتابعة إلا بكمال الحب له. ومما يُؤسف له في أوساط المسلمين، أنه قد ضعفت المتابعة، وخبا ذلك الحب لرسول الله، حيث راحت تظهر جملة من الأمراض الفقهيّة التي تسيء لإطلاقية الإتباع ومنها:

أ)- القول بتجاوز التقليد المطلق.

بـ)- الإفتاء بغير علم ولا دليل، في أمور الشريعة وفي أمور الاعتقاد والغيبيات.

ج)- عرقلة طريق دراسة القرآن والسنة.

د) إيقاف العمل بالشريعة في كثير من النواحي.(6).

ملاك القول في هذا الاتجاه: إن رؤية السلفيّة في أحكام الشريعة الإسلاميّة تتجسد في التالي: ضرورة وجوب إفراد الله بالحكم والتشريع، وان أحكام الشريعة الإسلاميّة الواردة في الكتاب والسنة واجبة التطبيق في كل زمان ومكان حسب فهمهم لها. وأن من أشرك أحداً من خلقه سواء كان حاكماً أو زعيماً أو ذا سلطان أو مجلساً تشريعيّاً أو أي شكل من إشكال السلطة المدنيّة فقد أشرك بالله. بيد أنهم يفرقون بين من كان الأصل عنده هو تحكيم الشريعة ثم حاد عنها لهوى أو غرض دنيوي، وبين من أنكر أصلاً وجوب الاحتكام إلى أحكام الشريعة الإسلاميّة ومال إلى غيرها من الأحكام الوضعية قوميّة كانت أو ليبراليّة أو يساريّة.

خامساً - كثرة الاستدلال بالكـتـاب والسنة

ما هو المقصود بكثرة الاستدلال بالكتاب والسنة عند السلفية؟. تقول السلفيّة بأن مسائل الدين، في أصولها وفروعها، تؤخذ من خطاب الشارع عز وجل، فالحلال والحرام وأمور الاعتقاد وغيرها إنما تعرف عن طريق الوحي، لذا كان استنباط الأحكام من القرآن والسنة، وكذلك الاستدلال على تلك الأحكام من القرآن والسنة أيضاً وفقاً لأمر الشرع ذاته، متكئين في زعمهم هذا على الكثير من الآيات القرآنية كالآيات التالية: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلي الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر). النساء(59). و(إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون). النور(51). و(وإذا قيل لهم تعالوا إلي ما أنزل الله وإلي الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا). النساء). (61). وغير ذلك من آيات الكتاب الحكيم التي تشير إلى هذه الدلالات.

أما شواهدهم من السنة النبوية على هذه المسألة، فقد اتكأوا على جملة من الأحاديث منها: (ألا إني أوتيتُ الكتاب ومثله معه...).رواه أحمد وأبو داوود وصححه الألباني. و(من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد). رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من هذه الأحاديث التي تصب في هذا الاتجاه أيضاً.

إن هذا الموقف العقدي من النص المقدس، يدفع السلفيين إلى الرجوع بشكل دائم ومستمر للنص الديني المقدس بحثاً عن ضالتهم لحل ما يطرحه عليهم التطور الاجتماعي عبر التاريخ وشرعنته، أي منحه الشرعيّة، من مسائل مستجدة تلح على فقهاء السلفيّة إيجاد حلول لها. (7).

هذا وقد دفعهم إيمانهم المطلق بصلاحية النص المقدس لكل زمان ومكان، أن يتمسكوا منهجياً بما أنزل الله وما قال به الرسول وإلى تبرير كثرة الاستدلال بالآيات والأحاديث انطلاقاً من قناعتهم بأن الوحي فيه النور والشفاء والهدى كما قال الله عز وجل: (يا ايها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدي ورحمة للمؤمنيين). يونس الآية (57). وقال الله أيضاً: (قد جاؤكم من الله نور وكتاب مبين). المائدة الآية (15). بل إن بعض مشايخ السلفية قال: إن لذكر الآيات والأحاديث معجزة تأثيرية.(8).

سادساً - تقديم النقل علي العقل:

إن المقصود بالنقل، هو اعتبار كل ما جاء في القرآن والسنة وما أجمع عليه سلف الأمّة المرجع الأول والأخير في الشرع. وعلى علماء الإسلام أن يُعملوا العقول في فهم النصوص وفي دراستها وفي الاستنباط منها، لا أن تكون العقول هي مصدر الاستدلال الأول، ولا أن تكون هي المتحكم في النصوص الصحيحة الصريحة. فكما أن القرآن والسنة والإجماع هي المصادر الأصليّة في التلقي، فإن العقل السليم والفطرة السليمة هي المصادر الفرعيّة التي يجب أن تسخر لفهم الدين. أي في تدبر القرآن والتفكر في آيات الله كما أمرنا الله، لا يتخطاها ولا يتعداها، وهنا يكون العقل تابعاً للشرع، ممتثلا لأوامره، ومجتنبا لنهيه، لا يعترض علي النص ولا يرده لهواه ولا يتوقف حتى يعلم الحكمة، فإن أحكم الحاكمين هو الذي أمر أو نهي، وأحكم الخلق أجمعين هو الذي بلغ.

أما ما أثاره بعض المتكلمين والفلاسفة من أن النصوص تخالف العقول وقدموا العقل علي النقل، لأن العقل عندهم أثبت من النقل الصحيح، فرد علماء الدين وفقهاء السلفية عليهم بقولهم: إن النصوص المقدسة في الأساس ثابته وصحيحة بالمطلق، ولذلك لا يمكن أن يحدث في الحقيقة تعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح. (9). فإذا ورد ما يوهم هذا التعارض فهو أحد هذه الأمور:

1- أن يكون النقل صحيحا صريحا، فما بزعمه بعض الفقهاء أو المتكلمين من أن الدليل العقلي يعارضه، فهذا راجع لفساد هذا العقل، أو لتدخله فيما لا مجال له فيه من الأمور الغيبيّة، التي يكون الواجب فيها التسليم والانقياد.

2- أن يكون النقل غير صحيح، فهو لا يصلح للمعارضة ولا يُحتج به.

3- أن يكون النقل صحيحا غير صريح، وهذا في ظواهر الأمور الفرعيّة التي يُسوغ الاختلاف فيها بين أهل العلم، والتي عند النظر فيها يزول الإشكال. فالشرع قد يأتي بأمور تحتار العقول البشرية في إدراكها والإحاطة بها، لأنه لم يحدث أنها جاءت في أية حالة من الحالات التي نظر فيها الشرع من قبل، مثال: وجود الملائكة وصفاتها ووظائفها وأعمالها... الخ، فهذا تحتار العقول في الإحاطة بها ومعرفة حقيقتها، وهي أمور حقيقيّة ومعقولة كونها وردت في النص. لذلك هم يقولون لو كان الدين بالعقل لكان أول من يتبع عقله هو النبي محمد (ص)، وهو أعقل العقلاء عند كل أهل الملّة الإسلاميّة، ومع ذلك قال له تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم.) الشورى 52. (10).

أما أبو حامد الغزالي فيقول عن أهمية دور العقل أمام النقل: إن النقل لا يكذب برهان العقل أصلا فإن العقل لا يكذب، ولو كـذب العقل فلعله كـذب في إثبات الشرع، إذ به عرفنا الشرع، فكيف يُعرف صدق الشاهـد بتزكية المزكي الكاذب؟ والشرع شاهـد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع.

وإذا لم يكــن بد من تصديق العقل، لا يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن الله ونفي الصورة. (11).

سابعاً -التزكية:

التزكية في الفكر السلفي هي إحدى المهمات التي من أجلها بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هي غاية الرسالات وثمرتها‏.‏

قال تعالى ممتناً ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ظلال مبين.). (سورة الجمعة- الآية -2)

والتزكية هي طهارة النفس من آفاتها وتنميتها وتربيتها بالعمل الصالح، وبأعمال القلوب والجوارح، وهي الشيء الذي قال عنه الله عز وجل "قد افلح من زكاها وخاب من دساها".   فالفلاح كل الفلاح لمن زكى نفسه وتعلم العلم وعمل به ودعا غيره لتعلمه والعمل به، ثم صبر على ما يلاقيه في طريق الدعوة إلى الله. وهذا ما دعانا إليه الرسول الكريم أيضاً كما تقول السلفية. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): (أول من تسعر بهم النار يوم القيامة عالم مجاهد ومنافق. أما العالم فيسأله الله يوم القيامة عن علمه فيقول: يارب تعلمت العلم وعلمته للناس في سبيلك ، فيقول له الله عز وجل الله: كذبت، تعلمت ليقال انك عالم، وقد قيل، فيأمر الله فيأخذ إلى النار.).

والعبادات كلها - مالية أو بدنية- ما هي إلا عمليات تزكية؛ لأنها تربط القلب بالخالق سبحانه وتعالى، وتذكره به، وبذلك تحصل التقوى للقلب، ومن اتقى وخاف ربه ابتعد عن المحرمات، والمحرمات قاذورات، وفعل الخير طيبة وإحسان وبر وعدل‏.‏ ولذلك كانت الصلاة على رأس هذه الأعمال؛ لأنها من أنجع الوسائل للوصول إلى هذه التزكية، فتكرارها في اليوم والليلة، وذكر الله فيها، وحركاتها تصل القلب حقيقة بالله‏.‏(12)

ثامناً- الخاتمة:

هكذا يتبين لنا من خلال عرضنا لأهم الأصول الفكريّة في الخطاب السلفي السني، أنها أصول تشتغل على قضايا عقديّة مفارقة للواقع، وإن كانت تخاطب الإنسان، إلا أنها لا تريد له أن يفكر ويعمل خارج هذه الأصول، وبالتالي هي تسلبه عقله وحريّة إرادته وخلافته على هذه الأرض.

***

د. عدنان عويّد:

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

.......................

الهوامش:

1- 14- راجع في هذا الموضوع - الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ما هو تعريف التوحيد وما هي أنواعه؟- موقع طريق الإسلام). ويراجع أيضاً 0 السلفية قواعد وأصول - د.أحمد رشوان - موقع: الإسلاميون.- 11/3/2014.

2- راجع في هذه المسألة: "رسالة في القضاء والقدر". موقع داء الإيمان.

3- رسالة في القضاء والقدر".  المرجع نفسه.

4- رسالة في القضاء والقدر".  المرجع نفسه

5- يراجع في مسألة الإتباع – قراءة في كتاب " السلفية قواعد وأصول" للشيخ احمد فريد- شبكة أنا مسلم للحوار الإسلامي. ويراجع أيضاً: السلفية قواعد وأصول - د.أحمد رشوان - موقع: الإسلاميون.- 11/3/2014.

6- المرجع نفسه.

7- يراجع في هذا الاتجاه – مقال: القرآن والسنة مصدر التلقي عند أهل السنة- عن موقع – إسلام ويب – صوتيات.

8- يراجع - السلفية قواعد وأصول - د.أحمد رشوان - موقع: الإسلاميون.- 11/3/2014.

9- في العلوم الشرعيّة والفلسفيّة الإسلاميّة، القاعدة الأساسيّة هي أنه (لا يوجد تعارض بين "النقل الصحيح" (الوحي الثابت كالقرآن وصحيح السنة) و"العقل الصريح" (البداهة والفطرة السليمة).

10- السلطة في السياسة- عبد الجواد ياسين- مصدر سابق- ص 248.

11- ابن سعد في الطبقات. عن السلطة في الإسلام مصدر سابق. ص 240.

12- يراجع في معرفة المزيد عن مسألة التزكية: كتاب الأصول العلمية للدعوة السلفية- عبد الرحمن عبد الخالق - موقع ندوة الإيمان

تقييم للمساهمات العربية ودورها في تعزيز حقوق الإنسان

- منذ إنشائه عام 2006 ليحل محل لجنة حقوق الإنسان، شكل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة منارة أمل للمجتمع الدولي في تعزيز وحماية حقوق الإنسان على مستوى العالم. بصفته الهيئة الحكومية الدولية الرئيسية المسؤولة عن ذلك، يقع على عاتق المجلس مسؤولية معالجة انتهاكات حقوق الإنسان ومناقشة القضايا المواضيعية الهامة، وتقديم توصيات للدول الأعضاء. وبعد ما يقرب من عقدين من تأسيسه، تبرز الحاجة إلى تقييم شامل لدوره وفعاليته، ولا سيما فيما يتعلق بمساهمات الدول العربية فيه.

- إن المنطقة العربية، التي شهدت تحولات سياسية واجتماعية عميقة خلال هذه الفترة، كانت ولا تزال فاعلاً رئيسياً في عمل المجلس، سواء من خلال عضويتها المتكررة، أو مشاركتها في صياغة القرارات، أو تفاعلها مع آلياته المتنوعة. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تحليل معمق للمساهمات العربية في مجلس حقوق الإنسان منذ عام 2006 وحتى اليوم، وذلك بتقييم جوانب العضوية، والمشاركة في المناقشات وصياغة القرارات، والتعاون مع آليات المجلس، وصولاً إلى استخلاص رؤى حول فعالية هذه المساهمات وتأثيرها على تعزيز حقوق الإنسان في المنطقة والعالم.

1. الفصل الأول: الإطار المفاهيمي والتاريخي لمجلس حقوق الإنسان

- يشكل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة حجر الزاوية في الهيكل الدولي لحماية وتعزيز حقوق الإنسان. إن فهم دوره يستلزم الغوص في سياقه التاريخي، ودوافعه التأسيسية، وهيكله التنظيمي، وآلياته المعقدة التي طُوِّرت على مدار ما يقرب من عقدين من الزمن. يهدف هذا الفصل إلى تقديم إطار نظري شامل يمهد الطريق لتحليل أعمق للمساهمات العربية في هذا المحفل الدولي الهام.

1.1. نشأة وتطور مجلس حقوق الإنسان: من اللجنة إلى المجلس

- شهدت الجهود الدولية لحماية حقوق الإنسان تطوراً ملحوظاً منذ اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948. وكانت لجنة حقوق الإنسان، التي تأسست عام 1946 كجهاز فرعي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، أول هيئة دولية رئيسية تُعنى بهذا الشأن. وعلى مدى عقود، قامت اللجنة بدور ريادي في وضع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وصياغة عدد من الاتفاقيات والبروتوكولات الهامة. ومع ذلك، وبحلول نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، واجهت اللجنة انتقادات متزايدة بسبب "تسييسها" المفرط، وتطبيق معايير مزدوجة، والتركيز الانتقائي على دول معينة، مما أدى إلى فقدان مصداقيتها وفعاليتها في التعامل مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

- استجابة لهذه الانتقادات، دعا الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، كوفي عنان، في عام 2005 إلى استبدال اللجنة بهيئة جديدة تتمتع بمكانة أكبر وفعالية أعلى. وفي 15 مارس 2006، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 60/251 الذي قضى بإنشاء مجلس حقوق الإنسان، كجهاز فرعي تابع مباشرة للجمعية العامة، مما منحه مكانة أرفع وسلطة أكبر. كان الهدف الرئيسي من هذا التغيير هو تجاوز عيوب اللجنة السابقة، وتعزيز الحوار والتعاون، وضمان الموضوعية وعدم الانتقائية في معالجة قضايا حقوق الإنسان.

1.2. الاختصاصات والمهام الرئيسية للمجلس

- أُنيط بمجلس حقوق الإنسان مجموعة واسعة من الاختصاصات والمهام التي تهدف إلى تحقيق ولايته الأساسية في تعزيز وحماية حقوق الإنسان حول العالم كما حددها قرار الإنشاء آنف الذكر:

‌أ) النـهوض بـالتثقيف والـتعلم في مجـال حقـوق الإنـسان، فـضلا عـن الخـدمات الاستـشارية والمـساعدة التقنيـة وبنـاء القـدرات، علـى أن يجـرى توفيرهـا بالتـشاور مـع الـدول الأعضاء المعنية وبموافقتها؛

‌ب) الاضـطلاع بـدور منتـدى للحـوار بـشأن القـضايا المواضـيعية المتعلقـة بجميـع حقوق الإنسان؛

‌ج) تقديم توصيات إلى الجمعية العامـة تهدف إلى مواصـلة تطـوير القـانون الـدولي في مجال حقوق الإنسان؛

‌د) تشجيع الـدول الأعـضاء علـى أن تنفـذ بالكامـل الالتزامـات الـتي تعهـدت هبـا في مجال حقوق الإنسان، ومتابعة الأهداف والالتزامات المتصلة بتعزيز وحماية حقـوق الإنـسان المنبثقة عن المؤتمرات ومؤتمرات القمة التي عقدتها الأمم المتحدة؛

‌ه) إجراء استعراض دوري شـامل يـستند إلى معلومـات موضـوعية وموثـوق هبـا، لمـدى وفـاء كـل دولـة بالتزاماتها وتعهداتها في مجـال حقـوق الإنـسان علـى نحـو يكفـل شموليـة التطبيـق والمـساواة في المعاملـة بـين جميـع الـدول؛ ويتخـذ هـذا الاسـتعراض شـكل آليـة تعـاون تستند إلى حوار تفاعلي يشترك فيه البلد المعني اشتراكا كاملا، مـع مراعـاة احتياجاتـه في مجـال بناء القدرات؛ وتكمل هذه الآلية عمل الهيئـات الم نـشأة بموجـب معاهـدات ولا تكـرر عملـها؛ وسيضع المجلس طرائق عمل آليـة الاسـتعراض الـدوري الـشامل ومـا يلزمهـا مـن اعتمـادات في غضون عام واحد من انعقاد دورته الأولى؛

‌و) الإسـهام، مـن خـلال الحـوار والتعـاون، في منـع حـدوث انتـهاكات لحقـوق الإنسان والاستجابة فورا في الحالات الطارئة المتعلقة بحقوق الإنسان؛

‌ز) الاضــطلاع بــدور ومــسؤوليات لجنــة حقــوق الإنــسان في مــا يتــصل بعمــل المفوضية لحقــوق الإنــسان، علــى نحــو مــا قررتــه الجمعيــة العامــة في قرارهــا ١٤١/٤٨ المؤرخ ٢٠ كانون / الأول ديسمبر ١٩٩٣؛

‌ح) العمــل بتعــاون وثيــق في مجــال حقــوق الإنــسان مــع الحكومــات والمنظمــات الإقليمية والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والمجتمع المدني؛

‌ط) تقديم توصيات تتعلق بتعزيز وحماية حقوق الإنسان؛

‌ي) تقديم تقرير سنوي إلى الجمعية العامة؛

- يتألف مجلس حقوق الإنسان من آليات وهيئات مختلفة، على النحو المبين في القرار المعنوَن ’ بناء مؤسسات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة‘(القرار 5/1) الصادر عن المجلس في العام 2007. ومنها:

‌أ) الاستعراض الدوري الشامل، وهو آلية تديرها الدول وتقيّم بانتظام حالة حقوق الإنسان في جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

‌ب) الإجراءات الخاصة، وهي عبارة عن أفراد أو مجموعات، لا توظفهم الأمم المتحدة، يتحدثون عن مواضيع مثل التعليم والصحة وحرية التعبير والاتجار بالبشر، وكذلك عن حالات قطرية بما في ذلك أوكرانيا وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية وإريتريا وإيران، من بين دول أخرى.

‌ج) اللجنة الاستشارية، وهي بمثابة "مركز فكر وبحوث"، يزود المجلس بالخبرة والمشورة بشأن قضايا حقوق الإنسان المواضيعية.

1.3. هيكل المجلس وآليات عمله

- يتكون مجلس حقوق الإنسان من 47 دولة عضواً، تُنتخب من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة لفترة ثلاث سنوات، مع مراعاة التوزيع الجغرافي العادل. يجتمع المجلس بانتظام في جنيف، ويعقد ثلاث دورات عادية على الأقل في السنة (في مارس ويونيو وسبتمبر)، بالإضافة إلى إمكانية عقد دورات استثنائية لمعالجة الأزمات الطارئة.

1.4. إحصاءات حول قرارات مجلس حقوق الإنسان (2006- 2026): نظرة عامة

- منذ تأسيسه في عام 2006، أصدر مجلس حقوق الإنسان الآلاف من القرارات التي تناولت مجموعة واسعة من قضايا حقوق الإنسان المواضيعية والقطرية. تشير البيانات المتاحة، مثل تلك الموجودة في "بوابة قرارات حقوق الإنسان" (Universal-Rights.org)، إلى حجم العمل التشريعي والتوجيهي الذي أنجزه المجلس.

‌أ) الكمية الإجمالية للقرارات: على مدى سنوات عمله، أصدر المجلس 1911 قرار لغاية الدورة الاعتيادية 61 للمجلس هذه القرارات تعكس الأولويات المتغيرة للمجتمع الدولي وتحديات حقوق الإنسان المستجدة.

‌ب) التوزيع حسب السنوات والدورات: يظهر تحليل القرارات نمطاً مستقراً لعدد القرارات المتخذة في كل دورة عادية، مع ارتفاع طفيف في الدورات التي تشهد مناقشات حول قضايا ملحة أو أزمات إنسانية.

‌ج) القرارات المواضيعية مقابل القطرية: عادة ما تكون القرارات المواضيعية (التي تتناول قضايا مثل الحق في التعليم، حرية التعبير، حقوق المرأة) أكثر عدداً من القرارات القطرية (التي تركز على وضع حقوق الإنسان في دولة معينة). هذا يعكس محاولة المجلس لتقديم إطار عمل عالمي مع معالجة الحالات الفردية.

‌د) القرارات المتخذة بالتوافق (Consensus) مقابل التصويت: يسعى المجلس قدر الإمكان إلى اتخاذ القرارات بالتوافق لتحقيق أقصى درجات الدعم الدولي. ومع ذلك، غالباً ما تتطلب القرارات الأكثر حساسية سياسياً، خاصة تلك المتعلقة بأوضاع قطرية، تصويتاً، مما يكشف عن الانقسامات في الآراء داخل المجلس.

الخلاصة:

- يمثل مجلس حقوق الإنسان تطوراً مهماً في الهندسة الدولية لحقوق الإنسان، حيث سعى لتجاوز تحديات سلفه وتعزيز المساءلة والتعاون. إن آلياته المتعددة، من الاستعراض الدوري الشامل إلى الإجراءات الخاصة، توفر إطاراً شاملاً لتقييم أوضاع حقوق الإنسان حول العالم. ومع ما يقرب من عقدين من العمل، تتراكم حصيلة ضخمة من القرارات التي تعكس جهوده المستمرة في هذا المجال، مما يوفر أرضية صلبة لتحليل الدور الذي لعبته الدول العربية في هذه المسيرة.

2. الفصل الثاني: المساهمات العربية في مجلس حقوق الإنسان

2.1. تحليل أداء الدول العربية في الدورات الاعتيادية لمجلس حقوق الإنسان

- تُعد الدورات الاعتيادية لمجلس حقوق الإنسان (التي تُعقد ثلاث مرات سنوياً في مارس ويونيو وسبتمبر) هي العمود الفقري لعمل المجلس. فهي توفر الإطار لمناقشة جميع قضايا حقوق الإنسان المواضيعية والقطرية، وتلقي تقارير الإجراءات الخاصة، واستعراض نتائج الاستعراض الدوري الشامل، واعتماد القرارات. إن تحليل أداء الدول العربية في هذه الدورات يكشف عن نمط مشاركتها، أولوياتها، ومدى تأثيرها في صياغة الأجندة الدولية لحقوق الإنسان.

‌أ) المشاركة في النقاشات التفاعلية والحوارات:

- الكثافة والتركيز: تُظهر الدول العربية، بشكل عام، مشاركة نشطة في النقاشات التفاعلية والحوارات خلال الدورات الاعتيادية. تميل هذه المشاركة إلى التركيز على بنود جدول الأعمال التي تتوافق مع أولوياتها السياسية وحقوق الإنسان، مثل:

1) البند 7 (وضع حقوق الإنسان في فلسطين والمناطق العربية المحتلة الأخرى): هذا البند هو أحد البنود الدائمة في جدول أعمال المجلس، وتشهد مشاركة عربية قوية وموحدة تقريباً، حيث تتبنى الدول العربية مواقف داعمة لحقوق الشعب الفلسطيني.

2) البند 2 (التقرير السنوي للمفوض السامي): تشارك الدول العربية في التعليق على تقرير المفوض السامي، مع التركيز على أهمية الحياد والموضوعية وتجنب التسييس.

3) البنود المواضيعية: تساهم الدول العربية في النقاشات حول قضايا مثل مكافحة العنصرية، الإسلاموفوبيا، الحق في التنمية، حقوق الأطفال والمرأة، ومكافحة الإرهاب، وذلك وفقاً لأولوياتها الوطنية.

4) البنود القطرية: في بعض الحالات، تشارك الدول العربية في النقاشات حول أوضاع حقوق الإنسان في دول عربية أخرى (خاصة الدول التي تشهد نزاعات)، أو دول أفريقية وإسلامية، مع تباين في المواقف أحياناً.

- التنسيق الإقليمي: غالباً ما يتم التنسيق بين الدول العربية عبر المجموعة العربية في جنيف، لتقديم بيانات مشتركة أو تبني مواقف موحدة حول قضايا معينة، مما يعزز من وزن صوتها في المجلس.

‌ب) رعاية القرارات وتقديمها (Sponsorship and Co-sponsorship):

- مبادرات رئيسية: تبرز الدول العربية كراعية رئيسية لعدد من القرارات الهامة، خاصة تلك المتعلقة بـ:

1) القضية الفلسطينية: تُعد الدول العربية هي المحرك الأساسي للقرارات المتعلقة بوضع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

2) مكافحة الإسلاموفوبيا وتشويه الأديان: لعبت دول عربية وإسلامية (بقيادة دول مثل مصر والسعودية) دوراً محورياً في صياغة وتقديم قرارات في هذا المجال.

3) الحق في التنمية: تساهم الدول العربية في رعاية قرارات تعزز هذا الحق كأولوية لدول الجنوب.

4) قضايا اجتماعية وثقافية: مثل الحوار بين الحضارات، التسامح، والعدالة الانتقالية (كما في حالة المغرب).

- الدعم الواسع: تشارك الدول العربية في التوقيع على عدد كبير من القرارات التي ترعاها دول ومجموعات إقليمية أخرى، مما يعكس انخراطها في العمل المتعدد الأطراف.

‌ج) التفاعل مع آلية الاستعراض الدوري الشامل (UPR) خلال الدورات الاعتيادية:

- تقديم التوصيات: عندما تُستعرض دول أخرى في إطار UPR، تشارك الدول العربية في تقديم التوصيات، والتي غالباً ما تعكس أولوياتها في حقوق الإنسان وتوقعاتها من الدول الأخرى.

- الاستجابة للاستعراضات الوطنية: عندما تخضع دولة عربية للاستعراض الدوري الشامل، يتم تقديم تقاريرها ونتائج مناقشتها في إحدى الدورات الاعتيادية، حيث تسعى لتقديم الصورة الإيجابية عن جهودها الإصلاحية.

‌د) التعاون مع الإجراءات الخاصة:

- تتلقى الدول العربية تقارير وتحديثات من المقررين الخاصين والخبراء المستقلين، وتشارك في النقاشات التفاعلية حول هذه التقارير، حيث تقوم بالتعليق على نتائج الزيارات القطرية أو التقارير المواضيعية. يمكن أن يختلف مستوى التعاون والانفتاح على الإجراءات الخاصة بين الدول العربية.

‌ه) المواقف وأنماط التصويت:

- التوافق الإقليمي: غالباً ما تتميز المواقف وأنماط التصويت العربية بتوافق عالٍ ضمن المجموعة العربية، والمجموعة الأفريقية، ومنظمة التعاون الإسلامي.

- السيادة وعدم التدخل: يميل جزء كبير من الدول العربية إلى تبني مواقف تشدد على مبدأ السيادة وتتحفظ على القرارات القطرية التي ترى فيها تدخلاً في الشؤون الداخلية.

- الكتلة التصويتية: تشكل الدول العربية كتلة تصويتية مهمة، خاصة عندما تكون هناك قضايا حساسة تتطلب حشد الأصوات.

2.2. تقييم مختصر لأداء الدول العربية في الدورات الاعتيادية للمجلس:

يمكن وصف الأداء العام للدول العربية في الدورات الاعتيادية لمجلس حقوق الإنسان بأنه نشط، متزايد التأثير، ولكن يتسم ببعض التحديات والتباينات.

نقاط القوة:

- التمثيل والدفاع عن قضايا محورية: تلعب الدول العربية دوراً أساسياً في إبقاء القضية الفلسطينية حية في أجندة المجلس، وهي رائدة في مكافحة الإسلاموفوبيا وتقديم منظور دول الجنوب في قضايا التنمية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

- التنسيق الدبلوماسي: يتميز التنسيق بين الدول العربية بالمجموعة العربية بالفعالية في حشد الدعم وتبني مواقف موحدة حول القضايا الرئيسية.

- المشاركة المنتظمة: تلتزم الدول العربية بالمشاركة في النقاشات والآليات المختلفة للمجلس.

نقاط يمكن تحسينها والتحديات:

- الفجوة بين الخطاب والممارسة: في بعض الحالات، تظل هناك فجوة بين الخطاب الدبلوماسي القوي للدول العربية في مجال حقوق الإنسان على الساحة الدولية والتطبيق الفعلي لبعض المعايير والتوصيات على المستوى الوطني.

- التسييس والانتقائية المتبادلة: بينما تنتقد الدول العربية تسييس حقوق الإنسان، فإنها قد تُتهم أحياناً بتبني مواقف انتقائية في القضايا القطرية، مما يؤثر على مصداقيتها.

- التعامل مع الانتقادات: قد تواجه بعض الدول العربية تحديات في التعامل مع الانتقادات الموجهة إليها من قبل منظمات المجتمع المدني أو الدول الأخرى بشأن سجلها الحقوقي.

- التباعد في الأولويات: على الرغم من التنسيق، قد تظهر تباينات في الأولويات أو المواقف بين الدول العربية في قضايا محددة.

2.3. التقييم المفصّل لأداء الدول العربية الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان

إطار منهجي للتحليل

- يرتكز هذا التقييم على أربعة محاور: (١) المشاركة في الرعاية المشتركة للقرارات والبيانات، (٢) أنماط التصويت، (٣) التفاعل مع آلية الاستعراض الدوري الشامل (UPR)، (٤) التعاون مع الإجراءات الخاصة. وتشمل الدول المُقيَّمة خمس عشرة دولة عربية أعضاء، متفاوتة في فترات عضويتها ومستويات تأثيرها.

أولاً: الدول ذات الأداء المرتفع والتأثير المؤسسي

١. المغرب

‌أ) فترات العضوية: سبع سنوات وكما يلي:

2006-2007، 2014، 2015، 2016، 2023، 2024، 2025

يمثّل المغرب النموذج الأكثر تكاملاً في الأداء العربي داخل المجلس. تميّز بالمشاركة المبكرة منذ تأسيس المجلس عام 2006، وبنى على ذلك حضوراً تراكمياً في ثلاث فترات، مما أتاح له التأثير في صياغة أعراف المجلس لا مجرّد المشاركة فيها.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- مستوى رعاية مشتركة مرتفع جداً يشمل قضايا التسامح، العدالة الانتقالية، الهجرة، والتعاون الفني

- تعاون راسخ مع الإجراءات الخاصة، تجلّى في استضافة مقررين خاصين وخبراء مستقلين

- تجربة "هيئة الإنصاف والمصالحة" منحته مصداقية استثنائية في ملف العدالة الانتقالية

- استجابة إيجابية لتوصيات UPR مقرونة بإصلاحات تشريعية موثّقة

‌ج) القيود البنيوية: تظل الفجوة بين التزاماته الدولية وأداء الحريات المدنية داخلياً - لا سيما حرية الصحافة والتجمع - موضع انتقاد دوري من المفوضية السامية ومنظمات المجتمع المدني الدولية. كما أن المواقف المتباينة بشأن الصحراء الغربية تشكّل نقطة توتر دبلوماسية تلقي بظلالها أحياناً على مصداقية الخطاب الحقوقي.

‌د) الحكم التقييمي: فاعل قيادي ومبادر، يستخدم العضوية أداةً للدبلوماسية الحقوقية وتعزيز الصورة الدولية، لا مجرّد تنسيق مجموعاتي.

٢. الجزائر

‌أ) فترات العضوية: سبع سنوات وكما يلي:

2006-2007، 2014، 2015، 2016، 2023، 2024، 2025

تُعدّ الجزائر من أقوى الأصوات العربية في قضية حق تقرير المصير، وتتمتع بثقل تاريخي مستمد من تجربة حركة التحرر الوطني، مما يمنح مواقفها مشروعية معنوية في المحافل الأممية.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- رعاية نشطة لقرارات تقرير المصير، والقضية الفلسطينية، ومكافحة الإسلاموفوبيا

- تنسيق فعّال داخل المجموعتين الأفريقية والعربية مع قيادة موضعية أحياناً

- حضور متكرر في ثلاث فترات يُشير إلى استراتيجية وليس مشاركة انتهازية

- مساهمة في توصيات UPR تعكس أولويات ذات طابع جنوبي-جنوب

‌ج) القيود البنيوية: تبرز الهوّة الكبيرة بين الخطاب الدبلوماسي الحقوقي الرفيع والتضييق الداخلي على المعارضة والمجتمع المدني. يُشكّل هذا التناقض نقطة ضعف هيكلية تُفضي إلى استهداف الجزائر بانتقادات ذات صدى واسع في هيئات المعاهدات.

‌د) الحكم التقييمي: فاعل مؤثر في القضايا المفاهيمية الكبرى، لكنه يواجه إشكالية المصداقية على مستوى التطبيق الداخلي.

٣. قطر

‌أ) فترات العضوية: خمسة عشر سنة وكما يلي ( 2007-2008، 2008-2009، 2009-2010، 2010-2011، 2011-2012،2013، 2015، 2016، 2017، 2018، 2019، 2020، 2022، 2023، 2024 )

استثمرت قطر ثقلها الاقتصادي وقوتها الناعمة في بناء حضور دبلوماسي حقوقي متصاعد، وتميزت بالجمع بين الريادة في قضايا الإسلاموفوبيا وحقوق العمال الوافدين، مستفيدةً من ديناميكية كأس العالم 2022 لتصوير الإصلاحات العمالية كإنجاز دولي.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- مستوى رعاية مرتفع جداً عبر ثلاث فترات متتالية تقريباً

- قيادة ملحوظة في ملف مكافحة الإسلاموفوبيا بالتنسيق مع منظمة التعاون الإسلامي

- إصلاحات عمالية موثّقة (إلغاء نظام الكفالة جزئياً، تحديد حد أدنى للأجور) أُدرجت ضمن خطاب UPR

- تعاون جيد مع الإجراءات الخاصة بما فيها زيارات المقررين

‌ج) القيود البنيوية: استمرار القيود على الحريات المدنية والسياسية، ولا سيما حرية التعبير والتجمع، إضافةً إلى ثغرات في تطبيق إصلاحات العمالة المنزلية التي لا تزال تخضع لمتابعة دقيقة من منظمة العمل الدولية.

‌د) الحكم التقييمي: دبلوماسية حقوقية برغماتية وعالية الأداء، لكنها تعاني من فجوة معيارية داخلية تُضعف متانة المصداقية على المدى البعيد.

٤. الأردن

‌أ) فترة العضوية: ست سنوات وكما يلي (2006-2007، 2007-2008، 2008-2009، 2009-2010، 2010-2011، 2011-2012)

‌ب) رغم فترة عضوية واحدة، أبدى الأردن أداءً متميزاً يعكس مزاجاً دبلوماسياً بناءً. يستمد الأردن مشروعيته الحقوقية في المجلس من واقعه كأكبر مستضيف للاجئين نسبةً إلى حجمه السكاني، مما يمنحه صوتاً مؤسسياً في الشؤون الإنسانية.

‌ج) مؤشرات الأداء:

- نشاط مرتفع جداً في الرعاية المشتركة للقرارات، متجاوزاً توقعات دولة بفترة عضوية واحدة

- دعم مبدئي للقضية الفلسطينية مقترن بخبرة تشغيلية في ملفات اللجوء

- إصلاحات قانونية موثّقة في مجالي التعذيب وحقوق المرأة

- انفتاح على التعاون مع المقررين الخاصين

‌د) القيود البنيوية: قيود مستمرة على حرية التعبير والتجمع، وتحديات في حقوق العمال الوافدين، وعدم تطبيق كامل للتوصيات المتعلقة بالحريات المدنية.

‌ه) الحكم التقييمي: فاعل بناء وموثوق، يمتلك أوراق اعتماد حقوقية فريدة تتعلق بالأزمات الإنسانية تستحق توظيفاً أعمق في المبادرات المستقبلية.

ثانياً: الدول ذات الأداء المتوسط والحضور التنسيقي

٥. مصر

‌أ) فترات العضوية: سبع سنوات وكما يلي (2007-2008، 2008-2009، 2009-2010، 2017، 2018، 2019، 2026)

تمتلك مصر ثقلاً هيكلياً في منظومة الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وقد استثمرت هذا الثقل في قيادة ملف مكافحة الإسلاموفوبيا بفعالية، غير أن سجلها الحقوقي الداخلي الذي بات مثاراً لانتقادات دولية واسعة قيّد قدرتها على ترسيخ مصداقية أشمل.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- دور قيادي موثّق في ملف مكافحة الإسلاموفوبيا وتشويه الأديان

- تنسيق فعّال في إطار المجموعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي

- حضور تفاوضي قوي في صياغة القرارات المواضيعية

- مشاركة UPR تعكس قبولاً انتقائياً للتوصيات

‌ج) القيود البنيوية: الفجوة الكبيرة بين الأداء الدبلوماسي والسياق الداخلي المتعلق باحتجاز المدافعين عن حقوق الإنسان، والقيود على المجتمع المدني، ومحدودية التعاون مع بعض الإجراءات الخاصة - تجعل الموقف المصري في المجلس عُرضةً للانتقاد بالازدواجية المعيارية.

‌د) الحكم التقييمي: فاعل تقني مؤثر في قضايا محددة، لكن تآكل المصداقية الناجم عن الأوضاع الداخلية يُضعف تأثيره المعياري الأشمل.

٦. الإمارات العربية المتحدة

‌أ) فترات العضوية: تسع سنوات وكما يلي ( 2013، 2014، 2015، 2016، 2017، 2018، 2022، 2023، 2024)

تعتمد الإمارات استراتيجية دبلوماسية حقوقية مدعومة بالقوة الناعمة، تجمع بين الريادة في خطاب التسامح والتعايش ومكافحة الاتجار بالبشر وتمكين المرأة من جهة، والتحفظ على آليات المساءلة المستقلة من جهة أخرى.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- نشاط رعاية مرتفع يعكس استثماراً دبلوماسياً مقصوداً

- مبادرات بارزة في ملف التسامح وحوار الأديان مرتبطة بالهوية الدولية للإمارات

- إصلاحات عمالية جزئية تُسوَّق دولياً

- دعم القدرات وبناء المؤسسات في إطار التعاون الجنوب-جنوب

‌ج) القيود البنيوية: استمرار القيود المشددة على حرية التعبير والتجمع وحقوق العمال الوافدين في جوانب جوهرية، والتحفظ على القرارات القُطرية المتعلقة بدول الجوار في سياقات سياسية بعينها.

‌د) الحكم التقييمي: دبلوماسية براغماتية مُتقنة الإخراج، تحتاج إلى عمق أكبر في تطبيق الالتزامات على المستوى الوطني لتعزيز المصداقية المعيارية.

٧. المملكة العربية السعودية

‌أ) فترات العضوية: اربع عشر سنة وكما يلي ( 2006-2007، 2007-2008، 2008-2009، 2009-2010، 2010-2011، 2011-2012، 2014، 2015، 2016، 2017، 2018، 2019، 2021، 2022 )

تستثمر المملكة ثقلها الاقتصادي والديني في المجلس، وتحتل موقع قيادة الملف الإسلامي في ما يتعلق بمكافحة الإسلاموفوبيا والحوار بين الأديان. وقد منحت إصلاحات رؤية 2030 - ولا سيما في مجال حقوق المرأة - خطابها الحقوقي أرضيةً أكثر موثوقية من سابقيها.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- قيادة ملف مكافحة الإسلاموفوبيا بالتنسيق مع منظمة التعاون الإسلامي

- إصلاحات حقوق المرأة (قيادة السيارة، الولاية، التوظيف) وفّرت مادةً دبلوماسية إيجابية

- تنسيق فعّال مع مجلس التعاون الخليجي والمجموعة العربية

- نشاط مرتفع في UPR تضمّن قبول قدر من التوصيات

‌ج) القيود البنيوية: تظل قضايا حرية التعبير والتجمع وحقوق المدافعين وحالات الاحتجاز التعسفي مصدر انتقاد دولي مستمر. كما أن قضايا بارزة - بما فيها قضية خاشقجي - ألحقت ضرراً بالغاً بالسمعة الحقوقية الدولية.

‌د) الحكم التقييمي: فاعل ذو نفوذ واسع وبرامج إصلاحية قابلة للرصد، غير أن استدامة المصداقية مرتبطة بإغلاق الفجوة المعيارية الداخلية الكبيرة.

٨. البحرين

‌أ) فترة العضوية: سبع سنوات وكما يلي 2006-2007، 2008-2009، 2009-2010، 2010-2011، 2019، 2020

‌ب) 2021

‌ج)

جاءت عضوية البحرين في سياق حساس تبع أحداث عام 2011 والانتقادات الدولية الواسعة التي رافقتها. واستخدمت البحرين العضوية لتوجيه رسائل دبلوماسية عن الإصلاح، مع الحفاظ على التوافق مع المجموعة الخليجية.

‌د) مؤشرات الأداء:

- مشاركة نشطة في ملفات الحوار بين الأديان ومكافحة الإرهاب

- توافق تام مع مجلس التعاون الخليجي والمجموعة العربية

- مشاركة في UPR بمستوى قبول متوسط للتوصيات

‌ه) القيود البنيوية: استمرار التضييق على حرية التعبير والتجمع وحقوق المعارضة، وقيود على العمل الحقوقي المستقل داخل البلاد تُخضعها لمتابعة دقيقة من المقررين الخاصين.

‌و) الحكم التقييمي: حضور تنسيقي يخدم أهدافاً دبلوماسية إعادة تأهيل أكثر من أنه يُترجم التزاماً حقوقياً هيكلياً.

٩. الكويت

‌أ) فترة العضوية: ست سنوات وكما يلي (2011-2012، 2013، 2014، 2024، 2025، 2026) .

أدّت الكويت دورها بمستوى مقبول كدولة خليجية ذات تجربة ديمقراطية نسبية، وإن ظل أداؤها داخل إطار التنسيق الإقليمي في الغالب دون مبادرة نوعية مستقلة.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- دعم ثابت للقضية الفلسطينية والقرارات الإسلامية المشتركة

- مشاركة جيدة في UPR مع قبول بعض التوصيات

- تعاون مقبول مع الإجراءات الخاصة في ملفات متعددة

‌ج) القيود البنيوية: تحديات مستمرة في ملفات حقوق العمال الوافدين والبدون، وإن كانت الكويت تواجه ضغطاً دولياً أقل حدةً مقارنةً بدول الجوار.

‌د) الحكم التقييمي: أداء معقول بمعايير دولة صغيرة متوسطة الحجم، يحتاج إلى قيادة أكثر جرأة في القضايا التي تمتلك فيها الكويت خبرةً مؤسسية.

ثالثاً: الدول ذات الأداء الانتقالي أو الاستثنائي

١٠. موريتانيا

‌أ) فترات العضوية: ست سنوات وكما يلي ( 2010- 2011، 2011-2012، 2013، 2020، 2021، 2022 )

تمثّل موريتانيا نموذجاً مثيراً للاهتمام؛ دولة صغيرة تحمل ملفاً محرجاً تاريخياً في قضية الرق، غير أنها تحوّلت إلى الاستناد إلى هذه القضية ذاتها كورقة دبلوماسية للانخراط الدولي.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- دعم قرارات مكافحة الرق والعبودية الحديثة بما يجعل موريتانيا أكثر حضوراً في هذا الملف تحديداً

- تنسيق جيد مع المجموعتين الأفريقية والعربية

- مشاركة UPR بمستوى مقبول مع قبول توصيات في ملف الرق

‌ج) القيود البنيوية: يظل التطبيق الوطني الفعلي لقوانين مكافحة الرق موضع متابعة دولية متواصلة، مع وجود ثغرات موثّقة في التنفيذ وتسجيل الحالات.

‌د) الحكم التقييمي: نموذج لتحوّل الإشكالية الداخلية إلى ورقة دبلوماسية، مع استمرار تحديات التطبيق الحقيقي.

١١. الصومال

‌أ) فترة العضوية: ست سنوات وكما يلي (، 2019، 2020، 2021، 2022، 2023، 2024)

تُمثّل عضوية الصومال في المجلس مؤشراً على عودة الدولة تدريجياً إلى النظام الدولي، لا أداةً لقيادة سياسات حقوقية. الإنجاز الحقيقي يكمن في المشاركة ذاتها رغم التحديات الهائلة.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- مشاركة نسبية في الرعاية المشتركة للقرارات المتعلقة بحقوق الأطفال والمرأة ومكافحة الإرهاب

- توافق مع المجموعتين الأفريقية والعربية

- استعداد للخضوع لاستعراض UPR رغم هشاشة المؤسسات

‌ج) القيود البنيوية: ضعف المؤسسات الوطنية يحول دون تنفيذ أي التزامات دولية جوهرية. الأزمة الأمنية والتدخلات الخارجية تجعل الالتزام الحقوقي مشروطاً بشروط مسبقة للاستقرار.

‌د) الحكم التقييمي: حضور رمزي ذو قيمة في إطار إعادة بناء الدولة، غير أن الأثر المعياري محدود في المدى المنظور.

١٢. العراق

‌أ) فترة العضوية: لريع سنوات وكما يلي (2017، 2018، 2019، 2026 )

جاءت عضوية العراق في مرحلة انتقالية حرجة تزامنت مع ذروة المعارك ضد داعش ومرحلة إعادة الإعمار الأولى. استثمر العراق عضويته في توظيف خطاب ضحايا الإرهاب كمدخل دبلوماسي مشروع.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- تركيز على مكافحة الإرهاب وحقوق ضحاياه، مجال تمتلك فيه العراق خبرة استثنائية

- دعم القضية الفلسطينية والتنسيق مع المجموعة العربية

- مشاركة في UPR مع قبول جزئي للتوصيات

‌ج) القيود البنيوية: ضعف المؤسسات، واستمرار بعض الإشكاليات في سيادة القانون والاحتجاز التعسفي وملف الإيزيديين، تُضعف من قدرة العراق على تقديم نموذج حقوقي قابل للتعميم.

‌د) الحكم التقييمي: أداء وظيفي محدود، والأثر المستقبلي مرهون بمسار الإصلاح المؤسسي الداخلي.

١٣. السودان

‌أ) فترات العضوية: ست سنوات وكما يلي (2020، 2021، 2022، 2023، 2024، 2025)

‌ب)

تُمثّل حالة السودان تناقضاً صارخاً: عضو في مجلس حقوق الإنسان يخضع في الوقت ذاته لولاية خاصة ومراقبة دولية مستمرة بسبب انتهاكات موثّقة.

‌ج) مؤشرات الأداء:

- مشاركة معتدلة في التوقيع على القرارات المواضيعية

- انخراط جزئي في UPR مع قبول بعض التوصيات

- تحسّن ملحوظ في الفترة الانتقالية 2019–2021 تمثّل في استعداد أكبر للتعاون مع الإجراءات الخاصة

‌د) القيود البنيوية: النزاعات المتكررة - دارفور، جنوب كردفان، والحرب الراهنة 2023 - إضافةً إلى عدم الاستقرار السياسي الهيكلي، تجعل أي التزام حقوقي سريع التراجع. وجود ولاية خاصة للمراقبة يكشف عن أن عضوية المجلس لا تُرادف الامتثال الحقوقي.

‌ه) الحكم التقييمي: حالة مثيرة للجدل معياريًا، وأداؤها كعضو في المجلس بينما تتعرض لرقابة خاصة يطرح تساؤلات جوهرية حول معايير العضوية ذاتها.

١٤. ليبيا - حالة استثنائية (تعليق العضوية)

‌أ) فترة العضوية:

تُشكّل تجربة ليبيا سابقة تاريخية فريدة في منظومة مجلس حقوق الإنسان، وهي الأولى من نوعها: تعليق العضوية بقرار من الجمعية العامة بسبب "انتهاكات جسيمة ومنهجية" عام 2011.

‌ب) الدلالة المعيارية:

- أثبتت هذه السابقة أن عضوية المجلس ليست محصّنة، وأن للمؤسسة الأممية أدوات استثنائية للمساءلة

- كشفت عن الهشاشة البنيوية لدول تستخدم المجلس لتحسين صورتها مع إمعان التضييق داخلياً

- أسست لمبدأ أن الانتهاكات الجسيمة المنهجية تتجاوز ملاحظات UPR لتصل إلى آليات التعليق

‌ج) الحكم التقييمي: دراسة حالة لآليات الردع الأممي ومحدودياتها، وتحذير دائم لأعضاء المجلس بأن البون الواسع بين الخطاب والممارسة يمكن أن يُفضي إلى عواقب مؤسسية.

١٥. جيبوتي

‌أ) فترات العضوية: 2013–2015، 2018–2020

يُعدّ أداء جيبوتي نموذجاً لدولة صغيرة تستخدم العضوية أساساً للحضور الجغرافي وتنسيق المجموعة الأفريقية، دون مبادرة نوعية مستقلة.

‌ب) الحكم التقييمي: مشاركة معقولة بمعايير دولة صغيرة ذات موارد محدودة.

رابعاً: الأنماط الهيكلية المشتركة

‌أ) نمط التنسيق الجماعاتي: ترتكز الدول العربية الأعضاء في مجلسها الجماعي على التنسيق داخل إطارين متوازيين - المجموعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي - مما يُنتج مواقف موحّدة وأحياناً أنتج هيمنةً على نتائج بعض القرارات، غير أنه يُضعف الاستقلالية المعيارية للدول منفردةً.

‌ب) ازدواجية الخطاب والممارسة: جميع الدول العربية تقريباً تعاني من فجوة قابلة للقياس بين التزاماتها الدولية المعلنة وأوضاع الحريات المدنية والسياسية داخلياً. هذه الفجوة لا تمر دون رصد في آليات هيئات المعاهدات واستعراضات UPR.

‌ج) ج. مبدأ السيادة كضابط للمشاركة: يُلاحَظ بشكل ممنهج أن الدول العربية الأعضاء تمتنع عن التصويت أو تصوّت ضد القرارات القُطرية ذات الطابع الحساس، مُؤطِّرةً موقفها بمبدأ السيادة وعدم التدخل. وهذا ليس موقفاً عربياً حصراً، لكنه يكتسب أهميةً خاصة في سياقات النزاعات الإقليمية.

‌د) د. انعدام التناسق بين حجم التأثير وحجم الدولة: لا يوجد ارتباط خطي بين حجم الدولة وثقلها في المجلس؛ المغرب والأردن يُثبتان أن الاتساق المعياري والمبادرة النوعية يمنحان تأثيراً يتجاوز الحجم، في حين أن دولاً أكبر تفتقر إلى هذين المقوّمين.

الملخص التنفيذي الشامل

أداء الدول العربية في مجلس حقوق الإنسان: قراءة تحليلية

1. التوزيع التقييمي العام

تتوزع الدول الخمس عشرة المُقيَّمة عبر ثلاثة مستويات أداء:

‌أ) المستوى الأول - الأداء المؤسسي القيادي (أداء مرتفع): المغرب والجزائر وقطر والأردن. تجمعها مبادرة نوعية، وتعاون مستدام مع آليات المجلس، وخطاب حقوقي ذو تماسك داخلي نسبي.

‌ب) المستوى الثاني - الأداء التنسيقي (أداء متوسط): مصر والإمارات والسعودية والبحرين والكويت وموريتانيا. تتميز بنشاط في التنسيق الإقليمي والقضايا الانتقائية، مع فجوة معيارية داخلية واضحة.

‌ج) المستوى الثالث - الأداء الانتقالي أو الاستثنائي (أداء محدود): الصومال والعراق والسودان وجيبوتي وليبيا. ترزح تحت ثقل التحديات الداخلية، أو تُمثّل حالات استثنائية كما في حالة ليبيا.

2. القضايا المحورية للدبلوماسية الحقوقية العربية

ثمة ثلاثة ملفات تشكّل محاور التقاطع العربي الجماعي في المجلس: القضية الفلسطينية وحق تقرير المصير، ومكافحة الإسلاموفوبيا، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في إطار الأجندة التنموية. في المقابل، يغيب التنسيق العربي شبه كلياً عند التصويت على القرارات القُطرية المتعلقة بدول المنطقة نفسها، حيث تُقدَّم اعتبارات السيادة على الأطر المعيارية.

3. المعضلة البنيوية المشتركة

تواجه الدول العربية الأعضاء إشكاليةً هيكلية مشتركة يمكن وصفها بـ"مشكلة المصداقية الانتقائية": فرغم الاستثمار الدبلوماسي المرتفع في خطاب حقوق الإنسان دولياً، يظل التطبيق الداخلي - ولا سيما في ملفات حرية التعبير، حقوق المدافعين، وضمانات الحياة المدنية - مصدراً مستمراً للانتقاد في إجراءات UPR وهيئات المعاهدات. هذه الفجوة لا تُفضي فقط إلى استهداف دبلوماسي، بل تُقيّد القدرة على بناء تحالفات واسعة مع دول ديمقراطية راسخة في قضايا مشتركة.

4. التوصية الاستراتيجية

5. لرفع مستوى التأثير العربي في المجلس من التنسيق الجماعاتي إلى القيادة المعيارية، يستلزم ذلك إجراء قدر من التقارب بين الالتزامات الدولية والسياسات التشريعية الداخلية، وتوسيع هامش التعاون مع الإجراءات الخاصة، والانتقال من موقف الدفاع عن السيادة إلى موقف بناء المعايير في القضايا التي تمتلك فيها هذه الدول خبرة فعلية - كالهجرة واللجوء والتنمية والتعايش الديني.

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

باحث في مجال حقوق الإنسان

شهد الفكر الإسلامي المعاصر تناميًا ملحوظًا في الدعوات الهادفة إلى تنقيح الموروث الحديثي وإعادة النظر في جملة من المرويات التي تسربت إلى بعض المدونات الحديثية عبر مراحل التدوين والنقل المتعاقبة، ولم تنشأ هذه الدعوات بمعزل عن التحولات الفكرية والثقافية التي شهدها العالم الإسلامي، بل جاءت استجابة لجملة من الدوافع العلمية والمنهجية والحضارية التي فرضت ضرورة مراجعة التراث الحديثي وفق الأصول والقواعد المقررة في علوم الحديث.

ولا تهدف هذه الدعوات إلى هدم الموروث الحديثي أو التقليل من قيمته العلمية، وإنما تسعى إلى صيانته من الدخيل والموضوع، وتمييز الصحيح من السقيم، والمحافظة على مكانة السنة النبوية بوصفها مصدرًا أساسيًا من مصادر المعرفة والتشريع الإسلامي، ويمكن الوقوف على أبرز المنطلقات التي أسهمت في ظهور مشاريع تنقيح الموروث الحديثي في الفكر الإسلامي المعاصر من خلال المحاور الآتية:

أولًا: المنطلق العقلاني والعقلائي

يمثل التحول الذي طرأ على طبيعة المتلقي المعاصر أحد أهم الأسباب الداعية إلى إعادة فحص الموروث الحديثي، فالمتلقي في العصور السابقة كانت معارفه محدودة بحدود ما يتلقاه من العلماء والخطباء والمؤسسات الدينية، أما اليوم فقد أوجدت الثورة المعلوماتية فضاءً معرفيًا مفتوحًا مكّن الأفراد من الوصول إلى مختلف مصادر المعرفة ومقارنتها ونقدها.

وقد أفرز هذا الواقع الجديد عقلية أكثر تساؤلًا ومناقشةً وتحليلًا، الأمر الذي جعل الخطاب الديني مطالبًا بتقديم إجابات تتناسب مع مستوى الوعي المعاصر، ومن هنا برزت الحاجة إلى مراجعة المرويات التي قد تُستغل في تقديم صورة مشوهة عن الإسلام أو تتعارض مع مقاصده الكلية وقيمه الإنسانية.

فالإسلام الذي بعث نبيه رحمة للعالمين، وجعل من مكارم الأخلاق مقصدًا أساسيًا للرسالة، لا يمكن أن يُختزل في مرويات غير ثابتة أو في قراءات مجتزأة لبعض النصوص، ومن ثم فإن تنقيح الموروث الحديثي يعد خطوة ضرورية في سبيل بناء خطاب ديني معاصر يجمع بين الأصالة والفاعلية، ويعبر عن روح الإسلام وقيمه الحضارية.

ثانيًا: المنطلق الأخلاقي

تعرض الإسلام ونبيه الأكرم محمد (ص) خلال العقود الأخيرة إلى موجات متكررة من التشويه والطعن، سواء عبر الكتابات الاستشراقية أو الحملات الإعلامية والرسوم المسيئة، وقد استند بعض تلك الطعون إلى روايات ومرويات منسوبة إلى النبي الكريم أو إلى التراث الإسلامي بصورة عامة، ولئن كانت كثير من هذه الطعون تفتقر إلى الموضوعية العلمية، فإن بعضها وجد في بعض المرويات الضعيفة أو الموضوعة مادة جاهزة لتشويه صورة الإسلام ونبيه، ومن هنا برز البعد الأخلاقي بوصفه أحد أهم منطلقات تنقيح الموروث الحديثي، إذ تقتضي الأمانة العلمية والدينية تنقية السنة من كل ما أُلصق بها زورًا، وإبراز الصورة الحقيقية للنبي الأكرم ( ص) بوصفه نموذجًا للرحمة والعدل والكمال الإنساني.

ثالثًا: منطلق التنزيه

يقوم هذا المنطلق على ضرورة تنزيه السنة النبوية الشريفة من المرويات التي لا تنسجم مع مضامينها الرسالية أو مع المبادئ الإسلامية الثابتة، فالسنة تمثل الامتداد العملي للقرآن الكريم، ومن ثم فإن المحافظة على نقائها تعد جزءًا من المحافظة على الهوية الفكرية والحضارية للأمة، كما يشمل هذا المنطلق تنزيه مقام النبي الأكرم وأهل بيته (عليهم السلام) من الروايات التي نُسبت إليهم بغير حق، أو التي تتضمن ما لا ينسجم مع مكانتهم العلمية والروحية، ومن هنا كان تنقيح الموروث الحديثي وسيلةً لحماية المقدسات الإسلامية من التشويه والتحريف، وإظهار معالمها الحقيقية للأجيال المعاصرة.

رابعًا: المنطلق المنهجي

يرتبط هذا المنطلق باختلاف المناهج المتبعة في التعامل مع التراث الحديثي، ويمكن رصد ثلاثة اتجاهات رئيسة في هذا المجال:

الاتجاه الأول: اتجاه يميل إلى تقديس الموروث الحديثي ويرفض إخضاعه للنقد أو المراجعة، انطلاقًا من اعتباره جزءًا من الثوابت التي لا يجوز الاقتراب منها.

الاتجاه الثاني: اتجاه نقدي متشدد تجاوز في بعض تطبيقاته حدود المراجعة العلمية إلى التشكيك الواسع في كثير من المرويات، الأمر الذي أدى إلى استبعاد مساحة كبيرة من التراث الحديثي.

 الاتجاه الثالث: وهو الاتجاه المعتدل، فيتبنى منهج المحافظة على الموروث الحديثي مع إخضاعه في الوقت نفسه لقواعد النقد والتحقيق العلمي، وهذا الاتجاه لا ينطلق من منطق التقديس المطلق ولا من منطق الرفض الشامل، بل يسعى إلى تنقية التراث عبر الأدوات المنهجية التي طورها علماء الحديث قديمًا وحديثًا.

خامسًا: المنطلق المذهبي

كان للبعد المذهبي حضور واضح في مشاريع تنقيح الموروث الحديثي، إذ سعت المدارس الإسلامية المختلفة إلى مراجعة الروايات المرتبطة بالقضايا العقدية والكلامية التي شكّلت محورًا للجدل بين المذاهب، وقد نتج عن ذلك ظهور العديد من الدراسات والمؤلفات التي هدفت إلى الدفاع عن الأصول العقدية للمذاهب الإسلامية من خلال فحص الأحاديث وتمحيصها، والكشف عن المرويات التي لا تتوافر فيها شروط القبول العلمي، ومن ثم أصبح هذا المنطلق أحد العوامل المؤثرة في ازدهار الدراسات الحديثية النقدية في العصر الحديث.

سادسًا: المنطلق العلمي

يُعد المنطلق العلمي من أكثر المنطلقات موضوعية وتأثيرًا في مشاريع تنقيح الموروث الحديثي، إذ يقوم على البحث عن الروايات الدخيلة والكشف عن أسباب دخولها إلى المدونات الحديثية، والمقصود بالدخيل كل ما أُدخل إلى المنظومة الحديثية وليس منها، سواء أكان ذلك على مستوى أصل الرواية أم على مستوى ألفاظها ومضامينها، وعليه يمكن التمييز بين صورتين أساسيتين للدخيل الحديثي:

الأولى: الروايات الموضوعة والمكذوبة التي اختُلقت ونُسبت إلى النبي الأكرم أو إلى غيره من المعصومين من دون مستند صحيح.

الثانية: الروايات التي تعرضت أثناء مراحل النقل والتدوين إلى التصحيف أو التحريف أو الزيادة والنقصان، بما أدى إلى تغيير دلالاتها أو تشويه مضامينها الأصلية.

وقد أسهمت الدراسات الحديثية المعاصرة في الكشف عن هذه الظواهر من خلال اعتماد مناهج التحقيق العلمي والمقارنة بين النسخ والمصادر المختلفة.

معايير تنقيح الموروث الحديثي

استندت مشاريع التنقيح الحديثة إلى جملة من المعايير العلمية التي تشكل أساسًا لنقد المتون وتمييز المقبول من المردود، ومن أبرزها:

1- عرض الرواية على القرآن الكريم واستبعاد ما يخالف نصوصه القطعية.

2- مقارنة الرواية بالأحاديث المشهورة والمستفيضة والثابتة.

3- اختبار مضمون الرواية في ضوء العقل السليم والمرتكزات العقلائية.

4- عرض الرواية على الحقائق التاريخية الموثقة.

5- الكشف عن التناقض الداخلي بين أجزاء الرواية ومضامينها.

6- دراسة الروايات التاريخية من خلال المقارنة بين طرقها ونسخها المختلفة للوصول إلى النص الأقرب إلى الواقع التاريخي.

وفي الختام نقول إن تنقيح الموروث الحديثي يمثل مشروعًا علميًا وحضاريًا يهدف إلى صيانة السنة النبوية والمحافظة على أصالتها، وليس مشروعًا لتقويض التراث أو التشكيك في قيمته، فكلما ازداد الاهتمام بالتحقيق والنقد العلمي الرصين، ازدادت قدرة الموروث الحديثي على التعبير عن جوهر الرسالة الإسلامية وقيمها الإنسانية الخالدة، وأسهم بصورة أكثر فاعلية في بناء الوعي الديني المعاصر وترشيد مسيرة الفكر الإسلامي.

***

أ.م.د. علي جعفر محمد

كلية الفقة / جامعة الكوفة

"إذا حدثت الفلسفة احتاج أهلها ضرورة إلى أن ينطقوا عن معانٍ لم تكن عندهم معلومة قبل ذلك". (الفارابي، كتاب الحروف).

تعد مسألة الحدوث والقِدم واحدة من أقدم معضلات الفلسفة، ربما لأنها تبحث في أقدم سؤال شغل العقل البشري؛ سؤال أصل العالم والإنسان. وقد تنوعت حلول الفلاسفة في الإسلام لهذه المسألة؛ فعلى سبيل المثال، تبنى أبو بكر الرازي مذهب القدماء الخمسة وعقيدة التناسخ، في حين أن الفارابي وابن سينا قالا بالفيض وإن العالم قديم بالزمان محدث بالذات. وكان لابن رشد رأيان متباينان، أحدهما للخاصة والآخر للعامة، ودلالة الرأي الأول تشي بقِدم كل من الله والعالم، بينما وجد الغزالي خلاصه في التصوف وأن لا فاعل على الحقيقة إلا الله. كما شغلت علماء الكلام بدءاً بالمعتزلة ثم الأشاعرة والماتريدية، وكذلك متكلمي الشيعة من الإمامية والزيدية والإسماعيلية. ونظراً لأن هذه المقالة تركز على الحل الإسلامي الأقدم – أي حل المعتزلة – فإنها ستقتصر على مناقشة الجوانب المرتبطة مباشرة بمسألة الألوهية وعلاقتها بالفاعل المختار، كما بدت لأعلام مدرستي البصرة وبغداد.

كان سؤال المعتزلة على النحو التالي: إذا كان الله يقدر على نفس مقدور العبد فمن هو إذن الفاعل الحقيقي؟

وكان حل المعتزلة في العدم، لأن ما يقع في العدم غير متعلق بفاعل. ماذا يعني هذا؟

لو كان العدم عدماً محضاً لنسبت خصائص الكائن لخالقه. ولذلك قالوا بشيئية المعدوم. وإطلاق الشيئية على العدم يوحي بأن المعدوم ليس مجرداً من كل مفهوم، كما لو أنهم أرادوا أن تكون الحاجة إلى الله مقصورة على إحداث العالم، صحيح أنهم يقرون بأن الله أحدث العالم لا على مثال سابق، ولكن فيما يبدو أن الخلق كان مسبوقاً بمادة، ومتى حدث الخلق وانتفى العدم، أصبح العالم مستغنياً عن الله في وجوده.

ولذا لم يكن من قبيل المصادفة أن ينظر المعتزلة إلى المعدوم لا بكونه نقيضاً للوجود، إنما بكونه في حالة لا توصف بالوجود التام ولا بالعدم المحض. فهو شيء وإن كان لم يكتسب بعد صفة الوجود بالفعل. بل هو ذات، حيث يكون الجوهر جوهراً في العدم، والعَرَض عرضاً في العدم، كالقوة والضعف، النعومة والخشونة، الصحة والمرض، البياض والسواد. أما دور الخالق فإنه يقتصر، لا في إيجاد شيء من لا شيء كما يقول أنصار الخلق من عدم، إنما على إحالة ما هو ممكن للوجود في ذاته وجوداً عيانياً. إذ لم يكن شرط الموجود عندهم متعلقاً بموجده فحسب، بل بإمكان وجوده بالقوة، وبانتفاء هذا الشرط فإنه لن يقبل الوجود على أية صورة. لذلك قيل هو ممكن في ذاته، وهو من حيث الإمكان غير محتاج إلى الفاعل، ولهذا لم ينسبوا الخواص الذاتية للشيء إلى الخالق.

على أن هذا التمييز بين الماهية والوجود ضروري لفهم معنى القديم والمحدث عند المعتزلة، إذ به صار المعدوم شيئاً. فماهية الشيء في حالة العدم، ليست اقتباساً أو محاكاة أو صورة متعلقة في أعراضها بماهية الله، على نحو العلاقة بين المثال والصورة عند أفلاطون، إنما هي بصريح العبارة "وجود بالقوة" لم يخلقه الله. غير أن ما يترتب على هذا التمييز بين الماهية والوجود عند المعتزلة هو الإقرار، صراحة أو ضمناً، بقدم المعدوم، أو ممكنات الوجود، بجانب الوجود الإلهي، بما أن الصفات الذاتية للشيء في حالة العدم لم تكن بفعل فاعل. وبذلك يكون الخلق من "العدم" قد فسره المعتزلة، على عكس عادتهم، حرفياً.

وهكذا أثبت المعتزلة سائر صفات الأجناس في العدم، على نحو الشيئية والجوهرية والعرضية واللونية إلا صفة "الحدوث الذاتي".

بناء على ذلك، فإن بشر بن المعتمر، مؤسس فرع المعتزلة في بغداد، نفى أن يكون الله خالقاً للأعراض، كالحرارة والبرودة، القوة والضعف، الشجاعة والجبن، وحتى الإبصار والعمى، على اعتبار أنها من طباع الأجسام والأشياء. فالله لا يخلق إلا الأجسام، هيئات الوجود، غير أن طباع الأجسام شأن آخر.

في كتاب "نهاية الإقدام في علم الكلام"، نجد الشهرستاني، وقد ضاق صدره بآراء المعتزلة في مبحث الإلهيات، يقول "جلت القدرة الأزلية عن أن يكون لها صلاحية مخصوصة مقصورة على وجوه من الفعل مخصوصة"، بحيث لا تشمل إيجاد الجوهر وكل عرض، إنما تقتصر على بعض الأشياء دون البعض. ومن ثم فإنه راح يشنع على المعتزلة لكونهم، بحسب رأيه، سمعوا كلاماً من الفلاسفة فأثبتوه في كتبهم قبل أن يصلوا إلى إدراك حقيقته، إنما خلطوا علم الكلام بمقولات أصحاب الهيولى، ثم أخذوا من الفلاسفة الإلهيين "كلامهم في تحقيق الأجناس والأنواع والفرق بين المتصورات في الأذهان والموجودات في الأعيان، وهم على صواب ظاهر دون الخناثى من المعتزلة لا رجال ولا نساء؛ لأنهم أثبتوا أحوالاً لا موجودة ولا معدومة"، إذ لم يستطع الشهرستاني أن يتفهم كيف يكون الفاعل موجداً ولا ينسب له من خصائص الموجود إلا فعل الإيجاد، كأن الكائنات مستغنية عن الموجد في جميع وجوهها وصفاتها وأفعالها إلا من حيث ظهورها أعياناً.

ربما غاب عن بال الشهرستاني، أن الفكر الجبري الذي واجهه المعتزلة، كان يتحرج من أن يسلب الله شيئاً، خشية القدح في القدرة الإلهية المطلقة، فقال بوحدانية الأفعال، على اعتبار أنه ليس لغير الله فعل على وجه الإيجاد، من خلق ورزق وإحياء وإماتة، وبالتالي فإن الله هو الذي يخلق على الحقيقة أفعال العباد، وأحوالهم، كالغنى والفقر، السيادة والعبودية.. كما لو أنه إله إغريقي يتمتع بصلاحيات اعتباطية شاملة. وهذا ما يخالف في نظر المعتزلة "لزوم الحكمة في أفعال الله"، وأنه لا يجوز أن تنفك عنها مطلقاً. وخلافاً لخصومهم، فإنه لا يجوز على مذهبهم أن يخلق الله الكافر الفقير الذي يعذب في الدنيا والآخرة.

ولم يكن في الواقع غرض المعتزلة إلا تعطيل الألوهية من هذا المعنى "التوحيدي"، الذي يعزو الشرور في عالم الإنسان إلى الله، في حين أن الأشياء، خيرها وشرها، على مذهبهم، تعزى إلى البشر أنفسهم.

ولذلك، فإن الذي نستخلصه من قولهم بشيئية المعدوم: إرادة نفي المشابهة بين الخالق والمخلوق، من حيث الماهية والوجود، فالمادة التي خلق منها الإنسان ليست متعلقة بماهية الله، ولو كانت متعلقة بها، أو هي جزء منها لما كانت ناقصة وحادثة، وبما أنها شيء آخر تماماً، فإن أعراضها هي غير فعل الله. وبكلام آخر، أن الإنسان لا يحتاج إلى الله إلا من جهة الوجود، وبعد الإيجاد ينقطع الفعل كما تنقطع صلة الباني بالبناء بعد إنشائه، وإلا انتفى الثواب والعقاب. لكن المسألة قد تظل غامضة إذا لم نفهم الفرق بين الإمكان والحدوث عند متكلمي الإسلام والفلاسفة الفيضيين. فالفارابي مثلاً يقول في "عيون المسائل" إن الحاجة إلى الله هي مرتبطة بالإمكان لا الحدوث. بمعنى أن العالم هو ممكن الوجود بذاته ولكنه ليس واجباً بذاته كالباري، إنما بغيره، ولولا الفاعل لما وجد بذاته، فيكون الله هو علة العالم وبانتفاء هذه العلة يصبح العالم عدماً، أي سيعود إلى ما كان عليه، مجرد إمكان، أو حالة ذهنية قابلة للتصور. أما المعتزلة، فإن الحاجة عندهم إلى الله مرتبطة بالحدوث فقط، أي إن حاجة العالم إلى الله تنتهي بعد إحداثه، كمثال البناء الذي ذكرناه، ومع هذا يرى الفارابي قدم العالم بالزمان، ولكنه حادث بالذات، بينما ينفي المعتزلة ذلك، ولهذا فإن فعالية الله في العالم عند الفارابي من خلال "العقل الفعّال" أكثر اتساعاً قياساً بانعدام الفعالية تقريباً عند المعتزلة بعد الحدوث. ذلك أن القول بفعالية الله في الواقع كما فهمها المعتزلة تتعارض في نظرهم مع حرية الإرادة وكون الإنسان مسؤولاً عن أفعاله، خيرها وشرها، ولذلك لم نبالغ في تأكيدنا على إرادة تعطيل الألوهية عند المعتزلة بالمعنى المشار إليه.

وطبيعي بعد ذلك أن يكون إبراهيم بن سيار النظّام، وهو فيلسوف المعتزلة بلا منازع، من القائلين بنظرية الكمون. والنظّام هذا هو أستاذ من هو غني عن التعريف، نعني أبا عثمان عمرو بن محبوب البصري المعروف بالجاحظ، وقد وصف الأخير معلمه في كتاب "الحيوان" بأنه "أنهج للمعتزلة سبلاً وفتق لهم أموراً واختصر لهم أبواباً ظهرت فيها المنفعة... وكان الأوائل يقولون: في كل ألف سنة رجل لا نظير له، فإن كان ذلك صحيحاً فهو النظّام".

وللنظّام تصور غريب في الخلق لم يألفه أصحاب المقالات، إذ كان يرى أن الله خلق كل شيء دفعة واحدة وفي وقت واحد، فلا آدم خلق قبل ذريته أو أن خلق الأمهات تقدم على خلق أبنائهن، ولكنه أكمن الأشياء في بعضها البعض، فيكون التعاقب الظاهري للأشياء يكمن حصراً في خروجها من حالات كمونها، دون أن تخلق من جديد وتخترع. غير أنها لا تظهر من مكامنها إلا بطريقة الحركة. وهذا ما يفسر قوله إن "الأجسام في حال خلق الله لها متحركة حركة اعتماد". وبحسب الشهرستاني، فإن الحركة كما تصورها النظّام مبدأ تغير ما، وليست انتقالاً من مكان إلى مكان، إنما حدوث وضع جديد للكائن في الزمن، من حالة الوجود بالقوة إلى الفعل، أو تحول جوهر أدنى بالمعنى الأرسطي إلى جوهر أعلى. وقد عرّف المعتزلة الحركة بأنها "كون" لا "نقلة"، والكون يعني وصول الجوهر إلى وضع وجودي أكثر كمالاً مما كان عليه، لكن إضافة النظّام كانت في تلك الحالة التي سماها "حركة اعتماد" وهي تصف حالة الكائن ما قبل التكوين، فإذا تحرك هذا الجسم فإن ما اعتمد عليه ابتداء هو الذي يوجب "طبيعته" في وضعه الجديد. ولهذا فإن النظّام لم ير في العالم سوى المادة والحركة. لكن النظّام يستدرك فيستثني آيات الرسل من الخلق الأول، ومعنى ذلك أن آيات الأنبياء لم يخلقها الله إلا وقت ما أظهرها على أيدي رسله، لكونها خلقاً متجدداً فرضته الضرورة.

الإرادة الإلهية

ثم إن النظّام امتنع عن إضافة الإرادة إلى الله، باعتباره غير مريد على الحقيقة، وإذا قيل إنه مريد لأفعال العباد فإنما هو في نظر النظّام آمر وناهٍ عنها. وهذا المعنى هو الذي يتبادر للذهن من قول فلاسفة الإسلام بأن الباري موجب بالذات، لا فاعل بالإرادة.

يحكي الأشعري في "مقالات الإسلاميين" عن مفهوم النظّام للإرادة قائلاً "الوصف لله بأنه مريد لتكوين الأشياء، معناه أنه كونّها. وإرادته للتكوين هي تكوين. والوصف له بأنه مريد لأفعال عباده فمعناه أنه أمر بها، والأمر بها غيرها (أي ليس الأمر هنا هو الأفعال نفسها)".

يتضح من ذلك أن النظّام قد نفى الإرادة الإلهية على وجهين: إرادته لأفعاله، إذ تصدر منه طبعاً، وإرادته لأفعال العباد، بمعنى خلقه لها. لأن إرادة الله عند النظّام هي فعله، أو أمره، أو حكمه، فالمراد في اللغة قد يسمى إرادة على نحو: جئتني بإرادتي، يعني مرادي. والذي نلاحظه أن هذا الرأي قريب من مذهب أستاذه أبي الهذيل العلاف، الذي بدوره لم يميز بين إرادة الله وفعله؛ فإرادته لما خلقه هي خلقه له، لكن خلقه للشيء هو غير سيرورة الشيء، كأمره بالطاعة إلا أن الطاعة هي غير فعله.

كان جعفر ابن حرب، وهو من أعلام معتزلة بغداد، يجوّز القول بأن الله أراد أن "يكون الكفر مخالفاً للإيمان وأن يكون قبيحاً غير حسن"، بمعنى أن الله حكم بذلك، إلا أن سائر المعتزلة، بحسب رواية القاضي عبد الجبار في المغني، أبوا هذا الإطلاق وأنكروه. لماذا؟

لأن الإرادة في نظرهم لا توجب الفعل، أو وقوع المراد، هذا بالإضافة إلى اعتقادهم بأن الله مريد لما علم كونه فقط، لا بمعنى التمني والرغبة. ولهذا زعم المعتزلة أن خصومهم، وإن لم يصفوا الله بالعبارة بأنه "مُتَمنٍّ"، قد جعلوا إرادة الله تبدو بمعنى التمني والاشتهاء، وذلك لقولهم بأنه يريد ما كان في علمه أنه لن يقع، ومن ذلك أيضاً قولهم إن الله لم يرد للكافر اكتساب الكفر، أو إنه لم يرد لأحد أن يكفر به. على أن الله في نظر غالبية المعتزلة، إذا كان مريداً، فإنه مريد بإرادة محدثة. ذلك أن القول بالإرادة القديمة يقتضي إثبات إرادات لا نهاية لها، أو أنه كان يريد أشياء بعينها وجرى في الواقع ما يخالف إرادته.

على أن ما يصح على الإرادة قد لا يصح بالضرورة على العلم، إذ إن علم الله يتعلق بالشيء على ما هو به، لا بكونه حادثاً وفقاً لهذا العلم. وهذا يقتضي ألا يحدث شيء يخالف ما وافق علمه، غير أنه قد تحدث أشياء على خلاف ما أمر به. من هنا كانت الإرادة الإلهية عند المعتزلة غير موجبة. إنما هي حادثة لا في محل، أي صار الله مريداً في الاعتبار الذهني بعد أن لم يكن، ومن أدلتهم النقلية على أن الإرادة مخلوقة آيات المشيئة، من ذلك "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً" (يونس، ٩٩)، على أساس أن معنى المشيئة في الآية معنى مجازي، أي لو صح أن يشاء ذلك منهم، وهذا يعني أن الإرادة محدثة، مقدورة لله، يصح أن يفعلها ويصح ألا يفعلها. وبهذا تكون إرادة الله جارية على مقتضى علمه لا بمعنى التمني والرغبة.

لئن كان الرواقيون ينكرون أن يكون الله فوق القانون، أو كما يقول سينيكا، إن الله وضع نظاماً للأشياء لا يحيد عنه، فإن النظّام كان يرى أن الله لا يفعل المحال الذي هو مناف للحكمة. ولذلك رفض أن يوصف الله بالقدرة على الظلم. ما معنى ذلك؟

إن غالبية معتزلة البصرة، بمن فيهم العلاف، كانوا يرون أن الله يقدر على الظلم، ولكنه لا يفعله، لأن الله، وهو الخير المحض، لا يفعل القبيح فحسب، بل لا يصدر منه إلا الخير لكونه مختاراً أبداً للأصلح الممكن. بيد أن النظّام يقول بوضوح إن الله لا يقدر على فعل القبيح، سواء من حيث الخلق أو التقدير. وإن تجويز وقوع القبيح منه ولو على صعيد القدرة قبح. ولو كان الله قادراً على ذلك فكيف نأمن ألا يفعله؟

لم يكن هذا الرأي وحده الذي كان محل استهجان الإسلاميين؛ بل أضيف له قول النظّام في عدم تجويز وصف الله بالقدرة على فعل كل ما نهى عنه، أو أنه يمكن أن يحرّم شيئاً لعلة لا يعلمها إلا هو. غير أن بعض المعتزلة نقحوا قوله الأول فأضافوا أن الله قادر على فعل الشر لكنه لا يفعله لكونه قبيحاً. في حين أن رأي النظّام أن القبح صفة ذاتية للشيء القبيح، لا لكونه اكتسب صفة القبح من خلال النهي الإلهي؛ إذ إن الأشياء لا تكتسب صفاتها من خارجها أو بواسطة الوحي، كالعبودية مثلاً، التي لم تكتسب صفة القبح لكونها لم تحرّم شرعاً.

اللطيف أن بعض تلاميذ النظّام كانوا أكثر تمرداً من الأستاذ، فأفصحوا عن تفضيلهم لأبي الذر الغفاري على سائر الشخصيات المقدسة، لكونه نموذجاً للإنسان الصادق في زهده، والدليل على ذلك أنه لم يتزوج سوى امرأة واحدة! وكأنهم بذلك قد ساووا بين من يعدد الزوجات ومن يمتلك العبيد. ويبدو أن المعتزلة خشوا من أن تتلطخ سمعتهم بعار "النظّامية"، فأخذوا يعلنون بأن تلاميذ النظّام قد خرجوا على مبادئ الاعتزال. ولم تطرح بعد ذلك هذه المسألة الحساسة عند أحد من شيوخ المعتزلة على الإطلاق، إلى أن ذاب الاعتزال في النقائض، كالأشعرية والإمامية والشافعية والزيدية، ولم يتبق منه حينئذ سوى ملامح باهتة من أصوله الخمسة.

وبالعودة للنظّام، فإن فاعل العدل في تصوره لا يجوز وصفه بالقدرة على ارتكاب الظلم، إذ لو وصفناه بذلك، لكأننا نقول إن لديه نزوعاً نحو الجور حتى وإن لم يرتكبه فعلاً، لأن هذا الميل لا ينشأ إلا من نقص وضعف في النفس. كما لو أن الباري عند أبي إسحاق مشروط بنظام، أو ضرورة طبيعة، لا يسعه خرقها أو الحيد عنها.

وعندما قيل للنظّام إنك تقول بحرية الإرادة للإنسان وتنفيها عن الله، فتجعله مكرهاً على أفعاله، ما دامت تصدر منه بمقتضى الطبع لا القدرة، كأنه لا يملك حرية الفعل والترك. كان جوابه: "إن الذي الزمتموني في القدرة يلزمكم في الفعل، فإن عندكم يستحيل أن يفعله وإن كان مقدوراً، فلا فرق". لكن كلا القولين على مذهب المعتزلة يصلان إلى نتيجة واحدة، أن الظلم ليس من فعل الله وخلقه ولا حتى من تقديره، كما أن عموم المعتزلة يقولون بأن الله لا يقدر على نفس مقدور العبد. وحجتهم انتفاء اجتماع مؤثرين، الله والإنسان، على أثر واحد.

ماذا عن الآية التي تقول "من شر ما خلق"؟ قيل إن "ما" نافية وليست اسم موصول لتقرأ بمعنى "من شر لم يخلقه الله". ولا شك أن هذا التأويل لطيف وضروري في سياقه على ما فيه من تعسف واضح. والذي ألجأ إليه ليس قصور المتأول في العلم بالنص، إنما دلالة الشر، والسببية خارج النص، ولذلك لم يكن المتأول معنياً بما يقول النص، ولا بملاءمة الكلمات للموضوع الذي سيقت من أجله، بقدر إيجاد معنى جديد يغير دلالة قائل النص وطبيعة وظيفته في العالم. إذ كان الرأي الشائع عند أهل السنة بحسب الفخر الرازي في تفسيره، أن الله مالك لجميع المحدثات، وتصرف المالك في ملكه كيفما شاء حسن وصواب على الإطلاق، ولذلك لا يجوز الاعتراض عليه في شيء. كما أن الأشاعرة أنكروا أن يجري في ملكه شيء على خلاف مشيئته. وبهذا الخصوص يرى سعد الدين التفتازاني في "شرح العقائد النسفية"، بأن الله خالق لأفعال العباد سواء تعلق الخلق بالكفر أو الإيمان، لكن بمعنى مغاير لما فهمه المجبرة الذين زعموا أنه لا فعل للعبد أصلاً. لكن هل مضمون الخلق عند الأشاعرة يتضاد حقاً مع مفهوم المجبرة للخلق؟

فالله برأي الأشاعرة يقضي بالكفر، ولكن لا يجوز مع ذلك أن نرضى به، لأن الكفر مقضي لا قضاء، فالكفر مكوَّن، والتكوين غير المكوَّن، ولذلك وجب التسليم بالتكوين لا المكوّن. ماذا يعني هذا؟

إن الله لا يجبر أحداً على الكفر، كل ما هنالك أنه أراد من الكافر الكفر باختياره، دون جبر، لأنه علم منه الكفر بالاختيار، فتكون إرادة الله الأزلية تابعة للاختيار الحادث. وإذن فإن الله حينما يأمر الكافر بالإسلام فإنه يعلم علم اليقين أن هذا الكافر المعين لن يؤمن، إنما هو من باب الأمر غير المراد لحكمة لا يحيط بمعرفتها إلا الله وحده. أو لأنه ببساطة "لا يسأل عما يفعل".

ولو شارك العبدُ الله في "الخالقية" لما قال الله في مقام التمدح بها "أفمن يخلق كمن لا يخلق" (النحل، ١٧) وكقوله أيضاً "خالق كل شيء" (الأنعام، ١٠٢)، وأكثرها وضوحاً: "والله خلقكم وما تعملون" (الصافات، ٩٦). على أن هذا لا يسوغ أن تنسب جميع أفعال العباد إلى الله، لأن المتصف بالشيء هو من قام بذلك الشيء، كالسارق والقاتل، لا من أوجده، فالله يخلق الصفات في الأجسام غير أنه لا يتصف بها. وبهذا يكون الفعل مقدوراً لله بحكم الإيجاد، ومقدوراً للعبد من جهة الكسب. وبالتالي تكون جميع أفعال العباد حادثة وفقاً لإرادة الله ومشيئته، مع الأخذ في الاعتبار أن ما لا يرضي الله فإنه مقضي لا قضاء، والمقصود تعميم إرادة الله وقدرته، وأن الكل بخلقه، ولكن بدون إكراه أو إجبار. ثم يخلص التفتازاني إلى أن الأشاعرة لا ينفون الكسب والاختيار للعبد رغم اعتقادهم في كون كل شيء بخلقه. وفي الواقع أن الكسب ليس سوى صورة مقنّعة من الجبر كما سنرى.

وكذلك، فإن الشيعة الإمامية يجعلون لله مشيئة في ما قضى وقدّر، لأن التقدير عندهم لا يجعله مغلول اليدين، على أساس أن الله ليس محكوماً في سلطانه بشيء ولو كان قدره، إذ يمحو "ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب".

ومن باب التندر على مفهوم القدر عند المعتزلة، روى ابن قتيبة في عيون الأخبار:

"أن أحد القدرية سأل مجوسياً: لم لا تسلم؟ فقال: حتى يشاء الله!  فقال القدري: قد شاء الله ذلك، ولكن الشيطان لا يدعك. فقال المجوسي: فأنا أكون مع الشريك الأغلب".

الشاهد محل القدح أن أفعال العباد قد تقع على خلاف إرادة الله بحسب مذهب المعتزلة. ولسنا في حاجة إلى التأكيد هنا على أن ابن قتيبة كان يقصد التهكم من عقيدة القَدَرية في القدر، وهم نفاته، وأسلاف المعتزلة كما هو معلوم، ومع أنه لم يحمل مسألة القدر عند المعتزلة على محمل الجد، فإن ما يريد قوله لا يختلف من حيث المضمون عن قول متأخري الأشاعرة، وهو "أن الله له كل شيء.. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.. فلا مضل لمن هدى ولا هادي لمن يضل"، ومن الظلم أن ينسب للإنسان ما ليس له، كالقدر والخلق. أما علة نفي القدرية والمعتزلة للقدر فإنها برأي ابن قتيبة تختصر في قول أبي يوسف: من طلب الدين بالكلام، أو بالفلسفة، تزندق. لأن مِلاك الدين التسليم والطاعة. وعندما حاول أهل السنة إحراج المعتزلة بسؤال الملك: هل يقع في ملك الله ما لا يريده؟ كان الجواب بنعم.

لأن المعتزلة، بمن فيهم النظّام، لم ينظروا إلى الله بوصفه مالكاً مطلق الإرادة وغير مقيد بقانون، بحيث يتصرف في ملكه كيف شاء، ولذلك تجرأوا على القول بإن الإنسان قد يحتج على الله لو كان فعله خلاف أمره أو خلاف "الحكمة"، باعتبار أن أفعال الله مقيدة برعاية المصالح والمفاسد بحسب مقتضيات النظر. ولذلك لقب المعتزلة بالعدلية لقولهم بعدل الله وحكمته.

يقول القاضي عبد الجبار في متشابه القرآن:

"إن الكلام لا يدل على الله لشيء في الكلام ذاته (من حيث اللغة)، وإنما يدل لكون فاعله حكيماً".

كما لو أن مفهوم الحكمة هو الذي يحدد دلالة النص لا النص بذاته، وإن كان هذا يعني أن تتلاشى كينونة النص في ظل هذا القيد الإلزامي، وبطبيعة الحال لم يكن هذا مراد عبد الجبار، ولذلك لم يلتزم به عملياً إلا في آيات الصفات الخبرية التي حملها على وجه "الحكمة"، على عكس أسلافه كالعلاف والنظّام وأبي علي الجبائى الذين كانوا أكثر جرأة في إعمال العقل بإزاء النص، ولم يكن عبد الجبار، على أهميته، إلا حلقة وصل بين العصر الذهبي للاعتزال وعصر التقهقر والتمذهب.

وكمثال على ذلك، فإن ابن المرتضى في كتاب "المنية والأمل"، وهو من أئمة الزيدية - وزيدية اليمن على وجه التحديد هم من حافظ على تراث الاعتزال - يقسم المعتزلة إلى اثنتي عشرة طبقة، فيدرج في الطبقة الأولى الخلفاء الراشدين الأربعة، وفي الطبقة الثانية التابعين، وفي الثالثة ذرية محمد بن الحنفية، وابن عباس، بالإضافة إلى زيد بن علي، أما معتزلة البصرة وبغداد كالعلاف والنظّام ومعمر وبشر والفوطي فيدرجهم في الطبقة السادسة. ومع ذلك، فإنه يحسب له أمانته في نقل مقولات شيوخ المعتزلة، البصريين والبغداديين، التي تنسف هذا التقسيم من أساسه، إلا إذا كان الخلفاء الراشدون والصحابة ينفون الصفات والقدر ويقولون بالجوهر الفرد ولا فعل لله إلا الأمر.

أما رأي النظّام في الإرادة الإلهية فلم يكن سوى إطلاق ما كان مقيداً في مفهوم العدل الإلهي عند العدلية الذي يفيد بإيجاب عمل الأصلح على الله.

وقد حاول الفخر الرازي في المحصل، الدفاع عن موقف النظّام، فأوضح أن فعل القبيح من الله محال، والمحال غير مقدور، فهو محال لأنه يدل على الجهل والحاجة، وهما محالان، والمؤدي إلى المحال محال، وبما أن المحال غير مقدور فإن المقدور هو الذي يصح إيجاده. ومع أن النظّام خصم للرازي، إلا أن الأخير حاول أن يصلح بين الفريقين، أهل السنة والمعتزلة، لأن "الكل لا يحاولون إلا التقديس والتعظيم لله"، فالسنة انشغلوا بتعظيم الله من حيث القدرة ونفاذ المشيئة، بينما المعتزلة انهموا بجانب العدل والبراءة عن فعل ما لا ينبغي. ورغم نيات الرازي الطيبة إلا أن الانشغال بنفاذ المشيئة هو غير الانهمام بالعدل.

لكن أبا الحسين الخياط في كتابه الانتصار، ينقل لنا أن النظّام كان يرى أن الله إذا علم أن فعل شيء أصلح من تركه استحال منه تركه والتخلف عنه. وبهذا الخصوص يرى الخياط أن أكثر الأمة توافق النظّام في رأيه "إلا من ثبّت لله القدرة على الظلم من المعتزلة". مع ذلك، فإن النظّام أراد أن يحيل القدرة على الظلم إلى شيء محدث، شيء يمكن لمسه والإشارة إليه، وهذا ما لا يخالف تمييزه بين الأفعال التي تأتي إما بالطبع وإما بالقدرة، وبهذا المعنى كان قوله إن "الظلم والكذب لا يقعان إلا من جسم ذي آفة". أي ثمة حاجة دعته إلى فعله، والذات الإلهية ليست محلاً للحاجات.

ولعله من الجدير بالذكر هنا، أن الخياط، الذي كان هدفه من كتاب الانتصار إبطال حجج ابن الراوندي ضد المعتزلة، بعد انشقاقه عن الجماعة وتأليفه لكتاب "فضيحة المعتزلة" الذي رد به على كتاب الجاحظ "فضيلة المعتزلة"، بدا محرجاً من آراء أبي الهذيل والنظّام وإن تعلل بأنها لا تنقض "توحيداً ولا عدلاً"، على افتراض أنها مما يدخل في الفروع التي لا تمس أصول المدرسة، فهما في نهاية المطاف بحسب رأيه لم يخالفا الإجماع ولا كذبا بصريح القرآن. والطريف في الأمر، أننا نجد في مدونات المعتزلة وغيرهم، أن النظّام كان أول من ألف في نقد الصحابة وعلماء الحديث، كما أنه نقض مفهوم الإجماع وحجية المتواتر. هذا بالإضافة إلى مجاهرته في إنكار المعجزات وكرامات الأولياء.

الكمون عند النظّام

يضرب النظّام عدة أمثلة لمفهومه عن الكمون، ذكرت في كتاب "الحيوان" للجاحظ، منها قابلية الثوب والحطب والقطن للاحتراق، بعلة وجود نار كامنة في هذه الأشياء، لا لأن ناراً من خارجها خلقت قابلية الاحتراق فيها، ولكن لأن النار الكامنة في الحطب على سبيل المثال، تفتقر بذاتها إلى نفي ضدها عنها، فلما اتصلت بنار أخرى، واستمدت منها قوة، زال المانع الذي كان يحول دون اشتعالها، فلما زال المانع ظهرت النار. وهكذا، فإن إحراق شيء ما يعني استخراج ناره الكامنة في جوهره، أو القابلية بالقوة على فعل بعينه. وكذلك حال سم الأفعى المقيم في بدنها، الذي لا يقتل لذاته، "وأنه متى مازج بدناً لا سم فيه لم يقتل ولم يتلف، وإنما يتلف الأبدان التي فيها سموم ممنوعة مما يضادها، فإذا دخل عليها سم الأفعى، عاون السم الكامن ذلك السم الممنوع على مانعه، فإذا زال المانع تلف البدن". ثم يضيف الجاحظ فكان المنهوش عند أبي إسحاق (النظّام) إنما كان أكثر ما أتلفه السم الذي كان معه.

وقد حاول الخياط في "الانتصار" أن يجد تخريجاً شرعياً لمفهوم النظّام في الكمون فراح يلوذ بحديث ذرية آدم، الذي يحكي عن مسح الله لظهر آدم، ثم أخرج ذريته قبل موعد ظهورها، فرأى آدم رجلاً جميلاً، فقال: يارب! من هذا؟ فقيل له هذا ابنك داود.

على افتراض أن هذا الحديث يتسق مع المعنى المراد في الآية التي تقول "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم، أفتهلكنا بما فعل المبطلون؟" (الأعراف، ١٧٢ – ١٧٣).

ومع هذا، فإنه يصعب إرجاع فهم النظّام لمعنى الكمون إلى هذه الآية أو ذاك الحديث. وذلك لأن مذهب الكمون، كما لاحظ ابن رشد بحق، في غاية التضاد مع مذهب الإبداع والاختراع. إذ يصور أنصار مذهب الكمون عملية الخلق على أنها خروج الأشياء بعضها من بعض، وهو خروج يضارع معنى الانبثاق الحر، على حين أن الفاعل عندهم لا يخترع شيئاً من لا شيء، إنما يبدو على نحو المحرك الذي احتيج إليه لتسهيل خروج الأشياء من بعضها البعض، والنظّام يقول بنوعين من الكمون؛ كمون الأعراض، وكمون الموجودات. أما أنصار مذهب الاختراع فإنهم يعتقدون بأن الفاعل هو الذي يبدع الموجودات دون أن يكون مشروطاً بوجود مادة سابقة على فعل الاختراع. ويظهر أن ابن رشد كان على مذهب المعتزلة في تفسير "الممكن بالقوة" على أنه ذات في حالة العدم، إذ يرى في "تهافت التهافت" أن المعدوم "من جهة القوة والإمكان الذي له يلزم أن يكون ذاتاً ما في نفسه"، ثم يشير إلى أن المعتزلة قالوا بأن المعدوم ذات، ولو كان العدم يضاد الوجود لما انقلب وجوداً، ويخلص إلى أن "هذه الطبيعة (أي إن الوجود لا يتحقق من عدم محض) اتفق الفلاسفة والمعتزلة على إثباتها". وقد صرح سلفه أبو علي بن سينا في "النجاة" بأن إمكان وجود الشيء، لا يرجع لقدرة الفاعل على إيجاده، إنما هو إمكان وجوده أولاً، لكونه ممكناً في ذاته، ومن ثم كونه مقدوراً عليه بإحالته إلى موجده، وعليه فإن كل حادث لابد أن تسبقه مادة قبل إيجاده. وهذا نصه:

"إن كل كائن فيحتاج أن يكون – قبل كونه – ممكن الوجود في نفسه فإنه أن كان ممتنع الوجود في نفسه لم يكن ألبته. وليس إمكان وجوده هو أن الفاعل قادر عليه، بل الفاعل لا يقدر عليه إذا لم يكن هو في نفسه ممكناً. ألا ترى أنا نقول إن المحال لا قدرة عليه... فالممكن هو ممكن في نفسه باعتبار ذاته ومقدور عليه باعتبار إضافته إلى موجده... ونحن نسمي إمكان الوجود قوة الوجود ونسمي حاملها موضوعاً وهيولى ومادة. فإذاً كل حادث فقد تقدمته مادة".

ومن المعلوم أن ابن سينا كان أقل تحفظاً قياساً ببعض أوائل المعتزلة في تأويل ما لا يقبل التأويل من نصوص السماء، بحجة أن الوحي ما نزل إلا للعامة، وفي كتابه "الأضحوية في أمر المعاد" ذهب إلى أن الشرع لو جاء بلغة الحكماء لما آمن به أحد من "العرب العاربة"، ولكن أسلوب ابن سينا العويص واستشهاداته بآيات قرآنية جعلاه أكثر قبولاً عند بعض المتشرعة مقارنة بجماعة النظّام.

العقل والنقل

يقول أبو مظفر السمعاني في كتابه الانتصار لأهل الحديث "اعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول وجعلوا الاتباع والمأثور تبعاً للمعقول. وأما أهل السنة قالوا: الأصل في الدين الاتباع والعقول تبع... وهذا معنى قول القائل من أهل السنة: إن الإسلام قنطرة لا تعبر إلا بالتسليم". هذا صحيح، إذ اعتقد المعتزلة بسلطان العقل على النقل، لكونه قوة بذاته على اكتساب المعارف، بل ليس هناك معرفة بغيره. هذا على المستوى النظري، أما على الجانب التشريعي العملي، فقد اتفقوا على أن العقل هو معيار الحسن والقبح في التحليل والتحريم، وفي تحديد طبيعة الخير والشر؛ سواء من حيث صفة الشيء في ذاته أو من خلال اعتبارات التحسين والتقبيح للفعل المعلومة بالعقل ضرورة قبل ورود السمع، وعلى ضوء ذلك فإنه لا يجوز لله أن يأمر بما هو قبيح، ولا أن يأتي الوحي بما يناقض مقتضيات العقل. وإذا تعارض النص مع العقل، وجب تقديم العقل، أو تأويل النص بما يتفق ومقتضيات المذهب العقلي. بل ذهب بعضهم إلى أن العقل ينسخ الأخبار.

وبخصوص الحسن والقبح العقليين، يقول عبد الجبار في المغني:

"إن السمع لا يوجب قبح شيء ولا حسنه وإنما يكشف عن حال الفعل عن طريق الدلالة، كالعقل... وإنما كان كذلك، لأن الدلالة على الشيء على ما هو به، لا أنه يصير كذلك بالدلالة. وكذلك العلم يتعلق بالشيء على ما هو به، لا أنه يصير كذلك بالعلم". ذلك أن الشرع لا يقرر إلا ما هو موجود في العقل ابتداء، بوصفه كاشفاً عما في الأفعال من معاني الحسن والقبح، لا موجباً، أي الشرع، على الشيء صفة من خارجه بدلالة الإملاء، وإلا تعارض الشرع مع "ما قد ركبه الله في عقولنا". وبتعبير آخر، فإن العقل يدرك الأحكام قبل أن يأتي بها الشرع، والأخير لا يأتي إلا بما هو معروف عقلاً، مما يعني أن لزوميات العقل تفرض لزوميات الشرع.

ويرى عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة، أنه لو كان القبيح يقبح للنهي الإلهي لوجب أن يكون الإنصاف قبيحاً في ذاته إذا نهى الله عنه "لأن العلم بالقبح يتفرع على العلم بوجه القبح... ومعلوم أن الملحدة يعرفون قبح الظلم، وإن لم يعرفوا النهي والناهي".

أما الأشاعرة فإنهم يقولون بالحسن والقبح الشرعيين، على أساس أن الواجبات كلها بالسمع. في حين أن العقل لا يحسن ولا يقبح، ولا يوجب ولا يلزم. وهذا يعني أن الله لا ينهى عن معصية لكونها قبيحة في ذاتها، كما يرى المعتزلة، إنما اكتسبت صفة القبح بفعل النهي الإلهي لا لنفسها، ولو أباحها الله لأصبحت حسنة. وحجتهم في ذلك أنه لو كان الحسن والقبح صفات ذاتية للأشياء أو الأفعال، لما وقع النسخ في الشرائع، فصار الحلال حراماً والمحظور مباحاً، ولما اختلفت الأحكام باختلاف الزمان والمكان. وهذا ما كان عليه رأي الجويني في "البرهان في أصول الفقه"، حين أكد على أنه "لا يقبح شيء في حكم الله تعالى لعينه، كما لا يحسن شيء لعينه". غير أن هذا يشي بنسبية الأخلاق وصيرورة الوحي، أو كأن الذات الإلهية تتدرج في مراتب الكمال، ما دامت الشرعيات التي يجوز ورود النسخ فيها مبنية على تغير أحوال المكلفين، وهذا بالمناسبة، كان مطلب فلاسفة الفيض بما أن الأخلاق ليست معطى أزلياً.

وكان الشهرستاني في الملل، يقطع بأنه "لم يرد في كل حادثة نص... والنصوص إذا كانت متناهية، والوقائع غير متناهية، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى، علم قطعاً أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد".

كما لو أنه أخذ يقرر الاجتهاد على أصول أهل النظر، وإن اشترط ألا يخرج الاجتهاد عن ضوابط الشرع. لكننا عندما نطالع الشروط الخمسة التي أوجب على كل مجتهد الإلمام بها، ومنها التمييز بين العام والخاص، المطلق والمقيد في النص، لا يسعنا إلا أن نتساءل عن علة نقده العنيف لعلماء الكلام، وهو الذي كان، نظرياً على الأقل، واحداً منهم. ثم نلاحظ أن هذا المفكر الذي وجد مسوغات موضوعية للاجتهاد بالرأي في الوقائع التي لم يرد بخصوصها نص، يحكم حكماً قاطعاً على أهل النظر والرأي بمشاكلة إبليس.

نجد الأمر عينه لدى سلفه أبي الحسن الأشعري، الذي عده المؤرخون الإسلاميون ممثلاً للخط المعتدل من المعتزلة؛ لأنه أعاد الاعتبار للنقل على حساب العقل الذي أخرجه من التاريخ، حيث جعل البرهان العقلي حجة للشرع لا عليه. وحين أعلن الأشعري توبته من بدعة الاعتزال، توسل في مقدمة كتابه "الإبانة" بأحمد بن حنبل إمام أهل الحديث، واصفاً إياه بالإمام الفاضل والرئيس الكامل "الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين". ثم علل زيغ المعتزلة عن الحق بعلة التقليد لرؤسائهم وأسلافهم، مؤكداً أنهم تأولوا القرآن على آرائهم. مع ذلك، كفره الحنابلة، إذ يروي ابن عساكر أن جماعة من الحنابلة مروا يوماً بقبر الأشعري، فتخلف أحدهم وبال على القبر، فعاتبه فقيه سمع بذلك، فقال للفقيه "لو قدرت على عظامه لنشبتها وأحرقتها".

لهذا لم يكن من المبالغة في شيء أن يصف المعتزلة الأشاعرة ومن شاكلهم من الفرق الإسلامية بالجبريين، لكونهم ردوا كل شيء إلى مشيئة الله وقدرته وإرادته وخلقه، حتى وإن تذرعوا بمفاهيم التقدير أو الكسب فإن النتيجة واحدة، إذ لا شيء قد يحدث دون خلقه وتقديره، وهم راضون بقضاء الله في الجملة على كل حال.

ولنأخذ على سبيل المثال مفهوم الكسب عند الأشاعرة. فمن حيث المبدأ يقول الأشاعرة بأن أفعال العباد اختيارية، ولكنها في الآن ذاته واقعة بقدرة الله، ومن ثم فإنه ليس لقدرتهم تأثير فيها. إنما يجري الله عادته بأن تكون لدى العبد قدرة واختيار، ولكن بشرط، ألا يكون هناك مانع، فمن أين يأتي هذا المانع؟ من الله. فإذا زال هذا المانع يكون فعل العبد مخلوقاً ليس له، بل لله "إبداعاً وإحداثاً"، فإنه وإن كان الفعل إبداعاً إلهياً خالصاً إلا أنه "مكسوب للعبد"، ولا ينبغي أن يبتهج العبد بهذا الكسب فلا فضل له فيه، لأن المراد بذلك هو نفي أي تأثير أو مدخل في وجود هذا الكسب بالنسبة إلى العبد سوى أنه كان محلاً له، كما لو أنه ليس سوى أداة لإرادة خارجية. وكان يمكن اختصار كل ذلك والاكتفاء بالقول إن الله هو الفاعل على الحقيقة، بما أن الاكتساب والمكتسب مخلوقان للباري.

التوحيد المعتزلي

من مقتضيات التوحيد عند المعتزلة نفي صفات الله الزائدة على الذات، أو ما يعرف بالصفات القديمة، وتنزيه الذات عن المادة وأعراضها تنزيهاً مطلقاً، فالله في نظرهم ليس بجسم ولا جوهر ولا يحده زمان أو مكان، ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول، كما لا يجوز وصفه بشيء من صفات الخلق الدالة على الحدوث، وكل ما قد يخطر بالذهن فهو بخلاف الله. وحين يقول المعتزلة إن الله واحد، فإنهم لا يتحدثون عن الوحدة بالمعنى العددي، إنما بمعنى المفارقة، وعدم المشابهة، ونفي الكثرة في الذات مطلقاً، وكل ما من شأنه أن يشي بصفات التشخص والعضوية.

ولهذا صرفوا آيات الصفات الخبرية التي شابها شيء من التجسيم عن معانيها الظاهرة إلى معان أخرى مجازية، على اعتبار أن النص القرآني "يعتمد النثر الفني دون التقريري المباشر"، وعلى هذا المنوال، طعن فريق منهم في صحة الأحاديث التي تنطوي على تصورات تشبه الخالق بالمخلوق. وهكذا تبدو الذات الإلهية عند المعتزلة مجردة من كل تشخص كما لو أنها ليست سوى قانون يحكم هذا العالم.

لم يرق هذا النمط من التجريد لفيلسوف قرطبة، خصوصاً إذا كان المخاطب به الجمهور الديني، إذ "لا تنتهي أفهام الجمهور إلى مثل هذه الدقائق، وإذا خيض معهم في هذا، بطل معنى الإلهية عندهم" على حد قوله في تهافت التهافت، مستعبداً إمكانية حدوث أي تأثير حقيقي في جمهور اعتاد على التعامل مع الله بمفاهيم حسية، ولذلك "اضطر الشرع إلى تفهيم معان في الباري بتمثيلها بالجوارح الإنسانية... فبعض الآراء هي سم في حق نوع من الناس، وغذاء في حق نوع آخر"، فأن تقول إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته وقادر بقدرة هي ذاته، أو إنه مريد بغير إرادة، فإن عامة الناس سيؤثرون ما قرره الشرع في مسألة الصفات، من كون الله متكلماً سميعاً بصيراً، ولهذا قال بعض الأشاعرة: إن إله المعتزلة هو ذلك الإله الذي نهى إبراهيم الخليل أباه عن عبادته في قوله "إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً" (مريم، ٤٢).

وعلى هذا النحو جاء إنكار ضرار بن عمرو لسائر صفات الله، بحيث يكون وصف الله بالعلم بقصد نفي الجهل عنه، والقدرة بغرض نفي العجز، إذ لا يوصف الله عند المعتزلة إلا بالسلوب، كوصف القديم يعني نفي الأولية، ووصف الغني يعني نفي الحاجة. وكان هذا أيضاً رأي العلاف، الذي لا يثبت صفة إلا بمعنى نفي نقيضها، غير أنه يثبت بعض الصفات الإيجابية لا بمعنى المغايرة للذات، إنما بوصفها عين الذات، وهذا الذي يظهر من قوله: إنه عالم وعلمه هو ذاته، وقادر وقدرته هي ذاته. بينما يرى النظّام أن اختلاف صفات الله لا بعلة اختلاف في ذاته إنما لاختلاف ما ينفى عنه من المتضادات، على نحو الجهل والعجز والموت، أما ذاته فهي واحدة لا تقبل التعدد.

أما أبو هاشم الجبائي فقد تفرد بإثبات الأحوال، التي نفاها أبوه أبو علي الجبائي، ومن أشهر نقاده بالإضافة لمتكلمي المعتزلة والأشاعرة، الشيخ المفيد في أوائل المقالات، وفي هذا يقول "هو قول فارق به سائر أهل التوحيد، وارتكب أشنع من مقال أهل الصفات"، مع أن المفيد نفسه قد نفى الصفات الخبرية كما سنرى. فالجبائي الابن تصور الصفات على أنها أحوال، فإذا قلنا إن الله قادر، أثبتنا حالة خاصة هي القدرة، وهي وراء كونه ذاتاً، وهذا جارٍ في سائر الصفات، ولكن فوق كل حالة منفردة، ثمة حالة أخرى عامة توجب الحالات كلها، على أن الجبائي ينفي إمكانية معرفة كل حالة على انفراد، فهي ليست موجودة كما يقول المثبتون ولا معدومة كما يقول النفاة، لأنها ليست قديمة كالذات، ولا هي بمنزلة المعدوم بمعنى الشيء أو الإمكان، كما أنها ليست حادثة، ماذا بقي إذن؟ إنها اعتبارات ذهنية لذات واحدة، لا تعلم على انفرادها مطلقاً، وإنما تعلم مع الذات فقط، وهي فيما يظهر بمثابة الصفات النفسية للذات، كما أنها حل وسط بين إثبات الصفات ونفيها.

لقد اتفق كبار الفلاسفة في الإسلام، كأبي بكر الرازي والفارابي وابن سينا وابن رشد، على نفي الصفات الإلهية رغم تباينهم في المذاهب الفكرية، وإن اعتقد الفقهاء أن الفلاسفة لا ينفون أسماء الله وصفاته إلا من حيث كونها في نظرهم مجرد تعابير مجازية، إذ إن نفي الصفات يستتبع بالضرورة نفي غاياتها ونتائجها. فحتى ابن حزم في "الفصل في الملل"، وهو الذي لا ينكر معاني الأسماء ولا يعطل الألوهية من معناها على طريقة المعتزلة، قد تحرج من تجويز إطلاق لفظ الصفات لله، لعدم ورود نص صريح في القرآن يشير إلى كلمة صفة أو صفات، كما لم يرد ذكر الصفات في الأحاديث النبوية. إنما تحدث القرآن عن أسماء الله الحسنى لا عن صفاته، منتهياً إلى أن لفظ الصفات اختراع معتزلي، ثم ذاع بعد ذلك بين المتكلمين وفقهاء المذاهب. وبصرف النظر عما ذهب إليه ابن حزم بشأن مفهوم الصفات في القرآن والنص النبوي، فإن الذي يعنينا هنا هو التأكيد على أن مقالة الصفات عند المعتزلة قد بلغت حداً غير مسبوق من الشهرة والذيوع بحيث أصبح من المستحيل لأي كان الحديث عن الألوهية في الإسلام دون أن تطل برأسها كما لو أنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من مفهوم التوحيد نفسه.

يذكر الشهرستاني في الملل والنحل أن: "الذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد: القول بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته. ونفوا الصفات القديمة أصلاً، فقالوا: هو عالم بذاته، وقادر بذاته، حي بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة. هي صفات قديمة، ومعان قائمة به. لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الإلهية. واتفقوا على أن كلامه محدث مخلوق في محل... وسموا هذا النمط: توحيداً".

بينما يرى أبو الحسن الأشعري في مقالاته، أن الله عالم بعلم، وقادر بقدرة ومريد بإرادة. ذلك أن الأشاعرة يثبتون سبع صفات قديمة وما يشتق منها من أسماء، وهي القدرة والقادر والإرادة والمريد والعلم والعالم والحياة والحي والبصر والبصير والسمع والسميع والكلام والمتكلم، ولكن بمعنى أنها صفات كمال. أما أفعال الله كالخلق والرزق فهي في نظر الأشاعرة محدثة غير قديمة. ولذلك عد بعض الأشاعرة الخلق، أو التكوين، أمراً اعتبارياً وليس صفة لله، "يحصل في العقل من نسبة المؤثر إلى الأثر"، وبما أنه كذلك فهو حادث، أي إن التكوين هو عين المكوّن.

على أن التناقض بين القولين ظاهر، لأن المقصود من قول الأشعري هو أزلية الصفات لكونها قائمة في ذات الله، غير أن غرض المعتزلة نفي مشاركة الصفات للذات في القدم، إذ لو شاركتها لكان الله جوهراً تلحقه الأعراض.

فعندما يقول المعتزلة، على سبيل المثال، إنه "لم يخلق الخلق على مثال سابق"، تردف العبارة السابقة بتأكيد مفاده أنه لا يجوز عليه "اجترار المنافع" و "لا يناله السرور واللذات" و "ليس بذي غاية يتناهى". كما لو أن صفات الله ليست سوى اعتبارات ذهنية، لا وجود لها خارج العقل، أو بعبارة الفلاسفة المسلمين، ليس لها وجود في الأعيان، أي عدم وجود حقائق في الذات الإلهية تقابل هذه الاعتبارات الذهنية التي نطلق عليها اسم الصفات.

في مروج الذهب، ينقل المسعودي، أن المعتزلة أجمعوا في باب التوحيد على أن الله ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر ولا شخص. لا تدركه الأبصار ولا يدرك بالحواس، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأنه لا يشبه الخلق بوجه من الوجوه. كما أن كل ما يخطر في العقل والأوهام من تصور لله فليس هو. فهو وحده القديم وما عداه فحادث. وصفة القدم تحيل إلى ما ليس لوجوده بداية.

والذي نلاحظه في هذا النص أن المعتزلة، من حيث المبدأ، لا يقولون من هو الله بقدر ما ليس هو، إذ لا يمكن إدراك "ماهية الله" لا بواسطة الحس ولا بواسطة العقل. وعلى هذا النسق جاء نص عبد الجبار الذي أورده ابن المرتضى في كتابه المنية والأمل، حيث يذكر أن المعتزلة أجمعوا على أن للعالم محدثاً قديماً... لا لمعانٍ (أي إن الصفات ليست معاني أخرى غير ذات الله).

على أن هذه النظرة السكونية للمبدأ الأول، التي تحيل الذات إلى نقيضها، قد أدت بالمعتزلة إلى قولين مشهورين فيما يتعلق بإرادة الله: فغلب على طائفة من البصريين ما عدا جماعة النظّام القول بإنه مريد بإرادة محدثة لا في محل، وذهبت جماعة الأخير كما مر بنا إلى أنه ليست لله إرادة على الحقيقة، نظراً لأن الأفعال تصدر منه بالطبع.

لقد عرفنا رأي النظّام في مسألة الإرادة، فماذا عن الكعبي البلخي الذي كان يرى على غرار أهل الطبائع أن الله لا يوصف بالإرادة على الحقيقة؟

ففي رأيه، أن عدم الإحاطة بالشيء هو الذي يولد عند الفاعل القصد والإرادة، بيد أن علم الباري المطلق بالشي كما هو يغنيه عن الإرادة والقصد. ولو افترضنا جدلاً أن للباري إرادة سابقة على حدوث الشيء أو إرادة حادثة معه، فإن "كانت سابقة فهي عزيمة، والعزم لا يتصور إلا في حق من يتردد"، وإن كانت مساوقة للحادث فهي إما أن "تحدث في ذاته أو في محل، أو لا في ذاته ولا في محل" وهذا كله باطل، ومن هذا المنطلق، يخلص الكعبي إلى أن تعيين إرادة قديمة، أو حادثة لله، مجرد لغو لا معنى له، لا سيما عند إثبات كونه عالماً بالغيوب ومطلعاً على سرائر الأشياء. مع هذا، فإن خصوم الكعبي قد فهموا المعنى ذاته الذي تنبه له نقاد النظّام، بأن الوجه المضمر من إنكار الإرادة هو إنكار كون الأفعال الإلهية اختيارية، بحيث تأتيه طبعاً دون إرادة منه أو قصد. والذي يؤكد هذا الرأي، أن ثمامة بن أشرس من معتزلة بغداد كان على مذهب النظّام في إنكار الإرادة، إذ قال بالإيجاد بالذات، على اعتبار أن الكون "فعل الله بطبعه"، وحجته على ذلك أن الإنسان هو المختار لأنه يقع منه الفعل وضده، في حين أن "المطبوع" هو الذي لا يقع منه سوى نوع واحد من الفعل. يروى في أمالي المرتضى:

"أن أحد المجبرة سأل ثمامة: ألا تحمد الله على إيمانك؟ (بما أن الإيمان على مذهب ثمامة هو فعل الإنسان وليس فعلاً لله) قال: إنني لا أحمد الله على الإيمان، هو يحمدني عليه لأنه أمرني به ففعلته، وأنا أحمده على الأمر به".

أما القائلون من المعتزلة بإرادة حادثة، كالعلاف والجبائيين، فإن المعنى المراد بالحدوث هنا ليس كما يبدو في الظاهر، لأن قولهم إن الباري مريد بإرادة حادثة لا يعني إلا أن الله مريد لأفعاله في وقت بعينه وإنما بمعنى أنه يخلقها بحسب علمه، فتتقدم إرادته على المراد زمنياً، كذلك في قولهم إنه مريد لأفعال العباد، بمعنى أنه يأمر بخيرها وينهى عن شرها، لكن الإرادة في هذا السياق، وهذا هو المهم، لا توجب المراد، كإيجاب العلة والمعلول، أو إيجاب التولد، كما هي الحال في القدرة التي توجب المقدور بواسطة السبب، إنما الإرادة في تصورهم تثبت تلازماً دلالياً بينها وبين الأمر، وهي فكرة اختص بها المعتزلة دون بقية الفرق الإسلامية. إذ كان الرأي الشائع عند الفرق أن بعض الأشياء والأفعال كالشر والمعاصي تحدث بإرادة الله وإن لم يأمر بها، فلا تلازم بين الأمرين، بينما عند المعتزلة لا معنى للإرادة غير الأمر، فإرادة الله ليست سوى أمره بالشيء أو نهيه عنه. وإذا كان الأمر هو حد الإرادة عند المعتزلة، فإن النتيجة المنطقية لذلك أن الشر ليس من خلق الله ولم يحدث بإرادته، إنما هو من خلق الإنسان وإرادته.

الغريب أن الشيخ المفيد خالف متقدمي الشيعة من الإمامية بشأن الإرادة، فقال بتلازم صفتي الأمر والإرادة على منهج المعتزلة، مع أن إنكار الإرادة على هذا النحو يقتضي بأن تكون الصفة عين الذات، ومن ثم فإن كلام الله محدث، وهذا مما لا ينكره المفيد مبدئياً، إلا أنه في الوقت الذي ينفي فيه الصفات على مذهب المعتزلة ينسب رأيه في "أوائل المقالات" إلى الآثار التي جاءت عن آل محمد.

ولئن كان ابن بابويه القمي يرى أن أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير، لا خلق تكوين، وهو في هذا الرأي يتفق مع غالبية الفرق السنية وأوائل الشيعة، فإن المفيد في "تصحيح اعتقادات الإمامية" يفصح عن عدم اعتقاده في كون أفعال العباد مخلوقة لله، ولا حتى بمعنى التقدير كما يقول أستاذه القمي، لأن التقدير في تصوره لا يكون إلا بالفعل، ولهذا وجد نفسه مرغماً كي يتسق الفكر مع ذاته على التشكيك في صحة ما نسب إلى الإمام جعفر الصادق من أحاديث الإرادة والقدر. وليس من الصدفة أن ينتهي إلى أن العلم بمآل الشيء لا يعني خلقه. وبتعبير اعتزالي، الإرادة غير موجبة، والعلم بالشيء غير حدوثه. ويستتبع هذا المذهب بالضرورة مذهب حرية الإرادة، وأن إرادة الله لا تؤثر على قدرة الإنسان وإرادته.

لكن في المقابل، نجد أن الأشاعرة يحكمون على الأفعال كلها بأنها مرادة للباري، لكونها تعبر في نهاية المطاف عن نظام الخيرات في الوجود. إلا أن هذا لا ينفي أن الأمر الإلهي قد يكون على خلاف الإرادة، على نحو أمر الرب لإبراهيم بذبح ابنه، إذ لم يرد الله أن يحصل الذبح وإن كان قد أمر به. ومن ذلك قول جعفر الصادق: "إن الله تعالى أراد بنا شيئاً وأراد منا شيئاً، فما أراده بنا أظهره لنا، وما أراده منا طواه عنا، فما بالنا نشتغل بما أراده منا عما أراده بنا".

الملاحظ أن الإرادة في الوجه الأول تعني الأمر، أما في وجهها الآخر فهي ما كانت متعلقة بعلم الله دون علم الإنسان، وبالتالي تكون الإرادة واحدة عند الأشاعرة، إلا أن حكمها يختلف باختلاف وجه تعلقها بالمراد. هذا المعنى لتعلق الإرادة على الوجهين المذكورين؛ في إرادته بنا وإرادته منا، هو الذي أثار فزع المعتزلة، لأنه يمكن بسهولة من خلال هذا النسق العقائدي، وبدعوى القضاء والقدر، إرجاع الكوارث والحروب والمجاعات في عالم الإنسان إلى نظام الخيرات والعلم الأزلي والإرادة السرمدية، ومن ثم يمكن أن يقال عن شرور السلطان إنها مجرد نقص في الوجود، لأن الشر المطلق لا وجود له إلا في اللفظ والذهن، بل إن في كل شر بالعرض وجهاً للخير.

والمعتزلة يقولون بوضوح لا يقبل اللبس إن هذا النمط من التفكير الجبري يخدم "الظلمة". لأنه، أي هذا النمط من التفكير، يقوم على الإيهام بالشرعية، بما أن الأشياء لا تحدث إلا بأمره تعالى، وتغييب الحس بالواقع، مادام الواقع ليس سوى فعل الله، وتأثيم النقد، لكون التاريخ نتاجاً طبيعياً لحكمة لا يحيط بها النظر. وهكذا تحصن السلطة غلبتها بخرافة القدر. غير أن اللافت أن التنكر للقدر لطالما اعتبر ضرباً من الردة.

العلم الإلهي

نقرأ عند الأشعري والخياط، أن أبا الهذيل والنظّام اتفقا على القول بقدم العلم الإلهي. فماذا يعني ذلك؟ هل علم الله هو علم بذاته دون المحدثات أو الجزئيات؟ أم أن علمه الأزلي يعني أنه عالم بما سيكون لا بمعنى التقدير؟ أم أنه لا يعلم الشيء قبل كونه على ما كان يقول أحد أسلاف المعتزلة الجهم بن صفوان؟

تعددت آراء المعتزلة واجتهاداتهم بخصوص العلم الإلهي، وإن غلب عليهم القول لفظاً بالعلم الأزلي. فعلى سبيل المثال، كان أبو على الجبائي يرى أن الله يعلم الأشياء قبل كونها، إلا أن هذا لا يعني أن حرية الإنسان مقيدة بعلم الله المسبق، لأن علم الله في هذا المقام هو تحقق في الزمان لا بمعنى تصريف للشؤون البشرية بمقتضى هذا العلم. ومن الواضح أن الجبائي يريد أن يثبت أن عدم القول بحرية الاختيار يتنافى مع عدالة الله.

وقد تفرد معمر بن عبّاد السلمي، الذي أنكر أن يكون الله خالقاً لشيء غير الأجسام، برأي خاص في هذا الصدد. ومفاده بحسب رواية الشهرستاني، أنه من المحال أن يعلم الله نفسه أو غيره، لكيلا يكون العالم والمعلوم واحداً. ذلك لأنه أراد أن ينفي كون علم الله علماً انفعالياً، تابعاً للمعلوم، إنما "علمه فعلي، فهو من حيث هو فاعل، عالم. وعلمه هو الذي أوجب الفعل" بحيث يتعلق علمه بالموجود حين حدوثه، لا بالمعدوم في حالة استمرار عدمه، أو يكون علمه بالشيء هو إيجاده، فعلمه يوجب الفعل. وهذا رأي درج فيما بعد عند الفلاسفة المشائين الذين جعلوا علم الله بالأشياء من ذاته لا من ذات الأشياء، لكي يقال إن كل معلوم كان مفعولاً له ومعلوماً لعلمه.

وإن كنا نشك في تفسير الشهرستاني لرأي معمر، خصوصاً أن الأخير يقدم في نصوص المعتزلة على أنه من أنصار مذهب الطبائع. ومعمر هو القائل بإن الله غير قادر إلا على الجواهر. ولذلك لا يجوز أن تنسب الأعراض إلى الله، لأنه لم يخلق لا صحة ولا سقماً ولا قوة ولا عجزاً، إنما هذه الأعراض فعل الجواهر بطبائعها، فالله يمنح الوجود للذوات لا للأعراض التي تصدر منها، وعليه فإن الله لم يخلق قابلية أو "استعداداً فطرياً" للإيمان عند بعضهم ولا ميلاً للكفر عند آخرين، وهذا ما يدل عليه قول معمر "إن الله لا يفعل عرضاً". إنما تكون الأعراض بحسب طبيعة كل جسم.

أما أبو الهذيل العلاف، فإن له مقاربة مغايرة لموضوع العلم، نقلها ابن حزم في "الفصل في الملل"، وملخصها أن كل ما يقع في عالم ما بعد الخلق، وإن كان معلوماً لله منذ الأزل، فهو خارج عن القدرة ولو كان يقتصر على تحريك ورقة من موضعها. ثم أضاف الأسواري، تلميذ النظّام النابه، أن من يعلم الله أنه سيموت في لحظة معينة، فإنه لا يقدر على أن يميته قبل ذلك، أو أن يطيل عمره طرفة عين بعد ذلك. لأن علم الله هو قدرته، فلا يقدر إلا على ما وافق علمه. فمن مات قتلاً، لولا وقوع القتل لجاز أن يعيش إلى وقت آخر، فعلة موته هي قاتله لا أجله. وعلى المعنى نفسه كان رأي الكعبي، الذي قال إن للمقتول أجلين؛ القتل والموت، وإن القاتل هو الذي منع المقتول من أن يعيش إلى أجله.

السببية الطبيعية

ذهب القاضي عبد الجبار إلى تحريم وصف الله بالرازق في حالة استيلاء السلطان على ممتلكات الناس، لأن في ذلك إيهاماً بأن هذا "الرزق" بأمر الله، كما لو أن الله سمح بفعل القبيح، أو أباحه بمعنى ما، أو حتى قضى به وقدره، ولهذا يقول عبد الجبار بأنه لا يجوز أن نسمي ما تم انتزاعه من أقوات الناس رزقاً ولو كان ذلك على سبيل المجاز. وإن كان هذا المعنى يتضارب مع الظاهر من آيات الرزق والتفضيل، كقوله تعالى" نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً" (الزخرف، ٣٢)، وقوله "والله فضل بعضكم على بعض في الرزق" (النحل، ٧١)". بينما الأشاعرة يجعلون الله منفرداً بتولي الأرزاق، سواء كانت حلالاً أم حراماً، فكما أنه ينفرد بالإحياء والإماتة، فإنه كذلك يرزق من يشاء، لا بمعنى الإباحة والتمليك، إنما يوزع الأرزاق على مقتضى حكمته لكيلا تفسد الأرض. ولاذ الإمامية في مسألة الرزق بمبدأ "البداء"، فقالوا إن الإنسان ليس محكوماً بقدر واحد، إنما المقدّر يمكن أن يتغير بالأعمال الصالحة، فالاستغفار مثلاً قد يكون سبباً في نزول المطر وجريان الأنهار.

وتعليقاً على فكرة الأرزاق عند الفرق قال ابن الراوندي: قسمت بين الورى معيشتهم/ قسمة سكران بيّن الغلط، لو قسم الرزق هكذا رجل/ قلنا له قد جننت فاستعط (أي استعمل السعوط وهو دواء للجنون).

على أن الفقر كسائر أحوال الإنسان في نظر المعتزلة التي لا تتعلق بفعل الله، لا من حيث الحكم ولا من حيث الخلق. وبخصوص "الفعل المتولد" يقول عبد الجبار:

"إنه لا يمتنع عندنا أن يستحق على الفعل (يعني فعل الإنسان) المتولد الذم أو المدح، والعقاب أو الثواب، لأنه كالمباشر عندنا في هذا الوجه إذا فعله وهو عالم بحاله أو متمكن من العلم بذلك، وما له يقال باستحقاق ذلك على المباشر قائم في المتولد، فالتفرقة بينهما فيه لا تصح".

لأن الفعل المتولد إنما يقع بحسب قصده ودواعيه، كالفعل المباشر، فيجب بناء على ذلك إثباته فعلاً للفاعل. ولا يصح عزو أفعال الإنسان على مذهب عبد الجبار عند الجهل بأسبابها إلى المصادفة أو ما شاكل ذلك، لأن الجهل بالأسباب لا يقضي بانتفائها.

ورغم أن عبد الجبار كان في مجال الطبيعيات أقرب هوى لمعتزلة عصره منه إلى أوائل معتزلة البصرة والفلاسفة، إلا أن هذا لم يمنعه من الإقرار بأن الموجودات تتصرف ذاتياً وفقاً لقوانين ثابتة أودعها الله فيها لمصالح هذا العالم ومنافعه. أو كما يرى الخياط، بأن المطبوع هو الذي لا يكون منه إلا جنس واحد من الأفعال، كأفعال النار والثلج والشمس وما شابه ذلك، وأما من تكون منه الأفعال المختلفة، (الإرادية وغير الإرادية)، فهو المختار لأفعاله. وهذا كما نعلم كان مذهب النظّام أيضاً الذي يقرر وجود طبائع ثابتة في أجسام الطبيعة غير قابلة للتغير.

وقد بالغ عبد الجبار في تأكيده على حرية الإرادة إلى حد إبطال قول أصحاب الطبائع من أسلافه الذين لم يختلفوا معه من حيث المبدأ في كون الإنسان مسؤولاً عن أفعاله، كالنظّام والجاحظ ومعمر، إذ يرى أنهم في الوقت الذي فيه يثبتون الفاعل المختار يقررون أن الأفعال تحدث بالطبع. غير أنه لا يوجد تناقض بين الأمرين، فالجاحظ مثلاً يعزو اكتساب المعتقدات إلى "داء المنشأ والتقليد" ولكنه في الوقت ذاته لا ينكر حرية الإرادة ودواعيها. كما أن قوله بأن للأجسام طبائع وأفعالاً مخصوصة بها، هو تأكيد على وجود قوانين طبيعية قائمة في الأشياء، إذ إن غالبية المعتزلة لا يفصلون بين مبدأ العلية، أو قانون السببية، في الطبيعة والحقل الاجتماعي، وعدم الفصل هذا لا يعني إغفال التمييز بين الفعل الآلي في الظواهر الطبيعية وبين حرية الإرادة لدى الإنسان، وهذا ما يعنيه الجاحظ بقوله: إن الإنسان لا فعل له غير الإرادة، وأن سائر الأعراض أفعال الأجسام طبعاً.

على أن مفهوم السببية كان موضع خلاف عميق بين عموم المعتزلة والأشاعرة؛ فالمعتزلة لا يقرون بإطلاق القدرة الإلهية في الطبيعة بحيث يتم إنكار فعل الموجودات، لطبع خاص بها أو قدرة لديها على الفعل الذاتي دون أن تكون متعلقة في فعلها بإرادة الله كما رأينا. بينما ينكر الأشاعرة قانون السببية، أو وجود قوانين حتمية في الطبيعة. فالله يخلق القوانين، وبإمكانه خرقها أو تغيير مجراها متى ما شاء. وعلى سبيل المثال، فإن أبا بكر الباقلاني ينكر أن يكون للظاهرة الطبيعية فعل خاص بها. إنما الفاعل الحقيقي هو الله. فالنار لا تحرق لأن طبيعتها الإحراق، ولا الخمر من طبيعته الإسكار. أي ليس هناك مبدأ ارتباط حقيقي بين العلة والمعلول، بين السبب والمسبب. والذي قضى بأن تجري الأشياء مجرى العادة، حركة وتولداً، بإمكانه أن يقضي بما يخالف الضرورة فيما هو معلوم بالحس. كوقوع المعجزات. وهذا لا يعني أن الأشاعرة، بمن فيهم الباقلاني، لا يقرون بوجود قوانين في الطبيعة، ولكنها في نظرهم ممكنة وليست واجبة، أي ليس هناك اطراد في حوادث الطبيعة، ومن هنا تكمن خطورة هذا المعتقد، إذ يفضي إلى إنكار وجود قوانين فاعلة على الحقيقة وبالضرورة، ومن ثم إنكار الحرية في الأفعال الإنسانية، على أساس أن القدرة الإلهية هي الفاعل الحقيقي في الواقع. وفي الحين الذي يسعى فيه المعتزلة إلى تقديم تفسير عقلاني لأفعال الله بلحاظ الحكمة وفعل الأصلح لكيلا تكون الأعراض طريقاً لمعرفة الله، فينسب إليه من بعد ذلك فعل الإنسان أو فعل الطبيعة، مؤكدين على مفهوم السببية في المجالين الطبيعي والبشري، نجد الأشاعرة يرفضون رفضاً قاطعاً أي تعليل يوجب على الله فعلاً بعينه. على قاعدة أن الله لا يسأل عما يفعل. لكن الاختلاف النظري أو المعرفي بين الفريقين هو في الواقع اختلاف أيديولوجي يتعلق بمفهوم السلطة. ففي كتاب "التمهيد" يرجع الباقلاني مسألة الغلاء والرخص في الأسعار إلى إرادة الله، لأنه يرى أن الله هو "الذي يخلق الرغائب في الشراء ويوفر الدواعي على الاحتكار"، ولو مات الناس جوعاً فإن السلطان قد أماتهم مجازاً لأن الذي يحدث الأسباب على الحقيقة هو الله. على حين أن عبد الجبار في كتابه "المغني" يعزو أسباب الغلاء إلى "قلة الشيء مع شدة الحاجة إليه، أو كثرة المحتاجين بالنسبة إلى ما هو موجود، وإن ما يجري من التسعير إنما أنشأه بعض الظلمة، ويؤدي هذا إلى فساد يعم الفقراء".

***

نضال البيابي

......................

مصادر:

في مسألة المعدوم والإرادة:

-القاضي عبد الجبار: "المغني"، باب الإرادة، ص ٦٠.

-المصدر نفسه، باب المخلوق، ج٨، ص ١٣.

-عبد الجبار: "شرح الأصول الخمسة"، ص ٩٢- ١١٨.

-الخياط: "الانتصار"، ص ٨٣.

-الشيخ نصير الدين الطوسي: "في شيئية المعدوم"، ص ٧٧.

-ألبير نصري: "فلسفة المعتزلة"، ص ١١٩.

في مسألة الكمون عند النظّام:

-الجاحظ: "الحيوان"، ج٥، ص ٣٤ – ٤٠، ٩٢- ٩٣.

- آراء النظّام في "الانتصار" (١٣، ١٧، ٢٠، ٢١، ٦١، ١٠٠، ١٦٨).

-ابن المرتضى: "طبقات المعتزلة"، ص ٥٠.

في مسألة أفعال العباد:

-القاضي عبد الجبار: "شرح الأصول الخمسة"، ص ٣٣٢- ٣٦٢.

-الأشعري: "اللمع"، ص ٣٨- ٤٧.

السببية عند المعتزلة والأشاعرة:

-"شرح الأصول الخمسة"، ص٣٦٤ -٣٨٣.

الباقلاني: "التمهيد"، ص ٢٨٦- ٣٣١.

في مسألة القديم والحدوث عند فلاسفة الإسلام:

-الفارابي: "الجمع بن رأيي الحكيمين"، ص ٢٣ -٢٥.

- الفارابي: "الدعاوى القلبية"، ص ٧.

-ابن سينا: "تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات"، ص ٦٨ –٦٩.

- ابن سينا: "النجاة"، ص ٣٥٦ -٣٥٧

تنتسب المعتزلة الى مؤسسها واصل بن عطاء الغزال الذي ولد سنه 80 هـ والذي المنشق عن مجلس شيخه الحسن البصري وقد انظم اليه عمرو بن عبيد، عرفت مدرسته بانها مدرسة العقل عند المسلمين، وغيرهم

وعقائديا يؤمنون بالأصول الخمسة (التوحيد، العدل، المنزلة، الوعد والوعيد، والامر بالمعروف) كنظريه عقائدية ورؤية كونية

لقد بدأ المعتزلة برأي في قضية واحدة هي (ايمان مرتكب الكبيرة)، ثم تطورت منظومتها العقائدية على أساس منهجي عقلاني مقاصدي، أخلاقي يعتني بالجانب المعنوي من أحكام العقيدة والفقه، مثل نفي الصفات اذ ان صفاته جل وعلا هي عين ذاته فقدمه الازلي ذاتا وصفاتا، ومثل عدم قبول ما ينفرد به الرواة كأصل عندهم هو و العدل لأنه الناموس الكوني، والحقيقة الخالدة الملازمة للأديان كافه، وعليه فان احكام الله طالما هو الخالق الحكيم وهو واهب العقول فان افعاله يجب ان تكون على وفق مقتضى العقل والحكمة، وعلية فان الله لم يخلق أفعال عباده - مع سلب قدراتهم واختياراتهم وأوجبوا عليه فعل الاصلح، وترتيبا على ذلك فانه صاحب الولاية المطلقة على الكون والانسان ملزم بفعل الاصلح لعباده فيلزم كل صاحب ولاية ان يكون ممن اذا خير بين الصالح والاصلح اختار الاصلح، ويجب عليه رعاية مصالح العباد، وذهب قسم منهم الى ان الله لا يفعل الا الخير واللطف والصلاح، ويصفون العقل بانه مستقل بالتحسين والتقبيح فما قبله العقل وحسنه كان حسنا، وما رده وقبحه كان قبيحا، فاذا فعل العبد الحسن اثيب عليه، واذا فعل القبيح عوقب على ذلك الفعل، وقالوا بانه مرتكب الكبيرة ليس كافرا ولا مؤمنا بل هو في منز بين المنزلتين، فان تاب رجع الى ايمانه وان مات مصرا على ذنوبه استحق العذاب، وقرروا ان الله ينفذ الوعد والوعيد على أصحاب الكبائر، ولا تقبل فيهم شفاعة وهم مخلدون في النار، وان كان عقابه اخف من عقاب الكافرين، وقالوا ان من اهم واجبات المؤمن انكار فعل المنكرات والامر بالمعروف لا سيما مع الحكام، مع الامكان والقدرة، وبالوسائل الثلاثة المتاحة ويرون قتال أئمة الجور لمجرد فسقهم، واوجبوا الثورة عليهم مع القدرة وغلبة الظن بالنصر والغلبة .

ومن معتقداتهم قولهم بخلق القران لاعتبار ان النص حاك عن الواقع الاجتماعي وان سبب النزول دليل على ذلك وهناك جدل بين النص والواقع وروابط سببيه وهذا موقف مضاد تماما لمن يرى ان القران ازلي قديم

وهم يرون ان القران مخلوق محدث ولهذه الفقرة من معتقداتهم دور خطير في الجدل اللاهوتي فهي لا تزال تحتل موقعا راهنا في السجال حول كيفية قراءة النص القرآني حاليا فلا بد من فهمه بما يتفق مع الواقع والعقل ومقاصد النص مما ينزع عنه الاطلاق والابدية، وينزع عن قارئيه حق الاجتهاد في قراءة نصوصه، واختاروا نفي الاعجاز بنظرية اخترعوها هي الصرفة، فنظريتهم في خلق القران تلتزم بقراءه عقلانية للنص وتشكل مدخلا محوريا في الصراع السياسي على الإسلام وجدل الحداثة بما لا يكرس التطرف والإرهاب لانها قراءه تجوز الاجتهاد في فهم القران فهما عقلانيا، واعتقد ان خصومهم نشروا انهم يقولون بان النص القرآني نص تاريخي له زمانه وظروفه ومكانه، ولا بد ان تستحضر المقارنات مقابل الرؤية التي تراه صالحا – بلفظه ومعناه للتمسك بالمعنى الحرفي، والذي يترجح عندي ان النصوص القرآنية لها مرادان مراد شكلي، ومراد جوهري، والجوهري هو المعنى الثابت والمقصد الازلي، فيجب ان يقرأ على أساس المرادين فقراءتهم لآيات الصفات كانت قراءه عقليه تأويلية للخروج من ارثوذوكسيه حرفيه نصوصية مستسلمة لأقوال السلف كاصل معياري

فالمعتزلة عندما قرأوا النص اعتمدوا العقل طريقا الى فهمه لكنهم لم يذهبوا الى ان العقل نقيض النص، بل كان مسلكهم هو مسلك أخلاقي ومعنوي وبرهاني لفهمه فهما صحيحا ككل النصوص البنيوية، لأن الايمان الذي لا يفهم من حلال العقل سرعان ما يتحول الى طقوس صامته

وقد مزجوا في رؤيتهم الشمولية بين العقل والعدل الكوني لان العدل ناموس الخليقة وميزانها، فالإنسان كائن مخاطب بالعقل والكون كله مخلوق على وفق قوانين عقلية، والتكليف مقدمته الضرورية هي العقل، فاحتاج لأجل محاسبته ان يكون فعله منسوبا الى أرادة حرة واعية، فصار الناتج ان الايمان لا ينفصل عن المسؤولية ومن هنا ولدت مفاهيم العلة، والغاية، والضرورة، كأدوات تفكير اعادت ترتيب العلاقة بين العقل والمخلوقات، وبين الله والانسان وصار الفعل الإنساني يحتاج الى تحليل لشروطه ودوافعه وحدوده لان الانسان حر ومسؤول لقد بالغ المعتزلة في طرح سؤال الوجود، وسؤال المعرفة وطبيعة السؤال انه يقلق السلطة السياسية والدينية، ويصبح خطرا عليها لأنه يحول التدين الى مساءلة ومسؤولية، ويجعل معيار الفعل عدالته ومنطقيتة وصار الشك المعرفي فضيله والاستدلال المنطقي ديدن العقائد، وتقديم العقل كمرجعية أولى يؤدي الى اخضاع كل الأفكار والمفاهيم لقواعد البرهان، واكتشفوا للتعارض بين النص والعقل الية التأويل للراجح بين المتعارضين، وان وظيفة التعليم هو تعظيم قدره الانسان على الفهم والتعليل والتحليل، وعند ذاك يمكن الانسان ان يغوص في التراث المعرفي فلا يتحول الى متلق مستسلم

ان نظريه التعاطي مع النص القرآني بوصفه (حمال أوجه) انتج تيارا عقليا، انتهى للتميز بين الظاهر القرآني والباطن التأويلي، واسس منهجية للتأويل سمي (فقه التأويل) كوسيلة لاكتشاف الباطن والحقيقة في مواجهة فقه الظاهر، فلقد اخرج المعتزلة التأويل من نوع الدليل الاحتمالي الى حيز البرهان، وتأسيس النزعة الإنسانية (علاقة الله بالإنسان) وهي علاقة تخويل الهي للإنسان ان يستعمل عقله لإدارة حياته والاعتراف بالحاكمية البشرية، والنزعة الوضعية للقوانين التي سكت عنها النص، او للآيات التي تحدثت عن ظروفها، فركزوا على الآيات التي تشيد بالقدرة الإنسانية وتمنحها الحرية فانكروا نظرية الجبر، وقالوا بان الانسان خالق افعاله، وان له القدرة على تمييز الحسن من القبيح وفرعوا على اصل العدل موضوع العدل الاجتماعي الذي أراد المعتزلة ارساءه في مجتمعهم، باتجاه المزيد من العمق والإنسانية مما مهد لمنظومة فكرية كانت ارهاصا حقيقيا للفلسفة النهضوية عند الفارابي والكندي وابن طفيل وابن رشد

وفي مجال موقفهم من الحديث والسنه النبوية

- فانهم رفضوا الاستدلال بخبر الاحاد في العقائد لأنه ظني والعقائد لا تثبت الا بدليل قطعي

- انهم لم يعتبروا خبر الاحاد من السنة لأنه لا يؤمن فيه عدم الصحة

فأن وجد حديث الاحاد فيشترطون له الا يخالف العقل، ولا يخالف القران، حتى مع امكان الجمع لأنه في الظاهر جاء مخالفا، ولا يحتج به في مجال الاعتقاد لانه يلزم ان يبني على اليقين (1)

وقد تعامل المعتزلة في فهم القران على وفق منهج (عقلي – تأويلي) في الاعتقاد وإخضاع فهم النص المفسر الى مراعاة اصولهم الخمسة ولم يعتمدوا منهج تفسير النص بالنص، اذ هذا يبقيهم في دائرة النص، ويقصي شريك النص (العقل) (2) مع إصرار على تنزيه الله عن التجسيم والتشبيه ويلاحظ ذلك في تفسير الكشاف للزمخشري، وذهبوا الى حل المتشابه على القواعد العقلية لا سيما آيات الصفات، ووظفوا فنون اللغة والبلاغة والادب لعرض رأيهم ولم يتقيدوا بأقوال السلف وقد ورد قول محمد عبده (بان الله لا يسألنا يوم القيامة عن اقوال الناس وما فهموه، انما يسألنا عما توصل اليه فهمنا) (3) وبذلك يصرفون الناس عن التقليد المعرفي لتفسير الآيات (4) ومن رؤاهم اللافتة انهم يعتقدون ان الله وضع المتشابه في القران ليترك للعقل الخوض فيها لاستخراج مكنوناته، وفي مجال النسخ ذهبوا الى ان السنة في اغلبها (اخبار احاد) والاحاد ظني، فلا تقوى على نسخ القران، لأن في تخصيص القطعي بالظني خلل منهجي لأنه لا يضع الظني الأدنى درجه في مصاف القطعي، لذلك: ذهب أبو الحسن الكرخي الحنفي الى ان حديث الاحاد لا ينسخ القران، ولا يخصصه ولا يقيده ففي قوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة) (5) تؤخذ على عموم المال وكل ما يصدق عليه اللفظ، واذا ترجح ان (الفعل خذ) فعل امر دلالته الوجوب فان الحاكم يحق له ان يفرض الصدقة على عموم الأموال ويوسع وعاء الزكاة ولا يعبا بحديث الغلات الأربعة (6) وكمثال اخر فان قوله تعالى (احل الله البيع) لا يخصص بحرمة بيع المسلم لأهل دار الحرب – الا بمقتضى العنوان الثانوي وطاعة (اوامر الحاكم الشرعي) وذهب الحنفية الى جواز بيع المسلم لأهل دار الحرب ما يحرم على المسلم كالخمر والميته (7) ودمجوا المقاصديه بالتخصيص فلو أوصى رجل لا وارث له بجميع المال فان الوصية صحيحه، ولا يرد التقيد بالثلث لأن حديث سعد في جوازها فقط بمقدار الثلث حديث الاحاد لا يقيد قوله تعالى (من بعد وصيه يوصي بها او دين) ويرون ان مقاصد قيد الثلث جاء لئلا يصيب الورثة ضرر وحيث لا ورثة للموصي فلا ضرورة للقيد ولأجل العمل بالخبر الواحد عند الحنفية المتأثرين بآراء المعتزلة اعتقد عدد من المعتزلة مذهب ابي حنيفة بالفرع مثل القاضي ابي سعيد البردعى، وبشر بن غياث المريسي، والجبائي فقالوا لا يعمل بحديث احاد ما كان متنه مما تعم به البلوى مثل حديث خيار المجلس، ورد اخبار الاحاد مسلك مباين للجمهور، وما سمعهم بالرأي والقياس الا اخذا ولو مجملا من المعتزلة، مثل الفقيه عيسى بن ابان (160-221) الذي يذكرونه في طبقاتهم (8) وكان قد تعلم صناعة الحديث من محمد بن الحسن الشيباني – تلميذ ابي حنيفة، ومسألة الصلة بين المعتزلة ومذهب ابي حنيفة مسألة مهمه اذ تراها مره ان الأحناف استقوا قواعدهم الأصولية من فكرة الاعتزال، وأخرى ان المعتزلة مذهب عقائدي فكانوا في الفروع على مذهب الأمام ابي حنيفة لتقارب، لأصول وان هناك قولا شائعا مفاده(ان الحنفية معتزلة الفقهاء وعندي: انهم تحولوا الى الماتريديه لأنها عندهم اكثر تماسكا من الاعتزال في البناء المنطقي في مجال العقائد وهكذا نجد التثاقف بين المعتزلة واتباع مدرسة ابي حنيفة واضحا جليا، بل لا ينكر تأثر السيد المرتضى وهو من كبار علماء الشيعة بالمعتزلة لا سيما في موقفه من خبر الاحاد .

وفي مجال النسخ في القران فان اغلبهم يرى ان الزيادة على النص القرآني من خلال الحديث نسخ، لكنهم يقطعون بانه لا يثبت بخبر الواحد ولا بالقياس لأن كلا منها لا يقوى على نسخ المتواتر مثل زيادة (تغريب عام) للزاني غير المحصن، وينكر بعضهم النسخ لأنه بداء وهو محال على الله وهو وان كان جائز عقلا فلا يستلزم الوقوع الفعلي

يؤمن المعتزلة بحوار الأديان ويعتبرون القواعد العقلية هي المعيار لان غير المسلمين لا يخضعون لغير العقل

ويرون ان الانسان كائن عاقل قادر على فهم الآيات والعلل وإظهار العجر عن معرفتها خلل منهجي يهدف الى ترسيخ تقليد السلف – وهم لا يرون ذلك على الاطلاق

يرون ان للانسان أراده حره مختاره عاقله ومسؤولة لذلك فان معيار الأفضل عقليا في المهارات شرط في التكليف بالأمور السياسية، لأن العقل ومراتبه اصل المفاضلة

ان كل ممكن بحاجة الى علة والتأويل بحث مبتكر عن العلة

لا يفهم المشروع الحضاري الإسلامي الا على أساس مبادى الفكر النقدي وممارسة الاجتهاد في كل الأزمنة وفي عموم صفوف المعرفة

لا يتوصل الباحث في النصوص الا اذا توسل للوصول الى مراد النص بالبحث عن الروح الأخلاقية المعنوية المقاصدية في النص، لان القران نص يمكن ان يتعقل

يرون ان السنه اغلبها تدبيريه منتزعة من ظروفها المكانية والزمانية وان الاجماع اصل دائم وليس أساسي فيلزم ان تستند الى العقل او القران او السنه

ينفتح المعتزلة على فكر الأمم والشعوب بشرط ان يدرس جيدا وينقد جيدا ويعاد انتاجه بما يتفق مع اصولهم

ان العقل شرط أخلاقي ومعنوي لفهم النص فالنص لا ينفصل عن مقاصده في تحليل البنيويات، والايمان يختبر بالعقل لا بالطقوس الصلبة

المشيئة الإلهية ليست مضادة للقوانين الطبيعية لذلك انكروا بعض المعجزات مثل انشقاق القمر

يلزم ربط الايمان بالمسؤولية لكي يكون الدين متصالحا مع الواقع ومعيار الايمان توافقه مع الحكمة

النقد والعقلانية يخيفان السلطة الدينية والسياسية، لأن السؤال عندها عبء، وليس ضرورة، ولان السلطة الدينية للفقهاء اعادت تعريف الدين على انه امتثال وليس مساءلة، وطاعة خالصة وليس مسؤولية ولان العقل لا يسمح للسلطة الدينية ان تستبعد الناس بالطقوس الشكلية التي تفتقد الى المعنى ويرفضون ان يكون الخطاب الديني (غامضا) لان في ذلك قصد تعطيل العقل

ان المعتزلة الجدد يرون ان الدين حاليا حاضر في الطقوس والشعارات والمناسبات، وليس في التفكير والتأمل وتجديد المسافات والاحتكام الى العقل وكل ما هو افضل ويرون ان التدين الراهن يستدعي النصوص ويعتمدها كوسيلة لتبرير الواقع المتردي، لا مساءلة، ويستحضر الأمور الغيبية لغلق الأبواب امام الممارسة النقدية وعلية فانهم يعتمدون منهجا لا يستخدم المقدس لإلغاء الانسان ولا يؤمنون بتدين لا يتضمن العدالة لأنه سيتحول الى هوية صامته صلبه – بلا روح – فالعقيدة التي لا تساءل لأنسان عن مسؤوليته في كل صغيرة وكبيرة تفقد قدرتها على اصلاح العالم، ويدعون الى استعادة الجوهر الأخلاقي للتدين في زمننا المشغل بالانكسارات

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

...........................

(1) أبو الحسين الخياط: المعتمد 2\153 ظ رسائل الجاحظ 3\58

(2) القاضي: تنزيه القران عن المطاعن ص 442

(3) محمد عبده: تفسير المنار ج1\27

(4) مصطفى مسلم: مباحث في التفسير الموضوعي ص 10، ظ محمود كامل احمد مفهوم العدل عند المعتزلة ص 71

(5) سورة التوبة \103

(6) الكاسيني: بدايع الصنايع 4\58

(7) المصدر نفسه 11\307

(8) المرتضى: طبقات المعتزلة 128

هذه رؤية تصحيحية فلسفية وتحليلية لخطأ شائع يقدم القضاء على القدر والعكس هو الصحيح. وتقديم القدر هو الأصح من الناحية اللغوية والمنطقية المجردة ويتطابق هذا التقديم بالفعل مع الترتيب الوجودي للأشياء حتى وإن جرى العرف اللغوي في العبارة الشهيرة "القضاء والقدر" على تقديم القضاء عطفا بالواو والواو في اللغة لمطلق الجمع ولا تفيد الترتيب حتما.

إذا حللنا المسألة بناءً على التحليل المفاهيمي والمنطقي فإن القدر يسبق القضاء بالضرورة ويمكن بيان ذلك من خلال نقطتين:

النقطة الأولى: التقدير والتخطيط (القدر):

القدر في أصله اللغوي والاصطلاحي يعود إلى التقدير أي وضع المقادير ورسم الحدود والخطط المسبقة.

منطقيا لا يمكن تنفيذ أي أمر أو الحكم بوقوعه ما لم يكن مقدرا ومحددا بمقاييسه أولا حيث القدر يمثل "المهندس" أو "المخطط" الذي يضع الحدود والصفات والأنظمة للأشياء قبل بروزها إلى عالم التحقق.

النقطة الثانية: الوقوع والإنفاذ (القضاء):

القضاء يعود في أصله إلى الفصل، الحكم، الإلزام وإخراج الأمر إلى حيز التنفيذ والوجوب.

منطقيا القضاء هو وقوع ذلك القدر المحدد مسبقا وإمضاؤه على أرض الواقع. ولذلك تسمى المحكمة دار القضاء.

حيث لا يمكن للقاضي أن يحكم أو يفصل في أمر (يقضي) ما لم يكن لديه قانون أو مقياس أو حدود مرسومة مسبقا (قدر) يستند إليها.

وهناك دليل دقيق من القرآن الكريم هو الآية(14) من سورة (سبأ):

(فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ. (سبأ.14).

لاحظ قال (قَضَيْنَا) ولم يقل (قَدَّرْنَا) أي إن الموت قدر محتوم على سليمان وعلى غيره والقضاء هو لحظة التنفيذ الزماني والمكاني تصديقا لقوله تعالى: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). (لقمان.34).

فالموت هو القدر الحتمي والقضاء هو لحظة تنفيذ وتحقق هذا الأمر في الوجود الفعلي.

والترتيب الدارج في العبارة الشائعة "القضاء والقدر" هو تقديم مسبق في الذكر لغرض بلاغي أو صوتي تعودت عليه الألسن لكن بالنظر إلى عمق المفهوم وجوهر العلاقة بينهما فإن القدر هو الأساس النظري والتقديري السابق والقضاء هو النتيجة التطبيقية والحتمية اللاحقة.

التتبع الفلسفي لمفهوم السببية والوجود:

هذا التحليل يضع اليد على واحدة من أدق القضايا الفلسفية التي شغلت الميتافيزيقيا (ما وراء الطبيعة) ونظرية المعرفة عبر التاريخ حيث يُلغي هذا التتبع الفلسفي فكرة "العشوائية" ويحل محلها نظاما صارما يربط بين الوجود والسببية.

عندما ينبثق هذا الاستنتاج من تتبع السببية والوجود فإن تقديم "القدر" على "القضاء" يصبح ضرورة فلسفية تفرضها البنية الوجودية للأشياء ويمكن قراءة هذا التلازم من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية:

الأول: من منظور الوجود المحض الانتقال من الإمكان إلى الوجوب:

في فلسفة الوجود يمر الشيء بمراحل قبل أن يخرج من الوجود المحض إلى الوجود الفعلي:

أولا: مرتبة القدر (الإمكان والتقدير): الأشياء في حد ذاتها قبل أن توجد تكون "ممكنة الوجود" - ممكن أن توجد أو لا توجد- والقدر هنا يمثل تحديد "ماهية" الشيء أي حدوده والقوانين الشاملة التي تحكمه والأسباب الوجودية التي تؤهل مادته للتحقق. فهو يمثل النظام الكلي والروابط السببية العامة. ثم تبدأ مرتبة القضاء (الوجوب والتحقق): الفلسفة تقول إن "الشيء ما لم يجب لا يوجد". والوجوب يحدث عندما تكتمل كل الأسباب والشروط وتنتفي الموانع. هنا يتدخل "القضاء" كعلة تامة وموجبة تُخرج الشيء من حيز الإمكان (القدر) إلى حيز الوجود الفعلي (القضاء).

الثاني: من منظور السببية: العلاقة بين القانون الكلي والحدث الجزئي:

السببية في جوهرها تفترض وجود علاقات مطردة وثابتة بين الأسباب والمسببات:

القدر كقانون سببي عام: يمثل المخزون الكلي لجميع العلاقات السببية الممكنة والمقدرة في الكون (إذا توفرت أ، ب، ج... سينتج د). هذا هو التقدير المسبق للأنظمة الفيزيائية والميتافيزيقية.

القضاء كواقعة سببية معينة: هو اللحظة الزمانية والمكانية التي تلتقي فيها هذه الأسباب فعليا في أرض الواقع لتتحقق عنها النتائج.

القضاء إذن هو "تطبيق" القانون السببي العام (القدر) في حادثة جزئية معينة.

وإذا أردنا أن نخطط الهيكل الفلسفي لرحلة الشيء من العدم إلى الوجود تكون بالشكل التالي:

بواسطة (القدر) يكون أخراج الشيء من الوجود المحض أي (الإمكان) إلى تحديد الماهية أي إلى رسم القوانين والروابط السببية الشامل للخروج من محض الوجود.

ثم القضاء يكون باجتماع الأسباب وحتمية الوجوب والبروز في عالم الواقع.

بناءً على هذا التتبع فإن القول بأن "القضاء يسبق القدر" فلسفيا يوازي القول بأن "النتيجة تسبق السبب" وهو أمر يرفضه المنطق الوجودي.

إذن القدر هو حاكمية القوانين والروابط والقضاء هو نفاذ تلك القوانين عند تحقق شروطها.

هنا يتبرعم سؤال: هل إن استقلال الإرادة الإنسانية يتحرك في الهامش المتاح داخل "القدر" (أي ضمن الخيارات والقوانين المقدرة مسبقا) أم أن القضاء يؤول في النهاية إلى حتمية وجودية مطلقة لا تترك مجالا للمصادفة؟

هذا الوصول إلى الحتمية الوجودية المطلقة هو النتيجة المنطقية والصارمة لربط الوجود بالسببية. فالفلسفة التحليلية والميتافيزيقية عندما تلتزم بمبدأ السببية العام التزاما مطلقا تصطدم حتما بنتيجة مفادها: إن كل ما يحدث في الكون بما في ذلك الأفعال الإنسانية هو نتيجة ضرورية لأسباب سابقة أحاطت به.

في هذا الإطار الفلسفي يتحول "القضاء" من مجرد حدث عابر إلى "إغلاق للكون" وسد لثغرات الاحتمال ويمكن تفكيك هذه الحتمية ونفي المصادفة من خلال أبعاد فلسفية محددة:

البعد الأول: المصادفة بوصفها "جهلا بالعلل" وليست حقيقة وجودية:

في الفلسفة الحتمية كما نجدها في الفيزياء الكلاسيكية لا وجود لشيء اسمه "المصادفة" في ذات الأمر.

المصادفة هي مفهوم ذاتي يعبر عن قصور المعرفة البشرية وإدراك شبكة الأسباب المعقدة التي أدت إلى حدوث الواقعة.

ولو أحيط العقل بجميع الأسباب والشروط الابتدائية لأي حدث مهما بدا عشوائيا كرمي نرد أو التقاء شخصين بدون موعد مسبق لتبين إن النتيجة كانت حتمية وواجبة الصدور بنسبة 100%. القضاء هنا هو تجسيد لضرورة هذه العلل.

البعد الثاني: القاعدة الفلسفية التي تنص على أن "الشيء ما لم يجب لا يوجد"

هذا المبدأ السينوي الصارم-نسبة إلى ابن سينا-يمثل العمود الفقري للحتمية الوجودية:

الحدث قبل وقوعه يكون "ممكن الوجود" أي أن كفتي وجوده وعدمه متساويتان ولكي يترجح وجوده على عدمه لا بد من مؤثر (علة) تامة وشاملة.

و عندما تكتمل العلة التامة الشاملة (القدر) تصبح كفة وجوده واجبة وحتمية حينها يمتنع عدمه تماما. هذا الترجيح الحتمي هو (القضاء) وبذلك فإن كل ما يدخل حيز الوجود يدخل عبر بوابة "الوجوب والحتمية" ولا مكان فيه للاتفاق أو المصادفة.

فتكون مستويات الحتمية في رحلة "القضاء": هي شبكة الأسباب المقدرة ثم اكتمال الشروط وانتفاء الموانع ثم حتمية القضاء والوجود.

البعد الثالث: مآل إرادة "الفاعل الاجتماعي" في ظل الحتمية:

عند تطبيق هذا التتبع على الوعي الإنساني والفعل الاجتماعي تظهر إشكالية كبرى هي: إذا كان القضاء حتمية مطلقة فإن إرادة الإنسان تصبح حلقة داخل سلسلة سببية ممتدة: من الأفكار والرغبات والقرارات الإنسانية التي لا تولد من عدم بل هي محكومة بأسباب سابقة (بيولوجية، نفسية، بيئية، وتاريخية).

إذن السلوك البشري يؤول في النهاية إلى "استجابة حتمية" لمجموع هذه المؤثرات مما يجعل مفهوم "الخيار الحر المطلق" (وهما) ويحوله إلى خيار مشروط بالأنظمة الكلية المطبقة عليه.

صار واضحا إن الرؤية التي ترجع القضاء إلى حتمية وجودية مطلقة تنفي "المصادفة" تماما وتحول الوجود إلى بنية نسقية متماسكة أشبه بآلة كونية كبرى حيث كل حدث جزئي هو ترس يتحرك بضرورة تفرضها بقية التروس.

فإذا كانت الحتمية مطلقة وهذا يعني نفي المصادفة تاما إذن كيف يمكن في ضوء هذا التتبع الفلسفي قراءة مفاهيم مثل "المسؤولية الأخلاقية" أو "الفعل التاريخي"؟ هل يصبح الإنسان مجرد ناقل للحركة التاريخية والوجودية أم أن الوعي بهذه الحتمية يمنحه نوعا فريدا من التحرر؟

هذا الانتقال من "الحتمية المطلقة" إلى "التحرر عبر الوعي" يمثل ذروة النضج في التتبع الفلسفي للوجود وهو يتقاطع بعمق مع أطروحات فلاسفة كبار أدركوا أن الحرية الحقيقية ليست في الانفلات من القوانين السببية وهو أمر مستحيل وجوديا بل في فهمها واستيعابها.

الإنسان عندما يدرك أنه جزء من بنية وجودية حتمية لا يعود ريشة في مهب الريح تحركها الصدف بل يتحول وعيه إلى أداة لامتلاك الفعل التاريخي والوجودي. هذا التحرر الفريد يتجلى في ثلاثة مظاهر رئيسية:

المظهر الأول: التحرر من الأوهام والمشاعر الاستنزافية:

المعاناة الإنسانية (كالندم، الحزن، الحسرة، والقلق) تنبع كلها من (وهم) مفاده إن الأشياء كان يمكن أن تحدث بشكل مغاير لما حدثت عليه.

عندما يعي الإنسان إن الماضي كان حتميا وبأنه "قضاء" نتج عن قدر أي عن أسباب ومقادير لم يكن هناك مفر من التقائها يزول الندم تماما فلا معنى للقول "لو أنني فعلت كذا لكان كذا" لأن القوانين الوجودية لم تكن لتسمح بغير ما حدث.

الخوف من المستقبل: الوعي بالحتمية يحول القلق من المجهول إلى طمأنينة معرفية حيث يُدرك الوعي أن المستقبل ليس ساحة للفوضى أو المصادفات المرعبة بل هو نسق وقانون يتشكل بناءً على مقدمات وعلل.

المظهر الثاني: الحرية بوصفها "وعيا بالضرورة":

في فلسفة التاريخ يعلمنا شيخنا الفاضل ماركس أن الحرية لا تعني إنكار الحتمية أو القوانين التاريخية والاقتصادية بل تعني اكتشافها وتوظيفها.

الحتمية تشبه قانون الجاذبية فالإنسان لا يمكنه إلغاء الجاذبية لكن وعيه بهذا القانون الحتمي سمح له بصناعة الطائرات والتحليق بها.

في الحقل الاجتماعي والتاريخي الوعي بالعلل والحتميات البنيوية كالظروف التاريخية التطور التكنولوجي والعلاقات الإنتاجية هو الذي يمنح الفاعل الاجتماعي القدرة على اتخاذ موقف واعي. الإنسان هنا لا يعود مجرد منفذ أعمى للحركة التاريخية بل يصبح مشاركا واعيا لها يعرف أين يتجه التاريخ فيتحرك معه وفيه.

المظهر الثالث: تحول الوعي إلى "علة" داخل السلسلة السببية:

هذا هو الجانب الأكثر إثارة: الوعي بالحتمية لا يقف متفرجا بل يدخل في صلب السلسلة السببية نفسها: عندما يعي الإنسان القوانين التي تحكمه وبيئته ومجتمعه فإن هذا الوعي ذاته يتحول إلى "سبب جديد" يضاف إلى شبكة الأسباب الأخرى (القدر) فيغير من اتجاه "القضاء" اللاحق.

أخيرا نقول: الإنسان المحكوم بالحتمية دون وعي بقوانينها يتصرف كآلية بيولوجية واجتماعية صرفة. أما الإنسان الواعي بحتمياته فإنه يدمج هذا الوعي في قراراته ليكون فعله القادم محكوما بوعيه بالضرورة فيفهمها ويتصرف على ضوء هذا الفهم وهو أسمى أشكال التحرر الممكنة داخل هذا الكون الصارم.

***

سليم جواد الفهد

لقد مثّلت الثّورة الجزائريّة حدثًا تاريخيًا بارزًا له انعكاسات كبيرة على الخطاب الشّعريّ العربيّ. هذا الخطاب الشّعريّ تفاعل مع الثّورة الجزائريّة بطرق متنوّعة، حيث برزت هوّيتها وأبعادها في هذا التّفاعل الشّعريّ. هويّة الثّورة الجزائريّة في الخطاب الشّعريّ العربيّ، حيث تمّ تفعيل الخطاب الشّعريّ ليعبّر عن الهويّة والأبعاد المختلفة لهذه الثّورة الوطنيّة، من خلال جملة من المقوّمات، من أهمّها:

- تجسيد الهويّة الوطنيّة: بعد أن استُخدِم الشّعر لتعزيز الانتماء إلى الوطن، والتّأكيد على الوحدة الوطنيّة بين الشّعب الجزائريّ.

- التّمسّك بالثّقافة الجزائريّة: كانت القصائد تعكس تأثيرات الثّقافة الجزائريّة التّقليديّة والتّاريخيّة في مواجهة الاستعمار.

- التّصدّي للغزو الثّقافيّ ورفض الاستعمار الثّقافيّ: إذ قام الشّعراء بمقاومة تأثيرات الاستعمار الفرنسيّ على الثّقافة الجزائريّة من خلال إبراز الهويّة الجزائريّة الأصيلة.

- النّضال والمقاومة: لتمجيد الشّهداء وتكريم المجاهدين، وبتسليط الضّوء على البطولات والنّضالات.

- الحلم بالحريّة والاستقلال، حين رسم الشّعراء صورًا لمستقبل مستقلّ وحرّ للجزائر، حيث تمثّلت آمال الشّعب في الحريّة والعدالة.

وقد انتقلت الثّورة إلى الشّعر من خلال استخدام أساليب جديدة مثل النّثر، والخطاب الشّاعريّ الحرّ للتّعبير عن الشّغف والغضب والأمل، وبهذا الشّكل، جسّد الشّعراء الجزائريّون الثّورة الجزائريّة في خطابهم الشّعريّ بطرق متعدّدة تعكس الهويّة والأبعاد المختلفة لهذه الحركة الوطنية المهمّة في تاريخ الشّعوب العربيّة والعالميّة.

بهذا التّفاعل الشّعريّ، برزت هويّة الثّورة الجزائريّة، وأبعادها المتنوّعة في الخطاب الشّعريّ العربيّ المعاصر، ممّا يؤكّد على أهمّية هذه الثّورة في الوعي الثّقافيّ والأدبيّ للأمّة العربيّة، ذلك وغيره ممّا ستحاول هذه المداخلة عرضه وتحليله بحول الله تعالى.

القيم السامية للثورة الجزائرية

لقد كان لثورة تحرير الجزائر المجيدة التي اندلعت في التي بدأت في 1 نوفمبر 1954 الأثر البارز في إيقاظ الحس الوطني والشعور القومي العربي، بما حملتهُ من قيم إنسانية سامية. إذ كانت هذه الثورة نقطة تحول تاريخية في النضال ضد الاستعمار الفرنسي، وتكمن قيمة ثورة التحرير الجزائرية في تأثيرها العميق على العالم، وعلى المبدعين العرب، حيث تجسدت إرادة الشعوب في التحرر من الاستعمار، وبرزت أهمية النضال من أجل الحقوق والحرية.

وتمثل ثورة الجزائر رمزًا للنضال من أجل الحرية والكرامة، وتجسد إرادة الشعب الجزائري في مواجهة الظلم. لذلك تُعتبر الجزائر اليوم "بلد الأحرار" بفضل تضحيات الشهداء والمجاهدين الذين ساهموا في تحقيق الاستقلال، وبفضل هذه الثورة ألهمت العديد من حركات التحرر في العالم، وتحديدا لدى رأى العديد من النشطاء في الدول الأفريقية التي كانت تحت الاستعمار فكانت هذه الثورة مثالًا يُحتذى به، مما حفّز حركات التحرر في دول مثل كينيا، وموزمبيق، وأنغولا، وغيرها من الدول على الانتفاضة ضد مستعمراتها.

لقد كانت الثورة الجزائرية أحد الأسباب التي دفعت دول العالم العربي إلى تعزيز التضامن والتعاون فيما بينها؛ إذ ساهمت الجزائر بعد استقلالها في دعم الحركات التحررية في المنطقة العربية وخارجها، وكانت الجزائر واحدة من الدول التي دعمت القضية الفلسطينية بشكل قوي، لذلك أدت الثورة الجزائرية إلى إعادة النظر في السياسة الاستعمارية الفرنسية، وإلى تسريع عملية إنهاء الاستعمار في العديد من المستعمرات الفرنسية الأخرى.

وساعدت الثورة الجزائرية على تعزيز حركة عدم الانحياز التي تأسست في باندونغ Bandung  عام 1955، حيث أصبحت الجزائر بعد استقلالها من الدول المؤثرة في هذه الحركة وهو ما ساعدها على دعم سياسات الابتعاد عن القطبين الرئيسيين (الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة) والسعي إلى نظام دولي متعدد الأقطاب.

 وبفضل هذه المساعي أصبحت الثورة الجزائرية مصدر إلهام لحركات التحرر في العالم، وبخاصة في الأدب والفن في جميع أنحاء العالم؛ إذ أنتج العديد من الكتّاب والفنانين أعمالاً تُستلهَم من كفاح الشعب الجزائري، ومن بين هؤلاء الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر Jean-Paul Sartre) والكاتب فرانس فانون  Fanon‏ Frantz، وغيرهما كما سيأتي الحديث – تباعًا - بالتفصيل عن أبرز الشعراء العرب - على وجد التحديد – بالاستثمار في ثورة التحرير المجيدة للتعبير عن مواقفهم الخالدة.

الشعر كوسيلة للتعبير عن الروح القومية

لقد كانت ثورة الجزائر (1954-1962) حدثًا تاريخيًا بارزًا، ترك أثرًا عميقًا على الأدب العربي، وخاصة الشعر، حيث استخدم الشعراء فريحتهم الشعرية كوسيلة للتعبير عن مشاعرهم تجاه الاحتلال الفرنسي، مما ساهم في تعزيز الهوية الوطنية والانتماء، والتعبير عن الألم الذي عاناه الشعب الجزائري تحت الاحتلال. كانت القصائد تعكس مشاعر الفقد والحرمان، مما ساهم في توحيد مشاعر المقاومة، على نحو ما عبر عنه الشاعر سليمان العيسى (1921/2013) حين اعتذر للجزائر بقوله:

روعةُ الجرح فوق ما يحملُ

اللفظ، ويقوى عليه إعصارُ شاعرْ

أأغنّي هديرَها، والسماواتُ

صلاةٌ لجرحها، ومجامرْ؟

أأناجي ثوارَها، ودويُّ

النار أبياتهم، وعصفُ المخاطرْ؟

بين جنبيَّ عبقةٌ من ثراها

ونداءٌ – انّى تَلفّتّ – صاهر

ما عساني أقول؟ والشاعرُ

الرشاشُ، والمدفع الخطيبُ الهادر

والضحايا الممزّقون، وشعبٌ

صامدٌ كلإله يَلوي المقادرْ

فوق شعري، وفوق مُعجِزة

الألحان هذا الذي تخطُّ الجزائر

يا بلادي، يا قصةَ الألم الجبار

لم يَحْنِ رأسه للمجازرْ

ما عساني أقول؟ والنارُ لم

تلفح جبيني هناك، والثأر دائر

ودويّ الرشاش لم يخترقْ

سمعي، ويسكبْ، في جانحيَّ المشاعر

لم أذق نشوةَ الكمين يدوي

فاذا السفح للصوص مقابرْ

لم أعصِّبْ جرحي، وكفّي على

النار، وعيناي في العدوّ الغادرْ

ألف عذرٍ، يا ساحة المجد،

يا أرضي التي لم أضمّها، يا جزائر

ألف عذرٍ، إذا غمستُ جناحي

من بعيدٍ بماحقاتِ الزماجرْ

بيديكِ المصيرُ، فاقتلعي الليلَ،

وصوغيه دافقَ النور، باهرْ

لك في الشرق جانحٌ عربيٌ

يتمطّى عن معجزاتِ البشائر

لكِ هذا الجدار ينسحقُ

الغدرُ على سفحه وتُمْلَى المصائر

رفعته الأكبادُ في مصرَ والشام

مضيئاً، كطلعة الله، ظافر

تتناول قصيدة ملحمة الجزائر مشاعر الشاعر سليمان العيسى تجاه ثورة التحرير الجزائرية، وتعبر عن إعجابه الشديد وشعوره بالاحترام والتقدير لتضحيات الشعب الجزائري في سبيل الحرية والاستقلال. يبرز العيسى في هذه القصيدة قدرة الشعب الجزائري على الصمود والتحدي، ويعترف بعدم قدرته على التعبير بالكلمات عن حجم المعاناة والبطولات التي قدمها الجزائريون. وهذه واحدة من قصائد الشعراء التي كتبت تحث على النضال وتدعو إلى الوحدة، مما ساعد في تحفيز الروح الوطنية وتعزيز الإرادة الشعبية.

تناولت قصائد الشعراء العديد موضوع المقاومة، حيث عبر الشعراء عن رغبتهم في التحرر من الاستعمار، مثل الكثير من الشعراء الذين عكست قصائدهم عن الهوية الجزائرية، حيث استخدم الشعراء الرموز الثقافية والتاريخية لتعزيز شعور الانتماء.، بالإضافة إلى استخدامهم الصور الرمزية والتشبيهات القوية للتعبير عن مشاعرهم، مما أضفى عمقًا على النصوص الشعرية، حيث كانت الرموز تعبر عن الأمل في الحرية والتغيير، في حين اتجه بعض الشعراء إلى استخدام أسلوب مباشر يتسم بالقوة والعاطفية، مما جعل الرسالة أكثر تأثيرًا.كما في مساندة محمود درويش للثورة الجزائرية، رغم أنه فلسطيني، إلا أن تأثير ثورة الجزائر كان واضحًا في شعره، حيث استلهم من روح المقاومة الجزائرية.

ونشيد الثورة لحن.. تعرفه كل الأجراس

والراية في كوبا.. يرفعها نفس الثائر في الأوراس

لقد أثرت الثورة الجزائرية على الشعراء في البلدان العربية الأخرى، حيث أصبحت الجزائر رمزًا للنضال ضد الاستعمار، مما أدى إلى تجديد الشعر العربي وظهور تيارات جديدة تعبر عن القضايا الوطنية والاجتماعية، فضلا عن أن ثورة الجزائر كانت نقطة تحول في الشعر العربي، حيث استخدم الشعر كوسيلة فعالة للتعبير عن المقاومة والهوية الوطنية. فساهمت هذه الثورة في تشكيل مواضيع جديدة وأساليب تعبيرية مبتكرة، مما جعل الشعر وسيلة قوية للتعبير عن الإرادة الشعبية في مواجهة الظلم.

فالشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب يعتبر الثورة الجزائرية حدثا أخرج العرب من القبور الميتة ورفع ضوء الحياة بدنيا العرب، ويرمز للثورة بسيزيف الذي حكمت عليه الآلهة اليونانية بأن يَصعد بصخرة على ظهره إلى قمة الجبل فتتدحرج منحدرة إلى السفح فيعيدها لقمته وهكذا، لكنه في الجزائر تخلّص سيزيف أي العربي من عبء الصخرة على جبال الأطلس، في وهران، ثم يتأوه الشاعر؛ لأن وهران هنا بالعراق أي بغداد لا تثور على نظام حلف بغداد العميل:

هذا مخاض الأرض لا تيأسي

بشراك يا أجداث، حان النشورْ!

بشراك في «وهران» أصداء صورْ

سيزيف ألقى عنه عبء الدهورْ

واستقبل الشمس على ""الأطلس""

ومحمد مهدي الجواهري في عينيته ذات المائة بيت يعتبر فرنسا التي تزعم أنها تنشر القيم بالعالم فاجرةً تعلق صورة المسيح على سريرها، لأنها هدمت سجن البستيل رمز العبودية بفرنسا، لكنها بنت بساتيل في الجزائر:

لكِ الويل فاجرةً علّقتْ صليبَ المسيح على المِخدعِ

تهدّم بستيلَ في موضعٍ وتبني بساتيلَ في موضعِ

صدى الثورة التحريرية في الشعر العربي

تشكل ثورة التحرير الجزائرية مصدر إلهام للعديد من الشعراء العرب، الذين عبروا عن دعمهم وتضامنهم مع نضال الشعب الجزائري من خلال قصائدهم، ولعل أبرز الشعراء الذين تناولوا موضوع الثورة الجزائرية، ودعمهم لنضالها، بالنظر إلى أن هذه الثورة كانت حدثاً عظيماً أثر بعمق في الوجدان العربي وألهم العديد من الشعراء العرب، الذين عبّروا عن مشاعرهم تجاه الثورة ودعمهم للشعب الجزائري من خلال قصائدهم، لذا كانت الثورة رمزاً للنضال ضد الاستعمار، وموضوعاً بارزاً في الشعر العربي الذي مجّد تضحيات الشعب الجزائري وبطولاته.

كانت ثورة تحرير الجزائر واحدة من أكثر الأحداث تأثيرًا في تاريخ العالم العربي والإفريقي، وقد انعكست بشكل كبير في الأدب العربي والعالمي. تناول الأدباء والشعراء هذه الثورة في أعمالهم بأساليب متعددة، معبرين عن دعمهم وإعجابهم بالشعب الجزائري وكفاحه من أجل الحرية. إليك بعض الأمثلة البارزة عن كيفية تناول ثورة الجزائر في الأدب:

1.  موقف نزار قباني من ثورة تحرير الجزائر:

عبر نزار قباني في العديد من قصائده عن دعمه وتضامنه مع الثورة الجزائرية. وكان نزار معروفاً بشعره الوطني والثوري، والذي يعبر عن مشاعر العرب تجاه قضاياهم الوطنية، وليس غريبا أن يكون للشاعر السوري نزار هذا الموقف الداعم والمؤيد لثورة التحرير الجزائرية، حيث عبّر عن دعمه وتضامنه مع نضال الشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي من خلال قصائده وكلماته التي حملت مشاعر التضامن والتأييد للثورة، كما في قصيدة "الجزائر"، التي عبّر فيها نزار قباني عن إعجابه بصمود الشعب الجزائري وتضحياته من أجل الحرية. كان الشعر بالنسبة إليه وسيلة لنقل مشاعر الأمة العربية وتوحيدها حول قضية واحدة. وقد قدم نزار قباني في هذه القصيدة صورة حية للثورة الجزائرية وما تحمله من معاناة وأمل.

وهذا مقطع من قصيدة "الجزائر"

الجزائر، يا جرحنا المكابر

ويا حكايةَ التحرير، يا طيفَ الثائر

عينيكِ عرسٌ، ويديكِ سيفٌ

وفي لسانكِ لحنُ الأناشيدِ والظفر

أبعاد الموقف

وكان نزار قباني يرى في الثورة الجزائرية تجسيداً لتضامن الأمة العربية ووحدتها في مواجهة الاستعمار والظلم. عبر في قصائده عن الأمل بأن تكون الثورة الجزائرية نموذجاً يحتذى به في بقية الدول العربية. وكان نزار قباني يؤمن بحق الشعوب في مقاومة الاستعمار والدفاع عن حريتها وكرامتها. والثورة الجزائرية بالنسبة إليه كانت رمزاً للصمود والمقاومة ضد الطغيان، وبذلك، كانت الثورة الجزائرية مصدر إلهام لنزار قباني، مثله مثل العديد من الشعراء والأدباء في العالم العربي. الذين ساهموا في إثراء الأدب العربي بأعمال تعبر عن الكفاح والنضال من أجل الحرية.

وفي ضوء ذلك يكون شاعر المرأة قد كان من الشعراء الذين تفاعلوا مع القضايا العربية الكبرى، ومنها ثورة التحرير الجزائرية. عبر في أشعاره عن دعمه وتضامنه مع الشعب الجزائري في نضاله ضد الاستعمار الفرنسي، ورأى في الثورة الجزائرية رمزاً للصمود والمقاومة. قصائده عن الجزائر ظلت شاهداً على موقفه الداعم للحرية والعدالة، ومعبرة عن روح التضامن العربي.

2.  موقف محمود درويش:

كتب الشاعر الفلسطيني، عدة قصائد عن الثورة الجزائرية، معبراً عن إعجابه بنضال الشعب الجزائري وتضحياته في سبيل الحرية، كما جاء في قوله:

الجزائرُ، يا غابةً تحترقْ

ويا وجهاً جميلاً يفترقْ

يا كفّاً مرفوعةً إلى السماء

يا بُرْكانَ غضبٍ يصهلُ في كلِّ الأرجاء

تظهر القصيدة جانبا من القيمة الفنية للإبداع في حق الثورة الجزائرية حين أبدع في خلق سياقات الثورة التي تتناسب وثورة تحرير الجزائر ورموزها كما في قوله:

بيد الموت تغني.

لفظة الموت حياة في الشفاه العربية.

والقلوب العربية.

خلفها تحيا الملايين أبية.

فشهيد الفجر بعث وحياة

في بلاد خلق الموت بها حب الحياة...

 في بلاد... كل ما فيها كبير الكبرياء.

شمس أفريقيا على أوراسها قرص إباء

وعلى زيتونها مشنقة للدخلاء.

3.  موقف محمد الفيتوري

كان الشاعر السوداني محمد الفيتوري من أبرز الشعراء الذين عبّروا عن تضامنهم ودعمهم لثورة التحرير الجزائرية. عُرف الفيتوري بمواقفه الوطنية والقومية، واستخدم شعره كسلاح للتعبير عن مشاعر الوحدة والنضال ضد الاستعمار. كان لموقفه من ثورة الجزائر العديد من الأبعاد، لعل أهمها دعمه الكامل للشعب الجزائري في نضاله من أجل الحرية والاستقلال، حيث رأى في الثورة الجزائرية تجسيداً للكفاح العربي ضد الاستعمار، وشعر بضرورة التعبير عن هذا التضامن من خلال تمجيد البطولات والتضحيات للشعب الجزائري وتضحياته الجسيمة، وكان يعتبر أن ما يقوم به الجزائريون هو جزء من نضال الأمة العربية ككل، ورأى في تضحياتهم رمزاً للشجاعة والكرامة.

وكان محمد الفيتوري كان ناقداً لاذعاً للاستعمار الفرنسي في الجزائر، لذلك لم يتوانَ في قصائده عن فضح جرائم الاستعمار ووحشيته، وعبر عن كرهه واستنكاره للممارسات الاستعمارية ضد الشعوب العربية، كما استغل من خلال تناوله للثورة الجزائرية، دعوته إلى الوحدة العربية والتضامن بين الشعوب العربية، لأنه كان يرى أن نضال الجزائر هو نضال كل العرب، وأن الوحدة هي السبيل الوحيد لتحقيق الحرية والاستقلال،

سبع سنين، وأياديكم تطرق باب التاريخ

تبني هرما للحرية

تبنيه بعظام الشهداء

بإرادة مليون ضحية

سبع سنين، وبلاد جميلة رافعة الرايات

سبع سنين، والنار تضيء خطى الأحرار

وتمزق ليل البشرية

إني أحني رأسي كبرا

إني أخفضه في إكبار

يا بن بيلا...

لكن العار، وخيبة سبع سنين

العار (لديجول) وباريس

العار لأعداء الثورة

فالثورة، مازالت تكسو

قمة الأوراس، وتسقيها

والثورة مازالت تمشي

فوق جماجم جلاّديها

في هذه القصيدة، يتجلى تمجيد الفيتوري للشعب الجزائري ووصفه بالحرية والإباء، فيها يعبر عن الألم الذي عاناه الجزائريون، وفي المقابل يشير أيضاً إلى الكرامة التي لا تنضب، ومن ثم فإن موقف محمد الفيتوري من ثورة التحرير الجزائرية كان موقفاً داعماً ومؤيداً بكل قوة. عبر عن هذا الموقف من خلال شعره الذي مجد فيه بطولات الشعب الجزائري وتضحياته، وندد بالاستعمار الفرنسي ووحشيته. كان يرى في الثورة الجزائرية رمزاً للوحدة والتضامن العربي، ودعا من خلالها إلى تحقيق الوحدة بين الشعوب العربية في نضالها من أجل الحرية والاستقلال.

4.  موقف عبد الوهاب البياتي

كتب عبد الوهاب البياتي، الشاعر العراقي، أيضاً، عن الثورة الجزائرية، معبراً عن دعمه وتضامنه مع نضال الشعب الجزائري من خلال قصائده، وهذا مقطع من قصيدة "إلى الجزائر"

في الجزائر، ينبتُ القمرُ الجديدُ

وتزهرُ الأرضُ والسماءُ وتغني الطيورُ

يا شعبَ الصمودِ، يا أملَ الأحرار

يا ثورةً تتحدى الطغاةَ والنار

ومن المنطقي أن تجتذب الثورة الجزائرية شاعرا من قامة البياتي، وهو شاعر الحرية، وشاعر الفعل الخارق، الذي لا يستكين ولا يلين في مقاومة الظلم والطغيان، واستغلال الإنسان للإنسان، تحت أي مسمى كان.

واصل الشاعر عبد الوهاب البياتي اندغامه في النضال الجزائري، ومتابعته عن كثب لأحداث الثورة، وإنتاج نصوص إنسانية في المقام الأول وشعرية كبيرة في تخليد وتأييد كفاح الإنسان ضد الطغيان، أوليس هو الشاعر الإنساني، الذي تغنى بثورية لوركا وإنسانية أراغون وأشاد بهما. وقد أفاد البياتي كثيرا من مطالعته للنصوص الصوفية لكبار متصوفة الإسلام، خاصة ابن عربي. وأفاده ذلك في تخليص الشعر من آصار المباشرة والانفعالية والتهويل، وخلص إلى جوهر الشعر.

كتب الشاعر نص «الموت في الظهيرة «في تمجيد نضال الشهيد العربي بن مهيدي. وعبر العتبة الأولى وهي العنوان الذي يحيل على معنى اشتداد الحر وارتفاع الشمس إلى السمت، ثم بدء انحدارها للمغيب، فقد اشتد حر النضال، وأزفت ساعة المستعمر ورحيله عن أرض الجزائر، بخاصة في قصيدة الموت في الظهيرة عن العربي بن مهيدي:

في حقول النور، من أفق جيد

قطفته يدُ قديسٍ شهيدِ

يد قديسٍ وثائرْ

ولدته في ليالي بعثها شمسُ الجزائرْ

ولدته الريح  والأرض وأشواقُ الطفولهْ

وعذاباتُ ربيعٍ في خميلهْ

وانتصاراتٌ وحمّى وبطولهْ

وحماماتٌ وقرآنٌ وليلُ

صامتٌ يمسح عن كفّيْهِ آثارَ الجريمهْ

وعلى الجدران ظِلُّ

فوق عينيه وتربٌ وجنادلْ

فوق عيني ذلك الطفلِ المناضلْ

            ***

كان في نافذة السجن مع العصفور يحلُمْ

كان سرّا مغلقا لا يتكلمْ

كان يعلمْ

أنه لا بد هالكْ

وستبقى بعده الشمس هنالكْ

في ليالي بعثها شمسُ الجزائرْ

تلد الثائرَ في أعقاب ثائرْ

5.  موقف سليمان العيسى

كان لسليمان العيسى موقف داعم وقوي من الثورة الجزائرية، عبر عن تضامنه مع الشعب الجزائري وكفاحه ضد الاستعمار الفرنسي من خلال قصائده وأعماله الأدبية. كان شعره يعبر عن الروح الثورية، ويدعم حركات التحرير في مختلف البلدان العربية، بما في ذلك الجزائر. وكان سليمان العيسى مؤيدًا قويًا للثورات وحركات التحرير ضد الاستعمار. واعتبر الثورة الجزائرية جزءًا من النضال العربي الشامل ضد الاحتلال والظلم.

استخدم شعره للتعبير عن دعمه للثورة الجزائرية وللتوعية بقضية الجزائر في العالم العربي. كانت قصائده تعكس معاناة الشعب الجزائري وتضحياته من أجل الحرية والاستقلال. ورأى العيسى أن الثورة الجزائرية هي جزء من الكفاح العربي المشترك ضد الاستعمار، وعبر عن أمله في أن تتوحد الشعوب العربية لتحقيق الحرية والكرامة.

وتبعا لذلك كانت أشعار العيسى مليئة بروح الثورة والتحدي، ودعا فيها إلى الاستمرار في النضال حتى تحقيق الأهداف المنشودة، معتبرا أن الأدب وسيلة لنقل الرسائل الثورية وتحفيز الجماهير.

قصيدة "الجزائر" هي واحدة من أبرز قصائده التي تعبر عن دعمه للثورة الجزائرية، فيها يصف شجاعة وصمود الشعب الجزائري، ويشيد بتضحياتهم في سبيل الحرية، متناولاً بطولات الشعب الجزائري وتضحياته في قصيدة: "يا جزائر" بقوله:

يا جزائرَ، يا قصيدةَ الحبِّ والشموخْ

يا أرضَ الأبطالِ، يا صوتَ المدافعِ في الدجى

يا قصةَ الكفاحِ، يا ضياءَ الفجرِ

يا شعلةً لن تنطفئْ، يا رمزَ الفخرِ

6.  موقف بدر شاكر السياب من ثورة الجزائر

كان لبدر شاكر السياب، الشاعر العراقي المعروف، موقف إيجابي وداعم تجاه ثورة الجزائر. ويُعتبر السياب من أبرز شعراء الحداثة في العالم العربي، استخدم شعره للتعبير عن القضايا القومية والنضال ضد الاستعمار، وكان للثورة الجزائرية نصيب في أعماله الشعرية.

وفي قصيدته "إلى الجزائر"، يعبر السياب عن تضامنه مع الشعب الجزائري في نضاله ضد الاستعمار الفرنسي. يتحدث عن التضحيات والشجاعة التي أظهرها الجزائريون في سبيل نيل الحرية والاستقلال. وتبرز القصيدة الحس الوطني والقومي للسياب، وتؤكد دعمه للقضايا العربية العادلة، وبخاصة القضية الجزائرية:

"يا جنة في أتون الحرب ناضرة

يا وردة بالدماء البكر مبتسمة

ثورة الأحرار في الدنيا تقدّمها

قصة العرب والإسلام مسلمة"

يستخدم السياب في قصيدته هذه رموزًا تصويرية تعبر عن جمال الجزائر وشجاعتها في مواجهة الاستعمار، ويجسد الجزائر كجنة ناضرة ووردة مبتسمة رغم الدماء، كما يشدد السياب على فكرة الوحدة العربية والإسلامية في مواجهة الاستعمار، حيث يعتبر الثورة الجزائرية جزءًا من النضال العربي الأوسع ضد الاستعمار، مستفيدا من ثورة التحرير ليعبر عن تضحيات الشعب الجزائري وشجاعته، مما يعكس تقديره الكبير لهذه الثورة ودعمه الكامل للثورة الجزائرية، كباقي حركات التحرر الوطني في العالم العربي، التي كانت مصدر إلهام كبير للسياب. لذلك أثرت هذه الثورة بشكل كبير على شعره وجعلته يعبر عن تضامنه مع الشعوب المضطهدة وسعيه لنقل رسائلهم وقضاياهم إلى العالم من خلال شعره، وفي ضوء ذلك، كان صوتًا قويًا ضد الظلم والاستعمار، وداعمًا ثابتًا للثورات العربية، بما في ذلك الثورة الجزائرية، مما يعكس التزامه بالقضايا القومية والإنسانية.

يعتبر السياب من أبرز الشعراء الذين تناولوا قضايا النضال ضد الاستعمار في العالم العربي، ومن ضمنها الثورة الجزائرية. وقد تجلى هذا الدعم في بعض قصائده التي تناولت معاناة الشعب الجزائري وكفاحه من أجل الحرية، وهو ما تعبر عنه قصيدة" ربيع الجزائر" في قوله:

سلاما بلاد اللظى والخراب

ومأوى اليتامى وأرض القبور

أتى الغيث وانحلّ عقد السحاب

فروى ثرى جائعا للبذور

وذاب الجناح الحديد

على حمرة الفجر تغسل في كل ركن بقايا شهيد

وتبحث عن ظامئات الجذور

وما عاد صبحك نارا تقعقع غضبى وتزرع ليلا

وأشلاء قتلى

ولعل من أبرز القصائد التي تعبر عن تضامن السياب مع الثورة الجزائرية هي قصيدته "أغنية في الشارع". في هذه القصيدة، يصف السياب مشاعر الألم والأمل التي تسيطر على الناس في الشوارع، ويشير إلى الجزائر كنقطة مضيئة في هذا السياق، كما في

مقتطفات من القصيدة:

"يا جنة في أتون الحرب ناضرة

يا وردة بالدماء البكر مبتسمة"

يعبر هذا المقطع الشعري عن الأمل والجمال الذي يراه السياب في الثورة الجزائرية، وفي معظم قصائده عن الجزائر يستخدم رموزًا تعبر عن جمال الجزائر وشجاعتها في مواجهة الاستعمار، مما يبرز إحساسه العميق بمعاناة الشعب الجزائري وتضامنه معه، مشددا على فكرة الوحدة العربية والإسلامية في مواجهة الاستعمار، معتبراً الثورة الجزائرية جزءًا من النضال العربي الأوسع ضد الاستعمار. لذلك يبرز الشاعر تضحيات الشعب الجزائري وشجاعته، مما يعكس تقديره الكبير لهذه الثورة ودعمه الكامل لها، كباقي حركات التحرر الوطني في العالم العربي، التي كانت مصدر إلهام كبير للسياب. لقد أثرت بشكل كبير على شعره وجعلته يعبر عن تضامنه مع الشعوب المضطهدة وسعيه لنقل رسائلهم وقضاياهم إلى العالم من خلال شعره.

وبدر شاكر السياب، من خلال قصائده عن الجزائر، كان صوتًا قويًا ضد الظلم والاستعمار، وداعمًا ثابتًا للثورات العربية، بما في ذلك الثورة الجزائرية، مما يعكس التزامه بالقضايا القومية والإنسانية.

لقد تفاعل الشعراء العرب مع ثورة التحرير الجزائرية وعبروا عن تضامنهم ودعمهم لنضال الشعب الجزائري من خلال أشعارهم. هذه القصائد لم تكن مجرد كلمات، بل كانت تعبيراً عن روح الوحدة والتضامن العربي في وجه الاستعمار والظلم. وظلت أشعارهم شاهداً على تضحيات الشعب الجزائري وبطولاته، ومصدر إلهام للأجيال القادمة، وبذلك لم تكن ثورة الجزائر في عيون الشعراء العرب مجرد حدث محلي، بل كانت ملهمة لجميع العرب، وأثرت بشكل كبير في وجدان الشعراء والأدباء العرب الذين عبروا عن تضامنهم ودعمهم للثورة الجزائرية من خلال قصائدهم التي مجدت نضال الشعب الجزائري وتضحياته.

***

البروفيسور سعاد بسناسي

جامعة وهران1/ عضو المجلس الأعلى للّغة العربيّة

في المثقف اليوم