عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

مفتتح: ثمة علاقة عميقة وصميمية تربط الأديان التوحيدية الكبرى في نصوصها التأسيسية بالإنسان. إذ أن كل التشريعات الدينية تتجه إلى الإنسان موضوعا وغاية. وحتى في الحقب التاريخية واللحظات الزمنية التي تراجع فيها موقع الدين في الحياة العامة، فإن السعي والكدح الذي يبذله المتدينون أفرادا وجماعات، يتجه إلى إعادة الإنسان إلى الله، بصرف النظر عن طبيعة القضايا الجزئية والتفصيلية التي تتمايز من دين لآخر فيما يرتبط وتجسيد الوجدان الديني في حياة الإنسان الخاصة والعامة.

وبمقدار ما ينفتح علماء الأديان ومتخصصيه على القيم والمبادئ الكبرى التي صاغتها النصوص التأسيسية للأديان، بذات القدر يتم الانفتاح على الإنسان وقضاياه الملحة. لذلك فإننا نعتقد أن الخطوة الأولى في مشروع صياغة رؤية ومشروع ودور الدين في بناء الإنسان، تتجسد في انفتاحنا وتواصلنا مع النصوص التأسيسية للأديان التوحيدية، التي تختزن مضامين إنسانية سامية. وذلك لأن استغراقنا في القضايا اللاهوتية مع أهمية بحثها والتحاور بشأنها، إلا أنها تنتمي إلى حقل غير الحقل الذي ينبغي أن نبحث عن دور الدين في بناء الإنسان.

فالحقل الثقافي الذي يتواصل بفعالية مع القيم والخيارات الكبرى للأديان، هو الحقل والمدى الفكري والإنساني الذي يوصلنا إلى بلورة وصياغة رؤية مشتركة لدور ووظيفة الدين في بناء الإنسان.

 دور الدين في بناء الإنسان:

إن بناء الإنسان وتنمية مداركه ومواهبه، لا يمكن أن يتم إلا بتنمية دوافع الخير والصلاح والمحبة في نفس الإنسان. فالإنسان الذي يمتلئ قلبه محبة للناس هو الذي يمارس فعل الخير والتنمية في الفضاء الإنساني، والإنسان الذي يختزن في عقله قيم الحوار والالتزام، هو الذي يحوّل حياته إلى شعلة من النشاط والحيوية بما يفيد الإنسان الفرد والجماعة.

والدين بما هو منظومة قيمية وأخلاقية وإيمانية، هو الذي ينمي في الإنسان دوافع الخير والصلاح، ويدفعه نحو تجسيد هذه القيم في الواقع الخارجي. لذلك فبمقدار تمكن قيم الإيمان من نفس الإنسان، بذات القدر يمارس الخير والمحبة للجميع. فالإيمان ليس هروبا من الحياة أو انزواءً وانكفاءً عن قضايا الإنسان والتزاماته المتعددة بل هو حركة في العقل.

" فكل ما في الوجود لا بد من أن يكون للعقل دور في رصده، وإن لم يملك هذا الأخير وسائل البحث في بعض امتداداته، فالوجود لا بد أن يكون عقلانيا، وإن كان العقل لا يتمتع بالقدرة على معالجة ما في داخله من مفردات وتعقيدات تخرج عن دائرة الحس والمألوف. فنحن ندرك الله بالعقل، ولكننا لا نملك الوسيلة للبحث في ذات الله.. في البرهان الديني نحن نرصد الغيب بالعقل حقيقة ووجودا، ولكننا لا نعرف ما وراءه وكنه وجوده، تماما كما هي الفلسفة، قد لا تستطيع من خلالها معرفة كنه الجوهر، ولكنك تستطيع أن تشير إليه.

فالإنسان مؤمن بما يعقل، وعلى هذا الأساس كان لا بد له من خوض تجربة الشك، من أجل الوصول إلى اليقين، وذلك يتطلب رحلة طويلة في عالم الصراع الفكري الداخلي، حيث تتجاذب الإنسان الاهتزازات من خلال تناقض الاحتمالات، وتضاد الأفكار، وتعارض الاتجاهات، التي تتم مناقشتها وجدانيا وعقليا بكل موضوعية وانفتاح، ليعرف الحق من الباطل، وينتقل من الجهل إلى العلم. " (1).

ويقول تبارك وتعالى [الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار] (2).

وقال عز من قائل [قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير] (3).

فالتفكير والتأمل في ظواهر الكون ومتغيراته وأسرار الإنسان وخباياه، هو الذي يقود إلى تعميق مفهوم الإيمان في نفس الإنسان. وبذلك يتحول الدين والإيمان بقيمه ومبادئه ونظمه، حافزا للعمل والبناء والعمران. لذلك نجد أن آيات الذكر الحكيم تحث وتحض على التفكير والتأمل حتى يتحرر الإنسان من كل القيود والضغوطات. إذ قال رب العزة [قل إنما أعظكم بواحدة، تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد] (4).

وفي ذات الوقت هدد القرآن الحكيم أولئك النفر الذي يحتكرون المعرفة ويكتمون ما أنزل الله من البينات باللعنة الإلهية. إذ يقول تبارك وتعالى [إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون] (5).

ومن الطبيعي القول أن نبذ احتكار المعرفة بوحده لا يكفي من أجل خلق الشروط الضرورية لبناء الإنسان على أسس الإيمان والحرية والعلم. لذلك يؤكد القرآن الحكيم في العديد من آياته على قوة العلم وسلطان الحجة. فالجدال ليس هدفا بذاته، لذلك من المهم أن يستند إلى قوة العلم والحجة والبرهان. يقول تعالى [ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير] (6).

وبهذا تتأسس كل شروط ومرتكزات البناء السليم للإنسان. فمشروع البناء الحقيقي للإنسان، يبدأ من نبذ احتكار المعرفة وكتمان الحق، وحث العارفين والعلماء بنشر العلم والمعرفة وتعميمهما والاحتكام الدائم إلى الحجة والبرهان والخروج من كل دوائر الجدل الذي يبتعد عن الحقائق أو لا يستهدف الوصول إليها. وتوج الباري عز وجل كل هذه القيم والمرتكزات بضرورة اتباع أسلوب اللين والكلمة الطيبة والطرق المرنة التي تفتح القلوب على الحق وتقرب الأفكار إلى دائرة مفاهيمه وأحكامه. إذ يقول تعالى [ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين * ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم] (7).

فالأساليب العنفية والانفعالية في التعامل مع الآخرين، ليست من الإسلام في شيء، وهي أساليب تهدم ولا تبني. ووظيفة الأديان في عمليات البناء الإنساني، تنطلق حينما يتحرر الإنسان من كل أساليب العنف والنبذ والإلغاء التي قد يستخدمها البعض باسم الدين.

وحوار الأديان بكل مستوياته، من الأهمية أن يأتي في سياق الحوار الموضوعي، الذي لا يهدف الانحباس في القضايا اللاهوتية، وإنما تأكيد وتعميق أسس ومرتكزات مشاركة الأديان في بناء الإنسان وتطوير الحياة المعاصرة في أبعاد القيم والمبادئ والجوانب المعنوية التي يحتاجها الإنسان الفرد والجماعة في مختلف مراحل حياته.

وهذا يجعلنا نقرر حقيقة أساسية في هذا المجال وهي: حينما تتجسد قيم الإسلام في شخصية الإنسان المسلم، وتتجسد قيم المسيحية في شخصية الإنسان المسيحي، وتتجسد قيم اليهودية في شخصية الإنسان اليهودي، يتحرر الإنسان من كل القيود والكوابح التي تحول دون تقدم الإنسان ورقيه المادي والمعنوي.

وإن أفق الرسالات الدينية السماوية رحب وواسع في نصوصها التأسيسية وخياراتها الكبرى، إلا أن بعض الأتباع ولعوامل عديدة ذاتية وموضوعية يغلقون الأفق على الآخرين، ويضيقون الوسع الذي تتميز به النصوص التأسيسية للأديان التوحيدية الكبرى.

لذلك من الأهمية التفريق بين الدين المعياري والذي هو مجموع القيم والمبادئ العليا التي جاء بها الدين، وبين الدين التاريخي والمعيوش، وهو تلك التجربة الإنسانية التي عملت على تجسيد قيم الدين أو تسمت باسمه. وفي تقديرنا أن فض الاشتباك والالتحام بين المعياري والتاريخي يساهم في تجلية وتظهير دور الأديان السماوية في بناء الإنسان. ولعلنا لا نجانب الحقيقة حين القول: أن الدين التاريخي في بعض حقبه التاريخية، (وهذا الكلام ينطبق على كل الأديان) كان دوره سلبيا وسيئا تجاه الإنسان وقضاياه الجوهرية. فحينما يخضع رجل / عالم الدين كفرد أو مؤسسة للسلطان السياسي الغشوم، ويسوغ له كل أعماله وتصرفاته، فإن هذا الدين المعيوش والممارس أضحى كابحا للإنسان ومانعا من نيله حقوقه وحريته. لهذا فإن مرجعيتنا في بيان دور الأديان في بناء الإنسان، ليس التجربة التاريخية بكل فصولها ومحطاتها، وإنما بعض الحقب المجيدة بإطارها ومرجعيتها القيمية التي مارس فيها الدين دوره التاريخي والحضاري المأمول. لهذا فإن التحرر من عبء التاريخ والانعتاق من آسار الواقع وبعض قواه السياسية المحلية والدولية والتي تسعى لتوظيف حوار الأديان توظيفا سيئا وضيقا، والتفاعل الخلاق مع الأديان في نصوصها التأسيسية وحقبها التاريخية المجيدة فحسب، هو الذي يساهم في بلورة المناخ المواتي لكي تمارس الأديان دورها في بناء الإنسان والمجتمعات.

وإننا نعتقد أن العمل على اكتشاف وتظهير الينابيع الإنسانية العميقة لكل الأديان السماوية، سيساهم بشكل كبير في بلورة خيارات إنسانية أكثر عدلا ومساواة وحرية للبشرية جمعاء. وإن كل محاولات الانحباس دون البعد والروح الإنسانية، سيكلف البشرية الكثير من العناء والشقاء. فالمجتمعات الإنسانية اليوم، تحتاج إلى الدين في بعده الإنساني والأخلاقي والروحي، وإن الانكفاء دون تجلية وتظهير هذه الأبعاد من الأديان السماوية، يعني المزيد من الحروب والصراعات المفتوحة والدمار الذي يهدد الإنسان فردا وجماعة في أمنه وكرامته وضرورات عيشه.

لذلك فإن المهمة الأساس في مشروع حوار الأديان، ليست الدخول في نفق السجالات اللاهوتية والأيدلوجية، وإنما العمل على تظهير كل القيم الإنسانية والحضارية التي تختزنها الأديان السماوية، وإعمال العقل وإطلاق حرية التفكير من أجل بناء نظام علاقات بين مختلف المجموعات الدينية، على قاعدة العدل والحرية وحقوق الإنسان.

فالانتماء الديني ليس مدعاة للانتقاص من حقوق الإنسان أو التقليل من فرصه في العدل والحرية. فالحقوق مصانة للجميع والفرص متاحة للجميع، بصرف النظر عن الدين أو العرق أو القومية. فالتواصل بين المختلفين والمتغايرين دينيا، لا يتم عبر العقائد، وإنما عبر الثقافة التي تدفع جميع المكونات إلى الحوار والتفاهم ونسج المشتركات وتنميتها.

والحوار بكل مستوياته لا يعني مغادرة موقعك الديني أو الفكري، وإنما يعني اكتشاف المساحات المشتركة والانطلاق للعمل معا منها.

وإن المنظومة القيمية الكبرى للأديان التوحيدية، تدفع الإنسان لكي يكون مباركا، أي نفاعا للناس، بحيث لا تتجمد حياته في ذاته، ولكنها تمتد إلى الناس الآخرين وتتحرك في حياتهم.

والقرآن الحكيم يحدثنا عن هذه القضية الهامة (النفع المستديم للناس) من خلال ذكر قصة السيد المسيح (ع). إذ يقول تبارك وتعالى [قال إني عبد الله آتانيَ الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا * وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا] (8).

والبركة التي تتحدث عنها هذه الآيات ليست شكلية، وإنما هي ممارسة وفعل متواصل. فهي تتحرك من خلال فكر الإنسان وجهده وطاقته في مستويات الحياة المتعددة. فالنفع والخدمة، هي عنوان الدين في علاقته بالإنسان. ولعلنا لا نذهب بعيدا حين القول: أن دور الأديان في بناء الإنسان، لا يخرج في مضمونه وجوهره، عن هذه الآيات التي توضح كيف جعل الله تعالى السيد المسيح (ع) مباركا أينما كان. فحينما يكون الإنسان في سلام مع الله، يتحرك في أطوار حياته في رحلة السلام، مع نفسه، ومع الناس. وبهذا تكون حياة الإنسان وفق الرؤية الدينية محبة وسلاما وخيرا وبركة للآخرين.

الدين والحرية.. أية علاقة:

 ثمة علاقة دقيقة وعميقة تربط بين قدرة الإنسان على التفكير واستقلاله فيه، وبين قيمة الحرية وممارسة مقتضياتها.

فالإنسان الذي يمتلك إمكانية التفكير المستقل، هو ذلك الإنسان الذي يستطيع استعادة حريته وإنسانيته، ويستثمر طاقاته وإمكاناته في سبيل تكريس نهج الحرية في الواقع الإنساني. فاستعادة الحرية بكل متطلباتها وآفاقها، تبدأ من الإنسان نفسه، فهو الذي يقرر قدرته على التحرر والانعتاق أو خضوعه واستغلاله واستبعاده لمراكز القوى. وذلك لأن التفكير السليم، هو الشرط الأول للقوة في الحياة. من هنا ركز القرآن الحكيم على أن الإيمان بالله يعطي صاحبه التحرر، والتحرر يعطيه القوة (التمسك بالعروة الوثقى) والعلم (يخرجه من الظلمات إلى النور). ولكن أي إيمان هذا الذي يعطينا القوة والعلم. إنه الإيمان الواعي، لا الإيمان المكره عليه فهو الآخر نوع من الاستعباد والخضوع للقوة المادية.

من هنا تحدث القرآن في بداية الحديث عن الحرية الدينية وقال (لا إكراه في الدين). فجذر الحرية، هو أن يتحرر الإنسان من كل الضغوطات والأهواء والشهوات، التي تدفعه إلى الانسياق وراءها. فحينما يغمر الإيمان بالله عز وجل قلب الإنسان، ويتواصل بحب واختيار مع القدرة المطلقة، تنمو لديه القدرة على الانعتاق من كل الأشياء التي تناقض حرية الإنسان. فطريق الحرية الإنسانية الحقيقة، يبدأ بالإيمان والعبودية المطلقة للباري عز وجل. وذلك لأن كل الأشياء حاضرة عنده، لا يغيب شيء منها عن علمه، لأن الأشياء مكشوفة لديه، فلا مجال لاختباء الإنسان عن الله في أي عمل يخفيه، أو سر يكتمه أو خطأ يستره، لأن الإخفاء والكتمان والستر معان تلتقي بالحواجز المادية التي تحول بين الشيء وبين ظهوره مما لا مجال لتصوره في ذات الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

ولعل هذا الإحساس هو الذي يتعمق في وعي الإنسان من حركة إيمانه فيمنعه عن الجريمة الخفية، والمعصية المستورة، والنيات الشريرة التي تتحفز للاندفاع والظهور.

من هنا وقفت النصوص القرآنية ضد الإكراه والسيطرة، ودعت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى التحرك في أجواء الإبلاغ والإقناع وحركة حرية الفكر والتعبير. إذ قال تعالى {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (9).وقال عز من قائل {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} (10). وقال تبارك وتعالى {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} (11).

فآيات الذكر الحكيم السالفة تؤكد بشكل لا لبس فيه أن توحيد الناس معتقدا من الأمور الصعبة والمحالة. والحل الطبيعي والمنسجم وفطرة الإنسان وحقائق الوجود الإنساني هو كفالة حرية الدين والمعتقد.

وقد تحدث الأستاذ (جودت سعيد) في كتابه (لا إكراه في الدين - دراسات وأبحاث في الفكر الاسلامي) عن مجموعة من الفوائد من آية (لا إكراه في الدين) منها:

1- إنها في ظاهرها حماية للإنسان الآخر من أن يقع عليه الإكراه من قبلك، ولكنها في باطنها حماية لك أيضا من أن يقع عليك الإكراه، فهي حماية للآخر وحماية للذات من أن يقع على كل منهما الإكراه.

2- يمكن فهم هذه الآية على أنها إخبار وليس إنشاء، أي يمكن أن تفهم على أنها نفي وليست نهياً، ويكون بذلك معناها إخبارا بأن الدين الذي يفرض بالإكراه لا يصير ديناً للمكره فهو لم يقبله من قلبه، والدين في القلب وليس في اللسان. فهي بهذا الشكل إخبار بأن الدين لا يتحقق بالإكراه ومن يكره إنما يقوم بعمل عابث لا اصل له.

هذا معنى الآية حينما نفهمها على أنها إخبار وليس إنشاءاً أو أمراً، كما يمكن أن نفهم الآية على أساس الإنشاء أي أن تفهم على أنها نهي عن الإكراه، لأنه لا يليق بالعاقل أن يقوم بعمل عابث، ولأن فرض الإيمان والدين بالإكراه عبث فجدير أن ينهانا الله عنه، فيكون المعنى نهياً عن ممارسة الإكراه للآخر، ونهياً أيضا لنا عن أن نقبل الإكراه والخضوع له.

فرشد الإنسان فرداً ومجتمعاً، هو من جراء التزامه بحريته واحترامه التام لحريات الآخرين. فحينما تنتفي كل الضغوطات والإكراهات، يتحقق مفهوم الرشد في الواقع الخاص والعام..

فالحرية بكل ما تحمل من معان إنسانية نبيلة وقيم تعلي من شأن الإنسان وكرامته، وتحميه من كل نزعات الاستفراد والإقصاء والنبذ والإكراه، هي بوابة الرشد ووسيلته في آن. وهي التي تخرج الإنسان من الغي وتخلق حقائق الاستمساك بالعروة الوثقى.

والمجتمع الذي يمارس حياته السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، بعيداً عن كل أشكال الإكراه والعنف، هو المجتمع الرشيد الذي يدافع عن حقوقه ومكاسبه بالحرية. وبها أيضا يصون حرمات الآخرين ومكاسبهم.

والتاريخ يحدثنا أن كل من يمارس الإكراه والعنف للدفاع عن ذاته، لا ينجز مراده ولا يحقق هدفه، بل ترتد عليه هذه الممارسات أكثر سوءاً ويدخل في أتون النزاعات والحروب والعنف والعنف المضاد.

إن الاتحاد السوفيتي لم يستطع أن يحمي ذاته من التشرذم والانقسام والتلاشي، مع العلم انه يمتلك أعتى الأسلحة وأطورها. فهذه الأسلحة الفتاكة لم تمنع الشعوب المنضوية تحت لواء الاتحاد السوفيتي من النهوض ورفض كل أشكال القهر والإكراه.

فالحضارات لا تبنى بالإكراه، كما أن الأفكار لا تنتقل بالقسر والإكراه. فما أكثر الإمبراطوريات التي انهارت وتلاشت وأصبحت في ذمة التاريخ، بفعل اعتمادها واستنادها على القهر والإكراه. وفي المقابل نجد أن هناك أمماً ودولاً صمدت في وجه كل عمليات القمع والقسر والإكراه، لأنها تدير شؤونها وتسير أمورها بحرية وديمقراطية، وبعيداً عن كل أشكال القهر والإكراه.

فالحياة دائماً لكل امة ومجتمع يدار بالحرية، وينبذ الإكراه بكل صنوفه وأشكاله ومستوياته. ويرتكب حماقة تاريخية كبرى كل من يسعى إلى إدخال غيره في دينه أو مذهبه أو حزبه بالإرغام والإكراه.

لذلك فإن الحرية من القيم الأساسية في حركة الإنسان الفرد والجماعة، وبها يقاس تقدم الأمم وتطورها. إذ لا يمكن أن يتحقق التقدم إلا بالتحرر من كل معوقاته وكوابحه. والحرية هي العنوان العريض للقدرة الإنسانية على إزالة المعوقات وإنجاز أسباب وعوامل النهوض والانعتاق.

لذلك نجد أن الأنبياء جميعاً حاربوا الاستبداد والإكراه، ووقفوا في وجه الفراعنة، وعملوا من مواقع مختلفة لإرساء دعائم الحرية للإنسان. ولقد فك الأنبياء جميعاً العلاقة بين الفكر والعنف، فحرروا معركة الأفكار من معركة الأجساد، والله تعالى حمى الأجساد من أن يعتدى عليها من اجل الأفكار، فلم يعط لأحد الحق على جسد الآخر مهما كانت فكرته. وفي سبيل نيل الحقوق والحريات، لم يشرع الله سبحانه وتعالى للأنبياء ممارسة الإجبار والإكراه، وإنما حدد مهمتهم ووظيفتهم في الدعوة بالموعظة الحسنة والتبشير والنذير.

فالوظيفة الكبرى هي هداية البشر، بوسائل عقلية - سلمية، بعيدة كل البعد عن كل أشكال الضغط والقوة والإكراه.

وعلى هدى هذا نقول: انه لا يجوز التضحية بحريات الأفراد تحت مبرر معارك الخارج وتحدياته الحاسمة. إذ انه لا يمكن أن نواجه تحديات الخارج بشكل فعال، إلا إذا وفرنا الحريات والحقوق لجميع المواطنين.

ولعلنا لا نعدو الصواب، حين القول بأن مجالنا العربي والإسلامي في العقود الخمسة الماضية قد قلب المعادلة. إذ سعت نخبته السياسية السائدة، إلى إقصاء كل القوى والمكونات تحت دعوى ومسوغ أن متطلبات المعركة مع العدو الصهيوني، تتطلب ذلك. وأصبح شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) هو السائد. ولكن النتيجة النهائية التي وصلنا إليها جميعاً حاكماً ومحكوماً، إن هذا الخيار السياسي لم يوصلنا إلا إلى المزيد من التدهور والانحطاط، وبفعل هذه العقلية أصبح العدو الصهيوني أكثر قوة ومنعة، ودخلنا جميعاً في الزمن الإسرائيلي بكل تداعياته الدبلوماسية والسياسية والأمنية والثقافية والاقتصادية.

فتصحير الحياة السياسية والمدنية العربية والإسلامية، لم يزدنا إلا ضياعاً وتشتتاً وضعفاً. ولقد دفع الجميع ثمن هذه الخطيئة التاريخية. لذلك آن الأوان بالنسبة لنا جميعاً أن نعيد صياغة المعادلة. فلا انتصار تاريخي على العدو الصهيوني، إلا بارتقاء حقيقي ونوعي لحياتنا السياسية والمدنية. فإرساء دعائم الديمقراطية وصيانة حقوق الإنسان. كل هذه الممارسات والمتطلبات من صميم معركتنا التاريخية والحضارية. وانتصارنا على العدو الخارجي، مرهون إلى قدرتنا على إنجاز هذه المتطلبات في الداخل العربي والإسلامي. فالإكراه الديني والسياسي، لا يصنع منجزات تاريخية، وان صنعت سرعان ما يتلاشى تأثيرها من جراء متواليات الإكراه وامتهان كرامة الإنسان.

فآراء الإنسان مصونة، بمعنى أن الإنسان لا يقتل بسبب آرائه وأفكاره. والآراء والأفكار والقناعات، لا تواجه بالقوة المادية أو استعداء الآخرين، وإنما بالرد الفكري والحوار المتواصل وبيان أوجه الخطل والضعف في الآراء المتداولة.

لذلك كله فإن الحرية قبل أن تكون أشكالاً سياسية ونصوصاً دستورية، هي خروج كل فرد فينا عن أنانيته وافقه الضيق ومغادرة تلك الأفكار الآحادية والإقصائية والاستغنائية، التي لا تزيدنا إلا بعداً عن الديمقراطية ومتطلباتها الفكرية والمجتمعية.

لذلك فإن النواة الأولى للاستقرار والتطور، هي الاحترام العميق للآخرين مشاعر وأفكاراً ووجوداً، ومساواة الآخرين بالذات، ونبذ كل أشكال ممارسة الإكراه.

وإننا اليوم وفي كثير من مواقعنا، أحوج ما نكون إلى رفع شعار (لا إكراه في الدين) والعمل على تحويله إلى مشروع مجتمعي ينظم حياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية، ويرفع الغطاء الديني عن كل الممارسات العنفية والإرهابية، التي لا يقرها عقل ولا دين ولا تنسجم وثوابت الأمة.

فلننبذ من فضائنا السياسي والاجتماعي والثقافي، كل الممارسات الإكراهية والإقصائية، ونبني راهننا على أسس الحرية واحترام التعدد والتنوع، ونفسح له المجال لممارسة دوره ووظيفته في البناء وتعزيز خيار السلم والتعايش الأهلي.

الإنسان والحرية:

 ثمة حقيقة أساسية يبرزها النص القرآني، وهي أن الإنسان هو صانع حركة الحياة ضمن السنن الكونية والاجتماعية التي تمثل القوانين التي أودعها الله في الكون وفي حركة الإنسان في المجتمع. لذلك يقول تبارك وتعالى {ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميعٌ عليم} (12).

فالإنسان يتحرك في الحياة من خلال أفكاره، وحركة الأفكار هي التي تمثل حركة الحياة. لأن حركة الحياة هي صورة ما نفكر به. لذلك كله فإن التغيير الذاتي على مستوى الطبائع والأفكار والقناعات، هو قاعدة التغيير الاجتماعي والسياسي. فقضايا الاجتماع الإنساني لا تتغير وتتحول إلا بشرط التحول الداخلي - الذاتي - النفسي.

فالتعاليم القرآنية واضحة في أن في هذا الكون وحياة الإنسان سنناً وقوانين، هي التي تتحكم في مسيرة الكون، كما أنها هي القوانين المسيرة لحياة الإنسان الفرد والجماعة.

والإنسان في المنظور القرآني، هو نفحة ربانية استحقت التكريم الذي بوأها أعلى مرتبة في الوجود، أعني الاستخلاف في الأرض بصريح الآية القرآنية {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون} (13).

ومن أجل ذلك استحق الإنسان التكريم بقوله تعالى {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً} (14).

وحتى يحقق الإنسان وظيفته على أحسن وجه كان كل ما في الوجود مسخراً لفائدته، وكان العالم مسرحاً لكل فعالياته بصريح آيات قرآنية عديدة منها قوله تعالى {ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم} (15).

والكائن الإنساني في الرؤية القرآنية، له القدرة والاستطاعة على ممارسة الحرية والاختيار. بمعنى أن الفعل الإنساني ليس خاضعاً لمقولات القسر والجبر، كما أنه ليس بعيداً عن قوانين الله سبحانه وأنظمته في الكون والمجتمع. بمعنى أن الباري عز وجل هو خالق أفعال الإنسان، لأنه بجميع أفعاله مخلوق الله، ولكن مع ذلك له استطاعة يحدثها الله فيه مقارنة للفعل. لذلك فإن الإنسان مكتسب لعمله، والله سبحانه خالق لكسبه. فالفعل الإنساني في مختلف دوائره ووجوده، هو خاضع لمنظومة من القيم والسنن والتي ينطلق الفعل الإنساني من خلال الالتزام بهذه المنظومة. فالإنسان ليس خالقاً لأفعاله، كما أنه ليس مجبوراً في أفعاله وإنما هو (لا جبر ولا تفويض وإنما أمر بين أمرين).. لذلك يقول تبارك وتعالى {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون} (16). والله سبحانه وتعالى أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون، والله أعز من أن يكون في سلطانه مالا يريد.. فإرادة الله هي التي صنعت إرادة الإنسان. والإنسان هو الكائن الوحيد الذي اختار أن يكون قدره أكثر من إمكان واحد، وأوفر من احتمال واحد في الزمان والمكان. لهذا كله فإن احترام الإنسان وصيانة حقوقه من أعظم المهام والوظائف في حياة الإنسان في الوجود. فلا يصح بأي شكل من الأشكال أن الباري عز وجل يكرم الإنسان ويصون حرماته وحقوقه، ويأتي الإنسان ويمتهن حقوق الإنسان وكرامته.

إن التوجيهات الإسلامية، تؤكد وبشكل لا لبس فيه، أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال انتهاك كرامة الإنسان أو التعدي على حقوقه ومكتسباته الإنسانية والمدنية.

والاختلافات العقدية والفكرية والسياسية بين بني الإنسان، ليست مدعاة ومبرراً لانتهاك حقوقه أو التعدي على كرامته. بل هي مدعاة للحوار والتواصل وتنظيم الاختلافات وضبطها تحت سقف كرامة الإنسان وصون حقوقه.

ولقد آن الأوان بالنسبة لنا نحن العرب والمسلمين، إلى إعادة الاعتبار إلى الإنسان ومقاومة كل حالات التعدي على حقوقه ومكتسباته. فالاختلاف مهما كان شكله أو طبيعته، ليس مبرراً ومسوغاً لانتهاك حقوق الإنسان. فالخالق سبحانه وتعالى أكرم الإنسان، ودعانا وحثنا جميعاً وعبر نصوص قرآنية عديدة على احترام الإنسان بصرف النظر عن لونه أو عرقه أو فكره، وصيانة كرامته وحقوقه.

والحرية بوصفها مصدر المسؤولية، لا تفضي بالكائن البشري إلى اختيار الحق والعدل والخير بالضرورة. بل تجعل الاختيار مفتوحاً على جميع الاتجاهات والاحتمالات. لذلك كان التاريخ البشري حافلاً باختيار الظلم والشر إلى جانب العدل والخير، وكان الإنسان مسؤولاً عن ذلك كله. أما الكائنات الأخرى، فليست مسؤولة عن ما يعرض لها أو بسببها لأنها ليست كائنات مختارة. فالباري عز وجل لم يخلق الإنسان خلقاً جامداً خاضعاً للقوانين الحتمية التي تتحكم به فتديره وتصوغه بطريقة مستقرة ثابتة، لا يملك فيها لنفسه أية فرصة للتغيير وللتبديل، بل خلقه متحركاً من مواقع الإرادة المتحركة التي تتنوع فيها الأفكار والمواقف والأفعال، مما يجعل حركة مصيره تابعة لحركة إرادته. فهو الذي يصنع تاريخه من خلال طبيعة قراره المنطلق من موقع إرادته الحرة، وهو الذي يملك تغيير واقعه من خلال تغييره للأفكار والمفاهيم والمشاعر التي تتحرك في واقعه الداخلي لتحرك الحياة من حوله. وهكذا أراد الله للإنسان أن يملك حريته، فيتحمل مسؤوليته من موقع الحرية. ويدفعه إلى أن يواجه عملية التغيير في الخارج بواسطة التغيير في الداخل، فهو الذي يستطيع أن يتحكم بالظروف المحيطة به، بقدر علاقتها به، وليس من الضروري أن تتحكم به. فالإنسان هو صانع الظروف، وليست الظروف هي التي تصنعه. وعليه فإن تطوير واقع الحرية في الحياة الإنسانية، يتوقف على الإرادة الإنسانية التي ينبغي أن تتبلور باتجاه الوعي بهذه القيمة الكبرى أولاً، ومن ثمَّ العمل على إزالة كل المعوقات والكوابح التي تحول دون الحرية. فالحرية في الواقع الإنساني لا توهب، وإنما هي نتاج كفاح إنساني متواصل ضد كل النزعات التي تعمل على إخضاع الإنسان وإرادته. سواء كانت هذه النزعات ذاتية مرتبطة بحياة الإنسان الداخلية، أو خارجية مرتبطة بطبيعة الخيارات السياسية والاقتصادية والثقافية، التي قد تساهم في إرجاء الحرية أو تعطيلها ووأد بذورها الأولية وموجباتها الأساسية.

وما دام الإنسان يعيش على ظهر هذه البسيطة، سيحتاج إلى الحرية التي تمنحه المعنى الحقيقي لوجوده. ولكي ينجز هذا المعنى، هو بحاجة إلى إرادة وكفاح إنساني لتذليل كل العقبات التي تحول دون ممارسة الحرية الإنسانية على قاعدة الفهم العميق لطبيعة عمل سنن الله سبحانه في الاجتماع الإنساني. ومن هنا ومن خلال هذه المعادلة التي تربط الوجود الإنساني برمته بالحرية والإرادة والمسؤولية، فإن الكدح الإنساني سيتواصل، والشوق الإنساني إلى الحرية والسعادة سيستمر، والإحباطات والنزعات المضادة ستبقى موجودة وتعمل في حياة الإنسان. لذلك فإن الوجود الإنساني هو عبارة عن معركة مفتوحة بين الخير الذي ينشد الحرية والسعادة والطمأنينة القلبية، والشر الذي لا سبيل لاستمراره إلا البطر والطغيان والاستئثار.

ولكي ينتصر الإنسان في معركته الوجودية، هو بحاجة إلى الإيمان والعلم والتقوى، حتى يتمكن من هزيمة نوازعه الشريرة وإجهاض وتهذيب نزعات البطر والطغيان.

ولا يخفى أن شعور الإنسان بالأمن والطمأنينة في الحياة هو الشرط الضروري لكي يقدم على العمل والإنتاج والتعمير في الأرض. ففي مناخ الأمن النفسي تنمو القدرات الذهنية وتتجه نحو الإبداع، وتنشيط القدرات الإنجازية وتتضاعف فعاليتها ويزكو إنتاجها. فإنسانية الإنسان في جوهرها وعمقها مرهونة بحرية الإنسان. إذ إن الحرية هي شرط إنسانية الإنسان. وحينما يفقد هذا الشرط، يفقد الإنسان مضمونه وجوهره الحقيقي. لذلك فإننا نرى أن احترام آدمية الإنسان، ومجابهة أي محاولة تستهدف انتهاك حقوقه الأساسية، هي الخطوة الأولى في مشروع تحقيق إنسانية الإنسان. فالإنسان بكرامته وحرماته وحقوقه، هو حجر الأساس في أي مشروع تنموي أو تقدمي. لذلك فنحن بحاجة دائماً إلى رفع شعار ومشروع صيانة حقوق الإنسان وكرامته بصرف النظر عن عرقه أو لونه أو قوميته أو أيدلوجيته.

الحرية والمصلحة:

لعلنا لا نضيف شيئا حين القول: أن الدين الإسلامي بكل تشريعاته ونظمه، وبالرغم من تقريره للغيب، فإنه ذو سمة عقلانية، أي أنه جاء ليوافق منطق العقل الإنساني وأحكامه. لذلك لا نجد أن هناك حكم في الدائرة التشريعية للإسلام، لا ينسجم وحقائق العقل الإنساني. وعالم الغيب في المنظور الإسلامي، ليس نفيا أو تغييبا لعالم الشهود والعقل. وإنما بالنظر العقلي المستند على حقائق الوحي يتم اكتشاف بعض جوانب وأبعاد عالم الغيب.

وإن الحرية الإنسانية لا تنجز على الصعيد العملي، إلا على قاعدة توفير المصالح التي يسعد بها الإنسان ويحيا حياة كريمة، ودفع الأضرار التي تجلب إليه الشقاء والبعد على الجادة والحياة الكريمة. (لذا لا يمكن تصور الإنسان حرا في المفهوم الإسلامي، إلا منذ أن أصبح يعتقد أنه مكلف ومسؤول. ذلك، لأن معنى الحرية الذي نهض به التكليف قد غدا في أغوار النفس الإنسانية معتقدا، يمارسه على الوجه المرسوم له شرعا، امتثالا لأمر الله، وعن طواعية وكامل رضا، أو بعبارة أخرى، إن المسلم الحق لا يصدر عنه تصرف أو نشاط حيوي، مادي أو فكري أو وجداني، بمقتضى ما رسم له الشارع فيما خوطب به من تكاليف، إلا إذا كان يعتقد ابتداء، وفي قرارة نفسه، أنه مكلف به شرعا، لا بعامل الاستهواء، أو بتسليط الغرائز الدنيا الأولية السليقية التي تغري بالتصرف المطلق، طمعا في تحصيل الثمرات القريبة العاجلة، أو استجابة للعصبية، والهوى، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم، وحذر منه، لفساد مآلاته على المجتمع البشري كله. بقوله تعالى [ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض]. (17).

وهذه الحرية ليست منفصلة في حقائقها وتجلياتها المتعددة عن نظام الحقوق، سواء كانت هذه الحقوق خاصة أم عامة. وإنما هي متداخلة مع نظام الحقوق ولا يمكن أن يتم إنجاز الحرية في الواقع الاجتماعي، إلا بصيانة الحقوق. فحماية الحقوق وصيانتها هي بوابة إنجاز الحرية في الواقع الاجتماعي. وبدون ذلك تبقى الحرية شعارات مجردة بعيدة عن حركة الإنسان الفرد والمجتمع .

" لذا ترى الإسلام قد أقام فلسفته التشريعية على أساس تضمين المعنى الإنساني والاجتماعي مفهوم الحرية، ضمانا كافيا للحيلولة دون الاعتساف في ممارستها، وناط بهذا المعنى مفهوم العدل، بأن جعل بينه وبين المشروعية تلازما، بحيث إذا انتفى المعنى الاجتماعي في التصرف الفردي، انتفت المشروعية وسقطت، ولاسيما عند تعارض الحرية الفردية مع المصلحة العامة، كما بينا، وهذا أصل مقطوع به، ومجمع عليه، تحقيقا للتوازن عملا وواقعا، ثم أقام الحق والحرية على أساس التكليف المؤيد بالعقيدة، ضمانا للتقيد بالمعنى الإنساني، لأنه يستند إلى أصل اعتقادي قبل أن يكون تدبيرا تشريعيا أو سياسيا محضا. ومن هنا نشأت الوظيفة الاجتماعية للحق والحرية وهذه الوظيفة هي أساس التكافل الاجتماعي الملزم أو جهة التعاون واستخلص العلماء من هذا المبدأ العام الذي هو قوام الحريات والحقوق، ومؤداه أن حق الغير محافظ عليه شرعا وهو حق الله تعالى في كل حق فردي، بما يحقق من معنى الحق الاجتماعي في الإسلام. " (18).

وبما أن المصلحة العامة من الشروط التي تتوقف عليها قدرة الفرد وإمكانيته من تحقيق مصالحه الذاتية المباشرة. لذلك فإن صيانة المصالح العامة بكل مقتضياتها ومتطلباتها من صميم صيانة الإنسان لمصالحة الخاصة والذاتية. وبهذا تتضح العلاقة العميقة والوثيقة في آن، بين رعاية المصالح الذاتية ورعاية المصالح العامة. وإنه لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نصون مصالحنا الخاصة إلا بصيانة مصالحنا العامة. لأنه وببساطة شديدة لا تبقى مصالح خاصة على الصعيد الواقعي معتبرة، إذا تم التهاون والتضحية بالمصالح العامة. ولعل هذا هو مؤدى المأثور التاريخي القائل (إن قوما ركبوا سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها، إذا أرادوا أن يستقوا، مروا على من فوقهم، فقال أحدهم: لو إنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإن تركوه، هلك وهلكوا جميعا).

من هنا نستطيع القول: أن حياة الإنسان وفق الرؤية الإسلامية ليست حقا أو ملكا خالصا له، بل هي مسيجة بحق الله تعالى وحق المجتمع، تنفيذا لأمانة التكليف، وتفسيرا لمعنى استخلافه في الأرض. ويقول تبارك وتعالى [ولا تقتلوا أنفسكم]. (19).

ولقد صاغ الفقهاء مجموعة من القواعد الفقهية التي تنظم وتحدد وتوازن العلاقة وأولوياتها بين المصالح الخاصة والعامة. ومن هذه القواعد، لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ويتحمل الضرر الخاص في سبيل دفع ضرر عام، والضرر الأشد يزال بالأخف.

وكل هذه الحقوق والحريات العامة، التي هي ضرورية لأمن واستقرار المجتمعات، بحاجة إلى ركائز وسياج مجتمعي وقيمي، يحمي الحقوق، ويعزز فرص الاستقرار في المجتمع. وهذه الركائز هي:

1- الوفاء بالعهود والمواثيق، لأن ذلك هو الذي يؤكد الثقة بين أفراد المجتمع ويحفظ لهم تماسكهم الاجتماعي.

2- المحافظة على الروابط الروحية والاجتماعية، فإنها تشد أواصر المجتمع وتجعله وحدة متماسكة بعيدة عن أي انقطاع وانفصام.

3- النزعة الإصلاحية التي تعمل على إصلاح ما فسد من حياة الناس، ومحاربة تجدد الفساد وانطلاقه في المجتمع سواء في ذلك فساد العقيدة، أو فساد السلوك والوجدان، وهذا هو سر الإيمان في حياة المؤمنين عندما ينطلق الإيمان في حياتهم ليقوي هذه الركائز. فهم يحفظون عهد الله في كل التزاماتهم ومواثيقهم في العقيدة والحياة، ويصلون ما أمر الله به أن يوصل في علاقة الإيمان والقرابة والجوار وغيرها، ويصلحون الفساد في الأرض)(20)

وتتضح هذه الركائز من قول الباري عز وجل [الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون] (21).

فالعلاقات الاجتماعية الداخلية القائمة على الوفاء بالعهود والمواثيق، والمزيد من أشكال التضامن وأطر التعاون، والحيوية والدينامية في ملاحقة الانحرافات وكل أشكال الفساد. هذه العلاقات هي القادرة على احتضان واستيعاب كل أسس الحرية وآفاق المشاركة في الحياة العامة. فالمجتمعات لا تصون حقوقها، ولا تنجز حريتها، إلا إذا كانت حية وحيوية، وتمتاز بعلاقات حسنة وإيجابية بين مختلف مكوناتها وتعبيراتها.

أما المجتمعات المفككة والمبعثرة في جهودها وطاقاتها، والخاملة تجاه حقوقها وحرياتها، فإنها مهما رفعت من شعارات لن تتمكن من القبض على كل أسباب عزتها وحريتها. لهذا فإننا مع كل المبادرات والخطوات التي تعزز وحدة المجتمع وتضامنه الداخلي، وضد كل نزعات التشظي والفرقة التي قد تصيب المجتمعات، وتضيع عليها فرص حقيقية ونوعية في مضمار التقدم والتطور. فالحقوق مهما كانت صريحة وواضحة،فإننا لن نحصل عليها إلا إذا وفرنا كل الأسباب الذاتية والموضوعية المؤدية إلى نيل الحقوق وكسب الحريات. وتوفير هذه الأسباب بكل مستوياتها، لا يمكن أن يتحقق دفعة واحدة،وإنما عبر عمليات التراكم والبناء المتواصل.ولعل من أهم المداخل لهذه المسألة،هي بناء قدرات المجتمع الذاتية في مختلف المجالات.

لهذا فقد جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله [هلاك أمتي في ترك العلم] (22). فالمجتمعات لا تبني قدراتها إلا بالعلم والمعرفة، لذلك وكما قال رسول الله (ص) [من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما فعليه بالعلم] (23). ويقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام [اكتسبوا العلم يكسبكم الحياة] (24). ومن الضروري في إطار بناء المجتمع وتطوير قواه الذاتية، الاهتمام بالتخطيط والابتعاد عن كل أشكال العشوائية وردود الأفعال الغير محسوبة التي قد تضر باستراتيجية بناء قدرات المجتمع الذاتية. لذلك جاء في الحديث عن الإمام علي عليه السلام [إن الطيش لا تقوم به حجج الله ولا تظهر براهين الله] (25).

حقوق الإنسان ومفارقات الواقع:

يقول تبارك وتعالى [أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون] (26).

هذه الآية الكريمة توضح طبيعة الانحراف السلوكي الذي كان يعيشه اليهود في عصر الرسالة الإسلامية. فقد جعلوا من أنفسهم حماة الكتاب والحق والاستقامة، ولكنهم على الصعيد العلمي والسلوكي هم الذين يمارسوا الأدوار النقيضة لذلك. ويبدو من خلال هذه الآية الكريمة أن هذه المشكلة، أي مشكلة الازدواجية والفصام النكد بين القول والفعل قد تصيب أي مجتمع. وقد عالجها الذكر الحكيم في أكثر من آية وموقع قرآني. فالمطلوب قرآنيا أن يتحد القول مع العمل، والكلمة مع الموقف، حتى يتحقق الإيمان الحقيقي سواء على الصعيد الفردي أو المجتمعي.

" ولقد جاء في معاني الأخبار عن الحسين البزاز قال: قال لي أبو عبد الله جعفر الصادق عليه السلام: ألا أحدثك بأشد ما فرض الله على خلقه ؟ قلت: بلى، قال: إنصاف الناس من نفسك ومواساتك لأخيك، وذكر الله في كل موطن ".

وما نود أن نثيره في هذا السياق، هو طبيعة التناقض بين القول والعمل فيما يرتبط بحقوق الإنسان في مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة.

ولعل من المفارقات الصارخة في واقعنا الإسلامي المعاصر، هي تلك المفارقة المرتبطة بحقوق الإنسان في فضائنا الثقافي والسياسي والاجتماعي. حيث إننا نمتلك من جهةٍ تراثاً ونصوصاً دينية هائلة، تحث على احترام الإنسان وصيانة حقوقه وكرامته، والتعامل معه وفق رؤية أخلاقية نبيلة. وبين واقع لا يتوانى في انتهاك حقوق الإنسان وتدمير كرامته وهتك خصوصياته. فنحن في المجال الإسلامي نعيش هذه المفارقة بكل مستوياتها وتأثيراتها.

فنصوصنا الدينية تحثنا على الالتزام بحقوق الإنسان وصيانة كرامته وتلبية حاجاته. ولكن في المقابل هناك الحياة الواقعية المليئة على مختلف المستويات بأشكال تجاوز وانتهاك حقوق الإنسان. ولا يمكن ردم هذه الفجوة وتوحيد الواقع مع المثال على هذا الصعيد إلا بتطوير خطابنا الديني وإبراز مضمونه الإنساني والحضاري. وذلك لأن هذا الخطاب في أحد أطواره ومستوياته كان يمارس التبرير والتسويغ لتلك المفارقة الحضارية التي يعيشها واقعنا العربي والإسلامي. وإن تجاوز هذه المفارقة، يتطلب العمل على بلورة خطاب حقوقي إسلامي، يرفض كل أشكال التجاوز والانتهاك لحقوق الإنسان الخاصة والعامة، ويبلور ثقافة اجتماعية عامة، تُعلي من شأن الإنسان وتحث الناس بكل فئاتهم وشرائحهم على احترام آدمية الإنسان وصيانة كرامته والحفاظ على مقدساته. وإن صيانة حقوق الإنسان في الفضاء الاجتماعي، بحاجة إلى نظام الحرية والديموقراطية. لأنه لا يمكن أن تصان حقوق الإنسان بعيداً عن الحريات السياسية والديموقراطية. وإن ضمان الحقوق الأساسية للإنسان، بحاجة إلى نظام، ينظم العلاقات، ويضبطها بعيداً عن الإفراط والتفريط. فلا حقوق للفرد والمجتمع، بدون مرجعية عُليا ينتظم تحت لوائها ومظلتها الجميع. فلا يمكن أن تصان الحقوق، حينما تنتشر الفوضى، ويغيب النظام وذلك لأن كل متواليات هذا الغياب تنعكس سلباً على واقع حقوق الإنسان في المجتمع.

لذلك نجد أن المجتمع الذي يعاني من حروب داخلية أو أهلية، لا يتمكن من صيانة حقوق الإنسان فيه. وذلك لأن مفاعيل غياب النظام تحول دون احترام الإنسان وصيانة حقوقه. ولعل في مقولة الإمام علي بن أبي طالب التالية إشارة إلى هذه المسألة: (لا بد للناس من أمير بَرٍّ أو فاجر يعمل في أمرته المؤمنون، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتؤمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بَرٌّ أو يستراح به من فاجر). والدعوة إلى النظام لضمان الحقوق، لا تشرع بطبيعة الحال إلى الاستبداد والحكم المطلق. لأن هذا بدوره أيضاً يمتهن الكرامات ويدمر نظام الحقوق في المجتمع.

من هنا نصل إلى حقيقة أساسية وهي: أن النظام الذي يكفل الحريات للمجتمع، هو النظام القادر على صيانة حقوق الإنسان. ولا يمكن أن نصل إلى هذه الحقيقة، إلا بحيوية وفعالية اجتماعية تنتظم في أطر ومؤسسات وتعمل وتكافح لخلق الحقائق في واقعها، وتفرض ظرفاً جديداً، بحيث تكون صيانة حقوق الإنسان من الحقائق الثابتة في الفضاء الاجتماعي.

إننا دون تغيير واقعنا الاجتماعي، لن نتمكن من خلق نظام سياسي يصون الحريات والحقوق. من هنا تنبع أهمية العمل الاجتماعي والثقافي المتواصل، باتجاه تنقية واقعنا الاجتماعي من كل رواسب التخلف والانحطاط، ومقاومة كل الكوابح التي تحول دون التنمية والبناء الحضاري. إن حيويتنا الاجتماعية وفعلنا الثقافي المتميز والنوعي من الروافد الأساسية لبلورة قيم حقوق الإنسان في فضائنا الاجتماعي والثقافي. فلا يكفينا أن تكون النصوص الدينية حاضنة لحقوق الإنسان ومشرعة لها وإنما لا بد من العمل والكفاح لسن القوانين واتخاذ الإجراءات وخلق الوقائع المفضية جميعاً إلى صيانة حقوق الإنسان.

وعليه فإننا نشعر بأهمية أن يتجه الخطاب الديني إلى مسألة حقوق الإنسان، ليس بوصفها مسألة تكتيكية أو مرحلية، وإنما بوصفها جزءاً أصيلاً من التوجيهات الإسلامية والمنظومة الدينية. لذلك ينبغي أن يتجه هذا الخطاب إلى الإعلاء من شأن هذه المسألة، وتنقية مفرداته ووقائعه من كل الشوائب التي لا تنسجم والحقوق الأساسية للإنسان.

فالإنسان بصرف النظر عن منبته الأيديولوجي أو انتمائه المذهبي أو القومي أو العرقي، يجب أن تحترم آدميته وتصان حقوقه. وأي فهم لأية قيمه من قيم الدين، لا تنسجم وهذه الرؤية، هو فهم مشوب وملتبس، ولا يتناغم والقيم العليا للدين.

فالإسلام بكل قيمه ومبادئه ونظمه وتشريعاته، هو حرب ضد كل العناوين والعناصر التي تنتقص من قيمة الإنسان أو تنتهك حقوقه.فهي قيم من أجل الإنسان وفي سبيله، ولا يمكن بأية حال من الأحوال أن يشرع الإسلام لأي فعل أو سلوك يفضي إلى انتهاك حقوق الإنسان.

لذلك كله نستطيع القول: إن الانتهاكات المتوفرة في المجالين العربي والإسلامي لحقوق الإنسان، هي وليدة الأنظمة الاستبدادية والشمولية التي تمارس كل أنواع الظلم والعسف والقهر لبقاء سلطانها الاستبدادي، والإسلام بريء من هذه الانتهاكات. وإن المحاولات التي يبذلها علماء السلطان لسبغ الشرعية على تجاوزات السلطة الاستبدادية، لا تنطلي على الواعين من أبناء الأمة، ولا تحسب بأي شكل من الأشكال على الإسلام مبادئاً وقيماً ومثلاً عليا. والإصلاح الديني المنشود، هو الذي يتجه إلى العناصر التالية:

1- تحرير المجال الاجتماعي والثقافي والسياسي من كل أشكال الهيمنة وانتهاك الحقوق وتجاوز ثوابت الدين القائمة على العدل والحرية والمساواة.

2- تنقية الثقافة الدينية السائدة، من كل رواسب التخلف السياسي والانحطاط الثقافي والأخلاقي. فلا يمكن أن تكون ثقافة دينية أصيلة، تلك الثقافة التي تبرر الظلم أو تسوغ التعذيب أو تشرع للعسف وانتهاك الحقوق والحريات العامة للإنسان.

3- بناء المجال السياسي والثقافي في الأمة، على أسس العدل والحرية والمساواة وصيانة حقوق الإنسان. فالمهم أولاً ودائماً أن يكون واقعنا بكل مستوياته منسجماً ومقتضيات الإسلام ومثله العليا.

4- تحرير العلاقات وأنماط التواصل بين مختلف المكونات والتعبيرات، من كل أشكال التمييز والتهميش والإقصاء بدعاوى ومسوغات دينية أو فكرية أو سياسية. وبناء العلاقة بين هذه التعبيرات على أساس الجوامع المشتركة ومقتضيات الشراكة والمسؤولية المتبادلة.

وهذا يتطلب تطوير علاقتنا المنهجية والمعرفية بالنصوص الإسلامية، وتجسير الفجوة بين مؤسساتنا ومعاهدنا العلمية ومصادر المعرفة الإسلامية الأساسية. وذلك من أجل إنتاج ثقافة إسلامية أصيلة ومنفتحة ومتفاعلة مع مكاسب العصر والحضارة.

وهذا بطبيعة الحال، ليس سهل المنال، وإنما هو بحاجة إلى جهود فكرية ومؤسسية متواصلة، لتنقية المجال السياسي والثقافي والاجتماعي من كل مظاهر الأنانية والآحادية والاستبداد.

وإن مشروع النهضة الوطنية على الصعد كافة اليوم، بحاجة إلى وعي وثقافة دينية جديدة، تتصالح مع الحرية وحقوق الإنسان، وتنبذ العسف والظلم بكل مستوياته ودوائره، وتتفاعل على نحو إيجابي مع التنوع والتعددية، وتقطع نفسيا ومعرفيا مع الرؤية الآحادية التي لا ترى إلى قناعاتها وتتعامل معها بوصفها الحقائق المطلقة.

والفكر الديني المعاصر ينبغي أن لا يكون منعزلا أو بعيدا عن قضايا الحرية وحقوق الإنسان ونقد الاستبداد بكل صنوفه وأشكاله.

فالإسلام لا يشرع للظلم والاستبداد، بل يدعو المسلمين إلى رفض الظلم ومقاومة الاستبداد ونشدان المساواة والعدل في كل الأحوال والظروف.

ولعلنا لا نبالغ حين القول: إن التحدي الأكبر الذي يواجه البلدان العربية والإسلامية اليوم، هو في قدرة هذه الدول والبلدان على تجسير الفجوة بين الواقع والمثال فيما يرتبط بحقوق الإنسان. لأن الكثير من الأزمات والمآزق التي تواجه هذه البلدان، هي من جراء تراجع مستوى حقوق الإنسان في هذه الدول. ولا ريب أن هذا التراجع له تأثيرات سلبية عميقة على مختلف صعد ومستويات الحياة.. لهذا فإن صيانة الأمن الثقافي والاجتماعي والسياسي، لا يمكن تحقيقه بدون صيانة حقوق الإنسان. كما أن بوابة الاستقرار الاجتماعي والسياسي في كل هذه الدول، هي احترام حقوق الإنسان وصيانتها ومنع أي تعدي عليها.

لهذا فإننا نستطيع القول، وبلغة لا لبس فيها، أن شكل وطبيعة المستقبل الذي ينتظر دولنا العربية والإسلامية، مرهون إلى حد بعيد على قدرة هذه الدول على تطوير أنظمتها وواقعها السياسي، باتجاه المزيد من احترام وصيانة حقوق الإنسان.

وإن المهمة الأساس الملقاة على عاتقنا جميعا، هي العمل على تجسير الفجوة وردم الهوة، بحيث تصبح كل حقائق ومتطلبات حقوق الإنسان شاخصة وبارزة في فضائنا الاجتماعي والثقافي.

فلا يمكن أن تتوفر في فضائنا الاجتماعي والوطني، عناصر القوة والقدرة والحيوية، بدون صيانة حقوق الإنسان. لهذا فإن جسر العبور إلى القوة بكل تجلياتها والحيوية بكل تمظهراتها، هو الإصرار على صيانة حقوق الإنسان وتجسير الفجوة على هذا الصعيد بين الواقع والمثال والمأمول.

وفي الختام: فإن الناس أفرادا وجماعات، تتمايز عن بعضها في طريقة التعامل مع حقوقها وحريتها. فالمجتمعات الحية هي التي تقبض على حقوقها وتدافع عن حريتها. أما المجتمعات الميتة، فهي التي تفرط بحقوقها وحريتها. لذلك جاء في الحديث الشريف [ليس من ابتاع نفسه فأعتقها كمن باع نفسه فأوبقها].(27).

***

محمد محفوظ – باحث سعودي

.....................

الهوامش

1- السيد محمد حسين فضل الله – في آفاق الحوار الإسلامي المسيحي – ص 4 – الطبعة الثالثة – دار الملاك – بيروت 2005م.

2- سورة آل عمران، الآية 91.

3- سورة العنكبوت، الآية 20.

4- سورة سبأ، الآية 46.

5- سورة البقرة، الآية 159.

6- سورة الحج، الآية 8.

7- سورة فصلت، الآيات 33 – 35.

8- سورة مريم، الآيات 30 – 32.

9- سورة الكهف، الآية 29.

10- سورة الغاشية، الآية 22.

11- سورة يونس، الآية 99.

12- سورة الأنفال، الآية 53.

13- سورة البقرة، الآية 30.

14- سورة الإسراء، الآية 70.

15- سورة الحج، الآية 65.

16- سورة القصص، الآية 68.

17- الدكتور محمد فتحي الدريني، دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي المعاصر، الجزء الأول، ص 44، دار قتيبة للطباعة والنشر، دمشق 1988م.

18- المصدر السابق، ص 47.

19- سورة النساء، الآية 79.

20- السيد محمد حسين فضل الله، تفسير من وحي القرآن، المجلد الأول، ص 137، دار الزهراء، الطبعة الثالثة، بيروت 1985م.

21- سورة البقرة، الآية 27.

22- الحسن الديلمي، إرشاد القلوب، ج 1، ص 183.

23- المصدر السابق.

24- عبد الواحد الآمدي التميمي، غرر الحكم ودرر الكلم، المجلد الأول، مؤسسة الأعلمي، الطبعة الأولى، بيروت 1987م.

25- الشيخ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 54، ص 232، الطبعة الثالثة، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1983م.

26- سورة البقرة، الآية 44.

27- محمدي الريشهري، ميزان الحكمة، المجلد الثاني، ص 353، الدار الإسلامية، لبنان.

من الوصف البنيوي إلى التفسير الذهني للغة وتطبيقاته في الدرس العربي

مقدمة الدراسة: تُعدّ اللسانيات الحديثة أحد الحقول المعرفية التي شهدت تحولات إبستمولوجية عميقة أعادت تشكيل موضوعها ومنهجها وحدودها العلمية، إذ لم يكن مسارها خطيًا أو تراكميًا بسيطًا، بل اتسم بقطائع معرفية حاسمة نقلتها من تصور إلى آخر، ومن نموذج تفسيري إلى نموذج مغاير أكثر قدرة على استيعاب الظاهرة اللغوية في تعقيدها وتركيبها. وفي هذا الإطار، هيمن خلال النصف الأول من القرن العشرين الاتجاه البنيوي الوصفي، الذي ارتبط بأسماء بارزة مثل فرديناند دو سوسير (Ferdinand de Saussure) وبلومفيلد (Leonard Bloomfield)، حيث سعى هذا الاتجاه إلى تأسيس علم للغة يقوم على مبدأ الموضوعية العلمية، من خلال اعتماد الملاحظة الدقيقة والتصنيف الصارم للمعطيات اللغوية.

وقد انطلق هذا التصور من اعتبار اللغة نسقًا مغلقًا من العلاقات، يمكن تحليله عبر تفكيك وحداته الصوتية والصرفية والتركيبية، ورصد انتظامها داخل السلسلة الكلامية، دون الحاجة إلى استحضار أي معطيات ذهنية أو نفسية. وهكذا، تم اختزال الظاهرة اللغوية في بعدها الخارجي القابل للملاحظة، حيث أصبح التحليل اللساني مرتهنًا بمبادئ التوزيع والتقابل، وموجّهًا نحو الكشف عن البنيات الشكلية للغة، لا عن آليات إنتاجها أو شروط إمكانها. غير أن هذا التوجه، على الرغم من صرامته المنهجية ودقته الإجرائية، ظل محدود الأفق التفسيري، إذ عجز عن الإجابة عن سؤال جوهري يتعلّق بطبيعة القدرة اللغوية الإنسانية: كيف يستطيع المتكلم أن ينتج ويفهم عددًا لا متناهٍ من الجمل انطلاقًا من موارد لغوية محدودة؟

من هنا بدأت تتكشف حدود المقاربة البنيوية، خاصة مع تنامي الوعي بأن اللغة ليست مجرد سلوك لفظي قابل للوصف، بل هي نشاط ذهني معقد ينطوي على عمليات تجريدية عميقة. وفي هذا السياق، جاء المشروع اللساني الذي بلوره نعوم تشومسكي (Noam Chomsky) ليُحدث تحوّلًا نوعيًا في دراسة اللغة، ويؤسس لما يمكن اعتباره ثورة علمية داخل الحقل اللساني. فقد شكّل صدور كتابه البنيات التركيبية (Syntactic Structures) سنة 1957 لحظة فارقة، إذ أعاد من خلاله تعريف موضوع اللسانيات، ليس بوصفها علمًا يصف البنى السطحية للغة، بل باعتبارها علمًا يسعى إلى تفسير البنى العميقة التي تتحكم في إنتاجها.

لقد نقلت النظرية التوليدية التحويلية البحث اللساني من مستوى الوصف إلى مستوى التفسير، ومن الاستقراء القائم على تجميع المعطيات إلى الاستنباط المعتمد على بناء النماذج الصورية، ومن التركيز على الأداء اللغوي إلى الاهتمام بالكفاءة اللغوية باعتبارها قدرة ذهنية فطرية كامنة في ذهن المتكلم. وبهذا المعنى، لم تعد اللغة موضوعًا خارجيًا مستقلًا عن الإنسان، بل أصبحت جزءًا من بنيته المعرفية، تخضع لقواعد داخلية تتيح له إنتاج عدد لا متناهٍ من التراكيب انطلاقًا من عدد محدود من القواعد.

إن هذا التحول لم يكن مجرد تعديل في أدوات التحليل أو توسيع في مجال الدراسة، بل مثّل إعادة تأسيس جذرية لمفهوم العلم داخل اللسانيات، حيث أصبح النموذج النظري يحتل مكانة مركزية في إنتاج المعرفة، ولم يعد المعطى التجريبي كافيًا في حد ذاته، بل صار يحتاج إلى تأطير ضمن جهاز مفاهيمي يفسر آلياته العميقة. ومن هنا، انفتحت اللسانيات على حقول معرفية مجاورة، مثل علم النفس المعرفي والفلسفة، وأصبحت جزءًا من مشروع أوسع يُعنى بدراسة الذهن البشري وبنياته.

وعلى هذا الأساس، لم يعد السؤال اللساني مقتصرًا على وصف اللغة كما تُستعمل في الواقع، بل تجاوز ذلك ليطرح إشكالات أعمق تتعلق بكيفية تشكّل المعرفة اللغوية في الذهن، وطبيعة القواعد التي تحكمها، ومدى فطريتها أو اكتسابها. وهو ما جعل من النحو التوليدي التحويلي إطارًا نظريًا قادرًا على إعادة صياغة الإشكاليات اللسانية في ضوء تصور جديد للغة بوصفها ملكة إنسانية مميزة.

وإذا كان هذا التحول قد أحدث أثرًا بالغًا في الدرس اللساني الغربي، فإنه لم يظل حبيس هذا السياق، بل امتد تأثيره إلى الدرس اللساني العربي، حيث بدأ الباحثون العرب في استثمار مفاهيمه وآلياته، ومحاولة تكييفها مع خصوصيات اللغة العربية. غير أن هذا الانتقال لم يكن دائمًا سلسًا أو مباشرًا، بل أثار مجموعة من الإشكالات النظرية والمنهجية، تتعلق بمدى قابلية النموذج التوليدي للتطبيق على اللغة العربية، وحدود استيعابه لبنياتها الخاصة.

وانطلاقًا من هذه المعطيات، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل التحول الإبستمولوجي الذي عرفته اللسانيات الحديثة مع ظهور النظرية التوليدية التحويلية، من خلال الوقوف على أسسه النظرية، ومقارنة منطلقاته بالتصور البنيوي الوصفي، ثم استجلاء انعكاساته على الدرس اللساني العربي. كما تهدف إلى إبراز الرهانات المعرفية التي ينطوي عليها هذا التحول، سواء على مستوى فهم اللغة في ذاتها، أو على مستوى إدراجها ضمن مشروع علمي أشمل يُعنى بدراسة الذهن الإنساني.

وبذلك، فإن هذه المقدمة لا تمثل مجرد تمهيد شكلي للدراسة، بل تُعد مدخلًا نظريًا يؤطر إشكاليتها، ويحدد أفقها المعرفي، ويكشف عن طبيعة التحول الذي ستنخرط في تحليله، باعتباره أحد أبرز التحولات التي أعادت رسم ملامح اللسانيات المعاصرة، وفتحت أمامها إمكانات جديدة للفهم والتفسير.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية مركّبة تسعى إلى استقصاء طبيعة التحول الإبستمولوجي الذي أحدثه النحو التوليدي التحويلي داخل الحقل اللساني، وذلك من خلال مساءلة مدى قدرته على تجاوز الحدود التفسيرية التي كرّسها المنهج البنيوي الوصفي، وإعادة بناء الدرس اللساني على أسس ذهنية–تفسيرية جديدة. وبعبارة أدق، تتمحور الإشكالية حول السؤال الآتي:

إلى أي حد استطاع النحو التوليدي التحويلي، كما بلوره نعوم تشومسكي (Noam Chomsky)، أن يؤسس لنموذج علمي بديل يتجاوز قصور المنهج البنيوي الوصفي، ليس فقط على مستوى الأدوات الإجرائية، بل على مستوى التصور الإبستمولوجي للغة ذاتها، بوصفها قدرة ذهنية فطرية، وما مدى نجاعته في إعادة بناء المفاهيم اللسانية، خاصة عند تطبيقه على اللغة العربية؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية المركزية شبكة من التساؤلات المتداخلة التي تعكس أبعادها النظرية والمنهجية والتطبيقية، من أبرزها:

ما طبيعة النقد الذي وجّهه نعوم تشومسكي ( Noam Chomsky) إلى الاتجاه البنيوي، وما الأسس المعرفية التي استند إليها في تفكيك منطلقاته التجريبية والوصفية؟

هل مثّل النحو التوليدي التحويلي قطيعة إبستمولوجية حقيقية مع البنيوية، أم مجرد امتداد مطوّر لها في إطار علمي جديد؟

كيف أعاد هذا النموذج تعريف مفاهيم مركزية مثل: اللغة، النحو، الكفاءة اللغوية، والبنية العميقة والسطحية؟

إلى أي مدى أسهم في نقل اللسانيات من علم وصفي قائم على الملاحظة إلى علم تفسيري يعتمد النمذجة الذهنية والاستنباط؟

ما الأسس النظرية والمنهجية التي يقوم عليها النحو التوليدي التحويلي، وكيف تتجلى في بناء القواعد وتفسير الظواهر اللغوية؟

ما حدود قابلية هذا النموذج للتطبيق على اللغة العربية، في ضوء خصوصياتها التركيبية والدلالية؟

هل يمكن اعتبار النحو التوليدي التحويلي بديلاً إبستمولوجيًا للنحو العربي التقليدي، أم أنه يظل إطارًا نظريًا مكمّلًا يضيء بعض جوانبه دون أن يحل محله؟

وأخيرًا، ما طبيعة التأثير الذي مارسه هذا الاتجاه في الدرس اللساني العربي، من حيث التلقي، والتكييف، وإعادة الإنتاج؟

وبهذا المعنى، لا تقتصر هذه الإشكالية على مجرد مقارنة بين نموذجين لسانيين، بل تنخرط في مساءلة أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة اللغوية ذاتها، وحدود النماذج العلمية في تفسيرها، وإمكانات نقلها وتطبيقها عبر سياقات لغوية وثقافية مغايرة، وهو ما يمنح الدراسة بعدها النقدي والتحليلي في آن واحد.

فرضيات الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من حزمة ومجموعة من الفرضيات العلمية المترابطة والقابلة للفحص، والتي تُصاغ في أفق اختبار التحول الإبستمولوجي الذي أحدثه النحو التوليدي التحويلي داخل الحقل اللساني، واستجلاء حدوده النظرية والتطبيقية، خاصة في علاقته باللغة العربية. ويمكن بلورة هذه الفرضيات في صيغة موسّعة على النحو الآتي:

تفترض الدراسة، في مستوى أول، أن النحو التوليدي التحويلي، كما بلوره نعوم  تشومسكي (Noam Chomsky)، لا يمثّل مجرد امتداد منهجي للاتجاه البنيوي، بل يشكّل قطيعة إبستمولوجية عميقة معه، من حيث إعادة تعريف موضوع اللسانيات ووظيفتها. فبينما انحصرت البنيوية في وصف البنى اللغوية الظاهرة وفق منطق تجريبي–تصنيفي، يفترض هذا البحث أن النموذج التوليدي قد نقل مركز الثقل من الظاهر إلى الباطن، ومن المعطى إلى الآلية، مؤسسًا بذلك لتحول نوعي من علم وصفي إلى علم تفسيري.

وفي مستوى ثانٍ، تفترض الدراسة أن هذا التحول لم يكن ممكنًا إلا عبر تبنّي مقاربة ذهنية–استنباطية، تجعل من اللغة قدرة فطرية كامنة في الذهن البشري، لا مجرد سلوك مكتسب. ومن ثم، يُفترض أن مفهوم "القدرة اللغوية" (competence) يشكّل حجر الزاوية في هذا البناء النظري، إذ يسمح بتفسير الإبداع اللغوي بوصفه نتاجًا لقواعد داخلية محدودة قادرة على توليد عدد لا متناهٍ من الجمل. وبناءً على ذلك، ترجّح الدراسة أن اعتماد المنهج الاستنباطي، القائم على بناء نماذج صورية تجريدية، قد مكّن اللسانيات من تجاوز حدود الملاحظة السطحية نحو تفسير البنى العميقة التي تنظّم اللغة.

وفي مستوى ثالث، تفترض الدراسة أن النحو التوليدي التحويلي قد أسهم في إعادة بناء المفاهيم اللسانية الأساسية، مثل مفهوم النحو ذاته، الذي لم يعد يُفهم بوصفه مجموعة قواعد معيارية، بل كنظام توليدي يصف المعرفة الضمنية التي يمتلكها المتكلم بلغته. كما يُفترض أنه أعاد صياغة العلاقة بين البنية السطحية والبنية العميقة، وبين الشكل والمعنى، بما يسمح بفهم أكثر تركيبًا وتعقيدًا للظاهرة اللغوية.

أما في المستوى التطبيقي، فتفترض الدراسة أن تطبيق النموذج التوليدي على اللغة العربية يفتح آفاقًا تفسيرية واعدة، خاصة في تحليل الظواهر التركيبية المعقدة، والكشف عن القواعد الكامنة التي تحكم إنتاج الجملة العربية. غير أن هذه الإمكانات، في المقابل، لا تخلو من حدود، إذ يُرجّح أن خصوصيات العربية—من حيث نظام الإعراب، والبنية الصرفية الغنية، والتداخل بين المستويات—تطرح تحديات حقيقية أمام النقل الحرفي للنموذج التوليدي.

وأخيرًا، تفترض الدراسة أن العلاقة بين النحو التوليدي التحويلي والنحو العربي التقليدي ليست علاقة إلغاء أو تعويض، بل علاقة إعادة تأويل وإدماج. فبدل النظر إلى النحو العربي بوصفه نظامًا متجاوزًا، يُفترض أنه يحتوي على إمكانات وصفية وتفسيرية يمكن إعادة قراءتها في ضوء التصورات التوليدية الحديثة، بما يسمح ببناء نموذج تركيبي يجمع بين التراث والحداثة.

وبناءً على هذه الفرضيات، تسعى الدراسة إلى اختبار مدى تماسك هذا الطرح، والكشف عن حدود صلاحيته، من خلال تحليل نقدي يجمع بين البعد النظري والتطبيقي، في أفق الإسهام في تعميق النقاش حول موقع اللسانيات التوليدية داخل الدرس اللساني المعاصر، وعلاقتها بالخصوصية اللغوية العربية.

منهجية الدراسة:

شهد المنهج الوصفي البنيوي، الذي تكرّس خلال النصف الأول من القرن العشرين مع أعمال روّاده من أمثال فرديناند دو سوسير ( Ferdinand de Saussure)  وليونارد بلومفيلد            (Leonard Bloomfield)، بناءً منهجيًا دقيقًا قائمًا على خطوات متسلسلة تبدأ بالملاحظة المباشرة للمعطيات اللغوية، ثم جمعها وتصنيفها وفق معايير توزيعية صارمة، وصولًا إلى صياغة قواعد عامة تحكم انتظام هذه المعطيات. وقد منح هذا التوجه للدرس اللساني طابعًا علميًا واضحًا، من حيث التزامه بالموضوعية والتجريب، وسعيه إلى إقصاء كل ما هو ذاتي أو تأملي. غير أن هذه الصرامة المنهجية، على أهميتها، سرعان ما كشفت عن حدودها، إذ ظل التحليل البنيوي حبيس المعطى الظاهر، عاجزًا عن النفاذ إلى الآليات الذهنية العميقة التي تفسّر إنتاج اللغة وفهمها.

فقد انحصر اهتمام البنيويين في تحليل السلاسل الكلامية المسموعة، دون أن يتمكنوا من تفسير القدرة الإبداعية التي يمتلكها المتكلم، تلك القدرة التي تتيح له توليد عدد لا متناهٍ من الجمل انطلاقًا من موارد محدودة. كما عجز هذا المنهج عن معالجة ظواهر معقدة مثل اللبس التركيبي، حيث تتعدد التأويلات الممكنة لبنية واحدة، دون أن يقدّم تفسيرًا للعلاقات العميقة التي تربط بين هذه التأويلات. إضافة إلى ذلك، ركّز التحليل البنيوي على التصنيف الشكلي للوحدات اللغوية، مهمِلًا الأبعاد الوظيفية والدلالية التي تسهم في تحديد المعنى، وهو ما أدى إلى اختزال اللغة في قائمة من العناصر المتجاورة، بدل النظر إليها كنظام ديناميكي قادر على الإنتاج والتوليد.

وفي هذا السياق، وجّه نعوم تشومسكي (Noam Chomsky ) نقدًا جذريًا لهذا الاتجاه، معتبرًا أنه متأثر إلى حد بعيد بمبادئ علم النفس السلوكي، الذي يختزل اللغة في مجرد استجابات لمثيرات خارجية، متجاهلًا البعد الذهني-المعرفي الذي يشكّل جوهر الظاهرة اللغوية. ومن هنا، دعا تشومسكي إلى إعادة توجيه البحث اللساني نحو دراسة اللغة بوصفها قدرة فطرية كامنة في الذهن البشري، لا مجرد سلوك قابل للملاحظة.

وقد مهّد هذا النقد لظهور تحول إبستمولوجي عميق تمثّل في بروز المنهج التوليدي التحويلي، الذي نقل اللسانيات من منطق الاستقراء القائم على تجميع المعطيات إلى منطق الاستنباط الذي ينطلق من فرضيات نظرية عامة تُختبر على الوقائع اللغوية. وبهذا المعنى، لم يعد الهدف هو وصف الظواهر كما تبدو، بل تفسيرها من خلال بناء نموذج نظري قادر على الكشف عن القواعد الكامنة التي تحكمها. وهنا تبرز أهمية مفهوم “النموذج” في العلم، حيث لم يعد العلم مقتصرًا على التعامل مع الظواهر المحسوسة، بل أصبح ينفتح على كيانات تجريدية غير مرئية، يُستدل عليها من خلال آثارها، كما هو الحال في النسق الذهني للغة.

ويتأسس هذا النموذج التوليدي على مكوّنين أساسيين: من جهة، مجموعة من الرموز الأولية التي تمثل الوحدات المجردة للغة، ومن جهة أخرى، مجموعة من العمليات التركيبية (القواعد التوليدية والتحويلية) التي تسمح بإنتاج عدد غير محدود من البنى انطلاقًا من تلك الوحدات. ولا تُقاس قيمة هذا النموذج بمدى مطابقته السطحية للمعطيات، بل بقدرته على تحقيق شروط علمية أساسية، من قبيل الكفاية التفسيرية، والاتساق الداخلي، والقدرة على التعميم.

وبهذا التحول، انتقل الدرس اللساني من مرحلة تصنيف الظواهر إلى مرحلة تفسيرها، ومن التعامل مع اللغة كموضوع خارجي إلى فهمها كبنية ذهنية داخلية، وهو ما أعاد تعريف طبيعة المعرفة اللسانية ذاتها، وفتح أمامها آفاقًا جديدة تتجاوز حدود الوصف نحو بناء نظرية علمية قادرة على تفسير الإبداع اللغوي في أعمق مستوياته.

التحول الإبستمولوجي في اللسانيات: من وصف البنية إلى تفسير القدرة اللغوية:

شهد الدرس اللساني الحديث تحوّلًا إبستمولوجيًا عميقًا تمثّل في الانتقال من التصور البنيوي الوصفي إلى التصور التوليدي التفسيري، وهو تحول لم يقتصر على تغيير في الأدوات أو التقنيات، بل طال الأسس النظرية التي يقوم عليها فهم اللغة ذاتها. فقد ارتكزت اللسانيات البنيوية، كما تبلورت مع فرديناند دوسوسير (Ferdinand de Saussure ) و ليونارد بلومفيلد           (Leonard Bloomfield)، على منهج استقرائي ينطلق من ملاحظة المعطيات اللغوية الجاهزة، ثم يعمل على تصنيفها ضمن وحدات صوتية وصرفية وتركيبية، وصولًا إلى استخراج قواعد عامة تحكم انتظامها. وقد أتاح هذا التوجه بناء جهاز وصفي دقيق مكن من تحليل اللغة باعتبارها نسقا من العلاقات الشكلية، غير أنه ظل حبيس حدود الظاهر اللغوي، عاجزا عن تفسير الآليات الذهنية التي تقف وراء إنتاجه.

فقد انصبّ اهتمام البنيويين على المادة اللغوية كما تستعمل فعليًا، مع التركيز على تفكيكها إلى عناصرها الأولية، دون الالتفات إلى القدرة الإبداعية التي يمتلكها المتكلم، والتي تمكنه من إنتاج عدد لا متناه من الجمل انطلاقًا من موارد محدودة. كما أدّى هذا التوجه إلى إهمال ظواهر معقّدة مثل اللبس التركيبي، والعلاقات العميقة التي تربط بين البنى المختلفة، فضلا عن تغليب التصنيف الشكلي على حساب التفسير الدلالي والوظيفي. وهكذا، تم اختزال اللغة في كونها منتجا جاهزا للتحليل، بدل النظر إليها كعملية ذهنية ديناميكية.

في مقابل ذلك، جاء المشروع اللساني الذي بلوره نعوم تشومسكي ( Noam Chomsky) ليعيد النظر في هذا التصور من أساسه، منتقدا اعتماده الضمني على مبادئ علم النفس السلوكي، الذي يختزل اللغة في مجرد استجابات لمثيرات خارجية. وقد أكد تشومسكي أن هذا المنظور يعجز عن تفسير الإبداع اللغوي، أي قدرة الإنسان على إنتاج وفهم جمل لم يسمعها من قبل، كما يفشل في معالجة ظواهر مثل الغموض التركيبي أو الكشف عن البنى العميقة المشتركة بين التراكيب المختلفة. ومن هنا، دعا إلى إعادة توجيه البحث اللساني نحو دراسة اللغة بوصفها قدرة ذهنية فطرية، تتجسد في ما يعرف بالقدرة اللغوية.

وقد أسفر هذا التحول عن إعادة تعريف جوهر العلم اللساني ذاته، إذ لم يعد ينظر إليه كعلم وصفي يكتفي برصد الظواهر وتصنيفها، بل كعلم تفسيري يسعى إلى الإجابة عن سؤال "لماذا" وليس فقط "كيف". فالمعطى اللغوي، في المنظور التوليدي، لا يعدّ كافيًا في حد ذاته، بل يحتاج إلى تأطير ضمن نموذج نظري قادر على الكشف عن القواعد الكامنة التي تنظّمه. ومن هنا، أصبح بناء النماذج الصورية، القائمة على فرضيات تختبر وتعدّل، هو جوهر الممارسة العلمية في اللسانيات.

إن هذا التحول يعكس انتقالا حاسمًا من منطق الاستقراء إلى منطق الاستنباط، ومن التعامل مع اللغة كموضوع خارجي إلى فهمها كبنية داخلية مرتبطة بالذهن البشري، وهو ما قرّب اللسانيات من العلوم النظرية التي تعتمد النمذجة والتجريد، مثل الفيزياء النظرية. وبهذا المعنى، لم يعد الهدف من البحث اللساني هو مجرد وصف البنى اللغوية، بل بناء نظرية علمية تفسّر شروط إمكانها، وتكشف عن المبادئ الكونية التي تحكمها، وهو ما منح النحو التوليدي التحويلي مكانته بوصفه أحد أبرز التحولات المعرفية في تاريخ اللسانيات الحديثة.

اللغة بين القدرة والإنجاز: من السلوك الظاهر إلى البنية الذهنية:

يُعدّ التمييز الذي صاغه نعوم تشومسكي (Noam Chomsky) بين القدرة (Competence) والإنجاز (Performance) من أكثر المفاهيم حسمًا في إعادة بناء التصور اللساني للغة داخل الإطار التوليدي، إذ يمثّل هذا التمييز انتقالا نوعيا من فهم اللغة بوصفها سلوكا ظاهريا إلى اعتبارها نظامًا ذهنيًا داخليًا منظمًا. فالقدرة اللغوية تُحيل إلى تلك المعرفة الضمنية العميقة التي يمتلكها المتكلم–المستمع بقواعد لغته، وهي معرفة غير واعية في الغالب، لكنها تمكّنه من إنتاج عدد لا متناهٍ من الجمل الصحيحة نحويًا، وفهمها، حتى وإن لم يسبق له أن سمعها من قبل. إنها، بهذا المعنى، تمثل البنية الذهنية المجردة التي تشكّل جوهر الملكة اللغوية، والتي تُختزل فيها القواعد التوليدية التي تنظّم اللغة في مستوياتها المختلفة.

في المقابل، يشير مفهوم الإنجاز إلى الاستعمال الفعلي للغة في سياقات تواصلية واقعية، حيث تتداخل عوامل متعددة غير لغوية، مثل الذاكرة والانتباه والظروف النفسية والاجتماعية، مما يجعل الأداء اللغوي عرضة للتعثر أو الخطأ أو التردد. ومن هنا، فإن الإنجاز لا يعكس دائمًا الصورة “النقية” للنظام اللغوي، بل يقدّم تمثيلًا جزئيًا ومشوّشًا له في كثير من الأحيان. وبناءً على ذلك، يصبح من الضروري، في المنظور التوليدي، الفصل بين ما هو جوهري (أي القدرة بوصفها نظامًا مثاليًا) وما هو عرضي (أي الإنجاز بوصفه ممارسة واقعية متغيرة).

وتكمن أهمية هذا التمييز في أنه يعيد توجيه موضوع اللسانيات من دراسة الظواهر السطحية المتقلبة إلى تحليل البنى العميقة المستقرة التي تحكمها، بحيث لا يعود الهدف هو وصف ما يُقال فعليًا، بل تفسير الكيفية التي يصبح بها القول ممكنًا أصلًا. وبهذا المعنى، تُفهم اللغة لا كمجموعة من الجمل المنطوقة، بل كنسق ذهني داخلي يشتغل وفق قواعد مجردة، وهو ما يفتح المجال أمام بناء نماذج نظرية قادرة على تمثيل هذه القواعد وتفسير اشتغالها.

إن هذا التصور لا يعيد تعريف اللغة فحسب، بل يوسّع أفق اللسانيات لتتجاوز حدودها التقليدية، من خلال انفتاحها على حقول معرفية مجاورة، وعلى رأسها علم النفس المعرفي، حيث تصبح دراسة اللغة جزءًا من مشروع أوسع يهدف إلى فهم بنية الذهن البشري وآليات اشتغاله. ومن ثم، فإن التمييز بين القدرة والإنجاز لا يُعد مجرد أداة تحليلية، بل يمثل حجر الزاوية في بناء اللسانيات التوليدية بوصفها علمًا تفسيريًا يسعى إلى الكشف عن المبادئ الكونية التي تحكم اللغة بوصفها خاصية إنسانية مميزة.

النحو بوصفه جهازًا توليديًا: من وصف القواعد إلى تفسير البنية العميقة:

يمثّل النحو في التصور التوليدي، كما بلوره نعوم تشومسكي (Noam Chomsky)، تحوّلًا جذريًا في فهم طبيعته ووظيفته، إذ لم يعد يُنظر إليه بوصفه مجرد مجموعة من القواعد التنظيمية التي تهدف إلى وصف الاستعمال اللغوي وتقنينه، بل أصبح يفهم باعتباره جهازا صوريا تجريديا يمتلك قدرة توليدية تمكّنه من إنتاج عدد لا متناه من الجمل النحوية انطلاقا من مجموعة محدودة من القواعد والمبادئ. وبهذا المعنى، فإن النحو لا يقتصر على وصف ما هو موجود في الاستعمال، بل يسعى إلى تفسير الكيفية التي يصبح بها هذا الاستعمال ممكنا، من خلال تمثيل المعرفة الضمنية التي يمتلكها المتكلم بلغته، أي تلك القدرة اللغوية الكامنة التي تتيح له التمييز بين الجمل النحوية وغير النحوية، حتى في غياب الخبرة المباشرة بها.

ومن هذا المنطلق، يغدو النحو جهازا معرفيا يعكس البنية الذهنية للغة، حيث لا يقتصر دوره على توليد الجمل، بل يتجاوز ذلك إلى تفسير العلاقات البنيوية التي تربط بينها، والكشف عن الروابط العميقة التي قد لا تظهر في البنية السطحية. فهو، على سبيل المثال، يفسّر الصلة بين الجمل المختلفة شكليًا والمتقاربة دلاليًا، كما في العلاقة بين الجمل المبنية للمعلوم وتلك المبنية للمجهول، أو بين الجمل البسيطة ونظيراتها المركبة، فضلا عن قدرته على تحليل ظواهر معقدة مثل اللبس التركيبي، من خلال إرجاعها إلى اختلاف في البنى العميقة التي تقف وراءها.

ويستند هذا الجهاز التوليدي إلى بنية داخلية مركبة تتألف من مكونات متكاملة، يشكّل المكون التركيبي نواتها المركزية، حيث يتم من خلاله توليد البنية العميقة للجملة اعتمادا على قواعد تركيبية ومعجمية تحدد العلاقات بين العناصر اللغوية. ثم تتدخل القواعد التحويلية لنقل هذه البنية إلى مستوى البنية السطحية، التي تمثّل الشكل النهائي للجملة كما تظهر في الاستعمال. وعلى هذا الأساس، تتكامل مع المكون التركيبي مكونات أخرى، أبرزها المكون الدلالي الذي يتولى تأويل البنية العميقة وربطها بالمعنى، والمكون الفونولوجي الذي يحوّل البنية السطحية إلى تمثيل صوتي قابل للنطق، بما يجعل اللغة قابلة للتجسيد في الواقع التواصلـي.

وتكمن أهمية هذا التصور في كونه يتيح فهم اللغة بوصفها نظاما ديناميكيا قائما على التوليد لا على التعداد، حيث لا تختزل في قائمة من الجمل أو القواعد الجاهزة، بل تفهم كآلية إنتاج مستمرة تحكمها مبادئ مجردة. كما يتيح هذا النموذج تفسير ظواهر لغوية لم يكن بالإمكان معالجتها في إطار التحليل البنيوي، خاصة تلك المتعلقة بالعلاقات العميقة بين التراكيب المختلفة، أو بقدرة المتكلم على إصدار أحكام حدسية حول نحوية الجمل، وهي أحكام تستند إلى معرفة ضمنية لا يمكن رصدها مباشرة، بل تستدل عليها من خلال أدائها.

وبذلك، فإن النحو التوليدي لا يمثّل مجرد تطوير تقني داخل اللسانيات، بل يشكّل إعادة بناء شاملة لمفهوم النحو ذاته، بوصفه نظرية تفسيرية تسعى إلى الكشف عن القواعد الكونية التي تنظّم اللغة في الذهن البشري، وتبرزها كخاصية إنسانية مميزة تقوم على الإبداع والتجريد، لا على التكرار والمحاكاة.

من النموذج المعياري إلى نموذج الربط العاملي: نحو تعميم المبادئ وبناء كونية اللغة:

شهدت اللسانيات التوليدية، في مسار تطورها النظري كما بلوره نعوم تشومسكي (Noam Chomsky)، انتقالًا نوعيًا من مرحلة التركيز على القواعد التحويلية إلى مرحلة أرقى من التجريد تقوم على مبدأ تعميم القوانين الكلية التي تحكم اللغة البشرية في عمومها، وهو ما يتجلى بوضوح في الانتقال من النموذج المعياري (Standard Theory) إلى نموذج الربط العاملي (Government and Binding Theory). ففي إطار النموذج المعياري، تم تأسيس تصور ثنائي البنية للغة، يقوم على التمييز بين البنية العميقة التي تُعد الحامل الأساسي للمعنى، والبنية السطحية التي تمثل الشكل النهائي للجملة كما تظهر في الاستعمال. وقد ارتبطت هاتان البنيتان بسلسلة من القواعد، أبرزها قواعد إعادة الكتابة التي تُولّد البنية العميقة، والقواعد التحويلية—مثل الحذف والنقل—التي تُعيد تشكيل هذه البنية لتنتج البنية السطحية، وهو ما أتاح تفسير العلاقات القائمة بين جمل مختلفة ظاهريًا ومتشابهة دلاليًا، كالعلاقة بين المبني للمعلوم والمبني للمجهول، أو بين الصيغ البسيطة والمركبة.

غير أن هذا النموذج، على أهميته التأسيسية، ظل مرتبطًا بمنطق القواعد الجزئية التي تُصاغ لكل لغة على حدة، وهو ما دفع نحو تطويره في اتجاه أكثر تجريدًا وشمولًا، تجسّد في نموذج الربط العاملي، الذي مثّل لحظة نضج في الفكر التوليدي، حيث تم الانتقال من منطق القواعد إلى منطق المبادئ الكلية التي يُفترض أنها مشتركة بين جميع اللغات الإنسانية. وفي هذا الإطار، لم يعد النحو يُبنى انطلاقًا من قوائم قواعد خاصة، بل من منظومة من المبادئ العامة التي تنظّم العلاقات البنيوية داخل الجملة، من قبيل مبدأ الإسناد المحوري الذي يحدد الأدوار الدلالية (كالفاعل والمفعول)، ونظرية الإعراب التي تعالج مسألة الحالات الإعرابية، ونظرية الربط التي تفسّر العلاقات المرجعية بين الضمائر وسوابقها، فضلًا عن مبادئ أخرى تضبط عمليات النقل وتقيّدها داخل بنية الجملة.

ويكشف هذا التحول عن نزوع واضح نحو تأكيد كونية اللغة، أي وجود بنية عميقة مشتركة بين جميع اللغات، تُعبّر عن الخصائص الأساسية للذهن البشري، وهو ما يعزّز الطابع العقلي للنظرية التوليدية، ويقرّبها من العلوم الصورية التي تبحث عن القوانين العامة الكامنة وراء الظواهر. وفي هذا السياق، يظل المكون التركيبي هو القلب النابض لهذا الجهاز، إذ يتولى توليد البنى الأساسية التي تتكفّل المكونات الأخرى،الدلالية والصوتية بتأويلها وتحقيقها في الاستعمال، مما يجعل من النحو نسقًا متكاملًا يربط بين الشكل والمعنى والصوت ضمن بنية موحدة.

وبذلك، فإن الانتقال من النموذج المعياري إلى نموذج الربط العاملي لا يمثّل مجرد تطوير تقني داخل النظرية، بل يعكس تحوّلًا عميقًا في تصور اللغة ذاتها، من نظام تحكمه قواعد جزئية إلى بنية كونية تحكمها مبادئ عامة، وهو ما يفتح أمام اللسانيات آفاقًا جديدة لفهم اللغة بوصفها خاصية إنسانية مشتركة، تتأسس على بنيات ذهنية مجردة تتجاوز حدود اللغات الفردية نحو أفق إنساني كلي.

امتداد النحو التوليدي في اللسانيات العربية: بين التكييف النظري وتحديات الخصوصية اللغوية:

لم يظل التحول الذي أحدثه النحو التوليدي التحويلي حبيس السياق الغربي الذي نشأ فيه، بل امتد تأثيره ليشمل الدرس اللساني العربي، حيث برزت محاولات جادة لإعادة قراءة اللغة العربية في ضوء هذا النموذج التفسيري الحديث. وقد قاد هذا المسار عدد من اللسانيين العرب البارزين، من بينهم عبد القادر الفاسي الفهري وعبد المجيد جحفة وحسن نجمي  وميشال زكريا ومازن الوعر، الذين سعوا إلى استثمار المفاهيم التوليدية في تحليل البنية اللغوية العربية، ليس فقط بوصفها مادة وصفية، بل باعتبارها نظامًا ذهنيًا يمكن تفسيره ضمن إطار نظري كوني.

وقد انصبت جهود هؤلاء الباحثين على إعادة بناء الجملة العربية في ضوء مفهوم البنية العميقة، بما يسمح بالكشف عن العلاقات الخفية التي تحكم تنظيمها، كما عملوا على تفسير الظواهر الإعرابية في إطار نظرية الحالات، وربطها بالبنية التركيبية بدل الاكتفاء بوصفها علامات شكلية. كذلك اهتموا بدراسة العلاقات بين الفعل والفاعل والمفعول من منظور الأدوار المحورية، بما يتيح فهمًا أدق لتوزيع الوظائف داخل الجملة، ويكشف عن انتظامات بنيوية تتجاوز ظاهر الترتيب الخطي للكلمات. ولم تقتصر هذه الجهود على التطبيق فحسب، بل انخرطت أيضًا في نقد التصورات النحوية التقليدية، ومحاولة إعادة تأويلها في ضوء المفاهيم التوليدية، بما يفتح أفقًا لتركيب معرفي يجمع بين التراث والحداثة.

غير أن هذا المسار، على غناه وأهميته، لم يكن خاليًا من التحديات، إذ اصطدم بعدد من الإشكالات المرتبطة بخصوصية اللغة العربية ذاتها. فالنظام الإعرابي العربي، بما يتسم به من تعقيد وتعدد في العلامات والعلاقات، يطرح صعوبات أمام إدراجه ضمن نماذج صورية صُممت أساسًا انطلاقًا من لغات مختلفة البنية. كما أن الغنى الصرفي الذي تتميز به العربية، من حيث الاشتقاق والتصريف، يفرض إعادة النظر في بعض الفرضيات التوليدية التي تفصل بوضوح بين المستويات اللغوية. يضاف إلى ذلك التداخل الوثيق بين النحو والدلالة في العربية، حيث يصعب في كثير من الأحيان الفصل بين البنية التركيبية والمعنى، وهو ما يتطلب توسيع النموذج التوليدي أو تعديله ليستوعب هذه الخصوصيات.

ومن هنا، يطرح تطبيق النحو التوليدي على العربية سؤالًا إبستمولوجيًا أعمق يتعلق بمدى قابلية النماذج اللسانية ذات الطابع الكوني للتعميم عبر لغات مختلفة، وما إذا كانت هذه النماذج قادرة فعلًا على استيعاب تنوع البنى اللغوية دون أن تفقد دقتها التفسيرية. ومع ذلك، فإن هذه المحاولات، رغم ما تواجهه من صعوبات، تمثل خطوة أساسية في تحديث الدرس اللساني العربي، إذ تسهم في نقله من مستوى الوصف إلى مستوى التفسير، وتفتح المجال أمام بناء نماذج تحليلية جديدة تستفيد من منجزات اللسانيات المعاصرة دون أن تنفصل عن خصوصية اللغة العربية.

 على سبيل الختام:

يتبيّن من خلال هذا المسار التحليلي أن النحو التوليدي التحويلي، كما بلوره نعوم تشومسكي (Noam Chomsky)، لم يكن مجرد إضافة تقنية إلى حقل اللسانيات، بل مثّل تحوّلا إبستمولوجيا عميقا أعاد صياغة طبيعة السؤال اللساني ذاته، وحدّد أفقا جديدا لفهم اللغة بوصفها قدرة ذهنية ابداعبة، لا مجرد سلوك قابل للوصف أو مادة جاهزة للتصنيف. فقد أفضى هذا التحول إلى نقل مركز الاهتمام من الظاهر اللغوي إلى البنى العميقة التي تنظّمه، ومن ملاحظة المعطيات إلى بناء النماذج النظرية القادرة على تفسيرها، وهو ما منح اللسانيات طابعًا تفسيريًا أقرب إلى العلوم الصورية منه إلى العلوم الوصفية.

وقد أتاح هذا المنظور إمكانات واسعة لإعادة التفكير في قضايا اللغة عمومًا، وفي النحو العربي خصوصًا، حيث أسهم في زحزحة كثير من المسلّمات التقليدية، وفتح المجال أمام قراءة جديدة للتراث النحوي في ضوء مفاهيم حديثة، مثل القدرة اللغوية، والبنية العميقة، والعلاقات التحويلية. غير أن هذا الانفتاح، على أهميته، لم يكن خاليا من التحديات، إذ سرعان ما اصطدم بخصوصيات اللغة العربية، سواء على مستوى نظامها الإعرابي المعقّد، أو بنيتها الصرفية الغنية، أو التداخل الوثيق بين مستوياتها التركيبية والدلالية، وهو ما يحدّ من إمكانية تطبيق النموذج التوليدي تطبيقا حرفيً دون إعادة نظر أو تكييف.

ومن هنا، تتبدّى أهمية الوعي النقدي في التعامل مع هذا النموذج، إذ لا يكمن الرهان في استيراده بوصفه نسقا جاهزا مكتملا، بل في إعادة بنائه داخل أفق لساني عربي يأخذ بعين الاعتبار الخصوصية البنيوية والثقافية للغة العربية، دون أن ينغلق على ذاته أو ينفصل عن منجزات اللسانيات المعاصرة. فالتفاعل الخلاق بين التراث والحداثة، بين المعطى العربي والنموذج الكوني، هو الكفيل بإنتاج معرفة لسانية متوازنة، تستفيد من الطابع التفسيري للنحو التوليدي، وفي الآن ذاته تحافظ على عمق التراث النحوي وثرائه.

وبناء على ذلك، يمكن القول إن النحو التوليدي التحويلي، على الرغم من طموحه الكوني، يظل مشروعا مفتوحا، قابلا للمراجعة والتطوير، خاصة في ضوء تطبيقاته على لغات متنوعة. وهو ما يفرض على الباحث اللساني العربي أن يتجاوز موقع التلقي إلى موقع الإبداع، من خلال اقتراح نماذج تحليلية بديلة أو مكمّلة، أكثر قدرة على تفسير الظواهر اللغوية العربية في تعقيدها وخصوصيتها.

وفي ضوء ما سبق، فإن مستقبل الدرس اللساني العربي لا يكمن في المفاضلة بين نموذجين متعارضين، بل في القدرة على تركيب معرفة جديدة تتجاوز هذا التعارض، وتؤسس لنموذج تفسيري منفتح، يجمع بين دقة التحليل البنيوي وعمق التفسير التوليدي، في أفق بناء علم للغة يعبّر عن خصوصية العربية، وينخرط في الوقت ذاته في المشروع الإنساني العام لفهم اللغة بوصفها إحدى أبرز تجليات الذهن البشري.

نتائج الدراسة:

تكشف هذه الدراسة، في ضوء تحليلها للتحول الذي أحدثه النحو التوليدي التحويلي، أن اللسانيات المعاصرة قد شهدت انتقالا حاسما من منطق الوصف إلى منطق التفسير، وهو انتقال لم يكن مجرد تطور منهجي، بل مثّل قطيعة إبستمولوجية مع التصور البنيوي الذي هيمن على الدرس اللساني في مرحلة سابقة. فقد أعاد هذا التحول، كما صاغه نعوم تشوسكي (Noam Chomsky)، الاعتبار للبعد الذهني في تفسير اللغة، وجعل من مفهوم "القدرة اللغوية" محورًا أساسا في تحديد موضوع اللسانيات، بما أتاح فهم الظاهرة اللغوية بوصفها نشاطا إبداعيا قائما على قواعد داخلية توليدية.

كما تبيّن أن النحو التوليدي لا يقتصر على تقديم أدوات وصفية، بل يوفر جهازًا نظريًا قويًا قادرًا على تحليل البنى العميقة للغة، والكشف عن العلاقات الخفية التي تربط بين التراكيب المختلفة، وهو ما مكّنه من تفسير ظواهر لغوية معقدة، مثل الإبداع اللغوي واللبس التركيبي، التي عجزت المقاربات السابقة عن استيعابها. وفي السياق العربي، يتضح أن اللسانيات الحديثة قد تأثرت بشكل ملحوظ بهذا النموذج، حيث سعت إلى إعادة قراءة النحو العربي في ضوء مفاهيمه، غير أن هذا التطبيق كشف في الآن ذاته عن ضرورة تكييف هذه النماذج مع خصوصيات اللغة العربية، سواء على المستوى التركيبي أو الصرفي أو الدلالي.

وعليه، يمكن القول إن النحو التوليدي التحويلي قد أسهم في تجديد الدرس اللساني العربي، لكنه لم يقدّم نموذجًا جاهزًا قابلًا للتطبيق المباشر، بل فتح أفقًا نظريًا يستدعي مزيدًا من الاشتغال والتطوير، في اتجاه بناء تصور لساني أكثر قدرة على استيعاب الخصوصية العربية ضمن إطار تفسيري حديث.

توصيات الدراسة:

في ضوء النتائج المتوصل إليها، تبرز مجموعة من التوصيات التي يمكن أن تسهم في تطوير البحث اللساني العربي وتعميق انخراطه في المشروع العلمي المعاصر. وفي مقدمة هذه التوصيات، تبرز ضرورة تعميق البحث في تطبيق النحو التوليدي على اللغة العربية، ليس من خلال النقل الحرفي لنماذجه، بل عبر إعادة بنائه وتكييفه بما يتلاءم مع طبيعة العربية وخصائصها البنيوية.

كما توصي الدراسة بأهمية إعادة قراءة التراث النحوي العربي قراءة تفسيرية حديثة، تستثمر المفاهيم التوليدية دون أن تُقصي المنجز التراثي، بل تعمل على تأويله وإدماجه ضمن أفق نظري جديد يحقق نوعًا من التكامل بين الأصالة والمعاصرة. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تطوير نماذج لسانية هجينة تجمع بين العمق الوصفي للنحو العربي والدقة التفسيرية للنحو التوليدي، بما يسمح ببناء نظرية أكثر شمولًا وملاءمة.

ومن جهة أخرى، تؤكد الدراسة على ضرورة تعزيز التكوين اللساني النظري في الجامعات العربية، من خلال الانفتاح على اللسانيات المعرفية والنماذج الحديثة، وتشجيع الدراسات المقارنة بين اللغات، بما يرسّخ الوعي العلمي ويطوّر أدوات البحث. كما يمكن أن يمتد هذا التوجه إلى مجال تعليم اللغة، عبر تحديث مناهج تدريس العربية في ضوء التصورات التوليدية، بما يعزّز فهم البنية العميقة للغة بدل الاكتفاء بالحفظ والتلقين.

وفي المحصلة، فإن الرهان المستقبلي لا يكمن في استهلاك النماذج اللسانية الجاهزة، بل في الإسهام في إنتاج معرفة لسانية عربية أصيلة، تستفيد من المنجز العالمي، وتُعيد صياغته في ضوء خصوصياتها، بما يضمن حضورها الفاعل في المشهد العلمي المعاصر.

***

بقلم د. منير محقق: كاتب وناقد وباحث في اللغة والفكر والأدب

 

مقدمة: الحب كأفق أنطولوجي وجمالي مفتوح:

لا يمكن مقاربة الحب باعتباره مجرد حالة وجدانية عابرة أو استجابة نفسية لحظية، لأن مثل هذا الاختزال لا يكتفي بتبسيط التجربة، بل يفرغها من عمقها الأنطولوجي ويقصي بعدها التأملي الذي ظل، عبر التاريخ، موضوعًا مركزيًا في الفلسفة والشعر معًا. فالحب، في جوهره، ليس انفعالًا طارئًا، بل تجربة إنسانية مركبة تتقاطع فيها مستويات متعددة من الكينونة: الجسد بما يحمله من رغبة وتوتر حسي، والروح بما تنطوي عليه من توق نحو الاكتمال، واللغة بما تتيحه من إمكانات لإعادة بناء العالم وصياغة المعنى. ومن ثمّ، فإن الحب لا يُعطى بوصفه معطى جاهزًا، بل يتشكل داخل التجربة، ويتولد من صراع خفي بين الحضور والغياب، وبين الرغبة والحرمان، وبين الواقع وما يفتحه الخيال من آفاق بديلة.

بهذا المعنى، يغدو الحب فعلًا تأمليًا يتجاوز طبيعته الغريزية، ويتحول إلى مسار من التشكّل الداخلي، حيث لا يكتفي الإنسان بأن يعيش الحب، بل يسعى إلى مساءلته وفهمه وإعادة إنتاجه داخل ذاته. وقد تنبّه أفلاطون إلى هذا البعد حين اعتبر الحب حركة ارتقاء من المحسوس إلى المجرد، ومن الجمال الجزئي إلى الجمال المطلق، في حين أعاد ابن حزم الأندلسي صياغة هذا التصور داخل الثقافة العربية، حين رأى في الحب اتصالًا خفيًا بين النفوس، يتجاوز الحواس والعقل معًا، ولا تُدرك حقيقته إلا بالمعاناة. وبين هذين التصورين، يتبلور فهم للحب بوصفه تجربة تتخطى الثنائية التقليدية بين الجسد والروح، لتغدو أفقًا جامعًا بينهما، ومجالًا لإعادة اكتشاف الذات في علاقتها بالعالم.

غير أن هذا الأفق الفلسفي لا يكتمل إلا حين ينتقل الحب من مستوى التفكير إلى مستوى التمثيل الجمالي، أي إلى المجال الأدبي، حيث لا يعود موضوعًا للتأمل فحسب، بل يصبح أداة للخلق وإنتاج المعنى. فالشعر، بخاصة، لا يصف الحب بقدر ما يعيد تشكيله، ويحوّله من تجربة فردية إلى بنية دلالية مركبة، تتداخل فيها الذاتية بالرمزية، والوجداني بالوجودي. وهنا تحديدًا تتجلى فرادة تجربة محمود درويش، الذي لم يتعامل مع الحب بوصفه غرضًا شعريًا تقليديًا، بل بوصفه أفقًا وجوديًا يتقاطع فيه الشخصي بالجمعي، والذاتي بالوطني، بحيث يغدو الحب صيغة لفهم العالم ومقاومة انكساراته.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التجربة الدرويشية بوصفها انتقالًا نوعيًا في تمثّل الحب، إذ لا يعود هذا الأخير مجرد علاقة بين عاشقين، بل يتحول إلى تجربة وعي تتأسس على التأمل وإعادة النظر في معنى القرب والآخر. فالحب، كما يتبدى في بعض نصوصه، لا يتحقق في وضوح النهار بقدر ما ينمو في عتمة التخيّل، حيث يعيد كل طرف تشكيل الآخر وفق ما يتمنى لا وفق ما هو كائن. ومن هنا تنشأ مفارقة عميقة: نحن نمارس الحب دون حب.، لأننا نحب الصورة التي نبنيها أكثر مما نحب الواقع ذاته. غير أن هذا التوتر لا يلغي الحب، بل يكشف طبيعته بوصفه فعل بناء وتخييل، لا مجرد انعكاس لمعطى جاهز.

وفي لحظة مفصلية من هذا الوعي، يتحول الجسد من موضوع للرغبة إلى موضوع للتأمل، حيث يكتشف الشاعر لذة مختلفة، لا تقوم على استعجال الشهوة، بل على تأمل حضور الآخر في صفائه الهش. وهنا يرتقي الحب من مستوى الغريزة إلى مستوى الجمال، ويغدو تجربة بطيئة تتشكل عبر الإنصات والصمت، لا عبر الامتلاك. ومن ثمّ، لا يعود الحب هبة تهبط من السماء، بل يصبح جهدا إنسانيًا واعيا، ومسارا من التقارب التدريجي الذي يجعل كل ذات ضرورة للذات الأخرى، داخل شبكة من الكلمات والأفعال والصمت، حيث تتكثف اللحظة وتغدو حاملة لمعناها الخاص.

في هذا السياق، تكتسب تجربة الحب عند درويش بعدها الأكثر تعقيدًا حين تتأسس على ثنائية مركزية هي: الأرض/المرأة. فهذه الثنائية لا تقوم على مجرد تشابه رمزي، بل على تماهٍ عميق بين الإنساني والمكاني، إلى حد يصعب معه الفصل بين الحبيبة والوطن. فالمرأة، في هذا التصور، ليست كائنا فرديا بقدر ما هي تمثيل رمزي للأرض، كما أن الأرض ليست فضاءً جغرافيا محايدا، بل كيان حيّ يتجسد في صورة الأنثى. وهكذا، يتخذ الحب بعدا كونيا، حيث يصبح الخروج من رحم المرأة بداية الوجود، فيما يشكل الدخول في رحم الأرض نهايته، في دورة رمزية تعيد تعريف الحياة بوصفها حركة بين أصلين: الولادة والانتماء.

غير أن أهمية هذا التحول لا تكمن فقط في إعادة بناء صورة المرأة، بل في تفكيك التصورات التقليدية التي أحاطت بها في التراث. فإذا كانت المرأة قد اكتسبت قداسة في المخيال الشرقي بوصفها حاملة لقيم الشرف المرتبطة بالانفصال، فإنها عند درويش تكتسب قداسة من نوع آخر، قوامها الاتصال والاحتواء، حيث تصبح فضاءً للانتماء وموطنًا للذات. ومن هنا، يتحول الحب من علاقة خارجية إلى تجربة داخلية تؤسس لمعنى السكن والوجود.

وانطلاقًا من هذا كله، تطرح التجربة الدرويشية سؤالا نقديا حادا: هل يحق لشاعر ارتبط اسمه بالمقاومة والقضية والوطن أن يكتب الحب بوصفه موضوعا مستقلا؟ أم أن الحب، في سياقه، لا يمكن أن يكون إلا امتدادا للأرض؟ وهل يمكن للعاشق أن يقول " أحبك " دون أن تتسلل الأرض إلى هذه الكلمة؟ أم أن المرأة، التي قرأها النقد طويلا بوصفها استعارة للوطن، يمكن أن تستعاد بوصفها كيانا حيًا من لحم ودم، له حضوره الحسي ورغباته المؤجلة؟

إن هذه الأسئلة لا تنفي البعد الرمزي للحب عند درويش، بل تعمّقه، لأنها تكشف عن توتر دائم بين مستويين: مستوى العاطفة الفردية، ومستوى الرمز الجماعي. وفي هذا التوتر تحديدًا تتشكل فرادة تجربته، حيث لا يعود الحب مجرد موضوع شعري، بل يصبح إشكالية وجودية مفتوحة، تتطلب إعادة قراءة مستمرة، وتدفع القارئ إلى الصعود نحو آفاق تأملية أرحب، حيث تتداخل لذة النص مع لذة التفكير، ويتحول الشعر إلى تجربة معرفة بقدر ما هو تجربة إحساس.

إشكالية الدراسة:

يندرج هذا البحث ضمن أفق نقدي يسعى إلى مساءلة موقع الحب داخل التجربة الشعرية عند محمود درويش، انطلاقا من مفارقة تبدو للوهلة الأولى إشكالية: كيف يمكن لشاعر ارتبط اسمه بالقضية الوطنية والمقاومة أن يكتب الحب لا بوصفه هامشا جماليا، بل باعتباره مركزا دلاليًا قائمًا بذاته؟ وهل يظل هذا الحب تعبيرا خالصا عن تجربة عاطفية فردية، أم أنه مشروط في عمقه بأفق الوطن، بحيث يستحيل فصله عن السياق التاريخي والوجودي الذي يتشكل فيه؟

تتأسس هذه الإشكالية على توتر مزدوج: من جهة أولى، توتر بين الخاص والعام، حيث يبدو الحب تجربة ذاتية حميمة، لكنه في شعر درويش يتسرب إلى المجال الجمعي ليغدو حاملا لذاكرة الأرض ومعاناة الإنسان، ومن جهة ثانية، توتر بين الدلالة الحسية والدلالة الرمزية، حيث لا يستقر الحب عند حدود الجسد أو العاطفة، بل ينفتح على أبعاد أنطولوجية تتقاطع فيها المرأة مع الأرض، والعاشق مع المنفي، واللذة مع الألم.

وانطلاقًا من هذا التوتر، تطرح الدراسة سؤالها المركزي على النحو الآتي:

كيف يتحول الحب في شعر محمود درويش من تجربة وجدانية فردية إلى بنية رمزية وجودية، تتداخل فيها دلالات الجسد والوطن والإنسان، وتعيد تشكيل العلاقة بين الشعر والواقع؟

ويتفرع عن هذا السؤال المركزي عدد من الأسئلة الإجرائية التي توجه مسار التحليل: كيف يمكن التمييز بين مفهومي "الغزل" و"الحب" داخل البنية الدلالية للشعر العربي؟ وهل يتعلق الأمر باختلاف اصطلاحي، أم بتحول عميق في طبيعة التجربة الشعرية من الوصف الحسي إلى البناء الرمزي؟

بأي معنى أعاد الفكر الفلسفي من أفلاطون إلى ابن حزم الأندلسي، تعريف الحب خارج حدوده الحسية، وكيف يمكن استثمار هذه التصورات في قراءة الشعر؟

كيف يتجاوز الحب عند درويش ثنائية المرأة/الجسد ليغدو تمثيلا للأرض والوجود، دون أن يفقد في الآن ذاته بعده العاطفي والإنساني؟

وإلى أي حد يتداخل الحب مع القهر والموت داخل التجربة الدرويشية، بحيث يتحول من حالة وجدانية إلى فعل مقاومة، ومن عاطفة فردية إلى طاقة لإنتاج المعنى في سياق تاريخي مأزوم؟

بهذا المعنى، لا تنحصر إشكالية الدراسة في توصيف حضور الحب عند درويش، بل تتجه نحو تفكيك آلياته الرمزية، والكشف عن الكيفية التي يعاد بها بناء الحب داخل النص الشعري، ليغدو أفقًا وجوديا مفتوحا، تتقاطع فيه الذات بالآخر، والجسد بالتاريخ، والشعر بالحياة.

الغزل والحب: من التحديد المعجمي إلى الانفجار الدلالي:

الغزل: من خطاب اللهو إلى بنية شعرية مولدة للمعنى:

ينبثق مفهوم الغزل في الثقافة العربية من حقل دلالي يبدو، للوهلة الأولى، بسيطا ومباشرا، غير أن هذا البساط الظاهري يخفي في عمقه تعقيدا بنيويا يزداد وضوحا كلما انتقلنا من المستوى المعجمي إلى المستوى الأدبي. فإذا كان لسان العرب لابن منظور يحدد الغزل بوصفه حديث الفتيان مع الفتيات، وما يتضمنه من ملاطفة ومراودة ومخاطبة تقوم على نوع من التكلف، فإن هذا التعريف، على دقته الوصفية، يظل حبيس أفق التداول اللغوي المباشر، حيث تفهم العلاقة بوصفها تفاعلا بين ذات مرسلة: العاشق وموضوع مرسل إليه: المحبوبة، عبر رسالة لغوية هدفها تحقيق اللذة أو الإغواء.

غير أن هذا التحديد، حين ينقل إلى المجال الشعري، يتعرض لانزياح دلالي عميق، إذ تتحرر الكلمة من معناها القاموسي لتدخل في شبكة من العلاقات الرمزية التي تعيد إنتاج معناها داخل النص. فالغزل في الشعر لا يختزل في كونه خطابا تواصليا بين طرفين، بل يتحول إلى جهاز تخييلي معقد، تتداخل فيه الرؤية باللغة، ويغدو فضاء لإعادة تشكيل العالم عبر الحساسية الجمالية. وهنا تحديدا، لا تعود المرأة مجرد موضوع للرغبة أو الوصف، بل تصبح مركزا لتوليد المعنى، وأفقًا تتقاطع فيه الذات الشاعرة مع العالم الخارجي.

إنّ "النظرة" في الغزل الشعري ليست مجرد فعل بصري محايد، بل هي فعل تأويلي مشحون بالرغبة، يضفي على الموضوع دلالات تتجاوز حضوره المادي، فتتحول المرأة إلى كيان رمزي يختزن أبعادًا نفسية ووجودية. ومن ثمّ، فإن الغزل لا يتحقق إلا داخل علاقة، لكنه في الوقت نفسه يعيد بناء هذه العلاقة، بحيث يصبح النص الشعري مجالا لإعادة إنتاج الذات والآخر معًا. وهذا ما يفسر ارتباط المخيلة الشعرية العربية بالمرأة بوصفها كائنا لغويا بامتياز، لا توصف فقط، بل تنتج اللغة من خلالها، وتعاد صياغة التجربة الإنسانية عبر حضورها.

وقد انعكس هذا التحول على بنية القصيدة العربية منذ القديم، حيث شكّلت المقدمات الغزلية مدخلا أساسيا لبناء القصيدة، لا باعتبارها تمهيدا شكليًا فحسب، بل بوصفها لحظة استدعاء للذاكرة والخيال، تفتح من خلالها إمكانات الانتقال إلى موضوعات أخرى. فذكر الحبيبة لم يكن غاية في ذاته، بل كان أفقا لتفجير التجربة الشعرية، واستدعاء العاطفة بوصفها طاقة مولدة للمعنى. ومع تطور التجربة الشعرية، لم يعد الغزل مجرد مقدمة، بل استقل بوصفه غرضا قائما بذاته، خصوصا ابتداء من العصر الأموي، حيث بدأ يتخذ أشكالا أكثر تعقيدا وجرأة.

الغزل بين الإباحي والعذري: جدلية المتعة والحرمان:

بلغ الغزل في العصر الأموي مرحلة من النضج الفني والدلالي، تمثلت في انقسامه إلى تيارين رئيسيين: الغزل الإباحي والغزل العذري، وهما تياران يبدوان، في الظاهر، متقابلين، لكنهما يشتركان في بنية عميقة واحدة، تتمثل في البحث عن المعنى عبر تجربة الحب.

فالغزل الإباحي، الذي ارتبط ببيئات حضرية منفتحة، يعكس تحررا نسبيا من القيود الأخلاقية والاجتماعية، حيث يحتفى بالجسد بوصفه موضوعا للمتعة، وتعرض الرغبة في صورتها المباشرة، دون مواربة أو تعفف. وقد ساهمت ظروف اجتماعية معينة كانتشار دور اللهو ووجود القيان والإماء وتعدد الثقافات في تشكيل هذا الخطاب، الذي يمكن اعتباره، في بعض وجوهه، نوعا من التمرد على القيم السائدة، أو حتى ثورة جمالية تعيد تعريف العلاقة بين الجسد واللغة.

في المقابل، يتأسس الغزل العذري على نقيض ظاهري، إذ يقوم على الحرمان والتعالي، حيث تتحول المرأة إلى كائن مثالي، ويغدو الحب تجربة روحية مشبعة بالألم، يعيشها العاشق بوصفها قدرا لا ينال. هنا، لا تتحقق المتعة في الوصال، بل في استدامة الرغبة ذاتها، وفي تحويل الحرمان إلى طاقة شعرية تنتج نصا مشحونا بالعاطفة والصدق الفني. فالعاشق العذري لا يسعى إلى امتلاك المعشوقة، بل إلى الاندماج الروحي بها، حتى لو كان هذا الاندماج مستحيلا في الواقع.

غير أن هذا التقابل بين التيارين لا ينبغي أن يفهم بوصفه اختلافا جذريا، بل بوصفه تجليين مختلفين لبنية واحدة، هي بنية البحث عن المتعة بوصفها أصل التجربة الشعرية. فالغزل الإباحي يلاحق المتعة في تحققها المباشر، بينما يلاحقها الغزل العذري في غيابها، حيث يتحول الحرمان ذاته إلى شكل من أشكال اللذة المؤجلة. وفي الحالتين، ينشأ التوتر الخلاق بين الرغبة والاستحالة، وهو التوتر الذي ينتج الشعر ويمنحه كثافته الدلالية.

الحب: من التجربة الحسية إلى الأفق الوجودي:

إذا كان الغزل يمثل أحد أشكال التعبير عن الحب داخل الحقل الأدبي، فإن الحب ذاته يتجاوز هذا الإطار ليغدو مفهوما أكثر اتساعا وتعقيدا، يتداخل فيه ما هو حسي بما هو روحي، وما هو فردي بما هو كوني. فالحب، في أفق التأمل الفلسفي، ليس مجرد انفعال عاطفي، بل تجربة وجودية تعيد تشكيل العلاقة بين الذات والعالم.

وقد تنبّه أفلاطون إلى هذا البعد حين اعتبر الحب حركة ارتقائية تبدأ من الانجذاب إلى الجمال الحسي، لتتجاوز تدريجيًا حدود الجسد نحو إدراك الجمال المطلق، بما يجعله مسارًا للمعرفة بقدر ما هو تجربة عاطفية. وفي السياق العربي، أعاد ابن حزم صياغة هذا التصور، حين رأى في الحب اتصالا خفيا بين النفوس، لا تدرك حقيقته إلا بالمعاناة، مؤكدا أن الحب لا يقوم على الصورة الحسية وحدها، بل على نوع من التآلف الروحي الذي يتجاوز الظاهر إلى جوهر الكينونة.

بهذا المعنى، يغدو الحب تجربة دينامية، لا تعطى جاهزة، بل تبنى عبر الجهد والتأمل، وتتطور باستمرار، لتعيد تشكيل وعي الإنسان بذاته وبالآخر. وهو، في الآن ذاته، تجربة متوترة، تقوم على جدلية الحضور والغياب، والوصال والفراق، والرغبة والحرمان، مما يجعلها مصدرا دائما لإنتاج المعنى، سواء في الفلسفة أو في الأدب.

ومن هنا، يمكن القول إن العلاقة بين الغزل والحب ليست علاقة ترادف، بل علاقة احتواء وتجاوز: فالغزل يمثل التعبير الجمالي عن الحب داخل اللغة، بينما الحب هو الأفق الوجودي الذي يمنح هذا التعبير عمقه ودلالته. وإذا كان الغزل قد بدأ بوصفه خطابًا للهو، فإنه، عبر تحوله داخل الشعر، أصبح وسيلة لاكتشاف الذات والعالم، تمامًا كما أصبح الحب، في أفقه الأوسع، تجربة لتشكّل الكينونة الإنسانية في بعدها الأعمق.

ثانيًا: الحب في الفكر الفلسفي: من الحس إلى التجاوز:

الحب كاتصال روحي عند ابن حزم: من الظاهر إلى الجوهر:

حين ننتقل من الحقل الأدبي إلى الأفق الفلسفي، يتبدّى الحب بوصفه تجربة أكثر تعقيدا من أن تختزل في بعدها الحسي أو تُفسَّر ضمن حدود الإدراك المباشر، إذ يتحول إلى ظاهرة وجودية تستدعي تأملا عميقًا في طبيعة الإنسان ذاته. وفي هذا السياق، يقدّم ابن حزم تصورا متميّزا للحب، يقوم على تجاوز التفسير الحسي والارتقاء به إلى مستوى التآلف الروحي بين النفوس، حيث لا يكون الانجذاب نتيجة جمال ظاهر أو صفة مدركة بالحواس، بل استجابة داخلية خفية، لا تخضع لمنطق السببية أو التفسير العقلاني المباشر.

فالحب، وفق هذا التصور، ليس اختيارا واعيا ولا قرارا إراديا، بل هو انبثاق مفاجئ لعلاقة كامنة بين الأرواح، علاقة تسبق التجربة الحسية وتفوقها، بحيث يغدو اللقاء بين العاشق والمعشوق نوعًا من "التذكّر الوجودي" لما كان كامنا في أصل التكوين. ومن هنا، يميّز ابن حزم بوضوح بين نوعين من الحب: حب حقيقي يقوم على الامتزاج النفسي والتآلف الروحي، وهو حب عميق يتجاوز الزمان والمكان، وحب زائف يقتصر على الصورة الحسية، سرعان ما يتلاشى بزوال موضوعه، لأنه لم يتأسس على جوهر ثابت، بل على عرض زائل.

إن هذا التمييز لا ينطوي فقط على حكم قيمي، بل يكشف عن رؤية أنطولوجية للحب، تجعله تجربة تتعلق بجوهر الإنسان لا بمظهره، وتربطه بالبنية الداخلية للنفس لا بالعالم الخارجي. لذلك، فإن الحواس في هذا السياق، تعد عاجزة عن الإحاطة بحقيقة الحب، لأنها لا تدرك إلا الظاهر، بينما الحب الحقيقي يتشكل في مستوى أعمق، حيث تتلاقى النفوس في فضاء غير مرئي، لا يمكن القبض عليه إلا بالمعاناة والتجربة.

غير أن هذا الارتقاء بالحب إلى مستوى الروح لا يلغي توتره الداخلي، بل يضاعفه، لأن هذا الاتصال الروحي، رغم صفائه، يظل هشا، مهددا بالانقطاع، وغير قابل للضبط أو الاستمرار وفق قوانين ثابتة. ومن هنا، فإن الحب عند ابن حزم ليس حالة استقرار، بل تجربة قلق دائم، تتأرجح بين الانسجام والانفصال، وبين الحضور والغياب، مما يمنحه طابعه الإنساني العميق.

الحب بين الهيام والهوى في الفكر الحديث: هشاشة التوازن واستحالة الاكتمال:

إذا كان التصور الكلاسيكي، كما عند ابن حزم، قد سعى إلى تأسيس الحب على بعد روحي متعالٍ، فإن الفكر الفلسفي الحديث يعيد النظر في هذه الرؤية، لا لينفيها، بل ليكشف عن هشاشتها الداخلية، ويبرز الطابع الإشكالي للعلاقة بين الذات والآخر داخل التجربة العاطفية. وفي هذا الإطار، يقدّم لوك فيري تمييزا دقيقا بين نمطين من الحب، يكشفان عن بنيتهما المتوترة وغير المستقرة.

فالنمط الأول هو حب قائم على التوازن والتكافؤ، حيث يسعى كل طرف إلى الحفاظ على استقلاله داخل العلاقة، دون أن يذوب في الآخر أو يفقد هويته. هذا النوع من الحب يفترض وجود نوع من الانسجام بين العاشق والمعشوق، ويقوم على تبادل متكافئ للعاطفة، مما يمنحه قدرًا من الاستقرار النسبي. غير أن هذا التوازن، في جوهره، يظل هشًا، لأنه يتطلب شروطًا دقيقة يصعب تحققها في الواقع، حيث تتغير الرغبات وتتبدل المواقف، مما يجعل العلاقة عرضة للاختلال في أي لحظة.

أما النمط الثاني، فهو حب يقوم على الفناء في الآخر، حيث يسعى العاشق إلى الذوبان الكامل في معشوقه، متخليا عن حدوده الذاتية، في تجربة تتسم بالاندفاع والهيام. هنا، لا يعود الحب علاقة بين ذاتين مستقلتين، بل يتحول إلى رغبة في التماهي المطلق، وهو ما يمنحه طابعا دراميا حادا، لأنه ينطوي على خطر فقدان الذات، ويجعل العلاقة غير قابلة للاستمرار على المدى الطويل.

وفي كلا النمطين، يكشف الحب عن طبيعته التراجيدية، لأنه يقوم على توازن دقيق بين عناصر متناقضة: بين القرب والمسافة، بين الرغبة في الامتلاك والحاجة إلى الحرية، بين الانفتاح على الآخر والحفاظ على الذات. وهذا التوتر البنيوي هو ما يجعل الحب تجربة غير مستقرة، مهددة دائمًا بالانهيار، سواء بسبب فقدان التوازن أو بسبب الإفراط في التماهي.

الحب كتجربة توتر بين الجسد والروح: نحو أفق وجودي مفتوح:

إن التأمل في هذين التصورين الكلاسيكي والحديث، يكشف أن الحب، في جوهره، ليس حالة انسجام تام، بل تجربة توتر دائم بين مستويات متعددة من الكينونة. فهو، من جهة، يرتبط بالجسد بما يحمله من رغبة وانجذاب حسي، ومن جهة أخرى، يتجاوز هذا البعد ليغدو تجربة روحية تسعى إلى التماهي والاكتمال. وبين هذين البعدين، يتشكل الحب بوصفه مسارا ديناميا، لا يستقر على حال، بل يتغير باستمرار تبعًا لتحولات الذات والعالم.

هذا التوتر بين الحس والتجاوز، بين الرغبة والكبح، لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تناقضا ينبغي حله، بل بوصفه شرطًا لإنتاج المعنى داخل التجربة الإنسانية. فالحب، في هذا الأفق، لا يتحقق إلا بقدر ما يظل مفتوحًا على النقص، ومشدودًا إلى ما لا ينال، وهو ما يجعله مصدرا دائمًا للقلق والإبداع في آن واحد.

ومن هنا، يمكن القول إن الحب في الفكر الفلسفي لا يُختزل في كونه علاقة بين شخصين، بل يُفهم بوصفه تجربة وجودية تكشف عن هشاشة الإنسان ورغبته في الاكتمال، وعن سعيه الدائم إلى تجاوز حدوده دون أن يفقد ذاته. وهذا ما يجعل الحب، في نهاية المطاف، أفقًا مفتوحًا للتفكير، لا موضوعًا مغلقًا للتعريف، ومسارًا للتشكّل، لا حالةً مكتملة يمكن القبض عليها بشكل نهائي.

الحب في شعر محمود درويش: من العاطفة إلى البنية الرمزية الوجودية:

على سبيل الافتتاح: من التجربة الفردية إلى الأفق الكوني:

لا يمكن مقاربة تجربة الحب في شعر محمود درويش باعتبارها امتدادا تقليديا للغزل العربي، لأن هذا الشاعر لا يكتب الحب بوصفه غرضا شعريا منفصلا، بل يعيد بناءه داخل شبكة معقدة من العلاقات الوجودية والتاريخية والرمزية. فالحب عنده لا يُختزل في علاقة بين ذاتين، بل يتحول إلى أفق تأويلي لفهم العالم، وإلى بنية دلالية تتقاطع فيها مستويات متعددة: الجسد، الذاكرة، الأرض، اللغة، والموت.

ومن هنا، فإن التحول الأساسي الذي يطرأ على الحب في تجربته يتمثل في انتقاله من كونه عاطفة فردية إلى كونه بنية رمزية كلية، حيث يصبح الحب وسيطًا لإعادة إنتاج المعنى في عالم مهدد بالانكسار.

الحب كتجربة حسية متعالية: من الجسد إلى التأمل:

لا يتأسس الحب في شعر محمود درويش على اندفاع غريزي عابر، بل ينبثق من لحظة حسية أولى تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها سرعان ما تنفتح على أفق تأملي عميق يعيد تشكيل معنى التجربة العاطفية برمتها. فمشهد تأمل جسد المرأة وخاصة في حالة السكون أو النوم ، لا يقدم بوصفه لحظة امتلاك أو استثارة حسية، بل بوصفه لحظة انكشاف جمالي خالص، تتعطل فيها آليات الشهوة لصالح نوع من الرؤية المتأنية التي تستبدل التملك بالإنصات، والاندفاع بالتأمل. إن الجسد، في هذا السياق، لا يعود موضوعًا للاستهلاك، بل يتحول إلى نصّ بصري مفتوح، يستدعي القراءة والتأويل، ويُثير في الذات العاشقة دهشة وجودية تتجاوز حدود اللذة المباشرة.

ومن هنا، فإن التحول الذي يحدث داخل هذه اللحظة الحسية هو تحول بنيوي في طبيعة الحب ذاته؛ إذ ينتقل من كونه استجابة فورية للرغبة إلى كونه تجربة زمنية بطيئة، تتشكل عبر التراكم والتأمل والوعي. فالعاشق عند درويش لا يأخذ الجسد، بل ينظر إليه ، ولا " يمتلكه بل “يتأمله”، وهو ما يخلق مسافة جمالية ضرورية بين الذات والموضوع، تجعل من الحب فعلًا إدراكيًا بقدر ما هو فعل وجداني. هذه المسافة لا تعني البرود أو الانفصال، بل على العكس، تمثل شرطًا لإنتاج معنى أعمق، حيث تتحول العلاقة من علاقة استهلاك إلى علاقة معرفة، ومن رغبة في الامتلاك إلى رغبة في الفهم.

وفي هذا الإطار، يغدو الحب عند درويش تجربة معرفية مركبة، لا تكتفي بإثارة العاطفة، بل تسعى إلى مساءلة ذاتها، وإلى فهم شروطها وإمكاناتها وحدودها. فالعاشق لا يذوب في اللحظة، بل يتأملها، ولا ينغلق داخل الانفعال، بل يفتحه على أفق التفكير، وهو ما يجعل الحب مسارًا للارتقاء الداخلي، يتقاطع مع التصورات الفلسفية الكبرى، وخاصة عند أفلاطون الذي رأى في الحب حركة صعود من المحسوس إلى المجرد، ومن الجمال الجزئي إلى الجمال المطلق. غير أن درويش لا يعيد إنتاج هذا التصور بشكل تجريدي، بل يجسّده شعريًا داخل تجربة حسية معاشة، حيث يصبح الجسد ذاته نقطة انطلاق نحو التأمل، لا عائقا أمامه.

وبذلك، يتأسس في شعره شكل من "الحب المتعال” الذي لا يلغي الجسد، بل يعيد تأويله، ولا يقمع الرغبة، بل يهذبها ويبطئ إيقاعها، بحيث تتحول من طاقة اندفاعية إلى طاقة تأملية. وهذا ما يجعل الحب عنده تجربة بناء داخلي مستمر، تتشكل عبر اللغة والصمت، عبر الحضور والغياب، وعبر تلك اللحظات الهشة التي يتقاطع فيها الحسّي بالروحي، ليولد منها معنى جديد للحب، بوصفه فعلًا جماليًا ومعرفيًا في آن واحد، لا يكتمل إلا بقدر ما يظل مفتوحًا على السؤال.

المرة بوصفها بنية رمزية: من الحبيبة إلى الوطن:

يبلغ الحب في تجربة محمود درويش لحظة تحوّله القصوى حين تتجاوز المرأة حدود كونها كيانًا فرديًا محددًا لتغدو بنية رمزية كثيفة، تتشابك داخلها طبقات متعددة من الدلالة، بحيث لا تعود الحبيبة مجرد موضوع للعاطفة، بل تتحول إلى أفق تأويلي مفتوح يُعاد من خلاله بناء العلاقة بين الذات والعالم. فدرويش لا يكتب المرأة بوصفها "آخر" منفصلا، بل يكتبها بوصفها امتدادا وجوديا للذات، ومرآة تنعكس فيها أسئلة الانتماء والهوية والذاكرة، وهو ما يجعل حضورها في النص الشعري حضورًا مركبًا، يتجاوز الإحالة المباشرة إلى التمثيل الرمزي العميق.

ضمن هذا الأفق، تتأسس ثنائية الأرض/المرأة بوصفها البنية المركزية التي ينتظم حولها الخيال الشعري عند درويش، غير أن هذه الثنائية لا تقوم على مجرد استعارة بلاغية سطحية، بل على تماهٍ وجودي يجعل من الصعب بل من المستحيل، ٩الفصل بين الجغرافي والإنساني. فالمرأة ليست صورة للأرض فحسب، بل هي الأرض وقد تشخّصت في جسد، كما أن الأرض ليست فضاءً خارجيًا محايدًا، بل هي جسد أنثوي محتشد بالدلالات، ينبض بالحياة والحنين والألم. وهنا يتجاوز الرمز وظيفته التقليدية ليصبح بنية توليدية للمعنى، حيث تتقاطع في نقطة واحدة دلالات الجسد والوطن والذاكرة، فينتج عن ذلك أفق شعري تتلاشى فيه الحدود بين الداخل والخارج، بين الذات والموضوع.

إن المرأة، في هذا السياق، لا تُحب بوصفها فردًا، بل بوصفها كيانًا كليًا، يحمل في داخله طبقات من المعنى: فهي الأرض بما تمثله من مجال للانتماء، وهي الطفولة بما تنطوي عليه من براءة مفقودة، وهي الذاكرة بما تتيحه من مقاومة للنسيان. ومن ثمّ، فإن العلاقة بها لا تُختزل في بعدها العاطفي، بل تتخذ طابعًا وجوديًا، حيث يصبح الحب شكلًا من أشكال التشبث بالمعنى في عالم مهدد بالتلاشي. فالدخول إلى جسد المرأة لا يُفهم هنا بوصفه فعلًا حسيًا صرفا، بل بوصفه معادلا رمزيًا للدخول إلى الأرض، أي إلى الأصل، إلى الجذر الأول للوجود، كما أن الخروج من رحمها يقابله، في مستوى أعمق، العودة إلى رحم الأرض، بما يجعل من هذه العلاقة دائرة وجودية مغلقة، يتداخل فيها البدء بالنهاية، والحياة بالموت، في جدلية كونية تتجاوز حدود الفردي نحو أفق إنساني شامل.

ومن هنا، تتغير دلالة "قداسة المرأة: داخل هذا التصور الشعري. فإذا كانت هذه القداسة، في كثير من تمثلات التراث الشرقي، تقوم على مبدأ الانفصال أي على رفع المرأة إلى مرتبة تجعلها بعيدة عن التجربة الحسية المباشرة—فإنها عند درويش تتحول إلى قداسة اتصال، قائمة على الاحتواء والتماهي، لا على التعالي والانفصال. فالمرأة لا تُقدَّس لأنها بعيدة، بل لأنها قريبة إلى حد الامتزاج، لأنها تحتوي الرجل كما تحتوي الأرض الإنسان، ولأنها تمنحه إمكانية الانتماء، لا مجرد موضوع للرغبة. وهكذا، تنتقل العلاقة من منطق الامتلاك إلى منطق السكن: لا يعود العاشق “يمتلك” المرأة، بل “يسكنها”، كما يسكن الوطن، وكما يسكن اللغة.

وفي ضوء هذا التحول، يمكن فهم كيف أن الحبيبة عند درويش لا تستقر على صورة واحدة، بل تتعدد بتعدد السياقات، فتارة تظهر ككائن حميمي شديد الخصوصية، وتارة كرمز جمعي يتسع ليشمل الوطن والتاريخ والذاكرة. هذا التعدد لا يُضعف الدلالة، بل يثريها، لأنه يجعل من المرأة نقطة تقاطع بين مستويات مختلفة من الوجود، بحيث تتحول إلى مركز دلالي” تُعاد عبره صياغة العالم. ومن ثمّ، فإن الحب ذاته لم يعد تجربة ثنائية بين "أنا" و"أنت" ، بل أصبح شبكة علاقات تتداخل فيها الذوات والأمكنة والأزمنة، وهو ما يمنح التجربة الشعرية عند درويش طابعها الكوني، ويجعلها قادرة على تجاوز حدود التجربة الفردية نحو أفق إنساني شامل.

إن هذا التماهي العميق بين المرأة والأرض لا يعكس فقط حساسية شعرية عالية، بل يكشف أيضًا عن رؤية فلسفية للوجود، ترى أن الكينونة الإنسانية لا تُفهم إلا داخل شبكة من العلاقات التي تربطها بالمكان والذاكرة والتاريخ. ومن هنا، يصبح الحب في صيغته الدرويشية ، وسيلة لإعادة بناء هذه العلاقات، ولإعادة وصل ما انقطع بينها، بحيث يتحول إلى فعل مقاومة رمزي، لا يواجه فقط فقدان الحبيبة، بل فقدان الوطن ذاته. وبذلك، لا يعود الحب مجرد تجربة شعورية، بل يصبح أفقًا أنطولوجيًا يعاد من خلاله تعريف معنى الوجود، ومعنى الانتماء، ومعنى الإنسان.

الحب تحت القهر: من التجربة العاطفية إلى المأساة الوجودية:

حين يُستحضر الحب داخل السياق التاريخي الذي يكتب فيه محمود درويش، فإنه يفقد براءته الأولى بوصفه تجربة إنسانية حرة، ليدخل في مدار القهر، حيث لا تعود العاطفة شأنًا خاصًا، بل تصبح واقعة وجودية محاصرة بشروط العنف والمراقبة والمنع. ففي ظل الاحتلال، لا يُمنع الجسد من الحركة فحسب، بل تُقيد أيضًا إمكانات الشعور ذاته، فيغدو الحب فعلًا محفوفًا بالخطر، واللقاء احتمالًا مهددًا، والعاطفة نفسها مشروعا مؤجلا أو مؤجل التحقيق. ومن هنا، يتحول الحب من تجربة وجدانية طبيعية إلى بنية تراجيدية عميقة، تتأسس على التوتر بين الرغبة في التحقق واستحالة هذا التحقق، بين التوق إلى الآخر واستحالة الوصول إليه.

ضمن هذا الأفق، لم يعد العاشق كائنا حرًا يختار حبه، بل أصبا مهددة، مراقبة، ومطاردة حتى في أكثر لحظاتها حميمية. فالحب، الذي يُفترض أن يكون ملاذًا من قسوة العالم، يتحول إلى جزء من هذه القسوة، بل إلى أحد تجلياتها الأكثر إيلامًا، لأنه يكشف هشاشة الإنسان أمام واقع يسلبه حتى حقه في أن يحب. وهكذا، تتكثف في شعر درويش صور شعرية بالغة الدلالة، تجعل من الحب كائنًا مطاردا وعصفورا يلاحقه الرصاص، أو زهرة محاطة بالشوك.وهي صور لا تنقل مجرد إحساس بالألم، بل تؤسس لرؤية عميقة مفادها أن الحب، في ظل القهر، لا يعيش إلا بوصفه إمكانية مهددة، أو حلمًا دائم الانكسار، أو رغبة مؤجلة إلى أفق لا يتحقق.

غير أن المفارقة التي تمنح هذه التجربة بعدها الفلسفي العميق تكمن في أن هذا القمع ذاته لا يؤدي إلى إخماد الحب، بل إلى تكثيفه وتوهجه. فكلما ازداد المنع، ازداد الحب إلحاحًا، لأنه يتحول إلى آخر مساحة ممكنة للحرية داخل واقع مغلق. وهنا، لا يعود الحب مجرد عاطفة، بل يصبح موقفًا وجوديًا، بل فعل مقاومة رمزي، إذ إن الإصرار على الحب في عالم يمنعه هو في ذاته شكل من أشكال التحدي. ومن ثمّ، فإن العلاقة العاطفية، في هذا السياق، لا تُفهم بوصفها علاقة بين ذاتين فقط، بل بوصفها فعلًا مضادًا للقهر، يحاول استعادة إنسانية الإنسان في وجه ما يسعى إلى سلبها.

وفي هذا المستوى، يتحول الشعر ذاته إلى البديل الممكن عن الواقع المستحيل؛ فإذا كان اللقاء في الخارج مهددًا أو ممنوعًا، فإن القصيدة تصبح فضاءً لتحقيقه رمزيًا، حيث يُعاد بناء العلاقة داخل اللغة، وتُستعاد لحظة الحب في شكل جمالي يقاوم الفناء. ومن هنا، لا يعود الحب موضوعًا للقول الشعري فحسب، بل يغدو شرطًا لإمكان القول ذاته، لأنه يمدّ اللغة بطاقة الحياة في مواجهة العدم. وهذا ما يفسر اقتران الحب بالموت في كثير من نصوص درويش، حيث لا يظهر الموت بوصفه نهاية تقطع التجربة، بل بوصفه امتدادًا لها، أو شرطًا لإدراك عمقها، إذ إن الحب لا يكتسب معناه الكامل إلا حين يُهدد بالفقد، ولا يتجلى في أقصى كثافته إلا حين يقف على حافة الزوال.

ومع ذلك، فإن هذا التوتر الحاد بين الحب والقهر، بين الرغبة والاستحالة، لا ينتهي إلى العدم، بل يفتح أفقًا جديدًا يعاد فيه تعريف الحب ذاته. فهو لم يعد علاقة ثنائية بين عاشق ومعشوق، بل أصبح تجربة كونية تشمل الإنسان في علاقته بالطبيعة والوطن والوجود بأسره. وهنا، يلتقي درويش جزئيًا مع تصورات نزار قباني الذي رأى في الحب مدخلًا إلى حب العالم، غير أن درويش يذهب أبعد، إذ يجعل هذا الحب مشروطًا بالقضية، ومتشكلًا داخلها، بحيث لا يمكن فصله عن السياق التاريخي الذي ينتجه. ومن ثمّ، فإن الحب عنده ليس هروبًا من الواقع، بل انخراطًا أعمق فيه، لأنه يحمل ملامحه، ويتشبع بآلامه، ويعيد صياغتها في شكل جمالي قادر على المقاومة.

وفي ضوء ذلك، يغدو السؤال: هل يحق لشاعر ارتبط اسمه بالمقاومة أن يكتب قصيدة حب خالصة؟ سؤالًا يكشف عن تصور قاصر لطبيعة التجربة الشعرية عند درويش. فالحب في شعره ليس نقيضًا للمقاومة، بل أحد تجلياتها الأكثر عمقًا، لأنه يحافظ على جوهر الإنسان في لحظة يراد له أن يتحول إلى مجرد رقم أو ضحية. ومن هنا، فإن قصيدة الحب عنده لا تُقصي الوطن، بل تعيد كتابته بطريقة أخرى، أكثر حميمية، وأكثر التصاقًا بالوجود اليومي، بحيث يصبح الحب ذاته شكلا من أشكال الانتماء، ولغة من لغات البقاء في عالم مهدد بالزوال.

الحب كفعل مقاومة: إعادة بناء الإنسان:

على الرغم من الثقل التراجيدي الذي يطبع تجربة الحب في شعر محمود درويش، فإن هذه التجربة لا تنتهي إلى الانكسار أو العدم، بل تعيد إنتاج ذاتها في صيغة أكثر عمقًا وفاعلية، حيث يتحول الحب من حالة وجدانية مهددة إلى فعل مقاومة رمزي، يواجه القهر لا بالإنكار، بل بإعادة بناء المعنى من داخله. فالحب عند درويش لا يُمارَس بوصفه انسحابًا من الواقع أو تعويضًا عنه، بل بوصفه انخراطًا أكثر كثافة في صميمه، لأنه يُبقي على ما يحاول العنف مصادرته: إنسانية الإنسان، وقدرته على الشعور، وعلى الحلم، وعلى إعادة تخيل العالم خارج شروط القهر المفروضة عليه.

في هذا السياق، يغدو الحب طاقة وجودية خلاقة، لا تكتفي بتسجيل الألم، بل تعمل على تحويله إلى إمكانية للمعنى، حيث تتحول العاطفة إلى أداة لترميم الذات الممزقة، وإلى وسيلة لاستعادة التوازن الداخلي في عالم يتداعى. فالعاشق، وهو يصرّ على الحب في ظل المنع، لا يدافع عن علاقة عاطفية فحسب، بل يدافع عن حقه في أن يكون إنسانا، في أن يشعر، في أن يحتفظ بذاكرته الحية في مواجهة محاولات الطمس والنسيان. ومن هنا، فإن الحب لا يعود مجرد علاقة بين أنا وأنت بل يصبح فعلًا جماعيا، يحفظ الذاكرة المشتركة، ويعيد وصل الحاضر بالماضي، ويمنح الجماعة إمكانية الاستمرار في وجه محوٍ ممنهج للهوية.

وهكذا، يتخذ الحب وظيفة مزدوجة: فهو من جهة فعل مقاومة للعدم، لأنه ينتج أملا داخل واقع فاقد للمعنى، ومن جهة أخرى فعل إعادة إنتاج للمعنى ذاته، لأنه يعيد تعريف الوجود بوصفه قابلا للحياة رغم كل ما يهدده. إن الإصرار على الحب في عالم يضيّق عليه ليس مجرد موقف عاطفي، بل هو اختيار وجودي عميق، ينطوي على رفض ضمني لمنطق القهر، وعلى تأكيد بأن الإنسان لا يُختزل في شروطه التاريخية، بل يمتلك قدرة دائمة على تجاوزها عبر الخيال واللغة والعاطفة.

ومن هنا، تتحول القصيدة عند درويش إلى فضاء مقاوم بامتياز، حيث يُعاد تشكيل الحب داخل اللغة بوصفه إمكانًا مفتوحًا، لا تحدّه القيود الخارجية. فالشعر لا يعكس الحب فقط، بل يخلقه، ويمنحه شكلًا قادرًا على الاستمرار، حتى حين يستحيل تحققه في الواقع. وبهذا المعنى، يصبح الحب فعلًا إبداعيًا بقدر ما هو فعل وجداني، لأنه ينتج عالمًا بديلًا، يعيد فيه الإنسان بناء ذاته، ويستعيد فيه قدرته على الحلم.

إن الحب، في أفقه الدرويشي، ليس ترفا عاطفيا ولا موضوعًا هامشيًا، بل هو جوهر المقاومة في بعدها الإنساني الأعمق، لأنه يحافظ على ما لا يمكن للقوة أن تستولي عليه: القدرة على الإحساس، وعلى التعلق بالحياة، وعلى الإيمان بإمكانية المعنى. وهكذا، يغدو الحب ليس فقط ردّ فعل على القهر، بل فعل تأسيس لوجود جديد، يتجاوز شروط الانكسار، ويؤسس من داخل الهشاشة ذاتها قوة قادرة على الاستمرار.

اتساع الغزل: من المرأة إلى الكون:

يتخذ الغزل في تجربة محمود درويش مسارًا تحوليا بالغ الدلالة، إذ لا يبقى محصورًا داخل دائرة المرأة بوصفها موضوعًا تقليديًا للغزل العربي، بل ينفتح تدريجيا على أفق كوني شامل، تتسع فيه العاطفة لتغدو رؤية للوجود بأسره. فالحب، في هذا السياق، لا يعود مجرد علاقة بين ذات عاشقة وموضوع محبوب، بل يتحول إلى بنية إدراكية شاملة تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بالعالم، بحيث يصبح كل ما يحيط به قابلاً لأن يُحب: الأرض بما هي مجال الانتماء الأول، الفقراء بما هم تجسيد للهشاشة الإنسانية، الخبز بوصفه رمزا للعيش اليومي، السنابل بوصفها امتدادًا للحياة في بعدها الزراعي والخصب، والطبيعة بما تحمله من انتظام كوني يفيض بالمعنى، وصولًا إلى الحياة ذاتها بوصفها أفقا مفتوحا للتجربة الإنسانية.

إن هذا الاتساع لا يعني مجرد إضافة موضوعات جديدة إلى الغزل التقليدي، بل يعكس تحولًا جذريا في وظيفة الحب ذاته، إذ ينتقل من كونه إحساسًا فرديًا موجّهًا نحو “آخر” محدد، إلى كونه رؤية شاملة للعالم، يصبح فيها الحب شكلًا من أشكال الوعي بالوجود، وطريقة في إدراك العلاقات الخفية التي تربط بين عناصره المختلفة. فالعاشق عند درويش لا يقف أمام العالم بوصفه متلقيًا سلبيًا للجمال، بل بوصفه كائنًا يعيد إنتاج العالم من خلال الحب، أي من خلال إعادة تأويل كل ما يحيط به بوصفه قابلًا لأن يُحب، وبالتالي قابلًا لأن يُفهم ويُعاد منحه المعنى.

ومن هنا، يصبح الغزل امتدادًا للرؤية الوجودية وليس مجرد غرض شعري، إذ يتحول إلى أداة لفهم العالم لا لتزيينه فقط. فحب الأرض مثلًا لا ينفصل عن حب الإنسان، وحب الخبز لا ينفصل عن حب الحياة اليومية في بساطتها، وحب الفقراء لا ينفصل عن إدراك العدالة بوصفها قيمة وجودية، مما يجعل الحب عند درويش شبكة دلالية متداخلة تتجاوز الفردي نحو الجماعي، وتتجاوز العاطفي نحو الأخلاقي والإنساني والكوني في آن واحد.

وفي هذا الأفق، يلتقي درويش جزئيًا مع تصور نزار قباني الذي يرى أن حب المرأة يمكن أن يكون مدخلا إلى حب العالم، غير أن درويش لا يقف عند هذا الحد، بل يدفع الفكرة إلى أقصاها، إذ لا يجعل الحب مجرد مدخل للعالم، بل يجعله أداة لفهم الوجود كله وإعادة بنائه رمزيًا. فالعالم عنده لا يُدرك إلا من خلال الحب، والحب لا يكتمل إلا حين يتسع ليشمل العالم، في حركة جدلية تجعل من العاطفة شكلًا من أشكال المعرفة، ومن الغزل رؤية فلسفية للوجود.

وهكذا، يتجاوز الغزل عند درويش حدوده الجمالية التقليدية ليصبح أفقًا كونيًا مفتوحًا، تتداخل فيه الذوات بالأشياء، وتندمج فيه العاطفة بالرؤية، بحيث يغدو الحب ليس مجرد تجربة شعورية، بل طريقة في الوجود نفسه، تُعيد للإنسان قدرته على الانتماء إلى العالم بوصفه فضاءً حيًا، متعدد الطبقات، ومشحونًا بالمعنى.

جدلية الحب والموت: من الفقد إلى إنتاج المعنى:

يمثل اقتران الحب بالموت في شعر محمود درويش أحد أكثر الأبعاد عمقًا وتعقيدًا في تجربته الجمالية والفكرية، إذ لا يظهر الحب في معزل عن التهديد بالفناء، ولا يتجلى بوصفه حالة صفاء خالصة، بل بوصفه توترًا دائمًا بين الرغبة في الحياة وإمكان الانطفاء. فالموت في هذا السياق لا يُفهم كحدٍّ نهائي يقصي الحب أو ينفيه، بل كقوة داخلية تعيد تشكيله وتمنحه كثافة وجودية أعلى، بحيث يصبح الحب أكثر حضورًا كلما ازداد اقترابه من العدم. ومن هنا تتأسس جدلية دقيقة، قوامها أن الحب لا يكتسب عمقه إلا عبر الفقد، وأن التجربة العاطفية لا تبلغ ذروتها إلا حين تتعرض للاهتزاز أو التهديد أو الانقطاع، وكأن المعنى لا يتولد إلا من داخل الجرح، لا من خارج التجربة.

وفي هذا الأفق، يتحول الموت من كونه نهاية بيولوجية إلى بنية رمزية داخل النص الشعري، تؤدي وظيفة الكشف لا الإلغاء. فهو الذي يضع الحب في مواجهة حدوده القصوى، ويجعله يتجاوز ذاته نحو شكل أعلى من الإدراك، حيث لا يعود العاشق مشغولًا بامتلاك الحبيبة، بل بالحفاظ على أثرها واستمرار حضورها داخل الذاكرة واللغة. وهكذا يصبح الموت شرطًا لإعادة اكتشاف الحياة، لا نقيضًا لها، لأن الفقد يفتح المجال أمام إعادة بناء المعنى من جديد، ويحوّل الحب إلى تجربة مقاومة ضد العدم والنسيان في آن واحد. إننا أمام بنية جدلية لا تنفصل عناصرها، بل تتغذى من توترها الداخلي، حيث يعيد كل طرف تعريف الآخر باستمرار: فالحب يتعمق عبر الفقد، والموت يتحول إلى أفق لإعادة إنتاج الحياة في مستوى رمزي أعلى.

وتتجلى هذه الجدلية بوضوح في الصور الشعرية المكثفة التي يصوغها درويش، حيث يغدو الحب كائنًا مطاردًا، أو عصفورًا محاصرًا بألف بندقية، أو طاقة تبحث عن مأوى داخل اللغة حين يُغلق الواقع أبوابه. فالحب هنا ليس حالة استقرار، بل حركة دائمة بين المنع والرغبة، بين القمع والتوق، بين الحضور والغياب. وكلما اشتد القهر، ازدادت التجربة العاطفية توهجًا، وكأن العنف الخارجي يضاعف من كثافة الداخل الشعوري بدل أن يطفئه. ومن ثمّ فإن اقتران الحب بالموت لا يقود إلى الانطفاء، بل إلى إنتاج شكل جديد من البقاء، بقاء قائم على الأثر لا على الحضور المادي، وعلى الذاكرة لا على الامتلاك المباشر.

وفي هذا السياق، يصبح النص الشعري ذاته هو الفضاء البديل الذي يحتضن هذا الحب المستحيل، حيث تتحول القصيدة إلى مكان للنجاة الرمزية من واقع محاصر، وإلى مساحة يعاد فيها تشكيل العلاقة بين العاشق والمعشوق خارج شروط القهر التاريخي. فالحب، في ظل هذا التوتر، لا يعود مجرد علاقة فردية، بل يتحول إلى تجربة وجودية شاملة، تتقاطع فيها الذات مع العالم، والرغبة مع المصير، والحياة مع إمكانية الفناء. وبهذا المعنى، لا يكون الموت نهاية للحب، بل شرطًا من شروط استمراره في صورة أعمق وأكثر كثافة، حيث يتحول إلى أثر ومعنى وذاكرة لا تزول، بل تعيد إنتاج نفسها داخل اللغة وفي الوعي الشعري باستمرار.

الحب والطفولة والذاكرة: استعادة البراءة الأولى

يمثل حضور الطفولة في شعر محمود درويش أحد المفاتيح الجوهرية لفهم البنية العميقة للحب، إذ لا يتجلى هذا الأخير بوصفه علاقة آنية أو تجربة عاطفية معزولة، بل كحركة استرجاعية تتجه نحو الماضي، نحو تلك اللحظة الأولى التي كانت فيها الذات أكثر صفاء وانفتاحا على العالم قبل أن تجرحها التجربة التاريخية وتعيد تشكيل وعيها تحت ضغط القهر والمنفى والاقتلاع. ومن ثمّ، فإن الحب لا ينفصل عن الذاكرة، بل يتأسس داخلها، ويشتغل بوصفه آلية لإعادة بناء ما انكسر في الزمن النفسي والوجودي للذات.

في هذا السياق، تصبح الحبيبة في شعر درويش أكثر من مجرد موضوع غزلي؛ إنها تتحول إلى صورة مركبة تستعيد من خلالها الذات الشاعرة زمن البراءة الأولى، ذلك الزمن الذي تتداخل فيه الدهشة بالعفوية، والحياة بالطبيعة، والانتماء بالمكان الأولي. فهي ليست امرأة فقط، بل نبع طفولة مفقودة، وصوتًا داخليًا يعيد فتح أبواب الذاكرة المغلقة، وإمكانية رمزية للعودة إلى زمن لم تفسده التجربة السياسية ولا العنف التاريخي. وهكذا يغدو الحب، في أعمق دلالاته، محاولة لإعادة ترميم الذات عبر استحضار ما ضاع منها، وكأن العاشق لا يبحث عن الآخر بقدر ما يبحث عن نفسه في مرآة ذلك الآخر.

وتتجسد هذه الرؤية بوضوح في استدعاء صور الطفولة المرتبطة بالمكان الأول: البيت، الحقول، الوردة، الينابيع، والدار، وهي عناصر تتحول إلى علامات وجودية على زمن كان فيه العالم أكثر بساطة وانسجامًا. غير أن هذا الاستدعاء لا يأتي بوصفه حنينًا ساذجا، بل بوصفه فعلًا شعريًا معقدًا يعيد مساءلة العلاقة بين الماضي والحاضر، بين البراءة والانكسار، بين ما كان وما أصبح. فالحب هنا لا يعيد الطفولة كما هي، بل يعيد تأويلها داخل وعي مأزوم، يجعل من الذاكرة فضاءً لإعادة خلق الذات لا مجرد استرجاعها.

ومن ثمّ، يصبح الحب في هذا المستوى شكلا من أشكال المقاومة الداخلية ضد التشظي، لأنه يسمح للذات بأن تستعيد توازنها عبر إعادة ربطها بجذورها الأولى، حيث كانت أكثر قدرة على الانتماء وأكثر قربًا من العالم الطبيعي غير المشوه. فالحبيبة تتحول إلى مرآة للزمن الضائع، وإلى وسيط رمزي بين الذات وطفولتها، بحيث يغدو الحب فعلًا مزدوجا: استرجاعًا للماضي وبناءً جديدًا للذات في الحاضر.

الحب كفضاء شعري: القصيدة بوصفها ملاذا:

في ظل تعذر تحقق الحب في الواقع المعيش، نتيجة شروط القهر التاريخي والسياسي التي تحاصر الإنسان في تجربة درويش، تتحول القصيدة إلى فضاء بديل يحتضن هذا الحب ويمنحه إمكانية الوجود. فاللغة هنا لا تقوم بوظيفة التمثيل فقط، بل تصبح أداة خلق وإعادة تشكيل للعالم، بحيث يغدو النص الشعري هو المجال الوحيد الذي يمكن أن يتحقق فيه الحب خارج قيود الواقع وانكساراته. ومن ثمّ، لا يعود الحب تجربة تُعاش في الخارج، بل تجربة تُبنى داخل اللغة نفسها، حيث تصبح الكتابة فعلا وجوديًا يعيد إنتاج المعنى في مواجهة العدم.

إن القصيدة في هذا السياق ليست مجرد تعبير عن شعور مسبق، بل هي شرط لإمكان هذا الشعور ذاته. فالحب لا يوجد خارج النص، بل يتولد داخله، ويكتسب شرعيته من قدرته على تحويل المستحيل إلى ممكن رمزي. وهكذا تتحول الكتابة إلى شكل من أشكال الإنقاذ الوجودي، إذ تتيح للعاشق أن يمنح لعاطفته شكلاً قابلاً للاستمرار، حتى حين يكون الواقع قد أغلق كل منافذ الاستمرار الفعلي. فالنص يصبح مساحة للحرية الممكنة، حيث يتجاوز الحب حدود الزمن والمكان، ويتحرر من شروط القمع والمراقبة والفقد.

ومن هذا المنظور، تتخذ القصيدة وظيفة مزدوجة: فهي من جهة تحفظ الحب من الانمحاء داخل واقع مأزوم، ومن جهة ثانية تعيد تشكيله بوصفه تجربة معرفية وجمالية في آن واحد. فالشاعر لا يكتفي بتسجيل العاطفة، بل يعيد التفكير فيها داخل بنية لغوية مفتوحة، تجعل من الحب تجربة تأمل في الوجود ذاته، لا مجرد انفعال شخصي. وبذلك، تتحول القصيدة إلى ملاذ وجودي، وإلى فضاء تتقاطع فيه الذاكرة بالرغبة، والحلم بالواقع، والذات بالعالم.

إن هذا التحول يضعنا أمام تصور جديد للكتابة الشعرية، حيث لا تعود اللغة أداة وصف، بل تصبح أداة خلق، وحيث لا يعود الحب موضوعًا شعريًا فقط، بل يصبح قوة مولِّدة للنص ذاته. وهكذا يغدو الشعر عند درويش شكلًا من أشكال الحياة البديلة، التي تُبنى في مواجهة الانكسار التاريخي، وتمنح للإنسان إمكانية استعادة ذاته داخل عالم يهدده الفقد المستمر.

خلاصة المبحث: الحب بوصفه بنية وجودية متعددة المستويات عند محمود درويش:

يتبيّن من خلال هذا التحليل الموسّع أن الحب في شعر محمود درويش لا يمكن اختزاله في كونه تجربة عاطفية أو غزلًا تقليديًا موجّهًا نحو موضوع أنثوي محدد، بل يتجاوز ذلك ليغدو بنية وجودية مركّبة تتداخل فيها مستويات متعددة من التجربة الإنسانية: الجسدية، الرمزية، التاريخية، الذاكراتية، واللغوية. فالحب عنده ليس حالة شعورية منعزلة، بل رؤية للعالم، وطريقة في إدراك الوجود وإعادة صياغته داخل اللغة.

فمن جهة أولى، يتأسس الحب بوصفه امتدادًا للطفولة والذاكرة، حيث تستعيد التجربة العاطفية في شعره زمن البراءة الأولى المفقودة، ذلك الزمن الذي كان فيه العالم أكثر صفاءً وبساطة قبل أن تكسّره الوقائع التاريخية القاسية. لذلك تصبح الحبيبة في كثير من الأحيان مرآة لطفولة الشاعر، ونافذة على زمن بدئي كان فيه الانسجام مع الطبيعة والذات ممكنًا. غير أن هذا الاسترجاع لا يأتي بوصفه حنينًا ساذجًا، بل باعتباره فعلًا وجوديًا مقاومًا، يعيد عبره الشاعر بناء ذاته في مواجهة التمزق والانكسار، إذ تتحول الذاكرة إلى آلية لاستعادة ما ضاع من المعنى والدفء والاكتمال.

ومن جهة ثانية، يتجلى الحب بوصفه فضاءً شعريًا بديلًا، حيث تصبح القصيدة هي المجال الوحيد الممكن لعيش التجربة العاطفية في ظل استحالة تحققها الكامل في الواقع. فالحب لا يُمارس خارج النص، بل يُعاد إنتاجه داخل اللغة، بحيث تغدو الكتابة نفسها فعل حب، وشرطًا لوجود العاطفة واستمرارها. وفي هذا السياق، لا تعود القصيدة مجرد تعبير عن الحب، بل تتحول إلى بنية توليدية تُنتج العاطفة وتمنحها شكلًا ووجودًا ومعنى، فتقوم مقام الواقع الغائب وتعيد تشكيله وفق منطق شعري خاص.

كما يتّضح أن التجربة العاطفية عند درويش تتأسس على ثنائية رمزية كبرى هي ثنائية الأرض/المرأة، حيث يحدث تماهي عميق بين الجغرافي والإنساني، بين الجسد والمكان، إلى درجة يصبح فيها الفصل بينهما أمرًا متعذرًا. فالمرأة ليست مجرد موضوع حب، بل هي امتداد للأرض، والذاكرة، والهوية، والطفولة، والخصب، في حين تتحول الأرض إلى جسد أنثوي محتوى بالرغبة والانتماء. وهكذا يغدو الحب عنده شكلًا من أشكال الانتماء الكوني، لا مجرد علاقة فردية، حيث تتداخل الذات بالوطن، والعاطفة بالقضية، والجمال بالتاريخ.

ومن جهة ثالثة، يظهر الحب عند درويش بوصفه تجربة مشروطة تاريخيًا، مرتبطة بسياق الاحتلال والقهر، حيث يفقد الحب شروطه الطبيعية ويتحول إلى تجربة محاصرة ومهددة. غير أن هذا القهر لا يلغي الحب، بل يعمّقه ويحوّله إلى شكل من أشكال المقاومة الرمزية، إذ يصبح الحب فعلًا ضد العدم، وضد النسيان، وضد الموت. ومن هنا تتولد جدلية الحب والموت، حيث لا يُفهم الموت بوصفه نهاية، بل كجزء من بنية الحب ذاته، وكشرط لبلوغ عمقه الوجودي.

وفي السياق نفسه، يتسع الغزل عند درويش ليخرج من حدوده التقليدية الضيقة نحو أفق كوني شامل، حيث لا يعود الحب مقتصرًا على المرأة، بل يمتد ليشمل الأرض، الفقراء، الخبز، السنابل، الطبيعة، والحياة نفسها. وبهذا المعنى، يتحول الحب إلى رؤية شاملة للوجود، وإلى شكل من أشكال الوعي بالعالم، يتجاوز الفردي نحو الكوني، والذاتي نحو الجماعي.

كما يبرز الحب عنده بوصفه فعل مقاومة وجودية، يعيد ترميم الذات الممزقة، ويحفظ الذاكرة من التلاشي، ويعيد إنتاج الأمل داخل واقع مأزوم. فهو ليس هروبًا من العالم، بل مواجهة له عبر اللغة، حيث تتحول العاطفة إلى طاقة خلاقة قادرة على إعادة بناء الإنسان من الداخل.

ويُضاف إلى ذلك أن حضور الحب في شعر درويش لا ينفصل عن البعد الرمزي والسياسي، إذ تتداخل صورة الحبيبة مع صورة الوطن، حتى يغدو الحب نفسه شكلًا من أشكال الوعي بالقضية، وتجليًا من تجليات الانتماء للأرض والإنسان معًا. ومن هنا، فإن التجربة العاطفية عنده لا تنفصل عن التجربة التاريخية، بل تتداخل معها في نسيج واحد يجعل من الحب خطابًا إنسانيًا شاملًا يتجاوز الفردي والخاص.

وعليه، يمكن القول إن الحب في شعر محمود درويش يتأسس بوصفه بنية وجودية متعددة المستويات، تتحرك بين الطفولة والذاكرة، بين الجسد والرمز، بين القصيدة والواقع، وبين الحياة والموت. إنه ليس مجرد إحساس عاطفي، بل مشروع لإعادة بناء الإنسان داخل اللغة، وإعادة تشكيل العالم عبر الشعر، بحيث يصبح الحب في النهاية شكلًا من أشكال مقاومة العدم، ومسارًا مفتوحًا لإنتاج المعنى داخل عالم متصدع ومفتوح على الفقدان.

خاتمة: الحب بوصفه أفقًا لإعادة بناء المعنى:

تفضي هذه الدراسة، في أفقها التركيبي، إلى أن الحب في تجربة محمود درويش لا يمكن فهمه داخل حدوده التقليدية بوصفه انفعالًا وجدانيًا أو غرضًا شعريًا معزولًا، بل ينبغي مقاربته بوصفه بنية دلالية مركبة، تتقاطع فيها مستويات متعددة من الوجود الإنساني، وتتداخل داخلها أبعاد الجسد واللغة والذاكرة والتاريخ. ومن ثمّ، فإن الحب عنده لا يُعطى كمعطى جاهز، بل يُبنى داخل التجربة، ويتشكل عبر التوتر المستمر بين الممكن والمستحيل، بين الرغبة والقهر، وبين الحياة والموت.

لقد كشفت الدراسة أن التحول الجوهري الذي يطرأ على مفهوم الحب في شعر درويش يتمثل في انتقاله من مستوى العاطفة الفردية إلى مستوى الرمز الوجودي، حيث لم تعد الحبيبة كيانا مستقلاً، بل غدت بنية رمزية تتماهى مع الأرض، وتستوعب داخلها معاني الوطن والهوية والذاكرة. وفي هذا التماهي، لا يعود الحب علاقة بين ذاتين، بل يصبح علاقة بين الإنسان والعالم، وبين الفرد وتاريخه، بما يجعل التجربة العاطفية نفسها شكلًا من أشكال الوعي الوجودي.

كما أبانت الدراسة أن الحب، في سياق التجربة الفلسطينية، يفقد شروطه الطبيعية، ويتحول إلى تجربة مأساوية محاصرة بالقهر والعنف، حيث يغدو العاشق مهددًا، واللقاء مستحيلاً، والعاطفة نفسها فعلاً إشكاليًا. غير أن هذا القهر لا يؤدي إلى انطفاء الحب، بل يعيد تشكيله في صورة أكثر كثافة، حيث يتحول إلى فعل مقاومة رمزية، يحافظ من خلاله الإنسان على إنسانيته، ويقاوم به النسيان والمحو.

وفي هذا الإطار، يتبدى الحب عند درويش بوصفه طاقة خلاقة، لا تكتفي بالتعبير عن الواقع، بل تسهم في إعادة إنتاجه دلاليًا، عبر تحويل الألم إلى معنى، والفقد إلى حضور، والموت إلى إمكانية للحياة. ومن هنا، فإن اقتران الحب بالموت لا يشكل نهاية للتجربة، بل يمثل شرطًا لتعميقها، إذ لا يُدرك الحب في أقصى تجلياته إلا في مواجهة الفقد، ولا يكتسب معناه الكامل إلا داخل أفق الزوال.

كما بيّنت الدراسة أن الغزل، في شعر درويش، لم يعد خطابًا موجّهًا نحو المرأة بوصفها موضوعًا جماليًا، بل اتسع ليشمل العالم بأسره، بحيث أصبح الحب شكلًا من أشكال الانتماء الكوني، يتجه نحو الإنسان والطبيعة والوطن، في آن واحد. وهذا الاتساع يعكس تحولًا عميقًا في بنية الخطاب الشعري، حيث يغدو الحب أداة لفهم الوجود، لا مجرد وسيلة للتعبير عن العاطفة.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن تجربة محمود درويش تمثل لحظة مفصلية في تاريخ الشعر العربي الحديث، لأنها أعادت تعريف الحب خارج ثنائية الجسد/الروح، وحررته من اختزاله الغزلي، لتجعله أفقًا أنطولوجيًا وجماليًا لإعادة بناء الإنسان في عالم مهدد بالانهيار.

نتائج الدراسة:

تُفضي هذه الدراسة إلى جملة من النتائج الأساسية التي يمكن إجمالها فيما يلي:

تحول الحب من عاطفة إلى بنية رمزية:

أثبتت الدراسة أن الحب في شعر درويش لم يعد تجربة وجدانية فردية، بل تحول إلى بنية رمزية معقدة، تتداخل فيها دلالات الجسد والوطن والذاكرة، مما يمنحه طابعًا وجوديًا شاملاً.

تماهي المرأة بالأرض:

كشفت الدراسة أن صورة المرأة في شعر درويش لا تُفهم إلا ضمن علاقتها بالأرض، حيث تتحول الحبيبة إلى تجسيد للوطن، بما يجعل الفصل بين العاطفي والوطني أمرًا متعذرًا.

تراجيدية الحب في سياق القهر:

بينت الدراسة أن الحب، في ظل الاحتلال، يفقد شروطه الطبيعية، ويتحول إلى تجربة مأساوية، حيث يصبح محاصرًا ومهددًا، مما يضفي عليه طابعًا تراجيديًا عميقًا.

الحب كفعل مقاومة:

توصلت الدراسة إلى أن الحب عند درويش يؤدي وظيفة مقاومة، إذ يحافظ على إنسانية الإنسان، ويشكل وسيلة رمزية لمواجهة العنف والنسيان.

اتساع مفهوم الغزل؛

أكدت الدراسة أن الغزل عند درويش تجاوز حدوده التقليدية، ليصبح حبًا كونيًا يشمل الإنسان والطبيعة والوطن، مما يعكس تحولًا في البنية الجمالية للشعر.

جدلية الحب والموت:

أظهرت الدراسة أن اقتران الحب بالموت يشكل بنية مركزية في تجربة درويش، حيث يتحول الموت إلى شرط لإدراك معنى الحب، لا إلى نقيض له.

البعد الفلسفي للحب:

أبرزت الدراسة أن تصور درويش للحب يلتقي مع التصورات الفلسفية التي ترى فيه تجربة تتجاوز الحسي إلى الروحي، كما عند ابن حزم الأندلسي وأفلاطون، مع احتفاظه بخصوصيته المرتبطة بالسياق التاريخي.

توصيات الدراسة:

في ضوء النتائج المتوصل إليها، تقترح هذه الدراسة عددا من التوصيات البحثية التي يمكن أن تشكل امتدادا علميا لهذا العمل.

توسيع المقاربة المقارنة:

يُستحسن إجراء دراسات مقارنة بين تجربة محمود درويش وتجارب شعرية أخرى، مثل تجربة نزار قباني، للكشف عن أوجه التشابه والاختلاف في تمثيل الحب بين البعد الذاتي والبعد الكوني.

الاشتغال على البعد السيميائي:

توصي الدراسة بتحليل الحب في شعر درويش من منظور سيميائي، للكشف عن آليات إنتاج المعنى داخل ثنائية الأرض/المرأة، وكيفية اشتغال الرمز داخل النص.

الانفتاح على المقاربات الفلسفية المعاصرة:

يمكن تعميق البحث عبر توظيف تصورات فلسفية حديثة حول الحب، خصوصًا تلك التي تدرس علاقته بالهوية والآخر، لفهم أعمق للتجربة الدرويشية.

دراسة الحب في علاقته بالذاكرة الجماعية:

تقترح الدراسة البحث في علاقة الحب بالذاكرة في شعر درويش، وكيف يتحول إلى وسيلة لحفظ التاريخ ومقاومة النسيان.

تحليل البنية الأسلوبية للحب:

يُوصى بالتركيز على الأدوات اللغوية والأسلوبية التي يوظفها درويش في بناء خطاب الحب، مثل الصورة الشعرية، والتكرار، والانزياح الدلالي.

استثمار المقاربة الثقافية:

يمكن دراسة الحب عند درويش ضمن سياق الثقافة العربية الحديثة، وربطه بالتحولات الاجتماعية والسياسية التي أثرت في إعادة تعريف العاطفة.

***

بقلم د. منير محقق - باحث في الأدب والفكر والتاريخ

 

بقلم: بيث آن ييغير

ترجمة: صالح الرزوق

***

* مقدمة: "هناك نافذة تغلق بسرعة على الفرصة المتاحة لتأمين مستقبل حي ومتجدد لنا جميعا" ولتجنب النتائج الكارثية التي يسببها ارتفاع الحرارة العالمي الأنثروحيوي IPCC: 2033 *

بالرغم من قناعة أمريكيي الولايات المتحدة** أن التبدل المناخي جزء من دورة طبيعية، أو أنه كارثة تهدد الحياة، أو لعله شيء بين الحالتين، يتصرفون على أساس إنكاره. فقد تجاوز الاستهلاك والسفر مستويات ما قبل الجائحة، والخطط على قدم وساق بخصوص مشاربع الوقود الأحفوري الجديدة، ولا يوجد وعي شعبي واسع يتعامل مع الكارثة المناخية. يضاف إلى ذلك أن استطلاع الرأي الحالي يشير إلى ارتفاع في أعداد أمريكيي الولايات المتحدة، الذين يقللون من أثر ارتفاع الحرارة العالمي، ويرون أنه مبالغ به. وكذلك الأمر بالنسبة لمن يعتقد أن الأفضلية للنمو الاقتصادي وليس لحماية البيئة. فالعدد يرتفع أيضا وعلى نحو حاد (منظمة غالوب، 2022). بالإشارة لبحوث سابقة، إنكار المناخ يأخذ عدة أشكال، ابتداء من أولئك الرافضين لفكرة ارتفاع الحرارة العالمي وحتى الذين يهتمون به، لكنهم يعيشون "حياتهم كما لو أنهم 'لم' يسمعوا عنه أو لم يخافوا منه" - وربما ينطبق ذلك علينا جميعا بين حين وآخر (نورغارد 2006ب، ص 352-353). يوجد طيف عريض من الأسباب التي تقود إلى إنكار المناخ. في هذه القراءة، أدعو إلى تقصي أسباب المشاعر التي تنتابنا من جراء إنكار المناخ: وهي الشعور بالتقصير، ولا سيما في الجو العام. "فالنظام البيئي في خطر، وهذا الإحساس بالخطر يغزو عالمنا من الداخل، يغزو عقولنا، ويتسبب بخلق حالة من العجز المخزي" (ماثيرز، 2021، ص 162). وهذه المؤثرات (العجز والتقصير) تأتي مع إنكار المناخ. خجل التقصير يتسبب بالاغتراب، والعزلة والشلل (بروني، 2019. فريدريكس، 2021. تانجني & ترايسي، 2011). وهو كما يبدو وضع لا يمكن إصلاحه ويقود إلى الشعور بالعجز واليأس، الأمر الذي يودي بدوره إلى الإحساس بالخجل (ليش & سيدام، 201t. ميسيلي & كاستيلفرانشي، 2018). ولكن غالبا نحن لا نشعر بالخزي ولا نعبر عنه. الخجل ننكره، ونفصله عن أساليب دفاعية ونستره وراءها ومنها الإنكار والغضب واللوم، وسلوكيات تبدو غير خجولة، وكلها تدير مؤقتا المشاعر السيئة الناجمة عن الخجل (إتروفيتش، 2020. تانجني & ترايسي، 2011، ترايسي & روبينز، 2007).

لماذا الخجل الجماعي؟. بعيدا عن ردود الأفعال حيال الخجل الشخصي، تكون استجابة الناس (الشعور بالشيء والكلام عنه، أو إنكاره) غير مباشر، وبالنيابة عن الآخرين،، وهو بالعادة يرتكز على الهوية الاجتماعية المشتركة (ليكيل وآخرون، 202t. ليكل وآخرون، 2011. ويلتين وآخرون، 2012). والهوية الاجتماعية أداة في إنكار المناخ، لأن إنكار المناخ، كما تثبت الدراسات، يتكون اجتماعيا (كيلود وآخرون، 2016. كيلود وآخرون، 2019. نورغارد، a 2006 (2006b، 2011، . أضف إلى ذلك هناك فراغ في البحوث. حتى الآن، الذنب التراكمي الأساسي، وليس الخجل، هو الذي كان موضع البحوث. وذلك فقط، لمتابعة كيف تسبب بالسلوك البيئي (كيلود وآخرون، 2011، 2019. فرغسون & برانسكومب، 2010.، ريس وآخرون 2015). ولا توجد بحوث تفحص إذا كان الخجل الجماعي او التراكمي (أو حتى الذنب) يتدخل في إنكار المناخ. وهدفي هنا أن أشرع بملء هذا الفراغ وأوسع البحث الحالي في مجال العواطف التراكية أو عاطفة الجماعة، ليشمل إنكار البيئة باستعمال دليل موجود يشير إلى أن الخجل التراكمي (كما تشعر به وتعبر عنه، أو تنكره) هو المسؤول عن تركيب وبناء إنكار المناخ (1) إما المبني على هوية اجتماعية مشتركة أو (2) المبني على مخاطر تلحق بالهوية الاجتماعي المشتركة. بعد إعادة النظر بالخجل الجماعي، إنكار المناخ، ودليل على أن العار التراكمي الناشط في مجال إنكار المناخ، أفترض أن أي تأمل في الخجل التراكمي في مجال إنكار المناخ هو نتيجة رؤيته بعدسة نفس بيئية. فالسيكلوجيا البيئية تعترف أن البشرية لا تنفصل عن الطبيعة وهي موجودة ضمن أنظمة متشابكة، هي بنفس الوقت تصنعها الطبيعة، والإنسان. وكلاهما يؤثر بالهوية الاجتماعية (كانير، 2014). كذلك إن السيكلوجيا البيئية ورثت اهتمامات تتعلق بالبنية والنظام - النظام البيئي - حيث تتواجد المجموعات والتقاطعات التراكمية. وأقترح بالنهاية إيجاد معابر لمزيد من البحوث والمقاربات العيادية.2649 saleh

* الخزي أو العار الجماعي

العار والخجل عاطفة معقدة، وهي اجتماعية وأخلاقية (بيكالا 2022، تانجني وآخرون 2007، تانجني وترايسي 2011). وهي علائقية، تشكلت بتداخل هويات متشابكة صنعتها، بين أمور أخرى، العائلة والثقافة والمجتمع والأمة والعالم (كونستابل 1999). العار مفتاح للتطور الإنساني والاجتماعي وذلك بنقل وفرض ظواهر وقيم، إذا أهملت يمكنها أن تهدم ليس الانتماء الشخصي، ولكن أيضا البقاء الكلي للجماعة (دافيدسون وكيسينسكي 2022، ديكرسون وآخرون 2004، فيشكن 2016، كيميني وآخرون 2004). البحث في مجال العار العملي يؤكد أيضا أن الحفاظ على النفس الاجتماعية يمكنه أن يكون حرجا مثل الحفاظ على الذات الفيزيائية (ديكرسون وآخرون 2004، كيميني وآخرون 2004).

الإحساس بالعار قد يتضمن مشاعر الرفض والدونية (غوسيل وآخرون 2012)، وهو شعور مؤلم لأن التعدي يعزى لعيب في الشخصية أو مشكلة جوهرية في الهوية، بعكس الذنب، الذي يركز على السلوك العشوائي بشكل جوهري (تانجني وآخرون 2005. تانجني وآخرون 2007). أضف لذلك غالبا لا نشعر بالعار، ولكن ننكره، ولا نقر به، ونخفيه أو ندفنه (إتروفيتش 2020). ويقال إن العار ليس إشكاليا، ولكن ميكانيزم التأقلم تتضمن - الإنكار والقلق والغضب والعدائية والاغتراب والضعف والانغمار واليأس (بروني 2019، إتروفيتش 2020، ليش وسيدام 2015، لي وآخرون 2011، ميسيلي وكاستل فرانشي 2018، تانجني وترايسي 2011، ترايسي وروبنز 2007). والتركيب السيكلوجي السائد يعكس ما يلي: العار يحرص على التحاشي والإنكار والانسحاب، لكن الذنب حريص على الاقتراب والإصلاح والمحرضات الاجتماعية وتبعاتها (ليش وسيدام 2015، تانجني وآخرون 2007).

الخجل ليس تجربة شخصية فقط، ولكنه أيضا عاطفة جماعة أو حساسية مشتركة. الخجل أو الذنب الجماعي أو التراكمي قد يكون كذلم تجمعات لخبرات فردية مشتركة (باييز وآخرون 2006. بيتيغروف وبارسونز 2012). أو ربما تكون خبرات غير مباشرة لأنها معرفة أو مرتبطة بجماعة (كالود وآخرون 2016، ليكل وشركاه 2011. ريس وآخرون 2015). الخجل (أو الذنب) المرتكز على جماعة يعزى لمفهوم المرء الذاتي معكوسا من خلال جماعة - هوية اجتماعية. المخاطر التي تهدد تلك الهوية الاجتماعية تولد خجلا تراكميا أو جماعيا (كيميني وآخرون 2004، ليكل وآخرون 2005، 2011). وقد بينت البحوث أن الخجل الذي يكون أساسه الجماعة يتشكل ويتفاقم حيثما هناك هوية اجتماعية مشتركة، على الأرجح لأن الأخلاق هي مفتاح لمفهوم الهوية الاجتماعية (شيفرد وآخرون 2013، ويلتين وآخرون 2012). قد يرتكز العار أو الذنب التراكمي إما على نقد الجماعات (ما بين الجماعات) أو داخل الجماعة، وهو الشعور بالعار الذي يفرضه نقد العيب في أخلاق الجماعات أو أن النقد قد يأتي من الفحص الخارجي (غوسيل وآخرون 2012). "حينما يصنف الأفراد أنفسهم أعضاء في جماعة مسؤولة عن تصرف ضار، يمرون بعواطف تراكمية سلبية [مثل العار والخجل]، ويشعرون أن هويتهم الاجتماعية عرضة للتهديد" (كيلود وآخرون 2016 ص300). قد يكون الخجل (والذنب) المرتكز على جماعة نتيجة حاضر تاريخي إو تاريخ مستمر و/أو فشل وضرر متوقع. وقد يتضمن تجاوزات داخل أو بين الجماعات أو إلغاء ذلك، وقد يشمل كلا من العار الفعلي والمتوقع (فيرغسون برانسكومب 2014. غان وويلسون 2011، ليكل وآخرون 2011، شيفرد وآخرون 2013).

حينما تسود اهتمامات هوية الجماعة أو المجتمع يكون الخجل التراكمي أنشط وينجم عنه ردود أفعال دفاعية (غان وويلسون 2011. ليكل وآخرون 2011). وجدت دراسات محدودة شملت السلوك اللأخلاقي لداخل الجماعات أن الشعور بالعار يرتبط بدرجة معينة مع أسباب لها دوافع اجتماعية، وهو نمطيا نتيجة العار التراكمي (غوسيل وآخرون 2012). غوسيل 2012 وغوسيل وآخرون 2012 يؤكدان أن التميز يكون نتيجة للشعور بعار وراءه الرفض الاجتماعي، حيث أننا نبحث عن الإصلاح عوضا عن إنكار العار، وحينها يكون الدفاع، مثل الإنكار نفسه، سائدا. وإذا كان الاهتمام بهوية الجماعة (والعار) يحرض الإصلاح، حالما يصبح الإصلاح صعبا أو عالي الكلفة، أو أن الطريق البديل لإصلاح صورة الجماعة ذات العلاقة يكون متاحا، يتوقف العار عن تشجيع الإصلاحات (غان وولسون 2011). وفي إرساء العلاقات الداخلية والبينية يمكن لقيمة الجماعة أو تثبيتها أن تعارض الاستجابات الدفاعية بسبب العار (غان وولسون 2011).

*الخجل التراكمي في بلورة إنكار ظاهرة المناخ

من مناقشة دليل الخجل الجماعي في الهوية الاجتماعية يظهر أن للخجل دورا في التركيب الاجتماعي لظاهرة إنكار المناخ في كل طيف إنكار المناخ.

* طيف إنكار ظاهرة المناخ

يشمل إنكار المناخ نطاقا من الاستجابات لارتفاع الحرارة الكوني: إنكار حرفي وتأويلي وتداخلي لظاهرة ارتفاع الحرارة الكونية على أساس جين - أنتروبولوجي AGW (ليفيتسون وووكير 2012، نورغارد 2006 أ، 2006ب، 2011. وينتروب 2021). الإنكار الحرفي هو "الرفض العلني للحقائق" والمتعلقة بكارثة المناخ (لبفتسوز وووكير، 2012 ص279، انظر أيضا نورغارد 2011). يتداخل الإنكار الحرفي مع الشك. ومع أن الشك نمطيا يمكن تطبيقه على سيرورة ديناميكية لكن المزاعم تكون مقبولة بأدلة مؤكدة بما فيه الكفاية، يحيل الشك في إنكار المناخ إلى من يرفض الأرقام العلمية حيال ارتفاع الحرارة الكوني (لايناس وهولتون وبيري 2021)، ويتكئ على دراسات لم يتم مرتجعتها وتحكيمها، وتمولها اهتمامات بالوقود الأحفوري (جايلها 2017). الإنكار التأويلي هو مجال انتقائي وتفسير للحقائق، أو أنه يدور (نورغارد 2011) ويتداخل مع الإنكارية، حيث أن المزاعم منظمة وإيديولوجية (وينتروب 2021). (هذا الجزء من الطيف سيناقش لاحقا مع "آلة الإنكار"). كان الإنكار الحرفي والتأويلي عرضة للبحث المفصل، وتبين أنها موجودة بشكل متدرج (دونلاب 2013). الإنكار العاملي Implicatory يعترف ب AGW (تبدل المناخ بفعل الإنسان)، ولكنه يقلل من العوامل الاجتماعية والسياسية والنفسية أو الأخلاقية (نورغارد 2011). الإنكار العاملي أيضا يشمل "تبرير وعقلنة وتفادي فشل الإجراءات حينما يعرف المراقب ما يجب فعله وتتوفر لديه الإمكانات ليؤدي دوره" (ليفيتسون وواكير 2012، ص279). هذا النوع من الإنكار يماثل الصمت (الامتناع عن قطع الوعد) disavowal الذي يقر ب AGW لكنه يقلل منه (وينتروب 2012). الصمت "حالة التعرف وعدم التعرف بنفس الوقت" وهذا "جدلا الأكثر انتشارا 'و' جدلا الأكثر ضررا" (هاسلي 2019 ص110). الإنكار الحرفي والشك من جهة، والإنكار العاملي و الصمت من جهة مقابلة، يضم تقريبا المجموعتين من طرفي طيف إنكار المناخ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن "مواصلة رؤية كارثة المناخ بسياق 'واقعيون قبالة منكرين" وهو بحد ذاته شكل إنكاري" (وودبوري 2019 ص6. التأكيد على بحد ذاته من الأصل).

* دليل العار التراكمي أو الإنكار العاملي

يظهر كل من الشعور بالعار وإنكار العار بين أولئك من يتم تصنيفهم ضمن الصمت أو الإنكار العاملي، كما بينت البحوث. ألتولا 2021 ونيكل وهاسينفراتز 2021 عرفا السلوك الدفاعي تجاه تبدل المناخ حسب معايير التقصير والخجل. ملاحظة جايلها 2017 تنص على أن " التجنب والإنكار هما الأكثر احتمالا إذا شعر الأفراد بااعبء والخجل و/أو اليأس.. أو إذا غلبهم العجز عن علاج تبدل المناخ بإجراءاتهم الشخصية" ص2. وجد ليرتزمان 2015 أنه بالعكس من الرأي السائد ومفاده أن الولايات المتحدة لا تهتم بالتبدل المناخي، كان مواطنوها يهتمون كثيرا ولكنهم غير بادرين على اتخاذ إجراء حيال الموضوع، بسبب الخجل والقلق العميق والعجز وخيبة الأمل. يعرف وينتروب 2013 الصمت في إنكار المناخ بأنه طريقة لإدارة القلق الناجم عن الذنب والعار بسبب معرفة أن الجانب النرجسي في البشر هو المسؤول عن ارتفاع الحرارة العالمي. توجد أيضا أدلة محددة على وجود شعور بالخزي الجماعي في البناء الاجتماعي لإنكار تغير المناخ على هذا الجانب من الطيف. وثقت فريدريكس (2021) على نطاق واسع شعور الخزي (والذنب) بين "الناشطين البيئيين العاديين" في الولايات المتحدة الذين عبّروا عن مشاعرهم وأداروها في الأوساط الاجتماعية، كما أشارت إلى وجود دليل على خزي جماعي بسبب تدمير الإنسان للبيئة. ووجد نورغارد (2006أ، 2006ب، 2011) مؤشرات على الخزي: "الخوف من أن يكون المرء شخصا سيئا"؛ "الرغبة في الحفاظ على شعور إيجابي باحترام الذات"؛ انعدام الأمن الوجودي؛ مشاعر العجز والضعف والإرهاق، من بين أمور أخرى، "للمشاركة في نظام لم يعرفوا كيف يخرجون منه" (2011، ص195). ووجد كايو وآخرون (2019) (في فرنسا وألمانيا) الخزي ضمن المشاعر الجماعية السلبية التي تم التعبير عنها استجابة لتغير المناخ. كما وجدت دراسة (2016) آليات للتكيف لاستعادة الهوية الاجتماعية الإيجابية، مما يشير إلى ضرورة مواجهة الشعور بالخزي الجماعي. وتتمثل هذه الآليات فيما هو متوقع في حالات الإنكار والتنصل الضمني: إنكار المسؤولية أو التقليل من شأن العواقب، وتبرير النظام، وتهميش الآخرين من خلال الصور النمطية للجماعات التي قد ينظر إليها على أنها أكثر مسؤولية عن أزمة المناخ (كيلود وآخرون 2016).

* دليل العار التراكمي في الإنكار الحرفي أو الشك

على النقيض تماما من إنكار تبدل المناخ، حيث يسود التشكيك أو الإنكار التام لظاهرة الاحتباس الحراري، أُجريت أبحاث مستفيضة عن المعتقدات والمواقف المرتبطة بهذا الإنكار (بينغال، 2018؛ بينغال وهولمان، 2021؛ جايلها وآخرون، 2016؛ جايلها وهيلمر، 2020؛ مكرايت ودنلاب، 2011؛ نيلسون، 2019، 2020؛ ثوما وآخرون، 2021؛ وونغ-بارودي وفيجينا، 2020)، إلا أن أيا منها لم يتطرق إلى المشاعر الفردية أو الجماعية الكامنة. مع ذلك، تشير الأبحاث التي تناولت الهوية الاجتماعية للأفراد المنتمين لهذه المجموعة إلى وجود شعور بالخزي الجماعي، شعر به البعض، لكنهم أنكروا معظمه. بحسب دراسات واسعة النطاق، يعد الإنكار أو التشكيك الحرفي "مكونا أساسيا تقريبا" للهوية المحافظة البيضاء في الولايات المتحدة (نيلسون، 2020، ص 285؛ انظر أيضا جايلها وهيلمر، 2020؛ مكرايت ودنلاب، 2011؛ نيلسون، 2019، 2020؛ ثوما وآخرون، 2021). مع ذلك، لا تشكل أي جماعة كتلة واحدة، ولا يقتصر هذا الإنكار على المحافظين، ولا يقتصر المحافظون على هذا الإنكار. ومع ذلك، تشير الأبحاث إلى أن ارتفاع مستوى الانتماء الأمريكي، الذي يصف هذه الجماعة أيضا، يرتبط بإنكار الضرر البيئي أو تبريره (فيرغسون وبرانسكومب، 2010). ترتبط الهوية الاجتماعية لهذه المجموعة أيضا بدعم الرئيس السابق ترامب، والمسيحية الإنجيلية، والقومية، ورأسمالية السوق الحرة، والفردية، وتبرير النظام (جايلها وهيلمر 2020، مكرايت ودنلاب 2011، نيلسون 2019، 2020، سيلفا 2019، فيلدمان 2019). تنبع مؤشرات الشعور بالعار الجماعي، التي تشكل أساس إنكار تغير المناخ لدى هذه المجموعة، من تهديدات الهوية الاجتماعية، كما يتضح من الأبحاث التي كشفت عن مخاوف معلنة من التهميش الثقافي وانحدار الجيل الجيلي (كايد 2021، نيلسون 2019، 2020، سيلفا 2019). وقد وجدت الأبحاث أيضا أن المحافظين البيض تم تنظيمهم وتعبئتهم انطلاقا من اعتقادهم أن نخبة ليبرالية علمانية تستهدفهم بصفات تدل على العار والإدانة، وأن النزعة الإنسانية العلمانية تشكل تهديدا لهويتهم الاجتماعية (سيلفا 2019، ستاين 2001، فيلدمان 2019). وبالمثل، وجد أن الشعور بالتهميش والحصار، الذي يشير إلى تهديد الهوية الاجتماعية، يمثل جوهر إنكار تبدل المناخ لدى المسيحيين الإنجيليين (فيلدمان 2019، فيلدمان وآخرون 2021). تشير الأبحاث إلى أن العديد من المحافظين البيض يعرفون أنفسهم بأنهم من الطبقة العاملة، وأن الانهيار الاقتصادي لهذه الطبقة وما نتج عنه من فقر كان مصدرا لمشاعر اليأس والعجز والإذلال، مما يدل على شعور الفرد والجماعة بالعار (نيلسون، 2019؛ بايز وآخرون، 2006؛ بيتغروف وبارسونز، 2012). وقد وجدت أبحاث أخرى أن الهشاشة والفقر والخزي غالبا ما تكون مترابطة، وأن الخزي يكون مؤلما بشكل خاص عند فقدان المكانة الاجتماعية (ستورمان ودوفورد، وبريمسر وشانتيل، 2017). بالنسبة للمحافظين البيض في المناطق الريفية (وغيرهم) الذين يعيشون في مجتمعات ريفية يعتمد اقتصادها على الجني والتنقيب، ويواجهون خطر فقدان الوظائف والمكانة الاجتماعية لتحقيق متطلبات الحياد الكربوني، فإن أزمة المناخ "تشكل... تهديدا بالإقصاء الاجتماعي"، وهو شعور مسبق بالخزي (ديفيدسون وكيسينسكي، 2022، ص6). قد تؤدي هذه المشاعر إلى شكل جماعي من الشلل، فضلا عن الهياكل الدفاعية الأيديولوجية، مثل النظر على قدم المساواة إلى الممارسات البيئية على أنها غير رأسمالية و"غير أمريكية" (ليرتزمان، 2015، ص127).

* آلة الإنكار

يمثل الإنكار التأويلي أو الإنكارية بآلة الإنكار. يستعمل مصطلح "آلة الإنكار" أو "آلة إنكار المناخ" منذ 15 عاما في الولايات المتحدة لوصف حركة بدأت في نهايات الثمانينات لتشجيع وتطبيع الشك إو إنكار المناخ حرفيا (فيلدمان 2019). يدير آلة الإنكار الإعلام المحافظ، والملاحظون والسياسيون و "المتخصصون" والعلماء المعارضون الذين تمولهم صناعة الوقود الأحفوري وغيرها من الاهتمامات المعنية والأهداف وسواها، والمحافظون البيض والمسيحيون الأنجيليون (كوان وبوساليس وكوك ونانكو 2021، دونلاب 2013، ثوما وآخرون 2021، فيلدمان 2019). تعمل آلة الإنكار لعزل جمهورها المستهدف من تأثير AGW "باستثمار استراتيجي لعدة عقود يحرص على التقليل من الثقة بالحكومة والتقليل من حماية ودعم المجتمعات المهمشة، والملونين، والجماعات غير المفضلة اقتصاديا ممن تأثر على نحو غير متوازن وغير متناسب بتغير المناخ" (باسيشيس وآخرون 2022 ص10 من 24). وكانت البحوث تستفسر إذا ما كان إنكار المناخ العلني أو الشك موجود أو أنه ملح، باستثناء حملة تضليل الآلة الإنكارية (دونلاب 2013، حايلها 2017، نيلسون 2019، فيلدمان 2019). آلة الإنكار فجرت العار والإرادة والإحساس بالخلافات حول القيم المحافظة لخلق وتمكين روابط داخل الجماعات (جايلها 2017، جايلها وآخرون 2021، نيلسون 2019، 2020، ستاين 2001، فيلدمان 2019، فيلدمان وآخرون 2021). "تبديل المناخ ظاهرة علمية فعلا، ولكنها معدلة ومعاد بناؤها في جملة ظروف من الواقع الاجتماعي" (كيلود وآخرون 2019، ص65). بذر الانقسامات بالاستناد إلى الثقافة العلمانية المحاصرة (أولئك الذين يعترفون ب AGW) الثقافة القتالية الدينية والمحافظة (أولئك من يعارضون AGW) يخلق أيضا هويات اجتماعية مستقلة بطريقة مفيدة لآلة الإنكار وهو ما يحفز على إنكار المناخ على أنها مشكلة بين الجماعات (فيلدمان 2019، فيلدمان وآخرون 2021).

* الخزي كعامل إنكار مناخي مشترك

لمواجهة أزمة المناخ، بات إيجاد أرضية مشتركة أكثر ضرورة من أي وقت مضى، لا سيما مع ازدياد حدة الانقسام السياسي، أو ما يعرف بالاستقطاب العاطفي، في الولايات المتحدة بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة (بوكسيل، جينتزكو، وشابيرو، 2022). ويمكن القول إن إحدى المجموعتين تتصرف بما يتوافق مع الإنكار (أولئك الذين يتبنون الإنكار الحرفي والتشكيك)، بينما لا تفعل المجموعة الأخرى ذلك (أولئك الذين يقبلون ظاهرة الاحتباس الحراري، لكنهم في حالة إنكار ضمني). ولعل الشعور بالخزي الجماعي هو أحد القواسم المشتركة بين المجموعات المتباينة ظاهريا على طيف إنكار تغير المناخ، وكيف أن "الإنكار الحرفي والضمني يسيران جنبًا إلى جنب" (نورغارد، 2011، ص 181). في كل من البحث وتحليلات المفاهيم، تحرض أزمة المناخ إجراء تقييمات أخلاقية، وهذه بدورها تثير مشاعر الخزي، سواء أُقر بها أم تم تجاهلها (آلتولا، 2021؛ ماركويتز وشريف، 2012؛ ستول-كليمان وأوريوردان، 2020؛ وينتروب، 2018). وصفت أزمة المناخ بأنها "عاصفة أخلاقية عاتية"، تطالبنا بخيارات أخلاقية تجعلنا جميعا "عرضة للفساد الأخلاقي وبشدة" (غاردينر، 2011، ص 398)، وعرضة للخزي. بالنسبة للأمريكيين، يشكل تغير المناخ تهديدا للهوية الاجتماعية، والهوية الجماعية، والأمن الوجودي الذي بني بشكل هش على "نمط حياة استبدادي" (براند وويسن، 2018). قد يبدو نمط الحياة الاستهلاكي للأمريكيين وقحا، و"أصبح انعدام الحياء وبسرعة فضيلة، وأصبحت الحلول السريعة للتخلص من الشعور بالذنب مقبولة اجتماعيا على نطاق واسع" (وينتروب، 2010، ص119). مع ذلك، ربما تكون هذه الوقاحة دفاعا آخر عن الشعور بالخجل، إذ "قد يؤدي إنكار الخجل إلى أفعال تبدو (ظاهريا) وقحة" (مارشينكو، بيليتش، وإيتيروفيتش، 2021، ص S700). في كلتا الحالتين، يشترك الأمريكيون شعوريا أو لا شعوريا في "خوف مرعب ترافقها مشاعر الذنب (حيال استخدامنا للبترول أو غيره من السلوكيات الضارة المماثلة المتعلقة بالمناخ)، أو أنه يرافقها كذلك الشعور بالعجز" (نيلسون، 2020، ص284). قد يكون إلقاء اللوم على الطرف الآخر في دائرة إنكار تغير المناخ حلا سريعا آخر لتجنب الشعور بألم الخزي (وينتروب، 2021). وقد يساعد الاعتراف بالخزي الجماعي والشعور به تجاه إنكار المجموعة لتغير المناخ بشكل كبير في رأب الصدع العاطفي في هذا البلد، لا سيما وأن الخزي الجماعي المعبر عنه من قبل ما يمكن اعتباره مجموعة مرتكبة للجريمة يمكن أن يخفف من حدة التهديد المحتمل في الصراع بين المجموعات (فيرغسون وبرانسكومب، 2014). بعبارة أخرى، علينا أن نتجاوز الخزي المنكر إلى الخزي المحسوس والمعبر عنه بالندم. علاوة على ذلك "بما أن الجميع مسؤولون جزئيا على الأقل عن المشكلة، فمن ذا الذي يرفض أو يدين شخصا آخر بسبب تغير المناخ؟" (ريس وآخرون، 2015).

* كشف وتفكيك العار على أنه مقاربة نفس بيئية

قد يكون علم النفس البيئي مناسبا بشكل خاص لكشف وفك تشابك شعور الجماعة والشعور التراكمي بالعار في طيف إنكار تغير المناخ. فهو يكشف أن العمليات الجماعية، كالشعور بالخزي الجماعي وإنكار تغير المناخ، تنشأ في سياق أوسع، موجهة البشرية بعيدا عن الفردية نحو الجماعية، ونحو هوية أشمل تتضمن الطبيعة، ورؤية الذات في الآخر - وأن تكون في كل الآخرين. يظهر علم النفس البيئي أن سبب أزمة المناخ ومصدر الخزي والإنكار الناتج عنها واحد، وهو "نظرة للعالم تقوم على فصل البشرية عن بقية الطبيعة" (فريدريكس، 2021، ص84)، وهي نظرة يبدو أنها مشتركة عبر طيف إنكار تغير المناخ. إلى جانب الهويات الاجتماعية التي تشكل إنكار تغير المناخ لدى المجموعتين المذكورتين سابقا، يكمن هذا الشعور المشترك بالخزي. فبدلا من أن يؤدي ذلك إلى عجز جماعي، فإن إدراك آلية عمل هذا الخزي الجماعي - سواء أُعرب عنه بالشعور بالعار أو إنكاره - قد يشير إلى اغتراب جماعي عن الطبيعة. "إن الإصغاء إلى هذه الصرخة [صرخة العار] قد يكون بالتالي مشروعا نفسيا بيئيا ذا أهمية تاريخية بالغة، يصل مباشرة إلى جوهرنا العاطفي" (فيشر، 2013أ، ص 191). وقد يحفز الإصغاء إلى الخزي الجماعي التعاطف الذي "ينبغي أن يكون علاجا للخزي المرضي، على المستوى الفردي أو الاجتماعي" (مارسينكو وآخرون، 2021، ص S700). إن الشعور بالخزي الجماعي القائم على الاغتراب عن الطبيعة، بدلا من إنكاره، ورؤية هذا الخزي في أنفسنا وفي الآخرين، قد يسهم بشكل كبير في فك الخزي عن الهوية الاجتماعية الأمريكية ودور هذه الهوية في تشكيل إنكار تغير المناخ. مع ذلك، فإن مشكلات العمل الجماعي، مثل ظاهرة الاحتباس الحراري الناتج عن الأنشطة البشرية، يستحيل تغييرها دون معالجة المشكلات البنيوية الكامنة التي تجسد ثنائية الإنسان/الطبيعة (جاكيه، 2015). ويقدم علم النفس البيئي منظورا نقديا يكشف الظروف البنيوية والمؤسسية والمادية التي تولد كلا من ظاهرة الاحتباس الحراري الناتج عن الأنشطة البشرية وإنكار تغير المناخ (كانر، 2014؛ فلاسوف وآخرون، 2021). وبعيدا عن ثنائية النفس والطبيعة، يدرس علم النفس البيئي ثنائية المجتمع والطبيعة، و"المصادر الاجتماعية للعنف الممارس ضد الطبيعة البشرية وغير البشرية، والجذور التاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية لأزمة علم النفس البيئي التي نعيشها" (فيشر، 2013ب، ص 167). أحد مصادر هذا المفهوم هو "الرأسمالية المنكرة للحياة" (فيشر، 2013أ، ص 24)، التي تسمح بالاستغلال غير الأخلاقي للآخرين، بدءا من الطبيعة وصولا إلى أولئك الذين أُجبروا على لعب دور الطبيعة، والذين يتعرضون للاستغلال البشري والتربح (ميرشانت، 1980). يحظر في الولايات المتحدة بشدة انتقاد الرأسمالية، والمحظورات تدل على العار، ربما لأن الرأسمالية تكافئ الجشع والأنانية، بل وحتى انعدام الحياء (كانر، 2014)، وقد عززت ثقافة اللامبالاة، بل وحتى أنها مهدت لعدم الشعور بالخزي (وينتروب، 2021). كما أن الرأسمالية "تخلق ظروفا اجتماعية واقتصادية محفوفة بالمخاطر ومثيرة للقلق، وفي نفس الوقت تعمق حاسة انعدام الأمن والخوف الحتمي وارتباطاتها لدينا وتنظر لها كشيء يدعو للخزي والعار " (نيلسون، 2019، ص 235). وللتصدي لأزمة المناخ، يلقي النظام الرأسمالي بالمسؤولية على عاتق المستهلكين، وهذا النهج الفردي "يؤهل المرء للشعور الداخلي بالعار" (فيشر، 2013أ، ص 79، التشديد في الأصل). وهكذا، يستفيد النظام الرأسمالي من طرفي ظاهرة الاحتباس الحراري - السبب والنتيجة - من خلال تسويق سلع استهلاكية "صديقة للبيئة" أو "خضراء" لتخفيف الشعور بالعار الفردي والجماعي (على سبيل المثال، سيارتي الكهربائية لا تصدر انبعاثات كربونية مثل شاحنتك التي تعمل بالديزل)، ولكنه في الوقت نفسه يزيد من انقسامنا. كما تستهدف هذه المنتجات النساء والآباء الذين يميلون أصلا إلى الشعور بالعار البيئي في الولايات المتحدة، معتمدة على "ديناميكيات القوة غير العادلة والمعلومات المضللة التي تركز بشكل مفرط على حلول المستهلكين الفردية على حساب التغيير الاجتماعي أو السياسي" (فريدريكس، 2021، ص 127).

* الخاتمة

يمتلك الشعور بالذنب القدرة على إحداث تغيير في معتقد أو قيمة أو فعل محدد، لكن الشعور بالخزي قد يحدث تغييرا أعمق وأكثر شمولية في أنظمة المعتقدات والقيم والأفعال بأكملها (آلتولا، 2021، ص 12). يوسع إجراء بحوث محددة وموجهة نطاق الدراسات التي أُجريت حول الشعور الجماعي بالذنب والخزي لتشمل البناء الاجتماعي لإنكار تغير المناخ، وهذا من شأنه أن يؤكد أو ينفي دور الخزي الجماعي، سواء كان ذلك من خلال اعتباره جزءا من الهوية الاجتماعية أو نتيجة لتهديدات هذه الهوية. لذلك سيفتح تطبيق بحوث الخزي (والشعور التراكمي بالذنب) على إنكار تغير المناخ آفاقا بحثية واسعة. وجد الباحثون، خارج سياق إنكار تغير المناخ، أن الشعور بالخزي (والغضب) المسبق بين الجماعات، استنادا إلى ما اعتبر سلوكا غير أخلاقي داخلها - وهو ما يفترض أنه تجاوز للجماعة - قد حفز بعض أفراد الجماعة على العمل الجماعي. وقد افترض الباحثون أن الشعور بالذنب الجماعي لن يكون له نفس القدرة على العمل التي يتمتع بها الشعور بالخزي الجماعي في سياق التفاعل بين الجماعات (شيبارد وآخرون، 2013). فعلى سبيل المثال، إذا اعتبر الطيران سلوكا غير أخلاقي داخل الجماعة وتجاوزا بين الجماعات [على الطبيعة؛ ريس وآخرون (2015)]، فهل يمكن أن يحفز ذلك العمل الجماعي؟ وإن لم يكن كذلك، فلماذا؟ إن تطبيق أبحاث أخرى حول الخزي الجماعي على إنكار تغير المناخ قد يكشف، جزئيا، كيف يمكن تحويل سيكولوجية إنكار تغير المناخ من مجرد انفصال أخلاقي إلى إحداث تغيير اجتماعي (ستول-كليمان وأوريوردان، 2020). قد تتناول الأبحاث المستقبلية آثار الانتماء داخل المجموعة وبين المجموعات، استنادا إلى المجموعتين اللتين ناقشتهما سابقا، أو آثار توسيع تعريف المجموعة ليشمل جميع الأمريكيين. مؤخرا، رأيت ملصقا على سيارة كتب عليه: "تغير المناخ؟ مجرد طقس، يا غبي!"، فانحنيت إلى الأمام، وانقبض صدري - رد فعل فسيولوجي فطري تجاه موقف مخجل، وهو نفس رد الفعل الذي وجد في بحث حول الخجل أُجري في بيئة طبيعية، دون الاعتماد على مواقف مختلقة أو متخيلة لاستحضار التقرير الذاتي [تريسي وماتسوموتو (2008)، دراسة تقارن بين رياضيين مبصرين، ومكفوفين، ومكفوفين خلقيا، عبر ثقافات مختلفة]. أدركت على الفور رد فعلي الجسدي قبل أن يتدخل شعور الدفاع (لست غبيا!). مع ذلك، لم تكن ردود أفعالي بسبب أدائي المخجل، بل بسبب أداء شخص آخر، شخص اعترفت له، ولو للحظة، بأنه من مجموعتي. قد يركز البحث على مجموعة داخلية محددة، على سبيل المثال، الإنكار الحرفي للمناخ أو الشك فيه، حيث من غير المرجح أن يؤدي الاحتباس الحراري إلى فشل أخلاقي، على الدفاعات التي قد تخفي الشعور بالعار أو البحث عن استجابات فسيولوجية للعار الجماعي - الاستجابات الوضعية الفطرية، أو ردود الفعل على الإجهاد التي يظهرها أولئك الذين يمثلون تهديدات مزمنة للذات الاجتماعية مثل زيادة إنتاج الكورتيزول ونشاط السيتوكينات المشجعة للالتهابات، وانخفاض الاستجابات المناعية العامة (كيميني وآخرون 2004). قد يكشف البحث في الشعور بالخزي الجماعي في سياق إنكار تغير المناخ عن "نقطة مثالية" يمكن عندها الشعور بالخزي الجماعي وتحفيز العمل الجماعي أو الإصلاحات، قبل أن يتحول إلى موقف دفاعي وإنكاري؛ وإذا ما تحول، فهل يمكن إعادته إلى تلك النقطة المثالية من خلال تأكيد الذات الجماعية أو تقديرها (غوزيل, 2012. غان وويلسون 2011. ليكل وآخرون 2011. ريس وآخرون 2015). كما يجب أن يأخذ هذا البحث في الحسبان تكاليف الإصلاحات، ويتوقع أنها باهظة، إذا أراد الأمريكيون الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية، وفي هذا الحال ستعاكس الأثر المحرض للخزي. بدلا من ذلك، قد يتفاعل الأفراد مع الشعور بالعار من خلال تلميع الهوية، على سبيل المثال، عن طريق التضليل البيئي، أو إذا رفضت المجموعة الداخلية القيم الأساسية (على سبيل المثال، الوصول إلى صافي الصفر)، فقد يتم تشجيع تلك المجموعة اجتماعيا على أن تكون معادية للعار المناخي، مما يجعلها أكثر رسوخا في إنكارها للمناخ (ألتولا 2021. يادين 2023). أخيرا، ثمة حاجة إلى بحث حول ما إذا كان شعور الجماعة بالعار أو الخزي التراكمي يشترك في عنصر يربط بين إنكار تغير المناخ وما أسميه الأمراض المصاحبة له، أي العنصرية، والتمييز الجنسي، ورهاب المثلية، والتمييز على أساس السن، وكراهية الأجانب، والتوجه نحو الهيمنة الاجتماعية، والتمييز ضد الحيوانات، استنادا إلى دراسات سابقة وجدت أن هذه الآراء أو ما شابهها ترتبط بالإنكار والتشكيك الحرفيين (أجيوس وآخرون، 2020. بينغال، 2018؛ بينغال وهولمان، 2021. كافيولا وآخرون، 2019. دهونت وآخرون، 2016). قد يكشف هذا البحث عن وجود علاقات متبادلة عبر طيف الإنكار، و/أو يسلط الضوء على كيفية دعم حركات العدالة البيئية التي تتناول تقاطع هذه الأمراض المصاحبة لإنكار تغير المناخ (كايزر وكرونسيل، 2014). ومع ذلك صعوبات البحث في الشعور بالخزي لدى الأفراد تنطبق أيضاً على دراسة الخزي الجماعات أو العار الجماعي. فعلى الرغم من البناء النفسي السائد للخزي في مقابل الشعور بالذنب، فقد تم تصور الخزي وقياسه بطرق متنوعة، بل ومتضاربة (غوزيل وآخرون 2012). ويستخدم الباحثون والمشاركون على حد سواء مصطلحي الشعور بالذنب والخزي بشكل متبادل، كما أنهما غير محددين بدقة في الأدبيات العلمية والأكاديمية (فريدريكس 2021، كاشادوريان 2010). ويشير تحليل ودراسات أخرى إلى أنه على الرغم من أن الشعور بالذنب والخزي عاطفتان متمايزتان، إلا أنهما تتعايشان، ويتم الخلط بينهما أو دمجهما مع عواطف أخرى ذات صلة (مثل الندم والإذلال والإحراج). تتشابه هذه المشاعر في شدتها وقوتها، وتؤدي إما إلى سلوك اجتماعي إيجابي أو سلوك دفاعي عن النفس (غوزيل 2021، غوزيل وآخرون 2012، ليش وسيدام 2015، ميسيلي وكاستيل فرانشي 2018). كما أن تحديد الشعور بالخزي قد يكون صعبا لأن "آليات الدفاع ضد الخزي تخفي وراءها قدرة على التكيف أو انعدام الخزي"، و"إن مساواة تجربة الخزي بما يتم الاعتراف به فقط، بدلا من الاعتماد على التقرير الذاتي، لا يعني فقط تجاهل العمليات اللاواعية، بل يعني أيضا تعزيزها" (إتيروفيتش 2020 ص 346). بغض النظر عن البحوث الكمية أو النوعية، فإن كيفية عمل الشعور بالخزي الجماعي في إنكار تغير المناخ له تداعيات سريرية محتملة. قد يكون هناك عميل أو مريض يعاني من قلق بيئي أو قلق مناخي، وقد يكون الخزي كامنا لديه (سواء شعر به أو عبر عنه أو أنكره)، ليس بسبب سلوكه أو تصرفاته، بل بدلا من ذلك أو بالإضافة إليه، بسبب سلوك أو تصرفات مجموعته، مهما كان نطاقها، ولكنها مع ذلك مجموعة يتماهى معها، سواء كانت عائلة أو مجتمعا أو جماعة أو ثقافة أو نوعا، أو حتى أمريكيين آخرين باعتبارهم رمزا لعصر الأنثروبوسين والذين ساهموا بشكل غير متناسب في أزمة المناخ (جنسن، 2019؛ بيهكالا، 2022). في الواقع، يفاقم الخزي والقلق - بما في ذلك القلق المناخي - بعضهما البعض في حلقة تغذية راجعة إيجابية (مارسينكو وآخرون، 2021؛ وينتروب، 2013، 2021). كذلك، قد يرى الشخص الذي يعمل مع المجموعات، حتى الصغيرة منها، الديناميكيات التي نوقشت هنا على أنها جزء من العار الجماعي الذي يعمل في الهوية الاجتماعية، والذي بدوره يبني إنكار المناخ في نقاط مختلفة عبر طيف الإنكار. تشكل أزمة المناخ مفارقة تشبه معضلة السجين: فما هو الأفضل للجماعة (مثل الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية) ليس بالضرورة الأفضل للفرد المستهلك الحر، على الأقل ليس على المدى القصير (انظر غاردينر، 2011). كما ينشأ الشعور بالخزي من التعرض للخداع - فمن يخدعني مرة، يعود العار عليه؛ وإذا خدعت مرتين، يقع العار علي. وقد انعكس هذان الأمران في دراسة جماعية كشفت أن أولئك الذين يقرون بظاهرة الاحتباس الحراري الناتج عن الأنشطة البشرية يدافعون عن التخفيف من آثارها، لكنهم "يفضلون تبني إجراءات فردية لا تتطلب تخفيضات كبيرة في استهلاكهم للطاقة والموارد طالما لم يبدأ الآخرون بذلك" (ستول-كليمان وأوريوردان، 2020، ص 12). ويشير هذا إلى أن مواجهة الاحتباس الحراري الناتج عن الأنشطة البشرية تتطلب عملا جماعيا، وتضحيات جماعية تخفف من قلق التضحية الفردية والتعرض للخداع (ستول-كليمان وأوريوردان، 2020؛ وينتروب، 2021). على الرغم من ذلك، فإن الشعور بالخزي والتعبير عنه يمكن أن يعزز الروابط الجماعية (فريدريكس، 2021؛ بايز وآخرون، 2006؛ بيتيغروف وبارسونز، 2012)، ويعيد الهوية الجماعية الإيجابية ويلهم العمل الجماعي والتعويض (مارسينكو وآخرون، 2021؛ بايز وآخرون، 2006) - وكلها ستكون ضرورية لضمان مستقبل جماعي مؤهل للعيش ومستدام.

***

......................

* بيث آن ييغر Beth Anne Yeager حقوقية أمريكية وناشطة في مجال البيئة والحقوق المدنية والتمييز العنصري والتحرش الجنسي في أماكن النشاط والتوظيف والعمل.

ملاحظات

مصطلح أمريكي - الولايات المتحدة تقلل من النزوع الإمبريالي والعرقي في استخدام كلمة "أمريكي" للإشارة إلى شعب الولايات المتحدة (فريدريكس 2021). وكما ذكر موريسون (1970) كلمة "أمريكي" تدل على معنى أبيض، وتجعل من كل الآخرين تابعين.

المراجع

Aaltola E. (2021). Defensive over climate change? Climate shame as a method of moral cultivation. Journal of Agricultural and Environmental Ethics, 34, 1–23.

Agius C., Rosamond A. B., & Kinnvall C. (2020). Populism, ontological insecurity and gendered nationalism: Masculinity, climate denial and Covid-19. Politics, Religion & Ideology, 21, 432–450.

Basseches J. A., Bromley-Trujillo R., Boykoff M. T., Culhane T., Hall G., Healy N., … Stephens J. (2022). Climate policy conflict in the U.S. states: A critical review and way forward. Climatic Change, 170, 32.

Benegal S., & Holman M. R. (2021). Understanding the importance of sexism in shaping climate denial and policy opposition. Climatic Change, 167, 1–19.

Benegal S. D. (2018). The spillover of race and racial attitudes into public opinion about climate change. Environmental Politics, 27, 733–756.

Boxell L., Gentzkow M., & Shapiro J. M. (2022). Cross-country trends in affective polarization. Review of Economics and Statistics, 1–60. Retrieved from https://doi.org/10.1162/rest_a_01160

Brand U., & Wissen M. (2018). What kind of great transformation? The imperial mode of living as a major obstacle to sustainability politics. GAIA, 27, 287–292.

Bruni L. (2019). Shame as a form of alienation: On sociological articulation of Rahel Jaeggi's theory. Societa´ Mutamento Politica, 10, 229–237.

Caillaud S., Bonnot V., Ratiu E., & Krauth-Gruber S. (2016). How groups cope with collective responsibility for ecological problems: Symbolic coping and collective emotions. British Journal of Social Psychology, 55, 297–317.

Caillaud S., Krauth-Gruber S., & Bonnot V. (2019). Facing climate change in France and Germany: Different emotions predicting the same behavioral intentions?. Ecopsychology, 11, 49–58.

Caviola L., Everett J. A. C., & Faber N. S. (2019). The moral standing of animals: Towards a psychology of speciesism. Journal of Personality and Social Psychology, 116, 1011–1029.

Coan T. G., Boussalis C., Cook J., & Nanko M. O. (2021). Computer-assisted classification of contrarian claims about climate change. Scientific Reports, 11, 22320.

Constable L. (1999). Introduction—States of shame. L'Esprit Createur, 39,

Davidson D. J., & Kecinski M. (2022). Emotional pathways to climate change responses. Wiley Interdisciplinary Reviews: Climate Change, 13, e751.

Dhont K., Hodson G., & Leite A. (2016). Common ideological roots of speciesism and generalized ethnic prejudice: The social dominance human–animal relations model (SD-HARM). European Journal of Personality, 30, 507–522.

Dickerson S. S., Gruenewald T. L., & Kemeny M E. (2004). When the social self is threatened: Shame, physiology, and health. Journal of Personality, 72, 1191–1216.

Dunlap R. E. (2013). Climate change skepticism and denial: An introduction. American Behavioral Scientist, 57, 691–698.

Eterović M. (2020). Recognizing the role of defensive processes in empirical assessment of shame. Psychoanalytic Psychology, 37, 344–349.

Ferguson M. A., & Branscombe N. R. (2010). Collective guilt mediates the effect of beliefs about global warming on willingness to engage in mitigation behavior. Journal of Environmental Psychology, 30, 135–142.

Ferguson M. A., & Branscombe N. R. (2014). The social psychology of collective guilt. In C. von Scheve, & M. Salmela (eds.), Collective emotions: Perspectives from psychology, philosophy, and sociology (pp. 251–265). Oxford University Press

Fisher A. (2013a). Radical psychology: Psychology in the service of life (2nd ed.). State University of New York.

Fisher A. (2013b). Ecopsychology at the crossroads: Contesting the nature of a field. Ecopsychology, 5, 167–176.

Fishkin G. L. (2016). The science of shame and its treatment. Parkhurst Brothers Publishers.

Fredericks S. E. (2021). Environmental guilt and shame: Signals of individual & collective responsibility & the need for ritual responses. Oxford University Press.

Gallup Organization. (2022). In depth: Topics A to Z: Environment. Retrieved from https://news.gallup.com/poll/1615/environment.aspx

Gardiner S. M. (2011). A perfect moral storm: The ethical tragedy of climate change. Oxford University Press.

Gausel N. (2012). Facing in-group immorality: Differentiating expressed shame from expressed guilt. Rev Eur Stud, 4, 1.

Gausel N., Leach C. W., Vignoles V. L., & Brown R. (2012). Defend or repair? Explaining responses to in-group moral failure by disentangling feelings of shame, rejection, and inferiority. Journal of personality and social psychology, 102, 941.

Gunn G. R., & Wilson A. E. (2011). Acknowledging the skeletons in our closet: The effect of group affirmation on collective guilt, collective shame, and reparatory attitudes. Personality and Social Psychology Bulletin, 37, 1474–1487.

Harrison P. R., & Mallett R. K. (2013). Mortality salience motivates the defense of environmental values and increases collective ecoguilt. Ecopsychology, 5, 1–2.

Haseley D. (2019). Climate change: Clinical considerations. International Journal of Applied Psychoanalytical Studies, 16, 109–115.

IPCC. (2023). Summary for policymakers. In P. Arias, M. Bustamante, I. Elgizouli, G. Flato, M. Howden, C. Me´ndez, …, N. Yassaa (eds.), Synthesis report to the sixth assessment report of the intergovernmental panel on climate change. https://report.ipcc.ch/ar6syr/pdf/IPCC_AR6_SYR_SPM.pdf

Jacquet J. (2015). Is shame necessary? New uses for an old tool. Pantheon.

Jensen T. (2019). Guilty of shame in the anthropocene. In T. Jensen (ed.), Ecologies of guilt in environmental rhetorics (pp. 103–121). Palgrave Macmillan.

Jylhä K. M. (2017). Denial versus reality of climate change. In D. A. DellaSala, & M. I. Goldstein (eds.), Encyclopedia of the anthropocene (pp. 487–492). http://dx.doi.org/10.1016/B978-0-12-409548-9.09762-1.

Jylha¨ K. M., Cantal C., Akrami N., & Milfont T. L. (2016). Denial of anthropogenic climate change: Social dominance orientation helps explain the conservative male effect in Brazil and Sweden. Personality and Individual Differences, 98, 184–187.

Jylha¨ K. M., & Hellmer K. (2020). Right-wing populism and climate change denial: The roles of exclusionary and anti-egalitarian preferences, conservative ideology, and antiestablishment attitudes. Analyses of Social Issues and Public Policy, 20, 315–335.

Kaijser A., & Kronsell A. (2014). Climate change through the lens of intersectionality. Environmental Politics, 23, 417–433.

Kanner A. D. (2014). Ecopsychology's home: The interplay of structure and person. Ecopsychology, 6, 69–80.

Katchadourian H. (2010). Guilt: The bite of conscience. Stanford General Books.

Kemeny M. E., Gruenewald T. L., & Dickerson S, S. (2004). Shame as the emotional response to threat to the social self: Implications for behavior, physiology, and health. Psychological Inquiry, 15, 153–160.

Kydd A. H. (2021). Decline, radicalization and the attack on the U.S. Capitol. Violence: An International Journal, 2, 3–23.

Leach C. W., & Cidam A. (2015). When is shame linked to constructive approach orientation? A meta-analysis. Journal of Personality and Social Psychology, 109, 983–1002.

Lee D. A., Scragg P., & Turner S. (2011). The role of shame and guilt in traumatic events: A clinical model of shame-based and guilt-based PTSD. British Journal of Medical Psychology, 74, 451–466.

Lertzman R. (2015). Environmental melancholia: Psychoanalytic dimensions of engagement. Routledge.

Levitson Z., & Walker I. (2012). Beliefs and denials about climate change: An Australian perspective. Ecopsychology, 4, 277–284.

Lickel B., Schmader T., Curtis M., Scarnier M., & Ames D. R. (2005). Vicarious shame and guilt. Group Processes & Intergroup Relations, 8, 145–157.

Lickel B., Steele R. R., & Schmader T. (2011). Group-based shame and guilt: Emerging directions in research. Social and Personality Psychology Compass, 5, 153–163.

Lynas M., Houlton B. Z., & Perry S. (2021). Greater than 99% consensus on human caused climate change in the peer-reviewed scientific literature. Environmental Research Letters, 16, 114005.

Marčinko D., Bilić V., & Eterović M. (2021). Shame and Covid-19 pandemic. Psychiatria Danubia, 33, 697–701.

Markowitz E. M., & Shariff A. F. (2012). Climate change and moral judgement. Nature Climate Change, 2, 243–247.

Mathers D. (2021). Time, intuition and imagination. In D. Mathers (ed.), Depth psychology and climate change: The green book (pp. 161–176). Routledge.

Merchant C. (1980). The death of nature: Women, ecology, and the scientific revolution. Harper & Row.

McCright A. M., & Dunlap R E. (2011). Cool dudes: The denial of climate change among conservative white males in the United States. Global Environmental Change, 21, 1163–1172.

Miceli M., & Castelfranchi C. (2018). Reconsidering the differences between shame and guilt. Europe's Journal of Psychology, 14, 710–733.

Morrison T. (1970). The bluest eye. Holt, Rinehart and Winston.

Neckel S., & Hasenfratz M. (2021). Climate emotions and emotional climates: The emotional map of ecological crises and the blind spots on our sociological landscapes. Social Science Information, 60, 253–271.

Nelson J. (2019). Psychodynamics and their associated myths and fantasies in the contemporary American right wing. International Journal of Applied Psychoanalytical Studies, 16, 229–243.

Nelson J. (2020). Petro-masculinity and climate change denial among white, politically conservative American males. International Journal of Applied Psychoanalytical Studies, 17, 282–295.

Norgaard K. M. (2006a). “People want to protect themselves a little bit”: Emotions, denial, and social movement nonparticipation. Sociological Inquiry, 76, 372–396.

Norgaard K. M. (2006b). “We don't really want to know”: Environmental justice and socially organized denial of global warming in Norway. Organization & Environment, 19, 347–370.

Norgaard K. M. (2011) Living in denial: Climate change, emotions and everyday life. The MIT Press.

Páez D., Marques J., Valencia J., & Vincze O. (2006). Dealing with collective shame and guilt. Psicología Política, 32, 59–78.

Pihkala P. (2022). Toward a taxonomy of climate emotions. Frontiers in Climate, 3, 738154. Shame: A case study of collective emotion. Social theory and practice, 38, 504–530

Rees J. H., Klug S., & Bamberg S. (2015). Guilty conscience: Motivating pro-environmental behavior by inducing negative moral emotions. Climatic change, 130, 439–452.

Shepherd L., Spears R., & Manstead A. S. (2013). ‘This will bring shame on our nation’: The role of anticipated group-based emotions on collective action. Journal of Experimental Social Psychology, 49, 42–57.

Silva E. O. (2019). Donald Trump's discursive field: A juncture of stigma contests over race, gender, religion, and democracy. Sociology Compass, 13, e12757.

Stein A. (2001). Revenge of the shamed: The Christian right's emotional culture war. In J. Goodwin, J. M. Jasper, & F. Polletta (eds.), Passionate politics: Emotions and social movements (pp. 115–131). The University of Chicago Press.

Stoll-Kleemann S., & O'Riordan T. (2020). Revisiting the psychology of denial concerning low-carbon behaviors: From moral disengagement to generating social change. Sustainability, 12, 935.

Sturman E. D., Dufford A., Bremser J., & Chantel C. (2017). Status striving and hypercompetitiveness as they relate to overconsumption and climate change. Ecopsychology, 9, 44–50.

Tangney J. P., Mashek D., & Stuewig J. (2005). Shame, guilt, and embarrassment: Will the real emotion please stand up?. Psychological Inquiry, 16, 44–48.

Tangney J. P., Stuewig J., & Mashek D. (2007). Moral emotions and moral behavior. Annual Review of Psychology, 58, 345–372.

Tangney J. P., & Tracy J. (2011). Self-conscious emotions. In M. Leary, & J. P. Tangney (eds.), Handbook of self and identity. Guilford Press.

Thoma M. V., Rohleder N., & Rohner S. L. (2021). Clinical ecopsychology: The mental health impacts and underlying pathways of the climate and environmental crisis. Frontiers in Psychiatry, 12, 1–20.

Tracy J. L., & Matsumoto D. (2008). The spontaneous expression of pride and shame: Evidence for biologically innate nonverbal displays. PNAS, 105, 11655–11660.

Tracy J. L., & Robins R. W. (2007). The self in self-conscious emotions: A cognitive appraisal approach. In J. L. Tracy, R. W. Robins, & J. P.Tangney (eds.), The self-conscious emotions: Theory and research. Guilford Press.

Veldman R. G. (2019). The gospel of climate skepticism: Why evangelical Christians oppose action on climate change. Univ of California Press.

Veldman R. G., Wald D. M., Mills S. B., & Peterson D. A. (2021). Who are American Evangelical Protestants and why do they matter for U.S. climate policy?. Wiley Interdisciplinary Reviews: Climate Change, 12, e693.

Vlasov M., Heikkurinen P., & Bonnedahl K. J. (2021). Suffering catalyzing ecopreneurship: Critical ecopsychology of organizations. Organization. [Epub ahead of print];

Weintrobe S. (2010). Engaging with climate change means engaging with our human nature. Ecopsychology, 2, 119–120.

Weintrobe S. (2013). The difficult problem of anxiety in thinking about climate change. In S. Weintrobe (ed.), Engaging with climate change: Psychoanalytic and interdisciplinary perspectives (pp. 33–47). Routledge.

Weintrobe S. (2018). Climate change: The moral dimension. The British Journal of Psychotherapy Integration, 14, 64–70.

Weintrobe S. (2021). Psychological roots of the climate crisis: Neoliberal exceptionalism and the culture of uncare. Psychoanalytic Horizons.

Welten S. C., Zeelenberg M., & Breugelmans S. M. (2012). Vicarious shame. Cognition & Emotion, 26, 836–846.

Wong-Parodi G., & Feygina I. (2020). Understanding and countering the motivated roots of climate change denial. Current Opinion in Environmental Sustainability, 42, 60–64.

Yadin S. (2023). Regulatory shaming and the problem of Corporate Climate Obstruction. Harvard Journal on Legislation, 60, (forthcoming). https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=4215387.

Woodbury Z. (2019). Climate trauma: Toward a new taxonomy of trauma. Ecopsychology, 11, 1–8.

*الهيئة الحكومية للتبدل المناخي.

*هذه ترجمة للمقالة التالية:

Collective Shame in Climate Denial: An Ecopsychological Undertaking. Beth Anne Yeager

Ecopsychology. Volume 16, Issue 1. March 2024.

مقدمة: ثمة مقتضيات وضرورات عديدة، تدفعنا إلى القول: أن الاجتماع الوطني، لا يمكنه الدخول النوعي في حركة العصر واستيعاب منجزاته ومكاسبه، وتمثل القيم والمبادئ الرافعة إلى التطور والتقدم، بدون الانخراط في مشروع الإصلاح الديني، نتجاوز من خلاله فهمنا القشري لقيم الدين، ونحرر وعينا الديني من الخرافة والتقليد واجترار الحواشي والشروح، والدفع بعملية الاجتهاد والتجديد والإبداع إلى الأمام.

والإصلاح الديني الذي نرى ضرورته ونشعر بأهمية تجاوز الكثير من معوقات التقدم لا يعني رفض قيم الدين أو الخروج عن ضوابطه ومتطلباته. وإنما يعني إعادة تأسيس فهمنا للدين بعيدا عن الآحادية في التفكير والقشرية في الفهم والتعامل مع الاجتهادات الإنسانية في فهم الدين بعيدا عن التقديس الأعمى أو مفهوم الحقائق المطلقة. بل هي إفهام مرتبطة بزمان ومكان محددين وعلينا فهم هذه الاجتهادات واحترامها، ولكن دون إلغاء عقولنا أو التعامل مع تلك الاجتهادات وكأنها نصوص خالدة لا تقبل المناقشة والجدل والحوار. فبدون تحرير وعينا وفهمنا من عوائق الجمود والحرفية والتأخر، لن نتمكن من الولوج في مشروع التقدم والتطور الإنساني والحضاري.

لذلك فإن الإصلاح الديني وتجاوز الفهم الآحادي والمتعسف لقيم الدين، من الضرورات القصوى التي تؤهلنا لبناء واقع مجتمعي جديد. فالكثير من متطلبات التقدم وعوامل الرقي، لا يمكن القبض عليها اجتماعيا، بدون عملية الإصلاح الديني التي تحرر الفهم والرؤية من الجمود والقشرية، وتعيد صياغة الوعي على أسس القيم الحضارية التي نادى بها الدين، وعمل من أجلها أهله عبر المسيرة التاريخية الطويلة. " نعم، إن المعركة خيضت عربيا على امتداد القرن العشرين من أجل حيازة بعض أسباب الانتهاض المجتمعي، من جنس المعركة ضد الأمية، والتخلف، والاستبداد، ومن أجل التعليم والتنمية والديمقراطية، لم تكن في حصيلتها الإجمالية صفرا على اليسار، بل أنجزت الكثير من المهام وراكمت الكثير من المكتسبات، ومع ذلك، من ينفي أنها كانت دون ما تطلع إليه النهضويون الاصلاحيون منذ أزيد من قرن، ومن ينفي أنها ما زالت حتى اليوم ضعيفة الاستجابة لحاجات موضوعية ضاغطة ومستمرة بل دون معدل مطالبها ؟ سيقول قائل إن ذلك من حصيلة سياسات غير رشيدة درجت عليها النخب والسلط، ونحن لا نشك في ذلك، ولكن هل فكرنا مثلا في حلقات نهضوية تحتية عليها يقوم صرح السياسات والبرامج، وعلى هديها تترشد تلك. هل فكرنا في علاقة ذلك القصور بالإخفاق الذي مني به مشروع الإصلاح الديني " (1).

فالبنية التحتية لعملية الإصلاح الشامل في الاجتماع الوطني، لا يمكن أن تنجز دون الانخراط الفعلي والنوعي في عملية الإصلاح الديني الذي يوفر لنا إمكانيات هائلة على المستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية.

فالنزعة الإصلاحية التي نطالب بها في قراءتنا ووعينا للدين وقيمه تعني فيما تعني النقاط التالية:

نقد الفهم الآحادي:

أن الدين الإسلامي بقيمه ومبادئ وتاريخه، حافل بالغنى والاتساع والتعدد. إذ أنه شكل علامة فارقة ومنعطفا ضخما في التاريخ الإنساني قاطبة، ولا ريب أن العمل على حصر هذه القيم والمبادئ بفهم بشري واحد، من الخطايا والأخطار الكبرى التي تواجهنا اليوم. وقد كلفنا توجه البعض إلى فرض رؤيتهم وتفسيرهم الخاص للدين على المجتمع الكثير من المآزق والمخاطر.

وذلك لأن هذا الفهم الآحادي للدين يفقر قيم الدين، ولا يجعل المسلمين اليوم على تواصل رحب مع كل قيم وآفاق الدين الواسعة، لذلك فلا يمكن أن تختزل الإسلام بقيمه ومبادئه وثرائه المعرفي والإنساني والحضاري بفهم واحد ورؤية واحدة، لا تمتلك القدرة المنهجية والمعرفية على إدراك واستيعاب كل قيم الدين.

من هنا فإن من أهم خطوات الإصلاح الديني في مجالنا الوطني هو: القبول والاعتراف الصريح والتام بوجود قراءات متعددة للدين. وأن هناك تفسيرات ثرية لقيم الدين، نحن بحاجة إلى احترامها وفسح المجال لنتاجها ومنهجها للعمل في الاجتماع الوطني في مختلف الدوائر والمستويات.

وإن الوعي الديني السائد في كثير من صوره وأشكاله، هو أحد المسئولين المباشرين عن الاحتقانات الاجتماعية والسياسية والمآزق الوطنية. لذلك فإن عملية الإصلاح الوطني، بحاجة إلى ممارسة قطيعة فكرية وعملية مع مقولات الوعي الديني التي تغرس الفرقة والتشتت بدعاوي مذهبية أو طائفية، أو تمارس دور الوصاية والاحتكار لفهم قيم الدين. حيث أن كل فهم، لا ينسجم وتصوراتهم ينعت بالزيغ والضلال والكفر. فلا يمكن بأي حال من الأحوال، اختزال فهم الإسلام بطريقة واحدة، وإصرار البعض على ذلك، وممارسة القهر والغرض والإكراه في سبيل ذلك، ساهم بشكل مباشر في تفاقم التوترات وازدياد المشكلات في الحياة الإسلامية ذات الطابع المذهبي والطائفي. ولقد كلف هذا النهج والمنحى الأمة والوطن الكثير من الإخفاقات والخسائر على المستويين الداخلي والخارجي. فبفعل هذه العقلية وممارساتها الخاطئة والعنيفة ورهاناتها البائسة، تحول الإسلام إلى عدو رئيسي للكثير من الدول والأمم والشعوب، وبدأت من جراء ذلك تمارس مضايقات حقيقية على الوجود الإسلامي هناك.

وعلى المستوى الداخلي تحول هذا النهج إلى صانع للتوترات والأزمات والعنف. ونظرة واحدة إلى مناطق التوتر والعنف والعنف المضاد في العالم الإسلامي، نجد أن لهذا النهج الإقصائي والعنفي دور في بروز هذه الأزمات والمآزق.

 وعلى كل حال، إننا لا نستطيع أن نطور فهمنا ومعرفتنا إلى قيم الدين الإسلامي ودورها في الحياة العامة، بدون ممارسة نقد حقيقي ونوعي تجاه الفهم الآحادي للدين، والذي يستخدم القهر والإكراه للخضوع والالتزام بقيم الدين.

 إن الإصلاح الديني المنشود، يتطلع للوقوف بحزم ضد كل محاولات حصر الدين الإسلامي بفهم بشري واحد، وممارسة الإكراه في سبيل تثبيت هذا الفهم في الحياة العامة للمسلمين. وذلك لأن الفهم الآحادي للدين بكل توابعه وتأثيراته، هو صانع للفرقة والانشقاق والفتنة في الأمة، ولا يمكن الخروج من هذه المحن لا بنقد وممارسة القطيعة المعرفية مع كل المنهجيات والمحاولات التي تختزل الإسلام في فهم معين.

صحيح أن الدين الإسلامي يحتضن جملة من الثوابت لا يمكن تجاوزها، ولكن فهم هذه الثوابت متعددة ومتنوع، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إقصاء هذه الأفهام والرؤى من الدائرة الإسلامية. والذي يخالف هذا الفهم أو يقف منه موقف المناقض، لا يتهم بالضلال والزيغ والخروج على مقتضيات الصراط المستقيم. وذلك لأن هذا الفهم البشري لا يلزم إلا أصحابه، وأي محاولة لإضفاء صفة الخلود على هذا الفهم، هو إدخال للمجتمع والأمة في أتون الصراعات الدينية والمذهبية.

من هنا ومن منطلق نقد الفهم الآحادي للإسلام، نحن بحاجة إلى إعادة بناء تصوراتنا الثقافية والاجتماعية عن الاجتهاد والتعدد الفكري والمذهبي والاختلاف والتنوع على أسس جديدة، يحتضنها المشترك الديني والوطني.

 فالاختلاف ليس حالة مرذولة ومذمومة، وإنما المرذول والمذموم هو الفرقة والانقسام. والتعدد والتنوع المذهبي والفكري، ليس زيغا وضلالا، وإنما هو من طبائع الأمور والحياة ومقتضيات مبدأ الاجتهاد الذي أقره الدين الإسلامي. وأن أي محاولة لقهر التعدد أو إقصاء التنوع، لا يفضي إلا المزيد من التوترات والتشظي وغياب الاستقرار الاجتماعي والسياسي. و حرصنا على الوحدة ينبغي أن لا يدفعنا إلى ممارسة العسف والإكراه تجاه الآراء والقناعات المغايرة والمختلفة.

لذلك فإن الخطوة الأولى في مشروع الإصلاح الديني وتجديد الخطاب الإسلامي، هو رفض الرؤية الآحادية للإسلام، والتي تبرر لنفسها ممارسة العسف والإكراه وإطلاق أحكام القيمة تجاه غيرها من الرؤى والقناعات.

إن الفهم الآحادي للقيم والمبادئ، هو أحد البذور الأساسية لانتهاك قيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسانية.

وذلك لأن هذا الفهم الآحادي يقود صاحبه إلى الاعتقاد الجازم بأنه هو وحده الذي على الحق وغيره يعيش الزيغ والضلال والانحراف. وهذا الاعتقاد بمتوالياتها النفسية والسلوكية، هو الذي يساهم في دفع هذا الإنسان إلى ممارسة العسف والإكراه تجاه الآخرين وجودا ورأيا وأفكارا.

إن الرؤية الاصطفائية إلى الذات وما تحتضنها من معارف وعقائد ومواقف، هي التي تقود إلى انتهاك الحقوق والانتقاص من كرامة الآخر المختلف.

 إننا هنا لا ندعو إلى جلد الذات أو تحقيرها، وإنما إلى مساواة الآخر بالذات، وإن الفهم الآحادي للدين والاعتقاد من قبل مجموعة بشرية إنها وحدها القابضة على الحقيقة والعارفة لقيم الدين وأهدافه، إن هذا المنحى يقود إلى تلغيم صيغ التعايش السلمي ومجالات التواصل الإنساني. لأن هذا الفهم يعيد ترتيب العلاقات والحقوق على قاعدة المنسجم مع هذا الفهم والمناقض والمخالف له.

وخلاصة الأمر: أن القضية الأساسية التي ينبغي أن تتجه إليها جهود المصلحين والمفكرين، هي نقد الفهم الآحادي وتفكيك النظام المعرفي الذي يبرر ويسوغ لصاحبه ممارسة العسف والقهر ضد الآخر المختلف والمغاير.

وإن هذا النقد هو محاولة فكرية ومعرفية لتجديد أنماط الرؤية وقواعد الفهم، وفحص متواصل لفضح إدعاء القبض على الحقيقة وتفكيك مبررات ومسوغات التمايز والإقصاء.

تفكيك الاستبداد:

لا ريب أن الاستبداد بكل صنوفه وأشكاله، من العقبات الكبرى التي تحول دون الإصلاح والتجديد والتطوير. لذلك فإن نشدان التجديد والإصلاح، يقتضي العمل بكفاءة عالية لتفكيك أسس الاستبداد والعمل على تحرير المجال الاجتماعي والسياسي والثقافي من كل أشكال الديكتاتورية والتسلط والاستفراد بالقرار والسلطة. وذلك حتى يتسنى للمجتمع بكل شرائحه من ممارسة دوره في عملية التطوير والتحديث. وإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال إن نتصور إصلاحا من دون الحد من صلاحيات السلطات الشمولية والمطلقة. من هنا فإن تجديد الخطاب الإسلامي، يقتضي العمل على التحرر من كل أشكال ومبررات ممارسة القهر والاستبداد والانعتاق من ذلك العبء والإرث التاريخي المليء بصور الاستبداد وممارسة السلطة القهرية تجاه الأمة والمجتمع.

فتفكيك الاستبداد السياسي والديني ونقد أسسهما الثقافية والسياسية، هو من الروافد الأساسية التي تساهم في تطوير مشروع الإصلاح وتجديد الخطاب الديني. فلا يمكن أن يتم التجديد في ظل ثقافة تبرر الاستبداد وتدعو إلى ممارسته بعناوين ويافطات مموهة.

إننا ينبغي أن نقف ضد كل أشكال وحالات الاستبداد بصرف النظر عن أصحابها أو المشروع الفكري الذي يقف ورائها.

والأحوال السيئة التي يعيشها اليوم المجالين العربي والإسلامي، هي من جراء التسلط السياسي والاستبداد الشمولي الذي ألغى الكثير من عناصر الفعالية والحيوية في جسم الأمة. فهو الداء (الاستبداد) الذي قضى على الكثير من الإمكانات والمكاسب، وهو المسؤول عن الكثير من العثرات والإخفاقات، وهو بوابة أزماتنا المزمنة وسيطرة الأجنبي على الكثير من ثرواتنا ومقدراتنا، فهو المرض الذي يختزل كل الأمراض، وهو العاهة التي تغطي كل العاهات، وهو أحد مصادر العنف والإرهاب.

 لذلك كله فإن بوابة الإصلاح في المجالين العربي والإسلامي، وجسر الخروج من مآزق الراهن وأزماته، هو العمل على تفكيك الاستبداد وخلق الحقائق والوقائع السياسية والثقافية والمجتمعية التي تحد من تغّول السلطات، وتساهم في منع الاستبداد السياسي من التمدد والانتشار في جسم الأمة. وأن موقعنا في خريطة العالم، يتحدد بمقدار قدرة مجتمعاتنا على الحد من ظاهرة الاستبداد السياسي المستشرية في واقع مجتمعاتنا.

" ولا شك أن علاقة العرب بالخارج تتوقف على وضعيتهم الوجودية بالداخل، أي على ما يصنعونه بأنفسهم وعلى ما يقدمونه للعالم، بمعنى أن ما يرفضونه من التقييمات السلبية التي تصدر بحقهم من جانب الغير، يحملون مسئولياتها هم أنفسهم وإن بصورة جزئية. ذلك أنهم يستعدون للعالم ولا يحسنون التعامل معه، والأخطر أنهم لا يحسنون المشاركة في صناعته عبر المساهمات الغنية والمبتكرة في ميادين الثروة والقيمة أو العلم والتقنية " (2).

 فمأزقنا الأكبر يتجسد في الاستبداد بكل صنوفه وأشكاله ولا نتمكن من تحسين صورتنا في العالم إلا بتغيير واقعنا. وطرد كل موجبات الاستفراد والاستبداد من فضائنا الاجتماعي والوطني. وأن تفكيك الاستبداد من الفضاء الاجتماعي والثقافي والسياسي يقتضي القيام بالأمور التالية:

1. تنقية مصادر المعرفة وأنظمة المعنى وسلم القيم الثقافية والاجتماعية، من كل جراثيم الاستبداد، وبذور التسلط والهيمنة. إذ لا يمكن أن نفكك الاستبداد السياسي من دون تطهير وتنقية ثقافتنا ووعينا الديني والاجتماعي والثقافي من كل بذور وموجبات الهيمنة والاستبداد.

 ولا تنمو الحرية في واقعنا الاجتماعي والسياسي، إلا إذا نمت في ثقافتنا وأصبح وعينا العام منسجما ومطالبا بهذه القيم والمبادئ الدستورية والديمقراطية.

2. تنمية الإنتاج الثقافي والمعرفي الديني، الذي يتجه إلى تطوير الوعي السياسي والاجتماعي المناقض للاستبداد السياسي والمساهم في تعميق الخيار الديمقراطي في مستويات الحياة المتعددة.

لهذا فإننا نعتقد أن تفكيك الاستبداد السياسي من واقعنا العام، يتطلب العمل على خلق معرفة دينية جديدة تبلور خيار الحرية، وتفكك كل السياقات الثقافية والاجتماعية المولدة لظاهرة الاستئثار والاستبداد.

3. القيام بمبادرات مجتمعية، هدفها خلق الوقائع والحقائق التي تحد من ظاهرة الاستبداد، وتوسع من دائرة المشاركة الشعبية في الشأن العام. فتفكيك هذه الظاهرة الخطيرة من واقعنا الاجتماعي والسياسي، يقتضي تشجيع الخطوات والمبادرات التي تتجه إلى خلق حقائق الحرية والمشاركة في الفضاء الاجتماعي، وتحد من تغوّل السلطة السياسية وهيمنتها على كل مفاصل الحياة. فالحرية والديمقراطية تتطلب عملا متواصلا وجهدا مضاعفا، لتثبيت حقائق الديمقراطية وتوسيع مستوى المشاركة السياسية والحد من تغّول السلطة وهيمنتها الشمولية. فتفكيك الاستبداد، لا يتم بالرغبة والتمني المجرد، بل بالكفاح المتواصل والعمل الشعبي الضاغط باتجاه نيل الحقوق وإصلاح المسار السياسي للدولة والمجتمع.

4. تنظيم وصياغة العلاقة بين مختلف قوى المجتمع وتعبيراته الفكرية والسياسية والمدنية على أسس الاحترام المتبادل ومشاركة الجميع في مقاومته ومجابهة الاضطهاد ومحاربة كل أشكال الاستبداد. وذلك لأنه لا يمكن تفكيك ظاهرة الاستبداد السياسي بمجتمع مفكك ومبعثر. ولا شك أن الخطوة الأولى في مشروع الوحدة الاجتماعية هو تنظيم العلاقة بين مكونات المجتمع، ونبذ كل حالات الاحتراب الداخلي والتهميش المتبادل. والعمل على بناء نظام علاقات وعمل تضم كل الأطياف والتعبيرات، وذلك من أجل العمل على تعميق الخيار الديمقراطي في الفضاء الاجتماعي والسياسي، وتفكيك القاعدة الثقافية والاجتماعية والسياسية التي يستمد منها الاستبداد آلياته وفعاليته. لذلك ينبغي دائما وفي كل الأحوال، الاهتمام بموضوع العلاقات الداخلية بين قوى المجتمع وأطرافه المتعددة. لأنه لا يمكن بناء القوة الاجتماعية الحقيقية والقادرة على مواجهة الاستبداد السياسي، بدون تنظيم العلاقة بين مكونات المجتمع.

من هنا فإننا مع كل مبادرة وخطوة عملية تتجه أو تستهدف توطيد العلاقات الداخلية أو لامتصاص بعض السلبيات العالقة في طبيعة العلاقة السائدة بين أطراف المجتمع.

فضبط الاختلافات الداخلية وتنظيم تباينات المجتمع الثقافية والسياسية، يساهم بشكل كبير في خلق القدرة المؤاتية لمواجهة الاستبداد بكل آلياته ومخططاته.

والفكر الديني المعاصر ينبغي أن لا يكون منعزلا أو بعيدا عن قضايا الحرية والديمقراطية، ونقد الاستبداد بكل صنوفه وأشكاله. وإنما من المهم أن يستفيد الفكر الديني المعاصر من التراث والقيم التحررية التي يتضمنها الدين الإسلامي، والعمل على بلورتها في سياق خطاب إسلامي جديد، يتجه صوب تفكيك الاستبداد وخلق حقائق الحرية والديمقراطية في الفضاء الاجتماعي. فالدين الإسلامي بقيمه ومبادئه ونظمه، هو مناقض جوهري لنزعة الهيمنة والتسلط السياسي. لذلك من الضروري أن يتوجه معنى وسؤال الإصلاح الديني إلى تحرير الدين من استغلال وتوظيف المجال السياسي، وخلق الوعي والثقافة المنطلقة من قيم الدين ومبادئه الرافضة لخيار الاستبداد ونزعات التسلط والهيمنة. وأي محاولة لتسويغ الاستبداد دينيا، هي محاولة مصلحية ولا تنسجم والقيم الكبرى والأصلية للدين. فالإسلام جاء من أجل تحرير الإنسان من أهواءه وشهواته ونزعاته الشيطانية، ومن كل القوى البشرية الضاغطة أو المانعة لحريته واستقلاله.

فالتوجيهات الإسلامية تحث الإنسان على رفض الذل والخضوع للظلم والاستبداد. فقد جاء في الحديث الشريف (ألا وإن الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، وظلم لا يترك، وظلم مغفور لا يطلب. فإما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله، قال تعالى: [إن الله لا يغفر أن يشرك به] وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات. وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا. القصاص هناك شديد، ليس هو جرحا بالمدى ولا ضربا بالسياط، ولكنه ما يستصغر ذلك معه. فإياكم والتلون في دين الله، فإنه جماعة فيما تكرهون من الحق خير من فرقة فيما تحبون من الباطل " (3). وفي حديث آخر " فأعلم أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدي وهدى، فأقام سنة معلومة، وأمات بدعة مجهولة. وإن السنن لنيرة لها أعلام، وإن البدع لظاهرة لها أعلام. وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضلّ وضُلّ به، فأمات سنة مأخوذة، وأحيى بدعة متروكة. وأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في جهنم فيدور فيها كما تدور الرحى ثم يرتبط في قعرها " (4).

فالإسلام لا يشرع للظلم والاستبداد، بل يدعو المسلمين إلى رفض الظلم ومقاومة الاستبداد ونشدان المساواة والعدل في كل الأحوال والظروف.

صيانة حقوق الإنسان:

لعل من المفارقات الصارخة في واقعنا الإسلامي المعاصر، هي تلك المفارقة المرتبطة بحقوق الإنسان في فضائنا الثقافي والسياسي والاجتماعي. حيث إننا نمتلك من جهة تراثا ونصوصا دينية هائلة، تحث على احترام الإنسان وصيانة حقوقه وكرامته، والتعامل معه وفق رؤية أخلاقية نبيلة. وبين واقع لا يتوانى من انتهاك حقوق الإنسان وتدمير كرامته وهتك خصوصياته. فنحن في المجال الإسلامي نعيش هذه المفارقة بكل مستوياتها وتأثيراتها. فنصوصنا الدينية تحثنا على الالتزام بحقوق الإنسان وصيانة كرامته وتلبية حاجاته. ولكن في المقابل هناك الحياة الواقعية المليئة على مختلف المستويات بأشكال تجاوز وانتهاك حقوق الإنسان. ولا يمكن ردم هذه لفجوة وتوحيد الواقع مع المثال على هذا الصعيد إلا بتطوير خطابنا الديني وإبراز مضمونه الإنساني والحضاري. وذلك لأن هذا الخطاب في أحد أطواره ومستوياته كان يمارس التبرير والتسويغ لتلك المفارقة الحضارية التي يعيشها واقعنا العربي والإسلامي. وإن تجاوز هذه المفارقة، يتطلب العمل على بلورة خطاب حقوقي إسلامي، يرفض كل أشكال التجاوز والانتهاك لحقوق الإنسان الخاصة والعامة، ويبلور ثقافة اجتماعية عامة، تعلي من شأن الإنسان وتحث الناس بكل فئاتهم وشرائحهم باحترام آدمية الإنسان وصيانة كرامته والحفاظ على مقدساته. وإن صيانة حقوق الإنسان في الفضاء الاجتماعي، بحاجة إلى نظام الحرية والديمقراطية. لأنه لا يمكن أن تصان حقوق الإنسان بعيدا عن الحريات السياسية والديمقراطية. وإن ضمان الحقوق الأساسية للإنسان، بحاجة إلى نظام، ينظم العلاقات، ويضبطها بعيدا عن الإفراط والتفريط. فلا حقوق للفرد والمجتمع، بدون مرجعية عليا ينتظم تحت لوائها ومظلتها الجميع. فلا يمكن أن تصان الحقوق، حينما تنتشر الفوضى، ويغيب النظام وذلك لأن كل متواليات هذا الغياب تنعكس سلبا على واقع حقوق الإنسان في المجتمع. لذلك نجد أن المجتمع الذي يعاني من حروب داخلية أو أهلية، لا يتمكن من صيانة حقوق الإنسان فيه. وذلك لأن مفاعيل غياب النظام تحول دون احترام الإنسان وصيانة حقوقه. ولعل في مقولة الإمام علي (ع) التالية إشارة إلى هذه المسألة. " لا بد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في أمرته المؤمنون، ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتؤمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر أو يستراح به من فاجر ".

والدعوة إلى النظام لضمان الحقوق، لا تشرع بطبيعة الحال إلى الاستبداد والحكم المطلق. لأن هذا بدوره أيضا يمتهن الكرامات ويدمر نظام الحقوق في المجتمع. من هنا نصل إلى حقيقة أساسية وهي: أن النظام الذي يكفل الحريات للمجتمع، هو النظام القادر على صيانة حقوق الإنسان. ولا يمكن أن نصل إلى هذه الحقيقة، إلا بحيوية وفعالية اجتماعية تنتظم في أطر ومؤسسات وتعمل وتكافح لخلق الحقائق في واقعها، وتفرض ظرفا جديدا، بحيث تكون صيانة حقوق الإنسان من الحقائق الثابتة في الفضاء الاجتماعي.

إننا بدون تغيير واقعنا الاجتماعي، لن نتمكن من خلق نظام سياسي يصون الحريات والحقوق.

 من هنا تنبع أهمية العمل الاجتماعي والثقافي المتواصل، باتجاه تنقية واقعنا الاجتماعي من كل رواسب التخلف والانحطاط، ومقاومة كل الكوابح التي تحول دون التنمية والبناء الحضاري. إن حيويتنا الاجتماعية وفعلنا الثقافي المتميز والنوعي من الروافد الأساسية لبلورة قيم حقوق الإنسان في فضائنا الاجتماعي والثقافي. فلا يكفينا أن تكون النصوص الدينية حاضنة لحقوق الإنسان ومشرعة لها وإنما لا بد من العمل والكفاح لسن القوانين واتخاذ الإجراءات وخلق الوقائع المفضية جميعا إلى صيانة حقوق الإنسان. وعليه فإننا نشعر بأهمية أن يتجه الخطاب الديني إلى مسألة حقوق الإنسان، ليس باعتبارها مسألة تكتيكية أو مرحلية، وإنما باعتبارها جزء أصيل من التوجيهات الإسلامية والمنظومة الدينية. لذلك ينبغي أن يتجه هذا الخطاب إلى الإعلاء من شأن هذه المسألة، وتنقية مفرداته ووقائعه من كل الشوائب التي لا تنسجم والحقوق الأساسية للإنسان.

فالإنسان بصرف النظر عن منبته الأيدلوجي أو انتماءه المذهبي أو القومي أو العرقي، يجب أن تحترم آدميته وتصان حقوقه. وأي فهم لأي قيمه من قيم الدين، لا تنسجم وهذه الرؤية، هو فهم مشوب وملتبس، ولا يتناغم والقيم العليا للدين.

فالإسلام بكل قيمه ومبادئه ونظمه وتشريعاته، هو حرب ضد كل العناوين والعناصر التي تنتقص من قيمة الإنسان أو تنتهك حقوقه.

فهي قيم من أجل الإنسان وفي سبيله، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يشرع الإسلام لأي فعل أو سلوك يفضي إلى انتهاك حقوق الإنسان.

لذلك كله نستطيع القول: أن الانتهاكات المتوفرة في المجالين العربي والإسلامي لحقوق الإنسان، هي وليدة الأنظمة الاستبدادية والشمولية التي تمارس كل أنواع الظلم والعسف والقهر لبقاء سلطانها الاستبدادي والإسلام بريء من هذه الانتهاكات. وإن المحاولات التي يبذلها علماء السلطان لسبغ الشرعية على تجاوزات السلطة الاستبدادية، لا تنطلي على الواعين من أبناء الأمة، ولا تحسب بأي شكل من الأشكال على الإسلام كمبادئ وقيم ومثل عليا.

 والإصلاح الديني المنشود، هو الذي يتجه إلى العناصر التالية:

1. تحرير المجال الاجتماعي والثقافي والسياسي من كل أشكال الهيمنة وانتهاك الحقوق وتجاوز ثوابت الدين القائمة على العدل والحرية والمساواة.

2. تنقية الثقافة الدينية السائدة، من كل رواسب التخلف السياسي والانحطاط الثقافي والأخلاقي. فلا يمكن أن تكون ثقافة دينية أصيلة، تلك الثقافة التي تبرر الظلم أو تسوغ التعذيب أو تشرع للعسف وانتهاك الحقوق والحريات العامة للإنسان.

3. بناء المجال السياسي والثقافي في الأمة، على أسس العدل والحرية والمساواة وصيانة حقوق الإنسان. فالمهم أولا ودائما أن يكون واقعنا بكل مستوياته منسجما ومقتضيات الإسلام ومثله العليا.

4. تحرير العلاقات وأنماط التواصل بين مختلف المكونات والتعبيرات، من كل أشكال التمييز والتهميش والإقصاء بدعاوي ومسوغات دينية أو فكرية أو سياسية. وبناء العلاقة بين هذه التعبيرات على أساس الجوامع المشتركة ومقتضيات الشراكة والمسؤولية المتبادلة.

وهذا يتطلب تطوير علاقتنا المنهجية والمعرفية بالنصوص الإسلامية، وتجسير الفجوة بين مؤسساتنا ومعاهدنا العلمية ومصادر المعرفة الإسلامية الأساسية. وذلك من أجل إنتاج ثقافة إسلامية أصيلة ومنفتحة ومتفاعلة مع مكاسب العصر والحضارة.

الخاتمة:

ثمة حقيقة أساسية نصل إليها من خلال بحثنا في معنى الإصلاح الديني في مجالنا الوطني، وهي أن المآزق والتوترات والاختناقات التي نعانيها على أكثر من صعيد، هي نتاج شبكة من الأسباب والعوامل. لذلك تتأكد حاجتنا إلى عملية الإصلاح الديني، الذي يتجه إلى إرساء حقائق ومعالم التعددية وإحترام التنوع وحق الاختلاف والحريات العامة والتسامح وحقوق الإنسان.

وهذا بطبيعة الحال، ليس سهل المنال، وإنما هو بحاجة إلى جهود فكرية ومؤسسية متواصلة، لتنقية المجال السياسي والثقافي والاجتماعي من كل مظاهر الأنانية والآحادية والاستبداد.

وإن مشروع النهضة الوطنية على الصعد كافة اليوم، بحاجة إلى وعي وثقافة دينية جديدة، تتصالح مع الحرية وتنبذ العسف والاستبداد، وتتفاعل على نحو إيجابي مع التنوع والتعددية، وتقطع نفسيا ومعرفيا مع الرؤية الآحادية التي لا ترى إلا قناعاتها وتتعامل معها باعتبارها الحقائق المطلقة.

ويتحمل العلماء والمفكرون المسلمون اليوم، مسؤولية بلورة وخلق خطاب ديني جديد، يجيب على أسئلة وتحديات الراهن، ويصيغ حركة المجتمع باتجاه البناء والتنمية والعمران الحضاري.

ووفق معطيات الراهن بكل مستوياته، فإن الإصلاح الديني في فضائنا الاجتماعي والوطني، هو جسر الاستقرار والتقدم وامتلاك ناصية المستقبل.

***

محمد محفوظ

.......................

الهوامش

1. عبد الإله بلقزيز، الإسلام والسياسة - دور الحركة الإسلامية في صوغ المجال السياسي، ص 177، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، بيروت 2001م.

2. علي حرب، العالم ومأزقه - منطق الصدام ولغة التداول، ص 44، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، بيروت 2002م.

3. محمد جواد مغنية، في ظلال نهج البلاغة، المجلد الثاني، ص 540، دار العلم للملايين، الطبعة الثالثة، بيروت 1979م.

4. المصدر السابق، ص 460.

مفتتح: ثمة نزوع فكري ومعرفي في هذه الأيام، يتجه نحو الاهتمام بالمسائل المدنية والأهلية في المجال العربي والإسلامي. وذلك بفعل أن المؤسسات المدنية والأهلية وذات الاستقلال التام والحيوية في مسار بناء الأمة بعيدا عن الإرادات السياسية الظالمة، هي إما غائبة أو مهمشة ومغيبّة. وفي كلا الحالتين، كان للإرادة السلطوية الدور الأكبر في تغييب هذه المؤسسات، التي تشكل روح الأمة ودينامو المجتمعات العربية والإسلامية في تاريخها المديد، أو في تهميشها وتضييق مجال حركتها وفعلها الحضاري، والعمل على إفراغها من مضمونها الحقيقي والجوهري. فالمشروعات السياسية التي لا تتضمن مضمونا حضاريا، فإنها تعمل بكل ما أوتيت من قوة إلى تقليص القاعدة الاجتماعية لهذه المؤسسات والأنشطة المدنية والحضارية، وذلك عبر استخدام القوة بكل صنوفها وتجلياتها، في سبيل منع قيام القطاعات الاجتماعية باحتضان هذه المؤسسات وتنمية دورها ووظائفها في مسار الأمة العربية والإسلامية. ولأسباب مرتبطة ببنية المشروعات السياسية الخالية من المضامين الحضارية والمدنية، فإنها تقف موقفا مضادا من هذه المؤسسات والأدوار الموكولة لها.

ونتحدث عن المسألة المدنية أو المؤسسات الأهلية الاجتماعية والحضارية في إطار الواقع العربي والإسلامي، الذي يعاني اليوم من تغوّل الدولة والمشروعات السياسية التي تسعى عبر ترسانتها الإعلامية وإمكانياتها المالية وإرادة الهيمنة والقوة، إلى ابتلاع وتذويب كل المؤسسات والقوى التي تساهم في تنمية الأمة وتطوير أدائها في مختلف المجالات، بالاعتماد على إمكانات الأمة الذاتية الاجتماعية والحضارية.

لذلك سيستمر الخلل يزيد من تأثيراته الخطيرة على واقع الأمة، إذا لم تبذل الجهود في سبيل إعـادة التوازن بين الدولة بمؤسساتها وضروراتها، والمجتمع بهياكله ومؤسساته وتطلعاته في التطوير والبناء. ولا ريب أن الخطوة الأولى في إطار إعادة التوازن بين الطرفين، هو إعادة الاعتبار إلى المؤسسات الأهلية (مؤسسات الأمة) وتنمية أدوارها ووظائفها، وخلق الأنشطة الأهلية والمدنية التي تساهم في تمدين الواقع الاجتماعي، وجعله مؤهلا من الناحية النفسية والعقلية والواقعية لممارسة دوره والقيام بواجباته الكبرى في الوجود.

ويبدو أن المدخل الفعال لمناقشة هذه المسائل، هو جدليات الأمة والدولة في التجربة الإسلامية التاريخية.

جذر المأزق

من الطبيعي أن تتمايز بنية المجتمع عن بنية الدولة، إذ لكل طرف أدواره ومقتضيات مختلفة عن الآخر، إلا أنه مـن غير الطبيعي أن تتناقض أهداف الدولة ومشروعاتها عن أهداف ومشروعات الأمة.

إذ أن هذا التناقض، هو الفجوة الكبرى التي حدثت في التجربة الإسلامية التاريخية، ودخلت واستوطنت من خلالها الأزمات والمآزق والمعضلات والتداعيات الذي لا زال واقعنا يعاني من آثارها وتأثيراها.

فالأزمة الحقيقية والمعضلة الكبرى، بدأت منذ تناقضت مشروعات الدولة مع مشروعات الأمة، وأصبحت الدولة تمارس كل جبروتها في سبيل إقصاء الأمة بنخبها وعلمائها واهتماماتها عن مسرح الحياة السياسية والثقافية للعالم الإسلامي.

فالاستبداد السياسي الذي تمارسه الدولة، أخذ طريقه للتوسع والانتشار على قاعدة تهميش الأمة وإقصائها عن الفعل السياسي والحضاري.

إذ أن مراقبة الأمة ومحاسبتها للحكام وحضورها الدائم على مسرح الأحداث، كان يحول دون تغوّل الدولة واعتمادها المطلق على القهر والبطش والاستبداد في الإدارة والحكم.

وحين تتأزم العلاقة بين الدولة والأمة، تبرز على السطح كل العناوين الفرعية التي أعطى لها الإسلام مضمونا جديدا، أو حالت قيمه ومبادئه دون التعصب الأعمى لتلك العناوين الفرعية. فالعشيرة والقبيلة مثلا أصبحت في التجربة الإسلامية التاريخية، كيانات اجتماعية طبيعية، تمارس دورها في التضامن الداخلي والدعوة وبناء المجتمع الجديد. ولكن حينما تتخلى الدولة عن مشروع الأمة الحضاري والسياسي، أو تتناقض خيارات الدولة مع خيارات الأمة، فإن كل العناوين الفرعية المتوفرة في الجسم الاجتماعي والسياسي للمسلمين، تبدأ بالبروز القلق وممارسة أدوار مختلفة وخطيرة. وفي بعض الحقب والتجارب كان لعودة هؤلاء الناس إلى عناوينهم الفرعية تأثيرات سلبية خطيرة على وحدة الأمة والمجتمع الإسلامي.

وذلك لعـودة هؤلاء إلى المضامين الجاهلية أو السيئة وذات البعد العصبوي إلى عناوينهم الفرعية.

ولذلك نستطيع القول أن تكامل الأمة والدولة في التجربة الإسلامية، هو الكفيل بصهر كل العناوين الفرعية في بوتقة الأمة ومشروعاتها الحضارية. ودائما تبدأ محنة المسلم الكبرى، حينما تبتعد الدولة ككيان سياسي وإداري عن الأمة وخياراتها. وتتأزم العلاقة بين المجتمع والــدولة حينما تمارس الدولة عمليات التهميش والإقصاء لقوى الأمة الذاتية (الأهلية)، وتسعى نحو إضعاف الأمة، حتى يتسنى لها القيام بكل شيء على مختلف الصعد بدون حسيب أو رقيب.

لذلك فإن حضور الأمة وحيويتها وجهادها، واستمرار تطور قواها الذاتية، هو الضمان الوحيد لعدم تغوّل الدولة وتحولها إلى كيان يختزل إمكانات الأمة في مؤسساته وأطره، ويحركها وفق مصالحه الضيقة. إننا مع الدولة القوية القادرة على الدفاع عن سيادة المسلمين وعزهم واستقلالهم، ولكن قوة الدولة الحقيقية لا تتأتى إلا من خلال ممارسة الأمة بمؤسساتها ومنابرها الأهلية والمدنية لدورها وحريتها.

حيوية الأمة وقوتها، هو طريق صناعة الدولة القوية، وأي طريق يتجه إلى صناعة قوة الدولة بعيدا عن هذا الخيار، فإنه يؤدي بنا إلى الدخول في نفق مظلم من العلاقة المتوترة وذات الطابع الصراعي بين الدولة والأمة.

وهذا النفق المظلم، هو الذي يعطل المجال الحضاري الإسلامي من القيام بدوره الكوني.

مأزق الدولة الوطنية

مع اتساع دائرة انحراف السلطنة العثمانية، وتضخم نزعة الاستبداد لديها، واشتداد استخدام العنف والقوة تجاه الآراء الحرة والأفكار الجديدة. لدرجة أن المؤرخين أطلقوا على السلطان عبد الحميد اسم (السلطان الأحمر) كتعبير عن سياسة الشدة والغلظة والاستبداد التي ينتهجها. مع اتساع هذه الدائرة التي أصبحت ككرة الثلج، حيث أن السلطنة بدأت تواجه أزماتها وإشكالياتها بالمزيد من استخدام العنف والقوة والقهر، بدأت النخب الثقافية والسياسية، تطرح مشروعات بديلة عن السلطنة العثمانية. وأضحت الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية للعالم الإسلامي آنذاك سجالا محموما بين اتجاهات ثلاث:

1-  السلطنة العثمانية بما تشكل من رمزية تاريخية وثقل روحي وامتداد جغرافي وقوة عسكرية.

2-  القوى الاستعمارية الجديدة، التي بدأت تنشط على ساحة العالم الإسلامي وذلك لتثبيت أقـدامها ودحر عدوها التاريخي الذي أصابته في تلك الآونة أعراض الضعف والمرض.

3-  النخب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي لم تكن على رأي واحد، وإنما هي عبارة عن قوة جديدة، وذات مرجعيات مختلفة، وثقافات متباينة، إلا أن القاسم المشترك بين هذه النخب، هو إيمانها بضرورة تغيير الواقع المعيش، والسعي نحو تحديث العالم العربي والإسلامي.

ومن خلال هذه السجالات المستديمة، تمخضت مشروعات سياسية وفكرية كثيرة، وبدأت تتوالد التحالفات والإستقطابات الجديدة، وتبرز التناقضات في تشخيص الواقع وطرق معالجته، وبدأت القوى الاستعمارية تمارس مكرها وكيدها ودسائسها لتوجيه هذه السجالات ومن وراءها إرادة التغيير في تجاه يخدم مصالح المستعمر، ويثبت حقائقه السياسية والعسكرية والثقافية على الأرض العربية والإسلامية. وبفعل عوامل عديدة ذاتية وموضوعية، طرح شعار الاستقلال القطري، كخيار إستراتيجي بالنسبة إلى العديد من الأقاليم العربية والإسلامية.

وبدأت النخب السياسية والثقافية بحشد الجمهور تجاه الهدف الجديد.

وهكذا ولدت الدولة الوطنية في المجال العربي والإسلامي، وهي تحمل مأزقها وأزمتها. فهل الدولة الوطنية هي خيار نهائي، أم هي مقدمة ضرورية للوصول إلى الدولة القومية.. ووفق أي قواعد تتشكل علاقة هذه الدولة الوطنية مع شقيقاتها، وكيف تكون علاقة الجميع بالحلم القومي وبالأمة.

(ومما زاد وهن الدولة العربية على وهنها السابق، هو أنها لم تتمكن من اكتساب الشرعية الأيدلوجية اللازمة. حيث تتداخل في الوعي والوجدان العربي الإسلامي عامة، حلقات الولاء القطري المحلي والقومي والإسلامي. ورغم كل المحاولات التي بذلت لاستنبات مشروعية تاريخية وأيدلوجية للكيانات القطرية العربية المستجدة من خلال استدعاء الأدبيات القومية الغربية، ومن خلال النبش في السجلات التاريخية القديمة. ومع ذلك فقد ظل قطاع واسع من الرعايا، ينظر إلى هذه الدولة بعين الـريبة والشك، ولم يـر فيها في أحسن الحـالات سوى محـطة عبور إلى ما بعدها) (1).

وأضحت المشكلة الأساسية التي تواجه الدولة الوطنية في العالم العربي والإسلامي، هي غياب مفهوم الأمة الشامل عن فضائها ومحيطها السياسي، وعدم قدرتها على تجاوز الثقل المعنوي والثقافي لمشروع الوحدة القومية أو الإسلامية.

الأمة أولاً

لم يأت مفهوم الأمة في القواميس اللغوية بمعنى واحد، وإنما بمعاني متعددة، حتى ذكر ابن الأنباري في كتابه (الزاهر في معاني كلمات الناس) (2) أن الأمة تنقسم في كلام العرب إلى ثمانية أقسام منها: الجماعة قال تعالى [ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس..] (القصص 23).

والزمان قال تعالى [ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة …] (هود 8).

والدين قال تعالى [وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة..] (الزخرف 23).

وأضافت القواميس اللغوية الأخرى أيضا معاني وأوصاف أخرى لمفهوم الأمة، فهي تعني لدى (ابن منظور) الطريق والسبيل، ويعرّفها عبد القاهر البغدادي بأنها: " كل دار ظهرت فيها دعوة الإسلام من أهله بلا خفير ولا مجير ولا بذل جزية ونفذ فيها حكم المسلمين على أهل الذمة إن كان فيهم ذمي " (3).

فالأمة محورها الأساس هو الدين. فالجماعة البشرية التي تتمحور حول دين وعقيدة، وتسعى وتعمل على تحويل هذا الدين أو تلك العقيدة إلى وقائع وحقائق. هذه الجماعة البشرية يطلق عليها مصطلح (الأمة).

ولقد حاولت الدول المنحرفة والاستبدادية في التجربة الإسلامية التاريخية، أن تغيّر من محور الأمة وقطبها الأساس، فجاءت دول سعت أن تكون القرابة هي محور الجماعة، وأخرى العنصر العربي وهكذا. ولذلك نجد أن في التاريخ كانت هناك صراعات وانقسامات على هذه القواعد. فحاول البعض التمييز في العطاء، وإعطاء الفرص والمناصب السياسية الهامة إلى شخصيات معيار اختيارها ليس الكفاءة والقدرة، وإنما القرابة الدموية. ومع اتساع رقعة الإسلام بدأ التمييز على قاعدة العرب والموالي، ولقد أحدث هذا التمييز في التجربة الإسلامية التاريخية العديد من الصراعات والحروب والثورات.

فالمحور الأساسي لمفهوم (الأمة) هو الدين والعقيدة، لذلك فإن مفهوم الأمة سيرورة تاريخية، إذ مع اتساع رقعة الإسلام تتسع دائرة الأمة ومسؤولياتها.

لهذا نجد أن التوجهات العامة والتكاليف الاجتماعية والحضارية، التي أرسى دعائمها الدين الإسلامي لم تتوجه إلى آحاد الأمة أو كيانها السياسي (الدولة)، وإنما هي توجهت بشكل مباشر إلى الأمة. فهي المسئولة عن تنفيذ تلك التوجهات، وهي الحاضن إلى القوى المـؤهلة لتحويل تلك التكاليف إلى وقائع قائمة في المجال الاجتماعي والحضاري.

قال تعالى [واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين لكم آياته لعلكم تهتدون * ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون * ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد وما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم] (4).

فالوحدة كقيمة إسلامية وإنسانية كبرى، يتجه التكليف فيها إلى الأمة. فالوحدة تبدأ من الدوائر الاجتماعية الصغيرة، حتى تصل إلى الدوائر الكبيرة. فالأمة هي المسئولة الأولى عن خلق الوحدة بوعيها وإرادتها وتصميمها على تجاوز كل العقبات المتوفرة في الواقع المجتمعي التي تحول دون ذلك.

وقال تعالى [وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا...] (5).

فالعمران الحضاري يتطلب حضورا حيويا للأمة وشهودا متواصلا من قبل القوى والأطر التي تجسد إرادة الأمة، حتى يتحقق الرقي الحضاري.

فشهود الأمة ووسطيتها، هو الشرط الضروري للتقدم الشامل.

وتاريخيا كان للأمة بمؤسساتها ومنابرها وإمكاناتها الأهلية، الدور الرئيسي والجوهري في توسع رقعة الإسلام، وتذليل الكثير من العقبات التي تحول دون استمرار حركة الفتح الروحي والحضاري.

واستخدمت في سبيل ذلك وسائل حضارية كالدعوة بالتي هي أحسن إلى الدين الجديد، والتواصل الإنساني، وصناعة القدوة الحسنة، التي تمارس فعلا دعويا متواصلا من خلال سلوكها وحركتها العامة.

وفي إطار مشروع الأمة الحضاري، الذي يتجه إلى الأقوام والشعوب الأخرى لإشراكها في عملية العمران الحضاري وفق القيم الجديدة التي جاء بها الإسلام.

لم تمارس (الأمة) أي فعل عنفي أو لم تستخدم وسائل القهر والبطش في سبيل إخضاع الشعوب الأخرى. وإنما قامت بنشر العلم والمعرفة بوسائل حضارية، وتحولت بيوتات العلم ومراكز المعرفة في الأمة إلى مراكز إشعاع علمي - حضاري، أخذت على عاتقها تعميم قيم الدين الجديد، وتعريف الآخرين بقيم الإسلام ومثله ومبادئه.

ومنذ انطلاقة الإسلام " سعى لاستيعاب القبلية عن طريق توسيعها لتشمل الأمة التي يُفترض أن تنمو تدريجيا لتشمل العالم. ويعتبر أعضاء القبيلة أنفسهم إخوة على أساس قرابة نسبية. يتخذ الإسلام مبدأ الأخوة القبلي منطلقا لكنه ينسف أساسه البيولوجي ويوسعه ليشمل جميع أعضاء الأمة. هذا التوسيع للمفاهيم يحولها إلى نقيضها، فتصبح منطلقا لتكوين جماعة واسعة قائمة على أسس إنسانية شمولية بدل أن تبقى محصورة في الجماعة الضيقة لكل ما هو خارج إطارها ". (6).

وبهذه الطريقة حقق الإسلام تحولا نوعيا في الواقع المجتمعي، إذ تم صهر كل العناوين الفرعية في دائرة الأمة (مع احترام كامل للخصوصيات الذاتية)، وتم تأسيس الدولة والتجربة السياسية على قاعدة الأمة الجديدة.

فالأمة في التجربة الحضارية، هي الإرادة الكبرى لإنجاز مشروعات الإسلام الحضارية. فهي التي أوصلت الإسلام إلى أصقاع المعمورة، وهي التي احتضنت المجاهدين والعلماء والذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية الدعوة والإرشاد، وهي التي أبدعت وسائل عديدة لاستمرار مشروعات صناعة الخير على مختلف الصعد والمستويات. وهي التي أمدت مشروعات الفتح الحضاري بالكفاءات البشرية المؤهلة والقادرة على ممارسة دورا متميزا في هذا المجال.

فمن مؤسسات الأمة العلمية والتربوية، برز آلاف العلماء والفقهاء والمجاهدين والمصلحين، الذين مارسوا أو قاموا بأدوار جوهرية وحاسمة في عمليات النهضة والبناء.

ومن مؤسسات الأمة الخيرية والأهلية والتطوعية، تم دعم الدعاة والمجاهدين، وتوفير كل مستلزمات الانطلاق في رحاب المعمورة.ومن هذه المؤسسات برزت إمكانات الأمة الاقتصادية والإنتاجية، التي أصبحت جزءا رئيسيا في حركة الاقتصاد والإنتاج لعالم المسلمين. ومن بركات هذه المؤسسات، تم رعاية واحتضان كل الحلقات الضعيفة في المجتمع والأمة.

فالأمة هي التي قامت بالأدوار الكبرى في سبيل إنقاذ العالم من جاهليته وخلاصه من كل المعوقات التي تحول دون انطلاقته.

ونحن هنا لا ننكر دور الدولة في التجربة الحضارية والإسلامية، فالدولة في المنظور الإسلامي ضرورة شرعية وحضارية وذلك لأنها " المنهج الوحيد الذي يمكنه تفجير طاقات الإنسان في العالم الإسلامي والارتفاع به إلى مركزه الطبيعي على صعيد الحضارة والإنسانية، وإنقاذه مما يعانيه من ألوان التشتت والتبعية والضياع " (7).

فما دامت الدولة في المنظور الإسلامي ضرورة شرعية وحضارية، لذلك ينبغي أن يهتم بها المسلمون ويجعلها دائما مع خيارات الأمة. ولا ريب أن فعالية الأمة وحركية المجتمع السياسي الإسلامي، هي من العوامل الجوهرية والضرورية التي تحول دون تغوّل الدولة أو ابتعادها عن خيارات الأمة ومطامحها الكبرى.

وما نريد قوله في هذا الإطار، هو أن الأمة هي الفيصل في عمليات العمران الحضاري، ولولاها لما وصل الإسلام إلى أقاصي الأرض. وكان دور الدولة في التجربة التاريخية الإسلامية في هذا المجال هو دفع هذه الحركة، والتفاعل مع معطياتها ومتطلباتها. وإن الأزمة الكبرى التي وجدت في التجربة الحضارية الإسلامية، بدأت حينما سعت الدولة بآلياتها العسكرية والحربية وجبروتها وطغيانها السياسي، أن تلغي دور الأمة أو تقلصه تحت مبررات داخلية أو خارجية. حينذاك بدأت الدولة بمحاربة الأمة ومؤسساتها، وانعزلت الأمة عن الدولة ومقتضياتها.

ولعلنا لا نعدو الصواب حين القول: أن الكثير من الإخفاقات والنكسات التي أصابت التجربة الإسلامية على المستوى التاريخي، هي من جراء الانفصال الذي بدأ في مراحل مبكرة من التاريخ الإسلامي بين الدولة والأمة. ولولا الأمة وجهادها ومؤسساتها ومراكزها العلمية والدعوية والجهادية، لما استمرت حضارة الإسلام بالإشعاع حقب زمنية طويلة. وذلك لأن انحراف الدولة المبكر، جعلها بعيدة في سلوكها واختياراتها عن جوهر الإسلام ومثله في السياسة والحكم والإدارة.

فالتوسع المدني والحضاري الذي شهده العالم الإسلامي في عصره الذهبي (القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين)، لم تصنعه إلا الأمة التي عملت وجاهدت على مستويين:

المستوى الأول: محاصرة انحراف الدولة الإسلامية، والعمل بكل الوسائل المتاحة والمشروعة لضبط مؤسسة الدولة، وإخضاع خياراتها وسياساتها الداخلية والخارجية لضوابط الشرع الإسلامية.

والمستوى الثاني: الانطلاق في رحاب العالم، بإمكانات الأمة وآفاقها، لتوصيل الإسلام إلى الشعوب الجديدة.

وتاريخنا الإسلامي في الكثير من مراحله، هو عبارة عن مد وجزر بين الأمة والدولة. فالكثير من الأمجاد صنعتها الأمة بمؤسساتها وإمكاناتها الأهلية، كما أن الكثير من الإخفاقات والانكسارات كانت من جراء طغيان الدولة، وابتعادها التدريجي عن ضوابط الإسلام في الحكم والإدارة.

فالحركية الاجتماعية الجـديدة، وذات الفعالية الكبرى التي عاشها العرب والمسلمون في تاريخهم الغابر، يرجع الفضل فيها إلى الأمة ومؤسساتها. أما الدولة (وبالذات بعد التجربة الراشدية في الحكم) فهي على العكس من ذلك تماما، حيث أنها حاربت إبداعات الأمة، وحالت دون ممارسة حريتها في الدعوة وإيصال صوت الإسلام إلى الذات والآخر، وضربت بيد من حديد كل صاحب مشروع علمي أو ثقافي أو اقتصادي خارج عن نطاق الدولة وبعيداً عن سياساتها وجبروتها. لهذا يزخر تاريخنا الإسلامي بالانتفاضات والثورات التي قامت بها نخب الأمة وطليعتها ضد الطغيان والاستبداد الذي تمارسه الدولة وأجهزتها المختلفة.

وذروة الحضارة في المجال العربي - الإسلامي، تبدأ حينما تتطابق إرادة الدولة وإرادة الأمة. والتطابق هنا يعني أن لا تمارس الدولة بأجهزتها المتعددة أي إقصاء ونفي وتهميش لإرادة الأمة، وأن يـكون لها دورها الحضاري في مجال سيادة قيم الدين في الواقع الخارجي.

وليس من المبالغة في شيء القول: إن غياب هذا التطابق الحضاري في الدور والإرادة بين الأمة والدولة، هو الذي فتح الباب على مصراعيه للمشاكل والأزمات والإخفاقات التي يعاني منها واقعنا العربي والإسلامي.

ولقد استغلت قوى الشر والبغي والهيمنة في العالم هذه اللحظة لتشتيت قوى الأمة وتفتيت عضدها، وتثبيت الحوائل التي تحول دون الاستقلال والتحرر والتنمية، وتكريس التخلف والاحباطات في عقل وفكر الأمة. فحينما غاب مشروع الأمة من التأثير والفعل النوعي، ضاعت فلسطين، ودخلنا جميعا في نفق التبعية والاستتباع الحضاري على مختلف المستويات، وتم اختراقها على مستوى السياسة والحكم، والاقتصاد والاجتماع، والثقافة والعلم، وأصبحنا من جراء كل هذا على هامش حركة التاريخ، وبعيدا عن متطلبات الاستقلال والتنمية الشاملة.

من هنا فإننا نستطيع القول: أن الإخفاقات الكبرى التي أصابت عالم العرب والمسلمين، كانت في زمن كان مشروع الأمة في أسوأ حالاته، وكانت العلاقة بين الأمة والدولة علاقة توتر وصراع. كما أن لحظات الظفر والانتصار تشكلت في التجربة الحضارية الإسلامية، حينما عادت للأمة روحها، وأصبحت تشارك بكفاحها وجهادها في تكريس إرادتها العامة على مسرح الأحداث الكبرى.

وهكذا نصل إلى حقيقة أساسية في التجربة السياسية للعرب والمسلمين وهي:

أن بداية الانطلاقة الحضارية الحقيقية، تبدأ من الأمة وقواها الحية، وأي مراهنة على غير الأمة، تزيدنا غبشا وضياعا وترددا. فحينما نعيد الحياة إلى جسم الأمة، فإنها تتحرك صوب أهدافها الكبرى بدون تعب أو كلل.

لذلك فإن مهمتنا الكبرى اليوم تتجسد في إنهاض الأمة وبناء قواها الذاتية، وتأهيلها من جديد، لكي تمارس حضورها وشهودها على العالم.

وإن نجاحنا كله مرهون بمدى قدرتنا على تحريك قوى الأمة، وتنظيم إمكاناتها وطاقاتها صوب أهداف محددة وغايات مشتركة. فحينما تتحرك الأمة، ويكون حضورها وشهودها شاملا، لن تصبح السلطة أو الدولة غريبة عن أهداف ومشروعات الأمة. " وفي العصور الإسلامية المتأخرة، حين صارت اكثر السلطات غريبة عن المدينة، لعبت المدينة دور الصامد، والحافظ، والمستوعب، فصارت هي القائمة بالوظائف الحضارية والسياسية للدولة بعد أن غابت تلك لا من حيث البنية، بل من حيث الارتباط بالمشروع التاريخي للأمة " (8).

ففي زمن ضعف الدولة واهتراء مشروعها، كانت الأمة تمارس دورها في مختلف المجالات على أكمل وجه. وحينما تتناقض إرادة الدولة والأمة، فإنها (الأخيرة) تجاهد لإعادة الدولة إلى وضعها الطبيعي، وفي نفس الوقت فإنها ترعى وتحتضن المناشط الحضارية للعرب والمسلمين.

أما إذا تكاملت إرادة الدولة مع إرادة الأمة، فإن ملحمة البناء والحضارة، تبدأ بالبروز والانطلاقة في عالم العرب والمسلمين. وكل الحقب المجيدة في تاريخنا، هو من جراء تكامل الإرادتين، أو فعالية إرادة الأمة في زمن خواء الدولة وضعفها الحضاري.

وإنه لولا قوى الأمة الذاتية وتنوعها الثري، لأصبحت الدولة كيانا خطيرا، يلتهم الجميع، ويقضي على كل فرص النمو والبناء خارج نطاق الدولة ومشروعاتها ذات الطابع المطلق والكلاني.

فالأمة في النص والتجربة التاريخية الإسلامية، لها دورا مركزيا في الحياة الدينية والاقتصادية والعلمية والسياسية والحضارية والخيرية للمسلمين. إذ أن أكثر المؤسسات والأطر في تاريخ التجربة الإسلامية، هي تنتمي إلى الأمة وتستند إليها في أنشطتها وأعمالها. وإن تغييب الأمة من الفعل الحضاري، حرم المجتمع الإسلامي من مصادر قوته وعزته وتطوره، وأتاح المجال لعوامل خارجية من اختراق الجسم الإسلامي، والتحكم في مستقبله ومصائره.

و " إن ما يحرك العرب ويعبر عن مزاجهم التاريخي هو مفهوم الأمة، والأمة موجودة في وعيهم سواء توحدوا أم لم يتوحدوا وسواء وجدت الدولة الواحدة أم لم توجد. هم يعلمون أن الوحدة ضرورية، وبدونها يبقى مفهوم الأمة متحققا على الصعيد الثقافي وحسب. كما يعلمون أن الدولة ضرورية أيضا لأنها تنقل وجود الأمة من الصعيد الثقافي إلى الصعيد السياسي، فهي الأداة التي تحقق الأمة بها وجودا فعليا يساعدها على ممارسة دعوتها التي تخرجها من الحيز القومي الضيق إلى مجال أرحب وأوسع هو العالم والكون بأسره. الأمة تقود إلى الوحدة، والوحدة تقود إلى الدولة، لكن وجود الأمة لا يتوقف على تحقيق الوحدة أو الدولة، بل أن وجود الأمة هو الشرط الضروري لكل ما عداه " (9).

فالأمة في المجال الحضاري الإسلامي، هو المجال الحيوي الذي يتحرك فيه المسلمون لتنمية قدراتهم وتطوير أوضاعهم والتواصل مع العالم والقوى الدولية. والدولة هنا وفق هذا المنظور، ليست منفصلة عن الأمة وإرادتها وخياراتها، وإنما هي جزء من إرادة الأمة وجسرها لإنجاز مفاهيم السيادة والعزة والاستقلال والتنمية.

فالأمة هي التي تصنع الدولة، لذلك نجد أن التوجيهات الإسلامية الكبرى، والتي تؤكد على قيم مفصلية في التجربة التاريخية الإسلامية تتوجه إلى الأمة بأسرها..

قال تعالى [كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون] (10).

كما أن الدولة ضرورة من ضرورات الأمة والوجود الإنساني. فبها تستطيع الأمم خلق الوقائع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

 " فالسلطة ضرورية لانتظام الدنيا، وانتظام الدنيا ضروري لانتظام الدين، وانتظام الدين ضروري لتحقيق السعادة في الآخرة " (11).

وجــاء في الحـديث مـا رواه (الفضـل بن شـاذان) عـن الإمام علي بن موسى الرضا (ع): " إنا لا نجــد فرقة من الفرق، ولا ملة من الملل، بقوا وعاشوا إلا بقيم ورئيس، لما لا بد لهم منه في أمـر الدين والـدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم أنه لا بد لهم منه، ولا قوام لهم إلا به فيقاتلون به عدوهم، ويقسمون به فيئهم، ويقيمون بـه جمعتهـم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم من مظلومهم " (12).

" وهي (الدولة) استجابة للفطرة والضرورة التي يقتضيها الاجتماع البشري الذي لا يعقل تحققه من دونها. والمجتمع الإسلامي ليس شذوذا خارجا عن هذه الفطرة، وعن هذه الضرورة. وهي ضرورة يفرضها كون الإنسان - المجتمع جزءا من الكون المحكوم بنظام كـوني ثابت وشامل لجميع الموجودات في عوالم الجماد، والحياة النباتية، والحيوانية.. هذه العوالم التي يقف الإنسان في قمتها كائنا، واعيا، عاقلا، مريدا، مختارا، حرا.وقد سخر الله له سائر العوالم، وزوده بالوسائل والقدرات المادية والعقلية، والنفسية، للانتفاع بها في نطاق استخلافه " (13).

ولكن ينبغي أن لا تتحول هذه الضرورة إلى غول يلتهم كل إمكانات المجال الحضاري الإسلامي، أو يعطل من حركة الأمة صوب أهدافها الكبرى وتطلعاتها المستقبلية.

فالــدولة الإسـلامية التاريخية، لم تبنى إلا بعد بناء الأمة، فهي المجال الاجتماعي - الحضاري الضروري لبناء الدولة. كما أن الإضافات النوعية التي أضافتها التجربة الإسلامية إلى التاريخ الإنساني قاطبة، يرجع الفضل إلى الأمة في ذلك. إذ هي التي احتضنت إبـداعات وجهود وجهاد المسلمين، وهي التي تحملت كل الصعاب في هذا السبيل.

والدولة الحقة في عالم الإسلام، هي التي تنبثق من إرادة الأمة، بمعنى أن يكون قيام الدولة ووظائفها ومشروعها السياسي، ليس على تناقض مع مقتضيات الشرع والمصلحة العليا للمسلمين. " والدولة لا تكسب الشرعية إلا بمقدار انتمائها للأمة، وبمقدار ما تستطيع البرهان على أنها تدافع عنها وتبذل الجهد لحل مشاكلها " (14).

فالدولة وفق هذا المنظور، هي في حالاتها السوية مؤسسة من مؤسسات الأمة، لها أدوارها ووظائفها المحددة. ومع هذه المؤسسة (الدولة) تحتضن الأمة مؤسسات أخرى، وتمارس وظائف وأدوار عديدة، تتكامل في المحصلة الأخيرة مع أدوار ووظائف مؤسسة الدولة.

وانشقاق وابتعاد الدولة عن الأمة، يخرجها من كونها مؤسسة من مؤسسات الأمة، وذلك لأن انشقاقها وخروجها عن الأمة، يعني فيما يعني أن الدولة تقوم بأدوار أو تمارس خيارات ليست من خيارات الأمة. ويمكننا القول تاريخيا أن مرحلة ما بعد صفين، هي المرحلة التي تبلور في المجال العربي والإسلامي للدولة مشروعا خاصا، وهو مشروع الاستحواذ والقمع بعيدا عن مصالح الأمة الحقيقية وشؤونها العليا.

و " إن المشروع السياسي للإسلام هو تكوين الجماعة / الأمة. فهي الإطار الوحيد الذي يمكن أن يمارس الفرد فيه شعائر الدين كاملة. وهي المجال الوحيد لتحقيق الدين. وإن كانت مفارقة سخيفة أن نقول إن الدين لا يمكن تحقيقه خارج الجماعة لكنها حقيقة بديهية ربما يتناساها الكثيرون من الذين يعتبرون أن الدين، خاصة الإسلام، يمكن تحقيقه على الصعيد الفردي المحض. هذه التجربة حاولتها الصوفية لكنها تحولت عنها بعد فترة من الزمن. فقد بدأت الصوفية كأسلوب فردي في التعبير والاتصال بالله لكنها تحولت مع مرور الزمن إلى ممارسات جماعية وصارت طرقا جماعية " (15).

واختلاف المسلمين التاريخي لم يكن حول الأمة ودورها التاريخي والحضاري، ولا حول ضرورة الدولة وأهميتها للتجربة الجديدة، وإنما حول عملية إنشاءها، وطريقة ممارستها لأدوارها في الأمة على الصعيد الداخلي والخارجي، ومن أين تستمد شرعيتها وسلطتها. فالإطار المرجعي لكل المسلمين مع اختلافاتهم وتباين وجهات نظرهم بعد انتقال رسول الله (ص) إلى الرفيق الأعلى لم يكن الدولة وإنما الأمة.

وهـذا ما يفسر لنا صمت الإمام علي بن أبي طالب عن حقوقه لمصلحة بقاء الأمة واحدة - متحدة. إذ يقول " لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري. والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة التماسا لأجر ذلك وفضله، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفة وزبرجة " (16).

ولقد كانت لقيم الأخوة والمساواة والتعاون والتكافل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومؤسسات العلم والمعرفة والخير، وجهاد وجهود الفقهاء والعلماء والمصلحين دورا مركزيا في تثبيت مرجعية الأمة، وأنها صاحبة الصوت الأعلى في التجربة التاريخية الإسلامية.

ومن خلال هذه القيم والمؤسسات كانت الأمة تؤكد ذاتها، وتعمل على تنفيذ مشروعها الحضاري، وتحصين كيانها في مواجهة أخطار الدولة المنحرفة، المستبدة، والأخطار القادمة إلى الأمة من الخارج.

الأمة والمجتمع السياسي

إن الأمة في التجربة الإسلامية التاريخية، كانت تحتضن العديد من القوى الاجتماعية والسياسية، وقد أعلنت هذه القوى عن نفسها في زمن الرسول (ص) بصورة سلمية، تحافظ على وحدة المسلمين، وتخضع جميعا إلى رمز هذه الوحدة وهو رسول الله (ص).

إلا أنه وبعد انتقال رسول الله (ص) إلى الرفيق الأعلى، أعلنت هذه القوى عن نفسها بطرق مختلفة ومتناقضة، وأدت فيما أدت إليه إلى انقسام في جسم الأمة الإسلامية من جراء تباين آراء وخيارات المجتمع السياسي للمسلمين، والذي كان يتشكل من مجموع القوى المتوفرة في الساحة.

فالأمة التي صنعها الإسلام ومنذ بداية انطلاقته الكبرى، كانت تحتضن مجتمعا سياسيا، تطور بتطور حركة الإسلام في العالم، ومن رحم المجتمع السياسي انبثقت الدولة في التجربة السياسية الإسلامية.

لذلك نجد أن دستور (المدينة)، هو عبارة عن مشروع سياسي شامل، يسعى نحو استيعاب كل الأطياف والقوى الدينية والقبلية والسياسية الموجودة في المدينة المنورة، مشكلا منهم المجتمع السياسي الجديد، القائم على قواعد دستورية واضحة. لهذا فإن هذا الكتاب (الدستور أو الوثيقة) يعتبر المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب، ومن تبعهم فلحق بهــم وجاهد معهم.. فهــو يعتبر جميع هؤلاء: أمة واحدة من دون الناس. (17).

 ويظهر من هذه الوثيقة، وجود رغبة أكيدة عند رسول الله (ص) لخلق نمط جديد من العلاقات بين الأفراد الذين يعيشون في مجتمع واحد.

وفي زمن الفتنة والانقسامات الداخلية التي حدثت في التجربة الإسلامية وبالذات في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، نجد أن الأمام علي بن أبي طالب وحرصا منه على سلامة الأمة ووحدتها، وإيمانه العميق بالأمة ودورها في العمران الحضاري، يتجه صوب الأمة، يحافظ على وحدتها، يعمل ويجاهد على استمرارية نهجها الحضاري، ويسعى نحو تجميع أطرافها وقواها. وفي تقديرنا أن الإمام علي بن أبي طالب بعمله هذا، استطاع أن يحد من الآثار السلبية والخطيرة على الأمة الإسلامية، من جراء الفتنة والانقسامات التي حدثت في التاريخ الإسلامي.

فكان هو ضمير الأمة ووجدانها الحي، الذي عمل على وأد الفتنة وإخماد نار وأسباب الحرب الأهلية [35 - 41 هـ].

ففي زمن التغييب القسري والإقصاء المتعمد للقيادة الشرعية في الأمة، كانت الأمة وبكل جدارة واقتدار، هي حارسة الدين وسائسة الدنيا. وبجهادها أفشلت في بعض الحقب التاريخية مؤامرات الدولة المستبدة، المتجهة إلى تقويض الأمة من الداخل، وفي حقب أخرى تمكنت الأمة من الحد من الآثار السيئة المترتبة على استبداد الدولة وغطرستها.

فالعديد من الوقائع الصدامية في العالم العربي والإسلامي، بين الدولة والمجتمع، ترجع في جوهرها إلى ابتعاد ومعاداة الدولة لخيارات الأمة السياسية. وهذه المعادة تؤدي إلى انفصال تام بين الأمة والدولة، وتصبح إمكانيات الدولة وآلياتها موجهة ضد الأمة، تسعى نحو تفتيت قواها، وزرع الشقاق في محيطها، وحرف مساراتها الحضارية.

فالدولة المستبدة عملت على إفراغ الداخل الإسلامي، من كل مقومات النهوض الحقيقي، وحاربت كل القوى الحية في الأمة، وذلك من أجل أن تسهل عملية قيادة الأمة والتحكم في مصائرها. " وإن التجربة التاريخية لأمتنا ما خلت من سلطة بل من دولة. لكن تلك الدولة شكلا ومضمونا ظلت أداة لتحقيــق أهداف الأمة الكبرى. وقد جمع الفقهاء السمتين الرئيسيتين للدولة المرجوة في مصطلحي: الكفاية والشوكة، الكفاية في الداخل، والشوكة في مواجهة الخارج. وقد بلغت السلطة اليوم على أرضنا حدا لم تعد تحقق عنده أيا من هذين الأمرين. وحركية مجتمعاتنا الآن باتجاه التغيير، واستنباط الوسائل الكفيلة بإعادة الأمور إلى نصابها، والسلطة إلى سياقها الاجتماعي: سياق الكفاية والشوكة. أمــا المستمر الآن بمعزل عن المجتمعات فهو البقاء البائس من أجل البقاء ! " (18).

وإن الوهن الحقيقي الذي أصاب التجربة السياسية الإسلامية، وأدخلها في أتون النزاعات والانقسامات الداخلية، هو في انفصال مشروع الدولة عن مشروع الأمة، وفي سعي السلطة المستميت لإقصاء قوى الأمة ومنعها من التعبير عن آراءها ومواقفها ومشروعاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية والحضارية. ومن جراء هذا الانفصال أضحى المجتمع السياسي (أو النخب السياسية في العالم الإسلامي آنذاك) منقسمة على نفسها، ودخلت مع بعضها في صراعات وانقسامات أثرت أيما تأثير على مسـار الأمة الحضاري. فالدولة المتطابقة مع مفهوم الأمة، تشكـلت من صميم الدعوة الإسلامية الجديدة، ولم تضع نفسها خارج إطار الدعوة الإسلامية حين خرجت إلى الوجود في مدينة الرسول (ص) فلقـد جاءت " كرد على حاجة تحقيق الدين الجديد " (19).

" والحقيقة المجتمعية المطلقة - والحقيقة التنظيمية المطلقة - في الإسلام هي حقيقة الأمة التي كونها الإسلام وتكونت به وصنعت تاريخها به، وتاريخ الإسلام في الحقيقة إذا حذفنا منه تاريخ الأمة، فإن الدولة الإســلامية التي تعاقبت على هذه الأمة لا يبقى لها شيء على الإطلاق " (20).

" وإذا حررت الأمة نفسها [من الاستبداد والقهر السياسي] فخط الخلافة ينتقل إليها فهي التي تمارس القيادة السياسية والاجتماعية في الأمة بتطبيق أحكام الله وعلى أساس الركائز المتقدمة للاستخلاف الرباني. وتمارس الأمة دورها في الخلافة وفي الإطار التشريعي للقاعدتين القرآنيتين التاليتين: [وأمرهم شورى بينهم] (الشورى 38).

[والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر] (التوبة 71).

فإن النص الأول يعطي للأمة صلاحية ممارسة أمورها عن طريق الشورى ما لم يرد نص خاص على خلاف ذلك. والنص الثاني يتحدث عن الولاية وإن كل مؤمن وليّ الآخرين، ويريد بالولاية تولي أموره بقرينة تفريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه، والنص ظاهر في سريان الولاية بين كل المؤمنين والمؤمنات بصورة متساوية. وينتج عن ذلك الأخذ بمبدأ الشورى، وبرأي الأكثرية عند الاختلاف " (21).

وستسعى الأمة تكافح وتجـــاهد، حتى تتشكــــل دولتها، التي تحمل على عاتقها أهداف الأمة ومطامحها الكبرى. [كنتــم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر] (آل عمران 110).

***

محمد محفوظ - باحث سعودي

......................

 الهوامش

(1) جريدة الشاهد الدولي ـ صحيفة أسبوعية تصدر في لندن العدد 24 - السبت 11 ابريل1998 مقال (الدول العربية وجدلية التحديث والعنف) للأستاذ رفيق بوشلاكه.

(2) رضوان السيد - الأمة والجماعة والسلطة: دراسات في الفكر السياسي العربي الإسلامي ص 43-44 بيروت دار اقرأ 1984م.

(3) ندوة - الأمة والدولة والاندماج في الوطن العربي ـ ص 143- الجزء الأول - مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت 1989م.

(4) القرآن الكريم - سورة آل عمران (آية 103-105).

(5) القرآن الكريم - سورة البقرة - (آية 143).

(6) الفضل شلق - الأمة والدولة - جدليات الجماعة والسلطة في المجال العربي الإسلامي - ص 200-201 ـ دار المنتخب العربي - بيروت 1993م.

(7) السيد محمد باقر الصدر - الإسلام يقود الحياة - ص 159 - دار التعارف، بيروت 1990م.

(8) مجلة الاجتهاد ـ تعنى بقضايا الدين والمجتمع والتجديد العربي الإسلامي - العدد السابع، ص 12 - السنة الثانية - ربيع 1990/ 1410هـ.

(9) مجـلة الاجتهاد - تصدر عن دار الاجتهاد - العدد الثاني - ص14-15 شتاء 1989م.

(10) القرآن الكريم - سورة آل عمران (آية 110).

(11) أبو حامد الغزالي - الاقتصاد في الاعتقاد - ص 325 - الطبعة الثانية - مطبعة السعادة -مصر 1327هـ.

(12) الشيخ محمد مهدي شمس الدين - في الاجتماع السياسي الإسلامي - المجتمع السياسي الإسلامي محاولة تأصيل فقهي وتاريخي - ص 77 - المؤسسة الدولية للدراسات والنشر - بيروت 1992م.

(13) المصدر السابق - ص79.

(14) مجلة الاجتهاد - العدد السابع عشر - ص29 - السنة الرابعة - خريف العام 1992م / 1413هـ.

(15) الفضل شلق - الأمة والدولة - مصدر سابق - ص 15.

(16) محمد جواد مغنية - في ظلال نهج البلاغة - محاولة لفهم جديد - خطبة 73 - ص 360 - الجزء الأول، دار العلم للملايين - بيروت 1972م.

(17) نص الكتاب / الوثيقة (في سيرة بن هشام 2/ 501-504/ وطبقات ابن سعد 1/ 198، والبداية والنهاية لابن كثير 3/224-226).

(18) مجلة الاجتهاد - العدد الرابع عشر - ص 248- السنة الرابعة شتاء العام 1992 / 1312هـ.

(19) برهان غليون - نقد السياسة - الدولة والدين - ص67- المؤسسة العربية للدراسات والنشر - الطبعة الثانية - بيروت 1993م.

(20) راجع دراسة الشيخ محمد مهدي شمس الدين - المقدس وغير المقدس في الإسلام - مجلة المنطلق - ص10 - العدد 98 - رجب 1413هـ كانون الثاني 1993م.

(21) السيد محمد باقر الصدر - الإسلام يقود الحياة - مصدر سابق - ص153.

مقارنة بين الجابري وطه عبد الرحمن

يجيء السؤال عن العقل داخل التجربة الفكرية العربية المعاصرة مثقلاً بتاريخ طويل من التوتر الخلّاق بين مطلب البرهان ومطلب المعنى، بين صرامة الاستدلال ودفء الذوق وبين هندسة المفهوم وارتعاشة الروح ساعة يلامسها الوجود من داخله. ذلك أن العقل كما وعاه تراثنا الفلسفي والكلامي والأصولي والعرفاني لم يكن أداة صمّاء تُستعمل في ترتيب الأدلة فحسب، ولا كان مجرد مرآة تعكس معطيات الحس أو تنسّق مبادئ المنطق، وإنما ظلّ على الدوام موضع نزاع معرفي عميق حول ماهيته وحدوده ووظيفته ومجال سلطانه. وقد عبّر أبو حامد الغزالي في لحظة مفصلية من تاريخ الفكر الإسلامي عن هذا القلق المعرفي تعبيراً بالغ الدلالة حين جعل للعقل منزلة العين السليمة وجعل للشرع منزلة الضوء الكاشف فكأن المعرفة الحقّة لا تقوم بعين وحدها ولا بضوء وحده، وإنما تنشأ من تآلف البصيرة بما يفتح لها أفق الرؤية. وعند ابن رشد يترسخ المعنى ذاته بصيغة أخرى أكثر انتظاماً في البناء البرهاني إذ يغدو النظر العقلي فريضة شرعية ويغدو البرهان أرفع مراتب الكشف عن الموجودات، لأن “الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له”. أمّا عند ابن عربي فإن العقل مع جلال قدره يقف عند عتبة لا يتجاوزها إلا الذوق، لأن “الطور وراء طور العقل” ولأن الحقيقة ساعة تتجلى، تخلخل مقاييس الترتيب الذهني المعتاد فتدعونا إلى نوع من الإدراك أعمق من مجرّد التصور والتصديق.

داخل هذا الأفق المركّب تكتسب المقارنة بين محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن قيمة استثنائية لا لكونها مقابلة بين اسمين بارزين في الفكر المغربي الحديث فحسب، بل لكونها مواجهة نظرية بين تصورين متباينين لجوهر العقل العربي الإسلامي ووظيفته التاريخية ومصيره الحضاري. فالجابري يمضي بالعقل صوب مطلب البرهان ويعيد بناء مشروع النهضة على قاعدة نقد البنيات المعرفية التي حكمت الثقافة العربية الإسلامية قروناً طويلة، مستلهماً درس باشلار في القطيعة الإبستمولوجية ومستأنساً بحسّ ألتوسير في تحليل الأجهزة المفهومية، ومجاوراً على نحو مخصوص روح ابن رشد في تعظيم البرهان وترتيب المعرفة على مقتضى الدليل. أمّا طه عبد الرحمن فيسلك طريقاً آخر أشدّ التصاقاً بسؤال الإنسان في كليّته وأشدّ حذراً من اختزال العقل في وظيفته البرهانية فيردّ الاعتبار إلى التجربة الروحية والأخلاقية والائتمانية ويُدخل الفعل التعبدي والسلوك التزكوي ضمن شروط إنتاج المعنى كأن العقل عنده لا يكتمل إلا إذا تهذّب ولا يصفو إلا إذا تزكّى ولا يبلغ تمام فاعليته إلا إذا تحرّر من دعوى السيادة الجافة التي جعلت الإنسان الحديث بتعبير هايدغر “سيّداً على الموجودات” قبل أن يغدو غريباً عن سرّ وجوده.

تنبع أهمية هذا الموضوع من أن الخلاف بين الرجلين لا ينحصر في اختلاف منهجي عابر ولا يُختزل في تباين لغوي بين خطاب إبستمولوجي وخطاب تداولي أخلاقي، بل يضرب في عمق التصور الحضاري للمعرفة ذاتها. فالعقل عند الجابري يطلب التحرر من سطوة البيان والعرفان حين يتحولان إلى عائق إبستمولوجي ويطلب إعادة تأسيس الذات العربية على قاعدة نقدية تجعل البرهان معياراً للتمييز بين أنماط القول، لأن أزمة النهضة في جانب معتبر منها أزمة عقل تشكّل تاريخياً داخل أنساق معرفية غير متكافئة في إنتاج الفعالية التاريخية. لذلك بدا مشروعه أشبه بمحاولة “تشريح للعقل” قصد ردّه إلى شروط إمكانه وإبراز مواطن تعثره ومواطن إمكان نهوضه. أمّا عند طه فالأزمة أعمق من مجرد اختلال في ترتيب أنظمة المعرفة؛ إنها أزمة إنسان فقد نسبته الأخلاقية إلى العالم وأصابته غفلة حضارية جعلته يستورد مفاهيم الحداثة دون أن يستنبتها في تربته الروحية. في هذا المقام ينكشف قصور العقل البرهاني متى استبدّ وحده بالمشهد، مهما بلغ من الإحكام الصوري، لأن صورة الإنسان لا تُستوفى إلا بمجموع قواه: عقل يبرهن وقلب يتأدب وروح تتطهّر ولسان يصدق وعمل يشهد على ما يعتقد صاحبه.

هذا التوتر بين البرهان والتجربة الروحية يعيد إلى الذاكرة أسئلة قديمة متجددة عرفها الفكر الإنساني في أكثر من سياق. أفلاطون رفع العقل إلى مرتبة التذكّر فجعل المعرفة ارتقاءً نحو الحق والخير والجمال. وأرسطو شدّد على انتظام البرهان ومراتب القياس. وديكارت جعل البداهة العقلية أساس اليقين بعد أن مرّ عبر نار الشك. وكانط رسم للعقل حدوده حتى لا يتورط في أوهام الميتافيزيقا حين يتجاوز مجاله المشروع. وبيرغسون نبّه إلى أن الحدس يلتقط من الحياة ما يعجز عنه العقل التحليلي ساعة يجزّئ الحركة ويقتل الديمومة. أمّا الغزالي فقد خبر حدود النظر ثم خبر حدود الذوق فخرج من المحنة الفكرية إلى مقام تتعانق فيه الحجة مع المجاهدة. كأن تاريخ الفكر كله يهمس في أذن قارئ الجابري وطه معاً، العقل لا يُفهم من داخل تعريف واحد ولا يُختزل في آلة واحدة ولا يُحاكم بمعيار منفرد.

وتتحدد مهمة هذا المقال في مساءلة الكيفية التي صاغ بها الجابري صورة العقل البرهاني بوصفه أفقاً لتحرير الفكر العربي من اختناقات الموروث المعرفي والكيفية التي أعاد بها طه عبد الرحمن وصل العقل بالتجربة الروحية والأخلاقية حتى يستعيد الإنسان وحدته الممزقة تحت ضغط الحداثة الأداتية. والمقصود هنا ليس ترجيح اسم على اسم ولا إقامة مفاضلة مدرسية سطحية بين مشروعين كبيرين، بل الكشف عن طبقات السؤال الفلسفي الكامن وراءهما، هل يكفي البرهان كي يُنتج عقلانية قادرة على حمل الإنسان العربي إلى أفق حضاري جديد؟ أم أن البرهان إذا انفصل عن التزكية والائتمان يتحول إلى عقل أداتي فاقد للبوصلة؟ وهل التجربة الروحية قادرة وحدها على بناء معرفة عمومية مؤسسة أم تحتاج بدورها إلى نظام من الضبط المفهومي يحفظها من الانزلاق إلى التسيّب والالتباس؟ هنا بالذات تنفتح المقارنة على رهان أوسع، رهان إعادة تعريف العقل العربي المعاصر على صورة كائن يفكر ويزكّي نفسه معاً، يبرهن ويتهذّب ويقرأ العالم بعيون المنطق ويصغي إليه بقلب المسؤولية.

إذا كان الفكر العربي المعاصر قد عرف أسماء كثيرة اشتغلت على سؤال النهضة والحداثة والتراث والإنسان، فإن قليلين منهم استطاعوا أن يجعلوا من مفهوم العقل نفسه ميداناً لصراع فلسفي حقيقي لا على مستوى الاصطلاح وحده، بل على مستوى الرؤية الكلية للوجود والمعرفة والتاريخ. ويبرز محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن في سياقنا هذا بوصفهما اسمين كبيرين لا لأنهما قدّما مشروعين مؤثرين داخل الثقافة العربية الحديثة فحسب، بل لأنهما جعلا من العقل سؤالاً مصيرياً يرتبط بمستقبل الإنسان العربي ومآل حضارته ويرتبط أيضاً بحدود ما يمكن أن تمنحه الحداثة حين تُستقبل داخل أفقنا الثقافي وما يمكن أن يتيحه التراث حين يُقرأ قراءة نقدية أو يُستعاد استعادة إبداعية. وعند التأمل العميق في المشروعين يتبيّن أن الخلاف بينهما لا يدور حول تفاصيل منهجية جزئية ولا حول مجرد تباين في اللغة أو الأسلوب أو الإحالات المرجعية بل يتعلق بجوهر الموقف من العقل ذاته، هل العقل في أساسه برهاني نقدي يقوم على القطع مع أنماط الوعي التي أعاقت فعاليته التاريخية أم أن العقل مهما بلغ من الصرامة البرهانية يبقى ناقصاً إذا انفصل عن التجربة الروحية والأفق الأخلاقي والتزكوي الذي يمنحه معناه الإنساني الأعلى؟.

لقد كان الجابري شديد الوعي بأن سؤال النهضة في المجال العربي الإسلامي لا يُجاب عنه بخطابات وجدانية ولا بشعارات عامة عن الأصالة والمعاصرة ولا بالاحتماء بمجد ماضٍ جليل، وإنما يُجاب عنه بالعودة إلى البنية العميقة التي شكّلت طرائق التفكير، أي إلى ما سمّاه “العقل العربي” بما هو منظومة من الآليات والإجراءات والمسلّمات التي حكمت إنتاج المعرفة وتداولها داخل الثقافة العربية الإسلامية. وهو حين اختار هذا المدخل لم يكن يبحث عن وصف سيكولوجي للعرب ولا عن حكم جوهري على ماهية ثابتة وإنما كان يتقصّد ما يمكن تسميته بالبنية الإبستمولوجية للثقافة، أي الشروط التي تنظّم القول وترتب سلّم الشرعية المعرفية وتحدّد ما يُقبل دليلاً وما يُرفض، وما يدخل في حيّز البرهان وما يُلقى في مجال التسليم أو الذوق أو البيان. لذلك جاء مشروعه في “نقد العقل العربي” أقرب إلى حفريات فكرية واسعة النطاق تشتغل على تفكيك الأنظمة المعرفية الثلاثة: البيان والعرفان والبرهان، ثم تعيد ترتيبها على ضوء سؤال الفعالية التاريخية.

في هذا الترتيب تتبدى مركزية البرهان عند الجابري. فالبرهان في تصوره ليس مجرد تقنية منطقية ولا هو صورة مدرسية للقياس الأرسطي بل هو نمط في بناء العقل يقتضي الوضوح والاتساق والقدرة على إقامة العلاقة بين المقدمات والنتائج على نحو يسمح بالمراجعة والنقد والاختبار. ولعل هذا ما يفسر احتفاءه بابن رشد احتفاءً بالغاً حتى بدا وكأنه يستعيده لا بوصفه شخصية تراثية كبيرة فحسب، بل بوصفه إمكاناً تاريخياً معطّلاً داخل الثقافة العربية أو بوصفه النموذج الذي كان يمكن أن يُؤسّس تقليداً عقلانياً مختلفاً لو أن الشروط التاريخية أسعفته. وكان الجابري يرى أن البيان على جلالة مكانته في علوم اللغة والفقه والكلام قد أسّس في كثير من تجلياته لعقل يطلب المشروعية من سلطة النص في صورته الموروثة أكثر مما يطلبها من انتظام النظر. كما رأى أن العرفان بما هو بناء معرفي قائم على الكشف والإشراق والباطن قد وسّع مساحة اللامفكَّر فيه وأدخل في بنية الوعي عناصر تُضعف مطلب الموضوعية وتربك صرامة البرهان. ومن هنا كان ميله واضحاً إلى إعادة الاعتبار للعقل البرهاني لا على سبيل النسخ الميكانيكي للتراث الرشدي بل على سبيل جعله أفقاً نقدياً لنهضة حديثة.

ولم يكن هذا الخيار عند الجابري معزولاً عن أفق فلسفي أوسع، تأثر فيه بوضوح بالدرس الإبستمولوجي الفرنسي خاصة عند باشلار الذي نبّه إلى أن المعرفة العلمية لا تتقدّم إلا عبر قطيعات مع عوائقها الداخلية وأن العقل لا ينمو نمواً خطياً بريئاً بل يتشكّل عبر صراع مع أوهامه ومسبقاته. كما تأثر من جهة أخرى بألتوسير في حسّه البنيوي الذي يبحث عن الأجهزة المفهومية لا عن النوايا الذاتية. لذلك بدت قراءته للتراث قراءة تحاكمه بمنطق الفعالية المعرفية لا بمنطق التقديس أو الاستهجان. وهذا ما منح مشروعه قوة كبيرة لأنه حرّر سؤال التراث من ثنائية التمجيد والرفض وأدخله في حقل النقد. غير أن هذه القوة نفسها كانت تحمل نقطة توتر خفية، فالعقل البرهاني الذي أعاد الجابري بناءه بدا أحياناً وكأنه يتعامل مع أنماط أخرى من المعرفة بوصفها عوائق أو بقايا تاريخية أو أنساقاً أقلّ جدوى أكثر مما يتعامل معها بوصفها تعبيرات عن حاجات إنسانية وروحية وأنثروبولوجية عميقة.

هنا يجيء طه عبد الرحمن ليقلب ترتيب السؤال من أساسه. فهو لا يبدأ من تشريح البنية الإبستمولوجية للتراث كما فعل الجابري بل يبدأ من مساءلة المفهوم الحديث للعقل نفسه ومن نقد دعوى الاكتفاء البرهاني حين يتحول العقل إلى أداة تجريدية تفصل الإنسان عن أخلاقه وعن سرّه الوجودي. وطه بما هو فيلسوف لغوي ومنطقي من جهة ومفكر أخلاقي روحي من جهة أخرى لا يرفض البرهان من حيث المبدأ ولا يستخف بقيمته بل مارس المنطق واشتغل في التداوليات ووعى صرامة المفهوم على نحو يجعل الاعتراض عليه باسم “اللاعقلانية” اعتراضاً متهافتاً. غير أن طه يرى أن الحداثة الغربية نفسها وقد رفعت العقل إلى مقام المرجعية العليا، انتهت في كثير من وجوهها إلى عقل أداتي يحسن التنظيم والسيطرة والحساب ويعجز عن أن يمنح الإنسان معنى وجوده أو يرشده إلى الغاية من فعله. وفي هذا يلتقي من وجه ما مع نقد هوركهايمر للعقل الأداتي ومع تنبيهات هايدغر إلى أن التقنية ليست مجرد أدوات بل هي نمط في انكشاف العالم يهدد الإنسان نفسه بالتحول إلى مورد ضمن جهاز الاستعمال.

ومن هذا المنطلق يميّز طه بين مراتب للعقل ويرفض اختزاله في صورة واحدة. فالعقل عنده ليس آلة صورية تشتغل في فراغ وإنما هو ممارسة وجودية وأخلاقية وروحية. والإنسان لا يعقل حقا إلا بمقدار ما يتأدب في استعمال العقل ويتزكّى في قصده ويتحمّل مسؤوليته أمام الحق والخلق. ولهذا كان مشروعه الائتماني مشروعاً لإعادة وصل المعرفة بالأمانة والفكر بالعمل والمنطق بالتزكية والحرية بالمسؤولية. إن طه يرفض أن يُفصل العقل عن مجاله التداولي الحي كما يرفض أن يُعزل عن شروطه الأخلاقية. ولذلك نجده يوسّع من مفهوم الدليل فلا يحصره في البرهان المنطقي وحده بل يفتح المجال أمام ما يمكن تسميته بالشهادة الوجودية أو الصدق العملي أو المعنى المتحقق في التجربة. والحق أن هذا التوسيع ليس استسلاماً للغموض كما قد يظن بعض قرّائه بل هو احتجاج فلسفي على النزعة التي جعلت العقل الحديث أسير ما يمكن قياسه أو برهنته في حدوده الصورية الضيقة.

إذا أردنا أن نصوغ الفرق بين الرجلين في عبارة مكثفة أمكننا القول إن الجابري يسأل كيف نحرر العقل من الشوائب التي عطّلت فعاليته التاريخية؟ وطه يسأل كيف نحرر العقل من وهم الاكتفاء بذاته حين ينسى جذره الأخلاقي والروحي؟ السؤال الأول تحكمه هواجس النهضة والتاريخ والبنية المعرفية. والسؤال الثاني تحكمه هواجس الإنسان والائتمان والمعنى. الأول يتطلع إلى عقل ينهض بالأمة عبر البرهان والنقد وإعادة ترتيب العلاقة بالتراث. الثاني يتطلع إلى عقل ينهض بالإنسان عبر التزكية والتخلق وتجديد الصلة بالمطلق. وبين السؤالين مسافة واسعة لكنها ليست مسافة قطيعة مطلقة لأن كليهما في نهاية المطاف يعترف بأن أزمة العالم العربي أزمة عقل غير أن كلا منهما يحدد العلة في موضع مختلف.

لقد كان الجابري في عمق مشروعه متأثراً بروح ابن رشد أكثر من تأثره بحرفية نصوصه. فهو لم يستدع ابن رشد لكي يكرر عباراته بل استدعاه بوصفه إمكاناً رمزياً لعقلانية عربية ممكنة. وابن رشد كما هو معلوم لم يكن ينظر إلى البرهان نظرة تقنية محضة بل كان يراه طريقاً إلى فهم الشرع والعالم معاً، وكان يعتبر أن النظر في الموجودات من جهة دلالتها على الصانع فريضة. غير أن الجابري بحكم انشغاله بإعادة بناء العقل العربي داخل أفق حداثي أعاد قراءة الرشدية قراءة حديثة فصارت البرهانية عنده أقرب إلى أفق إبستمولوجي وتاريخي لا إلى تكامل ميتافيزيقي أو لاهوتي. ومن هنا يجيء اعتراض طه الضمني عليه، إذ يرى أن كل قراءة تفصل العقل عن مقام التعبد والتخلق ولو كانت باسم التحرير فإنها تقع في صورة أخرى من الاختزال.

ولا يمكن فهم موقف طه دون استحضار أثر الغزالي وابن عربي وأهل السلوك في خلفيته مع أن طه لا يكررهم تكراراً. فالغزالي حين قال إن العقل شرط في أصل المعرفة ثم بيّن أن العقل نفسه قد يقف عند حدّ لا يتجاوزه إلا نور يقذفه الله في القلب لم يكن يهدم العقل، بل كان يعيد ترتيبه داخل بنية أوسع للمعرفة. وابن عربي حين يميّز بين العلم العقلي والعلم الذوقي لا يسخر من البرهان بل يبيّن أن الوجود أغنى من أن يُستوعب في شبكات المفهوم وحدها. وطه يلتقط هذا الخيط لكنّه يصوغه بلغة فلسفية حديثة فيجعل التجربة الروحية نفسها موضوعاً للتفكير المفهومي ويجعل الأخلاق منطقاً أعلى للفعل الإنساني. بهذا المعنى فإن مشروعه لا يكتفي بنقد الحداثة الغربية بل ينقد أيضاً صور التحديث العربي التي أخذت من الغرب أدواته وتركت سؤاله الأخلاقي معلّقاً.

غير أن الإنصاف الفلسفي يقتضي أن نقول إن كلا من المشروعين يواجه بدوره إشكالات داخلية لا يجوز إغفالها. فالجابري مع كل ما قدّمه من دقة تحليلية ومن شجاعة نقدية ومن إعادة بناء كبرى للخريطة المعرفية للتراث قد وقع أحياناً في نوع من الصرامة التصنيفية التي تجعل الحدود بين البيان والعرفان والبرهان أكثر صلابة مما تسمح به الوقائع النصية والتاريخية. فالتراث الإسلامي في كثير من نصوصه الكبرى أكثر تداخلاً من أن يُحشر في خانات مفصولة بإحكام. وقد نجد عند فقيهٍ عناصر ذوقية وعند صوفيّ بناءً استدلالياً وعند متكلمٍ حسا بيانيا وميتافيزيقيا معاً. بل إن ابن رشد نفسه الذي احتفى به الجابري لم يكن مجرد منطقي جاف وإنما كان فقيهاً أصوليا فيلسوفا وقاضيا وطبيباً، أي كان عقلاً موسوعياً يتنفس داخل وحدة ثقافية مركبة. لذلك فإن تعظيم البرهان إذا تحول إلى حساسية استبعادية تجاه بقية الأبعاد، قد ينتهي إلى إعادة إنتاج نوع من الاختزال الذي كان الجابري نفسه يقاومه في صور أخرى.

وفي المقابل فإن طه عبد الرحمن على عمق مشروعه وفرادته وقوته المفهومية يظل عرضة لسؤال آخر، كيف يمكن للتجربة الروحية بما هي ذاتية وذوقية وتزكوية أن تتحول إلى أفق عمومي مشترك داخل فضاء فكري يحتاج إلى معايير قابلة للتداول والنقاش والاختبار؟ إن البرهان على محدوديته يمتلك قابلية عمومية واضحة لأن منطق الدليل يسمح بالمراجعة والاعتراض والتفنيد. أمّا الذوق الروحي فمهما ارتفع مقامه يظل مهدداً بسوء الفهم أو الادعاء أو الانزلاق إلى سلطة رمزية يصعب ضبطها. ولهذا كان المتصوفة الكبار أنفسهم شديدي الحذر من إطلاق القول في دقائق التجربة دون ميزان. يقول الجنيد: “علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة”، وكأن الروح نفسها تحتاج إلى قانون يحفظها من الفوضى. ومن هنا فإن مشروع طه كي يتحول إلى بديل حضاري كامل يظل مطالباً دوماً ببيان الكيفية التي تُترجم بها التجربة الروحية إلى مؤسسات ومعايير ومجالات تداول عمومي دون أن تفقد روحها أو تتحول إلى وعظ مجرّد.

على أن القيمة الحقيقية للمقارنة بين الجابري وطه لا تكمن في إعلان انتصار أحدهما على الآخر، فذلك تبسيط مخلّ لا يليق بمشروعين من هذا الحجم، وإنما تكمن في أن كلا منهما يضيء نقص الآخر ويكشف حدّه. فالجابري يذكّرنا بأن النهضة لا تقوم على النوايا الطيبة ولا على الحنين الروحي إذا غاب النقد الصارم للبنيات المعرفية التي تنتج التخلف. وطه يذكّرنا بأن العقل إذا صار جهازاً بارداً للفرز والتصنيف والتحليل دون أن يتصل بالأخلاق والروح فإنه قد ينتج حضارة فعالة وآلة متقدمة وإنساناً ناقصاً. الجابري يطالبنا بأن نكون يقظين إزاء أوهام التراث حين يتحول إلى سلطة تعطل السؤال. وطه يطالبنا بأن نكون يقظين إزاء أوهام الحداثة حين تتحول إلى سلطة تنزع عن الإنسان سره. وفي هذا المعنى العميق يبدو الرجلان على شدة اختلافهما متكاملين أكثر مما يبدو لأول وهلة.

ولعل الفكر العربي اليوم أحوج ما يكون إلى تجاوز القراءة الاصطفافية التي تجعلنا مضطرين إلى الاختيار القاطع بين البرهان والروح، بين النقد والتزكية، بين ابن رشد والغزالي وبين العقلانية والإحسان. فالتاريخ الفعلي للثقافة الإسلامية نفسها يشهد بأن لحظات العطاء الكبرى لم تكن وليدة قطيعة جذرية بين هذه الأبعاد بل كانت ثمرة توتر خلاق بينها. كان الشاطبي وهو من أدق العقول المقاصدية يمارس استدلالاً بالغ الصرامة دون أن يقطع مع المقصد الإيماني للشريعة. وكان فخر الدين الرازي يجمع بين الجدل العقلي الرفيع وحسّ روحي ظاهر. وكان ابن عاشور في العصر الحديث يستثمر أدوات الأصول واللغة والتاريخ دون أن يفصلها عن هاجس الهداية. حتى في الفلسفة الغربية الحديثة لم تكن المسألة محسومة على صورة عقل محض. فباسكال صاحب العقل الرياضي العظيم قال كلمته الشهيرة: “للقلب أسبابه التي لا يعرفها العقل”. وبيرغسون دافع عن الحدس دون أن يهدم التحليل. وكيركغارد جعل الوجود الفردي أعمق من نسق هيغل المغلق. كأن التجربة الإنسانية كلما نضجت ازدادت مقاومةً للاختزال.

إن الجابري وطه عبد الرحمن يعبّران عن لحظتين ضروريتين في وعي العقل العربي بذاته. لحظة تطلب التحرير عبر النقد والبرهان وإعادة ترتيب الخريطة المعرفية. ولحظة تطلب الإنقاذ عبر الأخلاق والائتمان وإعادة وصل الإنسان بأفقه الروحي. الأولى تحمي الفكر من السقوط في التكرار والتسليم والتمويه. والثانية تحميه من السقوط في الجفاف والعدمية والفراغ القيمي. الأولى تسأل عن شروط إنتاج الحقيقة في المجال المعرفي. والثانية تسأل عن شروط استحقاق الحقيقة في المجال الوجودي. الأولى تنظر إلى العقل من جهة بنيته ووظيفته. والثانية تنظر إليه من جهة مقامه ووجهته، وكل عقل يكتفي بواحدة منهما يظل عقلاً مبتوراً.

والذي يظهر عند التأمل أن أفقاً تركيبياً يلوح في الأفق لمن أراد أن يقرأ الرجلين قراءة مثمرة لا مدرسية. هذا الأفق لا يساوي بينهما تسوية سطحية ولا يذيب الفروق الجوهرية بين مشروعين مختلفين، بل يستثمر التوتر بينهما لإعادة بناء مفهوم أرحب للعقل. عقلٌ يملك شجاعة النقد التي طالب بها الجابري فلا يخضع لسلطة الموروث دون تمحيص ولا يكتفي بمهابة النصوص أو سطوة الجماعة أو هيبة التاريخ. وعقلٌ يملك في الوقت نفسه تواضع الائتمان الذي دعا إليه طه فلا يغترّ بقدرته البرهانية حتى يتوهّم أنه مركز الوجود وغايته. عقلٌ يعرف أن الحقيقة تُطلب بالدليل وأن الدليل نفسه يحتاج إلى ضمير يحسن استعماله. عقلٌ يقرأ التراث بعين الناقد وقلب الوارث ويقرأ الحداثة بعين المستفيد وقلب المتحفّظ فلا يستسلم لماضوية مغلقة ولا يذوب في حداثة فاقدة للروح.

إن المقارنة بين الجابري وطه عبد الرحمن ليست مجرد درس في تاريخ الأفكار المغربية المعاصرة على جلالة هذا الدرس، وإنما هي امتحان حيّ لقدرتنا على إعادة التفكير في الإنسان العربي نفسه. أي إنسان نريد؟ أإنساناً يبرهن دون أن يتطهّر؟ أم إنساناً يتطهّر دون أن يبرهن؟ أي نهضة نرجو؟ أنهضة تبني مؤسسات وتنتج مفاهيم وتعيد ترتيب المعرفة لكنها تترك الروح عطشى؟ أم نهضة تُكثر من الحديث عن المعنى والصفاء والتزكية لكنها تعجز عن بناء عقل عمومي نقدي قادر على إدارة العالم؟ إن الجواب الذي يليق بتاريخنا وبتحديات عصرنا معاً لا يسعه أن يكتفي بأحد الطرفين. فالعقل الذي يطلبه زمننا العربي اليوم عقلٌ جامع: رشديٌّ في صرامته، غزاليٌّ في محاسبته لنفسه، شاطبيٌّ في فقهه للمقاصد، وابن عربيٌّ في وعيه بأن الوجود أوسع من حدود العبارة. وحين يبلغ الفكر هذا المقام يغدو البرهان نفسه تجربة روحية من حيث هو طلب مخلص للحقيقة وتغدو التجربة الروحية نفسها برهاناً من حيث هي تزكية تُنير النظر وتطهّر القصد.

ويظل الجابري علماً على ضرورة النقد ويظل طه علماً على ضرورة الائتمان، وبين النقد والائتمان، بين البرهان والذوق وبين صرامة المفهوم وحرارة المعنى تتحدد معركة العقل العربي المقبلة. وهي معركة لا تحتاج إلى انتصار اسم على اسم بل تحتاج إلى شجاعة فكرية تعترف بأن العقل لا يُستنفد في المنطق وحده ولا يُستوفى في الوجدان وحده وأن الحضارة التي نطلبها لا تُبنى بآلة بلا روح ولا بروح بلا آلة، بل تُبنى بإنسان اكتملت فيه ملكة النظر كما اكتملت فيه أهلية الأمانة. وذلك في ظني هو الدرس الأعمق الذي تهبنا إياه هذه المقارنة، أن العقل الحق لا يكتفي بأن يكون قادراً على إقامة الدليل بل يحرص أيضاً أن يكون جديراً بحمل الحقيقة.

غير أن المقارنة بين الجابري وطه عبد الرحمن لا تستنفد معناها إذا وقفت عند حدود التمييز بين عقل برهاني وعقل موصول بالتجربة الروحية لأن هذا التحديد على أهميته يظل في مستوى الوصف العام ما لم ننفذ إلى الطبقة الأعمق التي يتحرك فيها كل مشروع، أعني طبقة التصور الكلي للإنسان وللعالم وللحقيقة. فالفلاسفة الكبار لا يختلفون فقط في أدوات النظر وإنما يختلفون قبل ذلك وبعده في صورة الإنسان التي يحملونها في ضمائرهم وهم يفكرون. إن الجابري حين كان يدافع عن البرهان لم يكن ينتصر لصيغة منطقية مجردة بل كان يدافع عن صورة للإنسان العربي بوصفه كائناً ينبغي أن يتحرر من أشكال الوعي التي كبّلت فعله التاريخي وأن يستعيد قدرته على النقد والتمييز والاختيار. وطه حين كان يردّ الاعتبار إلى التجربة الروحية لم يكن يطلب من الإنسان أن يفرّ من العالم إلى زاوية وجدانية وإنما كان يريد له أن يستردّ كرامته الوجودية التي أضاعتها حضارة التقنية حين جعلته سيداً في الظاهر وأسيراً في العمق.

ولذلك فإن الفارق بين الرجلين يظهر بجلاء في موقف كل واحد منهما من التراث. الجابري يقرأ التراث بعين المؤرّخ الإبستمولوجي الذي يسائل البنيات ويُخضع النصوص لميزان الفعالية المعرفية ويبحث عن اللحظة التي انحرف فيها العقل العربي عن إمكانه البرهاني. ولهذا كانت قراءته في مواضع كثيرة أقرب إلى التشريح العقلي الصارم حيث تتراجع حرارة الانتماء لصالح برودة التحليل. وقد كان في هذا وفاء لمهمة فكرية دقيقة لأن التراث حين يتحول إلى موضوع للمهابة المطلقة يفقد قابليته للإثمار ويصير عبئاً على الحاضر بدل أن يكون رصيداً له. وما أكثر ما وقع الفكر العربي الحديث في هذا المأزق حين ظنّ أن الوفاء للسلف يقتضي تكرار عباراتهم لا استئناف روح اجتهادهم. وقد كانت شجاعة الجابري في تفكيك البنى المعرفية للتراث عملاً تأسيسياً لأنه ردّ إلينا حقّ السؤال داخل فضاء طالما أحاطته قداسة تمنع الاقتراب.

غير أن طه عبد الرحمن ينظر إلى التراث من جهة أخرى أعمق التصاقاً بالمعنى الحي الذي يسكنه. فهو لا يرفض النقد لكنه يرفض أن يتحول النقد إلى قطيعة وجدانية أو أن يُختزل التراث في جهاز مفاهيمي يُفكَّك كما تُفكَّك الآلات. فالتراث عنده ليس مجرد مواد معرفية متراكمة بل هو أيضاً ميراث روحي وأخلاقي وتجربة وجودية أي هو “حياة” قبل أن يكون “نصوصاً”. وهنا كان شديد التحفّظ من كل قراءة تفصل الأقوال عن أحوال أصحابها أو تفصل المفاهيم عن المقامات التي نشأت فيها. فالفقيه والمتكلم والصوفي عنده لا يُفهمون حقا إذا اكتفينا بتصنيف أنساقهم لأن لكل واحد منهم خبرة مخصوصة بالعالم وصلة مخصوصة بالحقيقة وسلوكاً ينعكس في بنية خطابه. هذه الحساسية العميقة تجاه “الحيّ” في التراث هي التي تجعل مشروع طه أقرب إلى الاستنبات منه إلى الاستيراد وأقرب إلى التخلّق منه إلى التمفصل النظري المحض.

وهنا يتكثف موضع الخلاف الحقيقي، الجابري يبحث عن شروط إمكان نهضة عقلية عبر إعادة ترتيب العلاقة بالتراث على أساس برهاني نقدي. وطه يبحث عن شروط إمكان نهضة إنسانية عبر إعادة ترتيب العلاقة بالتراث على أساس ائتماني أخلاقي. الأول يسأل عن البنية، والثاني يسأل عن الروح. الأول يريد أن يعرف كيف اشتغل العقل العربي في التاريخ، والثاني يريد أن يعرف كيف ينبغي أن يشتغل الإنسان العربي في الوجود. ولعل هذه المفارقة الدقيقة هي التي تفسر لماذا بدت لغة الجابري أكثر التصاقاً بالدرس الفلسفي الحديث في صيغته الإبستمولوجية بينما بدت لغة طه أكثر اشتباكاً مع الموروث اللغوي والأصولي والصوفي مع استثمار عميق للمنطق والتداوليات الحديثة. فلكل واحد منهما “اقتصاد مفهومي” يعكس أفقه الوجودي قبل أن يعكس اختياره المنهجي.

ومن أخصب المداخل لفهم هذا التباين النظر في معنى “العقلانية” عند كل واحد منهما. العقلانية عند الجابري ذات طابع تحريري وتاريخي لأنها تُستدعى بوصفها أداة لكسر البنيات المانعة للفعل وتحرير الوعي من أشكال الخلط بين مستويات المعرفة وإقامة علاقة جديدة بين الفكر والواقع. إنها عقلانية تسائل المسلّمات وتعيد ترتيب الشرعيات وتفضّل الوضوح المفهومي على الغموض وتُعلي من شأن البرهان بوصفه القاسم المشترك الذي يمكن أن تتأسس عليه معرفة عمومية قابلة للنقاش. حيث إن الجابري رغم اختلاف سياقه كان قريباً من الروح التي جعلت كانط يعلن أن التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه. فالعقل هنا شجاعة استعمال للفكر دون وصاية.

أما العقلانية عند طه فليست مجرد شجاعة فكرية بل هي أيضاً أهلية أخلاقية. لا يكفي أن تستعمل عقلك بل ينبغي أن تستعمله استعمالاً مؤتمناً. لا يكفي أن تُحسن البرهنة بل ينبغي أن يكون قصدك متطهراً من الأهواء التي تُفسد النظر. لا يكفي أن تملك أدوات التحليل بل ينبغي أن تدرك أن الحقيقة لا تُنال كلها من خارج الذات بل يُنال بعضُها بتهذيب الذات نفسها. ومن هنا كانت عقلانيته أقرب إلى ما يمكن تسميته “العقلانية المتخلّقة”، حيث العقل ليس سيداً متعالياً على بقية الملكات بل هو قوة تتكامل مع الضمير والحياء والعبودية والمسؤولية. وهذا البعد يجعل مشروعه شديد الأصالة لأنه يحررنا من الوهم الشائع القائل إن البديل عن العقل الأداتي هو الوجدان الغامض أو الخطاب الوعظي، بينما هو في الحقيقة يبني تصوراً فلسفياً دقيقاً لعقل أوسع من الحساب وأعمق من التجريد.

غير أن ما يثير الانتباه أكثر هو أن الخلاف بينهما يتجاوز المجال النظري إلى تصور مختلف للحداثة نفسها. الجابري على الرغم من نقده العميق للتراث لم يكن منبهرا بالغرب انبهار التابع بل كان يسعى إلى عقلنة العلاقة بالحداثة. كان يريد أن يأخذ منها آلياتها المعرفية وروحها النقدية لا أن يذوب فيها ذوباناً. ولذلك ظلّ مشروعه في جوهره مشروعاً لإعادة بناء الذات العربية من الداخل وإن استأنس بمناهج حديثة. لكن هذه الحداثة في صورته تظل مرتبطة بقوة بالفضاء المعرفي والسياسي والتاريخي أي بقدرة المجتمع على إنتاج عقل عمومي نقدي.

أما طه فإنه يرى أن الحداثة الغربية رغم ما حققته من مكاسب هائلة تحمل في أصلها اختلالاً بنيوياً لأنها فصلت بين التقدم المادي والارتقاء الروحي وبين القوة والمسؤولية وبين الحرية والانضباط الأخلاقي. لذلك لم يكن معركته مع الحداثة معركة رفض بل معركة تفكيك وانتقاء وتجاوز. كان يصرّ على أن لكل أمة حقها في حداثتها وأن الحداثة ليست قالباً جاهزاً يُستنسخ بل إمكاناً تاريخياً يُعاد توليده بحسب المرجعيات الحية للشعوب. ومن هنا كان حديثه عن “روح الحداثة” لا عن قشورها وعن إمكان حداثة أخلاقية أو ائتمانية تستفيد من منجزات العصر دون أن تخسر روح الإنسان.

وهذا كله يفضي بنا إلى السؤال الأصعب، هل يمكن فعلاً تركيب أفق يجمع بين مطلب الجابري ومطلب طه أم أن التوتر بينهما تَنازُع لا يقبل المصالحة؟ الظاهر أن كثيراً من القراءات المتعجلة تتعامل مع المشروعين بمنطق المفاضلة الحدّية، إما أن نكون مع البرهان ضد الروح أو مع الروح ضد البرهان. وهذا في تقديري فهم قاصر لأن تاريخ الفكر الإنساني كله يعلّمنا أن الثنائيات الحية لا تُحلّ بالإلغاء بل بالتجاوز الخلاق. إن البرهان إذا فهمناه في جوهره الأصيل ليس عدوا للروح لأن الروح الصادقة لا تخاف من الحقيقة والحقيقة لا تضيق بالدليل. كما أن التجربة الروحية إذا تحررت من الادعاء والالتباس لا تُلغي العقل بل تزكّيه وتطهّر مجاله من الشهوات الخفية التي قد تفسد منطقه من حيث لا يشعر.

لقد أدرك كبار مفكرينا هذا التوازن بطرائق مختلفة. فابن رشد مع كل صرامته البرهانية لم يكن فيلسوفاً ماديا ولا عقلاً أداتياً بل كان ينظر إلى الوجود بوصفه كتاباً مفتوحاً على الحكمة. والغزالي مع كل احتفائه بالتجربة الباطنية لم يهدم العقل بل وصفه في أكثر من موضع بأنه أصلٌ في معرفة الشرع. والشاطبي في تأسيسه للمقاصد جمع بين الاستقراء العقلي والنظر المقاصدي الذي يستبطن حكمة الشريعة وروحها. وحتى ابن تيمية على ما بينه وبين الفلاسفة والمتكلمين من جدل كان يصرّ على أن صريح المعقول لا يعارض صحيح المنقول. كأن تراثنا في أجود لحظاته كان واعياً بأن الانقسام الحاد بين العقل والروح انقسام مصطنع أكثر مما هو قدر محتوم.

ومن ثمّ تتجلى القيمة الأخصب للمقارنة بين الجابري وطه أنها لا تكمن في أن ننصب أحدهما قاضياً على الآخر بل في أن نستخرج من التوتر بينهما درساً مركباً لزمننا. نحن اليوم في عالم عربي يئنّ تحت ضغط أزمتين متداخلتين، أزمة بنيوية في المعرفة والسياسة والمؤسسات والتعليم وأزمة معنوية في الأخلاق والغاية والهوية والإنسان. الأزمة الأولى لا يعالجها خطاب روحي منفصل عن نقد البنيات. والأزمة الثانية لا يعالجها عقل تقني بارع في التشخيص عاجز عن بثّ المعنى. إن من يريد أن يفكر اليوم بجدية لا يملك ترف الانحياز الأحادي. عليه أن يتعلم من الجابري صرامة النقد ومن طه شرف الائتمان. عليه أن يدرك أن تحرير العقل من الخرافة لا يكفي إذا بقي القلب مستباحاً للنزوات ولعبادة القوة. وعليه أن يدرك كذلك أن تزكية القلب لا تكفي إذا بقي العقل أسير التكرار وسلطة الموروث وكسل السؤال.

ولعل أخطر ما يمكن أن يقع فيه القارئ العربي اليوم هو أن يحوّل المشروعين إلى رايتين أيديولوجيتين بدل أن يجعلهما موردين للفهم. فكم من قارئ اتخذ الجابري ذريعة للازدراء السهل لكل تراث روحي وكأن التصوف كله عتمة والعرفان كله ضلال إبستمولوجي. وكم من قارئ اتخذ طه ذريعة للارتياب في كل مطلب نقدي وكأن البرهان بدعة حداثية غربية لا نصيب لها في بنية الفكر الإسلامي. والحال أن الرجلين لو قُرئا بإنصاف أرفع من هذه الاستعمالات الضيقة. الجابري لم يكن عدوا للتراث في ذاته بل كان عدوا لجموده ولأوهامه المعرفية. وطه لم يكن عدوا للعقل بل كان عدوا لاختزاله ولغطرسته حين يدّعي الكفاية المطلقة.

وأرى أن ما يحتاجه الدرس الفلسفي العربي اليوم هو إعادة فتح الحوار بين المشروعين على نحو أكثر نضجاً وأقلّ انفعالاً. نحتاج إلى قراءة الجابري من داخل سؤال الإنسان لا من داخل سؤال البنية وحده. ونحتاج إلى قراءة طه من داخل سؤال العمومية المعرفية لا من داخل سؤال التزكية وحده. نحتاج إلى أن نسأل كيف يمكن للبرهان أن يصير أخلاقيا وكيف يمكن للتجربة الروحية أن تصير قابلة للتداول العمومي دون أن تُبتذل؟ كيف يمكن للعقل النقدي أن يظل متواضعاً أمام ما يتجاوز حدوده؟ وكيف يمكن للروح أن تبقى منضبطة بميزان يمنعها من الانفلات؟ تلك أسئلة لو أُحسن طرحها لأثمرت فلسفة عربية معاصرة أكثر رسوخاً وأقلّ ارتهاناً للثنائيات الكسولة.

إن الجابري وطه عبد الرحمن لا يمثلان مجرد اتجاهين مختلفين داخل الفكر المغربي الحديث بل يمثلان امتحانين متكاملين للعقل العربي في سعيه إلى استعادة نفسه. الجابري يمتحن قدرتنا على الشك المنهجي وعلى تفكيك المسلّمات وعلى إعادة ترتيب علاقتنا بالتراث وفق منطق البرهان والفعالية التاريخية. وطه يمتحن قدرتنا على مقاومة الإغراء الحداثي حين يتحول إلى عبادة للأداة وعلى استرداد البعد الأخلاقي والروحي للعقل حتى لا ينقلب التقدم إلى فراغ والحرية إلى تيه والمعرفة إلى سلطة بلا حكمة. وليس من الحكمة أن نختزل هذا الامتحان في اختيار ساذج بين اسمين لأن الحضارات لا تنهض باختيار الأسماء بل ببناء المعاني.

إن العقل الذي يحتاجه واقعنا العربي اليوم لا يشبه العقل المدرسي الضيق الذي يكتفي بترتيب الحجج ثم ينسحب من ميدان الحياة. كما لا يشبه الوجدان المنفلت الذي يلوذ بحرارة الشعور كلما استعصى عليه عبء الدليل. نحن أحوج ما نكون إلى عقل مركّب، عقلٍ يعرف أن الحقيقة لا تُهدى إلى الكسالى وأنها تحتاج إلى صبر البرهان كما تحتاج إلى صدق التزكية. عقل يقرأ ابن رشد دون أن يخاصم الغزالي ويقرأ الغزالي دون أن يرتاب في ابن رشد. عقل يتعلّم من الجابري أن التراث لا يُعبد ومن طه أن الحداثة لا تُعبد كذلك. عقل يدرك أن الإنسان لا يكتمل بالمعرفة وحدها ولا بالتعبد وحده بل يكتمل حين تصير المعرفة عبادةً من جهة الإخلاص للحق وحين يصير التعبد معرفةً من جهة انكشاف البصيرة على المعنى.

إن البرهان والتجربة الروحية في أعمق مستويات المقارنة ليسا خصمين متنافيين إلا في القراءات الفقيرة. إنهما حدّان لتوتر خلاق إذا أحسن الفكر العربي المعاصر استثماره أمكنه أن يخرج من أسر ثنائياته العقيمة. فكل برهان لا يُنير صاحبه أخلاقياً يظل ناقصاً وكل تجربة روحية لا تصمد أمام ميزان العقل تظل معرّضة للالتباس. وبين هذا وذاك يتشكل الأفق الأجدر بنا، أفق عقلٍ يبرهن بصرامة ويؤمن بتواضع ويعمل بمسؤولية ويحمل الحقيقة لا بوصفها غنيمة فكرية بل بوصفها أمانة وجودية.

***

د. حمزة مولخنيف

من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة

ليس مفهوم العقل في الفكر المغربي المعاصر لفظا عابرا من ألفاظ التداول الفلسفي الحديث ولا هو حدٌّ منطقيٌّ يُستوفى بالتعريف ثم يُطوى وإنما هو من المفاهيم التي استقرّت في قلب المعركة الفكرية والثقافية التي خاضها المغرب الحديث وهو يواجه أسئلة الذات والتاريخ والمصير. ذلك أنّ العقل في هذا السياق لم يُطرح من حيث هو ملكة ذهنية مجردة ولا من حيث هو أداة صورية للاستدلال فحسب، وإنما طُرح من حيث علاقته ببناء الإنسان وبكيفية تمثّل العالم وبطبيعة الصلة بين التراث والواقع وبحدود القدرة على استئناف فعل حضاري تعطّلت شروطه واختلّت موازينه. وقد اكتسب هذا المفهوم ثقله النظري وامتداده الحضاري لأنّ الكلام فيه كان كلاما في الوقت نفسه عن النهضة والإصلاح والحرية والهوية وعن إمكان الخروج من زمن التبعية إلى أفق الفعل التاريخي المنتج.

ولذلك لم يكن انشغال الفكر المغربي المعاصر بالعقل ترفا فلسفيا ولا محاكاةً مدرسية لمباحث الفلسفة الغربية الحديثة وإنما كان استجابةً عميقةً لوضع تاريخي مأزوم تداخلت فيه آثار الانحطاط الطويل مع صدمة الحداثة ومع التوتر المستمر بين مرجعيات متنازعة. فقد بدا لكثير من المفكرين المغاربة أنّ أزمة العرب والمسلمين ليست أزمة سياسة وحدها ولا أزمة اقتصاد أو إدارة أو تعليم بالمعنى التقني الضيق وإنما هي في جوهرها أزمة في نظام النظر نفسه وأزمة في كيفية اشتغال الوعي وأزمة في طرائق الفهم التي تحكم علاقتنا بالنصوص وبالوقائع وبالمفاهيم. لهذا لم يكن السؤال كيف ننهض فقط؟ بل صار قبل ذلك بأيّ عقل ننهض؟ وأيّ بنية معرفية تسند هذا النهوض؟ وأيّ علاقة ينبغي أن تُعاد صياغتها بين العقل والتراث وبين العقل والوحي وبين العقل والتاريخ وبين العقل والقيمة؟.

وقد ازداد هذا السؤال تعقيدا كلّما تعمّق الفكر المغربي في نقده لذاته لأنّ العقل الذي بدا في مرحلة من المراحل عنوانا للخلاص من التقليد والجمود سرعان ما صار هو نفسه موضوع مساءلة دقيقة. ذلك أنّ الرهان النهضوي الذي علّق على العقل آمالا واسعة لم يُفضِ إلى النتائج التي وُعد بها الوعي العربي الحديث، إذ لم تنجح الدعوات العقلانية وحدها في إنتاج حداثة متوازنة كما لم تستطع الشعارات التنويرية أن تمنع استمرار الازدواجية في المرجعيات أو أن توقف تمدد الخطاب الإيديولوجي أو أن تحسم العلاقة الملتبسة بين الأصالة والمعاصرة. وعند هذا المنعطف لم يعد العقل اسما لحلّ جاهز بل صار اسما لمشكلة مركبة وصار التفكير فيه يقتضي الانتقال من التمجيد الخطابي إلى الفحص النقدي ومن استعماله شعارا في السجال إلى جعله موضوعا للتحليل والحفر والكشف.

وهنا تتحدد القيمة الخاصة للفكر المغربي المعاصر في معالجته لمفهوم العقل إذ لم يكتفِ باستدعائه من خارج التاريخ ولم يذبه في تعميمات تجريدية فضفاضة، وإنما حاول أن يرده إلى شروطه الثقافية والمعرفية والأخلاقية وأن يقرأه من داخل التوترات التي صنعت مساره. ولهذا وجدنا العقل يتحول عند بعضهم إلى بنية إبستمولوجية تُفكّك أنظمة المعرفة العربية الإسلامية ويتحوّل عند بعضهم إلى أفق أخلاقي وائتماني يعيد وصل الفكر بالفعل والمعرفة بالقيمة ويتحوّل عند آخرين إلى وعي تاريخي صارم لا يرى إمكانا للفعل إلا بامتلاك المفهوم واستيعاب منطق العصر. إن البحث في مفهوم العقل داخل الفكر المغربي المعاصر ليس بحثا في لفظٍ فلسفيّ محدود الدلالة وإنما هو بحث في صورة الذات المغربية والعربية وهي تختبر قدرتها على فهم ماضيها وعلى نقد حاضرها وعلى تشييد أفقٍ جديد تتصالح فيه مع نفسها من غير انغلاق وتنفتح فيه على العالم من غير ذوبان.

إذا كان سؤال النهضة قد مثّل في الوعي العربي الحديث أشدّ الأسئلة إلحاحا وأوسعها امتدادا فإنّ الفكر المغربي المعاصر قد منح هذا السؤال صيغة أكثر تعقيدا وأعمق تركيبا حين ربطه منذ وقت مبكر بمسألة العقل لا بوصفه مجرد ملكة ذهنية من جملة الملكات ولا بوصفه أداة استدلال صورية محايدة، وإنما بوصفه الإطار الذي تنتظم داخله علاقة الإنسان بالعالم وبالتراث وبالزمن التاريخي وبإمكان الفعل الحضاري نفسه. فالعقل في هذا السياق لم يُطرح باعتباره حدا منطقيا يكتمل بالتعريف وإنما طُرح باعتباره مشكلةً تاريخية وثقافية وحضارية تتقاطع فيها الأسئلة المعرفية بالأخلاقية وتتداخل فيها رهانات الإصلاح بمآلات الهوية ويتعالق فيها نقد الموروث بإمكان استيعاب الحداثة من غير ذوبان ولا انغلاق.

ولذلك لم يكن انشغال الفكر المغربي المعاصر بمفهوم العقل انشغالا تجريديا صرفا ولا كان استعادة مدرسية لمباحث الفلسفة القديمة أو الحديثة وإنما كان استجابةً واعيةً لوضع حضاري مأزوم بدا فيه أنّ أزمة العرب والمسلمين ليست أزمة أدوات أو مؤسسات فحسب وإنما هي قبل ذلك أزمة في طرائق النظر وأزمة في بنية الوعي وأزمة في شروط إنتاج المعرفة وأزمة في صورة الإنسان عن نفسه وهو يحاول أن يقرأ تاريخه ويحدّد موقعه من العالم. ومن هنا جرى الانتقال من سؤال بسيط في ظاهره لماذا تأخرنا؟ إلى سؤال أكثر عمقا وأشدّ خطورة كيف يشتغل العقل الذي أنتج هذا التأخر؟ وهل العطب كامن في غياب العقل أم في نمط مخصوص من التعقل أم في علاقة مختلة بين العقل والنص وبين العقل والتاريخ وبين العقل والسلطة وبين العقل والأخلاق؟.

ولعلّ أول ما ينبغي تقريره في هذا المقام أنّ الفكر المغربي المعاصر لم يتعامل مع العقل بوصفه مفهوما واحدا بسيطا وإنما تعامل معه بوصفه مفهوما كثيفا تتنازعه مستويات متعدّدة من الدلالة. فالعقل قد يكون بنية معرفية وقد يكون منهجا في النظر وقد يكون سلطةً معياريةً تضبط الحكم والتمييز وقد يكون قابليةً أخلاقيةً تحفظ للإنسان توازنه في الفعل وقد يكون وعيا تاريخيا يدرك منطق التحولات العميقة في الاجتماع والعمران. ولهذا لم يكن الخلاف بين مفكري المغرب المعاصرين حول العقل خلافا في الاصطلاح وحده وإنما كان خلافا في المنبع والمجال والوظيفة والغاية. وهذا ما يفسّر أنّ العقل ظلّ حاضرا في قلب السجال المغربي المعاصر حضورا مركزيا لأنّ كلّ مشروع فكري كبير اضطرّ إلى أن يحدّد موقفه منه صراحةً أو ضمنا وأن يربط به تصوّره للتراث وللحداثة وللإنسان.

وإذا أردنا أن نفهم هذا الحضور الكثيف للعقل في الفكر المغربي المعاصر وجب أن نستحضر أنّ المغرب لم يدخل الحداثة من باب الترف النظري وإنما دخلها من باب الصدمة التاريخية. لقد جاءت الحداثة في العالم العربي عموما وفي المغرب خصوصا مقترنةً بتجارب الاستعمار والهيمنة والاختلال البنيوي في موازين القوة، فجعلت سؤال التقدّم متصلا اتصالا عضويا بسؤال التحرر. غير أنّ التحرر لم يكن ممكنا من غير مراجعة عميقة لأدوات الفهم نفسها. ولهذا كان العقل عند المفكر المغربي الحديث والمعاصر عنوانا مزدوجا، عنوانا للتحرر من الخارج وعنوانا للتحرر من الداخل. التحرر من الخارج يقتضي مقاومة التبعية والهيمنة. والتحرر من الداخل يقتضي نقد التقليد والجمود والتكرار وكسل المفهوم. ونفهم هنا لماذا لم يكن استدعاء العقل في الثقافة المغربية الحديثة مجرد ترديد لشعارات الأنوار وإنما كان محاولة لتشييد ذات قادرة على مقاومة الاستلاب الحضاري من غير أن تسقط في انغلاق دفاعي يعيد إنتاج أسباب الضعف.

ولا يمكن إغفال الخلفية التراثية العميقة التي ظلّت تؤطر النقاش المغربي حول العقل، لأنّ المغرب الفكري لم يبدأ من فراغ ولم يدخل إلى سؤال العقل من خارج تاريخه. فالمجال المغربي الأندلسي قد ورث تقاليد عقلية راسخة تتجلى في الفلسفة الرشدية وفي علم أصول الفقه وفي بعض وجوه النظر الكلامي وفي الممارسة الاجتهادية التي لم تكن تنفصل عن التقدير العقلي للمصالح والمآلات. وليس من قبيل المصادفة أن يظلّ ابن رشد حاضرا في الضمير الفلسفي المغربي الحديث حضورا استثنائيا. فالرجل الذي قرّر في فصل المقال أنّ «الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة» لم يكن يقدّم عبارةً بلاغيةً تُستشهد للزينة وإنما كان يضع قاعدة كبرى في إمكان التساند بين البرهان والوحي، بين النظر العقلي والهداية الشرعية وبين الحكمة والشريعة. وقد ظلّت هذه العبارة على امتداد الفكر المغربي المعاصر أشبه بمرجع ضمني يعاد استدعاؤه كلما احتدم النزاع حول موقع العقل في الثقافة الإسلامية.

وليس ابن رشد وحده هو الذي يمدّ هذا النقاش بمواده العميقة بل إنّ التراث الأصولي نفسه قد ظلّ مصدرا مهما في فهم العقل ووظيفته. فحين يشتغل الأصولي على القياس والاستصحاب والاستحسان وتحقيق المناط وتنقيحه وتخريجه فإنّه لا يمارس مجرد صناعة فقهية جزئية وإنما يمارس عقلا استدلاليا مركّبا، عقلا يربط النص بالواقع والجزئي بالكلي والعلّة بالحكم والمآل بالمقصد. ولذلك الشاطبي حين كان يقول إنّ «وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل» يفتح أفقا لعقل مقاصدي لا يقف عند ظاهر الدليل من غير فقه لعلله وغاياته. وكان القرافي حين يميّز بين التصرفات بحسب المقامات والعلل والآثار يكشف عن حسّ عقلي دقيق لا يمكن اختزاله في حرفية النصوص. إنّ الفكر المغربي المعاصر حين عاد إلى سؤال العقل لم يكن مضطرا إلى استيراده من الخارج على نحو كامل لأنّ في تراثه نفسه إمكانات عقلية معتبرة، غير أنّ هذه الإمكانات كانت في حاجة إلى إعادة قراءة ونقد وإعادة ترتيب.

إنّ مجرد التذكير بوجود تقاليد عقلية في التراث لم يكن كافيا عند مفكري المغرب المعاصرين، لأنّ المشكلة لم تكن في إثبات أنّ أسلافنا عقلانيون، بل كانت في فهم كيف تعطّلت فعالية هذه العقلانية وكيف تحوّلت في مراحل لاحقة إلى أنماط من التكرار المذهبي أو الانغلاق المدرسي أو التبرير السلطوي. هنا انتقل السؤال من مجرد الدفاع عن العقل إلى الحفر في شروط انكساره التاريخي. ولم يعد المقصود أن نردّ على من يتهم الثقافة الإسلامية باللاعقلانية فقط وإنما صار المقصود أن نسأل أنفسنا بصرامة لماذا لم يتحول ما نملكه من رصيد عقلي إلى قوة حضارية متجددة؟ ولماذا انتهت كثير من أدواتنا المفهومية إلى العجز عن مواكبة التحولات الكبرى في العالم؟ ولماذا صار الاجتهاد استثناءً والتقليد قاعدة؟ ولماذا انكمش العقل العمومي أمام سلطات متعددة سياسية واجتماعية ورمزية؟.

تتبدّى القيمة الكبرى هنا لهاته المشاريع الفكرية المغربية المعاصرة لأنها لم تتوقف عند حدود الخطاب الإصلاحي العام بل نقلت النقاش إلى مستوى أكثر عمقا حيث صار العقل نفسه موضوعا للتفكيك والتحليل. ويبرز في هذا السياق محمد عابد الجابري بوصفه أحد أكثر المفكرين المغاربة وعيا بأنّ سؤال النهضة لا يُجاب عنه من خارج بنية العقل العربي ذاته. فالجابري لم يتعامل مع العقل العربي على أنّه جوهر عرقي أو ماهية ثابتة وإنما نظر إليه بوصفه منظومةً من القواعد الضمنية التي تشكلت تاريخيا داخل الثقافة العربية الإسلامية ووجّهت طرائق الفهم والاستدلال والتصنيف والبرهنة. ولهذا كان يفرّق بين «العقل المكوِّن» و«العقل المكوَّن»، أي بين القدرة المنتجة للمعرفة من جهة وبين الترسبات الثقافية والمؤسساتية والمعيارية التي تحدّد كيف يشتغل العقل فعليا من جهة أخرى. وهذا التمييز بالغ الأهمية لأنه يجعلنا نخرج من وهم القول بأنّ المشكلة في الإنسان العربي من حيث طبيعته لنفهم أنّ المشكلة في بنية ثقافية تاريخية قابلة للنقد وإعادة البناء.

ومن هذا المنظور جاءت قراءته الشهيرة لأنظمة المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية حيث ميّز بين البيان والعرفان والبرهان. وليس هذا التمييز مجرّد تصنيف أكاديمي للمعارف بل هو تشخيص عميق لبنية العقل كما تشكّلت في التاريخ العربي الإسلامي. فالبيان عنده يمثل سلطة اللغة والنص والقياس الفقهي والكلامي في صيغته المهيمنة، والعرفان يمثل الأنساق الباطنية والإشراقية والهرمسية التي جعلت المعرفة ضربا من الكشف والذوق والاتصال، أمّا البرهان فيمثل أفق العقل الفلسفي الأرسطي كما استوعبه الفلاسفة المسلمون وخصوصا في ذروته الرشدية. وقد كان الجابري يرى أنّ اختلال التوازن بين هذه الأنظمة هو أحد أسباب العجز الحضاري لأنّ سيادة البيان حين تنغلق على نفسها أو تمدد العرفان حين يهيمن على مجالات لا يضبطها يؤديان إلى إضعاف البرهان بوصفه أداة للنقد والتمييز والصرامة المفهومية.

وهنا نفهم لماذا كان ابن رشد عند الجابري ليس مجرد اسم من أسماء الفلاسفة بل كان رهانا حضاريا ومنهجيا. لقد رأى فيه نموذجا لعقلانية عربية إسلامية قادرة على التمييز بين مجالات القول وعلى ضبط العلاقة بين الشريعة والحكمة وعلى تحرير النظر من الخلط بين مقتضيات البرهان ومقتضيات الخطابة أو الجدل. ولذلك لم يكن دفاع الجابري عن الرشدية حنينا إلى ماضٍ ذهبيٍّ يُستعاد على نحو متحفي وإنما كان فعل اختيار داخل التراث نفسه، أي تمييزا بين عناصر تصلح لبناء حداثة عربية نقدية وأخرى تمثل عوائق معرفية ينبغي تفكيكها. وقد عبّر في أكثر من موضع عن هذا المعنى حين جعل من «نقد العقل العربي» شرطا في إمكان أيّ نهضة لأنّ النهضة لا تتحقق بتكديس الشعارات ولا باستيراد التقنيات وإنما تتحقق بإعادة بناء أدوات الفهم ذاتها.

غير أنّ مشروع الجابري على قوته واتساع أثره لم يمرّ دون مساءلة عميقة بل لعلّ قيمته الكبرى تكمن في كونه فتح بابا واسعا لإعادة تعريف العقل نفسه. فإذا كان الجابري قد راهن على البرهان والنقد الإبستمولوجي والقطيعة مع البنيات المعرفية الموروثة التي رآها معيقة فإنّ طه عبد الرحمن سيأتي ليقول إنّ هذا الرهان على ضرورته يظلّ ناقصا إذا لم يُستكمل بردّ العقل إلى مجاله الأخلاقي والروحي. فالعقل عند طه ليس مجرد آلة استدلال أو جهاز مفهومي أو أداة تفكيك للأنساق وإنما هو فعل وجودي وأخلاقي يتحدد بقدر ما يقدر الإنسان على التخلّق وعلى الوفاء وعلى الائتمان. ولهذا فإنّ الاقتصار على العقل البرهاني أو الأداتي يفضي في نظره إلى صورة مبتورة من الإنسان، صورةٍ تفصل بين المعرفة والقيمة وبين النظر والعمل وبين الفكر والسلوك.

إنّ طه عبد الرحمن لا يرفض العقل كما يتوهم بعض قرّائه السطحيين بل يمكن القول إنّه من أكثر المفكرين المغاربة دفاعا عن العقل، غير أنّه يدافع عن عقل موسّع لا عن عقل مختزل. وهو يذكّر في غير موضع بأنّ العقل إذا انفصل عن الأخلاق تحوّل إلى مكر وإذا انفصل عن العمل تحوّل إلى ترف ذهني وإذا انفصل عن الروح تحوّل إلى سلطة تقنية قد تبهر الإنسان وتستعبده في آن واحد. ومن هنا جاءت مفاهيمه مثل «العقل المؤيد» و«التسديد» و«الائتمانية» و«فقه الفلسفة» لتؤكد أنّ العقل الحق لا يكتمل بصرامة البرهان وحدها وإنما يكتمل حين يظلّ موصولا بأفق قيمي يزكّيه ويهذّبه ويمنع تحوّله إلى مجرد فاعلية أداتية. وفي هذا المعنى يلتقي من جهة بعيدة مع تحذيرات فلاسفة الحداثة النقديين في الغرب أنفسهم الذين نبّهوا إلى مخاطر العقل الأداتي. فهابرماس مثلا تحدّث عن «استعمار العالم المعيش» بواسطة الأنظمة التقنية والإدارية حين ينفصل العقل عن التواصل والمعنى. وأدورنو وهوركهايمر في جدل التنوير أشارا إلى أنّ التنوير نفسه قد ينقلب إلى أسطورة جديدة إذا تحوّل العقل إلى أداة سيطرة محضة. غير أنّ طه يذهب أبعد من ذلك حين يربط إصلاح العقل بإصلاح الإنسان في باطنه وظاهره معا.

ويتجلّى هنا التحول العميق من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة. ففي الأفق النهضوي كان العقل يظهر غالبا بوصفه العلاج المباشر للتقليد والجمود، وكان يكفي في كثير من الأحيان أن نرفع شعار العقلانية والنقد والاجتهاد لنظنّ أنّنا اقتربنا من الحل. أمّا في الأفق الذي تبلور لاحقا داخل الفكر المغربي المعاصر فقد صار العقل نفسه موضع مساءلة لأنّ التجربة التاريخية كشفت أنّ مجرّد الدعوة إلى العقل لا تكفي. لقد رفعت النخب العربية الحديثة شعارات العقل والتنوير والإصلاح، ومع ذلك ظلّت البنيات العميقة للتخلّف فاعلة بل أفرزت أشكالا جديدة من الازدواجية والتبعية والانفصام بين القول والممارسة. ولم يعد السؤال كيف ننتصر للعقل؟ بل صار أيّ عقل نريد؟ وكيف نضمن ألّا يتحول إلى أيديولوجيا؟ وكيف نحول دون انفصاله عن المجتمع وعن الأخلاق وعن شروطه التاريخية الفعلية؟ .

ولا يمكن إغفال عبد الله العروي في هذا السياق، لأنّ حضوره في النقاش المغربي حول العقل حاسم وإن لم يشتغل دائما بالمصطلح نفسه بالقدر الذي فعل الجابري أو طه. فالعروي يفكّر في العقل من خلال التاريخية الصارمة ومن خلال المفهوم ومن خلال ضرورة استيعاب منطق الحداثة الحديثة لا الاكتفاء بالتغني بها أو التلفظ بمفرداتها. ولهذا كان نقده للإيديولوجيا العربية المعاصرة نقدا لأنماط من الوعي الملتبس الذي يريد أن يجمع بين أزمنة متباعدة من غير حسم ويستعمل المفاهيم الحديثة استعمالا لغويا أو شعاريا من غير أن يدخل في شروطها البنيوية. فالعقل عند العروي ليس مجرد استعداد نظري وإنما هو قدرة على التمثل التاريخي الدقيق وعلى إدراك أنّ المفاهيم الكبرى مثل الدولة والحرية والتاريخ والعقلانية لا تُستعار كما تُستعار الألفاظ بل تُكتسب داخل مسار تاريخي صعب يقتضي وعيا صارما بالتحولات العميقة التي صنعتها.

ومن هنا كان العروي شديد الحذر من كلّ نزعة توفيقية ساذجة لأنّ التوفيق عنده قد يتحول إلى ستر للعجز عن الحسم المفهومي. وهو بهذا المعنى ينتمي إلى ذلك المزاج الفكري الذي يرى أنّ الأزمة ليست في نقص الحماسة ولا في ضعف النوايا وإنما في غموض المفاهيم واختلاط الأزمنة والتردد في مواجهة مقتضيات العصر. وهذا وجه آخر من وجوه التفكير في العقل، وجه يجعل العقل وعيا بالتاريخ قبل أن يكون مجرد أداة تحليل. فإذا كان الجابري يحفر في بنية العقل العربي وكان طه يردّ العقل إلى أفقه الأخلاقي الائتماني فإنّ العروي يربط العقل بالصرامة التاريخية وبالقدرة على امتلاك المفهوم الحديث امتلاكا فعليا لا إنشائيا.

إنّ هذا التعدد في المقاربات لا يعني تشتتا عقيما كما قد يتوهم بعض القرّاء، وإنما يدلّ على نضج استثنائي في الفكر المغربي المعاصر. فاللحظة التي يتوقف فيها المفكرون عن ترديد الشعارات العامة ويشرعون في مساءلة أدواتهم نفسها، هي لحظة انتقال من الخطابة إلى الفكر. ولهذا فإنّ القيمة الكبرى للنقاش المغربي حول العقل أنّه لم يكتفِ بتمجيد العقل كما تفعل كثير من الأدبيات التنويرية السطحية بل جعل من العقل نفسه موضوعا للنقد وسأل عن حدوده وعن أنماطه وعن إمكان انحرافه وعن علاقته بالسلطة وعن قابليته لأن يتحول من أداة تحرير إلى أداة تبرير. وهذه منزلة عالية في التفكير لأنّها تضعنا أمام حقيقة مفادها أنّ العقل ليس خيرا خالصا في ذاته إذا لم يُضبط، وليس قوةً منقذةً بمجرد الإعلان عنها بل هو فاعلية تاريخية مركبة قد تُنتج التحرر وقد تُنتج الوهم وقد تُنير وقد تُضل بحسب البنية التي يعمل داخلها والغاية التي يتجه إليها.

ولذلك فإنّ الانتقال من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انتقالا من الأمل إلى اليأس، وإنما بوصفه انتقالا من بساطة الوعي إلى تعقيده ومن الحماس الإصلاحي العام إلى الصرامة النقدية. ففي زمن النهضة كان يكفي أن نقول إنّ الخلل في التقليد وإنّ العلاج في العقل والاجتهاد، أمّا بعد تراكم التجارب والإخفاقات فقد صار واضحا أنّ المسألة أشدّ عمقا. فالعقل الذي ندعو إليه قد يكون هو نفسه مشروطا بتراث لم يُفهم بعد أو بحداثة لم تُهضم بعد أو بمؤسسات لا تسمح له أن يتحول إلى ممارسة اجتماعية أو بنخب تستعمله استعمالا سجاليا أكثر مما تستعمله استعمالا بنائيا. ومن هنا غدا العقل في الفكر المغربي المعاصر اسما لمعضلة كبرى لا لأنه فقد قيمته وإنما لأنّ قيمته نفسها صارت مشروطةً بحسن تعريفه وبسلامة مجاله وبالقدرة على التمييز بين مستوياته وبإدخاله في صلب مشروع حضاري لا يكتفي بالنقد النظري.

إنّ الفكر المغربي المعاصر قد نجح في تحويل العقل من شعار عام إلى إشكال فلسفي وحضاري مركب. لقد أخرجه من فضاء المديح الخطابي وأدخله فضاء التحليل والحفر والمساءلة. وهذا في حدّ ذاته مكسب كبير لأنّ الأمم لا تتقدم بمجرد الإيمان بالعقل في المستوى الشكلي وإنما تتقدم حين تجعل من العقل موضوعا لتربية مؤسساتها ولمناهج تعليمها ولطرائق اجتهادها ولأساليب تدبيرها السياسي والثقافي ولصورة الإنسان التي تريد أن تبنيها في المستقبل. وهنا بالضبط تتجلى الخصوصية المغربية: ليس في مجرّد الدفاع عن العقل وإنما في جعل الدفاع عنه مشروطا بنقده وجعل نقده بابا لإعادة تأسيسه وجعل إعادة تأسيسه جزءا من سؤال أوسع هو سؤال الذات وهي تبحث عن سبيلها بين تراث يطالبها بالوفاء وعصر يفرض عليها شروطا قاسية وأزمة تتجاوز حدود الفكر إلى عمق الوجود التاريخي نفسه.

وإذا كنا قد بينا أنّ الفكر المغربي المعاصر لم يتعامل مع العقل باعتباره مفهوما ساكنا أو شعارا إصلاحيا بسيطا، فإنّ التعمق في مواقف أعلامه الكبار يبيّن أنّ هذا المفهوم تحوّل بالفعل إلى ساحة كبرى للتنازع الفلسفي والمعرفي والأخلاقي وأنّ هذا التنازع نفسه هو الذي منح التجربة الفكرية المغربية فرادتها داخل الفضاء العربي الحديث. ذلك أنّ المغرب لم يُنتج فقط دعوات عامة إلى التنوير أو اجتهادات جزئية في الإصلاح وإنما أنتج مشاريع فكرية متماسكة جعلت من العقل محورا لإعادة بناء العلاقة بالتراث وبالحداثة وبالإنسان. غير أنّ هذه المشاريع على تباينها تكشف في الوقت نفسه أنّ سؤال العقل لم يعد قادرا على البقاء داخل أفق النهضة وحده، لأنّ الوعي العربي بعد عقود من الوعود الكبرى والإخفاقات المتراكمة دخل مرحلة صار فيها العقل نفسه موضع مساءلة لا من حيث قيمته في ذاته بل من حيث شروطه التاريخية وحدوده العملية ومخاطر انحرافه وإمكان تحوّله من أداة تحرر إلى أداة تبسيط أو اختزال أو حتى هيمنة.

ولعلّ محمد عابد الجابري يمثّل أوضح صورة لهذا التحول، لأنّ مشروعه لم يكن مجرد مساهمة في الفلسفة العربية المعاصرة بل كان محاولة شاملة لإعادة صياغة سؤال النهضة من داخل بنية العقل العربي ذاته. لقد أدرك الجابري أنّ التفسير الأخلاقي العام للتخلّف لم يعد كافيا وأنّ الخطاب الذي يكتفي بلعن الاستبداد أو التباكي على الماضي أو التغني بالعلم لا يلامس جوهر المشكلة. ومن هنا جاء رهانه على ما سمّاه «نقد العقل العربي»، وهو عنوان بالغ الدلالة لأنّه ينقل التفكير من مجال التشخيص السطحي إلى مجال الحفر في الشروط العميقة التي تنظّم إنتاج المعرفة داخل الثقافة العربية الإسلامية. فالعقل العربي عنده ليس طبيعةً بيولوجية وليس جوهرا قوميا وليس وصفا نفسيا للأفراد وإنما هو نسق ثقافي تاريخي تشكّل عبر قرون ترسّبت فيه قواعد للفهم والاستدلال والتصنيف وصارت تعمل عمل البداهات المضمرة التي توجّه الوعي من غير أن يشعر بها دائما.

وقد جاءت أهمية تفريقه بين «العقل المكوِّن» و«العقل المكوَّن»، فالعقل المكوِّن هو تلك القدرة البشرية الكونية على الإنتاج والإبداع والنقد والتركيب. أمّا العقل المكوَّن فهو ذلك البناء الثقافي الموروث الذي يحدّد في كل حضارة ما الذي يُعدّ معقولا وما الذي يُقبل بوصفه دليلا وما الذي يُستبعد من دائرة المشروعية المعرفية. وهذا التفريق يفتح بابا بالغ الأهمية في فهم الأزمة لأنه يرفع عن الذات العربية تهمة العجز الجوهري ويحوّل المشكلة إلى مستوى البنيات التاريخية القابلة للنقد والتجاوز. لذلك لم يكن الجابري بصدد إدانة العقل العربي من حيث هو عقل وإنما كان بصدد تفكيك أنماط اشتغاله كما تشكّلت في التاريخ ليكشف مواطن القوة ومواطن الاختلال معا.

وليس من المصادفة أن ينتهي هذا المسار إلى التمييز الشهير بين البيان والعرفان والبرهان. فهذا الثلاثي ليس مجرد تصنيف مدرسي للمعارف الإسلامية وإنما هو في العمق إعادة رسم للخريطة الذهنية التي تشكّلت بها الثقافة العربية الإسلامية. فالبيان يمثّل سلطة النص واللغة والقياس والاشتغال الفقهي والكلامي في صورته الغالبة. والعرفان يمثّل أنماطا من المعرفة تقوم على الكشف والذوق والإشراق والباطن. والبرهان يمثّل العقل الفلسفي المنضبط بقوانين الاستدلال الأرسطي وبطلب الضرورة والعلّية والاتساق المفهومي. وقد رأى الجابري أنّ أزمة الثقافة العربية الحديثة لا يمكن فهمها من غير فهم العلاقة المضطربة بين هذه الأنظمة، لأنّ سيادة البيان حين تنغلق على ذاتها تنتج عقلا يعيد إنتاج الموروث من داخل منطقه اللغوي والقياسي وتمدد العرفان حين يخرج من مجاله ينتج عقلا يستعيض عن البرهنة بالذوق أو الرمز أو الإيحاء، أمّا البرهان فقد ظلّ في تاريخنا محدود الامتداد مقموع الأثر غير قادر على التحول إلى روح ثقافية عامة.

ولهذا السبب بالذات كان استدعاء ابن رشد عند الجابري استدعاءً تأسيسيا لا زخرفيا. فابن رشد لم يكن بالنسبة إليه مجرد فيلسوف كبير من الماضي وإنما كان إمكانا تاريخيا لم يكتمل. لقد رأى فيه ذروةً لعقلانية عربية إسلامية كان يمكن أن تتطور لو لم تتعثر شروطها السياسية والثقافية ولو لم يُغلق عليها باب الامتداد داخل المجال الإسلامي. ويغدو الدفاع عن الرشدية دفاعا عن إمكان مهمل في الذات لا عن ذكرى ثقافية فحسب. وليس بعيدا عن هذا ما كان يقوله الجابري من أنّ «التراث ليس هو ما ورثناه فقط بل هو أيضا ما نختاره منه». فاختيار ابن رشد هنا هو اختيار لنمط من التعقل، لنمط من العلاقة بين النص والبرهان، بين الشريعة والحكمة وبين الفقه والفلسفة. وهذا يبيّن أنّ الجابري لم يكن يريد قطيعة مع التراث بوصفه تراثا وإنما كان يريد قطيعة مع كيفية معينة في التعامل معه، قطيعة مع التراث حين يتحول إلى سلطة غير مفكّر فيها أو إلى جهاز لإعادة إنتاج الماضي داخل الحاضر.

غير أنّ هذا المسار الجابري على ما فيه من قوة منهجية وصرامة تحليلية أثار سؤالا بالغ الحساسية، هل يكفي ردّ الاعتبار إلى البرهان وإلى العقل النقدي لكي نتجاوز الأزمة؟ وهل يمكن لعقلانية إبستمولوجية أن تنهض وحدها بمشروع حضاري تتشابك فيه المعرفة بالأخلاق والتقنية بالمعنى والمؤسسة بالإنسان؟ هنا يتدخل طه عبد الرحمن لا لينقض قيمة العقل بل ليكشف أنّ العقل الذي يقتصر على ذاته قد يفضي إلى صورة من النقص وأنّ العقل الذي ينفصل عن الأخلاق والروح قد يتحول إلى فاعلية مبتورة. إنّ طه يعيد ترتيب السؤال من أساسه. فالمشكلة عنده ليست في العقل من حيث هو عقل وإنما في «صورة العقل» التي سادت في الحداثة الغربية ثم انتقلت إلى المجال العربي في صيغ مقلَّدة. فالعقل حين يُختزل في الآلة المفهومية أو في الفاعلية البرهانية الصرفة أو في القدرة على السيطرة التقنية يفقد بعدا جوهريا من أبعاده، لأنّ الإنسان ليس كائنا يستدلّ فقط وإنما هو كائن يتخلّق ويشهد ويأتمن ويُبتلى ويُحاسب.

من هنا نفهم لماذا لم يجعل طه عبد الرحمن من «الأخلاق» مجرد مجال مضاف إلى العقل بل شرطا في كماله. وهو يصرّ على أنّ كل عقلانية تنفصل عن العمل الأخلاقي تبقى ناقصة لأنّها تملك أدوات الحكم ولا تملك ضمانات السلامة في الاستعمال. وقد عبّر عن هذا المعنى في صيغ متعددة حين نبّه إلى أنّ الفعل الإنساني لا يُختزل في المنفعة وأنّ الحداثة التي تجعل من الإنسان مركزا مكتفيا بذاته قد تفضي إلى استبداد جديد، هو استبداد الإنسان المتضخم على الطبيعة وعلى الغير وعلى المعنى. لذلك فإنّ العقل عنده لا يُطلب من حيث فعاليته التقنية فقط بل من حيث أهليته للاهتداء ومن حيث قابليته لأن يكون موصولا بالتزكية وبالائتمان وبالمسؤولية. وهذا ما يجعل مفاهيمه مثل «العقل المؤيد» و«العمل الديني» و«الائتمانية» و«المسدد» مفاهيم تؤسس لرؤية مغايرة، رؤية لا ترفض البرهان لكنها ترفض تأليهه ولا ترفض الحداثة لكنها ترفض تقليدها ولا ترفض الإنسان، لكنها ترفض تضخيمه حتى يفقد نسبته إلى الغيب وإلى القيمة وإلى الأمانة.

وليس من الصعب أن نرى أنّ هذا الموقف يعبّر عن انتقال حقيقي من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة. ففي زمن النهضة كان يكفي أن نعلن الحرب على التقليد وأن نرفع راية العقل وأن نستحضر أمجاد الاجتهاد لكي نشعر أننا نسير في الاتجاه الصحيح. أمّا بعد أن تكشفت أزمات الحداثة نفسها وبعد أن بدا أنّ العقل الأداتي قد يشيّد العالم ويفرغه من المعنى في الآن نفسه صار لزاما أن يُعاد السؤال من جديد، هل نريد عقلا ينتج الفعالية فقط أم عقلا يحفظ إنسانية الإنسان؟ هل نريد عقلا يقيس ويحسب ويبرهن فحسب أم عقلا يضبط الصلة بين المعرفة والواجب؟ وهل يمكن لمجتمع أن ينهض بعقلانية باردة منفصلة عن البنية الأخلاقية العميقة التي تمنح الفعل غايته ومشروعيته؟ في هذا المستوى لا يكون الخلاف بين الجابري وطه خلافا بين عقل ولاعقل كما سطّحه بعض القرّاء، بل يغدو خلافا بين تصورين للعقلانية نفسها، عقلانية نقدية إبستمولوجية تراهن على تفكيك البنيات المعرفية، وعقلانية أخلاقية ائتمانية تراهن على إعادة وصل المعرفة بالمسؤولية.

أمّا عبد الله العروي فإنه يضيف إلى هذا النقاش بُعدا ثالثا لا يقلّ أهمية وهو البعد التاريخي المفهومي. فالعروي لم ينشغل بالعقل بوصفه موضوعا معجميا أو مبحثا نظريا معزولا وإنما انشغل به من خلال أسئلة الدولة والحرية والتاريخ والإيديولوجيا والمفهوم. ولذلك كان في عمقه يفكر في العقل من حيث هو قدرة على استيعاب العصر لا بمعنى الانبهار به بل بمعنى امتلاك منطقه الداخلي. لقد كان العروي شديد الحساسية تجاه الأوهام التوفيقية التي تظنّ أنّ الحداثة يمكن أن تُنال بانتقاء بعض مظاهرها من غير الدخول في بنيتها العميقة. ولهذا كان نقده للإيديولوجيا العربية المعاصرة نقدا لوعيٍ يريد أن يجمع بين المتباعدات من غير أن يحسم في الترتيب التاريخي للمفاهيم. فالعقل عنده هو هذا الوعي الصارم الذي يدرك أنّ المفاهيم الحديثة لا تُستعار كما تُستعار الألفاظ، وأنّ الدولة الحديثة ليست مجرد جهاز إداري وأنّ الحرية ليست مجرد شعار أخلاقي وأنّ العقلانية ليست مجرد دعوة عامة إلى التفكير بل هي بناء تاريخي تشكل عبر صراعات وتحولات عميقة.

وقد كان العروي ينظر بعين الريبة إلى كثير من محاولات المصالحة السهلة بين التراث والحداثة لأنّ هذه المحاولات قد تنتهي إلى نوع من التلفيق الذي يريح الضمير ولا يحلّ المشكلة. إنّه يدعو إلى وعي تاريخي شديد الصرامة، يضع الذات أمام مقتضيات العصر من غير مواربة. وقد عبّر في أكثر من موضع عن أن الأزمة العربية هي أزمة وعي بالتاريخ وأنّ الفجوة بيننا وبين العالم الحديث ليست فجوة رغبة أو شعور فقط وإنما فجوة مفاهيم ومؤسسات وأزمنة. وهذا يضيف إلى سؤال العقل بُعدا حاسما، فالعقل ليس فقط جهازا للاستدلال أو أفقا للأخلاق بل هو أيضا قدرة على التمثل التاريخي الصحيح وعلى التمييز بين ما يمكن توفيقه وما ينبغي حسمه وبين ما هو قابل للاستيعاب وما هو غير قابل للتعليق في الفراغ.

وعند هذا الحدّ يتبيّن أنّ الفكر المغربي المعاصر لم يقدّم لنا مفهوما واحدا للعقل وإنما قدّم لنا خريطة من التوترات الخلّاقة. الجابري يذكّرنا بأنّ النهضة مستحيلة من غير نقد بنية العقل كما تشكلت في التراث. وطه يذكّرنا بأنّ نقد البنية المعرفية لا يكفي إذا لم يُستردّ البعد الأخلاقي والروحي للعقل. والعروي يذكّرنا بأنّ كل حديث عن العقل يبقى ناقصا إذا لم يُربط بصرامة المفهوم وبالوعي التاريخي وبشروط الدولة والحداثة والمؤسسة. وهذا التعدد ليس علامة ضعف بل هو منبع قوة لأنه يمنعنا من اختزال الأزمة في سبب واحد ويمنعنا من الاعتقاد أنّ الحل يكمن في وصفة فكرية جاهزة. بل إنّ القيمة الكبرى لهذا التعدد أنّه يكشف أنّ العقل في السياق المغربي والعربي لا يمكن أن يُفهم إلا بوصفه عقدة حضارية شاملة تتداخل فيها بنية المعرفة مع أخلاق الفعل ومع شروط التاريخ ومع صورة الإنسان ومع شكل المجال العمومي.

غير أنّ هذا الثراء النظري لا ينبغي أن يحجب حقيقة مرة، وهي أنّ الفكر المغربي المعاصر على علوّ مستواه ظلّ في كثير من الأحيان أرفع من البنيات الاجتماعية والمؤسساتية التي كان يأمل أن يؤثر فيها. فالمشكلة لم تكن دائما في ضعف الأفكار بل في ضعف قابلية الواقع لاستقبالها. إنّ العقل الذي دافع عنه الجابري لم يتحول بالقدر الكافي إلى روح في التعليم العمومي ولا إلى منهج في قراءة التراث داخل المؤسسات الدينية ولا إلى ممارسة نقدية عامة في المجال الثقافي. والعقل الأخلاقي الائتماني الذي نادى به طه ظلّ في كثير من الأحيان أفقا فلسفيا عميقا لم يجد بعد شروط ترجمته الواسعة في مؤسسات التربية والإعلام والسياسة. والوعي التاريخي الصارم الذي دعا إليه العروي ظلّ يصطدم باستمرار بنخب تتردد بين الحنين إلى الماضي والانبهار المجتزأ بالحداثة. وهنا نبلغ لبّ الأزمة، ليست الأزمة في غياب التصورات الكبرى بل في تعثر انتقالها من مستوى الفكر العالي إلى مستوى التكوين الاجتماعي والمؤسسي.

ونفهم هنا لماذا صار سؤال العقل في الفكر المغربي المعاصر سؤالا عن الأزمة بامتياز. إنّه لم يعد مجرد سؤال في الفلسفة النظرية ولا مجرد فصل في تاريخ الأفكار وإنما صار سؤالا في التربية والسياسة والدين والثقافة واللغة والمؤسسة. ذلك أنّ العقل لا يُختبر في الكتب وحدها بل يُختبر في المناهج وفي المدرسة وفي الجامعة وفي خطاب الفقيه وفي لغة الإعلام وفي طريقة إدارة الاختلاف وفي قدرة المجتمع على قبول السؤال الحر وفي قدرة الدولة على بناء مؤسسات تتسع للنقد بدل أن تخافه. وقد أدرك كثير من المفكرين المغاربة هذه الحقيقة ضمنا أو صراحة، ولذلك لم يكن حديثهم عن العقل منفصلا عن حديثهم عن الجامعة واللغة والسلطة والمثقف. فالعقل الذي لا يجد مؤسسة تحميه يتحول إلى مجرد زينة خطابية. والعقل الذي لا يجد لغة دقيقة يتشوش. والعقل الذي لا يجد أخلاقا تضبطه قد ينقلب إلى مكر أو إلى تبرير. والعقل الذي لا يجد تاريخا يستوعبه يبقى معلقا في هواء المفاهيم.

وهنا تبرز مسألة أخرى لا تقلّ أهمية وهي أنّ الفكر المغربي المعاصر لم ينظر إلى العقل من داخل قطيعة ساذجة مع التراث كما لم يذبه في تمجيد تراثي مغلق. لقد كان واعيا بأنّ التراث الإسلامي نفسه متعدّد وأنّ داخله إمكانات عقلية كبيرة كما داخله عوائق كبرى. ففي علم أصول الفقه كما أسلفنا نجد نماذج رفيعة من التعقل المنهجي، من القياس إلى فقه المآلات. وفي التراث الفلسفي نجد ابن باجة وابن طفيل وابن رشد بوصفهم وجوها لعقلانية عالية. وفي الكلام نجد محاولات لصوغ العلاقة بين العقل والنقل داخل أفق جدلي دقيق. وفي التصوف نفسه نجد عند بعض أعلامه كأبي حامد الغزالي في بعض مقاماته حسا نقديا لا يمكن تجاهله. غير أنّ هذا التراث نفسه تعرّض لتحولات جعلت كثيرا من عناصره الحية تنكمش، وتحوّلت بعض مدارسه إلى أنماط من التكرار وتداخلت فيه سلطة المعرفة بسلطة السياسة ووقع فيه ما يقع في كل تراث حيّ حين يفقد شروط التجدد. لذلك فإنّ الفكر المغربي المعاصر لم يكن أمامه خياران فقط: إما تمجيد التراث أو إلغاؤه. بل كان أمامه عمل أشدّ صعوبة وهي أن يميّز داخله بين ما يُستأنف وما يُنقد، بين ما يُحيي العقل وما يعطله وبين ما يصلح سندا للمستقبل وما يتحول إلى عبء عليه.

وعند هذه النقطة يصبح واضحا أنّ الانتقال من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة لا يعني سقوط مشروع العقل وإنما يعني تعميقه. فالعقل لم يفقد مكانته بل فقد براءته. لم يعد بالإمكان أن نذكره كما يذكر الخطباء كلمةً سحرية تفتح الأبواب المغلقة. لقد صار مفهوما متوترا مشروطا معقدا، يتطلب ضبطا في تعريفه وحذرا في استعماله وتمييزا بين مستوياته وهذا في ذاته مكسب ناضج. فالأمم لا تتقدم حين تُكثر من تمجيد العقل في الخطب وإنما حين تجعل من العقل بنيةً في مؤسساتها ومنهجا في تربيتها وفضيلةً في أخلاقها وشرطا في اجتهادها ومقياسا في تدبير اختلافها. وهذا ما جعل الفكر المغربي المعاصر في أفضل لحظاته لا يكتفي بالتبشير بالعقل بل يشتغل على شروط إمكانه وعلى عوائقه وعلى أنماطه وعلى مخاطر انحرافه.

إنّ الفكر المغربي المعاصر قد نجح نجاحا بيّنا في جعل مفهوم العقل أحد أعقد المفاهيم وأكثرها خصوبة في الثقافة العربية الحديثة. لقد أخرجه من فضاء البلاغة الإصلاحية العامة وأدخله فضاء التحليل البنيوي والنقد الإبستمولوجي والمساءلة الأخلاقية والصرامة التاريخية وهذه منزلة عالية لا يُستهان بها. فبفضل هذا الجهد لم يعد العقل عندنا مجرد مرادف للذكاء أو للاجتهاد أو للعلم، وإنما صار اسما لمشكلة حضارية شاملة. وتبرز هنا أهمية الإصغاء الجاد إلى هذا التراث الفكري المغربي لا على سبيل الاحتفاء المدرسي بأعلامه بل على سبيل استئناف أسئلته الكبرى في حاضرنا الراهن.

ذلك أنّ حاضرنا يجعل هذا السؤال أكثر إلحاحا مما كان عليه في العقود السابقة. فنحن لا نعيش اليوم فقط أزمة تأخر بالمعنى الكلاسيكي الذي عاشته الأجيال النهضوية وإنما نعيش أيضا أزمة تفكك في المعايير واضطرابا في المرجعيات وتضخما في الوسائط التقنية وتراجعا في سلطة القراءة العميقة وتوسعا في الخطاب السريع الذي يخلط بين الرأي والمعرفة وبين الشهرة والحجة وبين الانفعال والحكم. وقد أصبح المجال العمومي العربي في كثير من وجوهه مجالا تُستهلك فيه الأفكار أكثر مما تُبنى وتُتداول فيه الأحكام أكثر مما تُبرهن وتُرفع فيه شعارات الهوية أو الحداثة أو الحرية من غير جهد كافٍ في تحرير مفاهيمها. وفي مثل هذا السياق يصبح سؤال العقل سؤالا وجوديا لا نخبويا. أيّ عقل يمكنه أن يواجه طوفان السطحية؟ أيّ عقل يمكنه أن يصالح بين الحاجة إلى الفعالية التقنية والحاجة إلى المعنى؟ أيّ عقل يمكنه أن يمنع الدين من أن يتحول إلى أداة تعبئة عاطفية والحداثة من أن تتحول إلى قشرة استهلاكية والسياسة من أن تنحدر إلى تدبير انفعالات جماعية بلا رؤية؟.

هنا يستعيد الفكر المغربي المعاصر راهنيته الحقيقية. فالجابري يعلّمنا أنّ من لا ينقد أدوات فهمه يظلّ أسيرا لها وإن ظنّ أنه يهاجمها. وطه يعلّمنا أنّ من يفصل العقل عن الأخلاق يربح بعض القوة ويخسر الإنسان. والعروي يعلّمنا أنّ من لا يمتلك المفهوم ولا يستوعب التاريخ يحيا في منطقة رمادية بين الرغبة في التقدم والعجز عن شروطه. وهذه الدروس إذا أُحسن استثمارها لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها مواقف متصارعة فقط وإنما بوصفها إمكانات متكاملة في بناء وعي عربي جديد. فالعقل الذي نحتاجه اليوم ليس عقلا برهانيا مجردا من الأخلاق ولا عقلا أخلاقيا غافلا عن صرامة المفهوم ولا وعيا تاريخيا يذوب في الحتمية ويغفل عن المعنى. إنّ ما نحتاجه هو عقل مركّب، عقل يبرهن ولا يتجبر، ينقد ولا يهدم لمجرد الهدم، يتصل بالقيمة من غير أن يفرّ من الواقع ويستوعب التاريخ من غير أن يستسلم له.

ولعلّ هذا هو الأفق الذي يمكن أن يفتح به المقال بابا إلى ما بعده. فمفهوم العقل في الفكر المغربي المعاصر ليس فصلا منجزا في تاريخ الأفكار يمكن الاكتفاء بسرده وإنما هو مشروع لم يكتمل بعد. إنّه سؤال مفتوح على المستقبل لأنّ كلّ جيل سيضطر إلى أن يعيد صياغته بحسب أزماته الخاصة. وقد كان الجيل النهضوي يسأل عن العقل في مواجهة الانحطاط. وكان الجيل النقدي يسأل عنه في مواجهة بنية التراث وآليات المعرفة. أمّا جيلنا فيبدو أنّه مدعوّ إلى أن يسأل عنه في مواجهة التفكك الشامل الذي أصاب المجال العمومي، وفي مواجهة الاستهلاك الرقمي للمعنى وفي مواجهة تحوّل الإنسان نفسه إلى كائن مشتّت بين وفرة المعلومات وندرة الحكمة. إنّ الوفاء الحقيقي للفكر المغربي المعاصر لا يكون بتكرار عباراته ولا بتحويل أعلامه إلى أصنام مدرسية وإنما يكون بمواصلة عملهم في الاتجاه الذي أرادوه، اتجاه مساءلة الأدوات قبل النتائج واتجاه تشديد السؤال قبل التسرع في الجواب واتجاه بناء عقل لا يستمد مشروعيته من ادعائه الكونية المجردة فقط بل من قدرته على تحرير الإنسان العربي من أشكال التبعية القديمة والجديدة معا.

وعليه فإنّ مفهوم العقل في الفكر المغربي المعاصر يكشف لنا أنّ أزمة النهضة لم تكن يوما أزمة نقص في الموارد المادية أو في الشعارات الإصلاحية وحدها، وإنما كانت في عمقها أزمة في صورة الإنسان عن نفسه وفي كيفية تنظيمه لعلاقته بالمعرفة وبالقيمة وبالزمن وبالسلطة وبالتراث وبالعالم. فإذا كان العقل هو الاسم الذي يختصر هذه العلاقة المعقدة فإنّ إنقاذه لا يكون بتمجيده وإنما بإعادة بنائه. وإعادة بنائه لا تكون بردّه إلى البرهان وحده ولا إلى الأخلاق وحدها ولا إلى التاريخ وحده وإنما بتركيب هذه الأبعاد في مشروع حضاري جديد يتصالح فيه النقد مع الوفاء وتتساند فيه الحرية مع المسؤولية ويغدو فيه الاجتهاد فعلا مؤسسيا لا بطولة فردية معزولة وتصبح فيه الجامعة مصنعا للمفاهيم لا مستودعا للشهادات ويستعيد فيه الفقيه شجاعة النظر بدل الاكتفاء بحراسة الموروث ويستعيد فيه المثقف شرف السؤال بدل الارتماء في التبرير أو المزايدة.

بهذا المعنى لا يكون العقل جوابا جاهزا وإنما يكون تكليفا. لا يكون امتيازا نظريا وإنما يكون مجاهدةً معرفية وأخلاقية وتاريخية. لا يكون كلمةً في مقدمة كتاب وإنما يكون صورةً للإنسان وهو يرفض أن يعيش داخل بداهات لم يمتحنها أو داخل موروث لم ينقده أو داخل حداثة لم يفهم شروطها أو داخل إيمان فقد صلته بالحكمة أو داخل علم فقد صلته بالمعنى. وهذا هو الدرس الذي يمكن أن نخرج به من التجربة المغربية المعاصرة في أعمق مستوياتها: أنّ العقل ليس ضدّ التراث إذا أُحسن فهم التراث، وليس ضدّ الدين إذا أُحسن فهم الدين، وليس ضدّ الحداثة إذا أُحسن فهم الحداثة، ولكنه ضدّ كلّ ما يتحول إلى سلطة مغلقة تمنع السؤال. وحيث يُمنع السؤال يبدأ موت العقل، وحيث يموت العقل لا تقوم نهضة، وحيث لا تقوم نهضة تتحول الأزمة من عارض تاريخي إلى قدر موهوم. أمّا الفكر المغربي المعاصر في أفضل تجلياته فقد رفض أن يجعل الأزمة قدرا وجعل منها مناسبةً لإعادة اختراع السؤال. وذلك وحده كافٍ ليمنحه مكانته الرفيعة في تاريخ الفكر العربي الحديث.

***

د. حمزة مولخنيف

إمكاناته وحدوده في أفق قراءة فلسفية نقدية

حين يُستدعى اسم ابن رشد في سياق الفكر العربي المعاصر، فالأمر لا يتصل بتمجيد عَلَمٍ من أعلام التراث ولا بإحياء ذكرى فيلسوف عظيم على نحو احتفاليّ تستهلكه المناسبات الثقافية وتستنفده البلاغة الخطابية. القضية أعمق من ذلك بكثير لأنها تمسّ في الصميم سؤال العقل العربي عن شروط نهوضه وتمتحن قدرته على أن يستخرج من تاريخه إمكاناتٍ معطّلة وأن يسترد من ذاكرته الفلسفية لحظاتٍ عالية من التكوين البرهاني ثم يعيد صوغها في لغة العصر وفي معترك الصراعات المعرفية والسياسية والقيمية التي تشقّ الوجود العربي الحديث. فابن رشد ليس مجرّد شارح لأرسطو كما اختزلته قراءاتٌ كثيرة، وليس مجرد فقيه وفيلسوف عاش في منعطف مضطرب من تاريخ الأندلس بل هو في عمق مشروعه أحد أكثر العقول الإسلامية جرأةً في تشييد هندسة فكرية دقيقة للعلاقة بين الحكمة والشريعة، بين البرهان والتأويل، بين الحقيقة ووحدة الحقيقة، بين النظر العقلي وشرعية النظر، بين المدينة والسياسة، بين العلم والفضيلة  وبين انتظام الكون وانتظام العقل.

من أجل ذلك ظلّ ابن رشد يستحضر في كل منعطف عربي عسير. يعود كلما تعقّد السؤال عن الدين والعقل. يعود كلما استبدّ التقليد وارتبكت سلطة التأويل. يعود كلما اضطربت صلة المثقف بالتراث والحداثة. يعود كلما بدا أن الثقافة العربية تُستدرج إلى ثنائيات قاتلة: أصالة/معاصرة، نقل/عقل، هوية/كونية، دين/فلسفة، تراث/حداثة، شرق/غرب. ففي كل هذه اللحظات ينهض اسم ابن رشد بوصفه علامةً على إمكانٍ تاريخيّ لم يُستنفد وبوصفه شاهداً على أن العقلانية العربية الإسلامية لم تكن هامشاً عابراً ولا قشرةً مستوردة ولا زينةً لفظية بل كانت في مرحلة من مراحلها قدرةً تأسيسية على إنتاج معرفة منضبطة وتدبير اختلافٍ معرفيّ وصوغ علاقة مع الوحي لا تُبطل النظر ولا تُسقط الشرع.

وقد أدرك كبار مفكري النهضة العربية الحديثة ثم فلاسفة النصف الثاني من القرن العشرين، أن استدعاء ابن رشد لا قيمة له إن ظلّ حبيس القراءة التاريخية الباردة أو الإعجاب الماضويّ العقيم. لذلك تحوّل في كثير من المشاريع الفكرية إلى مرآة يُقرأ فيها الحاضر أكثر مما يُقرأ فيها الماضي. فمحمد عابد الجابري لم يتعامل مع ابن رشد بوصفه موضوعاً للتاريخ الفكري فقط بل بوصفه ذروةً لما سماه “العقل البرهاني” داخل الثقافة العربية الإسلامية حتى قال في عبارة صارت من أشهر عباراته: «إن الرشدية تمثل في الثقافة العربية الإسلامية لحظة انتصار العقل البرهاني». والجابري في نحن والتراث وفي تكوين العقل العربي وفي بنية العقل العربي لم يكن يستعيد ابن رشد استعادة مدرسية، بل كان يسائل عبره بنية العقل العربي نفسه ويحاول أن يستأنف من داخله إمكاناً معرفياً يرى أنه انقطع تحت ضغط البيان والعرفان والسياسة.

أما عبد الله العروي فعلى الرغم من اختلاف زاويته المنهجية فقد كان يدرك أن مأزق الثقافة العربية لا يُفهم خارج علاقتها المتوترة بتاريخها المفهومي وخارج عجزها عن امتلاك حداثتها امتلاكاً تاريخياً واعياً. لذلك تبدو الرشدية في أفقٍ عرويّ جزءاً من تراث العقل الذي يمكن أن يُعاد فهمه في ضوء سؤال التاريخ لا بوصفه ملجأً تعويضياً من الحداثة بل بوصفه أحد الشروط التي تجعل الوعي التاريخي أكثر قدرة على فرز عناصر القوة والقصور في الذاكرة الحضارية. وطه عبد الرحمن مع مسافة نقدية واسعة تجاه كثير من رهانات العقلانية الحديثة وقراءاتها العربية، لم يترك ابن رشد خارج دائرة النظر، بل كان واعياً بأن استعادة أيّ نموذج من نماذج التراث تقتضي فحص شروطه ومقدماته ومآلاته وأن التكرار لا يُنتج استئنافاً وأن الاستئناف الحقّ يقتضي تجاوزاً خلاقاً.

المشكل إذن لا يكمن في حضور ابن رشد في الخطاب العربي، فحضورُه قائم منذ عقود وفي بعض اللحظات اتخذ طابعاً كثيفاً يكاد يرقى إلى “الموضة الفكرية”. المشكل يكمن في طبيعة هذا الحضور، هل هو حضور رمزيّ يلوذ بالاسم الكبير طلباً للمشروعية الثقافية؟ أم هو حضور معرفيّ يشتغل على المفاهيم والبنيات والرهانات؟ هل نقرأ ابن رشد قراءةً تؤسس أم نقرأه قراءةً تزيينية؟ هل نستأنف مشروعه أم نكتفي بترتيل اسمه في مناسبات الحديث عن التسامح والعقلانية؟ هل نمتلك من الجرأة ما يجعلنا نضع المشروع الرشدي نفسه تحت مشرط النقد فنأخذ منه ما يصلح للزمن الحاضر ونتجاوز ما ارتبط بسياق تاريخي مخصوص أم نقع في صنمية فلسفية جديدة تستبدل صنم التقليد بصنم “العقلانية التراثية”؟.

إن سؤال “إمكانات استئناف المشروع الرشدي” يفرض منذ البدء تحرير مفهوم “الاستئناف” ذاته. فالاستئناف ليس بعثاً ميكانيكياً لنصوص قديمة وليس إعادة تمثيل لمشهد تاريخي مضى وليس تعليقاً لافتة رشدية على واجهة مشروع حداثي مستعار. الاستئناف فعل تأويليّ وإبداعيّ في آن. هو استعادة مشروطة بوعي تاريخي صارم وبقدرة على التمييز بين ما هو بنيوي في المشروع وما هو ظرفي، بين ما هو منهجي وما هو سجالي وبين ما هو كونيّ في الدرس الرشدي وما هو متعلق بحدود المعرفة في القرن السادس الهجري. ولعلّ أجمل ما قيل في هذا المعنى ما عبّر عنه هانز-غيورغ غادامير حين كتب في الحقيقة والمنهج: «الفهم ليس تكراراً لإنتاج المعنى الماضي بل هو اندماج آفاق». فاستئناف ابن رشد بهذا المعنى اندماج أفقين: أفق الرشدية بوصفها لحظةً في تاريخ العقل الإسلامي وأفق المعاصرة العربية بما يعتمل فيها من أزمات الدولة والمعرفة والهوية والتأويل والحرية.

لقد كان ابن رشد واعياً في نصوصه الكبرى بأن الفلسفة ليست ترفاً ذهنياً بل فريضة نظرية على من استكمل شروطها. يقول في فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال: «فإن كان فعل الفلسفة ليس شيئاً أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع... وكان الشرع قد ندب إلى اعتبار الموجودات وحث على ذلك، فبيّن أن هذا الذي يُسمى فلسفةً إما واجب بالشرع وإما مندوب إليه». هذه العبارة وحدها تكفي للكشف عن طبيعة الانعطاف الرشدي، الفلسفة تُستمدّ مشروعيتها من صميم الأمر الشرعي بالنظر، والنظر في الموجودات يفضي إلى معرفة الصانع، والبرهان أداة معتبرة في هذا المسار. هنا تنفتح أمامنا أولى إمكانات الاستئناف، تحرير العلاقة بين الدين والعقل من منطق الخصومة الغليظة وإعادتها إلى أفق التساند المنهجي المشروط بالتمييز بين مراتب الخطاب وطرائق الإقناع وأهلية التلقي.

وقد كان ابن رشد حاسماً في تأكيده على أن الحقيقة لا تضاد الحقيقة. عبارته الشهيرة في فصل المقال تكاد تكون دستوراً فلسفياً كاملاً: «فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له». في زمننا العربي الراهن حيث تُبنى خصومات كثيرة على سوء فهم العلاقة بين المرجعيات وحيث تُستثمر الثنائية بين “العقل” و“الدين” في صراعات أيديولوجية مبتذلة، تستعيد هذه العبارة قوتها التأسيسية. فهي لا تنطوي على تسوية سطحية ولا على مجاملة توفيقية رخيصة بل تعكس بناءً نظرياً دقيقاً، الحق واحد في ذاته وإن تعددت طرق الوصول إليه، والاختلاف قد يقع في مناهج النظر أو في مراتب البيان أو في قابلية العقول أو في فساد التأويل أو في جهل المتلقي، أما الحقيقة في ذاتها فواحدة لا تتشظى بتشظي المناهج. هنا تتبدى الرشدية قوةً مضادةً لكل أشكال الانقسام المعرفي الذي ينهك الثقافة العربية المعاصرة.

غير أن استئناف هذا المبدأ في الحاضر العربي يقتضي أن نُحسن فهم حدوده أيضاً. فابن رشد لم يكن يدعو إلى تسطيح الفوارق بين الخطاب البرهاني والخطاب الجدلي والخطاب الخطابي. بالعكس لقد أقام تمييزاً صارماً بين طرائق النظر ومراتب الناس في التلقي. يقول في فصل المقال: «والناس في الشرع ثلاثة أصناف: صنف أهل البرهان وصنف أهل الجدل وصنف أهل الخطابة». هذه القسمة ليست نزعةً أرستقراطيةً معرفيةً خالصة كما قد يتبادر إلى بعض القراءات المتعجلة، بل هي وعيٌ باختلاف البنيات الإدراكية وأنماط الإقناع وبأن الخطاب العمومي لا يُدار بالطريقة نفسها التي تُدار بها الحجاجات البرهانية الدقيقة. في الثقافة العربية الراهنة حيث اختلطت مجالات القول وصار الرأي العام يُستثار بخطاب انفعاليّ كثيف بينما تُستبعد التربية المنهجية على البرهان، تكتسب هذه الرؤية قيمةً نقدية بالغة. فاستئناف الرشدية يقتضي إعادة الاعتبار إلى التربية العقلية وإلى بناء الكفايات المنهجية وإلى التمييز بين فضاء البحث الأكاديمي وفضاء الوعظ وفضاء السياسة وفضاء الإعلام.

ولا يجوز اختزال المشروع الرشدي في مقولة “التوفيق بين الفلسفة والدين” لأن هذا الاختزال على شيوعه قد ظلم ابن رشد مرتين: مرة حين حوّله إلى وسيطٍ تصالحيّ محض، ومرة حين حجب كثافة مشروعه الإبستمولوجي والأنطولوجي والسياسي. فالرشدية في عمقها مشروع لإعادة ترتيب الوعي نفسه. هي دفاع عن البرهان نعم، لكنها أيضاً نقدٌ لأشكال الالتباس في التأويل. وهي دفاع عن الحكمة نعم، لكنها كذلك دفاع عن انضباط المعرفة وحدود التأويل ومخاطر تعميم الخطاب الفلسفي على غير أهله. وهي انفتاح على العقل اليوناني نعم، لكنها كذلك محاولة لتوطين هذا العقل داخل أفق الشريعة، لا بآلية الجمع التلفيقي بل عبر مساءلة المقدمات والغايات.

وإذا تأملنا اللحظة التاريخية التي ظهر فيها ابن رشد أدركنا أن مشروعه وُلد من قلب أزمة حضارية مركبة. فقد عاش في سياق صراع بين سلطة الفقه وسلطة الفلسفة وبين الدولة وتقلباتها وبين إرث الموحدين وضرورات الشرعية وبين آثار الغزالي في نقد الفلاسفة وبين محاولات الدفاع عن النظر العقلي. هذا المعطى مهمّ جداً لأنه يُظهر أن الرشدية لم تنبثق في فضاء هادئ بل تشكلت في بيئة توترٍ كثيف. وهنا تلوح دلالة عميقة للفكر العربي المعاصر، المشاريع الكبرى لا تولد في الطمأنينة المريحة بل تتخلق في مناطق الاحتكاك القصوى. ابن رشد نفسه ذاق المحنة والنفي والمصادرة. وها هنا يحضر قول باروخ سبينوزا في رسالة في اللاهوت والسياسة: «إن الغاية من الدولة هي الحرية». فكل مشروع عقلاني يحتاج إلى فضاء مدني وسياسي يسمح له بالتنفس وإلا ظلّ البرهان مخنوقاً داخل أسوار الخوف والرقابة.

ولذلك فإن أي حديث جاد عن استئناف المشروع الرشدي خارج سؤال الدولة والحرية والمؤسسات يظل حديثاً منقوصاً. لا يكفي أن نُعيد طباعة كتب ابن رشد ولا أن نُدرّس مقتطفات من فصل المقال ولا أن نحتفي به في الندوات ما دامت بنية المجال العمومي العربي في كثير من تجلياته تُعيد إنتاج أنماط من السلطوية الفكرية وتُضعف التربية النقدية وتُحوّل الجامعة إلى مؤسسة تلقين أكثر منها مؤسسة إنتاج. إن الرشدية في جوهرها تحتاج إلى بيئة تسمح للعقل بأن يعمل وللاختلاف بأن يُدار وللمعرفة بأن تتكاثر من داخل النقاش الحرّ. هنا يلتقي الدرس الرشدي مع الدرس الكانطي في معنى الأنوار. فكانط كتب في مقاله الشهير ما الأنوار؟: «الأنوار هي خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه» ثم يضيف: «تجرأ على أن تعرف». هذا النداء الكانطي يجاور على نحو مدهش الروح الرشدية التي تجعل النظر فريضة وتجعل البرهان طريقاً وتجعل القصور المعرفي علةً من علل الاضطراب.

إن استئناف المشروع الرشدي لا ينبغي أن يُصاغ في قالب استعادة “عقلانية صلبة” مغلقة على ذاتها وكأن ابن رشد معصوم من النقد أو كأن التاريخ الفلسفي توقف عنده. فالرشدية نفسها تحتاج إلى قراءة نقدية مزدوجة، قراءة تكشف عظمتها وقراءة تكشف حدودها. فابن رشد مهما بلغ من عمق يبقى ابن زمنه أيضاً. تصوره للعلوم وحدود اشتغاله في السياسة العملية وموقع التجربة العلمية بالمعنى الحديث وبعض رهاناته الأنثروبولوجية، كل ذلك محكوم بشروط عصره. لهذا كان الجابري نفسه مع إعجابه العميق بابن رشد حريصاً على أن يميّز بين استئناف “الروح الرشدية” وبين استنساخ النص الرشدي. وقد قال في التراث والحداثة: «المطلوب ليس أن نعود إلى ابن رشد بل أن نعيد تأسيس العقلانية في حاضرنا انطلاقاً من الدرس الذي يقدمه». هذه الفكرة بالذات هي مفتاح المقال كله، الاستئناف لا يعني الرجوع إلى الوراء بل يعني المضيّ إلى الأمام على هدي درسٍ تاريخيّ رفيع.

وإذا شئنا أن نُحدّد الملامح الكبرى للمشروع الرشدي القابل للاستئناف، أمكننا أن نلمس عدداً من المرتكزات العميقة التي تمنحه راهنيته. أولها مركزية البرهان. فالبرهان عند ابن رشد ليس مجرد تقنية منطقية بل هو أخلاق فكرية أيضاً. هو انضباط للعقل وحراسة من التسرع وتمييز بين الظن واليقين وبين المقبول والمبرهن. في زمن يتضخم فيه الرأي وتتسع فيه صناعة الوهم وتتحول فيه المنصات الرقمية إلى معامل لإنتاج الانفعالات واليقينيات الزائفة تبدو الحاجة إلى أخلاق البرهان أشدّ من أي وقت مضى. لقد قال أرسطو في الميتافيزيقا: «جميع الناس بالطبع يرغبون في المعرفة». غير أن الرشدية تُعلّمنا أن الرغبة في المعرفة لا تكفي ما لم تقترن بمنهج يميز المعرفة من الوهم.

وثانيها مركزية التأويل المنضبط. ابن رشد لم يفتح باب التأويل على مصراعيه فتحاً فوضوياً ولم يغلقه إغلاقاً حرفياً. لقد قرر قاعدةً بديعة حين قال في فصل المقال: «إذا أدى البرهان إلى شيء ما وخالف ظاهر الشرع فإن ذلك الظاهر يقبل التأويل». هذه القاعدة من أخصب ما أنجزه العقل الإسلامي في باب علاقة النص بالعقل. فهي تمنح النص قدسيته وتمنح البرهان سلطته وتمنح التأويل شرعيته وتمنع في الآن نفسه عبثية القراءة أو تسلط الحرفية. في الفكر العربي المعاصر حيث يتنازع النصَّ تياران متقابلان: تيار يفرغه من سلطته باسم الحداثة وتيار يجمّده في ظاهره باسم الهوية، تقدّم الرشدية إمكاناً ثالثاً: عقلنة التأويل من داخل احترام النص.

وثالثها وحدة الحقيقة وتعدد السبل إليها. وهذه الفكرة على بساطتها الظاهرة تحمل أثراً حضارياً هائلاً. لأنها تؤسس لإمكان التعايش المعرفي ولإمكان الحوار بين الحقول ولإمكان تجاوز الحروب الصغيرة بين “رجال الدين” و“رجال الحداثة” و“حراس التراث” و“مبشري القطيعة”. وقد عبّر ابن عربي في أفق مغاير تماماً عن معنى قريب حين قال في الفتوحات المكية: «الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق». وإذا كانت الرشدية لا تشارك العرفانَ منطقه ولا لغته فإنها تلتقي معه على مستوى بعيد في الإقرار بتعدد الطرق إلى المعنى. غير أن ابن رشد يمنح هذه الفكرة صياغة عقلية برهانية منضبطة.

ورابعها التمييز بين مستويات الخطاب ومخاطره. هذا الدرس شديد الأهمية في زمننا، لأن كثيراً من الكوارث الفكرية تنشأ من نقل مسائل دقيقة إلى المجال العمومي دون أدواتها أو من تعميم مسائل عمومية على فضاءات تخصصية. ابن رشد كان واعياً بخطورة “إفشاء التأويلات البرهانية” لمن لا يتهيأ لها. وقد كتب: «من صرّح بشيء من هذه التأويلات لغير أهلها فقد كفر من حيث لا يشعر»، والعبارة واردة بمعناها في فصل المقال. بغضّ النظر عن حمولة العبارة في سياقها العقدي والجدلي، فإن معناها المنهجي واضح: ليس كل ما يُعرف يُقال بالطريقة نفسها ولا في المقام نفسه ولا للجمهور نفسه. في الحاضر العربي حيث اختلط التخصص بالاستعراض وتحوّلت القضايا الكبرى إلى مادة للاستهلاك السريع تستعيد هذه الفكرة راهنيتها بقوة.

وخامسها أن الفلسفة عند ابن رشد ليست غريبة عن المدينة. كثيرون ينسون أن ابن رشد كتب في السياسة وشرح الجمهورية لأفلاطون وتأمل في تدبير الاجتماع الإنساني. صحيح أن أثره السياسي لا يُقارن من حيث الامتداد بأثره في الميتافيزيقا والمنطق والطب غير أن حضوره السياسي دالّ. فهو يفهم أن المعرفة لا تُثمر إلا داخل نظام اجتماعي وسياسي يتيح لها أن تعمل. هنا يتقاطع على نحو بعيد مع ما سيقوله الفارابي قبله عن “المدينة الفاضلة” ومع ما سيقوله هيغل بعد قرون عن أن العقل يتجلى في التاريخ والمؤسسات. يقول هيغل في أصول فلسفة الحق: «ما هو عقلي هو واقعي وما هو واقعي هو عقلي». ورغم ما في العبارة من التباسات وتأويلات فإنها تذكّرنا بأن العقل لا يعيش في فراغ بل يتجسد في أشكال تاريخية. واستئناف الرشدية بهذا المعنى يحتاج إلى مؤسسات لا إلى شعارات.

وعند هذه النقطة بالذات يبرز سؤال مركزي، لماذا تعثّر استئناف المشروع الرشدي عربياً رغم كثافة الحديث عنه؟ الجواب يقتضي شجاعةً فكرية. لأن العائق لا يكمن في خصوم الرشدية فقط بل يكمن أحياناً في بعض أنصارها أيضاً. هناك من حوّل ابن رشد إلى أيقونة خطابية تُستعمل ضدّ الخصوم الأيديولوجيين أكثر مما تُستعمل لتأسيس برنامج معرفي. وهناك من اكتفى بتمجيد “العقلانية العربية” دون أن يخوض في شروطها التعليمية والمؤسسية واللغوية. وهناك من قرأ ابن رشد بعينٍ انتقائية فأخذ منه ما يوافق معركته وأهمل ما يربكها. وهناك من استعار منجز الحداثة الأوروبية كاملاً ثم علّق عليه اسم ابن رشد طلباً للمشروعية التراثية. وفي كل هذه الحالات يضيع الاستئناف الحقيقي.

لقد نبّه عبد الله العروي في أكثر من موضع إلى أن أكبر أخطاء الفكر العربي المعاصر تكمن في التردد بين التبني الشكلي للمفاهيم الحديثة وبين رفضها العاطفي من غير حسم تاريخي حقيقي. وفي مفهوم العقل يكتب العروي بما معناه العميق أن العقل لا يُستعاد بالتغني به بل يُبنى داخل شروط تاريخية مخصوصة وأن المفاهيم الحديثة لا تدخل الثقافة بقرار خطابي. وهذا التنبيه ثمين جداً. فالرشدية إذا أُريد لها أن تُستأنف تحتاج إلى أن تدخل في صميم معارك التعليم والجامعة والبحث العلمي والسياسات الثقافية وإصلاح الخطاب الديني وبناء المجال العمومي. ما لم يحدث ذلك ستظل “الرشدية” اسماً جميلاً في المقالات أكثر منها قوةً فاعلة في الاجتماع العربي.

وإذا كان الجابري قد جعل من ابن رشد محوراً في مشروعه النقدي، فإن هذا الاختيار لم يكن مجرد ميل شخصي بل كان حكماً إبستمولوجياً على بنية التراث. ففي نحن والتراث يقول: «إذا كان لا بد من اختيار ممثل للعقلانية العربية في أرقى صورها فإن ابن رشد هو هذا الممثل». وهذه العبارة مهما اختلفنا معها أو ناقشنا حدودها تكشف عن شيء أساسي، ابن رشد عند الجابري ليس فيلسوفاً بين فلاسفة بل نموذجاً لنسق معرفي. ولذلك سعى الجابري إلى جعل “القطيعة الإبستمولوجية” مع البيان والعرفان على الطريقة الباشلارية المعدّلة مدخلاً لاستعادة البرهان الرشدي. غير أن هذه القراءة نفسها تعرّضت لنقد واسع لأن بعض الباحثين رأى فيها تبسيطاً للخريطة المعرفية الإسلامية وإقصاءً لأبعادٍ روحية وبيانية لا يجوز اختزالها. وهنا تتبدى ضرورة القراءة النقدية المركبة، نحتاج إلى ابن رشد نعم، ونحتاج إلى الجابري قارئاً له نعم، لكننا نحتاج أيضاً إلى أن نقرأ الجابري نفسه نقدياً.

أما طه عبد الرحمن فقد خاض مع الجابري سجالاً عميقاً في معنى العقل وفي طبيعة التراث وفي حدود الحداثة وفي إمكان تأسيس عقلانية أخلاقية وروحية تتجاوز الاختزال الأداتي للعقل. وفي روح الحداثة ثم في سؤال الأخلاق نلمح بوضوح أن طه لا يطمئن إلى كل أشكال التمجيد غير المفحوص للعقلانية الحديثة أو للعقل البرهاني إذا فُصل عن جذره الأخلاقي والائتماني. وهذه الملاحظة تهمّنا كثيراً في موضوعنا. لأن استئناف المشروع الرشدي إن جرى على نحو اختزالي قد ينتهي إلى عقلانية تقنية جافة أو إلى تمجيد للبرهان من غير سؤال عن أخلاق البرهان وغاياته. لذلك قد يكون من ثمرات الحوار بين الجابري وطه أن يُعاد فتح الرشدية نفسها على أفق أخلاقي أرحب من غير أن تُفرَّغ من صرامتها المنهجية.

والحق أن واحدة من أعظم إمكانات استئناف المشروع الرشدي تكمن في قدرته على المساهمة في تجاوز الانقسام المصطنع بين “العقلانية” و“الروحانية” داخل الثقافة العربية. فالرشدية وإن لم تكن مشروعاً صوفياً لا تستلزم عداءً للباطن بمعناه التربوي أو الروحي وإنما تعادي الفوضى التأويلية والادعاء المعرفي غير المنضبط وهذا فرق جوهري. لذلك يمكن للفكر العربي المعاصر أن يستلهم من ابن رشد منهجية البرهان ومن غيره من كبار التراث أفق التزكية والذوق والأخلاق شريطة أن تُحترم الحدود المنهجية بين الحقول وأن لا يُفرض منطق حقل على حقل آخر. هكذا يمكن أن تُبنى ثقافة مركبة غير ممزقة بين جفاف عقلاني وانفعال روحاني.

ويتعاظم هذا الإمكان حين نضع الرشدية في مواجهة سؤال العلوم الحديثة. فابن رشد كان طبيباً وقاضياً وفقيهاً وفيلسوفاً، وكانت صورة “العالم الموسوعي” في شخصه تعكس وحدةً معرفية افتقدناها في كثير من مراحلنا الحديثة. صحيح أن العصر الراهن عصر تخصصات دقيقة ولا يمكن الحنين فيه إلى الموسوعية القديمة على نحو ساذج غير أن الدرس الرشدي هنا واضح، المعرفة كلٌّ متصل والتخصص لا ينبغي أن يقتل الأفق الكلي. الجامعة العربية اليوم تعاني في كثير من مواقعها من انفصال الحقول، الفقيه بعيد عن الفيلسوف والفيلسوف بعيد عن العالم الطبيعي والباحث في العلوم الاجتماعية بعيد عن المشتغل باللسانيات والمثقف العمومي بعيد عن المختبر. استئناف الرشدية في هذا المقام يعني بناء جسور معرفية وتكوين نخب قادرة على الحوار بين التخصصات وتحرير الفلسفة من عزلتها المدرسية.

وقد قال إدغار موران وهو من كبار فلاسفة التعقيد في عصرنا: «المعرفة المجزأة تُنتج عقولاً عاجزة عن فهم المركب». هذه العبارة تصلح أن تُقرأ على ضوء الحاجة إلى روح رشدية جديدة. لأن الرشدية التاريخية لم تكن تجزئةً للمعرفة بل كانت سعياً إلى انتظامها. واستئنافها اليوم يقتضي أن تُستعاد الفلسفة بوصفها قدرةً على الربط لا بوصفها ترفاً إنشائياً. كما يقتضي أن يُعاد وصل التعليم الفلسفي بالعلوم وأن يُحرَّر تدريس الفلسفة من التلخيص المدرسي إلى التمرين على بناء السؤال وتحليل الحجة.

ومن الجوانب التي تحتاج إلى عناية خاصة في هذا الاستئناف: اللغة، فاللغة العربية المعاصرة في كثير من الاستعمالات الفكرية تعيش بين طرفين متباعدين، لغة تراثية مثقلة بالمحاكاة والرتابة ولغة حديثة مكسورة المفاهيم أو مرتهنة للترجمة الحرفية. وابن رشد يعلّمنا درساً بالغ الأهمية في صناعة اللغة الفلسفية، الدقة والاقتصاد والتحديد والقدرة على صوغ المفهوم داخل العربية من غير تفريط في الصرامة. إن مشروع استئناف الرشدية يقتضي عملاً معجمياً ومفاهيمياً كبيراً لأن أزمة الفكر العربي المعاصر في جانب منها أزمة مصطلح وأزمة لغة. وقد نبّه عبد السلام بنعبد العالي في غير ما موضع إلى أن التفكير في الفلسفة هو أيضاً تفكير في اللغة التي تقولها، وهذا صحيح إلى أبعد حد. فكل مشروع فلسفي عربي معاصر لا يُحسن صناعة لغته محكوم عليه بأن يبقى تابعاً ولو رفع راية الاستقلال.

وعند الحديث عن استئناف الرشدية يبرز بقوة سؤال “النقد”. لأن المشروع الرشدي نفسه كان مشروعاً نقدياً بامتياز. ابن رشد لم يكتف بشرح أرسطو بل مارس نقداً للمتكلمين وردّاً على الغزالي ومراجعةً لكثير من المسالك السائدة في عصره. كتابه تهافت التهافت شاهدٌ ساطع على ذلك. في مقدمة هذا الكتاب ومن خلال بنيته العامة نشهد عقلاً يحاور خصماً عظيماً مثل أبي حامد الغزالي لا بعصبية بل بحجاج دقيق وبإيمان عميق بأن القضايا الكبرى تُناقش بالحجة لا بالتشهير. والغزالي نفسه على عظمته كان قد كتب في المنقذ من الضلال: «الشكوك هي الموصلة إلى الحق فمن لم يشك لم ينظر ومن لم ينظر لم يبصر ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال». هذه الروح النقدية عند الغزالي مع اختلاف المآلات تلتقي مع روح ابن رشد في أن الفكر لا يُبنى بالتسليم الكسول. لذلك فاستئناف الرشدية لا ينبغي أن يتحول إلى معاداة للغزالي أو شيطنته كما فعلت بعض القراءات السطحية لأن ذلك يفسد فهم التاريخ الفكري الإسلامي ويحوّله إلى معركة كاريكاتورية بين “بطل العقل” و“عدو العقل”. الأجدر أن نقرأ الاثنين معاً قراءةً تركيبيةً دقيقة فنفهم مواقع التوتر ونستخرج الدروس.

ومن الدروس الكبرى هنا أن الفكر العربي المعاصر يحتاج إلى الخروج من منطق “الأبطال الخلاصيّين”. فلا ابن رشد وحده يكفي ولا الغزالي وحده ولا ابن خلدون وحده ولا الشاطبي وحده ولا الجابري وحده. الثقافة الحية لا تُبنى بعبادة الأسماء بل بحوار المشاريع. ومع ذلك يظلّ ابن رشد موقعاً مفصلياً لأنه يمنحنا مفهوماً قوياً للبرهان وللتأويل ولعلاقة العقل بالنص ويقدّم نموذجاً نادراً لمثقفٍ جمع بين الفقه والفلسفة والقضاء والطب والسياسة من غير أن يذوب في أيّ واحد منها.

ومن أشدّ ما يحتاج إليه الفكر العربي اليوم أن يتجاوز الاستقطاب الحادّ بين “التراثيين” و“الحداثيين” عبر نموذجٍ رشديّ مُجدَّد. فالتراثي المغلق يتعامل مع النصوص بوصفها أجوبةً نهائيةً على أسئلة لم تُطرح بعد، والحداثي المبتور يتعامل مع الحداثة بوصفها قدراً مكتفياً بذاته لا يحتاج إلى ترجمة حضارية عميقة، وبين هذين الطرفين تضيع إمكانات التأسيس. ابن رشد يقدّم في أفقٍ ما إمكاناً ثالثاً: الوفاء للنص دون عبودية للحرف والانفتاح على العقل دون تبعية عمياء للمركز الخارجي. هنا نستحضر عبارة بول ريكور: «التراث ليس ما نرثه فقط بل ما نُعيد قراءته». هذا المعنى هو عين ما نحتاجه في موضوعنا.

غير أن أخطر ما يهدد أي استئناف للمشروع الرشدي هو أن يتحول إلى “أيديولوجيا عقلانية” تُقصي ما لا تفهمه. لأن العقلانية حين تفقد تواضعها المعرفي تنقلب إلى سلطة جديدة. وقد نبّه باسكال منذ زمن بعيد إلى حدود العقل حين قال: «للقلب براهينه التي لا يعرفها العقل». والمقصود هنا ليس إبطال العقل بل تذكيره بحدوده وحقوله. والرشدية إذا قُرئت قراءة ناضجة فهي قادرة على استيعاب هذا الدرس لأنها لا تدّعي أن البرهان يشتغل في كل شيء بالطريقة نفسها وإنما تميّز بين مراتب النظر. أما إذا قُرئت قراءة أيديولوجية فإنها قد تُستخدم لتكريس نمط من العنف الرمزي ضدّ كل ما لا يندرج في صورتها المبسطة عن “العقل”.

إن إمكانات استئناف المشروع الرشدي في الفكر العربي المعاصر ترتبط كذلك بقدرتنا على تحرير مفهوم “العقل” نفسه من الاختزال. فالعقل عند ابن رشد عقل برهاني منضبط نعم، لكنه ليس آلةً صمّاء. والعقل في تراثنا على تنوع صوره يحمل أيضاً أبعاداً أخلاقية وعملية ووجودية. وقد كان أرسطو الذي شكّل أحد أعمدة التكوين الرشدي يميز في الأخلاق النيقوماخية بين الحكمة النظرية والحكمة العملية. واستئناف الرشدية في زمننا يقتضي أن نصل البرهان بالحكمة العملية وأن نجعل العقل قادراً على الإسهام في بناء الدولة العادلة وفي ترشيد الاقتصاد وفي إصلاح التعليم وفي تحرير الخطاب الديني وفي تهذيب المجال العمومي.

وإذا أردنا أن نُنزّل هذا الكلام من التجريد إلى مستوى البرنامج أمكن القول إن استئناف المشروع الرشدي يمر عبر مسالك محددة. يمر أولاً عبر إصلاح جذري لتدريس الفلسفة والمنطق وعلوم الحجاج في المدرسة والجامعة. يمر ثانياً عبر إعادة بناء العلاقة بين الدراسات الشرعية والدراسات الفلسفية بحيث ينكسر الجدار المصطنع بينهما ويُفتح حوار منهجي جادّ بين الأصوليين والفلاسفة واللغويين والمؤرخين. ويمر ثالثاً عبر مشروع ترجمة ومراجعة للمفاهيم الحديثة في العربية لأن الفكر لا ينهض بلغة مرتجفة. ويمر رابعاً عبر بناء فضاء عمومي يحترم الاختلاف ويصون حرية البحث. يمر خامساً عبر تحرير البحث العلمي من البيروقراطية والولاءات الصغيرة. يمر سادساً عبر تخليص الخطاب الثقافي من الاستعراض والإنشاء الفضفاض لصالح الحجة والتحليل. وكل هذه المسالك ليست “إضافات” على الرشدية بل هي الشروط التاريخية التي تجعل روحها قابلةً للحياة.

ولعلّ من المفيد هنا أن نستحضر ابن خلدون لأنه فيلسوف العمران وناقد الأحوال حيث قال في المقدمة: «المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب». هذه العبارة الخلدونية تكشف لنا وجهاً خطيراً من أزمة الفكر العربي الحديث. فكثير من مشاريع “الحداثة” العربية جرى فيها الاقتداء بالغالب على نحو مبهور من غير تمثل عميق لشروط المفاهيم ومن غير قدرة على إعادة إنتاجها داخل التربة الثقافية الخاصة. واستئناف الرشدية يمكن أن يكون سبيلاً لمقاومة هذا الولع لا بمعنى الانغلاق القومي أو الحضاري بل بمعنى امتلاك القدرة على الحوار الندّي مع الفكر العالمي. فالعالم لا يحترم من يكرر بل يحترم من يضيف.

وقد كان مارتن هايدغر يقول: «اللغة بيت الكينونة». وإذا كان في هذه العبارة أفق أنطولوجي خاص، فإنها تُفيدنا هنا من جهة أن كل نهضة فكرية تحتاج إلى بيت لغوي يسكنها. والرشدية الجديدة إن جاز التعبير لا بد أن تُبنى في لغة عربية حية قوية قادرة على احتضان المفهوم دون أن تنكسر وقادرة على حمل الدقة دون أن تفقد الجزالة، لأن جزءاً من استئناف الرشدية اليوم يمر عبر هذا الإصرار على أن تكون العربية لغة تفكير لا مجرد لغة وعظ أو زخرفة.

ومهما قيل في إمكانات الاستئناف فإن الصدق العلمي يفرض الإقرار بأن الطريق شاق، فالعوائق البنيوية كثيرة، هشاشة المؤسسات، ضعف تقاليد البحث، تغوّل الاستهلاك الثقافي، هيمنة الخطاب الانفعالي، التباس العلاقة بين الدين والسياسة، غياب الإرادة الإصلاحية العميقة في كثير من البنى التعليمية. لذلك فاستئناف المشروع الرشدي لا ينبغي أن يُقدَّم كحلّ سحري ولا كطريق معبّد. إنه أفق نضاليّ طويل يحتاج إلى أجيال ويحتاج إلى صبر حضاري. هنا تلوح حكمة هيغل من جديد حين قال في محاضرات في فلسفة التاريخ: «بومة منيرفا لا تبدأ طيرانها إلا عند حلول الغسق». أي إن الفلسفة غالباً ما تأتي متأخرة لتفهم ما جرى. غير أن الفكر العربي اليوم لا يملك ترف التأخر الأبدي. عليه أن يجعل الفلسفة أداة فهم وأداة تأسيس معاً.

إن المشروع الرشدي ما يزال يحمل إمكانات هائلة للفكر العربي المعاصر شريطة أن نقرأه بعينين لا بعين واحدة، عين تعترف بعظمته وعين تمارس عليه النقد. بعين تستلهم منه وعين تتجاوزه. بعين تحفظ له مكانته في تاريخ العقل الإسلامي وعين ترفض تحويله إلى ضريح مفهومي. فابن رشد لا يُكرَّم بتمجيده اللفظي وإنما يُكرَّم حين نعيد تشغيل الأسئلة التي شغلته، ما حدود العقل؟ كيف يُفهم النص؟ ما شروط التأويل؟ ما طبيعة البرهان؟ كيف تنتظم المعرفة؟ ما صلة الحقيقة بالشرع؟ ما دور الفلسفة في المدينة؟ كيف تُدار مراتب الخطاب؟ كيف نمنع العوامّ من أن يُستثاروا ضدّ الحكمة ونمنع الحكماء من أن يفسدوا العامّة بسوء البيان؟.

في هذا المنحى يغدو استئناف المشروع الرشدي فعلاً من أفعال الشجاعة الحضارية. لأن الثقافة العربية اليوم في أمسّ الحاجة إلى عقل يملك الجرأة على النقد والتواضع أمام الحقيقة والانضباط في الاستدلال والصرامة في التأويل والقدرة على الجمع بين الوفاء والأفق. وليس المقصود أن نُعيد إنتاج القرن السادس الهجري ولا أن نستبدل مركزية غربية بمركزية تراثية ولا أن نُحوّل ابن رشد إلى أيديولوجيا جاهزة. المقصود أن نحرر من تراثنا ما يساعدنا على أن نفكر بحرية وعمق ومسؤولية. وهنا يستعيد قول ابن رشد نفسه ألقه النادر: «الحق لا يضاد الحق». تلك ليست عبارة في التوفيق فحسب بل هي إعلان عن ميثاق معرفي كامل، لا خصومة بين الحقيقة والحقيقة والخصومة، إنما تقع بين الأهواء أو بين الجهل والحقيقة أو بين سوء التأويل والبرهان.

وعند هذا الأفق يلوح معنى آخر أشد رسوخاً: استئناف المشروع الرشدي ليس شأناً فلسفياً صرفاً بل هو امتحان أخلاقي وسياسي وثقافي للمجتمعات العربية. فالمجتمع الذي لا يحتمل السؤال لن يحتمل الرشدية. والجامعة التي لا تربي على الحجة لن تلد عقلاً رشدياً. والخطاب الديني الذي يخاف من التأويل المنضبط سيبقى أسير التكرار. والمثقف الذي يكتفي بالشعار لن يبني تقليداً نقدياً. والدولة التي ترتاب من الحرية ستخنق كل مشروع عقلي قبل ولادته. لذلك فالرشدية ليست مجرد نصوص تقرأ بل هي شكل من أشكال الوجود الحضاري.

وقد يكون من أبلغ ما نختم به مقالتنا هاته أن نستحضر العبارة التي جعلها ابن رشد مبدأً في فصل المقال ثم نقرأها في ضوء الحاضر العربي بكل جراحه وآماله: «فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له». لو أُعيد بناء ثقافتنا على هذا المبدأ وحده لتغير كثير من وجوه الخصومة العقيمة التي تستنزفنا. ولعادت الفلسفة إلى مكانها الطبيعي لا خصماً للدين ولا تابعاً له بل شريكاً في طلب الحقيقة. ولعاد الفقيه إلى مقامه الأصيل لا حارساً للخوف بل مؤتمناً على المعنى. ولعاد المثقف إلى دوره الحق لا بائعَ مواقف بل صانعَ أسئلة. ولعادت الجامعة إلى رسالتها لا مصنعَ شهادات بل ورشةَ عقل.

هكذا وحده يمكن أن يكون الحديث عن إمكانات استئناف المشروع الرشدي حديثاً جاداً لا زينة خطابية ولا حنيناً مثقلاً بالمجاز. وهكذا وحده يصير ابن رشد معاصراً لنا لا لأنه عاش في زمننا بل لأن أسئلتنا الكبرى ما تزال تجد في مشروعه طاقةً على الإضاءة ومادةً للمراجعة ودعوةً إلى أن نكون أوفياء للعقل من غير قطيعة مع الجذور وأوفياء للجذور من غير عداوة للعقل. ذلك هو الدرس الرشدي الأسمى وذلك هو الرهان الذي يظل مفتوحاً أمام الفكر العربي المعاصر، أن يخرج من زمن التكرار إلى زمن التأسيس ومن زمن الاستهلاك إلى زمن الإنتاج ومن زمن الاصطفاف الأيديولوجي إلى زمن البناء المفهومي ومن زمن الحنين إلى زمن العمل.

فإذا نجحنا في ذلك فلن نكون قد “أحيينا” ابن رشد لأن الكبار لا يحتاجون إلى من يحييهم بل نكون قد أحيينا في أنفسنا القدرة على التفكير التي بها تُبنى الحضارات وتُصان الكرامات وتُستعاد المعاني. وتلك في تقديري المتواضع هي الغاية الأبعد من كل قراءة رشديّة جادة، أن نستردّ العقل لا بوصفه شعاراً بل بوصفه سلوكاً حضارياً ومِراناً منهجياً وفضيلةً أخلاقية ورسالةً تاريخية.

***

د. حمزة مولخنيف

انتقال الأفكار الفلسفية بين الأندلس وأوروبا الوسيطة

لم تكن الرشدية مجرد مذهب فلسفي انتسب إلى اسم شارح كبير من شراح أرسطو ولم تكن أثرا تعليميا عابرا انقضى بانقضاء صاحبه أو بانطفاء مجالسه العلمية في قرطبة ومراكش وإشبيلية وإنما كانت منعرجا معرفيا حاسما في تاريخ العقل المتوسطي كله بما هو عقل تشكل في مجرى الترجمة وتربى في أحضان النزاع بين السلط الدينية والبرهانية، ثم أخذ صورته الأكثر درامية ساعة خرجت شروح ابن رشد من فضائها الأندلسي الإسلامي لتستقر في المدارس اللاتينية والجامعات الناشئة في باريس وبادوفا وبولونيا. فهناك تحديدا ابتدأ نص ابن رشد حياة ثانية، حياة لم يعد فيها مجرد فقيه مالكي وقاضٍ أندلسي وطبيب فيلسوف، وإنما غدا “الشارح الأكبر” في الوعي المدرسي الأوروبي وغدا اسمه نفسه علما على نمط مخصوص من النظر له جرأته وله منطقه وله خصومه وله آثاره التي تجاوزت زمنه وبيئته ومقصوده الأصلي أحيانا.

إن الحديث عن الرشدية في الفضاء المتوسطي حديث عن عبور كثيف للأفكار عبر اللغات والحدود والأنساق، حديث عن نص فلسفي ولد في تماس حاد بين الشريعة والحكمة ثم أعيدت صياغته داخل بنية لاهوتية مسيحية كانت في حاجة إلى أرسطو وكانت في الآن نفسه تخشاه، وكانت في حاجة إلى ابن رشد لأنه فتح لها مغالق أرسطو، وكانت تخشاه لأنه حمل معها تصورا للعقل الذي لا يرضى أن يظل تابعا للسلطة التأويلية الجامدة. هنا بالضبط تظهر الرشدية لا باعتبارها مجرد انتقال نصوص، وإنما باعتبارها انتقالا لمشكل فلسفي كامل، ما حدود العقل؟ ما منزلة البرهان؟ كيف يقرأ النص الديني في ضوء الحقيقة البرهانية؟ ما معنى أن تكون للفلسفة استقلالية منهجية داخل مجتمع يؤسس شرعيته على الوحي؟ وما الذي يقع عندما تنتقل هذه الأسئلة من سياق إسلامي أندلسي إلى سياق لاتيني مدرسي شديد الحساسية تجاه كل ما يهدد بناء العقيدة الكنسية؟.

لقد كان ابن رشد في العمق مفكرا للاتساق العقلي، ولم يكن همه أن ينتصر للفلسفة على الدين انتصارا دعائيا ساذجا ولا أن يجعل الشريعة ذريعة لقمع النظر، وإنما سعى إلى بناء مجال تواطؤ بين الحقيقة الموحى بها والحقيقة المبرهن عليها. عبارته التي صارت من أشهر العبارات في التراث الفلسفي الإسلامي “الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له” لم تكن مجرد صياغة بلاغية ذات وقع أخلاقي، وإنما كانت قاعدة إبستمولوجية كبرى تؤسس لنظام في الفهم وتعيد ترتيب العلاقة بين ظاهر النص وباطنه بين العامة والخاصة وبين الجدل والبرهان وبين مستويات الإدراك البشري وتمنح العقل البرهاني شرعية لا بوصفه قوة تمرد بل بوصفه أداة من أدوات إدراك الحكمة الإلهية في العالم والشرع معا. بهذا المعنى كانت الرشدية أعمق من أن تختزل في شروح أرسطية وأخطر من أن تُحصر في نزاع حول قِدم العالم أو وحدة العقل أو تأويل الصفات، لقد كانت نظرية في العقل الحضاري نفسه. ومع ذلك فإن الرشدية ساعة خرجت من مجالها الإسلامي إلى أوروبا الوسيطة لم تنتقل نقية صافية كما صاغها صاحبها. فالنصوص لا تسافر بلا خسائر والأفكار لا تعبر البحار بلا تحولات والترجمات لا تحمل المعاني وحدها بل تحمل معها انحرافات الفهم وانتقاءات المترجمين وحاجات المؤسسات المستقبلة وصراعات المدارس وضغوط الرقابة. ولهذا لم تكن “الرشدية اللاتينية” صورة مطابقة لـ “الرشدية الأندلسية” كما لم تكن خصومة الكنيسة مع بعض الرشديين خصومة مع ابن رشد نفسه على الدوام بل كانت في كثير من المواطن خصومة مع قراءات مخصوصة له أو مع نتائج استنبطها بعض الشراح من تعليقاته أو مع استعمالات جامعية جعلت من اسمه راية لاستقلال الفلسفة عن اللاهوت وهو أمر يتجاوز أحيانا ما صرح به ابن رشد نفسه في سياقه الإسلامي.

إن الفضاء المتوسطي إذا نظرنا إليه من زاوية تاريخ الأفكار لم يكن بحرا يفصل بين حضارات متجاورة وإنما كان معبرا عميقا ومختبرا هائلا ووسطا ناقلا ومحوِّلا في آن. فيه تحركت النصوص اليونانية من أثينا إلى الإسكندرية ثم من السريانية إلى العربية ثم من العربية إلى اللاتينية والعبرية، وفيه تشكلت طبقات متراكبة من التلقي والتعليق وإعادة البناء. والرشدية ليست إلا إحدى أكثر اللحظات تعبيرا عن هذا الحراك. لقد تلقى الغرب اللاتيني أرسطو عبر ابن رشد أكثر مما تلقاه مباشرة حتى صار هذا الفيلسوف الأندلسي بالنسبة إلى كثير من أساتذة الفنون في باريس أشبه بالمفتاح الذي لا يفتح أرسطو إلا به. ولم يكن غريبا تبعا لذلك أن يلقب في التقاليد المدرسية باسم “الشارح” على جهة الإطلاق كما لُقِّب أرسطو باسم “الفيلسوف”، وهو توزيع رمزي للأدوار يكشف عن عمق الحضور الرشدي داخل البنية التعليمية الأوروبية الوسيطة.

هذا الحضور لم يكن حضورا هادئا فكلما اشتد نفوذ الشروح الرشدية داخل مدارس الفنون، اشتدت معها الأسئلة التي تمس بنية العقيدة المسيحية المدرسية، إذا كان العقل واحدا على نحو ما فُهِم من بعض التأويلات الرشدية فماذا يبقى من المسؤولية الشخصية؟ وإذا كان العالم أزليا من جهة الحركة والنظام الكوني فكيف يُفهم الخلق؟ وإذا كانت الحقيقة الفلسفية تبلغ مرتبة من البرهان قد لا تبلغها المقاربات الوعظية أو الجدلية فكيف يُعاد ترتيب العلاقة بين الأستاذ في كلية الفنون والأستاذ في كلية اللاهوت؟ هنا نشأت تلك التوترات التي صنعت ما عُرف لاحقا بالرشدية اللاتينية وجعلت من أسماء مثل سيجر البرابانتي وبويتيوس الدانماركي ويوحنا الجندوني علامات على نزاع فلسفي حاد داخل قلب المسيحية المدرسية.

غير أن اختزال الرشدية في هذه المقولات الثلاث أو الأربع ظلم مزدوج، ظلم لابن رشد وظلم لتاريخ الاستقبال الأوروبي نفسه. فالرشدية كانت قبل ذلك وبعده منهجا في القراءة وأخلاقا في التعامل مع النصوص وصرامة في البرهنة وميلا إلى رد الفروع إلى الأصول وتحريرا للفلسفة من الشروح الخطابية الفضفاضة ووفاء لأرسطو مقرونا بجرأة التأويل، وهي العناصر التي جعلت منها أداة تأسيس في بناء العقل المدرسي الأوروبي حتى لدى من عارضها. لقد كان توما الأكويني خصما للرشدية في مواضع معلومة، لكنه كان في الآن ذاته أحد أكبر المستفيدين من الجهد الرشدي في شرح المتن الأرسطي وكان اعتراضه على بعض النتائج الرشدية مشروطا سلفا بكون ابن رشد قد فرض نفسه مرجعا لا يمكن القفز عليه. فالخصومة نفسها دليل حضور والنقد نفسه شهادة تأثير والردود الكبرى لا تكتب ضد الأفكار الهامشية.

على هذا الأساس يصير من اللازم أن نفهم الرشدية بوصفها طبقات متداخلة، رشدية أندلسية نشأت في حضن الثقافة العربية الإسلامية ورشدية يهودية عبرت إلى الفكر العبري الوسيط وأسهمت في إعادة تشكيل فلسفة موسى بن ميمون وشراحه ورشدية لاتينية دخلت الجامعات المسيحية وأثارت الزوابع اللاهوتية ورشدية نهضوية مبكرة أعادت اكتشاف قيمة العقل الطبيعي واستقلالية البحث، ثم رشدية حديثة ومعاصرة استعادتها الثقافة العربية بوصفها رمزا للعقلانية المفقودة أو المؤجلة. وكل طبقة من هذه الطبقات لا تكرر سابقتها وإنما تعيد تأويلها على قدر حاجتها التاريخية.

في الأندلس كان ابن رشد ابن أزمة كبرى في تاريخ الفكر الإسلامي الغربي، فقد جاء بعد قرون من الجدل بين المتكلمين والفلاسفة والفقهاء وبعد اللحظة الغزالية التي هزت مشروعية الفلسفة هزا عنيفا وبعد تجربة ابن باجة وابن طفيل اللذين مهدا لقدر من الاستئناف العقلي داخل الغرب الإسلامي. وإذا كان الغزالي قد كشف هشاشة بعض دعاوى الفلاسفة المشرقيين، فإن ابن رشد لم يرد عليه بإنكار الدين أو السخرية من الكلام وإنما رد عليه من داخل مطلب أعلى: مطلب التمييز بين مراتب الخطاب ومراتب البرهان. لهذا كان مشروعه في “فصل المقال” و”تهافت التهافت” و”الكشف عن مناهج الأدلة”، مشروعا يتجاوز الدفاع عن الفلسفة إلى إعادة بناء المجال النظري الذي تتجاور فيه العلوم الشرعية والعلوم البرهانية من غير أن يلتهم أحدهما الآخر. لقد أدرك أن المعضلة الحقيقية لا تكمن في وجود نص ديني وعقل فلسفي وإنما تكمن في سوء توزيع السلط المعرفية وفي الخلط بين مقام العامة ومقام الخاصة وفي تحويل الظاهر الخطابي إلى سيف يُشهر في وجه البرهان.

ومن هنا كانت الرشدية الأندلسية في أصلها مشروعا للتوفيق العميق لا التلفيق السطحي. فالتوفيق عند ابن رشد لا يعني جمع المتناقضات على سبيل المراوغة وإنما يعني إقامة نسق معرفي يُحفظ فيه لكل نوع من أنواع القول مجاله ووظيفته. الشريعة تخاطب الناس جميعا بطرائق متعددة والبرهان لا يقدر عليه الجميع، والتأويل ليس حقا شعبويا مبذولا لكل أحد لأن إخراج المعاني من ظواهرها يحتاج إلى آلة وملكة وانضباط. تتحول الفلسفة من ترف نخبوي إلى واجب كفائي في حق من استكمل شروط النظر وتتحول الشريعة من خصم للعقل إلى حاضنة لمشروعيته. هذا التصور كان في ذاته ثوريا داخل السياق الإسلامي كما كان قابلا لأن يثير قلقا مضاعفا ساعة يترجم إلى اللاتينية لأن الكنيسة لم تكن تنظر إلى العلاقة بين اللاهوت والفلسفة بالطريقة نفسها ولأن بنية السلطة المعرفية فيها مختلفة جذريا عن بنية الفقه الإسلامي.

لقد تمت ترجمة كثير من أعمال ابن رشد إلى اللاتينية والعبرية عبر مراكز الترجمة في طليطلة وغيرها وعبر جهود مترجمين كان بعضهم يشتغل في مناطق التماس الحضاري بين المسلمين والمسيحيين واليهود. ولم تكن الترجمة مجرد نقل لغوي وإنما كانت حدثا مؤسسيا. فما دخل اللاتينية من شروح ابن رشد حيث لم يدخل إلى خزائن النخبة فقط وإنما دخل إلى قاعات التدريس وإلى برامج التعليم وإلى الجدل الجامعي وإلى بنية الامتحان المدرسي. وهنا يظهر المعنى الحقيقي للرشدية في أوروبا، إنها ليست “تأثيرا” ثقافيا عاما فحسب وإنما هي تشكل فعلي لآلة الفهم داخل مؤسسة الجامعة. ولهذا لا يصح أن يقال إن أوروبا “قرأت” ابن رشد فقط بل الأدق أن يقال إنها “درست” أرسطو عبره و”تعلمت” طرائق البرهنة معه و”تشاجرت” بواسطته مع نفسها. وقد كان لهذا التلقي أثر بالغ في صوغ ما يمكن تسميته بالوعي المدرسي الجديد، فالرشدية علمت المدرسة اللاتينية أن النص الفلسفي لا يقرأ بالمواعظ وأن المعنى لا يستخرج بالإنشاء وأن الفهم يحتاج إلى ضبط للمصطلح وترتيب للمقدمات وتفكيك للأقوال وردّ للمسائل إلى أصولها المنهجية، لهذا كان تأثيرها يتجاوز المضامين الميتافيزيقية إلى البنية العقلية نفسها. وإذا كان بعض الباحثين المعاصرين قد بالغوا في الحديث عن “فضل ابن رشد” على النهضة الأوروبية بصيغة سببية ساذجة فإن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن أثره في تشكيل العقل الجامعي الوسيط أثر بالغ العمق حتى لو لم يكن وحده المسؤول عن كل التحولات اللاحقة، فالتاريخ لا يصنعه رجل واحد لكنه أحيانا لا يمر من غيره.

في جامعة باريس حيث كان الصراع على أشده برزت الرشدية بوصفها قوة فكرية تربك التوازنات. فكلية الفنون التي كانت تتولى تدريس المنطق والطبيعيات والأخلاق وما يتصل بأرسطو، وجدت في الشروح الرشدية مادة خصبة تمنحها قدرا من الاستقلال المعرفي عن اللاهوت. وهذا الاستقلال لم يكن سياسيا فقط بل كان منهجيا قبل كل شيء. فالأستاذ الذي يتتبع البرهان الأرسطي كما شرحه ابن رشد قد يصل إلى نتائج لا تنسجم دائما مع التأويلات العقائدية الرسمية. هنا ابتدأ التوتر بين “ما يقتضيه البرهان” و”ما تقرره العقيدة”. وليس المقصود بذلك أن الرشديين اللاتينيين كانوا ملاحدة بالمعنى الشائع وإنما كانوا يدافعون عن حق الفلسفة في أن تسلك مقتضى مقدماتها حتى النهاية ولو أدى ذلك إلى تمييز بين ما يصح فلسفيا وما يعتنق إيمانيا. وقد نُسب إلى بعضهم ما صار يعرف لاحقا ولو على نحو تبسيطي بنظرية “الحقيقتين” مع أن هذا التعبير في صورته المدرسية المشهورة أكثر التباسا مما يتداوله الخطاب الشائع.

إن ربط الرشدية بنظرية “الحقيقتين” على وجه القطع يحتاج إلى حذر شديد. فابن رشد نفسه لم يقل بتعدد الحقيقة وإنما قرر وحدة الحق واختلاف طرق إدراكه. أما بعض الرشديين اللاتينيين فقد وجدوا أنفسهم داخل نظام جامعي كنسي يفرض عليهم التمييز بين ما يثبت فلسفيا وما يلتزم دينيا فظهرت صيغ لغوية من قبيل: “هذا صحيح بحسب الفلسفة” أو “هذا صحيح بحسب الإيمان”. هذه الصياغات لم تكن دائما إعلان انفصام أنطولوجي بين حقيقتين، بل كانت أحيانا مجرد تقنية مدرسية لإدارة التوتر بين مجالين. غير أن اللاهوت الكنسي قرأها قراءة تهديدية لأنها تفتح الباب أمام استقلال العقل الطبيعي استقلالا قد يتحول إلى سلطة موازية. وهنا نفهم لماذا لم تكن مقاومة الرشدية مجرد اعتراض على مسألة جزئية وإنما كانت دفاعا عن البنية الهرمية للمعرفة في المسيحية الوسيطة.

لقد كان توما الأكويني المثال الأبرز لهذا الرد العميق، حيث لم يواجه الرشدية من موقع الجهل بها بل من موقع الوعي الدقيق بخطورتها وبقيمتها في آن. كان يعرف أن ابن رشد هو أبرع شارح لأرسطو في زمانه، وكان يدرك أن مناقشته تقتضي امتلاك آلة فلسفية صارمة لا مجرد تنديد وعظي. لذلك جاءت نصوصه المضادة لبعض الأطروحات الرشدية نصوصا فلسفية من الطراز الأول خصوصا في مسألة وحدة العقل المفارق وعلاقة النفس بالبدن. لقد كان دفاع الأكويني عن فردية النفس العاقلة دفاعا عن أساس المساءلة الأخلاقية والخلاص المسيحي وكان رفضه لوحدة العقل رفضا لما يراه تهديدا لمعنى الشخص نفسه. غير أن هذا الرفض لا يلغي حقيقة أخرى أكثر عمقا، أن الأكويني في كثير من مباحثه كان يتحاور مع ابن رشد أكثر مما يتحاور مع أي شارح آخر، وأن بناء التوماوية المدرسية لم يكن ممكنا بالصورة التي عرفناها لولا المرور الصارم عبر الامتحان الرشدي.

إن الرشدية انتصرت حتى في مواضع هزيمتها الظاهرة، فقد أدت الإدانة الكنسية لبعض الأطروحات المنسوبة إلى الرشديين في سنتي 1270 و1277 إلى محاولة الحد من تغول العقل الأرسطي كما تمثله بعض القراءات، لكنها في الآن ذاته دفعت الفكر المسيحي إلى مزيد من التحديد المفهومي وإلى مزيد من صقل التمييز بين الفلسفة واللاهوت وإلى مزيد من الانتباه إلى استقلال بعض المجالات المعرفية، أي إن قمع الرشدية لم يؤد إلى إعدام أثرها وإنما أدى إلى تعميقه بطريقة جدلية. فالفكرة الممنوعة كثيرا ما تواصل عملها في باطن النسق الذي حاول طردها وقد يكون تأثيرها الأبعد ناشئا من المقاومة التي أُقيمت ضدها أكثر مما هو ناشئ من قبولها المباشر. ثم إن الرشدية لم تتوقف عند باريس، ففي إيطاليا وخاصة في بادوفا وجدت بيئة أكثر قابلية لاستمرار بعض اتجاهاتها فاستمرت تقاليد تفسير أرسطو على نحو يحمل آثارا رشدية واضحة وأخذت بعض مسائل النفس والطبيعيات والميتافيزيقا تتطور داخل أفق يظل فيه ابن رشد حاضرا بوصفه سلطة تفسيرية لا يمكن إلغاؤها. هذا الامتداد الإيطالي يهمنا كثيرا لأنه يكشف أن الرشدية لم تكن نزوة باريسية عابرة وإنما كانت تيارا أوسع داخل الثقافة الجامعية اللاتينية. كما أن هذا الامتداد يبين أن الانتقال المتوسطي للأفكار ليس خطا مستقيما من الأندلس إلى فرنسا بل هو شبكة من المسالك: طليطلة، صقلية، جنوب إيطاليا، المراكز اليهودية، الدوائر الطبية، حلقات الترجمة، الجامعات الناشئة ومراكز النسخ والتداول.

وإذا كان الجانب اللاتيني قد استأثر غالبا بالحديث عن “الرشدية الأوروبية” فإن إغفال الوسيط اليهودي يفضي إلى بتر صورة الانتقال. فقد كانت الثقافة اليهودية الوسيطة خاصة في الأندلس وجنوب فرنسا من أهم الحواضن التي استقبلت ابن رشد ووسّطته بين العربية واللاتينية أو بين الأرسطية واللاهوت اليهودي. وكان حضور ابن ميمون وما تلاه من شروح وتأويلات جزءا من هذا المسار المعقد الذي جعل من المتوسط فضاء حوار ثلاثي لا ثنائيا فحسب، إسلامي مسيحي يهودي، وهذا التعدد في وسائط الاستقبال يؤكد أن الرشدية لم تكن ملكية حضارية مغلقة وإنما كانت حدثا عابرا للملل واللغات تَصرّف فيه الجميع بحسب حاجتهم ومقدار توترهم مع السؤال العقلي.

إن الذي يمنح الرشدية هذه القدرة الفائقة على العبور هو أنها لم تكن مجرد حزمة من الأجوبة بل كانت فنا في طرح الأسئلة. لقد علمت أوروبا الوسيطة أن النص الأرسطي يمكن أن يُقرأ قراءة نسقية صارمة وأن الفلسفة ليست خطابا أخلاقيا عاما فحسب بل بناء استدلالي متدرج. وعلمتها أيضا أن الشارح ليس ناقلا سلبيا، وإنما هو منتج للمعنى عبر تنظيم المادة وتحديد المفاهيم وتحرير موارد الخلاف. ومن هذه الزاوية فإن أثر ابن رشد لا يقاس فقط بما “أخذه” الأوروبيون من آرائه بل بما تعلموه من طريقته، فكم من فكرة رفضوها لكنهم احتفظوا بأداتها وكم من أطروحة عارضوها لكنهم ورثوا منطقها وكم من خصومة ضدها كانت في العمق اعترافا بأنها غير قابلة للتجاوز.

لقد أساء بعض المستشرقين القدامى قراءة هذه الحقيقة فحوّلوا ابن رشد إلى مجرد جسر نقل أرسطو إلى أوروبا وكأن قيمته تكمن في الوساطة وحدها. وهذه قراءة مجحفة ومضللة. فابن رشد ليس ساعي بريد فلسفي بين اليونان واللاتين وإنما هو مفكر كبير أعاد بناء الأرسطية نفسها داخل أفق إسلامي مخصوص ثم صارت هذه الأرسطية المعاد بناؤها هي التي دخلت أوروبا. الفارق هنا جوهري، فالأوروبيون لم يتلقوا أرسطو “خامّا”، بل تلقوه مفسَّرا ومؤطَّرا ومصاغا عبر عقل رشدِي شديد الانضباط. وهذا ما يفسر أن كثيرا من المعارك المدرسية في أوروبا كانت في حقيقتها معارك حول “أرسطو كما قرأه ابن رشد”، لا حول أرسطو التاريخي وحده. ومن هنا كان اسم “أفيرّويس” في المخيال المدرسي الأوروبي أحيانا أقرب حضورا من اسم أرسطو نفسه في بعض المسائل التفسيرية الدقيقة.

وليس بخاف على القاريء الكريم أن الرشدية بما حملته من دفاع عن البرهان فتحت في الوعي الأوروبي بابا عميقا لما سيغدو لاحقا مطلبا للاستقلال النسبي للعقل الطبيعي. لا يعني ذلك أن ابن رشد هو مؤسس الحداثة الأوروبية على النحو الدعائي الذي يردده بعض الخطاب الثقافي السطحي، فهذا من التبسيط الذي لا يليق بتاريخ الأفكار لكن يعني أن الرشدية أسهمت بعمق في تكوين الشروط البعيدة التي جعلت من الممكن أن يتمايز النظر الفلسفي عن الاحتكار اللاهوتي الصارم. والفرق كبير بين القولين، فالتاريخ لا يشتغل بخطوط سببية قصيرة بل بسلاسل طويلة من التحولات والتراكمات. والرشدية واحدة من تلك الحلقات التي لا يكتمل فهم السلسلة من غيرها.

وقد أدرك بعض المفكرين العرب المحدثين هذه الحقيقة فأعادوا استدعاء ابن رشد لا بوصفه مجرد تراث محفوظ بل بوصفه رهانا معاصرا. فمحمد عابد الجابري على سبيل المثال، لم يكن يرى في ابن رشد مجرد شارح لأرسطو وإنما كان يراه ذروة في تشكل “العقلانية المغربية الأندلسية” بما تمثله من نزوع برهاني يختلف عن كثير من البنى العرفانية والبيانية التي سادت في لحظات أخرى من تاريخ الثقافة العربية الإسلامية. وفي هذا الاستدعاء المعاصر ما يبين أن الرشدية لم تمت وأنها كلما ضاق أفق العقل في زمان ما عادت بوصفها وعدا مؤجلا أو مرآة نقدية أو إمكانا غير مستنفد.

غير أن الإنصاف يقتضي أيضا ألا نجعل من ابن رشد أيقونة معصومة. فالرشدية نفسها تحمل توتراتها وحدودها، فتصوره للتمييز بين مراتب الناس في تلقي الحقيقة وإن كان مفهوما في سياقه يطرح أسئلة حديثة حول ديمقراطية المعرفة. وحرصه على صيانة البرهان من التداول الشعبي قد يفضي إذا أسيء استعماله إلى نوع من الأرستقراطية العقلية. كما أن وفاءه الشديد لأرسطو قد يجعل بعض جوانب مشروعه أسيرة لأفق كوني قديم لا يسمح دائما بتجاوزات جذرية كتلك التي ستعرفها العلوم الحديثة. غير أن هذه الملاحظات لا تنقص من قيمته التاريخية بل تعيد وضعه في مقامه الحقيقي، مفكر عظيم داخل زمنه، صانع لتحول عميق، لا نبيّ للعقل خارج التاريخ.

وإذا عدنا إلى عنوان هذا المقال أي “الرشدية في الفضاء المتوسطي”، أدركنا أن القضية لا تتعلق بابن رشد وحده بل بالمجال الحضاري الذي جعل من عبور الأفكار ممكنا. فالمتوسط هنا ليس جغرافيا فحسب بل بنية تداول وساحة ترجمة وفضاء جدل وممر نصوص ومنطقة تفاعل بين لغات كبرى: العربية، اللاتينية، العبرية، ثم اللغات الرومانسية الناشئة. وفي هذا الفضاء تشكلت واحدة من أعقد قصص انتقال الأفكار في التاريخ. انتقلت نصوص أرسطو إلى العرب، ثم عاد أرسطو إلى أوروبا عبر شروح المسلمين واليهود، فصار “الآخر” شرطا في فهم “الأصل” وصار التوسط الثقافي أعمق من أن يختزل في علاقة أخذ وعطاء بسيطة. والرشدية هي المثال الأوضح على هذا التعالق، عقل أندلسي يشرح يونانيا، يترجمه لاتيني، يخاصمه لاهوتي، يستثمره جامعي ويعيد تأويله يهودي، ثم تستحضره حداثة عربية متأخرة بحثا عن مشروعية العقل.

هذه السلسلة كلها تعلمنا درسا بالغ الأهمية، الأفكار الكبرى لا تنتمي نهائيا إلى موطن واحد. إنها تولد في بيئة ثم تختبر مصيرها في بيئات أخرى وقد تتجدد خارج موطنها أكثر مما تتجدد داخله وهذا ما وقع للرشدية. ففي الوقت الذي تعرض فيه ابن رشد في بعض مراحل حياته للمحنة والنفي والتضييق، كانت نصوصه تشق طريقها نحو حياة أوروبية أخرى ستجعل منه بعد عقود سلطة فكرية مهيبة في قاعات لم يرها قط. يا لها من مفارقة حضارية قاسية وعميقة في آن: أن يُضيق على العقل في بيته الأول ثم يُستدعى في بيت آخر ليصير معلما ولو مؤقتا للعقل نفسه. ولعل هذه المفارقة هي التي منحت الرشدية بعدا رمزيا يتجاوز حدود التاريخ المدرسي. فقد غدت تمثل في المخيال العربي الحديث صورة “العقل المطرود” الذي يجد اعترافه في الخارج وصورة “التراث المؤجل” الذي لا نستعيده إلا بعد أن يمر في مرآة الآخر. وهذه القراءة وإن كانت مشحونة بشيء من الدراما الثقافية فهي تحمل جانبا من الحقيقة. فابن رشد لم يُقرأ عربيا حديثا بالقدر الذي قرئ به أوروبيا في بعض المراحل وإعادة اكتشافه في الثقافة العربية المعاصرة لم تكن بريئة من سؤال النهضة وسؤال العقل وسؤال الخروج من مأزق الانغلاق. ولهذا فإن كل كتابة جادة عن الرشدية اليوم لا يجوز أن تبقى أسيرة الوصف التاريخي بل ينبغي أن تستبطن هذا السؤال: ماذا بقي من الرشدية فينا؟ وأي معنى يبقى لعبارة “الحق لا يضاد الحق” داخل عالم عربي وإسلامي ما يزال يعاني في كثير من مستوياته ومن سوء إدارة العلاقة بين النص والعقل وبين الفقه والمعرفة وبين المقدس والبرهان؟.

إن الرشدية ليست مرثية لزمن ضائع ولا احتفالا ساذجا بعقلانية مجردة وإنما وعي نقدي بأن تاريخ البحر المتوسط قد شهد عبر ابن رشد واحدة من أخصب لحظات التبادل الحضاري في تاريخ الإنسانية. لقد علمتنا هذه اللحظة أن الفلسفة لا تزدهر داخل الأسوار المغلقة وأن النصوص العظيمة تعيش بالترجمة بقدر ما تعيش بالتأليف وأن الخصومات الكبرى قد تكون أحيانا أكثر إنتاجا من الوفاقات الكسولة وأن العقل إذا صيغ بصرامة وأخلاق علمية قادر على عبور اللغات والأديان والحدود. لقد خرج ابن رشد من الأندلس ولم يخرج منها في الوقت نفسه، خرج نصه وسافر وتأول وتنازع عليه المختلفون وبقيت روحه البرهانية شاهدة على أن الحضارات لا تتفوق بما تملكه من يقينيات جاهزة بل بما تسمح به من أسئلة صعبة. وتكاد تكون الرشدية أكثر من فصل في تاريخ الفلسفة الوسيطة، إنها عنوان على قابلية الفكر العربي الإسلامي لأن يكون فاعلا لا منفعلا، مؤسسا لا ناقلا فقط، قادرا على أن يصوغ من داخل لغته وأفقه الديني مشروعا عقليا يفرض نفسه حتى على خصومه. وهي أيضا تذكير صارم بأن العلاقة بين الأندلس وأوروبا لم تكن علاقة حرب وحدها ولا علاقة حدود سياسية وعسكرية فحسب وإنما كانت كذلك علاقة تداول مفاهيم وتنازع تأويلات وتناقل مناهج وتاريخا عميقا من المثاقفة المركبة التي لا يفهم المتوسط من دونها. فكل قراءة تختزل هذا البحر في جغرافيا القوة وتنسى جغرافيا الفكر قراءة عمياء بنصف الحقيقة.

إن الرشدية في الفضاء المتوسطي ليست ماضيا منتهيا نؤرخه ببرودة وإنما هي سؤال حاضر بامتياز. سؤال عن شروط انتقال الأفكار وعن مصير العقل داخل المجتمعات الدينية وعن الترجمة بوصفها خلقا جديدا للنص وعن الحدود الدقيقة بين الوفاء للتراث والقدرة على تجاوزه وعن إمكان بناء كونية فلسفية من داخل الخصوصيات الحضارية لا ضدها. وابن رشد في هذا كله ليس مجرد اسم كبير من أسماء التراث وإنما هو شاهد على أن البحر المتوسط أنجب في بعض لحظاته النادرة عقولا استطاعت أن تجعل من الاختلاف طريقا إلى مزيد من العمق لا ذريعة إلى مزيد من الانغلاق.

فإذا كان التاريخ قد منح أوروبا الوسيطة نص ابن رشد لتعيد به ترتيب علاقتها بأرسطو والعقل والجامعة واللاهوت، فإن التاريخ نفسه يمنحنا اليوم إمكانا آخر، وهو أن نعيد قراءة الرشدية لا بوصفها ذخيرة رمزية للافتخار الثقافي بل بوصفها تمرينا شاقا على الانضباط البرهاني وعلى تحرير السؤال من الكسل وعلى التمييز بين قداسة المعنى وقداسة التأويلات البشرية وعلى إدراك أن الأمم لا تنهض بما تكرره من أمجاد، وإنما بما تحسن استئنافه من طاقات كامنة في تراثها. ومن هذه الزاوية وحدها يصير ابن رشد معاصرا لنا بحق لا لأننا نلوذ باسمه في كل أزمة بل لأننا نتعلم منه كيف يكون العقل وفيا للحقيقة أكثر من وفائه للضجيج وكيف يكون البرهان أشرف من العصبية وكيف يكون الحوار بين الحضارات فعلا منتجا لا شعارا مناسباتيا.

إن الرشدية لم تنتصر لأنها أجابت عن كل الأسئلة بل لأنها أبقت السؤال الفلسفي حيا في لحظة كان من السهل فيها أن يُدفن تحت ثقل السلطتين، سلطة التقليد وسلطة الخوف وذلك هو سر بقائها وسر عبورها وسر عودتها المتكررة كلما شعر العقل بأنه مهدد في حقه في النظر.

لقد برزت الرشدية في الفضاء المتوسطي كواحدة من أجمل الشواهد على أن الأفكار الكبرى لا تموت بالنفي ولا تُهزم بالإدانة ولا تتوقف عند حدود اللغة وإنما تواصل رحلتها حيث تجد عقولا مستعدة لأن تصغي إليها ولو بعد قرون.

***

د. حمزة مولخنيف

الإنسان بين الضرورة الطبيعية والاختيار الأخلاقي

تستقرّ مسألةُ المسؤولية العقلية في قلب البناء الفلسفي الذي شاده ابن رشد لأنّها تمسّ جوهرَ التصور الذي أقامه للإنسان من حيث هو موجودٌ طبيعيٌّ وعاقلٌ مكلَّفٌ وفاعلٌ أخلاقيٌّ وعضوٌ في المدينة وخاضعٌ لنظامٍ كونيٍّ محكمٍ لا يترك مجالا للفوضى ولا يسلِّمُ في الآن نفسه بسقوط الفعل الإنساني في قبضة الجبر الماحق. وكما هو معلوم أنّ مساءلة الإنسان عند ابن رشد لا تنصرف إلى كونه ذاتا حرةً بالمعنى المتأخر الذي كرّسته فلسفات الإرادة الحديثة ولا إلى اعتباره آلةً مندفعةً تحت سلطان العلل دون نصيب من التمييز بل تنصرف إلى فهم منزلته الدقيقة بين قانون الطبيعة ومقتضى الفضيلة بين سلطان الأسباب ومجال التروّي وبين ما يَرِدُ عليه من الخارج وما يصدر عنه بعد نظرٍ وتقدير.

ولذلك تكتسب هذه القضية وزنا استثنائيا داخل النسق الرشدي لأنّها تكشف عن إحدى أكثر نقاطه إحكاما وتعقيدا، كيف يُعقَلُ ثبوتُ التكليف من غير تعطيلٍ للسببية؟ وكيف يُفهَمُ استحقاقُ المدح والذم من غير إفسادٍ للنظام الطبيعي؟ وكيف يُصانُ المعنى الأخلاقي للفعل من غير السقوط في أوهام الحرية المطلقة أو ذرائع الحتمية العمياء؟ تلك أسئلةٌ لا تقف عند حدود الجدل الكلامي حول الجبر والكسب والاستطاعة، بل تنفذ إلى البنية العميقة التي تنتظم تصوّر ابن رشد للعقل والخلق والشريعة والسياسة معا. فالرجل لا يفكّر في الفعل الإنساني من زاويةٍ لاهوتيةٍ مجرّدة ولا من أفقٍ نفسيٍّ معزول، بل يربطه بشبكةٍ واسعةٍ من المحددات، بطبائع النفس ومراتب الإدراك وأثر العادة وقوة الملكة ووظيفة التربية وسلطة القانون ومقاصد الشرع وتفاوت العقول في تلقي الحقائق والتجاوب مع مقتضياتها.

وعلى هذا الأساس تعتبر المسؤولية عند ابن رشد مفهوما مركبا لا ينعقد على مجرد إمكان الفعل بل على أهلية التمييز وسلامة التقدير ومقدار ما يبلغه الإنسان من القدرة على تدبير قواه وردّ شهواته إلى الاعتدال. فالإنسان لا يُسأل عنده لأنه يتحرك فقط بل لأنه قادرٌ على أن يُحسنَ توجيهَ حركته ولا يُؤاخذ لأنه يشتهي أو يغضب أو يتأثر بل لأنه مدعوٌّ إلى أن يجعل من العقل سلطانا ناظما لهذه القوى لا شاهدا عاجزا عليها. ومن هنا كانت الأخلاق في أفقه امتدادا طبيعيا للأنطولوجيا وكان التكليف الشرعي ترجمةً عمليةً لما تقتضيه الفطرة العاقلة وكان التشريع نفسُه جزءا من مشروع تكميل الإنسان لا مجرد نظام زجريٍّ خارجيٍّ مفروض.

إنّ قراءة المسؤولية العقلية عند ابن رشد تفتح بابا واسعا لفهم مذهبه برمّته؛ لأنّها تجمع بين ما قد يبدو متباعدا في الظاهر بين دفاعه الصارم عن السببية ضدّ المتكلمين وتمسّكه الصريح بمعنى التكليف؛ بين وفائه العميق لأرسطو وحسن إدراجه للمباحث الفقهية والكلامية ضمن أفقٍ برهانيٍّ أشمل؛ بين إقراره بتفاوت الناس في الاستعداد والمرتبة وإصراره على بقاء الإنسان محلاًّ للتهذيب والتقويم والمساءلة. وبذلك تنكشف الرشدية لا بوصفها تكرارا لميراث يونانيٍّ منقول بل بوصفها جهدا فلسفيا أصيلا سعى إلى تشييد صورةٍ متوازنةٍ للإنسان، صورةُ الكائن الذي لا يملك أن يخرج من العالم غير أنّه يملك أن يسمو داخل العالم؛ ولا يملك أن ينسخ طبعه الأوّل غير أنّه يملك أن يُهذّبَه؛ ولا يملك أن يتحرر من كل ضرورة غير أنّه يملك أن يجعل من العقل أداةً لتحويل الضرورة من قيدٍ أعمى إلى شرطٍ من شروط الفضيلة.

وتفترض هذه المقالةُ نفسها بوصفها مساءلةً فلسفيةً لموضع الإنسان بين ما يحدّه وما يرفعه، بين ما يُكرهُه وما يُلزمه، بين ما يرثه من الطبيعة وما يصنعه في ذاته عبر التروي والاعتياد والمجاهدة. فالمسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست قضيةً جزئيةً في باب الأخلاق، بل هي مفتاحٌ لقراءة تصوره للإنسان كلّه، ذلك الكائن الذي لا يستحق كرامته إلا بقدر ما ينجح في أن يجعل من العقل ميزانا للفعل ومن الفضيلة صورةً للحياة ومن الشريعة أفقا لتكميل ما أودع الله فيه من قابلية النظر والعمل.

ليس من اليسير أن يُقارب الباحثُ مسألةَ المسؤولية العقلية عند ابن رشد من داخل جهازه المفهومي من غير أن يقع في أحد مأزقين متقابلين: مأزق القراءة الكلامية التي تُقحم الرجل في معارك المتكلمين حول الجبر والاختيار إقحاما يُفسد انتظام مشروعه الفلسفي، ومأزق القراءة الحداثية المتعجلة التي تستنطق نصوصه بمنطق الحرية الذاتية الحديثة كما تشكلت في فلسفات الإرادة والوعي والضمير. ذلك أن ابن رشد لا يفكر في الإنسان باعتباره ذاتا منغلقة على نفسها مستقلة عن العالم منشئة لمعناها من داخل قرارها الباطني، وإنما يفكر فيه باعتباره كائنا طبيعيا مدنيا عاقلا مندرجا في نظام الكون محكوما بشروط المادة والحركة والعادة والملكة ومفتوحا في الآن نفسه على أفق التكميل العقلي والتهذيب الخلقي والتشريع العملي. إن السؤال عن المسؤولية عنده لا يمكن أن يُطرح إلا داخل هذا التوتر الدقيق بين انخراط الإنسان في السببية الكونية وبين تميزه بالفعل العقلي الذي يجعله قابلا للتكليف وقادرا على الترجيح ومستحقا للمدح والذم.

إن ابن رشد وهو الشارح الأكبر لأرسطو في الحضارة الإسلامية لم يورثنا رسالة مستقلة بعنوان المسؤولية أو الحرية أو الاختيار كما فعل بعض المتكلمين في مصنفاتهم الخاصة بالكسب والقدرة والاستطاعة. غير أن هذا لا يعني أن المسألة غائبة عن فكره بل هي مبثوثة في مواضع كثيرة من شروحه لأرسطو وفي كتبه الكلامية والفقهية وبخاصة في تهافت التهافت وفصل المقال والكشف عن مناهج الأدلة وشرحه لكتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس، بل وفي طريقته العامة في فهم العلاقة بين الشريعة والحكمة. ذلك أن المسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست مجرد قضية جزئية في باب الأفعال الإنسانية وإنما هي أثر مباشر لتصوره للإنسان وللعقل وللنظام الطبيعي وللقانون الأخلاقي وللخطاب الشرعي. وإذا كان بعض المتكلمين قد انصرفوا إلى الدفاع عن عدل الله عبر بناء نظريات في خلق الأفعال أو كسبها فإن ابن رشد يتجه وجهة مغايرة، إنه ينقل النقاش من ميتافيزيقا الجدل الكلامي إلى أنطولوجيا الطبيعة وإتيقا الفعل وسياسة المدينة، فيصير السؤال كيف يكون الإنسان مسؤولا ما دام جزءا من الطبيعة؟ وكيف يصح التكليف ما دام الفعل لا يقع خارج سلسلة الأسباب؟ وكيف يستقيم المدح واللوم إذا كانت الأهواء والطبائع والملكات تؤثر في السلوك؟ وكيف يمكن للتشريع أن يكون عادلا ما لم يفترض في الإنسان قدرا من الإدراك والاختيار؟.

وتكتسب قضية المسؤولية العقلية عند ابن رشد قيمتها الفلسفية الكبرى لأنها تكشف عن عبقرية ذلك المسلك الذي لا يُسقط الضرورة الطبيعية باسم حرية متوهمة ولا يُبطل الاختيار الأخلاقي باسم حتمية عمياء بل يشتغل على تركيب معقد يجعل الإنسان واقعا تحت سلطان الطبيعة من جهة، وقابلا للارتقاء بالعقل والتربية والتشريع من جهة أخرى. إن هذا التركيب هو الذي يمنح الفلسفة الرشدية راهنيتها لأنه يضعنا أمام نموذج تفكير يرفض الثنائية الساذجة بين الجبر والاختيار ويبحث بدل ذلك عن شروط المسؤولية الواقعية الممكنة داخل عالم منظم بالأسباب.

لقد كان أرسطو يرى في الأخلاق النيقوماخية أن موضوع الثناء واللوم إنما هي الأفعال الإرادية، أما ما يقع بالإكراه أو الجهل المحض فليس محلا للمؤاخذة على الوجه نفسه. وقد سبق أن ميز بين ما هو بإرادة وما هو بغير إرادة، ثم ردّ الفضيلة والرذيلة إلى العادة والاعتياد والاختيار المتكرر حتى صار الإنسان في نظره صانعا لملكات نفسه من حيث هو فاعل لأفعاله المتكررة. هذه الأرضية الأرسطية هي المفتاح الأول لفهم ابن رشد لأن الرجل لا يتبنى منطق الإرادة المنفصلة عن العقل كما ستتبلور لاحقا عند بعض اللاهوتيين بل يربط الفعل الإنساني بملكة عقلية عملية تجعل الاختيار ثمرة مداولة وترجيح لا مجرد اندفاع نفسي. ولذلك كان شرحه للأخلاق الأرسطية مجالا خصبا لفهم تصوره للمسؤولية. فالفعل عنده لا يكون إنسانيا بالمعنى الدقيق إلا إذا صدر عن مبدأ داخلي مع علم بالغايات والوسائل، وإذا كان الفاعل قد أمكنه أن يختار بين الممكنات بحسب ما يظهر له أنه خير. وهنا تتأسس المسؤولية لا على مجرد القدرة الفيزيائية على الفعل بل على قابلية العقل العملي لتقدير ما ينبغي فعله. غير أن هذا الأساس لا ينفصل عند ابن رشد عن بنية كونية صارمة. فالكون عنده ليس مجالا للفوضى بل هو انتظام علّي محكم. وقد كان شديد النقد للمتكلمين الذين توسعوا في نفي السببية الطبيعية بدعوى حفظ قدرة الله المطلقة. ففي تهافت التهافت يقرر بما لا يدع مجالا للبس أن إنكار الارتباط بين الأسباب والمسببات يؤدي إلى إبطال العلم نفسه لأن العلم إنما يقوم على معرفة العلل، وإذا رُفع هذا الارتباط لم يعد ثمة موضوع حقيقي للمعرفة. ومعنى ذلك أن الإنسان لا يتحرك في فراغ وجودي بل في عالم تُحدِّد فيه الطبائعُ والأمزجةُ والظروفُ والأسبابُ الخارجيةُ كثيرا من إمكانات الفعل. وهذا الإدراك الرشدي للضرورة الطبيعية ليس عرضا هامشيا بل هو شرط أولي لأي فهم واقعي للمسؤولية؛ إذ لا مسؤولية تُفهم خارج معرفة ما يحد الفعل وما يوجهه وما يؤثر فيه.

وهنا يظهر الفرق العميق بين ابن رشد وبين كثير من معالجات المتكلمين. فالمتكلمون كانوا يتساءلون هل الله خالق أفعال العباد أم العباد خالقوها؟ هل للعبد قدرة مؤثرة أم لا؟ هل الاستطاعة قبل الفعل أم معه؟ وهذه أسئلة تنتمي إلى أفق جدلي لاهوتي يبتغي في الغالب تنزيه الباري أو حفظ العدل الإلهي. أما ابن رشد فيسأل من موقع آخر ما طبيعة الفعل الإنساني؟ كيف يتكون الاختيار؟ ما دور العقل العملي والملكة والعادة والتربية؟ ما موقع الانفعال والشهوة والغضب؟ كيف تُبنى الفضيلة؟ متى يكون اللوم معقولا؟ وهذا التحول في موضع السؤال هو نفسه تحول في معنى المسؤولية. فهي عنده ليست لغزا ميتافيزيقيا حول من يخلق الفعل بل هي وصف معياري للفعل الإنساني من حيث نسبته إلى فاعل قادر على التمييز والتروي والاعتياد.

ولئن كان ابن رشد قد انتقد الأشاعرة في بعض تصوراتهم للسببية فإن نقده لا يعني تبنيه لمذهب فلسفي يلغي الحرية الإنسانية بل إن العكس هو الصحيح، إنه يرفض إنكار الأسباب لأن ذلك يهدم إمكان المحاسبة والتدبير والتعليم. فإذا لم تكن هناك طبائع ثابتة ولا روابط معتبرة بين المقدمات والنتائج فكيف نُربي؟ وكيف نُشرّع؟ وكيف نُقوّم الأفعال؟ وكيف نفهم أثر العادة في تكوين الخلق؟ لقد فهم ابن رشد أن الدفاع عن السببية ليس خصومة مع الحرية بل هو الشرط الوحيد لفهم حرية منضبطة متدرجة قابلة للتكميل. فالحرية المطلقة التي لا تُحدها طبائع ولا أسباب ليست حرية إنسانية بل هي وهم لغوي. والإنسان لا يكون حرا إلا بقدر ما يعرف شروطه ويهذب ميوله ويُحسن استعمال ما أُعطي من قوة التمييز.

ينبغي في هذا السياق أن نستحضر أن ابن رشد بحكم تكوينه الفقهي والقضائي لم يكن ينظر إلى الإنسان نظرة نظرية مجردة. لقد كان قاضيا وفقيها قبل أن يكون شارحا لأرسطو، وكان يعرف أن المسؤولية في المجال العملي لا تُبنى على مثال تجريدي للفاعل بل على تمييز دقيق بين حالات العلم والجهل والعمد والخطأ والإكراه والاختيار والقدرة والعجز والقصد والغفلة. وهذه المعاني كلها حاضرة في الفقه الإسلامي لا باعتبارها مسائل لغوية بل باعتبارها معايير للحكم. لذلك فحين نقرأ ابن رشد في بداية المجتهد نجد ذلك الحس العملي العميق الذي يربط الأحكام بأوصاف الأفعال والنيات والقدرات والأعذار. صحيح أن بداية المجتهد كتاب فقهي مقارن لكنه يكشف عن عقلية رشديّة ترى أن التكليف لا ينفصل عن الطاقة وأن المؤاخذة لا تستقيم من غير تمييز بين الأحوال. وهو ما يلتقي مع الآية الكريمة: «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها»، ومع الحديث المشهور: «رفع القلم عن ثلاثة». غير أن ابن رشد لا يكتفي باستحضار هذه المعاني نقلا بل يجعلها مندرجة في تصور عقلي عام للإنسان بوصفه موجودا متفاوت الاستعدادات مختلف القابليات لا يُخاطَب خطابا واحدا من غير مراعاة لمستواه العقلي والنفسي والاجتماعي.

ونفهم هنا أيضا صلته بمسألة التأويل في فصل المقال. فالتفاوت في العقول عنده ليس مجرد وصف معرفي بل له أثر أخلاقي وسياسي وتشريعي. الناس ليسوا سواء في طرق التصديق ولا في مناهج الفهم ولا في القدرة على البرهان. منهم من يقنعه الخطاب البرهاني ومنهم من يأنس بالجدل ومنهم من لا يتجاوز مرتبة الخطابة والتمثيل. وهذا التفاوت ليس ذما للإنسان من حيث هو إنسان بل اعتراف ببنية اجتماعية معرفية تقتضي تنوع الخطاب. لكن هذا التفاوت نفسه يؤثر في مفهوم المسؤولية لأن من لا يدرك البرهان لا يُطالب بما يُطالب به البرهاني من حيث دقة النظر. ومن كان أسير الخيال أو العادة لا يُعامل معاملة من استكمل ملكة التمييز. هكذا تصبح المسؤولية عند ابن رشد متدرجة لا بمعنى إسقاط التكليف بل بمعنى أن مراتب المؤاخذة مرتبطة بمراتب الإدراك والقدرة والملكة.

وقديما قال أرسطو إن «الإنسان مبدأ أفعاله»، لكن هذا المبدأ ليس مبدأ مطلقا على مثال العلة الأولى بل مبدأ نسبي داخل شبكة من العلل. وهذا المعنى الأرسطي هو الذي يتخذه ابن رشد أساسا لفهم الفعل الإنساني. فالإنسان مبدأ فعله لأنه يحمل في نفسه قوة الشهوة والغضب والتخيل والنظر ولأنه يقدر على المداولة في الوسائل المؤدية إلى الغايات. لكنه ليس مبدأ مطلقا لأنه ليس مفصولا عن الطبيعة ولا عن المجتمع ولا عن التربية ولا عن السنن. ولذلك فإن المسؤولية عنده لا تُفهم بوصفها استقلالا ميتافيزيقيا بل بوصفها نسبة الفعل إلى فاعل عاقل داخل شروط محددة. وهذا المعنى أقرب إلى ما سيعبر عنه سبينوزا بعد قرون بصيغة مغايرة حين يقول إن الناس «يظنون أنفسهم أحرارا لأنهم يشعرون بأفعالهم ويجهلون الأسباب التي تحددهم». غير أن الفرق بين الرجلين كبير؛ لأن سبينوزا يميل إلى رد الحرية إلى فهم الضرورة نفسها بينما يظل ابن رشد متمسكا بأفق أخلاقي وتشريعي يجعل الفعل الإنساني قابلا للحكم القيمي وللتقويم العملي. ومع ذلك فإن الجمع بينهما يكشف لنا أن الوعي بالأسباب ليس نقيضا للمسؤولية بل قد يكون شرطا لتعميقها.

إن الإنسان عند ابن رشد ليس جوهرا بسيطا، إنه بنية مركبة: جسم ونفس، حس وتخيل، شهوة وغضب، عقل نظري وعقل عملي، عادة وملكة. وهذه التركيبية هي التي تجعل الفعل الأخلاقي معقدا. فالذي يختار ليس العقل وحده في عزلة بل الإنسان كله بما فيه من نزوعات ومقاومات وذكريات وعوائد وتصورات. ولذلك فإن ابن رشد على خطى أرسطو يجعل تهذيب الأخلاق قائما على صناعة العادة الصالحة قبل أن يكون مجرد تلقين نظري للمبادئ. الفضيلة ليست معرفة مجردة بل ملكة راسخة تتكون من التكرار وتُقوَّم بالتربية وتُصان بالقانون. وهذا المعنى بالغ الأهمية في موضوعنا لأنه يدل على أن المسؤولية لا تبدأ عند لحظة القرار فحسب بل تتكون قبل ذلك في مسار طويل من بناء الذات. فمن اعتاد الظلم حتى صار له خلقا ليس معذورا لمجرد أن الرذيلة استحكمت فيه لأن استحكامها نفسه ثمرة أفعال سابقة قابلة للنسبة إليه. وقد قرر أرسطو هذا المعنى بوضوح حين قال إن الناس إذا صاروا ظالمين أو منحلين بسبب أفعالهم المتكررة لم يعد لهم أن يحتجوا بأنهم صاروا كذلك بالطبع. وابن رشد يلتقط هذا الجوهر الأرسطي ويُدخله في سياق إسلامي يجعل التهذيب والتشريع متساندين.

وهنا يظهر أن الضرورة الطبيعية عند ابن رشد ليست شيئا واحدا بسيطا. فهناك ضرورة تتعلق ببنية الجسد والمزاج وضرورة تتعلق بالمحيط والعادة وضرورة تتعلق بالقوانين العامة للطبيعة وضرورة تتعلق بالبنية الاجتماعية والسياسية. لكن هذه الضرورات كلها لا تُبطل إمكان التهذيب بل تجعل الحاجة إليه أشد. فالمدينة الفاضلة أو المدينة الصالحة في أفق الفكر القديم ليست مجرد تجمع للأفراد بل هي جهاز تربية وتشريع وتوزيع للوظائف وضبط للأهواء. ولذلك كان أفلاطون يرى أن العدالة في النفس والمدينة معا تتأسس على ترتيب القوى وإعطاء كل قوة موضعها، وكان أرسطو يؤكد أن المشرع هو صانع الفضائل بسن القوانين التي تعوّد الناس الخير. وابن رشد وإن لم ينسج تصورا سياسيا مستقلا في مستوى الجمهورية أو السياسة فإنه يظل وفيا لهذا المعنى، لا أخلاق من غير سياسة ولا مسؤولية من غير نظام مدني يهيئ شروطها.

ولعل من أدق المواضع التي تتجلى فيها بصيرة ابن رشد هو ربطه بين العقل العملي والاختيار. فالاختيار عنده ليس مرادفا للإرادة بمعناها المنفلت بل هو فعل يمر عبر التروي. لقد ورث من أرسطو أن الاختيار إنما يتعلق بالوسائل الممكنة المؤدية إلى غاية متصورة على أنها خير. أما الغايات العليا فترتبط بتكوين الخلق وتقدير العقل لما هو حسن في الجملة. إن الإنسان لا يختار الخير دائما اختيارا مباشرا لأن نظره قد يختل وذوقه قد يفسد وشهوته قد تغلبه وخياله قد يضلله. لكن هذا كله لا يرفع عنه المسؤولية مطلقا لأن العقل العملي لا يُختزل في لحظة حضور مجردة بل هو ملكة تُبنى وتُنمّى. فإذا أفسد المرء آلة حكمه زمنا طويلا كان مسؤولا عن فساد أحكامه اللاحقة بقدر ما كان قادرا على التدارك ولم يفعل.

ولقد أدرك الفقهاء المسلمون كل من موقعه أن مناط التكليف هو العقل، ولذلك قالوا في عباراتهم المأثورة: «لا تكليف إلا بعقل»، و«المجنون غير مكلف»، و«الخطاب الشرعي يتعلق بأفعال المكلفين». غير أن ابن رشد يمنح هذا المبدأ بعدا فلسفيا أعمق. فالعقل ليس مجرد شرط قانوني شكلي بل هو الصورة التي بها يصير الإنسان إنسانا على التمام. إن العقل هو الذي ينقل الفعل من مستوى الانفعال الطبيعي إلى مستوى الفعل المقصود. وإذا كان الحيوان يتحرك بالشهوة والخيال، فإن الإنسان يضيف إليهما التمييز والمداولة والنظر في العواقب. وقد كانت المسؤولية العقلية عند ابن رشد أخص من مجرد المسؤولية القانونية لأنها تتعلق بكون الإنسان محكوما بأن يرقى إلى ما يقتضيه نوعه. وهذا المعنى يذكرنا بما قاله الفارابي في تحصيل السعادة من أن كمال الإنسان إنما هو في أن يصير عقلا بالفعل ويذكرنا كذلك بما سيقرره كانط لاحقا وإن في أفق مغاير حين يجعل الاستقلال العقلي شرط الكرامة الأخلاقية. غير أن الفرق واضح، فكانط يؤسس المسؤولية على الإرادة العاقلة التي تشرع لنفسها، أما ابن رشد فيؤسسها على عقل عملي مندرج في نظام طبيعي ومدينة وشريعة.

ومن المسائل التي لا بد من إبرازها أن ابن رشد لا يفهم الشريعة بوصفها خصما للفلسفة بل بوصفها نظاما عمليا لتكميل الإنسان بحسب طاقته. وهذا ينعكس مباشرة على مفهوم المسؤولية. فالتكليف الشرعي عنده ليس اعتباطا ولا امتحانا منفصلا عن طبيعة الإنسان بل هو موافق لما تقتضيه الفطرة العقلية من طلب الخير ودفع الشر. وإذا كانت الشريعة تأمر وتنهى وتعد وتتوعد فلأنها تخاطب كائنا قابلا للتأثر بالموعظة وبالعقوبة وبالرجاء لا مجرد عقل محض. وهذا الاعتبار التربوي في الخطاب الشرعي يؤكد أن المسؤولية ليست فكرة نظرية صرفة بل هي بنية تربوية تستند إلى معرفة دقيقة بالنفس الإنسانية. وقد قال الغزالي رغم خصومته المعروفة مع الفلاسفة في مسائل أخرى كلاما له صلة بموضوعنا حين قرر أن العلم إذا لم يقترن بالعمل كان حجة على صاحبه. فالمعرفة تُحمّل صاحبها تبعة زائدة. وهذا المعنى لا يبعد عن الروح الرشدية، فكلما اتسع أفق الإدراك اشتدت المؤاخذة لأن الحجة تكون قد قامت على وجه أتم.

وعند هذا الحد تبرز لنا مسألة دقيقة، هل المسؤولية عند ابن رشد متساوية بين الناس؟ الجواب: لا، إذا فهمنا المساواة بمعنى التماثل التام في مقدار التبعة. نعم، من حيث الأصل العام الناس مخاطبون، لكن من حيث التفصيل تتفاوت مراتبهم بحسب العقل والملكة والقدرة والعلم والاعتياد والمقام. وهذه الفكرة ليست تمييزا تعسفيا بل هي عين العدل في التصور الرشدي. فالتسوية بين المختلفين ظلم كما أن التفريق بين المتماثلين ظلم. ولذلك كان الفقه الإسلامي حافلا بمراعاة الأحوال، الصبي غير البالغ ليس كالبالغ والناسي غير العامد والمكره غير المختار والجاهل في بعض المواطن غير العالم والمضطر غير المختار. غير أن ابن رشد يوسع هذا المعنى من الإطار الفقهي إلى الإطار الفلسفي فيجعل تفاوت المدارك جزءا من فهم الخطاب نفسه. فليس كل إنسان يخطئ في الاعتقاد أو العمل سواء في الذنب لأن الخطأ قد يكون وليد تقصير وقد يكون ثمرة قصور. وبين التقصير والقصور فرق جوهري في باب المسؤولية.

إن التقصير هو أن يترك الإنسان ما يقدر عليه من طلب الحق أو تهذيب النفس أو تحصيل العلم أو مقاومة الهوى. أما القصور فهو أن لا تتأتى له الآلة أصلا أو لا تكتمل له الشروط. وهذا التمييز بالغ الدقة ويصلح مفتاحا لقراءة كثير من مواقف ابن رشد. فالرجل لا يعذر من عطّل عقله وهو قادر على النظر ولا يساوي بين من غلبته شهوة عارضة بعد مجاهدة وبين من استسلم لها حتى صارت قانون نفسه. لكنه في الوقت ذاته لا يبني الأحكام على مثال طوباوي للإنسان الكامل بل يدرك أن البشر درجات وأن السياسة الشرعية والعقلية الرشيدة إنما تتعامل مع الممكن البشري لا مع المثال المفارق.

ولعل هذا ما يجعل مفهوم المسؤولية العقلية عنده مفهوما مركبا لا يُختزل في الحرية المجردة ولا في الحتمية الصماء. إنها مسؤولية تقوم على ثلاثة أركان متداخلة، إدراك عقلي يميز بين الممكنات وملكة خلقية تتكون بالاعتياد ونظام مدني شرعي يوجه السلوك ويقوّمه. فإذا اختل الإدراك ضعفت المسؤولية، وإذا فسدت الملكة تعقدت المؤاخذة من حيث هي ثمرة تاريخ شخصي، وإذا غاب النظام المدني اضطربت شروط الفعل نفسه. وبمقتضى هذا التصور، يصير الإنسان مجرد ضحية للضرورة ولا سيدا مطلقا عليها بل كائنا يفاوض شروطه ويشتغل على نفسه ويتدرج في التحرر النسبي من سلطان الهوى بقدر ما يزداد نصيبه من العقل.

إن ابن رشد يقدم لنا تصورا للمسؤولية أقرب إلى الحرية المُمكنة لا الحرية المطلقة. فالحرية عنده ليست نفيا للعلل بل حسنُ الانخراط فيها وتوجيهُها بقدر الطاقة. وهي ليست انفلاتا من الطبيعة بل تهذيبا للطبيعة الإنسانية حتى تصير الشهوة مطاوعة للعقل والغضب خادما للعدل والخيال عونا على الإدراك لا مصدرا للوهم. وهذه الرؤية تلتقي في بعض جوانبها مع ما قاله الرواقيون من أن الحرية الحقة هي موافقة العقل الكوني، لكنها تختلف عنهم لأن ابن رشد لا يذيب الفرد في قدر كوني صلد بل يترك مجالا حقيقيا للتربية والاختيار والتدرج واللوم والثناء.

ولذلك فإن أي قراءة تبسيطية لابن رشد تُصوره إما جبريا بحكم إيمانه بالسببية وإما تحرريا حداثيا بحكم دفاعه عن العقل وبالتالي فهي قراءة قاصرة. إن عبقريته تكمن في هذا التوازن العسير، أي الدفاع عن انتظام الطبيعة ضد العبث الكلامي والدفاع عن التكليف ضد الحتمية العمياء والدفاع عن العقل ضد الغوغائية والدفاع عن الشريعة ضد التأويل الفوضوي والدفاع عن التدرج في الخطاب ضد التسوية الساذجة بين العقول. وكل ذلك ينعكس في مفهومه للمسؤولية بوصفها فعلا عقلانيا أخلاقيا مشروطا لا مطلقا ولا معدوما.

ويصبح الإنسان عند ابن رشد واقفا في منزلة وسطى بين عالمين، عالم الضرورة الذي يشده إلى الأرض والجسد والعادة والمجتمع، وعالم الغاية الذي يدعوه إلى الخير والعدل والحكمة والاعتدال. وهذه المنزلة الوسطى ليست ضعفا بل هي عين إنسانيته. إذ لو كان ضرورة محضة لانتفى معنى الأخلاق، ولو كان حرية مطلقة لانقطع عن العالم وصار شبيها بإله صغير متوهم. أما وهو هذا الكائن المركب فإن كرامته تقوم في قدرته على أن يصنع من الضرورة مادةً للفضيلة ومن القيد طريقا إلى التهذيب ومن الطبيعة أفقا للتكميل لا سجنا مغلقا.

ويمكننا أن نفهم لماذا كان ابن رشد حريصا على أن يُبقي العلاقة بين الحكمة والشريعة علاقةَ توافق لا تناقض. لأن كلا منهما، على اختلاف المنهج واللسان يشتغل على الإنسان نفسه، ذلك الكائن الذي لا يُصلحه مجرد العلم ولا يكفيه مجرد الوعظ بل يحتاج إلى برهان يهديه وشريعة تهذبه وسياسة تقيمه وعادة ترسخه. إن المسؤولية العقلية ليست عنده مفهوما قانونيا باردا بل هي عنوان مشروع حضاري كامل قوامه أن يصير الإنسان أهلا لما أودع فيه من قوة النظر وقادرا على أن يحمل تبعة فعله في عالم لا يرحم الجاهل بقوانينه ولا يعذر من فرّط في إنسانيته.

إن الفعل الإنساني عند ابن رشد لا يصدر عن الإرادة كما تُفهم في صورها المتأخرة باعتبارها قوة سيادية مستقلة عن سائر قوى النفس بل يخرج من شبكة متكاملة تتآزر فيها الحواس والتخيل والشهوة والغضب والعقل العملي. إن الاختيار ليس قرارا فجائيا يهبط على النفس من فراغ وإنما هو ثمرة مداولة داخلية يتقدم فيها تصور الغاية ثم النظر في الوسائل ثم الترجيح ثم العزم. وهذا المعنى مأخوذ في جوهره من أخلاق أرسطو التي قرأها ابن رشد قراءة دقيقة حيث يكون الاختيار متعلقا بما هو ممكن للإنسان من الأفعال لا بما هو مستحيل ولا بما وقع وانقضى ولا بما لا سلطان له عليه. فالإنسان لا يختار أن يكون مولودا في هذا الزمان أو ذاك ولا يختار طبعه الأولي اختيارا مباشرا لكنه يختار كيف يتصرف فيما وُهب له من استعدادات وكيف يوجه ميوله وكيف يتعامل مع إمكاناته وحدوده، وهذا التمييز هو لبّ المسؤولية العقلية. إذ ليست المسؤولية عند ابن رشد متعلقة بكل ما يقع من الإنسان على جهة الإطلاق بل بما يصدر عنه بعد أن يمر بدرجة ما من التمثل والتمييز. ولذلك فإن العقل العملي عنده ليس مجرد ملكة نظرية تُصدر أحكاما في الخير والشر بل هو قوة تدبيرية تضبط الحركة بين الممكنات. وهو بهذا المعنى أقرب إلى ما سماه الفلاسفة المسلمون التعقل العملي الذي يربط المعرفة بالفعل ويجعل الحكمة ليست في أن يعرف المرء ما هو الخير فحسب بل في أن يقدر على حمل نفسه عليه. وقديما قال سقراط إن الفضيلة علم غير أن أرسطو صحح هذا القول حين بين أن العلم وحده لا يكفي لأن المرء قد يعرف الخير ولا يفعله لغلبة شهوة أو ضعف ملكة أو فساد عادة. وابن رشد ينحاز إلى هذا التعديل الأرسطي؛ فهو لا يردّ الرذيلة إلى الجهل المحض ولا الفضيلة إلى المعرفة المجردة بل يجعل بينهما مسافة تملؤها التربية والاعتياد والمجاهدة.

ويكتسب مفهوم الملكة مكانة مركزية في فهم المسؤولية. فالملكة عند ابن رشد على خطى أرسطو ليست فعلا عابرا بل هيئة راسخة تتكون بالتكرار حتى تصير للنفس طبيعة ثانية. والإنسان لا يُحاكم أخلاقيا على الأفعال المنفردة فحسب بل على ما تكشف عنه هذه الأفعال من تكوين داخلي رسخ فيه الخير أو الشر. فإذا كان قد تكرر منه العدل حتى صار سهلا عليه أو تكرر منه الظلم حتى صار مألوفا عنده فإن المؤاخذة أو الثناء يتجاوزان اللحظة المفردة إلى البناء الباطني الذي صنعه بيده. وهنا تظهر عبقرية التصور الرشدي، فالضرورة لا تُفهم فقط باعتبارها قانون الطبيعة الخارجية بل أيضا باعتبارها ما يصنعه الإنسان في نفسه من عادات حتى تصير قريبة من الضرورة. فالمدمن على الكذب أو المسترسل في الجور أو المستكين لشهواته قد يبدو بعد زمن كأنه مسلوب الإرادة غير أن هذه الحال ليست في أصلها قدرا منزلا بل نتيجة تراكم اختيارات سابقة أفضت إلى تضييق مجال اختياره اللاحق. وهذا هو المعنى العميق الذي يجعل الحرية عند ابن رشد لا تُفهم كمعطى جاهز بل كقوة تُبنى أو تُهدم.

لقد أدرك الفقهاء قبل الفلاسفة أن التكرار يغيّر الحكم على الأفعال من حيث الدلالة على القصد والاعتياد. فالزلة غير الإصرار، والخطأ العارض غير الإمعان، واللمم غير اتخاذ الذنب خُلقا. غير أن ابن رشد يرفع هذا الإدراك الفقهي إلى مستوى فلسفي أشمل، فيجعل الإنسان مسؤولا لا عن أفعاله المباشرة فقط بل عن صناعة نفسه عبر الأفعال. وهنا تلتقي الرشدية مع عبارة أرسطو الشهيرة التي تفيد أن الفضائل والرذائل تكون فينا من قبل ما نفعله مرارا. كما تلتقي مع ما قاله ابن مسكويه في تهذيب الأخلاق من أن النفس وإن كانت تقبل استعدادات مختلفة فإنها قابلة للرياضة والتقويم وأن الأخلاق ليست سجونا مغلقة لا تُبدّل. هذا المعنى هو الذي يردّ على كل قراءة تستسهل تعليق الرذائل على شماعة الطبع أو المزاج أو المجتمع وحده؛ فهذه كلها مؤثرات حقيقية لكن الإنسان يظل مع ذلك معنياً بقدر ما يستطيع من التهذيب والمقاومة وإعادة التشكيل.

وعند هذا الموضع يبرز السؤال الكلامي الكبير في خلفية المشروع كيف يمكن إثبات هذه المسؤولية من غير الوقوع في وهم الاستقلال المطلق للإنسان عن العناية الإلهية أو النظام الكوني؟ إن ابن رشد لا يدخل هذا السؤال من مدخل الأشاعرة ولا من مدخل المعتزلة وإن كان يقترب أحيانا من بعض مقاصد هؤلاء وأولئك من غير أن يتطابق معهم. فالأشاعرة في تشديدهم على عموم القدرة الإلهية انتهوا في كثير من صيغهم إلى نظرية الكسب التي تُبقي للعبد نسبةً ما إلى الفعل من غير أن تجعل له تأثيرا حقيقيا مستقلا. والمعتزلة في دفاعهم عن عدل الله وسّعوا من دائرة قدرة العبد حتى كاد الفعل يصير مضافا إليه إضافة أقوى. أما ابن رشد فإنه لا يجد نفسه مضطرا إلى هذا التقابل الحاد لأن تصوره للسببية الطبيعية ولتعدد مراتب العلل يسمح له بفهم الفعل الإنساني بوصفه واقعا داخل نظام عام مع بقائه منسوبا إلى فاعله الإنساني من حيث هو مبدأ قريب واعٍ. فالفاعل الإنساني ليس علة أولى لكنه علة قريبة معتبرة. وإذا أُلغيت هذه العلية القريبة بطل معنى التربية والتشريع والمدح واللوم.

ولهذا كان نقده للمذاهب التي تضعف السببية الطبيعية نقدا أخلاقيا بقدر ما هو معرفي. فإنكار العلل لا يُفسد العلم وحده بل يفسد كذلك فقه الإنسان بنفسه. فإذا لم تكن للشهوة آثار معلومة وللعادة سلطان مفهوم وللتربية أثر ثابت وللبيئة الاجتماعية تأثير معتبر فإن كل سياسة أخلاقية تصبح عبثا. وكيف يُطلب من المشرّع أن يُصلح ومن المعلم أن يُهذب ومن القاضي أن يُقدّر إذا كان الفعل ينبت من فراغ غير قابل للفهم؟ لقد كان ابن رشد أعمق من أن ينخدع بثنائية الجبر والاختيار في صيغتها المدرسية. إنه يدرك أن الإنسان محكوم بسلسلة من العلل لكن بعض هذه العلل داخل فيه ومنه وبها يكون محلا للتكليف. ولذلك فإن العذر عنده لا يتقرر لمجرد وجود سبب إذ لا فعل بلا سبب أصلا بل يتقرر بحسب نوع السبب، هل هو قاهر يسلب التمييز؟ أم هو باعث يمكن مقاومته؟ هل هو قصور أصلي؟ أم هو تقصير مكتسب؟ هل هو إكراه خارجي؟ أم هو هوى داخلي استُرسل معه حتى تغلّب؟.

هذا التمييز الدقيق بين القصور والتقصير هو من أنفذ المفاتيح لقراءة المسؤولية العقلية عند ابن رشد. فالقصور يتعلق بحدود التكوين والاستعداد والآلة. فقد يولد الإنسان ضعيف الحافظة أو بطيء الفهم أو شديد الانفعال أو محدود البيئة أو قليل المعين. وهذه كلها ليست في أصلها موضوعا للذم من حيث هي كذلك. أما التقصير فهو ترك ما أمكن فعله من تكميل النفس أو إهمال ما وجب طلبه من العلم أو الاستسلام للهوى مع القدرة على المجاهدة أو تعطيل العقل مع قيام دواعي النظر، وهنا يمكن أن نفهم سرّ التفاوت في المؤاخذة بين الناس عنده. فليس كل جاهل معذورا كما أنه ليس كل مخطئ ملوما على السواء. الجاهل الذي قصّر في التعلم ليس كالجاهل الذي حُرم الآلة أو المعلّم أو اللسان أو السبيل. والمخطئ بعد نظر واجتهاد ليس كالمخطئ عن هوى واستخفاف. ويلتقي ابن رشد هنا مع القاعدة الأصولية التي فرّق بها الفقهاء بين الخطأ والتفريط وبين الاجتهاد والتلاعب وبين العذر والدعوى.

ومن أظهر آثار هذا التصور أن التكليف الشرعي عند ابن رشد ليس خطابا واحدا مصمتا بل هو خطاب يراعي تفاوت المدارك. لقد كان شديد الوعي بأن الناس ليسوا سواء في طرق الإقناع والتصديق، ولذلك قرر في فصل المقال أن منهم البرهاني والجدلي والخطابي. وهذه ليست مجرد قسمة معرفية بل لها نتائج أخلاقية وتشريعية عميقة. فالذي أدرك البرهان ثم أعرض عنه عنادا ليس كالذي لم تتأهل له نفسه لهذا الطريق. والذي قامت عليه الحجة في مستوى رفيع من النظر ليس كالذي لا يتجاوز إدراكه التمثيل والخطابة. وهذا المعنى يجد صداه في التراث الشرعي في قولهم، الحكم على الشيء فرع عن تصوره وفي تقرير الأصوليين أن المشقة تجلب التيسير وأن التكليف بحسب الوسع. غير أن ابن رشد يضفي على هذه القواعد بعدا فلسفيا يجعلها متصلة بطبيعة العقل الإنساني لا بمجرد استثناءات عملية.

إن المسؤولية العقلية عنده ليست مساواة حسابية بين جميع الذوات بل عدالة تقديرية تراعي اختلاف الأنفس. وهذه العدالة ليست رخاوة ولا تفلتا بل هي عين الصرامة العقلية؛ لأن الصرامة الحقة لا تعني التسوية بين المختلفين بل وضع كل فعل في موضعه بحسب شروطه. ولذلك كان القضاء الرشدي من حيث روحه أقرب إلى فقه الملابسات منه إلى ميكانيكا النصوص الجامدة. وهو ما نلمحه في الحس المقاصدي الذي يسري في كثير من اختياراته الفقهية حين يعرض للخلافات ويكشف عللها ومآخذها.

ولا تكتمل صورة المسؤولية عند ابن رشد إلا إذا رُبطت بالمدينة. فالإنسان عنده كما عند أرسطو مدني بالطبع. ومعنى هذا أن أخلاقه لا تُصاغ في الفراغ بل داخل بنية اجتماعية وسياسية تحدد ما يُمدح وما يُذم وتُيسر بعض الفضائل وتُعسر بعضها وتُعين على العدل أو تُغري بالفساد. إن تحميل الفرد وحده كل تبعة الانحراف من غير نظر إلى فساد المدينة هو سذاجة أخلاقية. لكن العكس أيضا باطل، فإعفاء الفرد بدعوى فساد المجتمع إبطال لمعنى التهذيب الشخصي. والحق عند ابن رشد أن المسؤولية موزعة على مراتب، مسؤولية الفرد عن مجاهدة نفسه ومسؤولية المشرّع عن إقامة القوانين ومسؤولية المربّي عن صناعة الملكات ومسؤولية المدينة عن تهيئة شروط الخير العام. وهنا تتسع المسؤولية من بعدها الفردي إلى بعدها الحضاري. فالفساد الأخلاقي ليس دائما سقوطا ذاتيا معزولا بل قد يكون أثرا لبنية سياسية مختلة تُعلي من منطق المنفعة أو تُفسد الذوق العام أو تُضعف سلطان العلم والعدل. وهذا المعنى يفسر لماذا كان الفلاسفة القدماء يربطون بين الأخلاق والسياسة ربطا عضويا ولماذا لا يمكن قراءة ابن رشد قراءة فردانية حديثة تقطع الإنسان عن مدينته.

إن أعمق ما يميز التصور الرشدي في هذا الباب أنه لا يجعل العقل مجرد قاضٍ خارجي على الأفعال بل يجعله مبدأ لتحرير الإنسان تدريجيا من الضرورات الدنيا. فالعقل لا يُبطل الطبيعة لكنه يُهذّبها. لا يقتل الشهوة بل يردها إلى الاعتدال. لا يلغي الغضب بل يحوله إلى شجاعة وعدل. لا يمحو الخيال بل يُخضعه لمقتضى الحق. إن المسؤولية العقلية ليست عبئا قانونيا فحسب بل هي اسم لعملية ترقية الوجود الإنساني. وكلما ازداد الإنسان نصيبا من العقل ازداد تحررا من الانفعال الأعمى، وكلما ازداد تحررا اشتدت مسؤوليته. ولذلك كان العلماء والحكماء أشد تبعة من العامة وكان فساد العارف أقبح من خطأ الجاهل لأن الحجة عليه أتم ولأن ما في يده من آلة التمييز أقوى. وقد قال بعض السلف: «ليس العالم من يعلم الخير من الشر، ولكن العالم من يعلم خير الشرين وشر الخيرين». وهذه العبارة وإن خرجت من سياق حكمي إسلامي فهي تلتقي بعمق مع الروح الرشدية التي ترى أن العقل العملي ليس معرفة مجردة بالمبادئ بل فقه بالموازين وتقدير للعواقب وترجيح بين الممكنات في عالم لا يخلو من التعقيد.

إن المسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست مفهوما عابرا في هوامش مشروعه بل هي نقطة التقاء كبرى بين أنطولوجيا الطبيعة وإتيقا الفضيلة وفقه التكليف وسياسة المدينة ونظرية الخطاب. والحق أن عظمة هذا التصور تكمن في أنه يرفض المزالق التي طالما أفسدت التفكير في الإنسان، مزلق التبسيط الكلامي الذي يحصر المسألة في سؤال من يخلق الفعل ومزلق الفردانية المتأخرة التي تتوهم ذاتا شفافة لنفسها مستقلة عن كل شرط ومزلق الحتمية الصماء التي تردّ السلوك إلى أسباب مادية أو اجتماعية بحيث يذوب فيه معنى اللوم والمدح. أما ابن رشد فيشق طريقا أرسخ وأدق، الإنسان محكوم بالأسباب لكنه ليس معدوما فيها، محدود بالطبيعة لكنه ليس مسلوبا أمامها، متأثر بالعادات لكنه قادر على إعادة تشكيلها، متفاوت الاستعداد لكنه غير معفى من طلب الكمال الممكن له.

إن المسؤولية عنده ليست حدثا لحظيا يُختزل في لحظة الاختيار المعزولة بل تاريخ داخلي طويل تصنع فيه النفس ملكاتها ويشتغل فيه العقل على تهذيب القوى وتتدخل فيه التربية والقانون والخطاب الشرعي والسياسة المدنية. الإنسان لا يُحاسَب فقط لأنه فعل هذا الفعل أو ذاك بل لأنه صار ما صار إليه عبر سلسلة من الأفعال والتروكات والمجاهدات والإهمالات. إن الذنب في المنظور الرشدي ليس مجرد مخالفة بل قد يكون أحيانا فشلا في صناعة النفس. والفضيلة ليست مجرد امتثال بل هي انتصار طويل للعقل العملي على فوضى الانفعال. ولذلك فالمسؤولية العقلية ليست عقوبة فحسب بل هي في جوهرها تكريم للإنسان؛ لأنها تفترض أنه قادر على أن يسمو فوق اندفاعه الأول وأن يحوّل طبيعته من مادة خام إلى صورة أخلاقية أرقى.

وإذا أردنا أن نلتقط راهنية ابن رشد في زمننا فإنها تتجلى بأشد ما تكون في هذا الباب. لقد أصبح الإنسان المعاصر محاصرا بخطابات شتى تسعى إلى تفسير سلوكه بردّه إلى الوراثة أو البنية العصبية أو الصدمات النفسية أو ضغط السوق أو هندسة الإعلام أو سلطات المجتمع. وهذه كلها عوامل لا يجوز إنكارها كما لم يكن ابن رشد لينكر أثر الأسباب. غير أن الخطر كل الخطر أن يتحول الوعي بالأسباب إلى ذريعة لإلغاء الفاعل أو أن ينقلب تفسير الإنسان إلى تبرئة شاملة له من تبعة نفسه. هنا ينهض ابن رشد شاهدا على إمكان الجمع بين الفهم والمساءلة، بين التحليل والعقاب وبين الرأفة والعدل. نفهم الإنسان في علله لكي نحسن تقويمه لا لكي نرفع عنه كل مؤاخذة. ونراعي قصوره لكي لا نظلمه، لكننا لا نغفل تقصيره لكي لا نهدم معنى الأخلاق.

ثم إن هذا التصور يحررنا من الوهم الشائع الذي يجعل الحرية نقيضا للانضباط. فالحرية عند ابن رشد ليست أن يفعل المرء ما يشاء بل أن يبلغ من تربية قواه ما يجعله لا يشاء إلا ما يليق بالإنسان العاقل. وهذا تعريف أرفع وأصعب لأنه ينقل الحرية من مستوى الرغبة إلى مستوى الاستحقاق، ومن هوى النفس إلى نظام الفضيلة. وبهذا المعنى لا يكون العقل خصما للإنسانية كما تتوهم بعض النزعات المعاصرة بل هو شرطها الأسمى. إن الإنسان لا يصير أقل إنسانية حين يحتكم إلى العقل بل يصير أكثر وفاء لحقيقته.

ولعل هذه هي الخلاصة الكبرى التي يهبها لنا ابن رشد في موضوع المسؤولية العقلية، الإنسان ليس معذورا لمجرد أنه محدود وليس مدانا لمجرد أنه أخطأ. إنما يُنظر إليه في ضوء قدرته على النظر واستعداده للتقويم وسعيه إلى الخير ومقدار ما فرّط أو جاهد ومقدار ما قامت عليه الحجة أو غابت عنه. إنها عدالة دقيقة لا تستسهل الإدانة ولا تسترخي في التبرير. عدالة تعرف أن النفس تُبتلى بطبائعها لكنها تؤمن أيضا أن العقل خُلق ليقود لا ليشهد صامتا. إن المسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست فقط مسألة في فلسفة الأخلاق بل هي ميثاق حضاري كامل يضع الإنسان أمام نفسه، إما أن يظل أسير الضرورة الدنيا وإما أن يجعل من العقل سلما يرتقي به من الممكن الحيواني إلى الممكن الإنساني الأكرم.

***

د. حمزة مولخنيف

إن من أكثر القضايا إشكاليّة في الخطاب الإسلامي، وبخاصة في الخطاب الفقهي، هي قضيّة التعامل مع الحديث من جهتين: الأولى: هل الرسول أمر بكتابة الحديث أم لا، والثانية: ما يتعلق في كتابة وتوصيف الحديث وتبيان صحة متنه وسنده. وبناءً على هاتين المسألتين درا صراع فكري بين أهل العقل وأهل النقل كثيراً الأمر الذي أدى إلى تكفير المختلف والنيل منه فكرياً مع ظهور هذه القضية منذ الخلافة الأمويّة حتى اليوم.

قبل أن ندخل في تقويمنا لمسألة الحديث وقدسيته والإشكالات التي دارت عليه وحوله، لابد لنا أن نقف قليلاً عند قضيّة القرآن الكريم، من الناحية المنهجيّة والمعرفيّة معاً. ففي الحقيقة لا يستطيع أحد أن يتجاهل تلك الإشكالات المنهجيّة والمعرفيّة التي رافقت القرآن الكريم، وتركت تأثيرها الواضح والعميق على حياة العرب والمسلمين بشكل عام، منذ نزوله وبداية تدوينه حتى هذا التاريخ، وهي إشكالات أكثر ما تجلت في تفسير وتأويل النص القرآني وانعكاسهما على ظهور الكثير من الفرق الكلاميّة والمذهبيّة والفقهيّة، وذلك لأسباب كثيرة منها ما يتعلق بطبيعة نزول القرآن منجماً (مفرقاً) على مدى عشرين عاماً، وأن الكثير ممَنْ يعرف أسباب النزول لكل آية قد مات كما يقول "أحمد بن حنبل"، ثم بسبب الناسخ والمنسوخ، وجهل الكثيرين ممن تعاطوا مع النص القرآني في جوهر وطبيعة هاتين المسألتين وتأثيرهما على آليّة التشريع وتبريك أو منح الشرعيّة لمستجدات العصور اللاحقة، يضاف إلى ذلك طبيعة الغموض في الكثير من الآيات القرآنيّة المتشابهات منها، حيث جعلت هذه الآيات من القرآن حمال أوجه في تفسيره وتأويله. وهناك أيضاً مسألة جمع القرآن بعد وفاة الرسول الكريم وطريقة تدوينه أو حفظه في عهد الرسول، حيث كان يدون بعضه على سطوح عظام الحيوانات والجلود وفي صدور بعض الصحابة ممن سمي بكتبة الوحي، وما تركته هذه الطريقة من آثار سلبيّة على عمليّة ضبط الآيات زمانيّاً ومنهجيّاً، فكثيراً ما نجد في القرآن أول آية نزلت تأتي في سور متأخرة في متن النص القرآني مثل آية (إقرأ)، أو تكرار بعض الآيات في بعض الصور. أما قضية غياب التنقيط عند تدوين القرآن، فهي مشكلة عويصة بالنسبة لتحديد معاني ودلالات المفردات والجمل والعبارات وبالتالي الآيات القرآنيّة ذاتها، وهذا ما ساهم في خلق تفسيرات عديدة للنص القرآني، أو في قراءته. أما مسألة الصراع السياسي على السلطة ما بين الأمويين والعباسيين والعلويين فقد كان لها تأثير كبير على قراءة النص القرآني من حيث تفسيره أو تأويله خدمة لهذا الطرف أو ذاك من الأطراف المتصارعة، بدءً من الفتنة الأولى مروراً بصفين وظهور الخوارج وصولاً إلى عصر الوهابيّة وفتاواها.

إذن إن إشكالات النص القرآني التي جئنا عليها هنا، ثم عدم مقدرة من كان يعمل من رجال الدين في خدمة الصراعات السياسيّة الحاكمة على التلاعب في النص القرآني، وبخاصة عدم القدرة على إضافة أي شيء إليه بعد تدوينه وأخذه صفة التقديس كونه كلام الله، لجأوا إلى وضع الحديث على لسان الرسول لخدمة مصالح القوى المتصارعة على السلطة. (راجع في هذا الاتجاه كتاب السيوطي تاريخ الخلفاء وانظر إلى تلك الأحاديث التي وضعت لخدمة الأمويين والعباسيين والعلويين).

إن تفسيرهم مثلاً للآية الكريمة: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)، على اعتبار كل ما قاله الرسول الكريم هو كلام مقدس وبالتالي لا يختلف في مصداقيته عن مصداقيّة النص القرآني، قد فسح في المجال لهم في وضع الحديث لتحقيق ضالتهم خدمة لمواقفهم ومصالحهم التي كانت بحاجة للتبريك أو الشرعنة لتمريرها أو جعلها بحكم الواقع، وهذا ما أوصل عدد الأحاديث التي قيلت على لسان الرسول إلى أكثر من (130000) حديثاً، وهذا أيضاً ما أدخل مسألة الحديث وحتى الإجماع في حقل الإشكالات المنهجيّة والمعرفيّة أيضاً.

الاشكاليات المنهجيّة والمعرفيّة للحديث:

نقول إن الحديث والإجماع أصبحا من المصادر المقدسة لدى أهل السنة والجماعة، وكثيراً ما جرى حولهما الاختلاف، إن كان حول قضيّةً تحديد مفهوم الإجماع، ومن هي الجماعة التي ينطبق عليها هذا المفهوم، هل هم أهل المدينة؟، أم الصحابة؟، أم التابعون وتابعوهم حتى القرن الثالث للهجرة؟، وهل هم علماء الدين بشكل عام؟..إلخ. أما لو ركزنا في دراستنا على الحديث لوجدنا أن الأمّة الإسلامية لم تهتم بشيء بعد اهتمامها بكتاب الله عز وجل، كاهتمامها بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعيها في ذلك السعي العجيب الفذ. فانطلاقاً من كون السنة النبويّة الركن الثاني لهذا الدين العظيم، وما لذلك من آثار وخلفيات، فإن علماء المسلمين منذ السنوات الأولى لفجر الإسلام وحتى هذا التاريخ ظلت علوم السنة النبويّة شغلهم الشاغل وعملهم العلمي المتواصل. تارة يحفظون الحديث، وتارة يدونونه، وتارة يحضون الناس على تحمله، وتارة يقسمونه إلى أقسام بحسب مواضيعه أو بحسب مراتبه، وتارة يَذٌبونَ الشبهات عنه، وتارة يكشفون أمر الوضاعين فيه، وتارة يبينون القواعد العامة والأصول التي يقبل بها الحديث أو يرد... وهكذا تولدت علوم جمّة ومعارف كثيرة، حملتها صدور أولئك الرجال العلماء، وسطرتها أقلامهم النشطة، وطوتها كتبهم النفيسة.(1). ونحن عندما نقول (علوم الحديث) نعني بذلك كمّا كبيراً ضخماً من المؤلفات والمواضيع، ملأت المكتبات الإسلاميّة الكبيرة بمساحات واسعة. وبالتالي هذا ما يؤكد عندنا القدرة على القول إن بإمكاننا تفنيد أو إضعاف الكثير من المواقف المقدسة للسلفية تجاه الحديث كنص مقدس لا يمكن مسه أو التشكيك في صحته.

تعاليم وحكم الرسول في مسألة الحديث:

كانت تعاليم الرسول (ص) وحكمه، ذات طابع ديني مقدرة أو يوحى بها من قبل الله تعالى للرسول: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)....). (سورة النجم. 1-4). فالرسول الكريم وفق هذه الآيات، هو ناقل تعاليم الله سبحانه وتعالى له كي يعطيها للناس، ويبشر بها لتحقيق عالم العدالة والمساواة والمحبة بين الناس. والرسول عليه الصلاة والسلام كان يعرف دوره في هذه المسألة التبشيريّة. فهو ليس أكثر من مبشر وداع لمعرفة وممارسة تعاليم الله جل جلاله بالحكمة والموعظة الحسنة. فهو فيما يدعوا إليه بتعبير آخر. ليس من عنده وهو لا ينطق عن الهوى، وإنما وهو وحي يوحى، وقد ميز الرسول ما بين ما يقوله هو كبشر وما بين ما يوحى إليه. فهو في نهاية المطاف بشر شأنه شأن الآخرين.

تأكيد الرسول على بشريته:

هناك في الحقيقة أدلة كثيرة تؤكد لنا بشريّة الرسول. كما في قول الله عز وجل في الآية الكريمة: (قل سبحان ربي، هل كنت إلا بشراً رسولاً). الإسراء. (الآية 93). وقول الله عز وجل ايضاً: (وقل إنما أنا بشر مثلكم.). الكهف – الآية – 110).

وفي مسألة (تأبير النخيل) مثلاً، وهذه من الحوادث التاريخية المعروفة والمشهورة في حياة الرسول، حيث قال لهم عن نفسه: (إنما أنا بشر مثلكم إذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر). رواه مسلم والنسائي. وكذلك في حديث له رواه مسلم. (إني ظننت ظناً فلا تأخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل.). وهذا ما يؤكد بأن ليس كل ما يقوله الرسول هو من الوحي، وهذا القول يضع الحدود بين كلام الله وكلام الرسول. وكذلكً قول الرسول في حجة الوداع: (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً، فإنما أقضي له قطعة من نار.).(2).

إن هذه النصوص تؤكد بلا شك أن ما لله في وحيه لله، وما للرسول من قول خاص به فله. وما قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى)، فهي لما يختص بالقرآن فقط ولا يدخل فيها ما سمي بالحديث.

إن مسألة تدوين الحديث بالذات من قبل بعض الصحابة بعد وفاة الرسول الكريم، لاقت إشكالات كثيرة يأتي في مقدمتها موقف الرسول نفسه من كتابة ما يقوله هو من عنده، حيث كان يرفض أن يكتب عنه شيئاً، وبالتالي فإن مسألة كتابة الحديث هي مسألة تخالف تعاليم الرسول والخلفاء الراشدين.

أولاً موقف الرسول والخلفاء الراشدين من كتابة الحديث:

وإذا ما استشهدنا بالحديث ذاته الذي يقاتل أهل الحديث من أجل تأكيد ضرورة اعتماد أحاديث الرسول، نجد في حديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي، وأحمد والدرامي عن أبي سعيد ألخدري قال: (قال رسول الله (ص) " لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فاليمحه").

وعن أبي هريرة يقول: (خرج علينا رسول الله (ص) ونحن نكتب الأحاديث، فقال: " ما هذا الذي تكتبون ؟. قلنا أحاديث نسمعها منك. قال: كتاب غير كتاب الله ؟. أتدرون؟. ما ضل الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى). أما موقف "أبو بكر" رضي الله عنه: فقد قال: (إنكم تحدثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفون فيها. والناس بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه.).(3).

أما موقف "عمر" رضي الله عنه فقد قال: (إني كنت أريد أن اكتب السنتين، وإني ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً.).. وله قول آخر أيضاً: (أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما يعمل.).(4).

ولنا في موقف مروان بن الحكم من الأحاديث التي كانت تروى عن الرسول ضد بني أميّة وظلمهم دليل على عدم الركون إلى موقف السلفيّة في تقديس الحديث. حيث خاطب أهل المدينة قائلاً: (يا أهل المدينة إن أحق الناس أن يلزم الأمر الأول لا أنتم. لقد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق لا نعرفها ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن. فالزموا ما في مصحفكم الذي جمعكم عليه الإمام المظلوم – عثمان - رحمه الله، وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم.). (5).

وقد روي عن "الخطيب البغدادي" عن كيفية كتابة "البخاري" للحديث بناءً على قول البخاري ذاته: (رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر، فقيل له: يا أبا عبد الله بتمامه؟. فسكت). (6).

بعد هذا ماذا علينا أن نقول لمن دونوا الحديث وقد وصل عدد ما دون منه كما بينا في موقع سابق من هذه الدراسة إلى أكثر من (130) ألف حديث، لم يستطع من جمعوها أن يأخذوا منها إلا ما ورد كثقة في السند والمتن. بل حتى عمليّة دراسة الحديث والأخذ به وتدوينه كانت تدخل فيها (العلوم العقليّة). أي البحث عن مدى صحة أو خطأ هذا الحديث. وكيفيّة التحقق منه. وهذا مؤشر على أن عملية نقله أو لأخذ به من مصادره لم تكن موثوقة، عدا المتواتر والمشهور منه. إضافة إلى ذلك إن الحديث المنقول يعتبر من أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد ظنيّة والله عز وجل يقول: (إن الظن لا يغني من الحق شيئاً.). (يونس – الآية -63).. هذا إذا ما وقفنا أيضاً عند مسألة أخرى تتعلق بكتب الحديث، حيث تذكر المصادر على سبيل المثال، إن صحيحي مسلم والبخاري تعتبران من أصدق كتب الحديث، وهذا ما أكده إمام الحرمين الجويني بقوله: (إن علماء المسلمين أجمعوا على صحة ومصداقيّة ما جاء في الصحيحين وأنه: "والله لو أن شخصاً ما قال بطلاق زوجته بأن كل ما جاء في صحيحي مسلم والبخاري صح، لما طلقت زوجته.). (7). وعلى هذه القدسيّة في الصحيحين، كيف لنا أن نعتمد الحديث مصدراً مقدساً من مصادر التشريع، وقد ورد عند مسلم والبخاري وغيرهما أحاديث تشير إلى منع الرسول كتابة الحديث أو الأخذ بها كما بينا أعلاه؟؟..!!

إن متابعة هذه المسألة عند أئمّة السلفيّة ترينا أن الكثير منهم أيد ما جاء به الجويني. وقد وصلت القناعات عند الكثيرين من رجال الدين السلفيين من (أهل الحديث) إلى القطع بثبوت ما ورد في الصحيحين (مسلم والبخاري). حيث ذكر النووي في التقريب: (ذكر الشيخ ابن صلاح، أن ما رواه أحدهما مقطوع بصحته، والعلم القطعي حاصل فيه.). (8).

وقال السيوطي: (إن قول ابن صلاح هذا هو قول أهل الحديث قاطبة ومذهب السلف عامة وأكثر أهل الكلام من الأشعريّة وجماعة الشافعيّة، وأبي إسحاق الشيرازي، ومن الحنفيّة كالسرخس، ومن المالكيّة كالقاضي عبد الوهاب، ومن الحنابلة كأبي يعلى وابي الخطاب وابن الزعفراني.).(9).

لقد كان هؤلاء جميعا يقولون: (إن أخبار الآحاد تفيد حصول العلم القطعي بثبوتها بشرط واحد هو ورودها في البخاري ومسلم.). بينما الآية القرآنية تقول: (إن الظن لا يغني من الحق شيئاً.). (10).

أما موقف "أبو حنيفة" من الحديث في التشريع، فقد كان يلجأ إلى عموم القرآن دون أن يخصصه بأخبار الآحاد، كونه لا يدخل في مفهوم (السنة) إلا ما كان قطعيّاً في ثبوته. لذلك كان كثير الاستدلال بالقرآن، قليل الاعتداد بالأخبار التي كان أهل الحديث بصدد البدء في تجميعها على نحو كمي واضح. من هنا كانت دائرة المباح عنده واسعة أكثر من بقية المذاهب الفقهيّة ألأخرى، وبخاصة عند أهل الحديث، وهذا ما جعله يتعرض لحملة ضارية من منظومة أهل الحديث، إلى حد القول بتكفيره تارة وتبديعه تارة أخرى، حتى تراجع عن قناعاته في مسألة موقفه من الحديث رضوخاً لضغطهم عليه. (11).

ما هو المعتمد من الحديث؟:

يعتبر الحديث (المتواتر) والمشهور هما الأكثر مصداقيّة بالنسبة لعلماء الحديث السنة، كونهما لا يحتاجان في إثبات سندهما ومتنهما إلى مصادر بحاجة لإثبات صحتها. والمتواتر من الحديث هو ما يدل على أفعال الرسول التي كان يأتيها تطبيقاً تفصيليّاً لعموم القرآن. حيث كان "عمر بن الخطاب" يؤمن بهذا المتواتر من الحديث حيث قال: (أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما عمل.) (12). ويحدد علماء الحديث الأفعال المتواترة للنبي على ضربين هما:

الأول: تنفيذ الأوامر القرآنية.. (واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وقد فصله الرسول بقوله: (وخذو عني مناسككم.). وهذا في الحقيقة كان ثابتاً لا شك فيه.

الثاني: وهو مالم يصل من أفعال وأقوال للرسول بطريق التواتر المستفيض، وهي لا تدخل في دائرة الوحي الثابت ثبوتاً لاشك فيه.). وهنا أعطى الرسول الإباحة بما لم يرد فيه نص، حيث عبر عن هذه المسألة أحسن تعبير حين قال: (إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم عليهم، فحرم عليهم من أجل مسألته. (أخرجه البخاري ومسلم.)

وختاماً نقول في هذا الاتجاه: إن منهاج الله لا يعرف إلا بما جاء به الوحي، وهو الثابت ثبوتاً لا شك فيه. والوحي الثابت ثبوتاً لا شك فيه لا يخرج عن القرآن والمتواتر من حديث رسوله في شرحه وتفصيله. وهذا هو معنى السنة الحقيقية

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

.......................

1- يراجع مقال: علوم الحديث الشريفة- موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويت.

2-  فجر الإسلام – احمد أمين ص 234.

3- الذهبي – تذكرة الحفاظ- 1333هـ ج1 – ص3. طبعة الهند.

4- ابن عبد البر – جامع العلم وفضله- المطبعة المنيرية- ج1- ص64-65.

5-). ابن سعد – الطبقات- دار صادر بيروت- ج5- ص233

6. الخطيب البغدادي- تاريخ بغداد- ج2 – نقلاً عن السلطة في الإسلام. ص291. مرجع سابق.

7- السيوطي – تدريب الرواية في شرح تقريبالنواي- دار الكتب العلمية- بيروتط2- 1979- المجلد الأول-ص131.

8 - السيوطي – تدريب الراوي في شرح تقريب النواي- مرجع سابق ص 133.

9- السيوطي – المرجع نفسه. ص132

10- السلطة في السياسة- عبد الجواد ياسين- مصدر سابق- ص285.

11- السلطة في السياسة- عبد الجواد ياسين- مصدر سابق- ص 248.

12- ابن سعد في الطبقات. عن السلطة في الإسلام مصدر سابق. ص 240.

 

نحو نظرية في التمايز الوظيفي للمعرفة

تتجلى أهمية دراسة العلاقة بين الحكمة والشريعة في إدراك ديناميكية الفكر الإنساني وقدرته على التوفيق بين المطالب العقلية والغايات الروحية. وتشكل معرفة الإنسان للكون ونفسه وحركته في الحياة محورا أساسيا للبحث الفلسفي في حين تحدد الشريعة الإطار الأخلاقي والاجتماعي الذي يوجه هذه المعرفة نحو الكمال البشري. وينظر ابن رشد إلى هذه العلاقة باعتبارها مسارا معقدا يتداخل فيه العقل مع النصوص والتأمل مع الواجبات والفكر مع القيم. ومن خلال تحليله يظهر أن الحكمة لا تتجاوز الشريعة ولا تكتفي الشريعة بإجابات جاهزة عن الأسئلة العقلية، بل يتفاعل كل منهما مع الآخر في منظومة معرفية متكاملة.

ويقدم ابن رشد تصورا دقيقا للتمايز الوظيفي للمعرفة حيث تتوزع المهام على مستويات مختلفة من الإدراك ويُحدد لكل نوع من المعرفة مجالها، من خلال التجربة العقلية إلى التأويل الشرعي وصولاً إلى الحكمة العليا التي تجمع بين الغايات الإنسانية العليا والحقائق الكونية. وهذه المقاربة تمثل جسرا بين الفكر الديني والفلسفي إذ تؤسس لمنهجية تحليلية تمكّن من فهم كيف يمكن للعقل أن يرتقي إلى مستويات الحقيقة دون الإخلال بالثوابت الدينية وكيف يمكن للشريعة أن توجه العقل دون أن تحجمه.

تنفتح هذه الأسطر المتواضعة على آفاق واسعة لدراسة العلاقة بين المعرفة والغاية، بين الحقيقة العملية والحقيقة النظرية وبين الفهم العقلي والالتزام الروحي. إن دراسة ابن رشد تتيح رؤية متعمقة للعقل البشري وقدرته على التكيف مع المبادئ الدينية وتوضح كيفية بناء نظام معرفي متوازن يحترم الوظائف المختلفة لكل نوع من المعرفة ويؤكد على التكامل بين الحكمة والشريعة كركيزتين أساسيتين للحياة الإنسانية.

وتتخذ فلسفة ابن رشد في سياق العلاقة بين الحكمة والشريعة منحىً متميزاً يعكس رؤية عقلانية عميقة تسعى إلى تجاوز التصادم الظاهري بين ما يُعرف بالعقلاني والشرعي وبين ما يُفهم تقليديا من أن الحكمة والفلسفة منفصلتان عن الدين أو أن الشريعة تحتكر الحقيقة المطلقة وتغلق الباب أمام الاجتهاد العقلي. إن هذا الفيلسوف الأندلسي لم يكتفِ بمجرد محاولة التوفيق بينهما بل أسس إطاراً مفاهيمياً جديداً يمكن أن نسميه بـ "التماثل الوظيفي للمعرفة" حيث يضع كل حقل معرفي في سياقه ومهمته الخاصة، مستنداً إلى تفريق دقيق بين مستويات الإدراك البشري ومعايير المعرفة، وهو تفريق يحدّد متى يكون للعقل الحر دور في تفسير العالم ومتى يكون للشرع سلطة التأطير الأخلاقي والاجتماعي للوجود الإنساني.

لقد سبق لابن رشد أن أعلن في مقدمته على "تهافت التهافت" عن موقفه الواضح من التصادم المزعوم بين الفلسفة والشريعة، مصرحاً بأن العقل والشريعة ليسا في صراع حتمي بل يمكن أن يتعاونا إذا فهم كل طرف دوره وحدوده. يقول ابن رشد إن "حكمة الفلاسفة هي معرفة الأمور الطبيعية بأسبابها والشريعة معرفة ما يجب على الناس من الطاعات"، وهو بهذا البيان يؤسس لتقسيم وظيفي معرفي يمكن أن نقول عنه اليوم إنه يسبق مفاهيم التفكيك الوظيفي للمعرفة. إنه يدعو إلى إدراك أن الشريعة تسعى إلى تهذيب النفس البشرية وتنظيم حياتها العملية والأخلاقية، بينما يسعى العقل الفلسفي إلى إدراك قوانين الطبيعة وحقائق الوجود بما يفيد الإنسان في فهم العالم واستثماره. هذا التمييز ليس مجرد تعريف نظري بل قاعدة منهجية عميقة تمكن من إعادة ترتيب العلاقة بين الدين والفكر، بحيث لا يصبح أحدهما تابعاً أو معارضاً للآخر.

ولعل أهم ما يميز نظرية ابن رشد في هذا السياق هو اعترافه بأن العقل الفلسفي يمتلك استقلالية معرفية حقيقية لكنه يظل ملتزماً بالحدود التي تفرضها الشريعة على ما يتعلق بالقيم والأحكام العملية. في "تهافت التهافت" و"فصل المقال"، يوضح ابن رشد أن الفلاسفة يمكنهم الوصول إلى حقائق تتجاوز ما يُفهم عادة من نصوص الشريعة الظاهرية، ولكن هذه الحقائق لا تتعارض مع الغاية الأخلاقية والدينية للشريعة إذ أن الحقيقة العلمية لا تلغي الحقائق العملية بل تؤكدها على مستوى أعمق. هذا الطرح يجعل من ابن رشد رائد ما يمكن أن نطلق عليه "التمييز الوظيفي بين المعارف"، إذ لا يلغي الشريعة العقل ولا يجعل العقل بديلاً عن الشريعة، بل كل منهما يؤدي دوراً محدداً وواضحاً.

إن هذا التصور يعيد إلى الأذهان آراء بعض المفكرين المسلمين السابقين مثل الفارابي الذي ركز على ضرورة الجمع بين الدين والفلسفة مع الحفاظ على كل مجال ضمن وظائفه وحيث إن الفلسفة وسيلة لفهم الكون والدين وسيلة لتنشئة المجتمع على الفضائل. كما يتقاطع ابن رشد مع ما ذهب إليه أبو حامد الغزالي من حيث تأكيده على دور الشريعة في تهذيب النفس والمجتمع، ولكنه أيضا يختلف معه جذرياً في تقييم قدرة العقل على إدراك الحقائق الطبيعية والميتافيزيقية. إن ابن رشد يرفض ما يسميه "تهافت التهافت" الغزالي، أي رفض العقل والتجربة العلمية بدعوى أن الشرع يكفي لتفسير كل شيء ويعيد بناء الثقة بالعقل كأداة للوصول إلى المعرفة من دون تخطي حدود الشريعة.

ويمكن النظر إلى ابن رشد باعتباره أول من حاول تأسيس نظرية متماسكة للمعرفة متعددة الوظائف، حيث لكل نوع من المعرفة دوره الخاص: المعرفة الطبيعية تتعلق بالأسباب والعلل، والمعرفة الشرعية تتعلق بالواجبات والأخلاق، والمعرفة الفلسفية تتعلق بالقيم العليا والحكمة المطلقة. إن هذا التوزيع الوظيفي للمعرفة يفسر لماذا يصر ابن رشد على أن الفلاسفة الذين يدركون الحقائق الطبيعية بطريقة عقلية دقيقة لا يمكن أن يُتهموا بالزندقة أو الخروج عن الدين، فالإسلام في منظوره يرحب بالمعرفة التي تنير العقل وتخدم الفضيلة.

ويُمكننا أيضا أن نفهم موقف ابن رشد من مسألة "تأويل النصوص"، حيث يرى أن بعض النصوص الدينية إذا أخذت على ظاهرها دون تأويل قد تتعارض مع المعرفة العقلية، في حين أن التأويل السليم يعيد التناغم بين النص والعقل. يشير ابن رشد في "فصل المقال" إلى أن "أهل التأويل والذين يدرسون الحكمة يعلمون أن الكتاب والشرع لم يأتيا لنفي العقل أو تعطيل السعي نحو الحقيقة"، وهذا يعني أن التأويل ليس رفاهية لغوية أو فنية بل هو أداة فلسفية لضمان التوافق بين مختلف مستويات المعرفة. وهنا يتضح أن ابن رشد يضع الفلسفة في خدمة فهم أعمق للشريعة، والشريعة في خدمة توجيه الفلسفة نحو غاياتها الأخلاقية، في عملية جدلية دقيقة ومعقدة تتجاوز أي محاولات للجمود العقلي أو التطرف الديني.

لقد شكّل هذا التصور لأهمية التمايز الوظيفي للمعرفة نقطة تحول في الفكر الإسلامي لأنه يرفض الاستقطاب التقليدي بين "العقل" و"النقل"، ويؤكد على إمكانية التعايش بينهما على أساس واضح من المهام والمسؤوليات. إن ابن رشد وفق هذا المنهج يفسح المجال للفلسفة للتعمق في حقائق الطبيعة ويتيح للشريعة أن تحقق وظائفها الأخلاقية والاجتماعية دون أن يكون هناك تصادم حتمي. ولعل هذه الرؤية تذكرنا بما ذهب إليه هيجل في مفهومه عن التقدم التاريخي للروح، إذ يرى أن كل مرحلة معرفية لها وظيفتها الخاصة، وأن التطور لا يتم إلا من خلال إدراك وتوظيف كل مرحلة وفق قوانينها الداخلية.

إن هذه الرؤية تؤثر مباشرة في فهم الاجتهاد، إذ يصبح الاجتهاد أداة لتنظيم العلاقة بين النصوص والواقع وبين القيم العليا والمتغيرات الطبيعية والاجتماعية. فالفقه في منظور ابن رشد ليس مجرد تطبيق حرفي للنصوص بل هو عملية عقلية منظمة تهدف إلى تحقيق الخير والعدل وفق ما يفرضه الواقع وما تتيحه المعارف العقلية، حيث إن ابن رشد يسهم في تأسيس نظرية متقدمة في أصول الفقه تقوم على التمايز الوظيفي للمعرفة ويتكامل العقل الشرعي مع العقل الفلسفي في خدمة الهدف النهائي للحياة البشرية.

هذا النهج يجعل من ابن رشد نموذجاً فريداً في التاريخ الإسلامي لأنه يقدم رؤية شاملة لإعادة ترتيب العلاقة بين الشريعة والحكمة بحيث لا تكون كل منهما معارضة أو متفوقة على الأخرى، بل كل منهما تؤدي دورها الخاص وفق إطار وظيفي محدد. ويستفاد من هذه النظرية في معالجة كثير من التحديات المعاصرة سواء في مجال العلاقة بين الدين والعلم أو في فهم الموازنة بين القيم الأخلاقية والمعرفة العلمية، إذ يقدّم ابن رشد إطاراً يسمح بالتعامل مع التعددية المعرفية دون فقدان المعايير الأخلاقية والدينية.

ولا تفوتنا هنا الإشارة إلى أن هذه الرؤية تتطلب من الإنسان التمسك بالموضوعية والقدرة على التمييز بين مختلف مستويات المعرفة، وهو ما أكده الفلاسفة الأوروبيون لاحقاً مثل ديكارت وكانط وغيرهم، اللذين شددا على ضرورة معرفة حدود العقل ومعرفة مهامه، وهو نفس المبدأ الذي ركزه ابن رشد في سياق الشريعة والحكمة. كما أن ابن رشد يبرز هنا الفرق بين ما يمكن إدراكه عقلياً وما يُفهم من النصوص مؤكدا أن تعارض الظاهر مع العقل لا يعني بالضرورة خطأ الشريعة بل يشير إلى ضرورة التأويل والفهم العميق، وهو ما يفتح المجال لحوار مستمر بين الفكر الفلسفي والتفكير الشرعي بما يعزز من قدرة الإنسان على إدراك الحقيقة الكاملة دون التنازل عن قيمه الروحية والأخلاقية.

إن ابن رشد أسس لما يمكن أن نسميه "نظرية الوظائف المتكاملة للمعرفة"، حيث يشكل التوازن بين العقل والنقل وبين الفلسفة والشريعة قاعدة لإعادة ترتيب المعرفة الإنسانية. هذه النظرية لا تلغي التعددية المعرفية بل تؤسسها على قاعدة فلسفية وأخلاقية متينة بحيث لا يكون للعقل دور سلبي على النصوص ولا للشريعة دور معيق على العقل. إنه بذلك يعيد تعريف العلاقة بين الفلسفة والدين من خلال علاقة تصادمية محتملة إلى علاقة تكاملية حقيقية، وهي رؤية تتسم بالجرأة والعمق وتفتح آفاقاً واسعة للفكر المعاصر في فهم أدوار المعرفة المختلفة في حياة الإنسان والمجتمع.

إن تحليل ابن رشد لهذه العلاقة لا يقتصر على الجانب النظري بل يمتد إلى تطبيقات عملية في مسألة التربية والتعليم، حيث يمكنه أن يشكل قاعدة لإعادة التفكير في مناهج التعليم الديني والفلسفي ويتم بذلك تعليم الطلبة قيم الشريعة وأحكامها مع تمكينهم من التفكير النقدي والفلسفي. ومن هذا المنطلق يمكن أن نرى أن ابن رشد يسهم في تأسيس نموذج معرفي مرن يستطيع التعامل مع المستجدات العلمية والفكرية دون أن يتنازل عن الثوابت الأخلاقية والدينية وهو إنجاز فلسفي عميق يعكس فهما ناضجا لطبيعة المعرفة ودور كل حقل معرفي في بناء الإنسان والمجتمع. هذا الطرح لابن رشد وهو مقاربة إعادة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة على أساس التمايز الوظيفي، يمكن أن يشكل مرجعية للنقاشات المعاصرة حول التوفيق بين العقل والدين، بين العلم والقيم وبين المعرفة النظرية والتطبيقية. كما أنه يفتح الباب أمام مراجعة العلاقة بين النصوص والفهم العقلي ويؤكد أن التعددية المعرفية ليست تهديدا للوحدة الأخلاقية أو الدينية بل هي وسيلة لإثراء الفهم وتعميق إدراك الحقيقة.

ويتضح من خلال استعراضنا لفكر ابن رشد أن دوره في إعادة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة يتجاوز مجرد معالجة التصادم الظاهر بين العقل والنقل ويصل إلى بناء رؤية شمولية للمعرفة الإنسانية. هذا البناء يشتمل على مستويات متعددة من الإدراك تمتزج فيها الطبيعة الإنسانية مع المبادئ الإلهية بحيث يتحقق تكامل معرفي متدرّج. إن إدراك هذه البنية يتطلب فهم التدرج بين معرفة الفلاسفة ومعرفة الفقهاء دون اختزال أي منهما إلى وظيفة جزئية أو ثانوية. وإن المعرفة الفلسفية بحسب ابن رشد تركز على التعمق في معرفة الأسباب والعلل، أما المعرفة الشرعية فتسهم في ضبط السلوك وتحقيق العدالة الاجتماعية والأخلاقية، في حين تشكل الحكمة العليا المجال الذي يتقاطع فيه الفكر العقلي مع الغاية النهائية للوجود، وهو إدراك الحقيقة المطلقة.

ويمكن فهم هذه الرؤية على أنها تأسيس لمنهج عقلاني أخلاقي، حيث تتكامل المعرفة التجريبية والفكرية مع المبادئ الدينية في منظومة متماسكة. فابن رشد يعالج مسألة التعددية المعرفية بمقاربة فلسفية دقيقة تعتمد على مبدأ التمايز الوظيفي بحيث يُفهم كل نوع من المعرفة ضمن سياقه الخاص ومهمته المحددة. التأمل في كتاباته يظهر أن الفكر العقلي ليس وظيفة مستقلة عن الغاية الدينية وإنما أداة لفهم الطبيعة والكون بما يخدم الإنسان في تحقيق كماله الروحي والأخلاقي. هذه الرؤية تعكس وعيا عميقا بضرورة الفصل بين المستويات النظرية والعملية للمعرفة بما يسمح بتحقيق انسجام بين التجربة العقلية والالتزام الديني.

إن التحليل المقارن لمواقف ابن رشد والفلاسفة المسلمين السابقين يكشف عن استمرار دقيق للتقليد الفلسفي الإسلامي في إطار تصحيح مسار العلاقة بين العقل والنقل. الفارابي شدد على ضرورة استخدام الفلسفة لفهم الكون وإبراز قوانين الطبيعة، بينما ركز الغزالي على وظائف الشريعة في تنظيم الحياة الروحية والاجتماعية مع تحذيره من تجاوز العقل لحدوده. إن ابن رشد يجمع بينهما بربط كل منهما بمستواه المعرفي الخاص مع توضيح أن تجاوز العقل لحدوده لا يعني رفض الدين، وإنما يعني ضرورة التدرّج في تطبيق المعارف العقلية بما يتوافق مع الغايات الأخلاقية والشرعية. وهذه المقاربة توضح قدرة الفكر الفلسفي على بناء تصورات معرفية متسقة مع الغايات الروحية وتعيد الاعتبار للعقل ضمن إطار ديني متماسك.

في سياق هذا التأويل يظهر دور التأمل العقلي في تفسير النصوص الدينية، إذ أن ابن رشد يطرح آلية لفهم ما وراء الظاهر دون انتقاص من قدسية النص. التأويل عند ابن رشد عملية منهجية دقيقة تمكّن من الوصول إلى جوهر الشريعة من خلال الفهم العميق لمقاصد النصوص مع مراعاة ما يتيحه العقل من إمكانات إدراكية.

إن هذه العملية تمثل نقطة التقاء بين الحكمة والفلسفة الدينية بحيث يسهم التأويل في الكشف عن القواعد العامة التي تؤطر سلوك الإنسان، بينما يبقى الفهم التفصيلي للظواهر الخاضعة للطبيعة في مجال العقل الفلسفي. وينبثق من هذا التصور دور الاجتهاد في الفقه، إذ يصبح الاجتهاد وسيلة لتنظيم العلاقة بين النصوص والواقع مع التأكيد على أن الهدف النهائي هو تحقيق الخير والعدل. الاجتهاد وفق رؤية ابن رشد ليس مجرد ممارسة بل هو عملية عقلية مدروسة توازن بين المبادئ الشرعية والحقائق الطبيعية وتضمن انسجامها في إطار تكاملي. ومن هذا المنطلق تتضح إمكانية بناء منظومة فقهية فلسفية تحقق تطوراً معرفياً متوازناً يواكب التغيرات الطبيعية والاجتماعية دون التنازل عن الثوابت الروحية والأخلاقية.

وتتجلى عظمة هذا الطرح عند ملاحظة قدرة ابن رشد على إدماج الفكر الفلسفي الغربي لا سيما أفلاطون وأرسطو مع المبادئ الإسلامية. إن ابن رشد يرى في الفلسفة اليونانية أداة لتوضيح الأسباب الطبيعية والميتافيزيقية مع إعادة صياغتها ضمن إطار يتوافق مع المبادئ الشرعية. هذا الدمج الفلسفي لا يشكل محاكاة أو تقليدا أعمى وإنما تحويلا واعيا للمعرفة يضعها في خدمة فهم أعمق للوجود ويتيح إعادة ترتيب العلاقة بين الشريعة والحكمة على أساس من الوضوح المنهجي والوظيفي.

ويمكن النظر إلى أثر هذا المنهج في تطوير النظرية الأخلاقية والفكرية حيث يرى ابن رشد أن المعرفة المتعددة المستويات تمكّن الإنسان من التمييز بين ما هو واجب وما هو ممكن، بين ما يمكن إدراكه بالتجربة وما يظل مرهونا بالإيمان. هذه الثنائية المعرفية تخلق رؤية فلسفية متكاملة تشجع على التعلم المستمر وتعزز من قدرة الإنسان على التعامل مع المستجدات العلمية والفكرية دون المساس بالقيم الأساسية التي تؤطر الحياة الفردية والاجتماعية.

التأمل في هذه النظرية يظهر أيضا أنها تمثل سابقة تاريخية في الفكر الإسلامي من حيث إدراك التمايز الوظيفي للمعرفة. إن ابن رشد من خلال هذه المقاربة يضع أسسا يمكن أن تلهم الفكر المعاصر في مجالات متعددة، من التعليم إلى الفقه ومن الفلسفة إلى العلوم الطبيعية. هذه النظرية تقدم نموذجا لإعادة ترتيب الأولويات المعرفية، بحيث يمكن للعقل والفلسفة والشريعة أن تتكامل في تحقيق غايات الإنسان العليا مع احترام خصوصية كل مجال وظيفي ومعرفي.

إن مساهمة ابن رشد تمتد إلى إعادة النظر في العلاقة بين الإنسان والكون وبين المعرفة والغاية. فالعقل هنا ليس مجرد أداة تحليلية بل وسيلة لفهم النظام الكوني بما يحقق انسجاما مع المبادئ الأخلاقية والدينية. الشريعة بالمقابل تشكل سياقا يوجه الفكر والمعرفة بحيث لا ينحرف الإنسان عن قيمه الروحية والأخلاقية مما يخلق انسجاما بين مستويات الإدراك المختلفة. هذا الانسجام يعكس رؤية فلسفية متقدمة تؤكد على ضرورة التوازن بين التجربة العقلية والالتزام الديني وبين المعرفة النظرية والواجبات العملية.

الجانب الأهم في هذه النظرية هو إدراك الطبيعة الوظيفية لكل نوع من المعرفة. معرفة الطبيعة تقع ضمن اختصاص العقل الفلسفي والتجربة العلمية بينما معرفة الواجبات والأحكام تقع ضمن اختصاص الشريعة. الحكمة العليا تعمل على توجيه هذه المعارف نحو غاية كونية موحدة تتمثل في إدراك الحقيقة المطلقة وتحقيق كمال الإنسان. هذا التوزيع يعيد تعريف العلاقة بين المعارف المختلفة ويبرز إمكاناتها التكاملية، وهو ما يمكن أن يشكل نموذجا لإدارة المعرفة في السياق المعاصر، حيث تتعدد مصادر المعلومات وتتباين أهدافها.

تسمح هذه الرؤية أيضا بفهم الحوار بين الثقافات المختلفة، إذ أن الفلسفة كأداة عقلية يمكن أن تتجاوز حدود الثقافات الخاصة مع الحفاظ على المبادئ الأساسية للأخلاق والدين. ابن رشد بهذا الطرح يقدم إطارا للتعامل مع الاختلافات الفكرية والثقافية من خلال التركيز على الوظائف الجوهرية للمعرفة، وليس على الصدام الظاهري بين المدارس الفكرية المختلفة.

في ضوء هذه المقالة المتواضعة يتضح أن ابن رشد أسس نموذجا معرفيا يوازن بين العقل والنقل وبين الفلسفة والشريعة، بحيث يتحقق انسجام بين مستويات الإدراك المختلفة مع مراعاة الغايات الأخلاقية والروحية. هذا النموذج يمثل رؤية متقدمة في الفكر الإسلامي ويتيح إعادة ترتيب العلاقة بين المعرفة والدين بما يعزز من قدرة الإنسان على فهم نفسه والعالم من حوله، دون المساس بالقيم الجوهرية التي تحدد هويته الروحية والأخلاقية.

وتستند مساهمة ابن رشد في إعادة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة إلى وعي عميق بدور كل نوع من المعرفة في حياة الإنسان والمجتمع. إن تبني منهج التمايز الوظيفي للمعرفة يوفر إطارا متكاملاً يسمح للعقل الفلسفي بفهم قوانين الطبيعة والوجود وللفقه والشريعة بضبط السلوك الفردي والاجتماعي وللحكمة العليا بتوجيه هذه المعارف نحو غايات كونية أخلاقية وروحية. هذا التصور يعيد الاعتبار للتعددية المعرفية ويبرز إمكانية انسجام بين مختلف مستويات الإدراك دون أن تتعرض المبادئ الأساسية للقيم للخطر.

ويقدم هذا النموذج أيضا فرصة لإعادة التفكير في دور الفلسفة والتعليم والفقه في العصر المعاصر، حيث يمكن استخدامه كأساس لبناء برامج تعليمية ومعرفية متكاملة تربط بين التفكير العقلاني والفهم الشرعي وتؤسس لثقافة حوارية مرنة بين المعرفة العلمية والفكر الديني. كما يوفر هذا النموذج قاعدة لفهم كيفية التوفيق بين التجربة العقلية والتزامات القيم بين الحقائق الطبيعية والغايات الروحية وبما يسهم في إثراء الفهم الإنساني وتوسيع آفاق الفكر.

إن رؤية ابن رشد تمثل إرثا فلسفيا عميقا يفتح أبوابا للتفكير في العلاقة بين الدين والعقل، بين الفلسفة والشريعة وبين المعرفة النظرية والتطبيقية بطريقة تراعي التمايز الوظيفي لكل حقل معرفي وتتيح استثمار كل معرفة وفق غاياتها الخاصة. هذا الإرث يقدم قاعدة صلبة للحوار المعرفي بين الماضي والحاضر ويؤسس لإعادة ترتيب المعارف الإنسانية على أسس فلسفية وأخلاقية متينة مما يجعله مرجعا خالدا في دراسة العلاقة بين الحكمة والشريعة وبين العقل والدين وبين المعرفة والغاية في الفكر الإسلامي والعالمي.

***

د. حمزة مولخنيف

المادية التاريخية لإنتاج الأوليغارشية وفخ الريع في العراق.. دراسة في انتقال الاستبداد من الفرد إلى الطبقة ومصير «الفتات المتبقي»

المقدمة: ماديّة الاستبداد وديالكتيك التحلل

الاستهلال: «الشسمه» كصورة جدلية للنظام العراقي

- في أزقة بغداد المنهكة التي رسمها أحمد سعداوي في روايته الاستثنائية، يجمع «هادي العتّاق» أشلاء ضحايا الانفجارات؛ ساقٌ من «الكرادة»، وذراعٌ من «الصدر»، وصدرٌ من «الأعظمية»، ليخلق كائناً مُركَّباً أطلق عليه الناس اسم «الشسمه» — الذي لا اسم له. كان الهدف «إكرامَ الموتى»، لكن الكائن نهض فجأةً ليبدأ رحلةً دموية، مدّعياً أنه يثأر لأصحاب الأشلاء التي يتكوّن منها (سعداوي، أحمد، فرانكشتاين في بغداد، بيروت: دار الآداب، 2013، ص 201).

- هذا الكائن ليس مجرد شخصية روائية؛ إنه «المانيفستو» المادي للنظام العراقي بعد 2003: قامت الأوليغارشية بجمع أشلاء الدولة المحطَّمة وخياطة «المحاصصة الطائفية» بخيوط خارجية لتصنع «دكتاتوراً جماعياً» مشوَّهاً. وحشٌ يتكوّن من هويات متصارعة في الظاهر، لكنه في جوهره «جسدٌ واحد» يقتات على دماء الريع النفطي. وهذا ما يُسمّيه البحث — مستعيناً بمصطلح والتر بنيامين — «الصورة الجدلية»: تلك اللحظة التي تتكثّف فيها الحقيقة التاريخية في صورة واحدة قادرة على اختراق الوعي الزائف.

الإشكالية المركزية وفرضية البحث

- إن الإشكالية التي يطرحها هذا البحث لا تتعلق بـ«فشل الديمقراطية» كقيمة إجرائية، بل بشيء أكثر جوهرية: كيف تحوَّل الشكلُ الديمقراطي إلى غرفة عمليات لإعادة إنتاج الاستبداد على شكل طبقي؟ وما الأدوات المادية والأيديولوجية التي تُبقي هذا النظام قائماً رغم أزمته البنيوية المتعمّقة؟

- ينطلق البحث من الفرضية التالية: إن الأزمة البنيوية للعراق بعد 2003 ليست أزمة حوكمة أو تنمية قابلة للإصلاح بآليات تقنية، بل هي أزمة طبقية بامتياز تعكس تناقضاً جوهرياً بين نمط الإنتاج الريعي-التوزيعي وضرورات إعادة الإنتاج الاجتماعي للمجتمع. وإن ما يبدو «فساداً» أو «طائفيةً» هو في حقيقته ضرورة مادية لنظام لا يستطيع البقاء إلا بشراء الولاءات ونهب الموارد.

الإطار النظري: المادية التاريخية

- ينتمي هذا البحث منهجياً إلى تقليد المادية التاريخية، موظِّفاً — لتحاشي الاختزالية الميكانيكية وتوسيع الأدوات التحليلية — إسهامات مفكرين متعددين: غرامشي في نظريتَي الهيمنة والمثقف العضوي، وبورديو في مفاهيم رأس المال الرمزي والعنف الرمزي، وسمير أمين في نقد التبعية والاقتصاد المحيطي، وفالح عبد الجبار وحنّا بطاطو وعلي علاوي في التحليل التاريخي الخاص بالسياق العراقي. المنهج هنا ليس تطبيقاً ميكانيكياً لمخطط جاهز، بل هو بحث في الخصوصية التاريخية الملموسة بأدوات مادية تحليلية دقيقة.

هيكل البحث

- يسير البحث في مسار جدلي من خمسة فصول: يبدأ بتحليل الانتقال الطبقي بعد 2003 (الفصل الأول)، ثم آليات إعادة الإنتاج الهيمني وظاهرة الأنتلجنسيا الرثة (الفصل الثاني)، ثم بنية الارتهان الخارجي والكومبرادور السياسي (الفصل الثالث)، ثم ديناميكيات انسداد أفق الريع ومرحلة الكانيبالية المادية (الفصل الرابع)، وصولاً إلى معضلة البديل الغائب وشروط إنتاجه (الفصل الخامس)، ليُختتم بسيناريوهات مادية للمآل الممكن.

الفصل الأول: من الدكتاتور الفرد إلى مجلس إدارة الاستبداد

تمهيد: السؤال الجوهري

- حين سقط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس في التاسع من نيسان 2003، بدا المشهد في سطحه الإعلامي وكأنه لحظة تحرّر تاريخية. غير أن المادية التاريخية تُعلّمنا أن نسأل: ماذا سقط فعلاً؟ هل سقط الاستبداد، أم سقط شكلٌ واحد من أشكاله؟ وهل مع سقوط الفرد-الدكتاتور تفككت علاقات الإنتاج التي أنتجته وأعادت إنتاجه؟

- هذا الفصل يطرح أطروحة جوهرية: إن ما جرى في العراق بعد 2003 لم يكن انتقالاً من الاستبداد إلى الديمقراطية، بل كان انتقالاً من نمطٍ في الاستبداد إلى نمطٍ آخر؛ من الاستبداد الفردي حيث يتمركز الريع في يد شخص واحد وشبكته الضيّقة، إلى ما يمكن تسميته «مجلس إدارة الاستبداد»: أوليغارشية مُركَّبة تتوزّع فيها الحصص الريعية بين كارتيلات طائفية-سياسية-عسكرية متنافسة في الشكل ومتآمرة في الجوهر.

المبحث الأول: الدولة الريعية العراقية — التشكّل التاريخي

أولاً: النفط كعلاقة إنتاج — بنية الريع

- يُعرّف الاقتصادي حازم الببلاوي الريع بأنه «دخل يتحقق دون أن يستلزم عملية إنتاج داخلية منظّمة»، مُميِّزاً بين أثرين: الأثر الاقتصادي في «تشويه بنية الحوافز الإنتاجية»، والأثر السياسي في «إعفاء الدولة من الحاجة إلى الخضوع لضغط الضريبة الذي يُولّد تاريخياً الديمقراطية» (الببلاوي، حازم والمبيض، غسّان، الدولة الريعية في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987، ص 48-52). وبحلول عام 1973، باتت عائدات النفط تُشكّل ما بين 85 و95% من إيرادات الموازنة العراقية.

- يُبيّن علي علاوي أن «نظام صدام لم يكن استثناءً من الدولة الريعية العراقية بل كان تطرّفها الأقصى؛ إذ تمركزت الثروة النفطية في يد الفرد الدكتاتور ومحيطه الضيّق، فأنتج نمطاً من الدولة لا تعكس مؤسساتها توازناً اجتماعياً بل تعكس إرادة مالك العائد الريعي» (علاوي، علي أ.، احتلال العراق: انتصار الكوارث، ترجمة أحمد محمود، بيروت: الدار العربية للعلوم، 2009، ص 71).

ثانياً: حنّا بطاطو والبنية الطبقية التاريخية

- يُبيّن بطاطو في عمله الموسوعي أن الدولة العراقية لم تنبثق من صراع طبقي داخلي ناضج، بل نُزرعت بقرار خارجي فوق بنية قبلية متشققة، مما أنتج «طبقة إدارية» لا «طبقة رأسمالية» بالمعنى الكلاسيكي. وأن «الولاء في ظل نظام صدام لم يكن ظاهرة أيديولوجية بحتة، بل كان قبل كل شيء مصلحةً اقتصادية مادية ملموسة» (بطاطو، حنّا، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية، ترجمة عفيف الرزاز، المجلد الثالث، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1990، ص 1082-1085).

المبحث الثاني: الانتقال الطبقي بعد 2003

أولاً: المحاصصة كآلية لإنتاج علاقات إنتاج جديدة

- «المحاصصة» في جوهرها آليةٌ لتوزيع «حصص الريع» بين مراكز القوى المتنافسة؛ إنها عقدٌ بين كارتيلات سياسية طائفية-عسكرية على «تقاسم الغنيمة المادية» التي تمثّلها موارد الدولة الريعية. يُوثّق الرفاعي أن «الهدر التراكمي في ميزانية الاستثمار بلغ 240 مليار دولار خلال 2004-2014، لم تُستثمر منها سوى 30% في مشاريع فعلية» (الرفاعي، خضير، اقتصاد المحاصصة، بغداد: دار الرافدين، 2019، ص 78-82).

ثانياً: تشريح مجلس إدارة الاستبداد — ثلاث طبقات

- تتكوّن الأوليغارشية العراقية من ثلاث طبقات متداخلة: قادة الكارتيلات السياسية-الطائفية الذين حوّلوا  رأس المال السياسي إلى ريعي. والبرجوازية الكومبرادورية التي يصفها سمير أمين بأنها «تتوسّط بين رأس المال الأجنبي أو الريع الخارجي والاقتصاد المحلي مستخلصةً فائضاً دون أن تُضيف أي قيمة مُنتَجة» (أمين، سمير، في مواجهة أزمة عصرنا، ترجمة حسن قبيسي، بيروت: دار الفارابي، 2009، ص 203-207). والميليشيات التي تحوّلت إلى «إمبراطوريات اقتصادية» موازية تسيطر على المنافذ والعقارات والتعاقدات.

المبحث الثالث: غياب التراكم الرأسمالي الإنتاجي

- لم تتجاوز نسبة الاستثمار الخاص العراقي غير النفطي 8% من الناتج المحلي حتى في أفضل السنوات، مقارنةً بـ22% في ماليزيا وأكثر من 28% في كوريا الجنوبية في مراحل مماثلة (الشهرستاني، مصطفى كاظم، الاقتصاد العراقي: التشخيص والإصلاح، بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 2018، ص 119-123). هذا الأثر الريعي الطارد للاستثمار الإنتاجي هو المؤشر الأقوى على أن الإشكالية بنيوية لا ظرفية.

خلاصة الفصل الأول

- ما توصّل إليه هذا الفصل: إن الانتقال الذي شهده العراق من 2003 إلى الحاضر هو انتقالٌ في شكل الاستبداد مع الحفاظ على جوهره المادي. انتقل الريع النفطي من قبضة الفرد-الدكتاتور إلى قبضة الكارتيل الأوليغارشي، وانتقلت آلية تحويله إلى سلطة من «أمر الدكتاتور المباشر» إلى «عقد المحاصصة المُركَّب». هذا التحوّل في الشكل مع الثبات في الجوهر هو ما يُسمّيه المنهج الجدلي «النفي غير المكتمل».

الفصل الثاني: آليات إعادة الإنتاج: الرشوة والولاء والأنتلجنسيا الرثة

كيف يُعيد النظام الريعي إنتاج هيمنته اجتماعياً وأيديولوجياً؟

تمهيد: إشكالية الاستمرارية

- يطرح أي نظام تسلطي سؤالاً أساسياً: كيف يستمر؟ السلطة لا تقوم على القوة العسكرية وحدها. ميّز غرامشي بين نوعين من ممارسة السلطة: السلطة بالقسر والسلطة بالموافقة، كاتباً: «الهيمنة هي حكمٌ بالموافقة، والديكتاتورية حكمٌ بالقوة» (غرامشي، أنطونيو، دفاتر السجن: المثقفون والمسألة الوطنية، ترجمة عادل العامل، بيروت: دار الفارابي، 1994، ص 57). هذا الفصل يكشف الآليات المحددة التي يُعيد بها النظام الريعي إنتاج هيمنته.

المبحث الأول: فخ الصرف الزائد — الرشوة الاجتماعية

أولاً: التوظيف الحكومي المترهل

- كشف تقرير البنك الدولي لعام 2022 أن فاتورة رواتب القطاع العام بلغت أكثر من 23 مليار دولار سنوياً. وتُبيّن دراسة مظهر محمد صالح أن نسبة العمالة الحكومية ارتفعت من 17% عام 2003 إلى أكثر من 42% عام 2020، مستخلصاً أن «هذا التضخم لا يُفسَّر بالنمو الطبيعي للجهاز الإداري، بل بالدور الوظيفي للتعيين الحكومي كأداة لاحتواء الضغط الاجتماعي وشراء الولاء الانتخابي» (صالح، مظهر محمد، الاقتصاد العراقي بين الريع والتنويع، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2021، ص 88-94).

ثانياً: الزبائنية السياسية — بنية الولاء الهرمي

- يُعرّف جيمس سكوت الزبائنية بأنها «علاقة تبادل شخصية غير متكافئة بين «الراعي» الذي يمتلك الموارد و«الزبون» الذي يمتلك الأصوات والولاء» (Scott, James C., «Patron-Client Politics», American Political Science Review, Vol. 66, No. 1, 1972, p. 92). وقد أسهم بورديو بمفهوم «رأس المال الاجتماعي» الذي يُشغّل آلة الزبائنية حين تشحّ الموارد المالية (بورديو، بيير، الأسباب العملية، ترجمة ماهر تريمش، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007، ص 103).

المبحث الثاني: الأنتلجنسيا الرثة — تشريح المثقف الزبائني

أولاً: من المثقف العضوي إلى المثقف الرث

ميّز غرامشي بين المثقف التقليدي المنفصل عن علاقات الإنتاج والمثقف العضوي الذي ينبثق من طبقة ليُعبّر عن وعيها (غرامشي، المرجع السابق، ص 9-10). يطرح هذا البحث مفهوماً نقيضاً: «الأنتلجنسيا الرثة» — المثقف الذي يرتبط عضوياً بطبقة ريعية طفيلية لا مشروع تاريخياً لها سوى الحفاظ على امتيازاتها، فيُنتج وعياً زائفاً يُخدّر ويُشوّه ويُبرّر بدل أن يُنير.

ثانياً: الوظائف الثلاث للأنتلجنسيا الرثة

- تُؤدي الأنتلجنسيا الرثة ثلاث وظائف بنيوية: إنتاج الأيديولوجيا المُشرعِنة عبر مسارات الخطاب الطائفي وخطاب المقاومة والمقاربة التكنوقراطية البراغماتية. وتدمير الذاكرة التاريخية الجمعية بالطمس والإسدال أو بإعادة الكتابة. وثالثاً «إنتاج اليأس النشط» — تحويل الإحباط إلى قناعة بانتفاء الجدوى، وهو ما وصفه فريري بـ«ثقافة الصمت» التي ينتجها المثقف الزبائني: «المقهور الذي تعمّقت فيه ثقافة الصمت يُطوّر وعياً سحرياً بواقعه، يراه قدراً لا حيلة فيه» (فريري، باولو، تربية المقهورين، ترجمة بدر الدين عرودكي، بيروت: دار الآداب، 2001، ص 61).

المبحث الثالث: الآليات الأيديولوجية للهيمنة

- يُقدّم مفهوم «رأس المال الرمزي» لبورديو أداةً نافذة لفهم كيف تُحوّل الأوليغارشية مصادر سيطرتها المادية إلى «طبيعة ثقافية» مُتقبَّلة اجتماعياً: «رأس المال الرمزي هو القوة الخفية التي تجعل العلاقات الاجتماعية غير المتكافئة تبدو طبيعية وعادلة» (بورديو، بيير، العنف الرمزي، ترجمة نظير جاهل، بيروت: المركز الثقافي العربي، 1994، ص 161-164). كما أن أكثر من 63% من القنوات التلفزيونية العراقية تمتلكها أحزاب أو كتل سياسية دينية (IFJ, Iraq Media Landscape Report, Brussels, 2021, p. 17).

المبحث الرابع: تشرين — قراءة مادية في التعثّر

- واجهت انتفاضة تشرين 2019 حائطاً مادياً مُركَّباً من ثلاثة أبعاد: الارتهان المعيشي لأسر المحتجين بالراتب الحكومي ذاته الذي يُطعم من يثأرون منه. وغياب الذات الطبقية المنظّمة — «العقم التنظيمي للغضب التلقائي» بوصف أوتو باور (باور، أوتو، المسألة القومية والاشتراكية، ترجمة صلاح الدين المحسن، بيروت: دار الطليعة، 1979، ص 203-206). والتدخل المُحكم للأنتلجنسيا الرثة بكامل آلياتها لإعادة تأطير الحراك وتطييفه وتقزيمه.

خلاصة الفصل الثاني

- كشف هذا الفصل أن الأوليغارشية الريعية تُعيد إنتاج هيمنتها عبر منظومة متكاملة: الرشوة الهيكلية (التوظيف والإنفاق الاجتماعي)، والزبائنية الهرمية، والأنتلجنسيا الرثة التي تُزوّد الهيمنة بغلافها الثقافي والرمزي. غير أن كل آلية تحمل في بنيتها بذرة تناقضها: التوظيف يُثقل الميزانية، والزبائنية تُغذّي توقعات تتجاوز طاقة الوفاء، والأنتلجنسيا تفقد مصداقيتها حين يتّسع الفارق بين خطابها والواقع.

الفصل الثالث: الارتهان المادي والتبعية الخارجية

الكومبرادور السياسي العراقي: بنية التبعية وآليات الاشتراط الخارجي

المبحث الأول: الكومبرادور السياسي — إطار نظري

- يُصوّر سمير أمين العلاقة بين المركز والمحيط بأنها «علاقة استخلاص مزدوجة: يستخلص المركز فائض القيمة من المحيط، ويستخلص الكومبرادور ريعه المحلي من التيسير الذي يُقدّمه لهذه العملية» (أمين، سمير، التراكم على الصعيد العالمي، ترجمة حسن قبيسي، بيروت: دار ابن خلدون، 1975، ص 301-305). في العراق، الكومبرادور السياسي لا يتوسط فقط بين رأس المال الأجنبي والسوق المحلية، بل بين إرادة مراكز القوى الخارجية ومنظومة الحكم المحلية.

- يُوثّق علي علاوي بنزاهة نقدية نادرة: «لم يكن الكثير من القادة العائدين على دراية فعلية باقتصاد البلاد، لكنهم كانوا على دراية تامة بمزاج الجهات التي أوصلتهم ومتطلباتها. وقد ظل هذا التوجه الخارجي حاكماً لمنطق صنع القرار» (علاوي، المرجع السابق، ص 148-151).

المبحث الثاني: النموذج الإيراني — التبعية الأكثر عمقاً

أولاً: تمييز ثلاثة مستويات للنفوذ

- ينبغي التمييز بين النفوذ الثقافي-الديني التاريخي، والنفوذ الاستراتيجي الجيوسياسي المشروع، وبين النفوذ التبعوي-الريعي الذي يُصبح بنيوياً حين يرتبط بقاء شرائح من الأوليغارشية ارتباطاً عضوياً بالدعم الإيراني. يُبيّن فالح عبد الجبار أن «إيران بنت سوق علاقات: تُقدّم الحماية والشرعية الإقليمية، وشركاؤها العراقيون يُؤمّنون لها عمقاً استراتيجياً على حساب السيادة العراقية» (عبد الجبار، فالح، مجلة المستقبل العربي، العدد 423، 2014، ص 28-33).

ثانياً: الضريبة الاقتصادية للتبعية — ملف الطاقة

- يكشف باسم جميل أنطوان أن قيمة الغاز المُحرَق في حقول النفط العراقية تتجاوز ملياري دولار سنوياً، فيما تدفع العراق قرابة مليار دولار سنوياً ثمن الكهرباء المستوردة من إيران. هذه المفارقة لا تُفسَّر بغياب التقنية «بل في أن القيود التي تحول دون استثمار الغاز المحلي ترتبط باعتبارات تبعوية تجعل الاستيراد من إيران أنسب سياسياً من الاكتفاء الذاتي» (أنطوان، باسم جميل، ملف الطاقة العراقي، بغداد: دار المدى، 2022، ص 88-96).

المبحث الثالث: النفوذ الأمريكي — من الاحتلال إلى الاشتراط الريعي

- بعد 2011، تحوّل النفوذ الأمريكي من عسكري مباشر إلى «مزاد العملة» الذي يمنح الاحتياطي الفيدرالي رقابة شبه يومية على حركة السيولة العراقية. يُبيّن مظهر محمد صالح أن «الدولار هو العملة الحقيقية للاقتصاد العراقي دون إعلان ذلك رسمياً، وأي اضطراب في إمداده يتحوّل فوراً إلى أزمة معيشية مباشرة» (صالح، المرجع السابق، ص 134-138). وتصف الباحثة توبي دودج هذا الوضع بـ«فخ الحياد المستحيل»: الأوليغارشية محاصرة بين التبعيتين الإيرانية والأمريكية في آنٍ واحد فتنتج «النفاق الاستراتيجي الهيكلي» (دودج، توبي، العراق: من الحرب إلى استبداد جديد، ترجمة حسن الشيخ، بيروت: الشبكة العربية، 2014، ص 201).

المبحث الرابع: تضارب المصالح ومضيق هرمز

- الأطروحة الجوهرية: إن إبقاء مسار تصدير النفط العراقي رهيناً بمضيق هرمز ليس قصوراً إدارياً بل هو ضمانة تبعوية بنيوية. فطالما أن قطع هذا المسار يُشكّل تهديداً وجودياً للاقتصاد العراقي، تظل إيران تمتلك ورقة ضغط استراتيجية تستخدمها في كل تفاوض لفرض شروطها.

- يُبيّن وليد خدوري أن خط الأنابيب العراقي-السعودي (IPSA) بطاقة 1.65 مليون برميل يومياً أُغلق منذ 1990 ولم يُعَد تشغيله رغم أن تأهيله لا يكلّف أكثر من ملياري دولار — أقل من أسبوع من عائدات النفط. «وغياب الإرادة السياسية لعشرين عاماً لا يُمكن تفسيره بأي منطق اقتصادي، بل ينكشف حين يُقرأ في ضوء الالتزامات التبعوية» (خدوري، وليد، النفط العراقي في المعادلة الإقليمية، بيروت: الشركة العربية للنشر، 2018، ص 112-119).

خلاصة الفصل الثالث

- السيادة الوطنية في العراق مُجزَّأة ومُوزَّعة بين مراكز نفوذ متعددة بصورة مُنهِكة للموارد الوطنية. لكن هذا الارتهان يحمل بُعداً جدلياً: حين يُهدَّد المسار الخارجي — أزمة إقليمية كبرى أو انهيار نفطي — تنكشف هشاشة النظام بكاملها دفعةً واحدة. وهذا التقاطع بين الأزمة الداخلية وهشاشة الارتهان الخارجي هو لحظة الانفجار التي يُحلّلها الفصل الرابع.

الفصل الرابع: لحظة الانفجار: انسداد أفق الريع

السكتة القلبية للنظام الريعي وانتقاله من توزيع الفائض إلى نهب الأصول

«الأزمة تحدث بالضبط حين يستحيل استمرار القديم وتعجز قوى التجديد عن الوصول. هذا الفراغ هو حقبة الأعراض الشديدة» (غرامشي، أنطونيو، دفاتر السجن، المرجع السابق، ص 276)

المبحث الأول: السكتة القلبية المالية

- وثّق صندوق النقد الدولي في تقريره لعام 2023 أن «سعر التعادل» — أي سعر برميل النفط اللازم لموازنة متوازنة — ارتفع من 60 دولاراً عام 2010 إلى أكثر من 96 دولاراً عام 2023، وهو ارتفاع يعكس تضخّم الالتزامات بمعدل يفوق أي نمو في الطاقة الإنتاجية (IMF, Iraq: 2023 Article IV Consultation Report, Washington: IMF, 2023, p. 14). ويُحلّل أحمد موسى جياد أن الصدمة النفطية لعام 2014 دفعت الحكومة إلى إصدارِ سندات خزينة بـ20 تريليون دينار لتسديد الرواتب، محوّلةً «إنفاق الريع» إلى «إنفاق الديون» للمرة الأولى (جياد، أحمد موسى، الاقتصاد العراقي وتداعيات انهيار أسعار النفط، أبو ظبي: مركز الخليج للأبحاث، 2017، ص 63-68).

المبحث الثاني: الكانيبالية المادية

أولاً: مفهوم الكانيبالية المادية

- يطرح هذا البحث مفهوم «الكانيبالية المادية» لوصف الانتقال من نهب الريع الجاري إلى التهام أصول الدولة المتبقية. إنها مرحلة «التفكيك الذاتي» التي وصفها كارل بولاني: حين يبدأ النظام في استهلاك الموارد التي تُتيح له إعادة إنتاج نفسه (بولاني، كارل، التحوّل الكبير، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، 2008، ص 136).

ثانياً: التجليات الثلاثة

- أولاً نهب عقود البنية التحتية: ما يزيد على 40 مليار دولار لملف الكهرباء خلال 2006-2021 مع هدر تراكمي يُقدّر بـ25-30 مليار دولار، يتوزّع على عقود مُضخَّمة بـ40% ومشاريع مدفوعة غير منجزة (Global Integrity, Iraq Electricity Sector Integrity Assessment, Washington, 2020, p. 22). ثانياً التهام الاحتياطيات السيادية: تراجعت من 90 إلى 53 مليار دولار بين 2014 و2020. ثالثاً إفراغ صناديق التقاعد عبر استثمارات خاسرة في مشاريع حزبية مرتبطة بالكارتيلات (الموسوي، محمد، حقوق التقاعد في العراق، بغداد: هيومن رايتس ووتش، 2022، ص 18).

المبحث الثالث: معادلة هرمز — جغرافيا الهشاشة

- يمرّ عبر مضيق هرمز (34 كم في أضيق نقاطه) أكثر من 90% من صادرات النفط العراقي. ومحاكاة خدوري الحسابية تُشير إلى أن تراجع الصادرات بنسبة 30% لستة أشهر سيُنتج عجزاً يبلغ 18 مليار دولار «يُجاوز كل الاحتياطيات المتاحة للضخ الطارئ» (خدوري، المرجع السابق، ص 163-167). وهذا الانكشاف ليس عجزاً تقنياً بل ضمانة تبعوية بنيوية محسوبة.

المبحث الرابع: ما بعد الذروة النفطية

- تتجاوز الأزمة دورات الأسعار لتُواجه تحدياً بنيوياً: التحوّل الطاقوي العالمي. يُقدّر تقرير IEA لعام 2023 أن الطلب العالمي على النفط سيبلغ ذروته قبل عام 2030 (IEA, World Energy Outlook 2023, Paris, 2023, p. 41). وعلى المستوى التنافسي، يُضيق صعود النفط الصخري الأمريكي مساحة المناورة السعرية لأوبك+ مُضيّقاً بدوره العائد العراقي المتوقع. «الدول الريعية التي تُفوّت فرصة التحوّل تُشبه إقطاعياً يبيع أراضيه لتمويل حفلة طويلة» (قرم، جورج، الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط، بيروت: دار الطليعة، 2011، ص 248-253).

المبحث الخامس: سلوك المُحاصَر

- يُحدّد مايكل روس في «لعنة النفط» أربعة أنماط استجابة للأوليغارشيات في مواجهة أزمات الموارد: التقشف الانتقائي، والاستدانة الخارجية، وتصعيد القمع، وتسارع نهب الأصول. ويُلاحَظ في العراق الراهن حضور الأنماط الأربعة بصورة متزامنة (روس، مايكل، لعنة النفط، ترجمة أيمن شكر، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2015، ص 88). والأهم أن تسارع النهب يعكس وعياً ضمنياً لدى النخبة بحتمية الانهيار — وهو ما يُسمّى «استراتيجية الخروج».

خلاصة الفصل الرابع

- الأدلة جميعها — من منحنيات سعر التعادل إلى تراجع الاحتياطيات إلى الكانيبالية المادية إلى هشاشة الممر الهرمزي — تُشير إلى نظام يقترب من عتبة اللاعودة في قدرته على إعادة إنتاج بنيته الريعية. لكن المادية التاريخية تُذكّرنا أن الأزمة البنيوية ليست سقوطاً آلياً مبرمجاً. وهنا تبرز إشكالية الفصل الخامس: غياب البديل المنظّم القادر على تحويل اللحظة الانفجارية إلى لحظة تأسيسية.

الفصل الخامس

معضلة البديل الغائب

غياب الذات الواعية: لماذا لا تُنتج الأزمة البنيوية تحوّلاً تلقائياً؟

تمهيد: المفارقة الجوهرية

- إذا كانت الأزمة البنيوية للنظام الريعي بهذه الحدة والعمق — فلماذا لا يتحوّل؟ التناقض البنيوي شرطٌ ضروري لكنه ليس كافياً. الشرط الكافي هو الذات الواعية المنظّمة القادرة على تحويل الأزمة من ألم مُعاش إلى مشروع تاريخي مُصاغ. وهذا بالضبط ما يغيب في الحالة العراقية.

المبحث الأول: تجريف الطبقات المنتجة

- بيانات الجهاز المركزي للإحصاء لعام 2021 تكشف أن نسبة العاملين في الصناعات التحويلية الخاصة لا تتجاوز 6% من القوى العاملة، مقابل 42% في القطاع الحكومي (الجهاز المركزي للإحصاء، مسح سوق العمل، بغداد، 2021، ص 17-19). يُضيف إبراهيم الحيدري أن الريعية أنتجت «طبقة عاملة مُفتَّتة هوياتياً: يرى الكثيرون أنفسهم أبناء طائفة أو عشيرة لا أعضاء في طبقة ذات مصالح مشتركة» (الحيدري، إبراهيم، سوسيولوجيا المجتمع العراقي، بيروت: دار الساقي، 2020، ص 178-183).

- ويرصد فالح عبد الجبار غياب «التنظيم المدني المستقل مالياً وعقائدياً، النابع من المصالح الطبقية المحلية وخادم لها» بين التنظيمات الحزبية المُغلَّفة مدنياً والتنظيمات الممولة دولياً بأجندات خارجية (عبد الجبار، فالح، المجتمع المدني والتحوّل الديمقراطي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012، ص 211-215). وتُقدّر أرقام IOM أن 5-7 ملايين عراقي يعيشون خارج البلاد وأن أكثر من 60% من الكفاءات المتخصصة غادروا البلاد خلال العشر سنوات الأولى بعد تخرجهم (IOM, Iraq Migration Report, Geneva, 2022, pp. 11-14).

المبحث الثاني: الوعي الزائف وإشكالية تشرين

- وصف لوكاتش هذا النوع من الحالات بـ«الوعي في طور التشكّل»: مرحلة يُدرك فيها أفراد الطبقة المقهورة واقع استغلالها دون أن يمتلكوا الإطار المفاهيمي لترجمة هذا الإدراك إلى استراتيجية تحرر (لوكاتش، جورج، التاريخ والوعي الطبقي، ترجمة حنا الشيخ، بيروت: دار الطليعة، 1983، ص 97-102). في تشرين، الشعارات كانت طبقية في روحها لكنها ظلت أعراضاً تعبيرية لا مشروعاً سياسياً، ويعكس ذلك مباشرةً غياب المثقف العضوي الغرامشي الذي يُترجم «الغضب إلى برنامج». يُبيّن حيدر سعيد أن المثقف العراقي يواجه معادلة قاسية: «إما الانضمام إلى الزبائنية الحزبية فيحصل على الموارد ويفقد الاستقلالية، وإما أن يظل مستقلاً فيُعزل ويُهمَّش مادياً» (سعيد، حيدر، السياسة والثقافة في العراق المعاصر، بيروت: المركز العربي للأبحاث، 2018، ص 134-140).

المبحث الثالث: معضلة الاستقلال الاقتصادي

- كل مصادر التمويل المتاحة للبديل السياسي مُرتهِنة للمنظومة: الحكومي يعني الزبائنية، والخارجي يعني الأجندات المستوردة والتشكيك الوطني، والخاص يعني الارتهان لمزاج الثروات المرتبطة بشبكة الريع. وفي غياب قطاع إنتاجي مستقل يُولّد ثروات بمعزل عن الريع الحكومي، تظل القوى البديلة رهينة هذا المثلث المسموم.

المبحث الرابع: شروط إنتاج البديل الممكن

- يستلزم بناء «الكتلة التاريخية» بمفهوم غرامشي ثلاثة عناصر مادية: نواة تنظيمية مستقلة مادياً، وبرنامج اقتصادي بديل محدد لـ«ما بعد الريع»، ولغة سياسية تُخاطب المواطن في مصلحته الاقتصادية لا «ابن المكوّن» في هواجسه الهوياتية. وتُوفّر تجربة بوليفيا مع إيفو موراليس درساً قيّماً: وجود «قاعدة إنتاجية مستقلة ولو جزئية» كان العمود الفقري للتحوّل (Rees, Gilbert, «Extractivism and Social Change in Bolivia», Latin American Politics and Society, Vol. 55, No. 3, 2013, p. 47).

- في قلب المشهد القاتم، ثمة عامل واحد يستحق قراءةً متأنية: أكثر من 60% من السكان دون سن الثلاثين، يحمل معظمهم «وعياً نقدياً مقارناً» غير مسبوق في التاريخ العراقي. يُحلّل حارث حسن أن «هذا الجيل يُطوّر وعياً نقدياً يرى في الواقع سياسةً قابلة للتغيير لا حتمية مُسلَّماً بها» (حسن، حارث، مجلة سياسة دولية، العدد 214، بيروت، 2020، ص 48-52).

خلاصة الفصل الخامس

- بذور التجاوز موجودة — في تراكم الوعي التشريني النقدي وفي الحاجة الموضوعية المتصاعدة وفي الجيل الجديد — لكنها تحتاج إلى شروط مادية لنموّها: استقلالية اقتصادية تُتيح التنظيم المستقل، ومشروع اقتصادي بديل محدد الملامح. وفي غياب هذه الشروط لا تنتهي الأزمة بثورة بل بسيناريوهات متعددة الأشكال.

الخاتمة: السيناريوهات المادية القادمة

التغيير في البنية الفوقية مستحيل دون زلزال في القاعدة المادية

أولاً: تكثيف الأطروحة — ما أثبته البحث

على مسار فصوله الخمسة، أثبت هذا البحث بالتحليل المادي التاريخي الموثَّق أربع أطروحات مترابطة:

1. الأطروحة الأولى: إن ما جرى في العراق بعد 2003 ليس انتقالاً من الاستبداد إلى الديمقراطية، بل تحوّلٌ في شكل الاستبداد مع الحفاظ على جوهره الريعي. انتقلت السلطة من «فرد-دكتاتور» إلى «مجلس إدارة أوليغارشي»، لكن علاقة الإنتاج الريعية لم تتغيّر.

2. الأطروحة الثانية: إن الأوليغارشية تُعيد إنتاج هيمنتها عبر منظومة مُركَّبة من الرشوة الاجتماعية والزبائنية والأنتلجنسيا الرثة والارتهان الخارجي الذي يُحوّل التبعية إلى ضرورة بقاء.

3. الأطروحة الثالثة: إن النظام يعيش الآن مرحلة «التعفن البنيوي» المتسارع، يُجسّدها ارتفاع سعر التعادل المالي وتراجع الاحتياطيات والانتقال إلى الكانيبالية المادية. هذا المسار لا رجعة عنه في إطار البنية القائمة.

4. الأطروحة الرابعة: إن الأزمة البنيوية لا تُنتج تلقائياً بديلاً تحرريّاً؛ لأن الذات الطبقية القادرة على تحويل الأزمة إلى مشروع تاريخي غائبة أو مُجزَّأة نتيجة عقود من تجريف الطبقات المنتجة وتدمير المجتمع المدني المستقل.

ثانياً: السيناريوهات المادية الثلاثة

1. السيناريو الأول ك التحلل الشامل والفوضى المُركَّبة (الأعلى احتمالاً على المدى المتوسط)

تصاعد متوازٍ بين عجز مالي متنامٍ وتدهور الخدمات، وتفكّك تدريجي لسلطة الدولة المركزية لصالح أمراء الحرب المحليين وشبكات الميليشيات الاقتصادية، وتسارع الكانيبالية المادية في سباق يؤجّج ذاته. لا انهيار مفاجئ بل تحلّل بطيء متسارع — ما وصفه ابن خلدون بـ«الترهل»: حين يفقد الجسم السياسي عصبيته الجامعة ويبدأ في الانحلال من الأطراف قبل المركز (ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق درويش الجويدي، بيروت: المكتبة العصرية، 2005، ص 174).

2. السيناريو الثاني البونابرتية المادية (ممكن في لحظة الأزمة الحادة)

ظهور زعيم فردي قوي يُطيح بالأوليغارشية مُدَّعياً تمثيل الإرادة الشعبية، مستغلاً حاجة الجماهير الحادة إلى الأمان والخبز في لحظة انهيار نظام الولاء الزبائني. لا تحرر حقيقي بل إعادة تمركز السلطة في يد الفرد. يُلفت عزمي بشارة إلى أن «الشعب المُرهَق والجائع يميل في لحظات الاستعصاء إلى القبول بالقوي الذي يُوقف الفوضى حتى لو كان ذلك على حساب حريته» (بشارة، عزمي، في المسألة العربية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007، ص 233).

3. السيناريو الثالث الكتلة التاريخية والتحوّل البنيوي (الأصعب تحقيقاً والأكثر عدالةً)

نشوء قوى اجتماعية منظّمة تمتلك استقلالية اقتصادية كافية، وقادرة على بناء تحالف طبقي عابر للهويات حول مشروع اقتصادي بديل واضح المعالم. يستلزم: الاستمرار الصبور في بناء التنظيم المستقل، وانتهاز لحظة الأزمة المالية الحادة، ووجود برنامج اقتصادي يُجيب على سؤال «ماذا بعد الريع». إنه سيناريو الأمل المحفور في المنطق الجدلي: فكل نظام يحمل في تناقضاته بذور تجاوزه.

ثالثاً: الاستنتاج النهائي

- الأوليغارشية في العراق ليست «قدراً سياسياً» ولا «خصوصيةً ثقافية» ولا «عاهةً أخلاقية» في أبناء هذا البلد. إنها «ضرورة مادية» تُنتِجها وتُعيد إنتاجها علاقاتُ إنتاج ريعية محددة لم تتغيّر في جوهرها منذ عقود. وإن نهايتها — متى جاءت — لن تكون بتغيير الأشخاص أو بإجراء انتخابات أو بضخ خطاب وطني جديد؛ بل ستكون حصراً بتفكيك هذه العلاقات الريعية وبناء قاعدة إنتاجية مستقلة تُولّد ثروةً حقيقية وتُنتج بالضرورة طبقةً اجتماعية ذات مصالح مادية في دولة قانون وحوكمة ومحاسبة.

- في النهاية نستعير من «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي: «أنا لستُ ما صنعني هادي؛ أنا ما صنعتْه الحرب». بالقياس: الأوليغارشية العراقية ليست ما صنعه هذا الزعيم أو ذاك، إنها ما صنعه الريع النفطي والتبعية الخارجية والتفكيك المنظّم للمجتمع المنتج. وهذا التمييز بين الفرد والبنية هو ما يجعل تغيير الوجوه دون تغيير البنية مجرد إعادة إنتاج للأشلاء ذاتها بترتيب جديد (سعداوي، أحمد، فرانكشتاين في بغداد، بيروت: دار الآداب، 2013، ص 287).

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

باحث في مجال حقوق الانسان

تحليل في بنية الحجاج في كتاب "الكشف عن مناهج الأدلة"

في المتون الكبرى التي تعيد ترتيب العلاقة بين العقل والوحي يبرز الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة بوصفه نصا مؤسِّسا لا في تاريخ الجدل العقدي فحسب، بل في تاريخ الوعي الإسلامي بذاته وهو يراجع أدواته ومناهجه ومسلّماته. فابن رشد لا يكتب هنا من موقع المتكلّم الذي يدافع عن مذهب داخل سوق الاختلاف ولا من موقع الفيلسوف الذي يفرض على الشريعة منطقا غريبا عن بنيتها، بل من موقع المفكّر الذي أدرك أنّ أزمة العقيدة في الثقافة الإسلامية قد استقرّت طويلا في مناهج النظر قبل أن تستقرّ في مضامين الاعتقاد، وأنّ العطب الذي أصاب المعنى الديني لم ينشأ من فقر النصّ ولا من قصور الوحي بل من تضخّم الجدل ومن سوء الترتيب بين مراتب الخطاب ومن الخلط بين ما يقتضيه البرهان وما يكتفي به الإقناع ومن توهّم أنّ كثافة الاعتراض دليل على قوة اليقين. ومن هنا جاء هذا الكتاب على صورة مراجعة عميقة لآلة الاستدلال ذاتها وعلى صورة مساءلة صارمة للطرق التي سلكها المتكلّمون في تقرير العقائد وعلى صورة استئنافٍ فلسفيّ رفيع يروم تخليص الدين من الأدلة التي أضعفته أكثر مما خدمته وردَّ الإيمان إلى أفقه الأصفى حيث يتعانق المعنى والبرهان وتلتقي الهداية بالنظر.تلك هي النقطة التي تمنح النصّ الرشدي فرادته الحقيقية. فالمسألة عنده لا تُختزل في إثبات وجود الله أو تقرير الصفات أو الدفاع عن النبوّة أو الحديث عن المعاد، لأنّ هذه الموضوعات كلّها تظلّ في مرتبة المقولات الجزئية ما لم تُفهم في ضوء السؤال الأعمق، بأيّ عقل تُدرَك العقيدة وبأيّ منهج تُبنى وبأيّ خطاب تُنقل من حيّز الحقيقة إلى حيّز التلقّي العام دون أن تفقد تماسكها أو تنقلب إلى مادة خصام؟ هنا يتقدّم ابن رشد بخطاب نادر الصرامة لأنّه ينقل البحث من "ماذا نعتقد؟" إلى "كيف نعتقد على وجه صحيح؟"، ومن مضمون القضية إلى شرعية الدليل ومن ظاهر الاختلافات المذهبية إلى البنية المعرفية التي صنعتها وأدامت سلطانها. ويعتبر الكشف عن مناهج الأدلة نصا يتجاوز علم الكلام من داخله ويخترق الفلسفة من غير أن يستسلم لها ويؤسّس إمكانا ثالثا للمعقول الديني إمكانا لا يخاصم النصّ ولا يستقيل من العقل ولا يسلّم الحقيقة إلى الجدل ولا يتركها أسيرة الظاهرية العمياء.

وانطلاقا من هذا المسار يتحدّد الرهان المركزي لهذا المقال الوجيز حول تفكيك مفهوم "المعقول الديني" عند ابن رشد عبر تحليل البنية الحجاجية التي تنتظم كتاب الكشف عن مناهج الأدلة بوصفها بنيةً تكشف عن مشروع فكري متكامل يروم إعادة بناء المجال العقدي على أساس من الانضباط البرهاني والوفاء لروح الشريعة معا. فالمقصود لا يقف عند تتبّع مواقف ابن رشد في قضايا الإلهيات والنبوات والسمعيات بل يتجاوز ذلك إلى استجلاء المنطق الداخلي الذي يحكم انتقاله من نقد أدلة المتكلّمين إلى استخراج مناهج القرآن في الاستدلال، ومن تفكيك الصناعات الجدلية إلى إرساء نموذج معرفي يرى في الدين خطابا مؤسَّسا على المعقول في جوهره وفي العقل أداةً للهداية لا آلةً للمشاغبة وفي التأويل حدا معرفيا مضبوطا لا ممرا للفوضى وفي البرهان قيمةً حضاريةً تحفظ وحدة الحقيقة من التمزّق بين الفرق والاصطلاحات. وعلى هذا الأساس يتبدّى ابن رشد في هذا النصّ الكبير واحدا من أعمق من وعى أنّ معركة الفكر لا تُحسم عند حدود النتائج بل تُحسم في طرائق الوصول إليها وأنّ فساد الدليل قد يسيء إلى الحقّ أكثر ممّا يسيء إليه خصومه وأنّ الدين كلّما استعاد معقوله الأصيل استعاد قدرته على أن يكون مصدر يقين لا مادة انقسام وأفقَ بناءٍ لا ساحةَ تنازع.

ليس من اليسير أن يُقرأ كتاب الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة قراءةً خارج الأفق الذي أنشأه ابن رشد لنفسه بوصفه فقيها وأصوليا ومتكلما وشارحا لأرسطو في آن. فالنص الرشدي هنا لا يقدّم نفسه مجرد رسالة في العقيدة ولا مجرّد ردّ على المتكلمين ولا مجرد ملحق بكتابه فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، بل يكشف عن مشروع أعمق يتعلّق بإعادة بناء المجال الديني من الداخل على أساس عقلاني برهاني يردّ الاعتبار إلى "المعقول" في الدين ويُنقذه من أسر الجدل الخطابي الذي استبدّ بمناهج النظر في قضايا الإلهيات والنبوات والمعاد. وإنّ قيمة هذا الكتاب لا تكمن فقط في موضوعاته المعلومة التي تتصل بإثبات وجود الله ووحدانيته وتنزيهه وإثبات النبوة وتأويل الصفات والحديث عن السعادة الأخروية، وإنما تكمن على نحو أخص في بنية الحجاج التي تنتظم الكتاب كله وتجعل منه وثيقة فكرية كاشفة عن مفهوم مخصوص للمعقول الديني عند ابن رشد.

وإذا كان كثير من الدارسين قد تعاملوا مع الكشف بوصفه نصا "كلاميا" في ظاهر بنيته الموضوعية فإنّ النظر المتأني يكشف أنّ الرجل إنما كان بصدد تفكيك البنية الداخلية لعلم الكلام نفسه لا من أجل الانتصار لمذهب كلامي على آخر، بل من أجل مساءلة الأصل المنهجي الذي قامت عليه طرائق المتكلمين في الاستدلال. ولذلك فإنّ ابن رشد لا يدخل إلى المسألة من باب النتائج الاعتقادية فقط، بل من باب مناهج الأدلة. وهذا العنوان نفسه بالغ الدلالة لأنّه لا يَعِدُ القارئ بتقرير عقائد الملة على نحو تلقيني بل يعده بـ"كشف" المناهج التي ينبغي أن تُسلك في إقامة الأدلة عليها. والفرق بعيد بين من ينشغل بتقرير مضمون المعتقد وبين من ينشغل بفحص آلة الوصول إليه. هنا يتبدّى الطابع الفلسفي الأصيل للنص الرشدي إذ لا قيمة للحقيقة ما لم تُدرَك من طريق يليق بها ولا معنى للمعقول الديني إن لم يكن مصحوبا بنقد للمسالك التي تُفضي إليه أو تحول دونه.

إنّ ابن رشد في هذا الكتاب لا ينطلق من افتراض التعارض بين العقل والدين حتى يسعى إلى التوفيق بينهما كما شاع في كثير من القراءات التبسيطية، بل ينطلق من فرضية أعمق وأشد إحكاما وهي أنّ الشريعة في أصلها مبنية على المعقول، وأنّ ما يبدو من خصومة بين الدين والعقل إنما هو ثمرة خلل في الفهم أو فساد في المنهج أو انحراف في الترتيب بين مراتب الخطاب. وهذا ما يجعل مشروعه في الكشف امتدادا عضويا لما قرره في فصل المقال من أنّ "الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له". وهذه العبارة الموجزة ليست شعارا تلفيقيا كما قد يتوهم بعضهم بل هي قاعدة إبستمولوجية ذات لوازم ثقيلة، لأنّ مقتضاها أنّ التعارض المزعوم ليس بين حقّين بل بين حق ووهم أو بين نص أسيء فهمه وعقل أسيء استعماله، أو بين ظاهر خطاب أُخرج عن مقصوده ومنهج نظر لم يراعِ شروط البرهان.

ولعلّ هذا ما يفسّر أنّ ابن رشد لم يكن خصمه الحقيقي هو النص الديني، بل التأويل الكلامي الذي صادر إمكانات النص وأغلقها داخل قوالب جدلية. إنّه هنا قريب من ذلك الذي عبّر عنه أبو الوليد نفسه في أكثر من موضع حين جعل فساد النظر تابعا لفساد القياس وكأنّه يردّد بطريقة أخرى ما قرره أرسطو من أنّ الخطأ ليس في الأشياء بل في الأحكام التي نصوغها عنها. وقد أدرك ابن رشد أنّ الأزمة التي أصابت المعقول الديني في الثقافة الإسلامية لم تكن أزمة "مضمون" فحسب، بل كانت قبل ذلك أزمة "صورة" و"منهج" و"صناعة". لذلك لم يكن غريبا أن يوجّه سهام نقده إلى المتكلمين من حيث هم أهل جدل لا من حيث هم متدينون، وأن يرى أنّ ما أحدثوه من اضطراب في العقائد راجع إلى كونهم نقلوا مسائل الإيمان من ساحة الإقناع الشرعي المركّب إلى ساحة الخصومة المدرسية التي يتضخم فيها الاعتراض أكثر مما يتضح فيها البرهان.

إنّ المعقول الديني عند ابن رشد لا يعني اختزال الدين في العقل المجرد ولا تفريغه من أبعاده الرمزية والتربوية والروحية، وإنما يعني أنّ للدين بنية عقلية داخلية وأنّ الشريعة إنما تخاطب الإنسان بما هو كائن عاقل قابل للفهم والترتيب والتمييز. وإذا كانت مراتب الناس مختلفة في القدرة على الإدراك فإنّ هذا الاختلاف لا ينفي المعقول بل يفرض تعدد طرائق عرضه. وقد كان الفارابي أحد السباقين إلى تقرير هذا المعنى حين فرّق بين البرهان والجدل والخطابة وجعل المدينة الفاضلة محتاجة إلى صور مختلفة من الإقناع بحسب استعدادات الجمهور. غير أنّ ابن رشد يمنح هذا التصور بعدا شرعيا صريحا إذ يجعل الخطاب القرآني نفسه مشتملاً على هذه المراتب ويعتبر أنّ الخلل نشأ حين خلط المتكلمون بين ما خوطب به الجمهور وما ينبغي أن يُطلب فيه البرهان لأهل النظر، ثم زادوا على ذلك بأن حوّلوا العقائد إلى موضوعات سجالية تتنازعها الاصطلاحات.

ويعد الكشف كتابا في "نقد العقل الكلامي" قبل أن يكون كتابا في العقيدة، وإن جاز لنا أن نستعير عبارة حديثة على سبيل التقريب. فهو لا يكتفي بأن يقول إنّ أدلة المتكلمين ضعيفة بل يبيّن أن ضعفها بنيوي لأنها لا تستند إلى المناسبة بين طبيعة الموضوع وطبيعة الدليل. فالموضوع الإلهي بما هو أعلى الموجودات وأشرفها لا يليق به إلا ما كان من الأدلة أشرفَ وأوضحَ وأقربَ إلى الفطرة. أما الأدلة الصناعية المعقدة التي لا يفهمها الجمهور ولا يطمئن إليها الخاصة إلا بعد تكلفات طويلة فإنها في نظره لا تصلح أن تكون عمادا للعقيدة العامة. وقد كان ابن رشد شديد العناية بما يمكن أن نسميه "الاقتصاد البرهاني" في الدين، أي طلب الدليل الأوضح والأقرب إلى مقتضى الفطرة السليمة والنظر الصحيح. وهو بهذا يلتقي مع ما قرره الشاطبي لاحقا من أنّ الشريعة "أمية" بالمعنى الإيجابي، أي أنها جارية على مقتضى العموم البشري ومراعية لما يطيقه الجمهور في الإدراك والتلقي وإن اختلف السياق والاصطلاح.

غير أنّ هذا "الاقتصاد البرهاني" لا يعني التبسيط المخل ولا الاستقالة من التعقيد حين يقتضيه البحث، بل يعني ردّ كل مقام إلى ما يلائمه. فابن رشد لا ينكر البرهان العقلي الدقيق من حيث هو كذلك بل هو من أشد الناس انتصارا له، لكنه ينكر أن تتحول العقيدة العامة إلى ميدان لاستعراض الصناعات المنطقية التي لا تخدم اليقين بقدر ما تثير التشويش. ولأجل ذلك يميّز تمييزا حاسما بين البرهان بوصفه صناعة خاصة بأهل النظر وبين الخطاب الشرعي الذي يقيم للناس من الأدلة ما يكفيهم على حسب طبائعهم. إنّ المعقول الديني عنده ليس "عقلانية نخبوية" منقطعة عن جمهور الأمة كما أنه ليس "تدينا شعبيا" معاديا للنظر، بل هو بناء هرمي تتكامل فيه مستويات الإدراك من غير أن ينقض بعضها بعضا.

ومن أدقّ ما يلفت النظر في الكشف أنّ ابن رشد لا يعامل النص القرآني معاملة المتكلمين الذين يبدؤون بمقدمات عقلية ثم يجرّون النصوص إليها جرا، بل يعامل القرآن نفسه بوصفه حقلا دلاليا غنيا يشتمل على أنماط من الاستدلال ينبغي استخراجها وفهم نظامها الداخلي. ولذلك فإنّ كتابه في جوهره محاولة لاكتشاف "العقلانية الكامنة" في الخطاب القرآني. إنّه لا يفرض على النص بنية برهانية خارجية بل يحاول أن يستخرج منه ما يسميه مناهج الأدلة التي سلكها الشرع في تقرير أصول العقائد. وهذا المسلك بالغ الأهمية لأنه يكشف أنّ ابن رشد لا يدافع عن الفلسفة في مواجهة الدين بل يدافع عن الدين في مواجهة التأويلات التي حجبت معقوليته الأصلية.

ولذلك نجده يرفض كثيرا من الأدلة الكلامية الشهيرة لا لأنها عقلية أكثر مما ينبغي، بل لأنها ليست عقلية بما يكفي أو لأنها عقلية ناقصة أو لأنها عقلانية جدلية لا برهانية وهذا فرق جوهري، فليس كل ما نُسب إلى العقل عقلا بالمعنى الرشدي. إنّ العقل عنده صناعة مضبوطة لها شروطها ومقدماتها ومراتبها، ومن لم يلتزم ذلك كان في حكم المتشبه بالحكماء وليس منهم. وهنا نستحضر ما قاله ابن باجة في نقده لفساد التعليم حين نبّه إلى أنّ كثيرا من الناس "يظنون أنهم يعلمون وليسوا بعالمين"، لأنهم لم يدركوا حدود الصناعات ولا مقتضياتها. ويكاد ابن رشد في الكشف يطبق هذا المعنى على المتكلمين الذين ادعوا الدفاع عن العقيدة لكنهم أدخلوها في مسالك لم يشرعها الوحي ولم يقتضها البرهان.

إنّ المعقول الديني عند ابن رشد يقوم على ثلاث دعائم متلازمة: ردّ العقيدة إلى أصولها الشرعية البيانية وتنقيح مناهج الاستدلال بما يوافق مقتضى البرهان والتمييز بين مراتب الخطاب بحسب مراتب الناس في الإدراك. وهذه الدعائم ليست متجاورة فحسب بل هي متشابكة في نسيج واحد. فلو اكتفى بردّ العقيدة إلى النص دون نقد للمناهج لبقي أسير القراءة الظاهرية أو الخطابية المحضة. ولو اكتفى بنقد المناهج دون مراعاة مراتب الخطاب لتحول الدين إلى فلسفة مدرسية نخبوية. ولو ميّز بين مراتب الناس دون ردّ ذلك إلى أصل شرعي لانفتح الباب لفصلٍ بين "حقيقة" للفلاسفة و"رمز" للعامة على نحو قد يُفضي إلى الازدواجية. لكنّ ابن رشد يحاول أن يتفادى كل ذلك ببناء توازن دقيق بين وحدة الحقيقة وتعدد طرائق عرضها.

وهذا ما يفسّر أيضا موقفه من التأويل. فالتأويل عنده ليس عبثا بالنصوص ولا رخصة مفتوحة للفرار من ظواهر الشرع، بل هو ضرورة منهجية لا تُستعمل إلا عند قيام البرهان القطعي على أنّ الظاهر غير مراد في حقّ من ثبت له ذلك البرهان. وهو بهذا يضع التأويل داخل نظام معرفي مضبوط لا داخل مزاج مذهبي أو رغبة جدلية. وقد نبّه الغزالي نفسه في غير ما موضع إلى خطورة التسرع في التكفير بسبب مسائل التأويل، غير أنّه لم يخرج نهائيا من الإطار الكلامي الذي ظلّ ابن رشد يراه جزءا من المشكلة. وتبدو مفارقة عميقة بين الرجلين، فالغزالي أراد إنقاذ الإيمان من الفلسفة بينما أراد ابن رشد إنقاذ المعقول الديني من الكلام ومن سوء فهم الفلسفة معا.

إنّ قراءة الكشف على هذا النحو تبيّن أنّ ابن رشد لم يكن مشغولا فقط بإثبات أنّ العقائد الإسلامية قابلة للدفاع العقلي، بل كان مشغولا قبل ذلك بتأسيس صورة مخصوصة للعقلانية الدينية. وهذه الصورة لا تقوم على مبدأ "العقل فوق النص" ولا على مبدأ "النص ضد العقل"، وإنما تقوم على مبدأ أدقّ هو أنّ النص الحق لا يفهم إلا بعقل سليم وأن العقل السليم لا يكتمل إلا إذا أدرك مقاصد الخطاب ومراتبه. ولعلّ هذا المعنى يلتقي مع ما سيقوله لاحقا ابن تيمية في سياق مختلف حين يقرر أنّ "صريح المعقول لا يعارض صحيح المنقول". وعلى الرغم من التباين الكبير بين المشروعين فإنّ الجامع بينهما هو رفض الثنائية المفتعلة بين العقل والوحي مع اختلاف بيّن في طبيعة العقل المقصود وفي أدوات التحليل.

وفي صميم هذا المشروع يبرز نقد ابن رشد للمتكلمين بوصفه نقدا معرفيا لا مجرد خصومة مذهبية. فهو لا يخاصمهم لأنهم أشاعرة أو معتزلة أو غير ذلك فحسب بل لأنّ الصناعة التي غلبت عليهم هي صناعة الجدل لا البرهان. والجدل عند أرسطو وعند الشراح من بعده ليس باطلا من حيث الأصل، لكنه أدنى مرتبة من البرهان لأنه يتعامل مع المشهورات والمسلّمات الظنية لا مع المبادئ اليقينية. فإذا نُقلت قضايا العقيدة التي يُراد لها اليقين إلى فضاء الجدل نشأ الاضطراب من حيث لا يشعر المتكلم. ولذلك كان ابن رشد يرى أنّ علم الكلام لم يزد الناس في كثير من الأحيان إلا حيرة وأنّ ما سُمّي أدلة عقلية لم يكن في أحوال كثيرة إلا تعقيدات اصطلاحية بعيدة عن روح الشرع وعن مقتضى البرهان معا. وهنا تكتسب بنية الحجاج في الكشف معناها الحقيقي، فابن رشد لا يقدّم نتائج ثم يطلب التسليم بها، بل يبني خطابه على مسار تفكيكي تركيبي يبدأ بتشخيص فساد المناهج السائدة ثم ينتقل إلى بيان المناهج التي اعتمدها الشرع، ثم يبيّن أنّ هذه المناهج ليست مجرد وسائل وعظية بل تتضمن من المعقولية ما يفوق كثيرا من المصنوعات الكلامية. وهذا التحول من النقد إلى الاستخراج ثم إلى التأسيس هو الذي يمنح النص قوته. إنه لا يكتفي بهدم الخصم بل يعيد بناء الأرضية التي ينبغي أن يقوم عليها النظر الديني. ولذلك فإنّ "الكشف" هنا ليس كشفا عن أدلة فحسب، بل كشفٌ عن بنية عقلانية في صميم الوحي.

ولئن كان بعض الباحثين المحدثين قد رأى في هذا المسلك نزعة "إصلاحية" مبكرة داخل التراث الإسلامي فإنّ الأدقّ من ذلك أن نقول إنّ ابن رشد كان بصدد استعادة التوازن المفقود بين البيان والبرهان. فالحضارة الإسلامية في أوجها لم تكن قد عرفت هذا الانفصال الحاد بين علوم الشرع وعلوم العقل بالصورة التي استقرّت لاحقا في الوعي المدرسي. بل إنّ أئمة كبارا مثل الشافعي حين بنى أصول النظر الفقهي إنما كان يؤسس لصرامة استدلالية لا تقل في جوهرها عن مطلب الانضباط العقلي وإن اختلفت موضوعاتها وأدواتها. وكذلك فعل المالكية في باب المقاصد والمصالح حين ربطوا الأحكام بمعانيها وحِكمها. وابن رشد وهو الفقيه المالكي العارف بصناعة الأصول لم يكن بعيدا عن هذا الأفق. لذلك فإنّ معقوله الديني ليس طارئا مستوردا من خارج الشريعة بل هو استنطاق لأبعاد عقلية كامنة فيها.

بل يمكن القول إنّ إحدى عبقريات ابن رشد في هذا الكتاب أنه لا يفصل بين "المعقول" و"المشروع". فليس كل ما يمكن للعقل أن يتصوره صالحا لأن يكون جزءًا من البناء الديني العام. ولهذا يظلّ وفيا لمقتضى الشرع من حيث هو خطاب هداية لا مجرد نسق ميتافيزيقي. إنّه يعرف أنّ الدين ليس كتابا في المنطق ولا في الطبيعيات وأنّ المقصود الأسمى منه هو هداية الإنسان إلى السعادة العملية والنظرية. غير أنّ هذه الهداية نفسها لا يمكن أن تستقيم إذا ساد فيها اضطراب المناهج. ولذلك كان إصلاح مناهج النظر في العقائد جزءا من إصلاح العمران المعرفي للأمة. وهنا يبدو ابن رشد قريبا من الروح المدنية للفلسفة الكلاسيكية حيث لا تكون الحقيقة شأنا فرديا محضا بل ركيزة لنظام المدينة واستقامة الاجتماع.

وهذا يقودنا إلى ملاحظة أخرى، وهي أنّ المعقول الديني عند ابن رشد ليس مجرد مسألة معرفية محضة، بل له بعد تربوي وسياسي وثقافي. فحين ينتقد المتكلمين لأنهّم نشروا بين الناس أدلة لا يفهمونها فهو لا يشتكي فقط من ضعف البرهان بل من الأثر الاجتماعي لهذا الضعف. إنّ العقائد حين تُصاغ في قوالب جدلية عسيرة تنشأ عنها الفرق والانقسامات ويضعف اليقين ويحلّ محلّ الطمأنينة اضطرابٌ مذهبي لا ينتهي. لذلك كان ابن رشد حريصا على أن يردّ العامة إلى ما ينفعهم من ظاهر الشرع الصحيح وأن يردّ الخاصة إلى ما يليق بهم من البرهان وأن يمنع التداخل الفاسد بين المقامين. وهذه الفكرة في غاية العمق لأنها تجعل من تدبير المعرفة الدينية جزءا من تدبير السلم الرمزي داخل الجماعة.

وقد عبّر ابن خلدون بعده بقرون عن شيء من هذا المعنى حين رأى أنّ علم الكلام لما استقرّت العقائد وصار الإيمان مندرجا في تقاليد الأمة خفّت الحاجة إلى كثير من صنائعه الأولى وصار الاشتغال به على النحو الجدلي القديم قليل الجدوى إلا في مواطن مخصوصة. وعلى الرغم من اختلاف السياق بين الرجلين، فإنّ في كلام ابن خلدون صدى بعيدا للنقد الرشدي الذي كان يرى أنّ الإغراق في الجدل لا يبني يقينا راسخا بقدر ما يُنشئ عادات سجالية.

ويتضح أنّ كتاب الكشف عن مناهج الأدلة ليس نصا ثانويا في المشروع الرشدي كما ظنّ بعضهم، بل هو من أكثر نصوصه التصاقا بجوهر معركته الفكرية. ففيه تتقاطع الفلسفة بالأصول والفقه بالكلام والتأويل بالبرهان. وفيه يظهر ابن رشد لا شارحا لأرسطو فحسب بل مفكرا مسلما كبيرا يسعى إلى تحرير العقل الديني من الانحباس داخل الصيغ التي حجبت فاعليته. إنّ "المعقول الديني" عنده ليس تسمية طارئة بل هو جوهر الرهان، أن يعود الدين مجالا للحقيقة المضيئة لا ساحةً للخصومات العمياء وأن يُفهم الوحي في ضوء ما أودعه الله في الإنسان من قوة النظر لا في ضوء ما راكمته المدارس من أغلال الجدل. وإذا كان هذا هو الإطار العام الذي تنتظم فيه بنية الحجاج في الكتاب، فإنّ الانتقال إلى تحليل المباحث الداخلية وبخاصة طريقة ابن رشد في نقد دليل الحدوث ثم بنائه لأدلة العناية والاختراع ثم معالجته لمسألة الصفات والتأويل والنبوة، يكشف بدرجة أوضح عن أن الرجل لا يبدّل الأدلة فقط، بل يبدّل تصورنا ذاته لماهية الدليل الديني. وهو ما يجعل الكشف نصا تأسيسيا في تاريخ العقلانية الإسلامية، لا لأنه يكرّر الفلسفة داخل الدين، بل لأنه يعيد اكتشاف المعقول الذي في صلب الدين نفسه.

إنّ الدخول إلى البنية الداخلية للحجاج في الكشف عن مناهج الأدلة يبيّن بجلاء أنّ ابن رشد لم يكن بصدد استبدال دليل بدليل فحسب، بل كان يباشر مراجعةً جذرية للكيفية التي تُبنى بها الحقيقة الدينية في الوعي الإسلامي. فالمسألة عنده لا تتعلق بمجرّد ترجيح مذهبي بين متكلم وفيلسوف وإنما تتصل بإعادة ترتيب العلاقة بين النص والعقل والبرهان والجمهور. لذلك كان أول ما وجّهه بالنقد هو ذلك النمط من الأدلة الذي شاع عند المتكلمين تحت اسم "دليل الحدوث"، لأنّه رأى فيه مثالا ساطعا على انتقال العقيدة من فضاء البداهة الهادية إلى فضاء الصناعة الجدلية الملتبسة.

لقد أدرك ابن رشد أنّ دليل الحدوث كما صاغه المتكلمون سواء في صيغته المبنية على حدوث الأجسام أو في صيغته المتوسلة بإبطال التسلسل أو في وجوهه المتعددة القائمة على تقسيمات الجوهر والعرض، ليس دليلا صالحا لأن يكون أصلا عاما في تقرير الإيمان لا من جهة وضوحه ولا من جهة مطابقته لسنن الخطاب القرآني. فهو عنده دليل عسير المأخذ لا يسلكه إلا من تمرّس بالاصطلاحات المدرسية، ثم هو فوق ذلك ليس برهانيا خالصا بل جدليٌّ في أكثر مواضعه، لأن مقدماته نفسها ليست يقينية على النحو الذي يقتضيه البرهان. وحين تصبح المقدمات مظنونة أو مختلفا فيها فإنّ النتيجة لا تتجاوز رتبة الظن الغالب مهما اشتدّ التزويق المنطقي في عرضها. إنّ اعتراض ابن رشد ليس اعتراضا على استعمال العقل في إثبات الصانع بل اعتراض على عقلٍ لم يُحسن اختيار موضعه ولا مادته ولا صورته.

إنّ في هذا النقد بعدا منهجيا بالغ العمق، فابن رشد يميّز بين العقل من حيث هو قوة إدراك وبين "الصناعة" التي تنظّم هذه القوة وتمنعها من التخبّط. ولذلك فإنّ كثيرا مما يسميه الناس عقلا قد لا يكون عنده إلا توهّما عقليا أو شبهة منطقية لا ترقى إلى رتبة البرهان. وهو هنا يظلّ وفيا للميراث الأرسطي الذي يربط اليقين بنوع المقدّمات لا بمجرد صورة الاستدلال. وإذا كانت العقائد أصولا كبرى يُراد لها الرسوخ في النفس فإنّ بناءها على مقدمات دقيقة متنازع فيها يفضي إلى نقيض المقصود، لأنّ ما لا يرسخ إلا بصناعة شاقة سرعان ما يتزلزل بأدنى اعتراض. ويمكن هنا فهم حرصه على أن تكون الأدلة الدينية الكبرى أقرب إلى الفطرة وأظهر في الحسّ والنظر لأنّ ما كان أقرب إلى نظام الوجود وإلى التجربة الإنسانية أرسخ في النفس وأدعى إلى الطمأنينة.

على هذا الأساس ينتقل ابن رشد إلى ما يعدّه الطريق الأقوم في الاستدلال، وهو ما اصطلح عليه بـ"دليل العناية" و"دليل الاختراع". وهذان الدليلان لا ينبغي فهمهما على أنهما مجرد بديلين تقنيين عن دليل الحدوث، بل هما في الحقيقة ترجمة لرؤية مخصوصة للعالم وللعلاقة بين الإنسان والوجود. فدليل العناية يقوم على النظر في مناسبة الموجودات لوجود الإنسان وانتظامها على نحو يدلّ على قصد وحكمة وتقدير. ليس المقصود هنا مجرد المنفعة السطحية بل الكشف عن كون العالم مبنيا على نظام يمكن للعقل أن يدرك فيه جهة الغائية والملاءمة. فتعاقب الليل والنهار وتقدير الفصول وتناسب عناصر الحياة وتهيؤ الموجودات لما به قوام الإنسان والحيوان والنبات ليست عند ابن رشد مظاهر عشوائية، بل علامات على عناية سابقة في الوجود. وهنا يبدو قريبا من تلك الحكمة التي تجعل الكون كتابا مفتوحا للقراءة، لا كتلةً صمّاء من الوقائع.

أما دليل الاختراع فيقوم على النظر في نفس الموجودات من حيث تركيبها وصورها وخصائصها العجيبة التي تشهد بأنّها صادرة عن فاعل مبدع. فإذا كان دليل العناية ينظر إلى العالم من حيث ملاءمته وغائيته فإنّ دليل الاختراع ينظر إليه من حيث بناؤه وتكوينه وإبداع صورته. وبهذا المعنى يتكامل الدليلان، أحدهما يقرأ النظام من جهة الغاية والآخر يقرأه من جهة الصنعة. وكلاهما أقرب إلى البيان القرآني الذي يردّد النظر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وتسخير البحر وإنزال المطر وإحياء الأرض بعد موتها وتصريف الرياح وخلق الإنسان في أحسن تقويم. إنّ ابن رشد لا يبتدع هذين الدليلين من خارج النص بل يستنبطهما من صميم الحسّ القرآني في الاستدلال، ولذلك كان يراهما أصلحَ للعامة وأقربَ إلى الخاصة معا.

والحق أنّ هذا الموضع من أخصب مواضع الفكر الرشدي، فهنا لا يدافع عن الفلسفة باسم الفلسفة بل يبيّن أنّ الشرع نفسه أكثر عقلانية من المتكلمين الذين ظنّوا أنهم يحمونه. إنّ القرآن عنده لا يجرّد الإنسان من حسّه ولا يطالبه بالقفز فوق العالم إلى تصورات مجرّدة بل يربّيه على النظر في الموجودات باعتبارها آيات. والآية في بنيتها العميقة ليست "شيئا" فقط، بل "شيئا يدلّ". وهذا الانتقال من الشيء إلى دلالته هو عين الفعل العقلي. لذلك فإنّ المعقول الديني عند ابن رشد ليس تمرينا ذهنيا منفصلا عن الوجود بل هو فعل تأمّل في العالم بما هو مشحون بالمعنى. وهنا أيضا تتجلّى مسافة الرجل عن كل نزعة حرفية جامدة لأنّ الحرفية تقف عند ظاهر اللفظ كما تقف الحسّية الغافلة عند ظاهر الشيء بينما الرشدية تطلب باطن الدلالة من غير أن تنقض ظاهر الخطاب.

وإذا انتقلنا إلى مسألة الصفات الإلهية ظهر وجه آخر من وجوه إحكامه الحجاجي. فهذه القضية كانت من أعقد قضايا الكلام الإسلامي وأشدّها إنتاجا للانقسام المذهبي إذ تنازعتها اتجاهات التعطيل والتشبيه والتفويض والتأويل. وابن رشد لا ينخرط فيها على الطريقة الجدلية الموروثة بل يحاول ردّها إلى مقتضى الشرع ومقتضى البرهان معا. فهو يرى أنّ النصوص الواردة في الصفات لا يجوز أن تُفهم على نحو يفضي إلى التجسيم ولا على نحو يفضي إلى تعطيل مدلولاتها رأسا، وإنما تُفهم بحسب القاعدة التي تحفظ التنزيه وتراعي مستويات المخاطبين. فالشرع خاطب الجمهور بما يقرب إلى أفهامهم من غير أن يلزم من ذلك حمل الصفات على المعاني الحسية التي تليق بالمخلوقات. أما الخاصة الذين قام عندهم البرهان على تنزّه الباري عن مشابهة الحوادث فإنّهم يعلمون أنّ هذه الألفاظ جارية على سبيل التمثيل أو التقريب أو المجاز الذي تقتضيه اللغة الدينية في خطابها البشري، وهنا تتجلى دقة تصوره للتأويل. فالتأويل عنده ليس موقفا ميتافيزيقيا سابقا على النص بل هو نتيجة لقيام البرهان. فإذا ثبت برهان قطعي في باب من الأبواب امتنع حمل النص على ما يناقضه لأنّ الحق لا يتناقض. لكنّ هذا لا يفتح الباب لكل أحد أن يؤوّل بحسب هواه، لأنّ التأويل صناعة لها أهلها وحدودها ونشرها بين العامة فساد مضاعف. ولا يكون التأويل أداة لهدم الظاهر بل وسيلة لحفظ الحقيقة من أن تُفهم على وجه مستحيل. وقد أحسن ابن رشد هنا ضبط الموازنة بين حرمة النص وحرمة البرهان. فلا النص يُستباح باسم العقل ولا العقل يُلغى باسم الظاهر. وإذا كان الغزالي قد قال في بعض مقاماته إنّ "من ظنّ أنّ المنقول يعارض المعقول فقد ظنّ بالمصدرين جميعا سوءا"، فإنّ ابن رشد يذهب أبعد من ذلك بجعل هذا التوافق أصلا بنيويا في فهم الدين لا مجرد حلّ اضطراري عند التعارض.

وتبلغ بنية الحجاج الرشدي درجة أعمق من الإحكام حين يتناول مسألة النبوة. فهو لا يتعامل معها باعتبارها معجزة خارقة فحسب، بل باعتبارها ضرورة في نظام الاجتماع الإنساني وفي كمال النوع البشري. فالإنسان عنده لا يكتمل بمجرد العقل النظري لأنّ أكثر الناس لا يطيقون إدراك الحقائق في صورتها البرهانية الخالصة. ومن هنا كانت النبوة رحمةً معرفيةً وتشريعيةً وتربويةً في آن. إنها تنقل الحقائق الكبرى إلى مستوى يمكن للجماعة البشرية أن تتلقاه في صورة أمثال وصور وتشريعات ومواعظ وعبادات. وتبدو النبوة عند ابن رشد ذروة الحكمة العملية الإلهية في تدبير البشر. إنها ليست نقيض العقل بل صورته العليا في أفق الهداية العامة. فالفيلسوف يدرك الحقيقة بالبرهان، أما النبي فيجمع إلى ذلك القدرة على تمثيلها للناس في صور تخاطب خيالهم وعقولهم وضمائرهم.

وهذا التصور يجعل من الدين بنيةً رمزيةً عميقة لا يمكن اختزالها في خطاب مفهومي مجرد. وهنا نفهم لماذا لم يكن ابن رشد من دعاة تحويل الشريعة إلى فلسفة مدرسية، لأنّه يعلم أنّ الحقيقة إذا نزعت عنها قدرتها على التمثيل والتخييل والتربية فقدت أثرها في الجمهور. وقد سبق الفارابي إلى تقرير هذا المعنى حين جعل الملّة محاكاةً فلسفيةً للحقائق النظرية بلغة المدينة، لكنّ ابن رشد يحرص على ألا يُفهم هذا في اتجاه ينتقص من الوحي أو يجعله مجرد صورة أدنى من الحقيقة. بل الحقيقة واحدة غير أنّ طرق إفادتها مختلفة بحسب المقامات. والنبوة ليست منزلة أدنى من البرهان بل هي نمط أعلى من الإفاضة الإلهية يجمع ما تفرّق في الصناعات البشرية.

أما في باب المعاد فإنّ ابن رشد يتجنب الانزلاق إلى تفصيلات جدلية أنهكت التراث وأنتجت خصومات لا تنتهي. فهو يثبت للشرع ما أثبته من الجزاء والسعادة والشقاء، لكنه لا يرى أن كل الصور الواردة في النصوص يجب أن تُحمل على ظاهر حسّي واحد عند جميع الناس. فالمقصد الأسمى هو تقرير المعنى الأخلاقي والوجودي للمعاد ، أي أنّ الإنسان ليس كائنا عابرا منقطع الصلة بمصيره وأنّ أفعاله مندرجة في نظام عدل كوني لا يضيع فيه خير ولا شر. وإذا كانت اللغة الدينية قد صاغت ذلك بصور محسوسة في كثير من المواضع فإنما فعلت ذلك لأنّ الجمهور لا ينهض أكثره إلى المعاني المجردة. أما أهل النظر فقد يدركون من هذه الصور ما وراءها من الحقائق المناسبة لمراتبهم. وبهذا يظلّ ابن رشد وفيا لقاعدته الكبرى، وحدة الحقيقة وتعدد طرائق التعبير عنها.

إنّ الذي يلفت النظر في كل هذه المباحث أنّ ابن رشد لا يسلك مسلك الهجوم الانفعالي على مخالفيه، بل يبني اعتراضه على قاعدة منهجية صارمة، فساد الدليل يفسد المدلول في الوعي ولو صحّ المدلول في نفسه، وهذا من أدقّ ما في فلسفته. فكم من حق أفسدته طرائق الدفاع عنه، وكم من عقيدة صحيحة أضعفتها صناعة سيئة. ولذلك كان همه منصبا على "تخليص" العقائد من الأدلة التي شوّهت صورتها. وهنا يتجاوز ابن رشد مجرّد الجدل المذهبي إلى ما يمكن تسميته أخلاقا للبرهان. فالبرهان ليس مجرد آلة معرفية بل هو أيضا مسؤولية حضارية لأنّ طريقة عرض الحقيقة قد تحفظها في الأمة أو تُفسدها في وجدانها.

ومن ثم فإنّ الكشف عن مناهج الأدلة ليس كتابا في الرد على الأشاعرة أو المعتزلة وحسب، ولا كتابا في التوفيق بين الحكمة والشريعة بالمعنى المدرسي الضيق، بل هو نصّ تأسيسي في إصلاح العقل الديني الإسلامي. إنه يعلن أن الأزمة ليست في وفرة النصوص ولا في ضعف الإيمان من حيث المبدأ، بل في سوء ترتيب العلاقة بين النصوص ومناهج فهمها. وما لم يُصلح هذا الموضع ظلّت الثقافة الدينية عرضة للتنازع بين حرفية تقتل المعنى وجدلية تقتل اليقين وفلسفة مغلقة على نخبويتها. أما الرشدية فإنها تقترح طريقا ثالثا أكثر توازنا، عقلٌ برهاني لا يستنكف عن الشرع وشرعٌ بياني لا يعادي البرهان.

ولعلّ هذه هي النقطة التي تجعل ابن رشد حاضرا في كل لحظة فكرية يُعاد فيها طرح سؤال الدين والعقل. فالرجل لا يقدّم وصفة جاهزة ولا يسلّمنا مذهبا مكتملا بقدر ما يعلّمنا فضيلةً منهجية، أن نفحص الطريق قبل أن نتشبث بالنتيجة وأن نميّز بين مراتب الخطاب قبل أن نعمّم أحكامنا وأن نعرف أنّ الدفاع عن الدين قد يكون أحيانا بإبعاد بعض المدافعين عنه عن صدارته المعرفية. وهذه جرأة نادرة لا يقدر عليها إلا من جمع بين التديّن العميق والثقة الصارمة في العقل.

إنّ المعقول الديني عند ابن رشد ليس مجرد مفهوم فلسفي بل هو رؤية للإنسان نفسه. فالإنسان عنده ليس متلقيا سلبيا للوحي ولا صانعا مستقلا للحقيقة، بل هو كائن أُعطي من العقل ما يؤهله لفهم الدلالة، وأُعطي من الوحي ما يهديه إلى تمام المقصد. وإذا انفصل العقل عن الوحي استحال دهاءً باردا أو جدلا عقيما، وإذا انفصل الوحي عن العقل انقلب إلى ألفاظ تتنازعها الأهواء والظواهر. أما حين يلتقيان في أفقهما الصحيح فإنّ الدين يغدو معقولا من غير أن يفقد قدسيته ويغدو العقل متدينا من غير أن يفقد حريته، وفي هذا تكمن فرادة ابن رشد. ولم يكن همه أن يجعل الدين تابعا للفلسفة ولا أن يجعل الفلسفة خادمةً ذليلة للدين، بل أن يكشف عن المجال الذي يلتقي فيه الاثنان في صورة أرفع، صورة الحقيقة التي تتسع للبرهان وتفيض بالهداية. لذلك ظلّ الكشف كتابا يتجاوز زمانه لأنّه لا يعالج خلافات المدارس فقط، بل يمسّ السؤال الأبقى، كيف يمكن أن يكون الإيمان عقلانيا من غير أن يفقد حرارة الإيمان، وكيف يمكن أن يكون العقل وفيا للحقيقة من غير أن يتحول إلى خصم للمعنى؟.

إنّ ابن رشد أعاد للدين حقّه في أن يُفهم لا أن يُردَّد فقط، وأعاد للعقل حقّه في أن يهتدي لا أن يتسلّط، وأعاد للبرهان كرامته في ساحة امتلأت طويلا بصخب الجدل. لقد كان يرى أن الله الذي خلق العقل لا يمكن أن يشرع ما يهدمه وأن الشريعة التي جاءت لهداية الإنسان لا يمكن أن تؤسس ذاتها على ما يعجز أكثر الناس عن إدراكه أو يفضي إلى اضطرابهم. لذلك كانت عنايته بمناهج الأدلة عنايةً بجوهر الدين لا بهامشه وبمستقبل الثقافة الإسلامية لا بمسألة مدرسية عابرة.

وينتهي النظر في الكشف عن مناهج الأدلة إلى أن ابن رشد لم يكن يكتب في العقيدة وحسب بل كان يكتب في شروط إمكان العقل الديني نفسه. كان يفتّش عن دينٍ قادر على أن يسكن العالم من غير أن يستسلم له وعن عقلٍ قادر على أن ينظر في الوجود من غير أن يتكبّر على الوحي وعن لغةٍ تقدر أن تحمل الحقيقة إلى العامة والخاصة معا من غير أن تخونها. وتلك منزلة لا يبلغها إلا فكر كبير لأنّ الفكر الكبير ليس هو الذي يكثر من الأجوبة، بل الذي يعيد صياغة السؤال في مستوى أعمق. وابن رشد في هذا الكتاب لم يسأل فقط كيف نثبت العقائد؟ بل سأل قبل ذلك بأي عقل نثبتها وبأي خطاب نحفظها وبأي منهج نجعلها مصدرا للوحدة لا مادةً للفرقة.

لهذا السبب يظلّ الكشف نصا حيا في كل مشروع يروم تجديد النظر الديني من الداخل. إنه لا يمنحنا مجرد تراث نقرأه بل يهبنا معيارا نحاكم به طرائقنا نحن في التفكير والإقناع والتعليم. وحين نقرأه اليوم ندرك أنّ أزمتنا ليست بعيدة عن أزمته، ما زلنا نتنازع بين ظاهرية تضيق بالمعنى وبين عقلانية سطحية لا تعرف من العقل إلا الاعتراض. أما ابن رشد فيعلّمنا أنّ العقل الحق ليس خصومةً بل إنصاف، وأنّ الدين الحق ليس انغلاقا بل انكشاف، وأنّ البرهان إذا اقترن بالحكمة صار طريقا إلى السكينة لا إلى الشقاق.

***

د. حمزة مولخنيف

حدود تعليم الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط

حين تلوح الفلسفة في أفق الحضارات الكبرى فإنها لا تظهر بوصفها علما من علوم النظر فحسب، بل تنبثق باعتبارها امتحانا دقيقا لمدى قدرة المجتمع على احتمال الحقيقة في صورتها العارية وعلى تدبير العلاقة الشائكة بين المعرفة وسلطتها وبين البرهان وحدود تداوله وبين النخبة العالمة والجماعة الحاملة للمعنى الديني والأخلاقي. وتغدو مسألة الفلسفة في المجال الإسلامي الوسيط أعمق من أن تُختزل في نزاع مدرسي بين الفقهاء والحكماء أو أن تُقرأ في ضوء ثنائية مكرورة بين العقل والنقل. فالأمر يتعلق في جوهره بسؤال ثقيل الوطأة، نافذ الأثر، متصل ببنية الاجتماع الإسلامي نفسه، كيف يمكن للمعرفة البرهانية أن تجد موطئ قدمها داخل مجتمع تشكّلت وحدته الرمزية في كنف الوحي وتحددت فيه مراتب القول وشرائط الفهم ومقامات التلقي على نحو بالغ الحساسية؟.

وفي قلب هذا السؤال ينهض ابن رشد بوصفه أحد أكثر العقول الإسلامية وعيا بطبيعة المعضلة وأشدها إدراكا لما يترتب عنها من آثار معرفية وسياسية وتربوية. فالرجل لم يقتصر جهده على الذب عن الفلسفة من تهم الزندقة والابتداع ولم يحصر همه في إقامة الصلح النظري بين الحكمة والشريعة، بل مضى إلى مستوى أبعد وأدق، وهو مستوى مساءلة شروط تعليم الفلسفة نفسها والبحث في حدود بثها وتعيين جمهورها والتمييز بين من يطيق حمل البرهان ومن يقف به الخطاب عند أفق التمثيل والإقناع. ويتجاوز ابن رشد صورة الشارح الكبير لأرسطو إلى صورة المفكر الذي أدرك أن الحقيقة لا تُقاس بمضمونها المجرد وحده، بل بما تقتضيه من آداب في التبليغ وما تستلزمه من حكمة في ترتيب الخطابات وما تستدعيه من فقه دقيق بمراتب العقول واختلاف قوى الإدراك.

ذلك أن إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد تكشف عن موضع بالغ الدقة في تاريخ العقل الإسلامي حيث تتقاطع مشروعية النظر البرهاني مع رهانات الاستقرار العقدي وتتداخل سلطة التأويل مع مسؤولية التعليم ويتحول السؤال عن الفلسفة من سؤال في الجواز إلى سؤال في الأهلية والوظيفة والمآل. فليس كل حق يقال على وجه واحد ولا كل معنى يودع في كل ذهن على السواء ولا كل حقيقة تنجو من الفساد إذا انتقلت من مقامها إلى غير مقامها. ومن ثم فإن البحث في حدود تعليم الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط لا يفضي إلى استعادة خصومة قديمة بين فقيه وفيلسوف بقدر ما يفضي إلى تفكيك بنية ثقافية كاملة كانت تصارع من أجل التوفيق بين مقتضيات الهداية العمومية ومطالب اليقين العقلي وبين وحدة الجماعة وحرية النظر وبين ظاهر النص وعمق التأويل.

وعلى هذا الأساس يعد النظر في مشروع ابن رشد بابا إلى فهم إحدى أعقد اللحظات في تاريخ الفكر الإسلامي، لحظة حاول فيها العقل البرهاني أن ينتزع لنفسه شرعية داخل فضاء شديد الانضباط وأن يؤسس لوجوده من غير أن يتحول إلى قوة تقويض أو مادة فتنة. وتنبع أهمية هذا الموضوع إذ يضعنا أمام سؤال يتجاوز سياقه الوسيط ليطال كل حضارة تتنازعها الحاجة إلى الحقيقة والخشية من آثارها، بأي قدر من الحكمة يُعلَّم العقل؟ وأين ينتهي حق المعرفة ويبتدئ واجب التدرج؟ وكيف تصان الفلسفة من خصومها ومن سوء صنيع بعض أهلها في آن واحد؟.

ليس من اليسير تناول موقع الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط من غير الوقوف طويلا عند المعضلة التي صاغها ابن رشد في صورة سؤال مضمر يجاوز مجرد الدفاع عن الحكمة إلى مساءلة شروط تداولها وحدود بثها وطرائق تعليمها ومجال المخاطبين بها. ذلك أن الإشكال عنده لم يكن محصورا في إثبات مشروعية النظر العقلي فحسب، بل كان متعلقا أيضا بتحديد من يحق له أن ينظر وكيف ينظر وبأي لغة يتلقى المعارف البرهانية. وتتبدى مسألة الجمهور الفلسفي عند ابن رشد لا بوصفها تفصيلا تعليميا عارضا بل باعتبارها عقدة نظرية تمس بنية الاجتماع الإسلامي الوسيط وتكشف عن توتر عميق بين الحقيقة ووسائطها وبين الحكمة وأهليتها وبين المعرفة ومآلاتها في المجال العمومي.

لقد كان ابن رشد يعيش في لحظة تاريخية شديدة الحساسية. فالفلسفة لم تكن حينئذ علما غريبا لم يلتفت إليه أحد بل غدت موضوع نزاع حاد بين المتكلمين والفقهاء والفلاسفة وأهل الحديث والمتصوفة. وكانت آثار أبي حامد الغزالي قد تركت في الوعي الإسلامي جرحا معرفيا لم يندمل. فهو وإن لم يهدم الفلسفة من أساسها كما يتوهم كثير من القراء فإنه زعزع ثقة الجمهور في الفلاسفة وأعاد ترسيم حدود المقبول من علومهم. وقد كان قوله في تهافت الفلاسفة ذا وقع بعيد: «نُكفِّرهم في ثلاث مسائل ونبدّعهم في سبع عشرة». وهذه العبارة لم تكن مجرد تقرير مذهبي بل كانت إعلانا عن خطورة انتقال بعض القضايا الفلسفية من حيز الدرس الخاص إلى فضاء الاعتقاد العام. لذلك فإن ابن رشد حين تصدى للرد في تهافت التهافت لم يكن يدافع عن أرسطو أو الفارابي أو ابن سينا فقط بل كان يدافع عن إمكان قيام حقل برهاني داخل حضارة يهيمن عليها منطق البيان والجدل.

غير أن دفاعه هذا لم يتخذ صورة تبشير مفتوح بالفلسفة لعامة الناس، وهنا تظهر مفارقته الكبرى. فابن رشد الذي قرر في فصل المقال أن «الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة» وأن «الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له» هو نفسه الذي شدد على خطورة كشف التأويلات البرهانية لغير أهلها. وليس هذا تناقضا في بنية المشروع الرشدي كما قد يتوهم بعض الدارسين بل هو عين منطقه الداخلي. ذلك أن الرجل كان يميز بصرامة بين مراتب العقول وطرائق التصديق وأنماط الخطاب. فالناس عنده ليسوا سواء في تحصيل اليقين ولا في القدرة على حمل المعاني الكلية المجردة. إن الحقيقة الواحدة قد تتعدد سبل عرضها بحسب طبائع المتلقين من غير أن يعني ذلك تعدد الحقيقة في ذاتها. وهذه الفكرة هي المفتاح الأساس لفهم إشكالية الجمهور الفلسفي عنده.

إن ابن رشد في هذا الباب وريث مباشر للتقسيم الأرسطي لأنماط البرهان والإقناع. فليس كل خطاب برهانيا بالمعنى الدقيق. هناك البرهاني الذي يخاطب الخاصة القادرين على استيفاء المقدمات الضرورية واستنباط النتائج على وجه لا يتطرق إليه الشك. وهناك الجدلي الذي يقوم على المشهورات والمقبولات ويصلح للمناظرات الكلامية والفقهية. وهناك الخطابي الذي يعتمد التمثيل والتخييل والتأثير الوجداني وهو الأليق بمخاطبة الجمهور الواسع. وقد استثمر ابن رشد هذا التمييز داخل الحقل الشرعي نفسه، فالشرع عنده خاطب الناس جميعا بحسب مراتبهم. وفي ذلك يقول في معنى قريب: إن الشرع دعا إلى الاعتبار والنظر لكنه لم يكلّف الناس جميعا بطريق واحد في تحصيل المعرفة. فمنهم من يصدق بالبرهان ومنهم من يصدق بالجدل ومنهم من يصدق بالخطابة. وليس المقصود هنا تفضيل صنف على آخر أخلاقيا بل بيان اختلاف القوى الإدراكية.

وهذه الفكرة تجد لها صدى بعيدا في التراث الإسلامي نفسه. فالشافعي حين تكلم على مراتب الفهم في الرسالة كان واعيا بأن الخطاب الشرعي لا يتلقاه الناس على درجة واحدة. والجويني في البرهان والغياثي كان يميز بين طبقات النظار والعوام. وأبو حامد الغزالي نفسه قال في إلجام العوام عن علم الكلام: «اعلم أن الحق الصريح الذي لا مرية فيه عند أهل البصائر أن الخوض في هذا العلم حرام على أكثر الخلق». وليس بين هذا وبين موقف ابن رشد من حيث البنية العامة تباين مطلق وإن اختلفت المقاصد والمقدمات. فالغزالي يخشى فساد العقائد من الكلام كما يخشى ابن رشد فسادها من إساءة عرض البرهان. لكن الفرق الجوهري أن الغزالي يجعل الاحتياط مفضيا إلى تضييق أفق الفلسفة بينما يجعل ابن رشد الاحتياط نفسه شرطا لحفظ الفلسفة لا لإلغائها.

إن سؤال الجمهور الفلسفي عند ابن رشد لا ينهض على احتقار العامة كما يذهب إليه بعض القراءات المتعجلة بل على تصور إبستمولوجي واجتماعي معا. فالمعرفة البرهانية عنده ليست قابلة للتعميم المباشر لأنها مشروطة بملكة مخصوصة وبرياضة عقلية طويلة وبقدرة على احتمال التجريد. وإذا انتقلت إلى غير موضعها تحولت من علم إلى فتنة. وقد صرح في فصل المقال بمعنى بالغ الدلالة حين قال إن من صرح بالتأويلات لغير أهلها «فقد دعاهم إلى الكفر». هذه العبارة شديدة القوة ولا يمكن فهمها إلا في سياق إدراكه العميق للفارق بين الحقيقة في ذاتها والحقيقة من حيث تلقيها الاجتماعي. فالفكرة الصحيحة إذا وردت على ذهن غير مهيأ قد تنقلب إلى سبب للإنكار والاضطراب. ولذلك كان يرى أن كثيرا من خصومات الفلاسفة مع الجمهور إنما نشأت من سوء الوساطة لا من فساد المقاصد.

إن هذا الوعي بالوساطة المعرفية يجعل ابن رشد فيلسوفا سياسيا بقدر ما هو شارح لأرسطو. فهو يعلم أن الاجتماع الديني لا يقوم على البرهان وحده بل يحتاج إلى الرموز الجامعة والصور التمثيلية والمقاصد العملية التي تحفظ النظام الأخلاقي والمدني. وقد كان أفلاطون قبله قد لمح إلى شيء قريب حين جعل المدينة لا تنتظم إلا إذا عرفت طبقات النفوس ودرجات الاستعداد للحكمة. وفي الجمهورية لا تُعطى الفلسفة لكل أحد لأن «أكثر النفوس إذا ذاقت منها شيئا يسيرا فسدت». وأرسطو نفسه لم يكن يرى أن التعليم الفلسفي الأول يصلح لكل الناس على السواء. ثم إن الفارابي في آراء أهل المدينة الفاضلة والملة أقام تمييزا حاسما بين الحقيقة الفلسفية وتمثلاتها الملية. فالمعقولات البرهانية تتجسد في صور تخييلية لكي تصير قابلة للتداول العمومي. وقد كان ابن رشد وارثا لهذا الخط وإن كان أقل ميلا إلى البناء اليوتوبي وأكثر التصاقا بالمشكل الفقهي والسياسي الواقعي.

غير أن المثير في المشروع الرشدي أن هذا التمييز بين الخاصة والعامة لا ينتهي إلى قطيعة معرفية مطلقة بل إلى توزيع وظيفي للخطاب. فالجمهور ليس خارج الحقيقة من حيث المآل وإنما هو يتلقاها في صورة تناسب طاقته الإدراكية. لذلك لم يكن ابن رشد يدعو إلى إنشاء نخبة مغلقة تتملك الحقيقة وتحتكرها على نحو باطني كما قد يفعل بعض الاتجاهات الإشراقية أو الباطنية. بل كان يرى أن الشريعة نفسها قد تضمنت الحقيقة على أنحاء مختلفة. فالظاهر للعامة والباطن للراسخين في العلم. وهذه الصيغة ليست بعيدة عن الآية المؤسسة: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ على أحد وجوه القراءة المعروفة. كما أنها تتجاوب مع مقولات قديمة عند ابن عباس وغيره في تمييز مستويات الفهم. ولعل ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من قوله: «حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله» يمثل خلفية ثقافية عميقة لهذا المنزع. فالمسألة ليست كتمانا للحقيقة بل مراعاة لأهلية المتلقي.

ونفهم هنا لماذا كان ابن رشد شديد النقد لأولئك الذين خلطوا بين الصناعات وأفسدوا نظام التعليم. فهو يرى أن المتكلمين من جهة والفلاسفة غير المحكمين من جهة أخرى أسهموا في تشويش المجال العمومي. أما المتكلمون فلأنهم نقلوا مسائل دقيقة إلى جمهور لم يُخلق لها وجعلوا العقائد محل منازعات جدلية لا تنتهي. وأما بعض المنتسبين إلى الفلسفة فلأنهم لم يلتزموا البرهان الصارم بل مزجوا بين الظن واليقين وبين الحكمة والجدل. ولهذا كان ابن رشد في مواضع كثيرة أكثر قسوة على «أهل الكلام» لا لأنهم استعملوا العقل بل لأنهم استعملوه استعمالا غير منضبط في نظره. وهو هنا قريب من أرسطو في نفوره من السفسطة، فليست كل دعوى عقلية عقلانية بالفعل. وقد قال أرسطو في التحليلات ما معناه إن البرهان لا يقوم إلا على مبادئ أولى ضرورية. فإذا غابت الضرورة حضر التوهم.

وإذا تأملنا هذا الموقف في ضوء البنية الثقافية للمجتمع الإسلامي الوسيط أدركنا أن ابن رشد كان يواجه معضلة مزدوجة. فمن جهة كان عليه أن يثبت شرعية الفلسفة داخل أفق ديني تهيمن فيه سلطة النص وعلومه، ومن جهة أخرى كان عليه أن يحول دون تحول الفلسفة إلى مادة اضطراب اجتماعي أو ذريعة اتهام عقدي. ولهذا جاءت لغته في فصل المقال حذرة جدا. فهو لا يقول إن كل أحد مأمور بالنظر البرهاني بل يقول إن الشرع أوجب النظر على من كان من أهله. وهذه العبارة الدقيقة تؤسس لما يمكن تسميته فقه الأهلية المعرفية. فكما أن الفقهاء يميزون بين مراتب التكليف والقدرة والاستطاعة يميز ابن رشد بين مراتب النظر العقلي والاستعداد البرهاني. وليس غريبا أن يصوغ دفاعه عن الفلسفة بلغة فقهية أصولية لأن المعركة لم تكن نظرية مجردة بل كانت معركة مشروعية داخل فضاء تهيمن عليه أدوات الفقه والجدل.

ولئن كان بعض الدارسين المعاصرين قد رأى في هذا التمييز نزعة أرستقراطية معرفية فإن الإنصاف يقتضي ألا نحاكم ابن رشد بمقاييس حديثة نشأت في سياقات مغايرة. ففكرة تعميم التعليم الفلسفي على النحو الذي نتصوره اليوم لم تكن متاحة لا من حيث البنية المؤسسية ولا من حيث مفهوم المعرفة ذاته. لقد كان العلم في المجتمع الوسيط مرتبطا بالإجازة والتدرج والصناعة والملكة. ولم يكن مجرد مضمون يُنقل بل هيئة نفسية تُكتسب. وابن خلدون بعد ابن رشد بقرون سيقول في المقدمة إن «العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة» وأن الملكات لا تحصل إلا بالتدرج والتكرار والمباشرة. وسيبين أن التعليم إذا تجاوز طاقة المتعلم أورثه العجز. وهذا المعنى بعينه نجده عند ابن رشد في صورة أرقى وأشد التصاقا بمشكل الفلسفة. فليس كل من سمع قولا فلسفيا صار فيلسوفا كما أن سماع مسائل الخلاف لا يجعل المرء فقيها.

ومع ذلك فإن الموقف الرشدي لا يخلو من توتر داخلي بالغ العمق. فإذا كانت الحقيقة واحدة والشرع داعيا إلى النظر وكانت الفلسفة واجبة على من استكمل شروطها فكيف يمكن للمجتمع أن يضمن تكوين هذا الجمهور الخاص من غير أن يفتح باب الفلسفة على نحو أوسع؟ وإذا كان إخفاء التأويلات عن العامة لازما صيانةً للإيمان فكيف تتجدد النخبة البرهانية جيلا بعد جيل؟ هنا تنكشف إحدى أعقد الإشكالات في المشروع الرشدي. فهو من جهة يريد حفظ التراتب المعرفي ومن جهة أخرى يحتاج إلى مؤسسات تعليمية تنتج أهل البرهان. لكن المجتمع الذي يضيق بالفلسفة أو يرتاب فيها لا يوفر بسهولة شروط هذا الإنتاج. إن الدفاع عن الفلسفة عند ابن رشد يظل معلقا بين مثال نظري دقيق وواقع سياسي مضطرب.

لقد أدرك ابن طفيل هذا التوتر بطريقة رمزية في قصته الفلسفية حي بن يقظان. فحي يبلغ الحقيقة بالعقل الخالص ثم يلتقي بالمجتمع ممثلا في أبصال وسلامان. وحين يحاول أن ينقل ما أدركه إلى الجمهور يكتشف أن أكثر الناس لا يحتملون ذلك. فيرجع إلى العزلة بعد أن يوقن أن للناس منازل وأن «الحكمة لا تعطى إلا لأهلها». هذه الثيمة ليست بعيدة عن ابن رشد الذي قدم لكتاب ابن طفيل وعرف مشروعه. بل يمكننا القول إن حي بن يقظان يقدم المشهد الرمزي لما يعالجه فصل المقال والكشف عن مناهج الأدلة معالجة نظرية مباشرة. ففي الحالتين نحن أمام السؤال نفسه: كيف تُصان الحقيقة حين تدخل المجال العمومي؟ وكيف يظل الدين جامعا للأمة من غير أن يتحول إلى خصومة تأويلية لا قرار لها؟.

إن ابن رشد في عمق مشروعه لا ينظر إلى الجمهور بوصفه كتلة جاهلة يجب استبعادها بل بوصفه مكونا ضروريا في انتظام المدينة الدينية. فالجمهور هو حامل الملة ووعاء العادات والفضائل العملية. وما تحتاجه المدينة ليس أن يتحول الجميع إلى فلاسفة بل أن تستقيم العلاقة بين البرهان والشرع وبين الخاصة والعامة على قاعدة التكامل لا التنازع. ولعل هذا ما يفسر قوله الضمني إن الشرع جاء بتعليم الجمهور على وجه خطابي وتمثيلي لا لأن الخطاب الخطابي أدنى قيمة مطلقا بل لأنه الأوفق بوظيفة الهداية العامة. وقد كان ابن سينا قد لمح إلى هذا المعنى حين قرر أن الأنبياء يخاطبون الجمهور بالأمثال والصور لأن «التصريح بالحقيقة المجردة لا تحتمله العامة». لكن ابن رشد يذهب أبعد من ابن سينا في ضبط هذه الفكرة ضمن أفق فقهي وسياسي أكثر صرامة.

ويتبين  لنا أن إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد ليست هامشا في مشروعه بل هي قلب المسألة. إنها النقطة التي تتقاطع فيها نظرية البرهان مع سياسة المعرفة وفقه التأويل وبنية الاجتماع الإسلامي الوسيط. ومن غير فهم هذا التقاطع يغدو الدفاع الرشدي عن الفلسفة مبتورا أو مشوها. فهو ليس دعوة مطلقة إلى إطلاق الفلسفة في الفضاء العام ولا هو رضوخ كامل لمنطق المنع والتحريم. إنه محاولة دقيقة لتأسيس مشروعية الحكمة داخل نظام ديني مدني مع الاعتراف بأن للحقيقة شروطا في التعليم والتلقي لا يجوز القفز عليها. وهذا ما يجعل ابن رشد أقرب إلى فيلسوف التوازنات الدقيقة منه إلى داعية عقلانية ساذجة أو باطنية مغلقة.

وفي هذا المستوى بالذات تنفتح أمامنا أسئلة أشد عمقا، هل كان ابن رشد يؤسس لنوع من النخبوية المعرفية الضرورية أم أنه كان يسجل مأزق الحضارة التي لم تستطع أن تحول الفلسفة إلى ثقافة عمومية؟ وهل كان احترازه من الجمهور حلا مرحليا فرضته ظروف عصره أم أنه مبدأ بنيوي في تصوره للمعرفة؟ ثم إلى أي حد أسهم هذا الاحتراز نفسه في تضييق دائرة الفلسفة داخل المجال الإسلامي بدل توسيعها؟ تلك أسئلة لا يمكن معالجتها من غير تفكيك تصوره لمراتب التصديق ولنقده لعلم الكلام ولطبيعة العلاقة بين التأويل والسلطة الدينية والسياسية. وهو ما يقتضي أن نواصل النظر في النص الرشدي نفسه وفي شروطه التاريخية وفي أثره اللاحق داخل الإسلام والغرب اللاتيني على السواء.

غير أن استيعاب إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد لا يكتمل إلا إذا تجاوزنا الصيغة العامة التي عرضها في فصل المقال إلى النظر في البنية الداخلية التي تنتظم بها العلاقة بين البرهان والتأويل والسلطة المعرفية. فابن رشد لم يكن معنيا بمجرد الدفاع عن حق الفيلسوف في التفكير وإنما كان معنيا أكثر من ذلك بتحديد الشرط الذي يجعل التفكير الفلسفي ممكنا من غير أن ينقلب إلى قوة هدم داخل المجال الديني والمدني. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يشتغل في عمق نصوصه ليس هل يجوز تعليم الفلسفة؟ بل لمن يجوز؟ وكيف يجوز؟ وبأي لغة يجوز؟ وما الحد الذي إذا تجاوزته الفلسفة في خطابها العمومي تحولت من أداة تحرير إلى سبب اضطراب؟.

هنا تحديدا يتعين استحضار الكشف عن مناهج الأدلة لأنه النص الذي تتجلى فيه حساسية ابن رشد تجاه المجال العمومي الديني. ففي هذا الكتاب لا يكتفي بانتقاد المتكلمين من جهة قصور مناهجهم البرهانية بل يتهمهم ضمنا بأنهم أفسدوا على الجمهور عقائدهم حين نقلوا قضايا دقيقة إلى ساحة النزاع. إن الذي يزعج ابن رشد في الكلام ليس فقط كونه لا يبلغ اليقين البرهاني بل كونه يخلط بين مقام التعليم ومقام الجدل. فالجمهور يحتاج إلى ما يرسخ المعنى الإيماني ويؤسس الاستقامة العملية، بينما يأتي المتكلم فيجرّه إلى مساحات من الاحتمال لا يملك أدوات حسمها،  حيث إن علم الكلام عنده لا يفسد الفلسفة وحدها بل يربك الدين نفسه من حيث هو نظام هداية عمومية.

وهذا الاعتراض في غاية العمق لأن ابن رشد لا يهاجم مضمون الكلام بقدر ما يهاجم وضعيته التداولية. فالقضية ليست في صحة القول أو فساده فقط بل في ملاءمة القول لمقامه. إن العبارة إذا خرجت من مقامها فسدت وإن كانت في ذاتها حقا. وهذا من أبلغ ما وعاه ابن رشد في مسألة التعليم. فالحقيقة لا تقاس عنده بمضمونها المجرد وحده بل بقدرتها على أن تُعطى في صورتها المناسبة. وفي هذا المعنى يبدو كأنه يزاوج بين نظرية في الصدق ونظرية في الحكمة العملية. وليس بعيدا عن هذا ما نجده عند أرسطو في الأخلاق إلى نيقوماخوس حين يقرر أن الدقة لا تطلب في كل شيء على السواء وأن طلب اليقين في غير موضعه جهل بطبيعة الموضوع. فإذا كان لكل موضوع منهجه فإن لكل جمهور أيضا مستوى من الخطاب يليق به.

وتكتسب ثنائية الظاهر والباطن عند ابن رشد معناها الدقيق، فهي ليست ثنائية سرية بالمعنى الباطني الذي يجعل النص الشرعي قناعا لمعنى آخر لا يعرفه إلا المصطفون، وإنما هي ثنائية وظيفية تقوم على أن النص الواحد يحتمل مراتب من الفهم تبعا لمراتب العقول. فالمعنى الظاهر ليس باطلا ولا مجرد حيلة خطابية، بل هو حق في مرتبته لأنه يؤدي وظيفة الهداية العامة ويحفظ انتظام الجماعة. والمعنى المؤول ليس نقضا له بل تعميق له عند من استكمل آلة البرهان. لذلك كان ابن رشد شديد الحذر من التأويل المنفلت، فهو لا يجيز التأويل إلا حيث قام البرهان القطعي على أن الظاهر غير مراد. أما إذا لم يوجد البرهان فالوقوف مع الظاهر أولى. وهذا الشرط يكشف أن التأويل عنده ليس لعبا حرا للمعنى بل عملية مقيدة بمنطق صارم.

ويظهر الفارق الحاسم هنا بين ابن رشد وكثير من التيارات التي جعلت التأويل أداة لإنتاج سلطة معرفية مغلقة. فالتأويل عنده ليس امتيازا اجتماعيا خالصا بل استحقاق برهاني. وليس الراسخ في العلم من احتكر الرمز بل من استوفى شروط النظر. ولهذا فإن النخبة الرشدية ليست نخبة نسب أو سلطة أو قداسة بل نخبة صناعة عقلية. وهذه نقطة جديرة بالتشديد لأنها تميز مشروعه عن كثير من أنماط التراتب المعرفي في التراث. إن الخاصة عنده ليست طائفة مقدسة بل فئة متمرسة. وقد كان هذا في ذاته ضربا من عقلنة السلطة المعرفية داخل الثقافة الإسلامية الوسيطة.

غير أن هذه العقلنة لا تلغي الطابع الإشكالي للموقف، إذ ما دام التأويل محصورا في أهل البرهان فإن إمكان اتساع دائرة الفلسفة يظل مشروطا بوجود بنية تعليمية وثقافية قادرة على تكوين هؤلاء، وهذا ما لم يكن متاحا دائما. بل لعل المجتمع الذي كان ابن رشد يتحرك داخله كان قد بدأ بالفعل يفقد شروط التوازن بين علوم الشرع وعلوم النظر. فالتحول السياسي في الأندلس والمغرب وتصلب المجال العقدي وتزايد الحساسية تجاه الفلسفة جعل الفيلسوف مضطرا إلى أن يكتب دفاعه في صورة احترازية. ومن ثم فإن مشروعه يحمل في طياته مفارقة مؤلمة، إنه يدافع عن الفلسفة من داخل شروط تضيق عليها، ولذلك لم يكن غريبا أن ينتهي مصيره الشخصي إلى المحنة والنفي وحرق بعض كتبه. إن سيرة ابن رشد ليست حادثة عرضية منفصلة عن نظريته في الجمهور بل هي في وجه من الوجوه برهان تاريخي على صعوبة التوفيق بين الحقيقة البرهانية والفضاء العمومي حين يختل ميزان الثقافة والسياسة.

ولعل هذا ما يفسر أيضا أن الرشدية اللاتينية ازدهرت في الغرب المسيحي الوسيط في الوقت الذي كان فيه حضورها في المجال الإسلامي يتقلص. فالنص الرشدي وجد في الجامعات اللاتينية مؤسسة تؤهله للتداول المدرسي والتعليق والنقاش، أما في المجال الإسلامي فقد بقي محاصرا بحدود الريبة أو الاستعمال الجزئي. وليس معنى ذلك أن الإسلام كان عدوا جوهريا للفلسفة كما روجت بعض السرديات الاستشراقية الساذجة، بل معناه أن البنية المؤسسية التي تسمح للفلسفة بأن تصير صناعة تعليمية مستقرة لم تتكرس على النحو نفسه. وقد لمح محمد عابد الجابري في غير موضع إلى أن مأساة ابن رشد لم تكن مأساة رجل فقط بل مأساة «العقل البرهاني» حين عجز عن أن يصير تقليدا مؤسسا داخل الثقافة العربية الإسلامية. ومع أن الجابري قرأ ابن رشد في أفق مشروعه النهضوي المعاصر فإن ملاحظته في هذا الباب تظل ذات قيمة، الفلسفة لا تعيش بالعبقرية الفردية وحدها بل تحتاج إلى حاضنة تداولية.

وإذا رجعنا إلى أصل الإشكال أمكن القول إن ابن رشد كان يقاوم نزعتين متقابلتين كلتاهما مدمرة. النزعة الأولى هي تعميم ما لا يعمم، أي نقل المعاني البرهانية المجردة إلى غير أهلها باسم تحرير العقل. والنزعة الثانية هي منع ما ينبغي أن يوجد، أي حجب النظر البرهاني نفسه باسم حماية الإيمان. وبين هذين الحدين يحاول أن يبني طريقا وسطا شديد الدقة. فالبرهان لا بد منه لأن الشرع لا يعادي العقل بل يدعو إليه. لكن البرهان لا يتحول إلى خطاب عمومي مباشر لأن الاجتماع لا يقوم على اليقين الفلسفي وحده. ويفهم من هذا أن ابن رشد لم يكن فيلسوف عقلانية تجريدية صماء، بل كان واعيا بالبنية الرمزية والأخلاقية والسياسية التي ينتظم بها العالم الديني.

وهذا الوعي يجعله أقرب إلى فيلسوف تربية بقدر ما هو فيلسوف برهان. فتعليم الفلسفة عنده ليس مجرد نقل مسائل المنطق والطبيعيات والإلهيات، بل هو تربية على ملكة مخصوصة. ولذلك فإن الحد الفاصل بين الخاصة والعامة ليس معرفيا فقط بل تربوي أيضا. إن الفيلسوف لا يتكون بالاطلاع بل بالتدرج والمران والتطبع بالصناعة. وهذا ما يجعل السؤال عن «الجمهور الفلسفي» سؤالا في إمكان التربية العقلية داخل الحضارة. هل تستطيع المدينة الإسلامية الوسيطة أن تنتج مواطنين قادرين على تلقي البرهان من غير أن تهدد تماسكها الرمزي؟ هذا هو السؤال الذي لم يصرح به ابن رشد دائما لكنه حاضر في كل سطر من مشروعه.

وفي هذا الموضع يمكن أن نستحضر ابن خلدون مرة أخرى، فهو حين تحدث عن العلوم العقلية لم ينكرها من حيث الأصل لكنه قرر أن ازدهارها رهين بشروط عمرانية دقيقة. وإذا ضعفت تلك الشروط ضعفت العلوم ذاتها. وهذا التحليل العمراني يضيء ما كان عند ابن رشد في صورة حدس فلسفي وسياسي. فالفلسفة لا تنمو في الفراغ، إنها تحتاج إلى استقرار مدني وإلى مؤسسات تعليم وإلى تقاليد نقاش وإلى قدر من التسامح المعرفي. وإذا غابت هذه العناصر صارت الحكمة إما معزولة في دوائر ضيقة وإما متهمة في أصلها. ولذلك فإن حدود تعليم الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط ليست حدودا نصية فحسب بل هي حدود تاريخية ومؤسسية أيضا.

غير أن القراءة الدقيقة للموقف الرشدي تمنعنا من السقوط في اختزال آخر لا يقل خطرا وهو اعتبار الرجل مجرد ممثل لسياسة الكتمان. فهذا تبسيط لا يليق بمشروعه. ابن رشد لم يدع إلى دفن الفلسفة بل إلى تنظيم تداولها، ولم يقل إن الجمهور لا حق له في الحقيقة بل قال إن الحقيقة تعطى له في الصيغة التي تحفظ غايتها الهداية لا البلبلة. ولم يجعل الشرع خصما للبرهان بل قرر أن البرهان أحد وجوه الوفاء لمقصد الشرع في دعوة الإنسان إلى الاعتبار. إن ما يرفضه ابن رشد ليس انفتاح العقل بل الفوضى المعرفية. ولهذا كان يمكن اعتباره من زاوية ما فيلسوفا لـ«أخلاق التعليم». فالمدرس الحق عنده ليس من يعلن كل ما يعلم في كل مقام، بل من يزن القول بميزان الحقيقة والمصلحة والقدرة على الفهم.

وفي هذا المعنى تستعيد العبارة المنسوبة إلى سفيان بن عيينة معناها العميق: «ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم نور يضعه الله في القلب». فالملكة مقدمة على التكديس. وليس بعيدا عنها قول الجاحظ في معنى قريب إن المعاني مطروحة في الطريق وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وموافقة الحال. وقد كان ابن رشد من هذا الجنس من المفكرين الذين يدركون أن الفكرة لا تُقاس بصحتها المجردة فقط بل أيضا بقدرتها على أن تجد موضعها الصحيح في نظام الثقافة. إن أزمة الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط لم تكن في جوهرها أزمة تعارض بسيط بين العقل والنقل كما تحب بعض القراءات التبسيطية أن تردد، بل كانت أزمة تنظيم للمجال المعرفي وأزمة توزيع للسلطة التأويلية وأزمة ثقة بين الصناعات العلمية المختلفة.

إن السؤال الذي يفرض نفسه ليس هل أخطأ ابن رشد حين قيد تعليم الفلسفة أم أصاب، بل هل كان يملك في سياق عصره بديلا أكثر واقعية؟ لو دعا إلى تعميم الفلسفة بلا قيد لربما عجل بإعدامها الرمزي والمؤسسي. ولو رضي بمنطق المنع لكان قد خان أصل مشروعه. فاختار الطريق الأصعب، أن يفتح الباب ويضع عليه حراسة معرفية. وهذا الاختيار وإن بدا للبعض محافظا فإنه في سياقه التاريخي كان من أجرأ أشكال الدفاع عن العقل، لأن الجرأة ليست دائما في الهتاف المعلن، بل قد تكون في بناء الشروط الدقيقة التي تسمح للفكرة بأن تعيش.

إن ابن رشد هنا يقدم لنا درسا يتجاوز زمنه، فكل حضارة تواجه بطريقتها الخاصة معضلة العلاقة بين المعرفة المتخصصة والجمهور الواسع، وكل مجتمع يسأل نفسه وإن بصيغ مختلفة، ما الذي ينبغي أن يعمم؟ وما الذي يحتاج إلى تدرج؟ وما الفرق بين الحق في المعرفة والقدرة على استيعابها؟ وما حدود المسؤولية الأخلاقية للمعلم حين يتعامل مع قضايا قد تهز التصورات الراسخة؟ وإذا كان السياق الحديث قد وسع إمكانات التعليم وأعاد تعريف الجمهور فإن أصل الإشكال لم يختف. بل لعله ازداد تعقيدا مع الانفجار الإعلامي وسرعة تداول الأفكار خارج مؤسسات التكوين الصارم. ومن هذه الزاوية يبدو ابن رشد معاصرا لنا على نحو مدهش، فهو ينبهنا إلى أن المعرفة إذا خرجت من نظامها التربوي قد تتحول إلى شبهة أو أيديولوجيا أو ضجيج.

إن القيمة الحقيقية للموقف الرشدي لا تكمن في تقسيم الناس إلى خاصة وعامة فحسب، بل في وعيه بأن الحقيقة لا تحيا في الذهن وحده بل في شروط تداولها. إن البرهان في ذاته لا يكفي إذا لم يجد لسانه الملائم وسياقه التربوي ومؤسسته الحاضنة. والحكمة ليست مجرد امتلاك للنتائج بل معرفة بطرق الإيصال. ولهذا كان ابن رشد في العمق مفكرا في «سياسة الحقيقة»، لا بمعنى التلاعب بها بل بمعنى صيانتها من سوء الاستعمال. لقد فهم أن أعظم ما يهدد الفلسفة ليس فقط عداؤها الخارجي بل أيضا سوء تقديمها من أهلها أنفسهم حين ينسون أن لكل مقام مقالا وأن للمعرفة أدبا لا يقل أهمية عن مضمونها.

إن إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد تكشف عن وجه من أكثر الوجوه تعقيدا في تاريخ العقل الإسلامي. فهي لا تحيلنا إلى معركة سطحية بين فقيه وفيلسوف ولا إلى ثنائية مستهلكة بين النص والعقل بل تضعنا أمام سؤال أعمق، كيف يمكن للحقيقة البرهانية أن تسكن مدينة دينية من غير أن تهدمها ومن غير أن تُدفن تحت تراب التحريم؟ لقد كان جواب ابن رشد مشروطا بعصره لكنه لم يكن عابرا. إنه جواب يقوم على أن الفلسفة ضرورة وأن الشريعة لا تناقضها وأن التأويل حق لمن استحقه وأن التعليم مسؤولية قبل أن يكون كشفا وأن الجمهور ليس خصما للحقيقة بل مخاطبا بها على قدر طاقته.

ولعل مأساة هذا الجواب أنه كان أرقى من شروطه التاريخية. فقد وُلد في زمن كانت فيه الحاجة إلى البرهان عظيمة لكن الاستعداد الاجتماعي لاحتماله محدودا. ولذلك بقي ابن رشد شاهدا على إمكان لم يكتمل. إمكان أن تتصالح الحضارة الإسلامية مع أعلى أشكال العقل من غير أن تفقد بنيتها الروحية. إمكان أن يكون الفيلسوف فقيها في طرق التعليم كما يكون الفقيه عاقلا في حدود الظاهر. إمكان أن يُبنى المجال العمومي على توازن لا يقصي الحكمة ولا يبتذلها. وإذا كانت الرشدية قد لمعت في الغرب بوصفها تقليدا شارحا ومؤسسا، فإنها في المجال الإسلامي بقيت أشبه بنداء لم يُستوفَ صداه كله.

إن القيمة الباقية لابن رشد لا تقاس بما تحقق من مشروعه وحده، بل بما كشفه من عمق المعضلة. لقد علّمنا أن الفلسفة لا تموت فقط حين تُحارَب بل قد تموت أيضا حين تُلقى إلى غير أهلها بلا تدرج ولا صناعة. وعلّمنا أن الدفاع عن العقل لا يكون بالصخب بل ببناء شروطه. وعلّمنا أخيرا أن المجتمع الذي يريد حكمة حية لا يكفيه أن يمدح الفلاسفة بعد موتهم، بل عليه أن يؤسس في قلبه فضاءً تتعايش فيه مراتب الخطاب من غير قطيعة وتتكامل فيه الهداية مع البرهان ويُصان فيه الحق من أن يتحول إلى فتنة أو إلى صنم. ويستعيد ابن رشد هنا مكانته لا بوصفه شارح أرسطو فقط، بل بوصفه مفكرا في مصير الحقيقة حين تدخل التاريخ.

***

د. حمزة مولخنيف

من التفسير الغائي إلى انتظام العالم

في تاريخ الفكر الفلسفي تحتل الطبيعة مقاما يتجاوز حدود الموضوع المعرفي إلى مرتبة الأصل الذي تُوزَن به قدرة العقل على النفاذ إلى بنية الوجود. فكلُّ نظرٍ في الطبيعة ينطوي في العمق على امتحانٍ خفيٍّ لمشروعية البرهان وعلى مساءلةٍ دقيقة لمعنى النظام، وعلى استنطاقٍ متواصل للعلاقة التي تصل الموجود بتعقّله والحركةَ بمبدئها والكثرةَ بوحدتها. ومن ثَمّ غدت الطبيعة في ضمير الفلسفة الكبرى موضعا تنكشف فيه منزلة الإنسان من العالم، كما تنكشف فيه منزلة العالم من الحكمة؛ إذ لا يستقيم للعقل أن يطمئن إلى نفسه إلا في كونٍ تُدرك أجزاؤه بعللها وتُفهم حوادثه بسننه وتُقرأ مظاهره على ضوء انتظامٍ باطنٍ يردّ الكثرة إلى نسق والتفرق إلى تأليف والتبدل إلى قانون.

وعلى هذا الأفق الموشّى بكثافة الأسئلة وصرامة النظر، ينهض فكر ابن رشد بوصفه أحد أصفى التعبيرات الفلسفية عن معقولية العالم وأحد أمتن المحاولات التي شُيِّدت في الثقافة الإسلامية لإعادة وصل الطبيعة بالعقل والكون بالحكمة والبرهان بالإيمان. فالرجل لم يقف عند حدود الشرح المدرسي لأرسطو ولم يتعامل مع الموجود الطبيعي على أنه مادةٌ مبذولةٌ للحس أو حشدٌ من الوقائع المتجاورة، بل قرأه من داخل بنيته واستنطق حركته من داخل عللها، وردّ تفرّق ظواهره إلى مبدأ انتظامٍ يجعل العالم قابلا لأن يُفهم وجديرا بأن يُتخذ سبيلا إلى معرفة ما فوقه. وفي هذا تتحدد قيمة المشروع الرشدي، طبيعةٌ تنكشف بوصفها نظاما ونظامٌ يُفضي إلى حكمة وحكمةٌ لا تُنال بإبطال الوسائط بل بإحكام النظر فيها.

وتزداد هذه الرؤية عمقا إذا استُحضر السياق الجدلي الذي تشكّلت فيه. فقد كان ابن رشد يكتب في زمنٍ اشتدّ فيه النزاع حول معنى السببية وحول موقع الطبائع من الفعل الإلهي وحول إمكان ردّ العالم إلى سننٍ مطردة أو إلى تعاقبٍ منقطعٍ للحوادث. لذلك جاءت فلسفته في الطبيعة مشروطةً بمعركةٍ فكرية كبرى، موضوعها الحقيقي أوسع من الفيزياء وأبعد من وصف الظواهر؛ إذ كانت معركةً حول صورة العالم في العقل، أهو عالمٌ تُمسك به العلل وتضبطه القوانين وتخترقه الغايات، أم مجالٌ للانفصال، يتعذّر فيه الوثوق برباط الأسباب، ويضيق فيه أفق البرهان؟ ولعل الدفاع عن الطبيعة عنده معنىً يتجاوز البحث في العناصر والحركات إلى الدفاع عن كرامة العقل نفسه، لأن العقل لا يُثبت جدارته إلا في كونٍ يقبل الفهم ولا يُظهر قوته إلا في عالمٍ يحمل في باطنه قابليةَ الانتظام.

ولهذا ارتبط مفهوم الطبيعة في فلسفة ابن رشد ارتباطا وثيقا بمفهوم الغاية لا على جهة الزيادة الخطابية أو التلوين اللاهوتي، بل على جهة التأسيس البنيوي لمعنى الموجود الطبيعي. فالموجود في الأفق الرشدي لا يُستوفى بالنظر إلى مادته ولا يُستكمل بوصف صورته ولا يُفهم تماما بردّه إلى علته الفاعلة وحدها، بل يطلب في حقيقته جهةً رابعةً تمنح حركته معناها، وتكشف عن الوجه الذي به ينتظم الفعل في سياق الكمال. وقد اكتسب الغائية في فلسفته دلالةً مركزية؛ لأنها تُخرج الوجود من رتبة الوقائع المتراكمة إلى رتبة البنية المقصودة وتُعيد وصل الجزئي بالكلي وتفتح الطريق أمام قراءة العالم لا باعتباره مشهدا متبدّلا فحسب، بل باعتباره أثرا متماسكا لحكمةٍ تسري في أجزائه وتنتظم بها مراتبه وتغدو معها الطبيعة مرآةً كاشفةً عن عقلانية الوجود. وإذا كان الفكر الفلسفي قد عرف منذ أرسطو تقاليد متباينة في فهم الطبيعة، فإن خصوصية ابن رشد تتجلى في قدرته على الارتقاء بهذا الإرث إلى صياغةٍ جديدةٍ أكثر تماسكا في الجمع بين الدقة البرهانية والرهان الحضاري. فالمسألة عنده لا تتعلق ببيان كيفية حدوث الأشياء فحسب، بل تمس صورة الإنسان عن العالم الذي يسكنه وعن الحقيقة التي يطلبها وعن الإله الذي يستدل عليه. لأن عالما بلا نظام لا يورث علما، وعالما بلا علل لا يورث برهانا، وعالما بلا انتظام لا يورث حكمةً، بل يورث حيرةً لا تنتهي. أما العالم الذي تتساند فيه الحركات وتتآزر فيه الأسباب وتنتظم فيه الموجودات بحسب مراتبها فهو وحده العالم الذي يسمح للعقل أن يعبر من الظاهر إلى الباطن ومن الأثر إلى المؤثّر ومن الطبيعة إلى ما يجعل الطبيعة نفسها ممكنةً ومفهومةً.

من هذا المدخل تنفتح القراءة الرشدية للطبيعة بوصفها أفقا فلسفيا بالغ الثراء، تتقاطع فيه الفيزياء مع الميتافيزيقا ويتعانق فيه البرهان مع التأويل ويتحول فيه النظر في العالم من رصدٍ للظواهر إلى استكشافٍ لمعمار الوجود. ويغدو الانتقال من التفسير الغائي إلى انتظام العالم انتقالا من ملاحظة الوظائف الجزئية إلى إدراك النسق الكوني ومن تعليل الحركة في أفراد الموجودات إلى فهم الحركة في كلية العالم، ومن الوقوف عند ظاهر الطبيعة إلى النفاذ نحو معقوليتها الباطنة. وعلى هذا الأساس يتحدد مقصد هذا المقال المتواضع، مساءلة الكيفية التي صاغ بها ابن رشد مفهوم الطبيعة ضمن رؤيةٍ تجعل العالم نظاما معقولا وتجعل من انتظامه برهانا على حكمةٍ متعالية، من غير أن تُفرغ الموجودات من طبائعها أو تُعطل العلل في مراتبها أو تُحول القدرة الإلهية إلى نقيضٍ للنظام الذي به يقوم العالم ويُعرف.

ليس النظر في الطبيعة عند ابن رشد ترفا نظريا منفصلا عن صميم مشروعه الفلسفي ولا هو مجرد تلخيص شارحٍ لفلسفة أرسطو في العالم الإسلامي، بل هو موضعُ التقاءٍ دقيق بين الأنطولوجيا والفيزياء والإلهيات وأصول النظر العقلي في الموجودات. ذلك أن الطبيعة في الأفق الرشدي ليست مجموعا مبعثرا من الظواهر التي تُدرَك بالحس وحده، ولا ميدانا للفوضى أو المصادفة المطلقة، وإنما هي بنيةٌ محكومةٌ بقوانين مشدودةٌ إلى علل ومفصَّلةٌ وفق ترتيب يكشف عن معقولية العالم وانضباطه. ومن هنا كانت الطبيعة عنده أقرب إلى أن تكون “كتابا” آخر للوجود، تُقرأ صفحاته بمناهج البرهان كما تُقرأ آيات الوحي بمناهج التأويل الرشيد، ولهذا كان ابن رشد شديد الإصرار على أن فساد النظر في الطبيعة يفضي لا محالة إلى فساد النظر في الإلهيات لأن من عجز عن فهم انتظام الأثر تعذّر عليه إدراك حكمة المؤثِّر.

إن ما يميز المشروع الرشدي في هذا الباب هو أنه لا يتعامل مع الطبيعة بوصفها معطى خاما، بل بوصفها نظاما معقولا؛ أي إن الموجود الطبيعي عنده لا يُفهم من حيث هو واقعٌ فحسب، بل من حيث هو قابلٌ للتعليل ومن حيث هو حاملٌ لانتظام داخليّ يشي بأن الوجود ليس حادثا على سبيل العبث ولا قائما على محض التجاور العشوائي. وهذا المعنى هو الذي يجعل ابن رشد وريثا أمينا لأرسطو من جهة ومصححا لكثير من الانحرافات التي أدخلها المتكلمون وبعض الفلاسفة على معنى السببية والطبيعة من جهة أخرى. ولعل عبارة أرسطو الشهيرة “الطبيعة لا تفعل شيئا عبثا” تمثل المفتاح المنهجي الأوضح لفهم الرؤية الرشدية للعالم، إذ تلقّاها ابن رشد لا بوصفها جملةً مدرسية مكرورة، بل بوصفها مبدأً كاشفا عن البنية العميقة للموجودات الطبيعية وعن امتناع رد العالم إلى المصادفة أو الفوضى أو الإرادة المنفصلة عن الحكمة.

لقد كان ابن رشد يدرك بحسّ الفيلسوف والمتكلم معا، أن السؤال عن الطبيعة هو في جوهره سؤال عن العقلانية الكامنة في الوجود. فإذا كانت الطبيعة تجري على سنن مطردة وإذا كانت الموجودات تصدر عن أسباب محددة وإذا كانت صور الأشياء ووظائفها ومآلاتها قابلة للفهم، فإن ذلك لا يعني فقط إمكان العلم بل يعني أيضا أن العالم نفسه مؤسَّس على نحوٍ معقول. 

ولهذا لم يكن غرضُه من شرح كتب أرسطو في السماع الطبيعي والسماء والعالم والكون والفساد مجرّدَ خدمةِ التراث اليوناني، بل كان يسعى إلى ترسيخ قاعدةٍ كبرى، مؤدّاها أن البرهان على الله وعلى العناية وعلى الحكمة لا يمرّ عبر خرق النظام الطبيعي، بل عبر فهمه. فالإعجاز في نظر العقل الرشدي لا يتمثّل في إبطال السببية بل في انكشافها في أتمّ صورها؛ إذ كلّما ازداد النظام إحكاما ازداد العقل اقترابا من إدراك الحكمة الكلية التي يفيض عنها الوجود. وهنا يتبيّن أن التفسير الغائي في فلسفة ابن رشد ليس عنصرا زائدا على التفسير الطبيعي ولا هو تسرّبٌ لخطابٍ لاهوتيّ إلى قلب الفيزياء، كما قد تتوهّم بعض القراءات الحديثة ذات النزعة الاختزالية، بل هو الوجه الأكمل للتفسير الطبيعي نفسه. فالعلة الغائية عنده ليست بديلا من العلة الفاعلة أو الصورية أو المادية وإنما هي المبدأ الذي يهب سائر العلل معناها، لأن المادة لا تُفهم إلا من حيث قابليتها للصورة والصورة لا تُفهم إلا من حيث تحقّقها في الفعل، والفعل لا يُفهم إلا من حيث توجّهه إلى غاية. لذلك كان أرسطو يرى وكان ابن رشد يؤكّد بإلحاحٍ أشدّ أن إنكار الغاية ليس مجرّد حذفٍ لنوعٍ من أنواع العلل، بل هو تقويضٌ للنسق التفسيري برمّته، إذ يغدو العالم عندئذٍ سلسلةً من الوقائع المتجاورة بلا مقصد، وجملةً من الحركات التي لا يربط بينها شيءٌ سوى التعاقب الأعمى. 

ولعل هذا ما يفسر شدة ابن رشد في نقده للاتجاهات التي فرّغت الطبيعة من فاعليتها الداخلية. فهو يعترض على المتكلمين وبخاصة الأشاعرة، لا لأنهم أثبتوا القدرة الإلهية بل لأنهم – في نظره – أثبتوها على حساب الحكمة والنظام، فجعلوا العادة تحل محل الطبيعة والانفصال يحل محل السببية والحدوث المنفصل يحل محل الاتصال الكوني. إن العالم بحسب هذا التصور لا يعود نسقا متماسكا، بل يصير تجمعا لحوادث متجاورة لا ضرورة بينها ولا علية في باطنها ولا رابطة إلا إرادة تُحدِث الأشياء على التوالي من غير أن يكون في الأشياء أنفسها مبدأٌ للترابط. وقد رأى ابن رشد في هذا التصور تهديدا مزدوجا، تهديدا للعلم لأنه يبطل إمكان استقراء القوانين؛ وتهديدا للإيمان العقلي لأنه يجعل العالم أقل دلالة على الحكمة. فالله – في التصور الرشدي – لا يُعظَّم بإبطال الوسائط بل يُعظَّم بإحكامها؛ ولا يُعرَف بخرق النظام على الدوام بل يُعرَف من خلال انتظامه. ولذلك كان دفاعه عن الطبيعة دفاعا عن السببية بقدر ما هو دفاع عن العناية. ومن اللافت أن بعض الدراسات المعاصرة قد نبهت إلى أن ابن رشد يعدّ مبدأ الغائية أصلا أساسيا في الفيزياء والميتافيزيقا معا، وأنه يرى أن إنكار القصدية في الطبيعة يُفضي إلى إبطال سائر العلل، بل وإلى تعذر البرهنة على عناية الله بالموجودات السفلية؛ لأن المادة لأجل الصورة والصورة بفعل الفاعل والفاعل إنما يفعل من أجل غاية . وهذا المعنى وإن بدا أرسطيّ الجذر إلا أنه في الصياغة الرشدية يكتسب كثافةً لاهوتية وفلسفية خاصة إذ يتحول من مجرد مبدأ في تفسير الحركة إلى أساسٍ في إثبات التناسب بين العقل والوجود.

إن الطبيعة بهذا الاعتبار ليست عند ابن رشد قوةً عمياء. وقد كان تعريف أرسطو للطبيعة بأنها “مبدأ الحركة والسكون في الشيء من حيث هو هو” حاضرا في خلفية البناء الرشدي، لكن ابن رشد وسّع هذا التعريف عمليا حين قرأه ضمن شبكة العلل الأربع. فالشيء الطبيعي لا يتحرك لأنه متحرك فحسب، بل لأنه يحمل في ذاته مبدأً صوريا يوجّه مادته نحو كمال مخصوص. البذرة لا تصير شجرةً بمحض المصادفة ولا الجنين يصير كائنا حيا على سبيل التجاور الاعتباطي بل لأن في الطبيعة انتظاما يجعل الممكنات تتجه إلى كمالاتها بحسب استعداداتها. وهذا ما جعل أرسطو يقول إن الفن يحاكي الطبيعة لا العكس؛ لأن الطبيعة أسبق من الصناعة وأعمق نظاما منها. وابن رشد يلتقط هذه الإشارة ليجعل منها برهانا على أن النظام الطبيعي أشدّ إحكاما من النظام الصناعي، لأن الطبيعة تفعل من الداخل بينما الصناعة تفعل من الخارج.

ويكتسب القول الغائي في هذا المنحى عند ابن رشد معنىً دقيقا ينبغي تحريره من سوء الفهم الشائع. فالغائية هنا ليست إسقاطا نفسيا لنية بشرية على الكون ولا هي تشبيهٌ ساذج للطبيعة بفاعلٍ يقصد كما يقصد الإنسان في أفعاله الإرادية الجزئية وإنما هي تعبيرٌ عن انتظامٍ بنيويّ يجعل أجزاء الموجود تتوجه نحو وظائفها وكمالاتها في إطار الكل. وهذا المعنى قريب مما سيلمح إليه لاحقا ابن ميمون في حديثه عن حكمة الخلق وما سيؤكده توما الأكويني في قوله الشهير: “إن الأشياء التي تفتقر إلى المعرفة تتجه إلى غاية كما لو كانت موجهة من عقل”. غير أن ابن رشد أسبق منهما في جعل هذا المعنى متولدا من تحليل الطبيعة نفسها، لا مفروضا عليها من خارجها. فهو لا يبدأ من اللاهوت لينتهي إلى الطبيعة بل يبدأ من الطبيعة بوصفها مجالا للبرهان، ثم يرتقي منها إلى ما وراءها.

ومن أعمق ما في التصور الرشدي أنه يربط بين الغائية وانتظام العالم ربطا لا يسمح بفصل الجزئي عن الكلي. فالعالم ليس عنده مجرد تجميعٍ لطبائع متفرقة، بل هو كلٌّ مترابط تتساند فيه الحركات وتتواشج فيه العلل ويؤدي فيه الأعلى وظيفةً في انتظام الأدنى. ولهذا كان النظام الكوني عنده قائما على تدرجٍ أنطولوجي وحركيّ من المحركات السماوية إلى عالم الكون والفساد بحيث لا تُفهم الحوادث الأرضية إلا في إطار النظام الأوسع الذي يضمها. وقد أبرزت بعض القراءات المعاصرة لهذا الجانب أن ابن رشد طوّر في ضوء شرحه لأرسطو، تصورا يجعل السلسلة الكونية متصلةً على نحوٍ يحفظ مبدأ العناية الإلهية ويقاوم فكرة الانقطاع أو البداية الاعتباطية للفعل، إذ إن أثر العلة الأولى لا يتأخر عن عليتها، والنظام الكوني لا يحتمل إرادةً أزلية تُحدث فعلا زمانيا منفصلا من غير واسطة نظامية . وهنا يظهر الفارق الجوهري بين ابن رشد وبعض المتكلمين في فهم القدرة الإلهية. فالمتكلم الذي يبالغ في نفي الطبائع يظن أنه ينزّه الله بينما ابن رشد يرى أن هذا النفي يُضعف دلالة العالم على الله. فالقدرة التي لا تقترن بالحكمة قد تُنتج تصورا عن إلهٍ يفعل كيفما اتفق، أما القدرة المقترنة بالنظام فتُنتج تصورا عن إلهٍ حكيمٍ جعل الوجود قابلا للفهم. وليس غريبا والحال هذه أن يلح ابن رشد على أن النظر في الموجودات مأمورٌ به شرعا، لأن الشرع – في أفقه – لا يدعو إلى الإعراض عن العلل بل إلى اكتشافها. وكم تبدو هنا عبارته في فصل المقال ذات دلالة بالغة حين يجعل “الاعتبار” هو استنباط المجهول من المعلوم وهو بعينه عمل البرهان. فالتفكر في العالم ليس مجرد خشوع وجداني بل هو اشتغال عقلي على معقولية الطبيعة.

ولذلك فإن الانتقال من التفسير الغائي إلى مفهوم انتظام العالم ليس انتقالا من جزء إلى جزء بل من مبدأٍ تفسيريّ إلى رؤيةٍ كونية شاملة. فحين نقول إن العين للإبصار وإن الرئة للتنفس وإن النبات يتجه إلى تمام صورته فإننا لا نصف فقط وظائف جزئية، بل نكشف عن قانونٍ عام وهي أن الوجود الطبيعي ليس مبنيا على اللامبالاة. وهذه الفكرة نفسها هي التي ستجد صداها مع اختلاف السياقات في كلمات أفلاطون عن “النفس التي تنظم العالم”، وفي قول الرواقيين إن الكون محكوم بـ لوغوس نافذ وفي تصريح ليبنتز بعد قرون بأننا نعيش في “أفضل العوالم الممكنة” لا بمعنى التبسيط الساذج، بل بمعنى أن العقلانية شرطٌ لفهم الوجود. غير أن ابن رشد يظل متميزا لأنه يصوغ هذه الرؤية في قلب الجدل بين الفلسفة والكلام وبين البرهان والجدل وبين السببية والعادة. وليس من قبيل المصادفة أن يكون نقده لابن سينا في بعض المواضع متصلا أيضا بهذه المسألة؛ لأن ابن رشد كان شديد الحساسية تجاه كل تصور يهدد التوازن بين الإمكان في المادة والانتظام في الفعل. فهو يقبل أن في العالم السفلي مجالا للعارض والاتفاق، لكنه لا يسمح بأن يتحول الاتفاق إلى أصلٍ مفسر للوجود. والحق أن هذا من أدق جوانب نضجه الفلسفي؛ إذ لم يقع في حتمية ميكانيكية صماء ولم ينزلق إلى فوضى كلامية تُبطل السنن. فالعارض موجود لكن وجوده نفسه لا يُفهم إلا على خلفية القاعدة؛ والاستثناء لا يظهر إلا لأن النظام هو الأصل. وقد أشارت دراسات متخصصة في فلسفته الطبيعية إلى أن ابن رشد يعارض جعل الأفعال الطبيعية متساوية في الإمكان على الدوام لأن ذلك يفضي إلى أن تعمل الطبيعة “بلا قاعدة” و“عبثا”، وهو ما يرفضه بوصفه نقيضا لروح الفيزياء الأرسطية والرؤية الرشدية معا .

إن الطبيعة عند ابن رشد ليست مجرد “موضوع” للعلم بل هي شرط إمكان العلم ذاته؛ لأن العلم لا يقوم إلا حيث يوجد انتظام ولا يثمر البرهان إلا حيث تكون للموجودات طبائع وللأحداث أسباب وللأشكال غايات وللكل بنية تسمح بالانتقال من المشاهدة إلى الفهم. ولهذا فإن الدفاع عن الطبيعة في الفلسفة الرشدية ليس دفاعا عن مادةٍ فيزيائية، بل هو دفاع عن العقل نفسه وعن مشروعية البرهان وعن إمكان الانتقال من المحسوس إلى المعقول ومن النظام إلى الحكمة ومن العالم إلى مبدئه.

إن بلوغ ابن رشد لفكرة الطبيعة بوصفها نظاما معقولا لا يكتمل عند حدود تحليل الموجودات الجزئية ولا عند بيان وظائف الأعضاء والأشكال والكائنات، بل يرتفع إلى أفقٍ أرحب تتداخل فيه الفيزياء بالإلهيات ويتحول فيه انتظام العالم من مجرد وصفٍ للظواهر إلى برهانٍ على البنية العاقلة للوجود. فالطبيعة في هذا المستوى الأعلى من النظر ليست فقط مجالا تتبدّى فيه الغايات، وإنما هي أيضا أثرٌ متصل لعلةٍ أولى لا تعمل على نحوٍ متقطع ولا تُحدِث العالم على هيئة الفجاءة الاعتباطية، بل تفيض عنه الموجودات بحسب مراتبها وتنتظم الحركات بحسب درجاتها وتترابط الكائنات ضمن شبكة من الوسائط تحفظ للعالم وحدته وللبرهان مشروعيته.

ولهذا كان ابن رشد شديد العناية بمسألة العلة الأولى لا من حيث هي قضية ميتافيزيقية مجردة، بل من حيث هي المفتاح الذي يفسر كيف يكون العالم منتظما من غير أن يكون مستقلا عن مبدئه وكيف يكون خاضعا لقوانين ثابتة من غير أن يتحول إلى نسق مغلق على ذاته. فالعلة الأولى عنده ليست فاعلا ميكانيكيا يباشر الأشياء كما يباشر الصانع مصنوعاته من خارجها، وليست إرادةً منفصلة تتدخل كيفما اتفق فتقطع روابط الأشياء بعضها ببعض وإنما هي مبدأٌ أعلى يهب الوجود نظامه ويمنح الحركة معناها ويجعل الكثرة مشدودةً إلى وحدة. وهذا ما يفسر أن ابن رشد على خطى أرسطو، فقد جعل المحرك الأول موضوعا للفكر من حيث هو غايةٌ أكثر منه من حيث هو دافعٌ حركيّ بالمعنى الحسي. فالعالم يتحرك شوقا إلى الكمال، لا دفعا أعمى من خلفه، والحركة الكونية في عمقها ليست صدمةً بل انجذاب.

وتكتسب الحركة السماوية في التصور الرشدي وظيفةً فلسفية تتجاوز الفلك القديم بوصفه علما للأجرام، لتصبح عنصرا مركزيا في فهم انتظام العالم. فالسماء عند ابن رشد ليست مجرد سقفٍ للعالم السفلي بل هي رتبةٌ أعلى من الوجود تنتظم حركاتها على نحوٍ أشد كمالا وتكون واسطةً بين المبدأ الأول وبين عالم الكون والفساد. والحركة الدورية المنتظمة للأفلاك ليست في هذا الإطار مجرد وصفٍ هندسيّ، بل هي الشاهد الأوضح على أن النظام أصلٌ في الوجود، وأن ما يقع في العالم السفلي من تعاقب الفصول ونمو النبات وتولّد الحيوان وتبدل الأمزجة، ليس إلا أثرا لذلك النسق الأعمّ الذي يربط الأدنى بالأعلى.

إن العالم عند ابن رشد ليس مجزّأً إلى إقليمين متباعدين: عالم إلهيّ لا يمسّ الطبيعة، وطبيعةٌ صماء تعمل وحدها؛ كما أنه ليس عالما تذوب فيه الطبيعة في الإلهي حتى تفقد خصائصها وقوانينها. بل هو بنيةٌ متصلة تتفاوت فيها مراتب الموجودات دون أن تنقطع وتتعالى فيها المبادئ دون أن تنفصل. ولعل هذا هو السر في أن ابن رشد كان حريصا على مقاومة كل تصور يجعل الفعل الإلهي منافسا للفعل الطبيعي؛ لأن المنافسة لا تقع إلا بين علتين من رتبة واحدة، أما إذا كان أحدهما مبدأً أعلى والآخر واسطةً داخلة في نسق التأثير، فإن إثبات الثاني لا ينفي الأول بل يؤكده. وهنا يبلغ النسق الرشدي درجةً من الدقة جعلت بعض الدارسين يعدّونه من أعمق المحاولات في الفكر الوسيط للتوفيق بين سيادة الله وثبات السنن من غير الوقوع في جبرية لاهوتية ولا في استقلال طبيعي. ولأجل هذا كان نقده للمصادفة والاتفاق نقدا يتجاوز الاعتراض العلمي إلى الاعتراض الميتافيزيقي. فهو لا ينكر أن في العالم ما يبدو اتفاقا ولا يرفض أن تقع حوادث لا تكون مقصودةً بالذات من الفاعل الطبيعي، لكنه يرفض أن يُجعل الاتفاق أصلا يُفسَّر به النظام أو أن تُجعل المصادفة بديلا عن العلة. إن الاتفاق عنده لا يكون إلا عرضا على أصل ولا يظهر إلا في مجالٍ تحكمه قاعدة، ولذلك فإن رد انتظام العالم إلى المصادفة يشبه رد القصيدة المحكمة إلى تناثر الحروف أو رد العمارة المتناسقة إلى تهاوي الأحجار على غير قصد. وما أبلغ ما يفهم من الروح الأرسطية هنا، إن ما يقع دائما أو في الأكثر لا يجوز أن يُحمل على الاتفاق لأن الاتفاق لا ينتج دواما ولا يؤسس تكرارا ولا يصنع نسقا.

وقد كان هذا المبدأ حاسما في معركة ابن رشد مع بعض النزعات الكلامية التي وسّعت مجال الإمكان حتى كادت تبتلع به نظام الطبيعة. فالقول إن كل شيء جائز على السواء في كل لحظة وإن النار لا تحرق بطبعها وإن الماء لا يروي بطبيعته وإن الترابط بين الأشياء مجرد تعاقبٍ عادي لا رابطة ضرورية فيه، ينتهي – في نظره – إلى تسويةٍ بين الممكن والممتنع وبين المنتظم والعشوائي وإلى نزع الثقة من الحس والعقل معا. فإذا لم تكن الأشياء تدل على طبائعها ولم تكن الأفعال تصدر عن أسبابها بطل الاستدلال، وصار العالم لغزا غير قابل للفهم. وها هنا تتجلى عبقرية ابن رشد في أنه لم يدافع عن السببية دفاعا تقنيا فحسب، بل جعلها جزءا من كرامة العقل. فالعقل لا يكون عقلا إلا إذا كان العالم معقولا؛ وإذا كان العالم لا يحمل في ذاته قابليةً للربط بين المقدمات والنتائج فإن البرهان كله يتحول إلى وهمٍ لغوي لا أكثر.

ولهذا لم يكن دفاعه عن انتظام العالم منفصلا عن دفاعه عن البرهان بوصفه أرفع مراتب النظر. فالعامة قد يكتفون بظاهر المشاهدة وأهل الجدل قد يكتفون بالاحتمال، أما الفيلسوف البرهاني فلا يطمئن إلا إلى ما يكشف عن الضرورة أو عما يقاربها في حدود الموجود الطبيعي. والطبيعة لا تُعطي نفسها دفعةً واحدة بل تنكشف على قدر ما يُحسن العقل ترتيب النظر فيها. وهنا يمكننا أن نفهم لماذا كان ابن رشد يلحّ على أن كثيرا من الأخطاء في الإلهيات إنما منشؤها فسادٌ في الطبيعيات؛ لأن من لم يُحسن فهم الحركة والزمان والمكان والعلية والاتصال والانفصال، تعذّر عليه أن يبني تصورا سليما عن المبدأ الأول وعلاقته بالعالم. إن الطبيعة في الأفق الرشدي ليست مرحلةً دنيا تُطوى سريعا للوصول إلى اللاهوت، بل هي المعبر الضروري إليه. وهذا هو المعنى العميق الذي يجعل التفسير الغائي عنده متجاوزا للاستخدام الساذج الذي شاع عند بعض اللاهوتيين المتأخرين. فابن رشد لا يقول إن الأشياء منظمة إذن هناك منظِّم على نحوٍ خطابيّ مباشر، بل يشرع في تحليل البنية الداخلية للموجود الطبيعي، كيف تتحدد المادة بالصورة وكيف تنزع الصورة إلى فعلها وكيف لا يكون الفعل مفهوما إلا بغاية وكيف تتآزر العلل الجزئية ضمن كلٍّ أوسع، ثم كيف يستحيل أن يستمر هذا الترتيب من غير مبدأٍ أعلى يضمن اتساقه. فالبرهان عنده لا يقفز من المظهر إلى النتيجة بل يصعد عبر درجات المعقولية نفسها. ولذلك كانت فلسفته الطبيعية أصلب من كثير من “براهين النظام” السطحية التي اكتفت بإبراز التناسق الخارجي دون تحليل ماهيته. ولئن كان بعض المحدثين قد اتهموا الفكر الغائي بأنه يعوق العلم فإن النظر الدقيق في ابن رشد يكشف عكس ذلك تماما. فالغائية عنده لا تلغي البحث في الأسباب القريبة بل تحفز عليه؛ لأنها تجعل كل موجود قابلا للسؤال عن “لِمَ” لا عن “كيف” فقط. وما من شك أن سؤال “كيف” ضروريّ في وصف العمليات، لكنه يظل ناقصا إذا لم يُرفد بسؤال “لِمَ” الذي يكشف عن الوظيفة والتناسب والبنية والاتجاه. بل إن كثيرا من العلوم الحديثة نفسها وإن تحررت من الصياغات الأرسطية القديمة لم تستغنِ تماما عن لغة الوظيفة والتنظيم والانتظام وإن غيّرت أفقها المفهومي. إن قيمة ابن رشد اليوم لا تكمن في تفاصيل نموذجه الكوسمولوجي بل في دفاعه الجذري عن أن العالم ليس كتلةً من الوقائع وإنما هو نسيج من المعاني الطبيعية.

ولعل من أبهى ما في نسقه أنه يجعل العناية الإلهية متجليةً في انتظام العالم لا في فوضاه. فالعناية ليست عنده سلسلةً من التدخلات الاستثنائية التي تُظهر القدرة عبر تعطيل القوانين بل هي نفسُ القوانين من حيث إنها موضوعةٌ على وجه الحكمة. فأن يكون للنار إحراقٌ وللماء إرواءٌ وللأرض ثقلٌ وللأفلاك نظامٌ وللأحياء طبائعُ تؤدي وظائفها، فذلك أبلغ في الدلالة على العناية من عالمٍ تتبدل فيه الصفات كل لحظة على غير ميزان. ويغدو النظام نفسه رحمةً والاطراد نفسه وجها من وجوه الحكمة والسنن الكونية مظهرا من مظاهر اللطف الإلهي بالعقل البشري؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش ولا أن يعلم ولا أن يتعبد إلا في عالمٍ يمكن الوثوق به. وهنا تلتقي الفلسفة الرشدية على نحوٍ بديع مع حسٍّ قرآنيّ عميق وإن كانت أدواتها برهانية لا وعظية. فالقرآن حين يلفت النظر إلى تعاقب الليل والنهار وإلى إنزال الماء وإلى إحياء الأرض بعد موتها وإلى اختلاف الألسنة والألوان، لا يقدّم مشاهد متناثرة بل يفتح العين على السننية؛ أي على أن الوجود مؤسس على آيات، والآية لا تكون آية إلا إذا كانت دالة، والدلالة لا تستقيم إلا بقدر من الثبات والانتظام. لذلك كان ابن رشد في أصفى لحظاته الفكرية لا يرى تعارضا بين الشرع الصحيح والعقل الصريح، لأن كليهما في المجمل شاهدان على وحدة الحقيقة. الشرع يدعو إلى الاعتبار والاعتبار لا يكون إلا في عالمٍ يمكن أن يُعتبر به.

ولئن كانت الفلسفة الحديثة قد سارت في مسالك أخرى وأعادت تعريف الطبيعة والسببية والقانون والزمان، فإن السؤال الذي أثاره ابن رشد لم يفقد راهنيته، كيف يكون العالم مفهوما؟ وكيف يمكن للعقل أن يثق في نفسه إذا لم يكن الوجود قابلا لأن يُقرأ؟ بل لعل الأزمة الكبرى في كثير من التصورات المعاصرة ليست في التقدم العلمي وإنما في فقدان القدرة على وصل العلم بالحكمة والوقائع بالمعنى والقانون بالغائية. لقد أمكن للحداثة أن تشرح كثيرا من “كيفيات” العالم، لكنها كثيرا ما ترددت في سؤال “لماذا” أو خشيت أن يُتَّهم هذا السؤال بالتجاوز. أما ابن رشد فإنه يذكّرنا بأن الفلسفة لا تُختزل في وصف الآليات وأن الطبيعة إذا لم تُقرأ بوصفها نظاما معقولا تحولت المعرفة نفسها إلى أرشيفٍ ضخم من الوقائع غير الموصولة.

إن قيمة ابن رشد لا تنحصر في كونه شارحا عظيما لأرسطو، كما درجت بعض الأحكام المدرسية المبتسرة، بل في كونه قد أعاد بناء الأرسطية في أفقٍ إسلاميّ أندلسي وجعل من الطبيعة ميدانا للمصالحة الرفيعة بين البرهان والإيمان وبين العلم والحكمة وبين النظام الكوني والعناية الإلهية. لقد كان يرى في عمق مشروعه أن العالم لا يليق به أن يُفهم على أنه صدفةٌ مؤقتة ولا أن يُختزل إلى لحظة انقطاعٍ دائم بين الأشياء وأسبابها، لأن ذلك إهانةٌ للعقل وإضعافٌ للشهادة الكونية. العالم عنده كتابٌ مفتوح، لكنه لا يُقرأ بالعين وحدها؛ بل يحتاج إلى عقلٍ يعرف أن الموجود الطبيعي لا يُستنفد في ظاهره وأن وراء الحركة قانونا ووراء القانون بنيةً ووراء البنية حكمةً.

إن ابن رشد لم ينظر إلى الطبيعة بوصفها مجرد مسرحٍ للحوادث، بل بوصفها نظاما دالا تتكثف فيه معقولية العالم وتُختبر فيه صلاحية العقل وتظهر من خلاله الحكمة الإلهية في صورتها الأرقى. فالتفسير الغائي عنده ليس زخرفا ميتافيزيقيا ولا زيادةً خطابيةً على الفيزياء، بل هو العمود الفقري الذي تنتظم به العلل وتتحدد به مراتب الفهم ويغدو به العالم أكثر من مجموع أجزائه. ومن غير الغاية يتفكك المعنى ومن غير السببية يتعذر العلم ومن غير الانتظام ينهار البرهان ومن غير البرهان يتحول النظر في الوجود إلى مجرد انفعالٍ حسيّ أو جدلٍ لغويّ لا يثمر يقينا.

لقد أدرك ابن رشد أن الدفاع عن الطبيعة هو في حقيقته دفاعٌ عن العقل الإنساني نفسه. فمن يسلب الأشياء طبائعها أو يحوّل الوجود إلى تعاقبٍ مفكك لا روابط فيه لا يهدد علم الطبيعيات فحسب، بل ينسف أيضا إمكان الانتقال من الشاهد إلى الغائب ومن الأثر إلى المؤثر ومن النظام إلى الحكمة. ولهذا كان مشروعه في هذا الباب مشروعا تأسيسيا بالغ العمق، لأن معركته لم تكن معركةً حول مسألة جزئية في تفسير الاحتراق أو الحركة وإنما كانت معركةً حول سؤال الحضارة الأكبر، هل العالم قابلٌ لأن يُفهم؟ وهل الإنسان مخلوقٌ في كونٍ معقول أم في فوضى تتخفّى في ثوب الإرادة؟.

وفي هذا تكمن راهنيته الباهرة. فالعصر الحديث على ما بلغه من فتوحات علمية مدهشة ما يزال مأزوما في علاقته بالمعنى؛ إذ كثيرا ما يملك أدوات التفسير، لكنه يعجز عن بناء رؤيةٍ توحِّد بين التفسير والدلالة. وهنا يعود ابن رشد لا بوصفه أثرا من آثار الماضي، بل بوصفه فكرا حيا يذكّرنا بأن العلم إذا انفصل عن الحكمة ضاق أفقه، وأن الفلسفة إذا هجرت الطبيعة فقدت أحد أهم ميادينها، وأن الإيمان إذا تأسس على تعطيل النظام بدل فهمه غدا هشا أمام أول امتحانٍ للعقل. إن عظمة ابن رشد أنه لم يطلب من الإنسان أن يختار بين العالم والله ولا بين الطبيعة والعناية ولا بين البرهان والشرع، بل علّمه أن يرى في انتظام العالم نفسه أثرا من آثار العناية وفي ثبات السنن مظهرا من مظاهر الحكمة وفي قابلية الطبيعة للفهم شهادةً على أن العقل ليس غريبا في هذا الكون. ولذلك فإن الطبيعة في فلسفته ليست “موضوعا” خارجيا فحسب، بل هي مرآةٌ يرى فيها العقل نسبته إلى الوجود. فإذا كان العالم منتظما أمكن للإنسان أن يسكن إليه معرفيا وأن يقرأه تأمليا وأن يعبُر منه إلى ما وراءه برهانيا. أما إذا كان العالم فوضى متنكرة في هيئة وقائع، فإن كل يقين ينهار وكل اعتبار يضيع وكل حكمة تتبدد. ولعل هذا هو المعنى الأسمى الذي يجعل من فلسفة ابن رشد في الطبيعة درسا دائما، أن الحقيقة لا تُنال بإبطال الوسائط بل بفهمها؛ وأن الله لا يُعرف بنقض النظام بل بإحكامه؛ وأن العالم لا يكون جديرا بالتأمل إلا لأنه مكتوبٌ بلغة العقل.

إن عبارة “الطبيعة بوصفها نظاما معقولا” ليست مجرد وصفٍ لجزءٍ من فلسفة ابن رشد، بل هي مفتاحٌ لقراءة مشروعه كله. ففيها يلتقي أرسطو بالأندلس ويلتقي البرهان بالتأويل وتلتقي الفيزياء بالإلهيات ويستعيد العقل ثقته بنفسه من غير أن يتأله ويستعيد الإيمان عمقه من غير أن يعادي الفكر. وذلك هو الدرس الرشدي الأعظم، أن الوجود ليس خصما للعقل بل ميدانه؛ وأن الطبيعة ليست حجابا عن الحقيقة، بل أحد أصفى مسالكها؛ وأن انتظام العالم في أرقى معانيه ليس مجرد قانون بل حكمةٌ متجسدة في بنية الكائنات.

***

د. حمزة مولخنيف

الضمير، أو الوجدان كما يُوصف بلغة الأدب، هو معيار عقلي لتقويم الأداء الشخصي وتقييم التصرفات وللتمييز بين الخطأ والصواب والحسن والقبح من الأفعال، وما هو حق وما هو باطل، وبشكل أعم هو معيار للتمييز بين الخير والشر، يمنح الإنسان "راحة الضمير" عند التزامه بالحق، أو "تأنيب الضمير" عند الإنحراف عن القيم المثالية او المجتمعية، ويُعدّ ركيزة أساسية للإنسانية.

اولاً- الضمير بين العقل والقلب:

يرتبط الضمير ارتباطاً وثيقاً بالعقل، فهو يُعتبر صوتاً داخلياً أو قاضياً عقلياً وأخلاقياً يُميز بين الصواب والخطأ، وهو يتأثر بالتنشئة، الثقافة، والمبادئ التي يعتنقها العقل.

في حين يميل البعض من منظور ديني وروحي لربط الضمير بالقلب من الناحية العاطفية الوجدانية، باعتباره مركز المشاعر، الأخلاق، والنية.

ومن منظور فلسفي، يُنظر إلى الضمير ككيان غير مادي، لا يمكن تحديد موقعه في القلب أو العقل، فحسب وجهة النظر هذه يعد الضمير قوة أخلاقية ووعي داخلي يمكن الإنسان من التمييز بين الخير والشر، والصواب والخطأ، ومحاسبة النفس.

ثانياً- الضمير الحي والضمير الميت

يشير مصطلح "الضمير الحي" إلى أن يكون المرء محكوماً بالضمير لفعل ما هو صحيح، وهو احدى سمات الشخصية الخمسة (1) التي يتميز صاحبها بالإجتهاد والأخلاص والكفاءة والتنظيم، والوفاء بالالتزامات.

الضمير الميت، مصطلح رمزي، فالضمير قد يبالغ في التراخي وقد يبالغ في القسوة؛ فالضمير قد يكون سويا أو قد يتعرض للانحراف أو البلادة والخمول أو إلى المبالغة في تقدير الأخطاء.

ووفقاً للمعاني المتقدمة، يكون الضمير هو الدستور الشخصي لكل فرد يمنحه او يمنعه الرضا على تصرفاته.

ثالثا- اقسام الضمير: يمكن النظر للضمير من ثلاث زوايا، كالأتي:

1- الضمير الفردي: وهو "بوصلة أخلاقية" يمتلكها الفرد للتمييز ذاتياً بين الحق والباطل، والخير والشر، ويتخذ قراراته بناءً عليها، بصرف النظر عن مواقف الجماعة أو إجماعها.

2- الضمير الجماعي (ضمير الشعب): هو مصطلح سوسيولوجي ابتكره عالم الاجتماع إميل دوركايم، يشير إلى مجموعة المعتقدات، القيم، والمواقف الأخلاقية المشتركة بين أفراد المجتمع الواحد ويعمل كقوة توحيد غير مرئية توجّه سلوك الأفراد، وتشكل هويتهم المشتركة، وتتميز بوجود مستقل وقوي يتجاوز وعي الفرد الواحد، فهو يمتثل للمشاعر الوطنية المشتركة كمقاومة الطغيان والإحتلال وورفض الفقر والإستغلال والميل للتعاون الإجتماعي ومساعدة الايتام والمحرومين وذوي الاحتياجات الخاصة ...

وفي المجتمعات التقليدية، يكون الضمير الجمعي واسعاً وقوياً ويحكم تفاصيل حياة الناس، بينما يضعف مع تزايد الفردية في المجتمعات الحديثة.

2-الضمير المهني؛ وهو ما يُبديه الإنسان من استقامة وعناية وحرص ودقة فى قيامه بواجبات مهنته.

3- الضمير الإنساني؛ هو مشاعر فى نُفوس البشرية عامة، تهتدى إلى القيم الخلقية الإنسانية المشتركة بعفوية وتِلقائية، وتقف إلى حانب الضعفاء والفقراء وتبتغي العدالة الإنسانية.

رابعاً- الضمير والواجب:

(مدى اثر وجود الضمير او انعدامه في المؤسسات العامة والخاصة)

يرتبط الضمير ارتباطا وثيقا بالواجب،

والضمير في الخدمة العامة يمثل الرقيب الداخلي والوازع الأخلاقي والمهني الذي يوجه الموظف للقيام بواجبه بأمانة ونزاهة، ومكافحة الفساد بعيداً عن المصالح الشخصية، ودون حاجة الى رقابة خارجية مستمرة، ويُعد أساساً لتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.

ماهي مظاهر انعدام الضمير المهني؟

لاشك ان أهم مظاهر انعدام الضمير هنا تتلخص بالفساد السياسي والمالي والإداري؛ ويتطابق انعدام الضمير هنا مع مفهوم خيانة الأمانة الملقاة على عاتق الموظف الذي وجد في منصبه أصلاً لخدمة الناس وتيسير اعمالهم ومعاملاتهم ويتقاضى راتبه من اموالهم العامة فإذا به يبتزهم ويحاول اذلالهم تحقيقاً لمأرب شخصية تعبر عن نفسية وضيعة منعدمة الضمير تغذي نفسها ومتعلقاتها بالمال الحرام متشبثة بحجج واعذار واهية شتى.

ماهي آثار غياب الضمير في الخدمة العامة؟

1- انتشار الفساد الإداري والمالي

2- ضعف الإنتاجية وتدني جودة الخدمات.

3- فقدان ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

4- ظلم الأفراد وضياع الحقوق.

الضمير في الفلسفة والأدب:

احتل الضمير مكاناً مميزاً في الفسلفة والأدب والشعر، نختار في هذا المقام نبذة عنها؛

خامساً - الضمير والقانون:

اذا رجعنا الى المصادر البعيدة للقوانين والشرائع السماوية والأرضية وجميع القيم الخلقية والآداب العامة لدى مختلف الشعوب سنجد ولا شك ان صوت الضمير واضحاً ومسموعاً بقوة بين ثناياها.

وهكذا قيل ان الضمير الانساني، لولا تعارض المصالح والأنانية،لتمكن من التمييز بوضوح بين الخير والشر دون حاجة الى دراسة القانون أو الحاجة الى قاضي يقضي بالتمييز بينهما.

ذلك ان الضمير ينفر بطبيعته من الظلم والجريمة والأمور غير المنطقية وغير المعقولة.

فهل نحن بحاجة الى دراسة القانون لنعرف ان جريمة القتل جريمة بشعة تنال من الحق في الحياة، وكذلك الحال بالنسبة للسرقة والاحتيال والرشوة ...

ومما يدلل على ذلك ما يعرف في الفقه الإسلامي بحديث وابصة ابن معبد الذي سأل الرسول (صلى الله عليه وآله) عن البر والإثم فقال له: "يا وابصة، استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك المفتون".

ولاشك ان تنمية الضمير وتهذيبه لدى الفرد والمجتمع تعطي نتائج قد لاتدركها القوانين والانظمة والتشريعات ومايلحقها من جزاء بدني ومادي وإنضباطي عند مخالفتها علانية أو خفية، ولكن للضرورات الواقعية والإجتماعية إذا خيرنا بين الضمير والقانون، فإن الأفضلية تكون للقانون.

واذا تمت الموائمة بين القانون والضمير الفردي والإجتماعي فأننا في الواقع سنُحي أمة عظيمة، وهذه الموائمة لا تكون إلا في ظل نظام ديمقراطي حقيقي وتشريعات عادلة تضعها نخبة إحتماعية مخلصة لشعبها لا لمصالحها الأنانية يطبقها قضاء يحترم هيبته وحقوق مجتمعه ويكافح الظلم اينما وجد.

سادساً - الضمير من وجهة نظر الفلسفة

ينظر للضمير هنا على انه جهاز مراقبة ومحاسبة، يثير مشاعر الرضا عند فعل الخير، والتبكيت والألم عند الخطأ.

وترى المدرسة الحدسية للضمير، وهي اتجاه فلسفي يعتبر الضمير قوة فطرية، داخلية، ومباشرة تميز بين الخير والشر دون الحاجة لتجربة سابقة أو استدلال عقلي.

اما المدرسة الطبيعية (المادية): فترجع أحكام الضمير إلى الخبرة والتجربة السابقة، والنتائج المترتبة على الأفعال، فالضمير حسب وجهة النظر هذه يعكس بيئة الجماعة وتلتقي فيه تعاليمها، فالإنسان ابن عصره ووليد بيئته، فالفرد يتلقّى توجيهات المجتمع ويستجيب لها راضياً أو كارهاً.

1- الضمير عند جان جاك روسو؛

الضمير عند جان جاك روسو هو "قاضياً عادلاً" لا يُخدع ويمثل صوت الطبيعة الهادئ الذي يعاكس أهواء البشر ويقاوم فساد المجتمع، يتقدم على العقل وهو ما يصنع إنسانية الإنسان ، بل انه منبع الأخلاق الحقيقية بعيداً عن زيف المجتمع. . “إن كلّ ما أحسّه خيراً فهو خير. وكلّ ما أحسّه شرَّاً فهو شرّ، وخير الفقهاء إطلاقاً حسب روسو هو الضمير.

2- الضمير عند إيمانويل كانت؛

أسس الفيلسوف الألماني كانت فلسفته في الأخلاق والضمير على ثلاثة أسس كبرى هي: وجود الخالق، وخلود الروح والحرية، واعتبر أنه لا يمكن للإنسان أن يؤسِّس للواجب الأخلاقي من دونها، لأن الواجب الذي يدفع الإنسان أخلاقياً يسمى بالقانون الأخلاقي الذي يسكن الضمير فعلاً، وهذا القانون ليس فطرياً في الضمير وإنما هو نتاج العقل العملي الذي شرّعه.

سابعاً- الضمير عند سيگموند فرويد هو جزء من الجهاز النفسي يُعرف بـ "الأنا العليا" ويتشكل من خلال استبطان قيم الوالدين والمجتمع والمعايير الأخلاقية، ليعمل كحكم داخلي يراقب الأنا ويُصدر مشاعر الذنب أو الخزي عند مخالفة القواعد، سعيًا نحو الكمال المثالي.

ويحاول كبح جماح دوافع "الهو" (الغرائز) العدوانية والجنسية، ويحث "الأنا" على تبني معايير واقعية ومثالية بدلًا من مجرد السعي وراء اللذة.

وهذا الضمير هو قوة نفسية عميقة تمارس فعل الكبت، فتوجه السلوك الإنساني توجهاً إنسانياً بإضعاف الطابع الحيواني فيه.

ثامناً- الضمير والأدب:

“يتساءل غائب طعمة فرمان في رواية خمسة أصوات قائلاً: (عجيب هذا الضمير الانساني مع انه يعيش في داخل الانسان الا انه لا يخضع لنظام جسمه ولا لقوته وضعفه، احيانا يمرض بأمراض فتاكة بينما يظل في عافية الثيران جسمياً، وأحيانا يتحجر كالغرانيت في جسم ما يزال يحتفظ في الظاهر بطراوة الدم واللحم واحيناً يغط في نوم عميق ...)

كثير من الروايات العالمية جعلت الضمير الإنساني يتتبع الشخصية ويوقظها، الذي بدوره يوقظ القارئ:

1- ضمير فيودور دوستويفسكي؛

تُعد رواية الأخوة كارامازوف ورواية “الجريمة والعقاب” لدوستويفسكي درساً مهماً في مبادئ الضمير الإنساني

بالنسبة ل “الأخوةكارامازوف” :يعد الضمير في هذه الرواية المحرك الأساسي للأحداث، حيث يمثل الصراع الداخلي بين الخير والشر، والإيمان والإلحاد، حيث يجسد دوستويفسكي الضمير عبر شخصيات تتقلب بين النبل والبهيمية، مؤكداً أن "كل شيء مسموح" في غياب الله، وأن المسؤولية الأخلاقية جماعية، وأن الضمير الحي يظهر عبر الحب، والتعاطف، والندم

ويركز دوستويفسكي على أن الإنسان ليس مسؤولاً عن أفعاله فقط، بل وعن أفعال الآخرين أيضاً، مما يثقل ضمير الشخصيات (مثل إيفان) بالذنب.

يمثل إيفان "العقل" الذي يشك في الأخلاق، بينما يمثل أليوشا "القلب" الذي يتبنى المحبة، وتتذبذب الشخصيات الأخرى بينهما

يجسد ديمتري (ميتيا) نموذج الضمير الذي يمر عبر الألم والمعاناة للوصول إلى التطهير والندم على أخطائه، خاصة علاقته بوالده وكاثرين، حيث يسمح إيفان لنفسه بحجة إغواء الشيطان بأن يقول ما يفكر فيه، حيث يحدث أليوشا عنه: “لقد سخر مني وذلك ببراعة، ببراعة شديدة قائلاً: الضمير! ما الضمير؟إنني اختلقه بنفسي، فلِمَ أعاني إذاً؟ بحكم العادة، بحكم العادة الإنسانية على مدار سبعة آلاف سنة. دعنا إذاً نتخلص من العادة، وسوف نصبح آلهة؛ لقد قال ذلك، لقد قال ذلك.

يشدد العمل على أن الضمير يُقتل عندما يكذب الإنسان على نفسه، وينحدر في الرذيلة.

وكذلك تُعد روايته "الجريمة والعقاب" دراسة نفسية وأخلاقية عميقة، تُقدم الضمير كقوة قاهرة لا مفر منها، حيث يُعذب بطلها "راسكولنيكوف" داخلياً بعد جريمة قتل، متجاوزاً العقاب القانوني إلى العقاب الذاتي. تُظهِر الرواية الصراع بين الأفكار العدمية والندم، مؤكدة أن الخلاص يأتي عبر التوبة والاعتراف.

2- ضمير البير كامو

يرى البير كامو أن الضمير هو وعي داخلي حي بعبثية الوجود، يرفض الاستسلام لليأس أو الأيديولوجيات التي تبرر القتل، وينتصر للإنسان وقيمه التضامنية. إنه ضمير متمرد يواجه صمت العالم بالاحتجاج، ويسعى للعدالة بوعي، رابطًا الفن والتمرد الأخلاقي بالحرية والكرامة الإنسانية، هذا الضمير لا يقود لليأس بل للتمرد، وهو احتجاج دائم ضد الموت والظلم.

رفض كامو التبريرات السياسية للقتل والإرهاب، معتبرًا أن الضمير الحق يضع الإنسان وقيمته قبل أي أيديولوجيا،

ويرى كامو أن العمل الفني هو شكل من أشكال الاعتراف والوعي، فهو لا يمنع الخطيئة دائمًا، لكنه يمنع المرء من الاستمتاع بها، ليظل الضمير يقظًا.

أظهر كامو ضميرًا إنسانيًا حيًا في دفاعه عن حقوق الإنسان، ورفضه لعقوبة الإعدام، واستقالته احتجاجًا على مواقف سياسية تخالف مبادئه.

ألبير كامو في روايته “السقطة”، التي تدور أحداثها في أمستردام وتعتمد على حوار نفسي حميم على لسان شخصية قاضٍ تائب، يروي للقارئ سيرة حياته بين مدينتي، باريس وأمستردام، مبيناً كيف يشعر بالمتعة والرضا عندما يقدّم نصائحه الودية للغرباء في الطرقات، ويهب الصدقات للفقراء، ويترك مقعده للآخرين في الحافلة، ويمد يده للمكفوفين كي يعبروا الشارع، هذا الرجل النبيل الذي نذر حياته لأجل الآخرين، ولكن ما آلمه وآرقه هو كيف انه تجاهل امرأة ترتدي ملابس سوداء، وتنحني على حافة الجسر، ومضى في طريقه بعدما تردَّد لوهلة، ولم يكد يخطو بضع خطوات حتى ضج صوت عنيف في الماء، حيث المرأة قفزت منتحرة، التفت وأراد أن يجري هارباً، لكن قدميه خذلتاه، فتوقف ينصت لصراخ غريقة، ثم مضى يمشي تحت المطر ببطء.

يعلق أحد النقاد على ذلك بالقول؛ (.... وبالطبع لم يخبر أحداً بذلك، لكنه أخبرنا نحن القرّاء بذلك، وصرنا نلاحقه على مدى عقود بجرمه هذا، تماماً كما يلاحقه ويؤنبه ضميره حتى يومنا هذا).

3- فرجينيا وولف

تُعد فرجينيا وولف سيدة الضمير الإنساني العميق"، حيث عكست أعمالها صراعًا داخليًا ونضالًا نسويًا ضد النظام الأبوي، معتمدةً على "تيار الوعي" لتجسيد الوجود الإنساني. تميزت برهافة حسٍّ شديدة وقلق إنساني تجاه الحروب، مما جعلها أيقونة للسلام والمساواة، رغم معاناتها النفسية التي قادتها للانتحار.

عكست مقالاتها -خاصة أثناء الحرب العالمية الثانية- صوتاً سلمياً ضد الهمجية، حيث رأت في الحرب تدميراً للروح والإبداع.

وارتادت آفاق الرواية الحديثة من خلال التركيز على "لحظات الوجود" الاستثنائية، وتصوير انسياب الأفكار والمشاعر داخل الشخصيات بدلاً من السرد التقليدي.

4- فيكتور هوگو

يقول احد النقاد ان فيكتور هوگو، في “أحدب نوتردام” يشد الضمير من ياقته، وينتصر دوماً للضعفاء والمحرومين والمقهورين.

وهو نفسه الذي جعل مسيو مادلين في “البؤساء” يتبع ضميره، ليسلّم نفسه للشرطة بصفته جان فالجان، السارق القديم، كي ينقذ رجلاً بريئاً متهماً.

تركز رواية البؤساء على شخصية السجين السابق جان فالجان ، ومعاناته بعد خروجه من السجن، حيث تدور أحداث الروايةحول الظلم المُجتمعي الذي تعرض له جان فالجان والذي حُبِسَ ظلمًا لمدة 19 عام لسرقته رغيفًا من الخبز. كما تعرض الرواية طبيعة الخير والشر والقانون فى قصة أخاذة تظهر فيها معالم باريس، الأخلاق، الفلسفة، القانون، العدالة، الدين وطبيعة الرومانسية والحب العائلى.

5- الضمير عند نجيب محفوظ

يُعد الضمير في أدب نجيب محفوظ محركاً أخلاقياً داخلياً، ومحور الصراع بين الخير والشر في النفس البشرية.

يبرز الضمير كقاضٍ نهائي (تأنيب الضمير) حينما تنحرف شخوص الرواية عن المبادئ يقول محفوظ: "من لا يؤدبه الضمير، تؤدبه الحياة حين تدور، مما يعني أن غياب الرادع الداخلي يؤدي إلى قصاص حتمي من القدر أو الواقع، ويتركز في أعماله على صدق المشاعر والمسؤولية الفردية، معتبراً أن راحة الضمير هي المعيار الحقيقي ولو عبرت فوق آراء الناس.

وقي قصتة "أيوب" ركز محفوظ على تحول الألم إلى قوة، والصراع بين الذاتية والموضوعية، مع نهاية مفتوحة.

تطرح القصة معضلة الأخلاق والضمير، ومفهوم الصبر والتطهر عبر الألم، وينتقد محفوظ من خلال القصة -بالتلميح والتصريح- سياسات الانفتاح الاقتصادي، والتحول نحو الرأسمالية الحرة، مما يشير إلى المكاسب الفردية على حساب المجموع

6- ضميرعلي الوردي

يقول علي الوردي في وعاظ السلاطين؛

الضمير لايردع الإنسان في عمل ضد عدوه؛ فهو يعتدي عليه ويسفك دمه وينتهك حرمته وينهب أمواله وهو مرتاح الضمير كأنه لم يفعل شيئاً.

ويثير الوردي مسألة ضمير الأمة بالقول (غريب أمر هذه الأمة فالفرد فيها مزدوج الشخصية، والمجتمع منشق الضمير).

وعن تكوين الضمير يقول الوردي في مؤلفه القيم(لمحات أجتماعية من تاريخ العراق الحديث) ج2؛

("أن (الضمير) في الواقع أمر نسبي وهو نتاج القيم الأجتماعية التي ينشأ عليها الأنسان أو يؤمن بها بعدئذ. ولهذا رأينا الكثير من الأخيار والزهاد والصالحين يرتكبون أفدح الجرائم تجاه من يخالفهم في العقيدة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا").

***

فارس حامد عبد الكريم - النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

بغداد – العراق / 2026

...............................

(1) نظرية العوامل الخمسة الكبرى للشخصية هي نموذج علمي نفسي لتصنيف الشخصية البشرية إلى خمس سمات رئيسية ثابتة، تُعرف اختصاراً بـ (OCEAN):

1- الانفتاح على التجربة: يقيس مدى انفتاح الفرد للإبداع والتجديد، والخيال أو انه تقليدي، عملي، ويفضل الروتين.

2- الضمير الحي (يقضة الضمير)

3- الانبساط يقيس مدى الانفتاح الاجتماعي للفرد وهل هو مليء بالطاقة يتميز بالمرح او انه انطوائي متحفظ.

4- الوداعة او المقبولية: تعكس مدى التعاون، التعاطف، والانسجام مع الآخرين.

5- العصابية: تقيس مدى الاستقرار العاطفي، او الميل للشعور بالقلق، التوتر، والانفعالات السلبية.

قراءة في الأسس العقلية للتشريع في الفكر الأندلسي

إنّ النظر في فلسفة القانون عند ابن رشد لا يندرج ضمن ضروب الاستعادة التراثية التي تُمارَس بدافع الإعجاب التاريخي أو الحنين الثقافي بقدر ما يندرج ضمن مساءلةٍ معرفيةٍ دقيقةٍ لواحدٍ من أكثر المواضع حساسيةً في بنية الفكر الإسلامي الوسيط، الموضع الذي يلتقي فيه النصّ بالعقل والشرع بالبرهان والفقه بالحكمة والتشريع بسؤال العدل في معناه العميق. ذلك أنّ ابن رشد لا ينهض في هذا المقام بوصفه شارحا للفلسفة اليونانية فحسب، ولا بوصفه فقيها مالكيا منخرطا في صناعة الخلاف على نحوٍ مذهبيٍّ محدود، بل بوصفه عقلا مركّبا استطاع أن يُعيد ترتيب العلاقة بين القانون والحقيقة وبين الحكم وعلّته وبين ظاهر النصّ ومقاصده، على نحوٍ يجعل من التشريع نفسه مجالا للفهم الفلسفي، لا مجرد موضوعٍ للامتثال أو الحفظ أو النقل.

ولئن درج كثيرٌ من الدارسين على مقاربة ابن رشد من خلال ثنائية التوفيق بين الحكمة والشريعة، فإنّ هذه المقاربة – على أهميتها – تظلّ قاصرةً عن استيعاب العمق الحقيقي لمشروعه، ما لم تُرَدّ إلى حقلٍ أشدّ التصاقا بصلب التجربة الرشدية، وهو الحقل الذي يتبدّى فيه التشريع لا باعتباره جملةً من الأحكام المتفرقة، بل باعتباره نسقا عقلانيا منضبطا، تتحرك داخله النصوص والعلل وتتفاعل فيه الدلالات والمقاصد وتتشكل فيه سلطة الحكم من خلال شبكةٍ دقيقةٍ من الاستدلال، لا من خلال ظاهر اللفظ وحده. ومن هنا فإنّ السؤال عن فلسفة القانون عند ابن رشد ليس سؤالا عن حضور القانون في كتاباته عرضا ولا عن موقفه من بعض مسائل الفقه من جهة الانتماء المذهبي، بل هو سؤالٌ عن الأسس العقلية التي يقوم عليها التشريع في تصوره، وعن الكيفية التي يتحول بها الفقه – في أرقى صوره – من علمٍ بالأحكام إلى علمٍ بمبادئ إنتاجها، ومن حفظٍ للفروع إلى فهمٍ لنظامها الداخلي.

وإذا كان الفكر القانوني الحديث قد انشغل في وجوهه الكبرى بأسئلة المصدر والشرعية والتأويل والسلطة والعلاقة بين القاعدة والواقع، فإنّ قراءة ابن رشد تكشف أنّ التراث الأندلسي قد أنجب في لحظةٍ نادرةٍ من نضجه، عقلا قانونيا لا يقلّ عمقا في إدراك هذه الإشكالات، وإن صاغها ضمن أفقٍ مغايرٍ ومفاهيمَ مغايرة. فابن رشد لا يتعامل مع الخلاف الفقهي بوصفه عرضا عارضا في تاريخ المذاهب، بل بوصفه أثرا بنيويا لاختلاف المدارك وطرائق الاستدلال؛ ولا ينظر إلى الاجتهاد بوصفه ترفا علميا، بل بوصفه الشرط الذي به تظلّ الشريعة حيّةً وقادرةً على النفاذ إلى الوقائع المتجددة؛ ولا يفهم النصّ الشرعيّ بوصفه سطحا لغويا مكتفيا بذاته، بل بوصفه خطابا تتفاوت مراتبه وتختلف وجوه تلقيه وتحتاج دلالاته إلى عقلٍ يميّز بين المنطوق والمعقول وبين الظاهر والمآل وبين اللفظ وحكمته التشريعية.

من هذه الزاوية تحديدا تتأسس أهمية إعادة قراءة ابن رشد في أفق فلسفة القانون، لا بوصفه موضوعا للتمجيد، بل بوصفه نموذجا معرفيا يكشف عن إمكانٍ بالغ الندرة في تاريخنا الفكري، هو إمكان بناء عقلانيةٍ تشريعيةٍ لا تُخاصم الوحي ولا تستقيل أمامه ولا تُفرّغ الفقه من سلطته ولا تُحوّله إلى أرشيفٍ للموروث، بل تجعل من النصّ أصلا ومن العقل آلةً ومن المقصد أفقا ومن العدل غايةً ومن الاجتهاد سبيلا إلى وصل الكلّيّ بالجزئيّ والثابت بالمتغيّر والشرع بالعمران. وعلى هذا الأساس فإنّ هذه المقالة لا تروم الوقوف عند ابن رشد باعتباره اسما كبيرا في سجلّ الفلاسفة المسلمين، بل تروم مساءلة بنيته النظرية في فهم التشريع والكشف عن الكيفية التي تتخلّق بها عنده فلسفةٌ ضمنيةٌ للقانون، قوامها ردّ الأحكام إلى عللها وردّ الاختلاف إلى أصوله وردّ النصوص إلى انتظامها العقليّ، بما يجعل من الفكر الأندلسيّ في شخص ابن رشد، أحدَ أرفع اللحظات التي بلغ فيها الوعي القانوني الإسلامي درجةً عاليةً من النضج البرهانيّ والتماسك المنهجيّ.

وليس من المبالغة في شيء أن يُقال إنّ الحديث عن ابن رشد في سياق فلسفة القانون ليس حديثا عن فقيهٍ مارس الاجتهاد في إطار مدرسةٍ مذهبيةٍ فحسب، ولا عن فيلسوفٍ حاول التوفيق بين الحكمة والشريعة على نحوٍ دفاعيٍّ محض، بل هو حديثٌ عن عقلٍ أندلسيٍّ بلغ من النضج المنهجي مبلغا جعله يقف عند نقطةٍ دقيقةٍ وحاسمةٍ في تاريخ الفكر الإسلامي، النقطة التي يتحوّل فيها الفقه من مجرد استيعابٍ للأحكام إلى وعيٍ ببنية الحكم، ويتحوّل فيها التشريع من حفظٍ للفروع إلى إدراكٍ لمبادئ إنتاجها، ويغدو فيها الخلاف الفقهي لا علامةَ اضطرابٍ في النص، بل أثرا مشروعا لتعدّد طرائق النظر في علل النصوص ومقاصدها ومجالات تنزيلها. إنّ “فلسفة القانون” عند ابن رشد لا ينبغي أن تُلتمس فقط في نصوصه الفلسفية الصريحة من قبيل فصل المقال ولا فقط في ردوده الكلامية الجدلية في تهافت التهافت، وإنما ينبغي أن تُستخرج كذلك – وربما أساسا – من بنيته الفقهية العميقة كما تتجلّى في بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ذلك الكتاب الذي لا يقدّم فقها مقارنا بالمعنى المدرسي المتأخر فحسب، بل يقدّم في الحقيقة ما يمكن أن نسمّيه، نظريةً عقليةً في فهم التشريع أو ميتافيزيقا خفيّةً للاجتهاد، أو هندسةً إبستمولوجيةً للاختلاف القانوني.

ولعلّ ما يجعل ابن رشد في هذا الباب متفرّدا أنّه لم يتعامل مع القانون الشرعي بوصفه جملةً من الأوامر والنواهي الملقاة على الذمة في صورةٍ نهائيةٍ مغلقة، بل نظر إليه بوصفه نظاما معرفيا مركّبا تتداخل فيه النصوص والعلل والقياسات والمصالح والأعراف ومراتب الخطاب وتفاوت المدارك الإنسانية. ومن هنا كان التشريع عنده فعلاً عقلانيا منضبطا، لا لأنّ العقل يعلو على النصّ من حيث الأصل، بل لأنّ النصّ نفسه لا يستغني عن العقل في الفهم ولا يستقيم تنزيله إلا به ولا يُحسن حمله على مقاصده إلا من خلاله. وهذه الفكرة على بداهتها في ظاهرها، كانت في عمقها انقلابا على صورتين معا، صورة الفقيه الذي يغرق في الجزئيات حتى يضيع منه الكلي، وصورة المتكلم الذي يتوه في الجدل حتى يغيب عنه نظام الواقع، وصورة الفيلسوف – إن وُجد – الذي يظلّ أسير الكليات المجرّدة دون أن يلامس حرارة الوقائع وأعباء الأحكام.

إنّ ابن رشد ليس مجرد شارحٍ لأرسطو كما درجت بعض الاختزالات الاستشراقية أو التبسيطات المدرسية على تصويره، بل هو – في الحقل القانوني خصوصا – باني نسقٍ تأويليٍّ واجتهاديٍّ يردّ الفروع إلى أصولها ويُرجع الاختلاف إلى علله ويستبدل بعرض الأقوال المتراكمة منطقا كاشفا عن أسبابها. وقد لاحظت دراسات معاصرة أنّ خصوصية بداية المجتهد لا تكمن في كثرة الأقوال التي يجمعها، بل في كونه يعمد إلى تفسير أسباب اختلاف الفقهاء وردّها إلى قواعدها الكلية حتى يغدو المجتهد قادرا على مواجهة النوازل المستجدّة انطلاقا من فهم الآليات المنتجة للحكم لا من مجرد حفظ ما قيل في نظائرها . وهذا بالذات هو المدخل الصحيح إلى فلسفة القانون عنده، ليس القانون عند ابن رشد مجموعةَ نتائج، بل هو مسارُ إنتاجٍ عقلانيٍّ للنتائج.

إنّ أول ما ينبغي تقريره هو أنّ السؤال القانوني عند ابن رشد ليس سؤالا فقهيا ضيقا، بل هو سؤالٌ إبستمولوجيٌّ في المقام الأول. إنّه لا يسأل: ما الحكم؟ إلا ليعقبه بسؤالٍ أعمق: لماذا اختلفوا في الحكم؟ وما منشأ الاختلاف؟ وهل هو ناشئٌ عن تفاوتٍ في ثبوت الدليل أم عن اختلافٍ في فهم الدلالة أم عن تعارضٍ بين ظاهرٍ ومعنى أم عن تباينٍ في اعتبار القياس أم عن اختلافٍ في تحقيق المناط أم عن تردّدٍ بين أصلين؟ وهذا التحويل للسؤال من النتيجة إلى الآلية هو جوهر العقل القانوني الحديث قبل أن يكون جوهر العقل الفقهي الكلاسيكي. فإذا كانت فلسفة القانون المعاصرة قد جعلت من سؤال “مصدر الإلزام” و“بنية التأويل” و“علاقة القاعدة بالواقعة” أسئلةً مركزيةً، فإنّ ابن رشد كان قد مارس هذه الأسئلة – وإن بلغة عصره ومفاهيمه – ممارسةً عميقةً في قلب التراث الفقهي ذاته.

وليس عبثا أن يُفتتح النظر في ابن رشد من خلال استحضار خلفيته المركّبة: فهو قاضٍ وفقيهٌ مالكي وأصوليّ وطبيب وفيلسوف ومفسّرٌ لأرسطو ومشتغلٌ بالكلام والمنطق والطبائع. وهذه التعددية المعرفية لم تكن زخرفا ثقافيا، بل هي التي مكّنته من تجاوز الأحادية المنهجية. لقد كان يعرف – بوصفه فقيها – أنّ الحكم لا يستخرج من النصّ بآلةٍ واحدة، وكان يعرف – بوصفه منطقيا – أنّ الاستدلال درجات وأنّ البرهان غير الجدل وأنّ الإقناع غير اليقين، وكان يعرف – بوصفه قاضيا – أنّ الوقائع لا تُشبه القوالب دائما وأنّ العدالة لا تتحقق بآليةٍ صمّاء، وكان يعرف – بوصفه فيلسوفا – أنّ الوجود نفسه منتظمٌ على عللٍ وروابط، وأنّ إنكار السببية يفضي إلى انهيار إمكان العلم. لذلك لم يكن غريبا أن يتشكّل لديه تصورٌ للتشريع يقوم على أنّ القانون ليس قهرا للنصوص على الوقائع ولا إخضاعا للوقائع لأوهام الفقهاء، بل هو بحثٌ عن المعقول في المنقول وعن النظام في الاختلاف وعن المناسبة بين الكليّ الشرعيّ والجزئيّ الواقعيّ.

وإذا كان هانس كلسن قد أراد في العصر الحديث أن يؤسس “نظرية خالصة للقانون” تفصل القانون عن الأخلاق والدين والسياسة من أجل صرامةٍ معيارية، وإذا كان هربرت هارت قد أعاد تعريف القانون من خلال “قاعدة الاعتراف” وبنية النظام القاعدي، وإذا كان رونالد دوركين قد تمسّك بأنّ القانون لا يُفهم فقط من خلال القواعد بل من خلال المبادئ أيضا؛ فإنّ ابن رشد – ضمن أفقٍ حضاريٍّ مختلف – يقدّم لنا إمكانا آخر: قانونٌ شرعيٌّ لا ينفصل عن الأخلاق، لكنه لا يذوب فيها؛ يستند إلى النصّ لكنه لا يكتفي بظاهره؛ يعترف بالسلطة المعيارية للوحي، لكنه يجعل العقل آلةَ الكشف عن انتظامها ومجالاتها ومقاصدها. ولعلّ عبارة أرسطو في الأخلاق إلى نيقوماخوس ما تزال هنا ذات دلالة: “العدل هو الفضيلة الكاملة ولكن لا إطلاقها بل في علاقتنا بالغير.” فالقانون عند ابن رشد ليس مجرد حدٍّ للواجب، بل هو ترتيبٌ للعلاقات الإنسانية على مقتضى العدل الممكن، والعدل هنا لا يُنال إلا بفهم الغايات والعلل والمراتب.

إنّ المدخل الرشدي إلى التشريع يقوم في جوهره على رفض صورتين متقابلتين من الانحراف: صورة الحرفية الجامدة وصورة العقلانية المنفلتة. فالحرفية الجامدة تُحوّل النصّ إلى سطحٍ لفظيٍّ يُستنفد في ظاهره وتتعامل مع الشريعة كأنّها مخزنُ جزئياتٍ لا نظامَ لها إلا التكرار؛ والعقلانية المنفلتة تُغري صاحبها بتجاوز بنية الخطاب الشرعيّ نفسه، فتجعله يؤسّس الحكم من خارج اللغة التشريعية ومن خارج مقاصدها التداولية. أمّا ابن رشد فإنه يشتغل في المنطقة الوسطى الصعبة، لا يتخلّى عن النص ولا يسلّم له تسليما آليا؛ لا يقدّس المذهب ولا يهدمه هدما اعتباطيا؛ لا ينكر الاختلاف ولا يحتفل به لذاته؛ بل يسعى إلى عقلنة الاختلاف وضبطه وتحويله من فوضى أقوال إلى خريطة أصول.

ومن هنا كانت القيمة الفلسفية الكبرى لكتاب بداية المجتهد. فهذا الكتاب في حقيقته ليس مجرد مدونةٍ في الفقه المقارن، بل هو تدريبٌ منهجيٌّ على النظر القانوني. إنّه يعلّم القارئ كيف ينتقل من الحكم إلى علّته، ومن العلّة إلى أصلها ومن الأصل إلى شبكة العلاقات التي تفسّر ظهور الخلاف. وفي هذا المعنى يقترب ابن رشد من ذلك الذي قاله مونتسكيو بعد قرون في روح القوانين: “القوانين في أوسع معانيها هي العلاقات الضرورية الناشئة عن طبيعة الأشياء.” والحق أنّ ابن رشد – وإن لم يقلها بهذا اللفظ – فهو يمارسها بالفعل، فالأحكام عنده لا تُفهم بوصفها معزولةً عن طبيعة موضوعاتها ولا عن عللها ولا عن أسباب اختلاف النظار فيها. إنّه يبحث عن “روح الحكم” قبل أن يكتفي بلفظه، وعن “بنية الخلاف” قبل أن يحفظ أطرافه.

وليس خافيا أنّ هذا المسلك يقتضي إيمانا عميقا بمشروعية العلّية في المجالين معا، مجال الطبيعة ومجال التشريع. ولئن اشتهر ابن رشد في تهافت التهافت بدفاعه عن السببية الطبيعية ورده على النزعات التي تؤدي إلى تقويض انتظام العالم، فإنّ هذا الدفاع ليس منفصلا عن منطقه القانوني. فمن ينكر العلل في الكون يصعب عليه أن يؤسس علما، ومن يضعف اعتبار العلل في الأحكام يصعب عليه أن يؤسس اجتهادا. ذلك أنّ الفقه الذي يكتفي بالمنطوق دون المعقول يشبه في بعض وجوهه فلسفةً تنكر أنّ النار تحرق بطبعها. وكما رأى ابن رشد أنّ نفي الأسباب يفضي إلى السفسطة في معرفة العالم، يمكن أن يُقال في روحه إنّ نفي المعاني الجامعة والعلل المؤثرة في الفقه يفضي إلى نوعٍ من السفسطة العملية في معرفة الحكم. فالقانون لكي يكون معقولا لا بد أن يقوم على روابط قابلة للفهم وعلى انتقالات استدلالية لا تكون اعتباطية.

وهنا نفهم لماذا لم يكن ابن رشد ينظر إلى الخلاف الفقهي على أنّه عيبٌ في الشريعة، بل على أنّه أثرٌ طبيعيٌّ لاختلاف المدارك والأدلة وطرائق الاستدلال. وهذه الفكرة إذا أُحسن فهمها، ستُعدّ من أكثر أفكاره القانونية حداثةً وعمقا. فالاختلاف عنده ليس فوضى بل بنية. وليس انقساما عبثيا، بل نتيجةً لاختلافٍ في أصول النظر. وقد نبهت الدراسات الحديثة إلى أنّ مشروعه في بداية المجتهد يقوم تحديدا على ردّ هذا الاختلاف إلى أسبابه المنهجية، بحيث يصير الفقه علما بآليات الترجيح والتخريج، لا مجرد سجلٍّ للخلافات الموروثة . ويلتقي ابن رشد هنا – من حيث لا تاريخيا بل منهجيا – مع ذلك التمييز الذي سيصنعه لاحقا ماكس فيبر بين العقلانية الصورية والعقلانية المادية، فابن رشد لا يريد للفقه أن يكون شكلا خالصا بلا مقاصد ولا مادةً أخلاقيةً بلا نظام، بل عقلانيةً مركّبةً يتداخل فيها البناء الشكلي للاستدلال مع الحسّ المقصديّ للعدالة.

وإذا كان من الضروري التنبيه إلى شيءٍ هنا، فهو أنّ “فلسفة القانون” عند ابن رشد لا تعني أنّه كتب نظريةً مستقلةً في القانون على الطريقة الحديثة كما فعلت الفلسفات القانونية الأوروبية منذ العصر الحديث، بل تعني أنّ نصوصه – وخاصةً الفقهية والأصولية والفلسفية المتصلة بالشريعة – تشتمل على تصوّرٍ ضمنيٍّ متماسك لطبيعة التشريع ومصادره ومراتب خطابه وحدود التأويل فيه ووظيفة العقل في فهمه وشروط المجتهد الذي يمارسه. وهذه العناصر إذا اجتمعت تكوّن ما يجوز تسميته بحقّ: فلسفةً للقانون حتى وإن لم تُسمَّ بهذا الاسم.

إنّ من أبرز ما يكشف عنه هذا التصور الرشدي ما قرّره في فصل المقال من أنّ النظر البرهاني ليس أمرا أجنبيا عن الشريعة، بل إنّ الشريعة نفسها قد ندبت إليه بل أوجبته على من كان أهلاً له. فالنصّ الرشدي هنا لا يدافع عن الفلسفة من خارج القانون بل من داخله، إنّه يصوغ علاقة الحكمة بالشريعة بصياغةٍ قانونيةٍ أصلاً. لقد نظر في حكم الفلسفة من جهة الشرع وانتهى إلى أنّ الاعتبار العقلي في الموجودات – لمن استكمل شروطه – داخلٌ في مقتضى الأمر الشرعي بالنظر. وتصف المصادر الحديثة فصل المقال بأنه رسالةٌ “فقهية-فلسفية” تؤكد أنّ البرهان الفلسفي لا يتعارض مع الشريعة وأنّ التعارض الظاهري بينهما يُرفع بالتأويل عند أهله، وأنّ الناس متفاوتون في قدراتهم بين الخطابيّ والجدليّ والبرهانيّ . وهذه الفكرة ليست قضيةً نظريةً عامةً فحسب؛ إنها تمسّ صميم فلسفة القانون عنده لأنّها تعني أنّ الخطاب الشرعي ليس أحاديّ الطبقة، وأنّ القانون لا يُخاطب الناس جميعا بالطريقة نفسها من حيث الإدراك، وإن كان يلزمهم من حيث الامتثال بحسب وسعهم.

وهذا التفريق بين مراتب الإدراك له أثرٌ بالغ في فهم القانون. فالنصّ القانوني – في كل حضارة – لا يعيش في فراغٍ لغويّ، بل يتوجّه إلى متلقّين متفاوتين. وقد أدرك ابن رشد هذه الحقيقة مبكرا، فهناك من يكتفي بالظاهر الخطابي وهناك من يتدرّب على الجدل وهناك من يبلغ رتبة البرهان. إنّ فهم النصوص ليس فعلا ديمقراطيا من حيث الكفاءة المعرفية، وإن كان التشريع موجّها من حيث الأصل إلى عموم المكلفين. هنا تظهر نخبوية ابن رشد المعرفية ولكنها ليست نخبويةً طبقيةً أو سلطويةً بالمعنى المبتذل، بل هي اعترافٌ بأنّ صناعة الحكم ليست متاحةً لكل من حفظ ألفاظ النصوص، بل لمن ملك آلة النظر فيها. وكأنّنا بإزاء صياغةٍ مبكرة لما سيقوله لاحقا بعض فلاسفة التأويل القانوني من أنّ تطبيق القانون ليس تكرارا آليا للنصّ، بل ممارسةٌ تتطلب كفاءةً في فهم اللغة والغايات والسياقات.

وهذا يقودنا إلى عنصرٍ آخر بالغ الأهمية في فلسفة القانون عند ابن رشد وهو عنصر التأويل. فالتأويل عنده ليس مناورةً لاهوتيةً لإنقاذ الفلسفة من سلطة النصّ، كما توهّم بعض القراءات السطحية، بل هو ضرورةٌ قانونيةٌ وفكريةٌ معا. ذلك أنّ النصّ الشرعي – بما هو خطابٌ موجّهٌ إلى الناس كافة – لا يمكن أن يُختزل في مستوىً واحدٍ من الدلالة. وقد يحدث أن يقوم البرهان اليقيني على معنىً لا يسع ظاهر النصّ حمله على وجهه الأول، فحينئذٍ يكون الانتقال إلى التأويل المشروع من وظائف أهل النظر. غير أنّ ابن رشد يضع لهذا الباب ضوابط صارمة، ليس كلّ تعارضٍ متوهَّم مبرّرا للتأويل وليس كلّ قارئٍ مؤهّلا له، وليس كلّ معنىً يجوز بثّه للعامة. إنّها نظريةٌ في “تدبير الحقيقة” داخل المجتمع بقدر ما هي نظريةٌ في فهم النص. وإذا شئنا لغةً معاصرةً قلنا: إنّ ابن رشد يؤسس لفكرة أنّ القانون ليس فقط ما يُقال بل أيضا ما يُفهم وأنّ الفهم نفسه محكومٌ بقواعد اختصاصٍ ومسؤولية.

وإذا كان الفقهاء قد اختلفوا كثيرا في مساحة التأويل وحدوده، فإنّ خصوصية ابن رشد أنّه يربطه بالبرهان لا بالهوى وبالاختصاص لا بالذوق وبحفظ النظام العامّ العقديّ والاجتماعيّ لا بإثارة الفوضى. ولذلك فإنّ فلسفة القانون عنده لا تنتهي إلى سيولةٍ تأويلية بل إلى انضباطٍ تأويلي. إنّها تعترف بأنّ النصوص قابلةٌ لمراتب من الفهم، لكنها لا تُسقط هيبة الظاهر ولا تفتح الباب أمام العبث. وهذا التوازن من أدقّ ما في مشروعه، لأنه يبيّن أنّ العقل عنده ليس قوّةَ هدمٍ للنظام التشريعي، بل أداةُ حفظٍ له من الجمود والتناقض وسوء الفهم.

إنّ تأمل البنية الرشدية في بداية المجتهد يكشف عن نزوعٍ واضح إلى بناء “عقل قانوني مقارن”. والمقارنة هنا ليست غايةً وصفيةً، بل وسيلة لاكتشاف منطق التشريع. إنّ ابن رشد حين يعرض أقوال المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة وغيرهم، لا يفعل ذلك ليُشبع فضول القار ولا ليمنحه خريطةً مدرسيةً للخلاف، بل ليُدرّبه على إدراك أنّ وراء كلّ قولٍ بنية استدلالية ومقدمات وأصولا. وهذا في ذاته انتقالٌ من سلطة “المذهب” إلى سلطة “الحجة”. وقد يكون من أبلغ ما يُقال هنا ما رُوي عن الشافعي: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.” فابن رشد وإن لم يكن شافعيا في المذهب، فإنه يستبطن هذه الروح المعرفية، الأحكام ليست أوثانا والمذاهب ليست جزرا مغلقة والحقّ في الفروع يُطلب بالاجتهاد والترجيح لا بمجرد الوراثة المدرسية.

إنّ هذا الوعي المقارن يجعل من فلسفة القانون عند ابن رشد فلسفةً ضدّ الوثوقية الفقهية لا ضدّ الفقه نفسه. فهو لا يرفض المذاهب، لكنه يرفض أن تتحوّل إلى بدائل عن العقل. ولا يرفض التقليد في موضعه لكنه يرفض أن يصبح عجزا بنيويا عن النظر. وتتضح في هذا السياق قيمة عنوان كتابه نفسه: بداية المجتهد ونهاية المقتصد. فالبداية هنا ليست بدايةَ الطالب في الحفظ، بل بدايةُ المجتهد في الفهم، والنهاية ليست نهايةَ الفقيه في الاستقصاء، بل نهايةُ المقتصد الذي يكتفي بما يقيم عمله. وفي هذا العنوان وحده فلسفةٌ كاملة، التشريع مجالٌ يتفاوت الناس فيه بحسب أهليتهم، والفقه ليس طبقةً واحدةً من التلقي بل درجات.

ولئن كان كثيرٌ من الدارسين قد ركّزوا على ابن رشد بوصفه رمزا للتوفيق بين الدين والفلسفة، فإنّ التركيز على هذا الجانب وحده يُفوّت علينا البعد الأخصب في مشروعه، وهو كونه قد حاول – في قلب الممارسة الفقهية ذاتها – أن يؤسس لعقلانيةٍ قانونيةٍ حقيقية. وهذه العقلانية ليست عقلانيةً علمانيةً بالمعنى الحديث ولا هي عقلانيةٌ نصّيةٌ مغلقة، بل عقلانيةٌ أصوليةٌ برهانيةٌ مقاصديةٌ منضبطة. وهنا أمكن لبعض الدراسات الحديثة أن تتحدث عن إمكان استلهام مشروعه بوصفه نموذجا لـ“شريعة حيّة” أو لفقهٍ قادرٍ على إنتاج مبادئ قانونية من خلال تحليل الأحكام الموروثة لا من خلال تكرارها الآليّ .

وإذا كان القانون في أحد تعريفاته الكبرى هو ذلك الجهد الإنسانيّ لتنظيم الممكن البشريّ تحت أفق العدالة، فإنّ ابن رشد يمثّل لحظةً فارقةً في التاريخ الإسلامي لأنّه جعل من الفقه علما بالكيفيات التي يُنتج بها هذا التنظيم، لا مجرد علمٍ بما استقرّ منه. إنّه ينقل الفقيه من حافظٍ للأجوبة إلى باحثٍ في شروط السؤال، ومن ناقلٍ للنتائج إلى محلّلٍ لآليات توليدها ومن تابعٍ للمذهب إلى ناظرٍ في مناطاته. وهذا ما يمنح مشروعه بعدا فلسفيا حقيقيا، إنه لا يسأل فقط “ماذا قال الفقهاء؟” بل “كيف يمكن أن نفكر مثلهم – أو أفضل منهم – في ضوء أصولهم ونصوصهم وعللهم؟”.

إنّ قراءة فلسفة القانون عند ابن رشد لا ينبغي أن تُختزل في ثنائية “العقل والنقل” السهلة، لأنّ هذه الثنائية – على شيوعها – كثيرا ما تحجب أكثر مما تكشف. فابن رشد لا يضع العقل في مواجهة النقل، بل يجعله شرطا في حسن تلقيه، ولا يضع الشريعة في خصومةٍ مع البرهان، بل يجعل البرهان من مقتضيات فهمها لمن استجمع آلته. إنّ القضية عنده ليست أيهما أولى؟ بل كيف يعمل كلّ منهما في مجاله وكيف يُرفع التعارض المتوهَّم بينهما وكيف يُبنى نظامٌ معرفيٌّ وتشريعيٌّ لا يتناقض فيه الحقّ مع الحقّ ?. ولذلك فإنّ عبارته الضمنية الكبرى التي يمكن استخراجها من مجموع مشروعه هي أنّ الحقيقة لا تضادّ الحقيقة وأنّ الشريعة – إذا كانت حقا – لا يمكن أن تأمر بما يناقض البرهان اليقيني كما أنّ البرهان – إذا كان برهانا حقا – لا يمكن أن يفضي إلى إبطال مقاصد الوحي.

وفي هذا المعنى يكون ابن رشد وريثا ناضجا لأرسطو من جهة الصرامة المنهجية، ووارثا مجدّدا للفقه الإسلامي من جهة إعادة بنائه على أصوله الحية، وناقدا ضمنيا لكثيرٍ من مظاهر الانحباس المذهبي في عصره. لقد أدرك أنّ الشريعة إذا تحوّلت إلى متونٍ محفوظةٍ بلا علل فإنّها تفقد قدرتها على الحياة؛ وأنّ العقل إذا انفصل عن نظام الخطاب الشرعيّ فإنّه يفقد شرعيته التداولية داخل الأمة؛ وأنّ الفقه إذا استغرق في الفروع حتى ينسى الأصول فإنه يُنتج مجتهدين في النقل لا في النظر.

وتبرز أهمية هذه القراءة هنا حيث إنّ ابن رشد لا يقدّم لنا “فقها عقلانيا” بمعنى التخفف من النصوص، بل يقدّم “عقلانيةً فقهية” بمعنى التمكّن من النصوص بردّها إلى قوانين اشتغالها. وهذه التفرقة دقيقةٌ وحاسمة. فكم من مشروعٍ معاصرٍ أراد أن يحدّث الفقه ففكّك سلطته المعيارية، وكم من مشروعٍ آخر أراد أن يحفظ الفقه فجمّد حيويته. أمّا ابن رشد فإنّه يعلّمنا أنّ الحفظ الحقيقيّ للشريعة لا يكون إلا بتجديد آلة النظر فيها وأنّ الوفاء للنصوص لا يكون إلا بإحياء العقول التي تُحسن فهمها.

ولذلك فإنّ المدخل الأوفى إلى فلسفة القانون عنده هو أن نراه لا بوصفه فيلسوفا كتب في الفقه ولا فقيها استعان بالمنطق، بل بوصفه عقلا بنى جسورا دقيقةً بين البرهان والتشريع، بين النصّ والتأويل، بين الخلاف والقاعدة، بين المذهب والاجتهاد وبين الظاهر والمعقول. وهذه الجسور هي التي تجعل مشروعه صالحا لأن يُقرأ اليوم لا على سبيل الإعجاب التاريخي وحده، بل على سبيل الاستئناف النظري أيضا.

إنّ ما يلفت النظر في التجربة الرشدية هو أنّها لا تتعامل مع الفقه بوصفه مخزنا للأحكام الجاهزة، بل بوصفه مجالا حيا تتحرك فيه قوى الاستدلال وتتفاعل فيه طبقات النصوص وتتزاحم فيه وجوه الدلالة وتتداخل فيه مقتضيات اللغة مع مقتضيات المقصد وتتعارض فيه أحيانا ظواهر الأدلة بما يستدعي صناعةً دقيقةً في الجمع والترجيح والتخريج. وقد كان ابن رشد في بداية المجتهد أشبه بمن يرسم خريطةً داخليةً للعقل الفقهي لا بمن يجمع أرشيفا للخلاف. فالقيمة الكبرى في هذا الكتاب لا تكمن في اتساع مادته وحده، بل في أنّه يُعيد ترتيب هذه المادة على نحوٍ يكشف عن هندسة التشريع نفسها. إنّه يجرّد الفقه من كسائه المدرسيّ الذي يغلب عليه التلقين، ليُظهر ما وراءه من بنيةٍ عقليةٍ دقيقة وكأنّه يردّ الأحكام إلى ما يشبه “قواعد توليدها” الكامنة.

وهنا بالذات يتجلى البعد الفلسفي العميق، فابن رشد لا يتوقف عند حدّ السؤال عن الحكم الشرعي بل يُصرّ على سؤالٍ أكثر خطورة، بأيّ آلةٍ أمكن إنتاج هذا الحكم؟ وما حدود صلاحية هذه الآلة؟ ومتى تكون النتيجة لازمةً عنها ومتى تكون محتملةً؟ إنّه يشتغل بلغةٍ معاصرة على “منطق إنتاج المعيار”، لا على المعيار في صورته الساكنة فقط. وهذا ما يجعل مشروعه أقرب إلى فلسفة القانون منه إلى الفقه التقليدي بالمعنى الضيق. فالقانون عنده ليس أمرا يُلقى على الذمم في صورةٍ نهائيةٍ لا تُسأل، بل بناءٌ استدلاليٌّ له مقدماتٌ وله درجاتٌ في القوة وله عللٌ في التأسيس وله شروطٌ في التطبيق.

ولعلّ من أنفذ المفاتيح إلى هذا البناء هو مفهوم الاجتهاد ذاته. فابن رشد لا ينظر إلى الاجتهاد بوصفه شجاعةً ذهنيةً أو قدرةً على الترجيح بين الأقوال فحسب، بل بوصفه مرتبةً معرفيةً تستلزم القدرة على النفاذ إلى أصول الخلاف، وفهم مدارك الأحكام وتقدير قوة الأدلة والتمييز بين ما هو تعبديٌّ محضٌ لا يتجاوز مورده وما هو معقول المعنى يُتعدّى به إلى غيره.

إنّ المجتهد عنده ليس حافظا للنصوص بل قارئا لبنية النصوص؛ وليس ناقلا للمذهب بل قادرا على استئناف النظر في ضوء المذهب وخارجه عند الاقتضاء؛ وليس تابعا لنتائج السابقين، بل محللا لشروط إمكان تلك النتائج. وهذا يذكّرنا بما قاله أرسطو في التحليلات الثانية من أنّ العلم الحقّ لا يتحقق بمعرفة أنّ الشيء هو كذلك فحسب، بل بمعرفة “لماذا هو كذلك”. والحق أنّ ابن رشد ينقل هذا المبدأ الأرسطي إلى قلب الفقه، لا يكفي أن تعرف أنّ الحكم كذا بل ينبغي أن تعرف لماذا قيل به وعلى أيّ أصلٍ بُني وبأيّ وجهٍ رجّح على غيره؟.

وتتبدّى العلاقة العضوية بين فلسفة القانون عند ابن رشد وعلم أصول الفقه. غير أنّ ابن رشد لا يشتغل على الأصول باعتبارها علما مستقلا منفصلا عن الفروع، كما صنع بعض الأصوليين الذين بالغوا في التجريد حتى صار علمهم أقرب إلى هندسةٍ ذهنيةٍ لا تلامس حرارة الوقائع؛ بل يُعيد الأصول إلى وظيفتها الحقيقية، وهي أن تكون آلةً لتفسير نشأة الحكم ووسيلةً لفهم أسباب الاختلاف وجسرا بين النصّ والنازلة. ولذلك فإنّ قراءته للأصول ليست قراءةً مدرسيةً صرفة، بل قراءةٌ تشغيليةٌ إن صحّ التعبير، تضع القاعدة في محكّ الاستعمال. وهذا ما يمنحها خصوبةً نادرة، فالأصول عنده ليست مجرد مباحث في الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد، بل هي – قبل ذلك وبعده – نظامٌ لفهم كيف يعمل القانون داخل اللغة والواقع.

ومن أهمّ ما يُبرز هذه العقلانية الأصولية عنده تعامله مع العلّة. فالعلّة في التجربة الرشدية ليست حيلةً فنيةً للعبور من المنصوص إلى غير المنصوص، بل هي جوهر المعقولية التشريعية نفسها. فإذا كان الحكم الشرعي لا يُدرك على أنه مجرد تعيينٍ اعتباطيٍّ للواجب أو الممنوع، فإنّ ذلك لأنّ وراءه معنىً مناسبا أو مصلحةً مرعيّةً أو وصفا مؤثرا أو نظاما مقصودا في ترتيب حياة الناس. والعلّة ليست مجرد اصطلاح أصوليّ بل هي الممرّ الذي تعبر منه الشريعة من النصّ إلى العالم ومن الحرف إلى الحياة ومن الخطاب إلى النظام.

إنّ كلّ فقهٍ يفقد حسّه بالعلّة مآله إلى الجمود، وكلّ عقلٍ قانونيٍّ ينكر المعنى وراء الحكم ينتهي إلى التبعية الصمّاء أو إلى التناقض العمليّ. وقد أدرك ابن رشد هذا بوضوح. لذلك لا يكتفي بذكر القياس بل يشتغل على منطقه الداخلي وعلى شروط صحته وعلى إمكانه وعلى ما يبرر نقل الحكم من محلٍّ إلى آخر. وهذا ما يجعل من فلسفة القانون عنده فلسفةً في “قابلية التشريع للتوسّع المعقول”. فالنصوص محدودة والوقائع غير متناهية والحياة أوسع من المدوّنات ومن ثمّ فإنّ بقاء الشريعة حيّةً يقتضي أن يكون في بنائها ما يسمح بتوليد أحكامٍ منضبطة لما يجدّ من النوازل. وهذا التوليد لا يكون بالهوى بل بالعلّة، ولا يكون بالتشهي بل بالقياس المنضبط، ولا يكون بالانطباع بل بتحقيق المناط.

وتتضح المسافة بين ابن رشد وبين كلّ نزعةٍ ظاهريةٍ صارمةٍ تُضيق من مجال المعقول في النصوص، أو تجعل القياس ضربا من التعدّي على سلطة الوحي. فابن رشد وإن كان لا يستخفّ بسلطة النصوص ولا يُهوّن من خطورة التوسع غير المنضبط، إلا أنّه يعلم أنّ إنكار المعقولية التشريعية يفضي في النهاية إلى نوعٍ من العبث المقنّع، لأنّ الفقيه الذي يمنع نفسه من إدراك العلل سيجد نفسه أمام وقائع لا يجد فيها نصا صريحا، فيضطر إما إلى التعطيل وإمّا إلى التحكّم باسم التوقّف. وكلاهما في النهاية ليس وفاءً للنصّ بل عجزٌ عن استثمار إمكاناته.

غير أنّ ابن رشد لا يسقط في الجهة المقابلة أي في اعتبار كلّ حكمٍ معلّلا تعليلا ظاهرا قابلاً للتعدية بلا قيد. فهنا تظهر دقته المنهجية. إنّه يميز – صراحةً أو ضمنا – بين ما يُعقل معناه وما يغلب فيه التعبد، وبين ما يُناط بمصلحةٍ ظاهرةٍ وما يرتبط ببنيةٍ شعائريةٍ أو توقيفيةٍ أشدّ خصوصية. وهذا التمييز من أهمّ ما في فلسفته القانونية؛ لأنّه يمنع من تحويل العقل إلى سلطةٍ استبداديةٍ فوق الشريعة، كما يمنع من تحويل الشريعة إلى قيدٍ يمنع العقل من أداء وظيفته. إنّه توازنٌ صعب لكنه هو سرّ الرشدية حقا، أن يكون العقل خادما للحقيقة لا متسلّطا عليها، وأن يكون النصّ هاديا للنظر لا حاجبا عنه.

وإذا كانت العلّة هي روح القياس فإنّ المصلحة هي الأفق الذي تُفهم فيه كثيرٌ من العلل. وليس من الدقة أن نقرأ ابن رشد كما لو كان منظرا صريحا للمقاصد على النحو الذي سيبلوره الشاطبي لاحقا، لكن من الظلم أيضا أن نغفل أن حسه الفقهي مشبعٌ بإدراكٍ قويٍّ للمعاني والمناسبات والغايات. إنّ طريقته في ردّ الخلافات إلى عللها وفي وزن الأقوال بحسب قوة مناسبتها وملاءمتها وفي اعتبار انتظام الأحكام داخل صورةٍ أوسع للعدل واليسر ودفع الضرر، كلّ ذلك يكشف عن عقلٍ لا يكتفي بحرف الحكم، بل يبحث عن جهته المقصودة. إنّ ابن رشد يهيّئ في عمق الممارسة الفقهية الأرضية التي ستزدهر عليها لاحقا النظرية المقاصدية بصورةٍ أكثر نسقيةً عند الشاطبي.

وليس مصادفةً أن يكون الفكر الأندلسي في بعض ذراه الكبرى، قد أنتج هذه الحساسية الخاصة تجاه انتظام الشريعة ومعقوليتها. فالأندلس بما كانت عليه من تداخل حضاريّ ومن احتكاكٍ بالتراث اليوناني ومن حيويةٍ مدنيةٍ وقضائيةٍ، لم تكن فضاءً يسمح بسهولةٍ باستمرار الفقه على صورة الحفظ وحده. كان لا بدّ من عقلٍ يفاوض الواقع ويصغي إلى تعقيد الاجتماع ويدرك أنّ القانون لا يعيش في الكتب بل في المحاكم والأسواق والمواريث والبيوع والخصومات والعهود. وهنا تظهر خلفية ابن رشد القضائية بوضوح. فالقاضي لا يملك ترفَ التجريد الخالص؛ إنّه يواجه الوقائع بما فيها من التباس ومن تفاوت ومن مقاومةٍ للقولبة. ولذلك فإنّ فلسفة القانون عند ابن رشد ليست تأملا ميتافيزيقيا محضا في ماهية التشريع، بل هي عقلانيةٌ عمليةٌ وُلدت من تماسّ مباشر مع الحاجة إلى الحكم.

ومن أخصب المواضع التي يتجلّى فيها هذا الحسّ العملي تعامله مع الاختلاف الفقهي. لقد كان يمكن لكتابٍ في الفقه المقارن أن يتحوّل بسهولةٍ إلى معجمٍ للخلافات لكن ابن رشد يرفض هذا المصير. إنّه لا يعرض الأقوال كما تُعرض الأشياء في خزائن العرض بل يعيدها إلى حركتها الأولى، أي إلى لحظة تشكّلها. وهذا في ذاته فعلٌ فلسفيّ. لأنّ الفلسفة في أحد معانيها الكبرى ليست حفظَ النتائج، بل رد النتائج إلى مبادئها. ولذلك فإنّ الخلاف عنده لا يُقدَّم على أنّه فضاءُ اضطراب، بل على أنّه أثرُ تباينٍ في مدارك الأدلة. ويصبح  هنا علم الخلاف علما بالعقل الفقهي ذاته، لا مجرد فنٍّ في الإحاطة بالمذاهب.

وهذا الفهم للاختلاف بالغ الأهمية في فلسفة القانون المعاصرة أيضا. فالقانون مهما ادّعى الصرامة لا يُطبَّق في فراغٍ من التأويل، ولا يخلو من مناطق رمادية ولا يستغني عن القاضي أو الفقيه أو المفسّر الذي يُنزل القاعدة على الواقعة. وقد تنبّهت الفلسفة القانونية الحديثة إلى هذه الحقيقة في أعمال من قبيل دوركين وغيره، حيث لا يعود القانون مجرد مجموعة قواعدٍ ميكانيكية، بل شبكةً من مبادئ وقيمٍ وسوابق وتأويلات. وإذا كان السياق مختلفا جذريا، فإنّ ابن رشد قد سبق – داخل أفقه الخاص – إلى إدراك أنّ الحكم لا يُنتج من النصّ وحده، بل من النصّ كما يُفهم ومن النصّ كما يُوزن بغيره ومن النصّ كما يُقرأ في ضوء العلّة، ومن النصّ كما يُنزّل على واقعةٍ مخصوصة. ومن ثمّ فإنّ “الحقيقة القانونية” عنده ليست دائما حقيقةً نصيةً بسيطة، بل هي ثمرةُ مسارٍ استدلاليٍّ مركّب.

غير أنّ هذا الإدراك لا يدفعه إلى النسبية. وهذه نقطة حاسمة. فابن رشد لا يقول إنّ كلّ الأقوال سواء ولا إنّ الخلاف قيمةٌ في ذاته ولا إنّ تعدّد الفهوم يُبطل إمكان الترجيح. على العكس من ذلك، هو يكتب أصلا من أجل أن يُظهر أنّ الخلاف يمكن فهمه وأنّ الفهم يفضي إلى الترجيح وأنّ الترجيح ليس مزاجا بل صناعة. ولذلك فإنّ فلسفة القانون عنده لا تنتهي إلى تفكيك المعيار بل إلى إعادة بنائه على أسسٍ أوضح. إنّه يحرّر الفقه من الوثوقية لكنّه لا يذوبه في السيولة. يفتح باب الاجتهاد لكنّه لا يرفعه عن مفاصله. يعترف بالتعدّد لكنّه يطلب النظام داخل التعدّد.

وهنا نصل إلى عنصرٍ لا يقلّ مركزية وهو التأويل القانوني. لقد شاع في كثيرٍ من القراءات السطحية أنّ التأويل عند ابن رشد مرتبطٌ فقط بالدفاع عن الفلسفة في وجه الظاهرية الكلامية أو الفقهية، غير أنّ هذا الفهم يُضيّق المسألة إلى حدّ الإخلال بها. فالتأويل عند ابن رشد أوسع من ذلك بكثير، إنّه مبدأٌ حاكمٌ للعلاقة بين ظاهر النصّ ومعناه الممكن، بين خطاب العموم وخطاب الخاصة، بين الدلالة المباشرة والدلالة التي يقتضيها البرهان، بين مقتضى اللغة ومقتضى الحقيقة. وهذا لا يخصّ مسائل الاعتقاد وحدها، بل يمسّ بنية النظر القانونيّ أيضا، لأنّ كثيرا من الأحكام لا تُفهم إلا بتمييزٍ دقيق بين ظاهر اللفظ وما يقتضيه مجموع الأدلة أو علل الأحكام أو سياقات الخطاب.

لكن التأويل عند ابن رشد ليس فضاءً مفتوحا بلا حراس. إنّه منضبطٌ بشروطٍ معرفيةٍ وأخلاقيةٍ وسياسيةٍ في آنٍ واحد. فليس كلّ أحدٍ مؤهّلا للتأويل، وليس كلّ نصٍّ محلا له، وليس كلّ تعارض ظاهر موجبا للعدول عن الظاهر، وليس كلّ معنىً يصلح للتداول العامّ. وهنا تظهر دقته – وربما حذره – في تدبير العلاقة بين الحقيقة والمعرفة والجمهور. قد يرى بعض المعاصرين في هذا نزوعا نخبويا حادا وربما كان كذلك من جهة، لكنّه من جهةٍ أخرى يكشف عن وعيٍ مبكرٍ بأنّ القانون والدين ليسا مجرد نظرياتٍ تُلقى في الفضاء العامّ دون نظرٍ إلى آثارها التداولية. إنّ المجتمعات لا تُدار بالحقائق المجرّدة وحدها بل بكيفية عرضها وبمراتب المتلقين وبحدود ما يحتمله النظام العامّ من التحوّلات في أنماط الفهم.

وهذا البعد السياسيّ الخفيّ في فلسفة القانون عند ابن رشد مهمٌّ للغاية. فهو لا يفصل التشريع عن العمران ولا النصّ عن الاجتماع ولا الحقيقة عن أثرها في النظام المدنيّ. ولعلّ صلته العميقة بأرسطو خاصةً في السياسة والأخلاق، تجعل هذا الأمر مفهوما. فالقانون ليس مجرد أمرٍ إلهيٍّ منزّهٍ عن شروط المدينة، بل هو أيضا نظامٌ لتدبير العيش المشترك. والعدل كما عند أرسطو لا يتحقق في النفس المجردة فقط، بل في علاقة الإنسان بالآخرين داخل الجماعة السياسية. لذلك فإنّ ابن رشد حين يفكّر في التشريع لا يفكّر في فردٍ معزولٍ أمام خطابٍ دينيّ، بل في مجتمعٍ يحتاج إلى نظام وإلى قضاء وإلى ضبطٍ للعقود والأنكحة والمواريث والحدود والمعاملات، وإلى توزيعٍ متوازنٍ بين حفظ الثوابت ومرونة التطبيق.

إنّ فلسفة القانون عنده تقاوم صورتين متقابلتين ما تزالان ماثلتين حتى اليوم، صورة القانون بوصفه نصا مقدسا لا يُفكَّر فيه، وصورة القانون بوصفه إرادةً بشريةً خالصةً لا مرجعية لها إلا القوة أو التوافق العابر. أمّا ابن رشد فإنه يقدّم تصورا ثالثا، قانونٌ يستمدّ سلطته من الوحي لكنّه لا يصير نافذا في العالم إلا بالعقل؛ قانونٌ له قداسةُ المصدر، لكنّ فاعليته متوقفةٌ على جودة الفهم؛ قانونٌ يعلو على الأهواء لكنّه لا ينجو من سوء التطبيق إلا بوجود طبقةٍ من أهل النظر القادرين على التمييز بين النصّ ومناطه، وبين الظاهر ومراد الشرع وبين الحكم في ذاته والحكم في ظرفه.

ويغدو من المشروع أن نقرأ ابن رشد بوصفه ممهدا – وإن بطريقٍ غير مباشر – لبعض ما سيتبلور لاحقا في الفكر المقاصديّ عند الشاطبي. فالشاطبي سيجعل المقاصد نظريةً أكثر تصريحا وتماسكا، وسيعطي للكلّيّ الشرعيّ حضورا أوضح في بناء الأحكام، غير أنّ ابن رشد قد سبق إلى ممارسة هذه الحساسية داخل الفقه نفسه. لقد كان في جوهره يفكّر في الأحكام من جهة انتظامها، وفي الخلاف من جهة معناه وفي النصوص من جهة معقوليتها وفي الاجتهاد من جهة كفاءته في وصل الجزئيّ بالكليّ. وإذا كان الشاطبي قد منحنا “فلسفة المقاصد” بصورةٍ أكثر نضجا اصطلاحيا، فإنّ ابن رشد منحنا قبل ذلك “عقلانية المقاصد” في مستوى التشغيل الفقهي.

غير أنّ الفرق بينهما أيضا كاشف. فابن رشد أقرب إلى عقلٍ تحليليٍّ تفكيكيٍّ يشرح أسباب الخلاف ويردّ الأحكام إلى أصولها، بينما الشاطبي أقرب إلى عقلٍ تركيبيٍّ بنائيٍّ يجمع الجزئيات في صورة كلياتٍ واضحة المعالم. ولذلك فإنّ قراءة ابن رشد اليوم لا ينبغي أن تكون فقط تمهيدا للشاطبي، بل اعترافا باستقلاليته الخاصة، فهو لا يشتغل على المقاصد بوصفها عنوانا، بل على المعقولية التشريعية بوصفها ممارسةً يوميةً داخل الفقه. وهذه ميزةٌ لا تقلّ قيمةً بل قد تكون – في بعض الوجوه – أشد قربا من سؤال فلسفة القانون كما نفهمه اليوم، لأنّها تنشغل بمسألة “كيف يُنتج الحكم؟” أكثر من انشغالها بصياغة نظريةٍ كليةٍ في الغايات.

وإذا وسعنا الدائرة قليلا أمكن أن نقول إنّ ابن رشد يمثّل داخل التراث الإسلامي لحظةً نادرةً التقت فيها ثلاثة أنماطٍ من العقل في شخصٍ واحد، العقل البرهاني والعقل الفقهي والعقل القضائي وهذه الثلاثية هي التي صنعت فرادته. فالعقل البرهاني يمنحه حسّ الاتساق وطلب العلل وكراهية التناقض والنفور من التعميمات الخطابية الفضفاضة. والعقل الفقهي يمنحه الحسّ بالنصوص وبمراتب الدلالات وبقيمة السوابق وبخطورة التسرّع في الإلغاء. والعقل القضائي يمنحه الشعور بوزن الواقع وبضرورة الحسم وبأنّ الناس لا يعيشون في المتون بل في المنازعات. ومن هذا التفاعل المركّب وُلدت فلسفة قانونية ذات طابعٍ خاص، ليست نظريةً تجريديةً معلّقةً فوق الحياة وليست فقها تقليديا غارقا في الجزئيات، بل هي عقلانيةٌ وسطى نادرة. وهذه الندرة هي ما يجعل استحضار ابن رشد اليوم أكثر من مجرد استدعاءٍ تراثيٍّ احتفالي. فنحن نعيش في كثيرٍ من البيئات الفكرية والقانونية العربية والإسلامية، توترا مزمنا بين نزعتين: نزعة تريد أن تحفظ النصوص فتجمّدها، ونزعةٍ تريد أن تحرّر العقل فتفكّك المرجعيات. وفي هذا المشهد يبدو ابن رشد شاهدا على إمكانٍ ثالث، إمكان أن يكون النص منبعا للعقل لا خصما له وأن يكون العقل خادما للشرع لا غريما له وأن يكون الاجتهاد حفظا للحيوية لا عدوانا على الثوابت، وأن يكون القانون مجالا للعدل لا مجرد جهازٍ للضبط.

بل إنّ الأهم من ذلك أنّ ابن رشد يعلّمنا درسا بالغا في التواضع المعرفيّ. فمع كلّ ما في مشروعه من ثقةٍ بالعقل فإن هذه الثقة ليست ادعاءً بالعصمة. إنّه يعترف بالخلاف ويشرح أسبابه ويقبل بإمكان تعدّد الوجوه ويميّز بين القطعي والظني ويعرف أن كثيرا من الفروع لا تحتمل يقينا واحدا قاهرا. وهذه الروح ضروريةٌ لكلّ فلسفة قانونية ناضجة. فالقانون الذي يزعم لنفسه الشفافية المطلقة يغدو أداةً للاستبداد كما أنّ القانون الذي يتخلّى عن أيّ معايير صلبة يغدو أداةً للفوضى. وابن رشد في أعمق ما فيه يسعى إلى بناء منطقةٍ وسطى، معيارية قوية لكن غير متعسّفة؛ عقلانية حازمة لكن غير متغطرسة؛ تأويل منضبط لكن غير خانق.

ولعلّ في هذا ما يفسر أيضا استمرارية حضوره في تاريخ الفكر الأوروبي الوسيط والحديث. فقد عُرف هناك في جانبٍ كبير بوصفه “المعلّق الأكبر” على أرسطو، لكنّ هذا اللقب – على وجاهته – يحجب جانبا آخر من فرادته، أنّه لم يكن مجرد ناقلٍ للبرهان الأرسطيّ، بل كان قادرا على إدخاله في صميم التفكير الديني والقانوني الإسلامي. وهذا عملٌ أعقد بكثير من مجرد الشرح. فالشرح قد يكون استعادةً أمينةً لفكر السابق، أمّا إدماج البرهان في بنيةٍ تشريعيةٍ دينيةٍ حية فهو فعلُ إبداعٍ حضاري. إنّ ابن رشد لا يُقرأ فقط بوصفه حلقةً في تاريخ الفلسفة، بل بوصفه لحظةً من لحظات نضج العقل القانوني في الحضارة الإسلامية.

إنّ التشريع ليس عند ابن رشد أمرا يُفهم بالسلطة وحدها بل بالمعنى؛ وليس بالنقل وحده بل بالنظر؛ وليس بالمذهب وحده بل بالحجة؛ وليس بالظاهر وحده بل بالبنية التي تجعل الظاهر معقولا ومنتظما وممكنَ التطبيق. إنّه باختصار يرد القانون إلى العقل دون أن ينتزعه من الوحي، ويرده إلى المقصد دون أن يفككه في النفعية، ويرده إلى الواقع دون أن يذيبه في البراغماتية.

إنّ استعادة ابن رشد في سياق فلسفة القانون ليست ترفا أكاديميا ولا مجرّد ميلٍ إلى تزيين الخطاب المعاصر بأسماء التراث الكبرى بل هي في حقيقتها عودةٌ إلى إحدى اللحظات النادرة التي بلغ فيها العقل الإسلامي قدرةً استثنائيةً على مساءلة ذاته من داخلها، دون قطيعةٍ مبتذلةٍ مع الأصول ودون خضوعٍ مستسلمٍ لتراكمات المألوف. فابن رشد حين فكّر في الفقه لم يفكر فيه بوصفه صناعةً محفوظةً بل بوصفه فعلاً معرفيا حيا؛ وحين نظر في التشريع لم ينظر إليه بوصفه مدوّنةً مغلقةً من الأحكام، بل بوصفه نظاما عقلانيا تتساند فيه النصوص والعلل والمقاصد ومراتب الفهم؛ وحين واجه الخلاف لم يجعله لعنةً على الوحدة، ولا شعارا للتسامح السهل، بل جعله موضوعا للشرح والتحليل والضبط.

إنّ القيمة الحقيقية لفلسفة القانون عند ابن رشد لا تكمن فقط في أنّها قدمت نموذجا متقدما للتوفيق بين الحكمة والشريعة كما شاع في كثيرٍ من الأدبيات، بل في أنّها كشفت عن إمكانٍ أعمق وأخصب، إمكان أن يكون التشريع نفسه مجالا للعقلانية العليا وأن يكون الفقه علما بأسباب الأحكام لا بمتونها فقط وأن يكون الاجتهاد رتبةً في المعرفة لا مجرد وظيفةٍ في الإفتاء، وأن يكون النص الشرعي قابلا لأن يُقرأ على نحوٍ يزداد به اتساقا، لا أن يتحول إلى حقلٍ للتعارضات المصطنعة بين النقل والعقل.

لقد فهم ابن رشد بحدس الفقيه وصرامة الفيلسوف وخبرة القاضي، أن القانون لا يحيا بمجرد تعظيم النصوص بل بحسن تشغيلها؛ وأنّ هيبة الشريعة لا تُصان بتعطيل النظر بل بترشيده؛ وأنّ حفظ الدين لا يكون بإنكار التعقيد الذي يطرحه الواقع بل بامتلاك الأدوات التي تجعل من الشريعة قادرةً على النفاذ إلى هذا الواقع دون أن تفقد جوهرها. ولذلك فإنّ مشروعه – في أعمق طبقاته – ليس مشروع دفاعٍ عن الفلسفة أمام الفقه كما قد يُتوهم، بل هو مشروع إنقاذٍ للفقه من أن يفقد روحه العقلية، وإنقاذ للعقل من أن يتحول إلى خصمٍ للشرع بدل أن يكون آلةً لفهمه.

إنّنا حين نقرأ بداية المجتهد في ضوء هذا المنظور، لا نقرأ كتابا في الفقه المقارن فحسب، بل نقرأ تمرينا حضاريا رفيعا على كيف يُعاد بناء القانون من داخل اختلافاته. وحين نقرأ فصل المقال لا نقرأ مجرد رسالة في مشروعية الفلسفة بل نقرأ نصا يؤسس – على نحوٍ ضمنيٍّ عميق – لشرعية النظر البرهاني داخل المجال التشريعيّ نفسه. وحين نقرأ دفاعه عن السببية والعلّية في تهافت التهافت لا نقرأ فقط سجالا ميتافيزيقيا مع الغزالي، بل نقرأ دفاعا أوسع عن شرط إمكان كلّ علم ومنه علم الأحكام. إذ كيف يمكن لعقلٍ ينكر العلل في الوجود أن يطمئنّ إلى العلل في التشريع؟ وكيف يمكن لفكرٍ يرضى بالقطيعة بين الأسباب والنتائج في الكون أن يبني قانونا متماسكا في الاجتماع؟.

ويتجلّى وجهٌ آخر من عبقرية ابن رشد:، أنّ وحدته الفكرية أعمق من تصنيفات المؤرخين. فالفيلسوف عنده ليس منفصلا عن الفقيه، والقاضي ليس منفصلا عن الشارح، والمنطقي ليس منفصلا عن الأصوليّ. بل إن كل واحدٍ من هذه الوجوه يمدّ الآخر بما ينقصه، المنطق يحفظ الفقه من الفوضى والفقه يحفظ المنطق من التعالي العقيم، والقضاء يرد الاثنين معا إلى امتحان الواقع. ومن هذا التكامل وُلدت فلسفة قانونية لا تزال إلى اليوم قادرةً على إلهام كلّ من يبحث عن صيغةٍ تخرج من الثنائية العقيمة بين جمود التقليد وفوضى التحرر.

ولذلك فإنّ إعادة قراءة ابن رشد اليوم ليست دعوةً إلى استنساخه، ولا إلى تحويله إلى سلطةٍ تراثيةٍ بديلة، بل إلى استعادة منهجه، منهج رد الأحكام إلى أصولها ورد الخلاف إلى علله ورد النصوص إلى نظامها ورد العقل إلى حدوده ووظيفته معا. إن ما نحتاجه من ابن رشد ليس فقط أن نقول إنه كان عقلانيا، فهذه عبارةٌ شديدة الفقر إذا تُركت مجرّدة بل أن نفهم كيف كانت عقلانيته تعمل وفي أيّ مستوياتٍ كانت تتدخل وكيف كانت تضبط علاقتها بالوحي وبالمذهب وبالناس وبالواقع وباللغة وبالمقصد، ذلك أن العبرة ليست في الأسماء بل في البنى.

إنّ فلسفة القانون عند ابن رشد يمكن أن تُصاغ – في خلاصةٍ مركزة – ضمن أربع حقائق كبرى.

أولها : أنّ التشريع في جوهره ليس مجرّد خطابٍ آمِرٍ ناهٍ، بل بنيةٌ معقولةٌ لا تُفهم إلا برد الأحكام إلى عللها ومناسباتها ومقاصدها.

وثانيها : أنّ الاختلاف الفقهي ليس دليلَ اضطرابٍ في الشريعة، بل دليلُ غنى في مسالك النظر، شريطة أن يُرد إلى أصوله ويُضبط بمنطق الترجيح.

وثالثها : أنّ العقل ليس خصما للنصّ، بل شرطٌ في حسن تلقيه، غير أنّه عقلٌ منضبطٌ بالبرهان والاختصاص، لا عقلٌ متسيبٌ باسم الحداثة أو الجرأة.

ورابعها : أن القانون لا يحيا في الكتب وحدها، بل في المجتمع والقضاء والعمران، ولذلك فإن كل فهمٍ للتشريع لا يراعي شروط التطبيق ومآلاته هو فهمٌ ناقصٌ مهما بدا نقيا من جهة النظر.

إنّ ابن رشد يظل في تاريخ الفكر الأندلسي والإسلامي شاهدا على لحظةٍ نادرةٍ تواطأ فيها الفقه والفلسفة على خدمة العدالة بدل أن يتحاربا على شرعية الكلام عنها. ولعل هذا هو سر راهنيته العميقة، أنّه يذكرنا بأن القانون متى انفصل عن العقل صار آلة للجمود؛ ومتى انفصل عن القيم صار آلةً للقهر؛ ومتى انفصل عن الواقع صار أثرا متحفيا؛ ومتى انفصل عن النص في السياق الإسلامي فقد شرعيته الرمزية والحضارية. أما حين تتعانق هذه العناصر على نحوٍ راشد فإنّ التشريع يغدو كما أراده ابن رشد ضمنا، صورةً من صور الحكمة العملية التي تنشد العدل في عالمٍ ناقص وتطلب النظام دون أن تقتل الحياة وتُعلي من سلطة الحق دون أن تُلغي تعقيد الإنسان.

وفي هذا المعنى الأخير لا يصير ابن رشد مجرد اسمٍ من أسماء التراث، بل يصبح سؤالا مفتوحا على الحاضر: كيف نعيد بناء العقل القانوني في ثقافتنا؟ وكيف نحرر الفقه من عبادة نتائجه دون أن نسقط هيبة أصوله؟ وكيف نعيد الاعتبار للاجتهاد بوصفه كفاءةً معرفيةً ومسؤوليةً حضارية لا مجرد شعارٍ يُرفع في وجه الخصوم؟ وكيف نصوغ قانونا يستمدّ مشروعيته من مرجعيته لكنه لا يفقد قابليته للحياة في عالمٍ يتغيّر؟ هذه الأسئلة وإن كانت معاصرةً في صيغتها، فإن ابن رشد قد ترك لنا مفاتيحها الأولى. ولذلك فإن الإنصاف يقتضي أن نقول، لم يكن ابن رشد فيلسوفا قرأ القانون، بل كان – في أحد أعمق معانيه – مفكرا في القانون من داخل الفلسفة ومفكرا في الفلسفة من داخل الشريعة ومفكرا في الشريعة من داخل مقتضيات العدل والعقل والعمران. وتلك منزلةٌ لا يظفر بها إلا القليل.

***

د. حمزة مولخنيف

إعادة قراءة في تراتبية أنماط الخطاب المعرفي

تندرج مسألةُ البرهان والجدل في فلسفة ابن رشد ضمن أعمق القضايا المنهجية التي انتظمت بها بنيةُ مشروعه الفكري، لأنّها لا تتصل بمجرد التمييز بين صنفين من أصناف القول أو مستويين من مستويات الاستدلال، بقدر ما ترتبط بإعادة بناء المجال المعرفي الإسلامي على أساسٍ من ترتيب مراتب الخطاب وضبط مناهج النظر وتحديد شروط الانتقال من الظن إلى اليقين. فابن رشد في سائر نصوصه الكبرى لا يتحرك بوصفه شارحا للمنطق الأرسطي فحسب، ولا باعتباره مدافعا عن الفلسفة في وجه خصومها فحسب، بل يظهر بوصفه مفكرا في هندسة العقل ومنظّرا لتراتبية الأنماط الخطابية التي تتوزع بين البرهان والجدل والخطابة، وفق ما يقتضيه اختلاف الموضوعات وتفاوت الاستعدادات الإنسانية وتباين المقامات التعليمية والتداولية داخل المجال الديني والفلسفي والسياسي.

وتنبع أهميةُ هذا الموضوع من كون ابن رشد قد وعى بحدس الفيلسوف ودقة الأصولي وصرامة القاضي، أنّ كثيرا من أزمات الفكر الإسلامي في عصره لم تكن ناشئةً فقط عن اختلاف المذاهب أو تباين النتائج، بل كانت في أصلها الأعمق ثمرةَ اختلالٍ في الوعي بطبيعة الدليل وفسادٍ في التمييز بين مراتب القول وخلطٍ بين ما يُطلب فيه البرهان وما يُكتفى فيه بالجدل وبين ما يُقصد به التعليم وما يُراد به الإلزام أو الإقناع. وقد اتخذ مشروعه الفكري صورةَ مراجعةٍ إبستمولوجية دقيقة لحدود الصناعات القولية، قصد بها ردَّ كلّ خطابٍ إلى مجاله وكلّ أداةٍ إلى وظيفتها وكلّ نمطٍ من أنماط النظر إلى رتبته المعرفية المشروعة بما يضمن صيانة الحقيقة من التباس المناهج وصيانة الشريعة من الفوضى التأويلية، وصيانة العقل من ادعاء اليقين فيما لا يجاوز حدود المشهور أو المظنون.

وقد استمدّ ابن رشد في بناء هذا التصور كثيرا من مقوماته من المنطق الأرسطي، غير أنّه لم يقف عند حدود الشرح أو النقل، بل أعاد توطين التمييز الأرسطي بين البرهان والجدل والخطابة داخل السياق الإسلامي، محوّلا إياه من مجرد تصنيفٍ صوريٍّ للصناعات المنطقية إلى مبدأٍ ناظمٍ للعلاقة بين الفلسفة والشريعة وبين الخاصة والعامة وبين ظاهر النص وباطنه وبين علم الكلام ومقتضيات النظر البرهاني. ولذلك فإنّ دراسة البرهان والجدل في منهجه لا ينبغي أن تُختزل في مقارنةٍ تقنية بين نوعين من الحجاج، وإنما ينبغي أن تُقرأ ضمن الأفق الأوسع الذي يشتغل فيه ابن رشد على إعادة ترتيب الاقتصاد المعرفي للثقافة الإسلامية، بحيث يستعيد البرهان منزلته العليا بوصفه طريقا إلى العلم اليقيني دون أن يُلغى بذلك حضورُ الخطابات الأخرى التي تؤدي وظائف ضرورية في التعليم والمحاجة والتبليغ والتدبير المدني والديني.

ومن ثمّ فإنّ هذا المقال يروم إعادة قراءة العلاقة بين البرهان والجدل عند ابن رشد بوصفها علاقةً تأسيسيةً في مشروعه الفلسفي، تكشف عن طبيعة التراتبية التي أقامها بين أنماط الخطاب المعرفي وتُبرز الأسس المنطقية والشرعية التي اعتمدها في هذا الترتيب، كما تُبيّن كيف تحوّل نقده للمتكلمين من مجرّد اعتراضٍ على بعض النتائج الكلامية إلى نقدٍ منهجيٍّ شاملٍ لآليات الاستدلال حين تتقمّص صناعةُ الجدل هيئةَ البرهان وتدّعي لنفسها ما ليس لها من رتبةٍ معرفية. وسيسعى هذا النظر كذلك إلى إبراز أن الرشدية لا تقوم على إلغاء الجدل أو نفي الحاجة إلى الخطابة بل على ضبط حدودها ومنعها من الاستحواذ على مقام الحقيقة وإعادة وصلها بوظائفها الطبيعية داخل البنية الكلية للمعرفة.

وتتأكد راهنيةُ هذا الموضوع اليوم من أنّ سؤالَ تراتبية الخطاب ما يزال حاضرا بل أشدّ حضورا، في سياقاتٍ معاصرة اختلطت فيها مراتب القول وتداخلت فيها أشكال الإقناع والتعبئة والتحليل، وغدا التمييز بين البرهان والجدل والخطابة شرطا من شروط السلامة الفكرية والاتزان المنهجي. وتكاد تكون العودةُ إلى ابن رشد في هذه المسألة عودةً إلى أحد أكثر العقول الإسلامية وعيا بـ أخلاق الدليل وعدالة المناهج ومسؤولية القول في الحقيقة، وهي عودةٌ لا تستهدف استعادة الماضي بوصفه ماضياً، وإنما تروم استنطاقه في أفق مساءلة الحاضر واستخلاص ما ينطوي عليه من دروسٍ في تنظيم المعرفة وتحرير النظر وإعادة الاعتبار للصرامة العقلية داخل الثقافة.

وليس من قبيل المصادفة الفكرية أن يظلّ ابن رشد أحد أكثر فلاسفة الإسلام قابليةً لإعادة القراءة وأشدّهم استعصاءً على الاختزال في صورة شارحٍ لأرسطو أو قاضٍ مالكيٍّ جمع بين الفقه والفلسفة فحسب؛ ذلك أنّ الرجل لم يكن مجرّد ناقلٍ لمنطقٍ يوناني إلى فضاءٍ إسلامي، ولا مجرد مدافعٍ عن مشروعية النظر العقلي في وجه الاعتراضات الكلامية والفقهية، بل كان في العمق مهندسا دقيقا لخرائط الخطاب المعرفي، وبنّاءً لنظامٍ إبستمولوجيٍّ متكاملٍ يُعيد ترتيب طرائق القول ومراتب الإقناع وأنماط الوصول إلى الحقيقة بحسب اختلاف الموضوعات وتفاوت القابليات الإنسانية، وتمايز المقامات التداولية التي ينتظم فيها الخطاب.

إنّ النظر في العلاقة بين البرهان والجدل عنده لا ينبغي أن يُختزل في مقابلةٍ مدرسيةٍ بين يقينٍ وظنّ أو بين الفلسفة وعلم الكلام، وإنما ينبغي أن يُفهم ضمن مشروعٍ أوسع يروم إعادة بناء المجال المعرفي الإسلامي على أساس تمييزٍ دقيقٍ بين مراتب القول ودرجات التصديق، بحيث يستردّ العقل البرهاني مكانته بوصفه أداة الكشف عن الحقيقة في أعلى صورها، دون أن يُلغى بذلك وجود الخطابات الأخرى التي تضطلع بوظائف تربوية وتعليمية وجدالية وتدبيرية داخل الاجتماع الديني والسياسي.

ولقد كان ابن رشد واعيا بحدس الفيلسوف ودقة القاضي معا، بأنّ أكثر أزمات الثقافة الإسلامية في عصره لم تكن ناتجة عن غياب النصوص ولا عن انعدام النوايا الحسنة في طلب الحق، وإنما عن اختلاط مراتب الخطاب وفساد التمييز بين ما يُطلب فيه البرهان وما يُكتفى فيه بالجدل وما يُخاطَب به الخاصة وما يُلقى إلى العامة وما يكون من قبيل التعليم وما يكون من قبيل الإلزام أو الإقناع أو التخييل. وهذا الوعي العميق هو الذي يفسّر لنا لماذا اتخذ مشروعه في كثيرٍ من مواضعه شكل “تصفيةٍ منهجية” للمجال التداولي الإسلامي لا بهدف الهيمنة الفلسفية الجافة، بل بقصد ردّ كل صناعة إلى قانونها وكل خطاب إلى مرتبته وكل أداة إلى مجالها. ولعلّ هذا ما يجعل قراءة ابن رشد اليوم ضروريةً لا بوصفه صفحةً من تاريخ الفلسفة الإسلامية، بل بوصفه مفكرا في “أخلاق الخطاب المعرفي” قبل أن تتبلور هذه العبارة في الاصطلاح الحديث.

إنّ الفلسفة الرشدية ليست مجرد نظرٍ في الموجود بما هو موجود، بل هي أيضا نظرٌ في كيفيات القول في الموجود وفي الشروط التي تجعل قولا ما علما وتجعل آخر ظنا وتجعل ثالثا تمويها أو مغالطةً أو خطابا صالحا للعامة لا للخواص. إنّ سؤال البرهان والجدل في فكر ابن رشد هو في الجوهر سؤالٌ عن تراتبية العقل نفسه: كيف ينتظم العقل في مدارج؟ وكيف تتفاوت صوره بحسب الآلة والموضوع والمخاطب؟ وكيف يمكن أن يظلّ الدين مجالا للحقيقة دون أن يتحوّل إلى ساحةٍ للفوضى التأويلية؟ وكيف يمكن للفلسفة أن تظلّ بحثا عن اليقين دون أن تنقلب إلى تعالٍ نخبويٍّ منفصلٍ عن شروط المدينة والمِلّة؟ إنّ هذه الأسئلة لا تُطرح عند ابن رشد عرضا بل هي لبّ مشروعه ومن دونها لا يمكن فهم “فصل المقال” ولا “الكشف عن مناهج الأدلة” ولا “تهافت التهافت” ولا حتى شروحه المنطقية والطبيعية والميتافيزيقية التي تبدو لأول وهلةٍ منفصلةً عن السجال الديني بينما هي في العمق جزءٌ من بناء آلة البرهان نفسها.

وقد أصاب طه عبد الرحمن على الرغم من اختلافه الجذري مع النزعة الرشدية في كثيرٍ من المقامات حين جعل من سؤال المنهج مفتاحا في فهم الفلاسفة المسلمين، إذ لا تُقاس قيمة الفيلسوف فقط بما يقرّره من نتائج بل بما يقيمه من شروطٍ للقول الصحيح. ولئن كان الجابري قد رأى في ابن رشد “لحظة اكتمال العقل البرهاني في الثقافة العربية الإسلامية”، فإنّ هذا الحكم على وجاهته العامة، يحتاج إلى مزيدٍ من التدقيق؛ لأنّ ابن رشد لم يكن مجرّد ممثلٍ لـ”العقل البرهاني” في مقابل “العقل البياني” أو “العقل العرفاني”، بل كان على نحوٍ أدقّ، منظّرا للعلاقة بين الأنظمة الخطابية نفسها، وواعيا بأنّ البرهان لا يعمل في الفراغ وإنما يتحرك داخل عالمٍ مزدحمٍ بالجدل والخطابة والتخييل والسلطة والتأويل. إنّ إعادة قراءة تراتبية أنماط الخطاب المعرفي عنده لا تعني تمجيد البرهان تمجيدا ميتافيزيقيا، بل تعني فهم البنية المركبة التي تجعل البرهان ممكنا وضروريا وتجعل الجدل في الوقت نفسه محدودا ومفيدا وخطرا معا.

لقد كان أرسطو الذي شغل في تكوين ابن رشد موقع المعلم الأوّل قد ميّز بوضوح بين البرهان والجدل والخطابة، وجعل لكلٍّ منها موضوعا وغرضا وأداةً ودرجةً في إفادة التصديق. فالبرهان عنده إنما يشتغل في الضروريات ويقوم على مقدماتٍ صادقةٍ أوليةٍ أو راجعةٍ إلى أوليات ويُنتج العلم اليقيني في حين أنّ الجدل يشتغل في المشهورات والمسلّمات ويُستخدم في الامتحان والمناقشة والتدريب والدفاع، أما الخطابة فغايتها الإقناع العملي في المجال المدني، وهي تعتمد على ما يقبل الجمهور. غير أنّ ابن رشد لم يكتفِ باستعادة هذا التقسيم الأرسطي بل أعاد توطينه في فضاء الثقافة الإسلامية وجعله أداةً لفهم العلاقة بين النص الديني وعلم الكلام والفقه والفلسفة والتأويل والسياسة الشرعية. وهنا تتجلّى عبقريته الحقيقية، لقد حوّل المنطق من كونه آلةً صورية إلى كونه مبدأً لتنظيم المجال الحضاري نفسه.

وليس بخَافٍ أنّ كثيرا من سوء الفهم الذي لحق بابن رشد قديما وحديثا، إنما نبع من قراءةٍ مبتسرةٍ لتمييزه بين طبقات الناس أو بين أنماط الخطاب حتى ظُنّ أنّه يؤسس لنخبويةٍ معرفيةٍ مغلقة، أو يُقنّن احتكار الحقيقة لفئة الفلاسفة أو يضع الدين في مرتبةٍ أدنى من الفلسفة بإطلاق. والحال أنّ قراءةً متأنيةً لنصوصه تكشف أنّ الأمر أعمق وأدقّ. فهو لا يقول إنّ الحقيقة تتعدّد بتعدّد الناس بل يرى أنّ الحقيقة واحدة، لكنّ طرائق الوصول إليها وسبل التمثّل بها تختلف باختلاف الاستعدادات والوظائف والمقامات. إنّ وحدة الحقيقة عنده لا تُلغي تعدّد الخطابات كما أنّ تعدّد الخطابات لا يُجيز نسبية الحقيقة. وحدث أن كان التمييز بين البرهان والجدل والخطابة تمييزا وظيفيا وإبستمولوجيا لا عنصريا ولا طبقيا بالمعنى الاجتماعي الفجّ. فالفيلسوف ليس أفضل لأنّه “طبقة”، بل لأنّه أقدر على استعمال آلةٍ مخصوصة في مقامٍ مخصوص. وإذا عجز عن ذلك أو خلط مقاما بمقام، فسد منهجه كما يفسد منهج المتكلّم إذا ادّعى البرهان فيما ليس ببرهان.

ومن أبلغ ما يلفت النظر في المشروع الرشدي أنّه لا يهاجم الجدل من حيث هو جملةً، بل يهاجم تضخّمه حين يتقمّص هيئة البرهان. وهذه نقطةٌ دقيقةٌ كثيرا ما تُغفل. فابن رشد يدرك أنّ الجدل ضرورةٌ في حياة العلوم والملل والمدن؛ إذ به يقع الامتحان وبه تُختبر المذاهب وبه يُدفع الشغب وبه تُدبّر مناظرات العموم وبه يتحقق من التدرّب على القضايا التي لا تتيسر فيها الشروط البرهانية الكاملة. لكنه في المقابل يرى أنّ آفة المتكلمين وبعض الفقهاء وبعض المنتسبين إلى الفلسفة أنفسهم، هي أنهم يرفعون الجدل إلى مرتبة البرهان، فيستعملون المقدمات المشهورة أو المظنونة أو المسلّمة استعمال المقدمات اليقينية ثم يطالبون بنتائج قطعية. وهنا يقع الخلل المنهجي الأعظم، لأنّ فساد النتيجة لا يكون حينئذٍ فقط في مضمونها بل في ادّعائها ما ليس لها من رتبةٍ معرفية.

ولعلّ هذا هو ما يجعل من نقده للغزالي في “تهافت التهافت” نقدا منهجيا قبل أن يكون نقدا مضمونيا. فابن رشد لا يردّ على الغزالي لأنه يخالف الفلاسفة في بعض النتائج فحسب، بل لأنه يرى أنّ الغزالي كثيرا ما يتحرك بين مقاماتٍ مختلفة دون أن يصرّح بحدود كل مقام، ينتقل من الجدل إلى البرهان ومن الخطابة إلى الإلزام ومن التلبيس على الخصم إلى ادعاء الكشف عن الحقيقة، ثم يعمم ما يصلح في مقام المناظرة على مقام التعليم البرهاني. وليس مقصدي هنا الانتقاص من الغزالي وهو أحد أعظم العقول الإسلامية بلا ريب، لكنّ المقصود الإشارة إلى أنّ ابن رشد كان شديد الحساسية تجاه “نقاء الصناعات” بتعبير القدماء، أي تجاه عدم خلط أدوات المعرفة بعضها ببعض. إنّ مشروعه ليس فقط دفاعا عن الفلسفة، بل دفاعٌ عن الانضباط الإبستمولوجي نفسه.

إنّ قول أرسطو في “التحليلات الثانية” إنّ “العلم لا يكون إلا بالبرهان” يجد عند ابن رشد صدىً خاصا، لكن هذا الصدى لا يمرّ بلا تعديل. فالعلم عند ابن رشد إذا أُخذ بمعناه الدقيق الكامل نعم، لا يكون إلا بالبرهان؛ غير أنّ حياة الإنسان الدينية والسياسية والأخلاقية لا تنتظم كلها على البرهان. هنا تتدخل الحاجة إلى أنماطٍ أخرى من الخطاب، ليس لأنها مساويةٌ للبرهان في إفادة اليقين، بل لأنها لازمةٌ لتدبير الاجتماع البشري ولإيصال الحقائق إلى من لا طاقة له بتجريداتها، ولحفظ نظام الشريعة في الجمهور. لذلك فإنّ من الخطأ الفادح أن نقرأ تراتبية الخطاب عنده باعتبارها تراتبيةً إقصائية؛ إنها تراتبيةٌ تكاملية في مستوى الوظيفة وإن كانت تفاضليةً في مستوى القيمة المعرفية.

وإذا كان أفلاطون قد أبدى في “الجمهورية” نوعا من الارتياب من الشعر والخطابة لما لهما من قوةٍ على تحريك النفس بعيدا عن الحقيقة، فإنّ ابن رشد وهو الشارح العميق للتراث اليوناني، لا يتبنّى هذا الارتياب على نحوٍ مطلق بل يُبقي للخطابة والتخييل وظيفةً تربويةً وسياسيةً ودينيةً معتبرة، ما دامت منضبطةً بغرض الحق. إنّ المشكلة ليست في وجود التخييل بل في انفلاته من الحقيقة؛ وليست في الخطابة بل في ادّعائها ما ليس لها؛ وليست في الجدل بل في تحوّله إلى بديلٍ دائمٍ عن البرهان. ولذلك فإنّ “إعادة القراءة” التي يقتضيها موضوعنا لا بد أن تتحرر من الصورة المبسطة التي تجعل ابن رشد داعيةً إلى “ديكتاتورية البرهان” لأنّ نصوصه نفسها أكثر تركيبا من ذلك.

لقد قرّر ابن رشد في “فصل المقال” تقريرا بالغ الأهمية حين قال ما معناه إنّ الشريعة قد أوجبت النظر بالعقل في الموجودات، لأنّ الموجودات تدلّ على الصانع، وكلما كانت المعرفة بصنعتها أتمّ كانت المعرفة بالصانع أتمّ. وهذه العبارة على وجازتها، تؤسس لقاعدةٍ مزدوجة، أولا : إنّ النظر العقلي ليس أمرا مباحا فحسب، بل هو مطلوبٌ شرعا؛ وثانيا : إنّ هذا النظر ليس نظرا كيفيا، بل يجب أن يكون بأكمل الآلات وأصحّ المناهج. وهنا ينتقل ابن رشد من مجرد إثبات المشروعية إلى الحديث عن الأداة أي عن المنطق والبرهان. فإذا كان الشرع قد دعا إلى النظر فليس كلّ نظرٍ نظرا صحيحا، كما أنّه ليس كلّ متكلمٍ في العقائد قد أصاب حقيقة العقيدة. ومن ثمّ فإنّ الدعوة إلى البرهان عنده ليست ترفا فلسفيا، بل استكمالٌ لمقتضى الشرع نفسه.

وتكتسب عبارته الشهيرة هذا السياق دلالتها القصوى: “الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له”. إنّها ليست مجرد شعارٍ تصالحيٍّ بين الفلسفة والدين، بل هي قاعدةٌ منهجية صارمة. فإذا تعارض البرهان الصحيح مع ظاهر النص فإنّ الخلل لا يكون في البرهان بل في فهمنا لظاهر النص فيلزم التأويل لمن كان من أهله. لكن التأويل هنا ليس عبثا ولا إطلاقا لعنان الباطنية، بل هو عملٌ مضبوطٌ بقواعد اللغة والشرع ومراتب الناس. ولذلك فإنّ البرهان عند ابن رشد لا يشتغل ضد النص، بل يشتغل في خدمة الفهم الأعمق للنص، مع الحفاظ على النظام التداولي الذي يمنع إشاعة التأويلات البرهانية بين من لا يطيقها. ونفهم هنا أنّ تراتبية الخطاب ليست فقط إبستمولوجية بل أيضا تداولية وأخلاقية.

ولعلّ من المفيد هنا أن نستحضر ابن خلدون الذي جاء بعد ابن رشد بقرون، حين قال في مقدمته إنّ المنطق “قانونٌ يعصم مراعاته الذهن عن الخطأ في الفكر”. هذه العبارة وإن جاءت في سياقٍ مغاير، تلخّص روح المشروع الرشدي في أحد أبعاده: فالمشكلة ليست في كثرة التفكير بل في فساد قوانينه؛ وليست في الرغبة في نصرة العقائد بل في سوء الآلات المستعملة لذلك. وقد أدرك ابن رشد أنّ كثيرا من المتكلمين، وإن قصدوا الدفاع عن الدين قد يسيئون إليه من حيث لا يشعرون حين يجعلون الظنون يقينيات أو يشيعون شبهاتٍ معقّدة بين العامة أو يخلطون بين مقتضيات الإلزام الجدلي وشروط الكشف البرهاني. ولهذا نجده في “الكشف عن مناهج الأدلة” شديد العناية ببيان أنّ الأدلة الشرعية الأصلية في باب العقائد ليست على الصورة التي بناها المتكلمون، وأنّ القرآن نفسه يعتمد أنماطا من الاستدلال أقرب إلى الفطرة وإلى الإقناع الحقّ، لا إلى تعقيدات الجدل المصطنع.

إنّ هذا الموقف من علم الكلام لا ينبغي أن يُفهم بوصفه عداءً ساذجا لهذا العلم، بل بوصفه نقدا لنسخته المتضخمة التي استبدلت صفاء الدلالة القرآنية بخصوماتٍ منطقيةٍ متشابكة لا تنتهي. لقد كان ابن رشد يرى أنّ المتكلمين في كثيرٍ من مسائلهم لا يكتفون بالردّ على الخصوم، بل يصنعون الخصومة نفسها ويولّدون أسئلةً لم تكن لازمةً للشرع ولا للفطرة، ثم يقدّمون أجوبةً جدليةً مضطربة فيختلط الأمر على الخاصة والعامة معا. وهنا يتجلى عمق عبارته الضمنية التي يمكن استخلاصها من مجموع مشروعه، ليست كلّ زيادةٍ في الكلام زيادةً في العلم، كما أنّ ليست كلّ شدةٍ في الدفاع شدةً في اليقين. وكم يشبه هذا ما قاله فتغنشتاين في أفقٍ مغايرٍ تماما، حين رأى أنّ كثيرا من المشكلات الفلسفية تنشأ من “سحر اللغة” ومن سوء استعمالها. فابن رشد بطريقته الخاصة كان يواجه أيضا سحر اللغة حين تنفلت من قوانين البرهان أو تتورّط في جدلٍ يتغذّى من نفسه.

إنّ تراتبية أنماط الخطاب عند ابن رشد لا تنفصل عن تصوره للإنسان نفسه. فالإنسان عنده ليس ذاتا متجانسةً في قواها الإدراكية، بل هو كائنٌ تتفاوت فيه الاستعدادات، فمن الناس من يبلغ حدّ النظر البرهاني ومنهم من يقف عند الجدل ومنهم من يتلقى عبر الخطابة والتمثيل. وهذه التراتبية ليست حطا من قدر أحد، بل وصفٌ لواقع التفاوت الإنساني في الملكات. وقد سبق الفارابي إلى بعض هذا المعنى حين ميّز بين طرق التعليم والتخييل ورأى أنّ المدينة الفاضلة لا تستغني عن الصور الخطابية في تبليغ الحقائق العليا إلى الجمهور. غير أنّ ابن رشد يمنح هذا التمييز صرامةً أشدّ لأنه يربطه بمسألة التأويل ومسؤولية تداول المعاني. فليس كلّ ما يصحّ في البرهان يصحّ أن يُذاع لا لأنّ الحقيقة خطرٌ في ذاتها، بل لأنّ سوء تلقيها خطرٌ على المتلقي وعلى النظام الديني معا.

وقد يبدو هذا الموقف بعيونٍ حديثة محافظا أو أبويا أو نخبويا، لكنّ الإنصاف التاريخي والفلسفي يقتضي فهمه في سياقه. فابن رشد كان يكتب في زمنٍ تتداخل فيه العقيدة بالسلطة والتعليم بالدعوة والمناظرة بالمذهب، وحيث يمكن لكلمةٍ في التأويل أن تُفضي إلى فتنةٍ دينية أو سياسية. لذلك فإنّ حرصه على ضبط التداول ليس فقط حرصا معرفيا، بل هو أيضا حرصٌ مدنيّ. ومن هنا نفهم لماذا كان يميّز بين “أهل البرهان” و”أهل الجدل” و”أهل الخطابة” من جهة القدرة والوظيفة، لا من جهة الإنسانية أو الكرامة. إنّه يوزّع أنماط الخطاب بحسب قابلية الاستفادة منها، تماما كما يوزّع الطبيب الأدوية بحسب الأجسام، لا لأنّ بعض الأجسام أشرف جوهريا، بل لأنّ الاستعدادات تختلف.

على أنّ ما يلفت الانتباه في الرؤية الرشدية هو أنّ الجدل رغم مرتبته الأدنى من البرهان، ليس مجرد خطابٍ ساقط القيمة. فالجَدل في أصله الأرسطي أداةٌ نبيلة إذا استُعملت في حدودها، به تُمحص الآراء وتُختبر المقدمات وتُربّى النفس على المناظرة ويُدفع الخصم بما يسلّم به وتُحفظ مساحة النقاش في المجال العمومي. بل إنّ البرهان نفسه قد يحتاج في مقام التعليم أو التمهيد إلى قدرٍ من الجدل. غير أنّ الكارثة تقع حين يصبح الجدل نمطا دائما للعقل، فتتحول المعرفة إلى معركةٍ لا إلى كشف، ويصير المقصود من القول قهر الخصم لا إصابة الحق. وهنا نكاد نسمع صدى قول الشافعي: “ما ناظرت أحدا إلا وددت أن يُظهر الله الحق على لسانه”. هذا الخلق المعرفي الرفيع هو في جوهره ما يدافع عنه ابن رشد وإن بلغةٍ منطقيةٍ فلسفية، وهو أن يكون المقصود من النظر هو الحقيقة لا الغلبة.

ولذلك فإنّ نقده للمتكلمين لا ينفصل عن نقده لآفةٍ إنسانيةٍ عامة، آفة تحويل الفكر إلى خصومة. وهذا ما يجعل مشروعه معاصرا على نحوٍ مدهش. ففي الأزمنة التي يعلو فيها الصخب ويختلط فيها التحليل بالتعبئة وتُرفع فيها الشعارات مقام الحجج ويُسوّق فيها الظنّ بوصفه يقينا، يعود ابن رشد ليذكّرنا بأنّ تمييز مراتب الخطاب ليس ترفا أكاديميا، بل شرطٌ من شروط السلامة الحضارية. إنّ الأمة التي لا تميّز بين البرهان والجدل والخطابة، سرعان ما تتحول فيها المعارف إلى أيديولوجيات، والأيديولوجيات إلى خصومات، والخصومات إلى انقسامات.

ولعلّ من أعمق ما ينبغي الانتباه إليه في إعادة قراءة التراتبية الرشدية أنّها لا تقوم على إلغاء الخطابات الدنيا، بل على منعها من ادّعاء السيادة في غير مجالها. فالخطيب له مقامه والفقيه له مقامه والمتكلم له مقامه والفيلسوف له مقامه؛ لكن فساد العمران العقلي يبدأ حين يتكلم الخطيب بلغة البرهان وهو لا يملكها، أو يدّعي المتكلم اليقين فيما لا يتجاوز حدود المشهور أو يستخفّ الفيلسوف بوظيفة التمثيل والتبليغ أو يتجاوز الفقيه حدّ الاستنباط إلى مصادرة النظر في الوجود من غير آلة. من حيث هذا المنحى فإنّ مشروع ابن رشد هو مشروع “عدالة معرفية” داخل المدينة الإسلامية، كلّ صناعةٍ تُعطى حقّها ولا تتعدى طورها. وقد أدرك بعض الدارسين المحدثين مثل ليو شتراوس وإن اختلفت قراءاته، أنّ النص الرشدي يشتغل على أكثر من طبقة، طبقةٍ تعليميةٍ ظاهرة وطبقةٍ منهجيةٍ أعمق وطبقةٍ تداوليةٍ تتصل بمن يجوز له أن يعلم ماذا وكيف ومتى. غير أنّ هذه القراءة لا ينبغي أن تُغري بالتأويل المفرط بحيث يتحول ابن رشد إلى صاحب “أسرار” نخبويّة مغلقة؛ فالرجل في نهاية الأمر واضحٌ في مقاصده الكبرى: يريد صون الحقيقة وصون الشرع وصون العقل من فساد الأدوات. وهذه الثلاثية هي التي تنتظم تحتها جميع تفصيلاته في البرهان والجدل والتأويل.

إنّ عبارة ديكارت الشهيرة: “لا يكفي أن يكون للمرء عقلٌ جيّد، بل المهم أن يحسن استعماله” تبدو على بُعد القرون كأنها تلخّص شيئا من الروح الرشدية وإن اختلفت الأنساق والسياقات. فالعقل عند ابن رشد ليس مجرد ملكةٍ مشتركة، بل هو ممارسةٌ منضبطةٌ بآلةٍ وقانون. ولهذا لم يكن البرهان عنده مجرّد فضيلةٍ ذهنية بل كان صناعةً لها شروطها، مقدماتٌ يقينية، ترتيبٌ صحيح، انتقالٌ مشروع وموضوعٌ قابلٌ لهذا النمط من النظر. أما الجدل فله شروط أخرى، وإذا استُعملت شروطه في مقام البرهان لم ينتج إلا التباسا مضاعفا. إنّ إعادة الاعتبار للبرهان في فكر ابن رشد ليست دعوةً إلى “عقلانية” عامة فضفاضة، بل إلى عقلانيةٍ منضبطةٍ بصرامةٍ إبستمولوجية.

إنّنا إذا أردنا أن نلج إلى صميم المشروع الرشدي في هذا الباب وجب علينا أن نتحرر من ثنائيةٍ شائعةٍ لكنها مضللة: ثنائية “الفلسفة ضد الدين” أو “العقل ضد النقل”. فابن رشد في حقيقة أمره لا يبني هذه الثنائية بل يتجاوزها عبر بناءٍ أكثر تعقيدا: “البرهان ضدّ التوهم”، “الجدل المشروع ضدّ الجدل المتضخم”، “التأويل المنضبط ضدّ العبث التأويلي”، “تعدّد طرائق التعليم مع وحدة الحقيقة”. ويترتب عن هذا أهمية إعادة قراءة تراتبية أنماط الخطاب المعرفي عنده؛ لأنّها تسمح لنا بفهم ابن رشد لا بوصفه مجرد مدافعٍ عن الفلسفة، بل بوصفه ناقدا راديكاليا لاضطراب المجال المعرفي، ومؤسسا لنوعٍ من الهندسة الدقيقة للقول الحق.

إنّ التوغّل في صميم المشروع الرشدي في مسألة البرهان والجدل يقتضي أن ننتقل من مستوى التقديم العام إلى مستوى البنية الداخلية التي ينتظم بها هذا المشروع، لأنّ ابن رشد لا يكتفي بإعلان تفضيل البرهان على الجدل، ولا يكتفي بالتصريح بأنّ الفلسفة أليق بطلب اليقين من علم الكلام، بل ينسج من وراء ذلك نظاما دقيقا من التراتب المعرفي، تتداخل فيه مبادئ المنطق الأرسطي ومقتضيات النظر الشرعي وأخلاق التعليم وحدود التأويل ووظائف الخطاب في الاجتماع الإنساني. وهذا ما يجعل مسألة البرهان والجدل عنده أقرب إلى أن تكون “نظريةً في انتظام الحقيقة” منها إلى مجرد مفاضلةٍ مدرسية بين صناعتين منطقيتين. فالحقيقة في المنظور الرشدي لا تُنال على وتيرة واحدة ولا تُلقى إلى الناس على صورة واحدة ولا تُدار في المدينة بالوسائل نفسها التي تُدار بها في حلقة البرهان. إنّ التراتبية ليست زينةً تصنيفية، بل هي ضرورةٌ أنطولوجية وإبستمولوجية وسياسية في آنٍ معا.

لقد استوعب ابن رشد الإرث الأرسطي في تقسيم الصناعات القولية استيعابا عميقا، ولم يتعامل معه تعامُل الشارح الذي يفسّر نصا سابقا وحسب، بل تعامل معه تعامُل المفكر الذي ينقل منطقا من بيئةٍ إلى بيئة ويختبر قابليته لإعادة التنظيم داخل فضاءٍ مغاير. فالبرهان في أصله الأرسطي صناعةٌ تؤدي إلى العلم، والعلم إنما هو معرفة الشيء بأسبابه على وجه الضرورة، ولذلك لا بدّ أن تكون مقدماته يقينية أولية أو راجعةً إلى أوليات ضرورية أو أكثرية لا من جهة الظنّ بل من جهة الثبات في طبيعة الموضوع. أمّا الجدل فهو صناعةٌ تقوم على المشهورات والمسلّمات، غايتها الامتحان والإلزام والمناقشة، ولا تُنتج في ذاتها يقينا، بل ترجيحا أو إلزاما بحسب ما يسلّم به الخصم. وأما الخطابة فهي أداة الإقناع العملي التي تعتمد على المقبولات العامة والصور المؤثرة. لكن ابن رشد حين يُدخل هذه الصناعات إلى الفضاء الإسلامي لا يجعلها مجرد تقسيمٍ مدرسي بل يجعلها أداةً لفهم أنماط الاستدلال في العلوم الشرعية ذاتها ووسيلةً لتمييز الصحيح من الفاسد في الممارسة الكلامية والفقهية والفلسفية.

وتظهر هنا قوة الحسّ المنهجي عنده؛ لأنّه لا ينظر إلى البرهان باعتباره فقط صناعةً أرسطيةً يونانية، بل باعتباره أكمل صورةٍ للنظر العقلي الذي أذن به الشرع بل دعا إليه. إنّ البرهان عنده لا يكتسب شرعيته من أرسطو بل من كونه أتمّ أدوات العقل في إدراك الموجودات على ما هي عليه، والشرع إنما حثّ على النظر في الموجودات من حيث دلالتها على الصانع. إنّ الاستفادة من المنطق ليست اقتباسا أجنبيا بالمعنى الثقافي الضيق، وإنما هي استعمالٌ لآلةٍ إنسانية كونية، تماما كما أنّ الفقهاء يستعملون اللغة والنحو والأصول بوصفها آلاتٍ لفهم النصوص. ولهذا كان ابن رشد شديد الوضوح حين اعتبر أنّ من منع النظر في كتب القدماء النافعة لأجل صدور بعض الضرر عن بعض الناظرين فيها يشبه من يمنع العطشان من الماء البارد لأنّ قوما شرقوا به. وهذه العبارة ليست مجرد دفاعٍ بلاغي عن الفلسفة بل إعلانٌ عن مبدأٍ منهجي، قيمة الآلة تُقاس بوجهها الصحيح لا بسوء استعمال بعض الناس لها.

وتتضح طبيعة اعتراضه على المتكلمين هنا، حيث إنّه لا يعترض على أنهم استعملوا العقل بل على نوع العقل الذي استعملوه وعلى رتبة المقدمات التي بنوا عليها وعلى ادعائهم من النتائج ما لا تسعفه مقدماتهم. فالمتكلم في أغلب صورته التي ينتقدها ابن رشد لا ينطلق من مقدماتٍ برهانية بل من مشهوراتٍ مذهبية أو مسلّماتٍ سجالية أو تقسيماتٍ ذهنية وُضعت أصلا لردّ الخصوم، ثم يُرتّب عليها نتائج يدّعي لها القطع. وبهذا يتحوّل الجدل إلى برهانٍ مزيّف أو إلى ما يمكن أن نسميه “يقينا جدليا متوهَّما”، وهو أخطر من الشكّ الصريح؛ لأنّ صاحبه يظنّ نفسه قد بلغ غاية العلم، فلا يطلب مزيدا من التمحيص. وقد كان ابن رشد يدرك أنّ أعظم الأخطار المعرفية ليست في الجهل البسيط بل في الجهل المركب الذي يلبس لباس العلم.

ولهذا فإنّ نقده لطرائق المتكلمين في إثبات الصانع وفي بناء العقائد وفي تقرير الصفات لا ينطلق فقط من اختلافٍ في النتائج بل من اختلافٍ في تصور ماهية الدليل نفسه. ففي “الكشف عن مناهج الأدلة” يسعى إلى بيان أنّ الطرق التي اعتمدها كثيرٌ من المتكلمين في تقرير العقائد ليست هي الطرق القرآنية وأنّ القرآن لا يُلزم الناس بمسالك تجريدية متكلّفة من قبيل دليل الجوهر الفرد أو امتناع حوادث لا أول لها أو غير ذلك من الأدلة التي تحوّلت إلى تراثٍ كلاميٍّ مدرسي. إنه يرى أنّ هذه الأدلة وإن أفادت بعض المتدرّبين في مجال الجدل فإنها ليست أنسب الأدلة لا للعامة ولا حتى لكثيرٍ من الخاصة، لأنّها لا تتأسس على ما هو بيّنٌ بالطبع ولا على ما هو أقرب إلى الفطرة الإنسانية في الاستدلال. وهنا يبرز تمييزه الدقيق بين “القوة الإلزامية” و”القوة الكشفية” ، فقد يكون الدليل ملزما في مقام الجدل، لكنه غير كاشفٍ في مقام الحقيقة وقد يكون صالحا لإفحام الخصم لكنه غير صالحٍ لبناء يقينٍ راسخ في النفس.

وهذا من أعمق أبعاد المشروع الرشدي؛ لأنّه يُذكّرنا بأنّ كل خطابٍ ينجح في إسكات الخصم ليس بالضرورة خطابا ينجح في تأسيس العلم. لقد انتبه ابن رشد مبكرا إلى هذا الفرق وهو فرقٌ يكاد يضيع في كثيرٍ من المناظرات الدينية والفكرية حين تختلط وظيفة “الانتصار” بوظيفة “الإبانة”. ومن هنا كان يُلحّ على أنّ الجدل له مقام، لكنه ليس مقام التعليم الأعلى. وقد سبق أرسطو إلى القول إنّ الجدل نافعٌ في التمرين وفي المحاورة وفي النظر في المبادئ، لكنّه ليس بديلاً عن البرهان في العلوم. غير أنّ ابن رشد أعاد لهذه الفكرة صرامتها داخل السياق الإسلامي حيث كان علم الكلام قد اكتسب سلطةً واسعة وصار يُقدَّم في كثيرٍ من الأحيان بوصفه الطريق الأوحد أو الأرفع في تقرير العقائد. فكان لا بدّ من زحزحة هذه المركزية الجدلية وردّها إلى حدودها الطبيعية.

على أنّ موقفه من الجدل لا ينبغي أن يُفهم على أنّه إلغاءٌ لوظيفته لأنّ الجدل في التصور الرشدي يظلّ ضروريّا من جهاتٍ عديدة. فهو ضروريٌّ في مقام المناظرة مع الخصوم الذين لا يسلّمون بالمقدمات البرهانية أو لا يحسنون فهمها؛ وهو ضروريٌّ في مقام التعليم التمهيدي إذ قد يحتاج المتعلم إلى التدرج من المشهور إلى اليقين؛ وهو ضروريٌّ في مقام حفظ النظام العام حين لا يمكن للمدينة أن تُدار كلها بلسان الفلسفة. لكن الضرورة هنا ليست مساواةً في الرتبة. إنّ ابن رشد لا يحطّ من قيمة الجدل من حيث الحاجة وإنما يحطّ من دعواه إذا تجاوز حدّه. وهذه نقطةٌ لا بدّ من التشديد عليها، لأنّ كثيرا من القراءات المعاصرة تجعل الرشدية وكأنها استبعادٌ لكلّ ما ليس برهانا، والحال أنّ نصوصه نفسها تقيم نوعا من الاقتصاد المعرفي الذي يوزّع الوظائف بدل أن ينسفها.

ومن هذا الاقتصاد المعرفي تتولّد مسألة التأويل وهي من أخطر المسائل في النسق الرشدي، بل لعلّها الحلقة التي تتجلّى فيها بأوضح صورةٍ علاقة البرهان بالجدل والخطابة. فابن رشد حين يقرّر أنّ النصوص الشرعية قد يرد فيها ما يقتضي ظاهره معنىً يخالف ما انتهى إليه البرهان القطعي، لا يرى في ذلك تناقضا حقيقيا، لأنّ الحق لا يضاد الحق. ومن ثمّ فإنّ الواجب هو حمل اللفظ على معنىً تأويليٍّ سائغ إذا كان اللسان العربي يحتمله وكان المقام يقتضيه. لكن هذا التأويل ليس مباحا على الإطلاق ولا يُذاع لكل أحد ولا يتحوّل إلى سوقٍ مفتوحٍ للتأويلات المتنازعة. إنّه عملٌ خاصّ بأهل البرهان الذين جمعوا بين العلم بالشريعة والعلم بقوانين النظر. وهنا تكتسب التراتبية الخطابية وظيفتها القصوى، فالنص الواحد قد يُتلقى خطابيا عند الجمهور وجدليا عند المتكلم وبرهانيا عند الفيلسوف دون أن يعني ذلك تعدّد الحقيقة في ذاتها، بل تعدّد سبل تمثّلها.

ولعلّ هذه النقطة هي أكثر نقاط الرشدية إثارةً للجدل في القديم والحديث. فقد رأى فيها بعضهم تأسيسا لازدواجية الحقيقة، أو على الأقل لإمكانية عيش المعنى على مستويين: مستوى ظاهرٍ للعامة ومستوى أعمق للخاصة. لكن هذا الفهم وإن كان قد راج في بعض القراءات اللاتينية الوسيطة لا يعبّر بدقة عن النص الرشدي. فابن رشد لا يقول بحقيقتين متناقضتين بل بحقيقةٍ واحدة تتفاوت طرائق عرضها وفهمها، والفرق بين الأمرين جوهري. إنّ الازدواجية تفترض إمكان صدق النقيضين في مستويين مختلفين، أما الرشدية فتفترض أنّ الظاهر إذا تعارض مع القطعي البرهاني وجب حمله على معنى يرفع التعارض. إنّها وحدةٌ في الحقيقة لا ثنائية. لكن هذه الوحدة نفسها تحتاج إلى هندسةٍ تداولية دقيقة، وإلا تحولت إلى فوضى تأويلية أو إلى باطنية منفلتة.

وقد كان ابن رشد شديد التحفّظ على إشاعة التأويلات البرهانية بين الجمهور. وهو تحفّظٌ لا يصدر عن احتقارٍ للعامة كما يتوهّم بعض المعاصرين، بل عن إدراكٍ لطبيعة الخطاب الديني في الاجتماع البشري. فالعامة لا تنتظم حياتهم الأخلاقية والعبادية والسياسية على المجردات العقلية، بل على الصور القريبة والتمثيلات المؤثرة والمواعظ البليغة والظواهر الواضحة. وإذا كُشفت لهم تأويلاتٌ لا يحسنون حملها، اختلّ في نفوسهم معنى النص وربما سقطوا بين شكٍّ بلا آلة أو إنكارٍ بلا علم أو تأويلٍ بلا ضابط. ولذلك كان كتمان بعض التأويلات عنده نوعا من السياسة التعليمية لا نوعا من الكهانة المعرفية. وقد أشار أبو حامد الغزالي نفسه على الرغم من خصومته الشهيرة مع الفلاسفة إلى شيءٍ قريب من هذا حين فرّق بين ما يجوز أن يُذكر للعامة وما ينبغي أن يُحفظ للخاصة. غير أنّ الفرق بين الرجلين أنّ الغزالي يوسّع دائرة الكشف الروحي والذوقي، بينما ابن رشد يضيّقها إلى ما يثبته البرهان المنضبط.

وإذا استحضرنا هنا الفارابي وجدنا أنّ ابن رشد يقف على مسافةٍ منه ومعه في الآن نفسه. فالفارابي كان قد بنى نظريةً متكاملة في علاقة الفلسفة بالمِلّة ورأى أنّ الملة الفاضلة تمثيلٌ تخييلي للحقائق الفلسفية وأنّ رئيس المدينة يجمع بين الحكمة والقدرة على التخييل السياسي والديني. لكن ابن رشد وإن استفاد ضمنا من هذا الأفق لا يذيب الشريعة في مجرد “تمثيل” للفلسفة كما قد يُفهم من بعض الصياغات الفارابية، بل يُبقي للنص الشرعي سلطته ومقصديته ويرى أنّه حقٌّ من عند الله وأنّ البرهان لا يكشف عن بديلٍ له بل عن باطنه الموافق للحق. فالعلاقة بين الفلسفة والشريعة عنده ليست علاقة أصلٍ وصورةٍ على نحوٍ تبسيطي، بل علاقة تواشجٍ بين مصدرين للحقيقة، الوحي من جهة والنظر البرهاني من جهة على قاعدة امتناع التضاد بينهما. ولذلك فإنّ تراتبية أنماط الخطاب عنده لا تُفهم إلا إذا وُضعت ضمن هذه الثنائية المتكاملة، ثنائية المصدر ووحدة الحقيقة. فالشريعة تخاطب الناس جميعا ومن طبيعتها أن تستوعب التفاوت البشري، ولذلك تشتمل على الظاهر الذي ينتفع به الجمهور وعلى الإشارات التي ينتفع بها أهل النظر وعلى ما يثير الخيال الصالح للعمل وعلى ما يدعو العقل إلى الاعتبار. أما البرهان فهو طريق الخاصة إلى التحقق العلمي بما تشير إليه النصوص على وجهٍ أتمّ. وأما الجدل فهو أداةٌ وسطى تصلح للمحاجة والتمرين والدفاع، لكنها لا ينبغي أن تُحتلّ بها ساحة اليقين. إنّ ابن رشد يعيد بناء هرمٍ معرفيٍّ كامل، في قمته البرهان وفي وسطه الجدل وفي قاعدته الخطابة والتخييل مع بقاء التداخل الوظيفي حيث تقتضيه الحاجة لا حيث يفضي إلى خلط الرتب.

وهذا الهرم لا يخصّ العقائد وحدها بل يمتدّ إلى صورة الإنسان العالم في الحضارة الإسلامية. فالعالم في التصور الرشدي ليس من يكثر الحفظ أو يشتدّ الجدل أو يحسن السجال، بل من يعرف رتبة قوله وحدود آلته. ولعلّ هذا من أرقى أشكال التواضع المعرفي. إنّ الفقيه الذي يقرّ بحدود الفقه في مسائل الوجود الكلي والمتكلم الذي يقرّ بحدود الجدل في إنتاج اليقين والفيلسوف الذي يقرّ بحاجة المدينة إلى الخطابة والتمثيل، كلهم أقرب إلى الحكمة من أولئك الذين يمدّون صناعاتهم إلى ما وراء طورها. وقد عبّر باسكال في سياقٍ مسيحيٍّ مختلف عن شيءٍ قريب حين قال إنّ “الهندسة” لا تصلح لكلّ شيء وإنّ “روح الهندسة” و”روح الفطنة” متمايزتان. غير أنّ ابن رشد يذهب أبعد من ذلك، ليس فقط لكلّ مجالٍ روحه بل لكلّ مجالٍ خطابه وفساد العالم يبدأ من ادّعاء خطابٍ ما أنّه كافٍ وحده لكلّ شيء. ويمكن أن نفهم انطلاقا من هذا الأساس أيضا العلاقة المعقدة بين الفقه والبرهان عند ابن رشد. فهو قاضٍ مالكيّ وصاحب “بداية المجتهد”، أي إنه ليس فيلسوفا منفصلا عن الصناعة الفقهية. لكنّ تجربته الفقهية نفسها تزيده وعيا بحدود الخطاب الفقهي. فالفقه في جانبٍ كبيرٍ منه يشتغل في دائرة الظنّ الراجح والاجتهاد العملي وتنزيل الكليات على الجزئيات، لا في دائرة اليقين البرهاني المطلق كما في بعض العلوم النظرية. ولذلك لا يطلب منه ما يُطلب من البرهان الفلسفي في كلّ موضع. ومع ذلك فإنّ الفقيه يمكن أن يستفيد من صرامة البرهان في تنظيم الاستدلال ومنع المغالطة. وتبرز هنا إحدى خصائص العبقرية الرشدية، ليست الغاية عنده صبّ جميع العلوم في قالبٍ واحد، بل إعطاء كلّ علمٍ منطقه الداخلي مع الاستفادة من قانون العقل حيث يصلح.

وقد نبه الشاطبي بعده إلى معنى قريب حين جعل الشريعة مبنيةً على مقاصد كلية وعلى مراعاة فهم المكلّفين، وأنّ التكليف لا يُناط بما يخرج عن الوسع العام. فإذا أسقطنا هذا المعنى على الرشدية أمكننا القول إنّ ابن رشد يميّز بين “الحقيقة بما هي كذلك” و”الحقيقة بما ينبغي أن تُبلَّغ”. وهذه التفرقة ليست خيانةً للحقيقة، بل من صميم الحكمة في تبليغها. وقد عبّر ابن مسكويه من قبل عن فكرةٍ قريبة حين ربط الفضيلة بحسن التدبير لا بمجرد العلم النظري. فالبرهان مهما علت مرتبته لا يُغني وحده عن فقه المقامات وابن رشد يدرك ذلك جيدا. ولذلك فإنّ مشروعه ليس عقلانيةً مجردةً معلّقةً في الفراغ بل عقلانيةٌ مدنيةٌ واعيةٌ بشروط التداول.

وإذا جئنا إلى القراءات الحديثة لابن رشد وجدنا أنّ بعضها مع ما فيه من فضلٍ كبير، قد وقع في نوعٍ من التبسيط الأيديولوجي. فمحمد عابد الجابري في مشروعه النقدي المعروف رفع من شأن ابن رشد بوصفه الممثل الأصفى لـ”العقل البرهاني” في الثقافة العربية الإسلامية، وجعل الرشدية لحظةً حاسمة في الصراع بين البيان والعرفان والبرهان. ولا ريب أنّ في هذا التشخيص قدرا معتبرا من الصواب، خصوصا من جهة إبراز مركزية البرهان في النسق الرشدي. غير أنّ هذا التأطير إذا أُخذ على إطلاقه قد يحجب الوجه الآخر من الرشدية، أعني كونها ليست مجرد انتصارٍ للبرهان بل أيضا تنظيرٌ معقدٌ لعلاقة البرهان بسائر الخطابات وإقرارٌ بوظائفها وحدودها. فابن رشد ليس فيلسوف “القطيعة” التامة مع الجدل والخطابة بل فيلسوف “الترتيب” و”الضبط” و”التوزيع”.

أما طه عبد الرحمن فعلى الرغم من نقده العميق للمشاريع التي تعيد بناء العقل العربي على أساسٍ برهانيٍّ خالص، فإنّ اعتراضاته تظلّ نافعةً في تنبيهنا إلى أنّ العقل البرهاني ليس وحده مصدر المعنى في التجربة الإنسانية وأنّ الأخلاق والذوق والائتمان عناصر لا يجوز محوها باسم البرهنة. غير أنّ هذا النقد مع وجاهته في بعض أبعاده لا ينقض الرشدية بقدر ما يدعونا إلى إعادة فهمها في حدودها الصحيحة؛ لأنّ ابن رشد نفسه لم يكن يزعم أنّ البرهان يكفي لتدبير كلّ مجالات الوجود الإنساني على الصورة نفسها بل كان يصرّ على تعدد الخطابات مع وحدة الحقيقة. نعم، هو يمنح البرهان السيادة في مقام الكشف النظري لكنه لا يلغي الخطابة في مقام التبليغ ولا الجدل في مقام المحاجة ولا الفقه في مقام العمل. ومن ثمّ فإنّ القراءة الأكثر إنصافا له هي التي ترى فيه مفكرا للتراتبية لا مجرد داعيةٍ إلى أحادية البرهان.

إنّ الحاجة إلى ابن رشد اليوم لا تكمن في استعادته بوصفه رمزا تراثيا في مواجهة خصوم الحداثة ولا في جعله أيقونةً إيديولوجية للصراع بين “العقل” و”الظلام”، كما يفعل بعض الخطاب التبسيطي بل في استعادته بوصفه معلّما في الانضباط المعرفي. لقد صار عالمنا المعاصر على اتساع أدواته أشدّ عرضةً لالتباس الرتب: تُسوَّق الآراء الخطابية بوصفها حقائق علمية وتُبنى القناعات العامة على مؤثراتٍ نفسية لا على حجج، وتُقدَّم المناظرات الإعلامية على أنّها تفكير ويُخلط بين الإثارة والبرهنة وبين الجدل الشبكيّ والبحث المعرفيّ. وهنا يبدو ابن رشد معاصرا بصورةٍ لافتة، إنّه يذكّرنا بأنّ أول شرطٍ للسلامة الفكرية هو أن نعرف أيّ نوعٍ من الخطاب نستعمل وما الذي يمكن أن ينتجه وما الذي لا يحقّ له أن يدّعيه.

إنّ أخطر ما في الجدل قديما وحديثا ليس أنه ضعيفٌ فقط بل أنه قادرٌ على محاكاة البرهان في الصورة الخارجية. فهو يستعمل اللغة نفسها تقريبا ويعتمد المقدمات والنتائج ويستعير هيئة الاستدلال، لكنه يبقى قائما على مسلّماتٍ لم تُمحَّص أو على مشهوراتٍ لم تُرتّب في مقامها الصحيح. ولذلك فإنّ الوعي بالفرق بين البرهان والجدل ليس شأنا منطقيا تقنيا فحسب، بل هو تربيةٌ على النزاهة العقلية. إنّ الإنسان البرهاني في المعنى الرشدي ليس فقط من يقدر على إقامة الدليل بل من يترفّع عن ادّعاء اليقين حيث لا يملكه. وهذا خُلُقٌ علميٌّ نادر وربما هو ما نحتاجه اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى.

إنّ ابن رشد في معركته مع المتكلمين لم يكن يقاتل علم الكلام من حيث هو علم، بل كان يقاتل الاستحواذ الجدلي على مقام الحقيقة. وفي دفاعه عن الفلسفة لم يكن يطلب امتيازا طبقيا لفئةٍ من النظار، بل كان يطلب ردّ العلوم إلى قوانينها وإعادة توزيع الخطابات بحسب كفاياتها وصيانة الشريعة من عبث التأويل غير المنضبط وصيانة العقل من الغرور الذي يجعل كلّ من امتلك لسانا يظنّ نفسه قد امتلك البرهان حيث إنّ الرشدية ليست مجرد مذهبٍ فلسفيٍّ في تاريخ الإسلام بل هي درسٌ دائمٌ في أخلاق المعرفة وفي عدالة المناهج وفي حكمة القول.

إنّ البرهان والجدل في منهج ابن رشد ليسا ضدّين ميتافيزيقيين متناحرين على نحوٍ ساذج، بل هما مستويان في هندسة العقل يتكاملان حين يعرف كلٌّ منهما حدّه ويتصارعان حين يدّعي الأدنى مقام الأعلى. فالبرهان هو أفق الكشف اليقيني والجَدل هو أداة المحاورة والامتحان والدفاع، والخطابة هي وسيلة التبليغ العمومي والتربية المدنية والدينية. وإذا اختلّ هذا النسق اختلّ معه نظام الحقيقة في الثقافة. وحينئذٍ لا تعود المشكلة في مضمون الآراء فحسب بل في فساد البنية التي تُنتجها. وهذا بالضبط ما تنبّه له ابن رشد في لحظةٍ حرجةٍ من تاريخ الفكر الإسلامي حين رأى أنّ كثيرا من النزاعات لم تكن ناشئةً فقط عن اختلافاتٍ في العقائد بل عن سوء فهمٍ لطبيعة الدليل وسوء استعمالٍ لأدوات القول وخلطٍ بين ما يُقصد به التعليم وما يُقصد به الإلزام وبين ما يُطلب فيه اليقين وما يُكتفى فيه بالترجيح.

إنّ إعادة قراءة تراتبية أنماط الخطاب المعرفي عند ابن رشد لا تعني فقط أن نعيد الاعتبار للبرهان، بل أن نعيد بناء حسّنا المنهجي كله. أن نتعلم كيف نفرّق بين ما يثبت وما يُقنع، بين ما يكشف وما يحرّك، بين ما يُعلِّم وما يُغالِب، بين الحقيقة بوصفها موضوعا للعلم والحقيقة بوصفها موضوعا للتبليغ. وهذه التفرقة ليست ترفا فلسفيا، بل هي من شروط نضج الحضارات. فالحضارة التي تخلط بين الموعظة والبرهان وبين الحماسة والحجة وبين الجدل والعلم لا تلبث أن تستبدل التفكير بالاصطفاف والبحث بالتحشيد والمعرفة بالضجيج. لقد أراد ابن رشد أن يقول لنا بلغة عصره، إنّ الحقيقة لا تُهان فقط حين تُنكر بل تُهان أيضا حين يُتكلّم فيها بغير أهلية أو تُحمَل على غير قوانينها أو تُبذل في غير مقامها. وهذا هو المعنى الأعمق لتراتبية الخطاب عنده. إنّها ليست تقسيما للعقول بقدر ما هي حمايةٌ للحقيقة من الفوضى. وفي هذا تكمن حداثته الفعلية، لا في كونه “عقلانيا” بالمفهوم الشائع بل في كونه فيلسوفا للحدود، للرتب، للمقامات وللتمييزات الدقيقة التي بدونها لا يستقيم علم ولا يستقيم دين ولا تستقيم مدينة. وإذا كان بعض فلاسفة الحداثة قد جعلوا من النقد وظيفة العقل الأساسية، فإنّ ابن رشد سبق في مجاله الخاص إلى ممارسة نوعٍ رفيعٍ من النقد، نقد الأدوات قبل نقد النتائج، نقد مناهج الاستدلال قبل منازعة المقولات، نقد فساد الترتيب قبل فساد المضمون. ولهذا ظلّ حيا في الفكر الإنساني لا لأنّه قال كلّ شيء، بل لأنّه علّمنا كيف ينبغي أن يُقال الشيء وبأيّ آلة وفي أيّ مقام ولأيّ مخاطب. وهذا هو جوهر الفلسفة حين تبلغ رشدها، أن تكون بحثا عن الحقيقة وتربيةً على شروطها في الآن نفسه.

***

د. حمزة مولخنيف

مقدمة في فلسفة المبادئ العامة للقانون: القانون وعاء القيم، بمعنى انه يقوم على جملة من المثل الاخلاقية والاقتصادية والسياسية والواقعية التي تلبي حاجات مجتمع ما في مكان وزمان معينين، إلا ان للقيم حسب الاصل صبغة انسانية عامة فقيم مثل العدالة والحرية والمساواة، هي افكار انسانية لا يختص بها مجتمع دون آخر.

فقد تناولت الشرائع القديمة ومن ثم الفلسفات الاغريقية ومن ثم الرومانية والشريعة الاسلامية بحث ودراسة هذه القيم متفقة على قواعد جوهرية تحكمها وإن وقع الخلاف في تحديد مدياتها وآثارها بالنظر إلى الطبيعية الاجتماعية والسياسية لكل مجتمع، فجوهر العدالة، على سبيل المثال واحد ولكن مضمونها قد يتغير نسبياً بإختلاف ظروف الزمان والمكان.

وإذا كان لكل علم من العلوم الطبيعية او الإنسانية ثوابت او بديهيات تكون بمثابة الأساس الذي تستند عليه مجمل معطيات ذلك العلم وهي نقطة انطلاق في البحث وإيجاد الحلول للإشكاليات التي يعنى بها ذلك العلم، وإذا كان لعلوم مثل الرياضيات والهندسة والفيزياء والكيمياء... وغيرها من العلوم الطبيعية ثوابت وبديهيات ثابتة ومطلقة لا تتغير، فان لعلم القانون ثوابته مع الفارق المستمد من إختلاف طبيعة كل منهما ذلك ان بديهيات القانون قابلة للتطور وتحكمها عوامل النسبية ومتطلبات مواكبة الحياة المعاصرة فهي ثابتة من حيث الفكرة الأساسية ولكنه ثبات نسبي من حيث المضمون.

وعلى هذا النهج استقرت في علم القانون مجموعة من المبادئ القانونية العامة العليا التي تستند عليها جل معطياته دونما حاجة لنص تشريعي ينص عليها لانها تستند إلى معطيات العقل والمنطق وضرورات الحياة الاجتماعية في بعض الاحيان.

وإذا كانت التشريعات الوضعية عموماً تشير إلى هذه القيم، فانها تشير اليها بشكل مجرد دون تفسير أو تعريف أو دون الاشارة إلى مضمونها وآثارها، لان التفسير والتعريف وتحديد الآثار المترتبة عليها هو من عمل الفقه والقضاء.

اولاً- تعريف المبادئ العامة للقانون:

رغم اقرار جميع فقهاء القانون بالاهمية الكبرى لمبادئ القانون العامة باعتبارها تعبر عن حيوية النظام القانوني وأداة من ادوات تنميته وتطويره، فانه لايوجد اتفاق فقهي على تحديد المقصود منها.

ويذهب رأي الى ان المبدأ العام هو قاعدة القواعد القانونية، بمعنى قابلته على الانطباق على قواعد قانونية اخرى بحيث تكون الاخيرة تطبيقاً للمبدأ العام، واذا اخذنا المبدأ العام على هذا المعنى، فانها يصبح فكرة فنية المقصود منها وضع بناء منطقي متماسك للقواعد القانونية.

وعرفها الفقيه بيسكاتوري بأنها، مجموعة من المبادئ التي تستخدم في توجيه النظام القانوني، من حيث تطبيقه وتنميته، ولو لم يكن لها دقة القواعد القانونية الوضعية وانضباطها.

ونبه الفقيه ريبير الى ضرورة تحاشي تعريف المبادئ العامة للقانون، وهو يعتقد ان المبادئ العامة يمكن التعرف عليها عندما تقع مخالفة لها، فلئن كان من الصعب تعريف المبدأ الاساس في احترام الملكية الخاصة، الا انه يمكن التعرف على المبدأ عند مصادرة الملكية دون مقابل وبطريقة تحكمية.

ثانياً-أهمية المبادئ العامة للقانون:

من الواضح أن المبـادئ العـامة للقـانون قواعد غير مكتوبة حسب الأصل وان من أنشأها هو القضاء وخاصة قضاء مجلس الدولة الفرنسي وواكبه في ذلك مجلس الدولة المصري الذي أنُشيء عام 1946 على غرار مجلس الدولة الفرنسي، إلا ان الفقه يكاد يجمع على أنها قواعد أساسية وجوهرية لا يمكن ان يخلو منها أي نظام قانوني، بمعنى أنها تكاد تفوق أهميتها الموضوعية أهمية القواعد المكتوبة.

ولذلك يصفها مفوض الحكومة ليتورنيه بأنها (مبادئ كبرى)، ويرى الفقيه جان ريفيرو انها (تمثل الفلسفة السياسية للأمة). ويرى جوبتير شوديه ان هذه النظرية تمثل (جرأة مجلس الدولة الفرنسي وقدرته على الخلق والإبداع من اجل الاضطلاع بمهمته وأداء واجبه في حماية الحقوق والحريات). ويعتقد الفقيه لافريه أن المبادئ العامة للقانون تعالج صمت النصوص القانونية وغموضها وتسد مسد التقنين في القانون المدني والتجاري وتعتمد على المبادئ العامة للعدالة والمساواة. وعلى النحو تتمثل أهمية المبادئ العامة للقانون بإعتبارها مصدراً من مصادر القانون، في مجموعة قواعد قانونـية يكشف عنها القضاء من المعتقدات الراسخة في ضمير الامة، وطبيعة النظام القانوني في الدولة وروح التشريعات المختلفة وحكمة التشريع، ومن ثم تعد المبادئ العامة للقانون بمثابة تفسير من جانب القضاء للضمير العام ولإرادة المشرع.

ثالثاً- مضمون المبادئ العامة للقانون:

المبادئ القانونية، اما ان تكون مكتوبة او غير مكتوبة.

والمبادئ القانونية غير المكتوبة، انما تستقر في ذهن وضمير الجماعة، تمليها العدالة المثلى وهي تستند الى المنطق والعقل والحدس وطبيعة الاشياء وقواعد العدالة والاخلاق ولاتحتاج الى نص يقررها ويمكن ان تستمد منها قواعد قانونية ملزمة يتعين الخضوع لها، يعمل القاضي على الكشف عنها وتقريرها مستلهماَ اياها من روح التشريع، فيعلنها من خلال احكامه معطياً اياها القوة الالزامية. ومن ثم يتعين على الادارة احترامها والالتزام بها، ويعد كل تصرف مخالف لها معيباً بعيب مخالفة القانون.

وكثيرا من مبادئ القانون العامة تحولت الى قواعد قانونية مكتوبة عندما يتبناها المشرع وهو بصدد سن التشريعات المختلفة.

ويتنوع مضمون المبادئ العامة بحسب طبيعة المجال القانوني الذي تعمل فيه، الا انه يمكن ارجاعها من حيث اساسها وجوهرها الى مبدأين اساسيين هما مبدأ الحريــة ومبدأ المســـاواة.

ويمكن ان ترجع المبادىء الاتية الى مبدأ الحريـة:

ـ مبدأ لاجريمة ولا عقوبة الا بنص (مبدأ الشرعية الجنائية).

ـ مبدأ حرية العقيدة والارادة (من أهم مخرجات الثورات الكبرى في التاريخ ومنها الثورة الفرنسية 1789).

ـ مبدأ ان الاصل براءة الذمة، (ويتفرع عنه مبدأ ان المتهم بريء حتى تثبت ادانته في محاكمة

عادلة).

ـ مبدأ احترام الحقوق المكتسبة.

ويتفرع منه احترام الحقوق التقاعدية وعدم الانتقاص منها بعد اقرارها، ونظام التقادم المكسب...

أصبح مبدأ الحقوق المكتسبة ركيزة أساسية في القانون الحديث، إذ يجسد حماية الحقوق القائمة في مواجهة التغيرات التشريعية. واقرار مبدأ اليقين القانوني ومبدأ امن وإستقرار المجتمع.

وقد ساهم القضاء حول العالم في الحفاظ على توازن دقيق ببن الحقوق العامة والخاصة، برفض التدابير التشريعية المفرطة في التدخل التي من شأنها تقويض ثقة المواطنين المشروعة في حقوقهم.

(وفي القانون الدولي جاء ذكرها في قرار محكمة العدل الدولية الدائمة سنة ١٩٢٦ في قضية المصالح الالمانية في سليسيا العليا البولونية)،

مبدأ عدم جواز ان يكون الشخص قاضياً وخصماً في نفس الوقت (الوارد ذكره في قضية الموصل).

ـ مبدأ عدم رجعية القرارات الادارية.

ـ الملكية الخاصة والحرية الفردية مكفولتان في حدود القانون.

ـ مبدأ اتاحة دعوى قضائية لكل من تضررت مصالحه نتيجة قرار اداري معيب.

ـ مبدأ خضوع كل سلطة ادارية للرقابة، ويتفرع عنه مسؤولية الوزير امام البرلمان.

ـ مبدأ ان لا تقييد للحريات العامة الا بقانون.

ـ مبدأ حق الدفاع في المحاكمات التأديبية.

ـ مبدأ ضرورة سير المرفق العام بانتظام.

ـ مبدأ بطلان التصرفات نتيجة الاكراه.

ـ مبدأ عدم جواز الالتزامات المؤبدة.

ـ مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق.

ويمكن ان ترجع القواعد التالية الى مبدأ المساواة :

ـ مبدأ مساواة المواطنين امام القانون.

ـ مبدأ المساواة بين الجنسين في الوظائف العامة.

ـ مبدأ المساواة في تحمل التكاليف والاعباء العامة.ويترتب عليه تعويض كل مواطن تضررت امواله بسبب الاجراءات الحكومية كالاعمال الحربية واجراءات فرض القانون، لان تحمل جزء من المواطنين الاضرار دون غيرهم يخل بمبدأ المساواة.

ـ مبدأ مساواة المواطنين في الانتفاع من المرافق العامة.

ـ مبدأ المساواة في مباشرة الاعمال الاقتصادية.

ـ مبدأ المساواة في الضريبة.

ـ مبدأ المساواة في المعاملة.

ـ مبدأ حق الحياة لكل فرد.

ـ مبدأ تغير الاحكام بتغير الازمان.

ـ مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون.

ـ مبدأ تفوق المعاهدة الدولية على القانون الداخلي.

ـ مبدأ ان الغلط الشائع يقوم مقام القانون.

وما ذكر في اعلاه من مبادئ قانونية عامة، هو على سبيل المثال لا الحصر، حيث لا يمكن حصر المبادئ العامة في اطار حدود معينة، لانها قابلة للخلق والتطور بمرور الزمن.

رابعاً- مصادر المبادئ العامة للقانون:

كان للفلسفة الاغريقية ومن ثم الفقه القانوني الروماني دور بارز في تعميم فكرة المبادئ العامة للقانون مثل مبدأ (الافراط في التطبيق الحرفي للقانون اغراق في الظلم) ومعنى ذلك انه اذا ادى تطبيق القانون حرفيا الى الحرج والعسر والقسوة فيصار الى تطبيقه بشيء من المرونة والرحمة باستيحاء الحكم من روح القانون لا من مفهومه الحرفي. وكان البريتور الروماني يطور احكام القانون من خلال ما يعرف بالمنشور البريتوري الذي يتضمن المبادئ والقواعد التي سيتبناها اثناء ممارسته لمنصبه القضائي، وجاء في منشور لبريتور من العصر الذهبي للقانون الروماني وهو العصر العلمي (130ق.م 284م) مانصه (لن اعتبر صحيحا ماتم تحت الرهبة) ومعيار الرهبة عند البريتور، هو معيار الشخص الثابت الجنان، اي ان من شأن الرهبة ان تدخل الروع في قلب القوي، فلا يحمي البريتور الجبان. واذا كان القانون الروماني قد بدأ قانوناً شكلياً فان دور الارادة بدأ يغزو القانون الرومانى منذ العصر العلمى بانفتاح المجتمع الرومانى على الخارج ودور الأجانب فى الأسواق المالية الرومانية وظهور قانون الشعوب وتأثر الرومان به مع الأجانب وكذلك الدور الرائد والإيجابى الذى قامت به الفلسفة اليونانية فى المجتمع والقانون الرومانى وانتقلت به الى آفاق أكثر إنسانية وجاءت بأحكام وقواعد ومبادئ قانونية وعلى رأسها جميعا، مبدأ دور الإرادة فى إبرام التصرفات القانونية من حيث إنشاء العقد وترتيب الآثار عليه، مبدأ حسن النية، مبدأ الوفاء بالعهد واحترام الكلمة المعطاة " وبفضل هذه الفلسفة فُتحت صفحة جديدة فى القانون الرومانى ليصبح فى النهاية قانوناً عالمياً.

هذه المبادئ التي تكونت وترسخت في الاحكام القضائية بمرور الزمن، جمعت وهذبت من قبل الامبراطور الروماني جستنيان (482 – 565) ميلادية، وعرفت هذه باسم مدونة جستنيان في الفقه الروماني او (مدونة القانون المدني) وهو الاسم المعاصر للمدونة، والتي حفظت القوانين ومبادئ الاحكام القضائية الرومانية والتي اصبحت فيما بعد مصدراً للقواعد القانونية الاساسية في اوربا وخاصة فرنسا والتي انتقلت من خلاله الى القوانين العربية مثل مصر ثم العراق وغالبية البلدان العربية التي تتبع النظام القانوني اللاتيني، وصُدِّر الامبراطور قانونه المدني بهذه العبارة: (إلى الشبان الراغبين في دراسة القانون: يجب أن يسلح جلالة الإمبراطور بالقانون كما يجب أن يعلو مجده بقوة السلاح، حتى يسود بذلك الحكم الصالح في الحرب والسلم على السواء، وحتى يتبين للناس أن الحاكم... لا تقل عنايته بالعدالة عن عنايته بالنصر على أعدائه). ولازالت هذه المدونة إلى اليوم مرجعاً مهماً للباحثين والفقهاء والقضاة في انحاء المعمورة خاصة في الدول التي تتبع النظام القانوني اللاتيني بهدف التعرف على أصل كثير من المبادئ والقيم القانونية، وقد تضمنت المدونة مفاهيم اساسية حول العدالة والمساواة والحرية والتعاقد وغيرها، فقد ورد في هذه المدونة على سبيل المثال تعريف العدل بانه (العــدل هو حمل النفس على إيتاء كل ذي حـق حقـه والتزام ذلـك عـلى وجـه الـدوام والاسـتمرار). في نطاق المساواة جاء في مدونة جستنيان مبدأ (مساواة غير المتساويين ظلم فاحش). وفي نطاق العقد جاء في المدونة اشارة الى السبب العقدي تمثلت بمقولة (الباعث الكاذب لا اثر له في قيام العقد).

وفي العصور الحديثة يرجع الفضل في كشف واستنباط المبادئ العامة للقانون الى مجلس الدولة الفرنسي من خلال ما اصدره من احكام منذ انهيار الجمهورية الثالثة وهزيمة فرنسا في الحرب العالمية الاولى وسقوط دستورها، وما رافق ذلك من اعتداء وتجاوز على الحريات العامة، فتدخل مجلس الدولة للذود عنها من خلال نظريته في مبادئ القانون العامة ليحلها محل الدستور، تلك المبادئ التي رأى المجلس انها استقرت في ضمير الجماعة وتبقى قائمة فيه على الرغم من سقوط النظم او الوثائق الدستورية التي تقررها.

ومن الميزات الأساسية للمبادئ العامة للقانون أنها حسب الأصل، لا تستمد قوتها الإلزامية من نص تشريعي مكتوب وعلى هذا النحو فان مجلس الدولة الفرنسي يؤكد في كل مناسبة بان المبادئ العامة للقانون واجبة التطبيق بون حاجة لنص تشريعي يقررها.

خامساً- طرق استنباط المبادئ العامة للقانون:

حسب شراح القانون ورائدهم في ذلك الأستاذ ريفيرو ومن ثم الأستاذ جين في رسالته (المبادئ العامة والأحكام القضائية والإدارية) فان مجلس الدولة الفرنسي قد لجأ الى اربع طرق وهو يستنبط او يستخلص المبادئ العامة للقانون وهي:

1ـ استنباط المبدأ العام من جوهر النظام القانوني أو من طبيعة الأشياء أو متطلبات العدل والإنصاف والرحمة.

2ـ استنباط المبدأ العام من المعتقدات الراسخة في ضمير الامة. 3ـ استنباط المبدأ العام من روح نصوص قانونية معينة أو من مبادئ كانت سائدة في قوانين ملغية.

4ـ استنباط المبدأ من خلال تعميم نصوص تتعلق بحالات جزئية محددة.

ويرى الفقيه الفرنسي الاستاذ فالين ان مهمة القضاء هي استنباط هذه المبادئ من روح التشريع العام ومن الضمير العام للجماعة. ويرى الاستاذ سليم بطارسة ان هذه المبادئ تستنبط من روح التشريعات السابقة ومن ضمير الجماعة والظروف الموضوعية المحيطة. ويعطي الفقيه جان ريفيرو هذه المبادئ وظيفة سلوكية من حيث قدرة هذه المبادئ على طرح قواعد جديدة أو على الأقل افكار مرشدة جديدة. ففي قضية (دام بينت) استخلص مجلس الدولة الفرنسي ودون الاستناد الى نص قانوني محدد مبدأ قانونياً عاماً جديداً مفاده انه (لا يجوز فصل عاملة وهي حامل)، وهذا المبدأ يمكن تطبيقه على كل الموظفات. ولا شك ان العاملة الحامل تتحمل عبأً اجتماعياً اضافياً هو في النهاية يصب لصالح المجتمع ومن ثم ليس من العدالة بشيء ولا من طبيعة الامور (حماية النسل) فضلاً عن ان ضمير الجماعة لاشك سيتأثر بهذا الفصل في هذا الوقت بالذات (الحمل)، فإن ايجاد مثل هذا المبدأ يعد امراً ضرورياً وحاسماً ولو لم ينص عليه المشرع.

تصنيف الفقيه جان ريفيرو:

ويصنف جانب من الفقه ومنهم الفقيه جان ريفيرو المبادئ العامة للقانون حسب مصدرها وكيفية اشتقاقها على النحو التالي:

1ــ المبادئ المشتقة من روح الدستور:

وهي المبادئ التي تم اشتقاقها من الدساتير نفسها ومن مقدمات الدساتير ومن الفلسفة السياسية السائدة في عصر ظهورها. مثال ذلك مبدأ المساواة بين المواطنين، ومنه مساواة الجنسين امام الوظيفة العامة، مبدأ عدم رجعية القوانين والانظمة والقرارات الادارية، مبدأ احترام الحقوق المكتسبة، مبدأ مساواة شهادة الجامعات الحكومية و الجامعات الخاصة من حيث الحقوق والامتيازات والتعيين في الوظيفة العامة، مبدأ عدم جواز تقييد الحريات العامة إلا بقانون،....

2ـ المبادئ القانونية المشتقة من روح القانون المدني والقوانين الاجرائية:

وهي المبادئ التي اشتقها من القانون المدني وقانون اصول المحاكمات والمرافعات وطبقها على قوانين أخرى مثل القانون الاداري وقانون العمل وقانون الوظيفة العامة والتأديب وغيرها. مثل مبدأ لا تكليف بمستحيل، مبدأ بطلان الالتزامات المؤبدة، مبدأ العقد شريعة المتعاقدين، مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق، مبدأ بطلان التصرفات نتيجة الإكراه، مبدأ عدم جواز الالتزامات المؤبدة، مبدأ ان الأصل براءة الذمة.... وحق الدفاع والاستعانة بمحامي امام اللجان التأديبية وحق الموظف بالإطلاع على ملفه الشخصي اثناء التحقيق، وحجية الامر المقضي به، وحياد اللجان التحقيقية....

3 ـ المبادئ المستمدة من ضرورة الآمن الاجتماعي واستقرار المعاملات في المجتمع: مثل نظرية الموظف الفعلي، ونظرية الوضع الظاهر، والغلط الشائع يقوم مقام القانون، ونظرية الظروف الاستثنائية، ومبدأ ضرورة استمرار سير المرافق العامة، ومبدأ كل قرار اداري يقبل الطعن بالإلغاء، ومبدأ ان ليس للوزير ان يرفض سلطته الاساسية، ومبدأ لا يجوز تفويض التفويض.

4 ــ المبادئ العامة المستقاة من فكرة العدل والحرية الصدق والعقلانية:

مثل مبدأ حق الحياة لكل فرد، مبدأ تغير الأحكام بتغير الأزمان، مبدأ مساواة المواطنين في الانتفاع من المرافق العامة، مبدأ المساواة في تحمل التكاليف والأعباء العامة، مبدأ المساواة بين الجنسين في الوظائف العامة، مبدأ المساواة في الضريبة، مبدأ التناسب بين الذنب والعقوبة، مبدأ علانية المرافعات القضائية.

فالقوة الذاتية للمبادئ العامة للقانون لا تحتاج لنص وذلك بهدف احترام مبدأ المشروعية، ونرى مجلس الدولة الفرنسي يقرر في أحد أحكامه (ان الطعن لتجاوز السلطة متاح وممكن حتى بدون نص ضد كل قرار إداري وفقاً للمبادئ العامة للقانون وذلك بهدف احترام مبدأ المشروعية).

وقد استطاع مجلس الدولة الفرنسي ان ينشئ هذا المبدأ القانوني العام بأن قام بتعميم حكم هذه النصوص المتفرقة وأعطى لهذا الحكم طابع القاعدة العامة أو المبدأ العام الذي يعمل خارج هذه النصوص ليطبقه على كل قرار يتضمنه طابع الجزاء.

أما الأستاذ فيدل فيرى بشأن المبادئ العامة إن (المبدأ العام لا ينشأ بطريقتي الابتكار والاختراع، إنما بطريق الاكتشاف بواسطة القاضي... ويأخذ كمثال مبدأ احترام حقوق الدفاع فهو حس وجهة نظره (يتولد عن طريق الملاحظة، من خلال نصوص عديدة تشريعية ولائحية تقرر حقوق الدفاع في فروض محددة. يجب ان نفترض ان هذه النصوص ليست سوى تطبيق على هذه الحالة أو تلك لمبدأ عام يمثل مصدرها جميعا). ويرى د. محمد رفعت عبد الوهاب انه (يتمثل هذا الأسلوب في تعميم أحد الحلول أو أحد القواعد الجزئية التي قررتها نصوص متفرقة في حالات خاصة).

سادساً- قرارات مستندة للمبادئ العامة للقانون:

في قرار لمجلس شورى الدولة اللبناني تقرر فيه اقرار الحق لصاحبته رغم مرور مهلة المراجعة المقررة قانوناً وقد استند المجلس في قراره الى مبدأ مساواة المواطنين امام القانون، باعتبار ان هذا المجلس قد أصدر عدة قرارات عائدة لموظفي هم في وضع مشابه لوضعها، حسبما جاء في قرار مجلس شورى الدولة اللبناني رقم 152 في27/5/1992

وأن مبدأ المساواة واجب التطبيق حتى بالنسبة لمن انقضت مهل المراجعة بحقهم.) ومن القرات المهمة لمجلس شورى الدولة اللبناني، ما جاء بصدد اغفال القانون الجديد الاشارة الى الاحكام الانتقالية بالنسبة للحالات التي اكتملت في ظل القانون القديم الا ان الاجراءات الادارية لم تكتمل الا بعد نفاذ القانون الجديد في قراره رقم 129 لسنة 1986، وملخص القضية: ان المستدعي حصل عل على شهادة التحاليل الطبية بموجب قانون مزاولة المهن الطبية الصادر بتاريخ 26/12/1946، وحينما باشر بتقديم طلب للحصول على اجازة فتح مختبر تحليل صدر قانون جديد في 17/1/1979 يضع شروطاً جديدة غير متوفرة في المستدعي، فرفضت وزارة الصحة منحه الرخصة. وجاء في القرار (وبما ان عدم لحظ قانون 17/1/1979 صراحة، احكاماً انتقالية للحالات المماثلة التي يمكن ان تنشأ بسبب صدورها لا يعني بشكل اكيد ان المشترع اراد عن قصد عدم رعاية تلك الحالات بأحكام انتقالية خاصة تسمح بتحقيق النتائج المترتبة عنها، لا بل ان العكس هو المفترض، أي ان المشترع يقر ضمناً اعتماد مثل هذه الاحكام، لانه لا يعقل ان يطلب مثلاً من طالب قضى السنوات الطوال في دراسة الطب وفق منهاج يقرره قانون معين ويولي من يستكمله حق الاشتراك بامتحان الكولوكيوم لممارسة مهنة الطب، ان يقضي مجدداً سنوات عديدة في دراسة الطب وفق منهاج جديد لمجرد صدور قانون جديد يفرض هذا المنهاج كشرط للاشتراك في امتحان الكولوكيوم....... فانه يكون من حقه وفقاً للمبدأ الآنف الذكر ان يستفيد من النتائج المترتبة عن هذا الوضع والمرتبطة به ارتباطاً وثيقاً والمتمثلة بالحصول على اجازة فتح مختبر طبي وفق احكام قانون سنة 1946 وفي الحدود التي يفرضها هذا القانون وبما ان كل ما ادلى به خلاف ذلك يكون في غير محله القانوني ويقتضي معه رد جميع الاسباب والمطالب الزائدة والمخالفة،..... يقرر المجلس بالاجماع.... ابطال قرار وزارة الصحة الضمني موضوع المراجعة، والقول بحق المستدعي استناداً لما تقدم بالحصول على اجازة فتح مختبر طبي وفاقاً لاحكام قانون سنة 1946 وفي الحدود التي يفرضها هذا القانون ورد المطالب الزائدة والمخالفة).

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

 

من قاسم أمين إلى هشام شرابي

يذهب أصحاب الفكر الحداثي التغريبي إلى أن حركة النهضة لا بُدّ أن تكون قفزة إلى الأمام أي إلى المستقبل نحو الغرب، فالتقدم بالنسبة لهم لا يتحقق من خلال الرجوع للخلف/ الوراء/للماضي كما يدعو أصحاب الفكر الرجعي، بل يحدث من خلال تجاوز هذا الماضي وإحداث قطيعة معرفية معه. ولما كانت المرأة بإعتبارها أحد ركائز النهضة، فلا بُدّ لها من تجاوز معوقات وقيود هذا الماضي العتيق، وأن تحصل على كافة حقوقها وفق مُتغيرات العصر.

لذا يتخذ أغلب مفكري التيار الحداثي التغريبي منذ القرن التاسع عشر· - على خلاف التيار الأصولي والوسطي- موقفًا ثوريًا راديكاليًا تجاه قضية المرأة··، فأتخذوا موقفًا مُؤيدًا لقضية المرأة والدفاع عنها والمُطالبة بضرورة تحريرها من أي قيود أو تبعية، وتحسين أوضاعها داخل المُجتمع الشرقي، مُعلنين شعار أن المرأة هى نصف المُجتمع، ومُطالبين بضرورة المساواة بينها وبين الرجل، ونتيجة تبنيهم للفكر الغربي رأوا أن إصلاح المرأة ونهضتها، لن يتحقق إلا من خلال إتباع النموذج الغربي، أي إتباع نموذج صورة المرأة في الحضارة الأوروبية الحديثة.

ونتيجة ذلك الوعي والإدراك بأهمية قضية المرأة في المُجتمع، بدأت بوادر المُطالبة بتحرير المرأة تظهر في المُجتمعات الشرقية، فلم تكن المرأة حتى منتصف القرن التاسع عشر أداة ترف للرجل، ولكن حالة اضطهاد المرأة على هذه الوجهة، ووضعها في المرتبة الثانية، وهى ذلك المخلوق الرقيق المُقدر له أن يقوم بواجبه في الحياة الاجتماعية، لم يكن مُمكنًا أن يستمر إلى الأبد، ولذلك لم ينتصف القرن التاسع عشر حتى ظهرت بوادر الرغبة في المُطالبة بضرورة تحرير المرأة الشرقية(1).

ومن هذا المُنطلق، بحث العديد من المُفكرين العرب أصحاب الفكر التغريبي في القرن التاسع عشر، في مجموعة الأسباب التي أدت إلى تدني وضع المرأة الشرقية في المُجتمع، لمعالجة تلك الأسباب والتخلص منها، فذهب البعض إلى أن من أهم تلك الأسباب وأخطرها "إستبعاد المرأة" عن النشاط الاجتماعي والثقافي والسياسي، من خلال إحتجاب المرأة في المنزل، وإنعزالها عن المُجتمع الخارجي، حيث لم تكن تعلم الكثير عن المُجتمع الخارجي اللهم إلا بعض النظرات التي كانت تسرقها من خلال الشبابيك ذات المشربيات المخرمة. فنجد، على سبيل المثال لا الحصر، سلامة موسى·(1887م- 1958م) واصفًا ذلك، فيقول :" كانت المرأة المضروب عليها الحجاب، تعيش بين أربعة جدران في المنزل، تختبئ وراء الأبواب والشبابيك، بل كانت الشبابيك مشربيات مُخرمة تتيح لها النظر إلى الشارع حين يلتصق وجهها بخروم المشربية حتى ترى شيئًا من حركة الناس والأشياء، وحتى تحس إنها لا تزال حية أو أن لها من الحياة العامة جزءًا مهما صغر(2)".

كما قد يرجع أسباب تدني وضع المرأة الشرقية في المُجتمع إلى "الاستبداد السياسي"، فنجد مثلًا سلامة موسى يرجع سبب إنحطاط المرأة الشرقية إلى الإستعمار، فيقول:" ألم نعرف في مصر أن الناظرة الإنكليزية لمدرسة السنية الإبتدائية كانت تحتم على تلميذاتها أتخاذ البرقع في حين كان قاسم أمين يدعو إلى إلغائه؟، لماذا كان يفعل الإستعمار ذلك؟، لأنه كان يعرف، بل يوقن، بأن حجاب المرأة وإنفصالها عن الرجل في مصر، يمنع بلادنا من التقدم، ويجعل مُجتمعنا مُتأخرًا(3)".

وهناك بعض مفكري التيار الحداثي التغريبي الذين يربطون بين "استبداد الحكم السياسي" و"استبداد الرجل للمرأة"·، فيرى قاسم أمين (1863م- 1908م) أن استبداد الرجل هو أثر من آثار استبداد الحكم، فيؤكد أن من أثر الحكومات الاستبدادية أن الرجل في قوته أخذ يحتقر المرأة، ويرجع ذلك إلى فساد الأخلاق في الأمة المحكومة، وذلك لأنه في ظل النظام الاستبدادي فإن الإنسان لا يحترم إلا بالقوة، ولا يردع إلا بالخوف، ولما كانت المرأة ضعيفة إهتضم الرجل حقوقها، وأخذ يعاملها بالإحتقار والمهانة، فأختصت المرأة بالجهل والتحجب بأستار الظلمات، واستعملها الرجل متاعًا للذة يلهو بها متى أراد، ويقذف بها في الطريق متى يشاء. له الحرية ولها الرق، له العلم ولها الجهل، له العقل ولها البله، له الضياء ولها الظلمة والسجن، له الأمر والنهي ولها الطاعة والصبر(4). فيقول قاسم أمين:" يجب أن تربى المرأة على أن تدخل في المجتمع الإنساني وهى ذات كاملة لا مادة يشكلها الرجل كيفما شاء(5)".

كما يبرز أحمد لطفي السيد (1872م -1963م) مدى استبداد الرجل بالمرأة، وجعلها مُجرد تابعة له، فلا تلبس إلا ما يريده هو، ولا تنظر للأمور إلا بعينه هو، ولا تفهم إلا ما يريده هو، ولا تسمع إلا بإذنه هو، ولا تأكل إلا ما يشتهي هو، فيتسائل مُندهشًا ومُستعجبًا أليس ذلك هو الإستعباد بعينه المُناقض لتحرير المرأة الذي يريدونه؟!(6).

وهكذا ينتهي مفكرو التيار التغريبي إلى التأكيد على أن من أهم أسباب تدني وضع المرأة الشرقية في المُجتمع يرجع إلى "استبداد الرجل للمرأة" وتسلطه عليها، ومحاولة فرض سُّلطته الذكورية للسيطرة عليها، فنجد إسماعيل مظهر(1891م - 1962م) يرجع كل ما آلت له المرأة من كونها كائنًا ضعيفًا، ونظرة المُجتمع لها على أنها مُجرد وسيلة للتزاوج، إلى معاملة الرجل لها، فيذهب إلى أن معاملة الرجل للمرأة كان سببًا في أن ترتد كائنًا ضعيفًا مُترهلًا، بل إنه في أكثر الحالات وعند الأغلب الأعظم من طبقات المُجتمع، لا تعتبر المرأة إلا كائنًا من شأنه أن يلبي نداء الجنس. فيقول إسماعيل مظهر:" فنحن الرجال قد رمينا النساء بأدوائنا وأنسالنا، لنقول لهن في النهاية أنتن خلقًا أدنى(7)". وبناءً على تبنيه للفكر التطوري الدارويني وتأكيده على أن الطبيعة قد ساوت بين الرجل والمرأة، ينظر ناقدًا وضع المرأة الشرقية في مُجتمعه وما وصلت إليه، رافضًا بذلك تسلط الرجل على المرأة، لذلك يمكن إعتباره وبحق-من وجهة نظرنا- من أهم المفكرين التنويريين الذين تبنوا قضية المرأة والدفاع عنها.

وبعد أن أوضح مُفكري التيار التغريبي في القرن التاسع عشر أهم أسباب تدني وضع المرأة الشرقية في المُجتمع، أنطلقوا نحو المُطالبة بالدفاع عنها وعن حريتها، والمُطالبة بحقوقها وقضاياها، والتى من أهمها : قضية "تعليم المرأة"، فنجد قاسم أمين يُدرك أهمية وقيمة العلم وأنه وسيلة الأمة للنهوض والتقدم والرقي، والنساء عنده مثل الرجال في حاجة إلى العلم والمعرفة، وإلى إكتساب عقل سليم يحكم على نفوسهن، ويرشدهن في الحياة إلى الأعمال الطيبة النافعة(8). فيقول :" المرأة محتاجة إلى التعليم لتكون إنسانًا يعقل ويريد(9)".

فيرد قاسم أمين على بعض أصحاب الفكر الرجعي الذين يرفضون ويعارضون تعليم المرأة خوفًا على أخلاقها من أن تُفسد، فينكر ذلك الإدعاء الباطل مُؤكدًا أن التعليم يرفع من شأن المرأة، ويرد إليها مرتبتها، ويكمل عقلها، ويسمح لها أن تتفكر وتتأمل، وتتبصر في أعمالها، فالمرأة المُتعلمة تخشى عواقب الأمور أكثر مما تخشاه المرأة الجاهلة، ولا تتقدم بسهولة على ما يضر حسن سمعتها بخلاف الجاهلة فإن من أخلاقها الطيش والخفة(10).

فيؤكد قاسم أمين على أهمية وضرورة التعليم للمرأة فهو في المقام الأول ينور عقلها، ويضمن لها حقوقها التي كانت تُنهب منها من قبل. فيقول:" نرى النساء يضعن أختامهن على حساب أو مُستند أو عقد يجهلن موضوعه أو قيمته لعدم إدراكهن كل ما يحتوي عليه، أو عدم كفاءتهن لفهم ما أودعه، فتجرد الواحدة منهن عن حقوقها الثابتة بتزوير أو غش أو إختلاس يرتكبه زوجها أو أحد أقاربها أو وكيلها. فهل كان يقع ذلك لو كانت المرأة مُتعلمة؟(11)".

ومن أهم مفارقات قاسم أمين حول مُطالبته "بتعليم المرأة"، إنه على الرغم من دعوته التنويرية لأهمية تعليم المرأة، إلا إنه قد إقتصر هذا التعليم على مراحله الأولى فقط - أسوة بالتيار التوفيقي وخاصة عند رفاعة الطهطاوي- فيقول:" لست ممن يطلب المساواة بين المرأة والرجل في التعليم فذلك غير ضروري، وإنما أطلب أن توجد هذه المساواة في التعليم الابتدائي على الأقل، وان يعتنى بتعليمهن إلى هذا الحد مثل ما يعتنى بتعليم البنين(12)".

فنتسائل لماذا أتخذ قاسم أمين هذا الموقف الرجعي تجاه تعليم المرأة؟، هل خوفًا من هجوم أصحاب الفكر الرجعي عليه في تلك الفترة؟، أم لأن تلك الدعوة وهذا الموقف هو المُتاح والأفضل والممكن للمرأة في تلك الفترة والحقبة التاريخية؟.

في حقيقة الأمر، على خلاف رأي قاسم أمين في تعليم المرأة على مراحلها الأولى، نجد أحمد لطفي السيد يتخذ موقف أكثر راديكالية وجرأة من قاسم أمين وخاصة في تعليم المرأة، فيطالب بضرورة تعليمها حتى الثانوي، كما يطالب بالتكافؤ في التعليم بين البنات والبنين، حتى لا يقبل الرجال على الزواج من الأجنبيات بسبب تعليمهن، فيرى إنه لا سبيل لملاقاة هذا الخطر إلا بإكثار عدد المُتعلمات من البنات، وتقريب معلوماتهن من معلومات البنين بقدر المُستطاع، فإن التي لا تعرف القراءة والكتابة لا تعلم شيئًا، فلابد من تعليم المرأة الآداب العالية ومبادئ الأخلاق من العلوم المُختلفة كالعلوم التي تدرس في المدارس الثانوية(13).

وعلى ذلك نرى أن الإدعاء بأن تعليم المرأة لا بُدّ أن يقتصر على المراحل الأولى، لأن ذلك كان المُتاح والأفضل والممكن لها في تلك الفترة التاريخية إدعاء باطل، فنجد أحمد لطفي السيد يتخذ موقفًا ثوريًا أكثر جرأة من قاسم أمين مُطالبًا بضرورة أن تتساوى المرأة بالرجل في مراحل التعليم المُختلفة. لذا نرى أن الخوف من هجوم الفكر الرجعي كان يكمن وراء إتخاذ قاسم أمين ذلك الموقف، والدليل على ذلك أن قاسم أمين في أغلب آرائه تجاه إصلاح حال المرأة كان يستند إلى تمام توافقها مع أحكام الشريعة. فيقول قاسم أمين:" لو كانت عوائدنا فيما يتعلق بالنساء لها أساس في شريعتنا لكان في ميلنا إلى المُحافظة عليها ما يشفع لنا، أما وقد برهنا على أن كل ما عرضناه من أوجه الإصلاح يتفق تمام الإتفاق مع أحكام الشريعة ومقاصدها، فلم يبق لنا عذر في التمسك بها سوى أنها قد تقدست بمرور الزمان الطويل، وأننا غفلنا عن مصالحنا وتدبير شئوننا(14)".

ومن مُنطلق إهتمام التيار التغريبي بالعلم فقد ركز على نقد معوقات تعليم المرأة، فيذهب إسماعيل مظهر إلى أن من أهم معوقات تعليم المرأة في الشرق هو العمل في الحقل، وحجب السيدات في المنزل، كما يُشيد بالمسيحيين لأنهم أول من بادروا بتعليم المرأة في المدارس الأجنبية، ومن ثم يبرز إيجابيات التعليم الكبرى للنساء بصفة عامة، وللنساء المتزوجات بصفة خاصة، لأنه يساعدهن على مواجهة الحياة بالعمل الشريف(15).

وأما عن قضية "عمل المرأة" فقد دعا التيار التغريبي إلى ضرورة خروج المرأة للعمل، وألا يقتصر عملها على الأعمال المنزلية فقط داخل المنزل، فالمرأة لم تخلق للعمل في المنزل، بل لا بُدّ أن تعمل خارج المنزل، لأنها بذلك تؤدي خدمة اجتماعية لوطنها، بجانب واجبات الزواج والأمومة. فيؤكد سلامة موسى على ضرورة أن تستغل المرأة معارفها ومهارتها في عمل اجتماعي آخر إلى جانب كونها زوجة وأم. فهذا العمل الاجتماعي الآخر هو الذي يصل بينها وبين المُجتمع ويكسبها العقل الاجتماعي، ويربي شخصيتها ويدرَّب ذكاءها، ويؤكد استقلالها(16).

فيسهم سلامة موسى بآراء تقدمية مُستنيرة في مسألة عمل المرأة، فيعترض على كلام المُحافظين والرجعيين بأن عدم خروج المرأة من المنزل يحميها، ذلك لأن أعباء الحياة العملية تسهم في تربيتها، فمن الخطأ القول لها بأن البيت يحميكِ من كوارث الدنيا. كما أن المرأة عندما تعمل تجد الكرامة، وتجد الاستقلال، وتجد الأمل والثقة، فهى لا تقلق على مُستقبلها، ولا تخشى أن يفوتها زواج، وهى تعرف أن كرامتها وعيشتها وسعادتها لا تتوقف على محاسنها الجسدية فقط، إذ أن لها محاسن أخرى هى ذكاؤها ومهاراتها وإنسانيتها التي تنمو جميعًا بالعمل(17).

ويثور سلامة موسى ضد تقاليد مُجتمعه وعاداته الرجعية داعيًا إلى ضرورة عمل المرأة خارج المنزل، مثلها مثل الرجل تعمل بالمُحاماة أو الطب أو الفلسفة أو الكيمياء أو الصناعة، فليس هناك عمل يقتصر على الرجال دون النساء. فيقول سلامة موسى :" وليس من حق أحد في الدنيا أن يقول للمرأة : عيشي في البيت طيلة عمرك، ثمانين أو تسعين سنة، لا تختلطي بالمُجتمع ولا تؤدي عمل المحامي أو الطبيب أو الصانع أو الكيماوي أو الفيلسوف. وإنما أقصري كل قوتك وكل وقتك على الطبخ والكنس وولادة الأطفال. لا، إن المرأة العصرية أرحب آفاقًا وأكثر اهتمامًا من أن يستغرق المنزل كل حياتها(18)". فيُعدُّ نصيرًا لعمل المرأة إلى أقصى مدى ممكن، ويرى أن عمل المرأة يعطيها الكثير من الحقوق، وينضج شخصيتها، ويجعلها أكثر وعيًا بأمور الحياة، وتطور المُجتمع، كما أنه يشعرها بأنها إنسان نافع في المُجتمع، فللمرأة كما للرجل حق في أن تحيا حياتها كما تريد، ولها الحق في التطور، وقصر حياتها على البيت هو إلغاء لإرادتها كما هو تعطيل لتطورها(19).

فيطالب التيار التغريبي بضرورة عمل المرأة ويؤكد على أن خروجها للعمل لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، فالمرأة فرد مُؤثر في المُجتمع، وعضو أساسي في تكوينه مثلها مثل الرجل، فيقول إسماعيل مظهر:" فلئن كانت المرأة قد حققت ذاتها وأثبتت وجودها في ميادين كثيرة كالأمومة والزوجية والأسرة والجهاد والحرب والملك، فإنها ولا شك تجنح اليوم إلى أن تكمل ذاتيتها بأن يكون لها في ميدان السياسة والاجتماع والعمل، تلك الحقوق التى حرمتها خلال العصور الغابرة. تلك الحقوق التي لا ينكرها الشرع ولا تأباها الطبيعة(20)". كما يقول أيضًا مُؤكدًا على ضرورة عمل المرأة :" إن المرأة إذا لم تعمل لتكون مُستقلة إقتصاديًا، أرتدت تلك اللعبة التي يتلهى بها الرجل، بل عادت ذلك الكائن الخاضع المُستكين، الذي يحتاج إلى معونة الرجل، مما يتنافى مع روح الإسلام، بل يتنافى مع الحق الذي هو روح جميع الأديان(21)".

كما نجد أيضًا قاسم أمين مُطالبًا بضرورة عمل المرأة، فيقول:" يظن الكثير منا أن المرأة في غنى عن أن تتعلم وتعمل، ويزعمون أن رقة مزاج النساء ونعومة بشرتهن وضعف بنيتهن يصعب معه أن يتحملن متاعب الكد وشقاء العمل. ولكن هذا الكلام هو في الحقيقة تدليس على النساء، وإن كان ظاهره الرأفة عليهن(22)".

وإذا كان أصحاب الفكر الرجعي يرفض عمل المرأة مُبررين موقفهم بأن طبيعتها من الناحية الجسمانية لا تقوى على العمل الشاق مثل الرجال، فإن أصحاب التيار التغريبي يردون على ذلك الإدعاء الباطل بأن التقدم التكنولوجي الحديث وإعتماد أغلب الحَرف والصناعات الآن على الآلات الحديثة والمُتطورة، يُمكن أن يوفر للبنات الضعاف عمل كان يتطلب من قبل جهد عضلي كبير(23). ففي مُستطاع الآلة أن تهيء للبنات الضعيفات وغير ذوات المرانة الكافية، فرصة القيام بأعباء من العمل كانت تتطلب في الماضي رجالاً أقويا مُحنكين(24).

فيقوم التيار التغريبي بتوضيح أثر التقدم التكنولوجي في تسهيل العملية الإنتاجية، والعمل الشاق على المرأة، فلم يعد العمل في كثير من الوظائف يتطلب القدرة الجسمانية. حيث إن الأعمال الإنتاجية القديمة في الزراعة والصناعة كانت يدوية تجري بمُساعدة الماشية، فكانت تقصم الظهر لما يعاني العامل فيها من المشقة. أما الآن فإن الأعمال الإنتاجية لا تستخدم من الإنسان في أغلب الحالات سوى إشرافه بالعين والعقل مع القليل من إستخدام عضلاته(25).

كما دعا التيار التغريبي إلى ضرورة "تقييد الطلاق"، فالمرأة ليست لعبة في يد الرجل، يطلقها كيفما يشاء بشكل فيه نوع من الإستهتار بها، فنجد سلامة موسى ينبه المرأة الشرقية إلى ذلك ويوعيها بخطورة ذلك، فيقول:" ثم تذكري أننا كلنا نقول بضرر الطلاق يجري جزافًا وإستهتارًا. فإذا كنتِ أنتِ من هذا الرأي فيجب ألا تتزوجي رجلًا قد طلق زوجته إلا بعد أن تدرسي الأسباب والحجج التي بنى عليها هذا الطلاق. فإذا وجدت أنه كان عدلًا فتزوجيه، وإلا عدلت عنه حتى يجد من هذه المُقاطعة ما يردعه في المُستقبل عن الإستهتار(26)".

فيرفض التيار التغريبي مسألة "الطلاق" نظرًا لمساوئها في تقويض دعائم الأسرة، فيذهب قاسم أمين إلى ضرورة "تقييد الطلاق"، إلا إنه يرى أن الصبر على عشرة مَن لا يمكن معاشرته فوق طاقة البشر. لذا يبيح الطلاق ولكن في أضيق الحدود، وذلك لا يكون إلا في حالة استحالة العشرة الزوجية، كما يؤكد على أن ذلك ما يؤكده الشرع من بغض الطلاق، وأن الأصل فيه أنه محذور. لذا يدعو قاسم أمين إلى ضرورة تأسيس محكمة للطلاق، للحد منها(27).

وكذلك فقد عارض التيار الحداثي مسألة "تعدد الزوجات·" لأنها تقلل من شأن المرأة، فنجد سلامة موسى مؤكدًا على أن ظاهرة تعدد الزوجات يُفسد العائلات، ويُحطم أواصر القرابة، ويبعث الكراهية والخصام بين الأبناء، فيقول ناصحًا المرأة الشرقية:" فعليكِ ألا تتزوجي رجلًا يجعل لكِ ضرة، كما يجعلكِ أنتِ ضرة لزوجة أو لزوجتين أخريين. ولا يمكن أن تتحقق المُساواة التي تنشدينها بالجنس الآخر إذا كنتِ ترضين بأن تكوني واحدة من جملة زوجات لرجل واحد. إن المساواة بين الجنسين تقتضي الزواج من إمرأة واحدة، والرجل الذي يتزوج بأكثر من واحدة إنما يلعب ويعبث بإنسانيتك ويحيلك إلى أنثى فقط(28)".

فينتهي أصحاب الفكر التغريبي إلى التأكيد على رفضهم مسألة "تعدد الزوجات"، لما فيه من إحتقار شديد للمرأة، ويبعث الغيرة في داخلها، ويقلل من كرامتها عند زوجها، فيقول قاسم أمين مُوضحًا ذلك :" وبديهي أن في تعدد الزوجات إحتقارًا شديدًا للمرأة، لأنك لا تجد إمرأة ترضى أن تشاركها في زوجها إمرأة أخرى، كما أنك لا تجد رجلًا يقبل أن يشاركه غيره في محبة امرأته، وهذا النوع من حب الإختصاص طبيعي للمرأة كما أنه طبيعي للرجل(29)".

فنجد قاسم أمين مُتأثرًا بأستاذه محمد عبده وخاصة في نقده لمسألة "تعدد الزوجات"، ودعوته لتقييد التعدد والإقتصار على زوجة واحدة، فيقول قاسم أمين :"خير ما يعمله الرجل هو إنتقاء زوجة واحدة، ذلك أدنى أن يقوم بما فرض عليه الشرع، فيوفي زوجته وأولاده حقوقهم من النفقة والتربية والمحبة(30)"، ولكن على الرغم من ذلك فقد أباح أيضًا قاسم أمين التعدد اللهم إلا في حالة الضرورة، كأن أصيبت امرأته الأولى بمرض لا يسمح لها بتأدية حقوق الزوجية، أو أن تكون عاقرًا لا تلد، لأن كثيرًا من الرجال لا يتحملون أن ينقطع النسل في عائلاتهم. أما في غير هذه الأحوال فلا يرى قاسم أمين في تعدد الزوجات إلا حيلة شرعية لقضاء شهوة بهيمية(31).

ويدعو التيار التغريبي -مُتمثلًا في قاسم أمين- كما فعل التيار الوسطي -مُتمثلًا في محمد عبده (1849م -1905م)- بإحالة مسألة "تعدد الزوجات" من حكم الشرع إلى حكم القضاء، فقد أشترط الشرع في "تعدد الزوجات" شرط العدل، وهذا الشرط في حقيقة الأمر غير مُستطاع، لذا يقترح قاسم أمين كما إقترح محمد عبده بأنه يجوز للحاكم وفقًا لذلك بإصدار قرار بمنع تلك الظاهرة، فيقول قاسم أمين:" فإذا غلب على الناس الجور بين الزوجات كما هو مُشاهد في أزماننا، أو نشأ عن تعدد الزوجات فساد في العائلات وتعدِ للحدود الشرعية الواجب إلتزامها وقيام العداوة بين أعضاء العائلة الواحدة، وشيوع ذلك إلى حد يكاد يكون عامًا جاز للحاكم رعاية للمصلحة العامة، أن يمنع تعدد الزوجات بشرط أو بغير شرط على حسب ما يراه مُوافقًا لمصلحة الأمة(32)".

وبناء على ما سبق، أدرك التيار التغريبي أهمية وضرورة تحسين وضع المرأة من أجل عملية النهوض والتقدم، فيذهب سلامة موسى إلى أن أعظم مظاهر النهضة الصادقة في أية أمة هو نهوض المرأة التي تطرح بقايا الاستبداد والإستعباد وتستقل من سجن المنزل إلى ميدان المجتمع لتعمل وتكسب(33). كما يذهب إسماعيل مظهر داعمًا الحركات النسوية التي تسعى نحو النهوض بشأن المرأة الشرقية، ومُهاجمًا المُعارضين لها من أصحاب الجمود الفكري، وخاصة التيارات الأصولية المُحافظة، فيقول:" إن الذين يقومون اليوم في وجه النهضة النسوية في مصر، إنما يبكون زمنًا غبر ودهرًا عبر، يبكون زمن الحجاب والدادات والأغوات، زمن الستائر على النوافذ والأبواب، زمن الفسق والفجور تحت ستار الفضيلة والأخلاق، زمن البلادة والجهل، زمن الإنحلال الأخلاقي والتدهور الفكري، زمن الجمود والظلامية(34)".

وينتهي مُفكري التيار الحداثي في القرن التاسع عشر إلى توضيح مَدى الاستبداد الذي تعاني منه المرأة الشرقية سواء كان استبدادا نابعًا من المُجتمع أو استبداد الرجل لها، والذي كان أحد أهم أسباب تدني وضعها في المُجتمع، وقد كانت تلك النقطة الجوهرية هى محور إنطلاق فكر المُفكر الفلسطيني "هشام شرابي" (1927م- 2005م) ودفاعه عن تحرير المرأة العربية في الفترة المُعاصرة، فيؤكد على أن النظام الأبوي المُستبد والمُتسلط هو من أهم أسباب تدني وضع المرأة في المُجتمع.

فيُعدُّ هشام شرابي رائد من رواد الفكر النسوي العربي المُعاصر، الذي يدافع عن تحرير المرأة العربية ناقدًا المُجتمع الذكوري الأبوي الذي يُمارس سُّلطته عليها، لذا يُعدُّ خطابه من أبرز الخطابات النسوية العربية المُعاصرة التي تبنت الفكر النسوي الغربي وروجت له، فقد أراد تجاوز أزمة الواقع العربي والتي تكمن لديه في ذكورية وأبوية هذا الواقع(35).

يتخذ هشام شرابي موقفًا نقديًا تجاه الفكر الرجعي التقليدي الأبوي الذي يُعطي إهتمامًا كبيرًا لموضوع المرأة، مُعلنًا أن الشريعة الإسلامية تحمي حقوق المرأة وتمنحها مدى كبير من الحرية، فيقول :" ويركز الأصوليون في كتاباتهم حول هذا الموضوع (موضوع المرأة) على نقض الموقف العلماني الذي تنبع منه حركة تحرير المرأة ومقابلة "الفكرة الغربية" التي تعتمدها بــ "الفكرة الإسلامية"، التي تمثلها الحركة الأصولية. ويؤكد اهتمام الأصوليين هذا بموضوع المرأة وكثرة كتاباتهم حوله، على مركزية الإشكالية النسائية في الوعي الأبوي وعلى حجم القلق الذي يعانيه الأصوليون إزاء هذه الإشكالية(36)".

وإذا حاولنا وصف وضع المرأة العربية التقليدية في المُجتمع، من خلال كتابات هشام شرابي، نجد أنها تتميز بالإطاعة، بالعبودية، بالتبعية للذكور في عائلتها، لا وجود مُستقل لها، هى الكائن بغيره لا بذاته، هى إنسان مُستغل، مُستضعف، ملك الرجل ... إلى ما هنالك من صفات السلبية، تبين وكأن هذه المرأة لا حول ولا قوة لها، مفعول بها وهى غير فاعلة، تتلقى بشكل سلبي كل ما خطط لها دون أي دور مباشر لها يساهم في تقرير مصيرها(37).

فعندما بحث هشام شرابي عن حل تلك الإشكالية أي إشكالية وضع المرأة العربية في المُجتمع، قدم مشروعًا فكريًا بإمكانه صياغة خطاب عَلماني نقدي قادر على مُجابهة الخطاب الأبوي المُهيمن وتجاوزه. غير أن هذا المشروع الفكري يتطلب من وجهة نظره ليس تفكيك اللغة المُهيمنة وأسلوبها التعبيري وحسب، بل تفنيد العقلية التي تنغرس فيها هذه اللغة ومُصطلحاتها وأساليب تعبيرها؛ فيقول :" بإمكان الأسئلة التي ينطلق منها هذا المشروع أن تحدد، إذا أثيرت بشكل جدّي ومسؤول، أبعاد نقد جديدة وأطرًا فكرية قادرة على إفراز تنظيم مُستقل لا يهدف إلى إزاحة الخطاب المُهيمن للحلول محله، بل إلى إفساح المجال الفكري لإنبثاق خطابات مُستقلة ترفض كل أشكال الهيمنة وترحب بالإختلاف والتعدد الفكري على أنواعه(38)".

فيرفض اللغة المُستخدمة في التراث العربي لأنها لغة ذكورية أبوية، وسبيل الخروج من هذه اللغة هى لغة جديدة تكون بطبيعة الحال لغة نسوية. فقد إهتمت الدراسات النسوية المعاصرة بالآثار المادية والسياسية على المرأة نتيجة التحيز اللغوي الذكوري في اللغة الاجتماعية والإنتاج الثقافي، حيث تتعدد أشكال التحيز والتمييز ضد المرأة في اللغة، لهذا إقترحت هذه الدراسات وضع مُفردات جديدة ليس فيها هذا التحيز ولا تلك الهيمنة الأبوية الذكورية(39). فيقول :" إن اللغة الأبوية هى إنعكاس للسُّلطة الأبوية والوعي البطركي (الأبوي) السائد(40)".

ومن مُنطلق علاقة إشكالية المرأة بالتراث العربي الإسلامي فقد أراد هشام شرابي في البداية أن يتجاوز الموروث العربي بكل أشكاله، حتى يسترد هذا المُجتمع العربي استقلاله والسير نحو الأهداف التي يحددها بنفسه، والموروث الذي يقصده هو التراث الأصولي الديِني الإسلامي الأبوي الذي يُهمش المرأة، وفي أحيان كثيرة يستبعدها تمامًا، ومن هنا كان العداء العميق والمُستمر للمرأة في هذا المُجتمع المُتمسك بتراثه، فهو مُجتمع يقف في وجه كل محاولة لتحريرها الاجتماعي والسياسي والفكري والديِني. ويرى هشام شرابي أن المُجتمع العربي يعرف ذاته بصيغة المُذكر لأنه مُجتمع ذكوري لا دور فيه للأنثى إلا تأكيد تفوق الذكر وتثبيت هيمنته، لهذا كانت العقبة المركزية في وجه أي تغيير في هذا المُجتمع هو تغيير الموروث الذكوري من فكر وعقل وقلب الإنسان العربي(41).

وقد إنطلق هشام شرابي من مقولة أن التاريخ الإنساني تاريخ تمركز حول الرجل/ الذكر ونتج عن هذا التمركز السُّلطة الأبوية والمُجتمع الأبوي الذكوري، واستفحلت النظرة والتفسير الذكوري ليشمل المعرفة والوجود والإنسان، وفي نفس الوقت عملت السُّلطة الأبوية الذكورية على تغييب المرأة وطمس تاريخها، مما أدى إلى تمرد المرأة عبر الحركات النسوية التي انتشرت وزادت فعالياتها في السنوات القليلة الماضية بحيث أصبح التمرد في حد ذاته قيمة عليا وثابتًا من الثوابت التي لا تغيرها رياح التغيير العاتية(42). فهو لا يسعى نحو مجرد نقد الفكر الذكوري الأبوي التقليدي المُسيطر في المُجتمع فحسب، بل يهدف نحو إحداث تغيير جذري لتجاوز ذلك الفكر، فيقول:" بهذا فإن ما يتطلبه مشروع النقد الجذري، لتجاوز الجمود الأكاديمي والتجديدات النظرية، ليس نقد الفكر المُسيطر وحسب بل إحداث تغيير أساسي في إتجاهات هذا الفكر والموضوعات والإشكالات التي يتناولها ويركز عليها(43)".

فيكمن هدفه نحو التغيير عن طريق النقد الجذري، من أجل الإطاحة بالخطاب الأبوي الذكوري الذي يدعي إمتلاك الحقيقة الكاملة، والإعلان أن الحقيقة ليست ملكًا لأحد، بل هى إجماع في سياق تاريخي مُتغيّر وملك للجميع. لذا يتخذ موقفًا صداميًا إزاء الخطاب الأبوي بأشكاله المُختلفة(44).

وعلى الرغم من أن التيار الوسطي قد إتخذ موقفًا مُعارضًا بعض الشيء تجاه الحركات النسوية المُعاصرة وخاصة الغربية-مُتمثلًا في حسن حنفي وعبد الوهاب المسيري- نجد على الجانب الآخر التيار الحداثي المُعاصر - مُتمثلًا في هشام شرابي- مُتطلعًا على كتابات الحركات النسوية المُعاصرة وخاصة العربية منها، مثل كتابات: الكاتبة النسوية المصرية نوال السعداوي (1931- 2021م)، والكاتبة النسوية المغربية فاطمة المرنيسي (1940- 2015م)، ومُؤيدًا لما يدعون إليه.

وقد أحدثت قراءات هشام شرابي للفكر النسوي (العربي والغربي)، بما وصفه بنفسه بــ"إنقلابًا في الوعي" أي تغييرًا جذريًا في تفكيره تجاه إشكالية المرأة في المُجتمع. فلم يعد يدافع عن المرأة بمنظور خطابي إنفعالي بل سعى نحو المُطالبة بتغيير جذري لتلك الإشكالية. فيقول:"بالنسبة إلي، فقد حدث التغيير في تفكيري حول هذا الموضوع - يقصد موضوع المرأة- نتيجة قراءات طويلة ومشبعة في النقد النسائي Feminist Criticism، قرأت كتابات نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وخالدة سعيد وغيرهن من الكاتبات العاملات في الحركة النسائية العربية، ثم قرأت كتابات الناقدات الغربيات في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، فإختبرت ما يمكن وصفه بإنقلاب في الوعي كان من جرّائه أني بدأت الخروج عن موقفي السابق إزاء إشكالية المرأة عربيًا وعالميًا. وأخذت في الدخول في مُنطلقات فكرية جديدة مَكنتني من رؤية جديدة ليس لمشكلة المرأة فقط، بل للمشكلة الاجتماعية الكلية عينها بأبعادها التاريخية والايديولوجية، الأمر الذي أدى بي إلى إستيعاب النظرة التفكيكية وإلى رؤية النظام الأبوي بضوء جديد وتفهمه بنية مُترابطة الأبعاد من "الداخل" و" الخارج" معًا(45)".

فلم يكن الفكر العربي وحده من يعاني من سُّلطة الفكر الذكوري الأبوي بل والغربي أيضًا، فقد سادت في الفكر الغربي نزعة ثنائية في رؤية الأشياء، ولعل تلك الثنائية المُستفحلة في الفكر الغربي الأبوي تعود إلى رائد العقلانية الغربية الحديثة "ديكارت"، الذي يُذكر دائمًا بأنه المؤسس للفكر الغربي الحديث والأب للفلسفة الغربية الحديثة، حيث يُعد المسئول الرئيسي عن سيادة التصورات والمفاهيم التي شكلت العقلية الغربية إزاء المرأة، فقد كانت ثنائية العقل/ المادة التي ميزت فلسفته خطوة لثنائية أخرى قائمة على الجنس، حيث ربط ديكارت العقل بالذكورة والمادة بالأنوثة، فقد وضعت الفلسفة الديكارتية تمييزًا صارمًا بين ما هو عقلاني وما هو غير عقلاني من خلال التمييز بين العقل والجسم، هذا التمييز أدى إلى إختلاف بين الرجل الذي يمثل في فلسفته العقل والتفكير العقلاني، والمرأة التي تمثل الجسد والتفكير اللاعقلاني(46).

ويُرجع هشام شرابي أسباب تدني وضع المرأة إلى المُجتمع، وما يمارسه من سُّلطة وقهر وقمع واستبداد على المرأة منذ فترة طفولتها وتربيتها وتثقيفها، وتلك المُمارسات ليست إلا تعبير عن نظام السُّلطة الأبوية المُسيطر على النظام الاجتماعي العربي عمومًا كما على النظام الأسري بوجه خاص(47). كما يعتبر أن هذا الفكر الأبوي هو المسؤول وبكافة أشكاله عن شل المُجتمع العربي وتأخره ومنعه من التغير الفعلي، فنجده يرفض السُّلطة بكل أشكالها، كما يرفض الفكر الذكوري بأنماطه المُختلفة، فيقول :" لم تعد السُّلطة بالنسبة إلي مجرد إختبارات ذاتية مُتقطعة، بل هى نظام اجتماعي صارم يجب تغييره جذريًا(48)".

أما من ناحية عمل المرأة خارج المنزل، فعلى الرغم من دخول المرأة العربية ميدان العمل، وبالرغم من تحقيق تحررها وإستقلالها الإقتصادي عن الرجل، وبالرغم من أنها وفي حالات كثيرة أصبحت مُتكافئة معه في مسؤولية تحمل الأعباء الإقتصادية للمنزل، إلا إنه، ومع هذا كله، لم تصل إلى تحررها من سُّلطة الرجل، فلقد دخلت هى عالم الرجل الخارجي، بينما لم يتحمل هو أعباء معاونة زوجته في مهام المنزل التي بقى أمرًا منوطًا بالمرأة. وإذا وُجد رجل مُتعاون مع زوجته، فإن هذا الأمر يتم غالبًا بالسر، حتى لا يفقد الرجل العربي صورته الاجتماعية في محيطه(49).

فالمرأة العربية -في حقيقة الأمر- لم تتخلص بعد من سُّلطة الرجل أو سُّلطة المُجتمع الذكوري عليها، حتى وإن كان قد حدث بعض التغيير فقد تم بشكل صوري وليس جوهري، لذا يطالب هشام شرابي بضرورة إحداث تغيير جذري من خلال إعادة صياغة القوانين وضرورة تغييرها بما يضمن حق النساء في المُجتمع، بإعتبارها شخصًا مُستقلًا يجب أن يتمتع بكافة حقوقه كاملة، إلا إنه يعود ويؤكد على لسان نوال السعداوي بأن تغيير القوانين ضروري، ولكنه لا يكفي لإحداث التغيير، فكم من القوانين تظل حبرًا على ورق(50).

ومن هذا المُنطلق، يُطالب في خطابه النسوي بضرورة مُشاركة المرأة في إتخاذ القرار سواء على الصعيد العام المُتمثل في المُجتمع أو على الصعيد الخاص المُتمثل في العائلة، بل وأيضًا تشارك في الإطار الذي يصنع فيه هذا القرار، أي المساواة في عملية القرار، وهنا نجده يقدم نموذجًا جديدًا في مُحاولة الكشف عن الواقع الاجتماعي وطرحًا جديدًا لموضوع الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية، تتجلّى فيه ملامح بدائل جديدة لتغيير الوعي وتحقيق التغيير الاجتماعي(51). فينكشف لنا دعوة هشام شرابي لضرورة مُشاركة المرأة في عملية صنع وإنتاج وحتى إتخاذ القرار حتى ولو كان قرارًا سياسيًا على خلاف الحركات الأصولية التي تعارض ذلك الأمر وترفضه بشدة.

وينتهي هشام شرابي إلى التأكيد على أن حركة تحرير المرأة هى أساس التغيير الاجتماعي والثقافي، وهى التي ستعمل كفتيل يُساعد على إشعال المُجتمع الأبوي من الداخل، كما أنها ستكون بمثابة حجر الزاوية الذي سيقوم عليه نظام الحداثة. فالمرأة العربية المُتحررة هى أمل المستقبل، كما أنها القنبلة الموقوتة التي بقدرتها على الرفض والمُقاومة، ستزعزع أسس النظام وتخلخل شرعية سُّلطته وتفكك بنيته(52).

لذا، فتحقيق تحرير المرأة عند هشام شرابي لا يتحقّق فقط على صعيد النيّة الحسنة والخطب الرنّانة بل على مستوى القانون والممارسة الاجتماعية، وذلك يتطلّب المساواة في التنشئة في مرحلة الطفولة بين الذكر والأنثى وفي المعاملة ضمن العائلة وفي المدرسة وفي الجامعة وفي مكان العمل. وهو يعني  إتاحة فرص الاستقلال الاقتصادي، فتصبح المرأة قادرة على إعالة نفسها والتخلص من عبوديّتها للرّجل، الذي هو مصدر عبوديتها الاجتماعية. وهذا بدوره يعني التشريع الذي يحميها من سطوة المُجتمع الأبوي الذي هو أقسى وأعنف المُجتمعات الذكورية في التاريخ بتأمين حقّها في العمل والوراثة والطلاق ورعاية الأطفال والتأمين الاجتماعي الكامل(53).

ويتضح تميز وإختلاف هشام شرابي في تناوله لقضية تحرير المرأة عن السابقين له، الذين إتخذوا الشعارات للدفاع عن المرأة، ولم يفعلوا مثله في البحث والتنقيب عن حل وتغيير جذري لتجاوز تلك الإشكالية، فتحرير المرأة لم يعد من خلال مجرد إرسالها للمدارس للتعليم، أو من خلال المُطالبة بإزالة الحجاب عن وجوههن، أو من خلال منحهم بعض الحقوق المدنية والمهنية فحسب، بل يؤكد ويُطالب بضرورة إحداث تغيير جذري لحل تلك الإشكالية. فالتحرير لا يتحقق بمجرد اقتباس العادات والملابس والمدارس الغربية، فهذه ليست إلا مظاهر خارجية كثيرًا ما تخفي العلاقات التقليدية، وبالتالي تمنع تغييرها(54).

وفي النهاية، نتسائل ما هو ذلك التغيير الجذري الذي ينادي به هشام شرابي كحل جذري لتجاوز إشكالية المرأة العربية؟ يتمثل هذا الحل في المُطالبة بضرورة تغيير علاقة المرأة بالرجل، فتحرير المرأة لا يتم في النهاية إلا بتغيير علاقتها بالرجل، وهذا يعني تغيير دورها ومكانتها في العائلة وفي المُجتمع، هذا هو التغيير الجذري الذي يُمكنها من تحقيق قدراتها الإنسانية بصورة كاملة وبشكل تتساوى فيه حقوقها وواجباتها مع حقوق الرجل وواجباته، فتصبح عندئذ إنسانًا بكل ما في ذلك من معنى؛ وهكذا يمكننا أن نقول ان الإنسان العربي أصبح إنسانًا مُكتملًا لا نصف إنسان(55).

وفي حقيقة الأمر، نجد إقتراح هشام شرابي الذي يقدمه كتغيير جذري وكحل لتجاوز إشكالية المرأة، هو إقتراح نتمنى تحقيقه على أرض الواقع العربي المُعاصر، حيث يتم تغيير علاقتها بالرجل، فلم يعد ينظر لها الرجل كزوجة أو كأم فقط، أي تغيير تبعيتها للرجل، وبالتالي تغيير تلك العقلية العربية التي نشأت في مُجتمع ذكوري قائم على التمييز بين الرجل والمرأة، وعدم الإيمان بالمساواة التامة والكاملة بينهما، مُستعينًا في ذلك بالعادات والتقاليد حينًا وحينًا آخر بالأصول الديِنية. لذا يُقدم لنا هشام شرابي حلًا يمكن أن نتطلع من خلاله لتغيير تلك العقلية العربية الذكورية الأبوية المُتسلطة، فإذا نشأ الطفل ذكرًا كان أم أنثى منذ صغره على فكرة المُساواة التامة بين الرجل والمرأة في المنزل وفي المدرسة وفي الشارع وفي العمل، فسوف نجد في المُستقبل جيلًا جديدًا نشأ وتربى على فكرة الحرية وعدم التبعية، والإحترام التام والكامل للمرأة ومساواتها بالرجل، وأن لها الإستقلال الذاتي وعدم تبعيتها لأي سُّلطة وخاصة للرجل، فينشأ وفق ذلك جيلًا جديدًا رافضًا لجميع أشكال الاستبداد والإستعباد مُطالبًا بكافة حقوقه كإنسان بعيدًا عن أي تعصب أو إنحياز لجنس عن آخر. ومن ثم لا ينشأ الجيل الجديد ويُربى على المُعتقدات القديمة المُوروثة مثل أن "المرأة للمنزل" وأن المرأة هى نصف الرجل وليست مُساوية له وخاصة في الشهادة والميراث، وأن المرأة هى أداة ترف ومتعة الرجل. فتنشأ بُناء على ذلك عقلية عربية جديدة رافضة لكل تلك المُعتقدات الرجعية القديمة المُتوارثة.

تعقيب:

يعكس التيار الحداثي رؤيته التقدمية للتاريخ في رؤيته لمشروع النهضة وشروطها، والتي ترى أن حركة التاريخ والتقدم مُستقيمة مُتجهة دائمًا إلى الأمام، فهى قفزة نحو الأمام إلى المستقبل نحو الغرب الأوروبي. فينتهي هذا التيار إلى التأكيد على ضرورة رفض الماضي/ التراث بإعتباره من أهم العوائق الرئيسية أمام التقدم والنهضة، والمُطالبة بإحداث قطيعة معرفية مع هذا الماضي/ التراث العربي. في مُقابل المُطالبة بضرورة الأخذ عن الغرب الأوروبي جميع مُكتسباته، والتي كانت أحد أسباب تفوقه وتقدمه، أي الدعوة للتبني التام والكلي للغرب الأوروبي.

ومن أهم المآخذ التي تؤخذ على أصحاب الفكر التغريبي أنهم قد بالغوا كثيرًا في تبنيهم للفكر الغربي وللحضارة الغربية، وطالبوا بضرورة إحداث قطيعة معرفية مع التراث. فقد نظروا إلي الحداثة الغربية بعيون أصابتها غشاوة الإنبهار دون أن يكون لديهم الأداة العلمية والفعلية القادرة على تحقيق ذلك النجاح والتقدم والإنبهار. فقد كان الإنبهار هنا هو إنبهار بحصيلة ونتائج العلم، مما نتج عنه التبعية للغرب الأوروبي والتقليد الأعمى للغرب. فلم يقوموا بعملية إستيعاب لمُكتسبات الحضارة الغربية ودراستها وتعلمها-والتي هى سبب تقدمهم وتفوقهم- ثم تجاوز ذلك العلم والدراسة والإستفادة منه في عالمنا العربي المُعاصر. أي محاولة التحول الفعلي من عملية الاستهلاك لمنتجات الغرب الأوروبي إلى عملية الإنتاج، ومن عملية النقل والتقليد إلى عملية الإبداع الفكري.

***

بقلم: د. زينب عبد الرحمن عبدالله

مُدرس بكلية الآداب، جامعة الفيوم، جمهورية مصر العربية

..................

الهوامش:

يُستثنى منهم "شبلي شميل" (1850م - 1917م) حيث كان له موقفًا غامضًا تجاه المرأة من خلال إقراره بمبدأ "عدم المساواة بين الرجل والمرأة"، فيذهب إلى أن الغلبة دائمًا تكون للرجل جسديًا وعقليًا وأدبيًا، معتمدًا في ذلك على علم التشريح، ومن الناحية الأدبية يصف المرأة بأنها تتميز عن الرجل بالحيل والخداع، ومن الناحية العقلية أي التفكير العقلي يرى أنه نتيجة لتكوينها الجسماني للدماغ، فهى أقل من الرجل في القوى العقلية؛ وبالتالي يؤكد على تفوق الرجل على المرأة. ويرى أن المرأة غير قادرة على الإبداع والإبتكار، في حين أن الرجل يستطيع ذلك؛ وبناء على ذلك يعارض أن تكون المرأة حاكمة، فالمرأة من وجهة نظره غير قادرة على الحكم أو حتى الوصول إليه. الأمر الذي يكشف عن مدى عدم تخلص شبلي شميل من بعض الأفكار الشرقية الرجعية وخاصة فيما يتعلق بالمرأة وقضاياها، فحاول أن يثبتها بالدليل العلمي -من خلال الدليل التشريحي ونظرية التطور - بدلًا من أن يتخلص من تلك الأفكار الرجعية لعدم توافقها مع مُتطلبات العصر الحديث.

(للمزيد انظر: شبلي شميل :"المرأة والرجل وهل يتساويان"، ضمن كتاب "مجموعة الدكتور شبلي شميل"، ص95: 115).

 تعد مجلة (الفتاة) أول صحيفة نسائية في الوطن العربي أسستها هند نوفل (1860- 1920م) في الاسكندرية عام 1892م.

(للمزيد أنظر : إليزابيث سوزان كساب :" الفكر العربي المعاصر دراسة في النقد الثقافي المقارن"، ص57).

(1) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص135.

يحكي سلامة موسى في سيرته الذاتية أنه ذات يوم وقف في الشارع أمام البيت ونادى على أخته الكبرى بإسمها كي تفتح له، فما يدري إلا وقد إنفتح الباب وإنهالت عليه ضربًا، لأنه ناديها باسمها، لأن الحجاب كان لا يزال يغشى البيوت، وكان يقضي بألا تذكر أسماء البنات- وهو ما يزال موجودًا حتى الآن تلك العادة عدم ذكر اسم المرأة أو المناداة باسمها- كما يجب ألا ترى وجوههن، وقد حجزت أخته بالبيت منذ العاشرة وقد أفسد هذا الحجاب برنامج تعليمها. فقد كانت بالزقازيق مدرسة قبطية للبنات ولكن الرجعية الاجتماعية حالت دون الإنتفاع بها.(للمزيد أنظر : سلامة موسى :" تربية سلامة موسى"، ص20، 21).

(2) سلامة موسى :" المرأة ليست لعبة الرجل"، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2012م، ص7.

(3) المرجع السابق، ص71.

حيث هناك البعض الذي أرجع سبب استبداد الرجل للمرأة إلى معاناة الرجل في المجتمع من الاستبداد السياسي في الحكم، والقهر الذي يتعرض له الرجل في المجتمع.

(4)أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص27.

(5) قاسم أمين :" المرأة الجديدة"، ضمن كتاب "قاسم أمين الأعمال الكاملة"، تقديم: محمد عمارة،  ص468.

(6) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص28.

(7) إسماعيل مظهر :" المرأة في عصر الديمقراطية"، تقديم : أحمد الهواري، دار عين، القاهرة، ط1، 2015م، ص166.

(8) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص177، 178.

(9) قاسم أمين :" تحرير المرأة"، ضمن كتاب :"قاسم أمين الأعمال الكاملة"، تقديم : محمد عمارة، ص331.

(10) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص178.

(11) قاسم أمين :" تحرير المرأة"، ص332.

(12) المرجع السابق، ص344.

(13) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص179.

(14) قاسم أمين :" تحرير المرأة "، ص412.

(15) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص194.

(16) سلامة موسى :" المرأة ليست لعبة الرجل"، ص8.

(17) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص243.

(18) سلامة موسى :" المرأة ليست لعبة الرجل"، ص9.

(19) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص243، 244.

(20) إسماعيل مظهر :" المرأة في عصر الديمقراطية"، ص10.

(21) المرجع السابق، ص178.

(22) قاسم أمين :"المرأة الجديدة"، ضمن كتاب قاسم أمين والأعمال الكاملة" تقديم : محمد عمارة، ص457.

(23) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص244.

(24) إسماعيل مظهر :" المرأة في عصر الديمقراطية"، ص41.

(25) سلامة موسى :" المرأة ليست لعبة الرجل"، ص83.

(26) المرجع السابق، ص15.

(27) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص280.

لقد أرجع قاسم أمين ظاهرة "تعدد الزوجات" إلى كونها عادة قديمة كانت مألوفة عند ظهور الإسلام، في حين نجد إسماعيل مظهر يقدم تفسيرًا لتلك الظاهرة بأنها كانت لحاجة إقتصادية، وكذلك الإقلاع عنها في وقتنا الحاضر هو لضرورة إقتصادية، فلما كانت مصر بلدًا زراعية، والزراعة قبل الإنقلاب الإقتصادي كانت قائمة على القوة العضلية، لذلك عمد الرجال إلى التزوج بأكثر من واحدة طمعًا في الثروة والغنى عن طريق العمل العضلي في الحقل وفي البيت، ولكن عندما وقع الإنقلاب الإقتصادي، وزاد التبادل التجاري بين مصر وأوروبا حلت القدرة الإقتصادية في الزراعة مكان القوة العضلية، وأصبح كبر الأسرات عبئًا ثقيلًا بعد أن كان عونًا، وأضطر الرجل أمام هذا الأمر أن يقلل من عدد الزوجات، ومن عدد الأبناء. لأن ذلك أصبح مجلبة للثروة والرفاهية، كما أصبح عكسه مجلبة الفقر والتعاسة.

(للمزيد أنظر : إسماعيل مظهر :" المرأة في عصر الديمقراطية"، ص113)

(28) سلامة موسى :" المرأة ليست لعبة الرجل"، ص15.

(29) قاسم أمين :" تحرير المرأة"، ضمن كتاب "قاسم أمين الأعمال الكاملة"، تقديم : محمد عمارة، ص393.

(30) المصدر السابق، ص395.

(31) المصدر السابق، ص395.

(32) المصدر السابق، ص396.

(33) سلامة موسى :" المرأة ليست لعبة الرجل"، ص70.

(34) إسماعيل مظهر :" المرأة في عصر الديمقراطية"، ص99، ص100.

(35) خالد قطب :" قراءة في خطاب هشام شرابي النسوي"، أوراق فلسفية، العدد 41، 2015م،  ص277.

(36) هشام شرابي :" النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط3، 1999م، ص70، 71.

(37) مها كيّال :" المرأة العربية في فكر هشام شرابي"، أوراق فلسفية، العدد 41، 2015م، ص185، 186.

(38) هشام شرابي :" النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين"، ص80.

(39) خالد قطب :" قراءة في خطاب هشام شرابي النسوي"، ص281، 282.

(40) هشام شرابي :" النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين"، ص19.

(41) خالد قطب :" قراءة في خطاب هشام شرابي النسوي"، ص280، 281.

(42) المرجع السابق، ص281.

(43) هشام شرابي :" النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين"، ص80.

(44) المرجع السابق، ص97.

(45) المرجع السابق، ص98.

(46) خالد قطب :" قراءة في خطاب هشام شرابي النسوي"، ص178، 279.

(47) مها كيّال :" المرأة العربية في فكر هشام شرابي"، ص176.

(48) هشام شرابي :" النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين"، ص99.

(49) مها كيّال :" المرأة العربية في فكر هشام شرابي"، ص188.

(50) هشام شرابي :" النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين"، ص72.

(51) مجدي الجزيري :" المرأة العربية بين التبعية والاستقلال في فكر هشام شرابي وعبد الوهاب بوحديبة"، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون- بيت الحكمة، تونس، 2005م، ص216.

(52) مها كيّال :" المرأة العربية في فكر هشام شرابي"، ص 174، 191.

(53) مجدي الجزيري :" المرأة العربية بين التبعية والاستقلال في فكر هشام شرابي وعبد الوهاب بوحديبة"، ص217.

(54) هشام شرابي :" مقدمات لدراسة المجتمع العربي"، الدار المتحدة للنشر، بيروت، ط3، 1984م، ص114، 115.

(55) المرجع السابق، ص115.

 

تتبنى جميع التشريعات مبدأً عاماً يشمل بحكمه كل فروع القانون، مفاده ان كل ما ‏يخالف النظام العام والآداب العامة يعتبر ‏باطلاً وغير مشروع.

الجذور التاريخية:

في القانون الحديث، تأسس مفهومه بشكل واضح في فرنسا حيث نصت عليه المادة (10) من إعلان حقوق الإنسان والمواطن (الفرنسي) لعام 1789 على انه:

(لا يجوز ازعاج أي شخص بسبب آرائه، حتى الدينية منها، شريطة ألا يؤدي التعبير عنها الى الإخلال بالنظام العام الذي ينص عليه القانون).

ولاحقاً تم التوسع فيه مع صدور القوانين التي تمنح سلطات "الضبط الإداري" سلطة حماية الأمن والصحة العامة، كما في قانون 5 أبريل 1884 الفرنسي.

وفي العصر الحالي، ترسخ هذا المبدأ في الدساتير والقوانين المدنية في مختلف دساتير وقوانين الدول ليكون بمثابة حد فاصل بين حريات الأفراد ومصلحة الجماعة.

ونتناول مفهوم النظام العام والآداب العامة ومعاييره وعناصره وتطبيقاته في عدة فقرات:

اولاً- معيار النظام العام والآداب العامة:

1- معيار النظام العام:

النظام العام معيار كلي مرن ونسبي، فضلاً عن انه معيار قانوني وقضائي.

فهو معيار كلي لأن قوامه حماية المصالح السياسية والاقتصادية ‏والاجتماعية العليا السائدة في المجتمع.

فهو فكرة سياسية في الأصل لانه يُعين على ‏تحقيق الهدف الذي يبتغيه كل نظام قانوني، لا الوسائل الفنية كالجزاءات ‏التي اعدها ‏القانون للوصول الى ذلك الهدف،

وهو معيار نسبي لأن مضمونه يتغير بتغير الزمان ‏والمكان،

فالمثلية في المجتمعات الغربية كانت لعهد قريب تعتبر انتهاكاً للنظام العام والأخلاق الكنسية، ثم حدث تحول مفاجئ بالاعتراف بها رغم انها في الواقع تتعارض مع الحياة الطبيعية لكل الكائنات البشرية وغير البشرية.

ثم انه معيار ‏قضائي مرن يدرجه المشرع دون ضبط فأُعتبر فكرة على بياض يتولى القاضي ملء ‏مضمونها وفقاً للأفكار السياسية ‏والاجتماعية السائدة وقت نظر النزاع لضمان حسن سير الحياة الاجتماعية.‏

الا ان ‏القاضي لا يملك ان يحل معتقداته الشخصية محل معتقدات ‏وقيم الجماعة نفسها‏، فيعتبر تحديد مضمونه مسألة قانونية تخضع لرقابة محكمة ‏التمييز كضمانة مهمة تَضمُن إقامة هذا التحديد على أسس موضوعية لا ذاتية.

وهو معيار اجتماعي يُدركه الافراد عادة في وقت مبكر من العمر، اذ يضبط دورة حياة التنشئة الاجتماعية ويحدد القوالب النمطية لذلك المجتمع وفق ما تحدده ثقافته المحلية في زمن محدد بما ويتوافق مع توقعاتهم للسلوك المطلوب من كل فرد في المجتمع.

وهو معيار قانوني يرد النص عليه صراحة او ضمناً ضمن فروع القانون المختلفة، كما سنوضح لاحقاً.

كما المجتمعات المتحضرة تتمسك بشدة بمبدأ (القانون هو القانون)، بينما تتمسك المجتمعات الأدنى حضارياً بالأعراف القبلية اكثر من تمسكها بالقانون، مما يولد خللاً إجتماعياً واضحاً يتعارض وفكرة النظام العام التي تدعم نظام الدولة الحديثة دون نظام القبيلة السابق للدولة.

وغاية الفكرة حماية المصلحة العامة والمجتمع‎ ‎ومؤسساته ‏من الإنهيار،‎ ‎ولذلك نجد أن متعلقات النظام السياسي كالحريات العامة وشكل الحكم وسلطات الدولة ونظامها الاقتصادي ومايرد عليه من حرية أو قيود على التداول النقدي وأسعار صرف العملة والتجارة الخارجية، هي من النظام العام.

وكل ما يتصل بكيان الأسرة من زواج وطلاق ونسب ونفقة وقرابة، نظراً لإتصالها بالأسس الاجتماعية للمجتمع.

2- معيار الآداب العامة:

أما الآداب العامة ،فهي مجموعة القيم والمعايير الخلقية التي يقوم عليها النظام ‏الإجتماعي في زمان ومكان معينين.‏

وهي الاخرى معيار كلي مرن ونسبي، قوامه الأخلاق العامة التي تُمثل الضمير العام ‏للجماعة، وفكرة اخلاقية نفذت ‏الى الفكر القانوني فأكتسبت طابعاً عملياً ومن ثم ‏ليست هي الاخلاق المثالية التي ينادي بها الفلاسفة ورجال الدين، بل هي ‏الاخلاق ‏العملية المتوسطة التي تشمل ما يتصل بالناموس الأدبي الذي تحرص ‏الجماعة عليه في العلاقات ‏بين الافراد وتمنع انهياره. وكلما اقترب المجتمع من التحضر اكثر ارتفع ‏المعيار الخلقي النمطي وزاد التشدد فيه، كتقديس النظافة واللياقة في السلوك والتعبير.‏

وبما ان نطاق القانون يختلف عن نطاق الاخلاق، فأن هدف المشرع ‏من تبنيه لفكرة الآداب العامة ليس ‏الرغبة في الارتفاع بالجماعة الى مستوى الكمال ‏الخلقي، وانما يقصد بذلك الا يمنح حمايته للتصرفات التي تكون مخالفة ‏للآداب. ‏

ثانياً- أهمية فكرة النظام العام والآداب العامة:

تعد فكرة النظام العام والآداب العامة المنفذ الذي تنفذ منه العوامل السياسية والاقتصادية ‏والاجتماعية الى النظام ‏القانوني لتلائم بينه وبين التطور الإجتماعي.‏‏

وترد صياغة معيارا النظام العام والآداب العامة في التشريع دون ضَبط وبقصد ان يكونا على قدر من ‏الغموض حتى يكملا ما فات القانون من نقص وقصور، ويعطيا معايير واسعة لكل ما يجب اعتباره غير مشروع ‏ولو لم يرد نص بتحريمه.‏‎ ‎

ثالثاً- أنواع النظام العام:

يمكن تمييز نوعين من النظام العام، وفقاً للأفكار القانونية والسياسية الحديثة:

1 ـ النظام العام الصريح والنظام العام الضمني:

أ - النظام العام الصريح: وهي قواعد ترد في التشريع تنص صراحة اعلى افعال محددة على انها تعد من النظام العام، ويعد كل اتفاق مخالفة هذه الأحكام باطلاً.

ب - النظام العام الضمني: وهي القواعد التي تستخلص من مضمون النص، حيث لايتضح فينا اذا كانت هذه القواعد أمرة لايحوز الاتفاق على خلافها ام انها قواعد مفسرة لإرادة المتعاقدين يجوز الاتفاق على خلافها.

والقاضي هو الذي الذي يستخلص من معنى النص، معناها ومدى الزامها، ويجب على القاضي في مثل هذه الحال أن يبحث عن المصلحة التي تحميها القاعدة، فإذا تبين له أنها مصلحة أساسية من مصالح المجتمع، كانت القاعدة آمرة، ومن ثمّ تتعلق بالنظام العام.

2 ـ النظام العام السياسي والنظام العام الاقتصادي:

أ- النظام العام السياسي:

وهي القواعد التي تتعلق بتنظيم الدولة والعلاقات الدولة وفروع القانون العام كالقانون الدستوري والقانون الإداري والقانون المالي والقانون الجنايي قواعد قانون الاحوال الشخصية بشكل عام، تعد من النظام العام ومن ثم يعد كل اتفاق يخالف تنظيم الدولة لهذه القوانين باطلاً لتعلقه بالنظام العام.

ب ـ النظام العام الاقتصادي: وهي فكرة حديثة نسبياً، قد تأتي استثناءاً من قواعد مستقرة من قاعدة العقد شريعة المتعاقدين ومن تطبيقاتها عقود الإذعان التي يحمى فيها الطرف الضعيف ولو كان دائناً، وكذلك يهدف إلى حماية الطرف الضعيف اقتصادياً في بعض العقود، كالقواعد التي تهدف إلى حماية العامل في عقد العمل، وكذلك تسعيرة المواذ الغدائية في اوقات الازمات ، وكذلك ما يتعلق بحماية الاقتصاد الوطني مثل حظر التعامل بالعملة الاجنبية داخل البلد او تحديد العملات التي يحوز اخراجها من قبل المسافرين للدول الأجنبية.

رابعاً- عناصر النظام العام

تنطوي فكرة النظام العام على أربعة عناصر: ‎

‏1. الأمن العام: وهو مجموعة القواعد القانونية والاجراءات الواجب اتباعها للمحافظة على ‏السلامة العامـة لأفراد المجتمع ومنع المخاطر التي تهدد حياتهم وممتلكاتهم.

سواء كان مصـدرها ‎‎الطبـيعة كالزلازل و الفيضانات، او بفعل الإنسان كالجرائم ‏، او الحيوانات السائبة، والمظاهرات غير السلمية التي تخل بالامن الـعام مما يخول السلطات معالجتها ولو بالقوة.

‏2. السكينة العامة؛ وهي مجموعة القواعد التي تحمي الإنسان في حياته‎ ‎اليومية بحيث توفر له سبل الاستقرار والراحة و الهدوء.

مما يوجب على السلطات القضاء علـى ‏الأسباب التي تزعج المواطن و تقلقـه‎ ‎كمعالجة الازدحامات ومكافحة الضوضاء ومنع التجاوزات على الأرصفة ومعالجة التسول.‏‎‎

‏3. الصحة العامة: وهي مجموعة القواعد التي توفر الوقاية للمواطنين وتحميهم من المخاطر‎ ‎الصحية كالأمراض والأوبئة.

‏ مثل بناء المستشفيات وتوفـير الأدوية واللقاحات ورفع النفايات وتفتيش المحلات التجارية المتعلقة بالصحة العامة.

‏4. الآداب العامة:ويقصد بها وضع القواعد التي تنظم السلوكيات العامة في نطاق القيم الخلقية وثقافة الشعب الأدبية التي يتطلع للحفاظ ‏عليها.‏

ومن ذلك مراقبة الوسائل ذات الطابع الثقافي كالأفلام والمجلات ومواقع التواصل الإجتماعي التي تروج لأفكار شاذة وهابطة وغلق الاماكن المشبوهة.

وقد اضيف عنصر جديد بموجب قرار مجلس الدولة الفرنسي عنصر (حفظ الكرامة البشرية)حيث تم منع عرض ساخر يتعلق بالأقزام. بناء على طلب بلدية مورسانج - سور أورج .

وبجعل احترام كرامة الإنسان عنصراً من عناصر النظام العام، أثبت مجلس الدولة الفرنسي أن النظام العام لا يمكن اعتباره مجرد مفهوم "مادي وخارجي"، بل يشمل مفهوماً للإنسانية تضمنه السلطات العامة.

ومع ذلك، امتنع مجلس الدولة عن ترسيخ الآداب العامة كعنصر من عناصر النظام العام، حرصاً منه على عدم التوسع المفرط في تفسير صلاحيات الشرطة للسلطة الإدارية.

كما إن حماية كرامة الإنسان من جميع أشكال الاستعباد أو الإذلال، تغطيها أيضاً المادة (3) من الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية التي تحظر المعاملة اللاإنسانية أو المهينة، قد تم رفعها بالفعل إلى مرتبة مبدأ ذي قيمة دستورية من قبل المجلس الدستوري الفرنسي.

خامسا - النظام العام والآداب العامة في النظام القانوني العراقي:

أبرز المواد المتعلقة بالنظام العام في التشريع العراقي

1- دستور جمهورية العراق لسنة 2005 النافذ: تعد القواعد الدستورية بشكل عام قواعد أمرة ومن النظام العام، وكل مخالفة لها او الاتفاق على خلافها يعتبر باطلاً.

وفيما يتعلق بالحريات العامة نصت المادة (38) على انه: تكفل الدولة، بما لا يخل بالنظام العام والاداب:

اولا:- حرية التعبير عن الراي بكل الوسائل.

ثانيا:- حرية الصحافة والطباعة والاعلان والاعلام والنشر.

ثالثا:- حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، وتنظم بقانون.

2 - القانون المدني رقم 40 لسنة 1951: ضم العديد من القواعد الامرة المتعلقة بالنظام العام والآداب العامة، من ذلك ذلك على سبيل المثال:

المادة (32) منه حيث نصت على انه:

(لا يجوز تطبيق احكام قانون اجنبي قررته النصوص السابقة اذا كانت هذه الاحكام مخالفة للنظام العام او للاداب في العراق).

نص المادة 130 منه حيث نصت على انه:

(1 – يلزم ان يكون محل الالتزام غير ممنوع قانونا ولا مخالفا للنظام العام او للاداب والا كان العقد باطلا.

2 – ويعتبر من النظام العام بوجه خاص الاحكام المتعلقة بالاحوال الشخصية كالاهلية والميراث والاحكام المتعلقة بالانتقال والاجراءات اللازمة للتصرف في الوقف وفي العقار والتصرف في مال المحجور ومال الوقف ومال الدولة وقوانين التسعير الجبري وسائر القوانين التي تصدر لحاجة المستهلكين في الظروف الاستثنائية).

المادة 131 منه حيث نصت على انه:

(1 – يجوز ان يقترن العقد بشرط يؤكد مقتضاه او يلائمه او يكون جاريا به العرف والعادة.

2 – كما يجوز ان يقترن بشرط نفع لاحد العاقدين او للغير اذا لم يكن ممنوعا قانونا او مخالفا للنظام العام او للاداب والا لغا الشرط وصح العقد ما لم يكن الشرط الدافع الى التعاقد فيبطل العقد ايضا).

المادة 132 منه حيث نصت على انه:

(1 – يكون العقد باطلا اذا التزم المتعاقدون دون سبب او لسبب ممنوع قانونا ومخالف للنظام العام او للاداب.

2 – ويفترض في كل التزام ان له سببا مشروعا ولو لم يذكر هذا السبب في العقد ما لم يقم الدليل على غير ذلك.

3 – اما اذا ذكر سبب في العقد فيعتبر انه السبب الحقيقي حتى يقوم الدليل على ما يخالف ذلك).

3- قوانين التجارة والاستثمار: تتضمن قوانين التجارة والشركات والاوراق التجارية بشكل عام عدداً من القواعد الأمرة التي تتعلق بالتظام العام، تشمل أبرز تطبيقاتها بطلان العقود المخالفة للقانون، قواعد الإفلاس والإعسار، أحكام الشركات (كالحد الأدنى للشركاء في نوع معين من الشركات ورأس مال الشركات والتسجيل لدى مسجل الشركات)، وقواعد الوكالة التجارية وتحديد الفوائد.

وقد أقرّ المشرّع العراقي من خلال قانون التجارة وقانون الشركات مجموعة من الشروط الموضوعية والشكلية الملزمة فيما يعد من الأعمال التجارية والاوراق التجارية ولصحة عقد تأسيس الشركة، من بينها مشروعية الغرض، أهلية الشركاء، شكلية العقد، التقييد في السجل التجاري والإشهار. يهدف هذا التدخل من النظام العام إلى خلق توازن بين حرية التعاقد والاستثمار من جهة، وحماية المصلحة العامة والثقة في البيئة الاقتصادية من جهة أخرى.

4- القوانين الإجرائية (قانون اصول المحاكمات الجزائية، قانون المرافعات المدنية، قانون التنفيذ):

تعتبر معظم القواعد الإجرائية في القانون العراقي من النظام العام، حيث تهدف إلى تنظيم سير العدالة وضمان حسن سير المرافق القضائية. القواعد الآمرة التي لا يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفتها، مثل الاختصاص النوعي والوظيفي، تثيرها المحكمة من تلقاء نفسها وتتعلق بالنظام العام.

أبرز القواعد الإجرائية المتعلقة بالنظام العام في العراق

الاختصاص النوعي والوظيفي:

الاختصاص النوعي (مثل اختصاص محكمة البداءة أو الأحوال الشخصية) متعلق بالنظام العام، ولا يجوز الاتفاق على خلافه، ويجوز التمسك به في أي مرحلة من مراحل الدعوى.

المواعيد الإجرائية: المواعيد التي وضعها المشرع لإجراءات معينة (مثل الطعن) تعتبر آمرة، وتتسم بصفة النظام العام لضمان استقرار المراكز القانونية.

شرعية الإجراءات الجنائية: يجب اتخاذ الإجراءات الجنائية وفقاً لقانون أصول المحاكمات الجزائية، وأي خلل فيها يمس النظام العام.

تشكيل المحاكم: قواعد تشكيل المحاكم وصلاحياتها تعد من النظام العام ولا يجوز للأطراف تجاوزها.

باختصار، القوانين التي تهدف لحماية مصلحة المجتمع العليا وسير العدالة هي قواعد نظام عام لا تملك الأطراف حرية تغييرها.

سادساً- تقدير النظام العام والاداب العامة:

حتى لاتتحول فكرة النظام العام والآداب العامة الى وسيلة لتكميم الافواه وقمع الحريات العامة فإن من يقرر مفهومها ونطاق مخالفة عناصرها هو القضاء حصراً.2008

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية.

إعداد وترجمة

د. علي أسعد وطفة

***

"إِنَّنَا الْيَوْمَ نَرْقُصُ رَقْصَةَ الْأَشْبَاحِ… وَلَكِنَّنِي لَسْتُ مُوقِنًا مِنِ اسْتِرْدَادِ مَعْنَى الدَّائِرَةِ، لَقَدِ اجْتُثَّتِ الشَّجَرَةُ الْمُقَدَّسَةُ مِنَ الْجُذُورِ وَلَكِنْ… مَا يُدْرِيكَ! لَعَلَّ هُنَاكَ جَذْرًا صَغِيرًا فِي الْأَرْضِ وَلَعَلَّهُ يَكْبُرُ لِيَصِيرَ شَجَرَةً مِنْ جَدِيدٍ."

الأَيِّلُ الْأَسْوَدُ (Black Elk) (1)

"أَحْيَانًا يَبْدُو التَّارِيخُ وَكَأَنَّهُ شَاعِرٌ مَجْنُونٌ، يُعِيدُ كِتَابَةَ مَآسِيهِ، لَا لِيُحَسِّنَ الْمَعْنَى، بَلْ لِيُكَرِّرَ وَيُعَظِّمَ الْأَلَمَ. فَلَا تَنْسَوُا الْإِبَادَاتِ الْجَمَاعِيَّةَ أَبَدًا، فَإِنَّهَا تَتَكَرَّرُ عِنْدَ نِسْيَانِهَا."

عَلِيُّ عِزَّتُ بِيغُوفِيتْش (Ali Izet Begović)

1- مقدمة: كيف نفسّر قيام مجموعات متوحّشة من البشر بممارسة أفظع مجازر التطهير العرقيّ والمذابح الدموية ضدّ مجموعات بشريّة عرقيّة ودينيّة مدنية آمنة؟ كيف يستطيع إنسان ما أن يمارس أشدّ أنواع القتل والتعذيب والفتك بالنساء والأطفال والشيوخ والأبرياء دون أيّ مبرّر أخلاقيّ أو إنسانيّ؟ وما يدعو إلى العجب أنّ هؤلاء القتلة يبتهجون ويفرحون ويهلّلون ويكبرون بعد تنفيذهم لجرائم الذبح والقتل والتطهير العرقيّ والطائفيّ ضد أناس مدنيون عزّل لا يحملون سلاحا ولا حول لهم ولا قوة. وقد شاهدنا عبر وسائل الإعلام ورأينا عبر الشهادات الأمميّة المصوّرة كيف تقوم الجماعات المتطرّفة بقطع رؤوس الأطفال وحرق النساء وقتل الشيوخ وشقّ البطون وأكل الأكباد. وقد رأينا بأمّ العين كيف تُقْتَل عائلات بأكملها بما فيهم الأطفال والنساء والشيوخ والرضّع دون رحمة أو استثناء. والأدهى من ذلك أنّ هؤلاء القتلة يفخرون بجرائمهم ضدّ الإنسانيّة ويتفاخرون ثم يحتفلون ابتهاجا، وقد صوروا أنفسهم وهم يحملون الرؤوس المقطوعة، يرقصون بها فرحا ويقذفونها في الهواء ابتهاجا، ويتلاعبون بها بأقدامهم لهوا، ثمّ يمثّلون بجثث ضحاياهم من الأمّهات المفجوعة والأطفال والشيوخ، وذلك كلّه دون أن تتحرّك فيهم أيّة بادرة للشفقة والرحمة الإنسانيّة. وقد شاهدنا كثيراً من هذه المشاهد في سوريا والعراق والسودان خلال حروب الإبادة الجماعيّة والتطهير العرقيّ الّذي نُفِّذ على أساس طائفيّ وعرقيّ ودينيّ وقوميّ. وما يزال هذا النشاط الدمويّ مستمرّاً واحتمالات انفجاراته قائمة دائمة. والسؤال العجيب الغريب المذهل كيف يمكن لإنسان أن يبتهج ويهلّل ويكبر ويغنّي وينشد وينتفض ابتهاجاً عندما يقطع رأس طفل ويشق احشاءه ويأكل كبده، أو عندما يقتل إنسانا حرقا أو رميا من الطوابق العليا و، الأدهى كيف تتجمد فيهم الإنسانية ليقوموا بقتل الأطفال وذبحهم والتمثيل بهم أمام أمّهاتهم وآبائهم.

والسؤال الّذي يطرح نفسه في المستوى السيكولوجيّ: ما البنية السيكولوجيّة لهؤلاء الوحوش، وكيف جُرِّدُوا من كلّ إحساس إنسانيّ أو أخلاقيّ؟ كيف تحوّلوا إلى كائنات تفوق الوحوش جميعها وحشيّة وضراوة ودموية؟ فالوحوش لا تقتل حبّاً بالقتل، وإنّما هو الإنسان وحده الّذي يتلذّذ بالقتل والتعذيب والقهر. ونحن نقرّ بأنّ وجود هؤلاء الوحوش ناجم عن أيديولوجيّات عرقيّة قمعيّة إباديّة سوداء. وأنّ هذه الأيديولوجيّات المظلمة هي الّتي تحوّل هذه الكائنات المتوحّشة إلى كائنات باردة جامدة لا تعرف الرحمة في القتل وسفك الدماء. وفي التاريخ الإنسانيّ تجارب كثيرة تدلّ على هذه الأنماط الوحشيّة من قدرة الإنسان على الفتك والقتل والتدمير. وإن كنّا نعلم علم اليقين أنّ التربية المتطرّفة والأيديولوجيّات العرقيّة والدينيّة السوداء تشكّل البوتقة الّتي يتشكّل فيها الإنسان الوحش المتطرّف الّذي لا يتورّع عن إبادة أطفال العالم ونسائه وشيوخه دفعة واحدة لو استطاع.

ويذكر في هذا السياق أن أولى حوادث التطهير العرقي في التاريخ الحديث جرت ضد الهنود الحمر بعد اكتشاف الأمريكتين(2)، ومن المعروف أن الجيوش الأوروبية أبادت أكثر من 80٪ من الهنود الحمر، وهم السكان الأصليين لأمريكا الشمالية، في عام 1846 وقد أُبيد 60 مليونًا من الهنود الحمر، وهي الإبادة العرقية الأخطر في التاريخ الحديث التي مهدت لقيام الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي أوروبا الحديثة، عاش روّاد مدرسة فرانكفورت، وجلهم من اليهود التطهير العرقيّ لأبناء جلدتهم، وقد شكّلت الأحداث الدامية في الهولوكست وأوشفيتز ضدّ اليهود أحد أهمّ العوامل في تطوّر نظريّاتهم النقديّة. وقد حاول هؤلاء المفكّرون، وعلى رأسهم أدونوا البحث العميق في طبيعة التطهير العرقيّ، وحاول أن يبحث في طبيعة التحوّل الوحشيّ للإنسان إلى قاتل بلا رحمة، وكان يخشى تكرار أوشفيتز ضدّ اليهود، ولم يكن يعلم أنّ أبناء جلّدته سيمارسون أنفسهم وحشيّة تفوق أوشفيتز في فلسطين وفي غزّة وفي مختلف مناطق فلسطين السليبة، وقد نفّذ قومه مذابح كثيرة يندى لها الجبين الإنسانيّ خجلاً في أرض كنعان الحبيبة.

وفي الأحوال كلها ما كان لأدورنو أن يوافق على أيّ من المواقف المضادّة للإنسانيّة في فلسطين أو في غيرها ضد بني الإنسان والإنسانية. في هذه المقالة المترجمة في الأصل عن محاضرة لأدورنو حول التربية والتطهير العرقيّ بعد أوشفيتز، يحلّل أدورنو طبيعة الممارسات التطهيريّة العرقيّة ضدّ البشريّة، ويبحث في العوامل التربويّة والتاريخيّة والسيكولوجيّة في تفسير قدرة البشر والكائنات الإنسانيّة على ممارسة الأفعال التطهيريّة ضدّ الإنسانيّة. ومن الطبيعيّ أن يمكننا أن نفهم كثيراً عن طبيعة التوحّش الإنسان ودور التربية في خفض هذا التوحّش المسعور في مجتمعاتنا وبلداننا.

ولم تكن مشاهد الإبادة العرقيّة والتطهير العرقيّ الرهيبة (الهولوكوست وأوشفيتز) في ألمانيا النازيّة نهاية تاريخيّة للمذابح البشرية في العصر الحديث، فالتطهير العرقيّ الدينيّ والإثنيّ والطائفيّ والسياسيّ لم يتوقّف حتّى اليوم، وما زالت المذابح العرقيّة والدينيّة تتواتر بدرجات ربّما لا تقلّ خطورة وأهمّيّة عن مذابح اليهود والفئات المهمّشة في ألمانيا النازيّة.

ولكن، عندما حدث التطهير العرقيّ ضدّ اليهود والأقلّيّات العرقيّة في أوروبا ألمانيا النازيّة انفجر المفكّرون اليساريّون غضباً وتشاؤماً ضدّ مظاهر هذه الإبادة العرقيّة التطهيريّة لليهود وغيرهم في الهولوكست، وفي معسكرات أوشفيتز الدمويّة. وقد عبر أدورنو المفكّر الثائر عن جام غضبه ويأسه وتشاؤمه وإحساسه بالكارثة ضدّ الإنسان والإنسانيّة، وقد تركت هذه المجازر في نفسه، وفي عقول {واد مدرسة فرانكفورت وأغلبهم من المفكّرين اليهود جرحاً غائراً في العقل والروح والوجدان. والسؤال الكبير الّذي طرحه أدورنو في زمنه هو: أين هو دور الثقافة والتربية في مواجهة هذا لأنماط من التطهير العرقيّ والطائفيّ بحقّ الأقلّيّات الدينيّة والعرقيّة والطائفيّة والمذهبيّة.

لقد استشاط ثيودور أدورنو (Theodor Adorno) (3) غضباً وحزناً وحاله مجال العندل الأسود عندما وجد أهل جلدّته وقومه اليهود يذبحون ويقتلون ويبادون في محارق الموت النازية. والأمر الّذي عظّم بلواه، وأخذه إلى حافّة الجنون أنّ الطبقة البرجوازيّة القومية الألمانيّة ساندت هذه الإبادات العرقيّة ضدّ اليهود ولم تمنعها، وكان من أكثر الأمور تدميراً للعقل والروح والوجدان أنّ طبقة واسعة من المثقّفين الألمان شجّعوا هذه المذابح وأيّدوها، ومن لم يفعل التزم الصمت والسكوت المدمّر الّذي لا يمكن وصفه إلّا بالصمت الإجراميّ المشارك في مأدبة التطهير العرقيّ. وكان عليه أن يبحث عن الأسباب والطريقة الّتي يمكن فيها إيقاف هذه المذابح الكبرى تاريخيّاً، وقد وجد أنّه يجب على المجتمع الدوليّ والإنسانيّ أن يقدّم كلّ ما يمكّنه من فعاليّات ثقافيّة وتربويّة وحقوقيّة، وكان يحلم بألّا تتكرّر كارثة أوشفيتز ومعسكراً التطهير في الهولوكست والغولاغ الشيوعيّة. وقد قاده التفكير إلى البحث عن الدور التربويّ للتربية والأنظمة الثقافيّة في توفير الأطر الإنسانيّة الّتي يمكنها أن تحول دون تكرار أوشفيتز وأمثالها في المجتمعات الإنسانيّة.

وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه الجرائم ضدّ الإنسانيّة (الهولكوست أوشفيتز الغولاغ السوفييتي) شكّلت صدمة أخلاقيّة كبرى دفعت الدول المنتصرة في الحرب العالميّة الثانية إلى التفكير في نظام دوليّ يمنع تكرار مثل هذه الكوارث الإنسانيّة، وقد نجم عن جهود هذه الدول ذلك صدور ميثاق الأمم المتّحدة الصادر في 26 يونيو 1945 في مؤتمر سان فرانسيسكو، ضدّ كلّ أشكال الإبادة العرقيّة، وقد جاء فيه "نحن شعوب الأمم المتّحدة، وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب... وأن نؤكّد مجددا إيماننا بحقوق الإنسان الأساسيّة، وبكرامة الفرد وقدره". ودخل هذا القرار حيّز التنفيذ في 24 أكتوبر 1945، أي بعد انكشاف معسكرات الإبادة النازيّة مثل أوشفيتز أمام الرأي العامّ العالميّ.

ولكنّ أحلام روّاد المدرسة النقديّة من مدرسة فرانكفورت، وعلى رأسهم أدورنو في إيجاد السبل لمنع حدوث هذه المجازر الكبرى ضدّ الإنسانيّة لم تتوقّف إلى يومنا هذا، ومع ذلك فإن التطهير العرقيّ وحروب الإبادة الجماعية لم تتوقّف أبداً بعد أوشفيتز (Auschwitz) وحتّى بعد صدور ميثاق الأمم المتّحدة والإعلان العالميّ لحقوق الإنسان. وقد تواترت هذه الحروب والمذابح ضدّ الإنسانيّة في عدد كبير من مناطق العالم، مثل الإبادة الجماعيّة في كمبوديا (1975–1979) الّتي وقعت خلال حكم نظام الخمير الحمر بقيادة بول بوت (Pol Pot). وقد قدّر عدد الضحايا هذه المجازر بقرابة مليوني إنسان، استهدفت هذه المجورة فئات اجتماعيّة وثقافيّة (متعلّمين، أقلّيّات دينيّة وعرقيّة) ومثّلت نموذجاً لـ«الهندسة الاجتماعيّة» الشموليّة القائمة على التطهير العرقي والطبقي.

وما زلنا نحتفظ في الذاكرة بالإبادة العرقيّة في رواندا عام 1994 الّتي ذهب ضحيّتها - خلال مئة يوم من القتال - نحو 800 ألف من أقلّيّة التوتسي (Tutsi) والهوتو (Hutu). وقد أدّى التحريض الإعلاميّ من خلال وسائل الإعلام والإذاعات والثقافة العنصريّة دوراً مباشراً في التعبئة على القتل والتطهير والإبادة ضدّ الإنسانيّة. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى مجزرة سربرنيتسا في البوسنة عام 1995، وهي واحدة من أبشع جرائم الإبادة في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية. لّتي وقعت في أثناء حرب البوسنة على أثر تفكّك يوغوسلافيا؛ وقد ذهب ضحيّة هذا التطهير العرقيّ الدينيّ أكثر من 8 آلاف مسلم بوسنيّ بدم بارد، في جريمة تطهير عرقي، وقعت في قلب القارة التي نصّبت نفسها حاميةً للتحضر، ومدافعة عن القيم الإنسانية، لكنها اختارت الصمت—و التواطؤ المقنع—حين دُفن الضحايا جماعياً تحت أعين قوات حفظ السلام الدولية. واعتبرتها المحكمة الجنائيّة الدوليّة هذا التطهير السابقة إبادة جماعيّة، وقد شكّلت اختباراً جديداً لفشل الحماية الدوليّة رغم وجود قوّات أمميّة.

وفي هذا السياق تقفز إلى الذاكرة الإبادة العرقيّة الّذي بدأت فصولها جنوب السودان عام 2003، وقد شهد هذه المنطقة أشكالاً مرعبة من الإبادات الجمعيّة، وقد تحوّل الصراع المسلّح في السودان إلى تطهير عرقيّ ضدّ جماعات إفريقيّة في إقليم دارفور قتل فيها مئات الآلاف، وتعرّض الملايين للنزوح. ولا يمكن للذاكرة البشريّة أن تنسى التطهير العرقيّ في ميانمار الّذي بدأ في 2017، ولم يتوقّف حتّى اليوم بعد ضدّ أقلّيّة الروهينغا (Rohingya) المسلمة في ولاية راخين، وقد شمل هذا التطهير عمليّات قتل وحرق قرى وتهجير جماعيّ إلى بنغلادش. وصفتها الأمم المتّحدة بأنّها تحمل «سمات الإبادة الجماعيّة.

ومن المهمّ في هذا المدار الإشارة إلى مذابح الإيزيديّين في سنجار العراق عام 2014 التي صنفت بأنها من أبشع أشكال الإبادة الجماعيّة والتطهير العرقيّ في القرن الحادي والعشرين من حيث وضوح القصد والطابع المنهجيّ للجرائم. ويذكر في هذا السياق أن تنظيم داعش (تنظيم الدولة الإسلاميّة) اجتاح منطقة سنجار الإيزيدية في 3 أغسطس من عام 2014، وبدأ مقاتلوه بتنفيذ أبشع الجرائم وأخطر أنواع التطهير العرقيّ ضدّ الإيزيديّين في المنطقة، وقام متطرّفو داعش بخطف النساء والأطفال والفتيات وبيعهنّ كسبايا في أسواق النخاسة، وجُنِّد الأطفال قسراً؛ ومن ثمّ تمّ حصار آلاف المدنيّين في جبل سنجار بلا ماء أو غذاء، وهو الأمر الّذي تسبّب موت الآلاف من الإيزيديّين بسبب العطش والجوع. وقد وصفت الأمم المتّحدة ولجان تحقيق مستقلّة أنّ ما جرى للإيزيديّين يرقى إلى إبادة جماعيّة وفق تعريف اتّفاقيّة منع جريمة الإبادة الجماعيّة. وتبيّن الإحصائيّات أنّ عدد القتلى بلغ نحو 3,000 – 5,000 قتيل في الأسابيع الأولى من الهجوم، وحوالي 6,000 – 6,800 شخص اختطفوا أغلبهم نساء وأطفال، وقد عثر لاحقاً على عشرات المقابر الجماعيّة في سنجار ومحيطها، وما زال آلاف المفقودين الّذين لا يعرف مصيرهم بعد، وقد تميّزت هذه الإبادة بالقتل الممنهج للذكور البالغين، والاسترقاق الجنسيّ المنظّم للنساء والمستضعفين والتهجير القسريّ والقتل النظم.

وفي السودان ما تزال هذه المذابح متنقّلة أبرزها مذابح الفاشر (أكتوبر 2025)، وقد ذهب ضحيّتها أكثر من 2000 شخص، بينهم مئات المرضى داخل مستشفى، ونزح نحو 26 ألفاً. وهناك تقارير تحدّثت عن إعدامات بدوافع عرقيّة ومقابر جماعيّة. في مذابح جلنقي (أغسطس 2024 – سنار) والهلاليّة (نوفمبر 2024) ومسجد الفاشر (سبتمبر 2025) الّذي تمّ فيه القضاء على 75 ضحيّة بطائرة مسيرة أثناء صلاة الفجر. وتقدّر ضحايا الحرب الأهليّة في السودان بأكثر من 20 ألف قتيل منذ 2023 وأكثر من 15 مليون نازح ولاجئ داخل السودان وخارجه.

وفي سوريا لم تتوقّف المذابح من عام 2011 حتّى يومنا هذا، ومن أبرز هذه المذابح مجزرة الحولة ومجزرة التريمسة والهجوم الكيميائيّ في الغوطة ومجزرة حيّ التضامن ومذابح وسجن صيدنايا. وتقدّر الإحصائيّات أنّ ضحايا هذه الحرب السوريّة بلغت أكثر من 500 ألف قتيل منذ 2011 وأكثر من 10 ملايين نازح ولاجئ. وما تزال هذه الحرب العرقيّة الطائفيّة مستمرّة في سوريا، وما زالت بعض الانتكاسات ذات البعد الطائفي والعرقي في الساحل السوريّ، وفي جبل العرب، وفي شرق الفرات على أشدّه ضدّ الأقلّيّات الدينية والعرقية وبعضها يستمر بطريقة خفيّة تحت عنوان " الحوادث الفرديّة".

لقد أولى أدورنو التربية أهمّيّة كبيرة وعلّق عليها آمالاً كبيرة في تحقيق الخلاص الإنسانيّ ضدّ القتل والإبادة والتطهير العرقيّ، وهو في معالجته لهذه المسألة يحمل التربية والثقافة أيضاً مسؤوليّات كبرى إزاء ما يحدث في هذا العالم من قتل وفتّك وتدمير. وقد ألقى محاضرته الشهيرة بعنوان " التربية بعد أوشفيتز" (Education After Auschwitz) في عام 1966 يبحث فيها عن العوامل النفسية والاجتماعية التي تؤدي إلى حرو الإبادة، ويقدم تحليلا مذهلا للعوامل التي تؤدي إلى افتتان الناس بقتل الآخرين وتعذيبهم. وفي هذه المناسبة يجب علينا أن نعرف بأن أدورنو يعدّ من أكثر المفكرين النقديّين خطورة وأهمّيّة في القرن العشرين وهو أحد أبرز روّاد مدرسة فرانكفورت. وقد احتلّ مكانة كبيرة جدّاً في الفلسفة والفكر والنقد الجماليّ في ألمانيا وأمريكا في القرن الماضي.

وتعدّ محاضرة أدورنو التربية بعد أوشفيتز (Education After Auschwitz)” (4) من أبرز النصوص التربويّة لدى الفيلسوف الألمانيّ تيودور ف. أدورنو (Theodor W. Adorno) (5)، وقد ألقيت هذه المحاضرة أصلاً في 18 أبريل/نيسان 1966 وتم بثّها عبر إذاعة ولاية هِسّن الألمانيّة (Hessischer Rundfunk)، وقد جاءت هذه المحاضرة في سياق التأمّل النقديّ حول الذاكرة التاريخيّة للمآسي النازيّة في ألمانيا ولا سيّما قضيّة الإبادة العرقيّة لليهود والأقلّيّات العرقيّة المهمّشة في أوروبا.

وقد نشرت هذه المحاضرة لاحقاً ضمن كتاب "التربية من أجل الاستقلاليّة" (Erziehung zur Mündigkeit)، الّذي صدر بعد وفاة أدورنو 1969، عن دار نشر زوهر كامب (Suhrkamp Verlag) في مدينة فرانكفورت أم ماين. ويضمّ هذا الكتاب مجموعة من محاضرات أدورنو ونصوصه ذات الطابع التربويّ-الفلسفيّ، حيث تتبلور رؤيته لمفهوم الاستقلاليّة النقديّة (Mündigkeit) بوصفه شرطاً أساسيّاً للتحرّر من آليّات الطاعة العمياء والخضوع السلطويّ وأنماط التكوين النفسيّ الّتي مهّدت تاريخيّاً لظهور الفاشيّة.

أمّا الترجمة الإنجليزيّة للنصّ بعنوان “التربية بعد أوشفيتز (Education After Auschwitz)” فقد ظهرت ضمن كتاب نماذج نقديّة: تدخّلات وكلمات مفتاحيّة (Critical Models: Interventions and Catchwords)، الصادر عام 1998 عن دار جامعة كولومبيا للنشر (Columbia University Press) في نيويورك، بترجمة هنري و. بيكفورد (Henry W. Pickford). وقد أسهم هذا الإصدار في إدماج النصّ ضمن النقاش الفلسفيّ الأنغلوسكسونيّ حول الأخلاق السياسيّة، والتربية النقديّة، ومسألة الحداثة بعد الإبادة. من الناحية الفكريّة، يعدّ هذا النصّ من أهمّ إسهامات أدورنو في الفلسفة التربويّة الحديثة، إذ يفتتحه بأطروحته الشهيرة: “إنّ المطلب الأوّل والأسمى على كلّ تربية هو ألّا يتكرّر أوشفيتز". تكمن أهمّيّة هذه العبارة في أنّها لا تضع هدفاً معرفيّاً تقنيّاً للتربية، بل تؤسّس مطلباً أخلاقيّاً-تاريخيّاً مطلقاً، يجعل من منع تكرار الكارثة معياراً أعلى لكلّ مشروع تعليميّ. وهنا تتحوّل التربية من مجرّد نقل للمعرفة أو تكوين مهارات إلى ممارسة نقديّة تسعى إلى تفكيك الشروط الاجتماعيّة والنفسيّة والثقافيّة الّتي تجعل العنف الجماعيّ ممكناً.

ويمثّل هذا النصّ امتداداً مباشراً لمشروع النظريّة النقديّة (Critical Theory) الّذي طوّره أدورنو ضمن إطار مدرسة فرانكفورت (Frankfurt School)، إلى جانب مفكّرين مثل ماكس هوركهايمر (Max Horkheimer). ففي هذا الأفق النظريّ، لا تفهم النازيّة بوصفها انحرافاً عرضيّاً عن مسار الحداثة، بل باعتبارها إمكانيّة كامنة داخل بنية العقل الأداتيّ (Instrumental Reason) والمجتمع الصناعيّ الحديث. ومن ثمّ، يغدو مطلب “عدم تكرار أوشفيتز (Auschwitz)” اختباراً جذريّاً لمصداقيّة التنوير (Enlightenment) ذاته، ولمدى قدرة التربية على إنتاج وعي نقديّ قادر على مقاومة الامتثال، والتشيّؤ (Reification)، وآليّات الهيمنة. وعليه، فإنّ “التربية بعد أوشفيتز (Education After Auschwitz)” لا تمثّل مجرّد نصّ تاريخيّ مرتبط بظرف ما بعد الحرب، بل تعدّ بياناً فلسفيّاً حول مسؤوليّة التربية في مواجهة العنف البنيويّ، ومساءلة دائمة للشروط الحضاريّة الّتي قد تسمح بانبثاق الكارثة من قلب الحداثة نفسها. وسنعمل فيما يلي على ترجمة هذه المحاضرة بتصرّف والتعليق عليها.

2- أدورنو والتربية بعد أوشفيتز(6):

يقول أدورنو في بداية محاضرته: إنّ المطلب الأوّل والرئيسيّ لكلّ تربية هو ألّا يتكرّر أوشفيتز (Auschwitz) مرّة أخرى. إنّ أهمية هذا المطلب وأولويته لا تحتاج إلى أيّ تبرير، وأعتقد أنّني لست بحاجة إلى تبريره، ولا ينبغي أن أفعل ذلك. وأنا لا أستطيع أن أفهم لماذا لم يمنح هذا الموضوع الخطير إلّا قدراً ضئيلاً من الاهتمام، على الرغم من أهمّيّته وخطورته. وإنّ كلّ نقاش حول التربية يتضاءل تماماً أمام أهمّيّة العمل على التفكير في تربية تضمن لنا ألّا تتكرّر مجازر أوشفيتز أبداً، لأن ما حدث في أوشفيتز يعدّ فعلاً همجيّاً ضد الإنسانية برمتها، ويجب على كلّ تربية أن تناهضه، وأن تكرّس نفسها في رفض كلّ أشكال العنف والمذابح والتطهير العرقيّ. وهو يحذّر في هذا السياق من أنّ عودة همجيّة أوشفيتز ستشكّل تهديداً مستمرّاً للإنسان والإنسانيّة في العالم. ويؤكّد أدورنو في سياق هذه المحاضرة على أنّ عودة الهمجيّة العرقيّة ممكنة دائماً ما دامت الشروط الأساسيّة الّتي ساعدت على حدوث هذا الفعل الهمجيّ قائمة دون تغيير. هنا يكمن الرعب كلّه، فالخطر ضدّ الإنسانيّة ما زال قائماً مع أنّ هذا الخطر يبدو لا يبدو لنا مرئيّاً في أيّامنا هذه. إنّه الخطر الذي يخيف البشر ويدفعهم إلى تجاهله خوفا منه , وقد بلغ هذا الخوف والرعب من الخطر بلغ ذروته على نطاق تاريخيّ عالميّ في الإبادة الجماعية لليهود في أوشفيتز.

وهنا، يتطرّق أدورنو إلى نظريّة فرويد (Freud) الّتي تمتدّ بتأثيرها إلى الثقافة والمجتمع، وقد عرف عن فرويد قوله إنّ الحضارة تنطوي في أعمقها على بذور فنائها، وهي أيضاً تنتج الأفراد الّذين يناهضون الحضارة ذاتها، وهؤلاء الطغاة المغامرون يشكّلون قوّة تتزايد مع نموّ الحضارة وقوّتها. وكان فرويد يشير حينها إلى الجماعات المتطرّفة الّتي تناهض الحضارة وقيمها من خلال القتل والإبادة والتطهير العرقيّ المستمرّ. وإذا كانت الهمجيّة حسب فرويد نفسها منقوشة بعمق داخل مبدأ الحضارة، فإنّ محاولة النهوض ضدّ هذه الهمجيّة محفوفة بالخطر(7).

إنّ أيّ تفكير في الوسائل الكفيلة الّتي يمكنها منع تكرار أوشفيتز يجب أن تنطلق من الثقافة والتربية. ولكن علينا دائماً أن نأخذ بعين الاعتبار أنّ البنية الأساسيّة للمجتمع ما زالت هي نفسها لم تتغير عما كانت عليه قبل خمسة وعشرين عاماً. لقد قتل ملايين الأبرياء قتلاً منهجيّاً. ولا يمكن لأيّ إنسان حيّ أن يصرف النظر عن هذه المآدب الدموية بوصفها ظاهرة سطحيّة، أو انحرافاً في مسار التاريخ يمكن تجاهله مقارنة بالديناميّة الكبرى للتقدّم والتنوير والنموّ المفترض للنزعة الإنسانيّة. إنّ وقوع مثل هذه المذابح أمر محتمل جدا وهو يعبّر عن نزعة مجتمعيّة عدوانية قويّة للغاية.

وهنا أودّ أن أتحدّث عن الإبادة الأرمنيّة (Armenian Genocide) خلال الحرب العالميّة الأولى الّتي تعدّ حدثاً مفصّليّاً في تاريخ العنف الجماعيّ والتطهير العرقيّ في القرن العشرين، وقد انعكست أصداؤها في الأدب العالميّ، ولا سيّما في رواية "الأربعون يوماً لموسى داغ" (The Forty Days of Musa Dagh) للكاتب النمساويّ فرانز فيرفل (Franz Werfel) (8)، وقد حقّقت انتشاراً واسعاً، وأسهمت في تعريف الرأي العامّ الغربيّ بالمأساة الأرمنيّة والتطهير العرقيّ الّذي تعرّضوا من قبل الدولة العثمانيّة في العقد الثاني من القرن العشرين(9).

وتعود هذه الأحداث إلى سنوات 1915–1917، حينما سيطرت "حركة تركيّا الفتاة" (Young Turk Movement)، على الدولة العثمانية وهيمنة جمعيّة الاتّحاد والترقّي (Committee of Union and Progress)، وقد ارتبطت القيادة الفعليّة الدمويّة آنذاك بشخصيّات مثل أنور باشا (Enver Pasha)، وطلعت باشا (Talaat Pasha)، وجمال باشا (Cemal Pasha). وتشير غالبيّة الدراسات التاريخيّة إلى أنّ سياسات الترحيل القسريّ، والمجازر المنظّمة، والتجويع، والمسيرات الصحراويّة نحو مناطق في بلاد الشام، أدّت إلى مقتل ما يزيد بكثير عن مليون أرمنيّ ذبحاً وقتلاً وتنكيلاً. وقد اعتبرت هذه الوقائع لاحقاً من أوائل نماذج "الإبادة الجماعيّة" (Genocide) في العصر الحديث، وأسهمت في بلورة المفهوم القانونيّ نفسه كما صاغه رافائيل لمكّين (Raphael Lemkin) في أربعينيّات القرن العشرين. وتكتسب هذه المأساة أهمّيّة خاصّة في الدراسات المقارنة للعنف الجماعيّ الدمويّ عبر التاريخ، إذ كثيراً ما تستحضر بوصفها سابقة تاريخيّة سبقت أوشفيتز (Auschwitz)، وأسهمت في كشف هشاشة النظام الدوليّ في منع الإبادات رغم الوعود الأخلاقيّة الّتي رافقت نشوء الحداثة السياسيّة.

يتطرّق أدورنو إلى مسألة اختراع القنبلة الذرّيّة (Atomic bomb)، القادرة على إبادة ملايين البشر بضربة واحدة، وقد وجد أنّ هذا الاختراع الرهيب ينتمي إلى السياق التاريخيّ ذاته الّذي بدأت فيه الإبادة الجماعيّة بالتوسّع والانتشار. فالنموّ السكّانيّ السريع في أيّامنا يسمّى انفجاراً سكّانياً (population explosion)؛ وكأنّ القدر التاريخيّ استجاب بالتحضير لانفجارات ذريّة مضادّة، أي القدرة على قتل شعوب بأكملها، كما حدث في هيروشيما (Hiroshima) وناغازاكي (Nagasaki) وإنّني أذكر هذا فقط للتلميح إلى مدى قوّة القوى الجنونيّة الجبّارة الّتي تهدّد الوجود الإنسانيّ، وهو الأمر الذي يجب العمل على تجنّبه في مسار تاريخ النضال الإنساني ضد العنف والدم.

وبما أنّ إمكانيّة تغيير الشروط الموضوعيّة- أي الاجتماعيّة والسياسيّة- محدودة للغاية اليوم، فإنّ محاولات العمل ضدّ تكرار مذابح أوشفيتز تظلّ بالضرورة مقصورة على البعد الذاتيّ. وأعني بذلك أساساً العمل على دراسة سيكولوجيّة الجلادين الّذين يرتكبون مثل هذه الأفعال ضد الإنسان والإنسانية. ولا أعتقد أنّ من المجدي كثيراً الاحتكام إلى قيم عاطفية وإنسانية لأن أولئك الميّالين إلى ارتكاب مثل هذه الفظائع لن يفعلوا إزاءها سوى هزّ أكتافهم. كما لا أعتقد أنّ التعريف بالصفات الإيجابيّة الّتي تمتلكها الأقلّيّات المضطهدة سيكون ذا فائدة تذكر. إذ ينبغي البحث عن جذور الشر في التكوين النفسي والأخلاقي للقتلة والسفّاحين. إنّ ما هو ضروريّ هو ما سمّيته في هذا السياق «الالتفات إلى الذات (Turn to the subject) إذ يجب معرفة الآليّات الّتي تجعل الناس قادرين على القيام بمثل هذه الأفعال الوحشية الشائنة، والعمل على استكشاف الأسس السيكولوجيّة البنيوية لمثل هذه الجرائم التاريخيّة. كما يجب تكريس الجهود الثقافيّة والسياسيّة والإعلاميّة لإيقاظ وعي الناس بخطورة ما يقومون بها من عنف وقتل وفتك وتدمير. وهذا يعني أنه لا بد من بذل الجهود الكبيرة من أجل منع الناس من أن يصبحوا قتلة وسفاحين مجدداً. فالضحايا ليسوا همّ المذنبين والملّامين كما يبدو للقتلة والسفّاحين، وما أكثر هؤلاء الّذين يميلون إلى تبنّي هذه الرؤية، (هنا يشير أدورنو بشكل غير مباشر إلى إدانة اليهود تبريراً لقتلهم في ألمانيا النازية، إذ كان النازيون يقدمون اليهود بوصفهم أصل الشرور الاجتماعية في العالم، وهنا يؤكّد أدورنو على أنّ الجلادين هم أولئك الّذين أقدموا على قتل ضحاياهم بلا تفكير ودون أي تأمل أو رحمة. وهنا يطالب أدورنو بالعمل ضدّ هذا التفكير الوحشيّ، ويرى ضرورة إقناع الناس تربويا وثقافيا بالعدول عن قتل الآخرين دون أن يتأمّلوا في فداحة ووحشيّة القتل وأعمال الإبادة).

إنّ التربية الوحيدة الّتي تحمل معانيها السامية هي التربية الّتي تدفع الناس نحو التأمّل الذاتيّ النقديّ (Critical self-reflection)، وقد أظهرت نتائج علم النفس العميق (Depth psychology) أنّ شخصيّة القتلة الّذين يرتكبون الفظائع تتكوّن بداية في مرحلة الطفولة المبكّرة؛ لذلك فإنّ التربية الساعية إلى منع التوحّش ضدّ الإنسان والإنسانيّة يجب أن تركّز على أهمية التربية في كراحل الطفولة المبكّرة. لقد أشرت (القول دائما لأدورنو) إلى أطروحة فرويد حول السخط في الثقافة (Civilization and Its Discontents) (10). غير أنّ ظاهرة العنف تمتدّ إلى أبعد ما فهمه فرويد، وذلك لأنّ ضغط الحضارة الّذي لاحظه قد تضاعف في الأثناء إلى درجة لا تحتمل. وفي الوقت نفسه، فإنّ النزعات الانفجاريّة قد اتّخذت شكلا عنيفاُ لم يكن سهلا للمرء أن يتنبأ به. إنّ السخط في الثقافة له أيضاً بعده الاجتماعيّ، وهو المر الّذي لم يغفله فرويد وإن لم يستكشفه بصورة ملموسة. ويمكن في هذا السياق الحديث عن رهاب الاحتباس لدى الأفراد في العالم المدار (Administered world)، (= القفص الحديدي عند فيبر ) هو إحساس وجوديّ بالاختناق داخل منظومة اجتماعيّة لا تترك منفّذاً حقيقيّاً للحرّيّة. فالإنسان قد يشعر بأنّه محاصر داخل أنظمة إداريّة واقتصاديّة شاملة، ومراقب ضمن شبكات تنظيميّة وتقنيّة، وقد تمّ تشكيله وفق معايير الامتثال والخضوع، وهذا يولّد شعوراً جمعيّاً بالضيق أو الانحباس. وبعبارة أخرى فالإنسان المعاصر يشعر بالانغلاق داخل بيئة مجتمعيّة محكمة النسج كالشبكة. وكلّما اشتدّ النسج، اشتدّت الرغبة في الهروب منه، غير أنّ شدّة النسج ذاتها تمنع أيّ هروب، وهذا ما يعمّق السخط على الحضارة فالتمرّد عليها قد يكون عنيفاً انفجاريا لا عقلانيّاً.

وقد أكّدت الأحداث التاريخيّة أنّ الانحباس الحضاريّ قد يتحوّل إلى اضطهاد وسخط موجّه ضدّ الضعفاء والمهمّشين وأكباش الفداء، فالمنحبس يختار هدفه على نحو خاصّ من بين الضعفاء اجتماعيّاً. ومن منظور سوسيولوجيّ، يمكنني القول إنّ مجتمعنا، في الوقت الّذي يحقق درجة عالية من الاندماج الداخلي والتماسك ولكنه يحتضن في الوقت ذاته نزعات نحو التفكّك. وتكمن هذه النزعات تحت سطح الحياة المنظّمة والمتحضّرة، وقد بلغت هذه النزعات درجة عالية من التطرف والعنف وهي تهدد بالانفجار في كل لحظة. إنّ الضغط الّذي يمارسه الكلّيّ الاجتماعي السائد على كلّ ما هو خاصّ، أي على الأفراد والمؤسّسات الفرديّة، يميل إلى تدمير الخاصّ والفرديّ معاً، وكذلك يعمل على تقليص قدرتهما على المقاومة. ومع فقدان الهويّة وقوّة المقاومة، يفقد الناس أيضاً تلك الصفات الّتي تمكّنهم من الوقوف ضدّ ما قد يغريهم في لحظة ما بارتكاب الفظائع من جديد. وربّما لا يكونون قادرين على إبداء المقاومة عندما تصدر السلطات القائمة مرّة أخرى الأمر لهم، ما دام ذلك باسم مثال يؤمنون به إيمان، قليلا أو لا يؤمنون به إطلاقاً.

عندما أتحدّث عن التربية بعد أوشفيتز (Education After Auschwitz)، فإنّني أعني مجالين: أوّلاً تربية الأطفال، ولا سيّما في مرحلة الطفولة المبكّرة؛ وثانياُ العمل على تنمية الوعي التربوي العام بالقيم الثقافية العليا والأخلاقية وتوفّير مناخ فكريّ وثقافيّ واجتماعيًّ يعزز قيم السلام والقيم الأخلاقية بطريقة تجعل من الاستحالة بمكان ارتكاب مذابح ضد الإنسانية كما حدث في أوشفيتز، أيّ مناخاً تصبح فيه الدوافع الّتي أدّت إلى الرعب واعية نسبيّاً بفداحة القتل والتنكيل بإنسانية الإنسان. وبطبيعة الحال، لا أستطيع أن أدّعي القدرة على رسم خطّة لمثل هذه التربية حتّى في خطوطها العريضة. غير أنّني أودّ على الأقلّ أن أشير إلى بعض مراكزها العصبيّة.

كثيرون- ولاسيما في الولايات المتّحدة- يرون إنّ السبب في ظهور النازيّة (National Socialism) وحتّى أوشفيتز (Auschwitz) هو أنّ الألمان كان لديهم ميل خاصّ للطاعة المطلقة، لكنّ هذا التفسير، في رأيي، بسيط وساذج أكثر مما ينبغي. صحيح أنّ الطاعة العمياء والسلوك السلطويّ ما زالا موجودين، حتّى داخل أنظمة ديمقراطيّة شكليّة في أوروبا وغيرها. لكنّ المشكلة أعمق من مجرّد " حبّ الألمان للسلطة". فالفكرة الأساسيّة هي أنّ الفاشيّة (Fascism) لم تنشأ؛ لأنّ السلطة كانت قويّة، بل لأنّ السلطة التقليديّة القديمة في الرايخ القيصريّ (Kaiserreich) انهارت فجأة. وعندها وجد الناس أنفسهم خارج النظام القديم الذي تداعى وسقط فجأة وذلك في الوقت الذي لم يكونوا مستعدّين فيها نفسيّاً لتحمّل تبعات الحرّيّة والمسؤوليّة الجديدة؛ إذ لم يكونوا مهيّئين لاتّخاذ قراراتهم بأنفسهم. وفي سياق آخر، عندما سقطت القيود الاجتماعية والأخلاقية القديمة، لم تتحوّل الحرّيّة إلى نضج سياسيّ بل إلى فراغ وخوف. ومن هذا الفراغ ظهرت أشكال جديدة من السلطة، لكنّها هذه المرّة كانت أكثر تطرّفاً وتدميراً.

إن النقطة الأهمّ هي أنّ عودة الفاشيّة ليست مسألة نفسيّة فقط، وليست مجرّد مشكلة في شخصيّة الناس أو ميولهم النفسيّة، بل هي قبل كلّ شيء مسألة اجتماعيّة تتعلّق ببنية المجتمع وظروفه الاقتصاديّة والسياسيّة. وهنا يجب التركيز على الجانب النفسيّ؛ لأنّ الجوانب الاجتماعيّة الكبرى- مثل النظام الاقتصاديّ وبنيّة السلطة- ليستا في متناول التربية أو الأفراد العاديّين بسهولة. وبإيجاز شديد فإن المشكلة ليست في حب الناس للطغيان وللطغاة بطبيعتهم، بل إن المجتمع عندما يفشل في إعدادهم لتحمّل الحرّيّة، يمكن أن يبحثوا عن سلطة قويّة تعفيهم من المسؤوليّة.

وكثيراً ما يكز بعض المفكرين حسنو النيّة على أهمية الروابط الاجتماعيّة والإنسانيّة، إذ يرون أنّ غياب الروابط الاجتماعيّة الإنسانيّة هو المسؤول عمّا جرى من حوادث عنف وتطهير عرقي. ومن حيث الواقع، فإنّ فقدان السلطة- وهو أحد شروط الرعب الساديّ-السلطويّ- مرتبط بهذه الحالة. ومن منظور الحسّ المشترك يبدو أنه من المعقول أن تقوم الروابط الاجتماعية بكبح النزعة الساديّة التدميريّة المخرّبة ورفضها. مع ذلك أؤكد أنّه من الوهم الاعتقاد بأنّ الاحتكام إلى الروابط الاجتماعية وحدها يمكنه أن يكون ذا جدوى وأهمّيّة كبيرة. فالروابط أو العلاقات الّتي تنشأ فقط من أجل تحقيق هدف معيّن، حتّى لو كان هدفاً جيّداً سرعان ما تبدو غير صادقة للناس. فعندما يطلب من الأفراد الانتماء أو التضامن بوصفه وسيلة لتحقيق نتيجة ما، لا بوصفه تجربة حقيقيّة لها قيمة في ذاتها، يفقد هذا الارتباط معناه الداخليّ وقيمته الإنسانية. فالروابط الإنسانيّة لا تكون أصيلة إذا كانت مجرّد أدوات، بل يجب أن تعاش بوصفها قيمة إنسانية سيكولوجية قائمة بذاتها، وإلّا سيشعر الناس بزيفها حتّى لو لم يعبّروا عن ذلك صراحة؛ إذ سرعان ما يحسّ المرء بعدم صدق الروابط الّتي تطلب فقط لكي تحقق نتيجة- حتّى لو كانت نتيجة حسنة- دون أن تعاش من قبل الناس بوصفها شيئاً ذا جوهر في ذاته. فالروابط المزعومة تتحوّل بسهولة إمّا إلى شارة جاهزة لقناعات مشتركة- يدخل المرء فيها ليبرهن أنّه مواطن صالح- أو تنتج ضغينة خبيثة قد تكون في المستوى السيكولوجي نقيض الغاية الّتي وضعت من أجلها. إنّها تؤدّي إلى الغيريّة (Heteronomy)، أيّ التبعيّة لقواعد ومعايير لا يمكن للفرد أن يبرّرها بعقله الخاصّ. فما يسمّيه علم النفس "الأنا الأعلى" (Superego)، أي الضمير، الذي قد يستبدل في هذه الحالة تحت اسم الروابط بسلطات خارجيّة قابلة للاستبدال وغير ملزمة في جوهرها، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في ألمانيا بعد انهيار الرايخ الثالث(11) (Third Reich)، غير أنّ الاستعداد ذاته للتواطؤ مع القوّة والخضوع ظاهريّاً للأقوى هو موقف المعذّبين القاهرين ( يقصد الذين يقومون بالمجازر). ولهذا فإنّ الدعوة إلى الروابط الشكلية أمر قاتل. فالناس الّذين يتبنّونها، يوضعون تحت نوع من الإكراه الدائم على طاعة الأوامر. ولذلك فإنّ القوّة الأصيلة الوحيدة الّتي تقف في مواجهة مبدأ أوشفيتز هي الاستقلاليّة (Autonomy) وقوّة التأمّل النقدي والقدرة على تقرير المصير ورفض الانصياع .

لقد مررت مرّة بتجربة صادمة للغاية: إذ بينما كنت في رحلة بحريّة على بحيرة كونستانس (Lake Constance) كنت أقرأ مقالا في صحيفة بادن (Baden) عن مسرحيّة «موتى بلا قبور" (Morts sans sépulchre) لجان بول سارتر (Jean-Paul Sartre) (12)، وهي مسرحيّة تعرض أهوالاً قاسية من التعذيب والعنف، وقد بدا لي أنّ الناقد الصحفيّ انزعج من عنف المسرحيّة، لكنّه لم يعترف بأنّ سبب انزعاجه هو الرعب الحقيقيّ الّذي تعكسه المسرحية، أي: رعب عالمنا نفسه. عوضا عن ذلك، لجأ إلى لغة وجوديّة متعالية ليهون من هول الموضوع، وكأنّ المهمّ هو الحفاظ على صورة «القيم العليا» لا مواجهة الواقع المخيف. والمشكلة هنا أنّ هذا الأسلوب يحوّل الانتباه بعيداً عن الرعب بدل أن يواجهه. فعوض الاعتراف بفظاعة ما يحدث في العالم، يلام من يكشف الرعب، أو يتحدّث عنه، وكأنّ الذنب يقع على من يصفه لا على من ارتكبه. وهذا الإنكار أو التلطيف هو بالذات ما يفتح الباب لتكرار الرعب، لأنّ ما لا يواجه بصدق يمكن أن يعود من جديد. وباختصار: لقد أراد الناقد، برطانة وجوديّة نبيلة، أن يتجنّب مواجهة الرعب. وهنا يكمن خطر أن يتكرّر الرعب، أن يرفض الناس السماح له بالاقتراب منهم، بل وأن يوبّخوا من يتحدّث عنه فحسب، كما لو أنّ المتكلّم - إن لم يلطّف الأمور- سيكون هو المذنّب لا المرتكبين للجريمة.

وفيما يتعلّق بمشكلة السلطة والهمجيّة، لا يسعني إلّا أن أفكّر في قضية وردت في ملاحظة في كتاب «دولة الإس إس" (The SS State) أو نظريّة الجحيم وممارسته: معسكرات الاعتقال الألمانيّة والنظام الكامن وراءها لـيوجين كوغون (Eugen Kogon) (13). يقول كوغون في كتابه هذا إنّ سجّاني معسكر الاعتقال كانوا في معظمهم شباباً من أصول ريفية. ويرى أنّ الفارق الثقافيّ بين المدينة والريف، الّذي ما يزال قائماً، هو أحد شروط الرعب، وإن لم يكن بالطبع الشرط الوحيد والأهمّ. لكنّ الفكرة ليست اتّهام الريف أو التقليل من شأن سكّانه. الكاتب يوضّح صراحة أنّه لا يقصد أيّ تعال طبقيّ أو ثقافيّ، ولا يريد أن يحمل الناس مسؤولية البيئة الّتي نشؤوا فيها. فالمقصود هو أنّ الفارق الثقافيّ بين المدينة والريف - من حيث مستوى الاحتكاك بالثقافة النقديّة، بالتنوّع الاجتماعيّ، وبالحداثة الفكريّة - قد يكون أحد الشروط الّتي سمحت بظهور القسوة، وإن لم يكن الشرط الوحيد أو الحاسم. ويستعمل الكاتب هنا مفهوم إزالة الهمجيّة (Debarbarization)، أي عمليّة التهذيب والتحضّر وتنمية الحسّ الإنسانيّ النقديّ. والفكرة هي أنّ هذه العمليّة ربّما لم تصل إلى بعض البيئات بالقدر نفسه، ممّا جعلها أكثر قابليّة لتقبّل الطاعة الصارمة والأنماط السلطويّة. حتّى وسائل الإعلام الحديثة مثل التلفزيون (Television)، بحسب هذا التحليل، لا تكفي وحدها لإحداث تحوّل عميق في الوعي إذا لم يكن هناك انخراط حقيقيّ في الثقافة النقديّة. وهذا يعني أنّ المسألة ليست في أنّ «الريف سبب الهمجيّة»، بل أنّ التفاوت في التطوّر الثقافيّ والاجتماعيّ يمكن أن يكون أحد العوامل الّتي تهيّئ بعض الأوساط لتقبّل السلطة العنيفة، إذا لم تقترن الحرّيّة بنموّ ثقافيّ وإنسانيّ عميق.

وباختصار يلاحظ الكاتب أنّ إزالة الهمجيّة (Debarbarization) ربّما كانت أقلّ نجاحاً في الريف منها في أيّ مكان آخر. وهنا أذهب إلى حدّ الادّعاء بأنّ أحد أهمّ أهداف التربية هو إزالة الهمجيّة عن الريف. غير أنّ هذا يفترض دراسة الوعي واللاوعي لدى السكّان هناك. وفوق كلّ شيء، ينبغي النظر في أثر وسائل الإعلام الجماهيريّة الحديثة على حالة وعي لم تقترب بعد من حالة الثقافة الليبراليّة البرجوازيّة في القرن التاسع عشر.

ولتغيير هذه الحالة من الوعي، لا يكفي نظام المدرسة الابتدائيّة العاديّ، الّذي يواجه مشكلات عديدة في البيئة الريفيّة. ويمكنني أن أتصوّر سلسلة من الإمكانات. إحداها—وأنا أرتجل هنا—أن تخطّط برامج تلفزيونيّة تراعي المراكز العصبيّة لهذه الحالة الخاصّة من الوعي. ثمّ يمكنني أن أتصوّر شيئاً مثل فرق تعليميّة متنقّلة وقوافل من المتطوّعين، يقودون سيّاراتهم إلى الريف ويحاولون، عبر مناقشات ودورات وتعليم تكميليّ، سدّ أخطر الثغرات. ولا أغفل حقيقة أنّ مثل هؤلاء لن يحظوا بالقبول إلّا بصعوبة كبيرة. لكن من يدري فقد تتشكّل حولهم دائرة صغيرة من الأتباع، ومن هناك يمكن للبرنامج التعليميّ أن ينتشر أبعد.

غير أنّه ينبغي ألّا ينشأ أيّ سوء فهم مفاده أنّ النزعة البدائيّة نحو العنف توجد أيضاً في المراكز الحضريّة، ولا سيّما في المدن الكبرى منها. إنّ النزعات الارتداديّة (Regressive tendencies)، أي الأشخاص ذوي السمات الساديّة المكبوتة، تنتج اليوم في كلّ مكان بفعل التطوّر العالميّ للمجتمع. هنا أودّ أن أعود إلى الفكرة التي عرضناها بالمشاركة مع هوركهايمر (Horkheimer) في كتابنا " جدل التنوير" (The Dialectic of Enlightenment)، وهي أنه عندما يتعرّض الجسد للتشويه أو القمع أو الإذلال، فإنّ وعي الإنسان يتأثر بوضعية الجسد، وقد يظهر تأثير التشوه الجسدي في سلوك يميل إلى العنف. ويمكن ملاحظة ذلك ببساطة في لغة بعض الأشخاص غير المتعلّمين، وخصوصًا عندما يشعر أحدهم بأنّه مُدان أو مُوبَّخ؛ إذ تتغيّر نبرة صوته، وحركات جسده، وطريقة تعبيره، وقد تظهر عليه علامات توتّر أو عدوانية. وبعبارة أبسط: عندما يُهان الجسد أو يُقمع، فإنّ هذا القمع يترك أثره في النفس والوعي، وقد يتحوّل إلى عنف في التعبير أو السلوك. كما لو أنّ الإيماءات اللغويّة تفصح عن عنف جسديّ بالكاد يضبط.

وهنا لا بدّ أيضاً من دراسة دور الرياضة (Sport)، الّذي لم يبحث بما فيه الكفاية من منظور علم نفس اجتماعيّ نقديّ. فالرياضة ملتبسة. فمن جهة، يمكن أن يكون لها أثر مضادّ للهمجيّة ومضادّ للسادية عبر اللعب النزيه (Fair play)، وروح الفروسيّة ومراعاة الضعيف. ومن جهة أخرى، فإنّ كثيراً من أشكالها وممارساتها يمكن أن تعزّز العدوان والفظاظة والساديّة، ولا سيّما لدى من لا يعرضون أنفسهم للجهد والانضباط اللّذين تتطلّبهما الرياضة، بل يكتفون بالمشاهدة: أي أولئك الّذين يصرخون بانتظام من على الهامش. وينبغي تحليل هذا الالتباس تحليلاً منهجيّاً. وبقدر ما تستطيع التربية أن تمارس تأثيراً، ينبغي تطبيق النتائج على الحياة الرياضيّة.

كلّ ذلك يرتبط، إلى حدّ ما، بالبنية السلطويّة القديمة، بأنماط السلوك الّتي يمكنني أن أقول عنها تقريباً إنّها أنماط «الشخصيّة السلطويّة التقليديّة (authoritarian personality) غير أنّ ما أنتجته مذابح أوشفيتز (Auschwitz)، أي الأنماط الشخصيّة الرهيبة لعالم أوشفيتز، يمثل على الأرجح شيئاً جديداً. فمن جهة، تجسّد هذه الأنماط الشخصيّة وضعية التماهيّ الأعمى مع الجماعة. ومن جهة أخرى، صيغت هذه الشخصيات كي تتلاعب بالجماهير والجماعات، كما فعل هيملر (Himmler) وهوس (Höss) وآيخما (Eichmann)، وأعتقد أنّ أهمّ سبيل لمواجهة خطر التكرار هو العمل ضدّ الغلبة الغاشمة لكلّ الجماعات الرهابية وتعزيز المقاومة لها عبر التركيز على مشكلة العقل الجمعيّ الّذي يعني غلبة منطق الجماعة على حساب الفرد. عندما تصبح الجماعة حزباً أو حركة أو أمّة أو طائفة، أو حتّى تنظيماً تقدّميّاً، عندها يفقد الأفراد حكمهم النقديّ، ويشعرون بالقوّة عبر الانتماء، والتخلّي عن المسؤوليّة الشخصيّة. وهنا تتم عمليّة التحوّل من "أنا أفكّر وأحكم" إلى "نحن نطيع ونتماهـى" (وفي هذا السياق نجد أن أدورنو لا ينتقد العمل الجماعيّ في حدّ ذاته، ولا التضامن. لكنّه ينتقد الذوبان غير النقديّ في الجماعة، حيث تصبح الهويّة الجمعيّة أهمّ من التفكير المستقلّ- المترجم).

الفكرة ليست نظريّة مجرّدة، لأنّنا نرى يوميّاً كيف يندفع الناس- خصوصاً الشباب وأصحاب الحماسة التقدّميّة- إلى الانضمام إلى جماعات وحركات مختلفة. المشكلة تبدأ من اللحظة الّتي تقبل فيها الجماعة الفرد عضواً فيها، إذ غالباً ما تفرض عليه ثمناً نفسيّاً أو جسديّاً كي يثبت انتماءه.

يكفي أن نتذكّر ما يحدث في بدايات الحياة المدرسيّة: الطفل الجديد قد يتعرّض للسخرية أو الاختبار أو الإذلال، حتّى يسمح له بالانضمام. هذه الطقوس ليست بريئة؛ فهي تعلم الفرد أنّ عليه تحمّل الألم أو الإهانة ليعترف به كواحد من الجماعة. والأمر نفسه يظهر في بعض «العادات الشعبيّة (Volkssitten) وطقوس الاستهلال، الّتي قد تتضمّن عنفاً جسديّاً أو إذلالاً باسم التقاليد. ومثل هذه الممارسات تدرّب الناس مبكّراً على تقبّل العنف الجماعيّ، وأنّها تشكّل تمهيداً نفسيّاً لما حدث لاحقاً في ظلّ الاشتراكيّة القوميّة الألمانية (National Socialism) ولهذا ليس غريباً أنّ النازيّين (Nazis) أنهم مجّدوا هذه التقاليد، وقدّموها باعتبارها تعبيراً عن «الروح الشعبيّة. وهذا كلّه يعني أنّ العنف الكبير لا يبدأ فجأة، بل يمهّد له من خلال عادات صغيرة تعلّم الأفراد الطاعة، وتحمّل الإذلال باسم الانتماء. ولذلك ينبغي نقد هذه التقاليد ودراستها علميّاً، حتّى لا تبقى هذه «المتع الشعبيّة» حاملة لبذور الوحشيّة.

وينتقد أدورنو ما يسمّيه «مثاليّة الصلابة (Hardness)، أي الفكرة التربويّة الّتي تمجّد القدرة على التحمّل القاسي وقمع الألم بوصفها علامة قوّة أو رجولة. هذه الفكرة أدت دوراً مهمّاً في التربية التقليديّة، ويضرب مثالاً من محاكمة أوشفيتز (Auschwitz trial)، حيث دافع أحد المتّهمين، بوغر (Boger)، عن تربية تقوم على الصرامة والانضباط عبر القسوة، معتبراً أنّ الصلابة تصنع «الإنسان الصحيح». لكنّ الكاتب يرى أنّ هذا المثال التربويّ خطير ومضلّل. لأنّ فكرة أنّ الرجولة (Virility) تعني أقصى درجات تحمل الألم تخفي في داخلها نزعة مازوخيّة (Masochism)، أي التلذّذ بتحمّل الألم، وهذه المازوخيّة يمكن أن تنقلب بسهولة إلى ساديّة (Sadism)، أي إلحاق الألم بالآخرين. فمن يعتاد أن يكون «صلباً» مع نفسه، وأن يكبت ألمه، قد يشعر بأنّ له الحقّ في أن يكون صلباً مع غيره أيضاً. وهكذا يتحوّل قمع الألم الشخصيّ إلى قسوة على الآخرين. وينتهي الأمر إلى تمجيد الصلابة، وهذا يعني في الواقع تعلّم اللامبالاة بالألم، سواء كان ألم الذات أو ألم الآخرين، لأنّ الحدود بينهما تصبح غير واضحة. ولهذا يدعو أدورنو إلى تربية مختلفة: تربية لا تمجّد تحمّل الألم بوصفه فضيلة عليا، بل تسمح بالاعتراف بالقلق (anxiety) بدل كبحه. فإذا لم يكبت القلق، وإذا سمح للإنسان أن يشعر به بوعي، فإنّ طاقته التدميريّة حين يكون مكبوتاً أو مزاحاً تضعف. أي أنّ الاعتراف بالخوف والضعف قد يكون شرطاً لتقليل العنف، لا العكس. وهذا يعني باختصار أنّ تمجيد الصلابة ينتج قسوة؛ أمّا الاعتراف بالقلق والضعف، فيمكن أن يحدّ من النزعات التدميريّة.

إنّ الأشخاص الّذين يندمجون في الجماعة بطريقة عمياء يحوّلون أنفسهم إلى شيء يشبه المادّة الخاملة، ويمحون أنفسهم كذوات قادرة على تقرير مصيرها. ويأتي مع ذلك الاستعداد لمعاملة الآخرين ككتلة عديمة الشكل. وقد سمّيت من يتصرّفون على هذا النحو "الطابع التلاعبيّ" (Manipulative character) (14) في كتابي "الشخصيّة السلطويّة" (The Authoritarian Personality)، وذلك في زمن لم تكن فيه يوميّات هوس (Höss) أو تسجيلات آيخمان (Eichmann) معروفة بعد. إنّ وصفي للطابع التلاعبيّ تعود إلى السنوات الأخيرة من الحرب العالميّة الثانية، وأحياناً يستطيع علم النفس الاجتماعيّ وعلم الاجتماع أن يبنيا مفاهيم لا يجري التحقّق منها تجريبيّاً إلّا لاحقاً. ويتميّز الطابع التلاعبيّ لقادة النازيّة بهوس كبير بالتنظيم والانضباط، وبعجز عن خوض أيّ تجارب إنسانيّة مباشرة، وبقدر من انعدام العاطفة، وبواقعيّة مبالغ في تقديرها. إنّه يريد مهما كان الثمن أن يمارس ما يظنّ أنّها سياسة واقعيّة (Realpolitik)، حتّى لو كانت وهميّة. لا يفكّر لحظة واحدة، ولا يرغب في أن يكون العالم مختلفاً عمّا هو عليه، بل هو مهووس بالرغبة في فعل الأشياء المطلوبة منه غير مبال بمضمون هذا الفعل. إنّه يصبح عبدا للتنفيذ تحت عنوان الكفاءة (Efficiency)، وإذا لم تخدعني ملاحظاتي، وإذا كانت عدّة بحوث سوسيولوجيّة تسمح بالتعميم، فإنّ هذا النمط أصبح اليوم أكثر انتشاراً ممّا يظنّ. فما كان آنذاك متجسّداً في عدد قليل من «الوحوش» النازيّة يمكن اليوم أن يؤكّد لدى أشخاص عديدين، على سبيل المثال لدى الجانحين الأحداث، وزعماء العصابات، وما شابه، ممّن نقرأ عنهم في الصحف كلّ يوم. وإذا اضطررت إلى اختزال هذا النمط من الطابع التلاعبيّ في صيغة - وربّما لا ينبغي فعل ذلك، لكنّه قد يسهم في الفهم- لسمّيّته نمط الوعي المشيّأ (Reified consciousness) فالأشخاص من هذا الطراز قد شبّهوا أنفسهم بالأشياء، ثمّ، حين تتاح الفرصة لهم ينظرون إلا الآخرين بصفهم أشياء أيضاً، وهو أمر شائع في عالم مثيري الشغب الشباب كما في عالم النازيّين. فهذا التعبير يعرف الناس بوصفهم أشياء. وأكتفي هنا بالإشارة إلى قول بول فاليري (Paul Valéry) قبل الحرب الأخيرة " إنّ اللاإنسانيّة (التوحش الإنساني) لها مستقبل عظيم. ومن الصعب بصورة خاصّة مكافحتها، لأنّ أولئك الأشخاص التلاعبيّين، الّذين هم في الواقع غير قادرين على التجربة الحقيقيّة، يظهرون لذلك بالذات لا استجابة تقرّبهم من بعض الشخصيّات المضطربة عقليّاً أو الذهانيّة (Psychotic)، ولا سيّما الشيزويديّة (Schizoids) (15).

في محاولة لمنع تكرار أوشفيتز (Auschwitz) يبدو لي أنه من الضرورة بمكان أن نكتسب قدراً من الوضوح بشأن الشروط الّتي ينشأ في ظلّها الطابع التلاعبي للشخصيّة، ثمّ يجب علينا العمل لتغيير تلك الشروط، وذلك من أجل تجنب أوشفيتز جديد. وأودّ أن أقدّم اقتراحاً ملموساً: أن نخضع الجلّادون في أوشفيتز للدراسة العلميّة بالوسائل كلها الّتي يتيحها العلم، ولا سيّما عبر تحليل نفسيّ طويل الأمد (Psychoanalysis)، بغية اكتشاف - إن أمكن ذلك – الكيفيات التي تتطور فيه هذه الأنماط البائسة من البشر. فقد يكون بوسع هؤلاء الأشخاص أن يفعلوا، على نحو يتناقض مع بنيتهم الشخصيّة ذاتها، شيئاً نافعاً. غير أنّ ذلك لا يمكن أن يتمّ إلّا إذا أرادوا التعاون في تقصّي نشأتهم هم أنفسهم. ومن المؤكّد أن حملهم على الكلام سيكون صعباً؛ ولا ينبغي بأيّ حال استخدام أيّ شيء يتّصل بأساليبهم الوحشية لمعرفة كيف أصبحوا ما هم عليه. ومع ذلك فهم، في إطار جماعتهم—وفي الشعور تحديداً بأنّهم جميعاً نازيّون قدامى معاً—يشعرون بأمان شديد بحيث أنّ بالكاد أحداً منهم أبدى أقلّ شعوراً بالذنب. ومع ذلك يفترض أنّه حتّى في داخلهم، أو على الأقلّ في داخل كثيرين منهم، توجد نقاط نفسيّة حسّاسة يمكن أن تفضي إلى تغيير هذا الموقف، مثل نرجسيّتهم (Narcissism)، أو بعبارة صريحة: غرورهم. فقد يشعرون بأهمّيّتهم إذا أتيح لهم أن يتحدّثوا عن أنفسهم بحرّيّة، كما فعل آيخمان (16)(Eichmann) الّذي سجّل فيما يبدو مكتبة كبيرة كاملة من الأشرطة التوثيقية. وأخيراً يمكن الافتراض أنّه عندما نبحث عميقا في بنية هؤلاء الأشخاص، فستكتشف وجود بقايا وآثار عميقة من الضمير، وعندما ندرك الشروط الخارجيّة والداخليّة الّتي تجعلهم ما هم عليه من توحش -إن جاز لي أن أفترض افتراضاً أنّ هذه الشروط يمكن بالفعل إظهارها- فسيكون بالإمكان استخلاص نتائج عمليّة يمكنها أن تحول دون تكرار الرعب. أمّا إذا كانت المحاولة ستفيد قليلاً أو لا، فلا يمكن معرفته قبل القيام بها؛ ولا أريد المبالغة في تقديرها. ويجب أن نتذكّر أنّ الأفراد لا يمكن تفسيرهم آليّاً بمثل هذه الشروط. ففي ظروف متشابهة يتطوّر بعض الناس على نحو معيّن، ويتطوّر آخرون على نحو مختلف تماماً. ومع ذلك فإنّ الجهد جدير بالمحاولة. فمجرّد طرح مثل هذه الأسئلة ينطوي بالفعل على إمكانيّة للمعرفة. إذ إنّ هذه الحالة الكارثيّة للوعي واللاوعي تتضمّن الفكرة الخاطئة القائلة إنّ طريقة وجود المرء الخاصّة هي «طبيعة»، معطى غير قابل للتغيير، وليست تطوّراً تاريخيّاً. وقد ذكرت أنّ مفهوم "الوعي المشيّأ" (Reified consciousness) هو قبل كلّ شيء وعي أعمى عن كلّ ماض تاريخيّ، وعن كلّ إدراك لكونه مشروطاً، ويضفي طابع المطلق على ما يوجد عرضاً. فإذا ما انكسر هذا الآليّة القسريّة يوماً ما، فأعتقد أنّ شيئاً حقيقيّاً سيكون قد تحقّق.

إنّ علاقتنا بالتقنيّة (Technology) ليست بسيطة أو محايدة، بل فيها جانب عقلانيّ وجانب خطير في الوقت نفسه. فمن جهة، من الطبيعيّ أن ينتج مجتمع حديث أشخاصاً «تقنيّين» منسجمين مع التكنولوجيا، لأنّ العالم اليوم يقوم على التقنيّة. هؤلاء قد يكونون أكفياء وأقلّ عرضة للخداع في مجالاتهم. لكن من جهة أخرى، هناك شيء مقلق في الطريقة الّتي يتعامل بها الناس مع التقنيّة: فهم لا يرونها كوسيلة تخدم الإنسان، بل كغاية في حدّ ذاتها. يسمّي أدورنو هذا "حجاب التقنيّة" (Veil of technology)، أي أنّ التقنيّة تغطّي على الغاية الحقيقيّة منها. المفترض أن تكون وسيلة لحياة إنسانيّة كريمة، لكنّها تتحوّل إلى شيء يفتن به الناس إلى درجة التقديس. وتظهر المشكلة هنا حين ينسى الشخص الغاية الإنسانيّة تماماً. فيمكن لمهندس أن يصمّم نظام قطارات بكفاءة مذهلة، دون أن يتوقّف لحظة ليسأل: إلى أين ينقل هؤلاء البشر؟ ماذا سيحدث لهم؟ هنا تصبح التقنيّة منفصلة عن الأخلاق. وهذا الأمر يرتبط بنوع من البرود العاطفيّ. وليس المقصود أنّهم بلا مشاعر، بل أنّ لديهم علاقة ضعيفة بالآخرين، أو علاقة ليبيديّة (Libidinal) ناقصة. فهم يجدون صعوبة في الحبّ، في التعلّق الحقيقيّ بالناس، لذلك يحوّلون طاقتهم العاطفيّة إلى الأشياء، إلى الأجهزة، إلى الآلات.

ويضرب مثالاً من أبحاث «الشخصيّة السلطويّة" (The Authoritarian Personality) الّتي أجريت في بيركلي (Berkeley)، حيث قال أحد الأشخاص: «أحبّ المعدّات الجميلة»، دون أيّ اهتمام بما تخدمه تلك المعدّات. حبّه موجّه إلى الآلات نفسها. المقلق أنّ هذا الاتّجاه ليس حالة فرديّة، بل يسير مع مسار الحضارة الحديثة كلّها، الّتي تمجّد الكفاءة والتقنيّة. مقاومته تعني، بطريقة أو بأخرى، مقاومة روح العصر نفسها. والخلاصة إنّ الخطر ليس في التقنيّة ذاتها، بل في أن تتحوّل إلى شيء يعبد، وأن تنسينا الإنسان. وعندما يصبح الإعجاب بالآلات أقوى من الاهتمام بالبشر، يمكن أن ترتكب فظائع بكفاءة تامّة—ومن دون شعور بالمسؤوليّة.

إنّ الوسائل والتقنيّة هي خلاصة وسائل حفظ النوع البشريّ لذاته ولذا فإنها تحظى بطابع التقديس بين الناس وهذا الأمر يحجب الغايات الأساسية لكرامة الناس وقيمتهم الإنسانية إذ يتم حجب هذه الجوانب الإنسانية عن وعي الناس. وليس واضحاً على وجه التحديد كيف يتجذّر تشيؤ التقنيّة (fetishization of technology) في سيكولوجيّة أفراد بعينهم، وأين تقع العتبة بين علاقة عقلانيّة بالتقنيّة وبين المبالغة في تقديرها وهو الأمر الذي يؤدّي في نهاية المطاف إلى أن ينسى شخص ما، وهو يصمّم بذكاء نظام قطارات ينقل الضحايا إلى أوشفيتز بأسرع ما يمكن وبأكبر قدر من السلاسة، ما الّذي يحدث لهم هناك. إنّنا مع هذا النمط—وبعبارة صريحة—بصدد أناس لا يستطيعون أن يحبّوا. وليس في ذلك معنى عاطفيّ أو وعظيّ، بل وصف لعلاقة ليبيديّة (libidinal) ناقصة بالآخرين. إنّ هؤلاء الأشخاص باردون بعمق؛ وفي داخلهم ينبغي أن ينكروا إمكانيّة الحبّ، وأن يسحبوا حبّهم من الآخرين قبل أن يتمكّن من التفتّح أصلاً. وأيّ قدرة على الحبّ تبقّى لديهم ينفقونها على الأجهزة. وقد زوّدتنا الشخصيّات المتحيّزة السلطويّة الّتي فحصناها في بيركلي (Berkeley) ضمن «الشخصيّة السلطويّة» (The Authoritarian Personality) بأدلّة كثيرة على ذلك.

وكما قلت، فإنّ هؤلاء الأشخاص باردون على نحو خاصّ. ولو لم تكن البرودة سمة أنثروبولوجيّة أساسيّة، أي جزءاً من تكوين البشر كما يوجدون فعليّاً في مجتمعنا، ولو لم يكن الناس غير مبالين بعمق بما يحدث للآخرين لما كان أوشفيتز ممكناً، ولما قبّله الناس. إنّ المجتمع في شكله الراهن—وكذلك كما كان منذ قرون—لا يقوم، كما افترضت الأيديولوجيا منذ أرسطو (Aristotle)، على الانجذاب أو التعاطف، بل على السعي وراء المصالح الخاصّة ضدّ مصالح الآخرين. وقد استقرّ هذا في طبع الناس حتّى أعمق مراكز وعيهم. وما يبدو مناقضاً لملاحظتي، أي «دافع القطيع» لدى ما يسمّى "الحشد الوحيد "، ليس إلّا ردّ فعل على هذه العمليّة: تكتّل أناس باردين تماماً لا يحتملون برودتهم الخاصّة، ومع ذلك لا يستطيعون تغييرها. إنّ كلّ إنسان اليوم، بلا استثناء، يشعر بأنّه محبوب أقلّ ممّا ينبغي، لأنّ كلّ إنسان لا يستطيع أن يحبّ بالقدر الكافي. إنّ العجز عن التماهي مع الآخرين (identify with others) كان بلا شكّ الشرط النفسيّ الأهمّ لحدوث شيء مثل أوشفيتز في وسط أناس متحضّرين نسبيّاً وأبرياء.

ما كان يسمّى "المرافقة" (Fellow traveling) أي أتباع النظام لا يوجد لديهم أيّ شعور أو رغبة في معارضة النظام وتعاونهم مع النظام لم يكن في الغالب نتيجة إيمان حقيقيّ، بل نتيجة مصلحة شخصيّة. الناس كانوا يفكّرون أوّلاً في سلامتهم وأعمالهم ومكاسبهم، ولذلك فضّلوا الصمت حتّى لا يتعرّضوا للخطر. هذا السلوك لم يكن استثناء في زمن الإرهاب، بل كان امتداداً لقاعدة عامّة في المجتمع القائم مفاده " على كلّ فرد أن يهتمّ بنفسه قبل كلّ شيء" (status quo). ويسمّي أدورنو هذا الإنسان "المونادة الاجتماعيّة " (Societal monad)وفقاً لتعبير الفيلسوف لايبنتس (Leibniz)، وتعني كياناً مغلقاً على نفسه، مستقلّاً، لا يتواصل مباشرة مع غيره، أي الفرد المنعزل الّذي يعيش كمنافس مستقلّ، لا تربطه بالآخرين علاقة تضامن حقيقيّة. هذه البرودة أو اللامبالاة بمصير الآخرين هي الّتي جعلت المقاومة نادرة جدّاً. فحين يعتقل أو يعذّب شخص ما، لا يتحرّك الآخرون، لأنّهم منشغلون بحماية أنفسهم. ولهذا يقول إنّ المعذّبين يعرفون ذلك جيّداً: فهم يعتمدون على عزلة الأفراد وبرودتهم. فهم يدركون أنّ الخوف والمصلحة الشخصيّة سيجعلان الأغلبيّة تلتزم الصمت. وباختصار فإنّ اللامبالاة الاجتماعيّة والانشغال بالمصلحة الخاصّة كانا من أهمّ الشروط الّتي سمحت للرعب بأن يستمرّ، لأنّ الصمت الجماعيّ كان نتيجة طبيعيّة لمجتمع يقوم على العزلة والمنافسة لا التضامن.

افهموني على نحو صحيح. أنا لا أريد أن أعظ بالحبّ، فالوعد به أمر عقيم؛ فلا أحد يملك الحقّ في الوعظ به، لأنّ نقص الحبّ، كما قلت من قبل، هو نقص يخصّ الناس جميعهم بلا استثناء كما هم موجودون اليوم. إنّ الوعظ بالحبّ يفترض سلفاً لدى من يخاطبون بنيّة شخصيّة مغايرة لتلك الّتي ينبغي تغييرها. فالدعوة الأخلاقيّة البسيطة إلى «المحبّة» لا تكفي لحلّ المشكلة. لماذا؟ لأنّ هذا النوع من الوعظ يفترض مسبقاً أنّ الناس يملكون القدرة الداخليّة على الحبّ، أيّ بنّيّة نفسيّة تسمح لهم بأن يحبّوا ويستجيبوا للحبّ. لكنّ المشكلة أنّ بعض الأشخاص - بسبب تكوينهم النفسيّ والاجتماعيّ - لا يملكون هذه القدرة أصلاً. فهم باردون عاطفيّاً، أو عاجزون عن إقامة علاقة إنسانيّة حقيقيّة. لذلك لا يستطيعون أن يحبّوا الآخرين، ولا يكونون بدورهم «قابلين للحبّ» بسهولة، لأنّهم لا ينفتحون عليه ولا يستقبلونه. وهذا يعني أنّه لا يمكن مطالبة شخص لا يعرف كيف يحبّ، ولم يتعلّم ذلك، بأن يصبح فجأة محبّاً لمجرّد أنّنا وعظناه بذلك، فالمشكلة أعمق من النصح الأخلاقيّ؛ إنّها تتعلّق بتكوين الشخصيّة وبالظروف الاجتماعيّة الّتي صنعت هذا البرود. وهذا يعني في نهاية المطاف أنّ الوعظ بالمحبّة لا يغيّر شيئاً إذا لم تتغيّر البنية النفسيّة والاجتماعيّة الّتي تجعل الناس عاجزين عن الحبّ أصلاً.

لقد كان أحد أعظم دوافع المسيحيّة (Christianity) هو القضاء على البرودة الّتي تتخلّل كلّ شيء. غير أنّ هذه المحاولة فشلت؛ ولعلّ السبب أنّها لم تنفذ إلى النظام الاجتماعيّ الّذي ينتج تلك البرودة ويعيد إنتاجها. وربّما إنّ ذلك الدفء بين الناس، الّذي يتوق إليه الجميع، لم يوجد أصلاً إلّا في فترات قصيرة جدّاً، وفي جماعات صغيرة للغاية، وربّما حتّى بين «المتوحّشين المسالمين" (peaceful savages) وقد أدرك الطوباويّون (Utopians)، الّذين يساء ذكرهم كثيراً، حقيقة هذه القضية وجوهرها وهكذا عرف شارل فورييه (Charles Fourier) الجاذبيّة» (Attraction) بأنّها شيء ينبغي أوّلاً أن ينتج عبر نظام اجتماعيّ إنسانيّ؛ كما أدرك أنّ هذا الشرط لن يكون ممكناً إلّا حين لا تكبت دوافع الناس، بل تشبع وتطلق. وإذا كان ثمّة ما يمكن أن يساعد ضدّ البرودة بوصفها شرطاً للكوارث، فهو الوعي بالشروط الّتي تحدّدها ومحاولة مكافحة تلك الشروط، بدءاً من مجال الفرد. وقد يظنّ أنّ كلّما حرم الأطفال أقلّ، وكلّما عوملوا معاملة أفضل، ازدادت فرصة النجاح. لكنّ الأوهام تهدّد هنا أيضاً. فالأطفال الّذين لا يعرفون شيئاً عن قسوة الحياة، وصلابتها يتعرضون حقّاً للهمجيّة عندما يغادرون بيئتهم المحميّة. وفوق كلّ ذلك، من المستحيل إيقاظ الدفء في الآباء أنفسهم، الّذين هم بدورهم نتاج هذا المجتمع ويحملون آثاره. إنّ الدعوة إلى إضفاء مزيد من الدفء على الأطفال تعني ضخّ الدفء بصورة مصطنعة، وبذلك إنكاره. ثمّ إنّ الحبّ لا يمكن استدعاؤه في علاقات تتوسّطها المهنة، مثل علاقة المعلّم بالتلميذ، والطبيب بالمريض، والمحامي بموكّله. الحبّ شيء مباشر، وهو في جوهره يتناقض مع العلاقات المتوسّطة. إنّ الدعوة إلى الحبّ- حتّى في صيغتها الآمرة، أي أنّ «يجب» على المرء أن يحبّ- هي ذاتها جزء من الأيديولوجيا الّتي تديم البرودة. فهي تحمل طابعاً قسريّاً ضاغطاً يعاكس القدرة على الحبّ. ولذلك فإنّ الخطوة الأولى هي أن تجلب البرودة إلى وعيها بذاتها، وبالأسباب الّتي نشأت منها.

وفي الختام، اسمحوا لي أن أقول بضع كلمات عن بعض الإمكانات لجعل الآليّات الذاتيّة العامّة، الّتي من دونها ما كان لأوشفيتز (Auschwitz) أن يكون ممكناً تقريباً، واعية. إنّ معرفة هذه الآليّات ضروريّة، وكذلك معرفة آليّات الدفاع النمطيّة (Stereotypical defense mechanisms) الّتي تحجب مثل هذا الوعي. من يقول اليوم إنّه لم يحدث، أو أنه لم يكن بذلك السوء، إنّما يدافع عمّا حدث، ومن غير شكّ سيكون مستعدّاً للمشاهدة أو للمشاركة إذا حدث ذلك مجدداً. وحتّى إن كان التنوير العقلانيّ (Rational enlightenment)، كما يعرف علم النفس، لا يزيل الآليّات اللاواعيّة بشكل فوري، فإنّه يعزّز، على الأقلّ فيما قبل الوعي (Preconscious)، بعض الدوافع المضادّة، ويساعد على تهيئة مناخ لا يفضي إلى أقصى التطرّف. فإذا ما تشبع الوعي الثقافيّ بأسره فعلاً بفكرة الطابع المرضيّ (Pathogenic character) للنزعات الّتي بلغت أوجهاً في أوشفيتز، فربّما تمكّن الناس من ضبط تلك النزعات على نحو أفضل.

وعلاوة على ذلك، ينبغي العمل على رفع الوعي بشأن إمكانيّة إزاحة (Displacement) ما انفجر في أوشفيتز. فقد يكون الحظ التعس غداً لجماعة من غير اليهود، مثل المسنّين الّذين جرى إعفاؤهم في الرايخ الثالث (Third Reich) (17)، أو المثقّفين، أو ببساطة جماعات منحرفة. وكما أشرت، فإنّ المناخ الّذي يعزّز أكثر من غيره مثل هذا البعث هو إحياء النزعة القوميّة (Nationalism) وهي شرّيرة إلى هذا الحدّ لأنّها، في عصر الاتّصال الدوليّ والتكتّلات فوق القوميّة، لم تعد قادرة على الإيمان بذاتها حقّاً، ولذا تضطرّ إلى المبالغة القصوى في ذاتها لكي تقنع نفسها والآخرين بأنّها ما تزال ذات جوهر.

إنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في مجرّد الكراهية الموجَّهة إلى فئة بعينها، بل في ترسّخ بنية فكرية واجتماعية تُمكّن من تصنيف البشر وفق معايير عرقية أو ثقافية أو نفعية، ثمّ تجريدهم تدريجيًا من إنسانيتهم، بحيث يُعاد تعريفهم بوصفهم عبئًا أو خطرًا أو عنصرًا غير منسجم مع النظام القائم. وعندما تتحوّل هذه الآلية إلى وعي جمعيّ وممارسة مؤسسية، يصبح الإقصاء أمرًا مبرَّرًا، وقد يُنظر إلى العنف أو التخلّص من «الآخر» باعتباره إجراءً مشروعًا أو ضرورةً تنظيمية. وهنا يتجلّى مكمن الرعب: فالإبادة أو الاضطهاد لا تنبعان دائمًا من انفعال عاطفي مباشر، بل من نظام تفكير يُشرعن نزع الصفة الإنسانية ويحوّل البشر إلى موضوعات قابلة للإدارة والحذف.

ومع ذلك يجب إظهار إمكانات ملموسة للمقاومة. فمثلاً ينبغي بحث تاريخ جرائم القتل الرحيم (Euthanasia murders)، الّتي لم ترتكب في ألمانيا بالحجم الكامل الّذي خطّط له الاشتراكيّون القوميّون (National Socialists)، وذلك بفضل المقاومة الّتي واجهها البرنامج. لكنّ هذه المقاومة كانت محصورة في الجماعة المعنيّة؛ وهذا تحديداً عرض واضح وشائع جدّاً للبرودة العامّة. غير أنّ هذه البرودة، فوق كلّ شيء، قصيرة النظر بالنظر إلى النهم الكامن في مبدأ الاضطهادات. فعمليّاً يمكن أن يحاول أيّ شخص لا ينتمي مباشرة إلى جماعة الاضطهاد؛ ومن ثمّ يمكن الاستناد إلى مصلحة أنانيّة صارخة.

وأخيراً، ينبغي التحقيق في الشروط الموضوعيّة التاريخيّة الخاصّة للاضطهادات. إنّ ما يسمّى بحركات "النهضة القوميّة" (National revival movements) في عصر أصبحت فيه القوميّة بطبيعتها أكثر نزعاً وقابليّة للممارسات الساديّة.

وينبغي في نهاية الأمر أن تتمحور كلّ تربية سياسيّة حول فكرة ألّا يتكرّر أوشفيتز أبداً. ولن يكون ذلك ممكناً إلّا إذا كرّست نفسها علناً، من دون خوف من إغضاب أيّ سلطات، لهذه المشكلة الأهمّ. ولتحقيق ذلك يجب أن تتحوّل التربية إلى سوسيولوجيا (sociology)، أي أن تعلم عن تفاعل القوى الاجتماعيّة الّذي يعمل تحت سطح الأشكال السياسيّة. وينبغي إخضاع مفهوم محترم مثل «مصلحة الدولة» (reason of state) لمعالجة نقديّة؛ إذ إنّ وضع حقّ الدولة فوق حقّ أعضائها يضع الرعب كإمكان قائم سلفاً.

3- خاتمة:

تتناول مقالة أدورنو إشكاليّة الإبادة الجماعيّة والتطهير العرقيّ الّتي تتمّ فصولها في العصر الحديث ولا سيّما بعد أوشفيتز. وقد أخضع أدورنو مظاهر التطهير العرقيّ ولاسيّما في أوشفيتز للدراسة والتحليل وقد درس أسبابها وتكوينها والعوامل السياسيّة والاجتماعيّة الّتي أدّت إلى حدوثاً وكان يأمل ألّا تتكرّر حوادث التطهير في أيّ مكان بعد أوشفيتز. وقد عوّل كثيراً على الثقافة والتربية والعوامل السياسيّة في منع حدوث مآس إنسانيّة جديدة على منوال أوشفيتز والهولوكوست. ولكنّ أدورنو الّذي توفّي في نهاية الستّينات (عام 1969) من القرن الماضي لم يعش ليرى بأم عيه مجازر إنسانيّة أشدّ هولاً وأخطر أثراً وأعظمّ توحّشاً ضدّ الإنسانيّة. لم يعش ليشهد الإبادات المعاصرة في كمبوديا ورواندا والبوسنة ودارفور وميانمار والعراق وسوريا والسودان.

لقد بيّن لنا أدورنو من خلال هذه المحاضرة بأنّ مذابح القرن العشرين لم تكن مجرّد انحراف عارض عبثيّ في مسار تطوّر الحضارة ـ وقد كشف لنا عن البعد الكامن للعنف في قلب الحداثة نفسها، بما تنطوي عليه من عقل أداتي (Instrumental Reason) وبيروقراطيّة تقنيّة وقدرة تنظيميّة هائلة يمكن أن تسخر لأغراض إباديّة.

ينطلق أدورنو في محاضرته المشهورة "التربية بعد أوشفيتز" الّتي ألقاها قبل وفاته بثلاث سنوات (1966) بوصفها استجابة فلسفيّة تربويّة لصدمة الإبادة ضدّ اليهود في ألمانيا. وقد أكّد أنّ «المطلب الأوّل لكلّ تربية هو ألّا يتكرّر أوشفيتز»، ويعني ألّا تتكرّر المذابح ربّما بحقّ أيّ طائفة أو ملّة عرقيّة. وقد عوّل في هذه المقالة على الأهمّيّة الكبرى الّتي تتحوّل فيها التربية من عمليّة نقل معرفة إلى مشروع أخلاقيّ-نقديّ يهدف إلى تفكيك الشروط النفسيّة والاجتماعيّة الّتي تجعل العنف الجماعيّ ممكناً.

يستعين أدورنو في مقالته هذه بأطروحة سيغموند فرويد، ولا سيّما ما ورد في كتابه المشهور قلق في الحضارة الّتي يبيّن لنا فيها التوتّر القائم بين الحضارة والعدوان الكامن فيها، وعلى هذا الأساس يحدّثنا أدورنو عن العالم المدار المحاط بسياج السيطرة والهيمنة وهو الانغلاق الّذي ينتج شعوراً وجوديّاً بالاختناق ورهاب الاحتباس الحضاريّ. وفي هذا السياق، يطرح أدورنو مفهوم "الوعي المشيّأ" (Reified Consciousness) و«الطابع التلاعبيّ" للشخصيّات السلطويّة بوصفهما أنماطاً نفسيّة تسهّل التماهي الأعمى مع الجماعة والتعامل مع البشر كأشياء. وتركّز المقالة كذلك على ظواهر مثل المونادة الاجتماعيّة والبرودة العاطفيّة واللامبالاة الجمعيّة، باعتبارها شروطاً نفسيّة واجتماعيّة سمحت باستمرار الرعب عبر صمت الأغلبيّة وانشغالها بالمصلحة الخاصّة.

وفي هذه المقالة يوجده أدونوا نقداً لمفهوم الصلابة التربويّة الّتي تمجّد قمع الألم، وتربطها بتحوّلات مازوخيّة-ساديّة تغذّي العنف. وتستعرض المقالة حوادث الإبادات بعد الحرب العالميّة الثانية، لتؤكّد أنّ صدور ميثاق الأمم المتّحدة (United Nations Charter) عام 1945 والإعلان العالميّ لحقوق الإنسان لم ينهيا منطق الإبادة والتطهير العرقيّ والمذابح العرقيّة الدوّارة، بل استمرّت أنماط هذا العنف ومتوالياته بأشكال مختلفة. وهذا يدلّ بالمطلق على هشاشة النظام الدوليّ وعجزه عن منع تكرار الكوارث الإنسانيّة.

تخلّص المقالة إلى أنّ تصوّر أدورنو بأنّ منع حروب الإبادة والعنصريّة أمر لا يمكن أن يتحقّق بمجرّد الوعظ الأخلاقيّ أو الدعوة الخالصة إلى المحبّة، بل يتمّ ذلك من خلال التربية النقديّة الّتي تعزّز الاستقلاليّة، والتأمّل الذاتيّ، والوعي بالبنى الاجتماعيّة المنتجة للعنف. ومن ثمّ لا بدّ من العمل على كشف الآليّات النفسيّة والدفاعيّة الّتي تبرّر النزوع الوحشيّ عند الأفراد إلى العنف والقتل، ويطالب في هذا السياق بتوظيف التحليل السوسيولوجيّ في التربية من أجل فهم أعمق وأشمل لمكوّنات العمليّة التربويّة. ويخلص أدورنو إلى أنّ التحدّي المركزيّ لا يتمثّل في إصلاح الأفراد فحسب، بل في مساءلة البنية الحضاريّة الّتي تجعل الإبادة العرقيّة إمكانيّة تاريخيّة دائمة. وعلى هذا النحو تقدّم المقالة قراءة نقديّة تربط بين مآسي القرن العشرين الدمويّة واستمرار العنف الدمويّ المعاصر ضدّ الأقلّيّات العرقيّة والدينيّة. وفي النهاية فإنّ السؤال الأدورنيّ ما يزال قائماً: إذ كيف يمكن للثقافة والتربية أن تمنعا عودة الهمجيّة في عالم يدّعي التقدّم؟

وخلاصة القول" إن هذه المحاضرة الفارقة لأدورنو تلقي الضوء اليوم على إشكالية المذابح والإبادات العرقية والطائفية والدينية التي تجري في مجتمعاتنا اليوم. وهي ترسم لنا خطة طريق لفهم العوامل والمتغيرات التي تعزز التوجهات نحو الإبادة العرقية ضد الأقليات الطائفية والدينية والعرقية.

ويمكننا أن نختتم بالمداخلة المعبرة لغوتيريش الأمين العام الأسبق لهيئة الأمم المتحدة الذي يفيد بأن "العالم خذل السكان المهددين بخطر الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتطهير العرقي" إن الأمثلة كثيرة، ونعرفها جيدا، لكنها لا تزال، حتى اليوم، آفة تتسبب في معاناة شديدة. وتفيد مداخلته أيضا بأن إن التغلب على الآثار المدمرة على الضحايا والمجتمعات المحلية والمجتمع ككل، والتعافي منها، يمكن أن يستغرق أجيالا. ويقول غوتيريش أيضا إن الإسراع في الاستجابة لعلامات الإنذار المبكر والاستثمار في الوقاية المبكرة يمكن أن ينقذ الأرواح ويدرأ تدمير مجموعات ضعيفة، كليا أو جزئيا. ثم يقول"حيثما نرى الناس يواجهون التمييز المنهجي أو يصبحون أهدافا للعنف، لا لشيء إلا بسبب من يكونون بحكم هويتهم، يجب علينا التحرك - للدفاع في آن معا عن أولئك الذين هم عرضة لخطر داهم وأولئك الذين يمكن أن يكونوا عرضة للخطر مستقبلا. وبإشاعة ثقافة قوامها السلام ونبذ العنف تشمل احترام التنوع وعدم التمييز، يمكننا إقامة مجتمعات قادرة على مواجهة خطر الإبادة الجماعية " (غوتيريش الأمين العام السابق للأمم المتحدة).

***

.......................

مراجع المقالة

(1)  - هيهاكا سابا (Heȟáka Sápa)   الملقب بالإيل الأسود نسبة إلى قبيلته هو زعيم روحي ومحارب: من قبيلة الأوغلالا لاكوتا (Oglala Lakota) من السكان الأصليين في أميركا الشمالية، وُلد عام 1863 في إقليم داكوتا. عُرف بصفته رجل دين تقليدي (Holy Man) في ثقافة قومه، شارك في معركة ليتل بيغ هورن عام 1876، وشهد مذبحة الركبة الجريحة (Wounded Knee) عام 1890 التي شكّلت نقطة تحوّل مأساوية في تاريخ شعبه. اكتسب شهرة عالمية بعدما قام الكاتب الأمريكي جون جي. نييهارت (John G. Neihardt) بإجراء مقابلات مطوّلة مع الأيل الأسود عام 1931، ثم صاغ شهادته ورؤاه الروحية في كتاب نُشر سنة 1932.  ومن ثم صدر كتابه بعنوان " الأيّل الأسود يتكلم: سيرة حياة رجلٍ مقدّس من قبيلة الأوغلالا سيوكس" (Black Elk Speaks: Being the Life Story of a Holy Man of the Oglala Sioux )،  ومع صدور هذا الكتاب أصبح الأيل الأسود رمزًا ثقافيًا وروحيًا لمعاناة السكان  الهنود الأصليين ومحاولتهم الحفاظ على هويتهم في مواجهة التوسع الاستعماري الأميركي.

(2)  - عندما وصل كريستوفر كولومبوس (Christopher Columbus) إلى جزر الكاريبي عام 1492، كان يظن أنه وصل إلى الهند عبر طريق غربي، فسمّى السكان الأصليين «Indios» أي «الهنود». ومن هنا انتقلت التسمية إلى اللغات الأوروبية.

(3) - ثيودور أدورنو (Theodor Adorno): فيلسوف وعالم اجتماع وناقد موسيقي ألماني، وُلد عام 1903 وتوفي عام 1969، ويُعدّ من أبرز مفكري "مدرسة فرانكفورت" (Frankfurt  School) في النظرية النقدية  (Critical Theory). اهتمّ بتحليل الحداثة، والعقل الأداتي (Instrumental Reason)، وصناعة الثقافة (Culture Industry)، وانتقد النزعات الشمولية والرأسمالية المتأخرة، معتبِرًا أنّ التقدّم التقني قد يتحوّل إلى أداة هيمنة إذا انفصل عن البعد الأخلاقي والإنساني. من أشهر أعماله "جدل التنوير" (Dialectic of Enlightenment)  الذي كتبه مع ماكس هوركهايمر، و"الجدل السلبي" (Negative Dialectics)، كما عُرف بمقاله الشهير «التربية بعد أوشفيتز"  (Education After Auschwitz)، التي نحن بصدد ترجمتها إذ  يشدّد  فيها على أنّ المهمة الأولى للتربية هي منع تكرار الكارثة والمحارق الدموية ضد الأقليات العرقية والدينية.

(4)- Theodor W. Adorno, “Education After Auschwitz,” in Critical Models: Interventions and Catchwords, (New York: Columbia University Press, 1998), pp. 191–204.

(5) - تيودور ف. أدورنو (Theodor W. Adorno) (1903–1969) فيلسوف وعالم اجتماع وناقد موسيقي ألماني، يُعد أحد أبرز أعلام مدرسة فرانكفورت (Frankfurt School) ومنظّري النظرية النقدية (Critical Theory) في القرن العشرين.

(6) - كل ما يرد تحت هذا العنوان تعريب لمحاضرة أدورنو: التربية فيما بعد أوشفيتز.

(7)- Sigmund Freud, Civilization and Its Discontents (1930), in The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud, vol. 21, translated by James Strachey (London: Hogarth Press, 1961; reprint 1975).

(8)- Franz Werfel, The Forty Days of Musa Dagh, translated by Geoffrey Dunlop (New York: Viking Press, 1934).

(9) - تدور أحداث رواية فرانتس فيرفل "الأربعون يومًا لموسى داغ (1933) في سوريا عام 1915، وتروي مقاومة الأرمن ضد قوات تركيا الفتاة الأكثر عددًا والأفضل تجهيزًا. تتحصن القوات الأرمنية في جبل موسى داغ أربعين يومًا، وبينما كانوا على وشك الهزيمة يُنقَذون بواسطة تدخل قوة بحرية أنغلو-فرنسي.

(10)- Sigmund Freud, Civilization and Its Discontents, translated by James Strachey (New York: W. W. Norton & Company, 1961).

(11) - الرايخ الثالث (Third Reich): هو الاسم الذي أطلقه النظام النازي على الدولة الألمانية في عهد هتلر (Adolf Hitler) بين عامي 1945–1933.، وتعني كلمة "الرايخ " بالألمانية (Reich ) الإمبراطورية أو الكيان السياسي الكبير. وقد سُمِّي “الثالث” لأن النازيين اعتبروا أنفسهم الامتداد التاريخي لإمبراطوريتين سابقتين تتمثل الأولى في الرايخ الأول ويمثل الإمبراطورية الرومانية المقدسة (962–1806)، ثم الرايخ الثاني ويمثل الإمبراطورية الألمانية (1871–1918).. وقد أطلق على الدولة النازية الرايخ الثالث (1933–1945).

(12)- Jean-Paul Sartre, The Victors, in Three Plays, translated by Lionel Abel (New York: Alfred A. Knopf, 1949).

(13)- Eugen Kogon, The Theory and Practice of Hell: The German Concentration Camps and the System Behind Them, translated by Heinz Norden (New York: Farrar, Straus and Company, 1950).

(14) - الطابع التلاعبي: يمثل شخصية تتماهى مع النظام إلى حد فقدان الذات، وتتعامل مع البشر كأشياء قابلة للاستعمال، ضمن عقل أداتي (Instrumental Reason) بارد ومنفصل. وهو ليس وحشًا استثنائيًا، بل نتاج اجتماعي وثقافي لعالم مُدار (Administered World) يقوم على التقنية والطاعة والتنظيم. زباختصار شديد: الطابع التلاعبي هو الإنسان الذي يرى البشر أدوات، ويرى نفسه أداة أيضًا، ويستبدل الضمير بالكفاءة.

(15) - (الشيزويدية (Schizoid) لا تعني الفصام (Schizophrenia)، بل تشير إلى ميل إلى العزلة الاجتماعية وبرود عاطفي وضعف الرغبة في العلاقات الحميمة وانكفاء إلى عالم داخليح أي أن الكلمة تشير إلى "شخصية ذات طابع انفصالي أو انعزالي" وليس إلى انقسام الشخصية بمعناه الشعبي.

(16) - أدولف أيخمان:(Adolf Eichmannh) قائد نازي كلف بمهمة ترحيل اليهود إلى معسكرات الإبادة خلال الحرب العالمية الثانية، أُلقي القبض عليه في الأرجنتين عام 1960، وتمت محاكته في القدس عام 1961، ثم أُعدم عام 1962. وقد حظيت شخصيته باهتمام علماء الاجتماع ولاسيما حنّة آرنت (Hannah Arendt) التي ألفت كتابا حول شخصيته بعنوان "آيخمان في القدس" (Eichmann in Jerusalem)، وهي في هذا الكتاب لم تصف أدولف آيخمان بالشيطان أو الوحش، بل صاغت مفهوم "تفاهة الشر" (Banality of Evil) لتبيّن لنا أنّه لم يكن ساديًا أو متعصبا ضد اليهود أو مدفوعًا بكراهية هستيرية بقدر ما كان موظفًا بيروقراطيًا محدود التفكير، ينفّذ الأوامر ضمن جهاز إداري دون تأمّل أخلاقي عميق أو مساءلة ذاتية. وبمعنى آخر، فإنّ أفعاله كانت شرّيرة بلا شك، غير أنّ شخصيته كما ظهرت في المحاكمة بدت عادية ومسطّحة فكريًا. وهنا يكمن الخطر الذي أرادت آرنت، وكذلك تيودور أدورنو (Theodor Adorno)، التنبيه إليه: فالشرّ لا يصدر دائمًا عن نوايا شيطانية استثنائية، بل قد ينتج عن تعطّل التفكير النقدي والخضوع الأعمى داخل منظومة بيروقراطية. لذلك يمكن القول إنّ فعله يُوصَف بالشرّ المؤكّد، أمّا توصيف شخصه بالشرّ المطلق فيظلّ موضع نقاش فلسفي.

(17) - في ظلّ الرايخ الثالث (Third Reich) داخل ألمانيا النازية (Nazi Germany)، لم يُستهدف المسنّون بوصفهم جماعة عرقية مستقلّة، لكنّ كثيرًا منهم تعرّضوا لإجراءات تمييزية وقمعية ضمن السياسات القائمة على فكرة «النقاء العرقي» و«الجدوى البيولوجية». فقد شمل برنامج «القتل الرحيم» المعروف باسم أكسيون تي4 (Aktion T4) عددًا من كبار السن، ولا سيّما أولئك المقيمين في المصحّات ودور الرعاية، أو الذين اعتُبروا مرضى مزمنين وغير قادرين على العمل والإنتاج. تعرّض بعضهم للقتل عبر الحقن السامّة أو التجويع المتعمّد أو النقل إلى مؤسسات شهدت استخدام غرف الغاز، بينما عانى آخرون من الإهمال الطبي وتقليص الحصص الغذائية وسحب الرعاية بحجّة أنهم «عبء على المجتمع». وقد استندت هذه السياسات إلى تصور أيديولوجي يرى قيمة الإنسان في إنتاجيته وقوته الجسدية، الأمر الذي جعل حياة المسنّين، خصوصًا الضعفاء منهم، مهدَّدة ضمن منطق تصنيفي جرّدهم من كرامتهم الإنسانية.

وأثره في حركة إصلاح الانظمة القانونية المعاصرة

اليقين القانوني مبدأ قانوني أساسي حديث نسبياً، يقتضي أن تكون المعايير القانونية واضحة، ذات نتائج قابلة للتنبؤ، ومستقرة تحمي المراكز القانونية والحقوق المكتسبة، ومتاحة للجميع.

أولاً-الهدف من المبدأ:

يهدف المبدأ الى؛

1- تأكيد ثقة المواطنين بالقواعد السارية من خلال تمكّينهم من توقع التبعات القانونية لأفعالهم دون مفاجأة غير متوقعة تمس حريتهم او اموالهم او طموحاتهم المشروعة.

2- حماية حقوق المواطنين المكتسبة من التعديلات والتغييرات التشريعية أو الإدارية المتكررة أو المفاجئة لضمان أمن واستقرار المعاملات والمراكز القانونية في المجتمع.

3- حماية الأشخاص طبيعيين كانوا أم معنويين من الآثار الجانبية السلبية للقوانين المتضخمة أو تعديلاتها بشكل مفرط، وعدم استقرار التفسيرات القضائية والادارية للقانون غير القابلة للتنبؤ، بما يجعل تطبيق مبدأ (الجهل بالقانون ليس حجة) ليس ميسوراً هو الآخر.

ثانياً- علاقة المبدأ بسيادة القانون:

يعد هذا المبدأ في الفكر القانوني المعاصر، جزءاً من مبدأ سيادة القانون وأحد مظاهر الحق الطبيعي الدستوري في  الحق بالأمن والإستقرار والثبات القانوني الذي يفترض ان يتمتع به جميع المواطنين، بإعتباره احد ثلاثية الغاية من القانون. (1)

وقد نص دستور جمهورية العراق لسنة 2005 في المادة المادة (15) منه على انه:

"لكل فرد الحق في الحياة والآمن والحرية، ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق او تقييدها الا وفقا للقانون، وبناء على قرار صادر من جهة قضائية مختصة".

ثالثاً- أصول المبدأ:

ترجع أصول هذا المبدأ تاريخياً الى المادة الثانية من اعلان حقوق المواطن الفرنسي لعام 1789، التي تضع الأمن بين الحقوق الطبيعية وغير القابلة للتقادم للإنسان على نفس مستوى الحرية والملكية ومقاومة الظلم، وفقاً للتفسيرات الحديثة لهذه المادة، التي ترى انه لايقصد بالأمن في هذا المقام جانبه المادي فقط، فهو يشمل اضافة الى الأمن القانوني الأمن الإقتصادي والصحي والتعليمي ....

ويعتبر الفقيه الالماني فيلهلم جوزيف بير من أوائل من تناولوا موضوع اليقين القانوني في كتابه " نظام النظرية السياسية العامة التطبيقية " الصادر عام 1810.

بينما وردت أول اشارة رسمية للمبداً بشكل واضح في  عام ١٩٥٣، حيث قضت المحكمة الدستورية الاتحادية في المانيا الاتحادية (بوجوب ضمان الدولة لليقين القانوني باعتباره عنصرًا أساسيًا من عناصر سيادة القوانين).(2)

وسبق ان قدّم الفقيه مونتسكيو توجيهات حول ضرورة التشريع الجيد، حيث أكّد أن "القوانين غير المجدية تُضعف القوانين الضرورية"، وأنه على الرغم من ضرورة تغيير بعض القوانين أحياناً، "إلا أنه ينبغي التعامل معها بحذر شديد" (روح القوانين، 1748).

أما بالنسبة لروبييه (النظرية العامة للقانون، 1946)، فإن "أول قيمة اجتماعية يجب تحقيقها هي اليقين القانوني".

ووفقًا للبروفيسور تشارلز فوترو-شوارتز وبينوا بلوتان، فاليقين القانوني هو "الشعور الذي ينبغي أن ينتاب كل مواطن عند سعيه لتحديد ما هو مسموح له أو ممنوع عليه فعله بموجب القانون الساري".

ورأى الاستاذ أرنولد وولفرز في وقت مبكر من عام 1952: إن "الأمن، بالمعنى الموضوعي، يقيس غياب التهديدات للقيم الأساسية (المكتسبة)، أو، بالمعنى الذاتي، غياب الخوف من تعرض هذه القيم الأساسية للهجوم".

ويرى الفقيه گوستاف رادبروش انه ينبغي على اي نظام قانوني أن يحقق ثلاث غايات أساسية هي: تحقيق العدالة، تعزيز المصلحة العامة، واليقين القانوني.

رابعاً - معايير إمتثال القوانين لمبدأ اليقين القانوني: وهي المعايير الثلاثة التالية:

1- سهولة الوصول: سواء بالوصول المادي وهو ما يحصل بنشر القوانين والتقنين، أو من الناحية الفكرية، أي القدرة على فهمه، وهو ما يتطلب أن يكون القانون واضحاً بما فيه الكفاية.

2- إمكانية التنبؤ: تُمكّن القدرة على التنبؤ المواطنين من توقع القاعدة القانونية التي تنطبق عليهم في موقف معين، مما يُتيح لهم اتخاذ خيارات مدروسة.

أما القانون غير الدقيق فقد يُعيق القدرة على التنبؤ.

فقوانين الضرائب في دول القانون، على سبيل المثال، تسمح بدرجة كافية من القدرة على التنبؤ بإحتساب الضريبة.

3- استقرار الحقوق والمراكز القانونية وعدم تأثرها برجعية القوانين على الماضي. والاستقرار من شروط القدرة على التنبؤ.

خامساً- اهمية المبدأ:

هو مبدأ جوهري يضمن استقرار المراكز القانونية من خلال صياغة نصوص تشريعية واضحة ومستقرة، تمكّن الأفراد والمستثمرين من فهم العواقب القانونية لأفعالهم وتوقعها مسبقاً ويساهم في تعزيز الثقة في النظام القانوني.

ويسعى مبدأ اليقين القانوني إلى مكافحة ما يلي:

1- تناقضات القوانين مع الدستور: إن سن قوانين تتضمن تعارضاً مع الدستور، ومن ثم ازدياد الطعن بها  امام المحاكم الدستورية يؤدي الى عدم اليقين القانوني بالنسبة للحكومة والأفراد على حد سواء.

2- عدم وضوح القوانين بشكل كاف: مما يغلب صفة التردد على اتخاذ القرارات الإدارية وتعدد الاستشارات القانونية، مما يؤدي الى ان يحجم الافراد عن بعض التصرفات والعقود خشية المساءلة.

3- الطبيعة غير المعيارية لبعض القوانين: وهي تلك القوانين التي تخرج عن المبادئ العامة للقانون وتأتي استثناءاً لها، اذ ينبغي أن تتوافق التشريعات مع الحقوق الأساسية للإنسان، مما يجعل القواعد القانونية معياراً أعلى حتى بالنسبة للمشرع نفسه.

4- التوسع في سن القوانين وتعقيدها او تخصصها المفرط ؛ وهذه ظاهرة شائعة في معظم الدول المتقدمة، وينبع هذا التعقيد أساساً من تعدد مصادر القانون المحلية والدولية، وظهور مجالات جديدة للنشاط البشري، والتقدم العلمي والتكنولوجي، والحرص على حماية الفئات الأكثر ضعفاً. وتبني امور  تنظيمية غالباً ما تكون مرتجلة استجابةً للمطالب المتضاربة للرأي العام.

5- الأثر الرجعي للقوانين الذي يقوض المراكز القانونية القائمة.

6- كثرة التعديلات على القوانين: مما يؤدي إلى إرباك تشريعي وعدم استقرار في المعاملات القانونية وخلق حالة من الغموض حول النية الحقيقية للمشرع.

مما يثير مصاعب تطبيقها والإلمام بها للموظفين والمحامين والأفراد، مما يزيد من احتمالات الفساد الإداري واستغلال السلطة التقديرية،

في حين يعدل القانون لمواكبة التطورات، فإن كثرتها المفرطة تجعلها غير فعالة وتحدث "تخبطاً" في النظام القانوني.

7- اختلاف التفسيرات القضائية للقوانين في فترات زمنية متقاربة : مما يؤدي إلى زعزعة الاستقرار القانوني، وفقدان الثقة في عدالة الأحكام، وإهدار مبدأ المساواة أمام القانون واضطراب المراكز القانونية، وصعوبة التنبؤ بالأحكام، وزيادة تكاليف التقاضي نتيجة عدم استقرار التفسير.

سادساً- عناصر اليقين القانوني:

وتتمثل بالعناصر التالية:

1- وضوح النصوص: يجب أن تكون القواعد القانونية مفهومة، دقيقة، وغير ملتبسة.

2- استقرار المراكز القانونية: منع المفاجآت التشريعية وضمان ثبات الحقوق والالتزامات.

3- قابلية التنبؤ: قدرة الأفراد على معرفة النتائج القانونية لتصرفاتهم

4- تعزيز الاستثمار: يشكل بيئة آمنة للمستثمرين (استقرار البيئة التشريعية).

سابعاً - اليقين القانوني مقابل المفاهيم الأخرى:

1- اليقين القانوني (التشريعي): يركز على جودة ووضوح النص القانوني نفسه.

2- اليقين القضائي: هو الحالة الذهنية للقاضي، التي يصل فيها إلى قناعة يقينية بوقوع حادثة معينة بناءً على الأدلة، مما يجعله أكثر ارتباطاً بالإثبات الجنائي.

3- اليقين العام: وهو  نتيجة مباشرة لليقين القانوني والقضائي، حيث يشعر المواطنين بالامن والأطمئنان عند استقرار المراكز القانونية ووضوح القواعد القانونية.

ثامناً - تطبيقات اليقين القانوني في فروع القانون المختلفة:

اولاً- تطبيقات المبدأ في الدساتير:

وتتمثل بما ياتي:

1- مبدأ سيادة القانون: أي خضوع الجميع (حكاماً ومحكومين) للقانون، وتطبيقه بعدالة ومساواة.

2- مبدأ الفصل بين السلطات: أي توزيع المهام بين السلطات الثلاث لمنع الاستبداد وتداخل الصلاحيات.

3- ضمان الحقوق والحريات: حماية الحق في الحياة، الحرية، الكرامة، التعبير، والمساواة أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس، العرق، الدين.

4- مبدأ الشعب هو مصدر السلطات، ويتم ممارستها عبر الانتخابات والآليات الديمقراطية.

5- الرقابة القضائية: وجود قضاء مستقل لضمان دستورية القوانين وعدم تجاوز السلطات.

6- المشروعية والديمقراطية: صياغة القوانين عبر ممثلي الشعب بأسلوب شفاف.

7- حماية المال العام ومكافحة الفساد المالي والاداري.

ثانياً- تطبيقات المبدأ في القانون الجنائي:

يعد مبدأ اليقين القانوني في القانون الجنائي حجر الزاوية لضمان العدالة، من خلال جملة ضمانات دستورية وقانونية وقضائية، وحماية حريات الأفراد من أي تعسف محتمل وتتمثل بما ياتي:

1- وضوح النصوص التشريعية: الجودة التشريعية وتجنب الغموض في النصوص الجنائية يمنع التضارب في التطبيق القضائي.

2- مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، لاجريمة ولاعقوبة إلا بنص. اذ يجب أن تكون النصوص القانونية محددة قانوناً، بحيث يستطيع الأفراد معرفة أفعالهم المباحة والمجرمة مسبقاً، مما يمنع التعسف في التفسير.

3- قرينة البراءة: يعتبر المتهم بريئاً حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي، مما يلقي بعبء الإثبات على التحقيق والادعاء العام بتقديم أدلة قطعية.

3- حظر التفسير الواسع والقياس،

4- الشك يفسر لصالح المتهم

5- ضرورة بناء الإدانة على الجزم واليقين لا الاحتمال.

6- تقدير الأدلة وحياد القاضي: لا يجوز للقاضي بناء حكمه على قرائن احتمالية متناقضة، او بناءاً على علمه الشخصي، بل يجب أن يصل إلى "اليقين القضائي" المستمد من أدلة قانونية مشروعة.

7- عدم رجعية القوانين الجنائية:

لا يطبق القانون الجنائي الجديد على أفعال وقعت قبل صدوره ماعدا الأصلح للمتهم، مما يوفر استقراراً قانونياً.

ثالثاً-  تطبيق المبدأ في القانون المدني:

وأهم هذه المبادئ:

1- مبدأ سلطان الإرادة: يمنح الأفراد الحرية في التعاقد وتحديدشروطهم، طالما لا تخالف القانون أو النظام العام.

2- مبدأ العقد شريعة المتعاقدين: يُلزم الأطراف بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في العقد، ويعتبره ملزماً كالقانون. مما يُعزز من الثقة بين الأطراف، ويضمن استقرار المعاملات، ويُقدم حماية قانونية للعلاقات التجارية والاستثمارية.

3- مبدأ حسن النية:يفرض على الأطراف التصرف بنزاهة، وعدم الغش، والتعاون في تنفيذ الالتزامات.

4- مبدأ المساواة: يضمن تساوي المراكز القانونية للأطراف المعنية في الحقوق والواجبات.

5- حماية الملكية والحقوق الخاصة: تنظيم طرق اكتساب الملكية وحمايتها من الاعتداء، بالإضافة إلى الحقوق المتعلقة بالشخصية (كالحق في الاسم).

6-المسوولية المدنية (العقدية والتقصيرية):

تُلزم من ألحق ضرراً بالغير (سواء بخرق العقد أو بفعل ضار) بالتعويض.

7- الأهلية القانونية: (أهلية الوجوب وأهلية الأداء) تحديد قدرة الشخص على مباشرة حقوقه المدنية، حيث يعتبر الشخص كامل الأهلية ببلوغه سن الرشد دون عوارض، مما يوفر الحماية له وللمتعاملين معه.

رابعاً- تطبيق المبدأ  في القانون الإداري:

اليقين القانوني في القانون الإداري هو مبدأ أساسي يضمن استقرار المراكز القانونية للأفراد  والحد من تعسف الإدارة.

ويمكن ملاحظة المبادئ التالية:

1- مبدأ المشروعية: أي خضوع كافة تصرفات وقرارات الإدارة للقانون.

2- مبدأ المساواة أمام المرفق العام، المساواة في الوظائف العامة، والمساواة أمام الأعباء العامة.

3- مبدأ التناسب: يجب أن يكون القرار الإداري متناسباً مع الهدف الذي يسعى لتحقيقه، ويظهر بوضوح في قرارات الضبط الإداري وتأديب الموظفين، حيث يحب ان يمون هناك تناسب بين الذنب الإداري والعقوبة الإنضباطية كما ان العقوبات الإنضباطية ذكرت حصراً مع إمكانية الطعن بها امام القضاء الإداري.

4- مبدأ حظر التعسف في إساءة استعمال السلطة: التزام الإدارة بعدم الانحراف بالسلطة أو استخدامها لأغراض غير التي حددها القانون.

5- ميدأ حسن الإدارة (الإدارة الرشيدة):

يشمل النزاهة، الشفافية، الاستجابة، ودعم المواطنين.

5- مبدأ حقوق الدفاع والإنصاف: احترام حقوق الأفراد في الدفاع عن أنفسهم والتقاضي، وحظر التحيّز.

6- مبدأ التوازن ببن المنفعة والأضرار: الموازنة بين مصلحة الإدارة وحقوق الأفراد، ويظهر في حالات نزع الملكية. والفكرة الحديثة تذهب الى انه في حالات طلب الإدارة نزع الملكية للمصلحة العامة، ينبغى على القاضي  دراسة التناسب بين المصلحة العامة في نزع الملكية ومبدأ احترام الحق في الملكية ايهما أوجب في كل حالة على حدة.

7- مبدأ التوقع المشروع (Legitimate Expectation):

في القانون العام أو الإداري، فإن التوقع المشروع هو ضمان قانوني لا لبس فيه وغير مشروط، حيث ينشأ التوقع عندما تقدم السلطة العامة وعوداً واضحة أو تمارس سلوكاً مستقراً يولد لدى الأفراد اعتقاداً معقولاً بانتفاعهم بإجراء أو نتيجة معينة، مما يمنع الإدارة من الإخلال بها تعسفاً.

على سبيل المثال، قدمت سلطة عامة ضمانًا قاطعًا بأنها ستتشاور مع المتضررين المحتملين قبل تغيير سياسة جوهرية، أو  قدمت سلطة عامة تأكيدًا قاطعًا بأنها ستحافظ على سياسة قائمة لشخص أو مجموعة معينة ستتأثر بشكل كبير بالتغيير.

إذا ثبت انتهاك هذا المبدأ، وكان عدم القيام بذلك يُعدّ ظلمًا أو إساءة استخدام للسلطة، فمكن للمحاكم إلغاء القرار الإداري أو إجبار الإدارة على احترام التزامها.

8- توفر اركان القرار الاداري:

تكمن أهمية توافر اركان القرار الإداري (الاختصاص، الشكل، السبب، المحل، والغاية) في ضمان مشروعيته وتوفر هذه الأركان حماية قانونية للأفراد وتؤكد مبدأ سيادة القانون واليقين القانوني وتحد من تعسف الإدارة.

9- مبدأ عدم رجعية القرارات الادارية.

خامساً: تطبيق المبدأ  قي قوانين الإجراءات القضائية، وتتمثل بما يأتي:

1- استقلال القضاء:  يضمن استقلال القضاء  أن يكون "اليقين القانوني" حقيقياً وليس صورياً، حيث يطبق القاضي  القانون دون الخضوع لتأثير السلطات الاخرى والافراد من ذوي النفوذ.

2- حق الدفاع ومناقشة اطراف الدعوى:

يعد حق الدفاع ركيزة أساسية لضمان "اليقين القانوني"  ويرتبط الحقان ارتباطاً وثيقاً، من خلال تمكين الخصوم من إبداء دفوعهم، واتاحة الحق بالإستعانة بمحامٍ والاطلاع على الملف مما يعزز اليقين بأن الأحكام القضائية مبنية على حقيقة راسخة.

3- علنية الجلسات: وهي ضمانة أساسية لتحقيق اليقين القانوني والقضائي تتيح للجمهور والخصوم مراقبة سير العدالة، مما يعزز الثقة في نزاهة الأحكام وتطبيق القانون، باستثناء حالات يقررها القانون لسرية الجلسات.

4- المساواة امام القضاء: يعد مبدأ المساواة أمام القضاء ومبدأ اليقين القانوني ركيزتين متكاملتين لسيادة القانون؛ حيث يضمن الأول معاملة الجميع دون تمييز، بينما يضمن الثاني وضوح القواعد القانونية وثباتها.

5- علاقة الطعن بالأحكام بمبدأ اليقين القانوني: هي علاقة "وسيلة بغاية"، حيث تهدف طرق الطعن (استئناف، تمييز) إلى تصحيح الأخطاء القضائية لتعزيز استقرار المراكز القانونية وتوقعات الأفراد العادلة. حيث يُعد الطعن ضمانة لتحقيق اليقين من خلال ضمان عدم "الا يضار الطاعن بطعنه"، ما يشجع على طلب العدالة دون خوف من الإضرار بالمركز القانوني.

6- قرينة البراءة ومبدأ اليقين القانوني: هما حجر الزاوية في المحاكمات الجنائية العادلة؛ إذ تفترض الأولى براءة المتهم (المتهم بريء حتى تثبت إدانته)، بينما يفرض الثاني على المحكمة إثبات الإدانة بأدلة قطعية لا تدع مجالاً للشك. فالعلاقة بينهما هي علاقة تكامل، حيث يظل المتهم بريئاً (قرينة) حتى يتحقق القاضي من إدانته يقينياً.

6- تسبيب الأحكام: وجوب أن تتضمن الأحكام والقرارات الأسباب القانونية والواقعية التي بنيت عليها.

7- مبدأ المواجهة بين الخصوم: يعد مبدأ المواجهة بين الخصوم وإعلام الأطراف بكافة إجراءات الدعوى ركيزة أساسية وعنصراً جوهرياً لا يتجزأ من مبدأ التقاضي القانوني (المحاكمة العادلة وحق الدفاع)، حيث يضمن علم الخصوم التام بطلبات ومستندات بعضهم البعض وإتاحة الفرصة للرد عليها، مما يحقق عدالة ونزاهة الإجراءات القضائية ويمنع المفاجأت.

8- الشرعية الإجرائية: لا يجوز اتخاذ إجراءات جنائية إلا وفقاً للقانون.

9- السرعة في التقاضي (الأجل المعقول):

إجراء المحاكمات دون تأخير غير مبرر، خاصة في حالة الموقوفين.

تاسعاً - آثار المبدأ:

اخذت اغلب الدول المتقدمة التي تعنى بسيادة القانون بمراجعة نظامها القانوني والقضائي لغرض التسهيل والتيسير على الأفراد، وقيل انه لكي يطبق مبدأ ( الجهل بالقانون ليس حجة) ان تكون القوانين والتفسيرات القضائية والإدارية متماسكة ومستقرة وان يكون من السهل على المواطنين الرجوع اليها وإدراك معناها.

1- آثار المبدآ في فرنسا: حيث يُمثل تعقيد القانون المعاصر وتضخم القوانين مصدر قلق دائم. فقد ندد مجلس الدولة الفرنسي عام 1991بتعقيد القانون نتيجةً للتكاثر غير المنضبط للنصوص، وتزايد عدم استقرار القواعد، وتراجع جودة التشريعات.

كما خصص مجلس الدولة تقريره لعام 2006 مرة أخرى لليقين القانوني وتعقيد القانون. وأعلن ان الصياغة التشريعية وحدها لا تكفي لإنتاج نصوص عالية الجودة ما لم تدعمها إرادة سياسية.

وأكد (نحن بحاجة إلى إيجاد طريقة أفضل للتوفيق بين متطلبات الابتكار والتكيف وبين الاستقرار الضروري للقانون).

2- آثار المبدأ في كندا: منذ عام 1995، تم تنفيذ إصلاح جذري لأساليب العمل الحكومي من خلال تطبيق برنامج لتحديث النشاط الحكومي، استناداً إلى تقييم دقيق لتكاليف وفوائد جميع التدخلات الحكومية، وإلى أساليب تطوير أي مشروع إصلاحي.

3- آثار المبدأ في المملكة المتحدة: حيث تتولى لجنة مشتركة بين الوزارات معنية بالإصلاح التنظيمي، برئاسة رئيس الوزراء، مسؤولية تقييم القرارات المقترحة وتوحيد صياغة التشريعات .

كما تم إنشاء هيئة استشارية مستقلة لتقديم المشورة للحكومة بشأن جميع اللوائح الجديدة استنادًا إلى مبادئ الشفافية والبساطة، وتناسب المعيار المقترح مع الاحتياجات التشريعية، واتساق التشريع الجديد مع الإطار التنظيمي العام.

4- آثار المبدأ في الولايات المتحدة الامريكية: فقد صدر قانون عام 1996 لإنشاء رقابة الكونغرس على جميع اللوائح، وصدر قانون آخر عام 1997 يلزم مكتب الإدارة والميزانية بتزويد الكونغرس بتقديرات لإجمالي التكاليف والفوائد السنوية للوائح الفيدرالية.

وترى المحكمة الدستورية الاتحادية الأمريكية أن تقييم آثار التشريعات يندرج ضمن حماية حقوق الإنسان الأساسية، وتُلزم المشرعين بتعديل قوانينهم عندما تثبت عدم دقة توقعاتهم.

5- اثار المبدأ في المانيا والدنمارك واسبانيا:

في ألمانيا بدلت جهودًا كبيرة لمراجعة التشريعات القائمة. وبالمثل، في الدنمارك، تم إلغاء العديد من مشاريع اللوائح بناءً على تحليلات التكلفة والعائد. وأخيرًا، في إسبانيا، أُدخل إصلاح جوهري على أساليب العمل الحكومي بموجب قانون سنة 1997. اوجب أن يتضمن كل مشروع قانون، بالإضافة إلى نصه وديباجته، تقريرًا عن ضرورة اللائحة وملاءمتها، ودراسة اقتصادية لتكاليف التدابير المقترحة، وتقييمًا لعملية التشاور، ورأيًا من مجلس الدولة، واستبيانًا لتقييم مشاريع اللوائح.

6- اثار المبدأ في المفوضية الأوربية (الاتحاد الأوربي)

عممت المفوضية ممارسة دراسات الأثر وإعادة إطلاق عملية تبسيط وتقنين "المكتسبات الأوروبية" في القانون وتحت تأثير السوابق القضائية للمحكمة الدستورية الألمانية، رسّخت محكمة العدل والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تدريجيًا مبادئ اليقين القانوني. فعلى سبيل المثال، أدخلت محكمة العدل في سوابقها القضائية "مبدأ التوقعات المشروعة"، الذي يهدف إلى الحد من إمكانية تعديل القواعد القانونية عند وجود التزامات من جانب السلطات المختصة، وذلك لحماية "التوقعات التي يحق عادةً لمن تُوجّه إليهم القواعد والقرارات أن يتمتعوا بإستقرار الأوضاع القائمة على أساس تلك القواعد أو القرارات، ولو لفترة معينة".

***

فارس حامد عبد الكريم

2026/2/20

...........................

The principle of legal certainty, its applications, and its impact on the reform of contemporary legal systems.

(1) تقوم غاية القانون على أساس من مبدأين أساسيين هما مبدأ أمن المجتمع واستقرار المعاملات (السكينة الاجتماعية)، ومبدأ تحقيق العــدل في المجتمع، تضاف إليهما غاية حديثة تبنتها التشريعات المتطورة هي غاية تحقيق التقدم الاجتماعي فكانت احد أعمدة النهضة في الحياة الإنسانية المعاصرة.

(2) عرفه مايزر في معجمه"محادثات" الصادر عام 1851 بأنه حالة "تحمي فيها الدولة حياة الفرد وحريته وشرفه وممتلكاته، بل وحقوقه كمواطن".

في عام (303 ه) ولد المتنبي في عائلة فقيرة جدا وخاملة جدا؛ فلم يحفل به أحد، أو يتوقع له أحد مستقبله الزاهر الذي صار عليه، وظلَّ يرفل بالنسيان والخمول، ويتجرع مرارتهما حتى ولدت فيه النقمة ثم الثورة. ويظهر خمول أسرته جليَّاً في عدم اتفاق المؤرخين والمترجمين الا على اسمه فقط (أحمد)، وقد أكَّد صحته ذكرُه إياه في شعره:

جمعتْ بين جسم (احمدَ)

والسقمِ وبينَ الجفونِ والتسهيدِ

واختلفوا في ابيه فقالوا (الحسين) و(محمد) و(عبدان) و(عيدان)، ولم يعددوا من اجداده غير جدين فقط مختلف فيهما؛ فهما (الحسن بن عبد الصمد) أو (مرة بن عبد الجبار)، فأي (أبتر هذا)!! وهو ردٌّ دامغ على من زعم انه علوي أو من اشراف العلويين. فالشريف الرضي مثلا يوصل مترجموه نسبه الى الامام الكاظم (ع) بسلسلة اجداد صحيحة لا خلاف فيها. ولم يذكر المتنبي اسم أحد أفراد اسرته في شعره عدا جدته التي رثاها بمرارة. ولم ينسَ أن يستحضر في رثائه قضية النسب والشرف وهو يرثي من لم يُنله ذلك، وكان ينتظره منه. وأشار الى وجود عائلة له عندما كان في (مصر) وفي (ايران). ولم يرثِ أباه لكونه معدما وبلا مجد.

ومثلما قلب عمر بن ابي ربيعة (معادلة الغزل) فجعل المحبوب يتغزل به وليس هو يتغزل بالمحبوب، قلب المتنبي معادلة (الفخر)؛ فالعادة أن يفخر الفاخر بآباء واجداد ذوي مجد للدلالة على كونه ماجدا، ولكن المتنبي يقول لكوني (الأمجد) فهو دليل على ان آبائي وأجدادي ذوو مجد حتما. قال:

وَلَو لَم تَكوني بِنتَ أَكرَمِ والِدٍ

لَكانَ أَباكِ الضَخمَ كَونُكِ لي أُمّا

أي (لو لم يكن أبوك أكرم والد، لكانت ولادتك لي بمنزلة أب عظيم تنسبين اليه). فاذا كان السائد (آباؤه عظام اذن هو عظيم)، ففلسفة المتنبي مقلوبها (هو عظيم اذن آباؤه عظام)!! وما دفعه الى وضع هذه النظرية الغريبة سوى أن آباءه غير عظام بل خاملون بالتمام. وقد صنعهم هو صنعا، وفرضهم فرضا، برغم التاريخ والحقيقة. ولم يكتف بأن يُبدئ العظمة به لتكون في نسله، بل يفجر العظمة تفجيرا عاصفا تجعله فيه، ومتقدمة في نسله، وراجعة الى أصله واجداده. فيمنح كلا الاتجاهين العظمة: أجداده وأبناءه. فجعل أجداده يتشرفون ويفخرون به وليس العكس هو الصحيح، في قوله:

لا بِقَومي شَرُفتُ بَل شَرُفوا بي

وَبِنَفسي فَخَرتُ لا بِجُدودي

وَبِهِم فَخرُ كُلِّ مَن نَطَقَ الضادَ

وَعَوذُ الجاني وَغوثُ الطَريدِ

إِن أَكُن مُعجَباً فَعُجبُ عَجيبٍ

لَم يَجِد فَوقَ نَفسِهِ مِن مَزيدِ

هذا قلب المعادلة؛ فأجداده هم يفخرون به وليس العكس. واجداده فخر العرب جميعا. وهو يقصد ان الذي يفخر بجدوده لا يجد شيئا شخصيا يفخر به. كما قال:

أنا ابن من بعضه يفوق أبا الباحث والنجل بعض من نَجَلهْ

وَإِنَّما يَذكُرُ الجُدودَ لَهُم

مَن نَفَروهُ وَأَنفَدوا حِيَلَهْ

نفروه أي غلبوه في الفخر، و(أنفدوا حيله) راحوا يبحثون في مجد اجدادهم لسد النقص في مجدهم الشخصي. وهي اشارة الى بحث الناس عن مطعن في حسبه ونسبه. وذكر علي بن المحسن عن أبيه قال: (سألتُ المتنبي عن نسبه فما اعترف لي به).

ومن أسباب خموله (الفقر المدقع) لأسرته، فقد كان ابوه سقَّاء يعيش على حمل الماء الى المحلة. وقد عيَّر العراقيون المتنبي بمهنة والده:

أي فضل لشاعر يطلب الفضل من الناس بكرة وعشيا

عاش حيناً يبيع في الكوفة الماء وحيناً يبيع ماء المحيا

وكان سبب عزوف المتنبي عن ذكره في شعره ورثائه، انه لم يجد باعثا على ذلك. ورثى جدته لامه وكان يسميها (أمه) لان امه ماتت فربَّته هي، وعلى عكس والده كانت معايشته لها واحتكاكه بها كبيرا مؤثرا. وكان يحبها حبا شديدا مفرطا كما يظهر من رائعته في رثائها، فقد جاء كأوار نار مستعرة من أعماقه السحيقة، ودموعه التي صبها بغزارة خلال الابيات كالوقود زادتها استعارا، ولم نشاهد للمتنبي عاطفة صادقة كما رأيناها في حبه ورثائه لجدته.

وأصل المتنبي (جعفي) وهي عشيرة يمنية ترجع الى (كهلان). ويؤكد ذلك ديوانه فغالبية ممدوحيه الاوائل قحطانيون. واعتذر لأحدهم، وقد قيل له ان المتنبي يذمك، فقال:

أبت لك ذمي (نخوةٌ يمنيةٌ)

ونفسٌ بها في مأزق أبداً ترمي

وأسرة المتنبي تتكون من أمٍّ ماتت عنه طفلا، وأبٍ مات عنه شابا، وجدة ماتت عنه كهلا، وكانت حسب المصادر (همْدانية صحيحة النسب ومن صلحاء النساء الكوفيات) وذكرت المصادر له من الاولاد ابنا واحدا هو (محسد) كان يسافر معه، وقتل معه في النعمانية. ولكن المتنبي في شعره يقدِّم صورة أوضح لأسرته وظروفها؛ فيؤكد ان له عائلة كبيرة تركها في الكوفة في أثناء طوافه بين الإمارات والدول وليس ولداً واحداً (هو محسد)، ففي شيراز، وكان ابنه معه، ذكر لعضد الدولة انتظار عائلته له في الكوفة:

وكم دون الثوية من حزين

يقول له قدومي ذا بذاكا

و(الثوية موضع في الكوفة). وقوله: (كم من حزين) يدل على عائلة كبيرة، ومحسَّد كان أكبر أبنائه، وقد استصحبه معه ليعينه على أموره في حلب، وفي رحلته المميتة إلى إيران حيث قتل معه. غير انه لم يأخذه معه إلى مصر بل فضَّل أن يعود إلى العائلة في الكوفة؛ لأنه لا يذكره في شعره ولا تذكره المصادر معه في مصر؛ والراجح انه رأى رحلته لمصر محفوفة بالمجازفات والكثير من الاستفهامات. كما ورد ذكر العائلة في شعره الذي قاله في سوريا وفي مصر؛ ففي حلب كان يستأذن الأمير لزيارة أهله في الكوفة (بشكل دوري) مما يعني ان وجود محسد معه ليس على الدوام:

إذن الأمير بأن أعود إليهم

صلة تسير بشكرها الأشعار

وفي مصر يذكر شوقه إليهم ولكنه لا يستطيع مواصلتهم لأنه ممنوع من السفر:

أحن إلى أهلي وأهوى لقاءهم

وأين من المشتاق عنقاءُ مغربُ

وهذا يدل على انه كان يفضّل إبقاءهم في الكوفة على أخذهم معه أينما ذهب، لأنه آمن لهم. كما يدل على أن المتنبي لم يجعل غاية طموحه (المال) بل (الملك) وإلا لحمل عائلته معه حيث يحل، واكتفى برفد الممدوحين وعاش حياة مستقرة مرفهة، وهذا يفسر أن شخوصه إلى حلب كان لنفس الغاية، وان سفره إلى كافور سببُه يأسُه من الملك جوار سيف الدولة فتركه؛ فهذا الذي اضطره إلى ترك أهله في الكوفة ومواصلتهم بين الحين والأخر.

المتنبي والمرأة

لابد من ذكر النساء في حياته، فقد تزوج مرة واحدة زواجا تقليديا من امرأة لم يذكرها في شعره. ورجَّح البعض انها من الشام، والصحيح انها من الكوفة لأنها بقيت في الكوفة ولم تبرحها حتى قتل المتنبي بنية العودة اليها. وقد تزوجها مبكرا وفي حياة جدته، فبقيت معها تقوم بأمرها وأمر اولادها، والمرجح انه تزوج بعمر (16) أو (17) سنة، واذا جعلنا ولادة محسد عام (320ه) أي بعمر (17) سنة للمتنبي فيكون عمر محسد عند اتصال المتنبي بسيف الدولة (17) سنة، وهي سن معقولة؛ لان المتنبي استصحبه معه. أما ما ذكر بأنه تزوج بعد عام (329ه) فهو خطأ لان عمر محسد بهذا سيكون في عام (337ه) (6 أو 7) سنوات فقط! فكيف يصحبه المتنبي معه بهذا العمر.

ووصف المتنبي بأنه (كان عزهاة لا تطَّبيه النساء = لا تستميله المرأة). وقد أخطأ محمود شاكر خطأ فاحشا حين زعم أن المتنبي أحب (خولة) أخت سيف الدولة، فالمتنبي ليس من رجال الحب كما قال:

وَغَيرُ فُؤادي لِلغَواني رَمِيَّةٌ

وَغَيرُ بَناني لِلزُجاجِ رِكابُ

تَرَكنا لِأَطرافِ القَنا كُلَّ شَهوَةٍ

فَلَيسَ لَنا إِلّا بِهِنَّ لِعابُ

يا عاذِلَ العاشِقينَ دَع فِئَةً

أَضَلَّها اللَهُ كَيفُ تُرشِدُها

بِئسَ اللَيالي سَهِرتُ مِن طَرَبي

شَوقاً إِلى مَن يَبيتُ يَرقُدُها

وسبب (اتهام) محمود شاكر المتنبي بعشق خولة، وهو في نظري ونظر المتنبي (اتهام باطل وخطأ قاتل) أنه أراد (قفشة اعلامية) وجديدا مبهرا لتسويق نفسه، فكل ادلته هراء في هراء. فعدم ذكر اسمها صراحة (أجلّ قدرك أن تسمي مؤبَّنة)  (كأنَّ فعلة لم تملأ مواكبها) سببه ان العرف العربي يأبى ذكر اسم المتوفاة، بينما يذكر اسم المتوفى، ولذا عرَّفها مكنِّيا:

يا أُختَ خَيرِ أَخٍ يا بِنتَ خَيرِ أَبٍ

كِنايَةً بِهِما عَن أَشرَفِ النَسَبِ

وكأنه قال على الطريقة العراقية في التعريف بالميتة (توفيت فلانة أخت خير أخ سيف الدولة، بنت خير أب حمدان)

وقوله:

طَوى الجَزيرَةَ حَتّى جاءَني خَبَرٌ

فَزِعتُ فيهِ بِآمالي إِلى الكَذِبِ

حَتّى إِذا لَم يَدَع لي صِدقُهُ أَمَلاً

شَرِقتُ بِالدَمعِ حَتّى كادَ يَشرَقُ بي

يَظُنُّ أَنَّ فُؤادي غَيرَ مُلتَهِبٍ

وَأَنَّ دَمعَ جُفوني غَيرُ مُنسَكِبِ

بَلى وَحُرمَةِ مَن كانَت مُراعِيَةً

لِحُرمَةِ المَجدِ وَالقُصّادِ وَالأَدَبِ

وَلا ذَكَرتُ جَميلاً مِن صَنائِعِها

الّا بَكَيتُ وَلا وُدٌّ بِلا سَبَبِ

قَد كانَ كُلُّ حِجابٍ دونَ رُؤيَتِها

فَما قَنِعتِ لَها يا أَرضُ بِالحُجُبِ

يا أَحسَنَ الصَبرِ زُر أَولى القُلوبِ بِها

وَقُل لِصاحِبِهِ يا أَنفَعَ السُحُبِ

وَأَكرَمَ الناسِ لا مُستَثنِياً أَحَداً

مِنَ الكِرامِ سِوى آبائِكَ النُجُبِ

فأقصى ما تفيد هذه الابيات التي فسرها شاكر بالحب: أنه فزع من خبر وفاتها وتمنى كذبه، فلما تأكد صدقُه بكى بكاء شديدا. وان سيف الدولة يظن انه غير حزين عليها! كيف؟ ولها حرمة رعاية الادب. وكان لها افضال عليه كلما ذكرها بكى بسبب تلك الافضال. وانها امرأة محجبة غير مبتذلة ولا تُرى الا بحجاب أتم من حجاب القبر فكيف قنعت بحجاب ايسر مما تعودت؟ ويا احسن الصبر زر اولى القلوب بحبها، وهو قلب اخيها الكريم الذي لا يقاس بكرمه الا اجدادُه الكرام. فأين الحب؟!!

فهذه الابيات رثاء تقليدي لخولة ومدح لسيف الدولة، وليس فيها عاطفة حب، ولو كانت لطغت بما لا يقبل اي شك، ولتنبه على ذلك القدماء. بل هي ابيات لا عمق عاطفيا فيها، لذا قال عنها العكبري (لا طائل تحتها). وقد لا نلوم محمود شاكر فالمتنبي عنده قدرة فائقة على الاقناع، تقول الشاعرة لميعة عباس عمارة: (والدارس لشعر المتنبي يقع في اخطاء ومطبَّات صنعها له المتنبي نفسه. كأن تجد بوحا لا يمكن أن يصدر الا عن تجربة حقيقية؛ لأنه يحمل عنف الصدق، وعمق التجربة. إذن فالمتنبي لابدَّ أن يكون كذلك. هذا استنتاج هيأه لك المتنبي نفسه فأوقعك فيه).

أما الابيات التي يعترف فيها بأنه أحب مثل (وعذلت أهل العشق حتى ذقته) فهي كغزله في مطالع القصائد التقليدية.

ولديه غزل صادق عام في البدويات غرضه اصلاحي هو توجيه نظر واهتمام الشباب الى العربيات البدويات وصرفهم عن الاجنبيات (الجواري والسراري)، فالعربيات جميلات وفصيحات بالفطرة، بينما الاجنبيات يتصنعن جمالا ويتكلفن كلاما:

مَنِ الجَآذِرُ في زِيِّ الأَعاريبِ

حُمرَ الحُلى وَالمَطايا وَالجَلابيبِ

ما أَوجُهُ الحَضَرِ المُستَحسَناتُ بِهِ

كَأَوجُهِ البَدَوِيّاتِ الرَعابيبِ

حُسنُ الحَضارَةِ مَجلوبٌ بِتَطرِيَةٍ

وَفي البَداوَةِ حُسنٌ غَيرُ مَجلوبِ

أَفدي ظِباءَ فَلاةٍ ماعَرَفنَ بِها

مَضغَ الكَلامِ وَلا صَبغَ الحَواجيبِ

وَلا بَرَزنَ مِنَ الحَمّامِ ماثِلَةً

أَوراكُهُنَّ صَقيلاتِ العَراقيبِ

واستعمل المتنبي المرأة رمزاً في ايران بقوله:

إِثلِث فَإِنّا أَيُّها الطَلَلُ

نَبكي وَتُرزِمُ تَحتَنا الإِبلُ

لَو أَنَّ فَنّاخُسرَ صَبَّحَكُم

وَبَرَزتِ وَحدَكِ عاقَهُ الغَزَلُ

وَتَفَرَّقَت عَنكُم كَتائِبُهُ

إِنَّ المِلاحَ خَوادِعٌ قُتُلُ

فهو يقول: أيتها العربية لو برزتِ وحدك لجيوش عضد الدولة لهزمتِه! فهو يريد أن يقول مكنيا ورامزاً: لو وقعت معركة بينكم وبين العرب، فالمرأة العربية وحدها تهزمكم. وعلق ابن جني على الابيات قائلا: (أنه كنى بذلك عن الهزيمة).

وباقي ذكر المرأة في شعره غزل تقليدي، فيه صنعة ومهارة كبيرة ولكن المرأة فيه (لوحة معلقة على جدار القصيدة) بلا روح.

طموحه

ولد طموح المتنبي من (نقمته)؛ وقد بدأت نقمته على حاله المزرية من وخمول ذكر. وكان يعيش في كنف ابيه (السقاء)، وبعد موت ابيه لم يكن غيره من يقوم بأعباء عيش العائلة. ويذكر المتنبي في شعره انه كان يقوم بأعمال شاقة مقابل القليل من الفائدة، وانه كان يتجشم اعباء السفر الكثير من اجل لقمة الكرامة. في قصيدة قال الواحدي انه قالها في صباه، يهذي المتنبي بشكواه من الفقر والجهد وحظه منحوس وهمته عالية:

أين فضلي إذا قنعتُ من الدَّهرِ بعيشٍ معجّل التنكيدِ

ضاق صدري وطال في طلبِ الرِزقِ قيامي وقل عنه قعودي

ابداً أقطع البلادَ ونجمي

في نحوسٍ وهمتي في سعودِ

ونقرأ له شعرا يمدح به صغراء الكوفة بهدف الحصول على المال القليل، كقوله في مدح شخص مجهول:

يا مَن لِجودِ يَدَيهِ في أَموالِهِ

نِقَمٌ تَعودُ عَلى اليَتامى أَنعُما

حَتّى يَقولَ الناسَ ماذا عاقِلاً

وَيَقولَ بَيتُ المالِ ماذا مُسلِما

إِذكارُ مِثلِكَ تَركُ إِذكاري لَهُ

إِذ لا تُريدُ لِما أُريدُ مُتَرجِما

ثم توسعت نقمته الى الثورة الشاملة على واقع الامة، والملوك الحاكمين. ورأى أن سبب التردي يعود الى ناس خانعين وملوك غير مستحقين. وقد وصف حال الناس بأنهم لا همة لهم ولا طموح. ورأى الطلل الاولى بالبكاء عليه، ليس طلل الحبيبة الراحلة، بل (الهمم الراحلة) منذ زمان جدِ بعيد، وبكاؤها ليس باستذكارها وتوديعها بل باستحضارها واعادتها:

أَحَقُّ عافٍ بدَمْعكَ الهِمَمُ

أَحْدَثُ شيءٍ عَهْداً بها القدَمُ

وعوضا عن همة الثورة عاشوا (الحالة الدونكيشوتية)، ف(دون كيشوت) كان غير قادر على المواجهة والتغيير، لذا فهو يهرب من المعارك الحقيقية الى معارك وهمية، فيهجم بلا هوادة على قطعان البقر، أو على طواحين الهواء!! وهكذا جيله فقد هاجم اثنان جرذا حقيرا وقتلاه، ثم تفاخرا بقتله وصار كل منهما يدّعي انه قتله:

لَقَد أَصبَحَ الجُرَذُ المُستَغيرُ

أَسيرَ المَنايا صَريعَ العَطَبْ

رَماهُ الكِنانِيُّ وَالعامِرِيُّ

وَتَلّاهُ لِلوَجهِ فِعلَ العَرَبْ

كِلا الرَجُلَينِ اِتَّلا قَتلَهُ

فَأَيُّكُما غَلَّ حُرَّ السَلَب

وَأَيُّكُما كانَ مِن خَلفِهِ

فَإِنَّ بِهِ عَضَّةً في الذَنَب

وتلك (سخرية هذا الغلام الثائر من همة رجلين قتلا جرذًا) كما قال الواحدي. وفي موقف آخر يصف الناس بانهم صغار النفوس ضخام الاجسام، والمعارك الطاحنة التي يقومون بها يومية، ولكنها ليست في سوح الشرف والبطولة، ولا يسقطون فتلى عن خيولهم، بل هي معارك في داخل بطونهم، واعداؤهم الاكل ينقضون عليه فلا يبقون منه بقية، فهم يموتون تخمة وليس قتلا. ومدنهم عامرة الا من الكرام:

وَدَهرٌ ناسُهُ ناسٌ صِغارٌ

وَإِن كانَت لَهُم جُثَثٌ ضِخامُ

بِأَجسامٍ يَحَرُّ القَتلُ فيها

وَما أَقرانُها إِلّا الطَعامُ

وَخَيلٍ ما يَخِرُّ لَها طَعينٌ

كَأَنَّ قَنا فَوارِسِها ثُمامُ

بِأَرضٍ ما اِشتَهَيتَ رَأَيتَ فيها

فَلَيسَ يَفوتُها إِلّا الكَرامُ

والحقيقة ان المتنبي كان لديه طموحان: الثروة والملك. وكان الغنى أهون طموحيه هذين، ولكنه سعى اليه بكل ما عنده من طاقة، انتقاما من الفقر المزمن لعائلته، ولإسعاد عائلته، وله فيه مآرب أخرى ستتبين لاحقا. فقد كان يأمل أن يُسعد عائلته ويعيّشها في بحبوحة وعيشة راضية، ويبتر الفقر المتوارث بما حباه الله من همة عالية. يؤكد ذلك قوله في رثاء جدته:

طَلَبتُ لَها حَظّاً فَفاتَت وَفاتَني

وَقَد رَضِيَتْ بي لَو رَضيتُ بِها قِسما

أي طلبتُ من أجلها نصيبا من الغنى، وبحبوحة من الرزق، ففوّت عليها موتها ذلك، كما فاتني تحقيق هذا الحلم. وكانت جدته قنوعة مكتفية بوجوده قربها عن بعده الطَّموح. فلا نال الغنى وعاد به اليها، ولا بقي قربها وعاش معها بقية حياتها.

وفي شعر صباه نقرأ بوادر طموحه ونكوى بحرائق ثورته التي ستزداد استعارا، فقد قالوا له مرة (ما أحسن هذه الوفرة = الشعر الكثيف)! فرد عليهم بأنها تحسن وهو معتقل رمحه في الحرب:

لا تَحسُنُ الوَفرَةُ حَتّى تُرى

مَنشورَةَ الضِفرَينِ يَومَ القِتالْ

عَلى فَتىً مُعتَقِلٍ صَعدَةً

يَعُلُّها مِن كُلِّ وافي السِبالْ

وله قطعة اخرى يكشف فيها عن هدفه في الثورة، وان الناس ينتظرون منه ذلك:

مُحِبّي قِيامي ما لِذَلِكُمُ النَصلِ

بَريئاً مِنَ الجَرحى سَليماً مِنَ القَتلِ

أَرى مِن فِرِندي قِطعَةً في فِرِندِهِ

وَجَودَةُ ضَربِ الهامِ في جَودَةِ الصَقلِ

أَمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ

فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وَذَرني وَإِيّاهُ وَطِرفي وَذابِلي

نَكُن واحِداً يَلقى الوَرى وَاِنظُرَن فِعلي

بداية الرحلة الى الطموح

بدأ مشوار طموحه (شاعرا) فسافر من الكوفة الى بغداد عام (321ه) وعمره (18) سنة. ولأنه لا يملك (أجرة السفر)، فقد ذهب مشيا على الأقدام الى الممدوح، ومركوبه (نعاله) وهذا يظهر فقره المدقع:

لا ناقَتي تَقبَلُ الرَديفَ وَلا

بِالسَوطِ يَومَ الرِهانِ أُجهِدُها

شِراكُها كُورُها، وَمِشفَرُها

زِمامُها، وَالشُسوعُ مِقوَدُها

أَشَدُّ عَصفِ الرِياحِ يَسبِقُهُ

تَحتِيَ مِن خَطوِها تَأَيُّدُها

فنعاله (ناقته) لا يقبل راكبا خلفه، ولا يضرب بالسوط ليسرع. كان يحاول أن يجد بابا مفتوحا على الخليفة العباسي ليختصر طريق الوصول الى المجد الشعري بقصد اعلى الممدوحين، لأنه بقي في بغداد أكثر من سنة، ولولا ذلك لما بقي فيها طويلا. . ولكنه لم يستطع الوصول الى الخليفة العباسي مخترقا أبواب الحجَّاب الصفيقة. ولعله حقد على الخلفاء العباسيين من وقتها. ففي عز مجده وشهرته وطمع الملوك والامراء بمدحه، عزف عن مدحهم. وكان هو أصلا يرى ان خراب الأمة بسبب ضعف الخلافة العباسية. وفي بغداد مدح (محمد بن عبيد الله العلوي المشطّب) الذي جاءه راكبا نعاله. وقيل ان المشطَّب كان أخاه في الرضاعة، ولعل قائل هذا كان يريد ايجاد ربط للمتنبي بالعلويين.

بعد يأسه من الوصول الى باب الخليفة لعدم شهرته ونضوج شعره بما يكفي قصد الشام، وسبب اختياره الشام يعود الى سببين:

الاول- انه سيجد ممدوحين أصغر وأقل شأنا يبتدئ بهم باعتباره شاعرا غير مشهور، ثم يتدرج صعودا الى أعلى الممدوحين، وهو ما حصل له فعلا.

الثاني- ان الشام أرضية مناسبة للثورة بكونها مستقبلاً سياسياً لم يُحسم، وخارطة دائمة التبدل، فهو مرتع لأصحاب الطموح والقوة والنفوذ؛ فتصعد أسماء على حساب أسماء أخرى ثم ما تلبث أن تظهر أسماء جديدة. ولذا فهي تربة خصبة لطموحه. فجال على الممدوحين الصغار.

مراحل طموحه

مرَّ طموح المتنبي بأربع مراحل:

الاولى، المدح وكسب المال لتمويل ثوراته الكثيرة التي لم ينجح أيٌّ منها، واشاعة الشعر الحماسي لإلهاب الناس والنهوض معه.

الثانية، البحث عن (قائد افتراضي) يقلب الامور ويعيدها الى نصابها، وكان سيف الدولة أوج هذه الفرضية.

الثالثة، طرح نفسه القائد الافتراضي، عن طريق حكم ولاية في مصر يمنحها له كافور الاخشيدي فلم يتحقق.

الرابعة، اليأس والخيبة من طموحه، والعودة الى الكوفة نافضا يديه.

المرحلة الاولى: الشعر والثورة

كان شعره الاول في الشام يتوزع على ثلاث مناطق جغرافية (الجزيرة- وشمالي الشام) و(اللاذقية) و(طرابلس) ولم يحصل على ما يتمنى من مال او ما يشجعه على الاستمرار، فقد مدح بدينار واحد فقط، وسميت قصيدته (بأبي الشموس الجانحات غواربا) (القصيدة الدينارية)، بل مدح بدراهم معدودة. فأحس بالاخفاق في أمل جمع الثروة من شعره الاول لكونه في طور النضوج، ولقوة الاصطراع بين الشعراء واحتكار القرب من الامراء. وهنا عاد المتنبي الى الخيار الثاني كما قال في صباه (إما الثراء والملك او الثورة والموت) فصار يدعو الى الثورة وصار يعبئ لها بشعر مزلزل مجلجل هو أقوى شعر قاله على الاطلاق، ويمثل صبغة او طابع شعر المتنبي الذي عرف به.

من مثل قوله:

عشْ عزيزا او مُتْ وانت كريم

بينَ طعن القنا وخفق البنودِ

فرؤوسُ الرماح أذهبُ للغيظ واشفى لغلّ صدر الحسودِ

لا كما قد حييتَ غيرَ حميدٍ

واذا مُتَّ مُتَّ غيرَ فقيدِ

فاطلبِ العزَّ في لظى وذرِ الذُلَّ ولو كانَ في جنان الخلودِ

أو قوله:

لَقَد تَصَبَّرتُ حَتّى لاتَ مُصطَبَرٍ

فَالآنَ أُقحِمُ حَتّى لاتَ مُقتَحَمِ

لَأَترُكَنَّ وُجوهَ الخَيلِ ساهِمَةً

وَالحَربُ أَقوَمُ مِن ساقٍ عَلى قَدَمِ

ميعادُ كُلِّ رَقيقِ الشَفرَتَينِ غَداً

وَمَن عَصى مِن مُلوكِ العُربِ وَالعَجَمِ

لقد كان المتنبي في هذه المرحلة متذبذبا بين الاستمرار في الشعر أو اختيار الثورة، فاختار الثورة، ودفع اليها أكثر عدم تحقيقه ما توقعه من تأثير شعري يطبق شهرته الارض. ولعل السبب استعجاله القريحة الشعرية وعدم منحها الوقت لاسماحها بالشعر العبقري المطلوب.

وثار ثورات عدة لم يُعنَ أحد يتسجيلها، وقد قرنت بتهمة مخلة بالدين والسمعة وهي (ادعاء النبوة) وكان مثل هذه التهم من وسائل العباسيين وأتباعهم في تسقيط خصومهم. والحقيقة كانت الثورية مرافقة للمتنبي في عموم سيرته ومسيرته تظهر كلما وجدت مُناخا وفرصة، لذا سجل شعره وسجل مؤرخوه حركات وثورات له كثيرة ومستمرة.

وكان المتنبي ثائرا وشاعرا مزدوجا، يقوى هذا حينا ويقوى ذاك حينا آخر، وحينا يجتمعان فيحمّل شعره الثورة وقد سمى علي شلق المتنبي ب(شاعر ألفاظه تتوهج فرسانا تأسر الزمان). وتذكر المصادر ثورة واحدة للمتنبي أو محاولة للثورة. والحقيقة ان المتنبي قام بأكثر من حركة وثورة لا يوقف على عددها، وفي طيات أخباره وشعره ثورات كثيرة تتوزع البقاع المختلفة وفترات حياته من الحداثة الى ما قبل مقتله بست سنوات فقط (في مصر عام 348ه). ومن اجل تشويهه وتسقيطه كان يرمى بادعاء النبوة مستغلين لقبه (المتنبي) بتحريفه الى (دعي النبوة). وانما لقبه الكوفيون وهو صبي بالمتنبي وهو يعني الحاذق الذي يتنبأ بالشيء فيقع فعلا (وسنشرح ذلك في عنوان لقبه).

وذكرت المصادر (ادعى انه علوي حسني) و(ادعى النبوة) واشتجروا في لغط طويل عريض دون ان يربطوا هذه المقدمات بنتيجة سجنه بشكل مقنع، ويذكرون انه سجن مرة واحدة في حمص. بينما يخبرنا شعره بأكثر من سَجنة. ولابد أن توضح حيثيات ثورته وسجنه.

كان العلويون المعارضة الاقوى للعباسيين، وقد ثار في العصر العباسي ثوار علويون كادوا أن يسقطوا الدولة العباسية مثل: محمد ذي النفس الزكية وأخيه ابراهيم، الحسين بن علي الخير، أبي السرايا وابن طباطبا العلوي، يحيى بن عمر. والثورات العلوية تقسم على قسمين: الاول يشترط وجود امام معصوم معاصر وهو المعني بشعارها (الرضا من آل محمد) (وهو المذهب الامامي) والثاني يشترط أن يكون الثائر علويا حسنيا أو حسينيا دون وجوب وجود الامام المعصوم (وهو المذهب الزيدي)، بدأه زيد بن علي وسار عليه بعده أغلب الثوار العلويين في العصر العباسي.

لهذا ادعى المتنبي (أنه علوي حسني) ليكتسب الغطاء الشرعي للثورة وفق المذهب الزيدي فيكون قائماً بنفسه في الشرعية غير محتاج للدعوة إلى (الرضا من آل محمد). بعد تلك الدعوى صار المتنبي مهيَّئا شرعا للثورة بمسمَّى (ثائر علوي). وقد ثار المتنبي بعد عام 325ه (باعتقادنا). وتذكر الروايات انّه (تبعه خلق كثير). ثار في ارض سَلَمْيَة كما يذكر ابن عساكر (فقبض عليه ابن علي الهاشمي في قرية يقال لها (كوتكين)، وجعل في عنقه ورجله من (خشب الصفصاف) فقال في ذلك:

زعم المقيم بكوتكينَ بأنّه

من آل هاشم بن عبد منافِ

فأجبته: مذ صرت من أبنائهم

صارت قيودهم من الصّفصافِ

وكتب يستعطفه ويتوسله حتى أطلقه ومما قاله:

بيديّ أيّها الأمير الأريبُ

لا لشيءٍ إلاّ لأنّي غريبُ

أو لأمٍّ لها إذا ذكرتني

دمُ قلبٍ بدمع عين يذوبُ

إن أكن قبل أن رأيتك (أخطأتُ) فإنّي على يديك أتوبُ

فهو يعترف صراحة بأنه (ثار بالفعل) فقال (أخطأتُ).

وثار في بادية السماوة كما يذكر الذهبي (فأسره لؤلؤ أمير حمص بعد أن حارب) وقد اتهمه ب(العدوان على الناس) كما يخبرنا المتنبي، ولعلها من التهم الجاهزة التي تلقى على المعارضين لتصفيتهم. فكتب المتنبي الى الامير من السجن:

دَعَوتُكَ عِندَ اِنقِطاعِ الرَجاءِ

وَالمَوتُ مِنّي كَحَبلِ الوَريدِ

تُعَجِّلُ فِيَّ وُجوبَ الحُدودِ

وَحَدّي قُبَيلَ وُجوبِ السُجودِ

وَقيلَ (عَدَوتَ عَلى العالَمينَ) بَينَ وِلادي وَبَينَ القُعودِ

فَما لَكَ تَقبَلُ زورَ الكَلامِ

وَقَدرُ الشَهادَةِ قَدرُ الشُهودِ

وَكُن فارِقاً بَينَ دَعوى (أَرَدتُ)

وَدَعوى (فَعَلتُ) بِشَأوٍ بَعيدِ

نلحظ في هذه الابيات أن المتنبي كان خائفا هذه المرة؛ فهو يتوسل توسلا مهينا وصل الى الالحاح والاستخذاء بما يفقد الكرامة، والاعتذار بما لا يقبله المنطق ويثير الضحك، فهو يقول: كيف تعاقبني وانا لا زلت صغيرا في مرحلة (قبل المشي) فانا بين الولادة والقعود توا!! وينكر انه قام بالثورة بل أراد القيام بها (دعوى أردت ودعوى فعلت)، وانه وُشي به كذبا. يفهم منه السامع أنه يقول اي شيء استسلاما ليعفى عنه ويخرج من السجن. وتذكر المصادر انه (حبس طويلا حتى كاد يتلف).

ولكثرة ثوراته وتأليباته وصرخاته الشعرية الحماسية فقد عُرف ثائرا وشعرُه ثوريا. وصارت نغمة شعره الحماسية مطربة للناس اذ وجدوا فيها التعويض عن تراجعهم وحالة الخمول والضعف والشيخوخة واليأس التي يعيشونها، وأنها تعيد فيهم الفروسية والعنفوان والمجد التي فارقوها وتدعوهم الى اعادة الماضي المجيد. وكان هذا الشعر سر خلود المتنبي واحتفاظه بشعبيته في كل العصور، وجعله الشاعر الأول تقديراً وقراءة (وكثير من الشعراء يقدّرهم الناس ولا يقرؤون لهم كجرير وابي تمام وغيرهم).

بعد خروجه من سجنه الاخير راجع خطته فتراجع عن الثورة الى جمع الثروة، ولكن هذه المرة أخلص لفنه الشعري فبلغ به قمته. وبعد خروجه من السجن اشتهر بلقب (المتنبي) بالمعنى المحرَّف (دعي النبوة).

المرحلة الثانية: البحث عن قائد

بعد سجنه الطويل في حمص قرر ترك الثورة (الى حين) والعودة القوية الى الشعر والضرب على اوتاره بكل مجامعه وهو ما كان، وما جعل شعره ينضج ويتكامل ويبلغ الاوج والقمة وقد امتلأ روحا وأخذ طابع واسلوب المتنبي المميز. وفي عام (326ه) كانت بداية مجده الشعري بمدحه الحسن بن عبيد الله بن طغج في الرملة بقصيدة مطلعها:

أَنا لائِمي إِن كُنتُ وَقتَ اللَوائِمِ

عَلِمتُ بِما بي بَينَ تِلكَ المَعالِمِ

فقد أعطي عليها (ألف دينار) (وابيضت أيامه بعدها، وصار مطلوبا من الممدوحين).

ثم سار بشعره يبحث عن ممدوحين كبار، يبحث فيهم عن القائد الشجاع ذي الرؤية الثورية التغييرية. وكان بدر بن عمار من هؤلاء الذين علق عليهم آماله، ومن ذلك قوله فيه حالما متوخيا:

أَحُلماً نَرى أَم زَماناً جَديداً

أَمِ الخَلقُ في شَخصِ حَيٍّ أُعيدا

تَجَلّى لَنا فَأَضَأنا بِهِ

كَأَنّا نُجومٌ لَقينا سُعودا

رَأَينا بِبَدرِ وَآبائِهِ

لِبَدرٍ وَلوداً وَبَدراً وَليدا

طَلَبنا رِضاهُ بِتَركِ الَّذي

رَضينا لَهُ فَتَرَكنا السُجودا

قَتَلتَ نُفوسَ العِدا بِالحَديدِ

حَتّى قَتَلتَ بِهِنَّ الحَديدا

خَلائِقُ تَهدي إِلى رَبِّها

وَآيَةُ مَجدٍ أَراها العَبيدا

فَأَنتَ وَحيدُ بَني آدَمٍ

وَلَستَ لِفَقدِ نَظيرٍ وَحيدا

انه يحلم بقائد اسطوري، يختصر الخلق كلهم به، ويستحق السجود ولكنه تخلى لايمانه بالله عن هذا الحق، وهو الفَرد الذي لم يُشفع من بني آدم، وفردانيته قائمة بنفسها ولم تتأتَّ له من موت نظير له. كان بدر بن عمار القائد المتنظر، ولكنه كان حلما، أو صورة عظيمة رسمها على لوحة رسم بليدة، انه تمدد من المتنبي الى أمله البعيد. وما لبث المتنبي أن تركه كما ترك غيره من أسماء ضجَّ بها ديون شعره.

الا ان اتصاله بسيف الدولة يُعدُّ منعطفا ونقطة تحول كبيرة على صعيد الشعر والثورة معا. كان يرى في سيف الدولة هذه المرة الحقيقة المطلقة في الانقلاب والتغيير. أمير قوي يهزم الروم هزائم متلاحقة في مدينة صغيرة (حلب)، وخليفة عباسي ضعيف يحكم صُوريا بقاع الدولة المترامية. كان يرى امكانية استحواذ سيف الدولة على بغداد وقيادة الامة، وسيف الدولة لا يرى ذلك؛ فالخليفة يملك ظلا مقدسا لدى الامة الاسلامية، فقد وقر لدى الناس ان الخلافة في (فهر قريش) حصرا، وسيف الدولة اذا قرر الاطاحة بالخلافة العباسية وكانت لديه الامكانات العسكرية فرَضا، فهم يعلم انه لا احد سيطيعه ويقاتل معه حتى جيشه في حلب. ولم يكن غائبا عنه ما كان المتنبي يفكر به. ونجد المتنبي يلمّح ويصرّح في هذه الابيات بذلك، وهي ابيات تظهر التطور الفني العظيم في شعره عند سيف الدولة والنضج العبقري العملاق الذي وصله:

لِكُلِّ اِمرِئٍ مِن دَهرِهِ ما تَعَوَّدا

وَعادَاتُ سَيفِ الدَولَةِ الطَعنُ في العِدا

وَمُستَكبِرٍ لَم يَعرِفِ اللَهَ ساعَةً

رَأى سَيفَهُ في كَفِّهِ فَتَشَهَّدا

تَظَلُّ مُلوكُ الأَرضِ خاشِعَةً لَهُ

تُفارِقُهُ هَلكى وَتَلقاهُ سُجَّدا

ذَكيٌّ تَظَنّيهِ طَليعَةُ عَينِهِ

يَرى قَلبُهُ في يَومِهِ ما تَرى غَدا

فَيا عَجَباً مِن دائِلٍ أَنتَ سَيفُهُ

أَما يَتَوَقّى شَفرَتَي ما تَقَلَّدا

وَمَن يَجعَلِ الضِرغامَ بازاً لِصَيدِهِ

تَصَيَّدَهُ الضِرغامُ فيما تَصَيَّدا

رَأَيتُكَ مَحضَ الحِلمِ في مَحضِ قُدرَةٍ

وَلَو شِئتَ كانَ الحِلمُ مِنكَ المُهَنَّدا

وَما قَتَلَ الأَحرارَ كَالعَفوِ عَنهُمُ

وَمَن لَكَ بِالحُرِّ الَّذي يَحفَظُ اليَدا

إِذا أَنتَ أَكرَمتَ الكَريمَ مَلَكتَهُ

وَإِن أَنتَ أَكرَمتَ اللَئيمَ تَمَرَّدا

فهو يُغري سيف الدولة بالخليفة العباسي من وجوه عدة، ويجعل منه المثال والقدوة والقائد القادر على تلبية احلام وطموحات الامة. ولكنه بحذقه توقف عن الحلم وصار يرى حقيقة سيف الدولة بأنه أمير صغير في بلد صغير (حلب)، وعرف ان سيف الدولة لا يبادله هذا الطموح، مما أدى الى الاختلاف معه.

واذا توقف العلماء والكتاب عند حد التفسير الصحيح للجفوة التي حصلت بين الرجلين، فان تفسيرنا المنطقي المستند الى شعره يؤكد ان السبب هو يأس المتنبي طموحا من سيف الدولة. وكانت قصيدة العتاب والضجة التي حدثت الحد الفاصل ثم الرحيل. بالعلن هدد المتنبي بالرحيل والى مصر (محددا)، وببرود تقبله سيف الدولة:

لَئِن تَرَكنَ (ضُمَيراً) عَن مَيامِنِنا

لَيَحدُثَنَّ لِمَن وَدَّعتُهُم نَدَمُ

إِذا تَرَحَّلتَ عَن قَومٍ وَقَد قَدَروا

أَن لا تُفارِقَهُم فَالراحِلونَ هُمُ

و(ضُمير) جبل يكون على يمين المسافر من حلب الى(مصر). وحين طلب السامِرّي الترخيص بقتله أعطي الترخيص. حقيقة ان سيف الدولة أراد الخلاص منه. فلماذا؟؟

جوابنا: ان هاجس الثورة لم يفارق المتنبي في حلب. ولكنه هذه المرة صار اكثر حنكة وتخطيطا، ورأى أن يحقق الثراء ويملك المال ليشتري به الاتباع فيثور ثورة منتصرة. وهو ما كان فعند سيف الدولة صار في طور الثورة بعد ان اكمل الاستعداد لها أو كاد، فجمع أو اشترى ألفا من الاتباع واستغلَّ غيبة سيف الدولة في بعض غزواته وقبل التنفيذ اتصل خبره بسيف الدولة فكر راجعاً واعجله (كما تقول المصادر). ولعل حرص سيف الدولة على ان يكون المتنبي معه في كل غزواته راجع الى أسباب احدها خوفه من تركه في مملكته فضلا عن رغبته في تسجيل ملاحمه الشعرية عيانا. ولكن عموما الرجلان اختلفا وتقاطعا، وصار (القُربَ اِزوِرارا وطَويلُ السَلامِ اِختِصارا) كما قال المتنبي، ثم صار علي المتنبي أن يرحل والسبب الاكبر انه لم يجد حلبا تعطيه أو تزيد على ما أعطته، فراسل كافور الاخشيدي وصارحه واشترط عليه أن يعطيه ولاية مقابل مدحه واتفقا على ذلك فترك المتنبي حلبا (متذرعا بمشاجرة تافهة مع ابن خالويه).

المرحلة الثالثة: طرحه نفسه القائد

بعد أن يئس المتنبي من وجود قائد بحجم مشروعه لم ييأس، بل لبس هو بزته، وتقلد رمحه الطويل وسيفه الجراز كما أسماه. ووجد أن أفضل حاضنة لمشروعه هي مصر. وترك الثورة الى طلب الدولة، كما وجدنا العلويين بعد ثوراتهم الكثيرة التي أخفقت فكروا ببناء الدول، فأسسوا دولة الادارسة في المغرب، والدول الفاطمية في المغرب ومصر. ولم يكن المتنبي بعيدا عن هذه الفكرة، وقد خاض غمارها ومشى عبر حلقاتها حتى انتهى الى ما انتهى اليه العلويون.

أراد أن يحصل أولا على (ولاية) ثم يتوسع حتى يشمل مصر وما حولها، ولا يدري اين كان منتهى مشروعه، وهذا أمر يكاد يتفق عليه دارسو المتنبي. وفي أول لقاء بكافور عرّض بفكرة الولاية، وربما اتفق معه المتنبي وشارطه ليأتيه الى مصر، وكان المتنبي مطلوبا من الملوك والامراء ليمدحهم لما في شعره من تخليد أكيد ومنزلة أفضل من أكبر مجد. قال المتنبي لكافور:

وَغَيرُ كَثيرٍ أَن يَزورَكَ راجِلٌ

فَيَرجِعَ مَلكاً لِلعِراقَيينِ والِيا

وكرر الامر على كافور في قوله:

وَفُؤادي مِنَ المُلوكِ وَإِن كانَ لِساني يُرى مِنَ الشُعَراءِ

إِذا لَم تَنُط بي ضَيعَةً أَو وِلايَةً

فَجودُكَ يَكسوني وَشُغلُكَ يَسلُبُ

كان المتنبي يظن ان كافورا (ت357ه) عبد اسود غبي، وانه يستطيع بشعره ان يحصل منه على (ولاية)، فتنازل عن بعض قدر الشعر الى قدر الملك، فكان اول تراجع فني له، الا انه أحكم القبضة ولم يسمح ان يتفلت حبل الفن الشعري من يده، فلا يزال محتاجا الى الشعر في هدفه. فلبس بزة السياسي والمخطط الانقلابي. اذ كان يرى ان مصر وكافورا فرصته الوحيدة اذا خابت خاب الى الأبد. ولكنه فوجئ بحنكة كافور ودهائه السياسي وعلم انه أساء التقدير. واذا نظرنا الى اهاجي المتنبي في كافور نرى ان المتنبي لم يجد فيه مطعنا في عقل وتدبير ودهاء، فعيره بلونه وافترى عليه افتراءت تُضحِك ولا تُصدّق.

وكان الاخشيد ملك مصر مولاه قد اشتراه ثم أعتقه ثم رقاه الى كبير القواد (لما رآه فيه من الحزم والفعل وحسن التدبير). ثم تعهد كافور ابني الاخشيد أبا القاسم ثم أبا الحسين. وفي عام 355ه استقل بحكم مصر عن الاخشيد الى ان مات عام 357ه. ولم يستطع الفاطميون احتلال مصر حتى مات كافور. وحين ألحَّ المتنبي على كافور من أجل الولاية قال له كافور علانية (لستُ أجسر على توليتك صيدا؛ لأنك على ما أنت عليه تحدّث نفسك بما تحدّث، فان وليتك صيدا فمن يطيقك).

وكان في مصر شخصية قوية يهابها ويخشاها كافور، وهو القائد (أبو شجاع فاتك الرومي) الملقب ب(الكبير) (ت 350ه). وهو رفيق كافور في الرق والحرية؛ اشتراهما الاخشيد ثم أعتقهما. وحين ترقى كافور كبيرا للقواد ثم متعهدا ابني الاخشيد، انزوى فاتك الرومي في الفيوم (أنفة من السكن قرب كافور). وكان في مصر قائد محنّك هو شبيب العقيلي (ت348ه)  والي الرملة والساحل لكافور، وكان يكره كافورا. وحين يئس المتنبي من الحصول على ولاية من كافور عادت اليه عادته الثورية، فخطط للإطاحة بكافور فشكل مع فاتك الرومي وشبيب العقيلي مثلثا انقلابيا.

انقلاب في مصر

لم أجد مصدراً تاريخياً، غير ديوان المتنبي، يتكلم عن (انقلاب) ضد كافور قاده الثلاثي: المتنبي مفكرا ثوريا، وفاتك الإخشيدي مخططا للانقلاب، وشبيب العقيلي وقائدا ميدانيا منفّذا، وذلك في عام (348ه). وهذه المرحلة اخطر مراحل تحولات المتنبي السياسية. وقد أخمد كافور بخبرته المؤامرة في مهدها، وقام بتصفية الانقلابيين مبتدئا باغتيال شبيب العقيلي. لذا لا نفاجأ إذا رأينا المتنبي لا يهنئ كافورا بالنصر بل يرثي شبيباً ويتهكم بكافور:

أتلتمس الأعداء بعد الذي رأت

قيام دليل أو وضوح بيانِ

رأت كل من ينوي لك الغدر يُبتلى

بغدر حياة أو بغدر زمانِ

برغم شبيبٍ فارق السيف كفه

وكانا على العلات يصطحبانِ

وحينما وصل الى قوله:

وقد قتل الأقرانَ حتى قتلتَه

بأضعفِ قِرنٍ في أذلِّ مكانِ

قال كافور (لا والله إلا بأشد قِرن في اعزِّ مكان) وتهكم به بقوله:

فما لك تختار القسي وإنما

عن السعد يرمى دونك الثقلانِ

لو الفلك الدوار أبغضتَ سعيه

لعوَّقه شيء عن الدورانِ

وهذه الأبيات تدل على أن شبيباً قتل بغير سلاح، وهو ما تقوله المصادر؛ اذ تذكر ان شبيبا وهو يستعد للحرب سقط عن جواده ميّتا. ويدل على أن شبيباً كان على اتصال بفاتك قول المتنبي وهو يجمعهما في حالة واحدة :

واسودَ أما القلبُ منه فضيقٌ

نخيبٌ وأما بطنه فرحيبُ

يموتُ به غيظًاً على الدهر أهلُه

كما ماتَ غيظاً فاتكٌ وشبيبُ

أما فاتك الرومي فتذكر المصادر أنه جرت المراسلات بينه وبين المتنبي كما انهما (التقيا في الصحراء وتباحثا)، ولابد أن تلك المراسلات واللقاء أو اللقاءات قد وضع في أثرها مخطط صارم للثورة، وهكذا تعود النغمات الحماسية إلى شعر المتنبي لتلهب الشعب المصري وتهيئه للمرحلة القادمة:

وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه

ولو أنّ ما في الجسم منه حرابُ

يغيِّر مني الدهرُ ما شاء غيرَه

ويبلغ أقصى العمر وهي كعابُ

تركنا لأطراف القنا كل شهوةٍ

فليس لنا إلا بهنَّ لعابُ

أَعَزُّ مَكانٍ في الدُنى سَرجُ سابِحٍ

وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ

كما أنه عمل قصيدة دعائية لفاتك فمدحه ندا لكافور ولم يمدح المتنبي وزيراً أو من هو دون ملك في مصر، وبهذا تكون هذه القصيدة ترشيحية دعائية وفيها يقول:

واجز الأمير الذي نعماه فاجئةٌ

بغير قول، ونعمى الناس أقوالُ

فهذا (تعريض بكافور) اذ يجعل عطايا كافور وعودا فقط دون تنفيذ. كما قال في موضع آخر:

أَمسَيتُ أَروَحَ مُثرٍ خازِناً وَيَداً

أَنا الغَنِيُّ وَأَموالي المَواعيدُ

وفي قصيدته بيت يقول طه حسين انه يشير إلى أن المتنبي كان مسجوناً عند كافور أو أنه تحت المراقبة الشديدة، وهو:

وان تكن محكماتُ الشكل تمنعني

ظهورَ جري فلي فيهن تصهالُ

وعن علاقة المتنبي بفاتك بسبب (المصير والهدف المشترك) يقول أبن جني: (ما رأيت أبا الطيب أشكر لأحد منه لفاتك). ويتضح ذلك الحب في مراثيه المتعددة ومقدار ما كتبه فيه؛ فأبياته في فاتك (357) بيتاً وهي تناظر تقريبا أبياته في الشيرازيات (396) بيتاً أي أعطاه أهمية عضد الدولة. ومن رثائه لفاتك الذي يشير الى ذلك الهدف قوله:

أيموت مثلُ أبي شجاعٍ فاتكٍ

ويعيش حاسده الخصيّ الأوكعُ

أما المتنبي، فبعد فشل الانقلاب وقتلِ كافور شَبيبا عام 348ه غيلة، وفاتكا الرومي عام 350ه غيلة أيضاً، أدرك ان الدور قد حان عليه وعليه الهرب من مصر. وتُظهر حركة هروبه الخارقة مدى رعب المتنبي واستيلاء الخوف الواثق عليه من مصيره المؤكَّد، وأنَّ عليه أن يسابق لحظة الصفر وليست ساعة الصفر التي تنتهي بقتله غيلة أيضا. وقد شدَّد كافور عليه المراقبة ريثما يتخلص منه. وليس صحيحا انه حبسه عن السفر خوفا من هجائه. فقد احاطة بالجواسيس، ومرة دسَّ اليه (من يستعلم ما في نفسه، ويقول له طال قيامك عند هذا الرجل) فقال المتنبي عالما بما يحاك ضده:

يَقِلُّ لَهُ القِيامُ عَلى الرُؤوسِ

وَبَذلُ المُكرَماتِ مِنَ النُفوسِ

إِذا خانَتهُ في يَومٍ ضَحوكٍ

فَكَيفَ تَكونُ في يَومٍ عَبوسِ

وقد تعجب البديعي اشد العجب من أن يكون المتنبي وصل إلى هذه الحالة من التضعضع فقَبِلَ أن يقف على رأسه لكافور وهو الذي لم يرض أن ينشد سيف الدولة قائماً! واراد المتنبي مرة الذهاب الى الرملة لتحصيل مال له، فاستأذن كافورا فلم يأذن له وقال: (لا نكلفك المسير نحن نحصله لك)، فقال المتنبي متبرما:

أَتَحلِفُ لا تُكَلِّفُني مَسيراً

إِلى بَلَدٍ أُحاوِلُ فيهِ مالا

وَأَنتَ مُكَلِّفي أَنبى مَكاناً

وَأَبعَدَ شُقَّةً وَأَشَدَّ حالا

وكان بيته مراقبا أيضا بحيث ان جيرانه كانوا عيونا عليه. فلم يكن أمامه غير الهرب. وكانت مدة بقائه في مصر خمس سنوات.

المرحلة الرابعة: العودة الى الشاعر

كانت عملية هرب المتنبي من مصر الى الكوفة من العمليات فوق الكبرى في التاريخ؛ ورحلة خرافية لم يَقدِم عليها الا الابطال الاسطوريون في الملاحم. فقد عبر ثلاث دول (مصر، سوريا، العراق). انطلق المتنبي في عيد الاضحى مستغلا انشغال الدولة بالعيد عنه، وقد جهّز ما يحتاجه من ماء ومتاع واحتياجات. ولم يسلك الطرق المعبدة المعهودة، بل سار (على الحلل والاحياء، والمفاوز المجاهيل، والمناهل الأواجن) متخطيا حرس وجواسيس كافور، وصعوبات ومخاطر كثيرة، وكان وأصحابه يركبون الجمال في رمال الصحراء، والخيول في الطرق. واستغرقت رحلته نحو اربعة اشهر من 9 ذي الحجة سنة 350ه الى ربيع الاول سنة 351ه فدخل الكوفة.

وفي طريقه الى الكوفة أنشد قصيدة رسم فيها مستقبله.

حَتّامَ نَحنُ نُساري النَجمَ في الظُلَمِ

وَما سُراهُ عَلى خُفٍّ وَلا قَدَمِ

وَلا يُحِسُّ بِأَجفانٍ يُحِسُّ بِها

فَقدَ الرُقادِ غَريبٌ باتَ لَم يَنَمِ

تُسَوِّدُ الشَمسُ مِنّا بيضَ أَوجُهِنا

وَلا تُسَوِّدُ بيضَ العُذرِ وَاللِمَمِ

ما زِلتُ أُضحِكُ إِبلي كُلَّما نَظَرَت

إِلى مَنِ اِختَضَبَت أَخفافُها بِدَمِ

حَتّى رَجَعتُ وَأَقلامي قَوائِلُ لي

المَجدُ لِلسَيفِ لَيسَ المَجدُ لِلقَلَمِ

اِكتُب بِنا أَبَداً بَعدَ الكِتابِ بِهِ

فَإِنَّما نَحنُ لِلأَسيافِ كَالخَدَمِ

أَسمَعتِني وَدَوائي ما أَشَرتِ بِهِ

فَإِن غَفِلتُ فَدائي قِلَّةُ الفَهَمِ

مَنِ اِقتَضى بِسِوى الهِندِيِّ حاجَتَهُ

أَجابَ كُلَّ سُؤالٍ عَن هَلٍ بِلَمِ

هَوِّن عَلى بَصَرٍ ما شَقَّ مَنظَرُهُ

فَإِنَّما يَقَظاتُ العَينِ كَالحُلُمِ

وَقتٌ يَضيعُ وَعُمرٌ لَيتَ مُدَّتَهُ

في غَيرِ أُمَّتِهِ مِن سالِفِ الأُمَمِ

أَتى الزَمانَ بَنوهُ في شَبيبَتِهِ

فَسَرَّهُم وَأَتَيناهُ عَلى الهَرَمِ

لقد صار يستهزئ بطموحه وما عمله بسببه، متخليا عن افكاره التي كانت غير منطقية. فعليه ان يكفَّ عن مجاراة النجم في السير؛ فهو يسير برجل وخف فيتعب حتما، والنجم يسير بلا رجل وخف فلا يتعب. وهو لسيره الطويل يغالب النوم ويعاني النعاس، والنجم لا يملك عيونا فلا يغالب النعاس. فضلا عن ان الشمس تسوّد الوجه وظاهر جسده فقط. انه بات يضحك مع ابله من رحلاته السابقة التي أدمت اخفافها؛ فلا الغرض يستحق ذلك (طموحه) ولا الذين قصدهم يستحقون ذلك. وبعد رجوعه عن طموحه بنيل الملك بالقلم (الشِّعر) أخبرته اقلامه ان المجد لا يتحقق بها بل ب(السيوف). فاكتب بها مسطّرا اولا بتحقيق طموحك، ثم اكتب بنا بعدها؛ فالسيوف تقيم الدول، والاقلام تخدم السيوف. وفي زماننا كل أمر تصنعه السيوف، وكل شيء غير السيوف يُطلب منه العون يجيبك ب(لا). واذا لم يتحقق طموحك بنيل الملك والمجد والثروة فهوّن على عينيك عدم رؤيته، ما دام كل شيء رأته العين وتملّت فيه ستفقده يوما، فيستوى عندئذٍ ما رأته مع ما حُرِمت رؤياه (وهذا تسلية لنفسه). والوقت الذي عاشه وقت ضائع، فليته عاش عمره في الزمان القديم وفي غير أمته هذه ليحظى بالسعادة؛ فقد هرم الزمان على عهدنا لذا عشنا الحزن والحرمان. لقد أعلن في هذه القصيدة تركه طموحه وطيّ صفحته الى الابد، وعليه أن يفكر بالسير في طريق آخر.

بعد نحو سنتين قضاها المتنبي في الكوفة قرر أن يذهب الى بغداد فقصدها عام 352ه. وسبب ذهابه الى بغداد الحاجة الى المال لعيش مرفّه. بتقدير أن ما حصل عليه من سيف الدولة وغيره قد أنفقته عائلته؛ بعد انقطاع خمس سنوات قضاها في مصر. وما حصل عليه في مصر تركه هاربا، وحسب المتنبي فان اكثر عطايا كافور، أو بعد أن شكَّ بأمره، كانت وعودا دون صرف:

أَمسَيتُ أَروَحَ مُثرٍ خازِناً وَيَداً

أَنا الغَنِيُّ وَأَموالي المَواعيدُ

فضلا عن انه بقي سنتين في الكوفة بعد عودته، مما يؤكد حاجته الى المال. وكذلك أراد أن يلتقي بملوك المشرق كما التقى بملوك المغرب، فعاد الى بغداد شاعرا فقط، كما قصدها في صباه شاعرا فقط.

وكان هدف المتنبي الوصول الى الخليفة العباسي (المطيع لله)، والبقاء في معيته. ولو انه وصل اليه لاكتفى به عن البويهيين. وربما أراد الانتصار على بغداد والخلافة العباسية التي لم تفتح الباب له سابقاً لعدم شهرته، وظنَّ انها ستفتح أقصى ذراعيها لاحتضانه. وكان عليه أن يجتاز (باب الخليفة) للوصول اليه، وهو (الوزير المهلبي) فيمدحه أولا. ولكن المتنبي لم يمدح الوزير المهلبي؛ اذ أبت نفسه العالية أن يمدح المجون والسخافة ممثلة بالمهلبي وحاشيته. فأغلق على نفسه باب الخليفة الى الابد. بل ان الوزير المهلبي أضرى عداء ادباء بغداد للمتنبي، فحاربوه بشتى الصور تشفيا من نجاحه وشهرته التي غطت عليهم.

بعد رحلته الفاشلة الى بغداد رجع الى الكوفة في شعبان سنة 352ه. فمكث في الكوفة سنة وخمسة أشهر توجه بعدها الى (أرِّجان) في فارس بدعوة من (ابن العميد) في المحرم سنة 354ه فوصلها في صفر من السنة نفسها. ولم يكن المتنبي راغبا في قصد ايران ومدح البويهيين؛ بدليل انه بعد يأسه من بغداد والخليفة العباسي لم يكمل مسيره الى ايران والبويهيين. وقد ذكرت المصادر انه قصد ايران (مراغما) بمعنى انه وجد في ايران متسعا له، وتحديا لأعدائه. وكان الخليفة العباسي المطيع لله ألعوبة بأيدي البويهيين، وكان من الهوان أن الحاشية تتحكم به، والا فكيف فاته أن يقدّم دعوة لزيارة أكبر شاعر معاصر له (المتنبي) وقد وجَّه له الدعوة من هم أقل منه شأنا واسما.

وقد اختار المتنبي دعوة ابن العميد على دعوة الصاحب بن عباد الذي وصفه ب(الغُليّم)؛ كون ابن العميد أشهر الكتاب في زمنه، وقد قيل (بُدئت الكتابة بعبد الحميد وخُتمت بابن العميد) فلا بأس أن يلتقي الجبلان: جبل الشعر وجبل النثر. كما ان ابن العميد كان كيّسا، ولم ينضم الى الادباء الذين عادوه وهارشوه، وان كان يحسده، واعترف انه اراد تخميله فلم يستطع، كان ذلك قبل ان يزوره في (أرِّجان)، ولكن بعد أن زاره عظَّمه وعظَّم قدره. وقد لبث المتنبي لدى ابن العميد شهرين من صفر وحتى ربيع الاخر. ولأول مرة يعيش المتنبي في كنف أديب وناقد كبير. وقد أوصل ابن العميد الى المتنبي (كان يبلغني شعرك بالشام والمغرب وما سمعت دونه، فلم يحر جواباً). ونحس في (قصيدة النيروز) حرج الشاعر أمام الناقد، وقبوله حكمه فيه، ولكن في نفسه كلام لا مجال لقوله:

هَل لِعُذري عِندَ الهُمامَ أَبي الفَضلِ قُبولٌ سَوادُ عَيني مِدادُه

أَنا مِن شِدَّةِ الحَياءِ عَليلٌ

مَكرُماتُ المُعِلِّهِ عُوّادُه

ما كَفاني تَقصيرُ ما قُلتُ فيهِ

عَن عُلاهُ حَتّى ثَناهُ اِنتِقادُه

إِنَّني أَصيَدُ البُزاةِ وَلَكِنَ أَجَلَّ النُجومِ لا أَصطادُه

رُبَّ ما لا يُعَبِّرُ اللَفظُ عَنهُ

وَالَّذي يُضمِرُ الفُؤادُ اِعتِقادُه

ما تَعَوَّدتُ أَن أَرى كَأَبي الفَضلِ وَهَذا الَّذي أَتاهُ اِعتِيادُه

إِنَّ في المَوجِ لِلغَريقِ لَعُذراً

واضِحاً أَن يَفوتَهُ تَعدادُه

ومثله قال عضد الدولة في شعر المتنبي (جيد شعره في المغرب) فأجابه المتنبي مغالطا (الشعر على قدر البقاع). وللحقيقة ان شعر المتنبي في الشام ومصر كان (الفن للثورة) وكتبه المتنبي بكل رغبة وقوة فن امتلكها، أما شعره في ايران فكان (الفن للفن) وكتبه برغبة وقوة فن أقل بكثير. ونجد المتنبي لأول مرة يبدع في وصف الطبيعة (شِعب بوان) وصفا فنيا رائعا.

ثم جاءته دعوة من عضد الدولة البويهي الى شيراز، في ربيع الاخر 354ه، فبلغها في شهر جمادى الأولى. وبعد ثلاثة اشهر قضاها عند عضد الدولة غادر شيراز في شعبان عائداً إلى العراق يريد بغداد فالكوفة، وفي الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة 354ه في طريق العودة في النعمانية قرب دير العاقول، قتل المتنبي فهوى به جبلان: جبل إنساني قلَّ نظيره، وجبل شعري لا نظير له.

***

الاستاذ الدكتور محمد تقي جون

يسود الاعتقاد لدى العديد من الناس، كما ويتمسك بعض ذوي النوايا السيئة، بفكرة مفادها ان (القانون لايحمي المغفلين)، والحال ان هده المقولة لا يمكن قبولها في ظل الشرائع اللاتينية على إطلاقها، اذ هي تستخدم في غير الاغراض التي قيلت او وضعت من اجلها أصلاً، وتتناقض بعموميتها مع فلسفة القانون والشرائع في حياة البشر في كل زمان ومكان.

مصدر المقولة:

وردت هذه المقولة مجازاً عن طريق الشرائع الانكلوسكسونية السائدة في انكلترا وعدد من الدول التي كانت تحت ولاية التاج البريطاني (1)، ومن خلال حكم قضائي صدر في الولايات المتحدة الأمريكية.(2)

ولكنها تقترب من فكرة حدود الحماية القانونية السائدة في القوانين ذات الأصل اللاتيني السائدة في فرنسا ومصر والعراق واغلب دول العالم.

ماهي فكرة او نظرية حدود الحماية القانونية؟:

هي فكرة قانونية فلسفية حسب الاصل، مفادها ان الحماية القانونية للمصالح الخاصة ليست مطلقة بل نسبية، فالحماية القانونية إنما تبدأ قانوناً من مستوى معين من سلوك مفترض للاشخاص لاتنزل دونه، ومن ثم يقع على عاتق الفرد واجب اتخاذ قدر من الحيطة والحذر في تصرفاته القولية والفعلية حتى تصبح الحماية القانونية له ممكنة، وهذه الحيطة قد تكون على شكل اجراءات او شكليات يقع على عاتق الفرد واجب اتباعها، حتى يمكن تفعيل الانظمة القانونية التي تحميه، ومن ذلك شرط التسجيل العقاري لانتقال الملكية في العقارات والرهن التأميني، وتوثيق بعض العقود مثل عقود الشركات وشرط توثيق الدين بمستند عادي او رسمي للاثبات، او إشهاد الشهود على عقد او واقعة معينة، فتكون شروط الحماية القانونية هنا هي توفر هذا السند اي دليل الإثبات المعتمد قانوناً، فأذا جاء الدائن بعد ذلك مطالبا بحقه امام القضاء، فأن القاضي يطالبه بابراز سند الملكية او الدين، فأن لم يتوفر هذا وأنكر المدين الدين فلا يقضى له بحقه، فالقاضي لايحكم على مجرد الإدعاء وانما على اساس ماتوفر من أدلة وبينات وعند عدم توفرها يلجأ القاضي الى ماتقرره نصوص القانون او المباديء القانونية العامة في هذا الصدد ومنها مبدأ ( الاصل براءة الذمة وعدم مشغوليتها بأية ديون اوالتزامات وعلى من يدعي خلاف هذا الاصل ان يقدم البينة)، ولما كان الدائن يدعي خلاف الاصل فعليه عبء اثبات مايدعيه، فأن عجز عن ذلك فالقانون لا يتمكن من حمايته لانه لم يتخذ قدرا معقولا من الحيطة اشترطها القانون لحمايته.(3)

وتعبر هذه الفكرة في مضمونها الفلسفي عن الفرق بين الحقيقة القانونية والحقيقة الواقعية الحقة، وقد تتطابق الحقيقة القانونية مع الحقيقة الواقعية وقد لاتتطابق.

والقضاء يحكم بناءا على معطيات الحقيقة القانونية لا الحقيقة الواقعية عند عدم تطابقهما، ولهذا كان للعدالة ضحايا،

ومن ذلك شهادة الزور المحرمة شرعاً وقانوناً، اذ هي تحجب الحقيقة الواقعية الحقة عن نظر القاضي فيحكم بناءا على الحقيقة القانونية التي تجسدت في شهادة الزور فهو يعتمدها مادام ليس هناك سبيل لكشف زورها وبهتانها.

وفيما عدا ذلك فأن القانون يحمي المغفلين ومظاهر الضعف الانساني من استغلال المستغلين وكيد الكائدين ونصب المحتالين.

ومن تطبيقات ذلك تبني المشرع العراقي في القانون المدني العراقي لنظرية الغلط ونظرية التغرير مع الغبن ونظرية الاستغلال، فضلا عن تبنيه لنظم قانونية متطورة لحماية القاصر والمجنون والمعتوه والسفيه وذو الغفلة ورتب اثارا قانونية عليها تجسدت في اعتبار التصرفات المشوبة بعيب من عيوب الرضا موقوفة على اجازة من تعيبت ارادته او وليه او القيم او الوصي عليه، فضلا عن تبنيه لنظرية البطلان في حالات انعدام الاهلية او محل العقد اوسببه في العقود، كما وتبنى المشرع العراقي في قانون العقوبات العقوبة على جريمة الاحتيال والتزوير وجريمة اصدار شيك بدون رصيد ....

وبغية اعطاء صور واضحة تزيل اللبس عن هذا المفهوم الفلسفي، نتناول بالبحث بعض مظاهر الحماية القانونية لمظاهر الضعف الانساني وهي نظرية الاستغلال :ـ

نظرية الاستغلال في القوانين المقارنة والقانون المدني العراقي:

نظرية الاستغلال بوجه عام نظام قانوني مؤداه توفير الحماية القانونية في حالة ان يعمد شخص الى ان يفيد من ناحية من نواحي الضعف الانساني يجدها في اخر، كحاجة ملجئة تتحكم فيه، او طيش بين يتسم به سلوكه، او هوى جامح يتحكم في مشاعره وعواطفه، او خشية تأديبية تسيطر عليه، فيجعله يبرم عقدا ينطوي عند ابرامه على غبن فاحش يتجسد في عدم التناسب بين ما أخذه وما اعطاه، فيؤدي به الى خسارة مفرطة، بحيث يمثل عقده هذا اعتداءا على قواعد الاخلاق والائتمان السائدة في المجتمع ومبدأ حسن النية.

والاستغلال مظهر من مظاهر تطور فكرة الغبن من نظرية مادية الى نظرية نفسية، فالغبن هو المظهر المادي للاستغلال.

والاستغلال كعيب يشوب الرضا، نظام قانوني حديث نسبيا ظهر في العصور الحديثة بتأثير نزعة العدالة من وجه، والرغبة الصادقة في مكافحة النوايا السيئة، اذ يحارب نظام الاستغلال من ناحية التفاوت الصارخ بين ما يأخذه المتعاقد وبين مايعطيه، ومن ناحية اخرى يحارب استغلال نواحي الضعف الانساني في المتعاقد لان ذلك لايأتلف مع شرف التعامل وحسن النية وقيم المجتمع المتحضر .

ويعتبر القانون المدني الالماني الصادر سنة 1866 النافذ في اول يناير سنة 1900 اول من تبنى الاستغلال كعيب مستقل من عيوب الرضا وهو الذي اوحى بفكرته للتشريعات التي تلته، ونظر المشرع الالماني الى الاستغلال من ناحيته الثانية فرأى فيه مخالفة لحسن الاداب من شأنها ان تدمغ التصرف بالبطلان المطلق، الا ان السائد في التشريعات الحديثة ان ينظر الى الاستغلال كعيب من عيوب الرضا لايؤدي الى البطلان وانما يتمثل بقابليته للأبطال .

وتبنى المشرع العراقي نظرية الاستغلال في المادة (125) من القانون المدني العراقي حيث نصت على انه ( إذا كان احد المتعاقدين قد استغلت حاجته او طيشه او هواه او عدم خبرته او ضعف اداركه فلحقه من تعاقده غبن فاحش جاز له في خلال سنة من وقت العقد ان يطلب رفع الغبن عنه الى الحد المعقول، فاذا كان التصرف الذي صدر منه تبرعا جاز له في هذه المدة ان ينقضه) .

وقد اقتبس المشرع العراقي احكام هذه المادة من المادة (138) من القانون المدني الالماني والمادة (21) من قانون الالتزام السويسري .

معيار الاستغلال والغبن الفاحش:ـ يعمل النظام القانوني للاستغلال على ان يفوت الفرصة

على ذوي القصد السيء ممن يتلمسون مظاهر الضعف الانساني بقصد الحصول على مكاسب غير مشروعة، والحال ان كل مظهر من مظاهر الضعف الانساني من شأنه ان يحقق الاستغلال، وفي ضوء ذلك فأن بعض التشريعات تضع قاعدة عامة في الاستغلال من شأنها ان تنطبق على اي مظهر من مظاهر الاستغلال ايا كان نوعه او طبيعته تماشيا مع خصيصة التجريد التي ينبغي ان تكون عليها القاعدة القانونية التي تسمو على التفصيلات والجزئيات .

الا ان المشرع العراقي لم يضع قاعدة عامة في الاستغلال، وانما اتبع طريقة التعداد على سبيل الحصر لمظاهر الضعف التي يحميها القانون وان توسع فيها قياسا للمشرع المصري الذي قصر محل الاستغلال على الطيش البين والهوى الجامح.

ان طريقة التعداد على سبيل الحصر هذه تجعل من وضع معيار عام محدد لقياس مظاهر الضعف الانساني امرا متعذرا ايضا، ولما كانت الحالات المذكورة هي حالات نفسية، وتمثل اعتداءا على اخلاقيات التعامل وحسن النية، فينبغي على القاضي اعمال المعيار الذاتي، ليبحث في مدى قيام احد المتعاقدين بأستغلال حاجة المتعاقد الآخر او طيشه او عدم خبرته او ضعف ادراكه، وبحث القاضي ينصب هنا على العناصر النفسية والشخصية لدى المتعاقد الذي لحقه غبن نتيجة الاستغلال، فهي عناصر داخلية لصيقة بذات المتعاقد، يقوم القاضي بأكتشافها في ضوء مقومات المعيار الذاتي المتعلق بحالات الضعف الواردة في المادة (125) من القانون المدني العراقي، ومراعيا قواعد الاخلاق السائدة في المجتمع.

وينبغي على القاضي ان يتحقق من ان الاستغلال هو الدافع الى التعاقد، بمعنى ان يكون المتعاقد الاخر هو الذي سعى الى حمل الضحية على ارتضاء العقد على نحو ما ارتضاه عليه بحيث انه ماكان ليرتضيه على هذا النحو لولاه، فلو تبين ان المتعاقد المغبون كان سيتعاقد في كل الاحوال فلايتحقق الاستغلال ولو تحقق الغبن وبوجود مظاهر الضعف بصورها المتعددة، ذلك ان المشرع العراقي لايعتبر الغبن لوحده عيبا مستقلا، كما ان وجود الضعف كصفة لصيقة بالشخص لايعني تحقق الاستغلال دائما، فكثير من الناس تبيع اموالها تحت ضغط الحاجة وكثيرا مايهب المحبين الى اعزائهم اموالا وقد لايعرف الجديد في مهنته مواقع الاسواق الاكثر مناسبة من حيث السعر والجودة، والقول بوجود الاستغلال في مثل هذه الحالات فيه تهديد لاستقرار التعامل، وانما ينبغي ان تتوافرعناصر الاستغلال وهي اختلال التعادل بين ماالتزم به المتعاقد المغبون وبين ما يأخذه في مقابل ذلك اختلالا يؤدي الى الغبن الفاحش وهذا هو العنصر الموضوعي في الاستغلال، وان يكون استغلال الضعف لدى المتعاقد هو الدافع الى التعاقد، وهذا هو العنصر النفسي في الاستغلال .

معيار الغبن الفاحش:

الغبن مشكلة اجتماعية قديمة ولم تهتدي القوانين القديمة والحديثة الى ايجاد معيار موحد ومرض لها، ذلك ان هذه المشكلة الازلية تقوم على اعتبارات اجتماعية وخلقية واقتصادية غير ثابتة وخاضعة لقانون التطور العام للمجتمع.

وقد عالج المشرع العراقي القديم الرائد(4) مشكلة الغبن من خلال اعتماده نظام تسعيرة المواد الغذائية والحاجات التي تهم عموم الناس وتثبيت اجور العمال والعربات والحيوانات في المواد (1ـ 11) من قانون اشنونا والمواد من (125 ــ ومابعدها) من قانون حموراربي، كما اعتمد قانون حمورابي مفهوم السبب الاجنبي الذي يعفي المدين من تنفيذ التزامه، فالمادة (48) منه تقرر اعفاء المزارع الذي يهلك زرعه بفعل الفيضان من تقديم حبوب الى دائنه في ذلك العام ويعفى من الفوائد الخاصة بتلك السنة، ولم تعرف البشرية مثل هذه الاحكام العادلة التي تمنع استغلال مظاهر الضعف الانساني سواء كان مصدرها حالة الشخص ذاته او كان مصدرها الطبيعة، الا بعد عهود طويلة من الظلم والعدوان الاجتماعي .

والغبن في القانون الروماني في عهده المدرسي، يسيراً كان او فاحشاً لايؤثر على صحة العقد الا اذا اقترن بالتدليس او ان العقد صدر من قاصر يقل عمره عن (25) سنة، ويبررون ذلك بالقول ان على الرجل العاقل المستقيم ان يتحمل نتائج اعماله، وفي عصر مايعرف بالامبراطورية السفلى أمكن لبائع العقار ان يطعن بعقد البيع اذا كان الثمن المتعاقد عليه اقل من نصف القيمة الحقيقية للمبيع.

الا انه بحلول العصر العلمي ( 130 ق.م ــ 284م) ظهر مايعرف بمبدأ حسن النية في العقود الذي يقتضي قيام المدين بتنفيذ التزامه بحسن نية أي من دون مكر ومن دون سوء نية ومن دون غش وان يبذل في سبيل تنفيذه عناية الرجل المعتاد.

وفي القرون الوسطى بدأ مبدأ سلطان الارادة بالتنامي الا ان رجال الكنيسة قيدوا هذا المبدأ بالعدالة ومبدأ حماية الضعيف من استغلال القوي فحددوا للسلع اثمانها وللعمل أجره، وهذا ماكانوا يسمونه بالثمن العدل وبالاجر العدل.

وفي ظل الثورة الفرنسية اطلقت حرية التعاقد وفقا لمبدأ سلطان الارادة ولم تُحرم الغبن حتى في بيع العقار بل لم تضع حدا اعلى للفائدة، وقد تأثر القانون المدني الفرنسي بما جاءت به الثورة الفرنسية فنظر الى الغبن نظرة مادية ليتحقق في حالات محدودة، فالغبن فيه لايؤثر في صحة العقود الا في حالات استثنائية نص عليها.

موقف المشرع العراقي من معيار الغبن:

اذا كان المشرع العراقي قد قال بالغبن الفاحش الا انه لم يتبن معيارا معينا لتحديده، الا في حالة خاصة هي ماذكرته المادة (1077ف2) بشأن قسمة المال الشائع، وهذا يعني انه ترك تقدير الغبن الفاحش لاجتهاد القضاء، ولما كانت مباديء الشريعة الاسلامية بمقتضى الفقرة الثانية من المادة الاولى من القانون المدني العراقي احد المصادر التي تستمد منها الاحكام بعد التشريع والعرف، فيمكن للقاضي ان يعتمد احد المعايير التي تبناها جانب من الفقه الاسلامي .

موقف الشريعة الاسلامية الغراء من معيار الغبن : بصورة عامة يقسم فقهاء الشريعة الاسلامية الغبن الى نوعين، يسير وفاحش، والغبن اليسير هو الذي لايمكن تجنبه في المعاملات ومن المتفق عليه بين الفقهاء ان هذا النوع من الغبن يتسامح فيه، ولايعطى للمتعاقد المغبون خيار الغبن .

اما الغبن الفاحش فقد اختلف الفقهاء في تحديد مقداره، وهناك معياران لتحديده:

ووفقا للمعيار الاول ينظر الى قيمة الشيء وتحدد نسبة بين هذه القيمة وبين الثمن الذي دفعه المتعاقد كحد ثابت للغبن، فأذا زاد الثمن عن هذا الحد او نقص عنه تحقق الغبن، وقد تراوحت تقديرات الفقهاء في هذا الباب بين الثلث وربع العشر .

اما المعيار الثاني الذي تبناه جانب من فقهاء الشريعة الاسلامية فانه يعرف الغبن الفاحش بانه (ما لايدخل في تقويم المقومين) فان دخل في تقويمهم فهو يسير لا فاحش.

فلو بيعت سلعة بمليون دينار وقومها بعض اهل الخبرة بمايزيد على هذا المبلغ والبعض بما ينقص عنه كان الغبن يسيرا، اما لو اتفقوا جميعا على تقويمها باقل من هذا المبلغ فأن في البيع غبن فاحش بالنسبة الى البائع، اما اذا اتفقوا جميعا على تقويمها باكثر من هذا المبلغ كان في البيع غبن فاحش بالنسبة الى المشتري.

***

فارس حامد عبد الكريم

23 / 11 / 2007

................

(1) الدول الأنجلو ساكسونية (Anglo-Saxon countries) هي مجموعة من الدول المتقدمة ذات الأصول الثقافية، اللغوية، والتاريخية المشتركة التي تعود إلى بريطانيا العظمى، وتتحدث الإنجليزية كلغة أساسية. تشمل هذه الدول بشكل رئيسي المملكة المتحدة، الولايات المتحدة، كندا، أستراليا، ونيوزيلندا، وتتميز باقتصاديات رأسمالية ونظم قانونية وسياسية متشابهة. ويعود المصطلح إلى قبائل جرمانية (الأنجل، الساكسون، واليوت) التي هاجرت من شمال ألمانيا والدنمارك إلى بريطانيا في القرن الخامس الميلادي، واستقرت هناك.

(2) - المقولة وردت في حكم القضاء الامريكي وفقاً للشريعة الانكلوسكسونية التي تعتمد على العرف والسوابق القضائية. وملخصها: هي مقولة لقاضي نطق بها كحكم قضائي في قضية من قضايا الرأي العام التي أثيرت في الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية وكان المدعى عليه في القضية نصاب قام بأكبر عملية نصب في ذلك الوقت استغل فيها ملايين الأمريكيين.

وتتلخص في ان  رجل أمريكي كان فقيرا جدا لدرجة إن حالته يرثى لها من شدة الفقر، و في أحد الأيام خطرت بباله فكرة، و لكن لم تكن فكرة عادية، بل كانت فكرة ملؤها الدهاء والمكر والتي من شأنها أن تغير حياته وتقلبها رأسا على عقب. فقد قرر أن يضع في الصحف الأمريكية إعلانا جاء فيه: “إذا أردت أن تصبح من الأثرياء، كل ما عليك هو أن ترسل دولارًا واحدًا فقط إلى صندوق البريد رقم ….. ”.

وفي اليوم التالي بدأ الملايين من الناس الذي يطمعون في أن يكونوا أثرياء بإرسال الدولارات على صندوق البريد فلن يكلفهم الأمر سوى دولارًا واحدًا وما هي إلا أيام حتى صار الرجل من الأثرياء جدًا فلديه حساب يجمع ملايين الدولارات بعد ذلك قام بالرد في نفس الصحيفة، وشرح للناس ما قام به، مؤكدا لهم أن طريقته التي أعلن عنها قد جعلته غنيا بالفعل. وبعد أن عرف الناس حقيقة الخدعة التي وقعوا ضحية لها، قاموا برفع القضايا ضده في المحاكم، ولكن لم تكن هناك حجة تدينه، لأن الرجل ووفق الإعلان قد أصبح غنيًا بالفعل، وقال القاضي الأمريكي مقولته الشهيرة: “القانون لا يحمي المغفلين”.

(3)- او يطلب توجيه اليمين الحاسمة للمدين

(4) ــ تسبق شرائع العراق القديم في ازمان تدوينها اقدم ماعرف من شرائع الحضارات الاخرى بعشرات القرون، اذ يعتبر قانون ( اور ـ نمو ) العراقي اول قانون مكتشف حتى الان في العالم قاطبة، اذ يعود تاريخ تدوينه الى فترة حكم الملك (اور ـ نمو) (2113 ـ 2095) ق.م، بينما لايتعدى تدوين القانون اليوناني القرن السادس قبل الميلاد، والقانون الروماني المعروف بقانون الالواح الاثني عشر (450)

 

هذه النظرية الواقعية تساير الغاية الاولى للقانون وهي غاية "تحقيق الاستقرار والأمن في المجتمع". وهي نظرية قد تتقدم على غاية العدل عند التعارض، بعد الموازنة بين الإيجابيات والسلبيات وإختيار القاعدة الأقل ضرراً حماية للوضع الظاهر وحسن النية، من خلال اضفاء صفة التصرف الصحيح على تصرف باطل بني بحسن نية على اعتقاد خاطئ جماعي مشترك.

تعريف النظرية: هي نظرية قانونية قضائية الأصل حيث تسمح للقاضي بتغليب الوقائع على القانون في حالات محددة. بحيث يتمكن القاضي من فرض آثار قانونية على وضع يختلف عن الواقع، ويدخل في نظام يكون فيه إضفاء الشرعية على الأعمال الباطلة ممكناً، لغرض التوازن والتفضيل بين المصالح المتضاربة، مصلحة صاحب الحق في عدم مصادرة ممتلكاته، ومصلحة الغير في تصحيح سلوكه تجاه الشخص الظاهر، وتُعطى الأولوية للمصلحة الأكثر حماية، وهي المصلحة التي التزم صاحبها بحدود القانون، وان بنيت تصرفاته على ظاهر الوقائع.

وأن أساس هذه النظرية هو القاعدة الرومانية "communis error facit jus".

هي قاعدة قانونية لاتينية تعني "الخطأ الشائع يُصبح قانونًا" أو "الخطأ العام يصنع الحق". تشير إلى أن الخطأ إذا انتشر وتبناه الناس (أو القضاء) على أنه صحيح، فقد يُعامل في حالات معينة كقاعدة قانونية ملزمة لحماية استقرار التعاملات وحسن النية.

ويشكل مفهوم الغلط الشائع الإساس لما يعرف في الفقه بنظرية الأوضاع الظاهرة (أو نظرية الظاهر)

ولهذه النظرية جذورها التطبيقية في عهود الرومان حيث عمل بها القضاء الروماني (البريتور الروماني).

وقد تبنت القوانين المدنية والتجارية وقوانين الاجراءات المدنية هذه النظرية في نصوص في القوانين المقارنة المعاصرة بعد ان طبقها القضاء واستقر على احكامها ردحاً من الزمن.

تعريف الغلط الشائع: هو الوهم الذي يستولي على المتعاقدين أو عموم الناس، فيصور لهم أمراً على غير حقيقته، حيث يظنون صحة إجراء غير صحيح، أو العكس، ويعاملونه معاملة الصحيح.

طبيعة النظرية: تتضمن قواعد إستثنائية لايجوز التوسع في تفسيرها.

مقارنات

1- لا يجوز الخلط بين هذه النظرية وقاعدة "لا يعذر أحد بجهله للقانون"، الذي لا يعتد بالدفع به امام المحاكم

فواجب هذه القاعدة في النظام القانوني هو حماية ثقة الجمهور وضمان استقرار المعاملات، وتحقيق العدالة، ومنع التملص من المسؤولية بدعوى الجهل، حيث يُعد العلم بالقانون التزامًا عاماً بمجرد صدور القانون ونشره في الجريدة الرسمية، ويعتبر علمًا مفترضًا للجميع، وإلا تعطلت فاعلية القوانين لو كان الجهل بالقانون عذراً.

بينما نظرية الغلط الشائع تحمي الأفراد والمتعاقدين حسني النية الذين تصرفوا بناء على وضع ظاهر خاطئ يعتقد جمع من الناس انه صحيح وهو في حقيقته باطل، ويقبل بالدفع بها امام القضاء.

2- الغلط في القانون: في النظرية القانونية، يجوز بطلان العقد إذا وقع غلط في القانون (مثل ورارث ذكر يبيع حصته معتقداً أنه يرث الربع بينما حصته هي النصف).

إلا ان نظرية الغلط الشائع تجعل هذا الغلط (إذا انتشر) ملزماً وكأنه قانون، لضمان استقرار المعاملات.

الحكمة من النظرية: تعكس هذه النظرية رغبةً في تخفيف صرامة القانون لحماية الأطراف الثالثة التي قد تكون ارتكبت خطأً. وهي تمنح قوة قانونية للأخطاء عند الضرورة؛ ولا ينبغي تعميم هذه القاعدة

شروط تطبيق هذه النظرية:

1- وضع ظاهر: وجود وضع ظاهر مخالف للحقيقة.

ونظرًا لإمكانية تضليل طرف ثالث بمظهر خادع، حتى دون وجود أي مخطط متعمد، سعت السوابق القضائية إلى تحديد الظروف التي تُضفي الشرعية على اعتقاد الطرف الثالث بالسلطة الظاهرية للعقد، أي الظروف التي تسمح له بالامتناع عن التحقق من صلاحيات المتعاقد الآخر معه. ومن بين هذه الظروف، وفقًا للمحاكم، منصب الوكيل المعزول وممارساته المهنية المستمر منذ زمن، دون ان يعلم المتعاقد الآخر بالعزل، أو وجود روابط أسرية بين الموكل والوكيل المزعوم.

في المقابل، تجعل بعض الظروف اعتقاد الطرف الثالث بالسلطة الظاهرية غير مبرر. فبحسب محكمة النقض الفرنسية، فإن أي وضع غير طبيعي، والذي من المفترض أن يشجع أي طرف متعاقد على توخي الحذر أو على الأقل طلب المعلومات، مما يحول دون اعتقاد الطرف الثالث المشروع بالسلطة الظاهرية.

علاوة على ذلك، تُطبق المحاكم تفسيرًا أكثر صرامة لاعتقاد الطرف الثالث المشروع عندما يكون من المهنيين ومدراء الشركات.

2- العمومية: أن يكون هذا الوضع شائعاً ويخدع الكافة (الغلط العام)، أي أن يقع فيه عدد كبير من الناس أو المتعاقدان معاً.

فهو الغلط الذي كان من الممكن أن يرتكبه أي شخص.

فلكي يُطبّق مبدأ السلطة الظاهرية، يجب أن يكون القاضي قادراً على تحديد أن الغلط كان من الممكن أن يرتكبه أي شخص في نفس الموقف.

قد يكون الغلط مشروعاً أيضاً، وفي هذه الحالة، قد يجد القاضي أنه بالنظر إلى الظروف الخاصة، كان لدى الشخص أسباب كافية للوقوع في الغلط والوقوع في فخ المظاهر.

3- خفاء الغلط: ان يكون الغلط جسيماً لا يسهل كشفه أو تجنبه.

هنا، لا مجال للتغاضي عن الغلط الناتج عن قلة الحذر واليقظة.

4- حسن النية: يجب أن يكون المتعاقد حسن النية،أي أنه يعتقد أن الشخص الذي تعامل معه هو المالك الحقيقي، وحسن النية هنا مفترض ما لم يثبت العكس.

وبالتالي، يقع على عاتق المالك الأصلي إثبات سوء نية المشتري لاسترداد العقار. علاوة على ذلك، تُقيّم النية الحسنة في تاريخ حيازة العقار (محكمة النقض المدنية الفرنسية، الدائرة الثالثة، 30 مارس 2017، رقم 15-21.790).

وهذا ما أكدته محكمة النقض الفرنسية في حكمها الصادر في 30 مارس 2017. علاوة على ذلك، في هذه القضية، طعن المدعون في تفسير المادة 544 من القانون المدني استنادًا إلى السوابق القضائية الثابتة لمحكمة النقض، والتي أقرت "بصحة بيع العقار من قبل المالك الظاهر، إذا كان المشتري حسن النية وضحية خطأ مشترك، وبالتالي يقر بفقدان ملكيته من قبل المالك الحقيقي"

ولا يجوز الاستناد إلى السلطة الظاهرية لتنفيذ عقد من قبل كاتب عدل بمساعدة زميل له، إذ يُشترط على كلا الموظفين العموميين التحقق من صلاحيات الآخر (الدائرة المدنية الأولى، 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2009، الاستئناف رقم 08-18056، وBICC رقم 720 بتاريخ 15 أبريل/نيسان 2010، وLegifrance).

5- مجهولية سند صاحب الحق الحقيقي

مما تسبب في ظهور هذا الغلط الشائع كالوارث الحقيقي او مجهولية موقفه من التعاقد كالموكل الذي عزل الوكيل، ولا يعلم المتعاقد (الطرف الثالث) بالعزل.

6- ان يكون العقد من عقود المعاوضات لا من عقود التبرعات: يجب أن يكون المشتري من المالك الظاهر قد حصل على العقار مقابل عوض قيّم.

وقد أكدت محكمة النقض الفرنسية في حكمها الصادر في 7 أكتوبر 2015، أنه "بما أن عائلة X... قد حصلت على العقار المتنازع عليه مجاناً، فإنها لا يحق لها المطالبة بصفة المالك الظاهر".

وبالتالي فإن ادعاء المالك الحقيقي بالملكية لا يسبب أي ضرر لأن الطرف الثالث حصل على الملكية مجاناً.

فمشتري العقار مجانًا لا يحق له التذرع بمبدأالملكية الظاهرية (المحكمة العليا الفرنسية، الدائرة المدنية الأولى، 7 أكتوبر/تشرين الأول 2015، رقم 14-16.946). هذا الحل منطقي: فإذا استعاد المالك الحقيقي عقاره، فإن المشتري المجاني لا يخسر سوى الإثراء الذي اعتقد أنه حصل عليه. ولهذا السبب، فإن حقوق ملكية المالك الحقيقي لها الأولوية على حقوق المشتري المجاني؛ إذ سيكون من الظلم حرمان المالك الحقيقي من حقوق ملكيته عندما لا يتكبد المشتري في نهاية المطاف أي ضرر حقيقي من خلال إعادة العقار الذي حصل عليه مجانًا الى مالكه الشرعي.

وبالتالي، فإن استيفاء هذه الشروط يسمح لأطراف ثالثة تتصرف بحسن نية بالحصول على ممتلكات تم بيعها من قبل مالك ظاهر.

أكدت محكمة النقض الفرنسية هذا في حكمها الصادر في 22 يوليو 1986 : "إن الأطراف الثالثة التي تتصرف بحسن نية تحت تأثير الخطأ المشترك لا تستمد حقها من المالك الظاهر، ولا من المالك الحقيقي، بل يتم منحها إياه بموجب القانون؛ وأن بطلان سند ملكية المالك الظاهر، حتى لو كان مسألة تتعلق بالسياسة العامة، لا يؤثر على صحة التصرف الذي وافق عليه، لأن سبب البطلان ظل وكان بالضرورة مجهولاً للجميع"

في هذا الحكم، تؤكد محكمة النقض مجدداً على شرط حسن النية من جانب الأطراف الثالثة ومبدأ الخطأ المشترك. وتشير إلى أن سند ملكية المالك الظاهر "يجب أن يكون مجهولاً للجميع بالضرورة"،

الحكم: يتم قبول التعاملات على أساس الغلط الشائع، طالما أن التصحيح سيؤدي إلى ضرر أكبر.

نطاق تطبيق النظرية: ينطبق مبدأ الملكية الظاهرية على كل من الأموال المنقولة وغير المنقولة. إلا أنه عمليًا، لا تنطبق على الأموال المنقولة اذ بموجب القانون يصبح حائز الأموال المنقولة مالكًا لها فورًا، وفقاً لقاعدة "الحيازة في المنقول سند الملكية" شريطة أن يكون الطرف الثالث حسن النية. لذا، يكفي مشتري الأموال المنقولة أن يكون حسن النية (أي أن يعتقد أنه اشتراها من مالكها الحقيقي) ليصبح مالكها المباشر.

شرعية الحكم بناءاً على الوضع الظاهر:

قال تعالى " وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون " يوسف الآية 18

فقد حكم يعقوب (ع) في قضية قتل الذئب لابنه يوسف (ع) بأنه لم يقتله مع وجود الدم على القميص استدلالاً بما ظهر من القرينة وحال القميص عملاً بالوضع الظاهر. فإن أخوة يوسف عندما جاءوا بقميصه الملطخ بالدماء إلى أبيهم يعقوب نظر إليه وتأمله فلم يجد فيه أي تمزق، فقال لهم ما عهدت الذئب حليماً يأكل يوسف ولا يمزق القميص، فدل ذلك على كذبهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله

"إنَّما أنا بَشَرٌ وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكونَ ألْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فأقْضِي علَى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فمَن قَضَيْتُ له مِن حَقِّ أخِيهِ شيئًا، فلا يَأْخُذْهُ فإنَّما أقْطَعُ له قِطْعَةً مِنَ النَّارِ."

حديث نبوي شريف صحيح يوضح منهج القضاء في الإسلام، القضاء بالظاهر وليس بعلم الغيب، لانه عليه الصلاة وآله لو حكم بعلم الغيب لأمتنع القضاء على القضاة من بعده ولأحتج عليهم الناس انهم لايعلمون الغيب فالنبي يحكم بظاهر الأمور وبما يظهر له من البينات والأقوال والإقرار او الإنكار، وليس بعلم الغيب.

أبرز تطبيقات نظرية الغلط الشائع يقوم مقام القانون:

اولاً- الوكالة الظاهرة:

يقصد بالوكالة الظاهرة وجود مظهر خارجي خاطئ صادر عن الأصيل (الموكل) يدفع الغير حسن النية إلى أن ينخدع ويبرم التصرف مع الوكيل الذي يتعامل خارج حدود وكالته ظناً من الغير حسن النية أنه ينوب عن الأصيل، ففي هذه الحالة وخروجاً عن الأصل العام -الذي يقرر عدم انصراف أثر تصرف الوكيل دون وكالة أو تجاوز حدود وكالته إلى الموكل- فينصرف أثر التصرف الذي أبرمه الوكيل الظاهر الذي تجاوز حدود وكالته إلى الأصيل على أساس الوكالة الظاهرة، لا على أساس الوكالة الحقيقة لكن على أساس الوكالة الظاهرة.

ومثال للمظهر الخارجي الخاطئ الذي قد يصدر عن الأصيل أن يرسل أحد التجار مثلاُ أحد تابعيه لتحصيل دين له أو شراء بضاعة له بثمن آجل من غيره من التجار مرة تلو أخرى ثم في أحد المرات يذهب هذا التابع دون تفويض من رئيسه لأخذ بعض الديون من التاجر الأخر أو شراء تلك البضاعة بالثمن الآجل لحساب نفسه هو دون أن يعلم ذلك متبوعه فيعطه المال ظناً منه أن متبوعه قد أرسله فينصرف أثر التصرف هنا في حق الأصيل وهو التاجر الذي أرسله.

وقد قضت محكمة النقض المصرية بأن:” الأصل وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة: أن التصرفات التي يبرمها الوكيل خارج نطاق وكالته لا تنفذ في حق الموكل ما لم يجزها هذا الأخير، وخروجاً على هذا الأصل يعتبر الوكيل الظاهر نائباً عن الموكل فينفذ في حقه التصرف الذي يبرمه متى ثبت قيام مظهر خارجي خاطئ منسوب إلى الموكل، وأن الغير الذي تعامل مع الوكيل الظاهر قد انخدع بمظهر الوكالة الخارجي دون أن يرتكب خطأ أو تقصيراً في استطلاع الحقيقة” نقض مدني ــ الطعن رقم 1171 لسنة 51 قضائية جلسة 27/12/1984

(نقض مدني ــ الطعن رقم 630 لسنة 39 قضائية جلسة 22/11/1975، قطر مصر

على الرغم من أن محكمة النقض الفرنسية، في حكم أصدرته عام ١٩٦٢ عن الجمعية العامة، أرست مبدأ إمكانية محاسبة الموكل على أساس السلطة الظاهرية، المحكمة العليا مؤخرًا بأنه يمكن محاسبة الموكل على أساس السلطة الظاهرية، حتى في غياب أي خطأ يُعزى إليه، إذا كان اعتقاد الطرف الثالث بنطاق صلاحيات الوكيل مشروعًا. ويفترض هذا المشروع أن الظروف، التي لا يخلو منها الموكل تمامًا، تُبرر عدم تحقق الطرف الثالث من الحدود الدقيقة لتلك الصلاحيات. وفقًا للسوابق القضائية، فإن الموكل ليس غريبًا عن تكوين المظهر، لا سيما عندما لا يُبلغ الطرف المتعاقد الثالث بأن الوكيل الذي كان يمثله رسميًا سابقًا أو الذي كان يتعامل معه الأخير عادةً لم يعد يمثله

وبغض النظر عن الظروف المحددة، ترى أعلى محكمة أن اعتقاد الطرف الثالث المشروع بمظهر الوكالة يجب تقييمه وقت تنفيذ الفعل. كما أقرَّت السوابق القضائية بأن وجود علاقات تعاقدية سابقة، أو ممارسات عرفية، أو ممارسات راسخة منذ زمن طويل، يُسهِّل اعتقاد الطرف الثالث بالسلطة الظاهرية.

وقت نصت المادة (948) من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 المعدل على انه:

(لا يحتج بانتهاء الوكالة على الغير الحسن النية الذي تعاقد مع الوكيل قبل علمه بانتهائها).

ثانياً- الوارث الظاهر: فلو مات شخص ولا يعرف له ابن فورثه الاقرب كأبن عمه مثلاً .. وقام ابن العم باجراء التصرفات القانونية على الاملاك التي ورثها كالبيع والايجار والمساطحة وغيرها

ثم ظهر ان للمتوفي ابن كان مختفياً، او مفقوداً، فتطبيقاً للقاعدة تعتبر حميع تصرفات ابن العم (الوارث الظاهر) من بيع وايجار وغيرها صحيحة ونافذة بحق الابن (الوارث الحقيقي) وليس له ان يبطلها

ولكن له ان يرجع على ابن العم بجميع العوائد والاموال الذي تحصل عليها من الارث بدعوى والسبب هو استقرار المعاملات في المجتمع.

فالذي اشترى وباع ورتب آثار فقد يكون قد باعها لاشخاص اخرين او رتب عليها رهون فان انتزاعها منهم بدعوى العدالة يثير المنازعات وتتأثر حقوق الناس وقد تفقد كما في الدائن الراهن للعقار الذي لم يعط الدين الا برهن العقار العائد للمدين ثم نأتي وننتزع من المدين العقار فهنا يفقد الدائن اهم ضمان وضعه لحماية نفسه حيث يُعتبر من حصل على الأصول بحسن نية ومقابل عوض قيّم مالكًا لها.

فعلى سبيل المثال، أصدرت محكمة النقض الفرنسية حكماً في 26 يناير 1897، استناداً إلى نظرية السلطة الظاهرية هذه. ونص الحكم على أنه "بمجرد ثبوت الخطأ المشترك الذي لا يمكن دحضه، فضلاً عن حسن نية الأطراف الثالثة، فإن التحويلات التي يجريها الوريث الظاهر تُعفى من أي دعوى فسخ يرفعها الوريث الحقيقي ".

بمعنى آخر، عندما يستحوذ طرف ثالث على ملكية من مالكها الأصلي، يُعتبر هذا الطرف الثالث هو المالك الجديد . وبالتالي، يصبح ادعاء المالك الأصلي مستحيلاً

من الناحية العملية، يتيح هذا أمرين

أمان وسرعة المعاملات حماية الأطراف الثالثة التي تتصرف بحسن نية، حتى لو كان هناك بعض التساهل مع مشتري الطرف الثالث حسن النية، فإن الأمر نفسه لا ينطبق على المالك الظاهر الذي يجب عليه إعادة قيمة العقار إلى المالك الأصلي .

نظراً للخطأ الذي ارتكبه الطرف الثالث بحسن نية أثناء عملية الاستحواذ، لا يمكن استرداد العقار بحالته الأصلية. وعليه، يجب على المالك الظاهر إعادة قيمة العقار إلى المالك الحقيقي، بالإضافة إلى جميع الأرباح التي حصل عليها إن كان قد تصرف بسوء نية.

يمكن الاستشهاد أيضاً بالملكية المشتركة قد يظهر أحد المالكين المشتركين للغير وكأنه يمتلك ملكية كاملة لأحد الأصول المملوكة ملكية مشتركة. في هذه الحالة، إذا باع المالك المشترك الأصل لمشترٍ حسن النية، يصبح هذا المشتري مالكاً للأصل فوراً بموجب مبدأ الملكية الظاهرية (محكمة النقض المدنية الأولى (فرنسا)، 22 يوليو 1986، رقم 84-17.004)

وقد نصت المادة (384) من القانون المدني العراقي على انه (اذا كان الوفاء لشخص غير الدائن او نائبه فلا تبرا ذمة المدين الا اذا اقر هذا الوفاء او تم الوفاء بحسن نية لشخص كان الدين له ظاهرا كالوارث الظاهر).

ثالثاً- التاجر الظاهر والشركة الظاهرة: الاعتداد بتصرفات الشخص الذي يظهر بمظهر التاجر أو الشركة في مواجهة الغير حسن النية، حتى لو كان المركز القانوني الحقيقي غير صحيح.

وكانت المادة (19) من قانون التجاري رقم 149 لسنة 1970 الملغي قد نصت على انه:(تثبت صفة التاجر لكل من احترف التجارة باسم مستعار أو كان مستترا وراء شخص آخر فضلا عن ثبوتها للشخص الظاهر.)

والغاء نص المادة لا يعني الغاء حكمها حسب القواعد العامة وحسب تقدير القضاء.

رابعاً- الموطن الظاهر (في المرافعات): صحة إجراءات التقاضي والتنفيذ التي تتم في الموطن الظاهر للخصم.

نصت المادة (44) من القانون المدني العراقي على انه (يعتبر المكان الذي يباشر فيه الشخص تجارة او حرفة موطنا له بالنسبة الى ادارة الاعمال المتعلقة بهذه التجارة او الحرفة).

المدير الفعلي/المحامي الظاهر: صحة الأعمال والإجراءات التي يقوم بها مدير الشركة الفعلي أو المحامي الذي يبدو أنه يمثل الخصم.

خامساً- المدين الظاهر: نفاذ الوفاء الذي يتم للمدين الظاهر (من يظهر كدائن) إذا كان ذلك عن حسن نية.

وقد سبق الاشارة الى نص المادة (384) من القانون المدني العراقي على انه (اذا كان الوفاء لشخص غير الدائن او نائبه فلا تبرا ذمة المدين الا اذا اقر هذا الوفاء او تم الوفاء بحسن نية لشخص كان الدين له ظاهرا كالوارث الظاهر).

سادساً- الموظف الظاهر (في القانون الإداري): نظرية الموظف الفعلي

والنظرية تعد من تطبيقات مبدأ دوام سير المرافق العامة، ولنظرية الموظف الفعلي تطبيقان

الاول: الموظف الفعلي في الظروف الطبيعية

الثاني: الموظف الفعلي في الظروف الاستثنائية

ويعرف الموظف الفعلي بأنه هو ذلك العامل الذي يتولى وظيفة عامة معينة دون سند شرعي

1- نظرية الموظف الفعلي في الظروف الطبيعية.

بان يصدر قرار بتعيينه، أو ترشحه الإدارة لوظيفة معينة وتعهد إليه بعمل ليمارسه قبل صدور قرار تعيينه خضوعا لمقتضيات المرافق العامة، أو الذي تم تعيينه بشكل معيب استنادا إلى سند غير مشروع تقرر إلغاؤه بعد فترة من توليه منصبه وحسب الأصل تعد أعماله باطلة وفقا لقواعد تنظيم الوظائف العامة.

الموظف الفعلي قد يكون قاضياً او استاذاً جامعياً .... ويستمر بعمله لسنوات عديدة بإتخاذ القرارات القضائية والقرارات الإدارية ثم يتبين فيما بعد إن تعيينه في الوظيفة كان باطلاً كأن يثبت ان شهادته العلمية كانت مزورة

2- نظرية الموظف الفعلي في الظروف الاستثنائية

وقد يستحيل على الموظفين في حالة الحرب أو الثورات القيام بأعمالهم فيتطوع فرد لا صلة له بالمرفق بأداء عمل الموظف، ولما كان الأصل لقانون العقوبات ان من ينتحل صفة الموظف العمومي يعتبر مرتكبا لجريمة معاقبا عليها إلا انه في الحالات السابقة ووفقا لمبدأ دوام سير المرفق بانتظام واضطراد فقد اخذ القضاء الفرنسي والمصري والعراقي بنظرية الموظف الفعلي.

في هذه الحالة ماهو حكم القرارات التي اتخذوها؟

تعد تصرفات الموظف الفعلي تصرفات مشروعة استنادا إلى دوام سير المرفق العام وأيد الفقه والقضاء صحة أفعال الموظف الفعلي استثناء من القواعد العامة التي تنظم الوظائف العامة في الظروف العادية والظروف الاستثنائية

فقد أقر القضاء الفرنسي والمصري والعراقي ان هذا الموظف يعد موظفاً فعلياً تمييزاً له عن الموظف الرسمي

واعتبر هذا القضاء ان جميع تصرفاته وقرارته القضائية او الإدارية والمهنية تعتبر صحيحة ومعترف بها قضاءاً وذلك حماية لمصالح ابناء المجتمع من الإنهيار المفاجيء مما قد يتسبب في ارباك المراكز القانونية وتهديد امن واستقرار المجتمع من خلال إعادة النظر في الالاف من القرارات التي اتخذها القاضي او رجل الادارة والشهادات الممنوحة للخريجين خلال السنوات الفائتة.

ومثال ذلك فقد اكتشف قبل سنوات في بعض الجامعات العربية والأفريقية ان اساتذة من البلدان العربية مارسوا التدريس لمدد تزيد عن خمس وعشرين سنة ووصلوا لمراتب ادارية عليا في الجامعات وناقشوا رسائل دكتوراه وماجستير ليتبين بعدها ان شهاداتهم مزورة!! وبعد تناول الموضوع في وسائل الإعلام احدث ذلك رعباً لدى خريجي هؤلاء الاساتذة من حملة الدكتواره والماجستير وغيرها ولكن القضاء طمأنهم بأن كل شيء على مايرام ولن تمسهم أية مسؤولية او ضرر ودعاهم الى ممارسة اعمالهم بشكل طبيعي.

ولذلك يكون للموظف الفعلي الحق في استرداد كل ما تكبده من نفقات في إدارة المرفق العام . كما ان الإجراءات والأعمال التي يباشرها بوصفه موظفا فعليا تكتسب الصفة الإدارية ويمكن الطعن فيها أمام القضاء الإداري بدعوى الإلغاء لتجاوز السلطة. وتطبق عليها أحكام الأعمال الإدارية كما لو كانت قد صدرت من موظف عام تقلد الوظيفة العامة بطريقة مشروعة وسليمة.

ولا ينقلب الموظف الفعلي إلى موظف قانوني إلا إذا عين في الوظيفة بواسطة السلطة المختصة وباتباع الإجراءات والأشكال المقررة قانونا

ويقرر القضاء الإداري تحصين القرارات الإدارية المعيبة الصادرة من موظف ليس له صلاحية كاملة ولكن يبدو كذلك، بتوفر شروطها، حماية للمتعاملين مع الإدارة.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب السابق لرئيس هيئة النزاهة الاتحادية

كتاب ثمار وفوائد تلاوة صفات بوذا أنموذجا

مقدّمة: المطّلع على كتيّب  " ثمار وفوائد تلاوة صفات بوذا" بقلم الرّاهب فرا تاماسينغبورا أتشـان Phra Dharmasinghaburachan من معبد أمبافان، المعبد البوذيّ التّأريخيّ المعنيّ بالتّأمل وممارسة الأنشطة الرّوحيّة، ويقع في محافظة سينغبوري في تايلاند، والكتاب باللّغة التّايلنديّة مع عبارات باللّغة الباليّة، وهي اللّغة الدّينيّة في البوذيّة القديمة، والّتي هاجرت مع البوذيّة من القارّة الهنديّة، وأصبحت تكتب بالحروف التّايلانديّة في تايلاند، والكتاب يقع في تسع وثمانين صفحة من الحجم الصّغير، طبعته شركة رونغ رُوانغ وِيرِيَّا فَتْثَنا للمطابع المحدودة في تايلاند، ويوزع بشكل مجانيّ في المعابد[1].

الكتاب في جملته يعطيك صورة مختصرة عن الدّعاء في البوذيّة وغاياته وطرقه ومفرداته، وهو أشبه بكتيّبات الدّعاء في معابد الأديان الإبراهيميّة، ومنها الإسلام، جاء في مقدّمته: "جعلُ تلاوة الأدعية وعبادة بوذا نهجا دائمًا في الحياة، وتأمّلا يوميّا فيها، يؤدّي إلى ثمار وافرة، ونماء في الخير، وبناءِ الفضيلة للنّفس. ويكون الرّبح الحقيقيّ هو الخير الّذي يمكن إهداؤه لأبناء الوطن، وللشّركاء في هذا العالم، لكي نعيش جميعا في حظٍّ طيّب وسعادة، كلّنا بلا استثناء. أتمنى أن تقوموا أنتم وأفراد أسركم جميعا بتلاوة الأدعية معا، في كلّ بيت، لتكون بركة في الحياة، فيتحقّق حسن الحال، وتزداد الحكمة، وتنالوا السّعادة والازدهار المتواصل في حياتكم. وأرجو منكم أن تحثّوا أبناءكم وأحفادكم جميعا على تلاوة الأدعية قبل النّوم. فإذا كنتم – أيّها الإخوة – على نيّة صادقة وإيمان راسخ، وجعل الأبناء يتلون الأدعية وفق هذا الكتاب؛ فإنّ الثّمار الّتي تُجنى من التّلاوة ستكون عظيمة"[2].

ومن فوائد الاحتفاظ بهذا الذّكر "إنّ من يحتفظ به في بيته ينال ثوابا أعظم من بناء ستوبا (برج بوذي) من الذّهب الخالص بارتفاع يوازي عالم الآلهة، ويكون محفوظا من الأخطار المختلفة، ويزدهر في رزقه ومعيشته"[3]. "فإنّ ثوابه وفضله لا يمكن وصفه أو الإحاطة به، وهو من أعظم الأعمال الصّالحة، وسيحصل صاحبه على السّعادة والبركة والازدهار في الحاضر وفي المستقبل، ممتدّا إلى أبنائه وأحفاده من بعده، بقوّة الاحترام والتّبجيل لهذه التعويذة المقدّسة"[4]. ومن "يتلوه ويتعبّد به صباحا ومساء على أنّه عبادة وتذكّر لبوذا؛ فإنّ هذا الشّخص لن يسقط في عوالم الهلاك، وحتّى مجرد الاحتفاظ به في المنزل يكفي لدفع الأخطار والمصائب المختلفة"[5].  "إنّ من تبرّع بالمال لبناء وإهداء للرّهبان والرّاهبات، أو للأقارب والأصحاب، أو يتلوه حتّى يكمل ثلاثة أيّام؛ سيحظى بحظّ وسعة رزق وازدهار، وينجو من النّحس، ويخلو من الحزن والمرض وكلّ الكوارث"[6]. ومن نوى وجلس يتأمل ويتلوه ثلاث مرّات يوميّا فلن يقع في ذنوب؛ وكلّ ما يقوم به سيُحقّق مراده. ومن يتلوه سبع مرّات يوميّا، حتّى العظام ستطفو على الماء"[7].

"والبوذيون غالب سكان تايلاند، وأغلبهم ينتسبون إلى البوذيّة التّيرفانديّة أو الثّرافادا، ويطلق عليها أيضا هينايانا وتعني العربة الصّغيرة، وهي البوذيّة الأرثدوكسيّة الّتي ترى نفسها أقرب إلى تعاليم بوذا، وتقابلها بوذيّة الماهايانا أي العربة الكبيرة، وهذه تنتشر في الهند والصّين وكوريا واليابان، ومنها انبثقت بوذيّة زن المغالية في التّقشف، بينما بوذيّة الهينايانا تنتشر بصورة أكبر في سيرلانكا وبورما وكمبوديا ولاوس بجانب تايلاند"[8]، وهذا الكتيّب يمكن تصنيفه ضمن دائرة كتب الأدعية والرّوحانيّات في البوذيّة التّيرفانديّة.

البوذيّة ووجود الآلهة:

البوذيّة لا تنكر الآلهة كما يشاع، بل تجد صورها في المعابد. والثّقافة الفيديّة[9] (الأديان الهنديّة) المنبثقة منها البوذيّة لم تتخلّ عن فكرة الآلهة، وكلمة بوذا "مشتقة من الجذر البالي "بوذا"، وتعني الفهم أو المعرفة. وهكذا، كان بوذا شخصا يفهم الحقيقة، ويجدها، ويستطيع تعليمها أو إعلانها"[10]، وفي هذا الكتاب "ليحفظني براهمـا والآلهة العظمى، وجميع الأرواح الحارسة، وليُزيلوا العوائق ... ليمنحني براهمـا والآلهة العظمى وفرةً في الرّزق"[11]، والفارق بين البراهمة والأراهنت في البوذيّة أنّ الأولى كائنات إلهيّة علويّة لم تصل إلى النّيرفانا، أي المرحلة النّهائيّة والمطلقة في التّحرّر الرّوحيّ، بينما الأراهنت بلغت مرحلة التّنوير الكامل ووصلت إلى النّيرفانا، حينها يطلق عليها "بوذا، أي المدرك للحقيقة الكاملة، فهو غير داخل في دائرة التّناسخ عكس البراهمة، وهذا ما وصل إليه سيدهارتا غوتاما في القرن الخامس أو السّادس قبل الميلاد، فكان فيديّا انعزل الحياة، وعاش في مرحلة التّأمل والتّرقي في نيبال اليوم، ليصل إلى النّيرفانا غير القابلة للتّناسخ.

بوذا – حسب النّظريّة البوذيّة (النّيرفانا) – أرقى من الآلهة، فهو "معلّم الآلهة والبشر"[12]، "هذا هو المبارك: معلم الآلهة والناس حقًا هو المبارك"[13]، "ألوذ بالمعلّم، معلّم الآلهة والبشر، أنحني برأسي للمعلّم، معلّم الآلهة والبشر، ألوذ بالبوذا، أنحني برأسي للبوذا"[14]، وفي هذا الكتاب يظهر دعوتهم للآلهة أيضا: "ليحفظني براهمـا والآلهة العظمى، وجميع الأرواح الحارسة، وليُزيلوا العوائق ... ليمنحني براهمـا[15] والآلهة العظمى وفرة في الرّزق"[16]، ويظهر تأثيرها أيضا: "من يطلب ولدا، فليُرزق ولدا، ومن يطلب مالا، فليُرزق مالا، ومن يطلب الخير والصّحة، فليحصل عليهما، وليكن محبوبا لدى الآلهة"[17]، وفي الكتاب أيضا: "اعلم أيضا أنّ ممارسة التّأمل يجب أن تتمّ في مكان مناسب في كلّ مرة، اجعل ذهنك ثابتا في صلواتك، فستشاركك الآلهة والحماية البهيّة في السّرور والبركة، لا تفعل ذلك عبثا وإلّا سيكون لذلك ضرر عليك"[18].2390 Buddha

النّيرفانا ونظريّة الإنسان الكامل:

نظريّة النّيرفانا موجودة بشكل أو بآخر في الأديان عموما ومنها الإبراهيميّة. متّى المسكين (ت: 2004م) – الأبّ الأرثذوكسيّ المصريّ – في كتابه "حبّة الحنطة" حاول تفكيك هذه المعادلة من خلال ثنائيّة الرّوح (الخير/ الأعلى) والجسد (الشّر/ الأسفل)، مع وسطيّة النّفس، "والنّفس موضوعة بين الجسد والرّوح .... فهي إمّا أن تتحد مع الجسد وتتعاطف معه ضدّ الرّوح، وإمّا أن تتحد مع الرّوح وتتعاطف معه ضدّ الجسد، وهكذا تكون النّفس إمّا جسدانيّة وإمّا روحانيّة"[19]، "والنّفس تصدر عنها العواطف، وتحوي الحياة الجسديّة"[20]، "والذّات هي النّفس"[21]، "والذّات تتحصن داخل الجسد"[22]، أمّا "الجسد بشهواته وغرائزه مخلوق أصلا على غير فساد، ومهيأ ليخضع لقانون الرّوح، وينضبط بالرّوح دون أن يفقد شيئا من شهواته وغرائزه الطّبيعيّة"[23]، لكنّه "هو الموت والفناء"[24]، ومركز الغرائز والشّهوات. وأمّا الرّوح "هي نفحة من الله، وهي الّتي تجعل الجسد حيّا"[25]، والرّوح "تستقبل التّأثيرات، وتعبّر عنها، وتتصل بالله وتحبّه"[26]، "وتستمد قوّتها وطاقتها من الرّوح القدس مباشرة"[27]. لهذا "هناك صراع بين الرّوح والجسد من جهة، وبين الرّوح والنّفس المنحازة إلى الجسد، لهذا على الرّوح أن تتحرّر من سطوة الجسد، وتتحد مع النّفس، حتّى لا يكون مداره النّفس المتحدة بالجسد، وإنّما النّفس المتحدة بالرّوح"[28]، لهذا تدور النّفس بين ثنائيّة الأبديّة والفناء، "فتتحقّق الحياة الأبديّة إذا انحازت النّفس إلى الرّوح"[29]، أمّا إذا التصقت بالفاني – أي الجسد – تفنى، وإن كانت حيّة في ظاهرها. وعليه "النّفس هي العدو الّذي يقف ضدّ خلاص الإنسان إذا ارتبطت بالجسد، فعليها أن تتحرّر بالرّوح"[30]، لكن "لا يمكن الجمع بين حريّة النّفس المتعاهدة مع الجسد، وبين حريّة الرّوح المتحدة بالرّوح القدس، فعليه أن يتحرّر من حريّة الخطيئة ليخلص بالرّوح"[31].

مرتضى مطهري (ت: 1979م) في كتابه "أنسنة الحياة في الإسلام"، يؤصّل لاتّجاهات نظريّة الإنسان الكامل في الغنوصيّة الإسلاميّة، ونظريّة الإنسان الكامل تقترب من نظريّة النّيرفانا، ويجمل مطهري أهم نظريّاتها إلى ثلاث نظريّات رئيسة: الأولى "النّظريّة العقليّة كما عند ابن سينا، ويرون العقل هو جوهر الإنسان، فالإنسان الكامل هو الإنسان الحكيم، أي الفيلسوف العاقل من خلال إدراكه لكليّات الوجود، ويدرك هيكل الوجود ليعثر على فهم أجزائه، فتكمل نفسه البشريّة عندما تنعكس صورة هيكل العالم في عقل الإنسان، فيكون عقله مضاهيّا للعالم العينيّ، وهذه الحكمة النّظريّة، وبها يرتفع إلى الحكمة العمليّة أي يهمين على غرائزه وقواه الجسمانيّة[32]. والثّانية نظريّة العشق أي العرفان والتّصوّف، ورقيّ الإنسان الكامل من خلال العشق أي الله، ويبدأ البحث عن العشق عموديّا بالصّعود إلى المعشوق، ثمّ تستقر أفقيّا، وترتبط بالرّوح لتصعد إلى الخالق، ليصبح الإنسان الكامل هو الله متحدّا معه[33]. والثّالثة نظريّة القدرة، أي القوّة، فالإنسان الكامل هو الإنسان المقتدر، وهذه مدرسة السّفسطائيين، والقوّة عندهم هي الحقّ، فعلى الإنسان الكامل بذل الجهد للحصول على القدرة والقوّة، وهذه ظهرت مؤخرا عند نيتشة بمعنى الإنسان الأعلى، وعند غيره الإنسان الأسمى[34].

فكرة التّرقي أو الإنسان الكامل فكرة قديمة وجدت مع الكونفوشيّة، فيذكر منشيوس (ت: 289ق م) - المعلّم الثّاني للفلسفة الكونفوشيّة – في كتابه "منشيوس" أنّ "قونغ من تشو [قال]: كان كل من (جاي وو) و (تسي قونغ) بارعين في البلاغة، و (ران نيو) و (مين تسي) و (يان هوي) بارعين في شرح مبادئ الأخلاق. أمّا كونفوشيوس فكان بارعا في الاثنين، ومع ذلك فقد قال إنّه ليس بارعا تماما في البلاغة. فإذا كان أمرك كذلك، أفلا يعني هذا أنّك قد بلغت مرتبة الإنسان الكامل؟. أجابه منشيوس: إنك تبالغ في الأمر. ذات مرة سأل (تسي قونغ) كونفوشيوس: هل أنت إنسان كامل أيّها المعلم؟ أجابه كونفوشيوس: لا أقدر على أن أكون إنسانا كاملا. أنا شخص لا يشبع من التّعلّم، ولا يتعب من التّعليم. فقال (تسي قونغ): إذا كنت لا تشبع من التّعلم، فهذا يعني أنّك واسع المعرفة، وإذا كنت لا تتعب من التّعليم، فهذا يدلّ على أنّك رجل فاضل. وهكذا فبجمعك لسعة المعرفة والفضيلة تغدو إنسانا كاملا أيّها المعلّم. فإذا لم يسمح كونفوشيوس لنفسه أن يُعتبر إنسانا كاملا، فمن العجب أن تدعوني أنت إنسانا كاملا. قال (قونغ صن تشو): سمعتُ أنّه في الماضي حاز كلّ من (تسي شيا) و(تسي يو) و (تسي تشانغ) على بعض خصائص الإنسان الكامل، أمّا كلّ من (ران نيو) و (من تسي) و (يان يوان) فكانوا صورة مصغرة عن الإنسان الكامل. فإلى أيّ المرتبتين أيّها المعلم تنسب نفسك؟ أجابه منشيوس: لنترك الحديث في هذا الموضوع الآن. قال (قونغ صن تشو): ماذا تقول في (بو بي)  و (إي ين)؟ أجابه منشيوس: لكلّ منهما طريق يختلف عن طريق كونفوشيوس ... كلّهم كانوا حكماء في الماضي، ولكنّي إذا خيّرت اخترت طريق كونفوشيوس. سأله (فوقع صن تشو): إذا قارنا بين هؤلاء الثّلاثة، فهل تضعهم في نفس المرتبة؟ أجابه منشيوس: "كلّا، فمنذ بداية التاريخ لم يظهر شخص آخر مثل كونفوشيوس"[35].

إنسانيّة الإنسان الكامل في الفلسفة الكونفوشيّة قائمة على المعرفة والحكمة والخلطة، وهي خلاف الهندوسيّة والبوذيّة القائمة على الانعزال والتّأمل والبتوليّة، وكما رأينا سلفا دخلت في الفلسفات والأديان الإبراهيميّة، وأصبحت مدار غنوصيّة الأديان، ويرى مصطفى هنديّ "هي المعرفة الباطنيّة الّتي تنطلق من عمق الإنسان، ولا تطلب شيئا خارجه"[36]، فالغنوصيّة "هي فعاليّة روحيّة داخليّة تقود إلى اكتشاف الحالة الإنسانيّة ... الكفيلة بتحرير الرّوح الحبيسة في إطار الجسد الماديّ، والعالم الماديّ، لتعود إلى العالم النّورانيّ الّذي صدرت عنه"[37]. وارتباط الإسكندريّة بالغنوصيّة ارتباط موغل في القدم، كان فلسفيّا كما في الغنوصيّة الأفلاطونيّة، أو دينيّا كما في اليهوديّة الآسينيّة في القرن الثّاني قبل الميلاد، الّذين تجسّدت فلسفتهم في الزّهد والرّهبنة، والاهتمام بالرّوح، فلا يأكلون لحوم الحيوانات، وتخلص  هدى عليّ كاكه يي في كتابها "الغنوصيّة" أنّ "الغنوصيين المسيحيين الإسكندرانيين اشتركوا جميعا في ضرورة التّخلّص من سلطان الأهواء، وتحرير النّفس، وقد وجدوا في اعتقادهم بالمسيحيّة إرضاء لحاجاتهم الرّوحيّة والعقليّة، وتأكيدا لانقلابهم نحو الغنوصيّة"[38].

وبما أنّ الإسكندريّة عاشت عالمين أو ثنائيتين: الغنوصيّة الفلسفيّة في صورها المختلفة الأفلاطونيّة والهرمسيّة والأبيقوريّة، والغنوصيّة اليهوديّة الآسينيّة، إلا أنّ مجيء المسيحيّة إلى الإسكندريّة مع  مار مرقس أو مرقص في القرن الأول الميلاديّ، وتعتبره الكنيسة الأرثدوكسيّة القبطيّة البطريرك الأول لهم، واستمر تقليدهم البابويّ حتّى يومنا هذا مع الأنبا تواضروس الثّاني ليكون رقم (118)، ولهذا يطلقون على أنفسهم بابا الإسكندريّة وبطريرك الكرازة المرقسيّة، والكرازة كلمة إنجيليّة بمعنى الدّعوة، والمرقسيّة نسبة إلى مار مرقس الرّسول. هذه الثّنائيّة ارتبطت بالغنوصيّة الأولى، والّتي وجدت بعض نصوصها مع مخطوطات نجع حمادي، وظهرت مع الرّمزيات الغنوصيّة المسيحيّة الإسكندرانيّة في القرن الأول الميلاديّ، رغم أنّهم هرطقوا وفق قانون الإيمان المسيحيّ عموما، أو الأرثذوكسيّ خصوصا بعد مجمع خلقيدونيّة (451م)، حيث تتشكل الكنيسة الشّرقيّة الأرثذوكسيّة القبطيّة اللّا خلقيدونيّة، والّتي ستصنف لاحقا ضمن اليعاقبة اللّا ملكيين، وارتبطت بالإسكندريّة روحيّا حتّى اليوم.

ومن أهم الرّمزيات الغنوصيّة الإسكندرانيّة في القرن الأول الميلاديّ باسيليدس، وتقوم غنوصيّته على الثّنائيّة بين الخير والشّر، وأنّ مصدر الخطيئة الهوى، وأنّ مصدره الخارج لا من الدّاخل، فعليه أن يتحرّر بحرمان النّفس من العديد من الطّيبات، فحرموا أنفسهم من الزّواج مثلا، فاقتربوا من ثنائيّة الزّرادشت، وتعذيب الذّات كما في البوذيّة[39]. ثمّ أتى بعده فالنتيونس وغنوصيّته تقوم على ثنائيّة الرّوح والجسد، وثنائيّة الإله الخالق، والإله الخيّر الطّيب وهي بذرة الرّوح، وهناك وسط بينهما، تبث ما هو إلهي روحيّ، وبين ما هو ماديّ جسميّ، ولهذا صورة المسيح الجامعة بين الرّوح والجسد[40].  كذلك أتى بعد باسيليدس الغنوصيّ مرقيون ليقترب من ثنائيّة باسيليدس، فهناك إله العبرانيين خالق العالم، وهناك إله المحبّة، وهو الإله المجهول، وهو إله المسيحيين، وهو خالق العالم الرّوحيّ[41]. هذه الغنوصيّة القائمة على الثّنائيّة من جهة، وعلى وجود إله أو حالة في الوسط هي الّتي تتشكل لاحقا مع الروحانيين المسيحيين، ومن ثمّ مع العرفانيين أو المتصوّفة المسلمين، من خلال ثنائيّة الخير والشّر، والمتمثلة في الرّوح والجسد، ووسطيّة النّفس لتلتصق بالإله الأعلى وتحلّ فيه، ويحلّ فيها، فهناك طرف وسط بين الرّوح الأعلى والجسد الأدنى، تجسّدت لاحقا مع الإيمان المسيحيّ في ثلاثيّة الأب والابن والرّوح القدسّ، وغنوصيّا في الجسد والرّوح والنّفس، وعرفانيّا في الظّاهر والباطن والحقيقة، مع ثنائيّة الحرف والرّمز أيضا. لهذا تشكّل مع الأفلاطونيين والمشائيين والهرمسيين قديما، ومن ثم مع العرفانيين المسلمين نظريّة الإنسان الكامل أو الإنسان السّماويّ، النّظريّة القائمة على الخير والشّر من خلال الرّوح والجسد كما عند الرّوحيين، وخالفهم المادّيّون، إلّا أنّ المادّيّة لم تخرج عن الثّنائيّة، كالفلسفة الأبيقوريّة القائمة على ثنائيّة اللّذة وهي الخير، والألم وهو الشّر. ونظريّة الإنسان الكامل من وائل من استخدمها من المسلمين محي الدّين ابن عربيّ (ت: 638هـ/ 1240م)، واشتهرت عند عبد الكريم الجيليّ (ت: 826هـ/  1424م).

التّثليث في البوذيّة:

غالب الفلسفات الغنوصيّة تقوم على المثنويّة من خلال الخير والشّر، والرّوح والمادّة، والمطلق والنّسبيّ، والثّابت والمتحرّك، وعلى التّثليث، ففي الفيديّة: براهما الخالق، وفيشنو الحافظ (الدّارما)، وشيفا المدمّر، وفي المسيحيّة: الاب والابن والرّوح القدس، وفي الغنوصيّة: المطلق واللّوغرس والحكمة، وفي التّرقي كما أسلفنا: الرّوح والنّفس والجسد، وعند المتصوّفة: المطلق والمراد والمريد، وفي البوذيّة: البوذا (الأرهنت المستنير الكامل)، والدّارما (التّعاليم)، والسّانغا (الرّهبان)، وهذه الثّلاثيّة المسمّاه بالجواهر الثّلاثة هي مدار الذّكر والتّوسل في البوذية[42].

فضيلة وفوائد الدّعاء والذّكر:

"إنّ تلاوة الأدعية وعبادة بوذا وجعلها ممارسة روحيّة ملازمة للحياة، وتأمّلا يوميّا فيها؛ تؤدّي إلى ثمار غزيرة، ونماء متزايد، وتُسهم في بناء الخير والفضيلة للإنسان نفسه، ويكون الرّبح الحقيقيّ هو هذا الخير الّذي يمكن تقديمه هدية لأبناء الوطن، ولشركاء الإنسانيّة في هذا العالم، كي نعيش جميعا في حظّ طيّب وسعادة، كلُّ واحدٍ منّا"[43]، ويقول الرّاهب فرا تاماسينغبورا أتشـان في شأن تلاوة مناقب بوذا: "لاحظتُ أنّ بعض النّاس يذهبون إلى العرّافين، فإذا قيل إنّ لديهم نحسا أو سوء طالع وجب عليهم "فكّ النّحس"، وقد رأيتُ أنّ ما يُسمّى بالعلامات أو الطّوالع السّيئة قد يكون له حضور في الواقع كما يذكره العرّافون. عندها وضعتُ توجيها قائما على اليقظة والوعي، فقلتُ: على المؤمن (اليوم) أن يتلو مناقب بوذا بعدد سنوات عمره، ويزيد عليها واحدا، لكي تتحسّن يقظته الذّهنيّة، وتستقيم أحواله، وقد ثبت – بقدر ما جُرّب – أنّ ذلك نافع"[44].

طريقة الدّعاء والذّكر والتّأمل:

"قبل الدّخول إلى قاعة العبادة يجب الاغتسال وتنظيف البدن وارتداء ملابس لائقة. اجلس بوقار وضبط الجسد والنّفس، وجه ذهنك بثبات نحو صورة بوذا، وتذكّر الثّالوث المقدّس، ثمّ قم بالانحناء ثلاث مرات. أسكن النّفس وتذكر فضائل الوالدين باعتبارهما أراهنت (قدّيسين) بالنسبة للابن. بعدها أشعل الشّموع للعبادة؛ أشعل الشّمعة الموجودة على يمين تمثال بوذا أولا، ثمّ الشّمعة على اليسار، ثمّ أشعل ثلاثة أعواد بخور. عند إتمام إشعال الشّموع والبخور ووضع مزوّدات العبادة؛ استحضر في ذهنك صورة البوذا كحاضر، اجلس على الرّكب وضع راحتي اليدين معا بنيّة التّعبّد. ابدِّ التّحيّة للثّالوث المقدّس، التّحيّة للبوذا ولصفات بوذا، وصفات التّعاليم، وصفات الجماعة/الرّهبان. ثمّ ابدأ ممارسة التّأمل والتّلاوة لزيادة القداسة والفعاليّة الروحيّة"[45].

يُبدأ بالتلاوة من دعاء تعظيم الجوهرة الثلاث[46]، أي البوذا والدّارما والسّانغا، يقول فيها: "بهذا القربان أُعظِّمُ البوذا، بهذا القربان أُعظِّمُ الدّارما، بهذا القربان أُعظِّمُ جماعة الرّهبان"[47]، ثمّ ينحني للجواهر الثّلاثة قائلا: "أنحني وأبجّل البوذا المبارك، الطّاهر الكامل (الأرهنت)، الّذي استنار استنارة كاملة بذاته"[48]، ثمّ يسجد.

ثمّ ينحني ثانية قائلا: "أنحني وأبجّل الدّارما، تعاليم الحقيقة الّتي أعلنها البوذا إعلانا تامّا"[49]، ثمّ يسجد.

ثمّ ينحني ثالثة قائلا: "أنحني وأبجّل السّانغا، جماعة تلاميذ البوذا الّذين ساروا في الطّريق المستقيم"[50] ثمّ يسجد.

يرتبط الذّكر بالتّأمل، "وكلما زاد ذلك [أي التّأمل]، سيظهر قوّة ذهنيّة، ويزداد الاستقرار في الحياة. اعلم أيضا أنّ ممارسة التّأمل يجب أن تتمّ في مكان مناسب في كلّ مرّة. اجعل ذهنك ثابتا في صلواتك، فستشاركك الآلهة والحماية البهيّة في السّرور والبركة. لا تفعل ذلك عبثا وإلا فسيكون لذلك ضرر عليك"[51]. "يُمارس التّأمل لتهدئة الذّهن، واكتساب الطّاقة، والحصول على فوائد في الحياة اليوميّة. تشمل الفوائد العمليّة: راحة البال، تخفيف المعاناة، الثّبات والاستقرار، وضوح المزاج، تحسين الذّاكرة، زيادة كفاءة العمل، صحة جيّدة، نوم هادئ، تحسين التّعلّم، والأهم من ذلك، تحصيل الثّواب"[52]. وطريقة الجلوس في التّأمل:  "اجلس بوضعيّة التّمدّد المتقاطع، ضع رجلك اليمنى فوق اليسرى، اجلس وظهرك مستقيم وعيونك مغلقة، ركّز انتباهك على سرّتك، راقب بطنك وهو ينتفخ وينكمش مع التّنفس"[53]، ثمّ تقنية التّنفس: "عند الشّهيق، اترك بطنك يتمدّد، قل ذهنيّا "ينتفخ"، وزامن عقلك مع حركة بطنك، لا تجعل عقلك يسبق أو يتأخر عن الحركة. عند الزّفير، اترك بطنك ينكمش، قل ذهنيّا "ينكمش"، وزامن عقلك مع الحركة"[54].  "اجعل وعيك منصبّا فقط على انتفاخ وانكماش البطن. لا تركز على الهواء عند الأنف، ولا تجبر بطنك على الحركة. اشعر بالحركة الطّبيعيّة: البطن يتحرّك للأمام عند الانتفاخ، وللخلف عند الانكماش، لا تتخيّل أنّه يتحرّك للأعلى أو للأسفل. واصل هذا التّدريب طوال الوقت المحدّد للتّأمل"[55].

وأمّا طريق التّعامل مع الأحاسيس أثناء التّأمل فيتمثل في: "عندما تظهر الأحاسيس فهي أمر مهمّ جدّا، ويجب أن تظهر مع الممارس بلا شك. يجب التّحلي بالصّبر لأنّها تُساعد على بناء فضيلة الصّبر. إذا فقد الممارس الصّبر؛ فإنّ ممارسة فيباسانا أو التّأمل العميق ستفشل"[56]، "أثناء الجلوس أو المشي التّأمليّ: إذا ظهرت الأحاسيس مثل الألم، أو الانزعاج، أو الوخز، أو الحكّة؛ توقف عن المشي، أو عن ممارسة التّنفس (انتفاخ وانكماش البطن)، ركّز وعيك على هذه الأحاسيس، ووجّه انتباهك إليها مع تحديدها كما هي: "ألم.. ألم.." "وجع.. وجع.." "تعب.. تعب.." "حكّة.. حكّة.." استمر في التّركيز على هذه الأحاسيس حتّى تزول، ثمّ عد إلى الجلوس أو المشي التّأمليّ"[57]. وعندما يتشتت الذّهن: "إذا بدأ العقل يفكّر بالمنزل، الممتلكات، أو أيّ تشويش ذهنيّ، ضع وعيك عند الجزء العلويّ من البطن (الضّلوع). ووجّه انتباهك إلى التّفكير قائلا ذهنيّا: "تفكير.. تفكير.." استمر في هذا التّركيز حتّى يتوقف الذّهن عن التّفكير، سواء كان التّفكير سعيدا، حزينا، أو غضبا"[58]. خلاصة التّأمل: "مواجهة الأحاسيس والأفكار بصبر ووعي، مع تحديدها كما هي؛ هي الطّريقة الأساسيّة لممارسة التّأمل بنجاح. الصّبر والوعي هما المفتاح لتجاوز الانزعاج العقليّ والجسديّ أثناء التّأمل. التّعامل مع المشاعر أثناء التّأمل والنّوم والأنشطة اليوميّة مثلما مع الأحاسيس الأخرى: عند الشّعور بالسّعادة؛ ركّز ذهنيّا وقل: "سعادة.. سعادة.." عند الحزن: "حزن.. حزن.." عند الغضب: "غضب.. غضب.." وهكذا مع جميع المشاعر"[59].

وممارسة التّأمل أثناء النّوم: "استلقِ ببطء وهدوء، ووجّه وعيك إلى نفسك قائلا ذهنيّا: "نوم.. نوم.." حتّى تستقرّ في وضع النّوم. ركّز وعيك على حركة الجسم أثناء الاستلقاء. بعد الاستقرار، ضع وعيك على البطن ووجّه الانتباه إلى الانتفاخ والانكماش: "ينتفخ.. ينكمش.." راقب جيّدا ما إذا كنت ستغفو أثناء الانتفاخ أم الانكماش"[60]، وأمّا ممارسة التّأمل أثناء القيام بالأنشطة المختلفة: عند المشي في أيّ مكان، دخول الحمّام، تناول الطّعام، أو القيام بأيّ عمل؛ يجب أن يكون لديك وعي دائم بكلّ حركة، أي أن تكون يقظا تماما للّحظة الحاضرة، وتراقب كلّ تصرّف وفق الواقع كما هو"[61]. خلاصة ذلك أنّ "مفتاح التّأمل النّاجح والحياة الواعية هو المراقبة المستمرة للأحاسيس، المشاعر، وحركات الجسم. سواء أثناء الجلوس، المشي، النّوم، أو الأنشطة اليوميّة. يجب الحفاظ على الوعي الكامل باللّحظة الحاليّة"[62].

كما يرتبط بأعواد البخور، ثلاثة أعواد تدلّ على: "العود الأول: فضيلة الحكمة (البِنايا)، العَود الثّاني: فضيلة الطّهارة، العَود الثّالث: فضيلة الرّحمة العظمى"[63]. كما يرتبط أيضا بالشّموع، "إشعال شمعتين: هو عبادة للدَرْس (الدّهرما) والانضباط البوذيّ (فينايَ)، الشّمعة اليمنى بالنّسبة لتمثال بوذا على يمين مَن يُشعل تمثّل شمعة الدَرْس، والشّمعة اليسرى بالنّسبة لتمثال بوذا على يسار المشتع تمثّل شمعة الانضباط (الفينايَ)"[64].

وفي الذّكر الصّفح من الجواهر الثّلاثة: "أنحني للبوذا، وكلّ ما صدر منّي من خطأ أو تقصير، فاعفُ عنّي أيّها الجليل. أنحني للدّارما، وكلّ ما صدر منّي من خطأ، فاعفُ عنّي أيّها الجليل. أنحني للسّانغا، وكلّ ما صدر منّي من خطأ، فاعفُ عني أيّها الجليل. أتّخذ البوذا ملجأ لي. أتّخذ الدّارما ملجأ لي. أتّخذ السّانغا ملجأ لي"[65].

ثمّ يجدّد الالتجاء إلى الجواهر الثّلاثة للمرة الثّانية والثّالثة: "للمرة الثّانية أتّخذ البوذا ملجأً لي. للمرة الثّانية أتّخذ الدّارما ملجأ لي. للمرة الثّانية أتّخذ السّانغا ملجأ لي. للمرة الثّالثة أتّخذ البوذا ملجأ لي. للمرة الثّالثة أتّخذ الدّارما ملجأ لي. للمرة الثّالثة أتّخذ السّانغا ملجأ لي"[66].

وهناك دعاء البركة ونصّه: "هذا وقت مبارك، مليء بالخير، وبداية حسنة، ولحظة سعيدة سامية، فليكن هذا اليوم صدقة مباركة في طريق الطّهارة والسّمو الرّوحيّ، فلتكن أفعال الجسد، وأقوال اللّسان، وأفكار العقل، كلّها مباركة وصالحة، ومن يقوم بالأعمال الصّالحة؛ ينال ثمارها الطّيبة"[67]. "فلتكن كلّ البركات حاضرة، ولتحفظني جميع القوى السّماويّة، وبقوّة جميع البوذات، فليكن لي السّلام الدّائم"[68]. ودعاء البركة والحماية ونصّه: "فلتكن كلّ البركات، ولتحفظني جميع القوى السّماويّة، وبقوة الدّارما؛ فليكن لي السّلام الدّائم"[69]. "فلتكن كلّ البركات، ولتحفظني جميع القوى السّماويّة، وبقوّة السّانغا؛ فليكن لي السّلام الدّائم"[70].

ومن الطّقوس أيضا في البداية يُقدِّم الممارس زهورا وبخورا وشموعا تكريما لـلجوهر الثّلاثيّ: البوذا والدّارما والسّانغا"[71].

ومن أنواع الأدعية دعاء إزالة العوائق ونصّه: "أتقبّل وأستقبل (الخير). لا أتشبّث ولا أتعلّق. ليحفظني براهمـا والآلهة العظمى، وجميع الأرواح الحارسة، وليُزيلوا العوائق"[72]. ودعاء الرّزق ونصّه: "ليمنحني براهمـا والآلهة العظمى وفرة في الرّزق. لتكن لي بركة عظيمة، ورزق وفير بلا انقطاع"[73]. ودعاء نجاح التّجارة، ونصّه: "ببركة بوذا، لتأتِ قلوب النّاس، ولتأتِ نيّاتهم إليّ، وليأتِ الرّزق، ولتأتِ المحبّة، في أرض البشر، رجالا ونساء، ولتتعلّق قلوبهم بي"[74]. ولديهم دعاء المحبّة والقبول العام (دعاء الميتّا العظيم)، حيث "ينبغي للإنسان أن يُنمّي المحبّة والرّحمة، بقلب واسع بلا حدود، يشمل بها جميع العالم"[75].

وهناك خاطرة ومناجاة الحبّ بين الأبناء والآباء: "أحببتك يا طفلي.. وأنت تحبّني، والآباء قد شاخوا، يوم نلتقي فيه، قلبي لا يودّ الفراق، لكنّ الحياة لا تصبر عليها الرّوح. أتوسل إليك إن شعرت بالشّفقة على هذا العجوز وقد بلغ سنّه. إن لم تحبّ، فلا بأس، لكن دعنا نوفر لك الطّعام والمأوى. حين تغضب أو تبكي من المرض؛ أراقبك وأرعاك حتّى تكبر، آملًا فقط أن أراك. سامحني إن أخطأت، قلبي صادق، مليء بالحبّ فقط. الشّجرة القريبة من الشّاطئ، لابدّ أن تسقط يوما ما، والوداع منك لن يطول، مجرد طرفة عين من الأيام. لكنّني أريد أن أرى أولادي وأحفادي، حتّى لو تكسّرت نفسي من الحزن، فلا تذكر ذلك بكلمات تؤلم القلب، فالخيال قد يجرح بلا وعي. فقط بالرّحمة والاهتمام، تخفّف عن النّفس من الهمّ، وتبعث السّعادة، لنتذكر أيام الطّفولة، من يواسينا حينها؟ حتّى لو تعبنا أجسادنا، نحتمل، كي تكبر وتصبح شامخا. فلتكن أفكارك دائما مليئة بالدّعاء والتّوفيق لنا، لكن لا تنتظر طويلا، فالشّاطئ الّذي نتركه قد يظلّ وحيدا بعدنا"[76].

التّوسل بمدح الجواهر الثّلاثة:

نظريّة التّوسل حاضرة في جميع الأديان بصور مختلفة، وفي البوذيّة نجد التّوسل حاضرا عن طريق ذكر صفات الجواهر الثّلاثة، أولها البوذا، "هكذا هو البوذا، المبارك: الطاهر الكامل (أرهنت)، المستنير استنارة تامّة بذاته، الكامل في المعرفة والسّلوك، السّائر في الخير، العارف بالعوالم، المعلّم الّذي لا يُعلى عليه، مروّض البشر، معلّم الآلهة والبشر، هو البوذا، المبارك"[77].

وثانيها التّوسل بصفات الدّارما: "الدّارما الّتي أعلنها البوذا إعلانا كاملا، يمكن إدراكها مباشرة بالتّجربة، غير مرتبطة بالزّمان، تعال وانظر بنفسك، تدعو إلى الاختبار لا إلى التّقليد الأعمى، تقود إلى الدّاخل، إلى التّزكية والتّحوّل الباطنيّ، تُدرك شخصيّا من قبل الحكماء والعارفين"[78].

وثالثها التّوسل بصفات السّانغا: "جماعة تلاميذ البوذا الّذين يسيرون سلوكا حسنا، السّائرون في الطّريق المستقيم، السّائرون في الطّريق الصّحيح المؤدّي إلى الحقيقة، السّائرون سلوكا مستقيما ونقيّا، هؤلاء هم أربعة أزواج من الأشخاص، أي ثمانية أصناف من المستنيرين، هذه هي جماعة تلاميذ البوذا، المستحقّون للتّقرب إليهم، المستحقون للضّيافة، المستحقون لتقديم الصّدقات لهم، المستحقون لرفع الأكفّ احتراما لهم، إنّهم أسمى حقل للخير والبركات في هذا العالم"[79].

ومن عبارات التّوسل بالآراهَنت: "هذا هو، أيّها المبارك: الأراهَنتُ، حقّا هو المبارك، هذا هو، أيّها المبارك المستنير حقّا بالتّنوير التّام، هذا هو، أيّها المبارك: المملوء بمعرفة وبلوغ المقامات الرّوحيّة، حقّا هو المبارك، هذا هو، أيّها المبارك: الّذي سار على الطّريق الحسن المستقيم، حقّا هو المبارك، هذا هو، أيّها المبارك: عالم بالأمكنة والأنظمة العالميّة، حقّا هو المبارك. ألوذ بالآراهَنت، أسجد وأُقدّم التّحيّة للآراهَنتِ. ألوذ بالمستنير التّام؛ أسجد وأُقدّم التّحية للمستنير. ألوذ بالممتلئ بالمعرفة وبلوغ المقامات؛ أسجد وأُقدّم التّحيّة له، ألوذ بالّذي سلك الطّريق الحسن، أسجد وأُقدّم التّحية له. ألوذ بالعالم بحقائق العالم؛ أسجد وأُقدّم التّحيّة له. هذا هو المبارك، لا يُضاهى حقّا هو المبارك. هذا هو المبارك: قائد الرّجال الصّالحين، حقّا هو المبارك. هذا هو المبارك: معلّم الآلهة والنّاس، حقّا هو المبارك. هذا هو المبارك: المستنير حقّا هو المبارك. ألوذ باللّا منازع[80]، أسجد وأُقدّم التّحيّة للّذي لا منازع له، ألوذ بقائد الرّجال الفاضلين، أسجد وأُقدّم التّحيّة لقائد الرّجال الفاضلين، ألوذ بالمعلّم، معلّم الآلهة والبشر، أنحني برأسي للمعلّم، معلّم الآلهة والبشر. ألوذ بالبوذا، أنحني برأسي للبوذا"[81].

وهناك توسل إيتِيبيسو في مدح البوذا ونصّه: هكذا هو البوذا المبارك: "الطّاهر الكامل، المستنير استنارة تامّة بذاته، الكامل في العلم والسّلوك، السّائر في الخير، العارف بالعوالم، المعلّم الّذي لا يُعلى عليه، مروّض البشر، معلّم الآلهة والبشر، هو البوذا المبارك، نشر المحبّة نحو النّفس، لِيَكن لي سعادة، لِيَكن لي خلوّ من المعاناة، لِيَكن لي خلوّ من العداوة، نشر المحبّة لنفسك، ليكن لي خلوّ من الأذى والعوائق والمخاطر، ليكن لي خلوّ من معاناة الجسد والقلب، ليكن لي سعادة في الجسد والقلب، ولأحفظ نفسي من كلّ شرّ وأذى، نشر المحبّة لجميع الكائنات، جميع الكائنات الحيّة، شركاء في المعاناة: الولادة، والشّيخوخة، والمرض، والموت، ليكونوا سعداء، وليكونوا بلا عداوة فيما بينهم.. وليكونوا بلا إيذاء ولا اعتداء، وليكونوا بلا معاناة ولا ضيق، فليكونوا سعداء جسدا وقلبا، وليحفظوا أنفسهم من كلّ شقاء وخطر[82].

هناك أيضا التّوسل بالنّصر، وهي عبارة عن مقاطع ثمانية لانتصار بوذا، من يتلوها "كلّ يوم بيقظة وانتباه؛ سيتجاوز أنواعا كثيرة من المصائب، ويبلغ التّحرّر والسّلام والسّعادة، إذا كان ذا بصيرة وحكمة"[83]. ونصّه: "مارا (شيطان الوهم)، الّذي أظهر آلاف الأذرع والأسلحة، وامتطى فيل الحرب المهيب، قاده جيش مرعب، لكن الحكيم العظيم (البوذا) هزمه بقوّة العطاء والفضائل، فليكن ببركة ذلك النّصرِ النّصرُ والخير لي. أولئك الشّياطين المتوحشون الّذين هاجموا البوذا طوال اللّيل بكلّ عنف وقسوة، هزمهم الحكيم العظيم بقوّة الصّبر وضبط النّفس، فليكن ببركة هذا الانتصار النّصرُ والخير لي. الفيل نالاغيري، الفيل الهائج المندفع كالنّار والبرق، المرعب والمدمّر، أخضعه الحكيم العظيم (البوذا) بقوّة محبّة الرّحمة (الميتّا)، فليكن ببركة هذا النّصر النّصرُ والخير لي. أنغوليمالا، القاتل الّذي كان يركض شاهرا سيفه، يقطع المسافات الطويلة طلبًا للقتل، هزمه الحكيم العظيم بقوّة حكمته وقدرته الرّوحيّة، فليكن ببركة هذا النّصر النّصرُ والخير لي. حين اتُّهم البوذا ظلمًا أمام النّاس باتّهام امرأة شريرة  (تشينتشا)، ظلّ هادئا مسالما كالقمر الصّافي، فانتصر بالحقيقة والسّكينة، فليكن ببركة هذا النّصر النّصرُ والخير لي. سَتشّاكا (المناظر المتكبّر) الّذي تخلّى عن الحقيقة، وتشبّث بجداله الأعمى، هزمه الحكيم العظيم بمصباح الحكمة المضيء، فليكن ببركة هذا النّصر النصرُ والخير لي.  الأفعى العظيمة (ناندوباناندا)، ذات القوى الهائلة، روّضها البوذا بواسطة ابنه الروحي الراهب .....، بقوّة الحكمة والقدرة الرّوحيّة، فليكن ببركة هذا النّصر النّصرُ والخير لي. براهما كان أسيرا لرأي خاطئ كمن أمسك أفعى سامّة بيده، لكنّ الحكيم العظيم شفاه بدواء الحكمة والمعرفة، فانتصر على الجهل، فليكن ببركة هذا النّصر النّصرُ والخير لي"[84].

وهناك التّوسل أيضا بدعاء النّصر المسمّى المهاكارونِكا، ونصّه: "البوذا، العظيم في الرّحمة، هو الملجأ لكلّ الكائنات، وقد أكمل كلّ الفضائل، وبلغ الاستنارة العليا، بقوّة هذه الحقيقة، فليكن لي النّصر والبركة"[85].

وهناك توسل أيضا بشجرة الاستنارة ونصّه: "كما انتصر البوذا تحت شجرة الاستنارة، فزاد فرح عشيرة السّاكيّا، كذلك فليكن لي النّصر، انتصر لي بنصرٍ مباركٍ لا يُقهَر"[86]. وتوسل ببركة يوم الاستنارة ونصّه: "حين جلس البوذا على عرش الاستنارة فوق زهرة الأرض، وتُوِّج أعظمَ جميع البوذات، فغمره الفرح العظيم"[87].

وهناك التّوسل بدعاء البركة، ونصّه: "من يطلب ولدا؛ فليُرزق ولدا، ومن يطلب مالا؛ فليُرزق مالا، ومن يطلب الخير والصّحة؛ فليحصل عليهما، وليكن محبوبا لدى الآلهة، المبارك، المستحقّ للتّبجيل، مع ياما (ملك الموت)، وڤيسوفانا (حارس الجهات)، ليكون الموت سلاما، بوذا هو الكامل المستنير، تحيّة لبوذا. البوذات الجالسون على عرش النّصر، الّذين قهروا مارا (قوى الشّر والوهم)، وأعلنوا حقائق الدّارما الأربع[88]، أولئك الأبطال العظماء الّذين يهبون الحياة. بوذات الماضي، بدءا من تانهاكارا، الثّمانية والعشرون معلّما مستنيرا. جميع الحكماء والمستنيرين يقيمون فوق رأسي، يحمونني. بوذا مستقرّ فوق رأسي، الدّارما تحرس عينيّ، السّانغا تستقرّ على صدري، مصدر كلّ الفضائل. أنورودها يحرس قلبي، وساريبوتّا عن يميني، وكوندانيا خلفي، وموغّالانا عن يساري. أناندا وراهولا يحميان أذنيّ من جهة اليمين، وكاسابّا وماهاناما يحميان أذنيّ من جهة اليسار. خلفي يشرق نور كالشّمس، يبدّد الظّلمة ويشعّ حماية، الجالس في مجده وكماله، المتلألئ، قائد الحكماء (بوذا). الرّاهب الجليل كُماراكاسّابا، صاحب العقل العظيم، والكلمة الحكيمة. هو ثابت دائما أمامي، يحرسني بفيض فضائله، بُـنّا، أنغوليمالا، أوبالي، ناندا، سيفالي، هؤلاء الرّهبان الخمسة الكبار يثبتون على جبيني كعلامة حماية، وسائر الثّمانين من كبار الرّهبان، تلاميذ بوذا المنتصرين، يحيطون بي كدرع من نور وحماية. الثّمانون من كبار الرّهبان العظام، أبناء بوذا المنتصر، المتلألئون بقوّة الفضيلة، يقفون حارسين على جميع أعضائي. جوهرة البوذا أمامي، وعن يميني سوترا المحبة (الميتّا)، ومن خلفي سوترا راية النّصر (دهجاغّا)، وعن يساري سوترا أنغوليمالا. وحولي سوترا الطّاووس (مورَ برتّا)، وسوترا آطاناطي (الحماية من الأرواح المؤذية). وفي السّماء مظلّة من الحماية، وسائر الجهات كجدران حصينة. محاط بدرع بوذا المنتصر، بسبعة أسوار من الحماية الكاملة. سواء كانت العلل ناشئة من الرّياح أو الصّفراء أو غيرها، أو من الأخطار الخارجيّة أو الدّاخلية، فلتزُل جميعها بلا استثناء، بقوّة بوذا اللّامحدودة. ما دمت أعيش في واجبي، فأنا دائمًا داخل درع البوذا المستنير. وأنا مقيم داخل درع النّصر (تشينابنجر) في هذا العالم. فليحمِني دائما جميع العظماء المستنيرين. هكذا أكون محفوظا ومحصَّنا تماما. بقوّة بوذا أُهزم كلّ الأخطار، وبقوّة الدّارما أُهزم كلّ الأعداء والعوائق، وبقوة السّانغا  أُهزم كلّ الأخطار، وبقوة الدّارما الحقّة أكون محفوظا ومحميّا، أسير وأعيش داخل درع النّصر (تشينابنجر)"[89].

إهداء ثواب الدّعاء:

في البوذيّة يوجد أيضا إهداء الدّعاء إلى الأقرب من الأبناء والوالدين إلى الأوسع إلى من في الطّبيعة والآلهة، ومنه: "ليكن هذا الفضل الّذي عملته لمصلحة والديّ، فليكن أبي وأمّي في سعادة وسلام، ليكن هذا الفضل لأقاربي جميعا، فليكن جميع أقاربي في سعادة وسلام، ليكن هذا الفضل لمعلميّ وشيوخيّ وأساتيّ، فليكن معلّمونا وشيوخنا وأساتذتنا في سعادة وسلام، ليصل هذا الفضل إلى المعلّمين والأساتذة، وليكونوا سعداء، ليكن هذا الفضل لجميع الآلهة والكائنات السّماويّة، فلتكن جميع الآلهة في سعادة وسلام، ليكن هذا الفضل لجميع الأرواح الهائمة، فلتكن جميع هذه الأرواح في سعادة وسلام، ليكن هذا الفضل لجميع أعدائي وأصحاب الدّيون الكارميّة[90]، فليكن جميعهم في سعادة وسلام، فليكن جميع أصحاب الحقوق والخصومات الكارمية  في سعادة وسلام، ليكن هذا الفضل لجميع الكائنات الحيّة، فلتكن جميع الكائنات في سعادة وسلام بلا استثناء"[91].

ودعاء سكب الماء لإهداء الفضل إلى الدّائنين الكارميّين، ونصّه: "أُهدي هذا الفضل النّاتج عن ممارستي للتّأمل والعبادة إلى جميع أصحاب الحقوق والدّيون الكارميّة المرتبطين بي، الّذين أسأتُ إليهم أو اعتديتُ عليهم في الحيوات الماضية، أو في هذه الحياة الحالية، أيّا كان العالم أو المستوى الذي يوجدون فيه، أسأل أن يصلهم هذا الفضل، وأن يتفضّلوا بالعفو عنّي، وأن يفرحوا بهذا الخير (أنومودانا)، بقدرة هذا الفضل"[92].

وهناك دعاد إهداء ثوب الكاثين/ الكاثينا، ونصّه: "لأجل ذلك، بقداسة هذا الفعل، ثوب الكاثين هذا، أهديهُ، أنا/نحن، في هذه اللّيلة المباركة، لمنفعةٍ ولراحةٍ. يا أيّها الرّهبان الأفاضل، نحن المباركون نحترم/ نُهدي ونعرض ثوب الكاثين مع مرافقيه هذا للسّنغا المقدّسة. نرجو من الرّهبان أن يتقبّلوا ثوب الكاثين ومرافقه عنّا، وبعد القبول صلّوا بالكاثين بهذا الثّوب لفائدتنا ولسعادتنا، إلى الدّوام. آمين"[93].

وهناك أيضا إهداء دعاء تقديم الصّدقة للسّانغا ونصّه: "أيها الرّهبان الأجلّاء، نحن نقدّم بكلّ احترام هذه الأطعمة مع مرافِقاتها إلى جماعة الرّهبان. نرجو من جماعة الرّهبان الكرام أن يتفضّلوا بقبول هذه الأطعمة مع مرافِقاتها منّا، ليكون ذلك سببا في منفعتنا وسعادتنا مدّة طويلة"[94]. إذا تمّ التقديم بعد أن يكون الرّهبان قد انتهوا من الأكل وقت الظهيرة، فيُستعمل هذا الدّعاء: "ليكن صدقتي الّتي قدّمتها صدقة طاهرة، سببا لزوال الشّهوات، ومؤديّة إلى السّعادة. ليكن صدقتي الّتي قدّمتها صدقة طاهرة، سببا لزوال الشّهوات، ومؤديّة إلى القوة والبركة. ليكن صدقتي الّتي قدّمتها صدقة طاهرة، سببا لزوال الشّهوات، ومؤديّة إلى نيل النّيرفانا"[95]، ثمّ بعد ذلك "يُقدّم الزّهور والبخور والشّموع وثوب الرّهبان، ولا يقدّم الوعاء الّذي يحتوي على الأطعمة أو المستهلكات؛ لأنّ تقديم الطّعام بعد وقت الظّهيرة للرّهبان يُعدّ مخالفة رهبانيّة"[96].

أوقات وأيام الدّعاء المفضّلة:

في البوذيّة "يُستحب أن يبدأ هذا الذّكر في يوم الخميس لأنّه يوم مبارك"[97]، ويوم الخميس له مكانته عند بعض الأديان، ففي اليهوديّة يستحبون صوم الاثنين والخميس حيث ترفع فيهما الأعمال، وفي الإسلام: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحبّ أن يعرض عملي وأنا صائم".

نجد حضور بعد الشّهر القمريّ في العديد من طقوس الأديان، فهو حاضر في الفيديّة (الهندوسيّة) مع ربطه بالشّمسيّ، وبعض الأعياد ترتبط بالقمر، وفي اليهوديّة مع ربطه بالشّمسيّ مبكرا، وفي المسيحيّة قبل إقرار التّقويم الشّمسيّ أو الميلاديّ، فعيد الفصح لا زال مرتبطا بالأحديّة الأولى بعد الاعتدال الرّبيعيّ، وإن كان في الأصل قمريّا، نجد هذا عند البوذيّين، فعيد عيد فيساك (ميلاد وفاة بوذا) في الثّيرفادا يكون عند اكتمال القمر، كما أنّ إهداء ثوب الكاثين[98] "يمكن الإهداء من الشهر القمري الأول (١ قمري) إلى اليوم الخامس عشر من الشهر الثاني عشر (١٢ قمري)"[99]، ويكون عادة في المعبد.

كما نجد عادة التّثليث في الأدعيّة عند البوذيّة، أو في النّفث على الماء، وهو موجود في الإسلام، فدعاء الرّزق "يُتلى ثلاث مرّات قبل النّوم، وعند الاستلقاء يُتلى ثلاث مرّات أخرى، وذلك لجلب المال والرّزق، فيُرزق الإنسان أموالا ومنافع بصورة عجيبة"[100].

ودعاء نجاح التّجارة "يُفضِّل التجّار وأصحاب المحلّات أن يتلوا هذا الذّكر ثلاث مرّات، ثمّ ثلاث مرّات أخرى، ثمّ ينفثوا في الماء ليصبح ماء مباركا، فيغسلوا به الوجه، ويرشّوا منه على البضائع، فيُبارك لهم في تجارتهم، وتُباع سلعهم جيّدا"[101].

الدّارما والزّمكانيّة:

"الدّارما الّتي أعلنها البوذا إعلانا كاملا، يمكن إدراكها مباشرة بالتّجربة، غير مرتبطة بالزّمان (صالحة في كل وقت)، تعال وانظر بنفسك، تدعو إلى الاختبار لا إلى التّقليد الأعمى، تقود إلى الدّاخل، إلى التّزكية والتّحوّل الباطنيّ، تُدرك شخصيّا من قبل الحكماء والعارفين"[102].

نظريّة الصّلاحيّة الزّمكانيّة المتعلّقة بالدّارما/الشّرائع/التّقليد/الوصايا/ الحكمة نجدها متشابهة في الأديان والفلسفات عموما، باعتبارها عابرة للزّمكانيّة. وسيظهر هذا في أبحاث قادمة.

***

بدر العبري – كاتب وباحث عُماني

.............................

[1] قمت بترجمته وقراءته باستخدام الذّكاء الاصطناعيّ، مع حضوري في المعبد، وتأملي لطقوسهم في أكثر من موقع.

[2] อานิสงส์ของการสวด: พระพุทธคุณ, พระธรรมสิงหบุราจารย์, พิมพ์ที่ บริษัท รุ่งเรืองวิริยะพัฒนาโรงพิมพ์ จำกัด, 3.

[3] نفسه؛ ص: 46.

[4] نفسه؛ ص: 46.

[5] نفسه؛ ص: 47.

[6] نفسه؛ ص: 48.

[7] نفسه؛ ص: 48.

[8]  "عيد الفطر في هات ياي"، بدر العبريّ؛ مقالة نشرت في ملحق جريدة عمان الثّقافيّ، عدد (28)، الخميس 16 شوال 1445هـ/ 25 أبريل 2024م، ص: 30 – 31.

[9] من خلال تأملي في الثّقافات الهنديّة وشرق آسيا على المسح الأولي لا توجد ديانة اسمها الهندوسيّة، والفرس لمّا تمدّدوا إلى بلاد السّند أطلقوا على منطقة سندهو أو سند على ضفاف نهر السّند اسم هندهو أو هند، ثمّ شاع الاسم، ثمّ خصّ به غير المسلمين، لهذا حدث الخلط في الأدبيات العربيّة بين الأديان هناك، كما حدث الخلط بين تنوع وتطوّر الفيدس أو الفيدا أنفسهم، وتشكّلها في لاهوتيّات وطقوس مختلفة.

[10] Guide to the Study of Theravada Buddhism, The Colombo Y.M.B.A Sri Lanka, Tharanjee Prints, Y.M.B.A Sri Lanka, 23.

[11]  อานิสงส์ของการสวด: พระพุทธคุณ, 76.

[12] نفسه؛ ص: 25.

[13] نفسه؛ ص: 53.

[14] نفسه؛ ص: 54.

[15] براهما في البوذيّة كائنات إلهيّة تعيش في عوالم عليا غير خالدة، وتعيش ضمن دورة التّناسخ، وأصل هذا فيديّ (هندوسيّ)، فهم يمايزون بين براهمان وبراهما، والأول مبدأ مطلق لانهائيّ، والثّاني إله محدود متجسّد خالق الكون ضمن ثالوث (براهما، فيشنو، شيفا).

[16] อานิสงส์ของการสวด: พระพุทธคุณ, 70.

[17] نفسه؛ ص: 39.

[18] نفسه؛ ص: 50.

[19] حبّة الحنطة، متّى المسكين؛ ط دير القدّيس أنبا مقار، وادي النّطرون – مصر، الطّبعة الحادية عشرة، 2019م، ص: 5.

[20] نفسه؛ ص: 6.

[21] نفسه؛ ص: 9. بتصرّف.

[22] نفسه؛ ص: 9. بتصرّف.

[23] نفسه؛ ص: 7.

[24] نفسه؛ ص: 6. بتصرّف.

[25] نفسه؛ ص: 6. بتصرّف بسيط.

[26] نفسه؛ ص: 6.

[27] نفسه؛ ص: 21.

[28] نفسه؛ ينظر ص: 7 – 8.

[29] نفسه؛ ص: 6. بتصرّف.

[30] نفسه؛ ص: 9. بتصرّف.

[31] نفسه؛ ص: 9.

[32] أنسنة الحياة في الإسلام، مرتضى مطهريّ، ط دار الإرشاد للطّباعة والنّشر والتّوزيع، لبنان – بيروت، الطّبعة الثّانية، 1441هـ/ 2020م، ص: 120 – 122. بتصرّف.

[33] نفسه؛ ص: 122 – 123. بتصرّف.

[34] نفسه؛ ص: 123 – 124. بتصرّف.

[35] منشيوس؛ ترجمة: فراس السّواح وشوي تشينغ قوه، ص: 83 – 87.

[36] دافيد جي روبرتسون، الغنوصيّة وتأريخ الأديان؛ ترجمة: محمّد عبد الله، ط آفاق المعرفة، السعودية/ الرّياض، الطّبعة الأولى، 1444هـ/ 2022م.

[37] نفسه.

[38] هدى عليّ كاكه يي، الغنوصيّة: قراءة في تأويلاتها الرّمزيّة ودلالاتها الفلسفيّة؛ ط دار قناديل، العراق/ بغداد، الطّبعة الأولى، 2021م، ص: 316.

[39]  يُنظر: الغنوصيّة: قراءة في تأويلاتها الرّمزيّة ودلالاتها الفلسفيّة؛ ص: 305 – 308.

[40] نفسه، ص: 308 – 313.

[41] نفسه، ص: 314 – 315.

[42] سيأتي الحديث في مباحث قادمة أثناء الحديث عن هذه الجوانب من خلال القراءات في الأديان المختلفة من خلال مصادرها وكتبها.

[43] อานิสงส์ของการสวด: พระพุทธคุณ, 4.

[44] نفسه؛ ص: 5.

[45] نفسه؛ ص: 49.

[46] نفسه؛ ص: 22.

[47] نفسه؛ ص: 23.

[48] نفسه؛ ص: 23.

[49] نفسه؛ ص: 23.

[50] نفسه؛ ص: 24.

[51] نفسه؛ ص: 50.

[52] نفسه؛ ص: 85.

[53] نفسه؛ ص: 85.

[54] نفسه؛ ص: 85.

[55] نفسه؛ ص: 85.

[56] نفسه؛ ص: 86.

[57] نفسه؛ ص: 86.

[58] نفسه؛ ص: 86.

[59] نفسه؛ ص: 86 – 87.

[60] نفسه؛ ص: 87.

[61] نفسه؛ ص: 87.

[62] نفسه؛ ص: 87.

[63] نفسه؛ ص: 50.

[64] نفسه؛ ص: 50.

[65] نفسه؛ ص: 24.

[66]  نفسه؛ ص: 25.

[67] نفسه؛ ص: 31.

[68] نفسه؛ ص: 31.

[69] نفسه؛ ص: 32.

[70] نفسه؛ ص: 32.

[71] نفسه؛ ص: 38.

[72] نفسه؛ ص: 76.

[73] نفسه؛ ص: 76.

[74] نفسه؛ ص: 78.

[75] نفسه؛ ص: 79.

[76] نفسه؛ ص: 88.

[77] نفسه؛ ص: 25.

[78] نفسه؛ ص: 26.

[79] نفسه؛ ص: 26 – 27.

[80] أي لا شبيه له.

[81] نفسه؛ ص: 51 – 54.

[82] نفسه؛ ص: 33 – 35.

[83] نفسه؛ ص: 30.

[84] نفسه؛ ص: 27 – 29.

[85] نفسه؛ ص: 30.

[86] نفسه؛ ص: 30.

[87] نفسه؛ ص: 31.

[88] أي حقيقة المعاناة، وسببها، وحقيقة زوالها، وحقيقة الطّريق المؤدّي إلى زوالها.

[89] نفسه؛ ص: 39 – 44.

[90] من عليه حقوق أو خصومات.

[91] نفسه؛ ص: 35 – 37.

[92] نفسه؛ ص: 37.

[93] نفسه؛ ص: 72.

[94] نفسه؛ ص: 74.

[95] نفسه؛ ص: 75.

[96] نفسه؛ ص: 75.

[97] نفسه؛ ص: 38.

[98] ثوب الرّهبنة، المصحوب بالذّكر.

[99] نفسه؛ ص: 71.

[100] نفسه؛ ص: 78.

[101] نفسه؛ ص: 79.

[102] نفسه؛ ص: 26.

في وظائف الخطاب الإقناعي للعامة

ظلّ الخطاب الديني عبر تاريخ الفكر الإنساني مجالا مركزيا لتفاعل قوى متعددة تتداخل فيها المعرفة بالعقيدة، والعقل بالوجدان والبرهان بالتمثيل. فالدين بوصفه خطابا موجَّها إلى الإنسان في كليته الوجودية، لا يكتفي بتقديم مضامين معرفية مجردة عن العالم والوجود والمصير، بل يصوغ هذه المضامين ضمن شبكة معقدة من الصور والرموز والتمثيلات التي تجعل المعنى قابلا للتداول داخل المجال الاجتماعي. ولهذا لم يكن الخطاب الديني في أي مرحلة من مراحله خطابا برهانيا خالصا، بل ظل دائما خطابا تتجاور فيه قوة الحجة مع قوة الصورة، ويتجاور فيه العقل مع المخيال في تشكيل الوعي الديني لدى الجماعة.

وقد تنبه الفلاسفة منذ القديم إلى هذه الطبيعة المركبة للخطاب الديني، فميّزوا بين مستويات متعددة من التعبير عن الحقيقة، بعضها يتخذ صورة المفهوم العقلي المجرد، وبعضها الآخر يتجسد في بنى رمزية وتمثيلية قادرة على مخاطبة الوجدان الجماعي. غير أن هذا التمييز بلغ في الفلسفة الإسلامية درجة عالية من الوضوح النظري مع أبي الوليد ابن رشد، الذي سعى إلى إعادة التفكير في طبيعة الخطاب الديني من داخل مشروعه الواسع لإعادة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة. فابن رشد لم يكتف بالدفاع عن مشروعية النظر العقلي داخل المجال الديني، بل حاول أيضا أن يفسر البنية الخطابية للنصوص الدينية نفسها، وأن يكشف عن الحكمة الكامنة وراء اعتمادها على التمثيل والتخييل في مخاطبة جمهور الناس.

وتبرز هنا أهمية مفهوم المخيال في التحليل الرشدي للخطاب الديني، إذ يتحول من مجرد ظاهرة نفسية مرتبطة بملكة الخيال إلى عنصر بنيوي داخل نظام البيان الديني. فالمخيال في هذا السياق يؤدي وظيفة معرفية وتربوية في آن واحد، لأنه يسمح بنقل المعاني الميتافيزيقية المجردة إلى صور حسية ورمزية تجعلها قابلة للإدراك لدى عامة الناس. فليس كل إنسان قادرا على إدراك المعقولات في صورتها البرهانية الخالصة، ولذلك كان لا بد من وسائط خطابية تمكّن المعنى من الانتقال من مستوى التجريد الفلسفي إلى مستوى الإدراك الشعبي.

إن هذا التصور يضعنا أمام رؤية فلسفية دقيقة لطبيعة التمثيل في الخطاب الديني، حيث لا يُفهم التمثيل بوصفه مجرد أسلوب بلاغي أو تقنية خطابية، بل بوصفه آلية معرفية تتصل بطبيعة الإدراك الإنساني ذاته. فالإنسان كما تشير إليه تقاليد فلسفية متعددة، لا يدرك المعنى المجرد إلا عبر صور وتمثيلات تساعده على تحويل المعقول إلى محسوس، واللامرئي إلى قابل للتصور. ويصبح التخييل هنا عنصرا أساسيا في بناء الخطاب الديني الموجَّه إلى العامة، لأنه يمنح المعاني الكبرى – مثل العدل الإلهي والجزاء الأخروي والمصير الإنساني – صورة رمزية قادرة على التأثير في المخيال الجماعي.

وانطلاقا من هذا الأفق النظري يحاول هذا المقال أن يستجلي موقع المخيال والتمثيل في الخطاب الديني عند ابن رشد، وأن يكشف عن الوظائف الإقناعية التي يؤديها التخييل في مخاطبة الجمهور داخل المجال الديني. كما يسعى إلى إبراز الأبعاد الفلسفية التي تنطوي عليها هذه الرؤية، من خلال تحليل العلاقة بين البرهان والتمثيل، وبين الحقيقة المفهومية والتجلي الرمزي للمعنى. فالتأمل في هذه المسألة لا يتيح فقط فهم جانب مهم من المشروع الفلسفي الرشدي، بل يفتح أيضا أفقا أوسع للتفكير في طبيعة الخطاب الديني نفسه، وفي الكيفية التي يتداخل بها العقل والمخيال في بناء المعنى داخل التجربة الدينية.

ليس الخطاب الديني في تاريخ الفكر الإسلامي مجرد بناء لغوي يستهدف الإخبار أو البيان، بل هو منظومة مركّبة من آليات البيان والتأثير والتوجيه، تتداخل فيها وظائف المعرفة بوظائف التربية والتدبير الاجتماعي. وقد أدرك كبار المفكرين المسلمين منذ وقت مبكر أن الخطاب الديني لا يخاطب جمهورا واحدا من حيث القدرة العقلية، ولا يخضع لمنطق برهاني صرف، بل يتوزع بين مستويات مختلفة من الإدراك، تتراوح بين البرهان العقلي الصارم والتمثيل الخطابي المؤثر. وترتب عن هذا أن حدث ونشأت في الفكر الإسلامي إشكالية عميقة تتعلق بعلاقة الحقيقة بالتمثيل، والعقل بالمخيال والبرهان بالإقناع، وهي الإشكالية التي بلغت عند ابن رشد درجة عالية من الوضوح النظري والتحليل الفلسفي.

لقد كان ابن رشد واعيا بطبيعة التعدد المعرفي داخل المجتمع الإنساني، وهو ما جعله يميز بين أنماط مختلفة من الخطاب تبعا لاختلاف الاستعدادات الذهنية للناس. فالخطاب البرهاني موجّه إلى الخاصة من أهل النظر، بينما يتوجه الخطاب الجدلي إلى المتكلمين وأهل الجدل، أما الخطاب الخطابي التمثيلي فيستهدف جمهور العامة. ويصبح المخيال الديني في هذا السياق أداة أساسية في بناء التمثيلات التي تسمح بنقل المعاني الميتافيزيقية المجردة إلى صور محسوسة قابلة للتلقي الجماعي.

إن هذا التصور لا يمكن فهمه إلا في ضوء المشروع الرشدي العام الذي سعى إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الفلسفة والشريعة وبين الحكمة والوحي، وهو المشروع الذي بلوره بوضوح في مؤلفات مثل كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال وكتاب الكشف عن مناهج الأدلة. ففي هذين العملين كما في غيرهما، يظهر ابن رشد مدافعا عن وحدة الحقيقة، معترفا في الوقت نفسه بتعدد طرائق التعبير عنها بحسب اختلاف المدارك الإنسانية.

لقد عبّر ابن رشد عن هذه الفكرة بوضوح حين قال: «إن الشريعة حق، والفلسفة حق، والحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له». غير أن هذا التوافق بين الحقيقة الدينية والحقيقة الفلسفية لا يعني وحدة الخطاب الموجّه إلى الجميع، بل يقتضي تعدد أنماط البيان. فالناس كما يقول أرسطو قبله، «ليسوا سواء في قبول البرهان»، ولذلك يحتاج الخطاب الموجّه إلى الجمهور إلى أدوات تخييلية وتمثيلية تسمح بتحويل المعاني العقلية إلى صور مؤثرة في المخيال الجماعي.

إن مفهوم المخيال هنا لا يحيل إلى مجرد الوهم أو الخيال بمعناه السلبي، بل يشير إلى ملكة معرفية لها دور أساسي في بناء التمثيلات الرمزية التي تسمح للعقل الإنساني بإدراك المعاني المجردة عبر الوسائط الحسية. وقد تنبه إلى هذه الوظيفة كثير من الفلاسفة منذ أفلاطون الذي رأى في الأسطورة وسيلة تعليمية موجهة إلى عامة الناس، حيث يقول في الجمهورية: «إن الأسطورة خطاب يوجه إلى النفوس التي لا تستطيع بلوغ المعرفة بالبرهان». ومع أن أفلاطون كان متوجسا من قوة المخيال، فإنه لم ينكر دوره التربوي في بناء الوعي الجماعي.

أما أرسطو فقد منح المخيال مكانة أكثر تحديدا داخل بنية المعرفة الإنسانية، إذ اعتبره وسيطا بين الحس والعقل، وصرح في كتاب النفس بأن «النفس لا تفكر من غير صورة». وقد استثمر الفلاسفة المسلمون هذا التصور الأرسطي ليبنوا عليه نظرياتهم في الخطاب الديني، وكان ابن رشد من أبرز من أعاد صياغة هذا المفهوم في سياق العلاقة بين الحكمة والشريعة.

إن المخيال في نظر ابن رشد ليس مجرد قدرة على إنتاج الصور، بل هو أداة معرفية ضرورية لتمثيل المعقولات في صور محسوسة تسمح للعامة بفهمها. ولذلك فإن التمثيل في الخطاب الديني ليس حيلة بلاغية فحسب، بل هو ضرورة معرفية تفرضها طبيعة التفاوت العقلي بين الناس. وقد عبّر ابن رشد عن هذه الفكرة بوضوح حين قال: «إن أكثر الناس إنما يصدقون بالأمثال لا بالبراهين».

وتتضح الوظيفة الإقناعية للتمثيل في الخطاب الديني، إذ يسمح بتحويل المعاني الفلسفية المجردة إلى صور رمزية قابلة للإدراك الجماعي. فالحديث عن الجنة والنار، وعن العرش والميزان وعن الثواب والعقاب، لا ينبغي فهمه دائما على نحو حرفي، بل ينبغي النظر إليه بوصفه تمثيلات خطابية تهدف إلى توجيه السلوك الأخلاقي لدى الجمهور.

ولا يعني هذا أن ابن رشد ينفي الحقيقة الدينية لهذه المفاهيم، بل إنه يميز بين مستويين في فهمها: مستوى ظاهري تمثيلي موجه إلى العامة، ومستوى تأويلي عقلي موجه إلى الخاصة من أهل النظر. وقد كان هذا التمييز في صلب منهجه التأويلي الذي يقوم على فكرة أن النص الديني يتضمن طبقات متعددة من المعنى، وأن فهم هذه الطبقات يختلف بحسب القدرة العقلية للقارئ.

وقد سبق الغزالي إلى الإشارة إلى هذا المعنى حين قال في إلجام العوام عن علم الكلام: «ليس كل ما يعلم يقال، ولا كل ما يقال حضر أهله». غير أن ابن رشد ذهب أبعد من ذلك حين جعل هذا التفاوت أساسا لنظرية متكاملة في الخطاب الديني، حيث يرى أن الشريعة نفسها قد خاطبت الناس بحسب مراتبهم العقلية، فاستعملت البرهان مع القادرين عليه، والجدل مع أهل الجدل، والتمثيل مع جمهور الناس.

إن هذا التصور يعكس وعيا عميقا بالطبيعة الاجتماعية للمعرفة الدينية، إذ لا يمكن لأي خطاب ديني أن يؤدي وظيفته التربوية من دون أن يستند إلى أدوات تخييلية تسمح له بالتأثير في الوجدان الجماعي. وقد أشار ابن خلدون لاحقا إلى هذا المعنى حين قال في المقدمة: «إن جمهور الناس إنما ينقادون بالأوهام والخيالات أكثر مما ينقادون بالبراهين».

ويبدو أن هذا الإدراك لطبيعة المخيال الجماعي هو ما جعل الخطاب الديني عبر التاريخ يعتمد على الصور الرمزية والقصص والأمثال. فالقرآن نفسه مليء بالتمثيلات التي تهدف إلى تقريب المعاني المجردة إلى الأذهان، كما في قوله تعالى: «مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل». وقد علّق الفخر الرازي على هذه الآية بقوله: «إن الأمثال أشد تأثيرا في النفوس من مجرد الأخبار»

وهذا ما يفسر أيضا حضور التمثيل بقوة في التراث الصوفي، حيث تتحول اللغة إلى فضاء رمزي يعبر عن تجارب روحية يصعب التعبير عنها بالمفاهيم العقلية المجردة. وقد قال ابن عربي في هذا السياق: «إن المعاني إذا تجردت عن الصور لم تدركها النفوس».

غير أن ما يميز تحليل ابن رشد للمخيال الديني هو أنه لم يتعامل معه بوصفه مجرد ظاهرة لغوية أو تربوية، بل نظر إليه بوصفه عنصرا بنيويا في نظام الخطاب الديني نفسه. فالشريعة في نظره لم تعتمد التمثيل صدفة، بل لأن طبيعة المخاطَبين تقتضي ذلك. فالإنسان العادي لا يستطيع إدراك المعاني الميتافيزيقية المجردة، ولذلك يحتاج إلى صور حسية تقربها إلى ذهنه.

ويصبح التمثيل في الخطاب الديني وسيلة لتحقيق ما يمكن تسميته بالاقتصاد المعرفي للخطاب، أي القدرة على نقل المعاني الكبرى بأدوات بسيطة يفهمها الجميع. وقد أشار إيمانويل كانط إلى فكرة قريبة من هذا المعنى حين قال: «إن المخيلة هي القدرة على تمثيل الشيء حتى في غيابه». وهذه القدرة هي التي تسمح للإنسان بتحويل الأفكار المجردة إلى صور قابلة للإدراك.

إن التقاء هذا التحليل الكانطي مع التصور الرشدي يكشف عن عمق الرؤية الفلسفية التي بلورها ابن رشد قبل قرون من تطور الفلسفة الحديثة. فهو يدرك أن العقل البشري لا يعمل في فراغ، بل يحتاج إلى وسائط تخييلية تساعده على بناء المعنى. ولذلك فإن الخطاب الديني الذي يتوجه إلى العامة لا يمكن أن يعتمد على البرهان وحده، بل يحتاج إلى التمثيل بوصفه أداة إقناعية فعالة.

وقد أدرك أرسطو هذه الحقيقة حين قال في الخطابة: «إن الخطاب الإقناعي يعتمد على إثارة المخيلة بقدر ما يعتمد على قوة الحجة». وهذا ما نجده بوضوح في الخطاب القرآني الذي يجمع بين قوة الحجة العقلية وقوة الصورة التخيلية.

ولعل من أبرز ما يميز تحليل ابن رشد لهذه المسألة هو محاولته التوفيق بين متطلبات الحقيقة الفلسفية ووظائف الخطاب الديني. فهو يرفض أن يتحول التمثيل إلى وسيلة لتضليل الناس، لكنه في الوقت نفسه يرى أنه ضرورة تربوية لا غنى عنها. ولذلك فإن الفيلسوف في نظره مطالب باحترام هذه الوظيفة الخطابية للشريعة وعدم كشف التأويلات الفلسفية أمام العامة، لأن ذلك قد يؤدي إلى اضطراب النظام المعرفي للمجتمع.

وقد عبّر عن هذا المعنى بوضوح حين قال: «من صرح بالتأويل لغير أهله فقد كفر». وليس المقصود بالكفر هنا المعنى العقدي الضيق، بل الإشارة إلى خطورة زعزعة اليقين الديني لدى العامة من خلال كشف المعاني التأويلية التي لا يستطيعون فهمها.

إن هذا الموقف يعكس إدراكا عميقا لطبيعة العلاقة بين المعرفة والسلطة الرمزية في المجتمع. فالخطاب الديني ليس مجرد خطاب معرفي، بل هو أيضا أداة لتنظيم الحياة الأخلاقية والاجتماعية. ولذلك فإن الحفاظ على توازن هذا الخطاب يتطلب احترام مستويات الإدراك المختلفة لدى الناس. وقد أشار بول ريكور إلى هذا المعنى حين تحدث عن «قوة الرمز في تشكيل الوعي الإنساني»، حيث يرى أن الرموز الدينية ليست مجرد استعارات لغوية، بل هي بنيات تخييلية تشكل أفق فهم الإنسان للعالم. وهذا التحليل يلتقي إلى حد بعيد مع الرؤية الرشدية التي ترى في التمثيل أداة ضرورية لبناء المعنى الديني لدى الجمهور.

 إن المخيال في الخطاب الديني عند ابن رشد يؤدي وظيفة مزدوجة: فهو من جهة وسيلة معرفية لتقريب المعقولات إلى الأذهان، ومن جهة أخرى أداة تربوية لتوجيه السلوك الأخلاقي لدى الجماعة. وهذا التداخل بين المعرفة والتربية هو ما يمنح الخطاب الديني قوته التأثيرية في المجتمعات البشرية. ولعل هذا ما جعل هيغل يقول إن الدين «يمثل الحقيقة المطلقة في صورة تمثيلية»، بينما تمثل الفلسفة هذه الحقيقة في صورة مفهومية. وهذا التمييز الهيغلي يكاد يعيد صياغة الفكرة الرشدية نفسها، وإن كان بلغة فلسفية حديثة. فالحقيقة واحدة في نظر ابن رشد، لكن طرق التعبير عنها متعددة. والتمثيل ليس نقيضا للحقيقة، بل هو شكل من أشكال تجليها في مستوى الإدراك الشعبي. ولذلك فإن المخيال الديني لا ينبغي النظر إليه بوصفه عائقا أمام العقل، بل بوصفه وسيطا ضروريا بين المعنى المجرد والوعي الجماعي.

إن هذا الفهم العميق لوظائف المخيال في الخطاب الديني يكشف عن البعد الاجتماعي والسياسي للفلسفة الرشدية، حيث لا يقتصر دور الفيلسوف على البحث عن الحقيقة، بل يمتد إلى التفكير في كيفية تداول هذه الحقيقة داخل المجتمع. فالخطاب الذي يصلح للخاصة قد لا يصلح للعامة، واللغة التي يفهمها الفيلسوف قد لا يفهمها الجمهور. وتتجلى عبقرية ابن رشد هنا في إدراكه أن الفلسفة لا يمكن أن تنفصل عن شروط التواصل الاجتماعي، وأن الحقيقة تحتاج إلى وسائط خطابية تسمح لها بأن تصبح جزءا من الوعي الجماعي. ويكاد يغدو المخيال الديني عند ابن رشد جزءا من نظام معرفي متكامل يربط بين العقل والرمز، وبين البرهان والتمثيل وبين الفلسفة والشريعة، في محاولة لبناء خطاب ديني قادر على الجمع بين عمق الحقيقة وقوة التأثير.

يُفضي التأمل المتعمّق في تحليل ابن رشد لوظيفة المخيال داخل بنية الخطاب الديني إلى الكشف عن بنية معرفية مركّبة يتداخل فيها المنطقي بالبلاغي، والعقلي بالتخيلي والتربوي بالاجتماعي. فالتمثيل في نظره ليس مجرد أسلوب لغوي يهدف إلى تزيين العبارة أو تجميل المعنى، بل هو نمط من أنماط نقل الحقيقة إلى مستوى الإدراك الجماعي، وهو بذلك يؤدي وظيفة إبستمولوجية بقدر ما يؤدي وظيفة تربوية. ولعل هذه الفكرة هي التي تسمح بفهم الموقع المركزي الذي يحتله التخييل داخل نظرية الخطاب عند ابن رشد، حيث يتحول المخيال إلى وسيط بين الحقيقة المجردة والعقل العمومي الذي لا يستطيع بلوغها مباشرة.

إن الإنسان كما لاحظ أرسطو في تحليله لطبيعة المعرفة الإنسانية، لا ينتقل من الحس إلى العقل انتقالا مباشرا، بل يمر عبر وسيط تخييلي يسمح بتحويل المعطيات الحسية إلى صور قابلة للتفكير. وقد صرّح في كتاب النفس بأن «الفكر لا يكون من غير صورة متخيلة»، وهو القول الذي وجد صداه بوضوح في التحليل الرشدي. فابن رشد بوصفه الشارح الأكبر لأرسطو، أدرك أن المخيلة ليست مجرد قوة نفسية ثانوية، بل هي عنصر أساسي في بنية الإدراك الإنساني، وأن العقل نفسه لا يستطيع العمل من دون وساطة الصورة التخيلية.

غير أن أهمية هذا المفهوم لا تظهر فقط في مجال نظرية المعرفة، بل تتجلى أيضا في فهم طبيعة الخطاب الديني. فالخطاب الذي يتوجه إلى جمهور الناس لا يمكن أن يعتمد على المفاهيم الفلسفية المجردة، لأن تلك المفاهيم تتطلب تدريبا عقليا لا يتوفر إلا لعدد محدود من الناس. ولذلك فإن الشريعة في تصور ابن رشد، اعتمدت على التمثيل والتخييل لأنها تخاطب جمهورا واسعا من البشر تختلف قدراتهم العقلية والمعرفية.

وقد عبّر عن هذا المعنى حين قرر أن «طرق التصديق ثلاثة: برهانية وجدلية وخطابية». فالبرهان هو طريق الفلاسفة وأهل النظر، والجدل هو طريق المتكلمين، أما الخطابة فهي الطريق الذي يتوجه إلى عامة الناس. والخطابة بطبيعتها تعتمد على الصور والتمثيلات لأنها تخاطب المخيلة قبل أن تخاطب العقل المجرد.

إن هذه الفكرة تضعنا أمام تصور دقيق لطبيعة المعرفة الدينية في بعدها الاجتماعي، إذ لا يمكن لأي دين أن يؤدي وظيفته التربوية إذا اقتصر على الخطاب البرهاني الخالص. فالجماهير لا تتحرك بالبراهين المنطقية بقدر ما تتحرك بالصور الرمزية التي تخاطب وجدانها وتستثير خيالها. وقد أشار ديفيد هيوم إلى هذه الحقيقة حين قال إن «الخيال أقوى تأثيرا في الإنسان من العقل في كثير من الأحيان». وليس المقصود بذلك التقليل من قيمة العقل، بل الإشارة إلى الطبيعة المركبة للنفس البشرية التي تستجيب للصور أكثر مما تستجيب للمجردات.

ويمكن فهم السر في كثافة الصور والتمثيلات داخل الخطاب الديني. فالحديث عن الجنة بوصفها حدائق وأنهارا، وعن النار بوصفها لهيبا وعذابا محسوسا وعن الملائكة والعرش والميزان، كلها صور رمزية تهدف إلى تقريب المعاني الميتافيزيقية إلى الإدراك الشعبي. وقد لاحظ الغزالي هذه الوظيفة حين قال إن «الأمثال تضرب للمعاني لتقريبها إلى الأفهام». غير أن ابن رشد أعاد صياغة هذه الفكرة داخل إطار فلسفي أشمل يربط بين بنية الإدراك الإنساني ووظائف الخطاب الديني.

إن التمثيل هنا لا يعني اختزال الحقيقة في صورة حسية، بل يعني ترجمتها إلى لغة يفهمها الجمهور. فالمعنى الفلسفي قد يكون واحدا، لكن التعبير عنه يتغير تبعا لاختلاف المخاطبين. وهذا ما عبّر عنه شلايرماخر حين قال إن «الفهم الحقيقي لأي خطاب يقتضي معرفة الجمهور الذي يتوجه إليه». ويبدو أن ابن رشد قد سبق إلى هذا المعنى حين أكد أن الشريعة نفسها قد تنوعت في أساليب خطابها بحسب تنوع مدارك الناس.

ويكشف هذا التحليل عن وعي عميق بالبنية التداولية للخطاب الديني، إذ لا يمكن فصل المعنى عن شروط تلقيه داخل المجتمع. فاللغة التي تصلح للفلاسفة قد لا تصلح للعامة، والبرهان الذي يقنع أهل النظر قد لا يكون ذا أثر في الجمهور. ولذلك فإن التمثيل يصبح أداة ضرورية لتحقيق التواصل المعرفي بين مستويات الإدراك المختلفة داخل المجتمع.

وقد عبّر ابن خلدون عن هذه الحقيقة بلغة اجتماعية حين قال إن «الناس في الغالب تبع للخيال والوهم أكثر مما هم تبع للبرهان». وهذا القول يوضح أن المخيال ليس مجرد ظاهرة نفسية فردية، بل هو بنية جماعية تشكل جزءا من الوعي الاجتماعي. فالصور الرمزية التي يتداولها المجتمع تتحول مع الزمن إلى جزء من بنيته الثقافية والروحية، وهي التي تمنح الخطاب الديني قدرته على التأثير والاستمرار.

ولعل هذا ما يفسر أيضا حضور الرمز بقوة في التجربة الدينية عبر التاريخ. فالدين لا يكتفي بتقديم أفكار مجردة عن الوجود والمعنى، بل يصوغ تلك الأفكار في صور وقصص وأمثال تسمح للإنسان العادي بأن يعيشها بوصفها تجربة روحية ملموسة. وقد أشار بول ريكور إلى هذه الوظيفة حين قال إن «الرمز يعطي الفكر ما يدعوه إلى التفكير»، بمعنى أن الرمز لا يلغي المعنى بل يفتحه على أفق تأويلي أوسع.

وهذا الأفق التأويلي هو ما يجعل النص الديني قابلا لطبقات متعددة من الفهم. فالعامة يدركون المعنى الظاهري للتمثيل، بينما يسعى الفلاسفة إلى استكشاف دلالاته العقلية العميقة. وقد أدرك ابن رشد هذه الطبيعة التعددية للمعنى حين أكد أن النصوص الدينية قد تحمل معاني مختلفة تبعا لاختلاف القارئ.

غير أن هذا التعدد لا يعني الفوضى التأويلية، بل يخضع في نظره لضوابط عقلية ومنهجية دقيقة. فالتأويل لا يجوز أن يُكشف للعامة لأنه قد يؤدي إلى زعزعة يقينهم الديني، لكنه في الوقت نفسه ضرورة معرفية للفلاسفة الذين يسعون إلى فهم المعنى العميق للنصوص. ولذلك كان ابن رشد شديد التحفظ في مسألة نشر التأويل الفلسفي خارج دائرة أهل النظر.

وقد قال في هذا السياق إن «الواجب على أهل البرهان ألا يصرحوا بالتأويل للجمهور». وهذا القول يعكس إدراكا عميقا لخطورة الخلط بين مستويات الخطاب المختلفة. فالمعنى الذي يمكن أن يفهمه الفيلسوف بوصفه تمثيلا قد يفهمه الجمهور بوصفه حقيقة حرفية، وإذا تم كشف البعد التأويلي أمامهم فقد يؤدي ذلك إلى اضطراب في بنية الاعتقاد الجماعي.

إن هذا الموقف لا يعني أن ابن رشد يدعو إلى نوع من النخبوية المعرفية المنغلقة، بل يعني أنه يدرك أن المعرفة لا تنتقل دائما بالأسلوب نفسه. فالحقيقة قد تكون واحدة، لكن طرق التعبير عنها تختلف تبعا لاختلاف السياق الثقافي والاجتماعي.

وقد أشار نيتشه إلى هذه الفكرة من زاوية مختلفة حين قال إن «الحقيقة تحتاج إلى أقنعة». ومع أن السياق الفلسفي الذي قال فيه نيتشه هذا القول يختلف عن السياق الرشدي، حيث إن الفكرة العامة تظل متقاربة، والحقيقة لا تظهر دائما في صورتها المجردة، بل تتجلى أحيانا في صور رمزية تسمح لها بأن تصبح جزءا من الوعي الجماعي.

إن المخيال الديني عند ابن رشد يؤدي وظيفة تأويلية مزدوجة. فهو يسمح للعامة بفهم المعنى في صورته التمثيلية، كما يسمح للفلاسفة بالانتقال من تلك الصورة إلى المعنى العقلي الكامن وراءها. وهذا الانتقال من الصورة إلى المعنى هو ما يشكل جوهر العملية التأويلية في الفكر الفلسفي.

وقد لاحظ الفارابي قبل ابن رشد أن «الشرائع تمثل المعقولات في صور محسوسة». وهو القول الذي يعكس تصورا فلسفيا عميقا لطبيعة العلاقة بين الدين والفلسفة. فالشرع لا يناقض الفلسفة، بل يعبر عن الحقيقة نفسها بلغة رمزية تناسب الجمهور.

وهذا ما جعل ابن رشد يرى أن التمثيل ليس مجرد أسلوب بلاغي، بل هو جزء من الحكمة الإلهية في مخاطبة البشر. فالخالق في نظره يعلم تفاوت قدرات الناس، ولذلك جاء الخطاب الديني متنوع الأساليب ليخاطب كل فئة بما يناسبها.

إن هذا التصور يكشف عن فهم دقيق لوظيفة الدين في المجتمع. فالدين ليس مجرد منظومة عقائدية، بل هو أيضا نظام رمزي يساهم في تنظيم الحياة الأخلاقية والاجتماعية. والتمثيلات الدينية بما تحمله من صور عن الثواب والعقاب، تشكل جزءا من الآلية التربوية التي توجه سلوك الأفراد داخل المجتمع.

وقد أشار دوركهايم في تحليله للسوسيولوجيا الدينية إلى أن «الدين نظام من الرموز التي تعبر عن القيم الجماعية». وهذا التحليل السوسيولوجي يلتقي في كثير من جوانبه مع الرؤية الرشدية التي ترى في التمثيل الديني وسيلة لتشكيل الوعي الأخلاقي لدى الجمهور.

إن المخيال هنا لا يعمل فقط على مستوى الفهم، بل يعمل أيضا على مستوى الفعل. فالصور الرمزية التي يقدمها الخطاب الديني لا تهدف إلى إشباع الفضول المعرفي، بل تهدف إلى توجيه السلوك الإنساني. فتصوير الجنة بوصفها نعيما أبديا، والنار بوصفها عقابا رهيبا، يهدف إلى ترسيخ قيم الخير والعدل داخل المجتمع. وقد لاحظ باسكال هذه الحقيقة حين قال إن «القلب له براهينه التي لا يعرفها العقل». وهذا القول يشير إلى أن الإنسان لا يتحرك دائما بدافع العقل المجرد، بل بدافع صور ومعانٍ تؤثر في وجدانه. وتتضح أهمية المخيال في الخطاب الديني، إذ يسمح بربط المعنى العقلي بالبنية الوجدانية للإنسان. فالعقل قد يدرك أن العدل قيمة أخلاقية، لكن الصورة الرمزية للجنة والنار تمنح تلك القيمة قوة تأثيرية أكبر في السلوك الإنساني. ولعل هذا ما يفسر أيضا أن الفلسفة نفسها لم تستغنِ عن التمثيل في كثير من الأحيان. فأفلاطون رغم دفاعه عن العقل لجأ إلى الأسطورة في محاوراته، كما في أسطورة الكهف التي أصبحت واحدة من أشهر الصور الفلسفية في تاريخ الفكر. وقد كان يدرك أن الصورة الرمزية قادرة على التعبير عن المعاني الفلسفية بطريقة لا تستطيعها المفاهيم المجردة. وهذا ما يجعل العلاقة بين الفلسفة والدين أكثر تعقيدا مما تبدو عليه للوهلة الأولى. فالفلسفة تسعى إلى التعبير المفهومي عن الحقيقة، بينما يعبر الدين عنها بلغة رمزية تخاطب المخيال. لكن الهدف النهائي في الحالتين يظل واحدا، الكشف عن المعنى العميق للوجود الإنساني. وقد أدرك ابن رشد هذه الوحدة العميقة بين الحكمة والشريعة حين أكد أن كليهما يسعى إلى الحقيقة نفسها، وإن اختلفت طرائق التعبير عنها. ولذلك فإن المخيال الديني لا ينبغي النظر إليه بوصفه نقيضا للعقل، بل بوصفه وسيطا يسمح للحقيقة بأن تصبح جزءا من التجربة الإنسانية اليومية.

إن هذه الرؤية تفتح أفقا جديدا لفهم العلاقة بين الدين والفلسفة في الفكر الإسلامي. فهي تكشف أن التوتر الذي نشأ أحيانا بينهما لم يكن نابعا من تعارض حقيقي بين العقل والوحي، بل من سوء فهم لوظائف الخطاب المختلفة. فإذا أدركنا أن التمثيل في الخطاب الديني موجّه إلى مستوى معين من الإدراك، وأن البرهان الفلسفي موجّه إلى مستوى آخر، فإن التعارض الظاهري بينهما يتلاشى. فالحقيقة يمكن أن يعبَّر عنها في صورة مفهومية كما يمكن أن يعبَّر عنها في صورة رمزية، وكلتا الصورتين تؤدي وظيفة معرفية مختلفة داخل المجتمع. ونتبين أن المخيال في الخطاب الديني عند ابن رشد ليس مجرد ظاهرة لغوية أو بلاغية، بل هو جزء من بنية معرفية عميقة تتداخل فيها الفلسفة بالدين والعقل بالرمز والبرهان بالتمثيل.

إن هذا الفهم العميق لوظائف المخيال يسمح بإعادة قراءة التراث الديني بعيدا عن التفسير الحرفي الضيق الذي يحجب أبعاده الرمزية والتأويلية. كما يسمح في الوقت نفسه بفهم الدور الذي يلعبه الخطاب الديني في تشكيل الوعي الجماعي.

فالمخيال الديني ليس مجرد انعكاس لواقع اجتماعي أو ثقافي، بل هو قوة رمزية قادرة على إعادة تشكيل ذلك الواقع. فالصور التي يقدمها الدين عن العالم والإنسان والمعنى تتحول مع الزمن إلى جزء من البنية العميقة للثقافة، وهي التي تمنح المجتمعات إحساسها بالهوية والاستمرارية.

إن تحليل ابن رشد للمخيال الديني يظل واحدا من أكثر التحليلات عمقا في تاريخ الفكر الإسلامي، لأنه يكشف عن البنية المعرفية التي يقوم عليها الخطاب الديني، ويبين في الوقت نفسه العلاقة المعقدة بين الحقيقة والتمثيل.

إن المخيال في هذا السياق ليس مجرد وسيلة للإقناع الخطابي، بل هو أفق رمزي يسمح للإنسان بأن يعيش الحقيقة في صورة تجربة وجودية. فالحقيقة إذا بقيت مجرد مفهوم عقلي قد تظل بعيدة عن الحياة اليومية، أما إذا تجسدت في صورة رمزية فإنها تصبح جزءا من الوعي العملي للإنسان. وهذا ما يمنح الخطاب الديني قوته التاريخية وقدرته على الاستمرار عبر العصور. فالمفاهيم الفلسفية قد تتغير بتغير المدارس الفكرية، لكن الرموز الدينية تظل قادرة على التجدد لأنها تخاطب البنية العميقة للنفس الإنسانية. وإذا كان ابن رشد قد دافع عن العقل بوصفه الطريق الأعلى لمعرفة الحقيقة، فإنه لم يغفل أبدا الدور الحيوي الذي يلعبه المخيال في نقل تلك الحقيقة إلى المجال الاجتماعي. ولذلك فإن مشروعه الفلسفي يمكن فهمه بوصفه محاولة لإقامة توازن دقيق بين مطلب الحقيقة البرهانية ومتطلبات التواصل الإنساني.

وفي ضوء هذا التوازن يتضح أن التمثيل في الخطاب الديني ليس بديلا عن الحقيقة، بل هو إحدى طرائق ظهورها داخل المجال الثقافي. فالحقيقة التي يدركها الفيلسوف في صورة مفهوم قد يدركها الجمهور في صورة رمز، لكن المعنى العميق يظل واحدا.

إن نظرية ابن رشد في المخيال الديني تمثل محاولة فريدة في تاريخ الفكر الإسلامي لفهم العلاقة بين المعرفة واللغة والمجتمع. فهي تكشف أن الخطاب الديني ليس مجرد خطاب عقائدي، بل هو نظام رمزي معقد يربط بين العقل والخيال في تشكيل الوعي الإنساني. وتفضي هذه الرؤية في خاتمتها إلى نتيجة فلسفية عميقة مفادها أن الحقيقة لا تعيش في عالم المفاهيم وحده، بل تحتاج دائما إلى لغة وصورة ورمز كي تصبح جزءا من التجربة الإنسانية. فالعقل يكتشف الحقيقة، لكن المخيال يمنحها القدرة على الحياة داخل المجتمع. وتظل الفلسفة الرشدية شاهدا على إمكانية الجمع بين صرامة العقل وثراء المخيال، وبين دقة البرهان وقوة الرمز، في بناء خطاب ديني قادر على أن يخاطب الإنسان في مختلف مستويات إدراكه، وأن يجعل الحقيقة ليست مجرد فكرة تُفهم، بل تجربة تُعاش.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم