عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

مقارنة بين الجابري وطه عبد الرحمن

يجيء السؤال عن العقل داخل التجربة الفكرية العربية المعاصرة مثقلاً بتاريخ طويل من التوتر الخلّاق بين مطلب البرهان ومطلب المعنى، بين صرامة الاستدلال ودفء الذوق وبين هندسة المفهوم وارتعاشة الروح ساعة يلامسها الوجود من داخله. ذلك أن العقل كما وعاه تراثنا الفلسفي والكلامي والأصولي والعرفاني لم يكن أداة صمّاء تُستعمل في ترتيب الأدلة فحسب، ولا كان مجرد مرآة تعكس معطيات الحس أو تنسّق مبادئ المنطق، وإنما ظلّ على الدوام موضع نزاع معرفي عميق حول ماهيته وحدوده ووظيفته ومجال سلطانه. وقد عبّر أبو حامد الغزالي في لحظة مفصلية من تاريخ الفكر الإسلامي عن هذا القلق المعرفي تعبيراً بالغ الدلالة حين جعل للعقل منزلة العين السليمة وجعل للشرع منزلة الضوء الكاشف فكأن المعرفة الحقّة لا تقوم بعين وحدها ولا بضوء وحده، وإنما تنشأ من تآلف البصيرة بما يفتح لها أفق الرؤية. وعند ابن رشد يترسخ المعنى ذاته بصيغة أخرى أكثر انتظاماً في البناء البرهاني إذ يغدو النظر العقلي فريضة شرعية ويغدو البرهان أرفع مراتب الكشف عن الموجودات، لأن “الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له”. أمّا عند ابن عربي فإن العقل مع جلال قدره يقف عند عتبة لا يتجاوزها إلا الذوق، لأن “الطور وراء طور العقل” ولأن الحقيقة ساعة تتجلى، تخلخل مقاييس الترتيب الذهني المعتاد فتدعونا إلى نوع من الإدراك أعمق من مجرّد التصور والتصديق.

داخل هذا الأفق المركّب تكتسب المقارنة بين محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن قيمة استثنائية لا لكونها مقابلة بين اسمين بارزين في الفكر المغربي الحديث فحسب، بل لكونها مواجهة نظرية بين تصورين متباينين لجوهر العقل العربي الإسلامي ووظيفته التاريخية ومصيره الحضاري. فالجابري يمضي بالعقل صوب مطلب البرهان ويعيد بناء مشروع النهضة على قاعدة نقد البنيات المعرفية التي حكمت الثقافة العربية الإسلامية قروناً طويلة، مستلهماً درس باشلار في القطيعة الإبستمولوجية ومستأنساً بحسّ ألتوسير في تحليل الأجهزة المفهومية، ومجاوراً على نحو مخصوص روح ابن رشد في تعظيم البرهان وترتيب المعرفة على مقتضى الدليل. أمّا طه عبد الرحمن فيسلك طريقاً آخر أشدّ التصاقاً بسؤال الإنسان في كليّته وأشدّ حذراً من اختزال العقل في وظيفته البرهانية فيردّ الاعتبار إلى التجربة الروحية والأخلاقية والائتمانية ويُدخل الفعل التعبدي والسلوك التزكوي ضمن شروط إنتاج المعنى كأن العقل عنده لا يكتمل إلا إذا تهذّب ولا يصفو إلا إذا تزكّى ولا يبلغ تمام فاعليته إلا إذا تحرّر من دعوى السيادة الجافة التي جعلت الإنسان الحديث بتعبير هايدغر “سيّداً على الموجودات” قبل أن يغدو غريباً عن سرّ وجوده.

تنبع أهمية هذا الموضوع من أن الخلاف بين الرجلين لا ينحصر في اختلاف منهجي عابر ولا يُختزل في تباين لغوي بين خطاب إبستمولوجي وخطاب تداولي أخلاقي، بل يضرب في عمق التصور الحضاري للمعرفة ذاتها. فالعقل عند الجابري يطلب التحرر من سطوة البيان والعرفان حين يتحولان إلى عائق إبستمولوجي ويطلب إعادة تأسيس الذات العربية على قاعدة نقدية تجعل البرهان معياراً للتمييز بين أنماط القول، لأن أزمة النهضة في جانب معتبر منها أزمة عقل تشكّل تاريخياً داخل أنساق معرفية غير متكافئة في إنتاج الفعالية التاريخية. لذلك بدا مشروعه أشبه بمحاولة “تشريح للعقل” قصد ردّه إلى شروط إمكانه وإبراز مواطن تعثره ومواطن إمكان نهوضه. أمّا عند طه فالأزمة أعمق من مجرد اختلال في ترتيب أنظمة المعرفة؛ إنها أزمة إنسان فقد نسبته الأخلاقية إلى العالم وأصابته غفلة حضارية جعلته يستورد مفاهيم الحداثة دون أن يستنبتها في تربته الروحية. في هذا المقام ينكشف قصور العقل البرهاني متى استبدّ وحده بالمشهد، مهما بلغ من الإحكام الصوري، لأن صورة الإنسان لا تُستوفى إلا بمجموع قواه: عقل يبرهن وقلب يتأدب وروح تتطهّر ولسان يصدق وعمل يشهد على ما يعتقد صاحبه.

هذا التوتر بين البرهان والتجربة الروحية يعيد إلى الذاكرة أسئلة قديمة متجددة عرفها الفكر الإنساني في أكثر من سياق. أفلاطون رفع العقل إلى مرتبة التذكّر فجعل المعرفة ارتقاءً نحو الحق والخير والجمال. وأرسطو شدّد على انتظام البرهان ومراتب القياس. وديكارت جعل البداهة العقلية أساس اليقين بعد أن مرّ عبر نار الشك. وكانط رسم للعقل حدوده حتى لا يتورط في أوهام الميتافيزيقا حين يتجاوز مجاله المشروع. وبيرغسون نبّه إلى أن الحدس يلتقط من الحياة ما يعجز عنه العقل التحليلي ساعة يجزّئ الحركة ويقتل الديمومة. أمّا الغزالي فقد خبر حدود النظر ثم خبر حدود الذوق فخرج من المحنة الفكرية إلى مقام تتعانق فيه الحجة مع المجاهدة. كأن تاريخ الفكر كله يهمس في أذن قارئ الجابري وطه معاً، العقل لا يُفهم من داخل تعريف واحد ولا يُختزل في آلة واحدة ولا يُحاكم بمعيار منفرد.

وتتحدد مهمة هذا المقال في مساءلة الكيفية التي صاغ بها الجابري صورة العقل البرهاني بوصفه أفقاً لتحرير الفكر العربي من اختناقات الموروث المعرفي والكيفية التي أعاد بها طه عبد الرحمن وصل العقل بالتجربة الروحية والأخلاقية حتى يستعيد الإنسان وحدته الممزقة تحت ضغط الحداثة الأداتية. والمقصود هنا ليس ترجيح اسم على اسم ولا إقامة مفاضلة مدرسية سطحية بين مشروعين كبيرين، بل الكشف عن طبقات السؤال الفلسفي الكامن وراءهما، هل يكفي البرهان كي يُنتج عقلانية قادرة على حمل الإنسان العربي إلى أفق حضاري جديد؟ أم أن البرهان إذا انفصل عن التزكية والائتمان يتحول إلى عقل أداتي فاقد للبوصلة؟ وهل التجربة الروحية قادرة وحدها على بناء معرفة عمومية مؤسسة أم تحتاج بدورها إلى نظام من الضبط المفهومي يحفظها من الانزلاق إلى التسيّب والالتباس؟ هنا بالذات تنفتح المقارنة على رهان أوسع، رهان إعادة تعريف العقل العربي المعاصر على صورة كائن يفكر ويزكّي نفسه معاً، يبرهن ويتهذّب ويقرأ العالم بعيون المنطق ويصغي إليه بقلب المسؤولية.

إذا كان الفكر العربي المعاصر قد عرف أسماء كثيرة اشتغلت على سؤال النهضة والحداثة والتراث والإنسان، فإن قليلين منهم استطاعوا أن يجعلوا من مفهوم العقل نفسه ميداناً لصراع فلسفي حقيقي لا على مستوى الاصطلاح وحده، بل على مستوى الرؤية الكلية للوجود والمعرفة والتاريخ. ويبرز محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن في سياقنا هذا بوصفهما اسمين كبيرين لا لأنهما قدّما مشروعين مؤثرين داخل الثقافة العربية الحديثة فحسب، بل لأنهما جعلا من العقل سؤالاً مصيرياً يرتبط بمستقبل الإنسان العربي ومآل حضارته ويرتبط أيضاً بحدود ما يمكن أن تمنحه الحداثة حين تُستقبل داخل أفقنا الثقافي وما يمكن أن يتيحه التراث حين يُقرأ قراءة نقدية أو يُستعاد استعادة إبداعية. وعند التأمل العميق في المشروعين يتبيّن أن الخلاف بينهما لا يدور حول تفاصيل منهجية جزئية ولا حول مجرد تباين في اللغة أو الأسلوب أو الإحالات المرجعية بل يتعلق بجوهر الموقف من العقل ذاته، هل العقل في أساسه برهاني نقدي يقوم على القطع مع أنماط الوعي التي أعاقت فعاليته التاريخية أم أن العقل مهما بلغ من الصرامة البرهانية يبقى ناقصاً إذا انفصل عن التجربة الروحية والأفق الأخلاقي والتزكوي الذي يمنحه معناه الإنساني الأعلى؟.

لقد كان الجابري شديد الوعي بأن سؤال النهضة في المجال العربي الإسلامي لا يُجاب عنه بخطابات وجدانية ولا بشعارات عامة عن الأصالة والمعاصرة ولا بالاحتماء بمجد ماضٍ جليل، وإنما يُجاب عنه بالعودة إلى البنية العميقة التي شكّلت طرائق التفكير، أي إلى ما سمّاه “العقل العربي” بما هو منظومة من الآليات والإجراءات والمسلّمات التي حكمت إنتاج المعرفة وتداولها داخل الثقافة العربية الإسلامية. وهو حين اختار هذا المدخل لم يكن يبحث عن وصف سيكولوجي للعرب ولا عن حكم جوهري على ماهية ثابتة وإنما كان يتقصّد ما يمكن تسميته بالبنية الإبستمولوجية للثقافة، أي الشروط التي تنظّم القول وترتب سلّم الشرعية المعرفية وتحدّد ما يُقبل دليلاً وما يُرفض، وما يدخل في حيّز البرهان وما يُلقى في مجال التسليم أو الذوق أو البيان. لذلك جاء مشروعه في “نقد العقل العربي” أقرب إلى حفريات فكرية واسعة النطاق تشتغل على تفكيك الأنظمة المعرفية الثلاثة: البيان والعرفان والبرهان، ثم تعيد ترتيبها على ضوء سؤال الفعالية التاريخية.

في هذا الترتيب تتبدى مركزية البرهان عند الجابري. فالبرهان في تصوره ليس مجرد تقنية منطقية ولا هو صورة مدرسية للقياس الأرسطي بل هو نمط في بناء العقل يقتضي الوضوح والاتساق والقدرة على إقامة العلاقة بين المقدمات والنتائج على نحو يسمح بالمراجعة والنقد والاختبار. ولعل هذا ما يفسر احتفاءه بابن رشد احتفاءً بالغاً حتى بدا وكأنه يستعيده لا بوصفه شخصية تراثية كبيرة فحسب، بل بوصفه إمكاناً تاريخياً معطّلاً داخل الثقافة العربية أو بوصفه النموذج الذي كان يمكن أن يُؤسّس تقليداً عقلانياً مختلفاً لو أن الشروط التاريخية أسعفته. وكان الجابري يرى أن البيان على جلالة مكانته في علوم اللغة والفقه والكلام قد أسّس في كثير من تجلياته لعقل يطلب المشروعية من سلطة النص في صورته الموروثة أكثر مما يطلبها من انتظام النظر. كما رأى أن العرفان بما هو بناء معرفي قائم على الكشف والإشراق والباطن قد وسّع مساحة اللامفكَّر فيه وأدخل في بنية الوعي عناصر تُضعف مطلب الموضوعية وتربك صرامة البرهان. ومن هنا كان ميله واضحاً إلى إعادة الاعتبار للعقل البرهاني لا على سبيل النسخ الميكانيكي للتراث الرشدي بل على سبيل جعله أفقاً نقدياً لنهضة حديثة.

ولم يكن هذا الخيار عند الجابري معزولاً عن أفق فلسفي أوسع، تأثر فيه بوضوح بالدرس الإبستمولوجي الفرنسي خاصة عند باشلار الذي نبّه إلى أن المعرفة العلمية لا تتقدّم إلا عبر قطيعات مع عوائقها الداخلية وأن العقل لا ينمو نمواً خطياً بريئاً بل يتشكّل عبر صراع مع أوهامه ومسبقاته. كما تأثر من جهة أخرى بألتوسير في حسّه البنيوي الذي يبحث عن الأجهزة المفهومية لا عن النوايا الذاتية. لذلك بدت قراءته للتراث قراءة تحاكمه بمنطق الفعالية المعرفية لا بمنطق التقديس أو الاستهجان. وهذا ما منح مشروعه قوة كبيرة لأنه حرّر سؤال التراث من ثنائية التمجيد والرفض وأدخله في حقل النقد. غير أن هذه القوة نفسها كانت تحمل نقطة توتر خفية، فالعقل البرهاني الذي أعاد الجابري بناءه بدا أحياناً وكأنه يتعامل مع أنماط أخرى من المعرفة بوصفها عوائق أو بقايا تاريخية أو أنساقاً أقلّ جدوى أكثر مما يتعامل معها بوصفها تعبيرات عن حاجات إنسانية وروحية وأنثروبولوجية عميقة.

هنا يجيء طه عبد الرحمن ليقلب ترتيب السؤال من أساسه. فهو لا يبدأ من تشريح البنية الإبستمولوجية للتراث كما فعل الجابري بل يبدأ من مساءلة المفهوم الحديث للعقل نفسه ومن نقد دعوى الاكتفاء البرهاني حين يتحول العقل إلى أداة تجريدية تفصل الإنسان عن أخلاقه وعن سرّه الوجودي. وطه بما هو فيلسوف لغوي ومنطقي من جهة ومفكر أخلاقي روحي من جهة أخرى لا يرفض البرهان من حيث المبدأ ولا يستخف بقيمته بل مارس المنطق واشتغل في التداوليات ووعى صرامة المفهوم على نحو يجعل الاعتراض عليه باسم “اللاعقلانية” اعتراضاً متهافتاً. غير أن طه يرى أن الحداثة الغربية نفسها وقد رفعت العقل إلى مقام المرجعية العليا، انتهت في كثير من وجوهها إلى عقل أداتي يحسن التنظيم والسيطرة والحساب ويعجز عن أن يمنح الإنسان معنى وجوده أو يرشده إلى الغاية من فعله. وفي هذا يلتقي من وجه ما مع نقد هوركهايمر للعقل الأداتي ومع تنبيهات هايدغر إلى أن التقنية ليست مجرد أدوات بل هي نمط في انكشاف العالم يهدد الإنسان نفسه بالتحول إلى مورد ضمن جهاز الاستعمال.

ومن هذا المنطلق يميّز طه بين مراتب للعقل ويرفض اختزاله في صورة واحدة. فالعقل عنده ليس آلة صورية تشتغل في فراغ وإنما هو ممارسة وجودية وأخلاقية وروحية. والإنسان لا يعقل حقا إلا بمقدار ما يتأدب في استعمال العقل ويتزكّى في قصده ويتحمّل مسؤوليته أمام الحق والخلق. ولهذا كان مشروعه الائتماني مشروعاً لإعادة وصل المعرفة بالأمانة والفكر بالعمل والمنطق بالتزكية والحرية بالمسؤولية. إن طه يرفض أن يُفصل العقل عن مجاله التداولي الحي كما يرفض أن يُعزل عن شروطه الأخلاقية. ولذلك نجده يوسّع من مفهوم الدليل فلا يحصره في البرهان المنطقي وحده بل يفتح المجال أمام ما يمكن تسميته بالشهادة الوجودية أو الصدق العملي أو المعنى المتحقق في التجربة. والحق أن هذا التوسيع ليس استسلاماً للغموض كما قد يظن بعض قرّائه بل هو احتجاج فلسفي على النزعة التي جعلت العقل الحديث أسير ما يمكن قياسه أو برهنته في حدوده الصورية الضيقة.

إذا أردنا أن نصوغ الفرق بين الرجلين في عبارة مكثفة أمكننا القول إن الجابري يسأل كيف نحرر العقل من الشوائب التي عطّلت فعاليته التاريخية؟ وطه يسأل كيف نحرر العقل من وهم الاكتفاء بذاته حين ينسى جذره الأخلاقي والروحي؟ السؤال الأول تحكمه هواجس النهضة والتاريخ والبنية المعرفية. والسؤال الثاني تحكمه هواجس الإنسان والائتمان والمعنى. الأول يتطلع إلى عقل ينهض بالأمة عبر البرهان والنقد وإعادة ترتيب العلاقة بالتراث. الثاني يتطلع إلى عقل ينهض بالإنسان عبر التزكية والتخلق وتجديد الصلة بالمطلق. وبين السؤالين مسافة واسعة لكنها ليست مسافة قطيعة مطلقة لأن كليهما في نهاية المطاف يعترف بأن أزمة العالم العربي أزمة عقل غير أن كلا منهما يحدد العلة في موضع مختلف.

لقد كان الجابري في عمق مشروعه متأثراً بروح ابن رشد أكثر من تأثره بحرفية نصوصه. فهو لم يستدع ابن رشد لكي يكرر عباراته بل استدعاه بوصفه إمكاناً رمزياً لعقلانية عربية ممكنة. وابن رشد كما هو معلوم لم يكن ينظر إلى البرهان نظرة تقنية محضة بل كان يراه طريقاً إلى فهم الشرع والعالم معاً، وكان يعتبر أن النظر في الموجودات من جهة دلالتها على الصانع فريضة. غير أن الجابري بحكم انشغاله بإعادة بناء العقل العربي داخل أفق حداثي أعاد قراءة الرشدية قراءة حديثة فصارت البرهانية عنده أقرب إلى أفق إبستمولوجي وتاريخي لا إلى تكامل ميتافيزيقي أو لاهوتي. ومن هنا يجيء اعتراض طه الضمني عليه، إذ يرى أن كل قراءة تفصل العقل عن مقام التعبد والتخلق ولو كانت باسم التحرير فإنها تقع في صورة أخرى من الاختزال.

ولا يمكن فهم موقف طه دون استحضار أثر الغزالي وابن عربي وأهل السلوك في خلفيته مع أن طه لا يكررهم تكراراً. فالغزالي حين قال إن العقل شرط في أصل المعرفة ثم بيّن أن العقل نفسه قد يقف عند حدّ لا يتجاوزه إلا نور يقذفه الله في القلب لم يكن يهدم العقل، بل كان يعيد ترتيبه داخل بنية أوسع للمعرفة. وابن عربي حين يميّز بين العلم العقلي والعلم الذوقي لا يسخر من البرهان بل يبيّن أن الوجود أغنى من أن يُستوعب في شبكات المفهوم وحدها. وطه يلتقط هذا الخيط لكنّه يصوغه بلغة فلسفية حديثة فيجعل التجربة الروحية نفسها موضوعاً للتفكير المفهومي ويجعل الأخلاق منطقاً أعلى للفعل الإنساني. بهذا المعنى فإن مشروعه لا يكتفي بنقد الحداثة الغربية بل ينقد أيضاً صور التحديث العربي التي أخذت من الغرب أدواته وتركت سؤاله الأخلاقي معلّقاً.

غير أن الإنصاف الفلسفي يقتضي أن نقول إن كلا من المشروعين يواجه بدوره إشكالات داخلية لا يجوز إغفالها. فالجابري مع كل ما قدّمه من دقة تحليلية ومن شجاعة نقدية ومن إعادة بناء كبرى للخريطة المعرفية للتراث قد وقع أحياناً في نوع من الصرامة التصنيفية التي تجعل الحدود بين البيان والعرفان والبرهان أكثر صلابة مما تسمح به الوقائع النصية والتاريخية. فالتراث الإسلامي في كثير من نصوصه الكبرى أكثر تداخلاً من أن يُحشر في خانات مفصولة بإحكام. وقد نجد عند فقيهٍ عناصر ذوقية وعند صوفيّ بناءً استدلالياً وعند متكلمٍ حسا بيانيا وميتافيزيقيا معاً. بل إن ابن رشد نفسه الذي احتفى به الجابري لم يكن مجرد منطقي جاف وإنما كان فقيهاً أصوليا فيلسوفا وقاضيا وطبيباً، أي كان عقلاً موسوعياً يتنفس داخل وحدة ثقافية مركبة. لذلك فإن تعظيم البرهان إذا تحول إلى حساسية استبعادية تجاه بقية الأبعاد، قد ينتهي إلى إعادة إنتاج نوع من الاختزال الذي كان الجابري نفسه يقاومه في صور أخرى.

وفي المقابل فإن طه عبد الرحمن على عمق مشروعه وفرادته وقوته المفهومية يظل عرضة لسؤال آخر، كيف يمكن للتجربة الروحية بما هي ذاتية وذوقية وتزكوية أن تتحول إلى أفق عمومي مشترك داخل فضاء فكري يحتاج إلى معايير قابلة للتداول والنقاش والاختبار؟ إن البرهان على محدوديته يمتلك قابلية عمومية واضحة لأن منطق الدليل يسمح بالمراجعة والاعتراض والتفنيد. أمّا الذوق الروحي فمهما ارتفع مقامه يظل مهدداً بسوء الفهم أو الادعاء أو الانزلاق إلى سلطة رمزية يصعب ضبطها. ولهذا كان المتصوفة الكبار أنفسهم شديدي الحذر من إطلاق القول في دقائق التجربة دون ميزان. يقول الجنيد: “علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة”، وكأن الروح نفسها تحتاج إلى قانون يحفظها من الفوضى. ومن هنا فإن مشروع طه كي يتحول إلى بديل حضاري كامل يظل مطالباً دوماً ببيان الكيفية التي تُترجم بها التجربة الروحية إلى مؤسسات ومعايير ومجالات تداول عمومي دون أن تفقد روحها أو تتحول إلى وعظ مجرّد.

على أن القيمة الحقيقية للمقارنة بين الجابري وطه لا تكمن في إعلان انتصار أحدهما على الآخر، فذلك تبسيط مخلّ لا يليق بمشروعين من هذا الحجم، وإنما تكمن في أن كلا منهما يضيء نقص الآخر ويكشف حدّه. فالجابري يذكّرنا بأن النهضة لا تقوم على النوايا الطيبة ولا على الحنين الروحي إذا غاب النقد الصارم للبنيات المعرفية التي تنتج التخلف. وطه يذكّرنا بأن العقل إذا صار جهازاً بارداً للفرز والتصنيف والتحليل دون أن يتصل بالأخلاق والروح فإنه قد ينتج حضارة فعالة وآلة متقدمة وإنساناً ناقصاً. الجابري يطالبنا بأن نكون يقظين إزاء أوهام التراث حين يتحول إلى سلطة تعطل السؤال. وطه يطالبنا بأن نكون يقظين إزاء أوهام الحداثة حين تتحول إلى سلطة تنزع عن الإنسان سره. وفي هذا المعنى العميق يبدو الرجلان على شدة اختلافهما متكاملين أكثر مما يبدو لأول وهلة.

ولعل الفكر العربي اليوم أحوج ما يكون إلى تجاوز القراءة الاصطفافية التي تجعلنا مضطرين إلى الاختيار القاطع بين البرهان والروح، بين النقد والتزكية، بين ابن رشد والغزالي وبين العقلانية والإحسان. فالتاريخ الفعلي للثقافة الإسلامية نفسها يشهد بأن لحظات العطاء الكبرى لم تكن وليدة قطيعة جذرية بين هذه الأبعاد بل كانت ثمرة توتر خلاق بينها. كان الشاطبي وهو من أدق العقول المقاصدية يمارس استدلالاً بالغ الصرامة دون أن يقطع مع المقصد الإيماني للشريعة. وكان فخر الدين الرازي يجمع بين الجدل العقلي الرفيع وحسّ روحي ظاهر. وكان ابن عاشور في العصر الحديث يستثمر أدوات الأصول واللغة والتاريخ دون أن يفصلها عن هاجس الهداية. حتى في الفلسفة الغربية الحديثة لم تكن المسألة محسومة على صورة عقل محض. فباسكال صاحب العقل الرياضي العظيم قال كلمته الشهيرة: “للقلب أسبابه التي لا يعرفها العقل”. وبيرغسون دافع عن الحدس دون أن يهدم التحليل. وكيركغارد جعل الوجود الفردي أعمق من نسق هيغل المغلق. كأن التجربة الإنسانية كلما نضجت ازدادت مقاومةً للاختزال.

إن الجابري وطه عبد الرحمن يعبّران عن لحظتين ضروريتين في وعي العقل العربي بذاته. لحظة تطلب التحرير عبر النقد والبرهان وإعادة ترتيب الخريطة المعرفية. ولحظة تطلب الإنقاذ عبر الأخلاق والائتمان وإعادة وصل الإنسان بأفقه الروحي. الأولى تحمي الفكر من السقوط في التكرار والتسليم والتمويه. والثانية تحميه من السقوط في الجفاف والعدمية والفراغ القيمي. الأولى تسأل عن شروط إنتاج الحقيقة في المجال المعرفي. والثانية تسأل عن شروط استحقاق الحقيقة في المجال الوجودي. الأولى تنظر إلى العقل من جهة بنيته ووظيفته. والثانية تنظر إليه من جهة مقامه ووجهته، وكل عقل يكتفي بواحدة منهما يظل عقلاً مبتوراً.

والذي يظهر عند التأمل أن أفقاً تركيبياً يلوح في الأفق لمن أراد أن يقرأ الرجلين قراءة مثمرة لا مدرسية. هذا الأفق لا يساوي بينهما تسوية سطحية ولا يذيب الفروق الجوهرية بين مشروعين مختلفين، بل يستثمر التوتر بينهما لإعادة بناء مفهوم أرحب للعقل. عقلٌ يملك شجاعة النقد التي طالب بها الجابري فلا يخضع لسلطة الموروث دون تمحيص ولا يكتفي بمهابة النصوص أو سطوة الجماعة أو هيبة التاريخ. وعقلٌ يملك في الوقت نفسه تواضع الائتمان الذي دعا إليه طه فلا يغترّ بقدرته البرهانية حتى يتوهّم أنه مركز الوجود وغايته. عقلٌ يعرف أن الحقيقة تُطلب بالدليل وأن الدليل نفسه يحتاج إلى ضمير يحسن استعماله. عقلٌ يقرأ التراث بعين الناقد وقلب الوارث ويقرأ الحداثة بعين المستفيد وقلب المتحفّظ فلا يستسلم لماضوية مغلقة ولا يذوب في حداثة فاقدة للروح.

إن المقارنة بين الجابري وطه عبد الرحمن ليست مجرد درس في تاريخ الأفكار المغربية المعاصرة على جلالة هذا الدرس، وإنما هي امتحان حيّ لقدرتنا على إعادة التفكير في الإنسان العربي نفسه. أي إنسان نريد؟ أإنساناً يبرهن دون أن يتطهّر؟ أم إنساناً يتطهّر دون أن يبرهن؟ أي نهضة نرجو؟ أنهضة تبني مؤسسات وتنتج مفاهيم وتعيد ترتيب المعرفة لكنها تترك الروح عطشى؟ أم نهضة تُكثر من الحديث عن المعنى والصفاء والتزكية لكنها تعجز عن بناء عقل عمومي نقدي قادر على إدارة العالم؟ إن الجواب الذي يليق بتاريخنا وبتحديات عصرنا معاً لا يسعه أن يكتفي بأحد الطرفين. فالعقل الذي يطلبه زمننا العربي اليوم عقلٌ جامع: رشديٌّ في صرامته، غزاليٌّ في محاسبته لنفسه، شاطبيٌّ في فقهه للمقاصد، وابن عربيٌّ في وعيه بأن الوجود أوسع من حدود العبارة. وحين يبلغ الفكر هذا المقام يغدو البرهان نفسه تجربة روحية من حيث هو طلب مخلص للحقيقة وتغدو التجربة الروحية نفسها برهاناً من حيث هي تزكية تُنير النظر وتطهّر القصد.

ويظل الجابري علماً على ضرورة النقد ويظل طه علماً على ضرورة الائتمان، وبين النقد والائتمان، بين البرهان والذوق وبين صرامة المفهوم وحرارة المعنى تتحدد معركة العقل العربي المقبلة. وهي معركة لا تحتاج إلى انتصار اسم على اسم بل تحتاج إلى شجاعة فكرية تعترف بأن العقل لا يُستنفد في المنطق وحده ولا يُستوفى في الوجدان وحده وأن الحضارة التي نطلبها لا تُبنى بآلة بلا روح ولا بروح بلا آلة، بل تُبنى بإنسان اكتملت فيه ملكة النظر كما اكتملت فيه أهلية الأمانة. وذلك في ظني هو الدرس الأعمق الذي تهبنا إياه هذه المقارنة، أن العقل الحق لا يكتفي بأن يكون قادراً على إقامة الدليل بل يحرص أيضاً أن يكون جديراً بحمل الحقيقة.

غير أن المقارنة بين الجابري وطه عبد الرحمن لا تستنفد معناها إذا وقفت عند حدود التمييز بين عقل برهاني وعقل موصول بالتجربة الروحية لأن هذا التحديد على أهميته يظل في مستوى الوصف العام ما لم ننفذ إلى الطبقة الأعمق التي يتحرك فيها كل مشروع، أعني طبقة التصور الكلي للإنسان وللعالم وللحقيقة. فالفلاسفة الكبار لا يختلفون فقط في أدوات النظر وإنما يختلفون قبل ذلك وبعده في صورة الإنسان التي يحملونها في ضمائرهم وهم يفكرون. إن الجابري حين كان يدافع عن البرهان لم يكن ينتصر لصيغة منطقية مجردة بل كان يدافع عن صورة للإنسان العربي بوصفه كائناً ينبغي أن يتحرر من أشكال الوعي التي كبّلت فعله التاريخي وأن يستعيد قدرته على النقد والتمييز والاختيار. وطه حين كان يردّ الاعتبار إلى التجربة الروحية لم يكن يطلب من الإنسان أن يفرّ من العالم إلى زاوية وجدانية وإنما كان يريد له أن يستردّ كرامته الوجودية التي أضاعتها حضارة التقنية حين جعلته سيداً في الظاهر وأسيراً في العمق.

ولذلك فإن الفارق بين الرجلين يظهر بجلاء في موقف كل واحد منهما من التراث. الجابري يقرأ التراث بعين المؤرّخ الإبستمولوجي الذي يسائل البنيات ويُخضع النصوص لميزان الفعالية المعرفية ويبحث عن اللحظة التي انحرف فيها العقل العربي عن إمكانه البرهاني. ولهذا كانت قراءته في مواضع كثيرة أقرب إلى التشريح العقلي الصارم حيث تتراجع حرارة الانتماء لصالح برودة التحليل. وقد كان في هذا وفاء لمهمة فكرية دقيقة لأن التراث حين يتحول إلى موضوع للمهابة المطلقة يفقد قابليته للإثمار ويصير عبئاً على الحاضر بدل أن يكون رصيداً له. وما أكثر ما وقع الفكر العربي الحديث في هذا المأزق حين ظنّ أن الوفاء للسلف يقتضي تكرار عباراتهم لا استئناف روح اجتهادهم. وقد كانت شجاعة الجابري في تفكيك البنى المعرفية للتراث عملاً تأسيسياً لأنه ردّ إلينا حقّ السؤال داخل فضاء طالما أحاطته قداسة تمنع الاقتراب.

غير أن طه عبد الرحمن ينظر إلى التراث من جهة أخرى أعمق التصاقاً بالمعنى الحي الذي يسكنه. فهو لا يرفض النقد لكنه يرفض أن يتحول النقد إلى قطيعة وجدانية أو أن يُختزل التراث في جهاز مفاهيمي يُفكَّك كما تُفكَّك الآلات. فالتراث عنده ليس مجرد مواد معرفية متراكمة بل هو أيضاً ميراث روحي وأخلاقي وتجربة وجودية أي هو “حياة” قبل أن يكون “نصوصاً”. وهنا كان شديد التحفّظ من كل قراءة تفصل الأقوال عن أحوال أصحابها أو تفصل المفاهيم عن المقامات التي نشأت فيها. فالفقيه والمتكلم والصوفي عنده لا يُفهمون حقا إذا اكتفينا بتصنيف أنساقهم لأن لكل واحد منهم خبرة مخصوصة بالعالم وصلة مخصوصة بالحقيقة وسلوكاً ينعكس في بنية خطابه. هذه الحساسية العميقة تجاه “الحيّ” في التراث هي التي تجعل مشروع طه أقرب إلى الاستنبات منه إلى الاستيراد وأقرب إلى التخلّق منه إلى التمفصل النظري المحض.

وهنا يتكثف موضع الخلاف الحقيقي، الجابري يبحث عن شروط إمكان نهضة عقلية عبر إعادة ترتيب العلاقة بالتراث على أساس برهاني نقدي. وطه يبحث عن شروط إمكان نهضة إنسانية عبر إعادة ترتيب العلاقة بالتراث على أساس ائتماني أخلاقي. الأول يسأل عن البنية، والثاني يسأل عن الروح. الأول يريد أن يعرف كيف اشتغل العقل العربي في التاريخ، والثاني يريد أن يعرف كيف ينبغي أن يشتغل الإنسان العربي في الوجود. ولعل هذه المفارقة الدقيقة هي التي تفسر لماذا بدت لغة الجابري أكثر التصاقاً بالدرس الفلسفي الحديث في صيغته الإبستمولوجية بينما بدت لغة طه أكثر اشتباكاً مع الموروث اللغوي والأصولي والصوفي مع استثمار عميق للمنطق والتداوليات الحديثة. فلكل واحد منهما “اقتصاد مفهومي” يعكس أفقه الوجودي قبل أن يعكس اختياره المنهجي.

ومن أخصب المداخل لفهم هذا التباين النظر في معنى “العقلانية” عند كل واحد منهما. العقلانية عند الجابري ذات طابع تحريري وتاريخي لأنها تُستدعى بوصفها أداة لكسر البنيات المانعة للفعل وتحرير الوعي من أشكال الخلط بين مستويات المعرفة وإقامة علاقة جديدة بين الفكر والواقع. إنها عقلانية تسائل المسلّمات وتعيد ترتيب الشرعيات وتفضّل الوضوح المفهومي على الغموض وتُعلي من شأن البرهان بوصفه القاسم المشترك الذي يمكن أن تتأسس عليه معرفة عمومية قابلة للنقاش. حيث إن الجابري رغم اختلاف سياقه كان قريباً من الروح التي جعلت كانط يعلن أن التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه. فالعقل هنا شجاعة استعمال للفكر دون وصاية.

أما العقلانية عند طه فليست مجرد شجاعة فكرية بل هي أيضاً أهلية أخلاقية. لا يكفي أن تستعمل عقلك بل ينبغي أن تستعمله استعمالاً مؤتمناً. لا يكفي أن تُحسن البرهنة بل ينبغي أن يكون قصدك متطهراً من الأهواء التي تُفسد النظر. لا يكفي أن تملك أدوات التحليل بل ينبغي أن تدرك أن الحقيقة لا تُنال كلها من خارج الذات بل يُنال بعضُها بتهذيب الذات نفسها. ومن هنا كانت عقلانيته أقرب إلى ما يمكن تسميته “العقلانية المتخلّقة”، حيث العقل ليس سيداً متعالياً على بقية الملكات بل هو قوة تتكامل مع الضمير والحياء والعبودية والمسؤولية. وهذا البعد يجعل مشروعه شديد الأصالة لأنه يحررنا من الوهم الشائع القائل إن البديل عن العقل الأداتي هو الوجدان الغامض أو الخطاب الوعظي، بينما هو في الحقيقة يبني تصوراً فلسفياً دقيقاً لعقل أوسع من الحساب وأعمق من التجريد.

غير أن ما يثير الانتباه أكثر هو أن الخلاف بينهما يتجاوز المجال النظري إلى تصور مختلف للحداثة نفسها. الجابري على الرغم من نقده العميق للتراث لم يكن منبهرا بالغرب انبهار التابع بل كان يسعى إلى عقلنة العلاقة بالحداثة. كان يريد أن يأخذ منها آلياتها المعرفية وروحها النقدية لا أن يذوب فيها ذوباناً. ولذلك ظلّ مشروعه في جوهره مشروعاً لإعادة بناء الذات العربية من الداخل وإن استأنس بمناهج حديثة. لكن هذه الحداثة في صورته تظل مرتبطة بقوة بالفضاء المعرفي والسياسي والتاريخي أي بقدرة المجتمع على إنتاج عقل عمومي نقدي.

أما طه فإنه يرى أن الحداثة الغربية رغم ما حققته من مكاسب هائلة تحمل في أصلها اختلالاً بنيوياً لأنها فصلت بين التقدم المادي والارتقاء الروحي وبين القوة والمسؤولية وبين الحرية والانضباط الأخلاقي. لذلك لم يكن معركته مع الحداثة معركة رفض بل معركة تفكيك وانتقاء وتجاوز. كان يصرّ على أن لكل أمة حقها في حداثتها وأن الحداثة ليست قالباً جاهزاً يُستنسخ بل إمكاناً تاريخياً يُعاد توليده بحسب المرجعيات الحية للشعوب. ومن هنا كان حديثه عن “روح الحداثة” لا عن قشورها وعن إمكان حداثة أخلاقية أو ائتمانية تستفيد من منجزات العصر دون أن تخسر روح الإنسان.

وهذا كله يفضي بنا إلى السؤال الأصعب، هل يمكن فعلاً تركيب أفق يجمع بين مطلب الجابري ومطلب طه أم أن التوتر بينهما تَنازُع لا يقبل المصالحة؟ الظاهر أن كثيراً من القراءات المتعجلة تتعامل مع المشروعين بمنطق المفاضلة الحدّية، إما أن نكون مع البرهان ضد الروح أو مع الروح ضد البرهان. وهذا في تقديري فهم قاصر لأن تاريخ الفكر الإنساني كله يعلّمنا أن الثنائيات الحية لا تُحلّ بالإلغاء بل بالتجاوز الخلاق. إن البرهان إذا فهمناه في جوهره الأصيل ليس عدوا للروح لأن الروح الصادقة لا تخاف من الحقيقة والحقيقة لا تضيق بالدليل. كما أن التجربة الروحية إذا تحررت من الادعاء والالتباس لا تُلغي العقل بل تزكّيه وتطهّر مجاله من الشهوات الخفية التي قد تفسد منطقه من حيث لا يشعر.

لقد أدرك كبار مفكرينا هذا التوازن بطرائق مختلفة. فابن رشد مع كل صرامته البرهانية لم يكن فيلسوفاً ماديا ولا عقلاً أداتياً بل كان ينظر إلى الوجود بوصفه كتاباً مفتوحاً على الحكمة. والغزالي مع كل احتفائه بالتجربة الباطنية لم يهدم العقل بل وصفه في أكثر من موضع بأنه أصلٌ في معرفة الشرع. والشاطبي في تأسيسه للمقاصد جمع بين الاستقراء العقلي والنظر المقاصدي الذي يستبطن حكمة الشريعة وروحها. وحتى ابن تيمية على ما بينه وبين الفلاسفة والمتكلمين من جدل كان يصرّ على أن صريح المعقول لا يعارض صحيح المنقول. كأن تراثنا في أجود لحظاته كان واعياً بأن الانقسام الحاد بين العقل والروح انقسام مصطنع أكثر مما هو قدر محتوم.

ومن ثمّ تتجلى القيمة الأخصب للمقارنة بين الجابري وطه أنها لا تكمن في أن ننصب أحدهما قاضياً على الآخر بل في أن نستخرج من التوتر بينهما درساً مركباً لزمننا. نحن اليوم في عالم عربي يئنّ تحت ضغط أزمتين متداخلتين، أزمة بنيوية في المعرفة والسياسة والمؤسسات والتعليم وأزمة معنوية في الأخلاق والغاية والهوية والإنسان. الأزمة الأولى لا يعالجها خطاب روحي منفصل عن نقد البنيات. والأزمة الثانية لا يعالجها عقل تقني بارع في التشخيص عاجز عن بثّ المعنى. إن من يريد أن يفكر اليوم بجدية لا يملك ترف الانحياز الأحادي. عليه أن يتعلم من الجابري صرامة النقد ومن طه شرف الائتمان. عليه أن يدرك أن تحرير العقل من الخرافة لا يكفي إذا بقي القلب مستباحاً للنزوات ولعبادة القوة. وعليه أن يدرك كذلك أن تزكية القلب لا تكفي إذا بقي العقل أسير التكرار وسلطة الموروث وكسل السؤال.

ولعل أخطر ما يمكن أن يقع فيه القارئ العربي اليوم هو أن يحوّل المشروعين إلى رايتين أيديولوجيتين بدل أن يجعلهما موردين للفهم. فكم من قارئ اتخذ الجابري ذريعة للازدراء السهل لكل تراث روحي وكأن التصوف كله عتمة والعرفان كله ضلال إبستمولوجي. وكم من قارئ اتخذ طه ذريعة للارتياب في كل مطلب نقدي وكأن البرهان بدعة حداثية غربية لا نصيب لها في بنية الفكر الإسلامي. والحال أن الرجلين لو قُرئا بإنصاف أرفع من هذه الاستعمالات الضيقة. الجابري لم يكن عدوا للتراث في ذاته بل كان عدوا لجموده ولأوهامه المعرفية. وطه لم يكن عدوا للعقل بل كان عدوا لاختزاله ولغطرسته حين يدّعي الكفاية المطلقة.

وأرى أن ما يحتاجه الدرس الفلسفي العربي اليوم هو إعادة فتح الحوار بين المشروعين على نحو أكثر نضجاً وأقلّ انفعالاً. نحتاج إلى قراءة الجابري من داخل سؤال الإنسان لا من داخل سؤال البنية وحده. ونحتاج إلى قراءة طه من داخل سؤال العمومية المعرفية لا من داخل سؤال التزكية وحده. نحتاج إلى أن نسأل كيف يمكن للبرهان أن يصير أخلاقيا وكيف يمكن للتجربة الروحية أن تصير قابلة للتداول العمومي دون أن تُبتذل؟ كيف يمكن للعقل النقدي أن يظل متواضعاً أمام ما يتجاوز حدوده؟ وكيف يمكن للروح أن تبقى منضبطة بميزان يمنعها من الانفلات؟ تلك أسئلة لو أُحسن طرحها لأثمرت فلسفة عربية معاصرة أكثر رسوخاً وأقلّ ارتهاناً للثنائيات الكسولة.

إن الجابري وطه عبد الرحمن لا يمثلان مجرد اتجاهين مختلفين داخل الفكر المغربي الحديث بل يمثلان امتحانين متكاملين للعقل العربي في سعيه إلى استعادة نفسه. الجابري يمتحن قدرتنا على الشك المنهجي وعلى تفكيك المسلّمات وعلى إعادة ترتيب علاقتنا بالتراث وفق منطق البرهان والفعالية التاريخية. وطه يمتحن قدرتنا على مقاومة الإغراء الحداثي حين يتحول إلى عبادة للأداة وعلى استرداد البعد الأخلاقي والروحي للعقل حتى لا ينقلب التقدم إلى فراغ والحرية إلى تيه والمعرفة إلى سلطة بلا حكمة. وليس من الحكمة أن نختزل هذا الامتحان في اختيار ساذج بين اسمين لأن الحضارات لا تنهض باختيار الأسماء بل ببناء المعاني.

إن العقل الذي يحتاجه واقعنا العربي اليوم لا يشبه العقل المدرسي الضيق الذي يكتفي بترتيب الحجج ثم ينسحب من ميدان الحياة. كما لا يشبه الوجدان المنفلت الذي يلوذ بحرارة الشعور كلما استعصى عليه عبء الدليل. نحن أحوج ما نكون إلى عقل مركّب، عقلٍ يعرف أن الحقيقة لا تُهدى إلى الكسالى وأنها تحتاج إلى صبر البرهان كما تحتاج إلى صدق التزكية. عقل يقرأ ابن رشد دون أن يخاصم الغزالي ويقرأ الغزالي دون أن يرتاب في ابن رشد. عقل يتعلّم من الجابري أن التراث لا يُعبد ومن طه أن الحداثة لا تُعبد كذلك. عقل يدرك أن الإنسان لا يكتمل بالمعرفة وحدها ولا بالتعبد وحده بل يكتمل حين تصير المعرفة عبادةً من جهة الإخلاص للحق وحين يصير التعبد معرفةً من جهة انكشاف البصيرة على المعنى.

إن البرهان والتجربة الروحية في أعمق مستويات المقارنة ليسا خصمين متنافيين إلا في القراءات الفقيرة. إنهما حدّان لتوتر خلاق إذا أحسن الفكر العربي المعاصر استثماره أمكنه أن يخرج من أسر ثنائياته العقيمة. فكل برهان لا يُنير صاحبه أخلاقياً يظل ناقصاً وكل تجربة روحية لا تصمد أمام ميزان العقل تظل معرّضة للالتباس. وبين هذا وذاك يتشكل الأفق الأجدر بنا، أفق عقلٍ يبرهن بصرامة ويؤمن بتواضع ويعمل بمسؤولية ويحمل الحقيقة لا بوصفها غنيمة فكرية بل بوصفها أمانة وجودية.

***

د. حمزة مولخنيف

من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة

ليس مفهوم العقل في الفكر المغربي المعاصر لفظا عابرا من ألفاظ التداول الفلسفي الحديث ولا هو حدٌّ منطقيٌّ يُستوفى بالتعريف ثم يُطوى وإنما هو من المفاهيم التي استقرّت في قلب المعركة الفكرية والثقافية التي خاضها المغرب الحديث وهو يواجه أسئلة الذات والتاريخ والمصير. ذلك أنّ العقل في هذا السياق لم يُطرح من حيث هو ملكة ذهنية مجردة ولا من حيث هو أداة صورية للاستدلال فحسب، وإنما طُرح من حيث علاقته ببناء الإنسان وبكيفية تمثّل العالم وبطبيعة الصلة بين التراث والواقع وبحدود القدرة على استئناف فعل حضاري تعطّلت شروطه واختلّت موازينه. وقد اكتسب هذا المفهوم ثقله النظري وامتداده الحضاري لأنّ الكلام فيه كان كلاما في الوقت نفسه عن النهضة والإصلاح والحرية والهوية وعن إمكان الخروج من زمن التبعية إلى أفق الفعل التاريخي المنتج.

ولذلك لم يكن انشغال الفكر المغربي المعاصر بالعقل ترفا فلسفيا ولا محاكاةً مدرسية لمباحث الفلسفة الغربية الحديثة وإنما كان استجابةً عميقةً لوضع تاريخي مأزوم تداخلت فيه آثار الانحطاط الطويل مع صدمة الحداثة ومع التوتر المستمر بين مرجعيات متنازعة. فقد بدا لكثير من المفكرين المغاربة أنّ أزمة العرب والمسلمين ليست أزمة سياسة وحدها ولا أزمة اقتصاد أو إدارة أو تعليم بالمعنى التقني الضيق وإنما هي في جوهرها أزمة في نظام النظر نفسه وأزمة في كيفية اشتغال الوعي وأزمة في طرائق الفهم التي تحكم علاقتنا بالنصوص وبالوقائع وبالمفاهيم. لهذا لم يكن السؤال كيف ننهض فقط؟ بل صار قبل ذلك بأيّ عقل ننهض؟ وأيّ بنية معرفية تسند هذا النهوض؟ وأيّ علاقة ينبغي أن تُعاد صياغتها بين العقل والتراث وبين العقل والوحي وبين العقل والتاريخ وبين العقل والقيمة؟.

وقد ازداد هذا السؤال تعقيدا كلّما تعمّق الفكر المغربي في نقده لذاته لأنّ العقل الذي بدا في مرحلة من المراحل عنوانا للخلاص من التقليد والجمود سرعان ما صار هو نفسه موضوع مساءلة دقيقة. ذلك أنّ الرهان النهضوي الذي علّق على العقل آمالا واسعة لم يُفضِ إلى النتائج التي وُعد بها الوعي العربي الحديث، إذ لم تنجح الدعوات العقلانية وحدها في إنتاج حداثة متوازنة كما لم تستطع الشعارات التنويرية أن تمنع استمرار الازدواجية في المرجعيات أو أن توقف تمدد الخطاب الإيديولوجي أو أن تحسم العلاقة الملتبسة بين الأصالة والمعاصرة. وعند هذا المنعطف لم يعد العقل اسما لحلّ جاهز بل صار اسما لمشكلة مركبة وصار التفكير فيه يقتضي الانتقال من التمجيد الخطابي إلى الفحص النقدي ومن استعماله شعارا في السجال إلى جعله موضوعا للتحليل والحفر والكشف.

وهنا تتحدد القيمة الخاصة للفكر المغربي المعاصر في معالجته لمفهوم العقل إذ لم يكتفِ باستدعائه من خارج التاريخ ولم يذبه في تعميمات تجريدية فضفاضة، وإنما حاول أن يرده إلى شروطه الثقافية والمعرفية والأخلاقية وأن يقرأه من داخل التوترات التي صنعت مساره. ولهذا وجدنا العقل يتحول عند بعضهم إلى بنية إبستمولوجية تُفكّك أنظمة المعرفة العربية الإسلامية ويتحوّل عند بعضهم إلى أفق أخلاقي وائتماني يعيد وصل الفكر بالفعل والمعرفة بالقيمة ويتحوّل عند آخرين إلى وعي تاريخي صارم لا يرى إمكانا للفعل إلا بامتلاك المفهوم واستيعاب منطق العصر. إن البحث في مفهوم العقل داخل الفكر المغربي المعاصر ليس بحثا في لفظٍ فلسفيّ محدود الدلالة وإنما هو بحث في صورة الذات المغربية والعربية وهي تختبر قدرتها على فهم ماضيها وعلى نقد حاضرها وعلى تشييد أفقٍ جديد تتصالح فيه مع نفسها من غير انغلاق وتنفتح فيه على العالم من غير ذوبان.

إذا كان سؤال النهضة قد مثّل في الوعي العربي الحديث أشدّ الأسئلة إلحاحا وأوسعها امتدادا فإنّ الفكر المغربي المعاصر قد منح هذا السؤال صيغة أكثر تعقيدا وأعمق تركيبا حين ربطه منذ وقت مبكر بمسألة العقل لا بوصفه مجرد ملكة ذهنية من جملة الملكات ولا بوصفه أداة استدلال صورية محايدة، وإنما بوصفه الإطار الذي تنتظم داخله علاقة الإنسان بالعالم وبالتراث وبالزمن التاريخي وبإمكان الفعل الحضاري نفسه. فالعقل في هذا السياق لم يُطرح باعتباره حدا منطقيا يكتمل بالتعريف وإنما طُرح باعتباره مشكلةً تاريخية وثقافية وحضارية تتقاطع فيها الأسئلة المعرفية بالأخلاقية وتتداخل فيها رهانات الإصلاح بمآلات الهوية ويتعالق فيها نقد الموروث بإمكان استيعاب الحداثة من غير ذوبان ولا انغلاق.

ولذلك لم يكن انشغال الفكر المغربي المعاصر بمفهوم العقل انشغالا تجريديا صرفا ولا كان استعادة مدرسية لمباحث الفلسفة القديمة أو الحديثة وإنما كان استجابةً واعيةً لوضع حضاري مأزوم بدا فيه أنّ أزمة العرب والمسلمين ليست أزمة أدوات أو مؤسسات فحسب وإنما هي قبل ذلك أزمة في طرائق النظر وأزمة في بنية الوعي وأزمة في شروط إنتاج المعرفة وأزمة في صورة الإنسان عن نفسه وهو يحاول أن يقرأ تاريخه ويحدّد موقعه من العالم. ومن هنا جرى الانتقال من سؤال بسيط في ظاهره لماذا تأخرنا؟ إلى سؤال أكثر عمقا وأشدّ خطورة كيف يشتغل العقل الذي أنتج هذا التأخر؟ وهل العطب كامن في غياب العقل أم في نمط مخصوص من التعقل أم في علاقة مختلة بين العقل والنص وبين العقل والتاريخ وبين العقل والسلطة وبين العقل والأخلاق؟.

ولعلّ أول ما ينبغي تقريره في هذا المقام أنّ الفكر المغربي المعاصر لم يتعامل مع العقل بوصفه مفهوما واحدا بسيطا وإنما تعامل معه بوصفه مفهوما كثيفا تتنازعه مستويات متعدّدة من الدلالة. فالعقل قد يكون بنية معرفية وقد يكون منهجا في النظر وقد يكون سلطةً معياريةً تضبط الحكم والتمييز وقد يكون قابليةً أخلاقيةً تحفظ للإنسان توازنه في الفعل وقد يكون وعيا تاريخيا يدرك منطق التحولات العميقة في الاجتماع والعمران. ولهذا لم يكن الخلاف بين مفكري المغرب المعاصرين حول العقل خلافا في الاصطلاح وحده وإنما كان خلافا في المنبع والمجال والوظيفة والغاية. وهذا ما يفسّر أنّ العقل ظلّ حاضرا في قلب السجال المغربي المعاصر حضورا مركزيا لأنّ كلّ مشروع فكري كبير اضطرّ إلى أن يحدّد موقفه منه صراحةً أو ضمنا وأن يربط به تصوّره للتراث وللحداثة وللإنسان.

وإذا أردنا أن نفهم هذا الحضور الكثيف للعقل في الفكر المغربي المعاصر وجب أن نستحضر أنّ المغرب لم يدخل الحداثة من باب الترف النظري وإنما دخلها من باب الصدمة التاريخية. لقد جاءت الحداثة في العالم العربي عموما وفي المغرب خصوصا مقترنةً بتجارب الاستعمار والهيمنة والاختلال البنيوي في موازين القوة، فجعلت سؤال التقدّم متصلا اتصالا عضويا بسؤال التحرر. غير أنّ التحرر لم يكن ممكنا من غير مراجعة عميقة لأدوات الفهم نفسها. ولهذا كان العقل عند المفكر المغربي الحديث والمعاصر عنوانا مزدوجا، عنوانا للتحرر من الخارج وعنوانا للتحرر من الداخل. التحرر من الخارج يقتضي مقاومة التبعية والهيمنة. والتحرر من الداخل يقتضي نقد التقليد والجمود والتكرار وكسل المفهوم. ونفهم هنا لماذا لم يكن استدعاء العقل في الثقافة المغربية الحديثة مجرد ترديد لشعارات الأنوار وإنما كان محاولة لتشييد ذات قادرة على مقاومة الاستلاب الحضاري من غير أن تسقط في انغلاق دفاعي يعيد إنتاج أسباب الضعف.

ولا يمكن إغفال الخلفية التراثية العميقة التي ظلّت تؤطر النقاش المغربي حول العقل، لأنّ المغرب الفكري لم يبدأ من فراغ ولم يدخل إلى سؤال العقل من خارج تاريخه. فالمجال المغربي الأندلسي قد ورث تقاليد عقلية راسخة تتجلى في الفلسفة الرشدية وفي علم أصول الفقه وفي بعض وجوه النظر الكلامي وفي الممارسة الاجتهادية التي لم تكن تنفصل عن التقدير العقلي للمصالح والمآلات. وليس من قبيل المصادفة أن يظلّ ابن رشد حاضرا في الضمير الفلسفي المغربي الحديث حضورا استثنائيا. فالرجل الذي قرّر في فصل المقال أنّ «الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة» لم يكن يقدّم عبارةً بلاغيةً تُستشهد للزينة وإنما كان يضع قاعدة كبرى في إمكان التساند بين البرهان والوحي، بين النظر العقلي والهداية الشرعية وبين الحكمة والشريعة. وقد ظلّت هذه العبارة على امتداد الفكر المغربي المعاصر أشبه بمرجع ضمني يعاد استدعاؤه كلما احتدم النزاع حول موقع العقل في الثقافة الإسلامية.

وليس ابن رشد وحده هو الذي يمدّ هذا النقاش بمواده العميقة بل إنّ التراث الأصولي نفسه قد ظلّ مصدرا مهما في فهم العقل ووظيفته. فحين يشتغل الأصولي على القياس والاستصحاب والاستحسان وتحقيق المناط وتنقيحه وتخريجه فإنّه لا يمارس مجرد صناعة فقهية جزئية وإنما يمارس عقلا استدلاليا مركّبا، عقلا يربط النص بالواقع والجزئي بالكلي والعلّة بالحكم والمآل بالمقصد. ولذلك الشاطبي حين كان يقول إنّ «وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل» يفتح أفقا لعقل مقاصدي لا يقف عند ظاهر الدليل من غير فقه لعلله وغاياته. وكان القرافي حين يميّز بين التصرفات بحسب المقامات والعلل والآثار يكشف عن حسّ عقلي دقيق لا يمكن اختزاله في حرفية النصوص. إنّ الفكر المغربي المعاصر حين عاد إلى سؤال العقل لم يكن مضطرا إلى استيراده من الخارج على نحو كامل لأنّ في تراثه نفسه إمكانات عقلية معتبرة، غير أنّ هذه الإمكانات كانت في حاجة إلى إعادة قراءة ونقد وإعادة ترتيب.

إنّ مجرد التذكير بوجود تقاليد عقلية في التراث لم يكن كافيا عند مفكري المغرب المعاصرين، لأنّ المشكلة لم تكن في إثبات أنّ أسلافنا عقلانيون، بل كانت في فهم كيف تعطّلت فعالية هذه العقلانية وكيف تحوّلت في مراحل لاحقة إلى أنماط من التكرار المذهبي أو الانغلاق المدرسي أو التبرير السلطوي. هنا انتقل السؤال من مجرد الدفاع عن العقل إلى الحفر في شروط انكساره التاريخي. ولم يعد المقصود أن نردّ على من يتهم الثقافة الإسلامية باللاعقلانية فقط وإنما صار المقصود أن نسأل أنفسنا بصرامة لماذا لم يتحول ما نملكه من رصيد عقلي إلى قوة حضارية متجددة؟ ولماذا انتهت كثير من أدواتنا المفهومية إلى العجز عن مواكبة التحولات الكبرى في العالم؟ ولماذا صار الاجتهاد استثناءً والتقليد قاعدة؟ ولماذا انكمش العقل العمومي أمام سلطات متعددة سياسية واجتماعية ورمزية؟.

تتبدّى القيمة الكبرى هنا لهاته المشاريع الفكرية المغربية المعاصرة لأنها لم تتوقف عند حدود الخطاب الإصلاحي العام بل نقلت النقاش إلى مستوى أكثر عمقا حيث صار العقل نفسه موضوعا للتفكيك والتحليل. ويبرز في هذا السياق محمد عابد الجابري بوصفه أحد أكثر المفكرين المغاربة وعيا بأنّ سؤال النهضة لا يُجاب عنه من خارج بنية العقل العربي ذاته. فالجابري لم يتعامل مع العقل العربي على أنّه جوهر عرقي أو ماهية ثابتة وإنما نظر إليه بوصفه منظومةً من القواعد الضمنية التي تشكلت تاريخيا داخل الثقافة العربية الإسلامية ووجّهت طرائق الفهم والاستدلال والتصنيف والبرهنة. ولهذا كان يفرّق بين «العقل المكوِّن» و«العقل المكوَّن»، أي بين القدرة المنتجة للمعرفة من جهة وبين الترسبات الثقافية والمؤسساتية والمعيارية التي تحدّد كيف يشتغل العقل فعليا من جهة أخرى. وهذا التمييز بالغ الأهمية لأنه يجعلنا نخرج من وهم القول بأنّ المشكلة في الإنسان العربي من حيث طبيعته لنفهم أنّ المشكلة في بنية ثقافية تاريخية قابلة للنقد وإعادة البناء.

ومن هذا المنظور جاءت قراءته الشهيرة لأنظمة المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية حيث ميّز بين البيان والعرفان والبرهان. وليس هذا التمييز مجرّد تصنيف أكاديمي للمعارف بل هو تشخيص عميق لبنية العقل كما تشكّلت في التاريخ العربي الإسلامي. فالبيان عنده يمثل سلطة اللغة والنص والقياس الفقهي والكلامي في صيغته المهيمنة، والعرفان يمثل الأنساق الباطنية والإشراقية والهرمسية التي جعلت المعرفة ضربا من الكشف والذوق والاتصال، أمّا البرهان فيمثل أفق العقل الفلسفي الأرسطي كما استوعبه الفلاسفة المسلمون وخصوصا في ذروته الرشدية. وقد كان الجابري يرى أنّ اختلال التوازن بين هذه الأنظمة هو أحد أسباب العجز الحضاري لأنّ سيادة البيان حين تنغلق على نفسها أو تمدد العرفان حين يهيمن على مجالات لا يضبطها يؤديان إلى إضعاف البرهان بوصفه أداة للنقد والتمييز والصرامة المفهومية.

وهنا نفهم لماذا كان ابن رشد عند الجابري ليس مجرد اسم من أسماء الفلاسفة بل كان رهانا حضاريا ومنهجيا. لقد رأى فيه نموذجا لعقلانية عربية إسلامية قادرة على التمييز بين مجالات القول وعلى ضبط العلاقة بين الشريعة والحكمة وعلى تحرير النظر من الخلط بين مقتضيات البرهان ومقتضيات الخطابة أو الجدل. ولذلك لم يكن دفاع الجابري عن الرشدية حنينا إلى ماضٍ ذهبيٍّ يُستعاد على نحو متحفي وإنما كان فعل اختيار داخل التراث نفسه، أي تمييزا بين عناصر تصلح لبناء حداثة عربية نقدية وأخرى تمثل عوائق معرفية ينبغي تفكيكها. وقد عبّر في أكثر من موضع عن هذا المعنى حين جعل من «نقد العقل العربي» شرطا في إمكان أيّ نهضة لأنّ النهضة لا تتحقق بتكديس الشعارات ولا باستيراد التقنيات وإنما تتحقق بإعادة بناء أدوات الفهم ذاتها.

غير أنّ مشروع الجابري على قوته واتساع أثره لم يمرّ دون مساءلة عميقة بل لعلّ قيمته الكبرى تكمن في كونه فتح بابا واسعا لإعادة تعريف العقل نفسه. فإذا كان الجابري قد راهن على البرهان والنقد الإبستمولوجي والقطيعة مع البنيات المعرفية الموروثة التي رآها معيقة فإنّ طه عبد الرحمن سيأتي ليقول إنّ هذا الرهان على ضرورته يظلّ ناقصا إذا لم يُستكمل بردّ العقل إلى مجاله الأخلاقي والروحي. فالعقل عند طه ليس مجرد آلة استدلال أو جهاز مفهومي أو أداة تفكيك للأنساق وإنما هو فعل وجودي وأخلاقي يتحدد بقدر ما يقدر الإنسان على التخلّق وعلى الوفاء وعلى الائتمان. ولهذا فإنّ الاقتصار على العقل البرهاني أو الأداتي يفضي في نظره إلى صورة مبتورة من الإنسان، صورةٍ تفصل بين المعرفة والقيمة وبين النظر والعمل وبين الفكر والسلوك.

إنّ طه عبد الرحمن لا يرفض العقل كما يتوهم بعض قرّائه السطحيين بل يمكن القول إنّه من أكثر المفكرين المغاربة دفاعا عن العقل، غير أنّه يدافع عن عقل موسّع لا عن عقل مختزل. وهو يذكّر في غير موضع بأنّ العقل إذا انفصل عن الأخلاق تحوّل إلى مكر وإذا انفصل عن العمل تحوّل إلى ترف ذهني وإذا انفصل عن الروح تحوّل إلى سلطة تقنية قد تبهر الإنسان وتستعبده في آن واحد. ومن هنا جاءت مفاهيمه مثل «العقل المؤيد» و«التسديد» و«الائتمانية» و«فقه الفلسفة» لتؤكد أنّ العقل الحق لا يكتمل بصرامة البرهان وحدها وإنما يكتمل حين يظلّ موصولا بأفق قيمي يزكّيه ويهذّبه ويمنع تحوّله إلى مجرد فاعلية أداتية. وفي هذا المعنى يلتقي من جهة بعيدة مع تحذيرات فلاسفة الحداثة النقديين في الغرب أنفسهم الذين نبّهوا إلى مخاطر العقل الأداتي. فهابرماس مثلا تحدّث عن «استعمار العالم المعيش» بواسطة الأنظمة التقنية والإدارية حين ينفصل العقل عن التواصل والمعنى. وأدورنو وهوركهايمر في جدل التنوير أشارا إلى أنّ التنوير نفسه قد ينقلب إلى أسطورة جديدة إذا تحوّل العقل إلى أداة سيطرة محضة. غير أنّ طه يذهب أبعد من ذلك حين يربط إصلاح العقل بإصلاح الإنسان في باطنه وظاهره معا.

ويتجلّى هنا التحول العميق من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة. ففي الأفق النهضوي كان العقل يظهر غالبا بوصفه العلاج المباشر للتقليد والجمود، وكان يكفي في كثير من الأحيان أن نرفع شعار العقلانية والنقد والاجتهاد لنظنّ أنّنا اقتربنا من الحل. أمّا في الأفق الذي تبلور لاحقا داخل الفكر المغربي المعاصر فقد صار العقل نفسه موضع مساءلة لأنّ التجربة التاريخية كشفت أنّ مجرّد الدعوة إلى العقل لا تكفي. لقد رفعت النخب العربية الحديثة شعارات العقل والتنوير والإصلاح، ومع ذلك ظلّت البنيات العميقة للتخلّف فاعلة بل أفرزت أشكالا جديدة من الازدواجية والتبعية والانفصام بين القول والممارسة. ولم يعد السؤال كيف ننتصر للعقل؟ بل صار أيّ عقل نريد؟ وكيف نضمن ألّا يتحول إلى أيديولوجيا؟ وكيف نحول دون انفصاله عن المجتمع وعن الأخلاق وعن شروطه التاريخية الفعلية؟ .

ولا يمكن إغفال عبد الله العروي في هذا السياق، لأنّ حضوره في النقاش المغربي حول العقل حاسم وإن لم يشتغل دائما بالمصطلح نفسه بالقدر الذي فعل الجابري أو طه. فالعروي يفكّر في العقل من خلال التاريخية الصارمة ومن خلال المفهوم ومن خلال ضرورة استيعاب منطق الحداثة الحديثة لا الاكتفاء بالتغني بها أو التلفظ بمفرداتها. ولهذا كان نقده للإيديولوجيا العربية المعاصرة نقدا لأنماط من الوعي الملتبس الذي يريد أن يجمع بين أزمنة متباعدة من غير حسم ويستعمل المفاهيم الحديثة استعمالا لغويا أو شعاريا من غير أن يدخل في شروطها البنيوية. فالعقل عند العروي ليس مجرد استعداد نظري وإنما هو قدرة على التمثل التاريخي الدقيق وعلى إدراك أنّ المفاهيم الكبرى مثل الدولة والحرية والتاريخ والعقلانية لا تُستعار كما تُستعار الألفاظ بل تُكتسب داخل مسار تاريخي صعب يقتضي وعيا صارما بالتحولات العميقة التي صنعتها.

ومن هنا كان العروي شديد الحذر من كلّ نزعة توفيقية ساذجة لأنّ التوفيق عنده قد يتحول إلى ستر للعجز عن الحسم المفهومي. وهو بهذا المعنى ينتمي إلى ذلك المزاج الفكري الذي يرى أنّ الأزمة ليست في نقص الحماسة ولا في ضعف النوايا وإنما في غموض المفاهيم واختلاط الأزمنة والتردد في مواجهة مقتضيات العصر. وهذا وجه آخر من وجوه التفكير في العقل، وجه يجعل العقل وعيا بالتاريخ قبل أن يكون مجرد أداة تحليل. فإذا كان الجابري يحفر في بنية العقل العربي وكان طه يردّ العقل إلى أفقه الأخلاقي الائتماني فإنّ العروي يربط العقل بالصرامة التاريخية وبالقدرة على امتلاك المفهوم الحديث امتلاكا فعليا لا إنشائيا.

إنّ هذا التعدد في المقاربات لا يعني تشتتا عقيما كما قد يتوهم بعض القرّاء، وإنما يدلّ على نضج استثنائي في الفكر المغربي المعاصر. فاللحظة التي يتوقف فيها المفكرون عن ترديد الشعارات العامة ويشرعون في مساءلة أدواتهم نفسها، هي لحظة انتقال من الخطابة إلى الفكر. ولهذا فإنّ القيمة الكبرى للنقاش المغربي حول العقل أنّه لم يكتفِ بتمجيد العقل كما تفعل كثير من الأدبيات التنويرية السطحية بل جعل من العقل نفسه موضوعا للنقد وسأل عن حدوده وعن أنماطه وعن إمكان انحرافه وعن علاقته بالسلطة وعن قابليته لأن يتحول من أداة تحرير إلى أداة تبرير. وهذه منزلة عالية في التفكير لأنّها تضعنا أمام حقيقة مفادها أنّ العقل ليس خيرا خالصا في ذاته إذا لم يُضبط، وليس قوةً منقذةً بمجرد الإعلان عنها بل هو فاعلية تاريخية مركبة قد تُنتج التحرر وقد تُنتج الوهم وقد تُنير وقد تُضل بحسب البنية التي يعمل داخلها والغاية التي يتجه إليها.

ولذلك فإنّ الانتقال من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انتقالا من الأمل إلى اليأس، وإنما بوصفه انتقالا من بساطة الوعي إلى تعقيده ومن الحماس الإصلاحي العام إلى الصرامة النقدية. ففي زمن النهضة كان يكفي أن نقول إنّ الخلل في التقليد وإنّ العلاج في العقل والاجتهاد، أمّا بعد تراكم التجارب والإخفاقات فقد صار واضحا أنّ المسألة أشدّ عمقا. فالعقل الذي ندعو إليه قد يكون هو نفسه مشروطا بتراث لم يُفهم بعد أو بحداثة لم تُهضم بعد أو بمؤسسات لا تسمح له أن يتحول إلى ممارسة اجتماعية أو بنخب تستعمله استعمالا سجاليا أكثر مما تستعمله استعمالا بنائيا. ومن هنا غدا العقل في الفكر المغربي المعاصر اسما لمعضلة كبرى لا لأنه فقد قيمته وإنما لأنّ قيمته نفسها صارت مشروطةً بحسن تعريفه وبسلامة مجاله وبالقدرة على التمييز بين مستوياته وبإدخاله في صلب مشروع حضاري لا يكتفي بالنقد النظري.

إنّ الفكر المغربي المعاصر قد نجح في تحويل العقل من شعار عام إلى إشكال فلسفي وحضاري مركب. لقد أخرجه من فضاء المديح الخطابي وأدخله فضاء التحليل والحفر والمساءلة. وهذا في حدّ ذاته مكسب كبير لأنّ الأمم لا تتقدم بمجرد الإيمان بالعقل في المستوى الشكلي وإنما تتقدم حين تجعل من العقل موضوعا لتربية مؤسساتها ولمناهج تعليمها ولطرائق اجتهادها ولأساليب تدبيرها السياسي والثقافي ولصورة الإنسان التي تريد أن تبنيها في المستقبل. وهنا بالضبط تتجلى الخصوصية المغربية: ليس في مجرّد الدفاع عن العقل وإنما في جعل الدفاع عنه مشروطا بنقده وجعل نقده بابا لإعادة تأسيسه وجعل إعادة تأسيسه جزءا من سؤال أوسع هو سؤال الذات وهي تبحث عن سبيلها بين تراث يطالبها بالوفاء وعصر يفرض عليها شروطا قاسية وأزمة تتجاوز حدود الفكر إلى عمق الوجود التاريخي نفسه.

وإذا كنا قد بينا أنّ الفكر المغربي المعاصر لم يتعامل مع العقل باعتباره مفهوما ساكنا أو شعارا إصلاحيا بسيطا، فإنّ التعمق في مواقف أعلامه الكبار يبيّن أنّ هذا المفهوم تحوّل بالفعل إلى ساحة كبرى للتنازع الفلسفي والمعرفي والأخلاقي وأنّ هذا التنازع نفسه هو الذي منح التجربة الفكرية المغربية فرادتها داخل الفضاء العربي الحديث. ذلك أنّ المغرب لم يُنتج فقط دعوات عامة إلى التنوير أو اجتهادات جزئية في الإصلاح وإنما أنتج مشاريع فكرية متماسكة جعلت من العقل محورا لإعادة بناء العلاقة بالتراث وبالحداثة وبالإنسان. غير أنّ هذه المشاريع على تباينها تكشف في الوقت نفسه أنّ سؤال العقل لم يعد قادرا على البقاء داخل أفق النهضة وحده، لأنّ الوعي العربي بعد عقود من الوعود الكبرى والإخفاقات المتراكمة دخل مرحلة صار فيها العقل نفسه موضع مساءلة لا من حيث قيمته في ذاته بل من حيث شروطه التاريخية وحدوده العملية ومخاطر انحرافه وإمكان تحوّله من أداة تحرر إلى أداة تبسيط أو اختزال أو حتى هيمنة.

ولعلّ محمد عابد الجابري يمثّل أوضح صورة لهذا التحول، لأنّ مشروعه لم يكن مجرد مساهمة في الفلسفة العربية المعاصرة بل كان محاولة شاملة لإعادة صياغة سؤال النهضة من داخل بنية العقل العربي ذاته. لقد أدرك الجابري أنّ التفسير الأخلاقي العام للتخلّف لم يعد كافيا وأنّ الخطاب الذي يكتفي بلعن الاستبداد أو التباكي على الماضي أو التغني بالعلم لا يلامس جوهر المشكلة. ومن هنا جاء رهانه على ما سمّاه «نقد العقل العربي»، وهو عنوان بالغ الدلالة لأنّه ينقل التفكير من مجال التشخيص السطحي إلى مجال الحفر في الشروط العميقة التي تنظّم إنتاج المعرفة داخل الثقافة العربية الإسلامية. فالعقل العربي عنده ليس طبيعةً بيولوجية وليس جوهرا قوميا وليس وصفا نفسيا للأفراد وإنما هو نسق ثقافي تاريخي تشكّل عبر قرون ترسّبت فيه قواعد للفهم والاستدلال والتصنيف وصارت تعمل عمل البداهات المضمرة التي توجّه الوعي من غير أن يشعر بها دائما.

وقد جاءت أهمية تفريقه بين «العقل المكوِّن» و«العقل المكوَّن»، فالعقل المكوِّن هو تلك القدرة البشرية الكونية على الإنتاج والإبداع والنقد والتركيب. أمّا العقل المكوَّن فهو ذلك البناء الثقافي الموروث الذي يحدّد في كل حضارة ما الذي يُعدّ معقولا وما الذي يُقبل بوصفه دليلا وما الذي يُستبعد من دائرة المشروعية المعرفية. وهذا التفريق يفتح بابا بالغ الأهمية في فهم الأزمة لأنه يرفع عن الذات العربية تهمة العجز الجوهري ويحوّل المشكلة إلى مستوى البنيات التاريخية القابلة للنقد والتجاوز. لذلك لم يكن الجابري بصدد إدانة العقل العربي من حيث هو عقل وإنما كان بصدد تفكيك أنماط اشتغاله كما تشكّلت في التاريخ ليكشف مواطن القوة ومواطن الاختلال معا.

وليس من المصادفة أن ينتهي هذا المسار إلى التمييز الشهير بين البيان والعرفان والبرهان. فهذا الثلاثي ليس مجرد تصنيف مدرسي للمعارف الإسلامية وإنما هو في العمق إعادة رسم للخريطة الذهنية التي تشكّلت بها الثقافة العربية الإسلامية. فالبيان يمثّل سلطة النص واللغة والقياس والاشتغال الفقهي والكلامي في صورته الغالبة. والعرفان يمثّل أنماطا من المعرفة تقوم على الكشف والذوق والإشراق والباطن. والبرهان يمثّل العقل الفلسفي المنضبط بقوانين الاستدلال الأرسطي وبطلب الضرورة والعلّية والاتساق المفهومي. وقد رأى الجابري أنّ أزمة الثقافة العربية الحديثة لا يمكن فهمها من غير فهم العلاقة المضطربة بين هذه الأنظمة، لأنّ سيادة البيان حين تنغلق على ذاتها تنتج عقلا يعيد إنتاج الموروث من داخل منطقه اللغوي والقياسي وتمدد العرفان حين يخرج من مجاله ينتج عقلا يستعيض عن البرهنة بالذوق أو الرمز أو الإيحاء، أمّا البرهان فقد ظلّ في تاريخنا محدود الامتداد مقموع الأثر غير قادر على التحول إلى روح ثقافية عامة.

ولهذا السبب بالذات كان استدعاء ابن رشد عند الجابري استدعاءً تأسيسيا لا زخرفيا. فابن رشد لم يكن بالنسبة إليه مجرد فيلسوف كبير من الماضي وإنما كان إمكانا تاريخيا لم يكتمل. لقد رأى فيه ذروةً لعقلانية عربية إسلامية كان يمكن أن تتطور لو لم تتعثر شروطها السياسية والثقافية ولو لم يُغلق عليها باب الامتداد داخل المجال الإسلامي. ويغدو الدفاع عن الرشدية دفاعا عن إمكان مهمل في الذات لا عن ذكرى ثقافية فحسب. وليس بعيدا عن هذا ما كان يقوله الجابري من أنّ «التراث ليس هو ما ورثناه فقط بل هو أيضا ما نختاره منه». فاختيار ابن رشد هنا هو اختيار لنمط من التعقل، لنمط من العلاقة بين النص والبرهان، بين الشريعة والحكمة وبين الفقه والفلسفة. وهذا يبيّن أنّ الجابري لم يكن يريد قطيعة مع التراث بوصفه تراثا وإنما كان يريد قطيعة مع كيفية معينة في التعامل معه، قطيعة مع التراث حين يتحول إلى سلطة غير مفكّر فيها أو إلى جهاز لإعادة إنتاج الماضي داخل الحاضر.

غير أنّ هذا المسار الجابري على ما فيه من قوة منهجية وصرامة تحليلية أثار سؤالا بالغ الحساسية، هل يكفي ردّ الاعتبار إلى البرهان وإلى العقل النقدي لكي نتجاوز الأزمة؟ وهل يمكن لعقلانية إبستمولوجية أن تنهض وحدها بمشروع حضاري تتشابك فيه المعرفة بالأخلاق والتقنية بالمعنى والمؤسسة بالإنسان؟ هنا يتدخل طه عبد الرحمن لا لينقض قيمة العقل بل ليكشف أنّ العقل الذي يقتصر على ذاته قد يفضي إلى صورة من النقص وأنّ العقل الذي ينفصل عن الأخلاق والروح قد يتحول إلى فاعلية مبتورة. إنّ طه يعيد ترتيب السؤال من أساسه. فالمشكلة عنده ليست في العقل من حيث هو عقل وإنما في «صورة العقل» التي سادت في الحداثة الغربية ثم انتقلت إلى المجال العربي في صيغ مقلَّدة. فالعقل حين يُختزل في الآلة المفهومية أو في الفاعلية البرهانية الصرفة أو في القدرة على السيطرة التقنية يفقد بعدا جوهريا من أبعاده، لأنّ الإنسان ليس كائنا يستدلّ فقط وإنما هو كائن يتخلّق ويشهد ويأتمن ويُبتلى ويُحاسب.

من هنا نفهم لماذا لم يجعل طه عبد الرحمن من «الأخلاق» مجرد مجال مضاف إلى العقل بل شرطا في كماله. وهو يصرّ على أنّ كل عقلانية تنفصل عن العمل الأخلاقي تبقى ناقصة لأنّها تملك أدوات الحكم ولا تملك ضمانات السلامة في الاستعمال. وقد عبّر عن هذا المعنى في صيغ متعددة حين نبّه إلى أنّ الفعل الإنساني لا يُختزل في المنفعة وأنّ الحداثة التي تجعل من الإنسان مركزا مكتفيا بذاته قد تفضي إلى استبداد جديد، هو استبداد الإنسان المتضخم على الطبيعة وعلى الغير وعلى المعنى. لذلك فإنّ العقل عنده لا يُطلب من حيث فعاليته التقنية فقط بل من حيث أهليته للاهتداء ومن حيث قابليته لأن يكون موصولا بالتزكية وبالائتمان وبالمسؤولية. وهذا ما يجعل مفاهيمه مثل «العقل المؤيد» و«العمل الديني» و«الائتمانية» و«المسدد» مفاهيم تؤسس لرؤية مغايرة، رؤية لا ترفض البرهان لكنها ترفض تأليهه ولا ترفض الحداثة لكنها ترفض تقليدها ولا ترفض الإنسان، لكنها ترفض تضخيمه حتى يفقد نسبته إلى الغيب وإلى القيمة وإلى الأمانة.

وليس من الصعب أن نرى أنّ هذا الموقف يعبّر عن انتقال حقيقي من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة. ففي زمن النهضة كان يكفي أن نعلن الحرب على التقليد وأن نرفع راية العقل وأن نستحضر أمجاد الاجتهاد لكي نشعر أننا نسير في الاتجاه الصحيح. أمّا بعد أن تكشفت أزمات الحداثة نفسها وبعد أن بدا أنّ العقل الأداتي قد يشيّد العالم ويفرغه من المعنى في الآن نفسه صار لزاما أن يُعاد السؤال من جديد، هل نريد عقلا ينتج الفعالية فقط أم عقلا يحفظ إنسانية الإنسان؟ هل نريد عقلا يقيس ويحسب ويبرهن فحسب أم عقلا يضبط الصلة بين المعرفة والواجب؟ وهل يمكن لمجتمع أن ينهض بعقلانية باردة منفصلة عن البنية الأخلاقية العميقة التي تمنح الفعل غايته ومشروعيته؟ في هذا المستوى لا يكون الخلاف بين الجابري وطه خلافا بين عقل ولاعقل كما سطّحه بعض القرّاء، بل يغدو خلافا بين تصورين للعقلانية نفسها، عقلانية نقدية إبستمولوجية تراهن على تفكيك البنيات المعرفية، وعقلانية أخلاقية ائتمانية تراهن على إعادة وصل المعرفة بالمسؤولية.

أمّا عبد الله العروي فإنه يضيف إلى هذا النقاش بُعدا ثالثا لا يقلّ أهمية وهو البعد التاريخي المفهومي. فالعروي لم ينشغل بالعقل بوصفه موضوعا معجميا أو مبحثا نظريا معزولا وإنما انشغل به من خلال أسئلة الدولة والحرية والتاريخ والإيديولوجيا والمفهوم. ولذلك كان في عمقه يفكر في العقل من حيث هو قدرة على استيعاب العصر لا بمعنى الانبهار به بل بمعنى امتلاك منطقه الداخلي. لقد كان العروي شديد الحساسية تجاه الأوهام التوفيقية التي تظنّ أنّ الحداثة يمكن أن تُنال بانتقاء بعض مظاهرها من غير الدخول في بنيتها العميقة. ولهذا كان نقده للإيديولوجيا العربية المعاصرة نقدا لوعيٍ يريد أن يجمع بين المتباعدات من غير أن يحسم في الترتيب التاريخي للمفاهيم. فالعقل عنده هو هذا الوعي الصارم الذي يدرك أنّ المفاهيم الحديثة لا تُستعار كما تُستعار الألفاظ، وأنّ الدولة الحديثة ليست مجرد جهاز إداري وأنّ الحرية ليست مجرد شعار أخلاقي وأنّ العقلانية ليست مجرد دعوة عامة إلى التفكير بل هي بناء تاريخي تشكل عبر صراعات وتحولات عميقة.

وقد كان العروي ينظر بعين الريبة إلى كثير من محاولات المصالحة السهلة بين التراث والحداثة لأنّ هذه المحاولات قد تنتهي إلى نوع من التلفيق الذي يريح الضمير ولا يحلّ المشكلة. إنّه يدعو إلى وعي تاريخي شديد الصرامة، يضع الذات أمام مقتضيات العصر من غير مواربة. وقد عبّر في أكثر من موضع عن أن الأزمة العربية هي أزمة وعي بالتاريخ وأنّ الفجوة بيننا وبين العالم الحديث ليست فجوة رغبة أو شعور فقط وإنما فجوة مفاهيم ومؤسسات وأزمنة. وهذا يضيف إلى سؤال العقل بُعدا حاسما، فالعقل ليس فقط جهازا للاستدلال أو أفقا للأخلاق بل هو أيضا قدرة على التمثل التاريخي الصحيح وعلى التمييز بين ما يمكن توفيقه وما ينبغي حسمه وبين ما هو قابل للاستيعاب وما هو غير قابل للتعليق في الفراغ.

وعند هذا الحدّ يتبيّن أنّ الفكر المغربي المعاصر لم يقدّم لنا مفهوما واحدا للعقل وإنما قدّم لنا خريطة من التوترات الخلّاقة. الجابري يذكّرنا بأنّ النهضة مستحيلة من غير نقد بنية العقل كما تشكلت في التراث. وطه يذكّرنا بأنّ نقد البنية المعرفية لا يكفي إذا لم يُستردّ البعد الأخلاقي والروحي للعقل. والعروي يذكّرنا بأنّ كل حديث عن العقل يبقى ناقصا إذا لم يُربط بصرامة المفهوم وبالوعي التاريخي وبشروط الدولة والحداثة والمؤسسة. وهذا التعدد ليس علامة ضعف بل هو منبع قوة لأنه يمنعنا من اختزال الأزمة في سبب واحد ويمنعنا من الاعتقاد أنّ الحل يكمن في وصفة فكرية جاهزة. بل إنّ القيمة الكبرى لهذا التعدد أنّه يكشف أنّ العقل في السياق المغربي والعربي لا يمكن أن يُفهم إلا بوصفه عقدة حضارية شاملة تتداخل فيها بنية المعرفة مع أخلاق الفعل ومع شروط التاريخ ومع صورة الإنسان ومع شكل المجال العمومي.

غير أنّ هذا الثراء النظري لا ينبغي أن يحجب حقيقة مرة، وهي أنّ الفكر المغربي المعاصر على علوّ مستواه ظلّ في كثير من الأحيان أرفع من البنيات الاجتماعية والمؤسساتية التي كان يأمل أن يؤثر فيها. فالمشكلة لم تكن دائما في ضعف الأفكار بل في ضعف قابلية الواقع لاستقبالها. إنّ العقل الذي دافع عنه الجابري لم يتحول بالقدر الكافي إلى روح في التعليم العمومي ولا إلى منهج في قراءة التراث داخل المؤسسات الدينية ولا إلى ممارسة نقدية عامة في المجال الثقافي. والعقل الأخلاقي الائتماني الذي نادى به طه ظلّ في كثير من الأحيان أفقا فلسفيا عميقا لم يجد بعد شروط ترجمته الواسعة في مؤسسات التربية والإعلام والسياسة. والوعي التاريخي الصارم الذي دعا إليه العروي ظلّ يصطدم باستمرار بنخب تتردد بين الحنين إلى الماضي والانبهار المجتزأ بالحداثة. وهنا نبلغ لبّ الأزمة، ليست الأزمة في غياب التصورات الكبرى بل في تعثر انتقالها من مستوى الفكر العالي إلى مستوى التكوين الاجتماعي والمؤسسي.

ونفهم هنا لماذا صار سؤال العقل في الفكر المغربي المعاصر سؤالا عن الأزمة بامتياز. إنّه لم يعد مجرد سؤال في الفلسفة النظرية ولا مجرد فصل في تاريخ الأفكار وإنما صار سؤالا في التربية والسياسة والدين والثقافة واللغة والمؤسسة. ذلك أنّ العقل لا يُختبر في الكتب وحدها بل يُختبر في المناهج وفي المدرسة وفي الجامعة وفي خطاب الفقيه وفي لغة الإعلام وفي طريقة إدارة الاختلاف وفي قدرة المجتمع على قبول السؤال الحر وفي قدرة الدولة على بناء مؤسسات تتسع للنقد بدل أن تخافه. وقد أدرك كثير من المفكرين المغاربة هذه الحقيقة ضمنا أو صراحة، ولذلك لم يكن حديثهم عن العقل منفصلا عن حديثهم عن الجامعة واللغة والسلطة والمثقف. فالعقل الذي لا يجد مؤسسة تحميه يتحول إلى مجرد زينة خطابية. والعقل الذي لا يجد لغة دقيقة يتشوش. والعقل الذي لا يجد أخلاقا تضبطه قد ينقلب إلى مكر أو إلى تبرير. والعقل الذي لا يجد تاريخا يستوعبه يبقى معلقا في هواء المفاهيم.

وهنا تبرز مسألة أخرى لا تقلّ أهمية وهي أنّ الفكر المغربي المعاصر لم ينظر إلى العقل من داخل قطيعة ساذجة مع التراث كما لم يذبه في تمجيد تراثي مغلق. لقد كان واعيا بأنّ التراث الإسلامي نفسه متعدّد وأنّ داخله إمكانات عقلية كبيرة كما داخله عوائق كبرى. ففي علم أصول الفقه كما أسلفنا نجد نماذج رفيعة من التعقل المنهجي، من القياس إلى فقه المآلات. وفي التراث الفلسفي نجد ابن باجة وابن طفيل وابن رشد بوصفهم وجوها لعقلانية عالية. وفي الكلام نجد محاولات لصوغ العلاقة بين العقل والنقل داخل أفق جدلي دقيق. وفي التصوف نفسه نجد عند بعض أعلامه كأبي حامد الغزالي في بعض مقاماته حسا نقديا لا يمكن تجاهله. غير أنّ هذا التراث نفسه تعرّض لتحولات جعلت كثيرا من عناصره الحية تنكمش، وتحوّلت بعض مدارسه إلى أنماط من التكرار وتداخلت فيه سلطة المعرفة بسلطة السياسة ووقع فيه ما يقع في كل تراث حيّ حين يفقد شروط التجدد. لذلك فإنّ الفكر المغربي المعاصر لم يكن أمامه خياران فقط: إما تمجيد التراث أو إلغاؤه. بل كان أمامه عمل أشدّ صعوبة وهي أن يميّز داخله بين ما يُستأنف وما يُنقد، بين ما يُحيي العقل وما يعطله وبين ما يصلح سندا للمستقبل وما يتحول إلى عبء عليه.

وعند هذه النقطة يصبح واضحا أنّ الانتقال من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة لا يعني سقوط مشروع العقل وإنما يعني تعميقه. فالعقل لم يفقد مكانته بل فقد براءته. لم يعد بالإمكان أن نذكره كما يذكر الخطباء كلمةً سحرية تفتح الأبواب المغلقة. لقد صار مفهوما متوترا مشروطا معقدا، يتطلب ضبطا في تعريفه وحذرا في استعماله وتمييزا بين مستوياته وهذا في ذاته مكسب ناضج. فالأمم لا تتقدم حين تُكثر من تمجيد العقل في الخطب وإنما حين تجعل من العقل بنيةً في مؤسساتها ومنهجا في تربيتها وفضيلةً في أخلاقها وشرطا في اجتهادها ومقياسا في تدبير اختلافها. وهذا ما جعل الفكر المغربي المعاصر في أفضل لحظاته لا يكتفي بالتبشير بالعقل بل يشتغل على شروط إمكانه وعلى عوائقه وعلى أنماطه وعلى مخاطر انحرافه.

إنّ الفكر المغربي المعاصر قد نجح نجاحا بيّنا في جعل مفهوم العقل أحد أعقد المفاهيم وأكثرها خصوبة في الثقافة العربية الحديثة. لقد أخرجه من فضاء البلاغة الإصلاحية العامة وأدخله فضاء التحليل البنيوي والنقد الإبستمولوجي والمساءلة الأخلاقية والصرامة التاريخية وهذه منزلة عالية لا يُستهان بها. فبفضل هذا الجهد لم يعد العقل عندنا مجرد مرادف للذكاء أو للاجتهاد أو للعلم، وإنما صار اسما لمشكلة حضارية شاملة. وتبرز هنا أهمية الإصغاء الجاد إلى هذا التراث الفكري المغربي لا على سبيل الاحتفاء المدرسي بأعلامه بل على سبيل استئناف أسئلته الكبرى في حاضرنا الراهن.

ذلك أنّ حاضرنا يجعل هذا السؤال أكثر إلحاحا مما كان عليه في العقود السابقة. فنحن لا نعيش اليوم فقط أزمة تأخر بالمعنى الكلاسيكي الذي عاشته الأجيال النهضوية وإنما نعيش أيضا أزمة تفكك في المعايير واضطرابا في المرجعيات وتضخما في الوسائط التقنية وتراجعا في سلطة القراءة العميقة وتوسعا في الخطاب السريع الذي يخلط بين الرأي والمعرفة وبين الشهرة والحجة وبين الانفعال والحكم. وقد أصبح المجال العمومي العربي في كثير من وجوهه مجالا تُستهلك فيه الأفكار أكثر مما تُبنى وتُتداول فيه الأحكام أكثر مما تُبرهن وتُرفع فيه شعارات الهوية أو الحداثة أو الحرية من غير جهد كافٍ في تحرير مفاهيمها. وفي مثل هذا السياق يصبح سؤال العقل سؤالا وجوديا لا نخبويا. أيّ عقل يمكنه أن يواجه طوفان السطحية؟ أيّ عقل يمكنه أن يصالح بين الحاجة إلى الفعالية التقنية والحاجة إلى المعنى؟ أيّ عقل يمكنه أن يمنع الدين من أن يتحول إلى أداة تعبئة عاطفية والحداثة من أن تتحول إلى قشرة استهلاكية والسياسة من أن تنحدر إلى تدبير انفعالات جماعية بلا رؤية؟.

هنا يستعيد الفكر المغربي المعاصر راهنيته الحقيقية. فالجابري يعلّمنا أنّ من لا ينقد أدوات فهمه يظلّ أسيرا لها وإن ظنّ أنه يهاجمها. وطه يعلّمنا أنّ من يفصل العقل عن الأخلاق يربح بعض القوة ويخسر الإنسان. والعروي يعلّمنا أنّ من لا يمتلك المفهوم ولا يستوعب التاريخ يحيا في منطقة رمادية بين الرغبة في التقدم والعجز عن شروطه. وهذه الدروس إذا أُحسن استثمارها لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها مواقف متصارعة فقط وإنما بوصفها إمكانات متكاملة في بناء وعي عربي جديد. فالعقل الذي نحتاجه اليوم ليس عقلا برهانيا مجردا من الأخلاق ولا عقلا أخلاقيا غافلا عن صرامة المفهوم ولا وعيا تاريخيا يذوب في الحتمية ويغفل عن المعنى. إنّ ما نحتاجه هو عقل مركّب، عقل يبرهن ولا يتجبر، ينقد ولا يهدم لمجرد الهدم، يتصل بالقيمة من غير أن يفرّ من الواقع ويستوعب التاريخ من غير أن يستسلم له.

ولعلّ هذا هو الأفق الذي يمكن أن يفتح به المقال بابا إلى ما بعده. فمفهوم العقل في الفكر المغربي المعاصر ليس فصلا منجزا في تاريخ الأفكار يمكن الاكتفاء بسرده وإنما هو مشروع لم يكتمل بعد. إنّه سؤال مفتوح على المستقبل لأنّ كلّ جيل سيضطر إلى أن يعيد صياغته بحسب أزماته الخاصة. وقد كان الجيل النهضوي يسأل عن العقل في مواجهة الانحطاط. وكان الجيل النقدي يسأل عنه في مواجهة بنية التراث وآليات المعرفة. أمّا جيلنا فيبدو أنّه مدعوّ إلى أن يسأل عنه في مواجهة التفكك الشامل الذي أصاب المجال العمومي، وفي مواجهة الاستهلاك الرقمي للمعنى وفي مواجهة تحوّل الإنسان نفسه إلى كائن مشتّت بين وفرة المعلومات وندرة الحكمة. إنّ الوفاء الحقيقي للفكر المغربي المعاصر لا يكون بتكرار عباراته ولا بتحويل أعلامه إلى أصنام مدرسية وإنما يكون بمواصلة عملهم في الاتجاه الذي أرادوه، اتجاه مساءلة الأدوات قبل النتائج واتجاه تشديد السؤال قبل التسرع في الجواب واتجاه بناء عقل لا يستمد مشروعيته من ادعائه الكونية المجردة فقط بل من قدرته على تحرير الإنسان العربي من أشكال التبعية القديمة والجديدة معا.

وعليه فإنّ مفهوم العقل في الفكر المغربي المعاصر يكشف لنا أنّ أزمة النهضة لم تكن يوما أزمة نقص في الموارد المادية أو في الشعارات الإصلاحية وحدها، وإنما كانت في عمقها أزمة في صورة الإنسان عن نفسه وفي كيفية تنظيمه لعلاقته بالمعرفة وبالقيمة وبالزمن وبالسلطة وبالتراث وبالعالم. فإذا كان العقل هو الاسم الذي يختصر هذه العلاقة المعقدة فإنّ إنقاذه لا يكون بتمجيده وإنما بإعادة بنائه. وإعادة بنائه لا تكون بردّه إلى البرهان وحده ولا إلى الأخلاق وحدها ولا إلى التاريخ وحده وإنما بتركيب هذه الأبعاد في مشروع حضاري جديد يتصالح فيه النقد مع الوفاء وتتساند فيه الحرية مع المسؤولية ويغدو فيه الاجتهاد فعلا مؤسسيا لا بطولة فردية معزولة وتصبح فيه الجامعة مصنعا للمفاهيم لا مستودعا للشهادات ويستعيد فيه الفقيه شجاعة النظر بدل الاكتفاء بحراسة الموروث ويستعيد فيه المثقف شرف السؤال بدل الارتماء في التبرير أو المزايدة.

بهذا المعنى لا يكون العقل جوابا جاهزا وإنما يكون تكليفا. لا يكون امتيازا نظريا وإنما يكون مجاهدةً معرفية وأخلاقية وتاريخية. لا يكون كلمةً في مقدمة كتاب وإنما يكون صورةً للإنسان وهو يرفض أن يعيش داخل بداهات لم يمتحنها أو داخل موروث لم ينقده أو داخل حداثة لم يفهم شروطها أو داخل إيمان فقد صلته بالحكمة أو داخل علم فقد صلته بالمعنى. وهذا هو الدرس الذي يمكن أن نخرج به من التجربة المغربية المعاصرة في أعمق مستوياتها: أنّ العقل ليس ضدّ التراث إذا أُحسن فهم التراث، وليس ضدّ الدين إذا أُحسن فهم الدين، وليس ضدّ الحداثة إذا أُحسن فهم الحداثة، ولكنه ضدّ كلّ ما يتحول إلى سلطة مغلقة تمنع السؤال. وحيث يُمنع السؤال يبدأ موت العقل، وحيث يموت العقل لا تقوم نهضة، وحيث لا تقوم نهضة تتحول الأزمة من عارض تاريخي إلى قدر موهوم. أمّا الفكر المغربي المعاصر في أفضل تجلياته فقد رفض أن يجعل الأزمة قدرا وجعل منها مناسبةً لإعادة اختراع السؤال. وذلك وحده كافٍ ليمنحه مكانته الرفيعة في تاريخ الفكر العربي الحديث.

***

د. حمزة مولخنيف

إمكاناته وحدوده في أفق قراءة فلسفية نقدية

حين يُستدعى اسم ابن رشد في سياق الفكر العربي المعاصر، فالأمر لا يتصل بتمجيد عَلَمٍ من أعلام التراث ولا بإحياء ذكرى فيلسوف عظيم على نحو احتفاليّ تستهلكه المناسبات الثقافية وتستنفده البلاغة الخطابية. القضية أعمق من ذلك بكثير لأنها تمسّ في الصميم سؤال العقل العربي عن شروط نهوضه وتمتحن قدرته على أن يستخرج من تاريخه إمكاناتٍ معطّلة وأن يسترد من ذاكرته الفلسفية لحظاتٍ عالية من التكوين البرهاني ثم يعيد صوغها في لغة العصر وفي معترك الصراعات المعرفية والسياسية والقيمية التي تشقّ الوجود العربي الحديث. فابن رشد ليس مجرّد شارح لأرسطو كما اختزلته قراءاتٌ كثيرة، وليس مجرد فقيه وفيلسوف عاش في منعطف مضطرب من تاريخ الأندلس بل هو في عمق مشروعه أحد أكثر العقول الإسلامية جرأةً في تشييد هندسة فكرية دقيقة للعلاقة بين الحكمة والشريعة، بين البرهان والتأويل، بين الحقيقة ووحدة الحقيقة، بين النظر العقلي وشرعية النظر، بين المدينة والسياسة، بين العلم والفضيلة  وبين انتظام الكون وانتظام العقل.

من أجل ذلك ظلّ ابن رشد يستحضر في كل منعطف عربي عسير. يعود كلما تعقّد السؤال عن الدين والعقل. يعود كلما استبدّ التقليد وارتبكت سلطة التأويل. يعود كلما اضطربت صلة المثقف بالتراث والحداثة. يعود كلما بدا أن الثقافة العربية تُستدرج إلى ثنائيات قاتلة: أصالة/معاصرة، نقل/عقل، هوية/كونية، دين/فلسفة، تراث/حداثة، شرق/غرب. ففي كل هذه اللحظات ينهض اسم ابن رشد بوصفه علامةً على إمكانٍ تاريخيّ لم يُستنفد وبوصفه شاهداً على أن العقلانية العربية الإسلامية لم تكن هامشاً عابراً ولا قشرةً مستوردة ولا زينةً لفظية بل كانت في مرحلة من مراحلها قدرةً تأسيسية على إنتاج معرفة منضبطة وتدبير اختلافٍ معرفيّ وصوغ علاقة مع الوحي لا تُبطل النظر ولا تُسقط الشرع.

وقد أدرك كبار مفكري النهضة العربية الحديثة ثم فلاسفة النصف الثاني من القرن العشرين، أن استدعاء ابن رشد لا قيمة له إن ظلّ حبيس القراءة التاريخية الباردة أو الإعجاب الماضويّ العقيم. لذلك تحوّل في كثير من المشاريع الفكرية إلى مرآة يُقرأ فيها الحاضر أكثر مما يُقرأ فيها الماضي. فمحمد عابد الجابري لم يتعامل مع ابن رشد بوصفه موضوعاً للتاريخ الفكري فقط بل بوصفه ذروةً لما سماه “العقل البرهاني” داخل الثقافة العربية الإسلامية حتى قال في عبارة صارت من أشهر عباراته: «إن الرشدية تمثل في الثقافة العربية الإسلامية لحظة انتصار العقل البرهاني». والجابري في نحن والتراث وفي تكوين العقل العربي وفي بنية العقل العربي لم يكن يستعيد ابن رشد استعادة مدرسية، بل كان يسائل عبره بنية العقل العربي نفسه ويحاول أن يستأنف من داخله إمكاناً معرفياً يرى أنه انقطع تحت ضغط البيان والعرفان والسياسة.

أما عبد الله العروي فعلى الرغم من اختلاف زاويته المنهجية فقد كان يدرك أن مأزق الثقافة العربية لا يُفهم خارج علاقتها المتوترة بتاريخها المفهومي وخارج عجزها عن امتلاك حداثتها امتلاكاً تاريخياً واعياً. لذلك تبدو الرشدية في أفقٍ عرويّ جزءاً من تراث العقل الذي يمكن أن يُعاد فهمه في ضوء سؤال التاريخ لا بوصفه ملجأً تعويضياً من الحداثة بل بوصفه أحد الشروط التي تجعل الوعي التاريخي أكثر قدرة على فرز عناصر القوة والقصور في الذاكرة الحضارية. وطه عبد الرحمن مع مسافة نقدية واسعة تجاه كثير من رهانات العقلانية الحديثة وقراءاتها العربية، لم يترك ابن رشد خارج دائرة النظر، بل كان واعياً بأن استعادة أيّ نموذج من نماذج التراث تقتضي فحص شروطه ومقدماته ومآلاته وأن التكرار لا يُنتج استئنافاً وأن الاستئناف الحقّ يقتضي تجاوزاً خلاقاً.

المشكل إذن لا يكمن في حضور ابن رشد في الخطاب العربي، فحضورُه قائم منذ عقود وفي بعض اللحظات اتخذ طابعاً كثيفاً يكاد يرقى إلى “الموضة الفكرية”. المشكل يكمن في طبيعة هذا الحضور، هل هو حضور رمزيّ يلوذ بالاسم الكبير طلباً للمشروعية الثقافية؟ أم هو حضور معرفيّ يشتغل على المفاهيم والبنيات والرهانات؟ هل نقرأ ابن رشد قراءةً تؤسس أم نقرأه قراءةً تزيينية؟ هل نستأنف مشروعه أم نكتفي بترتيل اسمه في مناسبات الحديث عن التسامح والعقلانية؟ هل نمتلك من الجرأة ما يجعلنا نضع المشروع الرشدي نفسه تحت مشرط النقد فنأخذ منه ما يصلح للزمن الحاضر ونتجاوز ما ارتبط بسياق تاريخي مخصوص أم نقع في صنمية فلسفية جديدة تستبدل صنم التقليد بصنم “العقلانية التراثية”؟.

إن سؤال “إمكانات استئناف المشروع الرشدي” يفرض منذ البدء تحرير مفهوم “الاستئناف” ذاته. فالاستئناف ليس بعثاً ميكانيكياً لنصوص قديمة وليس إعادة تمثيل لمشهد تاريخي مضى وليس تعليقاً لافتة رشدية على واجهة مشروع حداثي مستعار. الاستئناف فعل تأويليّ وإبداعيّ في آن. هو استعادة مشروطة بوعي تاريخي صارم وبقدرة على التمييز بين ما هو بنيوي في المشروع وما هو ظرفي، بين ما هو منهجي وما هو سجالي وبين ما هو كونيّ في الدرس الرشدي وما هو متعلق بحدود المعرفة في القرن السادس الهجري. ولعلّ أجمل ما قيل في هذا المعنى ما عبّر عنه هانز-غيورغ غادامير حين كتب في الحقيقة والمنهج: «الفهم ليس تكراراً لإنتاج المعنى الماضي بل هو اندماج آفاق». فاستئناف ابن رشد بهذا المعنى اندماج أفقين: أفق الرشدية بوصفها لحظةً في تاريخ العقل الإسلامي وأفق المعاصرة العربية بما يعتمل فيها من أزمات الدولة والمعرفة والهوية والتأويل والحرية.

لقد كان ابن رشد واعياً في نصوصه الكبرى بأن الفلسفة ليست ترفاً ذهنياً بل فريضة نظرية على من استكمل شروطها. يقول في فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال: «فإن كان فعل الفلسفة ليس شيئاً أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع... وكان الشرع قد ندب إلى اعتبار الموجودات وحث على ذلك، فبيّن أن هذا الذي يُسمى فلسفةً إما واجب بالشرع وإما مندوب إليه». هذه العبارة وحدها تكفي للكشف عن طبيعة الانعطاف الرشدي، الفلسفة تُستمدّ مشروعيتها من صميم الأمر الشرعي بالنظر، والنظر في الموجودات يفضي إلى معرفة الصانع، والبرهان أداة معتبرة في هذا المسار. هنا تنفتح أمامنا أولى إمكانات الاستئناف، تحرير العلاقة بين الدين والعقل من منطق الخصومة الغليظة وإعادتها إلى أفق التساند المنهجي المشروط بالتمييز بين مراتب الخطاب وطرائق الإقناع وأهلية التلقي.

وقد كان ابن رشد حاسماً في تأكيده على أن الحقيقة لا تضاد الحقيقة. عبارته الشهيرة في فصل المقال تكاد تكون دستوراً فلسفياً كاملاً: «فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له». في زمننا العربي الراهن حيث تُبنى خصومات كثيرة على سوء فهم العلاقة بين المرجعيات وحيث تُستثمر الثنائية بين “العقل” و“الدين” في صراعات أيديولوجية مبتذلة، تستعيد هذه العبارة قوتها التأسيسية. فهي لا تنطوي على تسوية سطحية ولا على مجاملة توفيقية رخيصة بل تعكس بناءً نظرياً دقيقاً، الحق واحد في ذاته وإن تعددت طرق الوصول إليه، والاختلاف قد يقع في مناهج النظر أو في مراتب البيان أو في قابلية العقول أو في فساد التأويل أو في جهل المتلقي، أما الحقيقة في ذاتها فواحدة لا تتشظى بتشظي المناهج. هنا تتبدى الرشدية قوةً مضادةً لكل أشكال الانقسام المعرفي الذي ينهك الثقافة العربية المعاصرة.

غير أن استئناف هذا المبدأ في الحاضر العربي يقتضي أن نُحسن فهم حدوده أيضاً. فابن رشد لم يكن يدعو إلى تسطيح الفوارق بين الخطاب البرهاني والخطاب الجدلي والخطاب الخطابي. بالعكس لقد أقام تمييزاً صارماً بين طرائق النظر ومراتب الناس في التلقي. يقول في فصل المقال: «والناس في الشرع ثلاثة أصناف: صنف أهل البرهان وصنف أهل الجدل وصنف أهل الخطابة». هذه القسمة ليست نزعةً أرستقراطيةً معرفيةً خالصة كما قد يتبادر إلى بعض القراءات المتعجلة، بل هي وعيٌ باختلاف البنيات الإدراكية وأنماط الإقناع وبأن الخطاب العمومي لا يُدار بالطريقة نفسها التي تُدار بها الحجاجات البرهانية الدقيقة. في الثقافة العربية الراهنة حيث اختلطت مجالات القول وصار الرأي العام يُستثار بخطاب انفعاليّ كثيف بينما تُستبعد التربية المنهجية على البرهان، تكتسب هذه الرؤية قيمةً نقدية بالغة. فاستئناف الرشدية يقتضي إعادة الاعتبار إلى التربية العقلية وإلى بناء الكفايات المنهجية وإلى التمييز بين فضاء البحث الأكاديمي وفضاء الوعظ وفضاء السياسة وفضاء الإعلام.

ولا يجوز اختزال المشروع الرشدي في مقولة “التوفيق بين الفلسفة والدين” لأن هذا الاختزال على شيوعه قد ظلم ابن رشد مرتين: مرة حين حوّله إلى وسيطٍ تصالحيّ محض، ومرة حين حجب كثافة مشروعه الإبستمولوجي والأنطولوجي والسياسي. فالرشدية في عمقها مشروع لإعادة ترتيب الوعي نفسه. هي دفاع عن البرهان نعم، لكنها أيضاً نقدٌ لأشكال الالتباس في التأويل. وهي دفاع عن الحكمة نعم، لكنها كذلك دفاع عن انضباط المعرفة وحدود التأويل ومخاطر تعميم الخطاب الفلسفي على غير أهله. وهي انفتاح على العقل اليوناني نعم، لكنها كذلك محاولة لتوطين هذا العقل داخل أفق الشريعة، لا بآلية الجمع التلفيقي بل عبر مساءلة المقدمات والغايات.

وإذا تأملنا اللحظة التاريخية التي ظهر فيها ابن رشد أدركنا أن مشروعه وُلد من قلب أزمة حضارية مركبة. فقد عاش في سياق صراع بين سلطة الفقه وسلطة الفلسفة وبين الدولة وتقلباتها وبين إرث الموحدين وضرورات الشرعية وبين آثار الغزالي في نقد الفلاسفة وبين محاولات الدفاع عن النظر العقلي. هذا المعطى مهمّ جداً لأنه يُظهر أن الرشدية لم تنبثق في فضاء هادئ بل تشكلت في بيئة توترٍ كثيف. وهنا تلوح دلالة عميقة للفكر العربي المعاصر، المشاريع الكبرى لا تولد في الطمأنينة المريحة بل تتخلق في مناطق الاحتكاك القصوى. ابن رشد نفسه ذاق المحنة والنفي والمصادرة. وها هنا يحضر قول باروخ سبينوزا في رسالة في اللاهوت والسياسة: «إن الغاية من الدولة هي الحرية». فكل مشروع عقلاني يحتاج إلى فضاء مدني وسياسي يسمح له بالتنفس وإلا ظلّ البرهان مخنوقاً داخل أسوار الخوف والرقابة.

ولذلك فإن أي حديث جاد عن استئناف المشروع الرشدي خارج سؤال الدولة والحرية والمؤسسات يظل حديثاً منقوصاً. لا يكفي أن نُعيد طباعة كتب ابن رشد ولا أن نُدرّس مقتطفات من فصل المقال ولا أن نحتفي به في الندوات ما دامت بنية المجال العمومي العربي في كثير من تجلياته تُعيد إنتاج أنماط من السلطوية الفكرية وتُضعف التربية النقدية وتُحوّل الجامعة إلى مؤسسة تلقين أكثر منها مؤسسة إنتاج. إن الرشدية في جوهرها تحتاج إلى بيئة تسمح للعقل بأن يعمل وللاختلاف بأن يُدار وللمعرفة بأن تتكاثر من داخل النقاش الحرّ. هنا يلتقي الدرس الرشدي مع الدرس الكانطي في معنى الأنوار. فكانط كتب في مقاله الشهير ما الأنوار؟: «الأنوار هي خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه» ثم يضيف: «تجرأ على أن تعرف». هذا النداء الكانطي يجاور على نحو مدهش الروح الرشدية التي تجعل النظر فريضة وتجعل البرهان طريقاً وتجعل القصور المعرفي علةً من علل الاضطراب.

إن استئناف المشروع الرشدي لا ينبغي أن يُصاغ في قالب استعادة “عقلانية صلبة” مغلقة على ذاتها وكأن ابن رشد معصوم من النقد أو كأن التاريخ الفلسفي توقف عنده. فالرشدية نفسها تحتاج إلى قراءة نقدية مزدوجة، قراءة تكشف عظمتها وقراءة تكشف حدودها. فابن رشد مهما بلغ من عمق يبقى ابن زمنه أيضاً. تصوره للعلوم وحدود اشتغاله في السياسة العملية وموقع التجربة العلمية بالمعنى الحديث وبعض رهاناته الأنثروبولوجية، كل ذلك محكوم بشروط عصره. لهذا كان الجابري نفسه مع إعجابه العميق بابن رشد حريصاً على أن يميّز بين استئناف “الروح الرشدية” وبين استنساخ النص الرشدي. وقد قال في التراث والحداثة: «المطلوب ليس أن نعود إلى ابن رشد بل أن نعيد تأسيس العقلانية في حاضرنا انطلاقاً من الدرس الذي يقدمه». هذه الفكرة بالذات هي مفتاح المقال كله، الاستئناف لا يعني الرجوع إلى الوراء بل يعني المضيّ إلى الأمام على هدي درسٍ تاريخيّ رفيع.

وإذا شئنا أن نُحدّد الملامح الكبرى للمشروع الرشدي القابل للاستئناف، أمكننا أن نلمس عدداً من المرتكزات العميقة التي تمنحه راهنيته. أولها مركزية البرهان. فالبرهان عند ابن رشد ليس مجرد تقنية منطقية بل هو أخلاق فكرية أيضاً. هو انضباط للعقل وحراسة من التسرع وتمييز بين الظن واليقين وبين المقبول والمبرهن. في زمن يتضخم فيه الرأي وتتسع فيه صناعة الوهم وتتحول فيه المنصات الرقمية إلى معامل لإنتاج الانفعالات واليقينيات الزائفة تبدو الحاجة إلى أخلاق البرهان أشدّ من أي وقت مضى. لقد قال أرسطو في الميتافيزيقا: «جميع الناس بالطبع يرغبون في المعرفة». غير أن الرشدية تُعلّمنا أن الرغبة في المعرفة لا تكفي ما لم تقترن بمنهج يميز المعرفة من الوهم.

وثانيها مركزية التأويل المنضبط. ابن رشد لم يفتح باب التأويل على مصراعيه فتحاً فوضوياً ولم يغلقه إغلاقاً حرفياً. لقد قرر قاعدةً بديعة حين قال في فصل المقال: «إذا أدى البرهان إلى شيء ما وخالف ظاهر الشرع فإن ذلك الظاهر يقبل التأويل». هذه القاعدة من أخصب ما أنجزه العقل الإسلامي في باب علاقة النص بالعقل. فهي تمنح النص قدسيته وتمنح البرهان سلطته وتمنح التأويل شرعيته وتمنع في الآن نفسه عبثية القراءة أو تسلط الحرفية. في الفكر العربي المعاصر حيث يتنازع النصَّ تياران متقابلان: تيار يفرغه من سلطته باسم الحداثة وتيار يجمّده في ظاهره باسم الهوية، تقدّم الرشدية إمكاناً ثالثاً: عقلنة التأويل من داخل احترام النص.

وثالثها وحدة الحقيقة وتعدد السبل إليها. وهذه الفكرة على بساطتها الظاهرة تحمل أثراً حضارياً هائلاً. لأنها تؤسس لإمكان التعايش المعرفي ولإمكان الحوار بين الحقول ولإمكان تجاوز الحروب الصغيرة بين “رجال الدين” و“رجال الحداثة” و“حراس التراث” و“مبشري القطيعة”. وقد عبّر ابن عربي في أفق مغاير تماماً عن معنى قريب حين قال في الفتوحات المكية: «الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق». وإذا كانت الرشدية لا تشارك العرفانَ منطقه ولا لغته فإنها تلتقي معه على مستوى بعيد في الإقرار بتعدد الطرق إلى المعنى. غير أن ابن رشد يمنح هذه الفكرة صياغة عقلية برهانية منضبطة.

ورابعها التمييز بين مستويات الخطاب ومخاطره. هذا الدرس شديد الأهمية في زمننا، لأن كثيراً من الكوارث الفكرية تنشأ من نقل مسائل دقيقة إلى المجال العمومي دون أدواتها أو من تعميم مسائل عمومية على فضاءات تخصصية. ابن رشد كان واعياً بخطورة “إفشاء التأويلات البرهانية” لمن لا يتهيأ لها. وقد كتب: «من صرّح بشيء من هذه التأويلات لغير أهلها فقد كفر من حيث لا يشعر»، والعبارة واردة بمعناها في فصل المقال. بغضّ النظر عن حمولة العبارة في سياقها العقدي والجدلي، فإن معناها المنهجي واضح: ليس كل ما يُعرف يُقال بالطريقة نفسها ولا في المقام نفسه ولا للجمهور نفسه. في الحاضر العربي حيث اختلط التخصص بالاستعراض وتحوّلت القضايا الكبرى إلى مادة للاستهلاك السريع تستعيد هذه الفكرة راهنيتها بقوة.

وخامسها أن الفلسفة عند ابن رشد ليست غريبة عن المدينة. كثيرون ينسون أن ابن رشد كتب في السياسة وشرح الجمهورية لأفلاطون وتأمل في تدبير الاجتماع الإنساني. صحيح أن أثره السياسي لا يُقارن من حيث الامتداد بأثره في الميتافيزيقا والمنطق والطب غير أن حضوره السياسي دالّ. فهو يفهم أن المعرفة لا تُثمر إلا داخل نظام اجتماعي وسياسي يتيح لها أن تعمل. هنا يتقاطع على نحو بعيد مع ما سيقوله الفارابي قبله عن “المدينة الفاضلة” ومع ما سيقوله هيغل بعد قرون عن أن العقل يتجلى في التاريخ والمؤسسات. يقول هيغل في أصول فلسفة الحق: «ما هو عقلي هو واقعي وما هو واقعي هو عقلي». ورغم ما في العبارة من التباسات وتأويلات فإنها تذكّرنا بأن العقل لا يعيش في فراغ بل يتجسد في أشكال تاريخية. واستئناف الرشدية بهذا المعنى يحتاج إلى مؤسسات لا إلى شعارات.

وعند هذه النقطة بالذات يبرز سؤال مركزي، لماذا تعثّر استئناف المشروع الرشدي عربياً رغم كثافة الحديث عنه؟ الجواب يقتضي شجاعةً فكرية. لأن العائق لا يكمن في خصوم الرشدية فقط بل يكمن أحياناً في بعض أنصارها أيضاً. هناك من حوّل ابن رشد إلى أيقونة خطابية تُستعمل ضدّ الخصوم الأيديولوجيين أكثر مما تُستعمل لتأسيس برنامج معرفي. وهناك من اكتفى بتمجيد “العقلانية العربية” دون أن يخوض في شروطها التعليمية والمؤسسية واللغوية. وهناك من قرأ ابن رشد بعينٍ انتقائية فأخذ منه ما يوافق معركته وأهمل ما يربكها. وهناك من استعار منجز الحداثة الأوروبية كاملاً ثم علّق عليه اسم ابن رشد طلباً للمشروعية التراثية. وفي كل هذه الحالات يضيع الاستئناف الحقيقي.

لقد نبّه عبد الله العروي في أكثر من موضع إلى أن أكبر أخطاء الفكر العربي المعاصر تكمن في التردد بين التبني الشكلي للمفاهيم الحديثة وبين رفضها العاطفي من غير حسم تاريخي حقيقي. وفي مفهوم العقل يكتب العروي بما معناه العميق أن العقل لا يُستعاد بالتغني به بل يُبنى داخل شروط تاريخية مخصوصة وأن المفاهيم الحديثة لا تدخل الثقافة بقرار خطابي. وهذا التنبيه ثمين جداً. فالرشدية إذا أُريد لها أن تُستأنف تحتاج إلى أن تدخل في صميم معارك التعليم والجامعة والبحث العلمي والسياسات الثقافية وإصلاح الخطاب الديني وبناء المجال العمومي. ما لم يحدث ذلك ستظل “الرشدية” اسماً جميلاً في المقالات أكثر منها قوةً فاعلة في الاجتماع العربي.

وإذا كان الجابري قد جعل من ابن رشد محوراً في مشروعه النقدي، فإن هذا الاختيار لم يكن مجرد ميل شخصي بل كان حكماً إبستمولوجياً على بنية التراث. ففي نحن والتراث يقول: «إذا كان لا بد من اختيار ممثل للعقلانية العربية في أرقى صورها فإن ابن رشد هو هذا الممثل». وهذه العبارة مهما اختلفنا معها أو ناقشنا حدودها تكشف عن شيء أساسي، ابن رشد عند الجابري ليس فيلسوفاً بين فلاسفة بل نموذجاً لنسق معرفي. ولذلك سعى الجابري إلى جعل “القطيعة الإبستمولوجية” مع البيان والعرفان على الطريقة الباشلارية المعدّلة مدخلاً لاستعادة البرهان الرشدي. غير أن هذه القراءة نفسها تعرّضت لنقد واسع لأن بعض الباحثين رأى فيها تبسيطاً للخريطة المعرفية الإسلامية وإقصاءً لأبعادٍ روحية وبيانية لا يجوز اختزالها. وهنا تتبدى ضرورة القراءة النقدية المركبة، نحتاج إلى ابن رشد نعم، ونحتاج إلى الجابري قارئاً له نعم، لكننا نحتاج أيضاً إلى أن نقرأ الجابري نفسه نقدياً.

أما طه عبد الرحمن فقد خاض مع الجابري سجالاً عميقاً في معنى العقل وفي طبيعة التراث وفي حدود الحداثة وفي إمكان تأسيس عقلانية أخلاقية وروحية تتجاوز الاختزال الأداتي للعقل. وفي روح الحداثة ثم في سؤال الأخلاق نلمح بوضوح أن طه لا يطمئن إلى كل أشكال التمجيد غير المفحوص للعقلانية الحديثة أو للعقل البرهاني إذا فُصل عن جذره الأخلاقي والائتماني. وهذه الملاحظة تهمّنا كثيراً في موضوعنا. لأن استئناف المشروع الرشدي إن جرى على نحو اختزالي قد ينتهي إلى عقلانية تقنية جافة أو إلى تمجيد للبرهان من غير سؤال عن أخلاق البرهان وغاياته. لذلك قد يكون من ثمرات الحوار بين الجابري وطه أن يُعاد فتح الرشدية نفسها على أفق أخلاقي أرحب من غير أن تُفرَّغ من صرامتها المنهجية.

والحق أن واحدة من أعظم إمكانات استئناف المشروع الرشدي تكمن في قدرته على المساهمة في تجاوز الانقسام المصطنع بين “العقلانية” و“الروحانية” داخل الثقافة العربية. فالرشدية وإن لم تكن مشروعاً صوفياً لا تستلزم عداءً للباطن بمعناه التربوي أو الروحي وإنما تعادي الفوضى التأويلية والادعاء المعرفي غير المنضبط وهذا فرق جوهري. لذلك يمكن للفكر العربي المعاصر أن يستلهم من ابن رشد منهجية البرهان ومن غيره من كبار التراث أفق التزكية والذوق والأخلاق شريطة أن تُحترم الحدود المنهجية بين الحقول وأن لا يُفرض منطق حقل على حقل آخر. هكذا يمكن أن تُبنى ثقافة مركبة غير ممزقة بين جفاف عقلاني وانفعال روحاني.

ويتعاظم هذا الإمكان حين نضع الرشدية في مواجهة سؤال العلوم الحديثة. فابن رشد كان طبيباً وقاضياً وفقيهاً وفيلسوفاً، وكانت صورة “العالم الموسوعي” في شخصه تعكس وحدةً معرفية افتقدناها في كثير من مراحلنا الحديثة. صحيح أن العصر الراهن عصر تخصصات دقيقة ولا يمكن الحنين فيه إلى الموسوعية القديمة على نحو ساذج غير أن الدرس الرشدي هنا واضح، المعرفة كلٌّ متصل والتخصص لا ينبغي أن يقتل الأفق الكلي. الجامعة العربية اليوم تعاني في كثير من مواقعها من انفصال الحقول، الفقيه بعيد عن الفيلسوف والفيلسوف بعيد عن العالم الطبيعي والباحث في العلوم الاجتماعية بعيد عن المشتغل باللسانيات والمثقف العمومي بعيد عن المختبر. استئناف الرشدية في هذا المقام يعني بناء جسور معرفية وتكوين نخب قادرة على الحوار بين التخصصات وتحرير الفلسفة من عزلتها المدرسية.

وقد قال إدغار موران وهو من كبار فلاسفة التعقيد في عصرنا: «المعرفة المجزأة تُنتج عقولاً عاجزة عن فهم المركب». هذه العبارة تصلح أن تُقرأ على ضوء الحاجة إلى روح رشدية جديدة. لأن الرشدية التاريخية لم تكن تجزئةً للمعرفة بل كانت سعياً إلى انتظامها. واستئنافها اليوم يقتضي أن تُستعاد الفلسفة بوصفها قدرةً على الربط لا بوصفها ترفاً إنشائياً. كما يقتضي أن يُعاد وصل التعليم الفلسفي بالعلوم وأن يُحرَّر تدريس الفلسفة من التلخيص المدرسي إلى التمرين على بناء السؤال وتحليل الحجة.

ومن الجوانب التي تحتاج إلى عناية خاصة في هذا الاستئناف: اللغة، فاللغة العربية المعاصرة في كثير من الاستعمالات الفكرية تعيش بين طرفين متباعدين، لغة تراثية مثقلة بالمحاكاة والرتابة ولغة حديثة مكسورة المفاهيم أو مرتهنة للترجمة الحرفية. وابن رشد يعلّمنا درساً بالغ الأهمية في صناعة اللغة الفلسفية، الدقة والاقتصاد والتحديد والقدرة على صوغ المفهوم داخل العربية من غير تفريط في الصرامة. إن مشروع استئناف الرشدية يقتضي عملاً معجمياً ومفاهيمياً كبيراً لأن أزمة الفكر العربي المعاصر في جانب منها أزمة مصطلح وأزمة لغة. وقد نبّه عبد السلام بنعبد العالي في غير ما موضع إلى أن التفكير في الفلسفة هو أيضاً تفكير في اللغة التي تقولها، وهذا صحيح إلى أبعد حد. فكل مشروع فلسفي عربي معاصر لا يُحسن صناعة لغته محكوم عليه بأن يبقى تابعاً ولو رفع راية الاستقلال.

وعند الحديث عن استئناف الرشدية يبرز بقوة سؤال “النقد”. لأن المشروع الرشدي نفسه كان مشروعاً نقدياً بامتياز. ابن رشد لم يكتف بشرح أرسطو بل مارس نقداً للمتكلمين وردّاً على الغزالي ومراجعةً لكثير من المسالك السائدة في عصره. كتابه تهافت التهافت شاهدٌ ساطع على ذلك. في مقدمة هذا الكتاب ومن خلال بنيته العامة نشهد عقلاً يحاور خصماً عظيماً مثل أبي حامد الغزالي لا بعصبية بل بحجاج دقيق وبإيمان عميق بأن القضايا الكبرى تُناقش بالحجة لا بالتشهير. والغزالي نفسه على عظمته كان قد كتب في المنقذ من الضلال: «الشكوك هي الموصلة إلى الحق فمن لم يشك لم ينظر ومن لم ينظر لم يبصر ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال». هذه الروح النقدية عند الغزالي مع اختلاف المآلات تلتقي مع روح ابن رشد في أن الفكر لا يُبنى بالتسليم الكسول. لذلك فاستئناف الرشدية لا ينبغي أن يتحول إلى معاداة للغزالي أو شيطنته كما فعلت بعض القراءات السطحية لأن ذلك يفسد فهم التاريخ الفكري الإسلامي ويحوّله إلى معركة كاريكاتورية بين “بطل العقل” و“عدو العقل”. الأجدر أن نقرأ الاثنين معاً قراءةً تركيبيةً دقيقة فنفهم مواقع التوتر ونستخرج الدروس.

ومن الدروس الكبرى هنا أن الفكر العربي المعاصر يحتاج إلى الخروج من منطق “الأبطال الخلاصيّين”. فلا ابن رشد وحده يكفي ولا الغزالي وحده ولا ابن خلدون وحده ولا الشاطبي وحده ولا الجابري وحده. الثقافة الحية لا تُبنى بعبادة الأسماء بل بحوار المشاريع. ومع ذلك يظلّ ابن رشد موقعاً مفصلياً لأنه يمنحنا مفهوماً قوياً للبرهان وللتأويل ولعلاقة العقل بالنص ويقدّم نموذجاً نادراً لمثقفٍ جمع بين الفقه والفلسفة والقضاء والطب والسياسة من غير أن يذوب في أيّ واحد منها.

ومن أشدّ ما يحتاج إليه الفكر العربي اليوم أن يتجاوز الاستقطاب الحادّ بين “التراثيين” و“الحداثيين” عبر نموذجٍ رشديّ مُجدَّد. فالتراثي المغلق يتعامل مع النصوص بوصفها أجوبةً نهائيةً على أسئلة لم تُطرح بعد، والحداثي المبتور يتعامل مع الحداثة بوصفها قدراً مكتفياً بذاته لا يحتاج إلى ترجمة حضارية عميقة، وبين هذين الطرفين تضيع إمكانات التأسيس. ابن رشد يقدّم في أفقٍ ما إمكاناً ثالثاً: الوفاء للنص دون عبودية للحرف والانفتاح على العقل دون تبعية عمياء للمركز الخارجي. هنا نستحضر عبارة بول ريكور: «التراث ليس ما نرثه فقط بل ما نُعيد قراءته». هذا المعنى هو عين ما نحتاجه في موضوعنا.

غير أن أخطر ما يهدد أي استئناف للمشروع الرشدي هو أن يتحول إلى “أيديولوجيا عقلانية” تُقصي ما لا تفهمه. لأن العقلانية حين تفقد تواضعها المعرفي تنقلب إلى سلطة جديدة. وقد نبّه باسكال منذ زمن بعيد إلى حدود العقل حين قال: «للقلب براهينه التي لا يعرفها العقل». والمقصود هنا ليس إبطال العقل بل تذكيره بحدوده وحقوله. والرشدية إذا قُرئت قراءة ناضجة فهي قادرة على استيعاب هذا الدرس لأنها لا تدّعي أن البرهان يشتغل في كل شيء بالطريقة نفسها وإنما تميّز بين مراتب النظر. أما إذا قُرئت قراءة أيديولوجية فإنها قد تُستخدم لتكريس نمط من العنف الرمزي ضدّ كل ما لا يندرج في صورتها المبسطة عن “العقل”.

إن إمكانات استئناف المشروع الرشدي في الفكر العربي المعاصر ترتبط كذلك بقدرتنا على تحرير مفهوم “العقل” نفسه من الاختزال. فالعقل عند ابن رشد عقل برهاني منضبط نعم، لكنه ليس آلةً صمّاء. والعقل في تراثنا على تنوع صوره يحمل أيضاً أبعاداً أخلاقية وعملية ووجودية. وقد كان أرسطو الذي شكّل أحد أعمدة التكوين الرشدي يميز في الأخلاق النيقوماخية بين الحكمة النظرية والحكمة العملية. واستئناف الرشدية في زمننا يقتضي أن نصل البرهان بالحكمة العملية وأن نجعل العقل قادراً على الإسهام في بناء الدولة العادلة وفي ترشيد الاقتصاد وفي إصلاح التعليم وفي تحرير الخطاب الديني وفي تهذيب المجال العمومي.

وإذا أردنا أن نُنزّل هذا الكلام من التجريد إلى مستوى البرنامج أمكن القول إن استئناف المشروع الرشدي يمر عبر مسالك محددة. يمر أولاً عبر إصلاح جذري لتدريس الفلسفة والمنطق وعلوم الحجاج في المدرسة والجامعة. يمر ثانياً عبر إعادة بناء العلاقة بين الدراسات الشرعية والدراسات الفلسفية بحيث ينكسر الجدار المصطنع بينهما ويُفتح حوار منهجي جادّ بين الأصوليين والفلاسفة واللغويين والمؤرخين. ويمر ثالثاً عبر مشروع ترجمة ومراجعة للمفاهيم الحديثة في العربية لأن الفكر لا ينهض بلغة مرتجفة. ويمر رابعاً عبر بناء فضاء عمومي يحترم الاختلاف ويصون حرية البحث. يمر خامساً عبر تحرير البحث العلمي من البيروقراطية والولاءات الصغيرة. يمر سادساً عبر تخليص الخطاب الثقافي من الاستعراض والإنشاء الفضفاض لصالح الحجة والتحليل. وكل هذه المسالك ليست “إضافات” على الرشدية بل هي الشروط التاريخية التي تجعل روحها قابلةً للحياة.

ولعلّ من المفيد هنا أن نستحضر ابن خلدون لأنه فيلسوف العمران وناقد الأحوال حيث قال في المقدمة: «المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب». هذه العبارة الخلدونية تكشف لنا وجهاً خطيراً من أزمة الفكر العربي الحديث. فكثير من مشاريع “الحداثة” العربية جرى فيها الاقتداء بالغالب على نحو مبهور من غير تمثل عميق لشروط المفاهيم ومن غير قدرة على إعادة إنتاجها داخل التربة الثقافية الخاصة. واستئناف الرشدية يمكن أن يكون سبيلاً لمقاومة هذا الولع لا بمعنى الانغلاق القومي أو الحضاري بل بمعنى امتلاك القدرة على الحوار الندّي مع الفكر العالمي. فالعالم لا يحترم من يكرر بل يحترم من يضيف.

وقد كان مارتن هايدغر يقول: «اللغة بيت الكينونة». وإذا كان في هذه العبارة أفق أنطولوجي خاص، فإنها تُفيدنا هنا من جهة أن كل نهضة فكرية تحتاج إلى بيت لغوي يسكنها. والرشدية الجديدة إن جاز التعبير لا بد أن تُبنى في لغة عربية حية قوية قادرة على احتضان المفهوم دون أن تنكسر وقادرة على حمل الدقة دون أن تفقد الجزالة، لأن جزءاً من استئناف الرشدية اليوم يمر عبر هذا الإصرار على أن تكون العربية لغة تفكير لا مجرد لغة وعظ أو زخرفة.

ومهما قيل في إمكانات الاستئناف فإن الصدق العلمي يفرض الإقرار بأن الطريق شاق، فالعوائق البنيوية كثيرة، هشاشة المؤسسات، ضعف تقاليد البحث، تغوّل الاستهلاك الثقافي، هيمنة الخطاب الانفعالي، التباس العلاقة بين الدين والسياسة، غياب الإرادة الإصلاحية العميقة في كثير من البنى التعليمية. لذلك فاستئناف المشروع الرشدي لا ينبغي أن يُقدَّم كحلّ سحري ولا كطريق معبّد. إنه أفق نضاليّ طويل يحتاج إلى أجيال ويحتاج إلى صبر حضاري. هنا تلوح حكمة هيغل من جديد حين قال في محاضرات في فلسفة التاريخ: «بومة منيرفا لا تبدأ طيرانها إلا عند حلول الغسق». أي إن الفلسفة غالباً ما تأتي متأخرة لتفهم ما جرى. غير أن الفكر العربي اليوم لا يملك ترف التأخر الأبدي. عليه أن يجعل الفلسفة أداة فهم وأداة تأسيس معاً.

إن المشروع الرشدي ما يزال يحمل إمكانات هائلة للفكر العربي المعاصر شريطة أن نقرأه بعينين لا بعين واحدة، عين تعترف بعظمته وعين تمارس عليه النقد. بعين تستلهم منه وعين تتجاوزه. بعين تحفظ له مكانته في تاريخ العقل الإسلامي وعين ترفض تحويله إلى ضريح مفهومي. فابن رشد لا يُكرَّم بتمجيده اللفظي وإنما يُكرَّم حين نعيد تشغيل الأسئلة التي شغلته، ما حدود العقل؟ كيف يُفهم النص؟ ما شروط التأويل؟ ما طبيعة البرهان؟ كيف تنتظم المعرفة؟ ما صلة الحقيقة بالشرع؟ ما دور الفلسفة في المدينة؟ كيف تُدار مراتب الخطاب؟ كيف نمنع العوامّ من أن يُستثاروا ضدّ الحكمة ونمنع الحكماء من أن يفسدوا العامّة بسوء البيان؟.

في هذا المنحى يغدو استئناف المشروع الرشدي فعلاً من أفعال الشجاعة الحضارية. لأن الثقافة العربية اليوم في أمسّ الحاجة إلى عقل يملك الجرأة على النقد والتواضع أمام الحقيقة والانضباط في الاستدلال والصرامة في التأويل والقدرة على الجمع بين الوفاء والأفق. وليس المقصود أن نُعيد إنتاج القرن السادس الهجري ولا أن نستبدل مركزية غربية بمركزية تراثية ولا أن نُحوّل ابن رشد إلى أيديولوجيا جاهزة. المقصود أن نحرر من تراثنا ما يساعدنا على أن نفكر بحرية وعمق ومسؤولية. وهنا يستعيد قول ابن رشد نفسه ألقه النادر: «الحق لا يضاد الحق». تلك ليست عبارة في التوفيق فحسب بل هي إعلان عن ميثاق معرفي كامل، لا خصومة بين الحقيقة والحقيقة والخصومة، إنما تقع بين الأهواء أو بين الجهل والحقيقة أو بين سوء التأويل والبرهان.

وعند هذا الأفق يلوح معنى آخر أشد رسوخاً: استئناف المشروع الرشدي ليس شأناً فلسفياً صرفاً بل هو امتحان أخلاقي وسياسي وثقافي للمجتمعات العربية. فالمجتمع الذي لا يحتمل السؤال لن يحتمل الرشدية. والجامعة التي لا تربي على الحجة لن تلد عقلاً رشدياً. والخطاب الديني الذي يخاف من التأويل المنضبط سيبقى أسير التكرار. والمثقف الذي يكتفي بالشعار لن يبني تقليداً نقدياً. والدولة التي ترتاب من الحرية ستخنق كل مشروع عقلي قبل ولادته. لذلك فالرشدية ليست مجرد نصوص تقرأ بل هي شكل من أشكال الوجود الحضاري.

وقد يكون من أبلغ ما نختم به مقالتنا هاته أن نستحضر العبارة التي جعلها ابن رشد مبدأً في فصل المقال ثم نقرأها في ضوء الحاضر العربي بكل جراحه وآماله: «فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له». لو أُعيد بناء ثقافتنا على هذا المبدأ وحده لتغير كثير من وجوه الخصومة العقيمة التي تستنزفنا. ولعادت الفلسفة إلى مكانها الطبيعي لا خصماً للدين ولا تابعاً له بل شريكاً في طلب الحقيقة. ولعاد الفقيه إلى مقامه الأصيل لا حارساً للخوف بل مؤتمناً على المعنى. ولعاد المثقف إلى دوره الحق لا بائعَ مواقف بل صانعَ أسئلة. ولعادت الجامعة إلى رسالتها لا مصنعَ شهادات بل ورشةَ عقل.

هكذا وحده يمكن أن يكون الحديث عن إمكانات استئناف المشروع الرشدي حديثاً جاداً لا زينة خطابية ولا حنيناً مثقلاً بالمجاز. وهكذا وحده يصير ابن رشد معاصراً لنا لا لأنه عاش في زمننا بل لأن أسئلتنا الكبرى ما تزال تجد في مشروعه طاقةً على الإضاءة ومادةً للمراجعة ودعوةً إلى أن نكون أوفياء للعقل من غير قطيعة مع الجذور وأوفياء للجذور من غير عداوة للعقل. ذلك هو الدرس الرشدي الأسمى وذلك هو الرهان الذي يظل مفتوحاً أمام الفكر العربي المعاصر، أن يخرج من زمن التكرار إلى زمن التأسيس ومن زمن الاستهلاك إلى زمن الإنتاج ومن زمن الاصطفاف الأيديولوجي إلى زمن البناء المفهومي ومن زمن الحنين إلى زمن العمل.

فإذا نجحنا في ذلك فلن نكون قد “أحيينا” ابن رشد لأن الكبار لا يحتاجون إلى من يحييهم بل نكون قد أحيينا في أنفسنا القدرة على التفكير التي بها تُبنى الحضارات وتُصان الكرامات وتُستعاد المعاني. وتلك في تقديري المتواضع هي الغاية الأبعد من كل قراءة رشديّة جادة، أن نستردّ العقل لا بوصفه شعاراً بل بوصفه سلوكاً حضارياً ومِراناً منهجياً وفضيلةً أخلاقية ورسالةً تاريخية.

***

د. حمزة مولخنيف

انتقال الأفكار الفلسفية بين الأندلس وأوروبا الوسيطة

لم تكن الرشدية مجرد مذهب فلسفي انتسب إلى اسم شارح كبير من شراح أرسطو ولم تكن أثرا تعليميا عابرا انقضى بانقضاء صاحبه أو بانطفاء مجالسه العلمية في قرطبة ومراكش وإشبيلية وإنما كانت منعرجا معرفيا حاسما في تاريخ العقل المتوسطي كله بما هو عقل تشكل في مجرى الترجمة وتربى في أحضان النزاع بين السلط الدينية والبرهانية، ثم أخذ صورته الأكثر درامية ساعة خرجت شروح ابن رشد من فضائها الأندلسي الإسلامي لتستقر في المدارس اللاتينية والجامعات الناشئة في باريس وبادوفا وبولونيا. فهناك تحديدا ابتدأ نص ابن رشد حياة ثانية، حياة لم يعد فيها مجرد فقيه مالكي وقاضٍ أندلسي وطبيب فيلسوف، وإنما غدا “الشارح الأكبر” في الوعي المدرسي الأوروبي وغدا اسمه نفسه علما على نمط مخصوص من النظر له جرأته وله منطقه وله خصومه وله آثاره التي تجاوزت زمنه وبيئته ومقصوده الأصلي أحيانا.

إن الحديث عن الرشدية في الفضاء المتوسطي حديث عن عبور كثيف للأفكار عبر اللغات والحدود والأنساق، حديث عن نص فلسفي ولد في تماس حاد بين الشريعة والحكمة ثم أعيدت صياغته داخل بنية لاهوتية مسيحية كانت في حاجة إلى أرسطو وكانت في الآن نفسه تخشاه، وكانت في حاجة إلى ابن رشد لأنه فتح لها مغالق أرسطو، وكانت تخشاه لأنه حمل معها تصورا للعقل الذي لا يرضى أن يظل تابعا للسلطة التأويلية الجامدة. هنا بالضبط تظهر الرشدية لا باعتبارها مجرد انتقال نصوص، وإنما باعتبارها انتقالا لمشكل فلسفي كامل، ما حدود العقل؟ ما منزلة البرهان؟ كيف يقرأ النص الديني في ضوء الحقيقة البرهانية؟ ما معنى أن تكون للفلسفة استقلالية منهجية داخل مجتمع يؤسس شرعيته على الوحي؟ وما الذي يقع عندما تنتقل هذه الأسئلة من سياق إسلامي أندلسي إلى سياق لاتيني مدرسي شديد الحساسية تجاه كل ما يهدد بناء العقيدة الكنسية؟.

لقد كان ابن رشد في العمق مفكرا للاتساق العقلي، ولم يكن همه أن ينتصر للفلسفة على الدين انتصارا دعائيا ساذجا ولا أن يجعل الشريعة ذريعة لقمع النظر، وإنما سعى إلى بناء مجال تواطؤ بين الحقيقة الموحى بها والحقيقة المبرهن عليها. عبارته التي صارت من أشهر العبارات في التراث الفلسفي الإسلامي “الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له” لم تكن مجرد صياغة بلاغية ذات وقع أخلاقي، وإنما كانت قاعدة إبستمولوجية كبرى تؤسس لنظام في الفهم وتعيد ترتيب العلاقة بين ظاهر النص وباطنه بين العامة والخاصة وبين الجدل والبرهان وبين مستويات الإدراك البشري وتمنح العقل البرهاني شرعية لا بوصفه قوة تمرد بل بوصفه أداة من أدوات إدراك الحكمة الإلهية في العالم والشرع معا. بهذا المعنى كانت الرشدية أعمق من أن تختزل في شروح أرسطية وأخطر من أن تُحصر في نزاع حول قِدم العالم أو وحدة العقل أو تأويل الصفات، لقد كانت نظرية في العقل الحضاري نفسه. ومع ذلك فإن الرشدية ساعة خرجت من مجالها الإسلامي إلى أوروبا الوسيطة لم تنتقل نقية صافية كما صاغها صاحبها. فالنصوص لا تسافر بلا خسائر والأفكار لا تعبر البحار بلا تحولات والترجمات لا تحمل المعاني وحدها بل تحمل معها انحرافات الفهم وانتقاءات المترجمين وحاجات المؤسسات المستقبلة وصراعات المدارس وضغوط الرقابة. ولهذا لم تكن “الرشدية اللاتينية” صورة مطابقة لـ “الرشدية الأندلسية” كما لم تكن خصومة الكنيسة مع بعض الرشديين خصومة مع ابن رشد نفسه على الدوام بل كانت في كثير من المواطن خصومة مع قراءات مخصوصة له أو مع نتائج استنبطها بعض الشراح من تعليقاته أو مع استعمالات جامعية جعلت من اسمه راية لاستقلال الفلسفة عن اللاهوت وهو أمر يتجاوز أحيانا ما صرح به ابن رشد نفسه في سياقه الإسلامي.

إن الفضاء المتوسطي إذا نظرنا إليه من زاوية تاريخ الأفكار لم يكن بحرا يفصل بين حضارات متجاورة وإنما كان معبرا عميقا ومختبرا هائلا ووسطا ناقلا ومحوِّلا في آن. فيه تحركت النصوص اليونانية من أثينا إلى الإسكندرية ثم من السريانية إلى العربية ثم من العربية إلى اللاتينية والعبرية، وفيه تشكلت طبقات متراكبة من التلقي والتعليق وإعادة البناء. والرشدية ليست إلا إحدى أكثر اللحظات تعبيرا عن هذا الحراك. لقد تلقى الغرب اللاتيني أرسطو عبر ابن رشد أكثر مما تلقاه مباشرة حتى صار هذا الفيلسوف الأندلسي بالنسبة إلى كثير من أساتذة الفنون في باريس أشبه بالمفتاح الذي لا يفتح أرسطو إلا به. ولم يكن غريبا تبعا لذلك أن يلقب في التقاليد المدرسية باسم “الشارح” على جهة الإطلاق كما لُقِّب أرسطو باسم “الفيلسوف”، وهو توزيع رمزي للأدوار يكشف عن عمق الحضور الرشدي داخل البنية التعليمية الأوروبية الوسيطة.

هذا الحضور لم يكن حضورا هادئا فكلما اشتد نفوذ الشروح الرشدية داخل مدارس الفنون، اشتدت معها الأسئلة التي تمس بنية العقيدة المسيحية المدرسية، إذا كان العقل واحدا على نحو ما فُهِم من بعض التأويلات الرشدية فماذا يبقى من المسؤولية الشخصية؟ وإذا كان العالم أزليا من جهة الحركة والنظام الكوني فكيف يُفهم الخلق؟ وإذا كانت الحقيقة الفلسفية تبلغ مرتبة من البرهان قد لا تبلغها المقاربات الوعظية أو الجدلية فكيف يُعاد ترتيب العلاقة بين الأستاذ في كلية الفنون والأستاذ في كلية اللاهوت؟ هنا نشأت تلك التوترات التي صنعت ما عُرف لاحقا بالرشدية اللاتينية وجعلت من أسماء مثل سيجر البرابانتي وبويتيوس الدانماركي ويوحنا الجندوني علامات على نزاع فلسفي حاد داخل قلب المسيحية المدرسية.

غير أن اختزال الرشدية في هذه المقولات الثلاث أو الأربع ظلم مزدوج، ظلم لابن رشد وظلم لتاريخ الاستقبال الأوروبي نفسه. فالرشدية كانت قبل ذلك وبعده منهجا في القراءة وأخلاقا في التعامل مع النصوص وصرامة في البرهنة وميلا إلى رد الفروع إلى الأصول وتحريرا للفلسفة من الشروح الخطابية الفضفاضة ووفاء لأرسطو مقرونا بجرأة التأويل، وهي العناصر التي جعلت منها أداة تأسيس في بناء العقل المدرسي الأوروبي حتى لدى من عارضها. لقد كان توما الأكويني خصما للرشدية في مواضع معلومة، لكنه كان في الآن ذاته أحد أكبر المستفيدين من الجهد الرشدي في شرح المتن الأرسطي وكان اعتراضه على بعض النتائج الرشدية مشروطا سلفا بكون ابن رشد قد فرض نفسه مرجعا لا يمكن القفز عليه. فالخصومة نفسها دليل حضور والنقد نفسه شهادة تأثير والردود الكبرى لا تكتب ضد الأفكار الهامشية.

على هذا الأساس يصير من اللازم أن نفهم الرشدية بوصفها طبقات متداخلة، رشدية أندلسية نشأت في حضن الثقافة العربية الإسلامية ورشدية يهودية عبرت إلى الفكر العبري الوسيط وأسهمت في إعادة تشكيل فلسفة موسى بن ميمون وشراحه ورشدية لاتينية دخلت الجامعات المسيحية وأثارت الزوابع اللاهوتية ورشدية نهضوية مبكرة أعادت اكتشاف قيمة العقل الطبيعي واستقلالية البحث، ثم رشدية حديثة ومعاصرة استعادتها الثقافة العربية بوصفها رمزا للعقلانية المفقودة أو المؤجلة. وكل طبقة من هذه الطبقات لا تكرر سابقتها وإنما تعيد تأويلها على قدر حاجتها التاريخية.

في الأندلس كان ابن رشد ابن أزمة كبرى في تاريخ الفكر الإسلامي الغربي، فقد جاء بعد قرون من الجدل بين المتكلمين والفلاسفة والفقهاء وبعد اللحظة الغزالية التي هزت مشروعية الفلسفة هزا عنيفا وبعد تجربة ابن باجة وابن طفيل اللذين مهدا لقدر من الاستئناف العقلي داخل الغرب الإسلامي. وإذا كان الغزالي قد كشف هشاشة بعض دعاوى الفلاسفة المشرقيين، فإن ابن رشد لم يرد عليه بإنكار الدين أو السخرية من الكلام وإنما رد عليه من داخل مطلب أعلى: مطلب التمييز بين مراتب الخطاب ومراتب البرهان. لهذا كان مشروعه في “فصل المقال” و”تهافت التهافت” و”الكشف عن مناهج الأدلة”، مشروعا يتجاوز الدفاع عن الفلسفة إلى إعادة بناء المجال النظري الذي تتجاور فيه العلوم الشرعية والعلوم البرهانية من غير أن يلتهم أحدهما الآخر. لقد أدرك أن المعضلة الحقيقية لا تكمن في وجود نص ديني وعقل فلسفي وإنما تكمن في سوء توزيع السلط المعرفية وفي الخلط بين مقام العامة ومقام الخاصة وفي تحويل الظاهر الخطابي إلى سيف يُشهر في وجه البرهان.

ومن هنا كانت الرشدية الأندلسية في أصلها مشروعا للتوفيق العميق لا التلفيق السطحي. فالتوفيق عند ابن رشد لا يعني جمع المتناقضات على سبيل المراوغة وإنما يعني إقامة نسق معرفي يُحفظ فيه لكل نوع من أنواع القول مجاله ووظيفته. الشريعة تخاطب الناس جميعا بطرائق متعددة والبرهان لا يقدر عليه الجميع، والتأويل ليس حقا شعبويا مبذولا لكل أحد لأن إخراج المعاني من ظواهرها يحتاج إلى آلة وملكة وانضباط. تتحول الفلسفة من ترف نخبوي إلى واجب كفائي في حق من استكمل شروط النظر وتتحول الشريعة من خصم للعقل إلى حاضنة لمشروعيته. هذا التصور كان في ذاته ثوريا داخل السياق الإسلامي كما كان قابلا لأن يثير قلقا مضاعفا ساعة يترجم إلى اللاتينية لأن الكنيسة لم تكن تنظر إلى العلاقة بين اللاهوت والفلسفة بالطريقة نفسها ولأن بنية السلطة المعرفية فيها مختلفة جذريا عن بنية الفقه الإسلامي.

لقد تمت ترجمة كثير من أعمال ابن رشد إلى اللاتينية والعبرية عبر مراكز الترجمة في طليطلة وغيرها وعبر جهود مترجمين كان بعضهم يشتغل في مناطق التماس الحضاري بين المسلمين والمسيحيين واليهود. ولم تكن الترجمة مجرد نقل لغوي وإنما كانت حدثا مؤسسيا. فما دخل اللاتينية من شروح ابن رشد حيث لم يدخل إلى خزائن النخبة فقط وإنما دخل إلى قاعات التدريس وإلى برامج التعليم وإلى الجدل الجامعي وإلى بنية الامتحان المدرسي. وهنا يظهر المعنى الحقيقي للرشدية في أوروبا، إنها ليست “تأثيرا” ثقافيا عاما فحسب وإنما هي تشكل فعلي لآلة الفهم داخل مؤسسة الجامعة. ولهذا لا يصح أن يقال إن أوروبا “قرأت” ابن رشد فقط بل الأدق أن يقال إنها “درست” أرسطو عبره و”تعلمت” طرائق البرهنة معه و”تشاجرت” بواسطته مع نفسها. وقد كان لهذا التلقي أثر بالغ في صوغ ما يمكن تسميته بالوعي المدرسي الجديد، فالرشدية علمت المدرسة اللاتينية أن النص الفلسفي لا يقرأ بالمواعظ وأن المعنى لا يستخرج بالإنشاء وأن الفهم يحتاج إلى ضبط للمصطلح وترتيب للمقدمات وتفكيك للأقوال وردّ للمسائل إلى أصولها المنهجية، لهذا كان تأثيرها يتجاوز المضامين الميتافيزيقية إلى البنية العقلية نفسها. وإذا كان بعض الباحثين المعاصرين قد بالغوا في الحديث عن “فضل ابن رشد” على النهضة الأوروبية بصيغة سببية ساذجة فإن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن أثره في تشكيل العقل الجامعي الوسيط أثر بالغ العمق حتى لو لم يكن وحده المسؤول عن كل التحولات اللاحقة، فالتاريخ لا يصنعه رجل واحد لكنه أحيانا لا يمر من غيره.

في جامعة باريس حيث كان الصراع على أشده برزت الرشدية بوصفها قوة فكرية تربك التوازنات. فكلية الفنون التي كانت تتولى تدريس المنطق والطبيعيات والأخلاق وما يتصل بأرسطو، وجدت في الشروح الرشدية مادة خصبة تمنحها قدرا من الاستقلال المعرفي عن اللاهوت. وهذا الاستقلال لم يكن سياسيا فقط بل كان منهجيا قبل كل شيء. فالأستاذ الذي يتتبع البرهان الأرسطي كما شرحه ابن رشد قد يصل إلى نتائج لا تنسجم دائما مع التأويلات العقائدية الرسمية. هنا ابتدأ التوتر بين “ما يقتضيه البرهان” و”ما تقرره العقيدة”. وليس المقصود بذلك أن الرشديين اللاتينيين كانوا ملاحدة بالمعنى الشائع وإنما كانوا يدافعون عن حق الفلسفة في أن تسلك مقتضى مقدماتها حتى النهاية ولو أدى ذلك إلى تمييز بين ما يصح فلسفيا وما يعتنق إيمانيا. وقد نُسب إلى بعضهم ما صار يعرف لاحقا ولو على نحو تبسيطي بنظرية “الحقيقتين” مع أن هذا التعبير في صورته المدرسية المشهورة أكثر التباسا مما يتداوله الخطاب الشائع.

إن ربط الرشدية بنظرية “الحقيقتين” على وجه القطع يحتاج إلى حذر شديد. فابن رشد نفسه لم يقل بتعدد الحقيقة وإنما قرر وحدة الحق واختلاف طرق إدراكه. أما بعض الرشديين اللاتينيين فقد وجدوا أنفسهم داخل نظام جامعي كنسي يفرض عليهم التمييز بين ما يثبت فلسفيا وما يلتزم دينيا فظهرت صيغ لغوية من قبيل: “هذا صحيح بحسب الفلسفة” أو “هذا صحيح بحسب الإيمان”. هذه الصياغات لم تكن دائما إعلان انفصام أنطولوجي بين حقيقتين، بل كانت أحيانا مجرد تقنية مدرسية لإدارة التوتر بين مجالين. غير أن اللاهوت الكنسي قرأها قراءة تهديدية لأنها تفتح الباب أمام استقلال العقل الطبيعي استقلالا قد يتحول إلى سلطة موازية. وهنا نفهم لماذا لم تكن مقاومة الرشدية مجرد اعتراض على مسألة جزئية وإنما كانت دفاعا عن البنية الهرمية للمعرفة في المسيحية الوسيطة.

لقد كان توما الأكويني المثال الأبرز لهذا الرد العميق، حيث لم يواجه الرشدية من موقع الجهل بها بل من موقع الوعي الدقيق بخطورتها وبقيمتها في آن. كان يعرف أن ابن رشد هو أبرع شارح لأرسطو في زمانه، وكان يدرك أن مناقشته تقتضي امتلاك آلة فلسفية صارمة لا مجرد تنديد وعظي. لذلك جاءت نصوصه المضادة لبعض الأطروحات الرشدية نصوصا فلسفية من الطراز الأول خصوصا في مسألة وحدة العقل المفارق وعلاقة النفس بالبدن. لقد كان دفاع الأكويني عن فردية النفس العاقلة دفاعا عن أساس المساءلة الأخلاقية والخلاص المسيحي وكان رفضه لوحدة العقل رفضا لما يراه تهديدا لمعنى الشخص نفسه. غير أن هذا الرفض لا يلغي حقيقة أخرى أكثر عمقا، أن الأكويني في كثير من مباحثه كان يتحاور مع ابن رشد أكثر مما يتحاور مع أي شارح آخر، وأن بناء التوماوية المدرسية لم يكن ممكنا بالصورة التي عرفناها لولا المرور الصارم عبر الامتحان الرشدي.

إن الرشدية انتصرت حتى في مواضع هزيمتها الظاهرة، فقد أدت الإدانة الكنسية لبعض الأطروحات المنسوبة إلى الرشديين في سنتي 1270 و1277 إلى محاولة الحد من تغول العقل الأرسطي كما تمثله بعض القراءات، لكنها في الآن ذاته دفعت الفكر المسيحي إلى مزيد من التحديد المفهومي وإلى مزيد من صقل التمييز بين الفلسفة واللاهوت وإلى مزيد من الانتباه إلى استقلال بعض المجالات المعرفية، أي إن قمع الرشدية لم يؤد إلى إعدام أثرها وإنما أدى إلى تعميقه بطريقة جدلية. فالفكرة الممنوعة كثيرا ما تواصل عملها في باطن النسق الذي حاول طردها وقد يكون تأثيرها الأبعد ناشئا من المقاومة التي أُقيمت ضدها أكثر مما هو ناشئ من قبولها المباشر. ثم إن الرشدية لم تتوقف عند باريس، ففي إيطاليا وخاصة في بادوفا وجدت بيئة أكثر قابلية لاستمرار بعض اتجاهاتها فاستمرت تقاليد تفسير أرسطو على نحو يحمل آثارا رشدية واضحة وأخذت بعض مسائل النفس والطبيعيات والميتافيزيقا تتطور داخل أفق يظل فيه ابن رشد حاضرا بوصفه سلطة تفسيرية لا يمكن إلغاؤها. هذا الامتداد الإيطالي يهمنا كثيرا لأنه يكشف أن الرشدية لم تكن نزوة باريسية عابرة وإنما كانت تيارا أوسع داخل الثقافة الجامعية اللاتينية. كما أن هذا الامتداد يبين أن الانتقال المتوسطي للأفكار ليس خطا مستقيما من الأندلس إلى فرنسا بل هو شبكة من المسالك: طليطلة، صقلية، جنوب إيطاليا، المراكز اليهودية، الدوائر الطبية، حلقات الترجمة، الجامعات الناشئة ومراكز النسخ والتداول.

وإذا كان الجانب اللاتيني قد استأثر غالبا بالحديث عن “الرشدية الأوروبية” فإن إغفال الوسيط اليهودي يفضي إلى بتر صورة الانتقال. فقد كانت الثقافة اليهودية الوسيطة خاصة في الأندلس وجنوب فرنسا من أهم الحواضن التي استقبلت ابن رشد ووسّطته بين العربية واللاتينية أو بين الأرسطية واللاهوت اليهودي. وكان حضور ابن ميمون وما تلاه من شروح وتأويلات جزءا من هذا المسار المعقد الذي جعل من المتوسط فضاء حوار ثلاثي لا ثنائيا فحسب، إسلامي مسيحي يهودي، وهذا التعدد في وسائط الاستقبال يؤكد أن الرشدية لم تكن ملكية حضارية مغلقة وإنما كانت حدثا عابرا للملل واللغات تَصرّف فيه الجميع بحسب حاجتهم ومقدار توترهم مع السؤال العقلي.

إن الذي يمنح الرشدية هذه القدرة الفائقة على العبور هو أنها لم تكن مجرد حزمة من الأجوبة بل كانت فنا في طرح الأسئلة. لقد علمت أوروبا الوسيطة أن النص الأرسطي يمكن أن يُقرأ قراءة نسقية صارمة وأن الفلسفة ليست خطابا أخلاقيا عاما فحسب بل بناء استدلالي متدرج. وعلمتها أيضا أن الشارح ليس ناقلا سلبيا، وإنما هو منتج للمعنى عبر تنظيم المادة وتحديد المفاهيم وتحرير موارد الخلاف. ومن هذه الزاوية فإن أثر ابن رشد لا يقاس فقط بما “أخذه” الأوروبيون من آرائه بل بما تعلموه من طريقته، فكم من فكرة رفضوها لكنهم احتفظوا بأداتها وكم من أطروحة عارضوها لكنهم ورثوا منطقها وكم من خصومة ضدها كانت في العمق اعترافا بأنها غير قابلة للتجاوز.

لقد أساء بعض المستشرقين القدامى قراءة هذه الحقيقة فحوّلوا ابن رشد إلى مجرد جسر نقل أرسطو إلى أوروبا وكأن قيمته تكمن في الوساطة وحدها. وهذه قراءة مجحفة ومضللة. فابن رشد ليس ساعي بريد فلسفي بين اليونان واللاتين وإنما هو مفكر كبير أعاد بناء الأرسطية نفسها داخل أفق إسلامي مخصوص ثم صارت هذه الأرسطية المعاد بناؤها هي التي دخلت أوروبا. الفارق هنا جوهري، فالأوروبيون لم يتلقوا أرسطو “خامّا”، بل تلقوه مفسَّرا ومؤطَّرا ومصاغا عبر عقل رشدِي شديد الانضباط. وهذا ما يفسر أن كثيرا من المعارك المدرسية في أوروبا كانت في حقيقتها معارك حول “أرسطو كما قرأه ابن رشد”، لا حول أرسطو التاريخي وحده. ومن هنا كان اسم “أفيرّويس” في المخيال المدرسي الأوروبي أحيانا أقرب حضورا من اسم أرسطو نفسه في بعض المسائل التفسيرية الدقيقة.

وليس بخاف على القاريء الكريم أن الرشدية بما حملته من دفاع عن البرهان فتحت في الوعي الأوروبي بابا عميقا لما سيغدو لاحقا مطلبا للاستقلال النسبي للعقل الطبيعي. لا يعني ذلك أن ابن رشد هو مؤسس الحداثة الأوروبية على النحو الدعائي الذي يردده بعض الخطاب الثقافي السطحي، فهذا من التبسيط الذي لا يليق بتاريخ الأفكار لكن يعني أن الرشدية أسهمت بعمق في تكوين الشروط البعيدة التي جعلت من الممكن أن يتمايز النظر الفلسفي عن الاحتكار اللاهوتي الصارم. والفرق كبير بين القولين، فالتاريخ لا يشتغل بخطوط سببية قصيرة بل بسلاسل طويلة من التحولات والتراكمات. والرشدية واحدة من تلك الحلقات التي لا يكتمل فهم السلسلة من غيرها.

وقد أدرك بعض المفكرين العرب المحدثين هذه الحقيقة فأعادوا استدعاء ابن رشد لا بوصفه مجرد تراث محفوظ بل بوصفه رهانا معاصرا. فمحمد عابد الجابري على سبيل المثال، لم يكن يرى في ابن رشد مجرد شارح لأرسطو وإنما كان يراه ذروة في تشكل “العقلانية المغربية الأندلسية” بما تمثله من نزوع برهاني يختلف عن كثير من البنى العرفانية والبيانية التي سادت في لحظات أخرى من تاريخ الثقافة العربية الإسلامية. وفي هذا الاستدعاء المعاصر ما يبين أن الرشدية لم تمت وأنها كلما ضاق أفق العقل في زمان ما عادت بوصفها وعدا مؤجلا أو مرآة نقدية أو إمكانا غير مستنفد.

غير أن الإنصاف يقتضي أيضا ألا نجعل من ابن رشد أيقونة معصومة. فالرشدية نفسها تحمل توتراتها وحدودها، فتصوره للتمييز بين مراتب الناس في تلقي الحقيقة وإن كان مفهوما في سياقه يطرح أسئلة حديثة حول ديمقراطية المعرفة. وحرصه على صيانة البرهان من التداول الشعبي قد يفضي إذا أسيء استعماله إلى نوع من الأرستقراطية العقلية. كما أن وفاءه الشديد لأرسطو قد يجعل بعض جوانب مشروعه أسيرة لأفق كوني قديم لا يسمح دائما بتجاوزات جذرية كتلك التي ستعرفها العلوم الحديثة. غير أن هذه الملاحظات لا تنقص من قيمته التاريخية بل تعيد وضعه في مقامه الحقيقي، مفكر عظيم داخل زمنه، صانع لتحول عميق، لا نبيّ للعقل خارج التاريخ.

وإذا عدنا إلى عنوان هذا المقال أي “الرشدية في الفضاء المتوسطي”، أدركنا أن القضية لا تتعلق بابن رشد وحده بل بالمجال الحضاري الذي جعل من عبور الأفكار ممكنا. فالمتوسط هنا ليس جغرافيا فحسب بل بنية تداول وساحة ترجمة وفضاء جدل وممر نصوص ومنطقة تفاعل بين لغات كبرى: العربية، اللاتينية، العبرية، ثم اللغات الرومانسية الناشئة. وفي هذا الفضاء تشكلت واحدة من أعقد قصص انتقال الأفكار في التاريخ. انتقلت نصوص أرسطو إلى العرب، ثم عاد أرسطو إلى أوروبا عبر شروح المسلمين واليهود، فصار “الآخر” شرطا في فهم “الأصل” وصار التوسط الثقافي أعمق من أن يختزل في علاقة أخذ وعطاء بسيطة. والرشدية هي المثال الأوضح على هذا التعالق، عقل أندلسي يشرح يونانيا، يترجمه لاتيني، يخاصمه لاهوتي، يستثمره جامعي ويعيد تأويله يهودي، ثم تستحضره حداثة عربية متأخرة بحثا عن مشروعية العقل.

هذه السلسلة كلها تعلمنا درسا بالغ الأهمية، الأفكار الكبرى لا تنتمي نهائيا إلى موطن واحد. إنها تولد في بيئة ثم تختبر مصيرها في بيئات أخرى وقد تتجدد خارج موطنها أكثر مما تتجدد داخله وهذا ما وقع للرشدية. ففي الوقت الذي تعرض فيه ابن رشد في بعض مراحل حياته للمحنة والنفي والتضييق، كانت نصوصه تشق طريقها نحو حياة أوروبية أخرى ستجعل منه بعد عقود سلطة فكرية مهيبة في قاعات لم يرها قط. يا لها من مفارقة حضارية قاسية وعميقة في آن: أن يُضيق على العقل في بيته الأول ثم يُستدعى في بيت آخر ليصير معلما ولو مؤقتا للعقل نفسه. ولعل هذه المفارقة هي التي منحت الرشدية بعدا رمزيا يتجاوز حدود التاريخ المدرسي. فقد غدت تمثل في المخيال العربي الحديث صورة “العقل المطرود” الذي يجد اعترافه في الخارج وصورة “التراث المؤجل” الذي لا نستعيده إلا بعد أن يمر في مرآة الآخر. وهذه القراءة وإن كانت مشحونة بشيء من الدراما الثقافية فهي تحمل جانبا من الحقيقة. فابن رشد لم يُقرأ عربيا حديثا بالقدر الذي قرئ به أوروبيا في بعض المراحل وإعادة اكتشافه في الثقافة العربية المعاصرة لم تكن بريئة من سؤال النهضة وسؤال العقل وسؤال الخروج من مأزق الانغلاق. ولهذا فإن كل كتابة جادة عن الرشدية اليوم لا يجوز أن تبقى أسيرة الوصف التاريخي بل ينبغي أن تستبطن هذا السؤال: ماذا بقي من الرشدية فينا؟ وأي معنى يبقى لعبارة “الحق لا يضاد الحق” داخل عالم عربي وإسلامي ما يزال يعاني في كثير من مستوياته ومن سوء إدارة العلاقة بين النص والعقل وبين الفقه والمعرفة وبين المقدس والبرهان؟.

إن الرشدية ليست مرثية لزمن ضائع ولا احتفالا ساذجا بعقلانية مجردة وإنما وعي نقدي بأن تاريخ البحر المتوسط قد شهد عبر ابن رشد واحدة من أخصب لحظات التبادل الحضاري في تاريخ الإنسانية. لقد علمتنا هذه اللحظة أن الفلسفة لا تزدهر داخل الأسوار المغلقة وأن النصوص العظيمة تعيش بالترجمة بقدر ما تعيش بالتأليف وأن الخصومات الكبرى قد تكون أحيانا أكثر إنتاجا من الوفاقات الكسولة وأن العقل إذا صيغ بصرامة وأخلاق علمية قادر على عبور اللغات والأديان والحدود. لقد خرج ابن رشد من الأندلس ولم يخرج منها في الوقت نفسه، خرج نصه وسافر وتأول وتنازع عليه المختلفون وبقيت روحه البرهانية شاهدة على أن الحضارات لا تتفوق بما تملكه من يقينيات جاهزة بل بما تسمح به من أسئلة صعبة. وتكاد تكون الرشدية أكثر من فصل في تاريخ الفلسفة الوسيطة، إنها عنوان على قابلية الفكر العربي الإسلامي لأن يكون فاعلا لا منفعلا، مؤسسا لا ناقلا فقط، قادرا على أن يصوغ من داخل لغته وأفقه الديني مشروعا عقليا يفرض نفسه حتى على خصومه. وهي أيضا تذكير صارم بأن العلاقة بين الأندلس وأوروبا لم تكن علاقة حرب وحدها ولا علاقة حدود سياسية وعسكرية فحسب وإنما كانت كذلك علاقة تداول مفاهيم وتنازع تأويلات وتناقل مناهج وتاريخا عميقا من المثاقفة المركبة التي لا يفهم المتوسط من دونها. فكل قراءة تختزل هذا البحر في جغرافيا القوة وتنسى جغرافيا الفكر قراءة عمياء بنصف الحقيقة.

إن الرشدية في الفضاء المتوسطي ليست ماضيا منتهيا نؤرخه ببرودة وإنما هي سؤال حاضر بامتياز. سؤال عن شروط انتقال الأفكار وعن مصير العقل داخل المجتمعات الدينية وعن الترجمة بوصفها خلقا جديدا للنص وعن الحدود الدقيقة بين الوفاء للتراث والقدرة على تجاوزه وعن إمكان بناء كونية فلسفية من داخل الخصوصيات الحضارية لا ضدها. وابن رشد في هذا كله ليس مجرد اسم كبير من أسماء التراث وإنما هو شاهد على أن البحر المتوسط أنجب في بعض لحظاته النادرة عقولا استطاعت أن تجعل من الاختلاف طريقا إلى مزيد من العمق لا ذريعة إلى مزيد من الانغلاق.

فإذا كان التاريخ قد منح أوروبا الوسيطة نص ابن رشد لتعيد به ترتيب علاقتها بأرسطو والعقل والجامعة واللاهوت، فإن التاريخ نفسه يمنحنا اليوم إمكانا آخر، وهو أن نعيد قراءة الرشدية لا بوصفها ذخيرة رمزية للافتخار الثقافي بل بوصفها تمرينا شاقا على الانضباط البرهاني وعلى تحرير السؤال من الكسل وعلى التمييز بين قداسة المعنى وقداسة التأويلات البشرية وعلى إدراك أن الأمم لا تنهض بما تكرره من أمجاد، وإنما بما تحسن استئنافه من طاقات كامنة في تراثها. ومن هذه الزاوية وحدها يصير ابن رشد معاصرا لنا بحق لا لأننا نلوذ باسمه في كل أزمة بل لأننا نتعلم منه كيف يكون العقل وفيا للحقيقة أكثر من وفائه للضجيج وكيف يكون البرهان أشرف من العصبية وكيف يكون الحوار بين الحضارات فعلا منتجا لا شعارا مناسباتيا.

إن الرشدية لم تنتصر لأنها أجابت عن كل الأسئلة بل لأنها أبقت السؤال الفلسفي حيا في لحظة كان من السهل فيها أن يُدفن تحت ثقل السلطتين، سلطة التقليد وسلطة الخوف وذلك هو سر بقائها وسر عبورها وسر عودتها المتكررة كلما شعر العقل بأنه مهدد في حقه في النظر.

لقد برزت الرشدية في الفضاء المتوسطي كواحدة من أجمل الشواهد على أن الأفكار الكبرى لا تموت بالنفي ولا تُهزم بالإدانة ولا تتوقف عند حدود اللغة وإنما تواصل رحلتها حيث تجد عقولا مستعدة لأن تصغي إليها ولو بعد قرون.

***

د. حمزة مولخنيف

الإنسان بين الضرورة الطبيعية والاختيار الأخلاقي

تستقرّ مسألةُ المسؤولية العقلية في قلب البناء الفلسفي الذي شاده ابن رشد لأنّها تمسّ جوهرَ التصور الذي أقامه للإنسان من حيث هو موجودٌ طبيعيٌّ وعاقلٌ مكلَّفٌ وفاعلٌ أخلاقيٌّ وعضوٌ في المدينة وخاضعٌ لنظامٍ كونيٍّ محكمٍ لا يترك مجالا للفوضى ولا يسلِّمُ في الآن نفسه بسقوط الفعل الإنساني في قبضة الجبر الماحق. وكما هو معلوم أنّ مساءلة الإنسان عند ابن رشد لا تنصرف إلى كونه ذاتا حرةً بالمعنى المتأخر الذي كرّسته فلسفات الإرادة الحديثة ولا إلى اعتباره آلةً مندفعةً تحت سلطان العلل دون نصيب من التمييز بل تنصرف إلى فهم منزلته الدقيقة بين قانون الطبيعة ومقتضى الفضيلة بين سلطان الأسباب ومجال التروّي وبين ما يَرِدُ عليه من الخارج وما يصدر عنه بعد نظرٍ وتقدير.

ولذلك تكتسب هذه القضية وزنا استثنائيا داخل النسق الرشدي لأنّها تكشف عن إحدى أكثر نقاطه إحكاما وتعقيدا، كيف يُعقَلُ ثبوتُ التكليف من غير تعطيلٍ للسببية؟ وكيف يُفهَمُ استحقاقُ المدح والذم من غير إفسادٍ للنظام الطبيعي؟ وكيف يُصانُ المعنى الأخلاقي للفعل من غير السقوط في أوهام الحرية المطلقة أو ذرائع الحتمية العمياء؟ تلك أسئلةٌ لا تقف عند حدود الجدل الكلامي حول الجبر والكسب والاستطاعة، بل تنفذ إلى البنية العميقة التي تنتظم تصوّر ابن رشد للعقل والخلق والشريعة والسياسة معا. فالرجل لا يفكّر في الفعل الإنساني من زاويةٍ لاهوتيةٍ مجرّدة ولا من أفقٍ نفسيٍّ معزول، بل يربطه بشبكةٍ واسعةٍ من المحددات، بطبائع النفس ومراتب الإدراك وأثر العادة وقوة الملكة ووظيفة التربية وسلطة القانون ومقاصد الشرع وتفاوت العقول في تلقي الحقائق والتجاوب مع مقتضياتها.

وعلى هذا الأساس تعتبر المسؤولية عند ابن رشد مفهوما مركبا لا ينعقد على مجرد إمكان الفعل بل على أهلية التمييز وسلامة التقدير ومقدار ما يبلغه الإنسان من القدرة على تدبير قواه وردّ شهواته إلى الاعتدال. فالإنسان لا يُسأل عنده لأنه يتحرك فقط بل لأنه قادرٌ على أن يُحسنَ توجيهَ حركته ولا يُؤاخذ لأنه يشتهي أو يغضب أو يتأثر بل لأنه مدعوٌّ إلى أن يجعل من العقل سلطانا ناظما لهذه القوى لا شاهدا عاجزا عليها. ومن هنا كانت الأخلاق في أفقه امتدادا طبيعيا للأنطولوجيا وكان التكليف الشرعي ترجمةً عمليةً لما تقتضيه الفطرة العاقلة وكان التشريع نفسُه جزءا من مشروع تكميل الإنسان لا مجرد نظام زجريٍّ خارجيٍّ مفروض.

إنّ قراءة المسؤولية العقلية عند ابن رشد تفتح بابا واسعا لفهم مذهبه برمّته؛ لأنّها تجمع بين ما قد يبدو متباعدا في الظاهر بين دفاعه الصارم عن السببية ضدّ المتكلمين وتمسّكه الصريح بمعنى التكليف؛ بين وفائه العميق لأرسطو وحسن إدراجه للمباحث الفقهية والكلامية ضمن أفقٍ برهانيٍّ أشمل؛ بين إقراره بتفاوت الناس في الاستعداد والمرتبة وإصراره على بقاء الإنسان محلاًّ للتهذيب والتقويم والمساءلة. وبذلك تنكشف الرشدية لا بوصفها تكرارا لميراث يونانيٍّ منقول بل بوصفها جهدا فلسفيا أصيلا سعى إلى تشييد صورةٍ متوازنةٍ للإنسان، صورةُ الكائن الذي لا يملك أن يخرج من العالم غير أنّه يملك أن يسمو داخل العالم؛ ولا يملك أن ينسخ طبعه الأوّل غير أنّه يملك أن يُهذّبَه؛ ولا يملك أن يتحرر من كل ضرورة غير أنّه يملك أن يجعل من العقل أداةً لتحويل الضرورة من قيدٍ أعمى إلى شرطٍ من شروط الفضيلة.

وتفترض هذه المقالةُ نفسها بوصفها مساءلةً فلسفيةً لموضع الإنسان بين ما يحدّه وما يرفعه، بين ما يُكرهُه وما يُلزمه، بين ما يرثه من الطبيعة وما يصنعه في ذاته عبر التروي والاعتياد والمجاهدة. فالمسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست قضيةً جزئيةً في باب الأخلاق، بل هي مفتاحٌ لقراءة تصوره للإنسان كلّه، ذلك الكائن الذي لا يستحق كرامته إلا بقدر ما ينجح في أن يجعل من العقل ميزانا للفعل ومن الفضيلة صورةً للحياة ومن الشريعة أفقا لتكميل ما أودع الله فيه من قابلية النظر والعمل.

ليس من اليسير أن يُقارب الباحثُ مسألةَ المسؤولية العقلية عند ابن رشد من داخل جهازه المفهومي من غير أن يقع في أحد مأزقين متقابلين: مأزق القراءة الكلامية التي تُقحم الرجل في معارك المتكلمين حول الجبر والاختيار إقحاما يُفسد انتظام مشروعه الفلسفي، ومأزق القراءة الحداثية المتعجلة التي تستنطق نصوصه بمنطق الحرية الذاتية الحديثة كما تشكلت في فلسفات الإرادة والوعي والضمير. ذلك أن ابن رشد لا يفكر في الإنسان باعتباره ذاتا منغلقة على نفسها مستقلة عن العالم منشئة لمعناها من داخل قرارها الباطني، وإنما يفكر فيه باعتباره كائنا طبيعيا مدنيا عاقلا مندرجا في نظام الكون محكوما بشروط المادة والحركة والعادة والملكة ومفتوحا في الآن نفسه على أفق التكميل العقلي والتهذيب الخلقي والتشريع العملي. إن السؤال عن المسؤولية عنده لا يمكن أن يُطرح إلا داخل هذا التوتر الدقيق بين انخراط الإنسان في السببية الكونية وبين تميزه بالفعل العقلي الذي يجعله قابلا للتكليف وقادرا على الترجيح ومستحقا للمدح والذم.

إن ابن رشد وهو الشارح الأكبر لأرسطو في الحضارة الإسلامية لم يورثنا رسالة مستقلة بعنوان المسؤولية أو الحرية أو الاختيار كما فعل بعض المتكلمين في مصنفاتهم الخاصة بالكسب والقدرة والاستطاعة. غير أن هذا لا يعني أن المسألة غائبة عن فكره بل هي مبثوثة في مواضع كثيرة من شروحه لأرسطو وفي كتبه الكلامية والفقهية وبخاصة في تهافت التهافت وفصل المقال والكشف عن مناهج الأدلة وشرحه لكتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس، بل وفي طريقته العامة في فهم العلاقة بين الشريعة والحكمة. ذلك أن المسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست مجرد قضية جزئية في باب الأفعال الإنسانية وإنما هي أثر مباشر لتصوره للإنسان وللعقل وللنظام الطبيعي وللقانون الأخلاقي وللخطاب الشرعي. وإذا كان بعض المتكلمين قد انصرفوا إلى الدفاع عن عدل الله عبر بناء نظريات في خلق الأفعال أو كسبها فإن ابن رشد يتجه وجهة مغايرة، إنه ينقل النقاش من ميتافيزيقا الجدل الكلامي إلى أنطولوجيا الطبيعة وإتيقا الفعل وسياسة المدينة، فيصير السؤال كيف يكون الإنسان مسؤولا ما دام جزءا من الطبيعة؟ وكيف يصح التكليف ما دام الفعل لا يقع خارج سلسلة الأسباب؟ وكيف يستقيم المدح واللوم إذا كانت الأهواء والطبائع والملكات تؤثر في السلوك؟ وكيف يمكن للتشريع أن يكون عادلا ما لم يفترض في الإنسان قدرا من الإدراك والاختيار؟.

وتكتسب قضية المسؤولية العقلية عند ابن رشد قيمتها الفلسفية الكبرى لأنها تكشف عن عبقرية ذلك المسلك الذي لا يُسقط الضرورة الطبيعية باسم حرية متوهمة ولا يُبطل الاختيار الأخلاقي باسم حتمية عمياء بل يشتغل على تركيب معقد يجعل الإنسان واقعا تحت سلطان الطبيعة من جهة، وقابلا للارتقاء بالعقل والتربية والتشريع من جهة أخرى. إن هذا التركيب هو الذي يمنح الفلسفة الرشدية راهنيتها لأنه يضعنا أمام نموذج تفكير يرفض الثنائية الساذجة بين الجبر والاختيار ويبحث بدل ذلك عن شروط المسؤولية الواقعية الممكنة داخل عالم منظم بالأسباب.

لقد كان أرسطو يرى في الأخلاق النيقوماخية أن موضوع الثناء واللوم إنما هي الأفعال الإرادية، أما ما يقع بالإكراه أو الجهل المحض فليس محلا للمؤاخذة على الوجه نفسه. وقد سبق أن ميز بين ما هو بإرادة وما هو بغير إرادة، ثم ردّ الفضيلة والرذيلة إلى العادة والاعتياد والاختيار المتكرر حتى صار الإنسان في نظره صانعا لملكات نفسه من حيث هو فاعل لأفعاله المتكررة. هذه الأرضية الأرسطية هي المفتاح الأول لفهم ابن رشد لأن الرجل لا يتبنى منطق الإرادة المنفصلة عن العقل كما ستتبلور لاحقا عند بعض اللاهوتيين بل يربط الفعل الإنساني بملكة عقلية عملية تجعل الاختيار ثمرة مداولة وترجيح لا مجرد اندفاع نفسي. ولذلك كان شرحه للأخلاق الأرسطية مجالا خصبا لفهم تصوره للمسؤولية. فالفعل عنده لا يكون إنسانيا بالمعنى الدقيق إلا إذا صدر عن مبدأ داخلي مع علم بالغايات والوسائل، وإذا كان الفاعل قد أمكنه أن يختار بين الممكنات بحسب ما يظهر له أنه خير. وهنا تتأسس المسؤولية لا على مجرد القدرة الفيزيائية على الفعل بل على قابلية العقل العملي لتقدير ما ينبغي فعله. غير أن هذا الأساس لا ينفصل عند ابن رشد عن بنية كونية صارمة. فالكون عنده ليس مجالا للفوضى بل هو انتظام علّي محكم. وقد كان شديد النقد للمتكلمين الذين توسعوا في نفي السببية الطبيعية بدعوى حفظ قدرة الله المطلقة. ففي تهافت التهافت يقرر بما لا يدع مجالا للبس أن إنكار الارتباط بين الأسباب والمسببات يؤدي إلى إبطال العلم نفسه لأن العلم إنما يقوم على معرفة العلل، وإذا رُفع هذا الارتباط لم يعد ثمة موضوع حقيقي للمعرفة. ومعنى ذلك أن الإنسان لا يتحرك في فراغ وجودي بل في عالم تُحدِّد فيه الطبائعُ والأمزجةُ والظروفُ والأسبابُ الخارجيةُ كثيرا من إمكانات الفعل. وهذا الإدراك الرشدي للضرورة الطبيعية ليس عرضا هامشيا بل هو شرط أولي لأي فهم واقعي للمسؤولية؛ إذ لا مسؤولية تُفهم خارج معرفة ما يحد الفعل وما يوجهه وما يؤثر فيه.

وهنا يظهر الفرق العميق بين ابن رشد وبين كثير من معالجات المتكلمين. فالمتكلمون كانوا يتساءلون هل الله خالق أفعال العباد أم العباد خالقوها؟ هل للعبد قدرة مؤثرة أم لا؟ هل الاستطاعة قبل الفعل أم معه؟ وهذه أسئلة تنتمي إلى أفق جدلي لاهوتي يبتغي في الغالب تنزيه الباري أو حفظ العدل الإلهي. أما ابن رشد فيسأل من موقع آخر ما طبيعة الفعل الإنساني؟ كيف يتكون الاختيار؟ ما دور العقل العملي والملكة والعادة والتربية؟ ما موقع الانفعال والشهوة والغضب؟ كيف تُبنى الفضيلة؟ متى يكون اللوم معقولا؟ وهذا التحول في موضع السؤال هو نفسه تحول في معنى المسؤولية. فهي عنده ليست لغزا ميتافيزيقيا حول من يخلق الفعل بل هي وصف معياري للفعل الإنساني من حيث نسبته إلى فاعل قادر على التمييز والتروي والاعتياد.

ولئن كان ابن رشد قد انتقد الأشاعرة في بعض تصوراتهم للسببية فإن نقده لا يعني تبنيه لمذهب فلسفي يلغي الحرية الإنسانية بل إن العكس هو الصحيح، إنه يرفض إنكار الأسباب لأن ذلك يهدم إمكان المحاسبة والتدبير والتعليم. فإذا لم تكن هناك طبائع ثابتة ولا روابط معتبرة بين المقدمات والنتائج فكيف نُربي؟ وكيف نُشرّع؟ وكيف نُقوّم الأفعال؟ وكيف نفهم أثر العادة في تكوين الخلق؟ لقد فهم ابن رشد أن الدفاع عن السببية ليس خصومة مع الحرية بل هو الشرط الوحيد لفهم حرية منضبطة متدرجة قابلة للتكميل. فالحرية المطلقة التي لا تُحدها طبائع ولا أسباب ليست حرية إنسانية بل هي وهم لغوي. والإنسان لا يكون حرا إلا بقدر ما يعرف شروطه ويهذب ميوله ويُحسن استعمال ما أُعطي من قوة التمييز.

ينبغي في هذا السياق أن نستحضر أن ابن رشد بحكم تكوينه الفقهي والقضائي لم يكن ينظر إلى الإنسان نظرة نظرية مجردة. لقد كان قاضيا وفقيها قبل أن يكون شارحا لأرسطو، وكان يعرف أن المسؤولية في المجال العملي لا تُبنى على مثال تجريدي للفاعل بل على تمييز دقيق بين حالات العلم والجهل والعمد والخطأ والإكراه والاختيار والقدرة والعجز والقصد والغفلة. وهذه المعاني كلها حاضرة في الفقه الإسلامي لا باعتبارها مسائل لغوية بل باعتبارها معايير للحكم. لذلك فحين نقرأ ابن رشد في بداية المجتهد نجد ذلك الحس العملي العميق الذي يربط الأحكام بأوصاف الأفعال والنيات والقدرات والأعذار. صحيح أن بداية المجتهد كتاب فقهي مقارن لكنه يكشف عن عقلية رشديّة ترى أن التكليف لا ينفصل عن الطاقة وأن المؤاخذة لا تستقيم من غير تمييز بين الأحوال. وهو ما يلتقي مع الآية الكريمة: «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها»، ومع الحديث المشهور: «رفع القلم عن ثلاثة». غير أن ابن رشد لا يكتفي باستحضار هذه المعاني نقلا بل يجعلها مندرجة في تصور عقلي عام للإنسان بوصفه موجودا متفاوت الاستعدادات مختلف القابليات لا يُخاطَب خطابا واحدا من غير مراعاة لمستواه العقلي والنفسي والاجتماعي.

ونفهم هنا أيضا صلته بمسألة التأويل في فصل المقال. فالتفاوت في العقول عنده ليس مجرد وصف معرفي بل له أثر أخلاقي وسياسي وتشريعي. الناس ليسوا سواء في طرق التصديق ولا في مناهج الفهم ولا في القدرة على البرهان. منهم من يقنعه الخطاب البرهاني ومنهم من يأنس بالجدل ومنهم من لا يتجاوز مرتبة الخطابة والتمثيل. وهذا التفاوت ليس ذما للإنسان من حيث هو إنسان بل اعتراف ببنية اجتماعية معرفية تقتضي تنوع الخطاب. لكن هذا التفاوت نفسه يؤثر في مفهوم المسؤولية لأن من لا يدرك البرهان لا يُطالب بما يُطالب به البرهاني من حيث دقة النظر. ومن كان أسير الخيال أو العادة لا يُعامل معاملة من استكمل ملكة التمييز. هكذا تصبح المسؤولية عند ابن رشد متدرجة لا بمعنى إسقاط التكليف بل بمعنى أن مراتب المؤاخذة مرتبطة بمراتب الإدراك والقدرة والملكة.

وقديما قال أرسطو إن «الإنسان مبدأ أفعاله»، لكن هذا المبدأ ليس مبدأ مطلقا على مثال العلة الأولى بل مبدأ نسبي داخل شبكة من العلل. وهذا المعنى الأرسطي هو الذي يتخذه ابن رشد أساسا لفهم الفعل الإنساني. فالإنسان مبدأ فعله لأنه يحمل في نفسه قوة الشهوة والغضب والتخيل والنظر ولأنه يقدر على المداولة في الوسائل المؤدية إلى الغايات. لكنه ليس مبدأ مطلقا لأنه ليس مفصولا عن الطبيعة ولا عن المجتمع ولا عن التربية ولا عن السنن. ولذلك فإن المسؤولية عنده لا تُفهم بوصفها استقلالا ميتافيزيقيا بل بوصفها نسبة الفعل إلى فاعل عاقل داخل شروط محددة. وهذا المعنى أقرب إلى ما سيعبر عنه سبينوزا بعد قرون بصيغة مغايرة حين يقول إن الناس «يظنون أنفسهم أحرارا لأنهم يشعرون بأفعالهم ويجهلون الأسباب التي تحددهم». غير أن الفرق بين الرجلين كبير؛ لأن سبينوزا يميل إلى رد الحرية إلى فهم الضرورة نفسها بينما يظل ابن رشد متمسكا بأفق أخلاقي وتشريعي يجعل الفعل الإنساني قابلا للحكم القيمي وللتقويم العملي. ومع ذلك فإن الجمع بينهما يكشف لنا أن الوعي بالأسباب ليس نقيضا للمسؤولية بل قد يكون شرطا لتعميقها.

إن الإنسان عند ابن رشد ليس جوهرا بسيطا، إنه بنية مركبة: جسم ونفس، حس وتخيل، شهوة وغضب، عقل نظري وعقل عملي، عادة وملكة. وهذه التركيبية هي التي تجعل الفعل الأخلاقي معقدا. فالذي يختار ليس العقل وحده في عزلة بل الإنسان كله بما فيه من نزوعات ومقاومات وذكريات وعوائد وتصورات. ولذلك فإن ابن رشد على خطى أرسطو يجعل تهذيب الأخلاق قائما على صناعة العادة الصالحة قبل أن يكون مجرد تلقين نظري للمبادئ. الفضيلة ليست معرفة مجردة بل ملكة راسخة تتكون من التكرار وتُقوَّم بالتربية وتُصان بالقانون. وهذا المعنى بالغ الأهمية في موضوعنا لأنه يدل على أن المسؤولية لا تبدأ عند لحظة القرار فحسب بل تتكون قبل ذلك في مسار طويل من بناء الذات. فمن اعتاد الظلم حتى صار له خلقا ليس معذورا لمجرد أن الرذيلة استحكمت فيه لأن استحكامها نفسه ثمرة أفعال سابقة قابلة للنسبة إليه. وقد قرر أرسطو هذا المعنى بوضوح حين قال إن الناس إذا صاروا ظالمين أو منحلين بسبب أفعالهم المتكررة لم يعد لهم أن يحتجوا بأنهم صاروا كذلك بالطبع. وابن رشد يلتقط هذا الجوهر الأرسطي ويُدخله في سياق إسلامي يجعل التهذيب والتشريع متساندين.

وهنا يظهر أن الضرورة الطبيعية عند ابن رشد ليست شيئا واحدا بسيطا. فهناك ضرورة تتعلق ببنية الجسد والمزاج وضرورة تتعلق بالمحيط والعادة وضرورة تتعلق بالقوانين العامة للطبيعة وضرورة تتعلق بالبنية الاجتماعية والسياسية. لكن هذه الضرورات كلها لا تُبطل إمكان التهذيب بل تجعل الحاجة إليه أشد. فالمدينة الفاضلة أو المدينة الصالحة في أفق الفكر القديم ليست مجرد تجمع للأفراد بل هي جهاز تربية وتشريع وتوزيع للوظائف وضبط للأهواء. ولذلك كان أفلاطون يرى أن العدالة في النفس والمدينة معا تتأسس على ترتيب القوى وإعطاء كل قوة موضعها، وكان أرسطو يؤكد أن المشرع هو صانع الفضائل بسن القوانين التي تعوّد الناس الخير. وابن رشد وإن لم ينسج تصورا سياسيا مستقلا في مستوى الجمهورية أو السياسة فإنه يظل وفيا لهذا المعنى، لا أخلاق من غير سياسة ولا مسؤولية من غير نظام مدني يهيئ شروطها.

ولعل من أدق المواضع التي تتجلى فيها بصيرة ابن رشد هو ربطه بين العقل العملي والاختيار. فالاختيار عنده ليس مرادفا للإرادة بمعناها المنفلت بل هو فعل يمر عبر التروي. لقد ورث من أرسطو أن الاختيار إنما يتعلق بالوسائل الممكنة المؤدية إلى غاية متصورة على أنها خير. أما الغايات العليا فترتبط بتكوين الخلق وتقدير العقل لما هو حسن في الجملة. إن الإنسان لا يختار الخير دائما اختيارا مباشرا لأن نظره قد يختل وذوقه قد يفسد وشهوته قد تغلبه وخياله قد يضلله. لكن هذا كله لا يرفع عنه المسؤولية مطلقا لأن العقل العملي لا يُختزل في لحظة حضور مجردة بل هو ملكة تُبنى وتُنمّى. فإذا أفسد المرء آلة حكمه زمنا طويلا كان مسؤولا عن فساد أحكامه اللاحقة بقدر ما كان قادرا على التدارك ولم يفعل.

ولقد أدرك الفقهاء المسلمون كل من موقعه أن مناط التكليف هو العقل، ولذلك قالوا في عباراتهم المأثورة: «لا تكليف إلا بعقل»، و«المجنون غير مكلف»، و«الخطاب الشرعي يتعلق بأفعال المكلفين». غير أن ابن رشد يمنح هذا المبدأ بعدا فلسفيا أعمق. فالعقل ليس مجرد شرط قانوني شكلي بل هو الصورة التي بها يصير الإنسان إنسانا على التمام. إن العقل هو الذي ينقل الفعل من مستوى الانفعال الطبيعي إلى مستوى الفعل المقصود. وإذا كان الحيوان يتحرك بالشهوة والخيال، فإن الإنسان يضيف إليهما التمييز والمداولة والنظر في العواقب. وقد كانت المسؤولية العقلية عند ابن رشد أخص من مجرد المسؤولية القانونية لأنها تتعلق بكون الإنسان محكوما بأن يرقى إلى ما يقتضيه نوعه. وهذا المعنى يذكرنا بما قاله الفارابي في تحصيل السعادة من أن كمال الإنسان إنما هو في أن يصير عقلا بالفعل ويذكرنا كذلك بما سيقرره كانط لاحقا وإن في أفق مغاير حين يجعل الاستقلال العقلي شرط الكرامة الأخلاقية. غير أن الفرق واضح، فكانط يؤسس المسؤولية على الإرادة العاقلة التي تشرع لنفسها، أما ابن رشد فيؤسسها على عقل عملي مندرج في نظام طبيعي ومدينة وشريعة.

ومن المسائل التي لا بد من إبرازها أن ابن رشد لا يفهم الشريعة بوصفها خصما للفلسفة بل بوصفها نظاما عمليا لتكميل الإنسان بحسب طاقته. وهذا ينعكس مباشرة على مفهوم المسؤولية. فالتكليف الشرعي عنده ليس اعتباطا ولا امتحانا منفصلا عن طبيعة الإنسان بل هو موافق لما تقتضيه الفطرة العقلية من طلب الخير ودفع الشر. وإذا كانت الشريعة تأمر وتنهى وتعد وتتوعد فلأنها تخاطب كائنا قابلا للتأثر بالموعظة وبالعقوبة وبالرجاء لا مجرد عقل محض. وهذا الاعتبار التربوي في الخطاب الشرعي يؤكد أن المسؤولية ليست فكرة نظرية صرفة بل هي بنية تربوية تستند إلى معرفة دقيقة بالنفس الإنسانية. وقد قال الغزالي رغم خصومته المعروفة مع الفلاسفة في مسائل أخرى كلاما له صلة بموضوعنا حين قرر أن العلم إذا لم يقترن بالعمل كان حجة على صاحبه. فالمعرفة تُحمّل صاحبها تبعة زائدة. وهذا المعنى لا يبعد عن الروح الرشدية، فكلما اتسع أفق الإدراك اشتدت المؤاخذة لأن الحجة تكون قد قامت على وجه أتم.

وعند هذا الحد تبرز لنا مسألة دقيقة، هل المسؤولية عند ابن رشد متساوية بين الناس؟ الجواب: لا، إذا فهمنا المساواة بمعنى التماثل التام في مقدار التبعة. نعم، من حيث الأصل العام الناس مخاطبون، لكن من حيث التفصيل تتفاوت مراتبهم بحسب العقل والملكة والقدرة والعلم والاعتياد والمقام. وهذه الفكرة ليست تمييزا تعسفيا بل هي عين العدل في التصور الرشدي. فالتسوية بين المختلفين ظلم كما أن التفريق بين المتماثلين ظلم. ولذلك كان الفقه الإسلامي حافلا بمراعاة الأحوال، الصبي غير البالغ ليس كالبالغ والناسي غير العامد والمكره غير المختار والجاهل في بعض المواطن غير العالم والمضطر غير المختار. غير أن ابن رشد يوسع هذا المعنى من الإطار الفقهي إلى الإطار الفلسفي فيجعل تفاوت المدارك جزءا من فهم الخطاب نفسه. فليس كل إنسان يخطئ في الاعتقاد أو العمل سواء في الذنب لأن الخطأ قد يكون وليد تقصير وقد يكون ثمرة قصور. وبين التقصير والقصور فرق جوهري في باب المسؤولية.

إن التقصير هو أن يترك الإنسان ما يقدر عليه من طلب الحق أو تهذيب النفس أو تحصيل العلم أو مقاومة الهوى. أما القصور فهو أن لا تتأتى له الآلة أصلا أو لا تكتمل له الشروط. وهذا التمييز بالغ الدقة ويصلح مفتاحا لقراءة كثير من مواقف ابن رشد. فالرجل لا يعذر من عطّل عقله وهو قادر على النظر ولا يساوي بين من غلبته شهوة عارضة بعد مجاهدة وبين من استسلم لها حتى صارت قانون نفسه. لكنه في الوقت ذاته لا يبني الأحكام على مثال طوباوي للإنسان الكامل بل يدرك أن البشر درجات وأن السياسة الشرعية والعقلية الرشيدة إنما تتعامل مع الممكن البشري لا مع المثال المفارق.

ولعل هذا ما يجعل مفهوم المسؤولية العقلية عنده مفهوما مركبا لا يُختزل في الحرية المجردة ولا في الحتمية الصماء. إنها مسؤولية تقوم على ثلاثة أركان متداخلة، إدراك عقلي يميز بين الممكنات وملكة خلقية تتكون بالاعتياد ونظام مدني شرعي يوجه السلوك ويقوّمه. فإذا اختل الإدراك ضعفت المسؤولية، وإذا فسدت الملكة تعقدت المؤاخذة من حيث هي ثمرة تاريخ شخصي، وإذا غاب النظام المدني اضطربت شروط الفعل نفسه. وبمقتضى هذا التصور، يصير الإنسان مجرد ضحية للضرورة ولا سيدا مطلقا عليها بل كائنا يفاوض شروطه ويشتغل على نفسه ويتدرج في التحرر النسبي من سلطان الهوى بقدر ما يزداد نصيبه من العقل.

إن ابن رشد يقدم لنا تصورا للمسؤولية أقرب إلى الحرية المُمكنة لا الحرية المطلقة. فالحرية عنده ليست نفيا للعلل بل حسنُ الانخراط فيها وتوجيهُها بقدر الطاقة. وهي ليست انفلاتا من الطبيعة بل تهذيبا للطبيعة الإنسانية حتى تصير الشهوة مطاوعة للعقل والغضب خادما للعدل والخيال عونا على الإدراك لا مصدرا للوهم. وهذه الرؤية تلتقي في بعض جوانبها مع ما قاله الرواقيون من أن الحرية الحقة هي موافقة العقل الكوني، لكنها تختلف عنهم لأن ابن رشد لا يذيب الفرد في قدر كوني صلد بل يترك مجالا حقيقيا للتربية والاختيار والتدرج واللوم والثناء.

ولذلك فإن أي قراءة تبسيطية لابن رشد تُصوره إما جبريا بحكم إيمانه بالسببية وإما تحرريا حداثيا بحكم دفاعه عن العقل وبالتالي فهي قراءة قاصرة. إن عبقريته تكمن في هذا التوازن العسير، أي الدفاع عن انتظام الطبيعة ضد العبث الكلامي والدفاع عن التكليف ضد الحتمية العمياء والدفاع عن العقل ضد الغوغائية والدفاع عن الشريعة ضد التأويل الفوضوي والدفاع عن التدرج في الخطاب ضد التسوية الساذجة بين العقول. وكل ذلك ينعكس في مفهومه للمسؤولية بوصفها فعلا عقلانيا أخلاقيا مشروطا لا مطلقا ولا معدوما.

ويصبح الإنسان عند ابن رشد واقفا في منزلة وسطى بين عالمين، عالم الضرورة الذي يشده إلى الأرض والجسد والعادة والمجتمع، وعالم الغاية الذي يدعوه إلى الخير والعدل والحكمة والاعتدال. وهذه المنزلة الوسطى ليست ضعفا بل هي عين إنسانيته. إذ لو كان ضرورة محضة لانتفى معنى الأخلاق، ولو كان حرية مطلقة لانقطع عن العالم وصار شبيها بإله صغير متوهم. أما وهو هذا الكائن المركب فإن كرامته تقوم في قدرته على أن يصنع من الضرورة مادةً للفضيلة ومن القيد طريقا إلى التهذيب ومن الطبيعة أفقا للتكميل لا سجنا مغلقا.

ويمكننا أن نفهم لماذا كان ابن رشد حريصا على أن يُبقي العلاقة بين الحكمة والشريعة علاقةَ توافق لا تناقض. لأن كلا منهما، على اختلاف المنهج واللسان يشتغل على الإنسان نفسه، ذلك الكائن الذي لا يُصلحه مجرد العلم ولا يكفيه مجرد الوعظ بل يحتاج إلى برهان يهديه وشريعة تهذبه وسياسة تقيمه وعادة ترسخه. إن المسؤولية العقلية ليست عنده مفهوما قانونيا باردا بل هي عنوان مشروع حضاري كامل قوامه أن يصير الإنسان أهلا لما أودع فيه من قوة النظر وقادرا على أن يحمل تبعة فعله في عالم لا يرحم الجاهل بقوانينه ولا يعذر من فرّط في إنسانيته.

إن الفعل الإنساني عند ابن رشد لا يصدر عن الإرادة كما تُفهم في صورها المتأخرة باعتبارها قوة سيادية مستقلة عن سائر قوى النفس بل يخرج من شبكة متكاملة تتآزر فيها الحواس والتخيل والشهوة والغضب والعقل العملي. إن الاختيار ليس قرارا فجائيا يهبط على النفس من فراغ وإنما هو ثمرة مداولة داخلية يتقدم فيها تصور الغاية ثم النظر في الوسائل ثم الترجيح ثم العزم. وهذا المعنى مأخوذ في جوهره من أخلاق أرسطو التي قرأها ابن رشد قراءة دقيقة حيث يكون الاختيار متعلقا بما هو ممكن للإنسان من الأفعال لا بما هو مستحيل ولا بما وقع وانقضى ولا بما لا سلطان له عليه. فالإنسان لا يختار أن يكون مولودا في هذا الزمان أو ذاك ولا يختار طبعه الأولي اختيارا مباشرا لكنه يختار كيف يتصرف فيما وُهب له من استعدادات وكيف يوجه ميوله وكيف يتعامل مع إمكاناته وحدوده، وهذا التمييز هو لبّ المسؤولية العقلية. إذ ليست المسؤولية عند ابن رشد متعلقة بكل ما يقع من الإنسان على جهة الإطلاق بل بما يصدر عنه بعد أن يمر بدرجة ما من التمثل والتمييز. ولذلك فإن العقل العملي عنده ليس مجرد ملكة نظرية تُصدر أحكاما في الخير والشر بل هو قوة تدبيرية تضبط الحركة بين الممكنات. وهو بهذا المعنى أقرب إلى ما سماه الفلاسفة المسلمون التعقل العملي الذي يربط المعرفة بالفعل ويجعل الحكمة ليست في أن يعرف المرء ما هو الخير فحسب بل في أن يقدر على حمل نفسه عليه. وقديما قال سقراط إن الفضيلة علم غير أن أرسطو صحح هذا القول حين بين أن العلم وحده لا يكفي لأن المرء قد يعرف الخير ولا يفعله لغلبة شهوة أو ضعف ملكة أو فساد عادة. وابن رشد ينحاز إلى هذا التعديل الأرسطي؛ فهو لا يردّ الرذيلة إلى الجهل المحض ولا الفضيلة إلى المعرفة المجردة بل يجعل بينهما مسافة تملؤها التربية والاعتياد والمجاهدة.

ويكتسب مفهوم الملكة مكانة مركزية في فهم المسؤولية. فالملكة عند ابن رشد على خطى أرسطو ليست فعلا عابرا بل هيئة راسخة تتكون بالتكرار حتى تصير للنفس طبيعة ثانية. والإنسان لا يُحاكم أخلاقيا على الأفعال المنفردة فحسب بل على ما تكشف عنه هذه الأفعال من تكوين داخلي رسخ فيه الخير أو الشر. فإذا كان قد تكرر منه العدل حتى صار سهلا عليه أو تكرر منه الظلم حتى صار مألوفا عنده فإن المؤاخذة أو الثناء يتجاوزان اللحظة المفردة إلى البناء الباطني الذي صنعه بيده. وهنا تظهر عبقرية التصور الرشدي، فالضرورة لا تُفهم فقط باعتبارها قانون الطبيعة الخارجية بل أيضا باعتبارها ما يصنعه الإنسان في نفسه من عادات حتى تصير قريبة من الضرورة. فالمدمن على الكذب أو المسترسل في الجور أو المستكين لشهواته قد يبدو بعد زمن كأنه مسلوب الإرادة غير أن هذه الحال ليست في أصلها قدرا منزلا بل نتيجة تراكم اختيارات سابقة أفضت إلى تضييق مجال اختياره اللاحق. وهذا هو المعنى العميق الذي يجعل الحرية عند ابن رشد لا تُفهم كمعطى جاهز بل كقوة تُبنى أو تُهدم.

لقد أدرك الفقهاء قبل الفلاسفة أن التكرار يغيّر الحكم على الأفعال من حيث الدلالة على القصد والاعتياد. فالزلة غير الإصرار، والخطأ العارض غير الإمعان، واللمم غير اتخاذ الذنب خُلقا. غير أن ابن رشد يرفع هذا الإدراك الفقهي إلى مستوى فلسفي أشمل، فيجعل الإنسان مسؤولا لا عن أفعاله المباشرة فقط بل عن صناعة نفسه عبر الأفعال. وهنا تلتقي الرشدية مع عبارة أرسطو الشهيرة التي تفيد أن الفضائل والرذائل تكون فينا من قبل ما نفعله مرارا. كما تلتقي مع ما قاله ابن مسكويه في تهذيب الأخلاق من أن النفس وإن كانت تقبل استعدادات مختلفة فإنها قابلة للرياضة والتقويم وأن الأخلاق ليست سجونا مغلقة لا تُبدّل. هذا المعنى هو الذي يردّ على كل قراءة تستسهل تعليق الرذائل على شماعة الطبع أو المزاج أو المجتمع وحده؛ فهذه كلها مؤثرات حقيقية لكن الإنسان يظل مع ذلك معنياً بقدر ما يستطيع من التهذيب والمقاومة وإعادة التشكيل.

وعند هذا الموضع يبرز السؤال الكلامي الكبير في خلفية المشروع كيف يمكن إثبات هذه المسؤولية من غير الوقوع في وهم الاستقلال المطلق للإنسان عن العناية الإلهية أو النظام الكوني؟ إن ابن رشد لا يدخل هذا السؤال من مدخل الأشاعرة ولا من مدخل المعتزلة وإن كان يقترب أحيانا من بعض مقاصد هؤلاء وأولئك من غير أن يتطابق معهم. فالأشاعرة في تشديدهم على عموم القدرة الإلهية انتهوا في كثير من صيغهم إلى نظرية الكسب التي تُبقي للعبد نسبةً ما إلى الفعل من غير أن تجعل له تأثيرا حقيقيا مستقلا. والمعتزلة في دفاعهم عن عدل الله وسّعوا من دائرة قدرة العبد حتى كاد الفعل يصير مضافا إليه إضافة أقوى. أما ابن رشد فإنه لا يجد نفسه مضطرا إلى هذا التقابل الحاد لأن تصوره للسببية الطبيعية ولتعدد مراتب العلل يسمح له بفهم الفعل الإنساني بوصفه واقعا داخل نظام عام مع بقائه منسوبا إلى فاعله الإنساني من حيث هو مبدأ قريب واعٍ. فالفاعل الإنساني ليس علة أولى لكنه علة قريبة معتبرة. وإذا أُلغيت هذه العلية القريبة بطل معنى التربية والتشريع والمدح واللوم.

ولهذا كان نقده للمذاهب التي تضعف السببية الطبيعية نقدا أخلاقيا بقدر ما هو معرفي. فإنكار العلل لا يُفسد العلم وحده بل يفسد كذلك فقه الإنسان بنفسه. فإذا لم تكن للشهوة آثار معلومة وللعادة سلطان مفهوم وللتربية أثر ثابت وللبيئة الاجتماعية تأثير معتبر فإن كل سياسة أخلاقية تصبح عبثا. وكيف يُطلب من المشرّع أن يُصلح ومن المعلم أن يُهذب ومن القاضي أن يُقدّر إذا كان الفعل ينبت من فراغ غير قابل للفهم؟ لقد كان ابن رشد أعمق من أن ينخدع بثنائية الجبر والاختيار في صيغتها المدرسية. إنه يدرك أن الإنسان محكوم بسلسلة من العلل لكن بعض هذه العلل داخل فيه ومنه وبها يكون محلا للتكليف. ولذلك فإن العذر عنده لا يتقرر لمجرد وجود سبب إذ لا فعل بلا سبب أصلا بل يتقرر بحسب نوع السبب، هل هو قاهر يسلب التمييز؟ أم هو باعث يمكن مقاومته؟ هل هو قصور أصلي؟ أم هو تقصير مكتسب؟ هل هو إكراه خارجي؟ أم هو هوى داخلي استُرسل معه حتى تغلّب؟.

هذا التمييز الدقيق بين القصور والتقصير هو من أنفذ المفاتيح لقراءة المسؤولية العقلية عند ابن رشد. فالقصور يتعلق بحدود التكوين والاستعداد والآلة. فقد يولد الإنسان ضعيف الحافظة أو بطيء الفهم أو شديد الانفعال أو محدود البيئة أو قليل المعين. وهذه كلها ليست في أصلها موضوعا للذم من حيث هي كذلك. أما التقصير فهو ترك ما أمكن فعله من تكميل النفس أو إهمال ما وجب طلبه من العلم أو الاستسلام للهوى مع القدرة على المجاهدة أو تعطيل العقل مع قيام دواعي النظر، وهنا يمكن أن نفهم سرّ التفاوت في المؤاخذة بين الناس عنده. فليس كل جاهل معذورا كما أنه ليس كل مخطئ ملوما على السواء. الجاهل الذي قصّر في التعلم ليس كالجاهل الذي حُرم الآلة أو المعلّم أو اللسان أو السبيل. والمخطئ بعد نظر واجتهاد ليس كالمخطئ عن هوى واستخفاف. ويلتقي ابن رشد هنا مع القاعدة الأصولية التي فرّق بها الفقهاء بين الخطأ والتفريط وبين الاجتهاد والتلاعب وبين العذر والدعوى.

ومن أظهر آثار هذا التصور أن التكليف الشرعي عند ابن رشد ليس خطابا واحدا مصمتا بل هو خطاب يراعي تفاوت المدارك. لقد كان شديد الوعي بأن الناس ليسوا سواء في طرق الإقناع والتصديق، ولذلك قرر في فصل المقال أن منهم البرهاني والجدلي والخطابي. وهذه ليست مجرد قسمة معرفية بل لها نتائج أخلاقية وتشريعية عميقة. فالذي أدرك البرهان ثم أعرض عنه عنادا ليس كالذي لم تتأهل له نفسه لهذا الطريق. والذي قامت عليه الحجة في مستوى رفيع من النظر ليس كالذي لا يتجاوز إدراكه التمثيل والخطابة. وهذا المعنى يجد صداه في التراث الشرعي في قولهم، الحكم على الشيء فرع عن تصوره وفي تقرير الأصوليين أن المشقة تجلب التيسير وأن التكليف بحسب الوسع. غير أن ابن رشد يضفي على هذه القواعد بعدا فلسفيا يجعلها متصلة بطبيعة العقل الإنساني لا بمجرد استثناءات عملية.

إن المسؤولية العقلية عنده ليست مساواة حسابية بين جميع الذوات بل عدالة تقديرية تراعي اختلاف الأنفس. وهذه العدالة ليست رخاوة ولا تفلتا بل هي عين الصرامة العقلية؛ لأن الصرامة الحقة لا تعني التسوية بين المختلفين بل وضع كل فعل في موضعه بحسب شروطه. ولذلك كان القضاء الرشدي من حيث روحه أقرب إلى فقه الملابسات منه إلى ميكانيكا النصوص الجامدة. وهو ما نلمحه في الحس المقاصدي الذي يسري في كثير من اختياراته الفقهية حين يعرض للخلافات ويكشف عللها ومآخذها.

ولا تكتمل صورة المسؤولية عند ابن رشد إلا إذا رُبطت بالمدينة. فالإنسان عنده كما عند أرسطو مدني بالطبع. ومعنى هذا أن أخلاقه لا تُصاغ في الفراغ بل داخل بنية اجتماعية وسياسية تحدد ما يُمدح وما يُذم وتُيسر بعض الفضائل وتُعسر بعضها وتُعين على العدل أو تُغري بالفساد. إن تحميل الفرد وحده كل تبعة الانحراف من غير نظر إلى فساد المدينة هو سذاجة أخلاقية. لكن العكس أيضا باطل، فإعفاء الفرد بدعوى فساد المجتمع إبطال لمعنى التهذيب الشخصي. والحق عند ابن رشد أن المسؤولية موزعة على مراتب، مسؤولية الفرد عن مجاهدة نفسه ومسؤولية المشرّع عن إقامة القوانين ومسؤولية المربّي عن صناعة الملكات ومسؤولية المدينة عن تهيئة شروط الخير العام. وهنا تتسع المسؤولية من بعدها الفردي إلى بعدها الحضاري. فالفساد الأخلاقي ليس دائما سقوطا ذاتيا معزولا بل قد يكون أثرا لبنية سياسية مختلة تُعلي من منطق المنفعة أو تُفسد الذوق العام أو تُضعف سلطان العلم والعدل. وهذا المعنى يفسر لماذا كان الفلاسفة القدماء يربطون بين الأخلاق والسياسة ربطا عضويا ولماذا لا يمكن قراءة ابن رشد قراءة فردانية حديثة تقطع الإنسان عن مدينته.

إن أعمق ما يميز التصور الرشدي في هذا الباب أنه لا يجعل العقل مجرد قاضٍ خارجي على الأفعال بل يجعله مبدأ لتحرير الإنسان تدريجيا من الضرورات الدنيا. فالعقل لا يُبطل الطبيعة لكنه يُهذّبها. لا يقتل الشهوة بل يردها إلى الاعتدال. لا يلغي الغضب بل يحوله إلى شجاعة وعدل. لا يمحو الخيال بل يُخضعه لمقتضى الحق. إن المسؤولية العقلية ليست عبئا قانونيا فحسب بل هي اسم لعملية ترقية الوجود الإنساني. وكلما ازداد الإنسان نصيبا من العقل ازداد تحررا من الانفعال الأعمى، وكلما ازداد تحررا اشتدت مسؤوليته. ولذلك كان العلماء والحكماء أشد تبعة من العامة وكان فساد العارف أقبح من خطأ الجاهل لأن الحجة عليه أتم ولأن ما في يده من آلة التمييز أقوى. وقد قال بعض السلف: «ليس العالم من يعلم الخير من الشر، ولكن العالم من يعلم خير الشرين وشر الخيرين». وهذه العبارة وإن خرجت من سياق حكمي إسلامي فهي تلتقي بعمق مع الروح الرشدية التي ترى أن العقل العملي ليس معرفة مجردة بالمبادئ بل فقه بالموازين وتقدير للعواقب وترجيح بين الممكنات في عالم لا يخلو من التعقيد.

إن المسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست مفهوما عابرا في هوامش مشروعه بل هي نقطة التقاء كبرى بين أنطولوجيا الطبيعة وإتيقا الفضيلة وفقه التكليف وسياسة المدينة ونظرية الخطاب. والحق أن عظمة هذا التصور تكمن في أنه يرفض المزالق التي طالما أفسدت التفكير في الإنسان، مزلق التبسيط الكلامي الذي يحصر المسألة في سؤال من يخلق الفعل ومزلق الفردانية المتأخرة التي تتوهم ذاتا شفافة لنفسها مستقلة عن كل شرط ومزلق الحتمية الصماء التي تردّ السلوك إلى أسباب مادية أو اجتماعية بحيث يذوب فيه معنى اللوم والمدح. أما ابن رشد فيشق طريقا أرسخ وأدق، الإنسان محكوم بالأسباب لكنه ليس معدوما فيها، محدود بالطبيعة لكنه ليس مسلوبا أمامها، متأثر بالعادات لكنه قادر على إعادة تشكيلها، متفاوت الاستعداد لكنه غير معفى من طلب الكمال الممكن له.

إن المسؤولية عنده ليست حدثا لحظيا يُختزل في لحظة الاختيار المعزولة بل تاريخ داخلي طويل تصنع فيه النفس ملكاتها ويشتغل فيه العقل على تهذيب القوى وتتدخل فيه التربية والقانون والخطاب الشرعي والسياسة المدنية. الإنسان لا يُحاسَب فقط لأنه فعل هذا الفعل أو ذاك بل لأنه صار ما صار إليه عبر سلسلة من الأفعال والتروكات والمجاهدات والإهمالات. إن الذنب في المنظور الرشدي ليس مجرد مخالفة بل قد يكون أحيانا فشلا في صناعة النفس. والفضيلة ليست مجرد امتثال بل هي انتصار طويل للعقل العملي على فوضى الانفعال. ولذلك فالمسؤولية العقلية ليست عقوبة فحسب بل هي في جوهرها تكريم للإنسان؛ لأنها تفترض أنه قادر على أن يسمو فوق اندفاعه الأول وأن يحوّل طبيعته من مادة خام إلى صورة أخلاقية أرقى.

وإذا أردنا أن نلتقط راهنية ابن رشد في زمننا فإنها تتجلى بأشد ما تكون في هذا الباب. لقد أصبح الإنسان المعاصر محاصرا بخطابات شتى تسعى إلى تفسير سلوكه بردّه إلى الوراثة أو البنية العصبية أو الصدمات النفسية أو ضغط السوق أو هندسة الإعلام أو سلطات المجتمع. وهذه كلها عوامل لا يجوز إنكارها كما لم يكن ابن رشد لينكر أثر الأسباب. غير أن الخطر كل الخطر أن يتحول الوعي بالأسباب إلى ذريعة لإلغاء الفاعل أو أن ينقلب تفسير الإنسان إلى تبرئة شاملة له من تبعة نفسه. هنا ينهض ابن رشد شاهدا على إمكان الجمع بين الفهم والمساءلة، بين التحليل والعقاب وبين الرأفة والعدل. نفهم الإنسان في علله لكي نحسن تقويمه لا لكي نرفع عنه كل مؤاخذة. ونراعي قصوره لكي لا نظلمه، لكننا لا نغفل تقصيره لكي لا نهدم معنى الأخلاق.

ثم إن هذا التصور يحررنا من الوهم الشائع الذي يجعل الحرية نقيضا للانضباط. فالحرية عند ابن رشد ليست أن يفعل المرء ما يشاء بل أن يبلغ من تربية قواه ما يجعله لا يشاء إلا ما يليق بالإنسان العاقل. وهذا تعريف أرفع وأصعب لأنه ينقل الحرية من مستوى الرغبة إلى مستوى الاستحقاق، ومن هوى النفس إلى نظام الفضيلة. وبهذا المعنى لا يكون العقل خصما للإنسانية كما تتوهم بعض النزعات المعاصرة بل هو شرطها الأسمى. إن الإنسان لا يصير أقل إنسانية حين يحتكم إلى العقل بل يصير أكثر وفاء لحقيقته.

ولعل هذه هي الخلاصة الكبرى التي يهبها لنا ابن رشد في موضوع المسؤولية العقلية، الإنسان ليس معذورا لمجرد أنه محدود وليس مدانا لمجرد أنه أخطأ. إنما يُنظر إليه في ضوء قدرته على النظر واستعداده للتقويم وسعيه إلى الخير ومقدار ما فرّط أو جاهد ومقدار ما قامت عليه الحجة أو غابت عنه. إنها عدالة دقيقة لا تستسهل الإدانة ولا تسترخي في التبرير. عدالة تعرف أن النفس تُبتلى بطبائعها لكنها تؤمن أيضا أن العقل خُلق ليقود لا ليشهد صامتا. إن المسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست فقط مسألة في فلسفة الأخلاق بل هي ميثاق حضاري كامل يضع الإنسان أمام نفسه، إما أن يظل أسير الضرورة الدنيا وإما أن يجعل من العقل سلما يرتقي به من الممكن الحيواني إلى الممكن الإنساني الأكرم.

***

د. حمزة مولخنيف

إن من أكثر القضايا إشكاليّة في الخطاب الإسلامي، وبخاصة في الخطاب الفقهي، هي قضيّة التعامل مع الحديث من جهتين: الأولى: هل الرسول أمر بكتابة الحديث أم لا، والثانية: ما يتعلق في كتابة وتوصيف الحديث وتبيان صحة متنه وسنده. وبناءً على هاتين المسألتين درا صراع فكري بين أهل العقل وأهل النقل كثيراً الأمر الذي أدى إلى تكفير المختلف والنيل منه فكرياً مع ظهور هذه القضية منذ الخلافة الأمويّة حتى اليوم.

قبل أن ندخل في تقويمنا لمسألة الحديث وقدسيته والإشكالات التي دارت عليه وحوله، لابد لنا أن نقف قليلاً عند قضيّة القرآن الكريم، من الناحية المنهجيّة والمعرفيّة معاً. ففي الحقيقة لا يستطيع أحد أن يتجاهل تلك الإشكالات المنهجيّة والمعرفيّة التي رافقت القرآن الكريم، وتركت تأثيرها الواضح والعميق على حياة العرب والمسلمين بشكل عام، منذ نزوله وبداية تدوينه حتى هذا التاريخ، وهي إشكالات أكثر ما تجلت في تفسير وتأويل النص القرآني وانعكاسهما على ظهور الكثير من الفرق الكلاميّة والمذهبيّة والفقهيّة، وذلك لأسباب كثيرة منها ما يتعلق بطبيعة نزول القرآن منجماً (مفرقاً) على مدى عشرين عاماً، وأن الكثير ممَنْ يعرف أسباب النزول لكل آية قد مات كما يقول "أحمد بن حنبل"، ثم بسبب الناسخ والمنسوخ، وجهل الكثيرين ممن تعاطوا مع النص القرآني في جوهر وطبيعة هاتين المسألتين وتأثيرهما على آليّة التشريع وتبريك أو منح الشرعيّة لمستجدات العصور اللاحقة، يضاف إلى ذلك طبيعة الغموض في الكثير من الآيات القرآنيّة المتشابهات منها، حيث جعلت هذه الآيات من القرآن حمال أوجه في تفسيره وتأويله. وهناك أيضاً مسألة جمع القرآن بعد وفاة الرسول الكريم وطريقة تدوينه أو حفظه في عهد الرسول، حيث كان يدون بعضه على سطوح عظام الحيوانات والجلود وفي صدور بعض الصحابة ممن سمي بكتبة الوحي، وما تركته هذه الطريقة من آثار سلبيّة على عمليّة ضبط الآيات زمانيّاً ومنهجيّاً، فكثيراً ما نجد في القرآن أول آية نزلت تأتي في سور متأخرة في متن النص القرآني مثل آية (إقرأ)، أو تكرار بعض الآيات في بعض الصور. أما قضية غياب التنقيط عند تدوين القرآن، فهي مشكلة عويصة بالنسبة لتحديد معاني ودلالات المفردات والجمل والعبارات وبالتالي الآيات القرآنيّة ذاتها، وهذا ما ساهم في خلق تفسيرات عديدة للنص القرآني، أو في قراءته. أما مسألة الصراع السياسي على السلطة ما بين الأمويين والعباسيين والعلويين فقد كان لها تأثير كبير على قراءة النص القرآني من حيث تفسيره أو تأويله خدمة لهذا الطرف أو ذاك من الأطراف المتصارعة، بدءً من الفتنة الأولى مروراً بصفين وظهور الخوارج وصولاً إلى عصر الوهابيّة وفتاواها.

إذن إن إشكالات النص القرآني التي جئنا عليها هنا، ثم عدم مقدرة من كان يعمل من رجال الدين في خدمة الصراعات السياسيّة الحاكمة على التلاعب في النص القرآني، وبخاصة عدم القدرة على إضافة أي شيء إليه بعد تدوينه وأخذه صفة التقديس كونه كلام الله، لجأوا إلى وضع الحديث على لسان الرسول لخدمة مصالح القوى المتصارعة على السلطة. (راجع في هذا الاتجاه كتاب السيوطي تاريخ الخلفاء وانظر إلى تلك الأحاديث التي وضعت لخدمة الأمويين والعباسيين والعلويين).

إن تفسيرهم مثلاً للآية الكريمة: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)، على اعتبار كل ما قاله الرسول الكريم هو كلام مقدس وبالتالي لا يختلف في مصداقيته عن مصداقيّة النص القرآني، قد فسح في المجال لهم في وضع الحديث لتحقيق ضالتهم خدمة لمواقفهم ومصالحهم التي كانت بحاجة للتبريك أو الشرعنة لتمريرها أو جعلها بحكم الواقع، وهذا ما أوصل عدد الأحاديث التي قيلت على لسان الرسول إلى أكثر من (130000) حديثاً، وهذا أيضاً ما أدخل مسألة الحديث وحتى الإجماع في حقل الإشكالات المنهجيّة والمعرفيّة أيضاً.

الاشكاليات المنهجيّة والمعرفيّة للحديث:

نقول إن الحديث والإجماع أصبحا من المصادر المقدسة لدى أهل السنة والجماعة، وكثيراً ما جرى حولهما الاختلاف، إن كان حول قضيّةً تحديد مفهوم الإجماع، ومن هي الجماعة التي ينطبق عليها هذا المفهوم، هل هم أهل المدينة؟، أم الصحابة؟، أم التابعون وتابعوهم حتى القرن الثالث للهجرة؟، وهل هم علماء الدين بشكل عام؟..إلخ. أما لو ركزنا في دراستنا على الحديث لوجدنا أن الأمّة الإسلامية لم تهتم بشيء بعد اهتمامها بكتاب الله عز وجل، كاهتمامها بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعيها في ذلك السعي العجيب الفذ. فانطلاقاً من كون السنة النبويّة الركن الثاني لهذا الدين العظيم، وما لذلك من آثار وخلفيات، فإن علماء المسلمين منذ السنوات الأولى لفجر الإسلام وحتى هذا التاريخ ظلت علوم السنة النبويّة شغلهم الشاغل وعملهم العلمي المتواصل. تارة يحفظون الحديث، وتارة يدونونه، وتارة يحضون الناس على تحمله، وتارة يقسمونه إلى أقسام بحسب مواضيعه أو بحسب مراتبه، وتارة يَذٌبونَ الشبهات عنه، وتارة يكشفون أمر الوضاعين فيه، وتارة يبينون القواعد العامة والأصول التي يقبل بها الحديث أو يرد... وهكذا تولدت علوم جمّة ومعارف كثيرة، حملتها صدور أولئك الرجال العلماء، وسطرتها أقلامهم النشطة، وطوتها كتبهم النفيسة.(1). ونحن عندما نقول (علوم الحديث) نعني بذلك كمّا كبيراً ضخماً من المؤلفات والمواضيع، ملأت المكتبات الإسلاميّة الكبيرة بمساحات واسعة. وبالتالي هذا ما يؤكد عندنا القدرة على القول إن بإمكاننا تفنيد أو إضعاف الكثير من المواقف المقدسة للسلفية تجاه الحديث كنص مقدس لا يمكن مسه أو التشكيك في صحته.

تعاليم وحكم الرسول في مسألة الحديث:

كانت تعاليم الرسول (ص) وحكمه، ذات طابع ديني مقدرة أو يوحى بها من قبل الله تعالى للرسول: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)....). (سورة النجم. 1-4). فالرسول الكريم وفق هذه الآيات، هو ناقل تعاليم الله سبحانه وتعالى له كي يعطيها للناس، ويبشر بها لتحقيق عالم العدالة والمساواة والمحبة بين الناس. والرسول عليه الصلاة والسلام كان يعرف دوره في هذه المسألة التبشيريّة. فهو ليس أكثر من مبشر وداع لمعرفة وممارسة تعاليم الله جل جلاله بالحكمة والموعظة الحسنة. فهو فيما يدعوا إليه بتعبير آخر. ليس من عنده وهو لا ينطق عن الهوى، وإنما وهو وحي يوحى، وقد ميز الرسول ما بين ما يقوله هو كبشر وما بين ما يوحى إليه. فهو في نهاية المطاف بشر شأنه شأن الآخرين.

تأكيد الرسول على بشريته:

هناك في الحقيقة أدلة كثيرة تؤكد لنا بشريّة الرسول. كما في قول الله عز وجل في الآية الكريمة: (قل سبحان ربي، هل كنت إلا بشراً رسولاً). الإسراء. (الآية 93). وقول الله عز وجل ايضاً: (وقل إنما أنا بشر مثلكم.). الكهف – الآية – 110).

وفي مسألة (تأبير النخيل) مثلاً، وهذه من الحوادث التاريخية المعروفة والمشهورة في حياة الرسول، حيث قال لهم عن نفسه: (إنما أنا بشر مثلكم إذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر). رواه مسلم والنسائي. وكذلك في حديث له رواه مسلم. (إني ظننت ظناً فلا تأخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل.). وهذا ما يؤكد بأن ليس كل ما يقوله الرسول هو من الوحي، وهذا القول يضع الحدود بين كلام الله وكلام الرسول. وكذلكً قول الرسول في حجة الوداع: (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً، فإنما أقضي له قطعة من نار.).(2).

إن هذه النصوص تؤكد بلا شك أن ما لله في وحيه لله، وما للرسول من قول خاص به فله. وما قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى)، فهي لما يختص بالقرآن فقط ولا يدخل فيها ما سمي بالحديث.

إن مسألة تدوين الحديث بالذات من قبل بعض الصحابة بعد وفاة الرسول الكريم، لاقت إشكالات كثيرة يأتي في مقدمتها موقف الرسول نفسه من كتابة ما يقوله هو من عنده، حيث كان يرفض أن يكتب عنه شيئاً، وبالتالي فإن مسألة كتابة الحديث هي مسألة تخالف تعاليم الرسول والخلفاء الراشدين.

أولاً موقف الرسول والخلفاء الراشدين من كتابة الحديث:

وإذا ما استشهدنا بالحديث ذاته الذي يقاتل أهل الحديث من أجل تأكيد ضرورة اعتماد أحاديث الرسول، نجد في حديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي، وأحمد والدرامي عن أبي سعيد ألخدري قال: (قال رسول الله (ص) " لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فاليمحه").

وعن أبي هريرة يقول: (خرج علينا رسول الله (ص) ونحن نكتب الأحاديث، فقال: " ما هذا الذي تكتبون ؟. قلنا أحاديث نسمعها منك. قال: كتاب غير كتاب الله ؟. أتدرون؟. ما ضل الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى). أما موقف "أبو بكر" رضي الله عنه: فقد قال: (إنكم تحدثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفون فيها. والناس بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه.).(3).

أما موقف "عمر" رضي الله عنه فقد قال: (إني كنت أريد أن اكتب السنتين، وإني ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً.).. وله قول آخر أيضاً: (أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما يعمل.).(4).

ولنا في موقف مروان بن الحكم من الأحاديث التي كانت تروى عن الرسول ضد بني أميّة وظلمهم دليل على عدم الركون إلى موقف السلفيّة في تقديس الحديث. حيث خاطب أهل المدينة قائلاً: (يا أهل المدينة إن أحق الناس أن يلزم الأمر الأول لا أنتم. لقد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق لا نعرفها ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن. فالزموا ما في مصحفكم الذي جمعكم عليه الإمام المظلوم – عثمان - رحمه الله، وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم.). (5).

وقد روي عن "الخطيب البغدادي" عن كيفية كتابة "البخاري" للحديث بناءً على قول البخاري ذاته: (رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر، فقيل له: يا أبا عبد الله بتمامه؟. فسكت). (6).

بعد هذا ماذا علينا أن نقول لمن دونوا الحديث وقد وصل عدد ما دون منه كما بينا في موقع سابق من هذه الدراسة إلى أكثر من (130) ألف حديث، لم يستطع من جمعوها أن يأخذوا منها إلا ما ورد كثقة في السند والمتن. بل حتى عمليّة دراسة الحديث والأخذ به وتدوينه كانت تدخل فيها (العلوم العقليّة). أي البحث عن مدى صحة أو خطأ هذا الحديث. وكيفيّة التحقق منه. وهذا مؤشر على أن عملية نقله أو لأخذ به من مصادره لم تكن موثوقة، عدا المتواتر والمشهور منه. إضافة إلى ذلك إن الحديث المنقول يعتبر من أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد ظنيّة والله عز وجل يقول: (إن الظن لا يغني من الحق شيئاً.). (يونس – الآية -63).. هذا إذا ما وقفنا أيضاً عند مسألة أخرى تتعلق بكتب الحديث، حيث تذكر المصادر على سبيل المثال، إن صحيحي مسلم والبخاري تعتبران من أصدق كتب الحديث، وهذا ما أكده إمام الحرمين الجويني بقوله: (إن علماء المسلمين أجمعوا على صحة ومصداقيّة ما جاء في الصحيحين وأنه: "والله لو أن شخصاً ما قال بطلاق زوجته بأن كل ما جاء في صحيحي مسلم والبخاري صح، لما طلقت زوجته.). (7). وعلى هذه القدسيّة في الصحيحين، كيف لنا أن نعتمد الحديث مصدراً مقدساً من مصادر التشريع، وقد ورد عند مسلم والبخاري وغيرهما أحاديث تشير إلى منع الرسول كتابة الحديث أو الأخذ بها كما بينا أعلاه؟؟..!!

إن متابعة هذه المسألة عند أئمّة السلفيّة ترينا أن الكثير منهم أيد ما جاء به الجويني. وقد وصلت القناعات عند الكثيرين من رجال الدين السلفيين من (أهل الحديث) إلى القطع بثبوت ما ورد في الصحيحين (مسلم والبخاري). حيث ذكر النووي في التقريب: (ذكر الشيخ ابن صلاح، أن ما رواه أحدهما مقطوع بصحته، والعلم القطعي حاصل فيه.). (8).

وقال السيوطي: (إن قول ابن صلاح هذا هو قول أهل الحديث قاطبة ومذهب السلف عامة وأكثر أهل الكلام من الأشعريّة وجماعة الشافعيّة، وأبي إسحاق الشيرازي، ومن الحنفيّة كالسرخس، ومن المالكيّة كالقاضي عبد الوهاب، ومن الحنابلة كأبي يعلى وابي الخطاب وابن الزعفراني.).(9).

لقد كان هؤلاء جميعا يقولون: (إن أخبار الآحاد تفيد حصول العلم القطعي بثبوتها بشرط واحد هو ورودها في البخاري ومسلم.). بينما الآية القرآنية تقول: (إن الظن لا يغني من الحق شيئاً.). (10).

أما موقف "أبو حنيفة" من الحديث في التشريع، فقد كان يلجأ إلى عموم القرآن دون أن يخصصه بأخبار الآحاد، كونه لا يدخل في مفهوم (السنة) إلا ما كان قطعيّاً في ثبوته. لذلك كان كثير الاستدلال بالقرآن، قليل الاعتداد بالأخبار التي كان أهل الحديث بصدد البدء في تجميعها على نحو كمي واضح. من هنا كانت دائرة المباح عنده واسعة أكثر من بقية المذاهب الفقهيّة ألأخرى، وبخاصة عند أهل الحديث، وهذا ما جعله يتعرض لحملة ضارية من منظومة أهل الحديث، إلى حد القول بتكفيره تارة وتبديعه تارة أخرى، حتى تراجع عن قناعاته في مسألة موقفه من الحديث رضوخاً لضغطهم عليه. (11).

ما هو المعتمد من الحديث؟:

يعتبر الحديث (المتواتر) والمشهور هما الأكثر مصداقيّة بالنسبة لعلماء الحديث السنة، كونهما لا يحتاجان في إثبات سندهما ومتنهما إلى مصادر بحاجة لإثبات صحتها. والمتواتر من الحديث هو ما يدل على أفعال الرسول التي كان يأتيها تطبيقاً تفصيليّاً لعموم القرآن. حيث كان "عمر بن الخطاب" يؤمن بهذا المتواتر من الحديث حيث قال: (أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما عمل.) (12). ويحدد علماء الحديث الأفعال المتواترة للنبي على ضربين هما:

الأول: تنفيذ الأوامر القرآنية.. (واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وقد فصله الرسول بقوله: (وخذو عني مناسككم.). وهذا في الحقيقة كان ثابتاً لا شك فيه.

الثاني: وهو مالم يصل من أفعال وأقوال للرسول بطريق التواتر المستفيض، وهي لا تدخل في دائرة الوحي الثابت ثبوتاً لاشك فيه.). وهنا أعطى الرسول الإباحة بما لم يرد فيه نص، حيث عبر عن هذه المسألة أحسن تعبير حين قال: (إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم عليهم، فحرم عليهم من أجل مسألته. (أخرجه البخاري ومسلم.)

وختاماً نقول في هذا الاتجاه: إن منهاج الله لا يعرف إلا بما جاء به الوحي، وهو الثابت ثبوتاً لا شك فيه. والوحي الثابت ثبوتاً لا شك فيه لا يخرج عن القرآن والمتواتر من حديث رسوله في شرحه وتفصيله. وهذا هو معنى السنة الحقيقية

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

.......................

1- يراجع مقال: علوم الحديث الشريفة- موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويت.

2-  فجر الإسلام – احمد أمين ص 234.

3- الذهبي – تذكرة الحفاظ- 1333هـ ج1 – ص3. طبعة الهند.

4- ابن عبد البر – جامع العلم وفضله- المطبعة المنيرية- ج1- ص64-65.

5-). ابن سعد – الطبقات- دار صادر بيروت- ج5- ص233

6. الخطيب البغدادي- تاريخ بغداد- ج2 – نقلاً عن السلطة في الإسلام. ص291. مرجع سابق.

7- السيوطي – تدريب الرواية في شرح تقريبالنواي- دار الكتب العلمية- بيروتط2- 1979- المجلد الأول-ص131.

8 - السيوطي – تدريب الراوي في شرح تقريب النواي- مرجع سابق ص 133.

9- السيوطي – المرجع نفسه. ص132

10- السلطة في السياسة- عبد الجواد ياسين- مصدر سابق- ص285.

11- السلطة في السياسة- عبد الجواد ياسين- مصدر سابق- ص 248.

12- ابن سعد في الطبقات. عن السلطة في الإسلام مصدر سابق. ص 240.

 

نحو نظرية في التمايز الوظيفي للمعرفة

تتجلى أهمية دراسة العلاقة بين الحكمة والشريعة في إدراك ديناميكية الفكر الإنساني وقدرته على التوفيق بين المطالب العقلية والغايات الروحية. وتشكل معرفة الإنسان للكون ونفسه وحركته في الحياة محورا أساسيا للبحث الفلسفي في حين تحدد الشريعة الإطار الأخلاقي والاجتماعي الذي يوجه هذه المعرفة نحو الكمال البشري. وينظر ابن رشد إلى هذه العلاقة باعتبارها مسارا معقدا يتداخل فيه العقل مع النصوص والتأمل مع الواجبات والفكر مع القيم. ومن خلال تحليله يظهر أن الحكمة لا تتجاوز الشريعة ولا تكتفي الشريعة بإجابات جاهزة عن الأسئلة العقلية، بل يتفاعل كل منهما مع الآخر في منظومة معرفية متكاملة.

ويقدم ابن رشد تصورا دقيقا للتمايز الوظيفي للمعرفة حيث تتوزع المهام على مستويات مختلفة من الإدراك ويُحدد لكل نوع من المعرفة مجالها، من خلال التجربة العقلية إلى التأويل الشرعي وصولاً إلى الحكمة العليا التي تجمع بين الغايات الإنسانية العليا والحقائق الكونية. وهذه المقاربة تمثل جسرا بين الفكر الديني والفلسفي إذ تؤسس لمنهجية تحليلية تمكّن من فهم كيف يمكن للعقل أن يرتقي إلى مستويات الحقيقة دون الإخلال بالثوابت الدينية وكيف يمكن للشريعة أن توجه العقل دون أن تحجمه.

تنفتح هذه الأسطر المتواضعة على آفاق واسعة لدراسة العلاقة بين المعرفة والغاية، بين الحقيقة العملية والحقيقة النظرية وبين الفهم العقلي والالتزام الروحي. إن دراسة ابن رشد تتيح رؤية متعمقة للعقل البشري وقدرته على التكيف مع المبادئ الدينية وتوضح كيفية بناء نظام معرفي متوازن يحترم الوظائف المختلفة لكل نوع من المعرفة ويؤكد على التكامل بين الحكمة والشريعة كركيزتين أساسيتين للحياة الإنسانية.

وتتخذ فلسفة ابن رشد في سياق العلاقة بين الحكمة والشريعة منحىً متميزاً يعكس رؤية عقلانية عميقة تسعى إلى تجاوز التصادم الظاهري بين ما يُعرف بالعقلاني والشرعي وبين ما يُفهم تقليديا من أن الحكمة والفلسفة منفصلتان عن الدين أو أن الشريعة تحتكر الحقيقة المطلقة وتغلق الباب أمام الاجتهاد العقلي. إن هذا الفيلسوف الأندلسي لم يكتفِ بمجرد محاولة التوفيق بينهما بل أسس إطاراً مفاهيمياً جديداً يمكن أن نسميه بـ "التماثل الوظيفي للمعرفة" حيث يضع كل حقل معرفي في سياقه ومهمته الخاصة، مستنداً إلى تفريق دقيق بين مستويات الإدراك البشري ومعايير المعرفة، وهو تفريق يحدّد متى يكون للعقل الحر دور في تفسير العالم ومتى يكون للشرع سلطة التأطير الأخلاقي والاجتماعي للوجود الإنساني.

لقد سبق لابن رشد أن أعلن في مقدمته على "تهافت التهافت" عن موقفه الواضح من التصادم المزعوم بين الفلسفة والشريعة، مصرحاً بأن العقل والشريعة ليسا في صراع حتمي بل يمكن أن يتعاونا إذا فهم كل طرف دوره وحدوده. يقول ابن رشد إن "حكمة الفلاسفة هي معرفة الأمور الطبيعية بأسبابها والشريعة معرفة ما يجب على الناس من الطاعات"، وهو بهذا البيان يؤسس لتقسيم وظيفي معرفي يمكن أن نقول عنه اليوم إنه يسبق مفاهيم التفكيك الوظيفي للمعرفة. إنه يدعو إلى إدراك أن الشريعة تسعى إلى تهذيب النفس البشرية وتنظيم حياتها العملية والأخلاقية، بينما يسعى العقل الفلسفي إلى إدراك قوانين الطبيعة وحقائق الوجود بما يفيد الإنسان في فهم العالم واستثماره. هذا التمييز ليس مجرد تعريف نظري بل قاعدة منهجية عميقة تمكن من إعادة ترتيب العلاقة بين الدين والفكر، بحيث لا يصبح أحدهما تابعاً أو معارضاً للآخر.

ولعل أهم ما يميز نظرية ابن رشد في هذا السياق هو اعترافه بأن العقل الفلسفي يمتلك استقلالية معرفية حقيقية لكنه يظل ملتزماً بالحدود التي تفرضها الشريعة على ما يتعلق بالقيم والأحكام العملية. في "تهافت التهافت" و"فصل المقال"، يوضح ابن رشد أن الفلاسفة يمكنهم الوصول إلى حقائق تتجاوز ما يُفهم عادة من نصوص الشريعة الظاهرية، ولكن هذه الحقائق لا تتعارض مع الغاية الأخلاقية والدينية للشريعة إذ أن الحقيقة العلمية لا تلغي الحقائق العملية بل تؤكدها على مستوى أعمق. هذا الطرح يجعل من ابن رشد رائد ما يمكن أن نطلق عليه "التمييز الوظيفي بين المعارف"، إذ لا يلغي الشريعة العقل ولا يجعل العقل بديلاً عن الشريعة، بل كل منهما يؤدي دوراً محدداً وواضحاً.

إن هذا التصور يعيد إلى الأذهان آراء بعض المفكرين المسلمين السابقين مثل الفارابي الذي ركز على ضرورة الجمع بين الدين والفلسفة مع الحفاظ على كل مجال ضمن وظائفه وحيث إن الفلسفة وسيلة لفهم الكون والدين وسيلة لتنشئة المجتمع على الفضائل. كما يتقاطع ابن رشد مع ما ذهب إليه أبو حامد الغزالي من حيث تأكيده على دور الشريعة في تهذيب النفس والمجتمع، ولكنه أيضا يختلف معه جذرياً في تقييم قدرة العقل على إدراك الحقائق الطبيعية والميتافيزيقية. إن ابن رشد يرفض ما يسميه "تهافت التهافت" الغزالي، أي رفض العقل والتجربة العلمية بدعوى أن الشرع يكفي لتفسير كل شيء ويعيد بناء الثقة بالعقل كأداة للوصول إلى المعرفة من دون تخطي حدود الشريعة.

ويمكن النظر إلى ابن رشد باعتباره أول من حاول تأسيس نظرية متماسكة للمعرفة متعددة الوظائف، حيث لكل نوع من المعرفة دوره الخاص: المعرفة الطبيعية تتعلق بالأسباب والعلل، والمعرفة الشرعية تتعلق بالواجبات والأخلاق، والمعرفة الفلسفية تتعلق بالقيم العليا والحكمة المطلقة. إن هذا التوزيع الوظيفي للمعرفة يفسر لماذا يصر ابن رشد على أن الفلاسفة الذين يدركون الحقائق الطبيعية بطريقة عقلية دقيقة لا يمكن أن يُتهموا بالزندقة أو الخروج عن الدين، فالإسلام في منظوره يرحب بالمعرفة التي تنير العقل وتخدم الفضيلة.

ويُمكننا أيضا أن نفهم موقف ابن رشد من مسألة "تأويل النصوص"، حيث يرى أن بعض النصوص الدينية إذا أخذت على ظاهرها دون تأويل قد تتعارض مع المعرفة العقلية، في حين أن التأويل السليم يعيد التناغم بين النص والعقل. يشير ابن رشد في "فصل المقال" إلى أن "أهل التأويل والذين يدرسون الحكمة يعلمون أن الكتاب والشرع لم يأتيا لنفي العقل أو تعطيل السعي نحو الحقيقة"، وهذا يعني أن التأويل ليس رفاهية لغوية أو فنية بل هو أداة فلسفية لضمان التوافق بين مختلف مستويات المعرفة. وهنا يتضح أن ابن رشد يضع الفلسفة في خدمة فهم أعمق للشريعة، والشريعة في خدمة توجيه الفلسفة نحو غاياتها الأخلاقية، في عملية جدلية دقيقة ومعقدة تتجاوز أي محاولات للجمود العقلي أو التطرف الديني.

لقد شكّل هذا التصور لأهمية التمايز الوظيفي للمعرفة نقطة تحول في الفكر الإسلامي لأنه يرفض الاستقطاب التقليدي بين "العقل" و"النقل"، ويؤكد على إمكانية التعايش بينهما على أساس واضح من المهام والمسؤوليات. إن ابن رشد وفق هذا المنهج يفسح المجال للفلسفة للتعمق في حقائق الطبيعة ويتيح للشريعة أن تحقق وظائفها الأخلاقية والاجتماعية دون أن يكون هناك تصادم حتمي. ولعل هذه الرؤية تذكرنا بما ذهب إليه هيجل في مفهومه عن التقدم التاريخي للروح، إذ يرى أن كل مرحلة معرفية لها وظيفتها الخاصة، وأن التطور لا يتم إلا من خلال إدراك وتوظيف كل مرحلة وفق قوانينها الداخلية.

إن هذه الرؤية تؤثر مباشرة في فهم الاجتهاد، إذ يصبح الاجتهاد أداة لتنظيم العلاقة بين النصوص والواقع وبين القيم العليا والمتغيرات الطبيعية والاجتماعية. فالفقه في منظور ابن رشد ليس مجرد تطبيق حرفي للنصوص بل هو عملية عقلية منظمة تهدف إلى تحقيق الخير والعدل وفق ما يفرضه الواقع وما تتيحه المعارف العقلية، حيث إن ابن رشد يسهم في تأسيس نظرية متقدمة في أصول الفقه تقوم على التمايز الوظيفي للمعرفة ويتكامل العقل الشرعي مع العقل الفلسفي في خدمة الهدف النهائي للحياة البشرية.

هذا النهج يجعل من ابن رشد نموذجاً فريداً في التاريخ الإسلامي لأنه يقدم رؤية شاملة لإعادة ترتيب العلاقة بين الشريعة والحكمة بحيث لا تكون كل منهما معارضة أو متفوقة على الأخرى، بل كل منهما تؤدي دورها الخاص وفق إطار وظيفي محدد. ويستفاد من هذه النظرية في معالجة كثير من التحديات المعاصرة سواء في مجال العلاقة بين الدين والعلم أو في فهم الموازنة بين القيم الأخلاقية والمعرفة العلمية، إذ يقدّم ابن رشد إطاراً يسمح بالتعامل مع التعددية المعرفية دون فقدان المعايير الأخلاقية والدينية.

ولا تفوتنا هنا الإشارة إلى أن هذه الرؤية تتطلب من الإنسان التمسك بالموضوعية والقدرة على التمييز بين مختلف مستويات المعرفة، وهو ما أكده الفلاسفة الأوروبيون لاحقاً مثل ديكارت وكانط وغيرهم، اللذين شددا على ضرورة معرفة حدود العقل ومعرفة مهامه، وهو نفس المبدأ الذي ركزه ابن رشد في سياق الشريعة والحكمة. كما أن ابن رشد يبرز هنا الفرق بين ما يمكن إدراكه عقلياً وما يُفهم من النصوص مؤكدا أن تعارض الظاهر مع العقل لا يعني بالضرورة خطأ الشريعة بل يشير إلى ضرورة التأويل والفهم العميق، وهو ما يفتح المجال لحوار مستمر بين الفكر الفلسفي والتفكير الشرعي بما يعزز من قدرة الإنسان على إدراك الحقيقة الكاملة دون التنازل عن قيمه الروحية والأخلاقية.

إن ابن رشد أسس لما يمكن أن نسميه "نظرية الوظائف المتكاملة للمعرفة"، حيث يشكل التوازن بين العقل والنقل وبين الفلسفة والشريعة قاعدة لإعادة ترتيب المعرفة الإنسانية. هذه النظرية لا تلغي التعددية المعرفية بل تؤسسها على قاعدة فلسفية وأخلاقية متينة بحيث لا يكون للعقل دور سلبي على النصوص ولا للشريعة دور معيق على العقل. إنه بذلك يعيد تعريف العلاقة بين الفلسفة والدين من خلال علاقة تصادمية محتملة إلى علاقة تكاملية حقيقية، وهي رؤية تتسم بالجرأة والعمق وتفتح آفاقاً واسعة للفكر المعاصر في فهم أدوار المعرفة المختلفة في حياة الإنسان والمجتمع.

إن تحليل ابن رشد لهذه العلاقة لا يقتصر على الجانب النظري بل يمتد إلى تطبيقات عملية في مسألة التربية والتعليم، حيث يمكنه أن يشكل قاعدة لإعادة التفكير في مناهج التعليم الديني والفلسفي ويتم بذلك تعليم الطلبة قيم الشريعة وأحكامها مع تمكينهم من التفكير النقدي والفلسفي. ومن هذا المنطلق يمكن أن نرى أن ابن رشد يسهم في تأسيس نموذج معرفي مرن يستطيع التعامل مع المستجدات العلمية والفكرية دون أن يتنازل عن الثوابت الأخلاقية والدينية وهو إنجاز فلسفي عميق يعكس فهما ناضجا لطبيعة المعرفة ودور كل حقل معرفي في بناء الإنسان والمجتمع. هذا الطرح لابن رشد وهو مقاربة إعادة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة على أساس التمايز الوظيفي، يمكن أن يشكل مرجعية للنقاشات المعاصرة حول التوفيق بين العقل والدين، بين العلم والقيم وبين المعرفة النظرية والتطبيقية. كما أنه يفتح الباب أمام مراجعة العلاقة بين النصوص والفهم العقلي ويؤكد أن التعددية المعرفية ليست تهديدا للوحدة الأخلاقية أو الدينية بل هي وسيلة لإثراء الفهم وتعميق إدراك الحقيقة.

ويتضح من خلال استعراضنا لفكر ابن رشد أن دوره في إعادة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة يتجاوز مجرد معالجة التصادم الظاهر بين العقل والنقل ويصل إلى بناء رؤية شمولية للمعرفة الإنسانية. هذا البناء يشتمل على مستويات متعددة من الإدراك تمتزج فيها الطبيعة الإنسانية مع المبادئ الإلهية بحيث يتحقق تكامل معرفي متدرّج. إن إدراك هذه البنية يتطلب فهم التدرج بين معرفة الفلاسفة ومعرفة الفقهاء دون اختزال أي منهما إلى وظيفة جزئية أو ثانوية. وإن المعرفة الفلسفية بحسب ابن رشد تركز على التعمق في معرفة الأسباب والعلل، أما المعرفة الشرعية فتسهم في ضبط السلوك وتحقيق العدالة الاجتماعية والأخلاقية، في حين تشكل الحكمة العليا المجال الذي يتقاطع فيه الفكر العقلي مع الغاية النهائية للوجود، وهو إدراك الحقيقة المطلقة.

ويمكن فهم هذه الرؤية على أنها تأسيس لمنهج عقلاني أخلاقي، حيث تتكامل المعرفة التجريبية والفكرية مع المبادئ الدينية في منظومة متماسكة. فابن رشد يعالج مسألة التعددية المعرفية بمقاربة فلسفية دقيقة تعتمد على مبدأ التمايز الوظيفي بحيث يُفهم كل نوع من المعرفة ضمن سياقه الخاص ومهمته المحددة. التأمل في كتاباته يظهر أن الفكر العقلي ليس وظيفة مستقلة عن الغاية الدينية وإنما أداة لفهم الطبيعة والكون بما يخدم الإنسان في تحقيق كماله الروحي والأخلاقي. هذه الرؤية تعكس وعيا عميقا بضرورة الفصل بين المستويات النظرية والعملية للمعرفة بما يسمح بتحقيق انسجام بين التجربة العقلية والالتزام الديني.

إن التحليل المقارن لمواقف ابن رشد والفلاسفة المسلمين السابقين يكشف عن استمرار دقيق للتقليد الفلسفي الإسلامي في إطار تصحيح مسار العلاقة بين العقل والنقل. الفارابي شدد على ضرورة استخدام الفلسفة لفهم الكون وإبراز قوانين الطبيعة، بينما ركز الغزالي على وظائف الشريعة في تنظيم الحياة الروحية والاجتماعية مع تحذيره من تجاوز العقل لحدوده. إن ابن رشد يجمع بينهما بربط كل منهما بمستواه المعرفي الخاص مع توضيح أن تجاوز العقل لحدوده لا يعني رفض الدين، وإنما يعني ضرورة التدرّج في تطبيق المعارف العقلية بما يتوافق مع الغايات الأخلاقية والشرعية. وهذه المقاربة توضح قدرة الفكر الفلسفي على بناء تصورات معرفية متسقة مع الغايات الروحية وتعيد الاعتبار للعقل ضمن إطار ديني متماسك.

في سياق هذا التأويل يظهر دور التأمل العقلي في تفسير النصوص الدينية، إذ أن ابن رشد يطرح آلية لفهم ما وراء الظاهر دون انتقاص من قدسية النص. التأويل عند ابن رشد عملية منهجية دقيقة تمكّن من الوصول إلى جوهر الشريعة من خلال الفهم العميق لمقاصد النصوص مع مراعاة ما يتيحه العقل من إمكانات إدراكية.

إن هذه العملية تمثل نقطة التقاء بين الحكمة والفلسفة الدينية بحيث يسهم التأويل في الكشف عن القواعد العامة التي تؤطر سلوك الإنسان، بينما يبقى الفهم التفصيلي للظواهر الخاضعة للطبيعة في مجال العقل الفلسفي. وينبثق من هذا التصور دور الاجتهاد في الفقه، إذ يصبح الاجتهاد وسيلة لتنظيم العلاقة بين النصوص والواقع مع التأكيد على أن الهدف النهائي هو تحقيق الخير والعدل. الاجتهاد وفق رؤية ابن رشد ليس مجرد ممارسة بل هو عملية عقلية مدروسة توازن بين المبادئ الشرعية والحقائق الطبيعية وتضمن انسجامها في إطار تكاملي. ومن هذا المنطلق تتضح إمكانية بناء منظومة فقهية فلسفية تحقق تطوراً معرفياً متوازناً يواكب التغيرات الطبيعية والاجتماعية دون التنازل عن الثوابت الروحية والأخلاقية.

وتتجلى عظمة هذا الطرح عند ملاحظة قدرة ابن رشد على إدماج الفكر الفلسفي الغربي لا سيما أفلاطون وأرسطو مع المبادئ الإسلامية. إن ابن رشد يرى في الفلسفة اليونانية أداة لتوضيح الأسباب الطبيعية والميتافيزيقية مع إعادة صياغتها ضمن إطار يتوافق مع المبادئ الشرعية. هذا الدمج الفلسفي لا يشكل محاكاة أو تقليدا أعمى وإنما تحويلا واعيا للمعرفة يضعها في خدمة فهم أعمق للوجود ويتيح إعادة ترتيب العلاقة بين الشريعة والحكمة على أساس من الوضوح المنهجي والوظيفي.

ويمكن النظر إلى أثر هذا المنهج في تطوير النظرية الأخلاقية والفكرية حيث يرى ابن رشد أن المعرفة المتعددة المستويات تمكّن الإنسان من التمييز بين ما هو واجب وما هو ممكن، بين ما يمكن إدراكه بالتجربة وما يظل مرهونا بالإيمان. هذه الثنائية المعرفية تخلق رؤية فلسفية متكاملة تشجع على التعلم المستمر وتعزز من قدرة الإنسان على التعامل مع المستجدات العلمية والفكرية دون المساس بالقيم الأساسية التي تؤطر الحياة الفردية والاجتماعية.

التأمل في هذه النظرية يظهر أيضا أنها تمثل سابقة تاريخية في الفكر الإسلامي من حيث إدراك التمايز الوظيفي للمعرفة. إن ابن رشد من خلال هذه المقاربة يضع أسسا يمكن أن تلهم الفكر المعاصر في مجالات متعددة، من التعليم إلى الفقه ومن الفلسفة إلى العلوم الطبيعية. هذه النظرية تقدم نموذجا لإعادة ترتيب الأولويات المعرفية، بحيث يمكن للعقل والفلسفة والشريعة أن تتكامل في تحقيق غايات الإنسان العليا مع احترام خصوصية كل مجال وظيفي ومعرفي.

إن مساهمة ابن رشد تمتد إلى إعادة النظر في العلاقة بين الإنسان والكون وبين المعرفة والغاية. فالعقل هنا ليس مجرد أداة تحليلية بل وسيلة لفهم النظام الكوني بما يحقق انسجاما مع المبادئ الأخلاقية والدينية. الشريعة بالمقابل تشكل سياقا يوجه الفكر والمعرفة بحيث لا ينحرف الإنسان عن قيمه الروحية والأخلاقية مما يخلق انسجاما بين مستويات الإدراك المختلفة. هذا الانسجام يعكس رؤية فلسفية متقدمة تؤكد على ضرورة التوازن بين التجربة العقلية والالتزام الديني وبين المعرفة النظرية والواجبات العملية.

الجانب الأهم في هذه النظرية هو إدراك الطبيعة الوظيفية لكل نوع من المعرفة. معرفة الطبيعة تقع ضمن اختصاص العقل الفلسفي والتجربة العلمية بينما معرفة الواجبات والأحكام تقع ضمن اختصاص الشريعة. الحكمة العليا تعمل على توجيه هذه المعارف نحو غاية كونية موحدة تتمثل في إدراك الحقيقة المطلقة وتحقيق كمال الإنسان. هذا التوزيع يعيد تعريف العلاقة بين المعارف المختلفة ويبرز إمكاناتها التكاملية، وهو ما يمكن أن يشكل نموذجا لإدارة المعرفة في السياق المعاصر، حيث تتعدد مصادر المعلومات وتتباين أهدافها.

تسمح هذه الرؤية أيضا بفهم الحوار بين الثقافات المختلفة، إذ أن الفلسفة كأداة عقلية يمكن أن تتجاوز حدود الثقافات الخاصة مع الحفاظ على المبادئ الأساسية للأخلاق والدين. ابن رشد بهذا الطرح يقدم إطارا للتعامل مع الاختلافات الفكرية والثقافية من خلال التركيز على الوظائف الجوهرية للمعرفة، وليس على الصدام الظاهري بين المدارس الفكرية المختلفة.

في ضوء هذه المقالة المتواضعة يتضح أن ابن رشد أسس نموذجا معرفيا يوازن بين العقل والنقل وبين الفلسفة والشريعة، بحيث يتحقق انسجام بين مستويات الإدراك المختلفة مع مراعاة الغايات الأخلاقية والروحية. هذا النموذج يمثل رؤية متقدمة في الفكر الإسلامي ويتيح إعادة ترتيب العلاقة بين المعرفة والدين بما يعزز من قدرة الإنسان على فهم نفسه والعالم من حوله، دون المساس بالقيم الجوهرية التي تحدد هويته الروحية والأخلاقية.

وتستند مساهمة ابن رشد في إعادة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة إلى وعي عميق بدور كل نوع من المعرفة في حياة الإنسان والمجتمع. إن تبني منهج التمايز الوظيفي للمعرفة يوفر إطارا متكاملاً يسمح للعقل الفلسفي بفهم قوانين الطبيعة والوجود وللفقه والشريعة بضبط السلوك الفردي والاجتماعي وللحكمة العليا بتوجيه هذه المعارف نحو غايات كونية أخلاقية وروحية. هذا التصور يعيد الاعتبار للتعددية المعرفية ويبرز إمكانية انسجام بين مختلف مستويات الإدراك دون أن تتعرض المبادئ الأساسية للقيم للخطر.

ويقدم هذا النموذج أيضا فرصة لإعادة التفكير في دور الفلسفة والتعليم والفقه في العصر المعاصر، حيث يمكن استخدامه كأساس لبناء برامج تعليمية ومعرفية متكاملة تربط بين التفكير العقلاني والفهم الشرعي وتؤسس لثقافة حوارية مرنة بين المعرفة العلمية والفكر الديني. كما يوفر هذا النموذج قاعدة لفهم كيفية التوفيق بين التجربة العقلية والتزامات القيم بين الحقائق الطبيعية والغايات الروحية وبما يسهم في إثراء الفهم الإنساني وتوسيع آفاق الفكر.

إن رؤية ابن رشد تمثل إرثا فلسفيا عميقا يفتح أبوابا للتفكير في العلاقة بين الدين والعقل، بين الفلسفة والشريعة وبين المعرفة النظرية والتطبيقية بطريقة تراعي التمايز الوظيفي لكل حقل معرفي وتتيح استثمار كل معرفة وفق غاياتها الخاصة. هذا الإرث يقدم قاعدة صلبة للحوار المعرفي بين الماضي والحاضر ويؤسس لإعادة ترتيب المعارف الإنسانية على أسس فلسفية وأخلاقية متينة مما يجعله مرجعا خالدا في دراسة العلاقة بين الحكمة والشريعة وبين العقل والدين وبين المعرفة والغاية في الفكر الإسلامي والعالمي.

***

د. حمزة مولخنيف

المادية التاريخية لإنتاج الأوليغارشية وفخ الريع في العراق.. دراسة في انتقال الاستبداد من الفرد إلى الطبقة ومصير «الفتات المتبقي»

المقدمة: ماديّة الاستبداد وديالكتيك التحلل

الاستهلال: «الشسمه» كصورة جدلية للنظام العراقي

- في أزقة بغداد المنهكة التي رسمها أحمد سعداوي في روايته الاستثنائية، يجمع «هادي العتّاق» أشلاء ضحايا الانفجارات؛ ساقٌ من «الكرادة»، وذراعٌ من «الصدر»، وصدرٌ من «الأعظمية»، ليخلق كائناً مُركَّباً أطلق عليه الناس اسم «الشسمه» — الذي لا اسم له. كان الهدف «إكرامَ الموتى»، لكن الكائن نهض فجأةً ليبدأ رحلةً دموية، مدّعياً أنه يثأر لأصحاب الأشلاء التي يتكوّن منها (سعداوي، أحمد، فرانكشتاين في بغداد، بيروت: دار الآداب، 2013، ص 201).

- هذا الكائن ليس مجرد شخصية روائية؛ إنه «المانيفستو» المادي للنظام العراقي بعد 2003: قامت الأوليغارشية بجمع أشلاء الدولة المحطَّمة وخياطة «المحاصصة الطائفية» بخيوط خارجية لتصنع «دكتاتوراً جماعياً» مشوَّهاً. وحشٌ يتكوّن من هويات متصارعة في الظاهر، لكنه في جوهره «جسدٌ واحد» يقتات على دماء الريع النفطي. وهذا ما يُسمّيه البحث — مستعيناً بمصطلح والتر بنيامين — «الصورة الجدلية»: تلك اللحظة التي تتكثّف فيها الحقيقة التاريخية في صورة واحدة قادرة على اختراق الوعي الزائف.

الإشكالية المركزية وفرضية البحث

- إن الإشكالية التي يطرحها هذا البحث لا تتعلق بـ«فشل الديمقراطية» كقيمة إجرائية، بل بشيء أكثر جوهرية: كيف تحوَّل الشكلُ الديمقراطي إلى غرفة عمليات لإعادة إنتاج الاستبداد على شكل طبقي؟ وما الأدوات المادية والأيديولوجية التي تُبقي هذا النظام قائماً رغم أزمته البنيوية المتعمّقة؟

- ينطلق البحث من الفرضية التالية: إن الأزمة البنيوية للعراق بعد 2003 ليست أزمة حوكمة أو تنمية قابلة للإصلاح بآليات تقنية، بل هي أزمة طبقية بامتياز تعكس تناقضاً جوهرياً بين نمط الإنتاج الريعي-التوزيعي وضرورات إعادة الإنتاج الاجتماعي للمجتمع. وإن ما يبدو «فساداً» أو «طائفيةً» هو في حقيقته ضرورة مادية لنظام لا يستطيع البقاء إلا بشراء الولاءات ونهب الموارد.

الإطار النظري: المادية التاريخية

- ينتمي هذا البحث منهجياً إلى تقليد المادية التاريخية، موظِّفاً — لتحاشي الاختزالية الميكانيكية وتوسيع الأدوات التحليلية — إسهامات مفكرين متعددين: غرامشي في نظريتَي الهيمنة والمثقف العضوي، وبورديو في مفاهيم رأس المال الرمزي والعنف الرمزي، وسمير أمين في نقد التبعية والاقتصاد المحيطي، وفالح عبد الجبار وحنّا بطاطو وعلي علاوي في التحليل التاريخي الخاص بالسياق العراقي. المنهج هنا ليس تطبيقاً ميكانيكياً لمخطط جاهز، بل هو بحث في الخصوصية التاريخية الملموسة بأدوات مادية تحليلية دقيقة.

هيكل البحث

- يسير البحث في مسار جدلي من خمسة فصول: يبدأ بتحليل الانتقال الطبقي بعد 2003 (الفصل الأول)، ثم آليات إعادة الإنتاج الهيمني وظاهرة الأنتلجنسيا الرثة (الفصل الثاني)، ثم بنية الارتهان الخارجي والكومبرادور السياسي (الفصل الثالث)، ثم ديناميكيات انسداد أفق الريع ومرحلة الكانيبالية المادية (الفصل الرابع)، وصولاً إلى معضلة البديل الغائب وشروط إنتاجه (الفصل الخامس)، ليُختتم بسيناريوهات مادية للمآل الممكن.

الفصل الأول: من الدكتاتور الفرد إلى مجلس إدارة الاستبداد

تمهيد: السؤال الجوهري

- حين سقط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس في التاسع من نيسان 2003، بدا المشهد في سطحه الإعلامي وكأنه لحظة تحرّر تاريخية. غير أن المادية التاريخية تُعلّمنا أن نسأل: ماذا سقط فعلاً؟ هل سقط الاستبداد، أم سقط شكلٌ واحد من أشكاله؟ وهل مع سقوط الفرد-الدكتاتور تفككت علاقات الإنتاج التي أنتجته وأعادت إنتاجه؟

- هذا الفصل يطرح أطروحة جوهرية: إن ما جرى في العراق بعد 2003 لم يكن انتقالاً من الاستبداد إلى الديمقراطية، بل كان انتقالاً من نمطٍ في الاستبداد إلى نمطٍ آخر؛ من الاستبداد الفردي حيث يتمركز الريع في يد شخص واحد وشبكته الضيّقة، إلى ما يمكن تسميته «مجلس إدارة الاستبداد»: أوليغارشية مُركَّبة تتوزّع فيها الحصص الريعية بين كارتيلات طائفية-سياسية-عسكرية متنافسة في الشكل ومتآمرة في الجوهر.

المبحث الأول: الدولة الريعية العراقية — التشكّل التاريخي

أولاً: النفط كعلاقة إنتاج — بنية الريع

- يُعرّف الاقتصادي حازم الببلاوي الريع بأنه «دخل يتحقق دون أن يستلزم عملية إنتاج داخلية منظّمة»، مُميِّزاً بين أثرين: الأثر الاقتصادي في «تشويه بنية الحوافز الإنتاجية»، والأثر السياسي في «إعفاء الدولة من الحاجة إلى الخضوع لضغط الضريبة الذي يُولّد تاريخياً الديمقراطية» (الببلاوي، حازم والمبيض، غسّان، الدولة الريعية في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987، ص 48-52). وبحلول عام 1973، باتت عائدات النفط تُشكّل ما بين 85 و95% من إيرادات الموازنة العراقية.

- يُبيّن علي علاوي أن «نظام صدام لم يكن استثناءً من الدولة الريعية العراقية بل كان تطرّفها الأقصى؛ إذ تمركزت الثروة النفطية في يد الفرد الدكتاتور ومحيطه الضيّق، فأنتج نمطاً من الدولة لا تعكس مؤسساتها توازناً اجتماعياً بل تعكس إرادة مالك العائد الريعي» (علاوي، علي أ.، احتلال العراق: انتصار الكوارث، ترجمة أحمد محمود، بيروت: الدار العربية للعلوم، 2009، ص 71).

ثانياً: حنّا بطاطو والبنية الطبقية التاريخية

- يُبيّن بطاطو في عمله الموسوعي أن الدولة العراقية لم تنبثق من صراع طبقي داخلي ناضج، بل نُزرعت بقرار خارجي فوق بنية قبلية متشققة، مما أنتج «طبقة إدارية» لا «طبقة رأسمالية» بالمعنى الكلاسيكي. وأن «الولاء في ظل نظام صدام لم يكن ظاهرة أيديولوجية بحتة، بل كان قبل كل شيء مصلحةً اقتصادية مادية ملموسة» (بطاطو، حنّا، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية، ترجمة عفيف الرزاز، المجلد الثالث، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1990، ص 1082-1085).

المبحث الثاني: الانتقال الطبقي بعد 2003

أولاً: المحاصصة كآلية لإنتاج علاقات إنتاج جديدة

- «المحاصصة» في جوهرها آليةٌ لتوزيع «حصص الريع» بين مراكز القوى المتنافسة؛ إنها عقدٌ بين كارتيلات سياسية طائفية-عسكرية على «تقاسم الغنيمة المادية» التي تمثّلها موارد الدولة الريعية. يُوثّق الرفاعي أن «الهدر التراكمي في ميزانية الاستثمار بلغ 240 مليار دولار خلال 2004-2014، لم تُستثمر منها سوى 30% في مشاريع فعلية» (الرفاعي، خضير، اقتصاد المحاصصة، بغداد: دار الرافدين، 2019، ص 78-82).

ثانياً: تشريح مجلس إدارة الاستبداد — ثلاث طبقات

- تتكوّن الأوليغارشية العراقية من ثلاث طبقات متداخلة: قادة الكارتيلات السياسية-الطائفية الذين حوّلوا  رأس المال السياسي إلى ريعي. والبرجوازية الكومبرادورية التي يصفها سمير أمين بأنها «تتوسّط بين رأس المال الأجنبي أو الريع الخارجي والاقتصاد المحلي مستخلصةً فائضاً دون أن تُضيف أي قيمة مُنتَجة» (أمين، سمير، في مواجهة أزمة عصرنا، ترجمة حسن قبيسي، بيروت: دار الفارابي، 2009، ص 203-207). والميليشيات التي تحوّلت إلى «إمبراطوريات اقتصادية» موازية تسيطر على المنافذ والعقارات والتعاقدات.

المبحث الثالث: غياب التراكم الرأسمالي الإنتاجي

- لم تتجاوز نسبة الاستثمار الخاص العراقي غير النفطي 8% من الناتج المحلي حتى في أفضل السنوات، مقارنةً بـ22% في ماليزيا وأكثر من 28% في كوريا الجنوبية في مراحل مماثلة (الشهرستاني، مصطفى كاظم، الاقتصاد العراقي: التشخيص والإصلاح، بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 2018، ص 119-123). هذا الأثر الريعي الطارد للاستثمار الإنتاجي هو المؤشر الأقوى على أن الإشكالية بنيوية لا ظرفية.

خلاصة الفصل الأول

- ما توصّل إليه هذا الفصل: إن الانتقال الذي شهده العراق من 2003 إلى الحاضر هو انتقالٌ في شكل الاستبداد مع الحفاظ على جوهره المادي. انتقل الريع النفطي من قبضة الفرد-الدكتاتور إلى قبضة الكارتيل الأوليغارشي، وانتقلت آلية تحويله إلى سلطة من «أمر الدكتاتور المباشر» إلى «عقد المحاصصة المُركَّب». هذا التحوّل في الشكل مع الثبات في الجوهر هو ما يُسمّيه المنهج الجدلي «النفي غير المكتمل».

الفصل الثاني: آليات إعادة الإنتاج: الرشوة والولاء والأنتلجنسيا الرثة

كيف يُعيد النظام الريعي إنتاج هيمنته اجتماعياً وأيديولوجياً؟

تمهيد: إشكالية الاستمرارية

- يطرح أي نظام تسلطي سؤالاً أساسياً: كيف يستمر؟ السلطة لا تقوم على القوة العسكرية وحدها. ميّز غرامشي بين نوعين من ممارسة السلطة: السلطة بالقسر والسلطة بالموافقة، كاتباً: «الهيمنة هي حكمٌ بالموافقة، والديكتاتورية حكمٌ بالقوة» (غرامشي، أنطونيو، دفاتر السجن: المثقفون والمسألة الوطنية، ترجمة عادل العامل، بيروت: دار الفارابي، 1994، ص 57). هذا الفصل يكشف الآليات المحددة التي يُعيد بها النظام الريعي إنتاج هيمنته.

المبحث الأول: فخ الصرف الزائد — الرشوة الاجتماعية

أولاً: التوظيف الحكومي المترهل

- كشف تقرير البنك الدولي لعام 2022 أن فاتورة رواتب القطاع العام بلغت أكثر من 23 مليار دولار سنوياً. وتُبيّن دراسة مظهر محمد صالح أن نسبة العمالة الحكومية ارتفعت من 17% عام 2003 إلى أكثر من 42% عام 2020، مستخلصاً أن «هذا التضخم لا يُفسَّر بالنمو الطبيعي للجهاز الإداري، بل بالدور الوظيفي للتعيين الحكومي كأداة لاحتواء الضغط الاجتماعي وشراء الولاء الانتخابي» (صالح، مظهر محمد، الاقتصاد العراقي بين الريع والتنويع، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2021، ص 88-94).

ثانياً: الزبائنية السياسية — بنية الولاء الهرمي

- يُعرّف جيمس سكوت الزبائنية بأنها «علاقة تبادل شخصية غير متكافئة بين «الراعي» الذي يمتلك الموارد و«الزبون» الذي يمتلك الأصوات والولاء» (Scott, James C., «Patron-Client Politics», American Political Science Review, Vol. 66, No. 1, 1972, p. 92). وقد أسهم بورديو بمفهوم «رأس المال الاجتماعي» الذي يُشغّل آلة الزبائنية حين تشحّ الموارد المالية (بورديو، بيير، الأسباب العملية، ترجمة ماهر تريمش، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007، ص 103).

المبحث الثاني: الأنتلجنسيا الرثة — تشريح المثقف الزبائني

أولاً: من المثقف العضوي إلى المثقف الرث

ميّز غرامشي بين المثقف التقليدي المنفصل عن علاقات الإنتاج والمثقف العضوي الذي ينبثق من طبقة ليُعبّر عن وعيها (غرامشي، المرجع السابق، ص 9-10). يطرح هذا البحث مفهوماً نقيضاً: «الأنتلجنسيا الرثة» — المثقف الذي يرتبط عضوياً بطبقة ريعية طفيلية لا مشروع تاريخياً لها سوى الحفاظ على امتيازاتها، فيُنتج وعياً زائفاً يُخدّر ويُشوّه ويُبرّر بدل أن يُنير.

ثانياً: الوظائف الثلاث للأنتلجنسيا الرثة

- تُؤدي الأنتلجنسيا الرثة ثلاث وظائف بنيوية: إنتاج الأيديولوجيا المُشرعِنة عبر مسارات الخطاب الطائفي وخطاب المقاومة والمقاربة التكنوقراطية البراغماتية. وتدمير الذاكرة التاريخية الجمعية بالطمس والإسدال أو بإعادة الكتابة. وثالثاً «إنتاج اليأس النشط» — تحويل الإحباط إلى قناعة بانتفاء الجدوى، وهو ما وصفه فريري بـ«ثقافة الصمت» التي ينتجها المثقف الزبائني: «المقهور الذي تعمّقت فيه ثقافة الصمت يُطوّر وعياً سحرياً بواقعه، يراه قدراً لا حيلة فيه» (فريري، باولو، تربية المقهورين، ترجمة بدر الدين عرودكي، بيروت: دار الآداب، 2001، ص 61).

المبحث الثالث: الآليات الأيديولوجية للهيمنة

- يُقدّم مفهوم «رأس المال الرمزي» لبورديو أداةً نافذة لفهم كيف تُحوّل الأوليغارشية مصادر سيطرتها المادية إلى «طبيعة ثقافية» مُتقبَّلة اجتماعياً: «رأس المال الرمزي هو القوة الخفية التي تجعل العلاقات الاجتماعية غير المتكافئة تبدو طبيعية وعادلة» (بورديو، بيير، العنف الرمزي، ترجمة نظير جاهل، بيروت: المركز الثقافي العربي، 1994، ص 161-164). كما أن أكثر من 63% من القنوات التلفزيونية العراقية تمتلكها أحزاب أو كتل سياسية دينية (IFJ, Iraq Media Landscape Report, Brussels, 2021, p. 17).

المبحث الرابع: تشرين — قراءة مادية في التعثّر

- واجهت انتفاضة تشرين 2019 حائطاً مادياً مُركَّباً من ثلاثة أبعاد: الارتهان المعيشي لأسر المحتجين بالراتب الحكومي ذاته الذي يُطعم من يثأرون منه. وغياب الذات الطبقية المنظّمة — «العقم التنظيمي للغضب التلقائي» بوصف أوتو باور (باور، أوتو، المسألة القومية والاشتراكية، ترجمة صلاح الدين المحسن، بيروت: دار الطليعة، 1979، ص 203-206). والتدخل المُحكم للأنتلجنسيا الرثة بكامل آلياتها لإعادة تأطير الحراك وتطييفه وتقزيمه.

خلاصة الفصل الثاني

- كشف هذا الفصل أن الأوليغارشية الريعية تُعيد إنتاج هيمنتها عبر منظومة متكاملة: الرشوة الهيكلية (التوظيف والإنفاق الاجتماعي)، والزبائنية الهرمية، والأنتلجنسيا الرثة التي تُزوّد الهيمنة بغلافها الثقافي والرمزي. غير أن كل آلية تحمل في بنيتها بذرة تناقضها: التوظيف يُثقل الميزانية، والزبائنية تُغذّي توقعات تتجاوز طاقة الوفاء، والأنتلجنسيا تفقد مصداقيتها حين يتّسع الفارق بين خطابها والواقع.

الفصل الثالث: الارتهان المادي والتبعية الخارجية

الكومبرادور السياسي العراقي: بنية التبعية وآليات الاشتراط الخارجي

المبحث الأول: الكومبرادور السياسي — إطار نظري

- يُصوّر سمير أمين العلاقة بين المركز والمحيط بأنها «علاقة استخلاص مزدوجة: يستخلص المركز فائض القيمة من المحيط، ويستخلص الكومبرادور ريعه المحلي من التيسير الذي يُقدّمه لهذه العملية» (أمين، سمير، التراكم على الصعيد العالمي، ترجمة حسن قبيسي، بيروت: دار ابن خلدون، 1975، ص 301-305). في العراق، الكومبرادور السياسي لا يتوسط فقط بين رأس المال الأجنبي والسوق المحلية، بل بين إرادة مراكز القوى الخارجية ومنظومة الحكم المحلية.

- يُوثّق علي علاوي بنزاهة نقدية نادرة: «لم يكن الكثير من القادة العائدين على دراية فعلية باقتصاد البلاد، لكنهم كانوا على دراية تامة بمزاج الجهات التي أوصلتهم ومتطلباتها. وقد ظل هذا التوجه الخارجي حاكماً لمنطق صنع القرار» (علاوي، المرجع السابق، ص 148-151).

المبحث الثاني: النموذج الإيراني — التبعية الأكثر عمقاً

أولاً: تمييز ثلاثة مستويات للنفوذ

- ينبغي التمييز بين النفوذ الثقافي-الديني التاريخي، والنفوذ الاستراتيجي الجيوسياسي المشروع، وبين النفوذ التبعوي-الريعي الذي يُصبح بنيوياً حين يرتبط بقاء شرائح من الأوليغارشية ارتباطاً عضوياً بالدعم الإيراني. يُبيّن فالح عبد الجبار أن «إيران بنت سوق علاقات: تُقدّم الحماية والشرعية الإقليمية، وشركاؤها العراقيون يُؤمّنون لها عمقاً استراتيجياً على حساب السيادة العراقية» (عبد الجبار، فالح، مجلة المستقبل العربي، العدد 423، 2014، ص 28-33).

ثانياً: الضريبة الاقتصادية للتبعية — ملف الطاقة

- يكشف باسم جميل أنطوان أن قيمة الغاز المُحرَق في حقول النفط العراقية تتجاوز ملياري دولار سنوياً، فيما تدفع العراق قرابة مليار دولار سنوياً ثمن الكهرباء المستوردة من إيران. هذه المفارقة لا تُفسَّر بغياب التقنية «بل في أن القيود التي تحول دون استثمار الغاز المحلي ترتبط باعتبارات تبعوية تجعل الاستيراد من إيران أنسب سياسياً من الاكتفاء الذاتي» (أنطوان، باسم جميل، ملف الطاقة العراقي، بغداد: دار المدى، 2022، ص 88-96).

المبحث الثالث: النفوذ الأمريكي — من الاحتلال إلى الاشتراط الريعي

- بعد 2011، تحوّل النفوذ الأمريكي من عسكري مباشر إلى «مزاد العملة» الذي يمنح الاحتياطي الفيدرالي رقابة شبه يومية على حركة السيولة العراقية. يُبيّن مظهر محمد صالح أن «الدولار هو العملة الحقيقية للاقتصاد العراقي دون إعلان ذلك رسمياً، وأي اضطراب في إمداده يتحوّل فوراً إلى أزمة معيشية مباشرة» (صالح، المرجع السابق، ص 134-138). وتصف الباحثة توبي دودج هذا الوضع بـ«فخ الحياد المستحيل»: الأوليغارشية محاصرة بين التبعيتين الإيرانية والأمريكية في آنٍ واحد فتنتج «النفاق الاستراتيجي الهيكلي» (دودج، توبي، العراق: من الحرب إلى استبداد جديد، ترجمة حسن الشيخ، بيروت: الشبكة العربية، 2014، ص 201).

المبحث الرابع: تضارب المصالح ومضيق هرمز

- الأطروحة الجوهرية: إن إبقاء مسار تصدير النفط العراقي رهيناً بمضيق هرمز ليس قصوراً إدارياً بل هو ضمانة تبعوية بنيوية. فطالما أن قطع هذا المسار يُشكّل تهديداً وجودياً للاقتصاد العراقي، تظل إيران تمتلك ورقة ضغط استراتيجية تستخدمها في كل تفاوض لفرض شروطها.

- يُبيّن وليد خدوري أن خط الأنابيب العراقي-السعودي (IPSA) بطاقة 1.65 مليون برميل يومياً أُغلق منذ 1990 ولم يُعَد تشغيله رغم أن تأهيله لا يكلّف أكثر من ملياري دولار — أقل من أسبوع من عائدات النفط. «وغياب الإرادة السياسية لعشرين عاماً لا يُمكن تفسيره بأي منطق اقتصادي، بل ينكشف حين يُقرأ في ضوء الالتزامات التبعوية» (خدوري، وليد، النفط العراقي في المعادلة الإقليمية، بيروت: الشركة العربية للنشر، 2018، ص 112-119).

خلاصة الفصل الثالث

- السيادة الوطنية في العراق مُجزَّأة ومُوزَّعة بين مراكز نفوذ متعددة بصورة مُنهِكة للموارد الوطنية. لكن هذا الارتهان يحمل بُعداً جدلياً: حين يُهدَّد المسار الخارجي — أزمة إقليمية كبرى أو انهيار نفطي — تنكشف هشاشة النظام بكاملها دفعةً واحدة. وهذا التقاطع بين الأزمة الداخلية وهشاشة الارتهان الخارجي هو لحظة الانفجار التي يُحلّلها الفصل الرابع.

الفصل الرابع: لحظة الانفجار: انسداد أفق الريع

السكتة القلبية للنظام الريعي وانتقاله من توزيع الفائض إلى نهب الأصول

«الأزمة تحدث بالضبط حين يستحيل استمرار القديم وتعجز قوى التجديد عن الوصول. هذا الفراغ هو حقبة الأعراض الشديدة» (غرامشي، أنطونيو، دفاتر السجن، المرجع السابق، ص 276)

المبحث الأول: السكتة القلبية المالية

- وثّق صندوق النقد الدولي في تقريره لعام 2023 أن «سعر التعادل» — أي سعر برميل النفط اللازم لموازنة متوازنة — ارتفع من 60 دولاراً عام 2010 إلى أكثر من 96 دولاراً عام 2023، وهو ارتفاع يعكس تضخّم الالتزامات بمعدل يفوق أي نمو في الطاقة الإنتاجية (IMF, Iraq: 2023 Article IV Consultation Report, Washington: IMF, 2023, p. 14). ويُحلّل أحمد موسى جياد أن الصدمة النفطية لعام 2014 دفعت الحكومة إلى إصدارِ سندات خزينة بـ20 تريليون دينار لتسديد الرواتب، محوّلةً «إنفاق الريع» إلى «إنفاق الديون» للمرة الأولى (جياد، أحمد موسى، الاقتصاد العراقي وتداعيات انهيار أسعار النفط، أبو ظبي: مركز الخليج للأبحاث، 2017، ص 63-68).

المبحث الثاني: الكانيبالية المادية

أولاً: مفهوم الكانيبالية المادية

- يطرح هذا البحث مفهوم «الكانيبالية المادية» لوصف الانتقال من نهب الريع الجاري إلى التهام أصول الدولة المتبقية. إنها مرحلة «التفكيك الذاتي» التي وصفها كارل بولاني: حين يبدأ النظام في استهلاك الموارد التي تُتيح له إعادة إنتاج نفسه (بولاني، كارل، التحوّل الكبير، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، 2008، ص 136).

ثانياً: التجليات الثلاثة

- أولاً نهب عقود البنية التحتية: ما يزيد على 40 مليار دولار لملف الكهرباء خلال 2006-2021 مع هدر تراكمي يُقدّر بـ25-30 مليار دولار، يتوزّع على عقود مُضخَّمة بـ40% ومشاريع مدفوعة غير منجزة (Global Integrity, Iraq Electricity Sector Integrity Assessment, Washington, 2020, p. 22). ثانياً التهام الاحتياطيات السيادية: تراجعت من 90 إلى 53 مليار دولار بين 2014 و2020. ثالثاً إفراغ صناديق التقاعد عبر استثمارات خاسرة في مشاريع حزبية مرتبطة بالكارتيلات (الموسوي، محمد، حقوق التقاعد في العراق، بغداد: هيومن رايتس ووتش، 2022، ص 18).

المبحث الثالث: معادلة هرمز — جغرافيا الهشاشة

- يمرّ عبر مضيق هرمز (34 كم في أضيق نقاطه) أكثر من 90% من صادرات النفط العراقي. ومحاكاة خدوري الحسابية تُشير إلى أن تراجع الصادرات بنسبة 30% لستة أشهر سيُنتج عجزاً يبلغ 18 مليار دولار «يُجاوز كل الاحتياطيات المتاحة للضخ الطارئ» (خدوري، المرجع السابق، ص 163-167). وهذا الانكشاف ليس عجزاً تقنياً بل ضمانة تبعوية بنيوية محسوبة.

المبحث الرابع: ما بعد الذروة النفطية

- تتجاوز الأزمة دورات الأسعار لتُواجه تحدياً بنيوياً: التحوّل الطاقوي العالمي. يُقدّر تقرير IEA لعام 2023 أن الطلب العالمي على النفط سيبلغ ذروته قبل عام 2030 (IEA, World Energy Outlook 2023, Paris, 2023, p. 41). وعلى المستوى التنافسي، يُضيق صعود النفط الصخري الأمريكي مساحة المناورة السعرية لأوبك+ مُضيّقاً بدوره العائد العراقي المتوقع. «الدول الريعية التي تُفوّت فرصة التحوّل تُشبه إقطاعياً يبيع أراضيه لتمويل حفلة طويلة» (قرم، جورج، الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط، بيروت: دار الطليعة، 2011، ص 248-253).

المبحث الخامس: سلوك المُحاصَر

- يُحدّد مايكل روس في «لعنة النفط» أربعة أنماط استجابة للأوليغارشيات في مواجهة أزمات الموارد: التقشف الانتقائي، والاستدانة الخارجية، وتصعيد القمع، وتسارع نهب الأصول. ويُلاحَظ في العراق الراهن حضور الأنماط الأربعة بصورة متزامنة (روس، مايكل، لعنة النفط، ترجمة أيمن شكر، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2015، ص 88). والأهم أن تسارع النهب يعكس وعياً ضمنياً لدى النخبة بحتمية الانهيار — وهو ما يُسمّى «استراتيجية الخروج».

خلاصة الفصل الرابع

- الأدلة جميعها — من منحنيات سعر التعادل إلى تراجع الاحتياطيات إلى الكانيبالية المادية إلى هشاشة الممر الهرمزي — تُشير إلى نظام يقترب من عتبة اللاعودة في قدرته على إعادة إنتاج بنيته الريعية. لكن المادية التاريخية تُذكّرنا أن الأزمة البنيوية ليست سقوطاً آلياً مبرمجاً. وهنا تبرز إشكالية الفصل الخامس: غياب البديل المنظّم القادر على تحويل اللحظة الانفجارية إلى لحظة تأسيسية.

الفصل الخامس

معضلة البديل الغائب

غياب الذات الواعية: لماذا لا تُنتج الأزمة البنيوية تحوّلاً تلقائياً؟

تمهيد: المفارقة الجوهرية

- إذا كانت الأزمة البنيوية للنظام الريعي بهذه الحدة والعمق — فلماذا لا يتحوّل؟ التناقض البنيوي شرطٌ ضروري لكنه ليس كافياً. الشرط الكافي هو الذات الواعية المنظّمة القادرة على تحويل الأزمة من ألم مُعاش إلى مشروع تاريخي مُصاغ. وهذا بالضبط ما يغيب في الحالة العراقية.

المبحث الأول: تجريف الطبقات المنتجة

- بيانات الجهاز المركزي للإحصاء لعام 2021 تكشف أن نسبة العاملين في الصناعات التحويلية الخاصة لا تتجاوز 6% من القوى العاملة، مقابل 42% في القطاع الحكومي (الجهاز المركزي للإحصاء، مسح سوق العمل، بغداد، 2021، ص 17-19). يُضيف إبراهيم الحيدري أن الريعية أنتجت «طبقة عاملة مُفتَّتة هوياتياً: يرى الكثيرون أنفسهم أبناء طائفة أو عشيرة لا أعضاء في طبقة ذات مصالح مشتركة» (الحيدري، إبراهيم، سوسيولوجيا المجتمع العراقي، بيروت: دار الساقي، 2020، ص 178-183).

- ويرصد فالح عبد الجبار غياب «التنظيم المدني المستقل مالياً وعقائدياً، النابع من المصالح الطبقية المحلية وخادم لها» بين التنظيمات الحزبية المُغلَّفة مدنياً والتنظيمات الممولة دولياً بأجندات خارجية (عبد الجبار، فالح، المجتمع المدني والتحوّل الديمقراطي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012، ص 211-215). وتُقدّر أرقام IOM أن 5-7 ملايين عراقي يعيشون خارج البلاد وأن أكثر من 60% من الكفاءات المتخصصة غادروا البلاد خلال العشر سنوات الأولى بعد تخرجهم (IOM, Iraq Migration Report, Geneva, 2022, pp. 11-14).

المبحث الثاني: الوعي الزائف وإشكالية تشرين

- وصف لوكاتش هذا النوع من الحالات بـ«الوعي في طور التشكّل»: مرحلة يُدرك فيها أفراد الطبقة المقهورة واقع استغلالها دون أن يمتلكوا الإطار المفاهيمي لترجمة هذا الإدراك إلى استراتيجية تحرر (لوكاتش، جورج، التاريخ والوعي الطبقي، ترجمة حنا الشيخ، بيروت: دار الطليعة، 1983، ص 97-102). في تشرين، الشعارات كانت طبقية في روحها لكنها ظلت أعراضاً تعبيرية لا مشروعاً سياسياً، ويعكس ذلك مباشرةً غياب المثقف العضوي الغرامشي الذي يُترجم «الغضب إلى برنامج». يُبيّن حيدر سعيد أن المثقف العراقي يواجه معادلة قاسية: «إما الانضمام إلى الزبائنية الحزبية فيحصل على الموارد ويفقد الاستقلالية، وإما أن يظل مستقلاً فيُعزل ويُهمَّش مادياً» (سعيد، حيدر، السياسة والثقافة في العراق المعاصر، بيروت: المركز العربي للأبحاث، 2018، ص 134-140).

المبحث الثالث: معضلة الاستقلال الاقتصادي

- كل مصادر التمويل المتاحة للبديل السياسي مُرتهِنة للمنظومة: الحكومي يعني الزبائنية، والخارجي يعني الأجندات المستوردة والتشكيك الوطني، والخاص يعني الارتهان لمزاج الثروات المرتبطة بشبكة الريع. وفي غياب قطاع إنتاجي مستقل يُولّد ثروات بمعزل عن الريع الحكومي، تظل القوى البديلة رهينة هذا المثلث المسموم.

المبحث الرابع: شروط إنتاج البديل الممكن

- يستلزم بناء «الكتلة التاريخية» بمفهوم غرامشي ثلاثة عناصر مادية: نواة تنظيمية مستقلة مادياً، وبرنامج اقتصادي بديل محدد لـ«ما بعد الريع»، ولغة سياسية تُخاطب المواطن في مصلحته الاقتصادية لا «ابن المكوّن» في هواجسه الهوياتية. وتُوفّر تجربة بوليفيا مع إيفو موراليس درساً قيّماً: وجود «قاعدة إنتاجية مستقلة ولو جزئية» كان العمود الفقري للتحوّل (Rees, Gilbert, «Extractivism and Social Change in Bolivia», Latin American Politics and Society, Vol. 55, No. 3, 2013, p. 47).

- في قلب المشهد القاتم، ثمة عامل واحد يستحق قراءةً متأنية: أكثر من 60% من السكان دون سن الثلاثين، يحمل معظمهم «وعياً نقدياً مقارناً» غير مسبوق في التاريخ العراقي. يُحلّل حارث حسن أن «هذا الجيل يُطوّر وعياً نقدياً يرى في الواقع سياسةً قابلة للتغيير لا حتمية مُسلَّماً بها» (حسن، حارث، مجلة سياسة دولية، العدد 214، بيروت، 2020، ص 48-52).

خلاصة الفصل الخامس

- بذور التجاوز موجودة — في تراكم الوعي التشريني النقدي وفي الحاجة الموضوعية المتصاعدة وفي الجيل الجديد — لكنها تحتاج إلى شروط مادية لنموّها: استقلالية اقتصادية تُتيح التنظيم المستقل، ومشروع اقتصادي بديل محدد الملامح. وفي غياب هذه الشروط لا تنتهي الأزمة بثورة بل بسيناريوهات متعددة الأشكال.

الخاتمة: السيناريوهات المادية القادمة

التغيير في البنية الفوقية مستحيل دون زلزال في القاعدة المادية

أولاً: تكثيف الأطروحة — ما أثبته البحث

على مسار فصوله الخمسة، أثبت هذا البحث بالتحليل المادي التاريخي الموثَّق أربع أطروحات مترابطة:

1. الأطروحة الأولى: إن ما جرى في العراق بعد 2003 ليس انتقالاً من الاستبداد إلى الديمقراطية، بل تحوّلٌ في شكل الاستبداد مع الحفاظ على جوهره الريعي. انتقلت السلطة من «فرد-دكتاتور» إلى «مجلس إدارة أوليغارشي»، لكن علاقة الإنتاج الريعية لم تتغيّر.

2. الأطروحة الثانية: إن الأوليغارشية تُعيد إنتاج هيمنتها عبر منظومة مُركَّبة من الرشوة الاجتماعية والزبائنية والأنتلجنسيا الرثة والارتهان الخارجي الذي يُحوّل التبعية إلى ضرورة بقاء.

3. الأطروحة الثالثة: إن النظام يعيش الآن مرحلة «التعفن البنيوي» المتسارع، يُجسّدها ارتفاع سعر التعادل المالي وتراجع الاحتياطيات والانتقال إلى الكانيبالية المادية. هذا المسار لا رجعة عنه في إطار البنية القائمة.

4. الأطروحة الرابعة: إن الأزمة البنيوية لا تُنتج تلقائياً بديلاً تحرريّاً؛ لأن الذات الطبقية القادرة على تحويل الأزمة إلى مشروع تاريخي غائبة أو مُجزَّأة نتيجة عقود من تجريف الطبقات المنتجة وتدمير المجتمع المدني المستقل.

ثانياً: السيناريوهات المادية الثلاثة

1. السيناريو الأول ك التحلل الشامل والفوضى المُركَّبة (الأعلى احتمالاً على المدى المتوسط)

تصاعد متوازٍ بين عجز مالي متنامٍ وتدهور الخدمات، وتفكّك تدريجي لسلطة الدولة المركزية لصالح أمراء الحرب المحليين وشبكات الميليشيات الاقتصادية، وتسارع الكانيبالية المادية في سباق يؤجّج ذاته. لا انهيار مفاجئ بل تحلّل بطيء متسارع — ما وصفه ابن خلدون بـ«الترهل»: حين يفقد الجسم السياسي عصبيته الجامعة ويبدأ في الانحلال من الأطراف قبل المركز (ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق درويش الجويدي، بيروت: المكتبة العصرية، 2005، ص 174).

2. السيناريو الثاني البونابرتية المادية (ممكن في لحظة الأزمة الحادة)

ظهور زعيم فردي قوي يُطيح بالأوليغارشية مُدَّعياً تمثيل الإرادة الشعبية، مستغلاً حاجة الجماهير الحادة إلى الأمان والخبز في لحظة انهيار نظام الولاء الزبائني. لا تحرر حقيقي بل إعادة تمركز السلطة في يد الفرد. يُلفت عزمي بشارة إلى أن «الشعب المُرهَق والجائع يميل في لحظات الاستعصاء إلى القبول بالقوي الذي يُوقف الفوضى حتى لو كان ذلك على حساب حريته» (بشارة، عزمي، في المسألة العربية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007، ص 233).

3. السيناريو الثالث الكتلة التاريخية والتحوّل البنيوي (الأصعب تحقيقاً والأكثر عدالةً)

نشوء قوى اجتماعية منظّمة تمتلك استقلالية اقتصادية كافية، وقادرة على بناء تحالف طبقي عابر للهويات حول مشروع اقتصادي بديل واضح المعالم. يستلزم: الاستمرار الصبور في بناء التنظيم المستقل، وانتهاز لحظة الأزمة المالية الحادة، ووجود برنامج اقتصادي يُجيب على سؤال «ماذا بعد الريع». إنه سيناريو الأمل المحفور في المنطق الجدلي: فكل نظام يحمل في تناقضاته بذور تجاوزه.

ثالثاً: الاستنتاج النهائي

- الأوليغارشية في العراق ليست «قدراً سياسياً» ولا «خصوصيةً ثقافية» ولا «عاهةً أخلاقية» في أبناء هذا البلد. إنها «ضرورة مادية» تُنتِجها وتُعيد إنتاجها علاقاتُ إنتاج ريعية محددة لم تتغيّر في جوهرها منذ عقود. وإن نهايتها — متى جاءت — لن تكون بتغيير الأشخاص أو بإجراء انتخابات أو بضخ خطاب وطني جديد؛ بل ستكون حصراً بتفكيك هذه العلاقات الريعية وبناء قاعدة إنتاجية مستقلة تُولّد ثروةً حقيقية وتُنتج بالضرورة طبقةً اجتماعية ذات مصالح مادية في دولة قانون وحوكمة ومحاسبة.

- في النهاية نستعير من «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي: «أنا لستُ ما صنعني هادي؛ أنا ما صنعتْه الحرب». بالقياس: الأوليغارشية العراقية ليست ما صنعه هذا الزعيم أو ذاك، إنها ما صنعه الريع النفطي والتبعية الخارجية والتفكيك المنظّم للمجتمع المنتج. وهذا التمييز بين الفرد والبنية هو ما يجعل تغيير الوجوه دون تغيير البنية مجرد إعادة إنتاج للأشلاء ذاتها بترتيب جديد (سعداوي، أحمد، فرانكشتاين في بغداد، بيروت: دار الآداب، 2013، ص 287).

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

باحث في مجال حقوق الانسان

تحليل في بنية الحجاج في كتاب "الكشف عن مناهج الأدلة"

في المتون الكبرى التي تعيد ترتيب العلاقة بين العقل والوحي يبرز الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة بوصفه نصا مؤسِّسا لا في تاريخ الجدل العقدي فحسب، بل في تاريخ الوعي الإسلامي بذاته وهو يراجع أدواته ومناهجه ومسلّماته. فابن رشد لا يكتب هنا من موقع المتكلّم الذي يدافع عن مذهب داخل سوق الاختلاف ولا من موقع الفيلسوف الذي يفرض على الشريعة منطقا غريبا عن بنيتها، بل من موقع المفكّر الذي أدرك أنّ أزمة العقيدة في الثقافة الإسلامية قد استقرّت طويلا في مناهج النظر قبل أن تستقرّ في مضامين الاعتقاد، وأنّ العطب الذي أصاب المعنى الديني لم ينشأ من فقر النصّ ولا من قصور الوحي بل من تضخّم الجدل ومن سوء الترتيب بين مراتب الخطاب ومن الخلط بين ما يقتضيه البرهان وما يكتفي به الإقناع ومن توهّم أنّ كثافة الاعتراض دليل على قوة اليقين. ومن هنا جاء هذا الكتاب على صورة مراجعة عميقة لآلة الاستدلال ذاتها وعلى صورة مساءلة صارمة للطرق التي سلكها المتكلّمون في تقرير العقائد وعلى صورة استئنافٍ فلسفيّ رفيع يروم تخليص الدين من الأدلة التي أضعفته أكثر مما خدمته وردَّ الإيمان إلى أفقه الأصفى حيث يتعانق المعنى والبرهان وتلتقي الهداية بالنظر.تلك هي النقطة التي تمنح النصّ الرشدي فرادته الحقيقية. فالمسألة عنده لا تُختزل في إثبات وجود الله أو تقرير الصفات أو الدفاع عن النبوّة أو الحديث عن المعاد، لأنّ هذه الموضوعات كلّها تظلّ في مرتبة المقولات الجزئية ما لم تُفهم في ضوء السؤال الأعمق، بأيّ عقل تُدرَك العقيدة وبأيّ منهج تُبنى وبأيّ خطاب تُنقل من حيّز الحقيقة إلى حيّز التلقّي العام دون أن تفقد تماسكها أو تنقلب إلى مادة خصام؟ هنا يتقدّم ابن رشد بخطاب نادر الصرامة لأنّه ينقل البحث من "ماذا نعتقد؟" إلى "كيف نعتقد على وجه صحيح؟"، ومن مضمون القضية إلى شرعية الدليل ومن ظاهر الاختلافات المذهبية إلى البنية المعرفية التي صنعتها وأدامت سلطانها. ويعتبر الكشف عن مناهج الأدلة نصا يتجاوز علم الكلام من داخله ويخترق الفلسفة من غير أن يستسلم لها ويؤسّس إمكانا ثالثا للمعقول الديني إمكانا لا يخاصم النصّ ولا يستقيل من العقل ولا يسلّم الحقيقة إلى الجدل ولا يتركها أسيرة الظاهرية العمياء.

وانطلاقا من هذا المسار يتحدّد الرهان المركزي لهذا المقال الوجيز حول تفكيك مفهوم "المعقول الديني" عند ابن رشد عبر تحليل البنية الحجاجية التي تنتظم كتاب الكشف عن مناهج الأدلة بوصفها بنيةً تكشف عن مشروع فكري متكامل يروم إعادة بناء المجال العقدي على أساس من الانضباط البرهاني والوفاء لروح الشريعة معا. فالمقصود لا يقف عند تتبّع مواقف ابن رشد في قضايا الإلهيات والنبوات والسمعيات بل يتجاوز ذلك إلى استجلاء المنطق الداخلي الذي يحكم انتقاله من نقد أدلة المتكلّمين إلى استخراج مناهج القرآن في الاستدلال، ومن تفكيك الصناعات الجدلية إلى إرساء نموذج معرفي يرى في الدين خطابا مؤسَّسا على المعقول في جوهره وفي العقل أداةً للهداية لا آلةً للمشاغبة وفي التأويل حدا معرفيا مضبوطا لا ممرا للفوضى وفي البرهان قيمةً حضاريةً تحفظ وحدة الحقيقة من التمزّق بين الفرق والاصطلاحات. وعلى هذا الأساس يتبدّى ابن رشد في هذا النصّ الكبير واحدا من أعمق من وعى أنّ معركة الفكر لا تُحسم عند حدود النتائج بل تُحسم في طرائق الوصول إليها وأنّ فساد الدليل قد يسيء إلى الحقّ أكثر ممّا يسيء إليه خصومه وأنّ الدين كلّما استعاد معقوله الأصيل استعاد قدرته على أن يكون مصدر يقين لا مادة انقسام وأفقَ بناءٍ لا ساحةَ تنازع.

ليس من اليسير أن يُقرأ كتاب الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة قراءةً خارج الأفق الذي أنشأه ابن رشد لنفسه بوصفه فقيها وأصوليا ومتكلما وشارحا لأرسطو في آن. فالنص الرشدي هنا لا يقدّم نفسه مجرد رسالة في العقيدة ولا مجرّد ردّ على المتكلمين ولا مجرد ملحق بكتابه فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، بل يكشف عن مشروع أعمق يتعلّق بإعادة بناء المجال الديني من الداخل على أساس عقلاني برهاني يردّ الاعتبار إلى "المعقول" في الدين ويُنقذه من أسر الجدل الخطابي الذي استبدّ بمناهج النظر في قضايا الإلهيات والنبوات والمعاد. وإنّ قيمة هذا الكتاب لا تكمن فقط في موضوعاته المعلومة التي تتصل بإثبات وجود الله ووحدانيته وتنزيهه وإثبات النبوة وتأويل الصفات والحديث عن السعادة الأخروية، وإنما تكمن على نحو أخص في بنية الحجاج التي تنتظم الكتاب كله وتجعل منه وثيقة فكرية كاشفة عن مفهوم مخصوص للمعقول الديني عند ابن رشد.

وإذا كان كثير من الدارسين قد تعاملوا مع الكشف بوصفه نصا "كلاميا" في ظاهر بنيته الموضوعية فإنّ النظر المتأني يكشف أنّ الرجل إنما كان بصدد تفكيك البنية الداخلية لعلم الكلام نفسه لا من أجل الانتصار لمذهب كلامي على آخر، بل من أجل مساءلة الأصل المنهجي الذي قامت عليه طرائق المتكلمين في الاستدلال. ولذلك فإنّ ابن رشد لا يدخل إلى المسألة من باب النتائج الاعتقادية فقط، بل من باب مناهج الأدلة. وهذا العنوان نفسه بالغ الدلالة لأنّه لا يَعِدُ القارئ بتقرير عقائد الملة على نحو تلقيني بل يعده بـ"كشف" المناهج التي ينبغي أن تُسلك في إقامة الأدلة عليها. والفرق بعيد بين من ينشغل بتقرير مضمون المعتقد وبين من ينشغل بفحص آلة الوصول إليه. هنا يتبدّى الطابع الفلسفي الأصيل للنص الرشدي إذ لا قيمة للحقيقة ما لم تُدرَك من طريق يليق بها ولا معنى للمعقول الديني إن لم يكن مصحوبا بنقد للمسالك التي تُفضي إليه أو تحول دونه.

إنّ ابن رشد في هذا الكتاب لا ينطلق من افتراض التعارض بين العقل والدين حتى يسعى إلى التوفيق بينهما كما شاع في كثير من القراءات التبسيطية، بل ينطلق من فرضية أعمق وأشد إحكاما وهي أنّ الشريعة في أصلها مبنية على المعقول، وأنّ ما يبدو من خصومة بين الدين والعقل إنما هو ثمرة خلل في الفهم أو فساد في المنهج أو انحراف في الترتيب بين مراتب الخطاب. وهذا ما يجعل مشروعه في الكشف امتدادا عضويا لما قرره في فصل المقال من أنّ "الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له". وهذه العبارة الموجزة ليست شعارا تلفيقيا كما قد يتوهم بعضهم بل هي قاعدة إبستمولوجية ذات لوازم ثقيلة، لأنّ مقتضاها أنّ التعارض المزعوم ليس بين حقّين بل بين حق ووهم أو بين نص أسيء فهمه وعقل أسيء استعماله، أو بين ظاهر خطاب أُخرج عن مقصوده ومنهج نظر لم يراعِ شروط البرهان.

ولعلّ هذا ما يفسّر أنّ ابن رشد لم يكن خصمه الحقيقي هو النص الديني، بل التأويل الكلامي الذي صادر إمكانات النص وأغلقها داخل قوالب جدلية. إنّه هنا قريب من ذلك الذي عبّر عنه أبو الوليد نفسه في أكثر من موضع حين جعل فساد النظر تابعا لفساد القياس وكأنّه يردّد بطريقة أخرى ما قرره أرسطو من أنّ الخطأ ليس في الأشياء بل في الأحكام التي نصوغها عنها. وقد أدرك ابن رشد أنّ الأزمة التي أصابت المعقول الديني في الثقافة الإسلامية لم تكن أزمة "مضمون" فحسب، بل كانت قبل ذلك أزمة "صورة" و"منهج" و"صناعة". لذلك لم يكن غريبا أن يوجّه سهام نقده إلى المتكلمين من حيث هم أهل جدل لا من حيث هم متدينون، وأن يرى أنّ ما أحدثوه من اضطراب في العقائد راجع إلى كونهم نقلوا مسائل الإيمان من ساحة الإقناع الشرعي المركّب إلى ساحة الخصومة المدرسية التي يتضخم فيها الاعتراض أكثر مما يتضح فيها البرهان.

إنّ المعقول الديني عند ابن رشد لا يعني اختزال الدين في العقل المجرد ولا تفريغه من أبعاده الرمزية والتربوية والروحية، وإنما يعني أنّ للدين بنية عقلية داخلية وأنّ الشريعة إنما تخاطب الإنسان بما هو كائن عاقل قابل للفهم والترتيب والتمييز. وإذا كانت مراتب الناس مختلفة في القدرة على الإدراك فإنّ هذا الاختلاف لا ينفي المعقول بل يفرض تعدد طرائق عرضه. وقد كان الفارابي أحد السباقين إلى تقرير هذا المعنى حين فرّق بين البرهان والجدل والخطابة وجعل المدينة الفاضلة محتاجة إلى صور مختلفة من الإقناع بحسب استعدادات الجمهور. غير أنّ ابن رشد يمنح هذا التصور بعدا شرعيا صريحا إذ يجعل الخطاب القرآني نفسه مشتملاً على هذه المراتب ويعتبر أنّ الخلل نشأ حين خلط المتكلمون بين ما خوطب به الجمهور وما ينبغي أن يُطلب فيه البرهان لأهل النظر، ثم زادوا على ذلك بأن حوّلوا العقائد إلى موضوعات سجالية تتنازعها الاصطلاحات.

ويعد الكشف كتابا في "نقد العقل الكلامي" قبل أن يكون كتابا في العقيدة، وإن جاز لنا أن نستعير عبارة حديثة على سبيل التقريب. فهو لا يكتفي بأن يقول إنّ أدلة المتكلمين ضعيفة بل يبيّن أن ضعفها بنيوي لأنها لا تستند إلى المناسبة بين طبيعة الموضوع وطبيعة الدليل. فالموضوع الإلهي بما هو أعلى الموجودات وأشرفها لا يليق به إلا ما كان من الأدلة أشرفَ وأوضحَ وأقربَ إلى الفطرة. أما الأدلة الصناعية المعقدة التي لا يفهمها الجمهور ولا يطمئن إليها الخاصة إلا بعد تكلفات طويلة فإنها في نظره لا تصلح أن تكون عمادا للعقيدة العامة. وقد كان ابن رشد شديد العناية بما يمكن أن نسميه "الاقتصاد البرهاني" في الدين، أي طلب الدليل الأوضح والأقرب إلى مقتضى الفطرة السليمة والنظر الصحيح. وهو بهذا يلتقي مع ما قرره الشاطبي لاحقا من أنّ الشريعة "أمية" بالمعنى الإيجابي، أي أنها جارية على مقتضى العموم البشري ومراعية لما يطيقه الجمهور في الإدراك والتلقي وإن اختلف السياق والاصطلاح.

غير أنّ هذا "الاقتصاد البرهاني" لا يعني التبسيط المخل ولا الاستقالة من التعقيد حين يقتضيه البحث، بل يعني ردّ كل مقام إلى ما يلائمه. فابن رشد لا ينكر البرهان العقلي الدقيق من حيث هو كذلك بل هو من أشد الناس انتصارا له، لكنه ينكر أن تتحول العقيدة العامة إلى ميدان لاستعراض الصناعات المنطقية التي لا تخدم اليقين بقدر ما تثير التشويش. ولأجل ذلك يميّز تمييزا حاسما بين البرهان بوصفه صناعة خاصة بأهل النظر وبين الخطاب الشرعي الذي يقيم للناس من الأدلة ما يكفيهم على حسب طبائعهم. إنّ المعقول الديني عنده ليس "عقلانية نخبوية" منقطعة عن جمهور الأمة كما أنه ليس "تدينا شعبيا" معاديا للنظر، بل هو بناء هرمي تتكامل فيه مستويات الإدراك من غير أن ينقض بعضها بعضا.

ومن أدقّ ما يلفت النظر في الكشف أنّ ابن رشد لا يعامل النص القرآني معاملة المتكلمين الذين يبدؤون بمقدمات عقلية ثم يجرّون النصوص إليها جرا، بل يعامل القرآن نفسه بوصفه حقلا دلاليا غنيا يشتمل على أنماط من الاستدلال ينبغي استخراجها وفهم نظامها الداخلي. ولذلك فإنّ كتابه في جوهره محاولة لاكتشاف "العقلانية الكامنة" في الخطاب القرآني. إنّه لا يفرض على النص بنية برهانية خارجية بل يحاول أن يستخرج منه ما يسميه مناهج الأدلة التي سلكها الشرع في تقرير أصول العقائد. وهذا المسلك بالغ الأهمية لأنه يكشف أنّ ابن رشد لا يدافع عن الفلسفة في مواجهة الدين بل يدافع عن الدين في مواجهة التأويلات التي حجبت معقوليته الأصلية.

ولذلك نجده يرفض كثيرا من الأدلة الكلامية الشهيرة لا لأنها عقلية أكثر مما ينبغي، بل لأنها ليست عقلية بما يكفي أو لأنها عقلية ناقصة أو لأنها عقلانية جدلية لا برهانية وهذا فرق جوهري، فليس كل ما نُسب إلى العقل عقلا بالمعنى الرشدي. إنّ العقل عنده صناعة مضبوطة لها شروطها ومقدماتها ومراتبها، ومن لم يلتزم ذلك كان في حكم المتشبه بالحكماء وليس منهم. وهنا نستحضر ما قاله ابن باجة في نقده لفساد التعليم حين نبّه إلى أنّ كثيرا من الناس "يظنون أنهم يعلمون وليسوا بعالمين"، لأنهم لم يدركوا حدود الصناعات ولا مقتضياتها. ويكاد ابن رشد في الكشف يطبق هذا المعنى على المتكلمين الذين ادعوا الدفاع عن العقيدة لكنهم أدخلوها في مسالك لم يشرعها الوحي ولم يقتضها البرهان.

إنّ المعقول الديني عند ابن رشد يقوم على ثلاث دعائم متلازمة: ردّ العقيدة إلى أصولها الشرعية البيانية وتنقيح مناهج الاستدلال بما يوافق مقتضى البرهان والتمييز بين مراتب الخطاب بحسب مراتب الناس في الإدراك. وهذه الدعائم ليست متجاورة فحسب بل هي متشابكة في نسيج واحد. فلو اكتفى بردّ العقيدة إلى النص دون نقد للمناهج لبقي أسير القراءة الظاهرية أو الخطابية المحضة. ولو اكتفى بنقد المناهج دون مراعاة مراتب الخطاب لتحول الدين إلى فلسفة مدرسية نخبوية. ولو ميّز بين مراتب الناس دون ردّ ذلك إلى أصل شرعي لانفتح الباب لفصلٍ بين "حقيقة" للفلاسفة و"رمز" للعامة على نحو قد يُفضي إلى الازدواجية. لكنّ ابن رشد يحاول أن يتفادى كل ذلك ببناء توازن دقيق بين وحدة الحقيقة وتعدد طرائق عرضها.

وهذا ما يفسّر أيضا موقفه من التأويل. فالتأويل عنده ليس عبثا بالنصوص ولا رخصة مفتوحة للفرار من ظواهر الشرع، بل هو ضرورة منهجية لا تُستعمل إلا عند قيام البرهان القطعي على أنّ الظاهر غير مراد في حقّ من ثبت له ذلك البرهان. وهو بهذا يضع التأويل داخل نظام معرفي مضبوط لا داخل مزاج مذهبي أو رغبة جدلية. وقد نبّه الغزالي نفسه في غير ما موضع إلى خطورة التسرع في التكفير بسبب مسائل التأويل، غير أنّه لم يخرج نهائيا من الإطار الكلامي الذي ظلّ ابن رشد يراه جزءا من المشكلة. وتبدو مفارقة عميقة بين الرجلين، فالغزالي أراد إنقاذ الإيمان من الفلسفة بينما أراد ابن رشد إنقاذ المعقول الديني من الكلام ومن سوء فهم الفلسفة معا.

إنّ قراءة الكشف على هذا النحو تبيّن أنّ ابن رشد لم يكن مشغولا فقط بإثبات أنّ العقائد الإسلامية قابلة للدفاع العقلي، بل كان مشغولا قبل ذلك بتأسيس صورة مخصوصة للعقلانية الدينية. وهذه الصورة لا تقوم على مبدأ "العقل فوق النص" ولا على مبدأ "النص ضد العقل"، وإنما تقوم على مبدأ أدقّ هو أنّ النص الحق لا يفهم إلا بعقل سليم وأن العقل السليم لا يكتمل إلا إذا أدرك مقاصد الخطاب ومراتبه. ولعلّ هذا المعنى يلتقي مع ما سيقوله لاحقا ابن تيمية في سياق مختلف حين يقرر أنّ "صريح المعقول لا يعارض صحيح المنقول". وعلى الرغم من التباين الكبير بين المشروعين فإنّ الجامع بينهما هو رفض الثنائية المفتعلة بين العقل والوحي مع اختلاف بيّن في طبيعة العقل المقصود وفي أدوات التحليل.

وفي صميم هذا المشروع يبرز نقد ابن رشد للمتكلمين بوصفه نقدا معرفيا لا مجرد خصومة مذهبية. فهو لا يخاصمهم لأنهم أشاعرة أو معتزلة أو غير ذلك فحسب بل لأنّ الصناعة التي غلبت عليهم هي صناعة الجدل لا البرهان. والجدل عند أرسطو وعند الشراح من بعده ليس باطلا من حيث الأصل، لكنه أدنى مرتبة من البرهان لأنه يتعامل مع المشهورات والمسلّمات الظنية لا مع المبادئ اليقينية. فإذا نُقلت قضايا العقيدة التي يُراد لها اليقين إلى فضاء الجدل نشأ الاضطراب من حيث لا يشعر المتكلم. ولذلك كان ابن رشد يرى أنّ علم الكلام لم يزد الناس في كثير من الأحيان إلا حيرة وأنّ ما سُمّي أدلة عقلية لم يكن في أحوال كثيرة إلا تعقيدات اصطلاحية بعيدة عن روح الشرع وعن مقتضى البرهان معا. وهنا تكتسب بنية الحجاج في الكشف معناها الحقيقي، فابن رشد لا يقدّم نتائج ثم يطلب التسليم بها، بل يبني خطابه على مسار تفكيكي تركيبي يبدأ بتشخيص فساد المناهج السائدة ثم ينتقل إلى بيان المناهج التي اعتمدها الشرع، ثم يبيّن أنّ هذه المناهج ليست مجرد وسائل وعظية بل تتضمن من المعقولية ما يفوق كثيرا من المصنوعات الكلامية. وهذا التحول من النقد إلى الاستخراج ثم إلى التأسيس هو الذي يمنح النص قوته. إنه لا يكتفي بهدم الخصم بل يعيد بناء الأرضية التي ينبغي أن يقوم عليها النظر الديني. ولذلك فإنّ "الكشف" هنا ليس كشفا عن أدلة فحسب، بل كشفٌ عن بنية عقلانية في صميم الوحي.

ولئن كان بعض الباحثين المحدثين قد رأى في هذا المسلك نزعة "إصلاحية" مبكرة داخل التراث الإسلامي فإنّ الأدقّ من ذلك أن نقول إنّ ابن رشد كان بصدد استعادة التوازن المفقود بين البيان والبرهان. فالحضارة الإسلامية في أوجها لم تكن قد عرفت هذا الانفصال الحاد بين علوم الشرع وعلوم العقل بالصورة التي استقرّت لاحقا في الوعي المدرسي. بل إنّ أئمة كبارا مثل الشافعي حين بنى أصول النظر الفقهي إنما كان يؤسس لصرامة استدلالية لا تقل في جوهرها عن مطلب الانضباط العقلي وإن اختلفت موضوعاتها وأدواتها. وكذلك فعل المالكية في باب المقاصد والمصالح حين ربطوا الأحكام بمعانيها وحِكمها. وابن رشد وهو الفقيه المالكي العارف بصناعة الأصول لم يكن بعيدا عن هذا الأفق. لذلك فإنّ معقوله الديني ليس طارئا مستوردا من خارج الشريعة بل هو استنطاق لأبعاد عقلية كامنة فيها.

بل يمكن القول إنّ إحدى عبقريات ابن رشد في هذا الكتاب أنه لا يفصل بين "المعقول" و"المشروع". فليس كل ما يمكن للعقل أن يتصوره صالحا لأن يكون جزءًا من البناء الديني العام. ولهذا يظلّ وفيا لمقتضى الشرع من حيث هو خطاب هداية لا مجرد نسق ميتافيزيقي. إنّه يعرف أنّ الدين ليس كتابا في المنطق ولا في الطبيعيات وأنّ المقصود الأسمى منه هو هداية الإنسان إلى السعادة العملية والنظرية. غير أنّ هذه الهداية نفسها لا يمكن أن تستقيم إذا ساد فيها اضطراب المناهج. ولذلك كان إصلاح مناهج النظر في العقائد جزءا من إصلاح العمران المعرفي للأمة. وهنا يبدو ابن رشد قريبا من الروح المدنية للفلسفة الكلاسيكية حيث لا تكون الحقيقة شأنا فرديا محضا بل ركيزة لنظام المدينة واستقامة الاجتماع.

وهذا يقودنا إلى ملاحظة أخرى، وهي أنّ المعقول الديني عند ابن رشد ليس مجرد مسألة معرفية محضة، بل له بعد تربوي وسياسي وثقافي. فحين ينتقد المتكلمين لأنهّم نشروا بين الناس أدلة لا يفهمونها فهو لا يشتكي فقط من ضعف البرهان بل من الأثر الاجتماعي لهذا الضعف. إنّ العقائد حين تُصاغ في قوالب جدلية عسيرة تنشأ عنها الفرق والانقسامات ويضعف اليقين ويحلّ محلّ الطمأنينة اضطرابٌ مذهبي لا ينتهي. لذلك كان ابن رشد حريصا على أن يردّ العامة إلى ما ينفعهم من ظاهر الشرع الصحيح وأن يردّ الخاصة إلى ما يليق بهم من البرهان وأن يمنع التداخل الفاسد بين المقامين. وهذه الفكرة في غاية العمق لأنها تجعل من تدبير المعرفة الدينية جزءا من تدبير السلم الرمزي داخل الجماعة.

وقد عبّر ابن خلدون بعده بقرون عن شيء من هذا المعنى حين رأى أنّ علم الكلام لما استقرّت العقائد وصار الإيمان مندرجا في تقاليد الأمة خفّت الحاجة إلى كثير من صنائعه الأولى وصار الاشتغال به على النحو الجدلي القديم قليل الجدوى إلا في مواطن مخصوصة. وعلى الرغم من اختلاف السياق بين الرجلين، فإنّ في كلام ابن خلدون صدى بعيدا للنقد الرشدي الذي كان يرى أنّ الإغراق في الجدل لا يبني يقينا راسخا بقدر ما يُنشئ عادات سجالية.

ويتضح أنّ كتاب الكشف عن مناهج الأدلة ليس نصا ثانويا في المشروع الرشدي كما ظنّ بعضهم، بل هو من أكثر نصوصه التصاقا بجوهر معركته الفكرية. ففيه تتقاطع الفلسفة بالأصول والفقه بالكلام والتأويل بالبرهان. وفيه يظهر ابن رشد لا شارحا لأرسطو فحسب بل مفكرا مسلما كبيرا يسعى إلى تحرير العقل الديني من الانحباس داخل الصيغ التي حجبت فاعليته. إنّ "المعقول الديني" عنده ليس تسمية طارئة بل هو جوهر الرهان، أن يعود الدين مجالا للحقيقة المضيئة لا ساحةً للخصومات العمياء وأن يُفهم الوحي في ضوء ما أودعه الله في الإنسان من قوة النظر لا في ضوء ما راكمته المدارس من أغلال الجدل. وإذا كان هذا هو الإطار العام الذي تنتظم فيه بنية الحجاج في الكتاب، فإنّ الانتقال إلى تحليل المباحث الداخلية وبخاصة طريقة ابن رشد في نقد دليل الحدوث ثم بنائه لأدلة العناية والاختراع ثم معالجته لمسألة الصفات والتأويل والنبوة، يكشف بدرجة أوضح عن أن الرجل لا يبدّل الأدلة فقط، بل يبدّل تصورنا ذاته لماهية الدليل الديني. وهو ما يجعل الكشف نصا تأسيسيا في تاريخ العقلانية الإسلامية، لا لأنه يكرّر الفلسفة داخل الدين، بل لأنه يعيد اكتشاف المعقول الذي في صلب الدين نفسه.

إنّ الدخول إلى البنية الداخلية للحجاج في الكشف عن مناهج الأدلة يبيّن بجلاء أنّ ابن رشد لم يكن بصدد استبدال دليل بدليل فحسب، بل كان يباشر مراجعةً جذرية للكيفية التي تُبنى بها الحقيقة الدينية في الوعي الإسلامي. فالمسألة عنده لا تتعلق بمجرّد ترجيح مذهبي بين متكلم وفيلسوف وإنما تتصل بإعادة ترتيب العلاقة بين النص والعقل والبرهان والجمهور. لذلك كان أول ما وجّهه بالنقد هو ذلك النمط من الأدلة الذي شاع عند المتكلمين تحت اسم "دليل الحدوث"، لأنّه رأى فيه مثالا ساطعا على انتقال العقيدة من فضاء البداهة الهادية إلى فضاء الصناعة الجدلية الملتبسة.

لقد أدرك ابن رشد أنّ دليل الحدوث كما صاغه المتكلمون سواء في صيغته المبنية على حدوث الأجسام أو في صيغته المتوسلة بإبطال التسلسل أو في وجوهه المتعددة القائمة على تقسيمات الجوهر والعرض، ليس دليلا صالحا لأن يكون أصلا عاما في تقرير الإيمان لا من جهة وضوحه ولا من جهة مطابقته لسنن الخطاب القرآني. فهو عنده دليل عسير المأخذ لا يسلكه إلا من تمرّس بالاصطلاحات المدرسية، ثم هو فوق ذلك ليس برهانيا خالصا بل جدليٌّ في أكثر مواضعه، لأن مقدماته نفسها ليست يقينية على النحو الذي يقتضيه البرهان. وحين تصبح المقدمات مظنونة أو مختلفا فيها فإنّ النتيجة لا تتجاوز رتبة الظن الغالب مهما اشتدّ التزويق المنطقي في عرضها. إنّ اعتراض ابن رشد ليس اعتراضا على استعمال العقل في إثبات الصانع بل اعتراض على عقلٍ لم يُحسن اختيار موضعه ولا مادته ولا صورته.

إنّ في هذا النقد بعدا منهجيا بالغ العمق، فابن رشد يميّز بين العقل من حيث هو قوة إدراك وبين "الصناعة" التي تنظّم هذه القوة وتمنعها من التخبّط. ولذلك فإنّ كثيرا مما يسميه الناس عقلا قد لا يكون عنده إلا توهّما عقليا أو شبهة منطقية لا ترقى إلى رتبة البرهان. وهو هنا يظلّ وفيا للميراث الأرسطي الذي يربط اليقين بنوع المقدّمات لا بمجرد صورة الاستدلال. وإذا كانت العقائد أصولا كبرى يُراد لها الرسوخ في النفس فإنّ بناءها على مقدمات دقيقة متنازع فيها يفضي إلى نقيض المقصود، لأنّ ما لا يرسخ إلا بصناعة شاقة سرعان ما يتزلزل بأدنى اعتراض. ويمكن هنا فهم حرصه على أن تكون الأدلة الدينية الكبرى أقرب إلى الفطرة وأظهر في الحسّ والنظر لأنّ ما كان أقرب إلى نظام الوجود وإلى التجربة الإنسانية أرسخ في النفس وأدعى إلى الطمأنينة.

على هذا الأساس ينتقل ابن رشد إلى ما يعدّه الطريق الأقوم في الاستدلال، وهو ما اصطلح عليه بـ"دليل العناية" و"دليل الاختراع". وهذان الدليلان لا ينبغي فهمهما على أنهما مجرد بديلين تقنيين عن دليل الحدوث، بل هما في الحقيقة ترجمة لرؤية مخصوصة للعالم وللعلاقة بين الإنسان والوجود. فدليل العناية يقوم على النظر في مناسبة الموجودات لوجود الإنسان وانتظامها على نحو يدلّ على قصد وحكمة وتقدير. ليس المقصود هنا مجرد المنفعة السطحية بل الكشف عن كون العالم مبنيا على نظام يمكن للعقل أن يدرك فيه جهة الغائية والملاءمة. فتعاقب الليل والنهار وتقدير الفصول وتناسب عناصر الحياة وتهيؤ الموجودات لما به قوام الإنسان والحيوان والنبات ليست عند ابن رشد مظاهر عشوائية، بل علامات على عناية سابقة في الوجود. وهنا يبدو قريبا من تلك الحكمة التي تجعل الكون كتابا مفتوحا للقراءة، لا كتلةً صمّاء من الوقائع.

أما دليل الاختراع فيقوم على النظر في نفس الموجودات من حيث تركيبها وصورها وخصائصها العجيبة التي تشهد بأنّها صادرة عن فاعل مبدع. فإذا كان دليل العناية ينظر إلى العالم من حيث ملاءمته وغائيته فإنّ دليل الاختراع ينظر إليه من حيث بناؤه وتكوينه وإبداع صورته. وبهذا المعنى يتكامل الدليلان، أحدهما يقرأ النظام من جهة الغاية والآخر يقرأه من جهة الصنعة. وكلاهما أقرب إلى البيان القرآني الذي يردّد النظر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وتسخير البحر وإنزال المطر وإحياء الأرض بعد موتها وتصريف الرياح وخلق الإنسان في أحسن تقويم. إنّ ابن رشد لا يبتدع هذين الدليلين من خارج النص بل يستنبطهما من صميم الحسّ القرآني في الاستدلال، ولذلك كان يراهما أصلحَ للعامة وأقربَ إلى الخاصة معا.

والحق أنّ هذا الموضع من أخصب مواضع الفكر الرشدي، فهنا لا يدافع عن الفلسفة باسم الفلسفة بل يبيّن أنّ الشرع نفسه أكثر عقلانية من المتكلمين الذين ظنّوا أنهم يحمونه. إنّ القرآن عنده لا يجرّد الإنسان من حسّه ولا يطالبه بالقفز فوق العالم إلى تصورات مجرّدة بل يربّيه على النظر في الموجودات باعتبارها آيات. والآية في بنيتها العميقة ليست "شيئا" فقط، بل "شيئا يدلّ". وهذا الانتقال من الشيء إلى دلالته هو عين الفعل العقلي. لذلك فإنّ المعقول الديني عند ابن رشد ليس تمرينا ذهنيا منفصلا عن الوجود بل هو فعل تأمّل في العالم بما هو مشحون بالمعنى. وهنا أيضا تتجلّى مسافة الرجل عن كل نزعة حرفية جامدة لأنّ الحرفية تقف عند ظاهر اللفظ كما تقف الحسّية الغافلة عند ظاهر الشيء بينما الرشدية تطلب باطن الدلالة من غير أن تنقض ظاهر الخطاب.

وإذا انتقلنا إلى مسألة الصفات الإلهية ظهر وجه آخر من وجوه إحكامه الحجاجي. فهذه القضية كانت من أعقد قضايا الكلام الإسلامي وأشدّها إنتاجا للانقسام المذهبي إذ تنازعتها اتجاهات التعطيل والتشبيه والتفويض والتأويل. وابن رشد لا ينخرط فيها على الطريقة الجدلية الموروثة بل يحاول ردّها إلى مقتضى الشرع ومقتضى البرهان معا. فهو يرى أنّ النصوص الواردة في الصفات لا يجوز أن تُفهم على نحو يفضي إلى التجسيم ولا على نحو يفضي إلى تعطيل مدلولاتها رأسا، وإنما تُفهم بحسب القاعدة التي تحفظ التنزيه وتراعي مستويات المخاطبين. فالشرع خاطب الجمهور بما يقرب إلى أفهامهم من غير أن يلزم من ذلك حمل الصفات على المعاني الحسية التي تليق بالمخلوقات. أما الخاصة الذين قام عندهم البرهان على تنزّه الباري عن مشابهة الحوادث فإنّهم يعلمون أنّ هذه الألفاظ جارية على سبيل التمثيل أو التقريب أو المجاز الذي تقتضيه اللغة الدينية في خطابها البشري، وهنا تتجلى دقة تصوره للتأويل. فالتأويل عنده ليس موقفا ميتافيزيقيا سابقا على النص بل هو نتيجة لقيام البرهان. فإذا ثبت برهان قطعي في باب من الأبواب امتنع حمل النص على ما يناقضه لأنّ الحق لا يتناقض. لكنّ هذا لا يفتح الباب لكل أحد أن يؤوّل بحسب هواه، لأنّ التأويل صناعة لها أهلها وحدودها ونشرها بين العامة فساد مضاعف. ولا يكون التأويل أداة لهدم الظاهر بل وسيلة لحفظ الحقيقة من أن تُفهم على وجه مستحيل. وقد أحسن ابن رشد هنا ضبط الموازنة بين حرمة النص وحرمة البرهان. فلا النص يُستباح باسم العقل ولا العقل يُلغى باسم الظاهر. وإذا كان الغزالي قد قال في بعض مقاماته إنّ "من ظنّ أنّ المنقول يعارض المعقول فقد ظنّ بالمصدرين جميعا سوءا"، فإنّ ابن رشد يذهب أبعد من ذلك بجعل هذا التوافق أصلا بنيويا في فهم الدين لا مجرد حلّ اضطراري عند التعارض.

وتبلغ بنية الحجاج الرشدي درجة أعمق من الإحكام حين يتناول مسألة النبوة. فهو لا يتعامل معها باعتبارها معجزة خارقة فحسب، بل باعتبارها ضرورة في نظام الاجتماع الإنساني وفي كمال النوع البشري. فالإنسان عنده لا يكتمل بمجرد العقل النظري لأنّ أكثر الناس لا يطيقون إدراك الحقائق في صورتها البرهانية الخالصة. ومن هنا كانت النبوة رحمةً معرفيةً وتشريعيةً وتربويةً في آن. إنها تنقل الحقائق الكبرى إلى مستوى يمكن للجماعة البشرية أن تتلقاه في صورة أمثال وصور وتشريعات ومواعظ وعبادات. وتبدو النبوة عند ابن رشد ذروة الحكمة العملية الإلهية في تدبير البشر. إنها ليست نقيض العقل بل صورته العليا في أفق الهداية العامة. فالفيلسوف يدرك الحقيقة بالبرهان، أما النبي فيجمع إلى ذلك القدرة على تمثيلها للناس في صور تخاطب خيالهم وعقولهم وضمائرهم.

وهذا التصور يجعل من الدين بنيةً رمزيةً عميقة لا يمكن اختزالها في خطاب مفهومي مجرد. وهنا نفهم لماذا لم يكن ابن رشد من دعاة تحويل الشريعة إلى فلسفة مدرسية، لأنّه يعلم أنّ الحقيقة إذا نزعت عنها قدرتها على التمثيل والتخييل والتربية فقدت أثرها في الجمهور. وقد سبق الفارابي إلى تقرير هذا المعنى حين جعل الملّة محاكاةً فلسفيةً للحقائق النظرية بلغة المدينة، لكنّ ابن رشد يحرص على ألا يُفهم هذا في اتجاه ينتقص من الوحي أو يجعله مجرد صورة أدنى من الحقيقة. بل الحقيقة واحدة غير أنّ طرق إفادتها مختلفة بحسب المقامات. والنبوة ليست منزلة أدنى من البرهان بل هي نمط أعلى من الإفاضة الإلهية يجمع ما تفرّق في الصناعات البشرية.

أما في باب المعاد فإنّ ابن رشد يتجنب الانزلاق إلى تفصيلات جدلية أنهكت التراث وأنتجت خصومات لا تنتهي. فهو يثبت للشرع ما أثبته من الجزاء والسعادة والشقاء، لكنه لا يرى أن كل الصور الواردة في النصوص يجب أن تُحمل على ظاهر حسّي واحد عند جميع الناس. فالمقصد الأسمى هو تقرير المعنى الأخلاقي والوجودي للمعاد ، أي أنّ الإنسان ليس كائنا عابرا منقطع الصلة بمصيره وأنّ أفعاله مندرجة في نظام عدل كوني لا يضيع فيه خير ولا شر. وإذا كانت اللغة الدينية قد صاغت ذلك بصور محسوسة في كثير من المواضع فإنما فعلت ذلك لأنّ الجمهور لا ينهض أكثره إلى المعاني المجردة. أما أهل النظر فقد يدركون من هذه الصور ما وراءها من الحقائق المناسبة لمراتبهم. وبهذا يظلّ ابن رشد وفيا لقاعدته الكبرى، وحدة الحقيقة وتعدد طرائق التعبير عنها.

إنّ الذي يلفت النظر في كل هذه المباحث أنّ ابن رشد لا يسلك مسلك الهجوم الانفعالي على مخالفيه، بل يبني اعتراضه على قاعدة منهجية صارمة، فساد الدليل يفسد المدلول في الوعي ولو صحّ المدلول في نفسه، وهذا من أدقّ ما في فلسفته. فكم من حق أفسدته طرائق الدفاع عنه، وكم من عقيدة صحيحة أضعفتها صناعة سيئة. ولذلك كان همه منصبا على "تخليص" العقائد من الأدلة التي شوّهت صورتها. وهنا يتجاوز ابن رشد مجرّد الجدل المذهبي إلى ما يمكن تسميته أخلاقا للبرهان. فالبرهان ليس مجرد آلة معرفية بل هو أيضا مسؤولية حضارية لأنّ طريقة عرض الحقيقة قد تحفظها في الأمة أو تُفسدها في وجدانها.

ومن ثم فإنّ الكشف عن مناهج الأدلة ليس كتابا في الرد على الأشاعرة أو المعتزلة وحسب، ولا كتابا في التوفيق بين الحكمة والشريعة بالمعنى المدرسي الضيق، بل هو نصّ تأسيسي في إصلاح العقل الديني الإسلامي. إنه يعلن أن الأزمة ليست في وفرة النصوص ولا في ضعف الإيمان من حيث المبدأ، بل في سوء ترتيب العلاقة بين النصوص ومناهج فهمها. وما لم يُصلح هذا الموضع ظلّت الثقافة الدينية عرضة للتنازع بين حرفية تقتل المعنى وجدلية تقتل اليقين وفلسفة مغلقة على نخبويتها. أما الرشدية فإنها تقترح طريقا ثالثا أكثر توازنا، عقلٌ برهاني لا يستنكف عن الشرع وشرعٌ بياني لا يعادي البرهان.

ولعلّ هذه هي النقطة التي تجعل ابن رشد حاضرا في كل لحظة فكرية يُعاد فيها طرح سؤال الدين والعقل. فالرجل لا يقدّم وصفة جاهزة ولا يسلّمنا مذهبا مكتملا بقدر ما يعلّمنا فضيلةً منهجية، أن نفحص الطريق قبل أن نتشبث بالنتيجة وأن نميّز بين مراتب الخطاب قبل أن نعمّم أحكامنا وأن نعرف أنّ الدفاع عن الدين قد يكون أحيانا بإبعاد بعض المدافعين عنه عن صدارته المعرفية. وهذه جرأة نادرة لا يقدر عليها إلا من جمع بين التديّن العميق والثقة الصارمة في العقل.

إنّ المعقول الديني عند ابن رشد ليس مجرد مفهوم فلسفي بل هو رؤية للإنسان نفسه. فالإنسان عنده ليس متلقيا سلبيا للوحي ولا صانعا مستقلا للحقيقة، بل هو كائن أُعطي من العقل ما يؤهله لفهم الدلالة، وأُعطي من الوحي ما يهديه إلى تمام المقصد. وإذا انفصل العقل عن الوحي استحال دهاءً باردا أو جدلا عقيما، وإذا انفصل الوحي عن العقل انقلب إلى ألفاظ تتنازعها الأهواء والظواهر. أما حين يلتقيان في أفقهما الصحيح فإنّ الدين يغدو معقولا من غير أن يفقد قدسيته ويغدو العقل متدينا من غير أن يفقد حريته، وفي هذا تكمن فرادة ابن رشد. ولم يكن همه أن يجعل الدين تابعا للفلسفة ولا أن يجعل الفلسفة خادمةً ذليلة للدين، بل أن يكشف عن المجال الذي يلتقي فيه الاثنان في صورة أرفع، صورة الحقيقة التي تتسع للبرهان وتفيض بالهداية. لذلك ظلّ الكشف كتابا يتجاوز زمانه لأنّه لا يعالج خلافات المدارس فقط، بل يمسّ السؤال الأبقى، كيف يمكن أن يكون الإيمان عقلانيا من غير أن يفقد حرارة الإيمان، وكيف يمكن أن يكون العقل وفيا للحقيقة من غير أن يتحول إلى خصم للمعنى؟.

إنّ ابن رشد أعاد للدين حقّه في أن يُفهم لا أن يُردَّد فقط، وأعاد للعقل حقّه في أن يهتدي لا أن يتسلّط، وأعاد للبرهان كرامته في ساحة امتلأت طويلا بصخب الجدل. لقد كان يرى أن الله الذي خلق العقل لا يمكن أن يشرع ما يهدمه وأن الشريعة التي جاءت لهداية الإنسان لا يمكن أن تؤسس ذاتها على ما يعجز أكثر الناس عن إدراكه أو يفضي إلى اضطرابهم. لذلك كانت عنايته بمناهج الأدلة عنايةً بجوهر الدين لا بهامشه وبمستقبل الثقافة الإسلامية لا بمسألة مدرسية عابرة.

وينتهي النظر في الكشف عن مناهج الأدلة إلى أن ابن رشد لم يكن يكتب في العقيدة وحسب بل كان يكتب في شروط إمكان العقل الديني نفسه. كان يفتّش عن دينٍ قادر على أن يسكن العالم من غير أن يستسلم له وعن عقلٍ قادر على أن ينظر في الوجود من غير أن يتكبّر على الوحي وعن لغةٍ تقدر أن تحمل الحقيقة إلى العامة والخاصة معا من غير أن تخونها. وتلك منزلة لا يبلغها إلا فكر كبير لأنّ الفكر الكبير ليس هو الذي يكثر من الأجوبة، بل الذي يعيد صياغة السؤال في مستوى أعمق. وابن رشد في هذا الكتاب لم يسأل فقط كيف نثبت العقائد؟ بل سأل قبل ذلك بأي عقل نثبتها وبأي خطاب نحفظها وبأي منهج نجعلها مصدرا للوحدة لا مادةً للفرقة.

لهذا السبب يظلّ الكشف نصا حيا في كل مشروع يروم تجديد النظر الديني من الداخل. إنه لا يمنحنا مجرد تراث نقرأه بل يهبنا معيارا نحاكم به طرائقنا نحن في التفكير والإقناع والتعليم. وحين نقرأه اليوم ندرك أنّ أزمتنا ليست بعيدة عن أزمته، ما زلنا نتنازع بين ظاهرية تضيق بالمعنى وبين عقلانية سطحية لا تعرف من العقل إلا الاعتراض. أما ابن رشد فيعلّمنا أنّ العقل الحق ليس خصومةً بل إنصاف، وأنّ الدين الحق ليس انغلاقا بل انكشاف، وأنّ البرهان إذا اقترن بالحكمة صار طريقا إلى السكينة لا إلى الشقاق.

***

د. حمزة مولخنيف

حدود تعليم الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط

حين تلوح الفلسفة في أفق الحضارات الكبرى فإنها لا تظهر بوصفها علما من علوم النظر فحسب، بل تنبثق باعتبارها امتحانا دقيقا لمدى قدرة المجتمع على احتمال الحقيقة في صورتها العارية وعلى تدبير العلاقة الشائكة بين المعرفة وسلطتها وبين البرهان وحدود تداوله وبين النخبة العالمة والجماعة الحاملة للمعنى الديني والأخلاقي. وتغدو مسألة الفلسفة في المجال الإسلامي الوسيط أعمق من أن تُختزل في نزاع مدرسي بين الفقهاء والحكماء أو أن تُقرأ في ضوء ثنائية مكرورة بين العقل والنقل. فالأمر يتعلق في جوهره بسؤال ثقيل الوطأة، نافذ الأثر، متصل ببنية الاجتماع الإسلامي نفسه، كيف يمكن للمعرفة البرهانية أن تجد موطئ قدمها داخل مجتمع تشكّلت وحدته الرمزية في كنف الوحي وتحددت فيه مراتب القول وشرائط الفهم ومقامات التلقي على نحو بالغ الحساسية؟.

وفي قلب هذا السؤال ينهض ابن رشد بوصفه أحد أكثر العقول الإسلامية وعيا بطبيعة المعضلة وأشدها إدراكا لما يترتب عنها من آثار معرفية وسياسية وتربوية. فالرجل لم يقتصر جهده على الذب عن الفلسفة من تهم الزندقة والابتداع ولم يحصر همه في إقامة الصلح النظري بين الحكمة والشريعة، بل مضى إلى مستوى أبعد وأدق، وهو مستوى مساءلة شروط تعليم الفلسفة نفسها والبحث في حدود بثها وتعيين جمهورها والتمييز بين من يطيق حمل البرهان ومن يقف به الخطاب عند أفق التمثيل والإقناع. ويتجاوز ابن رشد صورة الشارح الكبير لأرسطو إلى صورة المفكر الذي أدرك أن الحقيقة لا تُقاس بمضمونها المجرد وحده، بل بما تقتضيه من آداب في التبليغ وما تستلزمه من حكمة في ترتيب الخطابات وما تستدعيه من فقه دقيق بمراتب العقول واختلاف قوى الإدراك.

ذلك أن إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد تكشف عن موضع بالغ الدقة في تاريخ العقل الإسلامي حيث تتقاطع مشروعية النظر البرهاني مع رهانات الاستقرار العقدي وتتداخل سلطة التأويل مع مسؤولية التعليم ويتحول السؤال عن الفلسفة من سؤال في الجواز إلى سؤال في الأهلية والوظيفة والمآل. فليس كل حق يقال على وجه واحد ولا كل معنى يودع في كل ذهن على السواء ولا كل حقيقة تنجو من الفساد إذا انتقلت من مقامها إلى غير مقامها. ومن ثم فإن البحث في حدود تعليم الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط لا يفضي إلى استعادة خصومة قديمة بين فقيه وفيلسوف بقدر ما يفضي إلى تفكيك بنية ثقافية كاملة كانت تصارع من أجل التوفيق بين مقتضيات الهداية العمومية ومطالب اليقين العقلي وبين وحدة الجماعة وحرية النظر وبين ظاهر النص وعمق التأويل.

وعلى هذا الأساس يعد النظر في مشروع ابن رشد بابا إلى فهم إحدى أعقد اللحظات في تاريخ الفكر الإسلامي، لحظة حاول فيها العقل البرهاني أن ينتزع لنفسه شرعية داخل فضاء شديد الانضباط وأن يؤسس لوجوده من غير أن يتحول إلى قوة تقويض أو مادة فتنة. وتنبع أهمية هذا الموضوع إذ يضعنا أمام سؤال يتجاوز سياقه الوسيط ليطال كل حضارة تتنازعها الحاجة إلى الحقيقة والخشية من آثارها، بأي قدر من الحكمة يُعلَّم العقل؟ وأين ينتهي حق المعرفة ويبتدئ واجب التدرج؟ وكيف تصان الفلسفة من خصومها ومن سوء صنيع بعض أهلها في آن واحد؟.

ليس من اليسير تناول موقع الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط من غير الوقوف طويلا عند المعضلة التي صاغها ابن رشد في صورة سؤال مضمر يجاوز مجرد الدفاع عن الحكمة إلى مساءلة شروط تداولها وحدود بثها وطرائق تعليمها ومجال المخاطبين بها. ذلك أن الإشكال عنده لم يكن محصورا في إثبات مشروعية النظر العقلي فحسب، بل كان متعلقا أيضا بتحديد من يحق له أن ينظر وكيف ينظر وبأي لغة يتلقى المعارف البرهانية. وتتبدى مسألة الجمهور الفلسفي عند ابن رشد لا بوصفها تفصيلا تعليميا عارضا بل باعتبارها عقدة نظرية تمس بنية الاجتماع الإسلامي الوسيط وتكشف عن توتر عميق بين الحقيقة ووسائطها وبين الحكمة وأهليتها وبين المعرفة ومآلاتها في المجال العمومي.

لقد كان ابن رشد يعيش في لحظة تاريخية شديدة الحساسية. فالفلسفة لم تكن حينئذ علما غريبا لم يلتفت إليه أحد بل غدت موضوع نزاع حاد بين المتكلمين والفقهاء والفلاسفة وأهل الحديث والمتصوفة. وكانت آثار أبي حامد الغزالي قد تركت في الوعي الإسلامي جرحا معرفيا لم يندمل. فهو وإن لم يهدم الفلسفة من أساسها كما يتوهم كثير من القراء فإنه زعزع ثقة الجمهور في الفلاسفة وأعاد ترسيم حدود المقبول من علومهم. وقد كان قوله في تهافت الفلاسفة ذا وقع بعيد: «نُكفِّرهم في ثلاث مسائل ونبدّعهم في سبع عشرة». وهذه العبارة لم تكن مجرد تقرير مذهبي بل كانت إعلانا عن خطورة انتقال بعض القضايا الفلسفية من حيز الدرس الخاص إلى فضاء الاعتقاد العام. لذلك فإن ابن رشد حين تصدى للرد في تهافت التهافت لم يكن يدافع عن أرسطو أو الفارابي أو ابن سينا فقط بل كان يدافع عن إمكان قيام حقل برهاني داخل حضارة يهيمن عليها منطق البيان والجدل.

غير أن دفاعه هذا لم يتخذ صورة تبشير مفتوح بالفلسفة لعامة الناس، وهنا تظهر مفارقته الكبرى. فابن رشد الذي قرر في فصل المقال أن «الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة» وأن «الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له» هو نفسه الذي شدد على خطورة كشف التأويلات البرهانية لغير أهلها. وليس هذا تناقضا في بنية المشروع الرشدي كما قد يتوهم بعض الدارسين بل هو عين منطقه الداخلي. ذلك أن الرجل كان يميز بصرامة بين مراتب العقول وطرائق التصديق وأنماط الخطاب. فالناس عنده ليسوا سواء في تحصيل اليقين ولا في القدرة على حمل المعاني الكلية المجردة. إن الحقيقة الواحدة قد تتعدد سبل عرضها بحسب طبائع المتلقين من غير أن يعني ذلك تعدد الحقيقة في ذاتها. وهذه الفكرة هي المفتاح الأساس لفهم إشكالية الجمهور الفلسفي عنده.

إن ابن رشد في هذا الباب وريث مباشر للتقسيم الأرسطي لأنماط البرهان والإقناع. فليس كل خطاب برهانيا بالمعنى الدقيق. هناك البرهاني الذي يخاطب الخاصة القادرين على استيفاء المقدمات الضرورية واستنباط النتائج على وجه لا يتطرق إليه الشك. وهناك الجدلي الذي يقوم على المشهورات والمقبولات ويصلح للمناظرات الكلامية والفقهية. وهناك الخطابي الذي يعتمد التمثيل والتخييل والتأثير الوجداني وهو الأليق بمخاطبة الجمهور الواسع. وقد استثمر ابن رشد هذا التمييز داخل الحقل الشرعي نفسه، فالشرع عنده خاطب الناس جميعا بحسب مراتبهم. وفي ذلك يقول في معنى قريب: إن الشرع دعا إلى الاعتبار والنظر لكنه لم يكلّف الناس جميعا بطريق واحد في تحصيل المعرفة. فمنهم من يصدق بالبرهان ومنهم من يصدق بالجدل ومنهم من يصدق بالخطابة. وليس المقصود هنا تفضيل صنف على آخر أخلاقيا بل بيان اختلاف القوى الإدراكية.

وهذه الفكرة تجد لها صدى بعيدا في التراث الإسلامي نفسه. فالشافعي حين تكلم على مراتب الفهم في الرسالة كان واعيا بأن الخطاب الشرعي لا يتلقاه الناس على درجة واحدة. والجويني في البرهان والغياثي كان يميز بين طبقات النظار والعوام. وأبو حامد الغزالي نفسه قال في إلجام العوام عن علم الكلام: «اعلم أن الحق الصريح الذي لا مرية فيه عند أهل البصائر أن الخوض في هذا العلم حرام على أكثر الخلق». وليس بين هذا وبين موقف ابن رشد من حيث البنية العامة تباين مطلق وإن اختلفت المقاصد والمقدمات. فالغزالي يخشى فساد العقائد من الكلام كما يخشى ابن رشد فسادها من إساءة عرض البرهان. لكن الفرق الجوهري أن الغزالي يجعل الاحتياط مفضيا إلى تضييق أفق الفلسفة بينما يجعل ابن رشد الاحتياط نفسه شرطا لحفظ الفلسفة لا لإلغائها.

إن سؤال الجمهور الفلسفي عند ابن رشد لا ينهض على احتقار العامة كما يذهب إليه بعض القراءات المتعجلة بل على تصور إبستمولوجي واجتماعي معا. فالمعرفة البرهانية عنده ليست قابلة للتعميم المباشر لأنها مشروطة بملكة مخصوصة وبرياضة عقلية طويلة وبقدرة على احتمال التجريد. وإذا انتقلت إلى غير موضعها تحولت من علم إلى فتنة. وقد صرح في فصل المقال بمعنى بالغ الدلالة حين قال إن من صرح بالتأويلات لغير أهلها «فقد دعاهم إلى الكفر». هذه العبارة شديدة القوة ولا يمكن فهمها إلا في سياق إدراكه العميق للفارق بين الحقيقة في ذاتها والحقيقة من حيث تلقيها الاجتماعي. فالفكرة الصحيحة إذا وردت على ذهن غير مهيأ قد تنقلب إلى سبب للإنكار والاضطراب. ولذلك كان يرى أن كثيرا من خصومات الفلاسفة مع الجمهور إنما نشأت من سوء الوساطة لا من فساد المقاصد.

إن هذا الوعي بالوساطة المعرفية يجعل ابن رشد فيلسوفا سياسيا بقدر ما هو شارح لأرسطو. فهو يعلم أن الاجتماع الديني لا يقوم على البرهان وحده بل يحتاج إلى الرموز الجامعة والصور التمثيلية والمقاصد العملية التي تحفظ النظام الأخلاقي والمدني. وقد كان أفلاطون قبله قد لمح إلى شيء قريب حين جعل المدينة لا تنتظم إلا إذا عرفت طبقات النفوس ودرجات الاستعداد للحكمة. وفي الجمهورية لا تُعطى الفلسفة لكل أحد لأن «أكثر النفوس إذا ذاقت منها شيئا يسيرا فسدت». وأرسطو نفسه لم يكن يرى أن التعليم الفلسفي الأول يصلح لكل الناس على السواء. ثم إن الفارابي في آراء أهل المدينة الفاضلة والملة أقام تمييزا حاسما بين الحقيقة الفلسفية وتمثلاتها الملية. فالمعقولات البرهانية تتجسد في صور تخييلية لكي تصير قابلة للتداول العمومي. وقد كان ابن رشد وارثا لهذا الخط وإن كان أقل ميلا إلى البناء اليوتوبي وأكثر التصاقا بالمشكل الفقهي والسياسي الواقعي.

غير أن المثير في المشروع الرشدي أن هذا التمييز بين الخاصة والعامة لا ينتهي إلى قطيعة معرفية مطلقة بل إلى توزيع وظيفي للخطاب. فالجمهور ليس خارج الحقيقة من حيث المآل وإنما هو يتلقاها في صورة تناسب طاقته الإدراكية. لذلك لم يكن ابن رشد يدعو إلى إنشاء نخبة مغلقة تتملك الحقيقة وتحتكرها على نحو باطني كما قد يفعل بعض الاتجاهات الإشراقية أو الباطنية. بل كان يرى أن الشريعة نفسها قد تضمنت الحقيقة على أنحاء مختلفة. فالظاهر للعامة والباطن للراسخين في العلم. وهذه الصيغة ليست بعيدة عن الآية المؤسسة: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ على أحد وجوه القراءة المعروفة. كما أنها تتجاوب مع مقولات قديمة عند ابن عباس وغيره في تمييز مستويات الفهم. ولعل ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من قوله: «حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله» يمثل خلفية ثقافية عميقة لهذا المنزع. فالمسألة ليست كتمانا للحقيقة بل مراعاة لأهلية المتلقي.

ونفهم هنا لماذا كان ابن رشد شديد النقد لأولئك الذين خلطوا بين الصناعات وأفسدوا نظام التعليم. فهو يرى أن المتكلمين من جهة والفلاسفة غير المحكمين من جهة أخرى أسهموا في تشويش المجال العمومي. أما المتكلمون فلأنهم نقلوا مسائل دقيقة إلى جمهور لم يُخلق لها وجعلوا العقائد محل منازعات جدلية لا تنتهي. وأما بعض المنتسبين إلى الفلسفة فلأنهم لم يلتزموا البرهان الصارم بل مزجوا بين الظن واليقين وبين الحكمة والجدل. ولهذا كان ابن رشد في مواضع كثيرة أكثر قسوة على «أهل الكلام» لا لأنهم استعملوا العقل بل لأنهم استعملوه استعمالا غير منضبط في نظره. وهو هنا قريب من أرسطو في نفوره من السفسطة، فليست كل دعوى عقلية عقلانية بالفعل. وقد قال أرسطو في التحليلات ما معناه إن البرهان لا يقوم إلا على مبادئ أولى ضرورية. فإذا غابت الضرورة حضر التوهم.

وإذا تأملنا هذا الموقف في ضوء البنية الثقافية للمجتمع الإسلامي الوسيط أدركنا أن ابن رشد كان يواجه معضلة مزدوجة. فمن جهة كان عليه أن يثبت شرعية الفلسفة داخل أفق ديني تهيمن فيه سلطة النص وعلومه، ومن جهة أخرى كان عليه أن يحول دون تحول الفلسفة إلى مادة اضطراب اجتماعي أو ذريعة اتهام عقدي. ولهذا جاءت لغته في فصل المقال حذرة جدا. فهو لا يقول إن كل أحد مأمور بالنظر البرهاني بل يقول إن الشرع أوجب النظر على من كان من أهله. وهذه العبارة الدقيقة تؤسس لما يمكن تسميته فقه الأهلية المعرفية. فكما أن الفقهاء يميزون بين مراتب التكليف والقدرة والاستطاعة يميز ابن رشد بين مراتب النظر العقلي والاستعداد البرهاني. وليس غريبا أن يصوغ دفاعه عن الفلسفة بلغة فقهية أصولية لأن المعركة لم تكن نظرية مجردة بل كانت معركة مشروعية داخل فضاء تهيمن عليه أدوات الفقه والجدل.

ولئن كان بعض الدارسين المعاصرين قد رأى في هذا التمييز نزعة أرستقراطية معرفية فإن الإنصاف يقتضي ألا نحاكم ابن رشد بمقاييس حديثة نشأت في سياقات مغايرة. ففكرة تعميم التعليم الفلسفي على النحو الذي نتصوره اليوم لم تكن متاحة لا من حيث البنية المؤسسية ولا من حيث مفهوم المعرفة ذاته. لقد كان العلم في المجتمع الوسيط مرتبطا بالإجازة والتدرج والصناعة والملكة. ولم يكن مجرد مضمون يُنقل بل هيئة نفسية تُكتسب. وابن خلدون بعد ابن رشد بقرون سيقول في المقدمة إن «العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة» وأن الملكات لا تحصل إلا بالتدرج والتكرار والمباشرة. وسيبين أن التعليم إذا تجاوز طاقة المتعلم أورثه العجز. وهذا المعنى بعينه نجده عند ابن رشد في صورة أرقى وأشد التصاقا بمشكل الفلسفة. فليس كل من سمع قولا فلسفيا صار فيلسوفا كما أن سماع مسائل الخلاف لا يجعل المرء فقيها.

ومع ذلك فإن الموقف الرشدي لا يخلو من توتر داخلي بالغ العمق. فإذا كانت الحقيقة واحدة والشرع داعيا إلى النظر وكانت الفلسفة واجبة على من استكمل شروطها فكيف يمكن للمجتمع أن يضمن تكوين هذا الجمهور الخاص من غير أن يفتح باب الفلسفة على نحو أوسع؟ وإذا كان إخفاء التأويلات عن العامة لازما صيانةً للإيمان فكيف تتجدد النخبة البرهانية جيلا بعد جيل؟ هنا تنكشف إحدى أعقد الإشكالات في المشروع الرشدي. فهو من جهة يريد حفظ التراتب المعرفي ومن جهة أخرى يحتاج إلى مؤسسات تعليمية تنتج أهل البرهان. لكن المجتمع الذي يضيق بالفلسفة أو يرتاب فيها لا يوفر بسهولة شروط هذا الإنتاج. إن الدفاع عن الفلسفة عند ابن رشد يظل معلقا بين مثال نظري دقيق وواقع سياسي مضطرب.

لقد أدرك ابن طفيل هذا التوتر بطريقة رمزية في قصته الفلسفية حي بن يقظان. فحي يبلغ الحقيقة بالعقل الخالص ثم يلتقي بالمجتمع ممثلا في أبصال وسلامان. وحين يحاول أن ينقل ما أدركه إلى الجمهور يكتشف أن أكثر الناس لا يحتملون ذلك. فيرجع إلى العزلة بعد أن يوقن أن للناس منازل وأن «الحكمة لا تعطى إلا لأهلها». هذه الثيمة ليست بعيدة عن ابن رشد الذي قدم لكتاب ابن طفيل وعرف مشروعه. بل يمكننا القول إن حي بن يقظان يقدم المشهد الرمزي لما يعالجه فصل المقال والكشف عن مناهج الأدلة معالجة نظرية مباشرة. ففي الحالتين نحن أمام السؤال نفسه: كيف تُصان الحقيقة حين تدخل المجال العمومي؟ وكيف يظل الدين جامعا للأمة من غير أن يتحول إلى خصومة تأويلية لا قرار لها؟.

إن ابن رشد في عمق مشروعه لا ينظر إلى الجمهور بوصفه كتلة جاهلة يجب استبعادها بل بوصفه مكونا ضروريا في انتظام المدينة الدينية. فالجمهور هو حامل الملة ووعاء العادات والفضائل العملية. وما تحتاجه المدينة ليس أن يتحول الجميع إلى فلاسفة بل أن تستقيم العلاقة بين البرهان والشرع وبين الخاصة والعامة على قاعدة التكامل لا التنازع. ولعل هذا ما يفسر قوله الضمني إن الشرع جاء بتعليم الجمهور على وجه خطابي وتمثيلي لا لأن الخطاب الخطابي أدنى قيمة مطلقا بل لأنه الأوفق بوظيفة الهداية العامة. وقد كان ابن سينا قد لمح إلى هذا المعنى حين قرر أن الأنبياء يخاطبون الجمهور بالأمثال والصور لأن «التصريح بالحقيقة المجردة لا تحتمله العامة». لكن ابن رشد يذهب أبعد من ابن سينا في ضبط هذه الفكرة ضمن أفق فقهي وسياسي أكثر صرامة.

ويتبين  لنا أن إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد ليست هامشا في مشروعه بل هي قلب المسألة. إنها النقطة التي تتقاطع فيها نظرية البرهان مع سياسة المعرفة وفقه التأويل وبنية الاجتماع الإسلامي الوسيط. ومن غير فهم هذا التقاطع يغدو الدفاع الرشدي عن الفلسفة مبتورا أو مشوها. فهو ليس دعوة مطلقة إلى إطلاق الفلسفة في الفضاء العام ولا هو رضوخ كامل لمنطق المنع والتحريم. إنه محاولة دقيقة لتأسيس مشروعية الحكمة داخل نظام ديني مدني مع الاعتراف بأن للحقيقة شروطا في التعليم والتلقي لا يجوز القفز عليها. وهذا ما يجعل ابن رشد أقرب إلى فيلسوف التوازنات الدقيقة منه إلى داعية عقلانية ساذجة أو باطنية مغلقة.

وفي هذا المستوى بالذات تنفتح أمامنا أسئلة أشد عمقا، هل كان ابن رشد يؤسس لنوع من النخبوية المعرفية الضرورية أم أنه كان يسجل مأزق الحضارة التي لم تستطع أن تحول الفلسفة إلى ثقافة عمومية؟ وهل كان احترازه من الجمهور حلا مرحليا فرضته ظروف عصره أم أنه مبدأ بنيوي في تصوره للمعرفة؟ ثم إلى أي حد أسهم هذا الاحتراز نفسه في تضييق دائرة الفلسفة داخل المجال الإسلامي بدل توسيعها؟ تلك أسئلة لا يمكن معالجتها من غير تفكيك تصوره لمراتب التصديق ولنقده لعلم الكلام ولطبيعة العلاقة بين التأويل والسلطة الدينية والسياسية. وهو ما يقتضي أن نواصل النظر في النص الرشدي نفسه وفي شروطه التاريخية وفي أثره اللاحق داخل الإسلام والغرب اللاتيني على السواء.

غير أن استيعاب إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد لا يكتمل إلا إذا تجاوزنا الصيغة العامة التي عرضها في فصل المقال إلى النظر في البنية الداخلية التي تنتظم بها العلاقة بين البرهان والتأويل والسلطة المعرفية. فابن رشد لم يكن معنيا بمجرد الدفاع عن حق الفيلسوف في التفكير وإنما كان معنيا أكثر من ذلك بتحديد الشرط الذي يجعل التفكير الفلسفي ممكنا من غير أن ينقلب إلى قوة هدم داخل المجال الديني والمدني. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يشتغل في عمق نصوصه ليس هل يجوز تعليم الفلسفة؟ بل لمن يجوز؟ وكيف يجوز؟ وبأي لغة يجوز؟ وما الحد الذي إذا تجاوزته الفلسفة في خطابها العمومي تحولت من أداة تحرير إلى سبب اضطراب؟.

هنا تحديدا يتعين استحضار الكشف عن مناهج الأدلة لأنه النص الذي تتجلى فيه حساسية ابن رشد تجاه المجال العمومي الديني. ففي هذا الكتاب لا يكتفي بانتقاد المتكلمين من جهة قصور مناهجهم البرهانية بل يتهمهم ضمنا بأنهم أفسدوا على الجمهور عقائدهم حين نقلوا قضايا دقيقة إلى ساحة النزاع. إن الذي يزعج ابن رشد في الكلام ليس فقط كونه لا يبلغ اليقين البرهاني بل كونه يخلط بين مقام التعليم ومقام الجدل. فالجمهور يحتاج إلى ما يرسخ المعنى الإيماني ويؤسس الاستقامة العملية، بينما يأتي المتكلم فيجرّه إلى مساحات من الاحتمال لا يملك أدوات حسمها،  حيث إن علم الكلام عنده لا يفسد الفلسفة وحدها بل يربك الدين نفسه من حيث هو نظام هداية عمومية.

وهذا الاعتراض في غاية العمق لأن ابن رشد لا يهاجم مضمون الكلام بقدر ما يهاجم وضعيته التداولية. فالقضية ليست في صحة القول أو فساده فقط بل في ملاءمة القول لمقامه. إن العبارة إذا خرجت من مقامها فسدت وإن كانت في ذاتها حقا. وهذا من أبلغ ما وعاه ابن رشد في مسألة التعليم. فالحقيقة لا تقاس عنده بمضمونها المجرد وحده بل بقدرتها على أن تُعطى في صورتها المناسبة. وفي هذا المعنى يبدو كأنه يزاوج بين نظرية في الصدق ونظرية في الحكمة العملية. وليس بعيدا عن هذا ما نجده عند أرسطو في الأخلاق إلى نيقوماخوس حين يقرر أن الدقة لا تطلب في كل شيء على السواء وأن طلب اليقين في غير موضعه جهل بطبيعة الموضوع. فإذا كان لكل موضوع منهجه فإن لكل جمهور أيضا مستوى من الخطاب يليق به.

وتكتسب ثنائية الظاهر والباطن عند ابن رشد معناها الدقيق، فهي ليست ثنائية سرية بالمعنى الباطني الذي يجعل النص الشرعي قناعا لمعنى آخر لا يعرفه إلا المصطفون، وإنما هي ثنائية وظيفية تقوم على أن النص الواحد يحتمل مراتب من الفهم تبعا لمراتب العقول. فالمعنى الظاهر ليس باطلا ولا مجرد حيلة خطابية، بل هو حق في مرتبته لأنه يؤدي وظيفة الهداية العامة ويحفظ انتظام الجماعة. والمعنى المؤول ليس نقضا له بل تعميق له عند من استكمل آلة البرهان. لذلك كان ابن رشد شديد الحذر من التأويل المنفلت، فهو لا يجيز التأويل إلا حيث قام البرهان القطعي على أن الظاهر غير مراد. أما إذا لم يوجد البرهان فالوقوف مع الظاهر أولى. وهذا الشرط يكشف أن التأويل عنده ليس لعبا حرا للمعنى بل عملية مقيدة بمنطق صارم.

ويظهر الفارق الحاسم هنا بين ابن رشد وكثير من التيارات التي جعلت التأويل أداة لإنتاج سلطة معرفية مغلقة. فالتأويل عنده ليس امتيازا اجتماعيا خالصا بل استحقاق برهاني. وليس الراسخ في العلم من احتكر الرمز بل من استوفى شروط النظر. ولهذا فإن النخبة الرشدية ليست نخبة نسب أو سلطة أو قداسة بل نخبة صناعة عقلية. وهذه نقطة جديرة بالتشديد لأنها تميز مشروعه عن كثير من أنماط التراتب المعرفي في التراث. إن الخاصة عنده ليست طائفة مقدسة بل فئة متمرسة. وقد كان هذا في ذاته ضربا من عقلنة السلطة المعرفية داخل الثقافة الإسلامية الوسيطة.

غير أن هذه العقلنة لا تلغي الطابع الإشكالي للموقف، إذ ما دام التأويل محصورا في أهل البرهان فإن إمكان اتساع دائرة الفلسفة يظل مشروطا بوجود بنية تعليمية وثقافية قادرة على تكوين هؤلاء، وهذا ما لم يكن متاحا دائما. بل لعل المجتمع الذي كان ابن رشد يتحرك داخله كان قد بدأ بالفعل يفقد شروط التوازن بين علوم الشرع وعلوم النظر. فالتحول السياسي في الأندلس والمغرب وتصلب المجال العقدي وتزايد الحساسية تجاه الفلسفة جعل الفيلسوف مضطرا إلى أن يكتب دفاعه في صورة احترازية. ومن ثم فإن مشروعه يحمل في طياته مفارقة مؤلمة، إنه يدافع عن الفلسفة من داخل شروط تضيق عليها، ولذلك لم يكن غريبا أن ينتهي مصيره الشخصي إلى المحنة والنفي وحرق بعض كتبه. إن سيرة ابن رشد ليست حادثة عرضية منفصلة عن نظريته في الجمهور بل هي في وجه من الوجوه برهان تاريخي على صعوبة التوفيق بين الحقيقة البرهانية والفضاء العمومي حين يختل ميزان الثقافة والسياسة.

ولعل هذا ما يفسر أيضا أن الرشدية اللاتينية ازدهرت في الغرب المسيحي الوسيط في الوقت الذي كان فيه حضورها في المجال الإسلامي يتقلص. فالنص الرشدي وجد في الجامعات اللاتينية مؤسسة تؤهله للتداول المدرسي والتعليق والنقاش، أما في المجال الإسلامي فقد بقي محاصرا بحدود الريبة أو الاستعمال الجزئي. وليس معنى ذلك أن الإسلام كان عدوا جوهريا للفلسفة كما روجت بعض السرديات الاستشراقية الساذجة، بل معناه أن البنية المؤسسية التي تسمح للفلسفة بأن تصير صناعة تعليمية مستقرة لم تتكرس على النحو نفسه. وقد لمح محمد عابد الجابري في غير موضع إلى أن مأساة ابن رشد لم تكن مأساة رجل فقط بل مأساة «العقل البرهاني» حين عجز عن أن يصير تقليدا مؤسسا داخل الثقافة العربية الإسلامية. ومع أن الجابري قرأ ابن رشد في أفق مشروعه النهضوي المعاصر فإن ملاحظته في هذا الباب تظل ذات قيمة، الفلسفة لا تعيش بالعبقرية الفردية وحدها بل تحتاج إلى حاضنة تداولية.

وإذا رجعنا إلى أصل الإشكال أمكن القول إن ابن رشد كان يقاوم نزعتين متقابلتين كلتاهما مدمرة. النزعة الأولى هي تعميم ما لا يعمم، أي نقل المعاني البرهانية المجردة إلى غير أهلها باسم تحرير العقل. والنزعة الثانية هي منع ما ينبغي أن يوجد، أي حجب النظر البرهاني نفسه باسم حماية الإيمان. وبين هذين الحدين يحاول أن يبني طريقا وسطا شديد الدقة. فالبرهان لا بد منه لأن الشرع لا يعادي العقل بل يدعو إليه. لكن البرهان لا يتحول إلى خطاب عمومي مباشر لأن الاجتماع لا يقوم على اليقين الفلسفي وحده. ويفهم من هذا أن ابن رشد لم يكن فيلسوف عقلانية تجريدية صماء، بل كان واعيا بالبنية الرمزية والأخلاقية والسياسية التي ينتظم بها العالم الديني.

وهذا الوعي يجعله أقرب إلى فيلسوف تربية بقدر ما هو فيلسوف برهان. فتعليم الفلسفة عنده ليس مجرد نقل مسائل المنطق والطبيعيات والإلهيات، بل هو تربية على ملكة مخصوصة. ولذلك فإن الحد الفاصل بين الخاصة والعامة ليس معرفيا فقط بل تربوي أيضا. إن الفيلسوف لا يتكون بالاطلاع بل بالتدرج والمران والتطبع بالصناعة. وهذا ما يجعل السؤال عن «الجمهور الفلسفي» سؤالا في إمكان التربية العقلية داخل الحضارة. هل تستطيع المدينة الإسلامية الوسيطة أن تنتج مواطنين قادرين على تلقي البرهان من غير أن تهدد تماسكها الرمزي؟ هذا هو السؤال الذي لم يصرح به ابن رشد دائما لكنه حاضر في كل سطر من مشروعه.

وفي هذا الموضع يمكن أن نستحضر ابن خلدون مرة أخرى، فهو حين تحدث عن العلوم العقلية لم ينكرها من حيث الأصل لكنه قرر أن ازدهارها رهين بشروط عمرانية دقيقة. وإذا ضعفت تلك الشروط ضعفت العلوم ذاتها. وهذا التحليل العمراني يضيء ما كان عند ابن رشد في صورة حدس فلسفي وسياسي. فالفلسفة لا تنمو في الفراغ، إنها تحتاج إلى استقرار مدني وإلى مؤسسات تعليم وإلى تقاليد نقاش وإلى قدر من التسامح المعرفي. وإذا غابت هذه العناصر صارت الحكمة إما معزولة في دوائر ضيقة وإما متهمة في أصلها. ولذلك فإن حدود تعليم الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط ليست حدودا نصية فحسب بل هي حدود تاريخية ومؤسسية أيضا.

غير أن القراءة الدقيقة للموقف الرشدي تمنعنا من السقوط في اختزال آخر لا يقل خطرا وهو اعتبار الرجل مجرد ممثل لسياسة الكتمان. فهذا تبسيط لا يليق بمشروعه. ابن رشد لم يدع إلى دفن الفلسفة بل إلى تنظيم تداولها، ولم يقل إن الجمهور لا حق له في الحقيقة بل قال إن الحقيقة تعطى له في الصيغة التي تحفظ غايتها الهداية لا البلبلة. ولم يجعل الشرع خصما للبرهان بل قرر أن البرهان أحد وجوه الوفاء لمقصد الشرع في دعوة الإنسان إلى الاعتبار. إن ما يرفضه ابن رشد ليس انفتاح العقل بل الفوضى المعرفية. ولهذا كان يمكن اعتباره من زاوية ما فيلسوفا لـ«أخلاق التعليم». فالمدرس الحق عنده ليس من يعلن كل ما يعلم في كل مقام، بل من يزن القول بميزان الحقيقة والمصلحة والقدرة على الفهم.

وفي هذا المعنى تستعيد العبارة المنسوبة إلى سفيان بن عيينة معناها العميق: «ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم نور يضعه الله في القلب». فالملكة مقدمة على التكديس. وليس بعيدا عنها قول الجاحظ في معنى قريب إن المعاني مطروحة في الطريق وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وموافقة الحال. وقد كان ابن رشد من هذا الجنس من المفكرين الذين يدركون أن الفكرة لا تُقاس بصحتها المجردة فقط بل أيضا بقدرتها على أن تجد موضعها الصحيح في نظام الثقافة. إن أزمة الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط لم تكن في جوهرها أزمة تعارض بسيط بين العقل والنقل كما تحب بعض القراءات التبسيطية أن تردد، بل كانت أزمة تنظيم للمجال المعرفي وأزمة توزيع للسلطة التأويلية وأزمة ثقة بين الصناعات العلمية المختلفة.

إن السؤال الذي يفرض نفسه ليس هل أخطأ ابن رشد حين قيد تعليم الفلسفة أم أصاب، بل هل كان يملك في سياق عصره بديلا أكثر واقعية؟ لو دعا إلى تعميم الفلسفة بلا قيد لربما عجل بإعدامها الرمزي والمؤسسي. ولو رضي بمنطق المنع لكان قد خان أصل مشروعه. فاختار الطريق الأصعب، أن يفتح الباب ويضع عليه حراسة معرفية. وهذا الاختيار وإن بدا للبعض محافظا فإنه في سياقه التاريخي كان من أجرأ أشكال الدفاع عن العقل، لأن الجرأة ليست دائما في الهتاف المعلن، بل قد تكون في بناء الشروط الدقيقة التي تسمح للفكرة بأن تعيش.

إن ابن رشد هنا يقدم لنا درسا يتجاوز زمنه، فكل حضارة تواجه بطريقتها الخاصة معضلة العلاقة بين المعرفة المتخصصة والجمهور الواسع، وكل مجتمع يسأل نفسه وإن بصيغ مختلفة، ما الذي ينبغي أن يعمم؟ وما الذي يحتاج إلى تدرج؟ وما الفرق بين الحق في المعرفة والقدرة على استيعابها؟ وما حدود المسؤولية الأخلاقية للمعلم حين يتعامل مع قضايا قد تهز التصورات الراسخة؟ وإذا كان السياق الحديث قد وسع إمكانات التعليم وأعاد تعريف الجمهور فإن أصل الإشكال لم يختف. بل لعله ازداد تعقيدا مع الانفجار الإعلامي وسرعة تداول الأفكار خارج مؤسسات التكوين الصارم. ومن هذه الزاوية يبدو ابن رشد معاصرا لنا على نحو مدهش، فهو ينبهنا إلى أن المعرفة إذا خرجت من نظامها التربوي قد تتحول إلى شبهة أو أيديولوجيا أو ضجيج.

إن القيمة الحقيقية للموقف الرشدي لا تكمن في تقسيم الناس إلى خاصة وعامة فحسب، بل في وعيه بأن الحقيقة لا تحيا في الذهن وحده بل في شروط تداولها. إن البرهان في ذاته لا يكفي إذا لم يجد لسانه الملائم وسياقه التربوي ومؤسسته الحاضنة. والحكمة ليست مجرد امتلاك للنتائج بل معرفة بطرق الإيصال. ولهذا كان ابن رشد في العمق مفكرا في «سياسة الحقيقة»، لا بمعنى التلاعب بها بل بمعنى صيانتها من سوء الاستعمال. لقد فهم أن أعظم ما يهدد الفلسفة ليس فقط عداؤها الخارجي بل أيضا سوء تقديمها من أهلها أنفسهم حين ينسون أن لكل مقام مقالا وأن للمعرفة أدبا لا يقل أهمية عن مضمونها.

إن إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد تكشف عن وجه من أكثر الوجوه تعقيدا في تاريخ العقل الإسلامي. فهي لا تحيلنا إلى معركة سطحية بين فقيه وفيلسوف ولا إلى ثنائية مستهلكة بين النص والعقل بل تضعنا أمام سؤال أعمق، كيف يمكن للحقيقة البرهانية أن تسكن مدينة دينية من غير أن تهدمها ومن غير أن تُدفن تحت تراب التحريم؟ لقد كان جواب ابن رشد مشروطا بعصره لكنه لم يكن عابرا. إنه جواب يقوم على أن الفلسفة ضرورة وأن الشريعة لا تناقضها وأن التأويل حق لمن استحقه وأن التعليم مسؤولية قبل أن يكون كشفا وأن الجمهور ليس خصما للحقيقة بل مخاطبا بها على قدر طاقته.

ولعل مأساة هذا الجواب أنه كان أرقى من شروطه التاريخية. فقد وُلد في زمن كانت فيه الحاجة إلى البرهان عظيمة لكن الاستعداد الاجتماعي لاحتماله محدودا. ولذلك بقي ابن رشد شاهدا على إمكان لم يكتمل. إمكان أن تتصالح الحضارة الإسلامية مع أعلى أشكال العقل من غير أن تفقد بنيتها الروحية. إمكان أن يكون الفيلسوف فقيها في طرق التعليم كما يكون الفقيه عاقلا في حدود الظاهر. إمكان أن يُبنى المجال العمومي على توازن لا يقصي الحكمة ولا يبتذلها. وإذا كانت الرشدية قد لمعت في الغرب بوصفها تقليدا شارحا ومؤسسا، فإنها في المجال الإسلامي بقيت أشبه بنداء لم يُستوفَ صداه كله.

إن القيمة الباقية لابن رشد لا تقاس بما تحقق من مشروعه وحده، بل بما كشفه من عمق المعضلة. لقد علّمنا أن الفلسفة لا تموت فقط حين تُحارَب بل قد تموت أيضا حين تُلقى إلى غير أهلها بلا تدرج ولا صناعة. وعلّمنا أن الدفاع عن العقل لا يكون بالصخب بل ببناء شروطه. وعلّمنا أخيرا أن المجتمع الذي يريد حكمة حية لا يكفيه أن يمدح الفلاسفة بعد موتهم، بل عليه أن يؤسس في قلبه فضاءً تتعايش فيه مراتب الخطاب من غير قطيعة وتتكامل فيه الهداية مع البرهان ويُصان فيه الحق من أن يتحول إلى فتنة أو إلى صنم. ويستعيد ابن رشد هنا مكانته لا بوصفه شارح أرسطو فقط، بل بوصفه مفكرا في مصير الحقيقة حين تدخل التاريخ.

***

د. حمزة مولخنيف

من التفسير الغائي إلى انتظام العالم

في تاريخ الفكر الفلسفي تحتل الطبيعة مقاما يتجاوز حدود الموضوع المعرفي إلى مرتبة الأصل الذي تُوزَن به قدرة العقل على النفاذ إلى بنية الوجود. فكلُّ نظرٍ في الطبيعة ينطوي في العمق على امتحانٍ خفيٍّ لمشروعية البرهان وعلى مساءلةٍ دقيقة لمعنى النظام، وعلى استنطاقٍ متواصل للعلاقة التي تصل الموجود بتعقّله والحركةَ بمبدئها والكثرةَ بوحدتها. ومن ثَمّ غدت الطبيعة في ضمير الفلسفة الكبرى موضعا تنكشف فيه منزلة الإنسان من العالم، كما تنكشف فيه منزلة العالم من الحكمة؛ إذ لا يستقيم للعقل أن يطمئن إلى نفسه إلا في كونٍ تُدرك أجزاؤه بعللها وتُفهم حوادثه بسننه وتُقرأ مظاهره على ضوء انتظامٍ باطنٍ يردّ الكثرة إلى نسق والتفرق إلى تأليف والتبدل إلى قانون.

وعلى هذا الأفق الموشّى بكثافة الأسئلة وصرامة النظر، ينهض فكر ابن رشد بوصفه أحد أصفى التعبيرات الفلسفية عن معقولية العالم وأحد أمتن المحاولات التي شُيِّدت في الثقافة الإسلامية لإعادة وصل الطبيعة بالعقل والكون بالحكمة والبرهان بالإيمان. فالرجل لم يقف عند حدود الشرح المدرسي لأرسطو ولم يتعامل مع الموجود الطبيعي على أنه مادةٌ مبذولةٌ للحس أو حشدٌ من الوقائع المتجاورة، بل قرأه من داخل بنيته واستنطق حركته من داخل عللها، وردّ تفرّق ظواهره إلى مبدأ انتظامٍ يجعل العالم قابلا لأن يُفهم وجديرا بأن يُتخذ سبيلا إلى معرفة ما فوقه. وفي هذا تتحدد قيمة المشروع الرشدي، طبيعةٌ تنكشف بوصفها نظاما ونظامٌ يُفضي إلى حكمة وحكمةٌ لا تُنال بإبطال الوسائط بل بإحكام النظر فيها.

وتزداد هذه الرؤية عمقا إذا استُحضر السياق الجدلي الذي تشكّلت فيه. فقد كان ابن رشد يكتب في زمنٍ اشتدّ فيه النزاع حول معنى السببية وحول موقع الطبائع من الفعل الإلهي وحول إمكان ردّ العالم إلى سننٍ مطردة أو إلى تعاقبٍ منقطعٍ للحوادث. لذلك جاءت فلسفته في الطبيعة مشروطةً بمعركةٍ فكرية كبرى، موضوعها الحقيقي أوسع من الفيزياء وأبعد من وصف الظواهر؛ إذ كانت معركةً حول صورة العالم في العقل، أهو عالمٌ تُمسك به العلل وتضبطه القوانين وتخترقه الغايات، أم مجالٌ للانفصال، يتعذّر فيه الوثوق برباط الأسباب، ويضيق فيه أفق البرهان؟ ولعل الدفاع عن الطبيعة عنده معنىً يتجاوز البحث في العناصر والحركات إلى الدفاع عن كرامة العقل نفسه، لأن العقل لا يُثبت جدارته إلا في كونٍ يقبل الفهم ولا يُظهر قوته إلا في عالمٍ يحمل في باطنه قابليةَ الانتظام.

ولهذا ارتبط مفهوم الطبيعة في فلسفة ابن رشد ارتباطا وثيقا بمفهوم الغاية لا على جهة الزيادة الخطابية أو التلوين اللاهوتي، بل على جهة التأسيس البنيوي لمعنى الموجود الطبيعي. فالموجود في الأفق الرشدي لا يُستوفى بالنظر إلى مادته ولا يُستكمل بوصف صورته ولا يُفهم تماما بردّه إلى علته الفاعلة وحدها، بل يطلب في حقيقته جهةً رابعةً تمنح حركته معناها، وتكشف عن الوجه الذي به ينتظم الفعل في سياق الكمال. وقد اكتسب الغائية في فلسفته دلالةً مركزية؛ لأنها تُخرج الوجود من رتبة الوقائع المتراكمة إلى رتبة البنية المقصودة وتُعيد وصل الجزئي بالكلي وتفتح الطريق أمام قراءة العالم لا باعتباره مشهدا متبدّلا فحسب، بل باعتباره أثرا متماسكا لحكمةٍ تسري في أجزائه وتنتظم بها مراتبه وتغدو معها الطبيعة مرآةً كاشفةً عن عقلانية الوجود. وإذا كان الفكر الفلسفي قد عرف منذ أرسطو تقاليد متباينة في فهم الطبيعة، فإن خصوصية ابن رشد تتجلى في قدرته على الارتقاء بهذا الإرث إلى صياغةٍ جديدةٍ أكثر تماسكا في الجمع بين الدقة البرهانية والرهان الحضاري. فالمسألة عنده لا تتعلق ببيان كيفية حدوث الأشياء فحسب، بل تمس صورة الإنسان عن العالم الذي يسكنه وعن الحقيقة التي يطلبها وعن الإله الذي يستدل عليه. لأن عالما بلا نظام لا يورث علما، وعالما بلا علل لا يورث برهانا، وعالما بلا انتظام لا يورث حكمةً، بل يورث حيرةً لا تنتهي. أما العالم الذي تتساند فيه الحركات وتتآزر فيه الأسباب وتنتظم فيه الموجودات بحسب مراتبها فهو وحده العالم الذي يسمح للعقل أن يعبر من الظاهر إلى الباطن ومن الأثر إلى المؤثّر ومن الطبيعة إلى ما يجعل الطبيعة نفسها ممكنةً ومفهومةً.

من هذا المدخل تنفتح القراءة الرشدية للطبيعة بوصفها أفقا فلسفيا بالغ الثراء، تتقاطع فيه الفيزياء مع الميتافيزيقا ويتعانق فيه البرهان مع التأويل ويتحول فيه النظر في العالم من رصدٍ للظواهر إلى استكشافٍ لمعمار الوجود. ويغدو الانتقال من التفسير الغائي إلى انتظام العالم انتقالا من ملاحظة الوظائف الجزئية إلى إدراك النسق الكوني ومن تعليل الحركة في أفراد الموجودات إلى فهم الحركة في كلية العالم، ومن الوقوف عند ظاهر الطبيعة إلى النفاذ نحو معقوليتها الباطنة. وعلى هذا الأساس يتحدد مقصد هذا المقال المتواضع، مساءلة الكيفية التي صاغ بها ابن رشد مفهوم الطبيعة ضمن رؤيةٍ تجعل العالم نظاما معقولا وتجعل من انتظامه برهانا على حكمةٍ متعالية، من غير أن تُفرغ الموجودات من طبائعها أو تُعطل العلل في مراتبها أو تُحول القدرة الإلهية إلى نقيضٍ للنظام الذي به يقوم العالم ويُعرف.

ليس النظر في الطبيعة عند ابن رشد ترفا نظريا منفصلا عن صميم مشروعه الفلسفي ولا هو مجرد تلخيص شارحٍ لفلسفة أرسطو في العالم الإسلامي، بل هو موضعُ التقاءٍ دقيق بين الأنطولوجيا والفيزياء والإلهيات وأصول النظر العقلي في الموجودات. ذلك أن الطبيعة في الأفق الرشدي ليست مجموعا مبعثرا من الظواهر التي تُدرَك بالحس وحده، ولا ميدانا للفوضى أو المصادفة المطلقة، وإنما هي بنيةٌ محكومةٌ بقوانين مشدودةٌ إلى علل ومفصَّلةٌ وفق ترتيب يكشف عن معقولية العالم وانضباطه. ومن هنا كانت الطبيعة عنده أقرب إلى أن تكون “كتابا” آخر للوجود، تُقرأ صفحاته بمناهج البرهان كما تُقرأ آيات الوحي بمناهج التأويل الرشيد، ولهذا كان ابن رشد شديد الإصرار على أن فساد النظر في الطبيعة يفضي لا محالة إلى فساد النظر في الإلهيات لأن من عجز عن فهم انتظام الأثر تعذّر عليه إدراك حكمة المؤثِّر.

إن ما يميز المشروع الرشدي في هذا الباب هو أنه لا يتعامل مع الطبيعة بوصفها معطى خاما، بل بوصفها نظاما معقولا؛ أي إن الموجود الطبيعي عنده لا يُفهم من حيث هو واقعٌ فحسب، بل من حيث هو قابلٌ للتعليل ومن حيث هو حاملٌ لانتظام داخليّ يشي بأن الوجود ليس حادثا على سبيل العبث ولا قائما على محض التجاور العشوائي. وهذا المعنى هو الذي يجعل ابن رشد وريثا أمينا لأرسطو من جهة ومصححا لكثير من الانحرافات التي أدخلها المتكلمون وبعض الفلاسفة على معنى السببية والطبيعة من جهة أخرى. ولعل عبارة أرسطو الشهيرة “الطبيعة لا تفعل شيئا عبثا” تمثل المفتاح المنهجي الأوضح لفهم الرؤية الرشدية للعالم، إذ تلقّاها ابن رشد لا بوصفها جملةً مدرسية مكرورة، بل بوصفها مبدأً كاشفا عن البنية العميقة للموجودات الطبيعية وعن امتناع رد العالم إلى المصادفة أو الفوضى أو الإرادة المنفصلة عن الحكمة.

لقد كان ابن رشد يدرك بحسّ الفيلسوف والمتكلم معا، أن السؤال عن الطبيعة هو في جوهره سؤال عن العقلانية الكامنة في الوجود. فإذا كانت الطبيعة تجري على سنن مطردة وإذا كانت الموجودات تصدر عن أسباب محددة وإذا كانت صور الأشياء ووظائفها ومآلاتها قابلة للفهم، فإن ذلك لا يعني فقط إمكان العلم بل يعني أيضا أن العالم نفسه مؤسَّس على نحوٍ معقول. 

ولهذا لم يكن غرضُه من شرح كتب أرسطو في السماع الطبيعي والسماء والعالم والكون والفساد مجرّدَ خدمةِ التراث اليوناني، بل كان يسعى إلى ترسيخ قاعدةٍ كبرى، مؤدّاها أن البرهان على الله وعلى العناية وعلى الحكمة لا يمرّ عبر خرق النظام الطبيعي، بل عبر فهمه. فالإعجاز في نظر العقل الرشدي لا يتمثّل في إبطال السببية بل في انكشافها في أتمّ صورها؛ إذ كلّما ازداد النظام إحكاما ازداد العقل اقترابا من إدراك الحكمة الكلية التي يفيض عنها الوجود. وهنا يتبيّن أن التفسير الغائي في فلسفة ابن رشد ليس عنصرا زائدا على التفسير الطبيعي ولا هو تسرّبٌ لخطابٍ لاهوتيّ إلى قلب الفيزياء، كما قد تتوهّم بعض القراءات الحديثة ذات النزعة الاختزالية، بل هو الوجه الأكمل للتفسير الطبيعي نفسه. فالعلة الغائية عنده ليست بديلا من العلة الفاعلة أو الصورية أو المادية وإنما هي المبدأ الذي يهب سائر العلل معناها، لأن المادة لا تُفهم إلا من حيث قابليتها للصورة والصورة لا تُفهم إلا من حيث تحقّقها في الفعل، والفعل لا يُفهم إلا من حيث توجّهه إلى غاية. لذلك كان أرسطو يرى وكان ابن رشد يؤكّد بإلحاحٍ أشدّ أن إنكار الغاية ليس مجرّد حذفٍ لنوعٍ من أنواع العلل، بل هو تقويضٌ للنسق التفسيري برمّته، إذ يغدو العالم عندئذٍ سلسلةً من الوقائع المتجاورة بلا مقصد، وجملةً من الحركات التي لا يربط بينها شيءٌ سوى التعاقب الأعمى. 

ولعل هذا ما يفسر شدة ابن رشد في نقده للاتجاهات التي فرّغت الطبيعة من فاعليتها الداخلية. فهو يعترض على المتكلمين وبخاصة الأشاعرة، لا لأنهم أثبتوا القدرة الإلهية بل لأنهم – في نظره – أثبتوها على حساب الحكمة والنظام، فجعلوا العادة تحل محل الطبيعة والانفصال يحل محل السببية والحدوث المنفصل يحل محل الاتصال الكوني. إن العالم بحسب هذا التصور لا يعود نسقا متماسكا، بل يصير تجمعا لحوادث متجاورة لا ضرورة بينها ولا علية في باطنها ولا رابطة إلا إرادة تُحدِث الأشياء على التوالي من غير أن يكون في الأشياء أنفسها مبدأٌ للترابط. وقد رأى ابن رشد في هذا التصور تهديدا مزدوجا، تهديدا للعلم لأنه يبطل إمكان استقراء القوانين؛ وتهديدا للإيمان العقلي لأنه يجعل العالم أقل دلالة على الحكمة. فالله – في التصور الرشدي – لا يُعظَّم بإبطال الوسائط بل يُعظَّم بإحكامها؛ ولا يُعرَف بخرق النظام على الدوام بل يُعرَف من خلال انتظامه. ولذلك كان دفاعه عن الطبيعة دفاعا عن السببية بقدر ما هو دفاع عن العناية. ومن اللافت أن بعض الدراسات المعاصرة قد نبهت إلى أن ابن رشد يعدّ مبدأ الغائية أصلا أساسيا في الفيزياء والميتافيزيقا معا، وأنه يرى أن إنكار القصدية في الطبيعة يُفضي إلى إبطال سائر العلل، بل وإلى تعذر البرهنة على عناية الله بالموجودات السفلية؛ لأن المادة لأجل الصورة والصورة بفعل الفاعل والفاعل إنما يفعل من أجل غاية . وهذا المعنى وإن بدا أرسطيّ الجذر إلا أنه في الصياغة الرشدية يكتسب كثافةً لاهوتية وفلسفية خاصة إذ يتحول من مجرد مبدأ في تفسير الحركة إلى أساسٍ في إثبات التناسب بين العقل والوجود.

إن الطبيعة بهذا الاعتبار ليست عند ابن رشد قوةً عمياء. وقد كان تعريف أرسطو للطبيعة بأنها “مبدأ الحركة والسكون في الشيء من حيث هو هو” حاضرا في خلفية البناء الرشدي، لكن ابن رشد وسّع هذا التعريف عمليا حين قرأه ضمن شبكة العلل الأربع. فالشيء الطبيعي لا يتحرك لأنه متحرك فحسب، بل لأنه يحمل في ذاته مبدأً صوريا يوجّه مادته نحو كمال مخصوص. البذرة لا تصير شجرةً بمحض المصادفة ولا الجنين يصير كائنا حيا على سبيل التجاور الاعتباطي بل لأن في الطبيعة انتظاما يجعل الممكنات تتجه إلى كمالاتها بحسب استعداداتها. وهذا ما جعل أرسطو يقول إن الفن يحاكي الطبيعة لا العكس؛ لأن الطبيعة أسبق من الصناعة وأعمق نظاما منها. وابن رشد يلتقط هذه الإشارة ليجعل منها برهانا على أن النظام الطبيعي أشدّ إحكاما من النظام الصناعي، لأن الطبيعة تفعل من الداخل بينما الصناعة تفعل من الخارج.

ويكتسب القول الغائي في هذا المنحى عند ابن رشد معنىً دقيقا ينبغي تحريره من سوء الفهم الشائع. فالغائية هنا ليست إسقاطا نفسيا لنية بشرية على الكون ولا هي تشبيهٌ ساذج للطبيعة بفاعلٍ يقصد كما يقصد الإنسان في أفعاله الإرادية الجزئية وإنما هي تعبيرٌ عن انتظامٍ بنيويّ يجعل أجزاء الموجود تتوجه نحو وظائفها وكمالاتها في إطار الكل. وهذا المعنى قريب مما سيلمح إليه لاحقا ابن ميمون في حديثه عن حكمة الخلق وما سيؤكده توما الأكويني في قوله الشهير: “إن الأشياء التي تفتقر إلى المعرفة تتجه إلى غاية كما لو كانت موجهة من عقل”. غير أن ابن رشد أسبق منهما في جعل هذا المعنى متولدا من تحليل الطبيعة نفسها، لا مفروضا عليها من خارجها. فهو لا يبدأ من اللاهوت لينتهي إلى الطبيعة بل يبدأ من الطبيعة بوصفها مجالا للبرهان، ثم يرتقي منها إلى ما وراءها.

ومن أعمق ما في التصور الرشدي أنه يربط بين الغائية وانتظام العالم ربطا لا يسمح بفصل الجزئي عن الكلي. فالعالم ليس عنده مجرد تجميعٍ لطبائع متفرقة، بل هو كلٌّ مترابط تتساند فيه الحركات وتتواشج فيه العلل ويؤدي فيه الأعلى وظيفةً في انتظام الأدنى. ولهذا كان النظام الكوني عنده قائما على تدرجٍ أنطولوجي وحركيّ من المحركات السماوية إلى عالم الكون والفساد بحيث لا تُفهم الحوادث الأرضية إلا في إطار النظام الأوسع الذي يضمها. وقد أبرزت بعض القراءات المعاصرة لهذا الجانب أن ابن رشد طوّر في ضوء شرحه لأرسطو، تصورا يجعل السلسلة الكونية متصلةً على نحوٍ يحفظ مبدأ العناية الإلهية ويقاوم فكرة الانقطاع أو البداية الاعتباطية للفعل، إذ إن أثر العلة الأولى لا يتأخر عن عليتها، والنظام الكوني لا يحتمل إرادةً أزلية تُحدث فعلا زمانيا منفصلا من غير واسطة نظامية . وهنا يظهر الفارق الجوهري بين ابن رشد وبعض المتكلمين في فهم القدرة الإلهية. فالمتكلم الذي يبالغ في نفي الطبائع يظن أنه ينزّه الله بينما ابن رشد يرى أن هذا النفي يُضعف دلالة العالم على الله. فالقدرة التي لا تقترن بالحكمة قد تُنتج تصورا عن إلهٍ يفعل كيفما اتفق، أما القدرة المقترنة بالنظام فتُنتج تصورا عن إلهٍ حكيمٍ جعل الوجود قابلا للفهم. وليس غريبا والحال هذه أن يلح ابن رشد على أن النظر في الموجودات مأمورٌ به شرعا، لأن الشرع – في أفقه – لا يدعو إلى الإعراض عن العلل بل إلى اكتشافها. وكم تبدو هنا عبارته في فصل المقال ذات دلالة بالغة حين يجعل “الاعتبار” هو استنباط المجهول من المعلوم وهو بعينه عمل البرهان. فالتفكر في العالم ليس مجرد خشوع وجداني بل هو اشتغال عقلي على معقولية الطبيعة.

ولذلك فإن الانتقال من التفسير الغائي إلى مفهوم انتظام العالم ليس انتقالا من جزء إلى جزء بل من مبدأٍ تفسيريّ إلى رؤيةٍ كونية شاملة. فحين نقول إن العين للإبصار وإن الرئة للتنفس وإن النبات يتجه إلى تمام صورته فإننا لا نصف فقط وظائف جزئية، بل نكشف عن قانونٍ عام وهي أن الوجود الطبيعي ليس مبنيا على اللامبالاة. وهذه الفكرة نفسها هي التي ستجد صداها مع اختلاف السياقات في كلمات أفلاطون عن “النفس التي تنظم العالم”، وفي قول الرواقيين إن الكون محكوم بـ لوغوس نافذ وفي تصريح ليبنتز بعد قرون بأننا نعيش في “أفضل العوالم الممكنة” لا بمعنى التبسيط الساذج، بل بمعنى أن العقلانية شرطٌ لفهم الوجود. غير أن ابن رشد يظل متميزا لأنه يصوغ هذه الرؤية في قلب الجدل بين الفلسفة والكلام وبين البرهان والجدل وبين السببية والعادة. وليس من قبيل المصادفة أن يكون نقده لابن سينا في بعض المواضع متصلا أيضا بهذه المسألة؛ لأن ابن رشد كان شديد الحساسية تجاه كل تصور يهدد التوازن بين الإمكان في المادة والانتظام في الفعل. فهو يقبل أن في العالم السفلي مجالا للعارض والاتفاق، لكنه لا يسمح بأن يتحول الاتفاق إلى أصلٍ مفسر للوجود. والحق أن هذا من أدق جوانب نضجه الفلسفي؛ إذ لم يقع في حتمية ميكانيكية صماء ولم ينزلق إلى فوضى كلامية تُبطل السنن. فالعارض موجود لكن وجوده نفسه لا يُفهم إلا على خلفية القاعدة؛ والاستثناء لا يظهر إلا لأن النظام هو الأصل. وقد أشارت دراسات متخصصة في فلسفته الطبيعية إلى أن ابن رشد يعارض جعل الأفعال الطبيعية متساوية في الإمكان على الدوام لأن ذلك يفضي إلى أن تعمل الطبيعة “بلا قاعدة” و“عبثا”، وهو ما يرفضه بوصفه نقيضا لروح الفيزياء الأرسطية والرؤية الرشدية معا .

إن الطبيعة عند ابن رشد ليست مجرد “موضوع” للعلم بل هي شرط إمكان العلم ذاته؛ لأن العلم لا يقوم إلا حيث يوجد انتظام ولا يثمر البرهان إلا حيث تكون للموجودات طبائع وللأحداث أسباب وللأشكال غايات وللكل بنية تسمح بالانتقال من المشاهدة إلى الفهم. ولهذا فإن الدفاع عن الطبيعة في الفلسفة الرشدية ليس دفاعا عن مادةٍ فيزيائية، بل هو دفاع عن العقل نفسه وعن مشروعية البرهان وعن إمكان الانتقال من المحسوس إلى المعقول ومن النظام إلى الحكمة ومن العالم إلى مبدئه.

إن بلوغ ابن رشد لفكرة الطبيعة بوصفها نظاما معقولا لا يكتمل عند حدود تحليل الموجودات الجزئية ولا عند بيان وظائف الأعضاء والأشكال والكائنات، بل يرتفع إلى أفقٍ أرحب تتداخل فيه الفيزياء بالإلهيات ويتحول فيه انتظام العالم من مجرد وصفٍ للظواهر إلى برهانٍ على البنية العاقلة للوجود. فالطبيعة في هذا المستوى الأعلى من النظر ليست فقط مجالا تتبدّى فيه الغايات، وإنما هي أيضا أثرٌ متصل لعلةٍ أولى لا تعمل على نحوٍ متقطع ولا تُحدِث العالم على هيئة الفجاءة الاعتباطية، بل تفيض عنه الموجودات بحسب مراتبها وتنتظم الحركات بحسب درجاتها وتترابط الكائنات ضمن شبكة من الوسائط تحفظ للعالم وحدته وللبرهان مشروعيته.

ولهذا كان ابن رشد شديد العناية بمسألة العلة الأولى لا من حيث هي قضية ميتافيزيقية مجردة، بل من حيث هي المفتاح الذي يفسر كيف يكون العالم منتظما من غير أن يكون مستقلا عن مبدئه وكيف يكون خاضعا لقوانين ثابتة من غير أن يتحول إلى نسق مغلق على ذاته. فالعلة الأولى عنده ليست فاعلا ميكانيكيا يباشر الأشياء كما يباشر الصانع مصنوعاته من خارجها، وليست إرادةً منفصلة تتدخل كيفما اتفق فتقطع روابط الأشياء بعضها ببعض وإنما هي مبدأٌ أعلى يهب الوجود نظامه ويمنح الحركة معناها ويجعل الكثرة مشدودةً إلى وحدة. وهذا ما يفسر أن ابن رشد على خطى أرسطو، فقد جعل المحرك الأول موضوعا للفكر من حيث هو غايةٌ أكثر منه من حيث هو دافعٌ حركيّ بالمعنى الحسي. فالعالم يتحرك شوقا إلى الكمال، لا دفعا أعمى من خلفه، والحركة الكونية في عمقها ليست صدمةً بل انجذاب.

وتكتسب الحركة السماوية في التصور الرشدي وظيفةً فلسفية تتجاوز الفلك القديم بوصفه علما للأجرام، لتصبح عنصرا مركزيا في فهم انتظام العالم. فالسماء عند ابن رشد ليست مجرد سقفٍ للعالم السفلي بل هي رتبةٌ أعلى من الوجود تنتظم حركاتها على نحوٍ أشد كمالا وتكون واسطةً بين المبدأ الأول وبين عالم الكون والفساد. والحركة الدورية المنتظمة للأفلاك ليست في هذا الإطار مجرد وصفٍ هندسيّ، بل هي الشاهد الأوضح على أن النظام أصلٌ في الوجود، وأن ما يقع في العالم السفلي من تعاقب الفصول ونمو النبات وتولّد الحيوان وتبدل الأمزجة، ليس إلا أثرا لذلك النسق الأعمّ الذي يربط الأدنى بالأعلى.

إن العالم عند ابن رشد ليس مجزّأً إلى إقليمين متباعدين: عالم إلهيّ لا يمسّ الطبيعة، وطبيعةٌ صماء تعمل وحدها؛ كما أنه ليس عالما تذوب فيه الطبيعة في الإلهي حتى تفقد خصائصها وقوانينها. بل هو بنيةٌ متصلة تتفاوت فيها مراتب الموجودات دون أن تنقطع وتتعالى فيها المبادئ دون أن تنفصل. ولعل هذا هو السر في أن ابن رشد كان حريصا على مقاومة كل تصور يجعل الفعل الإلهي منافسا للفعل الطبيعي؛ لأن المنافسة لا تقع إلا بين علتين من رتبة واحدة، أما إذا كان أحدهما مبدأً أعلى والآخر واسطةً داخلة في نسق التأثير، فإن إثبات الثاني لا ينفي الأول بل يؤكده. وهنا يبلغ النسق الرشدي درجةً من الدقة جعلت بعض الدارسين يعدّونه من أعمق المحاولات في الفكر الوسيط للتوفيق بين سيادة الله وثبات السنن من غير الوقوع في جبرية لاهوتية ولا في استقلال طبيعي. ولأجل هذا كان نقده للمصادفة والاتفاق نقدا يتجاوز الاعتراض العلمي إلى الاعتراض الميتافيزيقي. فهو لا ينكر أن في العالم ما يبدو اتفاقا ولا يرفض أن تقع حوادث لا تكون مقصودةً بالذات من الفاعل الطبيعي، لكنه يرفض أن يُجعل الاتفاق أصلا يُفسَّر به النظام أو أن تُجعل المصادفة بديلا عن العلة. إن الاتفاق عنده لا يكون إلا عرضا على أصل ولا يظهر إلا في مجالٍ تحكمه قاعدة، ولذلك فإن رد انتظام العالم إلى المصادفة يشبه رد القصيدة المحكمة إلى تناثر الحروف أو رد العمارة المتناسقة إلى تهاوي الأحجار على غير قصد. وما أبلغ ما يفهم من الروح الأرسطية هنا، إن ما يقع دائما أو في الأكثر لا يجوز أن يُحمل على الاتفاق لأن الاتفاق لا ينتج دواما ولا يؤسس تكرارا ولا يصنع نسقا.

وقد كان هذا المبدأ حاسما في معركة ابن رشد مع بعض النزعات الكلامية التي وسّعت مجال الإمكان حتى كادت تبتلع به نظام الطبيعة. فالقول إن كل شيء جائز على السواء في كل لحظة وإن النار لا تحرق بطبعها وإن الماء لا يروي بطبيعته وإن الترابط بين الأشياء مجرد تعاقبٍ عادي لا رابطة ضرورية فيه، ينتهي – في نظره – إلى تسويةٍ بين الممكن والممتنع وبين المنتظم والعشوائي وإلى نزع الثقة من الحس والعقل معا. فإذا لم تكن الأشياء تدل على طبائعها ولم تكن الأفعال تصدر عن أسبابها بطل الاستدلال، وصار العالم لغزا غير قابل للفهم. وها هنا تتجلى عبقرية ابن رشد في أنه لم يدافع عن السببية دفاعا تقنيا فحسب، بل جعلها جزءا من كرامة العقل. فالعقل لا يكون عقلا إلا إذا كان العالم معقولا؛ وإذا كان العالم لا يحمل في ذاته قابليةً للربط بين المقدمات والنتائج فإن البرهان كله يتحول إلى وهمٍ لغوي لا أكثر.

ولهذا لم يكن دفاعه عن انتظام العالم منفصلا عن دفاعه عن البرهان بوصفه أرفع مراتب النظر. فالعامة قد يكتفون بظاهر المشاهدة وأهل الجدل قد يكتفون بالاحتمال، أما الفيلسوف البرهاني فلا يطمئن إلا إلى ما يكشف عن الضرورة أو عما يقاربها في حدود الموجود الطبيعي. والطبيعة لا تُعطي نفسها دفعةً واحدة بل تنكشف على قدر ما يُحسن العقل ترتيب النظر فيها. وهنا يمكننا أن نفهم لماذا كان ابن رشد يلحّ على أن كثيرا من الأخطاء في الإلهيات إنما منشؤها فسادٌ في الطبيعيات؛ لأن من لم يُحسن فهم الحركة والزمان والمكان والعلية والاتصال والانفصال، تعذّر عليه أن يبني تصورا سليما عن المبدأ الأول وعلاقته بالعالم. إن الطبيعة في الأفق الرشدي ليست مرحلةً دنيا تُطوى سريعا للوصول إلى اللاهوت، بل هي المعبر الضروري إليه. وهذا هو المعنى العميق الذي يجعل التفسير الغائي عنده متجاوزا للاستخدام الساذج الذي شاع عند بعض اللاهوتيين المتأخرين. فابن رشد لا يقول إن الأشياء منظمة إذن هناك منظِّم على نحوٍ خطابيّ مباشر، بل يشرع في تحليل البنية الداخلية للموجود الطبيعي، كيف تتحدد المادة بالصورة وكيف تنزع الصورة إلى فعلها وكيف لا يكون الفعل مفهوما إلا بغاية وكيف تتآزر العلل الجزئية ضمن كلٍّ أوسع، ثم كيف يستحيل أن يستمر هذا الترتيب من غير مبدأٍ أعلى يضمن اتساقه. فالبرهان عنده لا يقفز من المظهر إلى النتيجة بل يصعد عبر درجات المعقولية نفسها. ولذلك كانت فلسفته الطبيعية أصلب من كثير من “براهين النظام” السطحية التي اكتفت بإبراز التناسق الخارجي دون تحليل ماهيته. ولئن كان بعض المحدثين قد اتهموا الفكر الغائي بأنه يعوق العلم فإن النظر الدقيق في ابن رشد يكشف عكس ذلك تماما. فالغائية عنده لا تلغي البحث في الأسباب القريبة بل تحفز عليه؛ لأنها تجعل كل موجود قابلا للسؤال عن “لِمَ” لا عن “كيف” فقط. وما من شك أن سؤال “كيف” ضروريّ في وصف العمليات، لكنه يظل ناقصا إذا لم يُرفد بسؤال “لِمَ” الذي يكشف عن الوظيفة والتناسب والبنية والاتجاه. بل إن كثيرا من العلوم الحديثة نفسها وإن تحررت من الصياغات الأرسطية القديمة لم تستغنِ تماما عن لغة الوظيفة والتنظيم والانتظام وإن غيّرت أفقها المفهومي. إن قيمة ابن رشد اليوم لا تكمن في تفاصيل نموذجه الكوسمولوجي بل في دفاعه الجذري عن أن العالم ليس كتلةً من الوقائع وإنما هو نسيج من المعاني الطبيعية.

ولعل من أبهى ما في نسقه أنه يجعل العناية الإلهية متجليةً في انتظام العالم لا في فوضاه. فالعناية ليست عنده سلسلةً من التدخلات الاستثنائية التي تُظهر القدرة عبر تعطيل القوانين بل هي نفسُ القوانين من حيث إنها موضوعةٌ على وجه الحكمة. فأن يكون للنار إحراقٌ وللماء إرواءٌ وللأرض ثقلٌ وللأفلاك نظامٌ وللأحياء طبائعُ تؤدي وظائفها، فذلك أبلغ في الدلالة على العناية من عالمٍ تتبدل فيه الصفات كل لحظة على غير ميزان. ويغدو النظام نفسه رحمةً والاطراد نفسه وجها من وجوه الحكمة والسنن الكونية مظهرا من مظاهر اللطف الإلهي بالعقل البشري؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش ولا أن يعلم ولا أن يتعبد إلا في عالمٍ يمكن الوثوق به. وهنا تلتقي الفلسفة الرشدية على نحوٍ بديع مع حسٍّ قرآنيّ عميق وإن كانت أدواتها برهانية لا وعظية. فالقرآن حين يلفت النظر إلى تعاقب الليل والنهار وإلى إنزال الماء وإلى إحياء الأرض بعد موتها وإلى اختلاف الألسنة والألوان، لا يقدّم مشاهد متناثرة بل يفتح العين على السننية؛ أي على أن الوجود مؤسس على آيات، والآية لا تكون آية إلا إذا كانت دالة، والدلالة لا تستقيم إلا بقدر من الثبات والانتظام. لذلك كان ابن رشد في أصفى لحظاته الفكرية لا يرى تعارضا بين الشرع الصحيح والعقل الصريح، لأن كليهما في المجمل شاهدان على وحدة الحقيقة. الشرع يدعو إلى الاعتبار والاعتبار لا يكون إلا في عالمٍ يمكن أن يُعتبر به.

ولئن كانت الفلسفة الحديثة قد سارت في مسالك أخرى وأعادت تعريف الطبيعة والسببية والقانون والزمان، فإن السؤال الذي أثاره ابن رشد لم يفقد راهنيته، كيف يكون العالم مفهوما؟ وكيف يمكن للعقل أن يثق في نفسه إذا لم يكن الوجود قابلا لأن يُقرأ؟ بل لعل الأزمة الكبرى في كثير من التصورات المعاصرة ليست في التقدم العلمي وإنما في فقدان القدرة على وصل العلم بالحكمة والوقائع بالمعنى والقانون بالغائية. لقد أمكن للحداثة أن تشرح كثيرا من “كيفيات” العالم، لكنها كثيرا ما ترددت في سؤال “لماذا” أو خشيت أن يُتَّهم هذا السؤال بالتجاوز. أما ابن رشد فإنه يذكّرنا بأن الفلسفة لا تُختزل في وصف الآليات وأن الطبيعة إذا لم تُقرأ بوصفها نظاما معقولا تحولت المعرفة نفسها إلى أرشيفٍ ضخم من الوقائع غير الموصولة.

إن قيمة ابن رشد لا تنحصر في كونه شارحا عظيما لأرسطو، كما درجت بعض الأحكام المدرسية المبتسرة، بل في كونه قد أعاد بناء الأرسطية في أفقٍ إسلاميّ أندلسي وجعل من الطبيعة ميدانا للمصالحة الرفيعة بين البرهان والإيمان وبين العلم والحكمة وبين النظام الكوني والعناية الإلهية. لقد كان يرى في عمق مشروعه أن العالم لا يليق به أن يُفهم على أنه صدفةٌ مؤقتة ولا أن يُختزل إلى لحظة انقطاعٍ دائم بين الأشياء وأسبابها، لأن ذلك إهانةٌ للعقل وإضعافٌ للشهادة الكونية. العالم عنده كتابٌ مفتوح، لكنه لا يُقرأ بالعين وحدها؛ بل يحتاج إلى عقلٍ يعرف أن الموجود الطبيعي لا يُستنفد في ظاهره وأن وراء الحركة قانونا ووراء القانون بنيةً ووراء البنية حكمةً.

إن ابن رشد لم ينظر إلى الطبيعة بوصفها مجرد مسرحٍ للحوادث، بل بوصفها نظاما دالا تتكثف فيه معقولية العالم وتُختبر فيه صلاحية العقل وتظهر من خلاله الحكمة الإلهية في صورتها الأرقى. فالتفسير الغائي عنده ليس زخرفا ميتافيزيقيا ولا زيادةً خطابيةً على الفيزياء، بل هو العمود الفقري الذي تنتظم به العلل وتتحدد به مراتب الفهم ويغدو به العالم أكثر من مجموع أجزائه. ومن غير الغاية يتفكك المعنى ومن غير السببية يتعذر العلم ومن غير الانتظام ينهار البرهان ومن غير البرهان يتحول النظر في الوجود إلى مجرد انفعالٍ حسيّ أو جدلٍ لغويّ لا يثمر يقينا.

لقد أدرك ابن رشد أن الدفاع عن الطبيعة هو في حقيقته دفاعٌ عن العقل الإنساني نفسه. فمن يسلب الأشياء طبائعها أو يحوّل الوجود إلى تعاقبٍ مفكك لا روابط فيه لا يهدد علم الطبيعيات فحسب، بل ينسف أيضا إمكان الانتقال من الشاهد إلى الغائب ومن الأثر إلى المؤثر ومن النظام إلى الحكمة. ولهذا كان مشروعه في هذا الباب مشروعا تأسيسيا بالغ العمق، لأن معركته لم تكن معركةً حول مسألة جزئية في تفسير الاحتراق أو الحركة وإنما كانت معركةً حول سؤال الحضارة الأكبر، هل العالم قابلٌ لأن يُفهم؟ وهل الإنسان مخلوقٌ في كونٍ معقول أم في فوضى تتخفّى في ثوب الإرادة؟.

وفي هذا تكمن راهنيته الباهرة. فالعصر الحديث على ما بلغه من فتوحات علمية مدهشة ما يزال مأزوما في علاقته بالمعنى؛ إذ كثيرا ما يملك أدوات التفسير، لكنه يعجز عن بناء رؤيةٍ توحِّد بين التفسير والدلالة. وهنا يعود ابن رشد لا بوصفه أثرا من آثار الماضي، بل بوصفه فكرا حيا يذكّرنا بأن العلم إذا انفصل عن الحكمة ضاق أفقه، وأن الفلسفة إذا هجرت الطبيعة فقدت أحد أهم ميادينها، وأن الإيمان إذا تأسس على تعطيل النظام بدل فهمه غدا هشا أمام أول امتحانٍ للعقل. إن عظمة ابن رشد أنه لم يطلب من الإنسان أن يختار بين العالم والله ولا بين الطبيعة والعناية ولا بين البرهان والشرع، بل علّمه أن يرى في انتظام العالم نفسه أثرا من آثار العناية وفي ثبات السنن مظهرا من مظاهر الحكمة وفي قابلية الطبيعة للفهم شهادةً على أن العقل ليس غريبا في هذا الكون. ولذلك فإن الطبيعة في فلسفته ليست “موضوعا” خارجيا فحسب، بل هي مرآةٌ يرى فيها العقل نسبته إلى الوجود. فإذا كان العالم منتظما أمكن للإنسان أن يسكن إليه معرفيا وأن يقرأه تأمليا وأن يعبُر منه إلى ما وراءه برهانيا. أما إذا كان العالم فوضى متنكرة في هيئة وقائع، فإن كل يقين ينهار وكل اعتبار يضيع وكل حكمة تتبدد. ولعل هذا هو المعنى الأسمى الذي يجعل من فلسفة ابن رشد في الطبيعة درسا دائما، أن الحقيقة لا تُنال بإبطال الوسائط بل بفهمها؛ وأن الله لا يُعرف بنقض النظام بل بإحكامه؛ وأن العالم لا يكون جديرا بالتأمل إلا لأنه مكتوبٌ بلغة العقل.

إن عبارة “الطبيعة بوصفها نظاما معقولا” ليست مجرد وصفٍ لجزءٍ من فلسفة ابن رشد، بل هي مفتاحٌ لقراءة مشروعه كله. ففيها يلتقي أرسطو بالأندلس ويلتقي البرهان بالتأويل وتلتقي الفيزياء بالإلهيات ويستعيد العقل ثقته بنفسه من غير أن يتأله ويستعيد الإيمان عمقه من غير أن يعادي الفكر. وذلك هو الدرس الرشدي الأعظم، أن الوجود ليس خصما للعقل بل ميدانه؛ وأن الطبيعة ليست حجابا عن الحقيقة، بل أحد أصفى مسالكها؛ وأن انتظام العالم في أرقى معانيه ليس مجرد قانون بل حكمةٌ متجسدة في بنية الكائنات.

***

د. حمزة مولخنيف

الضمير، أو الوجدان كما يُوصف بلغة الأدب، هو معيار عقلي لتقويم الأداء الشخصي وتقييم التصرفات وللتمييز بين الخطأ والصواب والحسن والقبح من الأفعال، وما هو حق وما هو باطل، وبشكل أعم هو معيار للتمييز بين الخير والشر، يمنح الإنسان "راحة الضمير" عند التزامه بالحق، أو "تأنيب الضمير" عند الإنحراف عن القيم المثالية او المجتمعية، ويُعدّ ركيزة أساسية للإنسانية.

اولاً- الضمير بين العقل والقلب:

يرتبط الضمير ارتباطاً وثيقاً بالعقل، فهو يُعتبر صوتاً داخلياً أو قاضياً عقلياً وأخلاقياً يُميز بين الصواب والخطأ، وهو يتأثر بالتنشئة، الثقافة، والمبادئ التي يعتنقها العقل.

في حين يميل البعض من منظور ديني وروحي لربط الضمير بالقلب من الناحية العاطفية الوجدانية، باعتباره مركز المشاعر، الأخلاق، والنية.

ومن منظور فلسفي، يُنظر إلى الضمير ككيان غير مادي، لا يمكن تحديد موقعه في القلب أو العقل، فحسب وجهة النظر هذه يعد الضمير قوة أخلاقية ووعي داخلي يمكن الإنسان من التمييز بين الخير والشر، والصواب والخطأ، ومحاسبة النفس.

ثانياً- الضمير الحي والضمير الميت

يشير مصطلح "الضمير الحي" إلى أن يكون المرء محكوماً بالضمير لفعل ما هو صحيح، وهو احدى سمات الشخصية الخمسة (1) التي يتميز صاحبها بالإجتهاد والأخلاص والكفاءة والتنظيم، والوفاء بالالتزامات.

الضمير الميت، مصطلح رمزي، فالضمير قد يبالغ في التراخي وقد يبالغ في القسوة؛ فالضمير قد يكون سويا أو قد يتعرض للانحراف أو البلادة والخمول أو إلى المبالغة في تقدير الأخطاء.

ووفقاً للمعاني المتقدمة، يكون الضمير هو الدستور الشخصي لكل فرد يمنحه او يمنعه الرضا على تصرفاته.

ثالثا- اقسام الضمير: يمكن النظر للضمير من ثلاث زوايا، كالأتي:

1- الضمير الفردي: وهو "بوصلة أخلاقية" يمتلكها الفرد للتمييز ذاتياً بين الحق والباطل، والخير والشر، ويتخذ قراراته بناءً عليها، بصرف النظر عن مواقف الجماعة أو إجماعها.

2- الضمير الجماعي (ضمير الشعب): هو مصطلح سوسيولوجي ابتكره عالم الاجتماع إميل دوركايم، يشير إلى مجموعة المعتقدات، القيم، والمواقف الأخلاقية المشتركة بين أفراد المجتمع الواحد ويعمل كقوة توحيد غير مرئية توجّه سلوك الأفراد، وتشكل هويتهم المشتركة، وتتميز بوجود مستقل وقوي يتجاوز وعي الفرد الواحد، فهو يمتثل للمشاعر الوطنية المشتركة كمقاومة الطغيان والإحتلال وورفض الفقر والإستغلال والميل للتعاون الإجتماعي ومساعدة الايتام والمحرومين وذوي الاحتياجات الخاصة ...

وفي المجتمعات التقليدية، يكون الضمير الجمعي واسعاً وقوياً ويحكم تفاصيل حياة الناس، بينما يضعف مع تزايد الفردية في المجتمعات الحديثة.

2-الضمير المهني؛ وهو ما يُبديه الإنسان من استقامة وعناية وحرص ودقة فى قيامه بواجبات مهنته.

3- الضمير الإنساني؛ هو مشاعر فى نُفوس البشرية عامة، تهتدى إلى القيم الخلقية الإنسانية المشتركة بعفوية وتِلقائية، وتقف إلى حانب الضعفاء والفقراء وتبتغي العدالة الإنسانية.

رابعاً- الضمير والواجب:

(مدى اثر وجود الضمير او انعدامه في المؤسسات العامة والخاصة)

يرتبط الضمير ارتباطا وثيقا بالواجب،

والضمير في الخدمة العامة يمثل الرقيب الداخلي والوازع الأخلاقي والمهني الذي يوجه الموظف للقيام بواجبه بأمانة ونزاهة، ومكافحة الفساد بعيداً عن المصالح الشخصية، ودون حاجة الى رقابة خارجية مستمرة، ويُعد أساساً لتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.

ماهي مظاهر انعدام الضمير المهني؟

لاشك ان أهم مظاهر انعدام الضمير هنا تتلخص بالفساد السياسي والمالي والإداري؛ ويتطابق انعدام الضمير هنا مع مفهوم خيانة الأمانة الملقاة على عاتق الموظف الذي وجد في منصبه أصلاً لخدمة الناس وتيسير اعمالهم ومعاملاتهم ويتقاضى راتبه من اموالهم العامة فإذا به يبتزهم ويحاول اذلالهم تحقيقاً لمأرب شخصية تعبر عن نفسية وضيعة منعدمة الضمير تغذي نفسها ومتعلقاتها بالمال الحرام متشبثة بحجج واعذار واهية شتى.

ماهي آثار غياب الضمير في الخدمة العامة؟

1- انتشار الفساد الإداري والمالي

2- ضعف الإنتاجية وتدني جودة الخدمات.

3- فقدان ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

4- ظلم الأفراد وضياع الحقوق.

الضمير في الفلسفة والأدب:

احتل الضمير مكاناً مميزاً في الفسلفة والأدب والشعر، نختار في هذا المقام نبذة عنها؛

خامساً - الضمير والقانون:

اذا رجعنا الى المصادر البعيدة للقوانين والشرائع السماوية والأرضية وجميع القيم الخلقية والآداب العامة لدى مختلف الشعوب سنجد ولا شك ان صوت الضمير واضحاً ومسموعاً بقوة بين ثناياها.

وهكذا قيل ان الضمير الانساني، لولا تعارض المصالح والأنانية،لتمكن من التمييز بوضوح بين الخير والشر دون حاجة الى دراسة القانون أو الحاجة الى قاضي يقضي بالتمييز بينهما.

ذلك ان الضمير ينفر بطبيعته من الظلم والجريمة والأمور غير المنطقية وغير المعقولة.

فهل نحن بحاجة الى دراسة القانون لنعرف ان جريمة القتل جريمة بشعة تنال من الحق في الحياة، وكذلك الحال بالنسبة للسرقة والاحتيال والرشوة ...

ومما يدلل على ذلك ما يعرف في الفقه الإسلامي بحديث وابصة ابن معبد الذي سأل الرسول (صلى الله عليه وآله) عن البر والإثم فقال له: "يا وابصة، استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك المفتون".

ولاشك ان تنمية الضمير وتهذيبه لدى الفرد والمجتمع تعطي نتائج قد لاتدركها القوانين والانظمة والتشريعات ومايلحقها من جزاء بدني ومادي وإنضباطي عند مخالفتها علانية أو خفية، ولكن للضرورات الواقعية والإجتماعية إذا خيرنا بين الضمير والقانون، فإن الأفضلية تكون للقانون.

واذا تمت الموائمة بين القانون والضمير الفردي والإجتماعي فأننا في الواقع سنُحي أمة عظيمة، وهذه الموائمة لا تكون إلا في ظل نظام ديمقراطي حقيقي وتشريعات عادلة تضعها نخبة إحتماعية مخلصة لشعبها لا لمصالحها الأنانية يطبقها قضاء يحترم هيبته وحقوق مجتمعه ويكافح الظلم اينما وجد.

سادساً - الضمير من وجهة نظر الفلسفة

ينظر للضمير هنا على انه جهاز مراقبة ومحاسبة، يثير مشاعر الرضا عند فعل الخير، والتبكيت والألم عند الخطأ.

وترى المدرسة الحدسية للضمير، وهي اتجاه فلسفي يعتبر الضمير قوة فطرية، داخلية، ومباشرة تميز بين الخير والشر دون الحاجة لتجربة سابقة أو استدلال عقلي.

اما المدرسة الطبيعية (المادية): فترجع أحكام الضمير إلى الخبرة والتجربة السابقة، والنتائج المترتبة على الأفعال، فالضمير حسب وجهة النظر هذه يعكس بيئة الجماعة وتلتقي فيه تعاليمها، فالإنسان ابن عصره ووليد بيئته، فالفرد يتلقّى توجيهات المجتمع ويستجيب لها راضياً أو كارهاً.

1- الضمير عند جان جاك روسو؛

الضمير عند جان جاك روسو هو "قاضياً عادلاً" لا يُخدع ويمثل صوت الطبيعة الهادئ الذي يعاكس أهواء البشر ويقاوم فساد المجتمع، يتقدم على العقل وهو ما يصنع إنسانية الإنسان ، بل انه منبع الأخلاق الحقيقية بعيداً عن زيف المجتمع. . “إن كلّ ما أحسّه خيراً فهو خير. وكلّ ما أحسّه شرَّاً فهو شرّ، وخير الفقهاء إطلاقاً حسب روسو هو الضمير.

2- الضمير عند إيمانويل كانت؛

أسس الفيلسوف الألماني كانت فلسفته في الأخلاق والضمير على ثلاثة أسس كبرى هي: وجود الخالق، وخلود الروح والحرية، واعتبر أنه لا يمكن للإنسان أن يؤسِّس للواجب الأخلاقي من دونها، لأن الواجب الذي يدفع الإنسان أخلاقياً يسمى بالقانون الأخلاقي الذي يسكن الضمير فعلاً، وهذا القانون ليس فطرياً في الضمير وإنما هو نتاج العقل العملي الذي شرّعه.

سابعاً- الضمير عند سيگموند فرويد هو جزء من الجهاز النفسي يُعرف بـ "الأنا العليا" ويتشكل من خلال استبطان قيم الوالدين والمجتمع والمعايير الأخلاقية، ليعمل كحكم داخلي يراقب الأنا ويُصدر مشاعر الذنب أو الخزي عند مخالفة القواعد، سعيًا نحو الكمال المثالي.

ويحاول كبح جماح دوافع "الهو" (الغرائز) العدوانية والجنسية، ويحث "الأنا" على تبني معايير واقعية ومثالية بدلًا من مجرد السعي وراء اللذة.

وهذا الضمير هو قوة نفسية عميقة تمارس فعل الكبت، فتوجه السلوك الإنساني توجهاً إنسانياً بإضعاف الطابع الحيواني فيه.

ثامناً- الضمير والأدب:

“يتساءل غائب طعمة فرمان في رواية خمسة أصوات قائلاً: (عجيب هذا الضمير الانساني مع انه يعيش في داخل الانسان الا انه لا يخضع لنظام جسمه ولا لقوته وضعفه، احيانا يمرض بأمراض فتاكة بينما يظل في عافية الثيران جسمياً، وأحيانا يتحجر كالغرانيت في جسم ما يزال يحتفظ في الظاهر بطراوة الدم واللحم واحيناً يغط في نوم عميق ...)

كثير من الروايات العالمية جعلت الضمير الإنساني يتتبع الشخصية ويوقظها، الذي بدوره يوقظ القارئ:

1- ضمير فيودور دوستويفسكي؛

تُعد رواية الأخوة كارامازوف ورواية “الجريمة والعقاب” لدوستويفسكي درساً مهماً في مبادئ الضمير الإنساني

بالنسبة ل “الأخوةكارامازوف” :يعد الضمير في هذه الرواية المحرك الأساسي للأحداث، حيث يمثل الصراع الداخلي بين الخير والشر، والإيمان والإلحاد، حيث يجسد دوستويفسكي الضمير عبر شخصيات تتقلب بين النبل والبهيمية، مؤكداً أن "كل شيء مسموح" في غياب الله، وأن المسؤولية الأخلاقية جماعية، وأن الضمير الحي يظهر عبر الحب، والتعاطف، والندم

ويركز دوستويفسكي على أن الإنسان ليس مسؤولاً عن أفعاله فقط، بل وعن أفعال الآخرين أيضاً، مما يثقل ضمير الشخصيات (مثل إيفان) بالذنب.

يمثل إيفان "العقل" الذي يشك في الأخلاق، بينما يمثل أليوشا "القلب" الذي يتبنى المحبة، وتتذبذب الشخصيات الأخرى بينهما

يجسد ديمتري (ميتيا) نموذج الضمير الذي يمر عبر الألم والمعاناة للوصول إلى التطهير والندم على أخطائه، خاصة علاقته بوالده وكاثرين، حيث يسمح إيفان لنفسه بحجة إغواء الشيطان بأن يقول ما يفكر فيه، حيث يحدث أليوشا عنه: “لقد سخر مني وذلك ببراعة، ببراعة شديدة قائلاً: الضمير! ما الضمير؟إنني اختلقه بنفسي، فلِمَ أعاني إذاً؟ بحكم العادة، بحكم العادة الإنسانية على مدار سبعة آلاف سنة. دعنا إذاً نتخلص من العادة، وسوف نصبح آلهة؛ لقد قال ذلك، لقد قال ذلك.

يشدد العمل على أن الضمير يُقتل عندما يكذب الإنسان على نفسه، وينحدر في الرذيلة.

وكذلك تُعد روايته "الجريمة والعقاب" دراسة نفسية وأخلاقية عميقة، تُقدم الضمير كقوة قاهرة لا مفر منها، حيث يُعذب بطلها "راسكولنيكوف" داخلياً بعد جريمة قتل، متجاوزاً العقاب القانوني إلى العقاب الذاتي. تُظهِر الرواية الصراع بين الأفكار العدمية والندم، مؤكدة أن الخلاص يأتي عبر التوبة والاعتراف.

2- ضمير البير كامو

يرى البير كامو أن الضمير هو وعي داخلي حي بعبثية الوجود، يرفض الاستسلام لليأس أو الأيديولوجيات التي تبرر القتل، وينتصر للإنسان وقيمه التضامنية. إنه ضمير متمرد يواجه صمت العالم بالاحتجاج، ويسعى للعدالة بوعي، رابطًا الفن والتمرد الأخلاقي بالحرية والكرامة الإنسانية، هذا الضمير لا يقود لليأس بل للتمرد، وهو احتجاج دائم ضد الموت والظلم.

رفض كامو التبريرات السياسية للقتل والإرهاب، معتبرًا أن الضمير الحق يضع الإنسان وقيمته قبل أي أيديولوجيا،

ويرى كامو أن العمل الفني هو شكل من أشكال الاعتراف والوعي، فهو لا يمنع الخطيئة دائمًا، لكنه يمنع المرء من الاستمتاع بها، ليظل الضمير يقظًا.

أظهر كامو ضميرًا إنسانيًا حيًا في دفاعه عن حقوق الإنسان، ورفضه لعقوبة الإعدام، واستقالته احتجاجًا على مواقف سياسية تخالف مبادئه.

ألبير كامو في روايته “السقطة”، التي تدور أحداثها في أمستردام وتعتمد على حوار نفسي حميم على لسان شخصية قاضٍ تائب، يروي للقارئ سيرة حياته بين مدينتي، باريس وأمستردام، مبيناً كيف يشعر بالمتعة والرضا عندما يقدّم نصائحه الودية للغرباء في الطرقات، ويهب الصدقات للفقراء، ويترك مقعده للآخرين في الحافلة، ويمد يده للمكفوفين كي يعبروا الشارع، هذا الرجل النبيل الذي نذر حياته لأجل الآخرين، ولكن ما آلمه وآرقه هو كيف انه تجاهل امرأة ترتدي ملابس سوداء، وتنحني على حافة الجسر، ومضى في طريقه بعدما تردَّد لوهلة، ولم يكد يخطو بضع خطوات حتى ضج صوت عنيف في الماء، حيث المرأة قفزت منتحرة، التفت وأراد أن يجري هارباً، لكن قدميه خذلتاه، فتوقف ينصت لصراخ غريقة، ثم مضى يمشي تحت المطر ببطء.

يعلق أحد النقاد على ذلك بالقول؛ (.... وبالطبع لم يخبر أحداً بذلك، لكنه أخبرنا نحن القرّاء بذلك، وصرنا نلاحقه على مدى عقود بجرمه هذا، تماماً كما يلاحقه ويؤنبه ضميره حتى يومنا هذا).

3- فرجينيا وولف

تُعد فرجينيا وولف سيدة الضمير الإنساني العميق"، حيث عكست أعمالها صراعًا داخليًا ونضالًا نسويًا ضد النظام الأبوي، معتمدةً على "تيار الوعي" لتجسيد الوجود الإنساني. تميزت برهافة حسٍّ شديدة وقلق إنساني تجاه الحروب، مما جعلها أيقونة للسلام والمساواة، رغم معاناتها النفسية التي قادتها للانتحار.

عكست مقالاتها -خاصة أثناء الحرب العالمية الثانية- صوتاً سلمياً ضد الهمجية، حيث رأت في الحرب تدميراً للروح والإبداع.

وارتادت آفاق الرواية الحديثة من خلال التركيز على "لحظات الوجود" الاستثنائية، وتصوير انسياب الأفكار والمشاعر داخل الشخصيات بدلاً من السرد التقليدي.

4- فيكتور هوگو

يقول احد النقاد ان فيكتور هوگو، في “أحدب نوتردام” يشد الضمير من ياقته، وينتصر دوماً للضعفاء والمحرومين والمقهورين.

وهو نفسه الذي جعل مسيو مادلين في “البؤساء” يتبع ضميره، ليسلّم نفسه للشرطة بصفته جان فالجان، السارق القديم، كي ينقذ رجلاً بريئاً متهماً.

تركز رواية البؤساء على شخصية السجين السابق جان فالجان ، ومعاناته بعد خروجه من السجن، حيث تدور أحداث الروايةحول الظلم المُجتمعي الذي تعرض له جان فالجان والذي حُبِسَ ظلمًا لمدة 19 عام لسرقته رغيفًا من الخبز. كما تعرض الرواية طبيعة الخير والشر والقانون فى قصة أخاذة تظهر فيها معالم باريس، الأخلاق، الفلسفة، القانون، العدالة، الدين وطبيعة الرومانسية والحب العائلى.

5- الضمير عند نجيب محفوظ

يُعد الضمير في أدب نجيب محفوظ محركاً أخلاقياً داخلياً، ومحور الصراع بين الخير والشر في النفس البشرية.

يبرز الضمير كقاضٍ نهائي (تأنيب الضمير) حينما تنحرف شخوص الرواية عن المبادئ يقول محفوظ: "من لا يؤدبه الضمير، تؤدبه الحياة حين تدور، مما يعني أن غياب الرادع الداخلي يؤدي إلى قصاص حتمي من القدر أو الواقع، ويتركز في أعماله على صدق المشاعر والمسؤولية الفردية، معتبراً أن راحة الضمير هي المعيار الحقيقي ولو عبرت فوق آراء الناس.

وقي قصتة "أيوب" ركز محفوظ على تحول الألم إلى قوة، والصراع بين الذاتية والموضوعية، مع نهاية مفتوحة.

تطرح القصة معضلة الأخلاق والضمير، ومفهوم الصبر والتطهر عبر الألم، وينتقد محفوظ من خلال القصة -بالتلميح والتصريح- سياسات الانفتاح الاقتصادي، والتحول نحو الرأسمالية الحرة، مما يشير إلى المكاسب الفردية على حساب المجموع

6- ضميرعلي الوردي

يقول علي الوردي في وعاظ السلاطين؛

الضمير لايردع الإنسان في عمل ضد عدوه؛ فهو يعتدي عليه ويسفك دمه وينتهك حرمته وينهب أمواله وهو مرتاح الضمير كأنه لم يفعل شيئاً.

ويثير الوردي مسألة ضمير الأمة بالقول (غريب أمر هذه الأمة فالفرد فيها مزدوج الشخصية، والمجتمع منشق الضمير).

وعن تكوين الضمير يقول الوردي في مؤلفه القيم(لمحات أجتماعية من تاريخ العراق الحديث) ج2؛

("أن (الضمير) في الواقع أمر نسبي وهو نتاج القيم الأجتماعية التي ينشأ عليها الأنسان أو يؤمن بها بعدئذ. ولهذا رأينا الكثير من الأخيار والزهاد والصالحين يرتكبون أفدح الجرائم تجاه من يخالفهم في العقيدة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا").

***

فارس حامد عبد الكريم - النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

بغداد – العراق / 2026

...............................

(1) نظرية العوامل الخمسة الكبرى للشخصية هي نموذج علمي نفسي لتصنيف الشخصية البشرية إلى خمس سمات رئيسية ثابتة، تُعرف اختصاراً بـ (OCEAN):

1- الانفتاح على التجربة: يقيس مدى انفتاح الفرد للإبداع والتجديد، والخيال أو انه تقليدي، عملي، ويفضل الروتين.

2- الضمير الحي (يقضة الضمير)

3- الانبساط يقيس مدى الانفتاح الاجتماعي للفرد وهل هو مليء بالطاقة يتميز بالمرح او انه انطوائي متحفظ.

4- الوداعة او المقبولية: تعكس مدى التعاون، التعاطف، والانسجام مع الآخرين.

5- العصابية: تقيس مدى الاستقرار العاطفي، او الميل للشعور بالقلق، التوتر، والانفعالات السلبية.

قراءة في الأسس العقلية للتشريع في الفكر الأندلسي

إنّ النظر في فلسفة القانون عند ابن رشد لا يندرج ضمن ضروب الاستعادة التراثية التي تُمارَس بدافع الإعجاب التاريخي أو الحنين الثقافي بقدر ما يندرج ضمن مساءلةٍ معرفيةٍ دقيقةٍ لواحدٍ من أكثر المواضع حساسيةً في بنية الفكر الإسلامي الوسيط، الموضع الذي يلتقي فيه النصّ بالعقل والشرع بالبرهان والفقه بالحكمة والتشريع بسؤال العدل في معناه العميق. ذلك أنّ ابن رشد لا ينهض في هذا المقام بوصفه شارحا للفلسفة اليونانية فحسب، ولا بوصفه فقيها مالكيا منخرطا في صناعة الخلاف على نحوٍ مذهبيٍّ محدود، بل بوصفه عقلا مركّبا استطاع أن يُعيد ترتيب العلاقة بين القانون والحقيقة وبين الحكم وعلّته وبين ظاهر النصّ ومقاصده، على نحوٍ يجعل من التشريع نفسه مجالا للفهم الفلسفي، لا مجرد موضوعٍ للامتثال أو الحفظ أو النقل.

ولئن درج كثيرٌ من الدارسين على مقاربة ابن رشد من خلال ثنائية التوفيق بين الحكمة والشريعة، فإنّ هذه المقاربة – على أهميتها – تظلّ قاصرةً عن استيعاب العمق الحقيقي لمشروعه، ما لم تُرَدّ إلى حقلٍ أشدّ التصاقا بصلب التجربة الرشدية، وهو الحقل الذي يتبدّى فيه التشريع لا باعتباره جملةً من الأحكام المتفرقة، بل باعتباره نسقا عقلانيا منضبطا، تتحرك داخله النصوص والعلل وتتفاعل فيه الدلالات والمقاصد وتتشكل فيه سلطة الحكم من خلال شبكةٍ دقيقةٍ من الاستدلال، لا من خلال ظاهر اللفظ وحده. ومن هنا فإنّ السؤال عن فلسفة القانون عند ابن رشد ليس سؤالا عن حضور القانون في كتاباته عرضا ولا عن موقفه من بعض مسائل الفقه من جهة الانتماء المذهبي، بل هو سؤالٌ عن الأسس العقلية التي يقوم عليها التشريع في تصوره، وعن الكيفية التي يتحول بها الفقه – في أرقى صوره – من علمٍ بالأحكام إلى علمٍ بمبادئ إنتاجها، ومن حفظٍ للفروع إلى فهمٍ لنظامها الداخلي.

وإذا كان الفكر القانوني الحديث قد انشغل في وجوهه الكبرى بأسئلة المصدر والشرعية والتأويل والسلطة والعلاقة بين القاعدة والواقع، فإنّ قراءة ابن رشد تكشف أنّ التراث الأندلسي قد أنجب في لحظةٍ نادرةٍ من نضجه، عقلا قانونيا لا يقلّ عمقا في إدراك هذه الإشكالات، وإن صاغها ضمن أفقٍ مغايرٍ ومفاهيمَ مغايرة. فابن رشد لا يتعامل مع الخلاف الفقهي بوصفه عرضا عارضا في تاريخ المذاهب، بل بوصفه أثرا بنيويا لاختلاف المدارك وطرائق الاستدلال؛ ولا ينظر إلى الاجتهاد بوصفه ترفا علميا، بل بوصفه الشرط الذي به تظلّ الشريعة حيّةً وقادرةً على النفاذ إلى الوقائع المتجددة؛ ولا يفهم النصّ الشرعيّ بوصفه سطحا لغويا مكتفيا بذاته، بل بوصفه خطابا تتفاوت مراتبه وتختلف وجوه تلقيه وتحتاج دلالاته إلى عقلٍ يميّز بين المنطوق والمعقول وبين الظاهر والمآل وبين اللفظ وحكمته التشريعية.

من هذه الزاوية تحديدا تتأسس أهمية إعادة قراءة ابن رشد في أفق فلسفة القانون، لا بوصفه موضوعا للتمجيد، بل بوصفه نموذجا معرفيا يكشف عن إمكانٍ بالغ الندرة في تاريخنا الفكري، هو إمكان بناء عقلانيةٍ تشريعيةٍ لا تُخاصم الوحي ولا تستقيل أمامه ولا تُفرّغ الفقه من سلطته ولا تُحوّله إلى أرشيفٍ للموروث، بل تجعل من النصّ أصلا ومن العقل آلةً ومن المقصد أفقا ومن العدل غايةً ومن الاجتهاد سبيلا إلى وصل الكلّيّ بالجزئيّ والثابت بالمتغيّر والشرع بالعمران. وعلى هذا الأساس فإنّ هذه المقالة لا تروم الوقوف عند ابن رشد باعتباره اسما كبيرا في سجلّ الفلاسفة المسلمين، بل تروم مساءلة بنيته النظرية في فهم التشريع والكشف عن الكيفية التي تتخلّق بها عنده فلسفةٌ ضمنيةٌ للقانون، قوامها ردّ الأحكام إلى عللها وردّ الاختلاف إلى أصوله وردّ النصوص إلى انتظامها العقليّ، بما يجعل من الفكر الأندلسيّ في شخص ابن رشد، أحدَ أرفع اللحظات التي بلغ فيها الوعي القانوني الإسلامي درجةً عاليةً من النضج البرهانيّ والتماسك المنهجيّ.

وليس من المبالغة في شيء أن يُقال إنّ الحديث عن ابن رشد في سياق فلسفة القانون ليس حديثا عن فقيهٍ مارس الاجتهاد في إطار مدرسةٍ مذهبيةٍ فحسب، ولا عن فيلسوفٍ حاول التوفيق بين الحكمة والشريعة على نحوٍ دفاعيٍّ محض، بل هو حديثٌ عن عقلٍ أندلسيٍّ بلغ من النضج المنهجي مبلغا جعله يقف عند نقطةٍ دقيقةٍ وحاسمةٍ في تاريخ الفكر الإسلامي، النقطة التي يتحوّل فيها الفقه من مجرد استيعابٍ للأحكام إلى وعيٍ ببنية الحكم، ويتحوّل فيها التشريع من حفظٍ للفروع إلى إدراكٍ لمبادئ إنتاجها، ويغدو فيها الخلاف الفقهي لا علامةَ اضطرابٍ في النص، بل أثرا مشروعا لتعدّد طرائق النظر في علل النصوص ومقاصدها ومجالات تنزيلها. إنّ “فلسفة القانون” عند ابن رشد لا ينبغي أن تُلتمس فقط في نصوصه الفلسفية الصريحة من قبيل فصل المقال ولا فقط في ردوده الكلامية الجدلية في تهافت التهافت، وإنما ينبغي أن تُستخرج كذلك – وربما أساسا – من بنيته الفقهية العميقة كما تتجلّى في بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ذلك الكتاب الذي لا يقدّم فقها مقارنا بالمعنى المدرسي المتأخر فحسب، بل يقدّم في الحقيقة ما يمكن أن نسمّيه، نظريةً عقليةً في فهم التشريع أو ميتافيزيقا خفيّةً للاجتهاد، أو هندسةً إبستمولوجيةً للاختلاف القانوني.

ولعلّ ما يجعل ابن رشد في هذا الباب متفرّدا أنّه لم يتعامل مع القانون الشرعي بوصفه جملةً من الأوامر والنواهي الملقاة على الذمة في صورةٍ نهائيةٍ مغلقة، بل نظر إليه بوصفه نظاما معرفيا مركّبا تتداخل فيه النصوص والعلل والقياسات والمصالح والأعراف ومراتب الخطاب وتفاوت المدارك الإنسانية. ومن هنا كان التشريع عنده فعلاً عقلانيا منضبطا، لا لأنّ العقل يعلو على النصّ من حيث الأصل، بل لأنّ النصّ نفسه لا يستغني عن العقل في الفهم ولا يستقيم تنزيله إلا به ولا يُحسن حمله على مقاصده إلا من خلاله. وهذه الفكرة على بداهتها في ظاهرها، كانت في عمقها انقلابا على صورتين معا، صورة الفقيه الذي يغرق في الجزئيات حتى يضيع منه الكلي، وصورة المتكلم الذي يتوه في الجدل حتى يغيب عنه نظام الواقع، وصورة الفيلسوف – إن وُجد – الذي يظلّ أسير الكليات المجرّدة دون أن يلامس حرارة الوقائع وأعباء الأحكام.

إنّ ابن رشد ليس مجرد شارحٍ لأرسطو كما درجت بعض الاختزالات الاستشراقية أو التبسيطات المدرسية على تصويره، بل هو – في الحقل القانوني خصوصا – باني نسقٍ تأويليٍّ واجتهاديٍّ يردّ الفروع إلى أصولها ويُرجع الاختلاف إلى علله ويستبدل بعرض الأقوال المتراكمة منطقا كاشفا عن أسبابها. وقد لاحظت دراسات معاصرة أنّ خصوصية بداية المجتهد لا تكمن في كثرة الأقوال التي يجمعها، بل في كونه يعمد إلى تفسير أسباب اختلاف الفقهاء وردّها إلى قواعدها الكلية حتى يغدو المجتهد قادرا على مواجهة النوازل المستجدّة انطلاقا من فهم الآليات المنتجة للحكم لا من مجرد حفظ ما قيل في نظائرها . وهذا بالذات هو المدخل الصحيح إلى فلسفة القانون عنده، ليس القانون عند ابن رشد مجموعةَ نتائج، بل هو مسارُ إنتاجٍ عقلانيٍّ للنتائج.

إنّ أول ما ينبغي تقريره هو أنّ السؤال القانوني عند ابن رشد ليس سؤالا فقهيا ضيقا، بل هو سؤالٌ إبستمولوجيٌّ في المقام الأول. إنّه لا يسأل: ما الحكم؟ إلا ليعقبه بسؤالٍ أعمق: لماذا اختلفوا في الحكم؟ وما منشأ الاختلاف؟ وهل هو ناشئٌ عن تفاوتٍ في ثبوت الدليل أم عن اختلافٍ في فهم الدلالة أم عن تعارضٍ بين ظاهرٍ ومعنى أم عن تباينٍ في اعتبار القياس أم عن اختلافٍ في تحقيق المناط أم عن تردّدٍ بين أصلين؟ وهذا التحويل للسؤال من النتيجة إلى الآلية هو جوهر العقل القانوني الحديث قبل أن يكون جوهر العقل الفقهي الكلاسيكي. فإذا كانت فلسفة القانون المعاصرة قد جعلت من سؤال “مصدر الإلزام” و“بنية التأويل” و“علاقة القاعدة بالواقعة” أسئلةً مركزيةً، فإنّ ابن رشد كان قد مارس هذه الأسئلة – وإن بلغة عصره ومفاهيمه – ممارسةً عميقةً في قلب التراث الفقهي ذاته.

وليس عبثا أن يُفتتح النظر في ابن رشد من خلال استحضار خلفيته المركّبة: فهو قاضٍ وفقيهٌ مالكي وأصوليّ وطبيب وفيلسوف ومفسّرٌ لأرسطو ومشتغلٌ بالكلام والمنطق والطبائع. وهذه التعددية المعرفية لم تكن زخرفا ثقافيا، بل هي التي مكّنته من تجاوز الأحادية المنهجية. لقد كان يعرف – بوصفه فقيها – أنّ الحكم لا يستخرج من النصّ بآلةٍ واحدة، وكان يعرف – بوصفه منطقيا – أنّ الاستدلال درجات وأنّ البرهان غير الجدل وأنّ الإقناع غير اليقين، وكان يعرف – بوصفه قاضيا – أنّ الوقائع لا تُشبه القوالب دائما وأنّ العدالة لا تتحقق بآليةٍ صمّاء، وكان يعرف – بوصفه فيلسوفا – أنّ الوجود نفسه منتظمٌ على عللٍ وروابط، وأنّ إنكار السببية يفضي إلى انهيار إمكان العلم. لذلك لم يكن غريبا أن يتشكّل لديه تصورٌ للتشريع يقوم على أنّ القانون ليس قهرا للنصوص على الوقائع ولا إخضاعا للوقائع لأوهام الفقهاء، بل هو بحثٌ عن المعقول في المنقول وعن النظام في الاختلاف وعن المناسبة بين الكليّ الشرعيّ والجزئيّ الواقعيّ.

وإذا كان هانس كلسن قد أراد في العصر الحديث أن يؤسس “نظرية خالصة للقانون” تفصل القانون عن الأخلاق والدين والسياسة من أجل صرامةٍ معيارية، وإذا كان هربرت هارت قد أعاد تعريف القانون من خلال “قاعدة الاعتراف” وبنية النظام القاعدي، وإذا كان رونالد دوركين قد تمسّك بأنّ القانون لا يُفهم فقط من خلال القواعد بل من خلال المبادئ أيضا؛ فإنّ ابن رشد – ضمن أفقٍ حضاريٍّ مختلف – يقدّم لنا إمكانا آخر: قانونٌ شرعيٌّ لا ينفصل عن الأخلاق، لكنه لا يذوب فيها؛ يستند إلى النصّ لكنه لا يكتفي بظاهره؛ يعترف بالسلطة المعيارية للوحي، لكنه يجعل العقل آلةَ الكشف عن انتظامها ومجالاتها ومقاصدها. ولعلّ عبارة أرسطو في الأخلاق إلى نيقوماخوس ما تزال هنا ذات دلالة: “العدل هو الفضيلة الكاملة ولكن لا إطلاقها بل في علاقتنا بالغير.” فالقانون عند ابن رشد ليس مجرد حدٍّ للواجب، بل هو ترتيبٌ للعلاقات الإنسانية على مقتضى العدل الممكن، والعدل هنا لا يُنال إلا بفهم الغايات والعلل والمراتب.

إنّ المدخل الرشدي إلى التشريع يقوم في جوهره على رفض صورتين متقابلتين من الانحراف: صورة الحرفية الجامدة وصورة العقلانية المنفلتة. فالحرفية الجامدة تُحوّل النصّ إلى سطحٍ لفظيٍّ يُستنفد في ظاهره وتتعامل مع الشريعة كأنّها مخزنُ جزئياتٍ لا نظامَ لها إلا التكرار؛ والعقلانية المنفلتة تُغري صاحبها بتجاوز بنية الخطاب الشرعيّ نفسه، فتجعله يؤسّس الحكم من خارج اللغة التشريعية ومن خارج مقاصدها التداولية. أمّا ابن رشد فإنه يشتغل في المنطقة الوسطى الصعبة، لا يتخلّى عن النص ولا يسلّم له تسليما آليا؛ لا يقدّس المذهب ولا يهدمه هدما اعتباطيا؛ لا ينكر الاختلاف ولا يحتفل به لذاته؛ بل يسعى إلى عقلنة الاختلاف وضبطه وتحويله من فوضى أقوال إلى خريطة أصول.

ومن هنا كانت القيمة الفلسفية الكبرى لكتاب بداية المجتهد. فهذا الكتاب في حقيقته ليس مجرد مدونةٍ في الفقه المقارن، بل هو تدريبٌ منهجيٌّ على النظر القانوني. إنّه يعلّم القارئ كيف ينتقل من الحكم إلى علّته، ومن العلّة إلى أصلها ومن الأصل إلى شبكة العلاقات التي تفسّر ظهور الخلاف. وفي هذا المعنى يقترب ابن رشد من ذلك الذي قاله مونتسكيو بعد قرون في روح القوانين: “القوانين في أوسع معانيها هي العلاقات الضرورية الناشئة عن طبيعة الأشياء.” والحق أنّ ابن رشد – وإن لم يقلها بهذا اللفظ – فهو يمارسها بالفعل، فالأحكام عنده لا تُفهم بوصفها معزولةً عن طبيعة موضوعاتها ولا عن عللها ولا عن أسباب اختلاف النظار فيها. إنّه يبحث عن “روح الحكم” قبل أن يكتفي بلفظه، وعن “بنية الخلاف” قبل أن يحفظ أطرافه.

وليس خافيا أنّ هذا المسلك يقتضي إيمانا عميقا بمشروعية العلّية في المجالين معا، مجال الطبيعة ومجال التشريع. ولئن اشتهر ابن رشد في تهافت التهافت بدفاعه عن السببية الطبيعية ورده على النزعات التي تؤدي إلى تقويض انتظام العالم، فإنّ هذا الدفاع ليس منفصلا عن منطقه القانوني. فمن ينكر العلل في الكون يصعب عليه أن يؤسس علما، ومن يضعف اعتبار العلل في الأحكام يصعب عليه أن يؤسس اجتهادا. ذلك أنّ الفقه الذي يكتفي بالمنطوق دون المعقول يشبه في بعض وجوهه فلسفةً تنكر أنّ النار تحرق بطبعها. وكما رأى ابن رشد أنّ نفي الأسباب يفضي إلى السفسطة في معرفة العالم، يمكن أن يُقال في روحه إنّ نفي المعاني الجامعة والعلل المؤثرة في الفقه يفضي إلى نوعٍ من السفسطة العملية في معرفة الحكم. فالقانون لكي يكون معقولا لا بد أن يقوم على روابط قابلة للفهم وعلى انتقالات استدلالية لا تكون اعتباطية.

وهنا نفهم لماذا لم يكن ابن رشد ينظر إلى الخلاف الفقهي على أنّه عيبٌ في الشريعة، بل على أنّه أثرٌ طبيعيٌّ لاختلاف المدارك والأدلة وطرائق الاستدلال. وهذه الفكرة إذا أُحسن فهمها، ستُعدّ من أكثر أفكاره القانونية حداثةً وعمقا. فالاختلاف عنده ليس فوضى بل بنية. وليس انقساما عبثيا، بل نتيجةً لاختلافٍ في أصول النظر. وقد نبهت الدراسات الحديثة إلى أنّ مشروعه في بداية المجتهد يقوم تحديدا على ردّ هذا الاختلاف إلى أسبابه المنهجية، بحيث يصير الفقه علما بآليات الترجيح والتخريج، لا مجرد سجلٍّ للخلافات الموروثة . ويلتقي ابن رشد هنا – من حيث لا تاريخيا بل منهجيا – مع ذلك التمييز الذي سيصنعه لاحقا ماكس فيبر بين العقلانية الصورية والعقلانية المادية، فابن رشد لا يريد للفقه أن يكون شكلا خالصا بلا مقاصد ولا مادةً أخلاقيةً بلا نظام، بل عقلانيةً مركّبةً يتداخل فيها البناء الشكلي للاستدلال مع الحسّ المقصديّ للعدالة.

وإذا كان من الضروري التنبيه إلى شيءٍ هنا، فهو أنّ “فلسفة القانون” عند ابن رشد لا تعني أنّه كتب نظريةً مستقلةً في القانون على الطريقة الحديثة كما فعلت الفلسفات القانونية الأوروبية منذ العصر الحديث، بل تعني أنّ نصوصه – وخاصةً الفقهية والأصولية والفلسفية المتصلة بالشريعة – تشتمل على تصوّرٍ ضمنيٍّ متماسك لطبيعة التشريع ومصادره ومراتب خطابه وحدود التأويل فيه ووظيفة العقل في فهمه وشروط المجتهد الذي يمارسه. وهذه العناصر إذا اجتمعت تكوّن ما يجوز تسميته بحقّ: فلسفةً للقانون حتى وإن لم تُسمَّ بهذا الاسم.

إنّ من أبرز ما يكشف عنه هذا التصور الرشدي ما قرّره في فصل المقال من أنّ النظر البرهاني ليس أمرا أجنبيا عن الشريعة، بل إنّ الشريعة نفسها قد ندبت إليه بل أوجبته على من كان أهلاً له. فالنصّ الرشدي هنا لا يدافع عن الفلسفة من خارج القانون بل من داخله، إنّه يصوغ علاقة الحكمة بالشريعة بصياغةٍ قانونيةٍ أصلاً. لقد نظر في حكم الفلسفة من جهة الشرع وانتهى إلى أنّ الاعتبار العقلي في الموجودات – لمن استكمل شروطه – داخلٌ في مقتضى الأمر الشرعي بالنظر. وتصف المصادر الحديثة فصل المقال بأنه رسالةٌ “فقهية-فلسفية” تؤكد أنّ البرهان الفلسفي لا يتعارض مع الشريعة وأنّ التعارض الظاهري بينهما يُرفع بالتأويل عند أهله، وأنّ الناس متفاوتون في قدراتهم بين الخطابيّ والجدليّ والبرهانيّ . وهذه الفكرة ليست قضيةً نظريةً عامةً فحسب؛ إنها تمسّ صميم فلسفة القانون عنده لأنّها تعني أنّ الخطاب الشرعي ليس أحاديّ الطبقة، وأنّ القانون لا يُخاطب الناس جميعا بالطريقة نفسها من حيث الإدراك، وإن كان يلزمهم من حيث الامتثال بحسب وسعهم.

وهذا التفريق بين مراتب الإدراك له أثرٌ بالغ في فهم القانون. فالنصّ القانوني – في كل حضارة – لا يعيش في فراغٍ لغويّ، بل يتوجّه إلى متلقّين متفاوتين. وقد أدرك ابن رشد هذه الحقيقة مبكرا، فهناك من يكتفي بالظاهر الخطابي وهناك من يتدرّب على الجدل وهناك من يبلغ رتبة البرهان. إنّ فهم النصوص ليس فعلا ديمقراطيا من حيث الكفاءة المعرفية، وإن كان التشريع موجّها من حيث الأصل إلى عموم المكلفين. هنا تظهر نخبوية ابن رشد المعرفية ولكنها ليست نخبويةً طبقيةً أو سلطويةً بالمعنى المبتذل، بل هي اعترافٌ بأنّ صناعة الحكم ليست متاحةً لكل من حفظ ألفاظ النصوص، بل لمن ملك آلة النظر فيها. وكأنّنا بإزاء صياغةٍ مبكرة لما سيقوله لاحقا بعض فلاسفة التأويل القانوني من أنّ تطبيق القانون ليس تكرارا آليا للنصّ، بل ممارسةٌ تتطلب كفاءةً في فهم اللغة والغايات والسياقات.

وهذا يقودنا إلى عنصرٍ آخر بالغ الأهمية في فلسفة القانون عند ابن رشد وهو عنصر التأويل. فالتأويل عنده ليس مناورةً لاهوتيةً لإنقاذ الفلسفة من سلطة النصّ، كما توهّم بعض القراءات السطحية، بل هو ضرورةٌ قانونيةٌ وفكريةٌ معا. ذلك أنّ النصّ الشرعي – بما هو خطابٌ موجّهٌ إلى الناس كافة – لا يمكن أن يُختزل في مستوىً واحدٍ من الدلالة. وقد يحدث أن يقوم البرهان اليقيني على معنىً لا يسع ظاهر النصّ حمله على وجهه الأول، فحينئذٍ يكون الانتقال إلى التأويل المشروع من وظائف أهل النظر. غير أنّ ابن رشد يضع لهذا الباب ضوابط صارمة، ليس كلّ تعارضٍ متوهَّم مبرّرا للتأويل وليس كلّ قارئٍ مؤهّلا له، وليس كلّ معنىً يجوز بثّه للعامة. إنّها نظريةٌ في “تدبير الحقيقة” داخل المجتمع بقدر ما هي نظريةٌ في فهم النص. وإذا شئنا لغةً معاصرةً قلنا: إنّ ابن رشد يؤسس لفكرة أنّ القانون ليس فقط ما يُقال بل أيضا ما يُفهم وأنّ الفهم نفسه محكومٌ بقواعد اختصاصٍ ومسؤولية.

وإذا كان الفقهاء قد اختلفوا كثيرا في مساحة التأويل وحدوده، فإنّ خصوصية ابن رشد أنّه يربطه بالبرهان لا بالهوى وبالاختصاص لا بالذوق وبحفظ النظام العامّ العقديّ والاجتماعيّ لا بإثارة الفوضى. ولذلك فإنّ فلسفة القانون عنده لا تنتهي إلى سيولةٍ تأويلية بل إلى انضباطٍ تأويلي. إنّها تعترف بأنّ النصوص قابلةٌ لمراتب من الفهم، لكنها لا تُسقط هيبة الظاهر ولا تفتح الباب أمام العبث. وهذا التوازن من أدقّ ما في مشروعه، لأنه يبيّن أنّ العقل عنده ليس قوّةَ هدمٍ للنظام التشريعي، بل أداةُ حفظٍ له من الجمود والتناقض وسوء الفهم.

إنّ تأمل البنية الرشدية في بداية المجتهد يكشف عن نزوعٍ واضح إلى بناء “عقل قانوني مقارن”. والمقارنة هنا ليست غايةً وصفيةً، بل وسيلة لاكتشاف منطق التشريع. إنّ ابن رشد حين يعرض أقوال المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة وغيرهم، لا يفعل ذلك ليُشبع فضول القار ولا ليمنحه خريطةً مدرسيةً للخلاف، بل ليُدرّبه على إدراك أنّ وراء كلّ قولٍ بنية استدلالية ومقدمات وأصولا. وهذا في ذاته انتقالٌ من سلطة “المذهب” إلى سلطة “الحجة”. وقد يكون من أبلغ ما يُقال هنا ما رُوي عن الشافعي: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.” فابن رشد وإن لم يكن شافعيا في المذهب، فإنه يستبطن هذه الروح المعرفية، الأحكام ليست أوثانا والمذاهب ليست جزرا مغلقة والحقّ في الفروع يُطلب بالاجتهاد والترجيح لا بمجرد الوراثة المدرسية.

إنّ هذا الوعي المقارن يجعل من فلسفة القانون عند ابن رشد فلسفةً ضدّ الوثوقية الفقهية لا ضدّ الفقه نفسه. فهو لا يرفض المذاهب، لكنه يرفض أن تتحوّل إلى بدائل عن العقل. ولا يرفض التقليد في موضعه لكنه يرفض أن يصبح عجزا بنيويا عن النظر. وتتضح في هذا السياق قيمة عنوان كتابه نفسه: بداية المجتهد ونهاية المقتصد. فالبداية هنا ليست بدايةَ الطالب في الحفظ، بل بدايةُ المجتهد في الفهم، والنهاية ليست نهايةَ الفقيه في الاستقصاء، بل نهايةُ المقتصد الذي يكتفي بما يقيم عمله. وفي هذا العنوان وحده فلسفةٌ كاملة، التشريع مجالٌ يتفاوت الناس فيه بحسب أهليتهم، والفقه ليس طبقةً واحدةً من التلقي بل درجات.

ولئن كان كثيرٌ من الدارسين قد ركّزوا على ابن رشد بوصفه رمزا للتوفيق بين الدين والفلسفة، فإنّ التركيز على هذا الجانب وحده يُفوّت علينا البعد الأخصب في مشروعه، وهو كونه قد حاول – في قلب الممارسة الفقهية ذاتها – أن يؤسس لعقلانيةٍ قانونيةٍ حقيقية. وهذه العقلانية ليست عقلانيةً علمانيةً بالمعنى الحديث ولا هي عقلانيةٌ نصّيةٌ مغلقة، بل عقلانيةٌ أصوليةٌ برهانيةٌ مقاصديةٌ منضبطة. وهنا أمكن لبعض الدراسات الحديثة أن تتحدث عن إمكان استلهام مشروعه بوصفه نموذجا لـ“شريعة حيّة” أو لفقهٍ قادرٍ على إنتاج مبادئ قانونية من خلال تحليل الأحكام الموروثة لا من خلال تكرارها الآليّ .

وإذا كان القانون في أحد تعريفاته الكبرى هو ذلك الجهد الإنسانيّ لتنظيم الممكن البشريّ تحت أفق العدالة، فإنّ ابن رشد يمثّل لحظةً فارقةً في التاريخ الإسلامي لأنّه جعل من الفقه علما بالكيفيات التي يُنتج بها هذا التنظيم، لا مجرد علمٍ بما استقرّ منه. إنّه ينقل الفقيه من حافظٍ للأجوبة إلى باحثٍ في شروط السؤال، ومن ناقلٍ للنتائج إلى محلّلٍ لآليات توليدها ومن تابعٍ للمذهب إلى ناظرٍ في مناطاته. وهذا ما يمنح مشروعه بعدا فلسفيا حقيقيا، إنه لا يسأل فقط “ماذا قال الفقهاء؟” بل “كيف يمكن أن نفكر مثلهم – أو أفضل منهم – في ضوء أصولهم ونصوصهم وعللهم؟”.

إنّ قراءة فلسفة القانون عند ابن رشد لا ينبغي أن تُختزل في ثنائية “العقل والنقل” السهلة، لأنّ هذه الثنائية – على شيوعها – كثيرا ما تحجب أكثر مما تكشف. فابن رشد لا يضع العقل في مواجهة النقل، بل يجعله شرطا في حسن تلقيه، ولا يضع الشريعة في خصومةٍ مع البرهان، بل يجعل البرهان من مقتضيات فهمها لمن استجمع آلته. إنّ القضية عنده ليست أيهما أولى؟ بل كيف يعمل كلّ منهما في مجاله وكيف يُرفع التعارض المتوهَّم بينهما وكيف يُبنى نظامٌ معرفيٌّ وتشريعيٌّ لا يتناقض فيه الحقّ مع الحقّ ?. ولذلك فإنّ عبارته الضمنية الكبرى التي يمكن استخراجها من مجموع مشروعه هي أنّ الحقيقة لا تضادّ الحقيقة وأنّ الشريعة – إذا كانت حقا – لا يمكن أن تأمر بما يناقض البرهان اليقيني كما أنّ البرهان – إذا كان برهانا حقا – لا يمكن أن يفضي إلى إبطال مقاصد الوحي.

وفي هذا المعنى يكون ابن رشد وريثا ناضجا لأرسطو من جهة الصرامة المنهجية، ووارثا مجدّدا للفقه الإسلامي من جهة إعادة بنائه على أصوله الحية، وناقدا ضمنيا لكثيرٍ من مظاهر الانحباس المذهبي في عصره. لقد أدرك أنّ الشريعة إذا تحوّلت إلى متونٍ محفوظةٍ بلا علل فإنّها تفقد قدرتها على الحياة؛ وأنّ العقل إذا انفصل عن نظام الخطاب الشرعيّ فإنّه يفقد شرعيته التداولية داخل الأمة؛ وأنّ الفقه إذا استغرق في الفروع حتى ينسى الأصول فإنه يُنتج مجتهدين في النقل لا في النظر.

وتبرز أهمية هذه القراءة هنا حيث إنّ ابن رشد لا يقدّم لنا “فقها عقلانيا” بمعنى التخفف من النصوص، بل يقدّم “عقلانيةً فقهية” بمعنى التمكّن من النصوص بردّها إلى قوانين اشتغالها. وهذه التفرقة دقيقةٌ وحاسمة. فكم من مشروعٍ معاصرٍ أراد أن يحدّث الفقه ففكّك سلطته المعيارية، وكم من مشروعٍ آخر أراد أن يحفظ الفقه فجمّد حيويته. أمّا ابن رشد فإنّه يعلّمنا أنّ الحفظ الحقيقيّ للشريعة لا يكون إلا بتجديد آلة النظر فيها وأنّ الوفاء للنصوص لا يكون إلا بإحياء العقول التي تُحسن فهمها.

ولذلك فإنّ المدخل الأوفى إلى فلسفة القانون عنده هو أن نراه لا بوصفه فيلسوفا كتب في الفقه ولا فقيها استعان بالمنطق، بل بوصفه عقلا بنى جسورا دقيقةً بين البرهان والتشريع، بين النصّ والتأويل، بين الخلاف والقاعدة، بين المذهب والاجتهاد وبين الظاهر والمعقول. وهذه الجسور هي التي تجعل مشروعه صالحا لأن يُقرأ اليوم لا على سبيل الإعجاب التاريخي وحده، بل على سبيل الاستئناف النظري أيضا.

إنّ ما يلفت النظر في التجربة الرشدية هو أنّها لا تتعامل مع الفقه بوصفه مخزنا للأحكام الجاهزة، بل بوصفه مجالا حيا تتحرك فيه قوى الاستدلال وتتفاعل فيه طبقات النصوص وتتزاحم فيه وجوه الدلالة وتتداخل فيه مقتضيات اللغة مع مقتضيات المقصد وتتعارض فيه أحيانا ظواهر الأدلة بما يستدعي صناعةً دقيقةً في الجمع والترجيح والتخريج. وقد كان ابن رشد في بداية المجتهد أشبه بمن يرسم خريطةً داخليةً للعقل الفقهي لا بمن يجمع أرشيفا للخلاف. فالقيمة الكبرى في هذا الكتاب لا تكمن في اتساع مادته وحده، بل في أنّه يُعيد ترتيب هذه المادة على نحوٍ يكشف عن هندسة التشريع نفسها. إنّه يجرّد الفقه من كسائه المدرسيّ الذي يغلب عليه التلقين، ليُظهر ما وراءه من بنيةٍ عقليةٍ دقيقة وكأنّه يردّ الأحكام إلى ما يشبه “قواعد توليدها” الكامنة.

وهنا بالذات يتجلى البعد الفلسفي العميق، فابن رشد لا يتوقف عند حدّ السؤال عن الحكم الشرعي بل يُصرّ على سؤالٍ أكثر خطورة، بأيّ آلةٍ أمكن إنتاج هذا الحكم؟ وما حدود صلاحية هذه الآلة؟ ومتى تكون النتيجة لازمةً عنها ومتى تكون محتملةً؟ إنّه يشتغل بلغةٍ معاصرة على “منطق إنتاج المعيار”، لا على المعيار في صورته الساكنة فقط. وهذا ما يجعل مشروعه أقرب إلى فلسفة القانون منه إلى الفقه التقليدي بالمعنى الضيق. فالقانون عنده ليس أمرا يُلقى على الذمم في صورةٍ نهائيةٍ لا تُسأل، بل بناءٌ استدلاليٌّ له مقدماتٌ وله درجاتٌ في القوة وله عللٌ في التأسيس وله شروطٌ في التطبيق.

ولعلّ من أنفذ المفاتيح إلى هذا البناء هو مفهوم الاجتهاد ذاته. فابن رشد لا ينظر إلى الاجتهاد بوصفه شجاعةً ذهنيةً أو قدرةً على الترجيح بين الأقوال فحسب، بل بوصفه مرتبةً معرفيةً تستلزم القدرة على النفاذ إلى أصول الخلاف، وفهم مدارك الأحكام وتقدير قوة الأدلة والتمييز بين ما هو تعبديٌّ محضٌ لا يتجاوز مورده وما هو معقول المعنى يُتعدّى به إلى غيره.

إنّ المجتهد عنده ليس حافظا للنصوص بل قارئا لبنية النصوص؛ وليس ناقلا للمذهب بل قادرا على استئناف النظر في ضوء المذهب وخارجه عند الاقتضاء؛ وليس تابعا لنتائج السابقين، بل محللا لشروط إمكان تلك النتائج. وهذا يذكّرنا بما قاله أرسطو في التحليلات الثانية من أنّ العلم الحقّ لا يتحقق بمعرفة أنّ الشيء هو كذلك فحسب، بل بمعرفة “لماذا هو كذلك”. والحق أنّ ابن رشد ينقل هذا المبدأ الأرسطي إلى قلب الفقه، لا يكفي أن تعرف أنّ الحكم كذا بل ينبغي أن تعرف لماذا قيل به وعلى أيّ أصلٍ بُني وبأيّ وجهٍ رجّح على غيره؟.

وتتبدّى العلاقة العضوية بين فلسفة القانون عند ابن رشد وعلم أصول الفقه. غير أنّ ابن رشد لا يشتغل على الأصول باعتبارها علما مستقلا منفصلا عن الفروع، كما صنع بعض الأصوليين الذين بالغوا في التجريد حتى صار علمهم أقرب إلى هندسةٍ ذهنيةٍ لا تلامس حرارة الوقائع؛ بل يُعيد الأصول إلى وظيفتها الحقيقية، وهي أن تكون آلةً لتفسير نشأة الحكم ووسيلةً لفهم أسباب الاختلاف وجسرا بين النصّ والنازلة. ولذلك فإنّ قراءته للأصول ليست قراءةً مدرسيةً صرفة، بل قراءةٌ تشغيليةٌ إن صحّ التعبير، تضع القاعدة في محكّ الاستعمال. وهذا ما يمنحها خصوبةً نادرة، فالأصول عنده ليست مجرد مباحث في الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد، بل هي – قبل ذلك وبعده – نظامٌ لفهم كيف يعمل القانون داخل اللغة والواقع.

ومن أهمّ ما يُبرز هذه العقلانية الأصولية عنده تعامله مع العلّة. فالعلّة في التجربة الرشدية ليست حيلةً فنيةً للعبور من المنصوص إلى غير المنصوص، بل هي جوهر المعقولية التشريعية نفسها. فإذا كان الحكم الشرعي لا يُدرك على أنه مجرد تعيينٍ اعتباطيٍّ للواجب أو الممنوع، فإنّ ذلك لأنّ وراءه معنىً مناسبا أو مصلحةً مرعيّةً أو وصفا مؤثرا أو نظاما مقصودا في ترتيب حياة الناس. والعلّة ليست مجرد اصطلاح أصوليّ بل هي الممرّ الذي تعبر منه الشريعة من النصّ إلى العالم ومن الحرف إلى الحياة ومن الخطاب إلى النظام.

إنّ كلّ فقهٍ يفقد حسّه بالعلّة مآله إلى الجمود، وكلّ عقلٍ قانونيٍّ ينكر المعنى وراء الحكم ينتهي إلى التبعية الصمّاء أو إلى التناقض العمليّ. وقد أدرك ابن رشد هذا بوضوح. لذلك لا يكتفي بذكر القياس بل يشتغل على منطقه الداخلي وعلى شروط صحته وعلى إمكانه وعلى ما يبرر نقل الحكم من محلٍّ إلى آخر. وهذا ما يجعل من فلسفة القانون عنده فلسفةً في “قابلية التشريع للتوسّع المعقول”. فالنصوص محدودة والوقائع غير متناهية والحياة أوسع من المدوّنات ومن ثمّ فإنّ بقاء الشريعة حيّةً يقتضي أن يكون في بنائها ما يسمح بتوليد أحكامٍ منضبطة لما يجدّ من النوازل. وهذا التوليد لا يكون بالهوى بل بالعلّة، ولا يكون بالتشهي بل بالقياس المنضبط، ولا يكون بالانطباع بل بتحقيق المناط.

وتتضح المسافة بين ابن رشد وبين كلّ نزعةٍ ظاهريةٍ صارمةٍ تُضيق من مجال المعقول في النصوص، أو تجعل القياس ضربا من التعدّي على سلطة الوحي. فابن رشد وإن كان لا يستخفّ بسلطة النصوص ولا يُهوّن من خطورة التوسع غير المنضبط، إلا أنّه يعلم أنّ إنكار المعقولية التشريعية يفضي في النهاية إلى نوعٍ من العبث المقنّع، لأنّ الفقيه الذي يمنع نفسه من إدراك العلل سيجد نفسه أمام وقائع لا يجد فيها نصا صريحا، فيضطر إما إلى التعطيل وإمّا إلى التحكّم باسم التوقّف. وكلاهما في النهاية ليس وفاءً للنصّ بل عجزٌ عن استثمار إمكاناته.

غير أنّ ابن رشد لا يسقط في الجهة المقابلة أي في اعتبار كلّ حكمٍ معلّلا تعليلا ظاهرا قابلاً للتعدية بلا قيد. فهنا تظهر دقته المنهجية. إنّه يميز – صراحةً أو ضمنا – بين ما يُعقل معناه وما يغلب فيه التعبد، وبين ما يُناط بمصلحةٍ ظاهرةٍ وما يرتبط ببنيةٍ شعائريةٍ أو توقيفيةٍ أشدّ خصوصية. وهذا التمييز من أهمّ ما في فلسفته القانونية؛ لأنّه يمنع من تحويل العقل إلى سلطةٍ استبداديةٍ فوق الشريعة، كما يمنع من تحويل الشريعة إلى قيدٍ يمنع العقل من أداء وظيفته. إنّه توازنٌ صعب لكنه هو سرّ الرشدية حقا، أن يكون العقل خادما للحقيقة لا متسلّطا عليها، وأن يكون النصّ هاديا للنظر لا حاجبا عنه.

وإذا كانت العلّة هي روح القياس فإنّ المصلحة هي الأفق الذي تُفهم فيه كثيرٌ من العلل. وليس من الدقة أن نقرأ ابن رشد كما لو كان منظرا صريحا للمقاصد على النحو الذي سيبلوره الشاطبي لاحقا، لكن من الظلم أيضا أن نغفل أن حسه الفقهي مشبعٌ بإدراكٍ قويٍّ للمعاني والمناسبات والغايات. إنّ طريقته في ردّ الخلافات إلى عللها وفي وزن الأقوال بحسب قوة مناسبتها وملاءمتها وفي اعتبار انتظام الأحكام داخل صورةٍ أوسع للعدل واليسر ودفع الضرر، كلّ ذلك يكشف عن عقلٍ لا يكتفي بحرف الحكم، بل يبحث عن جهته المقصودة. إنّ ابن رشد يهيّئ في عمق الممارسة الفقهية الأرضية التي ستزدهر عليها لاحقا النظرية المقاصدية بصورةٍ أكثر نسقيةً عند الشاطبي.

وليس مصادفةً أن يكون الفكر الأندلسي في بعض ذراه الكبرى، قد أنتج هذه الحساسية الخاصة تجاه انتظام الشريعة ومعقوليتها. فالأندلس بما كانت عليه من تداخل حضاريّ ومن احتكاكٍ بالتراث اليوناني ومن حيويةٍ مدنيةٍ وقضائيةٍ، لم تكن فضاءً يسمح بسهولةٍ باستمرار الفقه على صورة الحفظ وحده. كان لا بدّ من عقلٍ يفاوض الواقع ويصغي إلى تعقيد الاجتماع ويدرك أنّ القانون لا يعيش في الكتب بل في المحاكم والأسواق والمواريث والبيوع والخصومات والعهود. وهنا تظهر خلفية ابن رشد القضائية بوضوح. فالقاضي لا يملك ترفَ التجريد الخالص؛ إنّه يواجه الوقائع بما فيها من التباس ومن تفاوت ومن مقاومةٍ للقولبة. ولذلك فإنّ فلسفة القانون عند ابن رشد ليست تأملا ميتافيزيقيا محضا في ماهية التشريع، بل هي عقلانيةٌ عمليةٌ وُلدت من تماسّ مباشر مع الحاجة إلى الحكم.

ومن أخصب المواضع التي يتجلّى فيها هذا الحسّ العملي تعامله مع الاختلاف الفقهي. لقد كان يمكن لكتابٍ في الفقه المقارن أن يتحوّل بسهولةٍ إلى معجمٍ للخلافات لكن ابن رشد يرفض هذا المصير. إنّه لا يعرض الأقوال كما تُعرض الأشياء في خزائن العرض بل يعيدها إلى حركتها الأولى، أي إلى لحظة تشكّلها. وهذا في ذاته فعلٌ فلسفيّ. لأنّ الفلسفة في أحد معانيها الكبرى ليست حفظَ النتائج، بل رد النتائج إلى مبادئها. ولذلك فإنّ الخلاف عنده لا يُقدَّم على أنّه فضاءُ اضطراب، بل على أنّه أثرُ تباينٍ في مدارك الأدلة. ويصبح  هنا علم الخلاف علما بالعقل الفقهي ذاته، لا مجرد فنٍّ في الإحاطة بالمذاهب.

وهذا الفهم للاختلاف بالغ الأهمية في فلسفة القانون المعاصرة أيضا. فالقانون مهما ادّعى الصرامة لا يُطبَّق في فراغٍ من التأويل، ولا يخلو من مناطق رمادية ولا يستغني عن القاضي أو الفقيه أو المفسّر الذي يُنزل القاعدة على الواقعة. وقد تنبّهت الفلسفة القانونية الحديثة إلى هذه الحقيقة في أعمال من قبيل دوركين وغيره، حيث لا يعود القانون مجرد مجموعة قواعدٍ ميكانيكية، بل شبكةً من مبادئ وقيمٍ وسوابق وتأويلات. وإذا كان السياق مختلفا جذريا، فإنّ ابن رشد قد سبق – داخل أفقه الخاص – إلى إدراك أنّ الحكم لا يُنتج من النصّ وحده، بل من النصّ كما يُفهم ومن النصّ كما يُوزن بغيره ومن النصّ كما يُقرأ في ضوء العلّة، ومن النصّ كما يُنزّل على واقعةٍ مخصوصة. ومن ثمّ فإنّ “الحقيقة القانونية” عنده ليست دائما حقيقةً نصيةً بسيطة، بل هي ثمرةُ مسارٍ استدلاليٍّ مركّب.

غير أنّ هذا الإدراك لا يدفعه إلى النسبية. وهذه نقطة حاسمة. فابن رشد لا يقول إنّ كلّ الأقوال سواء ولا إنّ الخلاف قيمةٌ في ذاته ولا إنّ تعدّد الفهوم يُبطل إمكان الترجيح. على العكس من ذلك، هو يكتب أصلا من أجل أن يُظهر أنّ الخلاف يمكن فهمه وأنّ الفهم يفضي إلى الترجيح وأنّ الترجيح ليس مزاجا بل صناعة. ولذلك فإنّ فلسفة القانون عنده لا تنتهي إلى تفكيك المعيار بل إلى إعادة بنائه على أسسٍ أوضح. إنّه يحرّر الفقه من الوثوقية لكنّه لا يذوبه في السيولة. يفتح باب الاجتهاد لكنّه لا يرفعه عن مفاصله. يعترف بالتعدّد لكنّه يطلب النظام داخل التعدّد.

وهنا نصل إلى عنصرٍ لا يقلّ مركزية وهو التأويل القانوني. لقد شاع في كثيرٍ من القراءات السطحية أنّ التأويل عند ابن رشد مرتبطٌ فقط بالدفاع عن الفلسفة في وجه الظاهرية الكلامية أو الفقهية، غير أنّ هذا الفهم يُضيّق المسألة إلى حدّ الإخلال بها. فالتأويل عند ابن رشد أوسع من ذلك بكثير، إنّه مبدأٌ حاكمٌ للعلاقة بين ظاهر النصّ ومعناه الممكن، بين خطاب العموم وخطاب الخاصة، بين الدلالة المباشرة والدلالة التي يقتضيها البرهان، بين مقتضى اللغة ومقتضى الحقيقة. وهذا لا يخصّ مسائل الاعتقاد وحدها، بل يمسّ بنية النظر القانونيّ أيضا، لأنّ كثيرا من الأحكام لا تُفهم إلا بتمييزٍ دقيق بين ظاهر اللفظ وما يقتضيه مجموع الأدلة أو علل الأحكام أو سياقات الخطاب.

لكن التأويل عند ابن رشد ليس فضاءً مفتوحا بلا حراس. إنّه منضبطٌ بشروطٍ معرفيةٍ وأخلاقيةٍ وسياسيةٍ في آنٍ واحد. فليس كلّ أحدٍ مؤهّلا للتأويل، وليس كلّ نصٍّ محلا له، وليس كلّ تعارض ظاهر موجبا للعدول عن الظاهر، وليس كلّ معنىً يصلح للتداول العامّ. وهنا تظهر دقته – وربما حذره – في تدبير العلاقة بين الحقيقة والمعرفة والجمهور. قد يرى بعض المعاصرين في هذا نزوعا نخبويا حادا وربما كان كذلك من جهة، لكنّه من جهةٍ أخرى يكشف عن وعيٍ مبكرٍ بأنّ القانون والدين ليسا مجرد نظرياتٍ تُلقى في الفضاء العامّ دون نظرٍ إلى آثارها التداولية. إنّ المجتمعات لا تُدار بالحقائق المجرّدة وحدها بل بكيفية عرضها وبمراتب المتلقين وبحدود ما يحتمله النظام العامّ من التحوّلات في أنماط الفهم.

وهذا البعد السياسيّ الخفيّ في فلسفة القانون عند ابن رشد مهمٌّ للغاية. فهو لا يفصل التشريع عن العمران ولا النصّ عن الاجتماع ولا الحقيقة عن أثرها في النظام المدنيّ. ولعلّ صلته العميقة بأرسطو خاصةً في السياسة والأخلاق، تجعل هذا الأمر مفهوما. فالقانون ليس مجرد أمرٍ إلهيٍّ منزّهٍ عن شروط المدينة، بل هو أيضا نظامٌ لتدبير العيش المشترك. والعدل كما عند أرسطو لا يتحقق في النفس المجردة فقط، بل في علاقة الإنسان بالآخرين داخل الجماعة السياسية. لذلك فإنّ ابن رشد حين يفكّر في التشريع لا يفكّر في فردٍ معزولٍ أمام خطابٍ دينيّ، بل في مجتمعٍ يحتاج إلى نظام وإلى قضاء وإلى ضبطٍ للعقود والأنكحة والمواريث والحدود والمعاملات، وإلى توزيعٍ متوازنٍ بين حفظ الثوابت ومرونة التطبيق.

إنّ فلسفة القانون عنده تقاوم صورتين متقابلتين ما تزالان ماثلتين حتى اليوم، صورة القانون بوصفه نصا مقدسا لا يُفكَّر فيه، وصورة القانون بوصفه إرادةً بشريةً خالصةً لا مرجعية لها إلا القوة أو التوافق العابر. أمّا ابن رشد فإنه يقدّم تصورا ثالثا، قانونٌ يستمدّ سلطته من الوحي لكنّه لا يصير نافذا في العالم إلا بالعقل؛ قانونٌ له قداسةُ المصدر، لكنّ فاعليته متوقفةٌ على جودة الفهم؛ قانونٌ يعلو على الأهواء لكنّه لا ينجو من سوء التطبيق إلا بوجود طبقةٍ من أهل النظر القادرين على التمييز بين النصّ ومناطه، وبين الظاهر ومراد الشرع وبين الحكم في ذاته والحكم في ظرفه.

ويغدو من المشروع أن نقرأ ابن رشد بوصفه ممهدا – وإن بطريقٍ غير مباشر – لبعض ما سيتبلور لاحقا في الفكر المقاصديّ عند الشاطبي. فالشاطبي سيجعل المقاصد نظريةً أكثر تصريحا وتماسكا، وسيعطي للكلّيّ الشرعيّ حضورا أوضح في بناء الأحكام، غير أنّ ابن رشد قد سبق إلى ممارسة هذه الحساسية داخل الفقه نفسه. لقد كان في جوهره يفكّر في الأحكام من جهة انتظامها، وفي الخلاف من جهة معناه وفي النصوص من جهة معقوليتها وفي الاجتهاد من جهة كفاءته في وصل الجزئيّ بالكليّ. وإذا كان الشاطبي قد منحنا “فلسفة المقاصد” بصورةٍ أكثر نضجا اصطلاحيا، فإنّ ابن رشد منحنا قبل ذلك “عقلانية المقاصد” في مستوى التشغيل الفقهي.

غير أنّ الفرق بينهما أيضا كاشف. فابن رشد أقرب إلى عقلٍ تحليليٍّ تفكيكيٍّ يشرح أسباب الخلاف ويردّ الأحكام إلى أصولها، بينما الشاطبي أقرب إلى عقلٍ تركيبيٍّ بنائيٍّ يجمع الجزئيات في صورة كلياتٍ واضحة المعالم. ولذلك فإنّ قراءة ابن رشد اليوم لا ينبغي أن تكون فقط تمهيدا للشاطبي، بل اعترافا باستقلاليته الخاصة، فهو لا يشتغل على المقاصد بوصفها عنوانا، بل على المعقولية التشريعية بوصفها ممارسةً يوميةً داخل الفقه. وهذه ميزةٌ لا تقلّ قيمةً بل قد تكون – في بعض الوجوه – أشد قربا من سؤال فلسفة القانون كما نفهمه اليوم، لأنّها تنشغل بمسألة “كيف يُنتج الحكم؟” أكثر من انشغالها بصياغة نظريةٍ كليةٍ في الغايات.

وإذا وسعنا الدائرة قليلا أمكن أن نقول إنّ ابن رشد يمثّل داخل التراث الإسلامي لحظةً نادرةً التقت فيها ثلاثة أنماطٍ من العقل في شخصٍ واحد، العقل البرهاني والعقل الفقهي والعقل القضائي وهذه الثلاثية هي التي صنعت فرادته. فالعقل البرهاني يمنحه حسّ الاتساق وطلب العلل وكراهية التناقض والنفور من التعميمات الخطابية الفضفاضة. والعقل الفقهي يمنحه الحسّ بالنصوص وبمراتب الدلالات وبقيمة السوابق وبخطورة التسرّع في الإلغاء. والعقل القضائي يمنحه الشعور بوزن الواقع وبضرورة الحسم وبأنّ الناس لا يعيشون في المتون بل في المنازعات. ومن هذا التفاعل المركّب وُلدت فلسفة قانونية ذات طابعٍ خاص، ليست نظريةً تجريديةً معلّقةً فوق الحياة وليست فقها تقليديا غارقا في الجزئيات، بل هي عقلانيةٌ وسطى نادرة. وهذه الندرة هي ما يجعل استحضار ابن رشد اليوم أكثر من مجرد استدعاءٍ تراثيٍّ احتفالي. فنحن نعيش في كثيرٍ من البيئات الفكرية والقانونية العربية والإسلامية، توترا مزمنا بين نزعتين: نزعة تريد أن تحفظ النصوص فتجمّدها، ونزعةٍ تريد أن تحرّر العقل فتفكّك المرجعيات. وفي هذا المشهد يبدو ابن رشد شاهدا على إمكانٍ ثالث، إمكان أن يكون النص منبعا للعقل لا خصما له وأن يكون العقل خادما للشرع لا غريما له وأن يكون الاجتهاد حفظا للحيوية لا عدوانا على الثوابت، وأن يكون القانون مجالا للعدل لا مجرد جهازٍ للضبط.

بل إنّ الأهم من ذلك أنّ ابن رشد يعلّمنا درسا بالغا في التواضع المعرفيّ. فمع كلّ ما في مشروعه من ثقةٍ بالعقل فإن هذه الثقة ليست ادعاءً بالعصمة. إنّه يعترف بالخلاف ويشرح أسبابه ويقبل بإمكان تعدّد الوجوه ويميّز بين القطعي والظني ويعرف أن كثيرا من الفروع لا تحتمل يقينا واحدا قاهرا. وهذه الروح ضروريةٌ لكلّ فلسفة قانونية ناضجة. فالقانون الذي يزعم لنفسه الشفافية المطلقة يغدو أداةً للاستبداد كما أنّ القانون الذي يتخلّى عن أيّ معايير صلبة يغدو أداةً للفوضى. وابن رشد في أعمق ما فيه يسعى إلى بناء منطقةٍ وسطى، معيارية قوية لكن غير متعسّفة؛ عقلانية حازمة لكن غير متغطرسة؛ تأويل منضبط لكن غير خانق.

ولعلّ في هذا ما يفسر أيضا استمرارية حضوره في تاريخ الفكر الأوروبي الوسيط والحديث. فقد عُرف هناك في جانبٍ كبير بوصفه “المعلّق الأكبر” على أرسطو، لكنّ هذا اللقب – على وجاهته – يحجب جانبا آخر من فرادته، أنّه لم يكن مجرد ناقلٍ للبرهان الأرسطيّ، بل كان قادرا على إدخاله في صميم التفكير الديني والقانوني الإسلامي. وهذا عملٌ أعقد بكثير من مجرد الشرح. فالشرح قد يكون استعادةً أمينةً لفكر السابق، أمّا إدماج البرهان في بنيةٍ تشريعيةٍ دينيةٍ حية فهو فعلُ إبداعٍ حضاري. إنّ ابن رشد لا يُقرأ فقط بوصفه حلقةً في تاريخ الفلسفة، بل بوصفه لحظةً من لحظات نضج العقل القانوني في الحضارة الإسلامية.

إنّ التشريع ليس عند ابن رشد أمرا يُفهم بالسلطة وحدها بل بالمعنى؛ وليس بالنقل وحده بل بالنظر؛ وليس بالمذهب وحده بل بالحجة؛ وليس بالظاهر وحده بل بالبنية التي تجعل الظاهر معقولا ومنتظما وممكنَ التطبيق. إنّه باختصار يرد القانون إلى العقل دون أن ينتزعه من الوحي، ويرده إلى المقصد دون أن يفككه في النفعية، ويرده إلى الواقع دون أن يذيبه في البراغماتية.

إنّ استعادة ابن رشد في سياق فلسفة القانون ليست ترفا أكاديميا ولا مجرّد ميلٍ إلى تزيين الخطاب المعاصر بأسماء التراث الكبرى بل هي في حقيقتها عودةٌ إلى إحدى اللحظات النادرة التي بلغ فيها العقل الإسلامي قدرةً استثنائيةً على مساءلة ذاته من داخلها، دون قطيعةٍ مبتذلةٍ مع الأصول ودون خضوعٍ مستسلمٍ لتراكمات المألوف. فابن رشد حين فكّر في الفقه لم يفكر فيه بوصفه صناعةً محفوظةً بل بوصفه فعلاً معرفيا حيا؛ وحين نظر في التشريع لم ينظر إليه بوصفه مدوّنةً مغلقةً من الأحكام، بل بوصفه نظاما عقلانيا تتساند فيه النصوص والعلل والمقاصد ومراتب الفهم؛ وحين واجه الخلاف لم يجعله لعنةً على الوحدة، ولا شعارا للتسامح السهل، بل جعله موضوعا للشرح والتحليل والضبط.

إنّ القيمة الحقيقية لفلسفة القانون عند ابن رشد لا تكمن فقط في أنّها قدمت نموذجا متقدما للتوفيق بين الحكمة والشريعة كما شاع في كثيرٍ من الأدبيات، بل في أنّها كشفت عن إمكانٍ أعمق وأخصب، إمكان أن يكون التشريع نفسه مجالا للعقلانية العليا وأن يكون الفقه علما بأسباب الأحكام لا بمتونها فقط وأن يكون الاجتهاد رتبةً في المعرفة لا مجرد وظيفةٍ في الإفتاء، وأن يكون النص الشرعي قابلا لأن يُقرأ على نحوٍ يزداد به اتساقا، لا أن يتحول إلى حقلٍ للتعارضات المصطنعة بين النقل والعقل.

لقد فهم ابن رشد بحدس الفقيه وصرامة الفيلسوف وخبرة القاضي، أن القانون لا يحيا بمجرد تعظيم النصوص بل بحسن تشغيلها؛ وأنّ هيبة الشريعة لا تُصان بتعطيل النظر بل بترشيده؛ وأنّ حفظ الدين لا يكون بإنكار التعقيد الذي يطرحه الواقع بل بامتلاك الأدوات التي تجعل من الشريعة قادرةً على النفاذ إلى هذا الواقع دون أن تفقد جوهرها. ولذلك فإنّ مشروعه – في أعمق طبقاته – ليس مشروع دفاعٍ عن الفلسفة أمام الفقه كما قد يُتوهم، بل هو مشروع إنقاذٍ للفقه من أن يفقد روحه العقلية، وإنقاذ للعقل من أن يتحول إلى خصمٍ للشرع بدل أن يكون آلةً لفهمه.

إنّنا حين نقرأ بداية المجتهد في ضوء هذا المنظور، لا نقرأ كتابا في الفقه المقارن فحسب، بل نقرأ تمرينا حضاريا رفيعا على كيف يُعاد بناء القانون من داخل اختلافاته. وحين نقرأ فصل المقال لا نقرأ مجرد رسالة في مشروعية الفلسفة بل نقرأ نصا يؤسس – على نحوٍ ضمنيٍّ عميق – لشرعية النظر البرهاني داخل المجال التشريعيّ نفسه. وحين نقرأ دفاعه عن السببية والعلّية في تهافت التهافت لا نقرأ فقط سجالا ميتافيزيقيا مع الغزالي، بل نقرأ دفاعا أوسع عن شرط إمكان كلّ علم ومنه علم الأحكام. إذ كيف يمكن لعقلٍ ينكر العلل في الوجود أن يطمئنّ إلى العلل في التشريع؟ وكيف يمكن لفكرٍ يرضى بالقطيعة بين الأسباب والنتائج في الكون أن يبني قانونا متماسكا في الاجتماع؟.

ويتجلّى وجهٌ آخر من عبقرية ابن رشد:، أنّ وحدته الفكرية أعمق من تصنيفات المؤرخين. فالفيلسوف عنده ليس منفصلا عن الفقيه، والقاضي ليس منفصلا عن الشارح، والمنطقي ليس منفصلا عن الأصوليّ. بل إن كل واحدٍ من هذه الوجوه يمدّ الآخر بما ينقصه، المنطق يحفظ الفقه من الفوضى والفقه يحفظ المنطق من التعالي العقيم، والقضاء يرد الاثنين معا إلى امتحان الواقع. ومن هذا التكامل وُلدت فلسفة قانونية لا تزال إلى اليوم قادرةً على إلهام كلّ من يبحث عن صيغةٍ تخرج من الثنائية العقيمة بين جمود التقليد وفوضى التحرر.

ولذلك فإنّ إعادة قراءة ابن رشد اليوم ليست دعوةً إلى استنساخه، ولا إلى تحويله إلى سلطةٍ تراثيةٍ بديلة، بل إلى استعادة منهجه، منهج رد الأحكام إلى أصولها ورد الخلاف إلى علله ورد النصوص إلى نظامها ورد العقل إلى حدوده ووظيفته معا. إن ما نحتاجه من ابن رشد ليس فقط أن نقول إنه كان عقلانيا، فهذه عبارةٌ شديدة الفقر إذا تُركت مجرّدة بل أن نفهم كيف كانت عقلانيته تعمل وفي أيّ مستوياتٍ كانت تتدخل وكيف كانت تضبط علاقتها بالوحي وبالمذهب وبالناس وبالواقع وباللغة وبالمقصد، ذلك أن العبرة ليست في الأسماء بل في البنى.

إنّ فلسفة القانون عند ابن رشد يمكن أن تُصاغ – في خلاصةٍ مركزة – ضمن أربع حقائق كبرى.

أولها : أنّ التشريع في جوهره ليس مجرّد خطابٍ آمِرٍ ناهٍ، بل بنيةٌ معقولةٌ لا تُفهم إلا برد الأحكام إلى عللها ومناسباتها ومقاصدها.

وثانيها : أنّ الاختلاف الفقهي ليس دليلَ اضطرابٍ في الشريعة، بل دليلُ غنى في مسالك النظر، شريطة أن يُرد إلى أصوله ويُضبط بمنطق الترجيح.

وثالثها : أنّ العقل ليس خصما للنصّ، بل شرطٌ في حسن تلقيه، غير أنّه عقلٌ منضبطٌ بالبرهان والاختصاص، لا عقلٌ متسيبٌ باسم الحداثة أو الجرأة.

ورابعها : أن القانون لا يحيا في الكتب وحدها، بل في المجتمع والقضاء والعمران، ولذلك فإن كل فهمٍ للتشريع لا يراعي شروط التطبيق ومآلاته هو فهمٌ ناقصٌ مهما بدا نقيا من جهة النظر.

إنّ ابن رشد يظل في تاريخ الفكر الأندلسي والإسلامي شاهدا على لحظةٍ نادرةٍ تواطأ فيها الفقه والفلسفة على خدمة العدالة بدل أن يتحاربا على شرعية الكلام عنها. ولعل هذا هو سر راهنيته العميقة، أنّه يذكرنا بأن القانون متى انفصل عن العقل صار آلة للجمود؛ ومتى انفصل عن القيم صار آلةً للقهر؛ ومتى انفصل عن الواقع صار أثرا متحفيا؛ ومتى انفصل عن النص في السياق الإسلامي فقد شرعيته الرمزية والحضارية. أما حين تتعانق هذه العناصر على نحوٍ راشد فإنّ التشريع يغدو كما أراده ابن رشد ضمنا، صورةً من صور الحكمة العملية التي تنشد العدل في عالمٍ ناقص وتطلب النظام دون أن تقتل الحياة وتُعلي من سلطة الحق دون أن تُلغي تعقيد الإنسان.

وفي هذا المعنى الأخير لا يصير ابن رشد مجرد اسمٍ من أسماء التراث، بل يصبح سؤالا مفتوحا على الحاضر: كيف نعيد بناء العقل القانوني في ثقافتنا؟ وكيف نحرر الفقه من عبادة نتائجه دون أن نسقط هيبة أصوله؟ وكيف نعيد الاعتبار للاجتهاد بوصفه كفاءةً معرفيةً ومسؤوليةً حضارية لا مجرد شعارٍ يُرفع في وجه الخصوم؟ وكيف نصوغ قانونا يستمدّ مشروعيته من مرجعيته لكنه لا يفقد قابليته للحياة في عالمٍ يتغيّر؟ هذه الأسئلة وإن كانت معاصرةً في صيغتها، فإن ابن رشد قد ترك لنا مفاتيحها الأولى. ولذلك فإن الإنصاف يقتضي أن نقول، لم يكن ابن رشد فيلسوفا قرأ القانون، بل كان – في أحد أعمق معانيه – مفكرا في القانون من داخل الفلسفة ومفكرا في الفلسفة من داخل الشريعة ومفكرا في الشريعة من داخل مقتضيات العدل والعقل والعمران. وتلك منزلةٌ لا يظفر بها إلا القليل.

***

د. حمزة مولخنيف

إعادة قراءة في تراتبية أنماط الخطاب المعرفي

تندرج مسألةُ البرهان والجدل في فلسفة ابن رشد ضمن أعمق القضايا المنهجية التي انتظمت بها بنيةُ مشروعه الفكري، لأنّها لا تتصل بمجرد التمييز بين صنفين من أصناف القول أو مستويين من مستويات الاستدلال، بقدر ما ترتبط بإعادة بناء المجال المعرفي الإسلامي على أساسٍ من ترتيب مراتب الخطاب وضبط مناهج النظر وتحديد شروط الانتقال من الظن إلى اليقين. فابن رشد في سائر نصوصه الكبرى لا يتحرك بوصفه شارحا للمنطق الأرسطي فحسب، ولا باعتباره مدافعا عن الفلسفة في وجه خصومها فحسب، بل يظهر بوصفه مفكرا في هندسة العقل ومنظّرا لتراتبية الأنماط الخطابية التي تتوزع بين البرهان والجدل والخطابة، وفق ما يقتضيه اختلاف الموضوعات وتفاوت الاستعدادات الإنسانية وتباين المقامات التعليمية والتداولية داخل المجال الديني والفلسفي والسياسي.

وتنبع أهميةُ هذا الموضوع من كون ابن رشد قد وعى بحدس الفيلسوف ودقة الأصولي وصرامة القاضي، أنّ كثيرا من أزمات الفكر الإسلامي في عصره لم تكن ناشئةً فقط عن اختلاف المذاهب أو تباين النتائج، بل كانت في أصلها الأعمق ثمرةَ اختلالٍ في الوعي بطبيعة الدليل وفسادٍ في التمييز بين مراتب القول وخلطٍ بين ما يُطلب فيه البرهان وما يُكتفى فيه بالجدل وبين ما يُقصد به التعليم وما يُراد به الإلزام أو الإقناع. وقد اتخذ مشروعه الفكري صورةَ مراجعةٍ إبستمولوجية دقيقة لحدود الصناعات القولية، قصد بها ردَّ كلّ خطابٍ إلى مجاله وكلّ أداةٍ إلى وظيفتها وكلّ نمطٍ من أنماط النظر إلى رتبته المعرفية المشروعة بما يضمن صيانة الحقيقة من التباس المناهج وصيانة الشريعة من الفوضى التأويلية، وصيانة العقل من ادعاء اليقين فيما لا يجاوز حدود المشهور أو المظنون.

وقد استمدّ ابن رشد في بناء هذا التصور كثيرا من مقوماته من المنطق الأرسطي، غير أنّه لم يقف عند حدود الشرح أو النقل، بل أعاد توطين التمييز الأرسطي بين البرهان والجدل والخطابة داخل السياق الإسلامي، محوّلا إياه من مجرد تصنيفٍ صوريٍّ للصناعات المنطقية إلى مبدأٍ ناظمٍ للعلاقة بين الفلسفة والشريعة وبين الخاصة والعامة وبين ظاهر النص وباطنه وبين علم الكلام ومقتضيات النظر البرهاني. ولذلك فإنّ دراسة البرهان والجدل في منهجه لا ينبغي أن تُختزل في مقارنةٍ تقنية بين نوعين من الحجاج، وإنما ينبغي أن تُقرأ ضمن الأفق الأوسع الذي يشتغل فيه ابن رشد على إعادة ترتيب الاقتصاد المعرفي للثقافة الإسلامية، بحيث يستعيد البرهان منزلته العليا بوصفه طريقا إلى العلم اليقيني دون أن يُلغى بذلك حضورُ الخطابات الأخرى التي تؤدي وظائف ضرورية في التعليم والمحاجة والتبليغ والتدبير المدني والديني.

ومن ثمّ فإنّ هذا المقال يروم إعادة قراءة العلاقة بين البرهان والجدل عند ابن رشد بوصفها علاقةً تأسيسيةً في مشروعه الفلسفي، تكشف عن طبيعة التراتبية التي أقامها بين أنماط الخطاب المعرفي وتُبرز الأسس المنطقية والشرعية التي اعتمدها في هذا الترتيب، كما تُبيّن كيف تحوّل نقده للمتكلمين من مجرّد اعتراضٍ على بعض النتائج الكلامية إلى نقدٍ منهجيٍّ شاملٍ لآليات الاستدلال حين تتقمّص صناعةُ الجدل هيئةَ البرهان وتدّعي لنفسها ما ليس لها من رتبةٍ معرفية. وسيسعى هذا النظر كذلك إلى إبراز أن الرشدية لا تقوم على إلغاء الجدل أو نفي الحاجة إلى الخطابة بل على ضبط حدودها ومنعها من الاستحواذ على مقام الحقيقة وإعادة وصلها بوظائفها الطبيعية داخل البنية الكلية للمعرفة.

وتتأكد راهنيةُ هذا الموضوع اليوم من أنّ سؤالَ تراتبية الخطاب ما يزال حاضرا بل أشدّ حضورا، في سياقاتٍ معاصرة اختلطت فيها مراتب القول وتداخلت فيها أشكال الإقناع والتعبئة والتحليل، وغدا التمييز بين البرهان والجدل والخطابة شرطا من شروط السلامة الفكرية والاتزان المنهجي. وتكاد تكون العودةُ إلى ابن رشد في هذه المسألة عودةً إلى أحد أكثر العقول الإسلامية وعيا بـ أخلاق الدليل وعدالة المناهج ومسؤولية القول في الحقيقة، وهي عودةٌ لا تستهدف استعادة الماضي بوصفه ماضياً، وإنما تروم استنطاقه في أفق مساءلة الحاضر واستخلاص ما ينطوي عليه من دروسٍ في تنظيم المعرفة وتحرير النظر وإعادة الاعتبار للصرامة العقلية داخل الثقافة.

وليس من قبيل المصادفة الفكرية أن يظلّ ابن رشد أحد أكثر فلاسفة الإسلام قابليةً لإعادة القراءة وأشدّهم استعصاءً على الاختزال في صورة شارحٍ لأرسطو أو قاضٍ مالكيٍّ جمع بين الفقه والفلسفة فحسب؛ ذلك أنّ الرجل لم يكن مجرّد ناقلٍ لمنطقٍ يوناني إلى فضاءٍ إسلامي، ولا مجرد مدافعٍ عن مشروعية النظر العقلي في وجه الاعتراضات الكلامية والفقهية، بل كان في العمق مهندسا دقيقا لخرائط الخطاب المعرفي، وبنّاءً لنظامٍ إبستمولوجيٍّ متكاملٍ يُعيد ترتيب طرائق القول ومراتب الإقناع وأنماط الوصول إلى الحقيقة بحسب اختلاف الموضوعات وتفاوت القابليات الإنسانية، وتمايز المقامات التداولية التي ينتظم فيها الخطاب.

إنّ النظر في العلاقة بين البرهان والجدل عنده لا ينبغي أن يُختزل في مقابلةٍ مدرسيةٍ بين يقينٍ وظنّ أو بين الفلسفة وعلم الكلام، وإنما ينبغي أن يُفهم ضمن مشروعٍ أوسع يروم إعادة بناء المجال المعرفي الإسلامي على أساس تمييزٍ دقيقٍ بين مراتب القول ودرجات التصديق، بحيث يستردّ العقل البرهاني مكانته بوصفه أداة الكشف عن الحقيقة في أعلى صورها، دون أن يُلغى بذلك وجود الخطابات الأخرى التي تضطلع بوظائف تربوية وتعليمية وجدالية وتدبيرية داخل الاجتماع الديني والسياسي.

ولقد كان ابن رشد واعيا بحدس الفيلسوف ودقة القاضي معا، بأنّ أكثر أزمات الثقافة الإسلامية في عصره لم تكن ناتجة عن غياب النصوص ولا عن انعدام النوايا الحسنة في طلب الحق، وإنما عن اختلاط مراتب الخطاب وفساد التمييز بين ما يُطلب فيه البرهان وما يُكتفى فيه بالجدل وما يُخاطَب به الخاصة وما يُلقى إلى العامة وما يكون من قبيل التعليم وما يكون من قبيل الإلزام أو الإقناع أو التخييل. وهذا الوعي العميق هو الذي يفسّر لنا لماذا اتخذ مشروعه في كثيرٍ من مواضعه شكل “تصفيةٍ منهجية” للمجال التداولي الإسلامي لا بهدف الهيمنة الفلسفية الجافة، بل بقصد ردّ كل صناعة إلى قانونها وكل خطاب إلى مرتبته وكل أداة إلى مجالها. ولعلّ هذا ما يجعل قراءة ابن رشد اليوم ضروريةً لا بوصفه صفحةً من تاريخ الفلسفة الإسلامية، بل بوصفه مفكرا في “أخلاق الخطاب المعرفي” قبل أن تتبلور هذه العبارة في الاصطلاح الحديث.

إنّ الفلسفة الرشدية ليست مجرد نظرٍ في الموجود بما هو موجود، بل هي أيضا نظرٌ في كيفيات القول في الموجود وفي الشروط التي تجعل قولا ما علما وتجعل آخر ظنا وتجعل ثالثا تمويها أو مغالطةً أو خطابا صالحا للعامة لا للخواص. إنّ سؤال البرهان والجدل في فكر ابن رشد هو في الجوهر سؤالٌ عن تراتبية العقل نفسه: كيف ينتظم العقل في مدارج؟ وكيف تتفاوت صوره بحسب الآلة والموضوع والمخاطب؟ وكيف يمكن أن يظلّ الدين مجالا للحقيقة دون أن يتحوّل إلى ساحةٍ للفوضى التأويلية؟ وكيف يمكن للفلسفة أن تظلّ بحثا عن اليقين دون أن تنقلب إلى تعالٍ نخبويٍّ منفصلٍ عن شروط المدينة والمِلّة؟ إنّ هذه الأسئلة لا تُطرح عند ابن رشد عرضا بل هي لبّ مشروعه ومن دونها لا يمكن فهم “فصل المقال” ولا “الكشف عن مناهج الأدلة” ولا “تهافت التهافت” ولا حتى شروحه المنطقية والطبيعية والميتافيزيقية التي تبدو لأول وهلةٍ منفصلةً عن السجال الديني بينما هي في العمق جزءٌ من بناء آلة البرهان نفسها.

وقد أصاب طه عبد الرحمن على الرغم من اختلافه الجذري مع النزعة الرشدية في كثيرٍ من المقامات حين جعل من سؤال المنهج مفتاحا في فهم الفلاسفة المسلمين، إذ لا تُقاس قيمة الفيلسوف فقط بما يقرّره من نتائج بل بما يقيمه من شروطٍ للقول الصحيح. ولئن كان الجابري قد رأى في ابن رشد “لحظة اكتمال العقل البرهاني في الثقافة العربية الإسلامية”، فإنّ هذا الحكم على وجاهته العامة، يحتاج إلى مزيدٍ من التدقيق؛ لأنّ ابن رشد لم يكن مجرّد ممثلٍ لـ”العقل البرهاني” في مقابل “العقل البياني” أو “العقل العرفاني”، بل كان على نحوٍ أدقّ، منظّرا للعلاقة بين الأنظمة الخطابية نفسها، وواعيا بأنّ البرهان لا يعمل في الفراغ وإنما يتحرك داخل عالمٍ مزدحمٍ بالجدل والخطابة والتخييل والسلطة والتأويل. إنّ إعادة قراءة تراتبية أنماط الخطاب المعرفي عنده لا تعني تمجيد البرهان تمجيدا ميتافيزيقيا، بل تعني فهم البنية المركبة التي تجعل البرهان ممكنا وضروريا وتجعل الجدل في الوقت نفسه محدودا ومفيدا وخطرا معا.

لقد كان أرسطو الذي شغل في تكوين ابن رشد موقع المعلم الأوّل قد ميّز بوضوح بين البرهان والجدل والخطابة، وجعل لكلٍّ منها موضوعا وغرضا وأداةً ودرجةً في إفادة التصديق. فالبرهان عنده إنما يشتغل في الضروريات ويقوم على مقدماتٍ صادقةٍ أوليةٍ أو راجعةٍ إلى أوليات ويُنتج العلم اليقيني في حين أنّ الجدل يشتغل في المشهورات والمسلّمات ويُستخدم في الامتحان والمناقشة والتدريب والدفاع، أما الخطابة فغايتها الإقناع العملي في المجال المدني، وهي تعتمد على ما يقبل الجمهور. غير أنّ ابن رشد لم يكتفِ باستعادة هذا التقسيم الأرسطي بل أعاد توطينه في فضاء الثقافة الإسلامية وجعله أداةً لفهم العلاقة بين النص الديني وعلم الكلام والفقه والفلسفة والتأويل والسياسة الشرعية. وهنا تتجلّى عبقريته الحقيقية، لقد حوّل المنطق من كونه آلةً صورية إلى كونه مبدأً لتنظيم المجال الحضاري نفسه.

وليس بخَافٍ أنّ كثيرا من سوء الفهم الذي لحق بابن رشد قديما وحديثا، إنما نبع من قراءةٍ مبتسرةٍ لتمييزه بين طبقات الناس أو بين أنماط الخطاب حتى ظُنّ أنّه يؤسس لنخبويةٍ معرفيةٍ مغلقة، أو يُقنّن احتكار الحقيقة لفئة الفلاسفة أو يضع الدين في مرتبةٍ أدنى من الفلسفة بإطلاق. والحال أنّ قراءةً متأنيةً لنصوصه تكشف أنّ الأمر أعمق وأدقّ. فهو لا يقول إنّ الحقيقة تتعدّد بتعدّد الناس بل يرى أنّ الحقيقة واحدة، لكنّ طرائق الوصول إليها وسبل التمثّل بها تختلف باختلاف الاستعدادات والوظائف والمقامات. إنّ وحدة الحقيقة عنده لا تُلغي تعدّد الخطابات كما أنّ تعدّد الخطابات لا يُجيز نسبية الحقيقة. وحدث أن كان التمييز بين البرهان والجدل والخطابة تمييزا وظيفيا وإبستمولوجيا لا عنصريا ولا طبقيا بالمعنى الاجتماعي الفجّ. فالفيلسوف ليس أفضل لأنّه “طبقة”، بل لأنّه أقدر على استعمال آلةٍ مخصوصة في مقامٍ مخصوص. وإذا عجز عن ذلك أو خلط مقاما بمقام، فسد منهجه كما يفسد منهج المتكلّم إذا ادّعى البرهان فيما ليس ببرهان.

ومن أبلغ ما يلفت النظر في المشروع الرشدي أنّه لا يهاجم الجدل من حيث هو جملةً، بل يهاجم تضخّمه حين يتقمّص هيئة البرهان. وهذه نقطةٌ دقيقةٌ كثيرا ما تُغفل. فابن رشد يدرك أنّ الجدل ضرورةٌ في حياة العلوم والملل والمدن؛ إذ به يقع الامتحان وبه تُختبر المذاهب وبه يُدفع الشغب وبه تُدبّر مناظرات العموم وبه يتحقق من التدرّب على القضايا التي لا تتيسر فيها الشروط البرهانية الكاملة. لكنه في المقابل يرى أنّ آفة المتكلمين وبعض الفقهاء وبعض المنتسبين إلى الفلسفة أنفسهم، هي أنهم يرفعون الجدل إلى مرتبة البرهان، فيستعملون المقدمات المشهورة أو المظنونة أو المسلّمة استعمال المقدمات اليقينية ثم يطالبون بنتائج قطعية. وهنا يقع الخلل المنهجي الأعظم، لأنّ فساد النتيجة لا يكون حينئذٍ فقط في مضمونها بل في ادّعائها ما ليس لها من رتبةٍ معرفية.

ولعلّ هذا هو ما يجعل من نقده للغزالي في “تهافت التهافت” نقدا منهجيا قبل أن يكون نقدا مضمونيا. فابن رشد لا يردّ على الغزالي لأنه يخالف الفلاسفة في بعض النتائج فحسب، بل لأنه يرى أنّ الغزالي كثيرا ما يتحرك بين مقاماتٍ مختلفة دون أن يصرّح بحدود كل مقام، ينتقل من الجدل إلى البرهان ومن الخطابة إلى الإلزام ومن التلبيس على الخصم إلى ادعاء الكشف عن الحقيقة، ثم يعمم ما يصلح في مقام المناظرة على مقام التعليم البرهاني. وليس مقصدي هنا الانتقاص من الغزالي وهو أحد أعظم العقول الإسلامية بلا ريب، لكنّ المقصود الإشارة إلى أنّ ابن رشد كان شديد الحساسية تجاه “نقاء الصناعات” بتعبير القدماء، أي تجاه عدم خلط أدوات المعرفة بعضها ببعض. إنّ مشروعه ليس فقط دفاعا عن الفلسفة، بل دفاعٌ عن الانضباط الإبستمولوجي نفسه.

إنّ قول أرسطو في “التحليلات الثانية” إنّ “العلم لا يكون إلا بالبرهان” يجد عند ابن رشد صدىً خاصا، لكن هذا الصدى لا يمرّ بلا تعديل. فالعلم عند ابن رشد إذا أُخذ بمعناه الدقيق الكامل نعم، لا يكون إلا بالبرهان؛ غير أنّ حياة الإنسان الدينية والسياسية والأخلاقية لا تنتظم كلها على البرهان. هنا تتدخل الحاجة إلى أنماطٍ أخرى من الخطاب، ليس لأنها مساويةٌ للبرهان في إفادة اليقين، بل لأنها لازمةٌ لتدبير الاجتماع البشري ولإيصال الحقائق إلى من لا طاقة له بتجريداتها، ولحفظ نظام الشريعة في الجمهور. لذلك فإنّ من الخطأ الفادح أن نقرأ تراتبية الخطاب عنده باعتبارها تراتبيةً إقصائية؛ إنها تراتبيةٌ تكاملية في مستوى الوظيفة وإن كانت تفاضليةً في مستوى القيمة المعرفية.

وإذا كان أفلاطون قد أبدى في “الجمهورية” نوعا من الارتياب من الشعر والخطابة لما لهما من قوةٍ على تحريك النفس بعيدا عن الحقيقة، فإنّ ابن رشد وهو الشارح العميق للتراث اليوناني، لا يتبنّى هذا الارتياب على نحوٍ مطلق بل يُبقي للخطابة والتخييل وظيفةً تربويةً وسياسيةً ودينيةً معتبرة، ما دامت منضبطةً بغرض الحق. إنّ المشكلة ليست في وجود التخييل بل في انفلاته من الحقيقة؛ وليست في الخطابة بل في ادّعائها ما ليس لها؛ وليست في الجدل بل في تحوّله إلى بديلٍ دائمٍ عن البرهان. ولذلك فإنّ “إعادة القراءة” التي يقتضيها موضوعنا لا بد أن تتحرر من الصورة المبسطة التي تجعل ابن رشد داعيةً إلى “ديكتاتورية البرهان” لأنّ نصوصه نفسها أكثر تركيبا من ذلك.

لقد قرّر ابن رشد في “فصل المقال” تقريرا بالغ الأهمية حين قال ما معناه إنّ الشريعة قد أوجبت النظر بالعقل في الموجودات، لأنّ الموجودات تدلّ على الصانع، وكلما كانت المعرفة بصنعتها أتمّ كانت المعرفة بالصانع أتمّ. وهذه العبارة على وجازتها، تؤسس لقاعدةٍ مزدوجة، أولا : إنّ النظر العقلي ليس أمرا مباحا فحسب، بل هو مطلوبٌ شرعا؛ وثانيا : إنّ هذا النظر ليس نظرا كيفيا، بل يجب أن يكون بأكمل الآلات وأصحّ المناهج. وهنا ينتقل ابن رشد من مجرد إثبات المشروعية إلى الحديث عن الأداة أي عن المنطق والبرهان. فإذا كان الشرع قد دعا إلى النظر فليس كلّ نظرٍ نظرا صحيحا، كما أنّه ليس كلّ متكلمٍ في العقائد قد أصاب حقيقة العقيدة. ومن ثمّ فإنّ الدعوة إلى البرهان عنده ليست ترفا فلسفيا، بل استكمالٌ لمقتضى الشرع نفسه.

وتكتسب عبارته الشهيرة هذا السياق دلالتها القصوى: “الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له”. إنّها ليست مجرد شعارٍ تصالحيٍّ بين الفلسفة والدين، بل هي قاعدةٌ منهجية صارمة. فإذا تعارض البرهان الصحيح مع ظاهر النص فإنّ الخلل لا يكون في البرهان بل في فهمنا لظاهر النص فيلزم التأويل لمن كان من أهله. لكن التأويل هنا ليس عبثا ولا إطلاقا لعنان الباطنية، بل هو عملٌ مضبوطٌ بقواعد اللغة والشرع ومراتب الناس. ولذلك فإنّ البرهان عند ابن رشد لا يشتغل ضد النص، بل يشتغل في خدمة الفهم الأعمق للنص، مع الحفاظ على النظام التداولي الذي يمنع إشاعة التأويلات البرهانية بين من لا يطيقها. ونفهم هنا أنّ تراتبية الخطاب ليست فقط إبستمولوجية بل أيضا تداولية وأخلاقية.

ولعلّ من المفيد هنا أن نستحضر ابن خلدون الذي جاء بعد ابن رشد بقرون، حين قال في مقدمته إنّ المنطق “قانونٌ يعصم مراعاته الذهن عن الخطأ في الفكر”. هذه العبارة وإن جاءت في سياقٍ مغاير، تلخّص روح المشروع الرشدي في أحد أبعاده: فالمشكلة ليست في كثرة التفكير بل في فساد قوانينه؛ وليست في الرغبة في نصرة العقائد بل في سوء الآلات المستعملة لذلك. وقد أدرك ابن رشد أنّ كثيرا من المتكلمين، وإن قصدوا الدفاع عن الدين قد يسيئون إليه من حيث لا يشعرون حين يجعلون الظنون يقينيات أو يشيعون شبهاتٍ معقّدة بين العامة أو يخلطون بين مقتضيات الإلزام الجدلي وشروط الكشف البرهاني. ولهذا نجده في “الكشف عن مناهج الأدلة” شديد العناية ببيان أنّ الأدلة الشرعية الأصلية في باب العقائد ليست على الصورة التي بناها المتكلمون، وأنّ القرآن نفسه يعتمد أنماطا من الاستدلال أقرب إلى الفطرة وإلى الإقناع الحقّ، لا إلى تعقيدات الجدل المصطنع.

إنّ هذا الموقف من علم الكلام لا ينبغي أن يُفهم بوصفه عداءً ساذجا لهذا العلم، بل بوصفه نقدا لنسخته المتضخمة التي استبدلت صفاء الدلالة القرآنية بخصوماتٍ منطقيةٍ متشابكة لا تنتهي. لقد كان ابن رشد يرى أنّ المتكلمين في كثيرٍ من مسائلهم لا يكتفون بالردّ على الخصوم، بل يصنعون الخصومة نفسها ويولّدون أسئلةً لم تكن لازمةً للشرع ولا للفطرة، ثم يقدّمون أجوبةً جدليةً مضطربة فيختلط الأمر على الخاصة والعامة معا. وهنا يتجلى عمق عبارته الضمنية التي يمكن استخلاصها من مجموع مشروعه، ليست كلّ زيادةٍ في الكلام زيادةً في العلم، كما أنّ ليست كلّ شدةٍ في الدفاع شدةً في اليقين. وكم يشبه هذا ما قاله فتغنشتاين في أفقٍ مغايرٍ تماما، حين رأى أنّ كثيرا من المشكلات الفلسفية تنشأ من “سحر اللغة” ومن سوء استعمالها. فابن رشد بطريقته الخاصة كان يواجه أيضا سحر اللغة حين تنفلت من قوانين البرهان أو تتورّط في جدلٍ يتغذّى من نفسه.

إنّ تراتبية أنماط الخطاب عند ابن رشد لا تنفصل عن تصوره للإنسان نفسه. فالإنسان عنده ليس ذاتا متجانسةً في قواها الإدراكية، بل هو كائنٌ تتفاوت فيه الاستعدادات، فمن الناس من يبلغ حدّ النظر البرهاني ومنهم من يقف عند الجدل ومنهم من يتلقى عبر الخطابة والتمثيل. وهذه التراتبية ليست حطا من قدر أحد، بل وصفٌ لواقع التفاوت الإنساني في الملكات. وقد سبق الفارابي إلى بعض هذا المعنى حين ميّز بين طرق التعليم والتخييل ورأى أنّ المدينة الفاضلة لا تستغني عن الصور الخطابية في تبليغ الحقائق العليا إلى الجمهور. غير أنّ ابن رشد يمنح هذا التمييز صرامةً أشدّ لأنه يربطه بمسألة التأويل ومسؤولية تداول المعاني. فليس كلّ ما يصحّ في البرهان يصحّ أن يُذاع لا لأنّ الحقيقة خطرٌ في ذاتها، بل لأنّ سوء تلقيها خطرٌ على المتلقي وعلى النظام الديني معا.

وقد يبدو هذا الموقف بعيونٍ حديثة محافظا أو أبويا أو نخبويا، لكنّ الإنصاف التاريخي والفلسفي يقتضي فهمه في سياقه. فابن رشد كان يكتب في زمنٍ تتداخل فيه العقيدة بالسلطة والتعليم بالدعوة والمناظرة بالمذهب، وحيث يمكن لكلمةٍ في التأويل أن تُفضي إلى فتنةٍ دينية أو سياسية. لذلك فإنّ حرصه على ضبط التداول ليس فقط حرصا معرفيا، بل هو أيضا حرصٌ مدنيّ. ومن هنا نفهم لماذا كان يميّز بين “أهل البرهان” و”أهل الجدل” و”أهل الخطابة” من جهة القدرة والوظيفة، لا من جهة الإنسانية أو الكرامة. إنّه يوزّع أنماط الخطاب بحسب قابلية الاستفادة منها، تماما كما يوزّع الطبيب الأدوية بحسب الأجسام، لا لأنّ بعض الأجسام أشرف جوهريا، بل لأنّ الاستعدادات تختلف.

على أنّ ما يلفت الانتباه في الرؤية الرشدية هو أنّ الجدل رغم مرتبته الأدنى من البرهان، ليس مجرد خطابٍ ساقط القيمة. فالجَدل في أصله الأرسطي أداةٌ نبيلة إذا استُعملت في حدودها، به تُمحص الآراء وتُختبر المقدمات وتُربّى النفس على المناظرة ويُدفع الخصم بما يسلّم به وتُحفظ مساحة النقاش في المجال العمومي. بل إنّ البرهان نفسه قد يحتاج في مقام التعليم أو التمهيد إلى قدرٍ من الجدل. غير أنّ الكارثة تقع حين يصبح الجدل نمطا دائما للعقل، فتتحول المعرفة إلى معركةٍ لا إلى كشف، ويصير المقصود من القول قهر الخصم لا إصابة الحق. وهنا نكاد نسمع صدى قول الشافعي: “ما ناظرت أحدا إلا وددت أن يُظهر الله الحق على لسانه”. هذا الخلق المعرفي الرفيع هو في جوهره ما يدافع عنه ابن رشد وإن بلغةٍ منطقيةٍ فلسفية، وهو أن يكون المقصود من النظر هو الحقيقة لا الغلبة.

ولذلك فإنّ نقده للمتكلمين لا ينفصل عن نقده لآفةٍ إنسانيةٍ عامة، آفة تحويل الفكر إلى خصومة. وهذا ما يجعل مشروعه معاصرا على نحوٍ مدهش. ففي الأزمنة التي يعلو فيها الصخب ويختلط فيها التحليل بالتعبئة وتُرفع فيها الشعارات مقام الحجج ويُسوّق فيها الظنّ بوصفه يقينا، يعود ابن رشد ليذكّرنا بأنّ تمييز مراتب الخطاب ليس ترفا أكاديميا، بل شرطٌ من شروط السلامة الحضارية. إنّ الأمة التي لا تميّز بين البرهان والجدل والخطابة، سرعان ما تتحول فيها المعارف إلى أيديولوجيات، والأيديولوجيات إلى خصومات، والخصومات إلى انقسامات.

ولعلّ من أعمق ما ينبغي الانتباه إليه في إعادة قراءة التراتبية الرشدية أنّها لا تقوم على إلغاء الخطابات الدنيا، بل على منعها من ادّعاء السيادة في غير مجالها. فالخطيب له مقامه والفقيه له مقامه والمتكلم له مقامه والفيلسوف له مقامه؛ لكن فساد العمران العقلي يبدأ حين يتكلم الخطيب بلغة البرهان وهو لا يملكها، أو يدّعي المتكلم اليقين فيما لا يتجاوز حدود المشهور أو يستخفّ الفيلسوف بوظيفة التمثيل والتبليغ أو يتجاوز الفقيه حدّ الاستنباط إلى مصادرة النظر في الوجود من غير آلة. من حيث هذا المنحى فإنّ مشروع ابن رشد هو مشروع “عدالة معرفية” داخل المدينة الإسلامية، كلّ صناعةٍ تُعطى حقّها ولا تتعدى طورها. وقد أدرك بعض الدارسين المحدثين مثل ليو شتراوس وإن اختلفت قراءاته، أنّ النص الرشدي يشتغل على أكثر من طبقة، طبقةٍ تعليميةٍ ظاهرة وطبقةٍ منهجيةٍ أعمق وطبقةٍ تداوليةٍ تتصل بمن يجوز له أن يعلم ماذا وكيف ومتى. غير أنّ هذه القراءة لا ينبغي أن تُغري بالتأويل المفرط بحيث يتحول ابن رشد إلى صاحب “أسرار” نخبويّة مغلقة؛ فالرجل في نهاية الأمر واضحٌ في مقاصده الكبرى: يريد صون الحقيقة وصون الشرع وصون العقل من فساد الأدوات. وهذه الثلاثية هي التي تنتظم تحتها جميع تفصيلاته في البرهان والجدل والتأويل.

إنّ عبارة ديكارت الشهيرة: “لا يكفي أن يكون للمرء عقلٌ جيّد، بل المهم أن يحسن استعماله” تبدو على بُعد القرون كأنها تلخّص شيئا من الروح الرشدية وإن اختلفت الأنساق والسياقات. فالعقل عند ابن رشد ليس مجرد ملكةٍ مشتركة، بل هو ممارسةٌ منضبطةٌ بآلةٍ وقانون. ولهذا لم يكن البرهان عنده مجرّد فضيلةٍ ذهنية بل كان صناعةً لها شروطها، مقدماتٌ يقينية، ترتيبٌ صحيح، انتقالٌ مشروع وموضوعٌ قابلٌ لهذا النمط من النظر. أما الجدل فله شروط أخرى، وإذا استُعملت شروطه في مقام البرهان لم ينتج إلا التباسا مضاعفا. إنّ إعادة الاعتبار للبرهان في فكر ابن رشد ليست دعوةً إلى “عقلانية” عامة فضفاضة، بل إلى عقلانيةٍ منضبطةٍ بصرامةٍ إبستمولوجية.

إنّنا إذا أردنا أن نلج إلى صميم المشروع الرشدي في هذا الباب وجب علينا أن نتحرر من ثنائيةٍ شائعةٍ لكنها مضللة: ثنائية “الفلسفة ضد الدين” أو “العقل ضد النقل”. فابن رشد في حقيقة أمره لا يبني هذه الثنائية بل يتجاوزها عبر بناءٍ أكثر تعقيدا: “البرهان ضدّ التوهم”، “الجدل المشروع ضدّ الجدل المتضخم”، “التأويل المنضبط ضدّ العبث التأويلي”، “تعدّد طرائق التعليم مع وحدة الحقيقة”. ويترتب عن هذا أهمية إعادة قراءة تراتبية أنماط الخطاب المعرفي عنده؛ لأنّها تسمح لنا بفهم ابن رشد لا بوصفه مجرد مدافعٍ عن الفلسفة، بل بوصفه ناقدا راديكاليا لاضطراب المجال المعرفي، ومؤسسا لنوعٍ من الهندسة الدقيقة للقول الحق.

إنّ التوغّل في صميم المشروع الرشدي في مسألة البرهان والجدل يقتضي أن ننتقل من مستوى التقديم العام إلى مستوى البنية الداخلية التي ينتظم بها هذا المشروع، لأنّ ابن رشد لا يكتفي بإعلان تفضيل البرهان على الجدل، ولا يكتفي بالتصريح بأنّ الفلسفة أليق بطلب اليقين من علم الكلام، بل ينسج من وراء ذلك نظاما دقيقا من التراتب المعرفي، تتداخل فيه مبادئ المنطق الأرسطي ومقتضيات النظر الشرعي وأخلاق التعليم وحدود التأويل ووظائف الخطاب في الاجتماع الإنساني. وهذا ما يجعل مسألة البرهان والجدل عنده أقرب إلى أن تكون “نظريةً في انتظام الحقيقة” منها إلى مجرد مفاضلةٍ مدرسية بين صناعتين منطقيتين. فالحقيقة في المنظور الرشدي لا تُنال على وتيرة واحدة ولا تُلقى إلى الناس على صورة واحدة ولا تُدار في المدينة بالوسائل نفسها التي تُدار بها في حلقة البرهان. إنّ التراتبية ليست زينةً تصنيفية، بل هي ضرورةٌ أنطولوجية وإبستمولوجية وسياسية في آنٍ معا.

لقد استوعب ابن رشد الإرث الأرسطي في تقسيم الصناعات القولية استيعابا عميقا، ولم يتعامل معه تعامُل الشارح الذي يفسّر نصا سابقا وحسب، بل تعامل معه تعامُل المفكر الذي ينقل منطقا من بيئةٍ إلى بيئة ويختبر قابليته لإعادة التنظيم داخل فضاءٍ مغاير. فالبرهان في أصله الأرسطي صناعةٌ تؤدي إلى العلم، والعلم إنما هو معرفة الشيء بأسبابه على وجه الضرورة، ولذلك لا بدّ أن تكون مقدماته يقينية أولية أو راجعةً إلى أوليات ضرورية أو أكثرية لا من جهة الظنّ بل من جهة الثبات في طبيعة الموضوع. أمّا الجدل فهو صناعةٌ تقوم على المشهورات والمسلّمات، غايتها الامتحان والإلزام والمناقشة، ولا تُنتج في ذاتها يقينا، بل ترجيحا أو إلزاما بحسب ما يسلّم به الخصم. وأما الخطابة فهي أداة الإقناع العملي التي تعتمد على المقبولات العامة والصور المؤثرة. لكن ابن رشد حين يُدخل هذه الصناعات إلى الفضاء الإسلامي لا يجعلها مجرد تقسيمٍ مدرسي بل يجعلها أداةً لفهم أنماط الاستدلال في العلوم الشرعية ذاتها ووسيلةً لتمييز الصحيح من الفاسد في الممارسة الكلامية والفقهية والفلسفية.

وتظهر هنا قوة الحسّ المنهجي عنده؛ لأنّه لا ينظر إلى البرهان باعتباره فقط صناعةً أرسطيةً يونانية، بل باعتباره أكمل صورةٍ للنظر العقلي الذي أذن به الشرع بل دعا إليه. إنّ البرهان عنده لا يكتسب شرعيته من أرسطو بل من كونه أتمّ أدوات العقل في إدراك الموجودات على ما هي عليه، والشرع إنما حثّ على النظر في الموجودات من حيث دلالتها على الصانع. إنّ الاستفادة من المنطق ليست اقتباسا أجنبيا بالمعنى الثقافي الضيق، وإنما هي استعمالٌ لآلةٍ إنسانية كونية، تماما كما أنّ الفقهاء يستعملون اللغة والنحو والأصول بوصفها آلاتٍ لفهم النصوص. ولهذا كان ابن رشد شديد الوضوح حين اعتبر أنّ من منع النظر في كتب القدماء النافعة لأجل صدور بعض الضرر عن بعض الناظرين فيها يشبه من يمنع العطشان من الماء البارد لأنّ قوما شرقوا به. وهذه العبارة ليست مجرد دفاعٍ بلاغي عن الفلسفة بل إعلانٌ عن مبدأٍ منهجي، قيمة الآلة تُقاس بوجهها الصحيح لا بسوء استعمال بعض الناس لها.

وتتضح طبيعة اعتراضه على المتكلمين هنا، حيث إنّه لا يعترض على أنهم استعملوا العقل بل على نوع العقل الذي استعملوه وعلى رتبة المقدمات التي بنوا عليها وعلى ادعائهم من النتائج ما لا تسعفه مقدماتهم. فالمتكلم في أغلب صورته التي ينتقدها ابن رشد لا ينطلق من مقدماتٍ برهانية بل من مشهوراتٍ مذهبية أو مسلّماتٍ سجالية أو تقسيماتٍ ذهنية وُضعت أصلا لردّ الخصوم، ثم يُرتّب عليها نتائج يدّعي لها القطع. وبهذا يتحوّل الجدل إلى برهانٍ مزيّف أو إلى ما يمكن أن نسميه “يقينا جدليا متوهَّما”، وهو أخطر من الشكّ الصريح؛ لأنّ صاحبه يظنّ نفسه قد بلغ غاية العلم، فلا يطلب مزيدا من التمحيص. وقد كان ابن رشد يدرك أنّ أعظم الأخطار المعرفية ليست في الجهل البسيط بل في الجهل المركب الذي يلبس لباس العلم.

ولهذا فإنّ نقده لطرائق المتكلمين في إثبات الصانع وفي بناء العقائد وفي تقرير الصفات لا ينطلق فقط من اختلافٍ في النتائج بل من اختلافٍ في تصور ماهية الدليل نفسه. ففي “الكشف عن مناهج الأدلة” يسعى إلى بيان أنّ الطرق التي اعتمدها كثيرٌ من المتكلمين في تقرير العقائد ليست هي الطرق القرآنية وأنّ القرآن لا يُلزم الناس بمسالك تجريدية متكلّفة من قبيل دليل الجوهر الفرد أو امتناع حوادث لا أول لها أو غير ذلك من الأدلة التي تحوّلت إلى تراثٍ كلاميٍّ مدرسي. إنه يرى أنّ هذه الأدلة وإن أفادت بعض المتدرّبين في مجال الجدل فإنها ليست أنسب الأدلة لا للعامة ولا حتى لكثيرٍ من الخاصة، لأنّها لا تتأسس على ما هو بيّنٌ بالطبع ولا على ما هو أقرب إلى الفطرة الإنسانية في الاستدلال. وهنا يبرز تمييزه الدقيق بين “القوة الإلزامية” و”القوة الكشفية” ، فقد يكون الدليل ملزما في مقام الجدل، لكنه غير كاشفٍ في مقام الحقيقة وقد يكون صالحا لإفحام الخصم لكنه غير صالحٍ لبناء يقينٍ راسخ في النفس.

وهذا من أعمق أبعاد المشروع الرشدي؛ لأنّه يُذكّرنا بأنّ كل خطابٍ ينجح في إسكات الخصم ليس بالضرورة خطابا ينجح في تأسيس العلم. لقد انتبه ابن رشد مبكرا إلى هذا الفرق وهو فرقٌ يكاد يضيع في كثيرٍ من المناظرات الدينية والفكرية حين تختلط وظيفة “الانتصار” بوظيفة “الإبانة”. ومن هنا كان يُلحّ على أنّ الجدل له مقام، لكنه ليس مقام التعليم الأعلى. وقد سبق أرسطو إلى القول إنّ الجدل نافعٌ في التمرين وفي المحاورة وفي النظر في المبادئ، لكنّه ليس بديلاً عن البرهان في العلوم. غير أنّ ابن رشد أعاد لهذه الفكرة صرامتها داخل السياق الإسلامي حيث كان علم الكلام قد اكتسب سلطةً واسعة وصار يُقدَّم في كثيرٍ من الأحيان بوصفه الطريق الأوحد أو الأرفع في تقرير العقائد. فكان لا بدّ من زحزحة هذه المركزية الجدلية وردّها إلى حدودها الطبيعية.

على أنّ موقفه من الجدل لا ينبغي أن يُفهم على أنّه إلغاءٌ لوظيفته لأنّ الجدل في التصور الرشدي يظلّ ضروريّا من جهاتٍ عديدة. فهو ضروريٌّ في مقام المناظرة مع الخصوم الذين لا يسلّمون بالمقدمات البرهانية أو لا يحسنون فهمها؛ وهو ضروريٌّ في مقام التعليم التمهيدي إذ قد يحتاج المتعلم إلى التدرج من المشهور إلى اليقين؛ وهو ضروريٌّ في مقام حفظ النظام العام حين لا يمكن للمدينة أن تُدار كلها بلسان الفلسفة. لكن الضرورة هنا ليست مساواةً في الرتبة. إنّ ابن رشد لا يحطّ من قيمة الجدل من حيث الحاجة وإنما يحطّ من دعواه إذا تجاوز حدّه. وهذه نقطةٌ لا بدّ من التشديد عليها، لأنّ كثيرا من القراءات المعاصرة تجعل الرشدية وكأنها استبعادٌ لكلّ ما ليس برهانا، والحال أنّ نصوصه نفسها تقيم نوعا من الاقتصاد المعرفي الذي يوزّع الوظائف بدل أن ينسفها.

ومن هذا الاقتصاد المعرفي تتولّد مسألة التأويل وهي من أخطر المسائل في النسق الرشدي، بل لعلّها الحلقة التي تتجلّى فيها بأوضح صورةٍ علاقة البرهان بالجدل والخطابة. فابن رشد حين يقرّر أنّ النصوص الشرعية قد يرد فيها ما يقتضي ظاهره معنىً يخالف ما انتهى إليه البرهان القطعي، لا يرى في ذلك تناقضا حقيقيا، لأنّ الحق لا يضاد الحق. ومن ثمّ فإنّ الواجب هو حمل اللفظ على معنىً تأويليٍّ سائغ إذا كان اللسان العربي يحتمله وكان المقام يقتضيه. لكن هذا التأويل ليس مباحا على الإطلاق ولا يُذاع لكل أحد ولا يتحوّل إلى سوقٍ مفتوحٍ للتأويلات المتنازعة. إنّه عملٌ خاصّ بأهل البرهان الذين جمعوا بين العلم بالشريعة والعلم بقوانين النظر. وهنا تكتسب التراتبية الخطابية وظيفتها القصوى، فالنص الواحد قد يُتلقى خطابيا عند الجمهور وجدليا عند المتكلم وبرهانيا عند الفيلسوف دون أن يعني ذلك تعدّد الحقيقة في ذاتها، بل تعدّد سبل تمثّلها.

ولعلّ هذه النقطة هي أكثر نقاط الرشدية إثارةً للجدل في القديم والحديث. فقد رأى فيها بعضهم تأسيسا لازدواجية الحقيقة، أو على الأقل لإمكانية عيش المعنى على مستويين: مستوى ظاهرٍ للعامة ومستوى أعمق للخاصة. لكن هذا الفهم وإن كان قد راج في بعض القراءات اللاتينية الوسيطة لا يعبّر بدقة عن النص الرشدي. فابن رشد لا يقول بحقيقتين متناقضتين بل بحقيقةٍ واحدة تتفاوت طرائق عرضها وفهمها، والفرق بين الأمرين جوهري. إنّ الازدواجية تفترض إمكان صدق النقيضين في مستويين مختلفين، أما الرشدية فتفترض أنّ الظاهر إذا تعارض مع القطعي البرهاني وجب حمله على معنى يرفع التعارض. إنّها وحدةٌ في الحقيقة لا ثنائية. لكن هذه الوحدة نفسها تحتاج إلى هندسةٍ تداولية دقيقة، وإلا تحولت إلى فوضى تأويلية أو إلى باطنية منفلتة.

وقد كان ابن رشد شديد التحفّظ على إشاعة التأويلات البرهانية بين الجمهور. وهو تحفّظٌ لا يصدر عن احتقارٍ للعامة كما يتوهّم بعض المعاصرين، بل عن إدراكٍ لطبيعة الخطاب الديني في الاجتماع البشري. فالعامة لا تنتظم حياتهم الأخلاقية والعبادية والسياسية على المجردات العقلية، بل على الصور القريبة والتمثيلات المؤثرة والمواعظ البليغة والظواهر الواضحة. وإذا كُشفت لهم تأويلاتٌ لا يحسنون حملها، اختلّ في نفوسهم معنى النص وربما سقطوا بين شكٍّ بلا آلة أو إنكارٍ بلا علم أو تأويلٍ بلا ضابط. ولذلك كان كتمان بعض التأويلات عنده نوعا من السياسة التعليمية لا نوعا من الكهانة المعرفية. وقد أشار أبو حامد الغزالي نفسه على الرغم من خصومته الشهيرة مع الفلاسفة إلى شيءٍ قريب من هذا حين فرّق بين ما يجوز أن يُذكر للعامة وما ينبغي أن يُحفظ للخاصة. غير أنّ الفرق بين الرجلين أنّ الغزالي يوسّع دائرة الكشف الروحي والذوقي، بينما ابن رشد يضيّقها إلى ما يثبته البرهان المنضبط.

وإذا استحضرنا هنا الفارابي وجدنا أنّ ابن رشد يقف على مسافةٍ منه ومعه في الآن نفسه. فالفارابي كان قد بنى نظريةً متكاملة في علاقة الفلسفة بالمِلّة ورأى أنّ الملة الفاضلة تمثيلٌ تخييلي للحقائق الفلسفية وأنّ رئيس المدينة يجمع بين الحكمة والقدرة على التخييل السياسي والديني. لكن ابن رشد وإن استفاد ضمنا من هذا الأفق لا يذيب الشريعة في مجرد “تمثيل” للفلسفة كما قد يُفهم من بعض الصياغات الفارابية، بل يُبقي للنص الشرعي سلطته ومقصديته ويرى أنّه حقٌّ من عند الله وأنّ البرهان لا يكشف عن بديلٍ له بل عن باطنه الموافق للحق. فالعلاقة بين الفلسفة والشريعة عنده ليست علاقة أصلٍ وصورةٍ على نحوٍ تبسيطي، بل علاقة تواشجٍ بين مصدرين للحقيقة، الوحي من جهة والنظر البرهاني من جهة على قاعدة امتناع التضاد بينهما. ولذلك فإنّ تراتبية أنماط الخطاب عنده لا تُفهم إلا إذا وُضعت ضمن هذه الثنائية المتكاملة، ثنائية المصدر ووحدة الحقيقة. فالشريعة تخاطب الناس جميعا ومن طبيعتها أن تستوعب التفاوت البشري، ولذلك تشتمل على الظاهر الذي ينتفع به الجمهور وعلى الإشارات التي ينتفع بها أهل النظر وعلى ما يثير الخيال الصالح للعمل وعلى ما يدعو العقل إلى الاعتبار. أما البرهان فهو طريق الخاصة إلى التحقق العلمي بما تشير إليه النصوص على وجهٍ أتمّ. وأما الجدل فهو أداةٌ وسطى تصلح للمحاجة والتمرين والدفاع، لكنها لا ينبغي أن تُحتلّ بها ساحة اليقين. إنّ ابن رشد يعيد بناء هرمٍ معرفيٍّ كامل، في قمته البرهان وفي وسطه الجدل وفي قاعدته الخطابة والتخييل مع بقاء التداخل الوظيفي حيث تقتضيه الحاجة لا حيث يفضي إلى خلط الرتب.

وهذا الهرم لا يخصّ العقائد وحدها بل يمتدّ إلى صورة الإنسان العالم في الحضارة الإسلامية. فالعالم في التصور الرشدي ليس من يكثر الحفظ أو يشتدّ الجدل أو يحسن السجال، بل من يعرف رتبة قوله وحدود آلته. ولعلّ هذا من أرقى أشكال التواضع المعرفي. إنّ الفقيه الذي يقرّ بحدود الفقه في مسائل الوجود الكلي والمتكلم الذي يقرّ بحدود الجدل في إنتاج اليقين والفيلسوف الذي يقرّ بحاجة المدينة إلى الخطابة والتمثيل، كلهم أقرب إلى الحكمة من أولئك الذين يمدّون صناعاتهم إلى ما وراء طورها. وقد عبّر باسكال في سياقٍ مسيحيٍّ مختلف عن شيءٍ قريب حين قال إنّ “الهندسة” لا تصلح لكلّ شيء وإنّ “روح الهندسة” و”روح الفطنة” متمايزتان. غير أنّ ابن رشد يذهب أبعد من ذلك، ليس فقط لكلّ مجالٍ روحه بل لكلّ مجالٍ خطابه وفساد العالم يبدأ من ادّعاء خطابٍ ما أنّه كافٍ وحده لكلّ شيء. ويمكن أن نفهم انطلاقا من هذا الأساس أيضا العلاقة المعقدة بين الفقه والبرهان عند ابن رشد. فهو قاضٍ مالكيّ وصاحب “بداية المجتهد”، أي إنه ليس فيلسوفا منفصلا عن الصناعة الفقهية. لكنّ تجربته الفقهية نفسها تزيده وعيا بحدود الخطاب الفقهي. فالفقه في جانبٍ كبيرٍ منه يشتغل في دائرة الظنّ الراجح والاجتهاد العملي وتنزيل الكليات على الجزئيات، لا في دائرة اليقين البرهاني المطلق كما في بعض العلوم النظرية. ولذلك لا يطلب منه ما يُطلب من البرهان الفلسفي في كلّ موضع. ومع ذلك فإنّ الفقيه يمكن أن يستفيد من صرامة البرهان في تنظيم الاستدلال ومنع المغالطة. وتبرز هنا إحدى خصائص العبقرية الرشدية، ليست الغاية عنده صبّ جميع العلوم في قالبٍ واحد، بل إعطاء كلّ علمٍ منطقه الداخلي مع الاستفادة من قانون العقل حيث يصلح.

وقد نبه الشاطبي بعده إلى معنى قريب حين جعل الشريعة مبنيةً على مقاصد كلية وعلى مراعاة فهم المكلّفين، وأنّ التكليف لا يُناط بما يخرج عن الوسع العام. فإذا أسقطنا هذا المعنى على الرشدية أمكننا القول إنّ ابن رشد يميّز بين “الحقيقة بما هي كذلك” و”الحقيقة بما ينبغي أن تُبلَّغ”. وهذه التفرقة ليست خيانةً للحقيقة، بل من صميم الحكمة في تبليغها. وقد عبّر ابن مسكويه من قبل عن فكرةٍ قريبة حين ربط الفضيلة بحسن التدبير لا بمجرد العلم النظري. فالبرهان مهما علت مرتبته لا يُغني وحده عن فقه المقامات وابن رشد يدرك ذلك جيدا. ولذلك فإنّ مشروعه ليس عقلانيةً مجردةً معلّقةً في الفراغ بل عقلانيةٌ مدنيةٌ واعيةٌ بشروط التداول.

وإذا جئنا إلى القراءات الحديثة لابن رشد وجدنا أنّ بعضها مع ما فيه من فضلٍ كبير، قد وقع في نوعٍ من التبسيط الأيديولوجي. فمحمد عابد الجابري في مشروعه النقدي المعروف رفع من شأن ابن رشد بوصفه الممثل الأصفى لـ”العقل البرهاني” في الثقافة العربية الإسلامية، وجعل الرشدية لحظةً حاسمة في الصراع بين البيان والعرفان والبرهان. ولا ريب أنّ في هذا التشخيص قدرا معتبرا من الصواب، خصوصا من جهة إبراز مركزية البرهان في النسق الرشدي. غير أنّ هذا التأطير إذا أُخذ على إطلاقه قد يحجب الوجه الآخر من الرشدية، أعني كونها ليست مجرد انتصارٍ للبرهان بل أيضا تنظيرٌ معقدٌ لعلاقة البرهان بسائر الخطابات وإقرارٌ بوظائفها وحدودها. فابن رشد ليس فيلسوف “القطيعة” التامة مع الجدل والخطابة بل فيلسوف “الترتيب” و”الضبط” و”التوزيع”.

أما طه عبد الرحمن فعلى الرغم من نقده العميق للمشاريع التي تعيد بناء العقل العربي على أساسٍ برهانيٍّ خالص، فإنّ اعتراضاته تظلّ نافعةً في تنبيهنا إلى أنّ العقل البرهاني ليس وحده مصدر المعنى في التجربة الإنسانية وأنّ الأخلاق والذوق والائتمان عناصر لا يجوز محوها باسم البرهنة. غير أنّ هذا النقد مع وجاهته في بعض أبعاده لا ينقض الرشدية بقدر ما يدعونا إلى إعادة فهمها في حدودها الصحيحة؛ لأنّ ابن رشد نفسه لم يكن يزعم أنّ البرهان يكفي لتدبير كلّ مجالات الوجود الإنساني على الصورة نفسها بل كان يصرّ على تعدد الخطابات مع وحدة الحقيقة. نعم، هو يمنح البرهان السيادة في مقام الكشف النظري لكنه لا يلغي الخطابة في مقام التبليغ ولا الجدل في مقام المحاجة ولا الفقه في مقام العمل. ومن ثمّ فإنّ القراءة الأكثر إنصافا له هي التي ترى فيه مفكرا للتراتبية لا مجرد داعيةٍ إلى أحادية البرهان.

إنّ الحاجة إلى ابن رشد اليوم لا تكمن في استعادته بوصفه رمزا تراثيا في مواجهة خصوم الحداثة ولا في جعله أيقونةً إيديولوجية للصراع بين “العقل” و”الظلام”، كما يفعل بعض الخطاب التبسيطي بل في استعادته بوصفه معلّما في الانضباط المعرفي. لقد صار عالمنا المعاصر على اتساع أدواته أشدّ عرضةً لالتباس الرتب: تُسوَّق الآراء الخطابية بوصفها حقائق علمية وتُبنى القناعات العامة على مؤثراتٍ نفسية لا على حجج، وتُقدَّم المناظرات الإعلامية على أنّها تفكير ويُخلط بين الإثارة والبرهنة وبين الجدل الشبكيّ والبحث المعرفيّ. وهنا يبدو ابن رشد معاصرا بصورةٍ لافتة، إنّه يذكّرنا بأنّ أول شرطٍ للسلامة الفكرية هو أن نعرف أيّ نوعٍ من الخطاب نستعمل وما الذي يمكن أن ينتجه وما الذي لا يحقّ له أن يدّعيه.

إنّ أخطر ما في الجدل قديما وحديثا ليس أنه ضعيفٌ فقط بل أنه قادرٌ على محاكاة البرهان في الصورة الخارجية. فهو يستعمل اللغة نفسها تقريبا ويعتمد المقدمات والنتائج ويستعير هيئة الاستدلال، لكنه يبقى قائما على مسلّماتٍ لم تُمحَّص أو على مشهوراتٍ لم تُرتّب في مقامها الصحيح. ولذلك فإنّ الوعي بالفرق بين البرهان والجدل ليس شأنا منطقيا تقنيا فحسب، بل هو تربيةٌ على النزاهة العقلية. إنّ الإنسان البرهاني في المعنى الرشدي ليس فقط من يقدر على إقامة الدليل بل من يترفّع عن ادّعاء اليقين حيث لا يملكه. وهذا خُلُقٌ علميٌّ نادر وربما هو ما نحتاجه اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى.

إنّ ابن رشد في معركته مع المتكلمين لم يكن يقاتل علم الكلام من حيث هو علم، بل كان يقاتل الاستحواذ الجدلي على مقام الحقيقة. وفي دفاعه عن الفلسفة لم يكن يطلب امتيازا طبقيا لفئةٍ من النظار، بل كان يطلب ردّ العلوم إلى قوانينها وإعادة توزيع الخطابات بحسب كفاياتها وصيانة الشريعة من عبث التأويل غير المنضبط وصيانة العقل من الغرور الذي يجعل كلّ من امتلك لسانا يظنّ نفسه قد امتلك البرهان حيث إنّ الرشدية ليست مجرد مذهبٍ فلسفيٍّ في تاريخ الإسلام بل هي درسٌ دائمٌ في أخلاق المعرفة وفي عدالة المناهج وفي حكمة القول.

إنّ البرهان والجدل في منهج ابن رشد ليسا ضدّين ميتافيزيقيين متناحرين على نحوٍ ساذج، بل هما مستويان في هندسة العقل يتكاملان حين يعرف كلٌّ منهما حدّه ويتصارعان حين يدّعي الأدنى مقام الأعلى. فالبرهان هو أفق الكشف اليقيني والجَدل هو أداة المحاورة والامتحان والدفاع، والخطابة هي وسيلة التبليغ العمومي والتربية المدنية والدينية. وإذا اختلّ هذا النسق اختلّ معه نظام الحقيقة في الثقافة. وحينئذٍ لا تعود المشكلة في مضمون الآراء فحسب بل في فساد البنية التي تُنتجها. وهذا بالضبط ما تنبّه له ابن رشد في لحظةٍ حرجةٍ من تاريخ الفكر الإسلامي حين رأى أنّ كثيرا من النزاعات لم تكن ناشئةً فقط عن اختلافاتٍ في العقائد بل عن سوء فهمٍ لطبيعة الدليل وسوء استعمالٍ لأدوات القول وخلطٍ بين ما يُقصد به التعليم وما يُقصد به الإلزام وبين ما يُطلب فيه اليقين وما يُكتفى فيه بالترجيح.

إنّ إعادة قراءة تراتبية أنماط الخطاب المعرفي عند ابن رشد لا تعني فقط أن نعيد الاعتبار للبرهان، بل أن نعيد بناء حسّنا المنهجي كله. أن نتعلم كيف نفرّق بين ما يثبت وما يُقنع، بين ما يكشف وما يحرّك، بين ما يُعلِّم وما يُغالِب، بين الحقيقة بوصفها موضوعا للعلم والحقيقة بوصفها موضوعا للتبليغ. وهذه التفرقة ليست ترفا فلسفيا، بل هي من شروط نضج الحضارات. فالحضارة التي تخلط بين الموعظة والبرهان وبين الحماسة والحجة وبين الجدل والعلم لا تلبث أن تستبدل التفكير بالاصطفاف والبحث بالتحشيد والمعرفة بالضجيج. لقد أراد ابن رشد أن يقول لنا بلغة عصره، إنّ الحقيقة لا تُهان فقط حين تُنكر بل تُهان أيضا حين يُتكلّم فيها بغير أهلية أو تُحمَل على غير قوانينها أو تُبذل في غير مقامها. وهذا هو المعنى الأعمق لتراتبية الخطاب عنده. إنّها ليست تقسيما للعقول بقدر ما هي حمايةٌ للحقيقة من الفوضى. وفي هذا تكمن حداثته الفعلية، لا في كونه “عقلانيا” بالمفهوم الشائع بل في كونه فيلسوفا للحدود، للرتب، للمقامات وللتمييزات الدقيقة التي بدونها لا يستقيم علم ولا يستقيم دين ولا تستقيم مدينة. وإذا كان بعض فلاسفة الحداثة قد جعلوا من النقد وظيفة العقل الأساسية، فإنّ ابن رشد سبق في مجاله الخاص إلى ممارسة نوعٍ رفيعٍ من النقد، نقد الأدوات قبل نقد النتائج، نقد مناهج الاستدلال قبل منازعة المقولات، نقد فساد الترتيب قبل فساد المضمون. ولهذا ظلّ حيا في الفكر الإنساني لا لأنّه قال كلّ شيء، بل لأنّه علّمنا كيف ينبغي أن يُقال الشيء وبأيّ آلة وفي أيّ مقام ولأيّ مخاطب. وهذا هو جوهر الفلسفة حين تبلغ رشدها، أن تكون بحثا عن الحقيقة وتربيةً على شروطها في الآن نفسه.

***

د. حمزة مولخنيف

مقدمة في فلسفة المبادئ العامة للقانون: القانون وعاء القيم، بمعنى انه يقوم على جملة من المثل الاخلاقية والاقتصادية والسياسية والواقعية التي تلبي حاجات مجتمع ما في مكان وزمان معينين، إلا ان للقيم حسب الاصل صبغة انسانية عامة فقيم مثل العدالة والحرية والمساواة، هي افكار انسانية لا يختص بها مجتمع دون آخر.

فقد تناولت الشرائع القديمة ومن ثم الفلسفات الاغريقية ومن ثم الرومانية والشريعة الاسلامية بحث ودراسة هذه القيم متفقة على قواعد جوهرية تحكمها وإن وقع الخلاف في تحديد مدياتها وآثارها بالنظر إلى الطبيعية الاجتماعية والسياسية لكل مجتمع، فجوهر العدالة، على سبيل المثال واحد ولكن مضمونها قد يتغير نسبياً بإختلاف ظروف الزمان والمكان.

وإذا كان لكل علم من العلوم الطبيعية او الإنسانية ثوابت او بديهيات تكون بمثابة الأساس الذي تستند عليه مجمل معطيات ذلك العلم وهي نقطة انطلاق في البحث وإيجاد الحلول للإشكاليات التي يعنى بها ذلك العلم، وإذا كان لعلوم مثل الرياضيات والهندسة والفيزياء والكيمياء... وغيرها من العلوم الطبيعية ثوابت وبديهيات ثابتة ومطلقة لا تتغير، فان لعلم القانون ثوابته مع الفارق المستمد من إختلاف طبيعة كل منهما ذلك ان بديهيات القانون قابلة للتطور وتحكمها عوامل النسبية ومتطلبات مواكبة الحياة المعاصرة فهي ثابتة من حيث الفكرة الأساسية ولكنه ثبات نسبي من حيث المضمون.

وعلى هذا النهج استقرت في علم القانون مجموعة من المبادئ القانونية العامة العليا التي تستند عليها جل معطياته دونما حاجة لنص تشريعي ينص عليها لانها تستند إلى معطيات العقل والمنطق وضرورات الحياة الاجتماعية في بعض الاحيان.

وإذا كانت التشريعات الوضعية عموماً تشير إلى هذه القيم، فانها تشير اليها بشكل مجرد دون تفسير أو تعريف أو دون الاشارة إلى مضمونها وآثارها، لان التفسير والتعريف وتحديد الآثار المترتبة عليها هو من عمل الفقه والقضاء.

اولاً- تعريف المبادئ العامة للقانون:

رغم اقرار جميع فقهاء القانون بالاهمية الكبرى لمبادئ القانون العامة باعتبارها تعبر عن حيوية النظام القانوني وأداة من ادوات تنميته وتطويره، فانه لايوجد اتفاق فقهي على تحديد المقصود منها.

ويذهب رأي الى ان المبدأ العام هو قاعدة القواعد القانونية، بمعنى قابلته على الانطباق على قواعد قانونية اخرى بحيث تكون الاخيرة تطبيقاً للمبدأ العام، واذا اخذنا المبدأ العام على هذا المعنى، فانها يصبح فكرة فنية المقصود منها وضع بناء منطقي متماسك للقواعد القانونية.

وعرفها الفقيه بيسكاتوري بأنها، مجموعة من المبادئ التي تستخدم في توجيه النظام القانوني، من حيث تطبيقه وتنميته، ولو لم يكن لها دقة القواعد القانونية الوضعية وانضباطها.

ونبه الفقيه ريبير الى ضرورة تحاشي تعريف المبادئ العامة للقانون، وهو يعتقد ان المبادئ العامة يمكن التعرف عليها عندما تقع مخالفة لها، فلئن كان من الصعب تعريف المبدأ الاساس في احترام الملكية الخاصة، الا انه يمكن التعرف على المبدأ عند مصادرة الملكية دون مقابل وبطريقة تحكمية.

ثانياً-أهمية المبادئ العامة للقانون:

من الواضح أن المبـادئ العـامة للقـانون قواعد غير مكتوبة حسب الأصل وان من أنشأها هو القضاء وخاصة قضاء مجلس الدولة الفرنسي وواكبه في ذلك مجلس الدولة المصري الذي أنُشيء عام 1946 على غرار مجلس الدولة الفرنسي، إلا ان الفقه يكاد يجمع على أنها قواعد أساسية وجوهرية لا يمكن ان يخلو منها أي نظام قانوني، بمعنى أنها تكاد تفوق أهميتها الموضوعية أهمية القواعد المكتوبة.

ولذلك يصفها مفوض الحكومة ليتورنيه بأنها (مبادئ كبرى)، ويرى الفقيه جان ريفيرو انها (تمثل الفلسفة السياسية للأمة). ويرى جوبتير شوديه ان هذه النظرية تمثل (جرأة مجلس الدولة الفرنسي وقدرته على الخلق والإبداع من اجل الاضطلاع بمهمته وأداء واجبه في حماية الحقوق والحريات). ويعتقد الفقيه لافريه أن المبادئ العامة للقانون تعالج صمت النصوص القانونية وغموضها وتسد مسد التقنين في القانون المدني والتجاري وتعتمد على المبادئ العامة للعدالة والمساواة. وعلى النحو تتمثل أهمية المبادئ العامة للقانون بإعتبارها مصدراً من مصادر القانون، في مجموعة قواعد قانونـية يكشف عنها القضاء من المعتقدات الراسخة في ضمير الامة، وطبيعة النظام القانوني في الدولة وروح التشريعات المختلفة وحكمة التشريع، ومن ثم تعد المبادئ العامة للقانون بمثابة تفسير من جانب القضاء للضمير العام ولإرادة المشرع.

ثالثاً- مضمون المبادئ العامة للقانون:

المبادئ القانونية، اما ان تكون مكتوبة او غير مكتوبة.

والمبادئ القانونية غير المكتوبة، انما تستقر في ذهن وضمير الجماعة، تمليها العدالة المثلى وهي تستند الى المنطق والعقل والحدس وطبيعة الاشياء وقواعد العدالة والاخلاق ولاتحتاج الى نص يقررها ويمكن ان تستمد منها قواعد قانونية ملزمة يتعين الخضوع لها، يعمل القاضي على الكشف عنها وتقريرها مستلهماَ اياها من روح التشريع، فيعلنها من خلال احكامه معطياً اياها القوة الالزامية. ومن ثم يتعين على الادارة احترامها والالتزام بها، ويعد كل تصرف مخالف لها معيباً بعيب مخالفة القانون.

وكثيرا من مبادئ القانون العامة تحولت الى قواعد قانونية مكتوبة عندما يتبناها المشرع وهو بصدد سن التشريعات المختلفة.

ويتنوع مضمون المبادئ العامة بحسب طبيعة المجال القانوني الذي تعمل فيه، الا انه يمكن ارجاعها من حيث اساسها وجوهرها الى مبدأين اساسيين هما مبدأ الحريــة ومبدأ المســـاواة.

ويمكن ان ترجع المبادىء الاتية الى مبدأ الحريـة:

ـ مبدأ لاجريمة ولا عقوبة الا بنص (مبدأ الشرعية الجنائية).

ـ مبدأ حرية العقيدة والارادة (من أهم مخرجات الثورات الكبرى في التاريخ ومنها الثورة الفرنسية 1789).

ـ مبدأ ان الاصل براءة الذمة، (ويتفرع عنه مبدأ ان المتهم بريء حتى تثبت ادانته في محاكمة

عادلة).

ـ مبدأ احترام الحقوق المكتسبة.

ويتفرع منه احترام الحقوق التقاعدية وعدم الانتقاص منها بعد اقرارها، ونظام التقادم المكسب...

أصبح مبدأ الحقوق المكتسبة ركيزة أساسية في القانون الحديث، إذ يجسد حماية الحقوق القائمة في مواجهة التغيرات التشريعية. واقرار مبدأ اليقين القانوني ومبدأ امن وإستقرار المجتمع.

وقد ساهم القضاء حول العالم في الحفاظ على توازن دقيق ببن الحقوق العامة والخاصة، برفض التدابير التشريعية المفرطة في التدخل التي من شأنها تقويض ثقة المواطنين المشروعة في حقوقهم.

(وفي القانون الدولي جاء ذكرها في قرار محكمة العدل الدولية الدائمة سنة ١٩٢٦ في قضية المصالح الالمانية في سليسيا العليا البولونية)،

مبدأ عدم جواز ان يكون الشخص قاضياً وخصماً في نفس الوقت (الوارد ذكره في قضية الموصل).

ـ مبدأ عدم رجعية القرارات الادارية.

ـ الملكية الخاصة والحرية الفردية مكفولتان في حدود القانون.

ـ مبدأ اتاحة دعوى قضائية لكل من تضررت مصالحه نتيجة قرار اداري معيب.

ـ مبدأ خضوع كل سلطة ادارية للرقابة، ويتفرع عنه مسؤولية الوزير امام البرلمان.

ـ مبدأ ان لا تقييد للحريات العامة الا بقانون.

ـ مبدأ حق الدفاع في المحاكمات التأديبية.

ـ مبدأ ضرورة سير المرفق العام بانتظام.

ـ مبدأ بطلان التصرفات نتيجة الاكراه.

ـ مبدأ عدم جواز الالتزامات المؤبدة.

ـ مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق.

ويمكن ان ترجع القواعد التالية الى مبدأ المساواة :

ـ مبدأ مساواة المواطنين امام القانون.

ـ مبدأ المساواة بين الجنسين في الوظائف العامة.

ـ مبدأ المساواة في تحمل التكاليف والاعباء العامة.ويترتب عليه تعويض كل مواطن تضررت امواله بسبب الاجراءات الحكومية كالاعمال الحربية واجراءات فرض القانون، لان تحمل جزء من المواطنين الاضرار دون غيرهم يخل بمبدأ المساواة.

ـ مبدأ مساواة المواطنين في الانتفاع من المرافق العامة.

ـ مبدأ المساواة في مباشرة الاعمال الاقتصادية.

ـ مبدأ المساواة في الضريبة.

ـ مبدأ المساواة في المعاملة.

ـ مبدأ حق الحياة لكل فرد.

ـ مبدأ تغير الاحكام بتغير الازمان.

ـ مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون.

ـ مبدأ تفوق المعاهدة الدولية على القانون الداخلي.

ـ مبدأ ان الغلط الشائع يقوم مقام القانون.

وما ذكر في اعلاه من مبادئ قانونية عامة، هو على سبيل المثال لا الحصر، حيث لا يمكن حصر المبادئ العامة في اطار حدود معينة، لانها قابلة للخلق والتطور بمرور الزمن.

رابعاً- مصادر المبادئ العامة للقانون:

كان للفلسفة الاغريقية ومن ثم الفقه القانوني الروماني دور بارز في تعميم فكرة المبادئ العامة للقانون مثل مبدأ (الافراط في التطبيق الحرفي للقانون اغراق في الظلم) ومعنى ذلك انه اذا ادى تطبيق القانون حرفيا الى الحرج والعسر والقسوة فيصار الى تطبيقه بشيء من المرونة والرحمة باستيحاء الحكم من روح القانون لا من مفهومه الحرفي. وكان البريتور الروماني يطور احكام القانون من خلال ما يعرف بالمنشور البريتوري الذي يتضمن المبادئ والقواعد التي سيتبناها اثناء ممارسته لمنصبه القضائي، وجاء في منشور لبريتور من العصر الذهبي للقانون الروماني وهو العصر العلمي (130ق.م 284م) مانصه (لن اعتبر صحيحا ماتم تحت الرهبة) ومعيار الرهبة عند البريتور، هو معيار الشخص الثابت الجنان، اي ان من شأن الرهبة ان تدخل الروع في قلب القوي، فلا يحمي البريتور الجبان. واذا كان القانون الروماني قد بدأ قانوناً شكلياً فان دور الارادة بدأ يغزو القانون الرومانى منذ العصر العلمى بانفتاح المجتمع الرومانى على الخارج ودور الأجانب فى الأسواق المالية الرومانية وظهور قانون الشعوب وتأثر الرومان به مع الأجانب وكذلك الدور الرائد والإيجابى الذى قامت به الفلسفة اليونانية فى المجتمع والقانون الرومانى وانتقلت به الى آفاق أكثر إنسانية وجاءت بأحكام وقواعد ومبادئ قانونية وعلى رأسها جميعا، مبدأ دور الإرادة فى إبرام التصرفات القانونية من حيث إنشاء العقد وترتيب الآثار عليه، مبدأ حسن النية، مبدأ الوفاء بالعهد واحترام الكلمة المعطاة " وبفضل هذه الفلسفة فُتحت صفحة جديدة فى القانون الرومانى ليصبح فى النهاية قانوناً عالمياً.

هذه المبادئ التي تكونت وترسخت في الاحكام القضائية بمرور الزمن، جمعت وهذبت من قبل الامبراطور الروماني جستنيان (482 – 565) ميلادية، وعرفت هذه باسم مدونة جستنيان في الفقه الروماني او (مدونة القانون المدني) وهو الاسم المعاصر للمدونة، والتي حفظت القوانين ومبادئ الاحكام القضائية الرومانية والتي اصبحت فيما بعد مصدراً للقواعد القانونية الاساسية في اوربا وخاصة فرنسا والتي انتقلت من خلاله الى القوانين العربية مثل مصر ثم العراق وغالبية البلدان العربية التي تتبع النظام القانوني اللاتيني، وصُدِّر الامبراطور قانونه المدني بهذه العبارة: (إلى الشبان الراغبين في دراسة القانون: يجب أن يسلح جلالة الإمبراطور بالقانون كما يجب أن يعلو مجده بقوة السلاح، حتى يسود بذلك الحكم الصالح في الحرب والسلم على السواء، وحتى يتبين للناس أن الحاكم... لا تقل عنايته بالعدالة عن عنايته بالنصر على أعدائه). ولازالت هذه المدونة إلى اليوم مرجعاً مهماً للباحثين والفقهاء والقضاة في انحاء المعمورة خاصة في الدول التي تتبع النظام القانوني اللاتيني بهدف التعرف على أصل كثير من المبادئ والقيم القانونية، وقد تضمنت المدونة مفاهيم اساسية حول العدالة والمساواة والحرية والتعاقد وغيرها، فقد ورد في هذه المدونة على سبيل المثال تعريف العدل بانه (العــدل هو حمل النفس على إيتاء كل ذي حـق حقـه والتزام ذلـك عـلى وجـه الـدوام والاسـتمرار). في نطاق المساواة جاء في مدونة جستنيان مبدأ (مساواة غير المتساويين ظلم فاحش). وفي نطاق العقد جاء في المدونة اشارة الى السبب العقدي تمثلت بمقولة (الباعث الكاذب لا اثر له في قيام العقد).

وفي العصور الحديثة يرجع الفضل في كشف واستنباط المبادئ العامة للقانون الى مجلس الدولة الفرنسي من خلال ما اصدره من احكام منذ انهيار الجمهورية الثالثة وهزيمة فرنسا في الحرب العالمية الاولى وسقوط دستورها، وما رافق ذلك من اعتداء وتجاوز على الحريات العامة، فتدخل مجلس الدولة للذود عنها من خلال نظريته في مبادئ القانون العامة ليحلها محل الدستور، تلك المبادئ التي رأى المجلس انها استقرت في ضمير الجماعة وتبقى قائمة فيه على الرغم من سقوط النظم او الوثائق الدستورية التي تقررها.

ومن الميزات الأساسية للمبادئ العامة للقانون أنها حسب الأصل، لا تستمد قوتها الإلزامية من نص تشريعي مكتوب وعلى هذا النحو فان مجلس الدولة الفرنسي يؤكد في كل مناسبة بان المبادئ العامة للقانون واجبة التطبيق بون حاجة لنص تشريعي يقررها.

خامساً- طرق استنباط المبادئ العامة للقانون:

حسب شراح القانون ورائدهم في ذلك الأستاذ ريفيرو ومن ثم الأستاذ جين في رسالته (المبادئ العامة والأحكام القضائية والإدارية) فان مجلس الدولة الفرنسي قد لجأ الى اربع طرق وهو يستنبط او يستخلص المبادئ العامة للقانون وهي:

1ـ استنباط المبدأ العام من جوهر النظام القانوني أو من طبيعة الأشياء أو متطلبات العدل والإنصاف والرحمة.

2ـ استنباط المبدأ العام من المعتقدات الراسخة في ضمير الامة. 3ـ استنباط المبدأ العام من روح نصوص قانونية معينة أو من مبادئ كانت سائدة في قوانين ملغية.

4ـ استنباط المبدأ من خلال تعميم نصوص تتعلق بحالات جزئية محددة.

ويرى الفقيه الفرنسي الاستاذ فالين ان مهمة القضاء هي استنباط هذه المبادئ من روح التشريع العام ومن الضمير العام للجماعة. ويرى الاستاذ سليم بطارسة ان هذه المبادئ تستنبط من روح التشريعات السابقة ومن ضمير الجماعة والظروف الموضوعية المحيطة. ويعطي الفقيه جان ريفيرو هذه المبادئ وظيفة سلوكية من حيث قدرة هذه المبادئ على طرح قواعد جديدة أو على الأقل افكار مرشدة جديدة. ففي قضية (دام بينت) استخلص مجلس الدولة الفرنسي ودون الاستناد الى نص قانوني محدد مبدأ قانونياً عاماً جديداً مفاده انه (لا يجوز فصل عاملة وهي حامل)، وهذا المبدأ يمكن تطبيقه على كل الموظفات. ولا شك ان العاملة الحامل تتحمل عبأً اجتماعياً اضافياً هو في النهاية يصب لصالح المجتمع ومن ثم ليس من العدالة بشيء ولا من طبيعة الامور (حماية النسل) فضلاً عن ان ضمير الجماعة لاشك سيتأثر بهذا الفصل في هذا الوقت بالذات (الحمل)، فإن ايجاد مثل هذا المبدأ يعد امراً ضرورياً وحاسماً ولو لم ينص عليه المشرع.

تصنيف الفقيه جان ريفيرو:

ويصنف جانب من الفقه ومنهم الفقيه جان ريفيرو المبادئ العامة للقانون حسب مصدرها وكيفية اشتقاقها على النحو التالي:

1ــ المبادئ المشتقة من روح الدستور:

وهي المبادئ التي تم اشتقاقها من الدساتير نفسها ومن مقدمات الدساتير ومن الفلسفة السياسية السائدة في عصر ظهورها. مثال ذلك مبدأ المساواة بين المواطنين، ومنه مساواة الجنسين امام الوظيفة العامة، مبدأ عدم رجعية القوانين والانظمة والقرارات الادارية، مبدأ احترام الحقوق المكتسبة، مبدأ مساواة شهادة الجامعات الحكومية و الجامعات الخاصة من حيث الحقوق والامتيازات والتعيين في الوظيفة العامة، مبدأ عدم جواز تقييد الحريات العامة إلا بقانون،....

2ـ المبادئ القانونية المشتقة من روح القانون المدني والقوانين الاجرائية:

وهي المبادئ التي اشتقها من القانون المدني وقانون اصول المحاكمات والمرافعات وطبقها على قوانين أخرى مثل القانون الاداري وقانون العمل وقانون الوظيفة العامة والتأديب وغيرها. مثل مبدأ لا تكليف بمستحيل، مبدأ بطلان الالتزامات المؤبدة، مبدأ العقد شريعة المتعاقدين، مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق، مبدأ بطلان التصرفات نتيجة الإكراه، مبدأ عدم جواز الالتزامات المؤبدة، مبدأ ان الأصل براءة الذمة.... وحق الدفاع والاستعانة بمحامي امام اللجان التأديبية وحق الموظف بالإطلاع على ملفه الشخصي اثناء التحقيق، وحجية الامر المقضي به، وحياد اللجان التحقيقية....

3 ـ المبادئ المستمدة من ضرورة الآمن الاجتماعي واستقرار المعاملات في المجتمع: مثل نظرية الموظف الفعلي، ونظرية الوضع الظاهر، والغلط الشائع يقوم مقام القانون، ونظرية الظروف الاستثنائية، ومبدأ ضرورة استمرار سير المرافق العامة، ومبدأ كل قرار اداري يقبل الطعن بالإلغاء، ومبدأ ان ليس للوزير ان يرفض سلطته الاساسية، ومبدأ لا يجوز تفويض التفويض.

4 ــ المبادئ العامة المستقاة من فكرة العدل والحرية الصدق والعقلانية:

مثل مبدأ حق الحياة لكل فرد، مبدأ تغير الأحكام بتغير الأزمان، مبدأ مساواة المواطنين في الانتفاع من المرافق العامة، مبدأ المساواة في تحمل التكاليف والأعباء العامة، مبدأ المساواة بين الجنسين في الوظائف العامة، مبدأ المساواة في الضريبة، مبدأ التناسب بين الذنب والعقوبة، مبدأ علانية المرافعات القضائية.

فالقوة الذاتية للمبادئ العامة للقانون لا تحتاج لنص وذلك بهدف احترام مبدأ المشروعية، ونرى مجلس الدولة الفرنسي يقرر في أحد أحكامه (ان الطعن لتجاوز السلطة متاح وممكن حتى بدون نص ضد كل قرار إداري وفقاً للمبادئ العامة للقانون وذلك بهدف احترام مبدأ المشروعية).

وقد استطاع مجلس الدولة الفرنسي ان ينشئ هذا المبدأ القانوني العام بأن قام بتعميم حكم هذه النصوص المتفرقة وأعطى لهذا الحكم طابع القاعدة العامة أو المبدأ العام الذي يعمل خارج هذه النصوص ليطبقه على كل قرار يتضمنه طابع الجزاء.

أما الأستاذ فيدل فيرى بشأن المبادئ العامة إن (المبدأ العام لا ينشأ بطريقتي الابتكار والاختراع، إنما بطريق الاكتشاف بواسطة القاضي... ويأخذ كمثال مبدأ احترام حقوق الدفاع فهو حس وجهة نظره (يتولد عن طريق الملاحظة، من خلال نصوص عديدة تشريعية ولائحية تقرر حقوق الدفاع في فروض محددة. يجب ان نفترض ان هذه النصوص ليست سوى تطبيق على هذه الحالة أو تلك لمبدأ عام يمثل مصدرها جميعا). ويرى د. محمد رفعت عبد الوهاب انه (يتمثل هذا الأسلوب في تعميم أحد الحلول أو أحد القواعد الجزئية التي قررتها نصوص متفرقة في حالات خاصة).

سادساً- قرارات مستندة للمبادئ العامة للقانون:

في قرار لمجلس شورى الدولة اللبناني تقرر فيه اقرار الحق لصاحبته رغم مرور مهلة المراجعة المقررة قانوناً وقد استند المجلس في قراره الى مبدأ مساواة المواطنين امام القانون، باعتبار ان هذا المجلس قد أصدر عدة قرارات عائدة لموظفي هم في وضع مشابه لوضعها، حسبما جاء في قرار مجلس شورى الدولة اللبناني رقم 152 في27/5/1992

وأن مبدأ المساواة واجب التطبيق حتى بالنسبة لمن انقضت مهل المراجعة بحقهم.) ومن القرات المهمة لمجلس شورى الدولة اللبناني، ما جاء بصدد اغفال القانون الجديد الاشارة الى الاحكام الانتقالية بالنسبة للحالات التي اكتملت في ظل القانون القديم الا ان الاجراءات الادارية لم تكتمل الا بعد نفاذ القانون الجديد في قراره رقم 129 لسنة 1986، وملخص القضية: ان المستدعي حصل عل على شهادة التحاليل الطبية بموجب قانون مزاولة المهن الطبية الصادر بتاريخ 26/12/1946، وحينما باشر بتقديم طلب للحصول على اجازة فتح مختبر تحليل صدر قانون جديد في 17/1/1979 يضع شروطاً جديدة غير متوفرة في المستدعي، فرفضت وزارة الصحة منحه الرخصة. وجاء في القرار (وبما ان عدم لحظ قانون 17/1/1979 صراحة، احكاماً انتقالية للحالات المماثلة التي يمكن ان تنشأ بسبب صدورها لا يعني بشكل اكيد ان المشترع اراد عن قصد عدم رعاية تلك الحالات بأحكام انتقالية خاصة تسمح بتحقيق النتائج المترتبة عنها، لا بل ان العكس هو المفترض، أي ان المشترع يقر ضمناً اعتماد مثل هذه الاحكام، لانه لا يعقل ان يطلب مثلاً من طالب قضى السنوات الطوال في دراسة الطب وفق منهاج يقرره قانون معين ويولي من يستكمله حق الاشتراك بامتحان الكولوكيوم لممارسة مهنة الطب، ان يقضي مجدداً سنوات عديدة في دراسة الطب وفق منهاج جديد لمجرد صدور قانون جديد يفرض هذا المنهاج كشرط للاشتراك في امتحان الكولوكيوم....... فانه يكون من حقه وفقاً للمبدأ الآنف الذكر ان يستفيد من النتائج المترتبة عن هذا الوضع والمرتبطة به ارتباطاً وثيقاً والمتمثلة بالحصول على اجازة فتح مختبر طبي وفق احكام قانون سنة 1946 وفي الحدود التي يفرضها هذا القانون وبما ان كل ما ادلى به خلاف ذلك يكون في غير محله القانوني ويقتضي معه رد جميع الاسباب والمطالب الزائدة والمخالفة،..... يقرر المجلس بالاجماع.... ابطال قرار وزارة الصحة الضمني موضوع المراجعة، والقول بحق المستدعي استناداً لما تقدم بالحصول على اجازة فتح مختبر طبي وفاقاً لاحكام قانون سنة 1946 وفي الحدود التي يفرضها هذا القانون ورد المطالب الزائدة والمخالفة).

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

 

من قاسم أمين إلى هشام شرابي

يذهب أصحاب الفكر الحداثي التغريبي إلى أن حركة النهضة لا بُدّ أن تكون قفزة إلى الأمام أي إلى المستقبل نحو الغرب، فالتقدم بالنسبة لهم لا يتحقق من خلال الرجوع للخلف/ الوراء/للماضي كما يدعو أصحاب الفكر الرجعي، بل يحدث من خلال تجاوز هذا الماضي وإحداث قطيعة معرفية معه. ولما كانت المرأة بإعتبارها أحد ركائز النهضة، فلا بُدّ لها من تجاوز معوقات وقيود هذا الماضي العتيق، وأن تحصل على كافة حقوقها وفق مُتغيرات العصر.

لذا يتخذ أغلب مفكري التيار الحداثي التغريبي منذ القرن التاسع عشر· - على خلاف التيار الأصولي والوسطي- موقفًا ثوريًا راديكاليًا تجاه قضية المرأة··، فأتخذوا موقفًا مُؤيدًا لقضية المرأة والدفاع عنها والمُطالبة بضرورة تحريرها من أي قيود أو تبعية، وتحسين أوضاعها داخل المُجتمع الشرقي، مُعلنين شعار أن المرأة هى نصف المُجتمع، ومُطالبين بضرورة المساواة بينها وبين الرجل، ونتيجة تبنيهم للفكر الغربي رأوا أن إصلاح المرأة ونهضتها، لن يتحقق إلا من خلال إتباع النموذج الغربي، أي إتباع نموذج صورة المرأة في الحضارة الأوروبية الحديثة.

ونتيجة ذلك الوعي والإدراك بأهمية قضية المرأة في المُجتمع، بدأت بوادر المُطالبة بتحرير المرأة تظهر في المُجتمعات الشرقية، فلم تكن المرأة حتى منتصف القرن التاسع عشر أداة ترف للرجل، ولكن حالة اضطهاد المرأة على هذه الوجهة، ووضعها في المرتبة الثانية، وهى ذلك المخلوق الرقيق المُقدر له أن يقوم بواجبه في الحياة الاجتماعية، لم يكن مُمكنًا أن يستمر إلى الأبد، ولذلك لم ينتصف القرن التاسع عشر حتى ظهرت بوادر الرغبة في المُطالبة بضرورة تحرير المرأة الشرقية(1).

ومن هذا المُنطلق، بحث العديد من المُفكرين العرب أصحاب الفكر التغريبي في القرن التاسع عشر، في مجموعة الأسباب التي أدت إلى تدني وضع المرأة الشرقية في المُجتمع، لمعالجة تلك الأسباب والتخلص منها، فذهب البعض إلى أن من أهم تلك الأسباب وأخطرها "إستبعاد المرأة" عن النشاط الاجتماعي والثقافي والسياسي، من خلال إحتجاب المرأة في المنزل، وإنعزالها عن المُجتمع الخارجي، حيث لم تكن تعلم الكثير عن المُجتمع الخارجي اللهم إلا بعض النظرات التي كانت تسرقها من خلال الشبابيك ذات المشربيات المخرمة. فنجد، على سبيل المثال لا الحصر، سلامة موسى·(1887م- 1958م) واصفًا ذلك، فيقول :" كانت المرأة المضروب عليها الحجاب، تعيش بين أربعة جدران في المنزل، تختبئ وراء الأبواب والشبابيك، بل كانت الشبابيك مشربيات مُخرمة تتيح لها النظر إلى الشارع حين يلتصق وجهها بخروم المشربية حتى ترى شيئًا من حركة الناس والأشياء، وحتى تحس إنها لا تزال حية أو أن لها من الحياة العامة جزءًا مهما صغر(2)".

كما قد يرجع أسباب تدني وضع المرأة الشرقية في المُجتمع إلى "الاستبداد السياسي"، فنجد مثلًا سلامة موسى يرجع سبب إنحطاط المرأة الشرقية إلى الإستعمار، فيقول:" ألم نعرف في مصر أن الناظرة الإنكليزية لمدرسة السنية الإبتدائية كانت تحتم على تلميذاتها أتخاذ البرقع في حين كان قاسم أمين يدعو إلى إلغائه؟، لماذا كان يفعل الإستعمار ذلك؟، لأنه كان يعرف، بل يوقن، بأن حجاب المرأة وإنفصالها عن الرجل في مصر، يمنع بلادنا من التقدم، ويجعل مُجتمعنا مُتأخرًا(3)".

وهناك بعض مفكري التيار الحداثي التغريبي الذين يربطون بين "استبداد الحكم السياسي" و"استبداد الرجل للمرأة"·، فيرى قاسم أمين (1863م- 1908م) أن استبداد الرجل هو أثر من آثار استبداد الحكم، فيؤكد أن من أثر الحكومات الاستبدادية أن الرجل في قوته أخذ يحتقر المرأة، ويرجع ذلك إلى فساد الأخلاق في الأمة المحكومة، وذلك لأنه في ظل النظام الاستبدادي فإن الإنسان لا يحترم إلا بالقوة، ولا يردع إلا بالخوف، ولما كانت المرأة ضعيفة إهتضم الرجل حقوقها، وأخذ يعاملها بالإحتقار والمهانة، فأختصت المرأة بالجهل والتحجب بأستار الظلمات، واستعملها الرجل متاعًا للذة يلهو بها متى أراد، ويقذف بها في الطريق متى يشاء. له الحرية ولها الرق، له العلم ولها الجهل، له العقل ولها البله، له الضياء ولها الظلمة والسجن، له الأمر والنهي ولها الطاعة والصبر(4). فيقول قاسم أمين:" يجب أن تربى المرأة على أن تدخل في المجتمع الإنساني وهى ذات كاملة لا مادة يشكلها الرجل كيفما شاء(5)".

كما يبرز أحمد لطفي السيد (1872م -1963م) مدى استبداد الرجل بالمرأة، وجعلها مُجرد تابعة له، فلا تلبس إلا ما يريده هو، ولا تنظر للأمور إلا بعينه هو، ولا تفهم إلا ما يريده هو، ولا تسمع إلا بإذنه هو، ولا تأكل إلا ما يشتهي هو، فيتسائل مُندهشًا ومُستعجبًا أليس ذلك هو الإستعباد بعينه المُناقض لتحرير المرأة الذي يريدونه؟!(6).

وهكذا ينتهي مفكرو التيار التغريبي إلى التأكيد على أن من أهم أسباب تدني وضع المرأة الشرقية في المُجتمع يرجع إلى "استبداد الرجل للمرأة" وتسلطه عليها، ومحاولة فرض سُّلطته الذكورية للسيطرة عليها، فنجد إسماعيل مظهر(1891م - 1962م) يرجع كل ما آلت له المرأة من كونها كائنًا ضعيفًا، ونظرة المُجتمع لها على أنها مُجرد وسيلة للتزاوج، إلى معاملة الرجل لها، فيذهب إلى أن معاملة الرجل للمرأة كان سببًا في أن ترتد كائنًا ضعيفًا مُترهلًا، بل إنه في أكثر الحالات وعند الأغلب الأعظم من طبقات المُجتمع، لا تعتبر المرأة إلا كائنًا من شأنه أن يلبي نداء الجنس. فيقول إسماعيل مظهر:" فنحن الرجال قد رمينا النساء بأدوائنا وأنسالنا، لنقول لهن في النهاية أنتن خلقًا أدنى(7)". وبناءً على تبنيه للفكر التطوري الدارويني وتأكيده على أن الطبيعة قد ساوت بين الرجل والمرأة، ينظر ناقدًا وضع المرأة الشرقية في مُجتمعه وما وصلت إليه، رافضًا بذلك تسلط الرجل على المرأة، لذلك يمكن إعتباره وبحق-من وجهة نظرنا- من أهم المفكرين التنويريين الذين تبنوا قضية المرأة والدفاع عنها.

وبعد أن أوضح مُفكري التيار التغريبي في القرن التاسع عشر أهم أسباب تدني وضع المرأة الشرقية في المُجتمع، أنطلقوا نحو المُطالبة بالدفاع عنها وعن حريتها، والمُطالبة بحقوقها وقضاياها، والتى من أهمها : قضية "تعليم المرأة"، فنجد قاسم أمين يُدرك أهمية وقيمة العلم وأنه وسيلة الأمة للنهوض والتقدم والرقي، والنساء عنده مثل الرجال في حاجة إلى العلم والمعرفة، وإلى إكتساب عقل سليم يحكم على نفوسهن، ويرشدهن في الحياة إلى الأعمال الطيبة النافعة(8). فيقول :" المرأة محتاجة إلى التعليم لتكون إنسانًا يعقل ويريد(9)".

فيرد قاسم أمين على بعض أصحاب الفكر الرجعي الذين يرفضون ويعارضون تعليم المرأة خوفًا على أخلاقها من أن تُفسد، فينكر ذلك الإدعاء الباطل مُؤكدًا أن التعليم يرفع من شأن المرأة، ويرد إليها مرتبتها، ويكمل عقلها، ويسمح لها أن تتفكر وتتأمل، وتتبصر في أعمالها، فالمرأة المُتعلمة تخشى عواقب الأمور أكثر مما تخشاه المرأة الجاهلة، ولا تتقدم بسهولة على ما يضر حسن سمعتها بخلاف الجاهلة فإن من أخلاقها الطيش والخفة(10).

فيؤكد قاسم أمين على أهمية وضرورة التعليم للمرأة فهو في المقام الأول ينور عقلها، ويضمن لها حقوقها التي كانت تُنهب منها من قبل. فيقول:" نرى النساء يضعن أختامهن على حساب أو مُستند أو عقد يجهلن موضوعه أو قيمته لعدم إدراكهن كل ما يحتوي عليه، أو عدم كفاءتهن لفهم ما أودعه، فتجرد الواحدة منهن عن حقوقها الثابتة بتزوير أو غش أو إختلاس يرتكبه زوجها أو أحد أقاربها أو وكيلها. فهل كان يقع ذلك لو كانت المرأة مُتعلمة؟(11)".

ومن أهم مفارقات قاسم أمين حول مُطالبته "بتعليم المرأة"، إنه على الرغم من دعوته التنويرية لأهمية تعليم المرأة، إلا إنه قد إقتصر هذا التعليم على مراحله الأولى فقط - أسوة بالتيار التوفيقي وخاصة عند رفاعة الطهطاوي- فيقول:" لست ممن يطلب المساواة بين المرأة والرجل في التعليم فذلك غير ضروري، وإنما أطلب أن توجد هذه المساواة في التعليم الابتدائي على الأقل، وان يعتنى بتعليمهن إلى هذا الحد مثل ما يعتنى بتعليم البنين(12)".

فنتسائل لماذا أتخذ قاسم أمين هذا الموقف الرجعي تجاه تعليم المرأة؟، هل خوفًا من هجوم أصحاب الفكر الرجعي عليه في تلك الفترة؟، أم لأن تلك الدعوة وهذا الموقف هو المُتاح والأفضل والممكن للمرأة في تلك الفترة والحقبة التاريخية؟.

في حقيقة الأمر، على خلاف رأي قاسم أمين في تعليم المرأة على مراحلها الأولى، نجد أحمد لطفي السيد يتخذ موقف أكثر راديكالية وجرأة من قاسم أمين وخاصة في تعليم المرأة، فيطالب بضرورة تعليمها حتى الثانوي، كما يطالب بالتكافؤ في التعليم بين البنات والبنين، حتى لا يقبل الرجال على الزواج من الأجنبيات بسبب تعليمهن، فيرى إنه لا سبيل لملاقاة هذا الخطر إلا بإكثار عدد المُتعلمات من البنات، وتقريب معلوماتهن من معلومات البنين بقدر المُستطاع، فإن التي لا تعرف القراءة والكتابة لا تعلم شيئًا، فلابد من تعليم المرأة الآداب العالية ومبادئ الأخلاق من العلوم المُختلفة كالعلوم التي تدرس في المدارس الثانوية(13).

وعلى ذلك نرى أن الإدعاء بأن تعليم المرأة لا بُدّ أن يقتصر على المراحل الأولى، لأن ذلك كان المُتاح والأفضل والممكن لها في تلك الفترة التاريخية إدعاء باطل، فنجد أحمد لطفي السيد يتخذ موقفًا ثوريًا أكثر جرأة من قاسم أمين مُطالبًا بضرورة أن تتساوى المرأة بالرجل في مراحل التعليم المُختلفة. لذا نرى أن الخوف من هجوم الفكر الرجعي كان يكمن وراء إتخاذ قاسم أمين ذلك الموقف، والدليل على ذلك أن قاسم أمين في أغلب آرائه تجاه إصلاح حال المرأة كان يستند إلى تمام توافقها مع أحكام الشريعة. فيقول قاسم أمين:" لو كانت عوائدنا فيما يتعلق بالنساء لها أساس في شريعتنا لكان في ميلنا إلى المُحافظة عليها ما يشفع لنا، أما وقد برهنا على أن كل ما عرضناه من أوجه الإصلاح يتفق تمام الإتفاق مع أحكام الشريعة ومقاصدها، فلم يبق لنا عذر في التمسك بها سوى أنها قد تقدست بمرور الزمان الطويل، وأننا غفلنا عن مصالحنا وتدبير شئوننا(14)".

ومن مُنطلق إهتمام التيار التغريبي بالعلم فقد ركز على نقد معوقات تعليم المرأة، فيذهب إسماعيل مظهر إلى أن من أهم معوقات تعليم المرأة في الشرق هو العمل في الحقل، وحجب السيدات في المنزل، كما يُشيد بالمسيحيين لأنهم أول من بادروا بتعليم المرأة في المدارس الأجنبية، ومن ثم يبرز إيجابيات التعليم الكبرى للنساء بصفة عامة، وللنساء المتزوجات بصفة خاصة، لأنه يساعدهن على مواجهة الحياة بالعمل الشريف(15).

وأما عن قضية "عمل المرأة" فقد دعا التيار التغريبي إلى ضرورة خروج المرأة للعمل، وألا يقتصر عملها على الأعمال المنزلية فقط داخل المنزل، فالمرأة لم تخلق للعمل في المنزل، بل لا بُدّ أن تعمل خارج المنزل، لأنها بذلك تؤدي خدمة اجتماعية لوطنها، بجانب واجبات الزواج والأمومة. فيؤكد سلامة موسى على ضرورة أن تستغل المرأة معارفها ومهارتها في عمل اجتماعي آخر إلى جانب كونها زوجة وأم. فهذا العمل الاجتماعي الآخر هو الذي يصل بينها وبين المُجتمع ويكسبها العقل الاجتماعي، ويربي شخصيتها ويدرَّب ذكاءها، ويؤكد استقلالها(16).

فيسهم سلامة موسى بآراء تقدمية مُستنيرة في مسألة عمل المرأة، فيعترض على كلام المُحافظين والرجعيين بأن عدم خروج المرأة من المنزل يحميها، ذلك لأن أعباء الحياة العملية تسهم في تربيتها، فمن الخطأ القول لها بأن البيت يحميكِ من كوارث الدنيا. كما أن المرأة عندما تعمل تجد الكرامة، وتجد الاستقلال، وتجد الأمل والثقة، فهى لا تقلق على مُستقبلها، ولا تخشى أن يفوتها زواج، وهى تعرف أن كرامتها وعيشتها وسعادتها لا تتوقف على محاسنها الجسدية فقط، إذ أن لها محاسن أخرى هى ذكاؤها ومهاراتها وإنسانيتها التي تنمو جميعًا بالعمل(17).

ويثور سلامة موسى ضد تقاليد مُجتمعه وعاداته الرجعية داعيًا إلى ضرورة عمل المرأة خارج المنزل، مثلها مثل الرجل تعمل بالمُحاماة أو الطب أو الفلسفة أو الكيمياء أو الصناعة، فليس هناك عمل يقتصر على الرجال دون النساء. فيقول سلامة موسى :" وليس من حق أحد في الدنيا أن يقول للمرأة : عيشي في البيت طيلة عمرك، ثمانين أو تسعين سنة، لا تختلطي بالمُجتمع ولا تؤدي عمل المحامي أو الطبيب أو الصانع أو الكيماوي أو الفيلسوف. وإنما أقصري كل قوتك وكل وقتك على الطبخ والكنس وولادة الأطفال. لا، إن المرأة العصرية أرحب آفاقًا وأكثر اهتمامًا من أن يستغرق المنزل كل حياتها(18)". فيُعدُّ نصيرًا لعمل المرأة إلى أقصى مدى ممكن، ويرى أن عمل المرأة يعطيها الكثير من الحقوق، وينضج شخصيتها، ويجعلها أكثر وعيًا بأمور الحياة، وتطور المُجتمع، كما أنه يشعرها بأنها إنسان نافع في المُجتمع، فللمرأة كما للرجل حق في أن تحيا حياتها كما تريد، ولها الحق في التطور، وقصر حياتها على البيت هو إلغاء لإرادتها كما هو تعطيل لتطورها(19).

فيطالب التيار التغريبي بضرورة عمل المرأة ويؤكد على أن خروجها للعمل لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، فالمرأة فرد مُؤثر في المُجتمع، وعضو أساسي في تكوينه مثلها مثل الرجل، فيقول إسماعيل مظهر:" فلئن كانت المرأة قد حققت ذاتها وأثبتت وجودها في ميادين كثيرة كالأمومة والزوجية والأسرة والجهاد والحرب والملك، فإنها ولا شك تجنح اليوم إلى أن تكمل ذاتيتها بأن يكون لها في ميدان السياسة والاجتماع والعمل، تلك الحقوق التى حرمتها خلال العصور الغابرة. تلك الحقوق التي لا ينكرها الشرع ولا تأباها الطبيعة(20)". كما يقول أيضًا مُؤكدًا على ضرورة عمل المرأة :" إن المرأة إذا لم تعمل لتكون مُستقلة إقتصاديًا، أرتدت تلك اللعبة التي يتلهى بها الرجل، بل عادت ذلك الكائن الخاضع المُستكين، الذي يحتاج إلى معونة الرجل، مما يتنافى مع روح الإسلام، بل يتنافى مع الحق الذي هو روح جميع الأديان(21)".

كما نجد أيضًا قاسم أمين مُطالبًا بضرورة عمل المرأة، فيقول:" يظن الكثير منا أن المرأة في غنى عن أن تتعلم وتعمل، ويزعمون أن رقة مزاج النساء ونعومة بشرتهن وضعف بنيتهن يصعب معه أن يتحملن متاعب الكد وشقاء العمل. ولكن هذا الكلام هو في الحقيقة تدليس على النساء، وإن كان ظاهره الرأفة عليهن(22)".

وإذا كان أصحاب الفكر الرجعي يرفض عمل المرأة مُبررين موقفهم بأن طبيعتها من الناحية الجسمانية لا تقوى على العمل الشاق مثل الرجال، فإن أصحاب التيار التغريبي يردون على ذلك الإدعاء الباطل بأن التقدم التكنولوجي الحديث وإعتماد أغلب الحَرف والصناعات الآن على الآلات الحديثة والمُتطورة، يُمكن أن يوفر للبنات الضعاف عمل كان يتطلب من قبل جهد عضلي كبير(23). ففي مُستطاع الآلة أن تهيء للبنات الضعيفات وغير ذوات المرانة الكافية، فرصة القيام بأعباء من العمل كانت تتطلب في الماضي رجالاً أقويا مُحنكين(24).

فيقوم التيار التغريبي بتوضيح أثر التقدم التكنولوجي في تسهيل العملية الإنتاجية، والعمل الشاق على المرأة، فلم يعد العمل في كثير من الوظائف يتطلب القدرة الجسمانية. حيث إن الأعمال الإنتاجية القديمة في الزراعة والصناعة كانت يدوية تجري بمُساعدة الماشية، فكانت تقصم الظهر لما يعاني العامل فيها من المشقة. أما الآن فإن الأعمال الإنتاجية لا تستخدم من الإنسان في أغلب الحالات سوى إشرافه بالعين والعقل مع القليل من إستخدام عضلاته(25).

كما دعا التيار التغريبي إلى ضرورة "تقييد الطلاق"، فالمرأة ليست لعبة في يد الرجل، يطلقها كيفما يشاء بشكل فيه نوع من الإستهتار بها، فنجد سلامة موسى ينبه المرأة الشرقية إلى ذلك ويوعيها بخطورة ذلك، فيقول:" ثم تذكري أننا كلنا نقول بضرر الطلاق يجري جزافًا وإستهتارًا. فإذا كنتِ أنتِ من هذا الرأي فيجب ألا تتزوجي رجلًا قد طلق زوجته إلا بعد أن تدرسي الأسباب والحجج التي بنى عليها هذا الطلاق. فإذا وجدت أنه كان عدلًا فتزوجيه، وإلا عدلت عنه حتى يجد من هذه المُقاطعة ما يردعه في المُستقبل عن الإستهتار(26)".

فيرفض التيار التغريبي مسألة "الطلاق" نظرًا لمساوئها في تقويض دعائم الأسرة، فيذهب قاسم أمين إلى ضرورة "تقييد الطلاق"، إلا إنه يرى أن الصبر على عشرة مَن لا يمكن معاشرته فوق طاقة البشر. لذا يبيح الطلاق ولكن في أضيق الحدود، وذلك لا يكون إلا في حالة استحالة العشرة الزوجية، كما يؤكد على أن ذلك ما يؤكده الشرع من بغض الطلاق، وأن الأصل فيه أنه محذور. لذا يدعو قاسم أمين إلى ضرورة تأسيس محكمة للطلاق، للحد منها(27).

وكذلك فقد عارض التيار الحداثي مسألة "تعدد الزوجات·" لأنها تقلل من شأن المرأة، فنجد سلامة موسى مؤكدًا على أن ظاهرة تعدد الزوجات يُفسد العائلات، ويُحطم أواصر القرابة، ويبعث الكراهية والخصام بين الأبناء، فيقول ناصحًا المرأة الشرقية:" فعليكِ ألا تتزوجي رجلًا يجعل لكِ ضرة، كما يجعلكِ أنتِ ضرة لزوجة أو لزوجتين أخريين. ولا يمكن أن تتحقق المُساواة التي تنشدينها بالجنس الآخر إذا كنتِ ترضين بأن تكوني واحدة من جملة زوجات لرجل واحد. إن المساواة بين الجنسين تقتضي الزواج من إمرأة واحدة، والرجل الذي يتزوج بأكثر من واحدة إنما يلعب ويعبث بإنسانيتك ويحيلك إلى أنثى فقط(28)".

فينتهي أصحاب الفكر التغريبي إلى التأكيد على رفضهم مسألة "تعدد الزوجات"، لما فيه من إحتقار شديد للمرأة، ويبعث الغيرة في داخلها، ويقلل من كرامتها عند زوجها، فيقول قاسم أمين مُوضحًا ذلك :" وبديهي أن في تعدد الزوجات إحتقارًا شديدًا للمرأة، لأنك لا تجد إمرأة ترضى أن تشاركها في زوجها إمرأة أخرى، كما أنك لا تجد رجلًا يقبل أن يشاركه غيره في محبة امرأته، وهذا النوع من حب الإختصاص طبيعي للمرأة كما أنه طبيعي للرجل(29)".

فنجد قاسم أمين مُتأثرًا بأستاذه محمد عبده وخاصة في نقده لمسألة "تعدد الزوجات"، ودعوته لتقييد التعدد والإقتصار على زوجة واحدة، فيقول قاسم أمين :"خير ما يعمله الرجل هو إنتقاء زوجة واحدة، ذلك أدنى أن يقوم بما فرض عليه الشرع، فيوفي زوجته وأولاده حقوقهم من النفقة والتربية والمحبة(30)"، ولكن على الرغم من ذلك فقد أباح أيضًا قاسم أمين التعدد اللهم إلا في حالة الضرورة، كأن أصيبت امرأته الأولى بمرض لا يسمح لها بتأدية حقوق الزوجية، أو أن تكون عاقرًا لا تلد، لأن كثيرًا من الرجال لا يتحملون أن ينقطع النسل في عائلاتهم. أما في غير هذه الأحوال فلا يرى قاسم أمين في تعدد الزوجات إلا حيلة شرعية لقضاء شهوة بهيمية(31).

ويدعو التيار التغريبي -مُتمثلًا في قاسم أمين- كما فعل التيار الوسطي -مُتمثلًا في محمد عبده (1849م -1905م)- بإحالة مسألة "تعدد الزوجات" من حكم الشرع إلى حكم القضاء، فقد أشترط الشرع في "تعدد الزوجات" شرط العدل، وهذا الشرط في حقيقة الأمر غير مُستطاع، لذا يقترح قاسم أمين كما إقترح محمد عبده بأنه يجوز للحاكم وفقًا لذلك بإصدار قرار بمنع تلك الظاهرة، فيقول قاسم أمين:" فإذا غلب على الناس الجور بين الزوجات كما هو مُشاهد في أزماننا، أو نشأ عن تعدد الزوجات فساد في العائلات وتعدِ للحدود الشرعية الواجب إلتزامها وقيام العداوة بين أعضاء العائلة الواحدة، وشيوع ذلك إلى حد يكاد يكون عامًا جاز للحاكم رعاية للمصلحة العامة، أن يمنع تعدد الزوجات بشرط أو بغير شرط على حسب ما يراه مُوافقًا لمصلحة الأمة(32)".

وبناء على ما سبق، أدرك التيار التغريبي أهمية وضرورة تحسين وضع المرأة من أجل عملية النهوض والتقدم، فيذهب سلامة موسى إلى أن أعظم مظاهر النهضة الصادقة في أية أمة هو نهوض المرأة التي تطرح بقايا الاستبداد والإستعباد وتستقل من سجن المنزل إلى ميدان المجتمع لتعمل وتكسب(33). كما يذهب إسماعيل مظهر داعمًا الحركات النسوية التي تسعى نحو النهوض بشأن المرأة الشرقية، ومُهاجمًا المُعارضين لها من أصحاب الجمود الفكري، وخاصة التيارات الأصولية المُحافظة، فيقول:" إن الذين يقومون اليوم في وجه النهضة النسوية في مصر، إنما يبكون زمنًا غبر ودهرًا عبر، يبكون زمن الحجاب والدادات والأغوات، زمن الستائر على النوافذ والأبواب، زمن الفسق والفجور تحت ستار الفضيلة والأخلاق، زمن البلادة والجهل، زمن الإنحلال الأخلاقي والتدهور الفكري، زمن الجمود والظلامية(34)".

وينتهي مُفكري التيار الحداثي في القرن التاسع عشر إلى توضيح مَدى الاستبداد الذي تعاني منه المرأة الشرقية سواء كان استبدادا نابعًا من المُجتمع أو استبداد الرجل لها، والذي كان أحد أهم أسباب تدني وضعها في المُجتمع، وقد كانت تلك النقطة الجوهرية هى محور إنطلاق فكر المُفكر الفلسطيني "هشام شرابي" (1927م- 2005م) ودفاعه عن تحرير المرأة العربية في الفترة المُعاصرة، فيؤكد على أن النظام الأبوي المُستبد والمُتسلط هو من أهم أسباب تدني وضع المرأة في المُجتمع.

فيُعدُّ هشام شرابي رائد من رواد الفكر النسوي العربي المُعاصر، الذي يدافع عن تحرير المرأة العربية ناقدًا المُجتمع الذكوري الأبوي الذي يُمارس سُّلطته عليها، لذا يُعدُّ خطابه من أبرز الخطابات النسوية العربية المُعاصرة التي تبنت الفكر النسوي الغربي وروجت له، فقد أراد تجاوز أزمة الواقع العربي والتي تكمن لديه في ذكورية وأبوية هذا الواقع(35).

يتخذ هشام شرابي موقفًا نقديًا تجاه الفكر الرجعي التقليدي الأبوي الذي يُعطي إهتمامًا كبيرًا لموضوع المرأة، مُعلنًا أن الشريعة الإسلامية تحمي حقوق المرأة وتمنحها مدى كبير من الحرية، فيقول :" ويركز الأصوليون في كتاباتهم حول هذا الموضوع (موضوع المرأة) على نقض الموقف العلماني الذي تنبع منه حركة تحرير المرأة ومقابلة "الفكرة الغربية" التي تعتمدها بــ "الفكرة الإسلامية"، التي تمثلها الحركة الأصولية. ويؤكد اهتمام الأصوليين هذا بموضوع المرأة وكثرة كتاباتهم حوله، على مركزية الإشكالية النسائية في الوعي الأبوي وعلى حجم القلق الذي يعانيه الأصوليون إزاء هذه الإشكالية(36)".

وإذا حاولنا وصف وضع المرأة العربية التقليدية في المُجتمع، من خلال كتابات هشام شرابي، نجد أنها تتميز بالإطاعة، بالعبودية، بالتبعية للذكور في عائلتها، لا وجود مُستقل لها، هى الكائن بغيره لا بذاته، هى إنسان مُستغل، مُستضعف، ملك الرجل ... إلى ما هنالك من صفات السلبية، تبين وكأن هذه المرأة لا حول ولا قوة لها، مفعول بها وهى غير فاعلة، تتلقى بشكل سلبي كل ما خطط لها دون أي دور مباشر لها يساهم في تقرير مصيرها(37).

فعندما بحث هشام شرابي عن حل تلك الإشكالية أي إشكالية وضع المرأة العربية في المُجتمع، قدم مشروعًا فكريًا بإمكانه صياغة خطاب عَلماني نقدي قادر على مُجابهة الخطاب الأبوي المُهيمن وتجاوزه. غير أن هذا المشروع الفكري يتطلب من وجهة نظره ليس تفكيك اللغة المُهيمنة وأسلوبها التعبيري وحسب، بل تفنيد العقلية التي تنغرس فيها هذه اللغة ومُصطلحاتها وأساليب تعبيرها؛ فيقول :" بإمكان الأسئلة التي ينطلق منها هذا المشروع أن تحدد، إذا أثيرت بشكل جدّي ومسؤول، أبعاد نقد جديدة وأطرًا فكرية قادرة على إفراز تنظيم مُستقل لا يهدف إلى إزاحة الخطاب المُهيمن للحلول محله، بل إلى إفساح المجال الفكري لإنبثاق خطابات مُستقلة ترفض كل أشكال الهيمنة وترحب بالإختلاف والتعدد الفكري على أنواعه(38)".

فيرفض اللغة المُستخدمة في التراث العربي لأنها لغة ذكورية أبوية، وسبيل الخروج من هذه اللغة هى لغة جديدة تكون بطبيعة الحال لغة نسوية. فقد إهتمت الدراسات النسوية المعاصرة بالآثار المادية والسياسية على المرأة نتيجة التحيز اللغوي الذكوري في اللغة الاجتماعية والإنتاج الثقافي، حيث تتعدد أشكال التحيز والتمييز ضد المرأة في اللغة، لهذا إقترحت هذه الدراسات وضع مُفردات جديدة ليس فيها هذا التحيز ولا تلك الهيمنة الأبوية الذكورية(39). فيقول :" إن اللغة الأبوية هى إنعكاس للسُّلطة الأبوية والوعي البطركي (الأبوي) السائد(40)".

ومن مُنطلق علاقة إشكالية المرأة بالتراث العربي الإسلامي فقد أراد هشام شرابي في البداية أن يتجاوز الموروث العربي بكل أشكاله، حتى يسترد هذا المُجتمع العربي استقلاله والسير نحو الأهداف التي يحددها بنفسه، والموروث الذي يقصده هو التراث الأصولي الديِني الإسلامي الأبوي الذي يُهمش المرأة، وفي أحيان كثيرة يستبعدها تمامًا، ومن هنا كان العداء العميق والمُستمر للمرأة في هذا المُجتمع المُتمسك بتراثه، فهو مُجتمع يقف في وجه كل محاولة لتحريرها الاجتماعي والسياسي والفكري والديِني. ويرى هشام شرابي أن المُجتمع العربي يعرف ذاته بصيغة المُذكر لأنه مُجتمع ذكوري لا دور فيه للأنثى إلا تأكيد تفوق الذكر وتثبيت هيمنته، لهذا كانت العقبة المركزية في وجه أي تغيير في هذا المُجتمع هو تغيير الموروث الذكوري من فكر وعقل وقلب الإنسان العربي(41).

وقد إنطلق هشام شرابي من مقولة أن التاريخ الإنساني تاريخ تمركز حول الرجل/ الذكر ونتج عن هذا التمركز السُّلطة الأبوية والمُجتمع الأبوي الذكوري، واستفحلت النظرة والتفسير الذكوري ليشمل المعرفة والوجود والإنسان، وفي نفس الوقت عملت السُّلطة الأبوية الذكورية على تغييب المرأة وطمس تاريخها، مما أدى إلى تمرد المرأة عبر الحركات النسوية التي انتشرت وزادت فعالياتها في السنوات القليلة الماضية بحيث أصبح التمرد في حد ذاته قيمة عليا وثابتًا من الثوابت التي لا تغيرها رياح التغيير العاتية(42). فهو لا يسعى نحو مجرد نقد الفكر الذكوري الأبوي التقليدي المُسيطر في المُجتمع فحسب، بل يهدف نحو إحداث تغيير جذري لتجاوز ذلك الفكر، فيقول:" بهذا فإن ما يتطلبه مشروع النقد الجذري، لتجاوز الجمود الأكاديمي والتجديدات النظرية، ليس نقد الفكر المُسيطر وحسب بل إحداث تغيير أساسي في إتجاهات هذا الفكر والموضوعات والإشكالات التي يتناولها ويركز عليها(43)".

فيكمن هدفه نحو التغيير عن طريق النقد الجذري، من أجل الإطاحة بالخطاب الأبوي الذكوري الذي يدعي إمتلاك الحقيقة الكاملة، والإعلان أن الحقيقة ليست ملكًا لأحد، بل هى إجماع في سياق تاريخي مُتغيّر وملك للجميع. لذا يتخذ موقفًا صداميًا إزاء الخطاب الأبوي بأشكاله المُختلفة(44).

وعلى الرغم من أن التيار الوسطي قد إتخذ موقفًا مُعارضًا بعض الشيء تجاه الحركات النسوية المُعاصرة وخاصة الغربية-مُتمثلًا في حسن حنفي وعبد الوهاب المسيري- نجد على الجانب الآخر التيار الحداثي المُعاصر - مُتمثلًا في هشام شرابي- مُتطلعًا على كتابات الحركات النسوية المُعاصرة وخاصة العربية منها، مثل كتابات: الكاتبة النسوية المصرية نوال السعداوي (1931- 2021م)، والكاتبة النسوية المغربية فاطمة المرنيسي (1940- 2015م)، ومُؤيدًا لما يدعون إليه.

وقد أحدثت قراءات هشام شرابي للفكر النسوي (العربي والغربي)، بما وصفه بنفسه بــ"إنقلابًا في الوعي" أي تغييرًا جذريًا في تفكيره تجاه إشكالية المرأة في المُجتمع. فلم يعد يدافع عن المرأة بمنظور خطابي إنفعالي بل سعى نحو المُطالبة بتغيير جذري لتلك الإشكالية. فيقول:"بالنسبة إلي، فقد حدث التغيير في تفكيري حول هذا الموضوع - يقصد موضوع المرأة- نتيجة قراءات طويلة ومشبعة في النقد النسائي Feminist Criticism، قرأت كتابات نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وخالدة سعيد وغيرهن من الكاتبات العاملات في الحركة النسائية العربية، ثم قرأت كتابات الناقدات الغربيات في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، فإختبرت ما يمكن وصفه بإنقلاب في الوعي كان من جرّائه أني بدأت الخروج عن موقفي السابق إزاء إشكالية المرأة عربيًا وعالميًا. وأخذت في الدخول في مُنطلقات فكرية جديدة مَكنتني من رؤية جديدة ليس لمشكلة المرأة فقط، بل للمشكلة الاجتماعية الكلية عينها بأبعادها التاريخية والايديولوجية، الأمر الذي أدى بي إلى إستيعاب النظرة التفكيكية وإلى رؤية النظام الأبوي بضوء جديد وتفهمه بنية مُترابطة الأبعاد من "الداخل" و" الخارج" معًا(45)".

فلم يكن الفكر العربي وحده من يعاني من سُّلطة الفكر الذكوري الأبوي بل والغربي أيضًا، فقد سادت في الفكر الغربي نزعة ثنائية في رؤية الأشياء، ولعل تلك الثنائية المُستفحلة في الفكر الغربي الأبوي تعود إلى رائد العقلانية الغربية الحديثة "ديكارت"، الذي يُذكر دائمًا بأنه المؤسس للفكر الغربي الحديث والأب للفلسفة الغربية الحديثة، حيث يُعد المسئول الرئيسي عن سيادة التصورات والمفاهيم التي شكلت العقلية الغربية إزاء المرأة، فقد كانت ثنائية العقل/ المادة التي ميزت فلسفته خطوة لثنائية أخرى قائمة على الجنس، حيث ربط ديكارت العقل بالذكورة والمادة بالأنوثة، فقد وضعت الفلسفة الديكارتية تمييزًا صارمًا بين ما هو عقلاني وما هو غير عقلاني من خلال التمييز بين العقل والجسم، هذا التمييز أدى إلى إختلاف بين الرجل الذي يمثل في فلسفته العقل والتفكير العقلاني، والمرأة التي تمثل الجسد والتفكير اللاعقلاني(46).

ويُرجع هشام شرابي أسباب تدني وضع المرأة إلى المُجتمع، وما يمارسه من سُّلطة وقهر وقمع واستبداد على المرأة منذ فترة طفولتها وتربيتها وتثقيفها، وتلك المُمارسات ليست إلا تعبير عن نظام السُّلطة الأبوية المُسيطر على النظام الاجتماعي العربي عمومًا كما على النظام الأسري بوجه خاص(47). كما يعتبر أن هذا الفكر الأبوي هو المسؤول وبكافة أشكاله عن شل المُجتمع العربي وتأخره ومنعه من التغير الفعلي، فنجده يرفض السُّلطة بكل أشكالها، كما يرفض الفكر الذكوري بأنماطه المُختلفة، فيقول :" لم تعد السُّلطة بالنسبة إلي مجرد إختبارات ذاتية مُتقطعة، بل هى نظام اجتماعي صارم يجب تغييره جذريًا(48)".

أما من ناحية عمل المرأة خارج المنزل، فعلى الرغم من دخول المرأة العربية ميدان العمل، وبالرغم من تحقيق تحررها وإستقلالها الإقتصادي عن الرجل، وبالرغم من أنها وفي حالات كثيرة أصبحت مُتكافئة معه في مسؤولية تحمل الأعباء الإقتصادية للمنزل، إلا إنه، ومع هذا كله، لم تصل إلى تحررها من سُّلطة الرجل، فلقد دخلت هى عالم الرجل الخارجي، بينما لم يتحمل هو أعباء معاونة زوجته في مهام المنزل التي بقى أمرًا منوطًا بالمرأة. وإذا وُجد رجل مُتعاون مع زوجته، فإن هذا الأمر يتم غالبًا بالسر، حتى لا يفقد الرجل العربي صورته الاجتماعية في محيطه(49).

فالمرأة العربية -في حقيقة الأمر- لم تتخلص بعد من سُّلطة الرجل أو سُّلطة المُجتمع الذكوري عليها، حتى وإن كان قد حدث بعض التغيير فقد تم بشكل صوري وليس جوهري، لذا يطالب هشام شرابي بضرورة إحداث تغيير جذري من خلال إعادة صياغة القوانين وضرورة تغييرها بما يضمن حق النساء في المُجتمع، بإعتبارها شخصًا مُستقلًا يجب أن يتمتع بكافة حقوقه كاملة، إلا إنه يعود ويؤكد على لسان نوال السعداوي بأن تغيير القوانين ضروري، ولكنه لا يكفي لإحداث التغيير، فكم من القوانين تظل حبرًا على ورق(50).

ومن هذا المُنطلق، يُطالب في خطابه النسوي بضرورة مُشاركة المرأة في إتخاذ القرار سواء على الصعيد العام المُتمثل في المُجتمع أو على الصعيد الخاص المُتمثل في العائلة، بل وأيضًا تشارك في الإطار الذي يصنع فيه هذا القرار، أي المساواة في عملية القرار، وهنا نجده يقدم نموذجًا جديدًا في مُحاولة الكشف عن الواقع الاجتماعي وطرحًا جديدًا لموضوع الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية، تتجلّى فيه ملامح بدائل جديدة لتغيير الوعي وتحقيق التغيير الاجتماعي(51). فينكشف لنا دعوة هشام شرابي لضرورة مُشاركة المرأة في عملية صنع وإنتاج وحتى إتخاذ القرار حتى ولو كان قرارًا سياسيًا على خلاف الحركات الأصولية التي تعارض ذلك الأمر وترفضه بشدة.

وينتهي هشام شرابي إلى التأكيد على أن حركة تحرير المرأة هى أساس التغيير الاجتماعي والثقافي، وهى التي ستعمل كفتيل يُساعد على إشعال المُجتمع الأبوي من الداخل، كما أنها ستكون بمثابة حجر الزاوية الذي سيقوم عليه نظام الحداثة. فالمرأة العربية المُتحررة هى أمل المستقبل، كما أنها القنبلة الموقوتة التي بقدرتها على الرفض والمُقاومة، ستزعزع أسس النظام وتخلخل شرعية سُّلطته وتفكك بنيته(52).

لذا، فتحقيق تحرير المرأة عند هشام شرابي لا يتحقّق فقط على صعيد النيّة الحسنة والخطب الرنّانة بل على مستوى القانون والممارسة الاجتماعية، وذلك يتطلّب المساواة في التنشئة في مرحلة الطفولة بين الذكر والأنثى وفي المعاملة ضمن العائلة وفي المدرسة وفي الجامعة وفي مكان العمل. وهو يعني  إتاحة فرص الاستقلال الاقتصادي، فتصبح المرأة قادرة على إعالة نفسها والتخلص من عبوديّتها للرّجل، الذي هو مصدر عبوديتها الاجتماعية. وهذا بدوره يعني التشريع الذي يحميها من سطوة المُجتمع الأبوي الذي هو أقسى وأعنف المُجتمعات الذكورية في التاريخ بتأمين حقّها في العمل والوراثة والطلاق ورعاية الأطفال والتأمين الاجتماعي الكامل(53).

ويتضح تميز وإختلاف هشام شرابي في تناوله لقضية تحرير المرأة عن السابقين له، الذين إتخذوا الشعارات للدفاع عن المرأة، ولم يفعلوا مثله في البحث والتنقيب عن حل وتغيير جذري لتجاوز تلك الإشكالية، فتحرير المرأة لم يعد من خلال مجرد إرسالها للمدارس للتعليم، أو من خلال المُطالبة بإزالة الحجاب عن وجوههن، أو من خلال منحهم بعض الحقوق المدنية والمهنية فحسب، بل يؤكد ويُطالب بضرورة إحداث تغيير جذري لحل تلك الإشكالية. فالتحرير لا يتحقق بمجرد اقتباس العادات والملابس والمدارس الغربية، فهذه ليست إلا مظاهر خارجية كثيرًا ما تخفي العلاقات التقليدية، وبالتالي تمنع تغييرها(54).

وفي النهاية، نتسائل ما هو ذلك التغيير الجذري الذي ينادي به هشام شرابي كحل جذري لتجاوز إشكالية المرأة العربية؟ يتمثل هذا الحل في المُطالبة بضرورة تغيير علاقة المرأة بالرجل، فتحرير المرأة لا يتم في النهاية إلا بتغيير علاقتها بالرجل، وهذا يعني تغيير دورها ومكانتها في العائلة وفي المُجتمع، هذا هو التغيير الجذري الذي يُمكنها من تحقيق قدراتها الإنسانية بصورة كاملة وبشكل تتساوى فيه حقوقها وواجباتها مع حقوق الرجل وواجباته، فتصبح عندئذ إنسانًا بكل ما في ذلك من معنى؛ وهكذا يمكننا أن نقول ان الإنسان العربي أصبح إنسانًا مُكتملًا لا نصف إنسان(55).

وفي حقيقة الأمر، نجد إقتراح هشام شرابي الذي يقدمه كتغيير جذري وكحل لتجاوز إشكالية المرأة، هو إقتراح نتمنى تحقيقه على أرض الواقع العربي المُعاصر، حيث يتم تغيير علاقتها بالرجل، فلم يعد ينظر لها الرجل كزوجة أو كأم فقط، أي تغيير تبعيتها للرجل، وبالتالي تغيير تلك العقلية العربية التي نشأت في مُجتمع ذكوري قائم على التمييز بين الرجل والمرأة، وعدم الإيمان بالمساواة التامة والكاملة بينهما، مُستعينًا في ذلك بالعادات والتقاليد حينًا وحينًا آخر بالأصول الديِنية. لذا يُقدم لنا هشام شرابي حلًا يمكن أن نتطلع من خلاله لتغيير تلك العقلية العربية الذكورية الأبوية المُتسلطة، فإذا نشأ الطفل ذكرًا كان أم أنثى منذ صغره على فكرة المُساواة التامة بين الرجل والمرأة في المنزل وفي المدرسة وفي الشارع وفي العمل، فسوف نجد في المُستقبل جيلًا جديدًا نشأ وتربى على فكرة الحرية وعدم التبعية، والإحترام التام والكامل للمرأة ومساواتها بالرجل، وأن لها الإستقلال الذاتي وعدم تبعيتها لأي سُّلطة وخاصة للرجل، فينشأ وفق ذلك جيلًا جديدًا رافضًا لجميع أشكال الاستبداد والإستعباد مُطالبًا بكافة حقوقه كإنسان بعيدًا عن أي تعصب أو إنحياز لجنس عن آخر. ومن ثم لا ينشأ الجيل الجديد ويُربى على المُعتقدات القديمة المُوروثة مثل أن "المرأة للمنزل" وأن المرأة هى نصف الرجل وليست مُساوية له وخاصة في الشهادة والميراث، وأن المرأة هى أداة ترف ومتعة الرجل. فتنشأ بُناء على ذلك عقلية عربية جديدة رافضة لكل تلك المُعتقدات الرجعية القديمة المُتوارثة.

تعقيب:

يعكس التيار الحداثي رؤيته التقدمية للتاريخ في رؤيته لمشروع النهضة وشروطها، والتي ترى أن حركة التاريخ والتقدم مُستقيمة مُتجهة دائمًا إلى الأمام، فهى قفزة نحو الأمام إلى المستقبل نحو الغرب الأوروبي. فينتهي هذا التيار إلى التأكيد على ضرورة رفض الماضي/ التراث بإعتباره من أهم العوائق الرئيسية أمام التقدم والنهضة، والمُطالبة بإحداث قطيعة معرفية مع هذا الماضي/ التراث العربي. في مُقابل المُطالبة بضرورة الأخذ عن الغرب الأوروبي جميع مُكتسباته، والتي كانت أحد أسباب تفوقه وتقدمه، أي الدعوة للتبني التام والكلي للغرب الأوروبي.

ومن أهم المآخذ التي تؤخذ على أصحاب الفكر التغريبي أنهم قد بالغوا كثيرًا في تبنيهم للفكر الغربي وللحضارة الغربية، وطالبوا بضرورة إحداث قطيعة معرفية مع التراث. فقد نظروا إلي الحداثة الغربية بعيون أصابتها غشاوة الإنبهار دون أن يكون لديهم الأداة العلمية والفعلية القادرة على تحقيق ذلك النجاح والتقدم والإنبهار. فقد كان الإنبهار هنا هو إنبهار بحصيلة ونتائج العلم، مما نتج عنه التبعية للغرب الأوروبي والتقليد الأعمى للغرب. فلم يقوموا بعملية إستيعاب لمُكتسبات الحضارة الغربية ودراستها وتعلمها-والتي هى سبب تقدمهم وتفوقهم- ثم تجاوز ذلك العلم والدراسة والإستفادة منه في عالمنا العربي المُعاصر. أي محاولة التحول الفعلي من عملية الاستهلاك لمنتجات الغرب الأوروبي إلى عملية الإنتاج، ومن عملية النقل والتقليد إلى عملية الإبداع الفكري.

***

بقلم: د. زينب عبد الرحمن عبدالله

مُدرس بكلية الآداب، جامعة الفيوم، جمهورية مصر العربية

..................

الهوامش:

يُستثنى منهم "شبلي شميل" (1850م - 1917م) حيث كان له موقفًا غامضًا تجاه المرأة من خلال إقراره بمبدأ "عدم المساواة بين الرجل والمرأة"، فيذهب إلى أن الغلبة دائمًا تكون للرجل جسديًا وعقليًا وأدبيًا، معتمدًا في ذلك على علم التشريح، ومن الناحية الأدبية يصف المرأة بأنها تتميز عن الرجل بالحيل والخداع، ومن الناحية العقلية أي التفكير العقلي يرى أنه نتيجة لتكوينها الجسماني للدماغ، فهى أقل من الرجل في القوى العقلية؛ وبالتالي يؤكد على تفوق الرجل على المرأة. ويرى أن المرأة غير قادرة على الإبداع والإبتكار، في حين أن الرجل يستطيع ذلك؛ وبناء على ذلك يعارض أن تكون المرأة حاكمة، فالمرأة من وجهة نظره غير قادرة على الحكم أو حتى الوصول إليه. الأمر الذي يكشف عن مدى عدم تخلص شبلي شميل من بعض الأفكار الشرقية الرجعية وخاصة فيما يتعلق بالمرأة وقضاياها، فحاول أن يثبتها بالدليل العلمي -من خلال الدليل التشريحي ونظرية التطور - بدلًا من أن يتخلص من تلك الأفكار الرجعية لعدم توافقها مع مُتطلبات العصر الحديث.

(للمزيد انظر: شبلي شميل :"المرأة والرجل وهل يتساويان"، ضمن كتاب "مجموعة الدكتور شبلي شميل"، ص95: 115).

 تعد مجلة (الفتاة) أول صحيفة نسائية في الوطن العربي أسستها هند نوفل (1860- 1920م) في الاسكندرية عام 1892م.

(للمزيد أنظر : إليزابيث سوزان كساب :" الفكر العربي المعاصر دراسة في النقد الثقافي المقارن"، ص57).

(1) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص135.

يحكي سلامة موسى في سيرته الذاتية أنه ذات يوم وقف في الشارع أمام البيت ونادى على أخته الكبرى بإسمها كي تفتح له، فما يدري إلا وقد إنفتح الباب وإنهالت عليه ضربًا، لأنه ناديها باسمها، لأن الحجاب كان لا يزال يغشى البيوت، وكان يقضي بألا تذكر أسماء البنات- وهو ما يزال موجودًا حتى الآن تلك العادة عدم ذكر اسم المرأة أو المناداة باسمها- كما يجب ألا ترى وجوههن، وقد حجزت أخته بالبيت منذ العاشرة وقد أفسد هذا الحجاب برنامج تعليمها. فقد كانت بالزقازيق مدرسة قبطية للبنات ولكن الرجعية الاجتماعية حالت دون الإنتفاع بها.(للمزيد أنظر : سلامة موسى :" تربية سلامة موسى"، ص20، 21).

(2) سلامة موسى :" المرأة ليست لعبة الرجل"، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2012م، ص7.

(3) المرجع السابق، ص71.

حيث هناك البعض الذي أرجع سبب استبداد الرجل للمرأة إلى معاناة الرجل في المجتمع من الاستبداد السياسي في الحكم، والقهر الذي يتعرض له الرجل في المجتمع.

(4)أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص27.

(5) قاسم أمين :" المرأة الجديدة"، ضمن كتاب "قاسم أمين الأعمال الكاملة"، تقديم: محمد عمارة،  ص468.

(6) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص28.

(7) إسماعيل مظهر :" المرأة في عصر الديمقراطية"، تقديم : أحمد الهواري، دار عين، القاهرة، ط1، 2015م، ص166.

(8) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص177، 178.

(9) قاسم أمين :" تحرير المرأة"، ضمن كتاب :"قاسم أمين الأعمال الكاملة"، تقديم : محمد عمارة، ص331.

(10) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص178.

(11) قاسم أمين :" تحرير المرأة"، ص332.

(12) المرجع السابق، ص344.

(13) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص179.

(14) قاسم أمين :" تحرير المرأة "، ص412.

(15) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص194.

(16) سلامة موسى :" المرأة ليست لعبة الرجل"، ص8.

(17) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص243.

(18) سلامة موسى :" المرأة ليست لعبة الرجل"، ص9.

(19) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص243، 244.

(20) إسماعيل مظهر :" المرأة في عصر الديمقراطية"، ص10.

(21) المرجع السابق، ص178.

(22) قاسم أمين :"المرأة الجديدة"، ضمن كتاب قاسم أمين والأعمال الكاملة" تقديم : محمد عمارة، ص457.

(23) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص244.

(24) إسماعيل مظهر :" المرأة في عصر الديمقراطية"، ص41.

(25) سلامة موسى :" المرأة ليست لعبة الرجل"، ص83.

(26) المرجع السابق، ص15.

(27) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص280.

لقد أرجع قاسم أمين ظاهرة "تعدد الزوجات" إلى كونها عادة قديمة كانت مألوفة عند ظهور الإسلام، في حين نجد إسماعيل مظهر يقدم تفسيرًا لتلك الظاهرة بأنها كانت لحاجة إقتصادية، وكذلك الإقلاع عنها في وقتنا الحاضر هو لضرورة إقتصادية، فلما كانت مصر بلدًا زراعية، والزراعة قبل الإنقلاب الإقتصادي كانت قائمة على القوة العضلية، لذلك عمد الرجال إلى التزوج بأكثر من واحدة طمعًا في الثروة والغنى عن طريق العمل العضلي في الحقل وفي البيت، ولكن عندما وقع الإنقلاب الإقتصادي، وزاد التبادل التجاري بين مصر وأوروبا حلت القدرة الإقتصادية في الزراعة مكان القوة العضلية، وأصبح كبر الأسرات عبئًا ثقيلًا بعد أن كان عونًا، وأضطر الرجل أمام هذا الأمر أن يقلل من عدد الزوجات، ومن عدد الأبناء. لأن ذلك أصبح مجلبة للثروة والرفاهية، كما أصبح عكسه مجلبة الفقر والتعاسة.

(للمزيد أنظر : إسماعيل مظهر :" المرأة في عصر الديمقراطية"، ص113)

(28) سلامة موسى :" المرأة ليست لعبة الرجل"، ص15.

(29) قاسم أمين :" تحرير المرأة"، ضمن كتاب "قاسم أمين الأعمال الكاملة"، تقديم : محمد عمارة، ص393.

(30) المصدر السابق، ص395.

(31) المصدر السابق، ص395.

(32) المصدر السابق، ص396.

(33) سلامة موسى :" المرأة ليست لعبة الرجل"، ص70.

(34) إسماعيل مظهر :" المرأة في عصر الديمقراطية"، ص99، ص100.

(35) خالد قطب :" قراءة في خطاب هشام شرابي النسوي"، أوراق فلسفية، العدد 41، 2015م،  ص277.

(36) هشام شرابي :" النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط3، 1999م، ص70، 71.

(37) مها كيّال :" المرأة العربية في فكر هشام شرابي"، أوراق فلسفية، العدد 41، 2015م، ص185، 186.

(38) هشام شرابي :" النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين"، ص80.

(39) خالد قطب :" قراءة في خطاب هشام شرابي النسوي"، ص281، 282.

(40) هشام شرابي :" النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين"، ص19.

(41) خالد قطب :" قراءة في خطاب هشام شرابي النسوي"، ص280، 281.

(42) المرجع السابق، ص281.

(43) هشام شرابي :" النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين"، ص80.

(44) المرجع السابق، ص97.

(45) المرجع السابق، ص98.

(46) خالد قطب :" قراءة في خطاب هشام شرابي النسوي"، ص178، 279.

(47) مها كيّال :" المرأة العربية في فكر هشام شرابي"، ص176.

(48) هشام شرابي :" النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين"، ص99.

(49) مها كيّال :" المرأة العربية في فكر هشام شرابي"، ص188.

(50) هشام شرابي :" النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين"، ص72.

(51) مجدي الجزيري :" المرأة العربية بين التبعية والاستقلال في فكر هشام شرابي وعبد الوهاب بوحديبة"، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون- بيت الحكمة، تونس، 2005م، ص216.

(52) مها كيّال :" المرأة العربية في فكر هشام شرابي"، ص 174، 191.

(53) مجدي الجزيري :" المرأة العربية بين التبعية والاستقلال في فكر هشام شرابي وعبد الوهاب بوحديبة"، ص217.

(54) هشام شرابي :" مقدمات لدراسة المجتمع العربي"، الدار المتحدة للنشر، بيروت، ط3، 1984م، ص114، 115.

(55) المرجع السابق، ص115.

 

تتبنى جميع التشريعات مبدأً عاماً يشمل بحكمه كل فروع القانون، مفاده ان كل ما ‏يخالف النظام العام والآداب العامة يعتبر ‏باطلاً وغير مشروع.

الجذور التاريخية:

في القانون الحديث، تأسس مفهومه بشكل واضح في فرنسا حيث نصت عليه المادة (10) من إعلان حقوق الإنسان والمواطن (الفرنسي) لعام 1789 على انه:

(لا يجوز ازعاج أي شخص بسبب آرائه، حتى الدينية منها، شريطة ألا يؤدي التعبير عنها الى الإخلال بالنظام العام الذي ينص عليه القانون).

ولاحقاً تم التوسع فيه مع صدور القوانين التي تمنح سلطات "الضبط الإداري" سلطة حماية الأمن والصحة العامة، كما في قانون 5 أبريل 1884 الفرنسي.

وفي العصر الحالي، ترسخ هذا المبدأ في الدساتير والقوانين المدنية في مختلف دساتير وقوانين الدول ليكون بمثابة حد فاصل بين حريات الأفراد ومصلحة الجماعة.

ونتناول مفهوم النظام العام والآداب العامة ومعاييره وعناصره وتطبيقاته في عدة فقرات:

اولاً- معيار النظام العام والآداب العامة:

1- معيار النظام العام:

النظام العام معيار كلي مرن ونسبي، فضلاً عن انه معيار قانوني وقضائي.

فهو معيار كلي لأن قوامه حماية المصالح السياسية والاقتصادية ‏والاجتماعية العليا السائدة في المجتمع.

فهو فكرة سياسية في الأصل لانه يُعين على ‏تحقيق الهدف الذي يبتغيه كل نظام قانوني، لا الوسائل الفنية كالجزاءات ‏التي اعدها ‏القانون للوصول الى ذلك الهدف،

وهو معيار نسبي لأن مضمونه يتغير بتغير الزمان ‏والمكان،

فالمثلية في المجتمعات الغربية كانت لعهد قريب تعتبر انتهاكاً للنظام العام والأخلاق الكنسية، ثم حدث تحول مفاجئ بالاعتراف بها رغم انها في الواقع تتعارض مع الحياة الطبيعية لكل الكائنات البشرية وغير البشرية.

ثم انه معيار ‏قضائي مرن يدرجه المشرع دون ضبط فأُعتبر فكرة على بياض يتولى القاضي ملء ‏مضمونها وفقاً للأفكار السياسية ‏والاجتماعية السائدة وقت نظر النزاع لضمان حسن سير الحياة الاجتماعية.‏

الا ان ‏القاضي لا يملك ان يحل معتقداته الشخصية محل معتقدات ‏وقيم الجماعة نفسها‏، فيعتبر تحديد مضمونه مسألة قانونية تخضع لرقابة محكمة ‏التمييز كضمانة مهمة تَضمُن إقامة هذا التحديد على أسس موضوعية لا ذاتية.

وهو معيار اجتماعي يُدركه الافراد عادة في وقت مبكر من العمر، اذ يضبط دورة حياة التنشئة الاجتماعية ويحدد القوالب النمطية لذلك المجتمع وفق ما تحدده ثقافته المحلية في زمن محدد بما ويتوافق مع توقعاتهم للسلوك المطلوب من كل فرد في المجتمع.

وهو معيار قانوني يرد النص عليه صراحة او ضمناً ضمن فروع القانون المختلفة، كما سنوضح لاحقاً.

كما المجتمعات المتحضرة تتمسك بشدة بمبدأ (القانون هو القانون)، بينما تتمسك المجتمعات الأدنى حضارياً بالأعراف القبلية اكثر من تمسكها بالقانون، مما يولد خللاً إجتماعياً واضحاً يتعارض وفكرة النظام العام التي تدعم نظام الدولة الحديثة دون نظام القبيلة السابق للدولة.

وغاية الفكرة حماية المصلحة العامة والمجتمع‎ ‎ومؤسساته ‏من الإنهيار،‎ ‎ولذلك نجد أن متعلقات النظام السياسي كالحريات العامة وشكل الحكم وسلطات الدولة ونظامها الاقتصادي ومايرد عليه من حرية أو قيود على التداول النقدي وأسعار صرف العملة والتجارة الخارجية، هي من النظام العام.

وكل ما يتصل بكيان الأسرة من زواج وطلاق ونسب ونفقة وقرابة، نظراً لإتصالها بالأسس الاجتماعية للمجتمع.

2- معيار الآداب العامة:

أما الآداب العامة ،فهي مجموعة القيم والمعايير الخلقية التي يقوم عليها النظام ‏الإجتماعي في زمان ومكان معينين.‏

وهي الاخرى معيار كلي مرن ونسبي، قوامه الأخلاق العامة التي تُمثل الضمير العام ‏للجماعة، وفكرة اخلاقية نفذت ‏الى الفكر القانوني فأكتسبت طابعاً عملياً ومن ثم ‏ليست هي الاخلاق المثالية التي ينادي بها الفلاسفة ورجال الدين، بل هي ‏الاخلاق ‏العملية المتوسطة التي تشمل ما يتصل بالناموس الأدبي الذي تحرص ‏الجماعة عليه في العلاقات ‏بين الافراد وتمنع انهياره. وكلما اقترب المجتمع من التحضر اكثر ارتفع ‏المعيار الخلقي النمطي وزاد التشدد فيه، كتقديس النظافة واللياقة في السلوك والتعبير.‏

وبما ان نطاق القانون يختلف عن نطاق الاخلاق، فأن هدف المشرع ‏من تبنيه لفكرة الآداب العامة ليس ‏الرغبة في الارتفاع بالجماعة الى مستوى الكمال ‏الخلقي، وانما يقصد بذلك الا يمنح حمايته للتصرفات التي تكون مخالفة ‏للآداب. ‏

ثانياً- أهمية فكرة النظام العام والآداب العامة:

تعد فكرة النظام العام والآداب العامة المنفذ الذي تنفذ منه العوامل السياسية والاقتصادية ‏والاجتماعية الى النظام ‏القانوني لتلائم بينه وبين التطور الإجتماعي.‏‏

وترد صياغة معيارا النظام العام والآداب العامة في التشريع دون ضَبط وبقصد ان يكونا على قدر من ‏الغموض حتى يكملا ما فات القانون من نقص وقصور، ويعطيا معايير واسعة لكل ما يجب اعتباره غير مشروع ‏ولو لم يرد نص بتحريمه.‏‎ ‎

ثالثاً- أنواع النظام العام:

يمكن تمييز نوعين من النظام العام، وفقاً للأفكار القانونية والسياسية الحديثة:

1 ـ النظام العام الصريح والنظام العام الضمني:

أ - النظام العام الصريح: وهي قواعد ترد في التشريع تنص صراحة اعلى افعال محددة على انها تعد من النظام العام، ويعد كل اتفاق مخالفة هذه الأحكام باطلاً.

ب - النظام العام الضمني: وهي القواعد التي تستخلص من مضمون النص، حيث لايتضح فينا اذا كانت هذه القواعد أمرة لايحوز الاتفاق على خلافها ام انها قواعد مفسرة لإرادة المتعاقدين يجوز الاتفاق على خلافها.

والقاضي هو الذي الذي يستخلص من معنى النص، معناها ومدى الزامها، ويجب على القاضي في مثل هذه الحال أن يبحث عن المصلحة التي تحميها القاعدة، فإذا تبين له أنها مصلحة أساسية من مصالح المجتمع، كانت القاعدة آمرة، ومن ثمّ تتعلق بالنظام العام.

2 ـ النظام العام السياسي والنظام العام الاقتصادي:

أ- النظام العام السياسي:

وهي القواعد التي تتعلق بتنظيم الدولة والعلاقات الدولة وفروع القانون العام كالقانون الدستوري والقانون الإداري والقانون المالي والقانون الجنايي قواعد قانون الاحوال الشخصية بشكل عام، تعد من النظام العام ومن ثم يعد كل اتفاق يخالف تنظيم الدولة لهذه القوانين باطلاً لتعلقه بالنظام العام.

ب ـ النظام العام الاقتصادي: وهي فكرة حديثة نسبياً، قد تأتي استثناءاً من قواعد مستقرة من قاعدة العقد شريعة المتعاقدين ومن تطبيقاتها عقود الإذعان التي يحمى فيها الطرف الضعيف ولو كان دائناً، وكذلك يهدف إلى حماية الطرف الضعيف اقتصادياً في بعض العقود، كالقواعد التي تهدف إلى حماية العامل في عقد العمل، وكذلك تسعيرة المواذ الغدائية في اوقات الازمات ، وكذلك ما يتعلق بحماية الاقتصاد الوطني مثل حظر التعامل بالعملة الاجنبية داخل البلد او تحديد العملات التي يحوز اخراجها من قبل المسافرين للدول الأجنبية.

رابعاً- عناصر النظام العام

تنطوي فكرة النظام العام على أربعة عناصر‎: ‎

‏1. الأمن العام: وهو مجموعة القواعد القانونية والاجراءات الواجب اتباعها للمحافظة على ‏السلامة العامـة لأفراد المجتمع ومنع المخاطر التي تهدد حياتهم وممتلكاتهم.

سواء كان مصـدرها ‎‎الطبـيعة كالزلازل و الفيضانات، او بفعل الإنسان كالجرائم ‏، او الحيوانات السائبة، والمظاهرات غير السلمية التي تخل بالامن الـعام مما يخول السلطات معالجتها ولو بالقوة‎.

‏2. السكينة العامة؛ وهي مجموعة القواعد التي تحمي الإنسان في حياته‎ ‎اليومية بحيث توفر له سبل الاستقرار والراحة و الهدوء.

مما يوجب على السلطات القضاء علـى ‏الأسباب التي تزعج المواطن و تقلقـه‎ ‎كمعالجة الازدحامات ومكافحة الضوضاء ومنع التجاوزات على الأرصفة ومعالجة التسول.‏‎‎

‏3. الصحة العامة: وهي مجموعة القواعد التي توفر الوقاية للمواطنين وتحميهم من المخاطر‎ ‎الصحية كالأمراض والأوبئة.

‏ مثل بناء المستشفيات وتوفـير الأدوية واللقاحات ورفع النفايات وتفتيش المحلات التجارية المتعلقة بالصحة العامة.

‏4. الآداب العامة:ويقصد بها وضع القواعد التي تنظم السلوكيات العامة في نطاق القيم الخلقية وثقافة الشعب الأدبية التي يتطلع للحفاظ ‏عليها.‏

ومن ذلك مراقبة الوسائل ذات الطابع الثقافي كالأفلام‎ والمجلات ومواقع التواصل الإجتماعي التي تروج لأفكار شاذة وهابطة وغلق الاماكن المشبوهة.

وقد اضيف عنصر جديد بموجب قرار مجلس الدولة الفرنسي عنصر (حفظ الكرامة البشرية)حيث تم منع عرض ساخر يتعلق بالأقزام. بناء على طلب بلدية مورسانج - سور أورج .

وبجعل احترام كرامة الإنسان عنصراً من عناصر النظام العام، أثبت مجلس الدولة الفرنسي أن النظام العام لا يمكن اعتباره مجرد مفهوم "مادي وخارجي"، بل يشمل مفهوماً للإنسانية تضمنه السلطات العامة.

ومع ذلك، امتنع مجلس الدولة عن ترسيخ الآداب العامة كعنصر من عناصر النظام العام، حرصاً منه على عدم التوسع المفرط في تفسير صلاحيات الشرطة للسلطة الإدارية.

كما إن حماية كرامة الإنسان من جميع أشكال الاستعباد أو الإذلال، تغطيها أيضاً المادة (3) من الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية التي تحظر المعاملة اللاإنسانية أو المهينة، قد تم رفعها بالفعل إلى مرتبة مبدأ ذي قيمة دستورية من قبل المجلس الدستوري الفرنسي.

خامسا - النظام العام والآداب العامة في النظام القانوني العراقي:

أبرز المواد المتعلقة بالنظام العام في التشريع العراقي

1- دستور جمهورية العراق لسنة 2005 النافذ: تعد القواعد الدستورية بشكل عام قواعد أمرة ومن النظام العام، وكل مخالفة لها او الاتفاق على خلافها يعتبر باطلاً.

وفيما يتعلق بالحريات العامة نصت المادة (38) على انه: تكفل الدولة، بما لا يخل بالنظام العام والاداب:

اولا:- حرية التعبير عن الراي بكل الوسائل.

ثانيا:- حرية الصحافة والطباعة والاعلان والاعلام والنشر.

ثالثا:- حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، وتنظم بقانون.

2 - القانون المدني رقم 40 لسنة 1951: ضم العديد من القواعد الامرة المتعلقة بالنظام العام والآداب العامة، من ذلك ذلك على سبيل المثال:

المادة (32) منه حيث نصت على انه:

(لا يجوز تطبيق احكام قانون اجنبي قررته النصوص السابقة اذا كانت هذه الاحكام مخالفة للنظام العام او للاداب في العراق).

نص المادة 130 منه حيث نصت على انه:

(1 – يلزم ان يكون محل الالتزام غير ممنوع قانونا ولا مخالفا للنظام العام او للاداب والا كان العقد باطلا.

2 – ويعتبر من النظام العام بوجه خاص الاحكام المتعلقة بالاحوال الشخصية كالاهلية والميراث والاحكام المتعلقة بالانتقال والاجراءات اللازمة للتصرف في الوقف وفي العقار والتصرف في مال المحجور ومال الوقف ومال الدولة وقوانين التسعير الجبري وسائر القوانين التي تصدر لحاجة المستهلكين في الظروف الاستثنائية).

المادة 131 منه حيث نصت على انه:

(1 – يجوز ان يقترن العقد بشرط يؤكد مقتضاه او يلائمه او يكون جاريا به العرف والعادة.

2 – كما يجوز ان يقترن بشرط نفع لاحد العاقدين او للغير اذا لم يكن ممنوعا قانونا او مخالفا للنظام العام او للاداب والا لغا الشرط وصح العقد ما لم يكن الشرط الدافع الى التعاقد فيبطل العقد ايضا).

المادة 132 منه حيث نصت على انه:

(1 – يكون العقد باطلا اذا التزم المتعاقدون دون سبب او لسبب ممنوع قانونا ومخالف للنظام العام او للاداب.

2 – ويفترض في كل التزام ان له سببا مشروعا ولو لم يذكر هذا السبب في العقد ما لم يقم الدليل على غير ذلك.

3 – اما اذا ذكر سبب في العقد فيعتبر انه السبب الحقيقي حتى يقوم الدليل على ما يخالف ذلك).

3- قوانين التجارة والاستثمار: تتضمن قوانين التجارة والشركات والاوراق التجارية بشكل عام عدداً من القواعد الأمرة التي تتعلق بالتظام العام، تشمل أبرز تطبيقاتها بطلان العقود المخالفة للقانون، قواعد الإفلاس والإعسار، أحكام الشركات (كالحد الأدنى للشركاء في نوع معين من الشركات ورأس مال الشركات والتسجيل لدى مسجل الشركات)، وقواعد الوكالة التجارية وتحديد الفوائد.

وقد أقرّ المشرّع العراقي من خلال قانون التجارة وقانون الشركات مجموعة من الشروط الموضوعية والشكلية الملزمة فيما يعد من الأعمال التجارية والاوراق التجارية ولصحة عقد تأسيس الشركة، من بينها مشروعية الغرض، أهلية الشركاء، شكلية العقد، التقييد في السجل التجاري والإشهار. يهدف هذا التدخل من النظام العام إلى خلق توازن بين حرية التعاقد والاستثمار من جهة، وحماية المصلحة العامة والثقة في البيئة الاقتصادية من جهة أخرى.

4- القوانين الإجرائية (قانون اصول المحاكمات الجزائية، قانون المرافعات المدنية، قانون التنفيذ):

تعتبر معظم القواعد الإجرائية في القانون العراقي من النظام العام، حيث تهدف إلى تنظيم سير العدالة وضمان حسن سير المرافق القضائية. القواعد الآمرة التي لا يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفتها، مثل الاختصاص النوعي والوظيفي، تثيرها المحكمة من تلقاء نفسها وتتعلق بالنظام العام.

أبرز القواعد الإجرائية المتعلقة بالنظام العام في العراق

الاختصاص النوعي والوظيفي:

الاختصاص النوعي (مثل اختصاص محكمة البداءة أو الأحوال الشخصية) متعلق بالنظام العام، ولا يجوز الاتفاق على خلافه، ويجوز التمسك به في أي مرحلة من مراحل الدعوى.

المواعيد الإجرائية: المواعيد التي وضعها المشرع لإجراءات معينة (مثل الطعن) تعتبر آمرة، وتتسم بصفة النظام العام لضمان استقرار المراكز القانونية.

شرعية الإجراءات الجنائية: يجب اتخاذ الإجراءات الجنائية وفقاً لقانون أصول المحاكمات الجزائية، وأي خلل فيها يمس النظام العام.

تشكيل المحاكم: قواعد تشكيل المحاكم وصلاحياتها تعد من النظام العام ولا يجوز للأطراف تجاوزها.

باختصار، القوانين التي تهدف لحماية مصلحة المجتمع العليا وسير العدالة هي قواعد نظام عام لا تملك الأطراف حرية تغييرها.

سادساً- تقدير النظام العام والاداب العامة:

حتى لاتتحول فكرة النظام العام والآداب العامة الى وسيلة لتكميم الافواه وقمع الحريات العامة فإن من يقرر مفهومها ونطاق مخالفة عناصرها هو القضاء حصراً.2008

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية.

إعداد وترجمة

د. علي أسعد وطفة

***

"إِنَّنَا الْيَوْمَ نَرْقُصُ رَقْصَةَ الْأَشْبَاحِ… وَلَكِنَّنِي لَسْتُ مُوقِنًا مِنِ اسْتِرْدَادِ مَعْنَى الدَّائِرَةِ، لَقَدِ اجْتُثَّتِ الشَّجَرَةُ الْمُقَدَّسَةُ مِنَ الْجُذُورِ وَلَكِنْ… مَا يُدْرِيكَ! لَعَلَّ هُنَاكَ جَذْرًا صَغِيرًا فِي الْأَرْضِ وَلَعَلَّهُ يَكْبُرُ لِيَصِيرَ شَجَرَةً مِنْ جَدِيدٍ."

الأَيِّلُ الْأَسْوَدُ (Black Elk) (1)

"أَحْيَانًا يَبْدُو التَّارِيخُ وَكَأَنَّهُ شَاعِرٌ مَجْنُونٌ، يُعِيدُ كِتَابَةَ مَآسِيهِ، لَا لِيُحَسِّنَ الْمَعْنَى، بَلْ لِيُكَرِّرَ وَيُعَظِّمَ الْأَلَمَ. فَلَا تَنْسَوُا الْإِبَادَاتِ الْجَمَاعِيَّةَ أَبَدًا، فَإِنَّهَا تَتَكَرَّرُ عِنْدَ نِسْيَانِهَا."

عَلِيُّ عِزَّتُ بِيغُوفِيتْش (Ali Izet Begović)

1- مقدمة: كيف نفسّر قيام مجموعات متوحّشة من البشر بممارسة أفظع مجازر التطهير العرقيّ والمذابح الدموية ضدّ مجموعات بشريّة عرقيّة ودينيّة مدنية آمنة؟ كيف يستطيع إنسان ما أن يمارس أشدّ أنواع القتل والتعذيب والفتك بالنساء والأطفال والشيوخ والأبرياء دون أيّ مبرّر أخلاقيّ أو إنسانيّ؟ وما يدعو إلى العجب أنّ هؤلاء القتلة يبتهجون ويفرحون ويهلّلون ويكبرون بعد تنفيذهم لجرائم الذبح والقتل والتطهير العرقيّ والطائفيّ ضد أناس مدنيون عزّل لا يحملون سلاحا ولا حول لهم ولا قوة. وقد شاهدنا عبر وسائل الإعلام ورأينا عبر الشهادات الأمميّة المصوّرة كيف تقوم الجماعات المتطرّفة بقطع رؤوس الأطفال وحرق النساء وقتل الشيوخ وشقّ البطون وأكل الأكباد. وقد رأينا بأمّ العين كيف تُقْتَل عائلات بأكملها بما فيهم الأطفال والنساء والشيوخ والرضّع دون رحمة أو استثناء. والأدهى من ذلك أنّ هؤلاء القتلة يفخرون بجرائمهم ضدّ الإنسانيّة ويتفاخرون ثم يحتفلون ابتهاجا، وقد صوروا أنفسهم وهم يحملون الرؤوس المقطوعة، يرقصون بها فرحا ويقذفونها في الهواء ابتهاجا، ويتلاعبون بها بأقدامهم لهوا، ثمّ يمثّلون بجثث ضحاياهم من الأمّهات المفجوعة والأطفال والشيوخ، وذلك كلّه دون أن تتحرّك فيهم أيّة بادرة للشفقة والرحمة الإنسانيّة. وقد شاهدنا كثيراً من هذه المشاهد في سوريا والعراق والسودان خلال حروب الإبادة الجماعيّة والتطهير العرقيّ الّذي نُفِّذ على أساس طائفيّ وعرقيّ ودينيّ وقوميّ. وما يزال هذا النشاط الدمويّ مستمرّاً واحتمالات انفجاراته قائمة دائمة. والسؤال العجيب الغريب المذهل كيف يمكن لإنسان أن يبتهج ويهلّل ويكبر ويغنّي وينشد وينتفض ابتهاجاً عندما يقطع رأس طفل ويشق احشاءه ويأكل كبده، أو عندما يقتل إنسانا حرقا أو رميا من الطوابق العليا و، الأدهى كيف تتجمد فيهم الإنسانية ليقوموا بقتل الأطفال وذبحهم والتمثيل بهم أمام أمّهاتهم وآبائهم.

والسؤال الّذي يطرح نفسه في المستوى السيكولوجيّ: ما البنية السيكولوجيّة لهؤلاء الوحوش، وكيف جُرِّدُوا من كلّ إحساس إنسانيّ أو أخلاقيّ؟ كيف تحوّلوا إلى كائنات تفوق الوحوش جميعها وحشيّة وضراوة ودموية؟ فالوحوش لا تقتل حبّاً بالقتل، وإنّما هو الإنسان وحده الّذي يتلذّذ بالقتل والتعذيب والقهر. ونحن نقرّ بأنّ وجود هؤلاء الوحوش ناجم عن أيديولوجيّات عرقيّة قمعيّة إباديّة سوداء. وأنّ هذه الأيديولوجيّات المظلمة هي الّتي تحوّل هذه الكائنات المتوحّشة إلى كائنات باردة جامدة لا تعرف الرحمة في القتل وسفك الدماء. وفي التاريخ الإنسانيّ تجارب كثيرة تدلّ على هذه الأنماط الوحشيّة من قدرة الإنسان على الفتك والقتل والتدمير. وإن كنّا نعلم علم اليقين أنّ التربية المتطرّفة والأيديولوجيّات العرقيّة والدينيّة السوداء تشكّل البوتقة الّتي يتشكّل فيها الإنسان الوحش المتطرّف الّذي لا يتورّع عن إبادة أطفال العالم ونسائه وشيوخه دفعة واحدة لو استطاع.

ويذكر في هذا السياق أن أولى حوادث التطهير العرقي في التاريخ الحديث جرت ضد الهنود الحمر بعد اكتشاف الأمريكتين(2)، ومن المعروف أن الجيوش الأوروبية أبادت أكثر من 80٪ من الهنود الحمر، وهم السكان الأصليين لأمريكا الشمالية، في عام 1846 وقد أُبيد 60 مليونًا من الهنود الحمر، وهي الإبادة العرقية الأخطر في التاريخ الحديث التي مهدت لقيام الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي أوروبا الحديثة، عاش روّاد مدرسة فرانكفورت، وجلهم من اليهود التطهير العرقيّ لأبناء جلدتهم، وقد شكّلت الأحداث الدامية في الهولوكست وأوشفيتز ضدّ اليهود أحد أهمّ العوامل في تطوّر نظريّاتهم النقديّة. وقد حاول هؤلاء المفكّرون، وعلى رأسهم أدونوا البحث العميق في طبيعة التطهير العرقيّ، وحاول أن يبحث في طبيعة التحوّل الوحشيّ للإنسان إلى قاتل بلا رحمة، وكان يخشى تكرار أوشفيتز ضدّ اليهود، ولم يكن يعلم أنّ أبناء جلّدته سيمارسون أنفسهم وحشيّة تفوق أوشفيتز في فلسطين وفي غزّة وفي مختلف مناطق فلسطين السليبة، وقد نفّذ قومه مذابح كثيرة يندى لها الجبين الإنسانيّ خجلاً في أرض كنعان الحبيبة.

وفي الأحوال كلها ما كان لأدورنو أن يوافق على أيّ من المواقف المضادّة للإنسانيّة في فلسطين أو في غيرها ضد بني الإنسان والإنسانية. في هذه المقالة المترجمة في الأصل عن محاضرة لأدورنو حول التربية والتطهير العرقيّ بعد أوشفيتز، يحلّل أدورنو طبيعة الممارسات التطهيريّة العرقيّة ضدّ البشريّة، ويبحث في العوامل التربويّة والتاريخيّة والسيكولوجيّة في تفسير قدرة البشر والكائنات الإنسانيّة على ممارسة الأفعال التطهيريّة ضدّ الإنسانيّة. ومن الطبيعيّ أن يمكننا أن نفهم كثيراً عن طبيعة التوحّش الإنسان ودور التربية في خفض هذا التوحّش المسعور في مجتمعاتنا وبلداننا.

ولم تكن مشاهد الإبادة العرقيّة والتطهير العرقيّ الرهيبة (الهولوكوست وأوشفيتز) في ألمانيا النازيّة نهاية تاريخيّة للمذابح البشرية في العصر الحديث، فالتطهير العرقيّ الدينيّ والإثنيّ والطائفيّ والسياسيّ لم يتوقّف حتّى اليوم، وما زالت المذابح العرقيّة والدينيّة تتواتر بدرجات ربّما لا تقلّ خطورة وأهمّيّة عن مذابح اليهود والفئات المهمّشة في ألمانيا النازيّة.

ولكن، عندما حدث التطهير العرقيّ ضدّ اليهود والأقلّيّات العرقيّة في أوروبا ألمانيا النازيّة انفجر المفكّرون اليساريّون غضباً وتشاؤماً ضدّ مظاهر هذه الإبادة العرقيّة التطهيريّة لليهود وغيرهم في الهولوكست، وفي معسكرات أوشفيتز الدمويّة. وقد عبر أدورنو المفكّر الثائر عن جام غضبه ويأسه وتشاؤمه وإحساسه بالكارثة ضدّ الإنسان والإنسانيّة، وقد تركت هذه المجازر في نفسه، وفي عقول {واد مدرسة فرانكفورت وأغلبهم من المفكّرين اليهود جرحاً غائراً في العقل والروح والوجدان. والسؤال الكبير الّذي طرحه أدورنو في زمنه هو: أين هو دور الثقافة والتربية في مواجهة هذا لأنماط من التطهير العرقيّ والطائفيّ بحقّ الأقلّيّات الدينيّة والعرقيّة والطائفيّة والمذهبيّة.

لقد استشاط ثيودور أدورنو (Theodor Adorno) (3) غضباً وحزناً وحاله مجال العندل الأسود عندما وجد أهل جلدّته وقومه اليهود يذبحون ويقتلون ويبادون في محارق الموت النازية. والأمر الّذي عظّم بلواه، وأخذه إلى حافّة الجنون أنّ الطبقة البرجوازيّة القومية الألمانيّة ساندت هذه الإبادات العرقيّة ضدّ اليهود ولم تمنعها، وكان من أكثر الأمور تدميراً للعقل والروح والوجدان أنّ طبقة واسعة من المثقّفين الألمان شجّعوا هذه المذابح وأيّدوها، ومن لم يفعل التزم الصمت والسكوت المدمّر الّذي لا يمكن وصفه إلّا بالصمت الإجراميّ المشارك في مأدبة التطهير العرقيّ. وكان عليه أن يبحث عن الأسباب والطريقة الّتي يمكن فيها إيقاف هذه المذابح الكبرى تاريخيّاً، وقد وجد أنّه يجب على المجتمع الدوليّ والإنسانيّ أن يقدّم كلّ ما يمكّنه من فعاليّات ثقافيّة وتربويّة وحقوقيّة، وكان يحلم بألّا تتكرّر كارثة أوشفيتز ومعسكراً التطهير في الهولوكست والغولاغ الشيوعيّة. وقد قاده التفكير إلى البحث عن الدور التربويّ للتربية والأنظمة الثقافيّة في توفير الأطر الإنسانيّة الّتي يمكنها أن تحول دون تكرار أوشفيتز وأمثالها في المجتمعات الإنسانيّة.

وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه الجرائم ضدّ الإنسانيّة (الهولكوست أوشفيتز الغولاغ السوفييتي) شكّلت صدمة أخلاقيّة كبرى دفعت الدول المنتصرة في الحرب العالميّة الثانية إلى التفكير في نظام دوليّ يمنع تكرار مثل هذه الكوارث الإنسانيّة، وقد نجم عن جهود هذه الدول ذلك صدور ميثاق الأمم المتّحدة الصادر في 26 يونيو 1945 في مؤتمر سان فرانسيسكو، ضدّ كلّ أشكال الإبادة العرقيّة، وقد جاء فيه "نحن شعوب الأمم المتّحدة، وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب... وأن نؤكّد مجددا إيماننا بحقوق الإنسان الأساسيّة، وبكرامة الفرد وقدره". ودخل هذا القرار حيّز التنفيذ في 24 أكتوبر 1945، أي بعد انكشاف معسكرات الإبادة النازيّة مثل أوشفيتز أمام الرأي العامّ العالميّ.

ولكنّ أحلام روّاد المدرسة النقديّة من مدرسة فرانكفورت، وعلى رأسهم أدورنو في إيجاد السبل لمنع حدوث هذه المجازر الكبرى ضدّ الإنسانيّة لم تتوقّف إلى يومنا هذا، ومع ذلك فإن التطهير العرقيّ وحروب الإبادة الجماعية لم تتوقّف أبداً بعد أوشفيتز (Auschwitz) وحتّى بعد صدور ميثاق الأمم المتّحدة والإعلان العالميّ لحقوق الإنسان. وقد تواترت هذه الحروب والمذابح ضدّ الإنسانيّة في عدد كبير من مناطق العالم، مثل الإبادة الجماعيّة في كمبوديا (1975–1979) الّتي وقعت خلال حكم نظام الخمير الحمر بقيادة بول بوت (Pol Pot). وقد قدّر عدد الضحايا هذه المجازر بقرابة مليوني إنسان، استهدفت هذه المجورة فئات اجتماعيّة وثقافيّة (متعلّمين، أقلّيّات دينيّة وعرقيّة) ومثّلت نموذجاً لـ«الهندسة الاجتماعيّة» الشموليّة القائمة على التطهير العرقي والطبقي.

وما زلنا نحتفظ في الذاكرة بالإبادة العرقيّة في رواندا عام 1994 الّتي ذهب ضحيّتها - خلال مئة يوم من القتال - نحو 800 ألف من أقلّيّة التوتسي (Tutsi) والهوتو (Hutu). وقد أدّى التحريض الإعلاميّ من خلال وسائل الإعلام والإذاعات والثقافة العنصريّة دوراً مباشراً في التعبئة على القتل والتطهير والإبادة ضدّ الإنسانيّة. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى مجزرة سربرنيتسا في البوسنة عام 1995، وهي واحدة من أبشع جرائم الإبادة في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية. لّتي وقعت في أثناء حرب البوسنة على أثر تفكّك يوغوسلافيا؛ وقد ذهب ضحيّة هذا التطهير العرقيّ الدينيّ أكثر من 8 آلاف مسلم بوسنيّ بدم بارد، في جريمة تطهير عرقي، وقعت في قلب القارة التي نصّبت نفسها حاميةً للتحضر، ومدافعة عن القيم الإنسانية، لكنها اختارت الصمت—و التواطؤ المقنع—حين دُفن الضحايا جماعياً تحت أعين قوات حفظ السلام الدولية. واعتبرتها المحكمة الجنائيّة الدوليّة هذا التطهير السابقة إبادة جماعيّة، وقد شكّلت اختباراً جديداً لفشل الحماية الدوليّة رغم وجود قوّات أمميّة.

وفي هذا السياق تقفز إلى الذاكرة الإبادة العرقيّة الّذي بدأت فصولها جنوب السودان عام 2003، وقد شهد هذه المنطقة أشكالاً مرعبة من الإبادات الجمعيّة، وقد تحوّل الصراع المسلّح في السودان إلى تطهير عرقيّ ضدّ جماعات إفريقيّة في إقليم دارفور قتل فيها مئات الآلاف، وتعرّض الملايين للنزوح. ولا يمكن للذاكرة البشريّة أن تنسى التطهير العرقيّ في ميانمار الّذي بدأ في 2017، ولم يتوقّف حتّى اليوم بعد ضدّ أقلّيّة الروهينغا (Rohingya) المسلمة في ولاية راخين، وقد شمل هذا التطهير عمليّات قتل وحرق قرى وتهجير جماعيّ إلى بنغلادش. وصفتها الأمم المتّحدة بأنّها تحمل «سمات الإبادة الجماعيّة.

ومن المهمّ في هذا المدار الإشارة إلى مذابح الإيزيديّين في سنجار العراق عام 2014 التي صنفت بأنها من أبشع أشكال الإبادة الجماعيّة والتطهير العرقيّ في القرن الحادي والعشرين من حيث وضوح القصد والطابع المنهجيّ للجرائم. ويذكر في هذا السياق أن تنظيم داعش (تنظيم الدولة الإسلاميّة) اجتاح منطقة سنجار الإيزيدية في 3 أغسطس من عام 2014، وبدأ مقاتلوه بتنفيذ أبشع الجرائم وأخطر أنواع التطهير العرقيّ ضدّ الإيزيديّين في المنطقة، وقام متطرّفو داعش بخطف النساء والأطفال والفتيات وبيعهنّ كسبايا في أسواق النخاسة، وجُنِّد الأطفال قسراً؛ ومن ثمّ تمّ حصار آلاف المدنيّين في جبل سنجار بلا ماء أو غذاء، وهو الأمر الّذي تسبّب موت الآلاف من الإيزيديّين بسبب العطش والجوع. وقد وصفت الأمم المتّحدة ولجان تحقيق مستقلّة أنّ ما جرى للإيزيديّين يرقى إلى إبادة جماعيّة وفق تعريف اتّفاقيّة منع جريمة الإبادة الجماعيّة. وتبيّن الإحصائيّات أنّ عدد القتلى بلغ نحو 3,000 – 5,000 قتيل في الأسابيع الأولى من الهجوم، وحوالي 6,000 – 6,800 شخص اختطفوا أغلبهم نساء وأطفال، وقد عثر لاحقاً على عشرات المقابر الجماعيّة في سنجار ومحيطها، وما زال آلاف المفقودين الّذين لا يعرف مصيرهم بعد، وقد تميّزت هذه الإبادة بالقتل الممنهج للذكور البالغين، والاسترقاق الجنسيّ المنظّم للنساء والمستضعفين والتهجير القسريّ والقتل النظم.

وفي السودان ما تزال هذه المذابح متنقّلة أبرزها مذابح الفاشر (أكتوبر 2025)، وقد ذهب ضحيّتها أكثر من 2000 شخص، بينهم مئات المرضى داخل مستشفى، ونزح نحو 26 ألفاً. وهناك تقارير تحدّثت عن إعدامات بدوافع عرقيّة ومقابر جماعيّة. في مذابح جلنقي (أغسطس 2024 – سنار) والهلاليّة (نوفمبر 2024) ومسجد الفاشر (سبتمبر 2025) الّذي تمّ فيه القضاء على 75 ضحيّة بطائرة مسيرة أثناء صلاة الفجر. وتقدّر ضحايا الحرب الأهليّة في السودان بأكثر من 20 ألف قتيل منذ 2023 وأكثر من 15 مليون نازح ولاجئ داخل السودان وخارجه.

وفي سوريا لم تتوقّف المذابح من عام 2011 حتّى يومنا هذا، ومن أبرز هذه المذابح مجزرة الحولة ومجزرة التريمسة والهجوم الكيميائيّ في الغوطة ومجزرة حيّ التضامن ومذابح وسجن صيدنايا. وتقدّر الإحصائيّات أنّ ضحايا هذه الحرب السوريّة بلغت أكثر من 500 ألف قتيل منذ 2011 وأكثر من 10 ملايين نازح ولاجئ. وما تزال هذه الحرب العرقيّة الطائفيّة مستمرّة في سوريا، وما زالت بعض الانتكاسات ذات البعد الطائفي والعرقي في الساحل السوريّ، وفي جبل العرب، وفي شرق الفرات على أشدّه ضدّ الأقلّيّات الدينية والعرقية وبعضها يستمر بطريقة خفيّة تحت عنوان " الحوادث الفرديّة".

لقد أولى أدورنو التربية أهمّيّة كبيرة وعلّق عليها آمالاً كبيرة في تحقيق الخلاص الإنسانيّ ضدّ القتل والإبادة والتطهير العرقيّ، وهو في معالجته لهذه المسألة يحمل التربية والثقافة أيضاً مسؤوليّات كبرى إزاء ما يحدث في هذا العالم من قتل وفتّك وتدمير. وقد ألقى محاضرته الشهيرة بعنوان " التربية بعد أوشفيتز" (Education After Auschwitz) في عام 1966 يبحث فيها عن العوامل النفسية والاجتماعية التي تؤدي إلى حرو الإبادة، ويقدم تحليلا مذهلا للعوامل التي تؤدي إلى افتتان الناس بقتل الآخرين وتعذيبهم. وفي هذه المناسبة يجب علينا أن نعرف بأن أدورنو يعدّ من أكثر المفكرين النقديّين خطورة وأهمّيّة في القرن العشرين وهو أحد أبرز روّاد مدرسة فرانكفورت. وقد احتلّ مكانة كبيرة جدّاً في الفلسفة والفكر والنقد الجماليّ في ألمانيا وأمريكا في القرن الماضي.

وتعدّ محاضرة أدورنو التربية بعد أوشفيتز (Education After Auschwitz)” (4) من أبرز النصوص التربويّة لدى الفيلسوف الألمانيّ تيودور ف. أدورنو (Theodor W. Adorno) (5)، وقد ألقيت هذه المحاضرة أصلاً في 18 أبريل/نيسان 1966 وتم بثّها عبر إذاعة ولاية هِسّن الألمانيّة (Hessischer Rundfunk)، وقد جاءت هذه المحاضرة في سياق التأمّل النقديّ حول الذاكرة التاريخيّة للمآسي النازيّة في ألمانيا ولا سيّما قضيّة الإبادة العرقيّة لليهود والأقلّيّات العرقيّة المهمّشة في أوروبا.

وقد نشرت هذه المحاضرة لاحقاً ضمن كتاب "التربية من أجل الاستقلاليّة" (Erziehung zur Mündigkeit)، الّذي صدر بعد وفاة أدورنو 1969، عن دار نشر زوهر كامب (Suhrkamp Verlag) في مدينة فرانكفورت أم ماين. ويضمّ هذا الكتاب مجموعة من محاضرات أدورنو ونصوصه ذات الطابع التربويّ-الفلسفيّ، حيث تتبلور رؤيته لمفهوم الاستقلاليّة النقديّة (Mündigkeit) بوصفه شرطاً أساسيّاً للتحرّر من آليّات الطاعة العمياء والخضوع السلطويّ وأنماط التكوين النفسيّ الّتي مهّدت تاريخيّاً لظهور الفاشيّة.

أمّا الترجمة الإنجليزيّة للنصّ بعنوان “التربية بعد أوشفيتز (Education After Auschwitz)” فقد ظهرت ضمن كتاب نماذج نقديّة: تدخّلات وكلمات مفتاحيّة (Critical Models: Interventions and Catchwords)، الصادر عام 1998 عن دار جامعة كولومبيا للنشر (Columbia University Press) في نيويورك، بترجمة هنري و. بيكفورد (Henry W. Pickford). وقد أسهم هذا الإصدار في إدماج النصّ ضمن النقاش الفلسفيّ الأنغلوسكسونيّ حول الأخلاق السياسيّة، والتربية النقديّة، ومسألة الحداثة بعد الإبادة. من الناحية الفكريّة، يعدّ هذا النصّ من أهمّ إسهامات أدورنو في الفلسفة التربويّة الحديثة، إذ يفتتحه بأطروحته الشهيرة: “إنّ المطلب الأوّل والأسمى على كلّ تربية هو ألّا يتكرّر أوشفيتز". تكمن أهمّيّة هذه العبارة في أنّها لا تضع هدفاً معرفيّاً تقنيّاً للتربية، بل تؤسّس مطلباً أخلاقيّاً-تاريخيّاً مطلقاً، يجعل من منع تكرار الكارثة معياراً أعلى لكلّ مشروع تعليميّ. وهنا تتحوّل التربية من مجرّد نقل للمعرفة أو تكوين مهارات إلى ممارسة نقديّة تسعى إلى تفكيك الشروط الاجتماعيّة والنفسيّة والثقافيّة الّتي تجعل العنف الجماعيّ ممكناً.

ويمثّل هذا النصّ امتداداً مباشراً لمشروع النظريّة النقديّة (Critical Theory) الّذي طوّره أدورنو ضمن إطار مدرسة فرانكفورت (Frankfurt School)، إلى جانب مفكّرين مثل ماكس هوركهايمر (Max Horkheimer). ففي هذا الأفق النظريّ، لا تفهم النازيّة بوصفها انحرافاً عرضيّاً عن مسار الحداثة، بل باعتبارها إمكانيّة كامنة داخل بنية العقل الأداتيّ (Instrumental Reason) والمجتمع الصناعيّ الحديث. ومن ثمّ، يغدو مطلب “عدم تكرار أوشفيتز (Auschwitz)” اختباراً جذريّاً لمصداقيّة التنوير (Enlightenment) ذاته، ولمدى قدرة التربية على إنتاج وعي نقديّ قادر على مقاومة الامتثال، والتشيّؤ (Reification)، وآليّات الهيمنة. وعليه، فإنّ “التربية بعد أوشفيتز (Education After Auschwitz)” لا تمثّل مجرّد نصّ تاريخيّ مرتبط بظرف ما بعد الحرب، بل تعدّ بياناً فلسفيّاً حول مسؤوليّة التربية في مواجهة العنف البنيويّ، ومساءلة دائمة للشروط الحضاريّة الّتي قد تسمح بانبثاق الكارثة من قلب الحداثة نفسها. وسنعمل فيما يلي على ترجمة هذه المحاضرة بتصرّف والتعليق عليها.

2- أدورنو والتربية بعد أوشفيتز(6):

يقول أدورنو في بداية محاضرته: إنّ المطلب الأوّل والرئيسيّ لكلّ تربية هو ألّا يتكرّر أوشفيتز (Auschwitz) مرّة أخرى. إنّ أهمية هذا المطلب وأولويته لا تحتاج إلى أيّ تبرير، وأعتقد أنّني لست بحاجة إلى تبريره، ولا ينبغي أن أفعل ذلك. وأنا لا أستطيع أن أفهم لماذا لم يمنح هذا الموضوع الخطير إلّا قدراً ضئيلاً من الاهتمام، على الرغم من أهمّيّته وخطورته. وإنّ كلّ نقاش حول التربية يتضاءل تماماً أمام أهمّيّة العمل على التفكير في تربية تضمن لنا ألّا تتكرّر مجازر أوشفيتز أبداً، لأن ما حدث في أوشفيتز يعدّ فعلاً همجيّاً ضد الإنسانية برمتها، ويجب على كلّ تربية أن تناهضه، وأن تكرّس نفسها في رفض كلّ أشكال العنف والمذابح والتطهير العرقيّ. وهو يحذّر في هذا السياق من أنّ عودة همجيّة أوشفيتز ستشكّل تهديداً مستمرّاً للإنسان والإنسانيّة في العالم. ويؤكّد أدورنو في سياق هذه المحاضرة على أنّ عودة الهمجيّة العرقيّة ممكنة دائماً ما دامت الشروط الأساسيّة الّتي ساعدت على حدوث هذا الفعل الهمجيّ قائمة دون تغيير. هنا يكمن الرعب كلّه، فالخطر ضدّ الإنسانيّة ما زال قائماً مع أنّ هذا الخطر يبدو لا يبدو لنا مرئيّاً في أيّامنا هذه. إنّه الخطر الذي يخيف البشر ويدفعهم إلى تجاهله خوفا منه , وقد بلغ هذا الخوف والرعب من الخطر بلغ ذروته على نطاق تاريخيّ عالميّ في الإبادة الجماعية لليهود في أوشفيتز.

وهنا، يتطرّق أدورنو إلى نظريّة فرويد (Freud) الّتي تمتدّ بتأثيرها إلى الثقافة والمجتمع، وقد عرف عن فرويد قوله إنّ الحضارة تنطوي في أعمقها على بذور فنائها، وهي أيضاً تنتج الأفراد الّذين يناهضون الحضارة ذاتها، وهؤلاء الطغاة المغامرون يشكّلون قوّة تتزايد مع نموّ الحضارة وقوّتها. وكان فرويد يشير حينها إلى الجماعات المتطرّفة الّتي تناهض الحضارة وقيمها من خلال القتل والإبادة والتطهير العرقيّ المستمرّ. وإذا كانت الهمجيّة حسب فرويد نفسها منقوشة بعمق داخل مبدأ الحضارة، فإنّ محاولة النهوض ضدّ هذه الهمجيّة محفوفة بالخطر(7).

إنّ أيّ تفكير في الوسائل الكفيلة الّتي يمكنها منع تكرار أوشفيتز يجب أن تنطلق من الثقافة والتربية. ولكن علينا دائماً أن نأخذ بعين الاعتبار أنّ البنية الأساسيّة للمجتمع ما زالت هي نفسها لم تتغير عما كانت عليه قبل خمسة وعشرين عاماً. لقد قتل ملايين الأبرياء قتلاً منهجيّاً. ولا يمكن لأيّ إنسان حيّ أن يصرف النظر عن هذه المآدب الدموية بوصفها ظاهرة سطحيّة، أو انحرافاً في مسار التاريخ يمكن تجاهله مقارنة بالديناميّة الكبرى للتقدّم والتنوير والنموّ المفترض للنزعة الإنسانيّة. إنّ وقوع مثل هذه المذابح أمر محتمل جدا وهو يعبّر عن نزعة مجتمعيّة عدوانية قويّة للغاية.

وهنا أودّ أن أتحدّث عن الإبادة الأرمنيّة (Armenian Genocide) خلال الحرب العالميّة الأولى الّتي تعدّ حدثاً مفصّليّاً في تاريخ العنف الجماعيّ والتطهير العرقيّ في القرن العشرين، وقد انعكست أصداؤها في الأدب العالميّ، ولا سيّما في رواية "الأربعون يوماً لموسى داغ" (The Forty Days of Musa Dagh) للكاتب النمساويّ فرانز فيرفل (Franz Werfel) (8)، وقد حقّقت انتشاراً واسعاً، وأسهمت في تعريف الرأي العامّ الغربيّ بالمأساة الأرمنيّة والتطهير العرقيّ الّذي تعرّضوا من قبل الدولة العثمانيّة في العقد الثاني من القرن العشرين(9).

وتعود هذه الأحداث إلى سنوات 1915–1917، حينما سيطرت "حركة تركيّا الفتاة" (Young Turk Movement)، على الدولة العثمانية وهيمنة جمعيّة الاتّحاد والترقّي (Committee of Union and Progress)، وقد ارتبطت القيادة الفعليّة الدمويّة آنذاك بشخصيّات مثل أنور باشا (Enver Pasha)، وطلعت باشا (Talaat Pasha)، وجمال باشا (Cemal Pasha). وتشير غالبيّة الدراسات التاريخيّة إلى أنّ سياسات الترحيل القسريّ، والمجازر المنظّمة، والتجويع، والمسيرات الصحراويّة نحو مناطق في بلاد الشام، أدّت إلى مقتل ما يزيد بكثير عن مليون أرمنيّ ذبحاً وقتلاً وتنكيلاً. وقد اعتبرت هذه الوقائع لاحقاً من أوائل نماذج "الإبادة الجماعيّة" (Genocide) في العصر الحديث، وأسهمت في بلورة المفهوم القانونيّ نفسه كما صاغه رافائيل لمكّين (Raphael Lemkin) في أربعينيّات القرن العشرين. وتكتسب هذه المأساة أهمّيّة خاصّة في الدراسات المقارنة للعنف الجماعيّ الدمويّ عبر التاريخ، إذ كثيراً ما تستحضر بوصفها سابقة تاريخيّة سبقت أوشفيتز (Auschwitz)، وأسهمت في كشف هشاشة النظام الدوليّ في منع الإبادات رغم الوعود الأخلاقيّة الّتي رافقت نشوء الحداثة السياسيّة.

يتطرّق أدورنو إلى مسألة اختراع القنبلة الذرّيّة (Atomic bomb)، القادرة على إبادة ملايين البشر بضربة واحدة، وقد وجد أنّ هذا الاختراع الرهيب ينتمي إلى السياق التاريخيّ ذاته الّذي بدأت فيه الإبادة الجماعيّة بالتوسّع والانتشار. فالنموّ السكّانيّ السريع في أيّامنا يسمّى انفجاراً سكّانياً (population explosion)؛ وكأنّ القدر التاريخيّ استجاب بالتحضير لانفجارات ذريّة مضادّة، أي القدرة على قتل شعوب بأكملها، كما حدث في هيروشيما (Hiroshima) وناغازاكي (Nagasaki) وإنّني أذكر هذا فقط للتلميح إلى مدى قوّة القوى الجنونيّة الجبّارة الّتي تهدّد الوجود الإنسانيّ، وهو الأمر الذي يجب العمل على تجنّبه في مسار تاريخ النضال الإنساني ضد العنف والدم.

وبما أنّ إمكانيّة تغيير الشروط الموضوعيّة- أي الاجتماعيّة والسياسيّة- محدودة للغاية اليوم، فإنّ محاولات العمل ضدّ تكرار مذابح أوشفيتز تظلّ بالضرورة مقصورة على البعد الذاتيّ. وأعني بذلك أساساً العمل على دراسة سيكولوجيّة الجلادين الّذين يرتكبون مثل هذه الأفعال ضد الإنسان والإنسانية. ولا أعتقد أنّ من المجدي كثيراً الاحتكام إلى قيم عاطفية وإنسانية لأن أولئك الميّالين إلى ارتكاب مثل هذه الفظائع لن يفعلوا إزاءها سوى هزّ أكتافهم. كما لا أعتقد أنّ التعريف بالصفات الإيجابيّة الّتي تمتلكها الأقلّيّات المضطهدة سيكون ذا فائدة تذكر. إذ ينبغي البحث عن جذور الشر في التكوين النفسي والأخلاقي للقتلة والسفّاحين. إنّ ما هو ضروريّ هو ما سمّيته في هذا السياق «الالتفات إلى الذات (Turn to the subject) إذ يجب معرفة الآليّات الّتي تجعل الناس قادرين على القيام بمثل هذه الأفعال الوحشية الشائنة، والعمل على استكشاف الأسس السيكولوجيّة البنيوية لمثل هذه الجرائم التاريخيّة. كما يجب تكريس الجهود الثقافيّة والسياسيّة والإعلاميّة لإيقاظ وعي الناس بخطورة ما يقومون بها من عنف وقتل وفتك وتدمير. وهذا يعني أنه لا بد من بذل الجهود الكبيرة من أجل منع الناس من أن يصبحوا قتلة وسفاحين مجدداً. فالضحايا ليسوا همّ المذنبين والملّامين كما يبدو للقتلة والسفّاحين، وما أكثر هؤلاء الّذين يميلون إلى تبنّي هذه الرؤية، (هنا يشير أدورنو بشكل غير مباشر إلى إدانة اليهود تبريراً لقتلهم في ألمانيا النازية، إذ كان النازيون يقدمون اليهود بوصفهم أصل الشرور الاجتماعية في العالم، وهنا يؤكّد أدورنو على أنّ الجلادين هم أولئك الّذين أقدموا على قتل ضحاياهم بلا تفكير ودون أي تأمل أو رحمة. وهنا يطالب أدورنو بالعمل ضدّ هذا التفكير الوحشيّ، ويرى ضرورة إقناع الناس تربويا وثقافيا بالعدول عن قتل الآخرين دون أن يتأمّلوا في فداحة ووحشيّة القتل وأعمال الإبادة).

إنّ التربية الوحيدة الّتي تحمل معانيها السامية هي التربية الّتي تدفع الناس نحو التأمّل الذاتيّ النقديّ (Critical self-reflection)، وقد أظهرت نتائج علم النفس العميق (Depth psychology) أنّ شخصيّة القتلة الّذين يرتكبون الفظائع تتكوّن بداية في مرحلة الطفولة المبكّرة؛ لذلك فإنّ التربية الساعية إلى منع التوحّش ضدّ الإنسان والإنسانيّة يجب أن تركّز على أهمية التربية في كراحل الطفولة المبكّرة. لقد أشرت (القول دائما لأدورنو) إلى أطروحة فرويد حول السخط في الثقافة (Civilization and Its Discontents) (10). غير أنّ ظاهرة العنف تمتدّ إلى أبعد ما فهمه فرويد، وذلك لأنّ ضغط الحضارة الّذي لاحظه قد تضاعف في الأثناء إلى درجة لا تحتمل. وفي الوقت نفسه، فإنّ النزعات الانفجاريّة قد اتّخذت شكلا عنيفاُ لم يكن سهلا للمرء أن يتنبأ به. إنّ السخط في الثقافة له أيضاً بعده الاجتماعيّ، وهو المر الّذي لم يغفله فرويد وإن لم يستكشفه بصورة ملموسة. ويمكن في هذا السياق الحديث عن رهاب الاحتباس لدى الأفراد في العالم المدار (Administered world)، (= القفص الحديدي عند فيبر ) هو إحساس وجوديّ بالاختناق داخل منظومة اجتماعيّة لا تترك منفّذاً حقيقيّاً للحرّيّة. فالإنسان قد يشعر بأنّه محاصر داخل أنظمة إداريّة واقتصاديّة شاملة، ومراقب ضمن شبكات تنظيميّة وتقنيّة، وقد تمّ تشكيله وفق معايير الامتثال والخضوع، وهذا يولّد شعوراً جمعيّاً بالضيق أو الانحباس. وبعبارة أخرى فالإنسان المعاصر يشعر بالانغلاق داخل بيئة مجتمعيّة محكمة النسج كالشبكة. وكلّما اشتدّ النسج، اشتدّت الرغبة في الهروب منه، غير أنّ شدّة النسج ذاتها تمنع أيّ هروب، وهذا ما يعمّق السخط على الحضارة فالتمرّد عليها قد يكون عنيفاً انفجاريا لا عقلانيّاً.

وقد أكّدت الأحداث التاريخيّة أنّ الانحباس الحضاريّ قد يتحوّل إلى اضطهاد وسخط موجّه ضدّ الضعفاء والمهمّشين وأكباش الفداء، فالمنحبس يختار هدفه على نحو خاصّ من بين الضعفاء اجتماعيّاً. ومن منظور سوسيولوجيّ، يمكنني القول إنّ مجتمعنا، في الوقت الّذي يحقق درجة عالية من الاندماج الداخلي والتماسك ولكنه يحتضن في الوقت ذاته نزعات نحو التفكّك. وتكمن هذه النزعات تحت سطح الحياة المنظّمة والمتحضّرة، وقد بلغت هذه النزعات درجة عالية من التطرف والعنف وهي تهدد بالانفجار في كل لحظة. إنّ الضغط الّذي يمارسه الكلّيّ الاجتماعي السائد على كلّ ما هو خاصّ، أي على الأفراد والمؤسّسات الفرديّة، يميل إلى تدمير الخاصّ والفرديّ معاً، وكذلك يعمل على تقليص قدرتهما على المقاومة. ومع فقدان الهويّة وقوّة المقاومة، يفقد الناس أيضاً تلك الصفات الّتي تمكّنهم من الوقوف ضدّ ما قد يغريهم في لحظة ما بارتكاب الفظائع من جديد. وربّما لا يكونون قادرين على إبداء المقاومة عندما تصدر السلطات القائمة مرّة أخرى الأمر لهم، ما دام ذلك باسم مثال يؤمنون به إيمان، قليلا أو لا يؤمنون به إطلاقاً.

عندما أتحدّث عن التربية بعد أوشفيتز (Education After Auschwitz)، فإنّني أعني مجالين: أوّلاً تربية الأطفال، ولا سيّما في مرحلة الطفولة المبكّرة؛ وثانياُ العمل على تنمية الوعي التربوي العام بالقيم الثقافية العليا والأخلاقية وتوفّير مناخ فكريّ وثقافيّ واجتماعيًّ يعزز قيم السلام والقيم الأخلاقية بطريقة تجعل من الاستحالة بمكان ارتكاب مذابح ضد الإنسانية كما حدث في أوشفيتز، أيّ مناخاً تصبح فيه الدوافع الّتي أدّت إلى الرعب واعية نسبيّاً بفداحة القتل والتنكيل بإنسانية الإنسان. وبطبيعة الحال، لا أستطيع أن أدّعي القدرة على رسم خطّة لمثل هذه التربية حتّى في خطوطها العريضة. غير أنّني أودّ على الأقلّ أن أشير إلى بعض مراكزها العصبيّة.

كثيرون- ولاسيما في الولايات المتّحدة- يرون إنّ السبب في ظهور النازيّة (National Socialism) وحتّى أوشفيتز (Auschwitz) هو أنّ الألمان كان لديهم ميل خاصّ للطاعة المطلقة، لكنّ هذا التفسير، في رأيي، بسيط وساذج أكثر مما ينبغي. صحيح أنّ الطاعة العمياء والسلوك السلطويّ ما زالا موجودين، حتّى داخل أنظمة ديمقراطيّة شكليّة في أوروبا وغيرها. لكنّ المشكلة أعمق من مجرّد " حبّ الألمان للسلطة". فالفكرة الأساسيّة هي أنّ الفاشيّة (Fascism) لم تنشأ؛ لأنّ السلطة كانت قويّة، بل لأنّ السلطة التقليديّة القديمة في الرايخ القيصريّ (Kaiserreich) انهارت فجأة. وعندها وجد الناس أنفسهم خارج النظام القديم الذي تداعى وسقط فجأة وذلك في الوقت الذي لم يكونوا مستعدّين فيها نفسيّاً لتحمّل تبعات الحرّيّة والمسؤوليّة الجديدة؛ إذ لم يكونوا مهيّئين لاتّخاذ قراراتهم بأنفسهم. وفي سياق آخر، عندما سقطت القيود الاجتماعية والأخلاقية القديمة، لم تتحوّل الحرّيّة إلى نضج سياسيّ بل إلى فراغ وخوف. ومن هذا الفراغ ظهرت أشكال جديدة من السلطة، لكنّها هذه المرّة كانت أكثر تطرّفاً وتدميراً.

إن النقطة الأهمّ هي أنّ عودة الفاشيّة ليست مسألة نفسيّة فقط، وليست مجرّد مشكلة في شخصيّة الناس أو ميولهم النفسيّة، بل هي قبل كلّ شيء مسألة اجتماعيّة تتعلّق ببنية المجتمع وظروفه الاقتصاديّة والسياسيّة. وهنا يجب التركيز على الجانب النفسيّ؛ لأنّ الجوانب الاجتماعيّة الكبرى- مثل النظام الاقتصاديّ وبنيّة السلطة- ليستا في متناول التربية أو الأفراد العاديّين بسهولة. وبإيجاز شديد فإن المشكلة ليست في حب الناس للطغيان وللطغاة بطبيعتهم، بل إن المجتمع عندما يفشل في إعدادهم لتحمّل الحرّيّة، يمكن أن يبحثوا عن سلطة قويّة تعفيهم من المسؤوليّة.

وكثيراً ما يكز بعض المفكرين حسنو النيّة على أهمية الروابط الاجتماعيّة والإنسانيّة، إذ يرون أنّ غياب الروابط الاجتماعيّة الإنسانيّة هو المسؤول عمّا جرى من حوادث عنف وتطهير عرقي. ومن حيث الواقع، فإنّ فقدان السلطة- وهو أحد شروط الرعب الساديّ-السلطويّ- مرتبط بهذه الحالة. ومن منظور الحسّ المشترك يبدو أنه من المعقول أن تقوم الروابط الاجتماعية بكبح النزعة الساديّة التدميريّة المخرّبة ورفضها. مع ذلك أؤكد أنّه من الوهم الاعتقاد بأنّ الاحتكام إلى الروابط الاجتماعية وحدها يمكنه أن يكون ذا جدوى وأهمّيّة كبيرة. فالروابط أو العلاقات الّتي تنشأ فقط من أجل تحقيق هدف معيّن، حتّى لو كان هدفاً جيّداً سرعان ما تبدو غير صادقة للناس. فعندما يطلب من الأفراد الانتماء أو التضامن بوصفه وسيلة لتحقيق نتيجة ما، لا بوصفه تجربة حقيقيّة لها قيمة في ذاتها، يفقد هذا الارتباط معناه الداخليّ وقيمته الإنسانية. فالروابط الإنسانيّة لا تكون أصيلة إذا كانت مجرّد أدوات، بل يجب أن تعاش بوصفها قيمة إنسانية سيكولوجية قائمة بذاتها، وإلّا سيشعر الناس بزيفها حتّى لو لم يعبّروا عن ذلك صراحة؛ إذ سرعان ما يحسّ المرء بعدم صدق الروابط الّتي تطلب فقط لكي تحقق نتيجة- حتّى لو كانت نتيجة حسنة- دون أن تعاش من قبل الناس بوصفها شيئاً ذا جوهر في ذاته. فالروابط المزعومة تتحوّل بسهولة إمّا إلى شارة جاهزة لقناعات مشتركة- يدخل المرء فيها ليبرهن أنّه مواطن صالح- أو تنتج ضغينة خبيثة قد تكون في المستوى السيكولوجي نقيض الغاية الّتي وضعت من أجلها. إنّها تؤدّي إلى الغيريّة (Heteronomy)، أيّ التبعيّة لقواعد ومعايير لا يمكن للفرد أن يبرّرها بعقله الخاصّ. فما يسمّيه علم النفس "الأنا الأعلى" (Superego)، أي الضمير، الذي قد يستبدل في هذه الحالة تحت اسم الروابط بسلطات خارجيّة قابلة للاستبدال وغير ملزمة في جوهرها، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في ألمانيا بعد انهيار الرايخ الثالث(11) (Third Reich)، غير أنّ الاستعداد ذاته للتواطؤ مع القوّة والخضوع ظاهريّاً للأقوى هو موقف المعذّبين القاهرين ( يقصد الذين يقومون بالمجازر). ولهذا فإنّ الدعوة إلى الروابط الشكلية أمر قاتل. فالناس الّذين يتبنّونها، يوضعون تحت نوع من الإكراه الدائم على طاعة الأوامر. ولذلك فإنّ القوّة الأصيلة الوحيدة الّتي تقف في مواجهة مبدأ أوشفيتز هي الاستقلاليّة (Autonomy) وقوّة التأمّل النقدي والقدرة على تقرير المصير ورفض الانصياع .

لقد مررت مرّة بتجربة صادمة للغاية: إذ بينما كنت في رحلة بحريّة على بحيرة كونستانس (Lake Constance) كنت أقرأ مقالا في صحيفة بادن (Baden) عن مسرحيّة «موتى بلا قبور" (Morts sans sépulchre) لجان بول سارتر (Jean-Paul Sartre) (12)، وهي مسرحيّة تعرض أهوالاً قاسية من التعذيب والعنف، وقد بدا لي أنّ الناقد الصحفيّ انزعج من عنف المسرحيّة، لكنّه لم يعترف بأنّ سبب انزعاجه هو الرعب الحقيقيّ الّذي تعكسه المسرحية، أي: رعب عالمنا نفسه. عوضا عن ذلك، لجأ إلى لغة وجوديّة متعالية ليهون من هول الموضوع، وكأنّ المهمّ هو الحفاظ على صورة «القيم العليا» لا مواجهة الواقع المخيف. والمشكلة هنا أنّ هذا الأسلوب يحوّل الانتباه بعيداً عن الرعب بدل أن يواجهه. فعوض الاعتراف بفظاعة ما يحدث في العالم، يلام من يكشف الرعب، أو يتحدّث عنه، وكأنّ الذنب يقع على من يصفه لا على من ارتكبه. وهذا الإنكار أو التلطيف هو بالذات ما يفتح الباب لتكرار الرعب، لأنّ ما لا يواجه بصدق يمكن أن يعود من جديد. وباختصار: لقد أراد الناقد، برطانة وجوديّة نبيلة، أن يتجنّب مواجهة الرعب. وهنا يكمن خطر أن يتكرّر الرعب، أن يرفض الناس السماح له بالاقتراب منهم، بل وأن يوبّخوا من يتحدّث عنه فحسب، كما لو أنّ المتكلّم - إن لم يلطّف الأمور- سيكون هو المذنّب لا المرتكبين للجريمة.

وفيما يتعلّق بمشكلة السلطة والهمجيّة، لا يسعني إلّا أن أفكّر في قضية وردت في ملاحظة في كتاب «دولة الإس إس" (The SS State) أو نظريّة الجحيم وممارسته: معسكرات الاعتقال الألمانيّة والنظام الكامن وراءها لـيوجين كوغون (Eugen Kogon) (13). يقول كوغون في كتابه هذا إنّ سجّاني معسكر الاعتقال كانوا في معظمهم شباباً من أصول ريفية. ويرى أنّ الفارق الثقافيّ بين المدينة والريف، الّذي ما يزال قائماً، هو أحد شروط الرعب، وإن لم يكن بالطبع الشرط الوحيد والأهمّ. لكنّ الفكرة ليست اتّهام الريف أو التقليل من شأن سكّانه. الكاتب يوضّح صراحة أنّه لا يقصد أيّ تعال طبقيّ أو ثقافيّ، ولا يريد أن يحمل الناس مسؤولية البيئة الّتي نشؤوا فيها. فالمقصود هو أنّ الفارق الثقافيّ بين المدينة والريف - من حيث مستوى الاحتكاك بالثقافة النقديّة، بالتنوّع الاجتماعيّ، وبالحداثة الفكريّة - قد يكون أحد الشروط الّتي سمحت بظهور القسوة، وإن لم يكن الشرط الوحيد أو الحاسم. ويستعمل الكاتب هنا مفهوم إزالة الهمجيّة (Debarbarization)، أي عمليّة التهذيب والتحضّر وتنمية الحسّ الإنسانيّ النقديّ. والفكرة هي أنّ هذه العمليّة ربّما لم تصل إلى بعض البيئات بالقدر نفسه، ممّا جعلها أكثر قابليّة لتقبّل الطاعة الصارمة والأنماط السلطويّة. حتّى وسائل الإعلام الحديثة مثل التلفزيون (Television)، بحسب هذا التحليل، لا تكفي وحدها لإحداث تحوّل عميق في الوعي إذا لم يكن هناك انخراط حقيقيّ في الثقافة النقديّة. وهذا يعني أنّ المسألة ليست في أنّ «الريف سبب الهمجيّة»، بل أنّ التفاوت في التطوّر الثقافيّ والاجتماعيّ يمكن أن يكون أحد العوامل الّتي تهيّئ بعض الأوساط لتقبّل السلطة العنيفة، إذا لم تقترن الحرّيّة بنموّ ثقافيّ وإنسانيّ عميق.

وباختصار يلاحظ الكاتب أنّ إزالة الهمجيّة (Debarbarization) ربّما كانت أقلّ نجاحاً في الريف منها في أيّ مكان آخر. وهنا أذهب إلى حدّ الادّعاء بأنّ أحد أهمّ أهداف التربية هو إزالة الهمجيّة عن الريف. غير أنّ هذا يفترض دراسة الوعي واللاوعي لدى السكّان هناك. وفوق كلّ شيء، ينبغي النظر في أثر وسائل الإعلام الجماهيريّة الحديثة على حالة وعي لم تقترب بعد من حالة الثقافة الليبراليّة البرجوازيّة في القرن التاسع عشر.

ولتغيير هذه الحالة من الوعي، لا يكفي نظام المدرسة الابتدائيّة العاديّ، الّذي يواجه مشكلات عديدة في البيئة الريفيّة. ويمكنني أن أتصوّر سلسلة من الإمكانات. إحداها—وأنا أرتجل هنا—أن تخطّط برامج تلفزيونيّة تراعي المراكز العصبيّة لهذه الحالة الخاصّة من الوعي. ثمّ يمكنني أن أتصوّر شيئاً مثل فرق تعليميّة متنقّلة وقوافل من المتطوّعين، يقودون سيّاراتهم إلى الريف ويحاولون، عبر مناقشات ودورات وتعليم تكميليّ، سدّ أخطر الثغرات. ولا أغفل حقيقة أنّ مثل هؤلاء لن يحظوا بالقبول إلّا بصعوبة كبيرة. لكن من يدري فقد تتشكّل حولهم دائرة صغيرة من الأتباع، ومن هناك يمكن للبرنامج التعليميّ أن ينتشر أبعد.

غير أنّه ينبغي ألّا ينشأ أيّ سوء فهم مفاده أنّ النزعة البدائيّة نحو العنف توجد أيضاً في المراكز الحضريّة، ولا سيّما في المدن الكبرى منها. إنّ النزعات الارتداديّة (Regressive tendencies)، أي الأشخاص ذوي السمات الساديّة المكبوتة، تنتج اليوم في كلّ مكان بفعل التطوّر العالميّ للمجتمع. هنا أودّ أن أعود إلى الفكرة التي عرضناها بالمشاركة مع هوركهايمر (Horkheimer) في كتابنا " جدل التنوير" (The Dialectic of Enlightenment)، وهي أنه عندما يتعرّض الجسد للتشويه أو القمع أو الإذلال، فإنّ وعي الإنسان يتأثر بوضعية الجسد، وقد يظهر تأثير التشوه الجسدي في سلوك يميل إلى العنف. ويمكن ملاحظة ذلك ببساطة في لغة بعض الأشخاص غير المتعلّمين، وخصوصًا عندما يشعر أحدهم بأنّه مُدان أو مُوبَّخ؛ إذ تتغيّر نبرة صوته، وحركات جسده، وطريقة تعبيره، وقد تظهر عليه علامات توتّر أو عدوانية. وبعبارة أبسط: عندما يُهان الجسد أو يُقمع، فإنّ هذا القمع يترك أثره في النفس والوعي، وقد يتحوّل إلى عنف في التعبير أو السلوك. كما لو أنّ الإيماءات اللغويّة تفصح عن عنف جسديّ بالكاد يضبط.

وهنا لا بدّ أيضاً من دراسة دور الرياضة (Sport)، الّذي لم يبحث بما فيه الكفاية من منظور علم نفس اجتماعيّ نقديّ. فالرياضة ملتبسة. فمن جهة، يمكن أن يكون لها أثر مضادّ للهمجيّة ومضادّ للسادية عبر اللعب النزيه (Fair play)، وروح الفروسيّة ومراعاة الضعيف. ومن جهة أخرى، فإنّ كثيراً من أشكالها وممارساتها يمكن أن تعزّز العدوان والفظاظة والساديّة، ولا سيّما لدى من لا يعرضون أنفسهم للجهد والانضباط اللّذين تتطلّبهما الرياضة، بل يكتفون بالمشاهدة: أي أولئك الّذين يصرخون بانتظام من على الهامش. وينبغي تحليل هذا الالتباس تحليلاً منهجيّاً. وبقدر ما تستطيع التربية أن تمارس تأثيراً، ينبغي تطبيق النتائج على الحياة الرياضيّة.

كلّ ذلك يرتبط، إلى حدّ ما، بالبنية السلطويّة القديمة، بأنماط السلوك الّتي يمكنني أن أقول عنها تقريباً إنّها أنماط «الشخصيّة السلطويّة التقليديّة (authoritarian personality) غير أنّ ما أنتجته مذابح أوشفيتز (Auschwitz)، أي الأنماط الشخصيّة الرهيبة لعالم أوشفيتز، يمثل على الأرجح شيئاً جديداً. فمن جهة، تجسّد هذه الأنماط الشخصيّة وضعية التماهيّ الأعمى مع الجماعة. ومن جهة أخرى، صيغت هذه الشخصيات كي تتلاعب بالجماهير والجماعات، كما فعل هيملر (Himmler) وهوس (Höss) وآيخما (Eichmann)، وأعتقد أنّ أهمّ سبيل لمواجهة خطر التكرار هو العمل ضدّ الغلبة الغاشمة لكلّ الجماعات الرهابية وتعزيز المقاومة لها عبر التركيز على مشكلة العقل الجمعيّ الّذي يعني غلبة منطق الجماعة على حساب الفرد. عندما تصبح الجماعة حزباً أو حركة أو أمّة أو طائفة، أو حتّى تنظيماً تقدّميّاً، عندها يفقد الأفراد حكمهم النقديّ، ويشعرون بالقوّة عبر الانتماء، والتخلّي عن المسؤوليّة الشخصيّة. وهنا تتم عمليّة التحوّل من "أنا أفكّر وأحكم" إلى "نحن نطيع ونتماهـى" (وفي هذا السياق نجد أن أدورنو لا ينتقد العمل الجماعيّ في حدّ ذاته، ولا التضامن. لكنّه ينتقد الذوبان غير النقديّ في الجماعة، حيث تصبح الهويّة الجمعيّة أهمّ من التفكير المستقلّ- المترجم).

الفكرة ليست نظريّة مجرّدة، لأنّنا نرى يوميّاً كيف يندفع الناس- خصوصاً الشباب وأصحاب الحماسة التقدّميّة- إلى الانضمام إلى جماعات وحركات مختلفة. المشكلة تبدأ من اللحظة الّتي تقبل فيها الجماعة الفرد عضواً فيها، إذ غالباً ما تفرض عليه ثمناً نفسيّاً أو جسديّاً كي يثبت انتماءه.

يكفي أن نتذكّر ما يحدث في بدايات الحياة المدرسيّة: الطفل الجديد قد يتعرّض للسخرية أو الاختبار أو الإذلال، حتّى يسمح له بالانضمام. هذه الطقوس ليست بريئة؛ فهي تعلم الفرد أنّ عليه تحمّل الألم أو الإهانة ليعترف به كواحد من الجماعة. والأمر نفسه يظهر في بعض «العادات الشعبيّة (Volkssitten) وطقوس الاستهلال، الّتي قد تتضمّن عنفاً جسديّاً أو إذلالاً باسم التقاليد. ومثل هذه الممارسات تدرّب الناس مبكّراً على تقبّل العنف الجماعيّ، وأنّها تشكّل تمهيداً نفسيّاً لما حدث لاحقاً في ظلّ الاشتراكيّة القوميّة الألمانية (National Socialism) ولهذا ليس غريباً أنّ النازيّين (Nazis) أنهم مجّدوا هذه التقاليد، وقدّموها باعتبارها تعبيراً عن «الروح الشعبيّة. وهذا كلّه يعني أنّ العنف الكبير لا يبدأ فجأة، بل يمهّد له من خلال عادات صغيرة تعلّم الأفراد الطاعة، وتحمّل الإذلال باسم الانتماء. ولذلك ينبغي نقد هذه التقاليد ودراستها علميّاً، حتّى لا تبقى هذه «المتع الشعبيّة» حاملة لبذور الوحشيّة.

وينتقد أدورنو ما يسمّيه «مثاليّة الصلابة (Hardness)، أي الفكرة التربويّة الّتي تمجّد القدرة على التحمّل القاسي وقمع الألم بوصفها علامة قوّة أو رجولة. هذه الفكرة أدت دوراً مهمّاً في التربية التقليديّة، ويضرب مثالاً من محاكمة أوشفيتز (Auschwitz trial)، حيث دافع أحد المتّهمين، بوغر (Boger)، عن تربية تقوم على الصرامة والانضباط عبر القسوة، معتبراً أنّ الصلابة تصنع «الإنسان الصحيح». لكنّ الكاتب يرى أنّ هذا المثال التربويّ خطير ومضلّل. لأنّ فكرة أنّ الرجولة (Virility) تعني أقصى درجات تحمل الألم تخفي في داخلها نزعة مازوخيّة (Masochism)، أي التلذّذ بتحمّل الألم، وهذه المازوخيّة يمكن أن تنقلب بسهولة إلى ساديّة (Sadism)، أي إلحاق الألم بالآخرين. فمن يعتاد أن يكون «صلباً» مع نفسه، وأن يكبت ألمه، قد يشعر بأنّ له الحقّ في أن يكون صلباً مع غيره أيضاً. وهكذا يتحوّل قمع الألم الشخصيّ إلى قسوة على الآخرين. وينتهي الأمر إلى تمجيد الصلابة، وهذا يعني في الواقع تعلّم اللامبالاة بالألم، سواء كان ألم الذات أو ألم الآخرين، لأنّ الحدود بينهما تصبح غير واضحة. ولهذا يدعو أدورنو إلى تربية مختلفة: تربية لا تمجّد تحمّل الألم بوصفه فضيلة عليا، بل تسمح بالاعتراف بالقلق (anxiety) بدل كبحه. فإذا لم يكبت القلق، وإذا سمح للإنسان أن يشعر به بوعي، فإنّ طاقته التدميريّة حين يكون مكبوتاً أو مزاحاً تضعف. أي أنّ الاعتراف بالخوف والضعف قد يكون شرطاً لتقليل العنف، لا العكس. وهذا يعني باختصار أنّ تمجيد الصلابة ينتج قسوة؛ أمّا الاعتراف بالقلق والضعف، فيمكن أن يحدّ من النزعات التدميريّة.

إنّ الأشخاص الّذين يندمجون في الجماعة بطريقة عمياء يحوّلون أنفسهم إلى شيء يشبه المادّة الخاملة، ويمحون أنفسهم كذوات قادرة على تقرير مصيرها. ويأتي مع ذلك الاستعداد لمعاملة الآخرين ككتلة عديمة الشكل. وقد سمّيت من يتصرّفون على هذا النحو "الطابع التلاعبيّ" (Manipulative character) (14) في كتابي "الشخصيّة السلطويّة" (The Authoritarian Personality)، وذلك في زمن لم تكن فيه يوميّات هوس (Höss) أو تسجيلات آيخمان (Eichmann) معروفة بعد. إنّ وصفي للطابع التلاعبيّ تعود إلى السنوات الأخيرة من الحرب العالميّة الثانية، وأحياناً يستطيع علم النفس الاجتماعيّ وعلم الاجتماع أن يبنيا مفاهيم لا يجري التحقّق منها تجريبيّاً إلّا لاحقاً. ويتميّز الطابع التلاعبيّ لقادة النازيّة بهوس كبير بالتنظيم والانضباط، وبعجز عن خوض أيّ تجارب إنسانيّة مباشرة، وبقدر من انعدام العاطفة، وبواقعيّة مبالغ في تقديرها. إنّه يريد مهما كان الثمن أن يمارس ما يظنّ أنّها سياسة واقعيّة (Realpolitik)، حتّى لو كانت وهميّة. لا يفكّر لحظة واحدة، ولا يرغب في أن يكون العالم مختلفاً عمّا هو عليه، بل هو مهووس بالرغبة في فعل الأشياء المطلوبة منه غير مبال بمضمون هذا الفعل. إنّه يصبح عبدا للتنفيذ تحت عنوان الكفاءة (Efficiency)، وإذا لم تخدعني ملاحظاتي، وإذا كانت عدّة بحوث سوسيولوجيّة تسمح بالتعميم، فإنّ هذا النمط أصبح اليوم أكثر انتشاراً ممّا يظنّ. فما كان آنذاك متجسّداً في عدد قليل من «الوحوش» النازيّة يمكن اليوم أن يؤكّد لدى أشخاص عديدين، على سبيل المثال لدى الجانحين الأحداث، وزعماء العصابات، وما شابه، ممّن نقرأ عنهم في الصحف كلّ يوم. وإذا اضطررت إلى اختزال هذا النمط من الطابع التلاعبيّ في صيغة - وربّما لا ينبغي فعل ذلك، لكنّه قد يسهم في الفهم- لسمّيّته نمط الوعي المشيّأ (Reified consciousness) فالأشخاص من هذا الطراز قد شبّهوا أنفسهم بالأشياء، ثمّ، حين تتاح الفرصة لهم ينظرون إلا الآخرين بصفهم أشياء أيضاً، وهو أمر شائع في عالم مثيري الشغب الشباب كما في عالم النازيّين. فهذا التعبير يعرف الناس بوصفهم أشياء. وأكتفي هنا بالإشارة إلى قول بول فاليري (Paul Valéry) قبل الحرب الأخيرة " إنّ اللاإنسانيّة (التوحش الإنساني) لها مستقبل عظيم. ومن الصعب بصورة خاصّة مكافحتها، لأنّ أولئك الأشخاص التلاعبيّين، الّذين هم في الواقع غير قادرين على التجربة الحقيقيّة، يظهرون لذلك بالذات لا استجابة تقرّبهم من بعض الشخصيّات المضطربة عقليّاً أو الذهانيّة (Psychotic)، ولا سيّما الشيزويديّة (Schizoids) (15).

في محاولة لمنع تكرار أوشفيتز (Auschwitz) يبدو لي أنه من الضرورة بمكان أن نكتسب قدراً من الوضوح بشأن الشروط الّتي ينشأ في ظلّها الطابع التلاعبي للشخصيّة، ثمّ يجب علينا العمل لتغيير تلك الشروط، وذلك من أجل تجنب أوشفيتز جديد. وأودّ أن أقدّم اقتراحاً ملموساً: أن نخضع الجلّادون في أوشفيتز للدراسة العلميّة بالوسائل كلها الّتي يتيحها العلم، ولا سيّما عبر تحليل نفسيّ طويل الأمد (Psychoanalysis)، بغية اكتشاف - إن أمكن ذلك – الكيفيات التي تتطور فيه هذه الأنماط البائسة من البشر. فقد يكون بوسع هؤلاء الأشخاص أن يفعلوا، على نحو يتناقض مع بنيتهم الشخصيّة ذاتها، شيئاً نافعاً. غير أنّ ذلك لا يمكن أن يتمّ إلّا إذا أرادوا التعاون في تقصّي نشأتهم هم أنفسهم. ومن المؤكّد أن حملهم على الكلام سيكون صعباً؛ ولا ينبغي بأيّ حال استخدام أيّ شيء يتّصل بأساليبهم الوحشية لمعرفة كيف أصبحوا ما هم عليه. ومع ذلك فهم، في إطار جماعتهم—وفي الشعور تحديداً بأنّهم جميعاً نازيّون قدامى معاً—يشعرون بأمان شديد بحيث أنّ بالكاد أحداً منهم أبدى أقلّ شعوراً بالذنب. ومع ذلك يفترض أنّه حتّى في داخلهم، أو على الأقلّ في داخل كثيرين منهم، توجد نقاط نفسيّة حسّاسة يمكن أن تفضي إلى تغيير هذا الموقف، مثل نرجسيّتهم (Narcissism)، أو بعبارة صريحة: غرورهم. فقد يشعرون بأهمّيّتهم إذا أتيح لهم أن يتحدّثوا عن أنفسهم بحرّيّة، كما فعل آيخمان (16)(Eichmann) الّذي سجّل فيما يبدو مكتبة كبيرة كاملة من الأشرطة التوثيقية. وأخيراً يمكن الافتراض أنّه عندما نبحث عميقا في بنية هؤلاء الأشخاص، فستكتشف وجود بقايا وآثار عميقة من الضمير، وعندما ندرك الشروط الخارجيّة والداخليّة الّتي تجعلهم ما هم عليه من توحش -إن جاز لي أن أفترض افتراضاً أنّ هذه الشروط يمكن بالفعل إظهارها- فسيكون بالإمكان استخلاص نتائج عمليّة يمكنها أن تحول دون تكرار الرعب. أمّا إذا كانت المحاولة ستفيد قليلاً أو لا، فلا يمكن معرفته قبل القيام بها؛ ولا أريد المبالغة في تقديرها. ويجب أن نتذكّر أنّ الأفراد لا يمكن تفسيرهم آليّاً بمثل هذه الشروط. ففي ظروف متشابهة يتطوّر بعض الناس على نحو معيّن، ويتطوّر آخرون على نحو مختلف تماماً. ومع ذلك فإنّ الجهد جدير بالمحاولة. فمجرّد طرح مثل هذه الأسئلة ينطوي بالفعل على إمكانيّة للمعرفة. إذ إنّ هذه الحالة الكارثيّة للوعي واللاوعي تتضمّن الفكرة الخاطئة القائلة إنّ طريقة وجود المرء الخاصّة هي «طبيعة»، معطى غير قابل للتغيير، وليست تطوّراً تاريخيّاً. وقد ذكرت أنّ مفهوم "الوعي المشيّأ" (Reified consciousness) هو قبل كلّ شيء وعي أعمى عن كلّ ماض تاريخيّ، وعن كلّ إدراك لكونه مشروطاً، ويضفي طابع المطلق على ما يوجد عرضاً. فإذا ما انكسر هذا الآليّة القسريّة يوماً ما، فأعتقد أنّ شيئاً حقيقيّاً سيكون قد تحقّق.

إنّ علاقتنا بالتقنيّة (Technology) ليست بسيطة أو محايدة، بل فيها جانب عقلانيّ وجانب خطير في الوقت نفسه. فمن جهة، من الطبيعيّ أن ينتج مجتمع حديث أشخاصاً «تقنيّين» منسجمين مع التكنولوجيا، لأنّ العالم اليوم يقوم على التقنيّة. هؤلاء قد يكونون أكفياء وأقلّ عرضة للخداع في مجالاتهم. لكن من جهة أخرى، هناك شيء مقلق في الطريقة الّتي يتعامل بها الناس مع التقنيّة: فهم لا يرونها كوسيلة تخدم الإنسان، بل كغاية في حدّ ذاتها. يسمّي أدورنو هذا "حجاب التقنيّة" (Veil of technology)، أي أنّ التقنيّة تغطّي على الغاية الحقيقيّة منها. المفترض أن تكون وسيلة لحياة إنسانيّة كريمة، لكنّها تتحوّل إلى شيء يفتن به الناس إلى درجة التقديس. وتظهر المشكلة هنا حين ينسى الشخص الغاية الإنسانيّة تماماً. فيمكن لمهندس أن يصمّم نظام قطارات بكفاءة مذهلة، دون أن يتوقّف لحظة ليسأل: إلى أين ينقل هؤلاء البشر؟ ماذا سيحدث لهم؟ هنا تصبح التقنيّة منفصلة عن الأخلاق. وهذا الأمر يرتبط بنوع من البرود العاطفيّ. وليس المقصود أنّهم بلا مشاعر، بل أنّ لديهم علاقة ضعيفة بالآخرين، أو علاقة ليبيديّة (Libidinal) ناقصة. فهم يجدون صعوبة في الحبّ، في التعلّق الحقيقيّ بالناس، لذلك يحوّلون طاقتهم العاطفيّة إلى الأشياء، إلى الأجهزة، إلى الآلات.

ويضرب مثالاً من أبحاث «الشخصيّة السلطويّة" (The Authoritarian Personality) الّتي أجريت في بيركلي (Berkeley)، حيث قال أحد الأشخاص: «أحبّ المعدّات الجميلة»، دون أيّ اهتمام بما تخدمه تلك المعدّات. حبّه موجّه إلى الآلات نفسها. المقلق أنّ هذا الاتّجاه ليس حالة فرديّة، بل يسير مع مسار الحضارة الحديثة كلّها، الّتي تمجّد الكفاءة والتقنيّة. مقاومته تعني، بطريقة أو بأخرى، مقاومة روح العصر نفسها. والخلاصة إنّ الخطر ليس في التقنيّة ذاتها، بل في أن تتحوّل إلى شيء يعبد، وأن تنسينا الإنسان. وعندما يصبح الإعجاب بالآلات أقوى من الاهتمام بالبشر، يمكن أن ترتكب فظائع بكفاءة تامّة—ومن دون شعور بالمسؤوليّة.

إنّ الوسائل والتقنيّة هي خلاصة وسائل حفظ النوع البشريّ لذاته ولذا فإنها تحظى بطابع التقديس بين الناس وهذا الأمر يحجب الغايات الأساسية لكرامة الناس وقيمتهم الإنسانية إذ يتم حجب هذه الجوانب الإنسانية عن وعي الناس. وليس واضحاً على وجه التحديد كيف يتجذّر تشيؤ التقنيّة (fetishization of technology) في سيكولوجيّة أفراد بعينهم، وأين تقع العتبة بين علاقة عقلانيّة بالتقنيّة وبين المبالغة في تقديرها وهو الأمر الذي يؤدّي في نهاية المطاف إلى أن ينسى شخص ما، وهو يصمّم بذكاء نظام قطارات ينقل الضحايا إلى أوشفيتز بأسرع ما يمكن وبأكبر قدر من السلاسة، ما الّذي يحدث لهم هناك. إنّنا مع هذا النمط—وبعبارة صريحة—بصدد أناس لا يستطيعون أن يحبّوا. وليس في ذلك معنى عاطفيّ أو وعظيّ، بل وصف لعلاقة ليبيديّة (libidinal) ناقصة بالآخرين. إنّ هؤلاء الأشخاص باردون بعمق؛ وفي داخلهم ينبغي أن ينكروا إمكانيّة الحبّ، وأن يسحبوا حبّهم من الآخرين قبل أن يتمكّن من التفتّح أصلاً. وأيّ قدرة على الحبّ تبقّى لديهم ينفقونها على الأجهزة. وقد زوّدتنا الشخصيّات المتحيّزة السلطويّة الّتي فحصناها في بيركلي (Berkeley) ضمن «الشخصيّة السلطويّة» (The Authoritarian Personality) بأدلّة كثيرة على ذلك.

وكما قلت، فإنّ هؤلاء الأشخاص باردون على نحو خاصّ. ولو لم تكن البرودة سمة أنثروبولوجيّة أساسيّة، أي جزءاً من تكوين البشر كما يوجدون فعليّاً في مجتمعنا، ولو لم يكن الناس غير مبالين بعمق بما يحدث للآخرين لما كان أوشفيتز ممكناً، ولما قبّله الناس. إنّ المجتمع في شكله الراهن—وكذلك كما كان منذ قرون—لا يقوم، كما افترضت الأيديولوجيا منذ أرسطو (Aristotle)، على الانجذاب أو التعاطف، بل على السعي وراء المصالح الخاصّة ضدّ مصالح الآخرين. وقد استقرّ هذا في طبع الناس حتّى أعمق مراكز وعيهم. وما يبدو مناقضاً لملاحظتي، أي «دافع القطيع» لدى ما يسمّى "الحشد الوحيد "، ليس إلّا ردّ فعل على هذه العمليّة: تكتّل أناس باردين تماماً لا يحتملون برودتهم الخاصّة، ومع ذلك لا يستطيعون تغييرها. إنّ كلّ إنسان اليوم، بلا استثناء، يشعر بأنّه محبوب أقلّ ممّا ينبغي، لأنّ كلّ إنسان لا يستطيع أن يحبّ بالقدر الكافي. إنّ العجز عن التماهي مع الآخرين (identify with others) كان بلا شكّ الشرط النفسيّ الأهمّ لحدوث شيء مثل أوشفيتز في وسط أناس متحضّرين نسبيّاً وأبرياء.

ما كان يسمّى "المرافقة" (Fellow traveling) أي أتباع النظام لا يوجد لديهم أيّ شعور أو رغبة في معارضة النظام وتعاونهم مع النظام لم يكن في الغالب نتيجة إيمان حقيقيّ، بل نتيجة مصلحة شخصيّة. الناس كانوا يفكّرون أوّلاً في سلامتهم وأعمالهم ومكاسبهم، ولذلك فضّلوا الصمت حتّى لا يتعرّضوا للخطر. هذا السلوك لم يكن استثناء في زمن الإرهاب، بل كان امتداداً لقاعدة عامّة في المجتمع القائم مفاده " على كلّ فرد أن يهتمّ بنفسه قبل كلّ شيء" (status quo). ويسمّي أدورنو هذا الإنسان "المونادة الاجتماعيّة " (Societal monad)وفقاً لتعبير الفيلسوف لايبنتس (Leibniz)، وتعني كياناً مغلقاً على نفسه، مستقلّاً، لا يتواصل مباشرة مع غيره، أي الفرد المنعزل الّذي يعيش كمنافس مستقلّ، لا تربطه بالآخرين علاقة تضامن حقيقيّة. هذه البرودة أو اللامبالاة بمصير الآخرين هي الّتي جعلت المقاومة نادرة جدّاً. فحين يعتقل أو يعذّب شخص ما، لا يتحرّك الآخرون، لأنّهم منشغلون بحماية أنفسهم. ولهذا يقول إنّ المعذّبين يعرفون ذلك جيّداً: فهم يعتمدون على عزلة الأفراد وبرودتهم. فهم يدركون أنّ الخوف والمصلحة الشخصيّة سيجعلان الأغلبيّة تلتزم الصمت. وباختصار فإنّ اللامبالاة الاجتماعيّة والانشغال بالمصلحة الخاصّة كانا من أهمّ الشروط الّتي سمحت للرعب بأن يستمرّ، لأنّ الصمت الجماعيّ كان نتيجة طبيعيّة لمجتمع يقوم على العزلة والمنافسة لا التضامن.

افهموني على نحو صحيح. أنا لا أريد أن أعظ بالحبّ، فالوعد به أمر عقيم؛ فلا أحد يملك الحقّ في الوعظ به، لأنّ نقص الحبّ، كما قلت من قبل، هو نقص يخصّ الناس جميعهم بلا استثناء كما هم موجودون اليوم. إنّ الوعظ بالحبّ يفترض سلفاً لدى من يخاطبون بنيّة شخصيّة مغايرة لتلك الّتي ينبغي تغييرها. فالدعوة الأخلاقيّة البسيطة إلى «المحبّة» لا تكفي لحلّ المشكلة. لماذا؟ لأنّ هذا النوع من الوعظ يفترض مسبقاً أنّ الناس يملكون القدرة الداخليّة على الحبّ، أيّ بنّيّة نفسيّة تسمح لهم بأن يحبّوا ويستجيبوا للحبّ. لكنّ المشكلة أنّ بعض الأشخاص - بسبب تكوينهم النفسيّ والاجتماعيّ - لا يملكون هذه القدرة أصلاً. فهم باردون عاطفيّاً، أو عاجزون عن إقامة علاقة إنسانيّة حقيقيّة. لذلك لا يستطيعون أن يحبّوا الآخرين، ولا يكونون بدورهم «قابلين للحبّ» بسهولة، لأنّهم لا ينفتحون عليه ولا يستقبلونه. وهذا يعني أنّه لا يمكن مطالبة شخص لا يعرف كيف يحبّ، ولم يتعلّم ذلك، بأن يصبح فجأة محبّاً لمجرّد أنّنا وعظناه بذلك، فالمشكلة أعمق من النصح الأخلاقيّ؛ إنّها تتعلّق بتكوين الشخصيّة وبالظروف الاجتماعيّة الّتي صنعت هذا البرود. وهذا يعني في نهاية المطاف أنّ الوعظ بالمحبّة لا يغيّر شيئاً إذا لم تتغيّر البنية النفسيّة والاجتماعيّة الّتي تجعل الناس عاجزين عن الحبّ أصلاً.

لقد كان أحد أعظم دوافع المسيحيّة (Christianity) هو القضاء على البرودة الّتي تتخلّل كلّ شيء. غير أنّ هذه المحاولة فشلت؛ ولعلّ السبب أنّها لم تنفذ إلى النظام الاجتماعيّ الّذي ينتج تلك البرودة ويعيد إنتاجها. وربّما إنّ ذلك الدفء بين الناس، الّذي يتوق إليه الجميع، لم يوجد أصلاً إلّا في فترات قصيرة جدّاً، وفي جماعات صغيرة للغاية، وربّما حتّى بين «المتوحّشين المسالمين" (peaceful savages) وقد أدرك الطوباويّون (Utopians)، الّذين يساء ذكرهم كثيراً، حقيقة هذه القضية وجوهرها وهكذا عرف شارل فورييه (Charles Fourier) الجاذبيّة» (Attraction) بأنّها شيء ينبغي أوّلاً أن ينتج عبر نظام اجتماعيّ إنسانيّ؛ كما أدرك أنّ هذا الشرط لن يكون ممكناً إلّا حين لا تكبت دوافع الناس، بل تشبع وتطلق. وإذا كان ثمّة ما يمكن أن يساعد ضدّ البرودة بوصفها شرطاً للكوارث، فهو الوعي بالشروط الّتي تحدّدها ومحاولة مكافحة تلك الشروط، بدءاً من مجال الفرد. وقد يظنّ أنّ كلّما حرم الأطفال أقلّ، وكلّما عوملوا معاملة أفضل، ازدادت فرصة النجاح. لكنّ الأوهام تهدّد هنا أيضاً. فالأطفال الّذين لا يعرفون شيئاً عن قسوة الحياة، وصلابتها يتعرضون حقّاً للهمجيّة عندما يغادرون بيئتهم المحميّة. وفوق كلّ ذلك، من المستحيل إيقاظ الدفء في الآباء أنفسهم، الّذين هم بدورهم نتاج هذا المجتمع ويحملون آثاره. إنّ الدعوة إلى إضفاء مزيد من الدفء على الأطفال تعني ضخّ الدفء بصورة مصطنعة، وبذلك إنكاره. ثمّ إنّ الحبّ لا يمكن استدعاؤه في علاقات تتوسّطها المهنة، مثل علاقة المعلّم بالتلميذ، والطبيب بالمريض، والمحامي بموكّله. الحبّ شيء مباشر، وهو في جوهره يتناقض مع العلاقات المتوسّطة. إنّ الدعوة إلى الحبّ- حتّى في صيغتها الآمرة، أي أنّ «يجب» على المرء أن يحبّ- هي ذاتها جزء من الأيديولوجيا الّتي تديم البرودة. فهي تحمل طابعاً قسريّاً ضاغطاً يعاكس القدرة على الحبّ. ولذلك فإنّ الخطوة الأولى هي أن تجلب البرودة إلى وعيها بذاتها، وبالأسباب الّتي نشأت منها.

وفي الختام، اسمحوا لي أن أقول بضع كلمات عن بعض الإمكانات لجعل الآليّات الذاتيّة العامّة، الّتي من دونها ما كان لأوشفيتز (Auschwitz) أن يكون ممكناً تقريباً، واعية. إنّ معرفة هذه الآليّات ضروريّة، وكذلك معرفة آليّات الدفاع النمطيّة (Stereotypical defense mechanisms) الّتي تحجب مثل هذا الوعي. من يقول اليوم إنّه لم يحدث، أو أنه لم يكن بذلك السوء، إنّما يدافع عمّا حدث، ومن غير شكّ سيكون مستعدّاً للمشاهدة أو للمشاركة إذا حدث ذلك مجدداً. وحتّى إن كان التنوير العقلانيّ (Rational enlightenment)، كما يعرف علم النفس، لا يزيل الآليّات اللاواعيّة بشكل فوري، فإنّه يعزّز، على الأقلّ فيما قبل الوعي (Preconscious)، بعض الدوافع المضادّة، ويساعد على تهيئة مناخ لا يفضي إلى أقصى التطرّف. فإذا ما تشبع الوعي الثقافيّ بأسره فعلاً بفكرة الطابع المرضيّ (Pathogenic character) للنزعات الّتي بلغت أوجهاً في أوشفيتز، فربّما تمكّن الناس من ضبط تلك النزعات على نحو أفضل.

وعلاوة على ذلك، ينبغي العمل على رفع الوعي بشأن إمكانيّة إزاحة (Displacement) ما انفجر في أوشفيتز. فقد يكون الحظ التعس غداً لجماعة من غير اليهود، مثل المسنّين الّذين جرى إعفاؤهم في الرايخ الثالث (Third Reich) (17)، أو المثقّفين، أو ببساطة جماعات منحرفة. وكما أشرت، فإنّ المناخ الّذي يعزّز أكثر من غيره مثل هذا البعث هو إحياء النزعة القوميّة (Nationalism) وهي شرّيرة إلى هذا الحدّ لأنّها، في عصر الاتّصال الدوليّ والتكتّلات فوق القوميّة، لم تعد قادرة على الإيمان بذاتها حقّاً، ولذا تضطرّ إلى المبالغة القصوى في ذاتها لكي تقنع نفسها والآخرين بأنّها ما تزال ذات جوهر.

إنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في مجرّد الكراهية الموجَّهة إلى فئة بعينها، بل في ترسّخ بنية فكرية واجتماعية تُمكّن من تصنيف البشر وفق معايير عرقية أو ثقافية أو نفعية، ثمّ تجريدهم تدريجيًا من إنسانيتهم، بحيث يُعاد تعريفهم بوصفهم عبئًا أو خطرًا أو عنصرًا غير منسجم مع النظام القائم. وعندما تتحوّل هذه الآلية إلى وعي جمعيّ وممارسة مؤسسية، يصبح الإقصاء أمرًا مبرَّرًا، وقد يُنظر إلى العنف أو التخلّص من «الآخر» باعتباره إجراءً مشروعًا أو ضرورةً تنظيمية. وهنا يتجلّى مكمن الرعب: فالإبادة أو الاضطهاد لا تنبعان دائمًا من انفعال عاطفي مباشر، بل من نظام تفكير يُشرعن نزع الصفة الإنسانية ويحوّل البشر إلى موضوعات قابلة للإدارة والحذف.

ومع ذلك يجب إظهار إمكانات ملموسة للمقاومة. فمثلاً ينبغي بحث تاريخ جرائم القتل الرحيم (Euthanasia murders)، الّتي لم ترتكب في ألمانيا بالحجم الكامل الّذي خطّط له الاشتراكيّون القوميّون (National Socialists)، وذلك بفضل المقاومة الّتي واجهها البرنامج. لكنّ هذه المقاومة كانت محصورة في الجماعة المعنيّة؛ وهذا تحديداً عرض واضح وشائع جدّاً للبرودة العامّة. غير أنّ هذه البرودة، فوق كلّ شيء، قصيرة النظر بالنظر إلى النهم الكامن في مبدأ الاضطهادات. فعمليّاً يمكن أن يحاول أيّ شخص لا ينتمي مباشرة إلى جماعة الاضطهاد؛ ومن ثمّ يمكن الاستناد إلى مصلحة أنانيّة صارخة.

وأخيراً، ينبغي التحقيق في الشروط الموضوعيّة التاريخيّة الخاصّة للاضطهادات. إنّ ما يسمّى بحركات "النهضة القوميّة" (National revival movements) في عصر أصبحت فيه القوميّة بطبيعتها أكثر نزعاً وقابليّة للممارسات الساديّة.

وينبغي في نهاية الأمر أن تتمحور كلّ تربية سياسيّة حول فكرة ألّا يتكرّر أوشفيتز أبداً. ولن يكون ذلك ممكناً إلّا إذا كرّست نفسها علناً، من دون خوف من إغضاب أيّ سلطات، لهذه المشكلة الأهمّ. ولتحقيق ذلك يجب أن تتحوّل التربية إلى سوسيولوجيا (sociology)، أي أن تعلم عن تفاعل القوى الاجتماعيّة الّذي يعمل تحت سطح الأشكال السياسيّة. وينبغي إخضاع مفهوم محترم مثل «مصلحة الدولة» (reason of state) لمعالجة نقديّة؛ إذ إنّ وضع حقّ الدولة فوق حقّ أعضائها يضع الرعب كإمكان قائم سلفاً.

3- خاتمة:

تتناول مقالة أدورنو إشكاليّة الإبادة الجماعيّة والتطهير العرقيّ الّتي تتمّ فصولها في العصر الحديث ولا سيّما بعد أوشفيتز. وقد أخضع أدورنو مظاهر التطهير العرقيّ ولاسيّما في أوشفيتز للدراسة والتحليل وقد درس أسبابها وتكوينها والعوامل السياسيّة والاجتماعيّة الّتي أدّت إلى حدوثاً وكان يأمل ألّا تتكرّر حوادث التطهير في أيّ مكان بعد أوشفيتز. وقد عوّل كثيراً على الثقافة والتربية والعوامل السياسيّة في منع حدوث مآس إنسانيّة جديدة على منوال أوشفيتز والهولوكوست. ولكنّ أدورنو الّذي توفّي في نهاية الستّينات (عام 1969) من القرن الماضي لم يعش ليرى بأم عيه مجازر إنسانيّة أشدّ هولاً وأخطر أثراً وأعظمّ توحّشاً ضدّ الإنسانيّة. لم يعش ليشهد الإبادات المعاصرة في كمبوديا ورواندا والبوسنة ودارفور وميانمار والعراق وسوريا والسودان.

لقد بيّن لنا أدورنو من خلال هذه المحاضرة بأنّ مذابح القرن العشرين لم تكن مجرّد انحراف عارض عبثيّ في مسار تطوّر الحضارة ـ وقد كشف لنا عن البعد الكامن للعنف في قلب الحداثة نفسها، بما تنطوي عليه من عقل أداتي (Instrumental Reason) وبيروقراطيّة تقنيّة وقدرة تنظيميّة هائلة يمكن أن تسخر لأغراض إباديّة.

ينطلق أدورنو في محاضرته المشهورة "التربية بعد أوشفيتز" الّتي ألقاها قبل وفاته بثلاث سنوات (1966) بوصفها استجابة فلسفيّة تربويّة لصدمة الإبادة ضدّ اليهود في ألمانيا. وقد أكّد أنّ «المطلب الأوّل لكلّ تربية هو ألّا يتكرّر أوشفيتز»، ويعني ألّا تتكرّر المذابح ربّما بحقّ أيّ طائفة أو ملّة عرقيّة. وقد عوّل في هذه المقالة على الأهمّيّة الكبرى الّتي تتحوّل فيها التربية من عمليّة نقل معرفة إلى مشروع أخلاقيّ-نقديّ يهدف إلى تفكيك الشروط النفسيّة والاجتماعيّة الّتي تجعل العنف الجماعيّ ممكناً.

يستعين أدورنو في مقالته هذه بأطروحة سيغموند فرويد، ولا سيّما ما ورد في كتابه المشهور قلق في الحضارة الّتي يبيّن لنا فيها التوتّر القائم بين الحضارة والعدوان الكامن فيها، وعلى هذا الأساس يحدّثنا أدورنو عن العالم المدار المحاط بسياج السيطرة والهيمنة وهو الانغلاق الّذي ينتج شعوراً وجوديّاً بالاختناق ورهاب الاحتباس الحضاريّ. وفي هذا السياق، يطرح أدورنو مفهوم "الوعي المشيّأ" (Reified Consciousness) و«الطابع التلاعبيّ" للشخصيّات السلطويّة بوصفهما أنماطاً نفسيّة تسهّل التماهي الأعمى مع الجماعة والتعامل مع البشر كأشياء. وتركّز المقالة كذلك على ظواهر مثل المونادة الاجتماعيّة والبرودة العاطفيّة واللامبالاة الجمعيّة، باعتبارها شروطاً نفسيّة واجتماعيّة سمحت باستمرار الرعب عبر صمت الأغلبيّة وانشغالها بالمصلحة الخاصّة.

وفي هذه المقالة يوجده أدونوا نقداً لمفهوم الصلابة التربويّة الّتي تمجّد قمع الألم، وتربطها بتحوّلات مازوخيّة-ساديّة تغذّي العنف. وتستعرض المقالة حوادث الإبادات بعد الحرب العالميّة الثانية، لتؤكّد أنّ صدور ميثاق الأمم المتّحدة (United Nations Charter) عام 1945 والإعلان العالميّ لحقوق الإنسان لم ينهيا منطق الإبادة والتطهير العرقيّ والمذابح العرقيّة الدوّارة، بل استمرّت أنماط هذا العنف ومتوالياته بأشكال مختلفة. وهذا يدلّ بالمطلق على هشاشة النظام الدوليّ وعجزه عن منع تكرار الكوارث الإنسانيّة.

تخلّص المقالة إلى أنّ تصوّر أدورنو بأنّ منع حروب الإبادة والعنصريّة أمر لا يمكن أن يتحقّق بمجرّد الوعظ الأخلاقيّ أو الدعوة الخالصة إلى المحبّة، بل يتمّ ذلك من خلال التربية النقديّة الّتي تعزّز الاستقلاليّة، والتأمّل الذاتيّ، والوعي بالبنى الاجتماعيّة المنتجة للعنف. ومن ثمّ لا بدّ من العمل على كشف الآليّات النفسيّة والدفاعيّة الّتي تبرّر النزوع الوحشيّ عند الأفراد إلى العنف والقتل، ويطالب في هذا السياق بتوظيف التحليل السوسيولوجيّ في التربية من أجل فهم أعمق وأشمل لمكوّنات العمليّة التربويّة. ويخلص أدورنو إلى أنّ التحدّي المركزيّ لا يتمثّل في إصلاح الأفراد فحسب، بل في مساءلة البنية الحضاريّة الّتي تجعل الإبادة العرقيّة إمكانيّة تاريخيّة دائمة. وعلى هذا النحو تقدّم المقالة قراءة نقديّة تربط بين مآسي القرن العشرين الدمويّة واستمرار العنف الدمويّ المعاصر ضدّ الأقلّيّات العرقيّة والدينيّة. وفي النهاية فإنّ السؤال الأدورنيّ ما يزال قائماً: إذ كيف يمكن للثقافة والتربية أن تمنعا عودة الهمجيّة في عالم يدّعي التقدّم؟

وخلاصة القول" إن هذه المحاضرة الفارقة لأدورنو تلقي الضوء اليوم على إشكالية المذابح والإبادات العرقية والطائفية والدينية التي تجري في مجتمعاتنا اليوم. وهي ترسم لنا خطة طريق لفهم العوامل والمتغيرات التي تعزز التوجهات نحو الإبادة العرقية ضد الأقليات الطائفية والدينية والعرقية.

ويمكننا أن نختتم بالمداخلة المعبرة لغوتيريش الأمين العام الأسبق لهيئة الأمم المتحدة الذي يفيد بأن "العالم خذل السكان المهددين بخطر الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتطهير العرقي" إن الأمثلة كثيرة، ونعرفها جيدا، لكنها لا تزال، حتى اليوم، آفة تتسبب في معاناة شديدة. وتفيد مداخلته أيضا بأن إن التغلب على الآثار المدمرة على الضحايا والمجتمعات المحلية والمجتمع ككل، والتعافي منها، يمكن أن يستغرق أجيالا. ويقول غوتيريش أيضا إن الإسراع في الاستجابة لعلامات الإنذار المبكر والاستثمار في الوقاية المبكرة يمكن أن ينقذ الأرواح ويدرأ تدمير مجموعات ضعيفة، كليا أو جزئيا. ثم يقول"حيثما نرى الناس يواجهون التمييز المنهجي أو يصبحون أهدافا للعنف، لا لشيء إلا بسبب من يكونون بحكم هويتهم، يجب علينا التحرك - للدفاع في آن معا عن أولئك الذين هم عرضة لخطر داهم وأولئك الذين يمكن أن يكونوا عرضة للخطر مستقبلا. وبإشاعة ثقافة قوامها السلام ونبذ العنف تشمل احترام التنوع وعدم التمييز، يمكننا إقامة مجتمعات قادرة على مواجهة خطر الإبادة الجماعية " (غوتيريش الأمين العام السابق للأمم المتحدة).

***

.......................

مراجع المقالة

(1)  - هيهاكا سابا (Heȟáka Sápa)   الملقب بالإيل الأسود نسبة إلى قبيلته هو زعيم روحي ومحارب: من قبيلة الأوغلالا لاكوتا (Oglala Lakota) من السكان الأصليين في أميركا الشمالية، وُلد عام 1863 في إقليم داكوتا. عُرف بصفته رجل دين تقليدي (Holy Man) في ثقافة قومه، شارك في معركة ليتل بيغ هورن عام 1876، وشهد مذبحة الركبة الجريحة (Wounded Knee) عام 1890 التي شكّلت نقطة تحوّل مأساوية في تاريخ شعبه. اكتسب شهرة عالمية بعدما قام الكاتب الأمريكي جون جي. نييهارت (John G. Neihardt) بإجراء مقابلات مطوّلة مع الأيل الأسود عام 1931، ثم صاغ شهادته ورؤاه الروحية في كتاب نُشر سنة 1932.  ومن ثم صدر كتابه بعنوان " الأيّل الأسود يتكلم: سيرة حياة رجلٍ مقدّس من قبيلة الأوغلالا سيوكس" (Black Elk Speaks: Being the Life Story of a Holy Man of the Oglala Sioux )،  ومع صدور هذا الكتاب أصبح الأيل الأسود رمزًا ثقافيًا وروحيًا لمعاناة السكان  الهنود الأصليين ومحاولتهم الحفاظ على هويتهم في مواجهة التوسع الاستعماري الأميركي.

(2)  - عندما وصل كريستوفر كولومبوس (Christopher Columbus) إلى جزر الكاريبي عام 1492، كان يظن أنه وصل إلى الهند عبر طريق غربي، فسمّى السكان الأصليين «Indios» أي «الهنود». ومن هنا انتقلت التسمية إلى اللغات الأوروبية.

(3) - ثيودور أدورنو (Theodor Adorno): فيلسوف وعالم اجتماع وناقد موسيقي ألماني، وُلد عام 1903 وتوفي عام 1969، ويُعدّ من أبرز مفكري "مدرسة فرانكفورت" (Frankfurt  School) في النظرية النقدية  (Critical Theory). اهتمّ بتحليل الحداثة، والعقل الأداتي (Instrumental Reason)، وصناعة الثقافة (Culture Industry)، وانتقد النزعات الشمولية والرأسمالية المتأخرة، معتبِرًا أنّ التقدّم التقني قد يتحوّل إلى أداة هيمنة إذا انفصل عن البعد الأخلاقي والإنساني. من أشهر أعماله "جدل التنوير" (Dialectic of Enlightenment)  الذي كتبه مع ماكس هوركهايمر، و"الجدل السلبي" (Negative Dialectics)، كما عُرف بمقاله الشهير «التربية بعد أوشفيتز"  (Education After Auschwitz)، التي نحن بصدد ترجمتها إذ  يشدّد  فيها على أنّ المهمة الأولى للتربية هي منع تكرار الكارثة والمحارق الدموية ضد الأقليات العرقية والدينية.

(4)- Theodor W. Adorno, “Education After Auschwitz,” in Critical Models: Interventions and Catchwords, (New York: Columbia University Press, 1998), pp. 191–204.

(5) - تيودور ف. أدورنو (Theodor W. Adorno) (1903–1969) فيلسوف وعالم اجتماع وناقد موسيقي ألماني، يُعد أحد أبرز أعلام مدرسة فرانكفورت (Frankfurt School) ومنظّري النظرية النقدية (Critical Theory) في القرن العشرين.

(6) - كل ما يرد تحت هذا العنوان تعريب لمحاضرة أدورنو: التربية فيما بعد أوشفيتز.

(7)- Sigmund Freud, Civilization and Its Discontents (1930), in The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud, vol. 21, translated by James Strachey (London: Hogarth Press, 1961; reprint 1975).

(8)- Franz Werfel, The Forty Days of Musa Dagh, translated by Geoffrey Dunlop (New York: Viking Press, 1934).

(9) - تدور أحداث رواية فرانتس فيرفل "الأربعون يومًا لموسى داغ (1933) في سوريا عام 1915، وتروي مقاومة الأرمن ضد قوات تركيا الفتاة الأكثر عددًا والأفضل تجهيزًا. تتحصن القوات الأرمنية في جبل موسى داغ أربعين يومًا، وبينما كانوا على وشك الهزيمة يُنقَذون بواسطة تدخل قوة بحرية أنغلو-فرنسي.

(10)- Sigmund Freud, Civilization and Its Discontents, translated by James Strachey (New York: W. W. Norton & Company, 1961).

(11) - الرايخ الثالث (Third Reich): هو الاسم الذي أطلقه النظام النازي على الدولة الألمانية في عهد هتلر (Adolf Hitler) بين عامي 1945–1933.، وتعني كلمة "الرايخ " بالألمانية (Reich ) الإمبراطورية أو الكيان السياسي الكبير. وقد سُمِّي “الثالث” لأن النازيين اعتبروا أنفسهم الامتداد التاريخي لإمبراطوريتين سابقتين تتمثل الأولى في الرايخ الأول ويمثل الإمبراطورية الرومانية المقدسة (962–1806)، ثم الرايخ الثاني ويمثل الإمبراطورية الألمانية (1871–1918).. وقد أطلق على الدولة النازية الرايخ الثالث (1933–1945).

(12)- Jean-Paul Sartre, The Victors, in Three Plays, translated by Lionel Abel (New York: Alfred A. Knopf, 1949).

(13)- Eugen Kogon, The Theory and Practice of Hell: The German Concentration Camps and the System Behind Them, translated by Heinz Norden (New York: Farrar, Straus and Company, 1950).

(14) - الطابع التلاعبي: يمثل شخصية تتماهى مع النظام إلى حد فقدان الذات، وتتعامل مع البشر كأشياء قابلة للاستعمال، ضمن عقل أداتي (Instrumental Reason) بارد ومنفصل. وهو ليس وحشًا استثنائيًا، بل نتاج اجتماعي وثقافي لعالم مُدار (Administered World) يقوم على التقنية والطاعة والتنظيم. زباختصار شديد: الطابع التلاعبي هو الإنسان الذي يرى البشر أدوات، ويرى نفسه أداة أيضًا، ويستبدل الضمير بالكفاءة.

(15) - (الشيزويدية (Schizoid) لا تعني الفصام (Schizophrenia)، بل تشير إلى ميل إلى العزلة الاجتماعية وبرود عاطفي وضعف الرغبة في العلاقات الحميمة وانكفاء إلى عالم داخليح أي أن الكلمة تشير إلى "شخصية ذات طابع انفصالي أو انعزالي" وليس إلى انقسام الشخصية بمعناه الشعبي.

(16) - أدولف أيخمان:(Adolf Eichmannh) قائد نازي كلف بمهمة ترحيل اليهود إلى معسكرات الإبادة خلال الحرب العالمية الثانية، أُلقي القبض عليه في الأرجنتين عام 1960، وتمت محاكته في القدس عام 1961، ثم أُعدم عام 1962. وقد حظيت شخصيته باهتمام علماء الاجتماع ولاسيما حنّة آرنت (Hannah Arendt) التي ألفت كتابا حول شخصيته بعنوان "آيخمان في القدس" (Eichmann in Jerusalem)، وهي في هذا الكتاب لم تصف أدولف آيخمان بالشيطان أو الوحش، بل صاغت مفهوم "تفاهة الشر" (Banality of Evil) لتبيّن لنا أنّه لم يكن ساديًا أو متعصبا ضد اليهود أو مدفوعًا بكراهية هستيرية بقدر ما كان موظفًا بيروقراطيًا محدود التفكير، ينفّذ الأوامر ضمن جهاز إداري دون تأمّل أخلاقي عميق أو مساءلة ذاتية. وبمعنى آخر، فإنّ أفعاله كانت شرّيرة بلا شك، غير أنّ شخصيته كما ظهرت في المحاكمة بدت عادية ومسطّحة فكريًا. وهنا يكمن الخطر الذي أرادت آرنت، وكذلك تيودور أدورنو (Theodor Adorno)، التنبيه إليه: فالشرّ لا يصدر دائمًا عن نوايا شيطانية استثنائية، بل قد ينتج عن تعطّل التفكير النقدي والخضوع الأعمى داخل منظومة بيروقراطية. لذلك يمكن القول إنّ فعله يُوصَف بالشرّ المؤكّد، أمّا توصيف شخصه بالشرّ المطلق فيظلّ موضع نقاش فلسفي.

(17) - في ظلّ الرايخ الثالث (Third Reich) داخل ألمانيا النازية (Nazi Germany)، لم يُستهدف المسنّون بوصفهم جماعة عرقية مستقلّة، لكنّ كثيرًا منهم تعرّضوا لإجراءات تمييزية وقمعية ضمن السياسات القائمة على فكرة «النقاء العرقي» و«الجدوى البيولوجية». فقد شمل برنامج «القتل الرحيم» المعروف باسم أكسيون تي4 (Aktion T4) عددًا من كبار السن، ولا سيّما أولئك المقيمين في المصحّات ودور الرعاية، أو الذين اعتُبروا مرضى مزمنين وغير قادرين على العمل والإنتاج. تعرّض بعضهم للقتل عبر الحقن السامّة أو التجويع المتعمّد أو النقل إلى مؤسسات شهدت استخدام غرف الغاز، بينما عانى آخرون من الإهمال الطبي وتقليص الحصص الغذائية وسحب الرعاية بحجّة أنهم «عبء على المجتمع». وقد استندت هذه السياسات إلى تصور أيديولوجي يرى قيمة الإنسان في إنتاجيته وقوته الجسدية، الأمر الذي جعل حياة المسنّين، خصوصًا الضعفاء منهم، مهدَّدة ضمن منطق تصنيفي جرّدهم من كرامتهم الإنسانية.

وأثره في حركة إصلاح الانظمة القانونية المعاصرة

اليقين القانوني مبدأ قانوني أساسي حديث نسبياً، يقتضي أن تكون المعايير القانونية واضحة، ذات نتائج قابلة للتنبؤ، ومستقرة تحمي المراكز القانونية والحقوق المكتسبة، ومتاحة للجميع.

أولاً-الهدف من المبدأ:

يهدف المبدأ الى؛

1- تأكيد ثقة المواطنين بالقواعد السارية من خلال تمكّينهم من توقع التبعات القانونية لأفعالهم دون مفاجأة غير متوقعة تمس حريتهم او اموالهم او طموحاتهم المشروعة.

2- حماية حقوق المواطنين المكتسبة من التعديلات والتغييرات التشريعية أو الإدارية المتكررة أو المفاجئة لضمان أمن واستقرار المعاملات والمراكز القانونية في المجتمع.

3- حماية الأشخاص طبيعيين كانوا أم معنويين من الآثار الجانبية السلبية للقوانين المتضخمة أو تعديلاتها بشكل مفرط، وعدم استقرار التفسيرات القضائية والادارية للقانون غير القابلة للتنبؤ، بما يجعل تطبيق مبدأ (الجهل بالقانون ليس حجة) ليس ميسوراً هو الآخر.

ثانياً- علاقة المبدأ بسيادة القانون:

يعد هذا المبدأ في الفكر القانوني المعاصر، جزءاً من مبدأ سيادة القانون وأحد مظاهر الحق الطبيعي الدستوري في  الحق بالأمن والإستقرار والثبات القانوني الذي يفترض ان يتمتع به جميع المواطنين، بإعتباره احد ثلاثية الغاية من القانون. (1)

وقد نص دستور جمهورية العراق لسنة 2005 في المادة المادة (15) منه على انه:

"لكل فرد الحق في الحياة والآمن والحرية، ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق او تقييدها الا وفقا للقانون، وبناء على قرار صادر من جهة قضائية مختصة".

ثالثاً- أصول المبدأ:

ترجع أصول هذا المبدأ تاريخياً الى المادة الثانية من اعلان حقوق المواطن الفرنسي لعام 1789، التي تضع الأمن بين الحقوق الطبيعية وغير القابلة للتقادم للإنسان على نفس مستوى الحرية والملكية ومقاومة الظلم، وفقاً للتفسيرات الحديثة لهذه المادة، التي ترى انه لايقصد بالأمن في هذا المقام جانبه المادي فقط، فهو يشمل اضافة الى الأمن القانوني الأمن الإقتصادي والصحي والتعليمي ....

ويعتبر الفقيه الالماني فيلهلم جوزيف بير من أوائل من تناولوا موضوع اليقين القانوني في كتابه " نظام النظرية السياسية العامة التطبيقية " الصادر عام 1810.

بينما وردت أول اشارة رسمية للمبداً بشكل واضح في  عام ١٩٥٣، حيث قضت المحكمة الدستورية الاتحادية في المانيا الاتحادية (بوجوب ضمان الدولة لليقين القانوني باعتباره عنصرًا أساسيًا من عناصر سيادة القوانين).(2)

وسبق ان قدّم الفقيه مونتسكيو توجيهات حول ضرورة التشريع الجيد، حيث أكّد أن "القوانين غير المجدية تُضعف القوانين الضرورية"، وأنه على الرغم من ضرورة تغيير بعض القوانين أحياناً، "إلا أنه ينبغي التعامل معها بحذر شديد" (روح القوانين، 1748).

أما بالنسبة لروبييه (النظرية العامة للقانون، 1946)، فإن "أول قيمة اجتماعية يجب تحقيقها هي اليقين القانوني".

ووفقًا للبروفيسور تشارلز فوترو-شوارتز وبينوا بلوتان، فاليقين القانوني هو "الشعور الذي ينبغي أن ينتاب كل مواطن عند سعيه لتحديد ما هو مسموح له أو ممنوع عليه فعله بموجب القانون الساري".

ورأى الاستاذ أرنولد وولفرز في وقت مبكر من عام 1952: إن "الأمن، بالمعنى الموضوعي، يقيس غياب التهديدات للقيم الأساسية (المكتسبة)، أو، بالمعنى الذاتي، غياب الخوف من تعرض هذه القيم الأساسية للهجوم".

ويرى الفقيه گوستاف رادبروش انه ينبغي على اي نظام قانوني أن يحقق ثلاث غايات أساسية هي: تحقيق العدالة، تعزيز المصلحة العامة، واليقين القانوني.

رابعاً - معايير إمتثال القوانين لمبدأ اليقين القانوني: وهي المعايير الثلاثة التالية:

1- سهولة الوصول: سواء بالوصول المادي وهو ما يحصل بنشر القوانين والتقنين، أو من الناحية الفكرية، أي القدرة على فهمه، وهو ما يتطلب أن يكون القانون واضحاً بما فيه الكفاية.

2- إمكانية التنبؤ: تُمكّن القدرة على التنبؤ المواطنين من توقع القاعدة القانونية التي تنطبق عليهم في موقف معين، مما يُتيح لهم اتخاذ خيارات مدروسة.

أما القانون غير الدقيق فقد يُعيق القدرة على التنبؤ.

فقوانين الضرائب في دول القانون، على سبيل المثال، تسمح بدرجة كافية من القدرة على التنبؤ بإحتساب الضريبة.

3- استقرار الحقوق والمراكز القانونية وعدم تأثرها برجعية القوانين على الماضي. والاستقرار من شروط القدرة على التنبؤ.

خامساً- اهمية المبدأ:

هو مبدأ جوهري يضمن استقرار المراكز القانونية من خلال صياغة نصوص تشريعية واضحة ومستقرة، تمكّن الأفراد والمستثمرين من فهم العواقب القانونية لأفعالهم وتوقعها مسبقاً ويساهم في تعزيز الثقة في النظام القانوني.

ويسعى مبدأ اليقين القانوني إلى مكافحة ما يلي:

1- تناقضات القوانين مع الدستور: إن سن قوانين تتضمن تعارضاً مع الدستور، ومن ثم ازدياد الطعن بها  امام المحاكم الدستورية يؤدي الى عدم اليقين القانوني بالنسبة للحكومة والأفراد على حد سواء.

2- عدم وضوح القوانين بشكل كاف: مما يغلب صفة التردد على اتخاذ القرارات الإدارية وتعدد الاستشارات القانونية، مما يؤدي الى ان يحجم الافراد عن بعض التصرفات والعقود خشية المساءلة.

3- الطبيعة غير المعيارية لبعض القوانين: وهي تلك القوانين التي تخرج عن المبادئ العامة للقانون وتأتي استثناءاً لها، اذ ينبغي أن تتوافق التشريعات مع الحقوق الأساسية للإنسان، مما يجعل القواعد القانونية معياراً أعلى حتى بالنسبة للمشرع نفسه.

4- التوسع في سن القوانين وتعقيدها او تخصصها المفرط ؛ وهذه ظاهرة شائعة في معظم الدول المتقدمة، وينبع هذا التعقيد أساساً من تعدد مصادر القانون المحلية والدولية، وظهور مجالات جديدة للنشاط البشري، والتقدم العلمي والتكنولوجي، والحرص على حماية الفئات الأكثر ضعفاً. وتبني امور  تنظيمية غالباً ما تكون مرتجلة استجابةً للمطالب المتضاربة للرأي العام.

5- الأثر الرجعي للقوانين الذي يقوض المراكز القانونية القائمة.

6- كثرة التعديلات على القوانين: مما يؤدي إلى إرباك تشريعي وعدم استقرار في المعاملات القانونية وخلق حالة من الغموض حول النية الحقيقية للمشرع.

مما يثير مصاعب تطبيقها والإلمام بها للموظفين والمحامين والأفراد، مما يزيد من احتمالات الفساد الإداري واستغلال السلطة التقديرية،

في حين يعدل القانون لمواكبة التطورات، فإن كثرتها المفرطة تجعلها غير فعالة وتحدث "تخبطاً" في النظام القانوني.

7- اختلاف التفسيرات القضائية للقوانين في فترات زمنية متقاربة : مما يؤدي إلى زعزعة الاستقرار القانوني، وفقدان الثقة في عدالة الأحكام، وإهدار مبدأ المساواة أمام القانون واضطراب المراكز القانونية، وصعوبة التنبؤ بالأحكام، وزيادة تكاليف التقاضي نتيجة عدم استقرار التفسير.

سادساً- عناصر اليقين القانوني:

وتتمثل بالعناصر التالية:

1- وضوح النصوص: يجب أن تكون القواعد القانونية مفهومة، دقيقة، وغير ملتبسة.

2- استقرار المراكز القانونية: منع المفاجآت التشريعية وضمان ثبات الحقوق والالتزامات.

3- قابلية التنبؤ: قدرة الأفراد على معرفة النتائج القانونية لتصرفاتهم

4- تعزيز الاستثمار: يشكل بيئة آمنة للمستثمرين (استقرار البيئة التشريعية).

سابعاً - اليقين القانوني مقابل المفاهيم الأخرى:

1- اليقين القانوني (التشريعي): يركز على جودة ووضوح النص القانوني نفسه.

2- اليقين القضائي: هو الحالة الذهنية للقاضي، التي يصل فيها إلى قناعة يقينية بوقوع حادثة معينة بناءً على الأدلة، مما يجعله أكثر ارتباطاً بالإثبات الجنائي.

3- اليقين العام: وهو  نتيجة مباشرة لليقين القانوني والقضائي، حيث يشعر المواطنين بالامن والأطمئنان عند استقرار المراكز القانونية ووضوح القواعد القانونية.

ثامناً - تطبيقات اليقين القانوني في فروع القانون المختلفة:

اولاً- تطبيقات المبدأ في الدساتير:

وتتمثل بما ياتي:

1- مبدأ سيادة القانون: أي خضوع الجميع (حكاماً ومحكومين) للقانون، وتطبيقه بعدالة ومساواة.

2- مبدأ الفصل بين السلطات: أي توزيع المهام بين السلطات الثلاث لمنع الاستبداد وتداخل الصلاحيات.

3- ضمان الحقوق والحريات: حماية الحق في الحياة، الحرية، الكرامة، التعبير، والمساواة أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس، العرق، الدين.

4- مبدأ الشعب هو مصدر السلطات، ويتم ممارستها عبر الانتخابات والآليات الديمقراطية.

5- الرقابة القضائية: وجود قضاء مستقل لضمان دستورية القوانين وعدم تجاوز السلطات.

6- المشروعية والديمقراطية: صياغة القوانين عبر ممثلي الشعب بأسلوب شفاف.

7- حماية المال العام ومكافحة الفساد المالي والاداري.

ثانياً- تطبيقات المبدأ في القانون الجنائي:

يعد مبدأ اليقين القانوني في القانون الجنائي حجر الزاوية لضمان العدالة، من خلال جملة ضمانات دستورية وقانونية وقضائية، وحماية حريات الأفراد من أي تعسف محتمل وتتمثل بما ياتي:

1- وضوح النصوص التشريعية: الجودة التشريعية وتجنب الغموض في النصوص الجنائية يمنع التضارب في التطبيق القضائي.

2- مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، لاجريمة ولاعقوبة إلا بنص. اذ يجب أن تكون النصوص القانونية محددة قانوناً، بحيث يستطيع الأفراد معرفة أفعالهم المباحة والمجرمة مسبقاً، مما يمنع التعسف في التفسير.

3- قرينة البراءة: يعتبر المتهم بريئاً حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي، مما يلقي بعبء الإثبات على التحقيق والادعاء العام بتقديم أدلة قطعية.

3- حظر التفسير الواسع والقياس،

4- الشك يفسر لصالح المتهم

5- ضرورة بناء الإدانة على الجزم واليقين لا الاحتمال.

6- تقدير الأدلة وحياد القاضي: لا يجوز للقاضي بناء حكمه على قرائن احتمالية متناقضة، او بناءاً على علمه الشخصي، بل يجب أن يصل إلى "اليقين القضائي" المستمد من أدلة قانونية مشروعة.

7- عدم رجعية القوانين الجنائية:

لا يطبق القانون الجنائي الجديد على أفعال وقعت قبل صدوره ماعدا الأصلح للمتهم، مما يوفر استقراراً قانونياً.

ثالثاً-  تطبيق المبدأ في القانون المدني:

وأهم هذه المبادئ:

1- مبدأ سلطان الإرادة: يمنح الأفراد الحرية في التعاقد وتحديدشروطهم، طالما لا تخالف القانون أو النظام العام.

2- مبدأ العقد شريعة المتعاقدين: يُلزم الأطراف بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في العقد، ويعتبره ملزماً كالقانون. مما يُعزز من الثقة بين الأطراف، ويضمن استقرار المعاملات، ويُقدم حماية قانونية للعلاقات التجارية والاستثمارية.

3- مبدأ حسن النية:يفرض على الأطراف التصرف بنزاهة، وعدم الغش، والتعاون في تنفيذ الالتزامات.

4- مبدأ المساواة: يضمن تساوي المراكز القانونية للأطراف المعنية في الحقوق والواجبات.

5- حماية الملكية والحقوق الخاصة: تنظيم طرق اكتساب الملكية وحمايتها من الاعتداء، بالإضافة إلى الحقوق المتعلقة بالشخصية (كالحق في الاسم).

6-المسوولية المدنية (العقدية والتقصيرية):

تُلزم من ألحق ضرراً بالغير (سواء بخرق العقد أو بفعل ضار) بالتعويض.

7- الأهلية القانونية: (أهلية الوجوب وأهلية الأداء) تحديد قدرة الشخص على مباشرة حقوقه المدنية، حيث يعتبر الشخص كامل الأهلية ببلوغه سن الرشد دون عوارض، مما يوفر الحماية له وللمتعاملين معه.

رابعاً- تطبيق المبدأ  في القانون الإداري:

اليقين القانوني في القانون الإداري هو مبدأ أساسي يضمن استقرار المراكز القانونية للأفراد  والحد من تعسف الإدارة.

ويمكن ملاحظة المبادئ التالية:

1- مبدأ المشروعية: أي خضوع كافة تصرفات وقرارات الإدارة للقانون.

2- مبدأ المساواة أمام المرفق العام، المساواة في الوظائف العامة، والمساواة أمام الأعباء العامة.

3- مبدأ التناسب: يجب أن يكون القرار الإداري متناسباً مع الهدف الذي يسعى لتحقيقه، ويظهر بوضوح في قرارات الضبط الإداري وتأديب الموظفين، حيث يحب ان يمون هناك تناسب بين الذنب الإداري والعقوبة الإنضباطية كما ان العقوبات الإنضباطية ذكرت حصراً مع إمكانية الطعن بها امام القضاء الإداري.

4- مبدأ حظر التعسف في إساءة استعمال السلطة: التزام الإدارة بعدم الانحراف بالسلطة أو استخدامها لأغراض غير التي حددها القانون.

5- ميدأ حسن الإدارة (الإدارة الرشيدة):

يشمل النزاهة، الشفافية، الاستجابة، ودعم المواطنين.

5- مبدأ حقوق الدفاع والإنصاف: احترام حقوق الأفراد في الدفاع عن أنفسهم والتقاضي، وحظر التحيّز.

6- مبدأ التوازن ببن المنفعة والأضرار: الموازنة بين مصلحة الإدارة وحقوق الأفراد، ويظهر في حالات نزع الملكية. والفكرة الحديثة تذهب الى انه في حالات طلب الإدارة نزع الملكية للمصلحة العامة، ينبغى على القاضي  دراسة التناسب بين المصلحة العامة في نزع الملكية ومبدأ احترام الحق في الملكية ايهما أوجب في كل حالة على حدة.

7- مبدأ التوقع المشروع (Legitimate Expectation):

في القانون العام أو الإداري، فإن التوقع المشروع هو ضمان قانوني لا لبس فيه وغير مشروط، حيث ينشأ التوقع عندما تقدم السلطة العامة وعوداً واضحة أو تمارس سلوكاً مستقراً يولد لدى الأفراد اعتقاداً معقولاً بانتفاعهم بإجراء أو نتيجة معينة، مما يمنع الإدارة من الإخلال بها تعسفاً.

على سبيل المثال، قدمت سلطة عامة ضمانًا قاطعًا بأنها ستتشاور مع المتضررين المحتملين قبل تغيير سياسة جوهرية، أو  قدمت سلطة عامة تأكيدًا قاطعًا بأنها ستحافظ على سياسة قائمة لشخص أو مجموعة معينة ستتأثر بشكل كبير بالتغيير.

إذا ثبت انتهاك هذا المبدأ، وكان عدم القيام بذلك يُعدّ ظلمًا أو إساءة استخدام للسلطة، فمكن للمحاكم إلغاء القرار الإداري أو إجبار الإدارة على احترام التزامها.

8- توفر اركان القرار الاداري:

تكمن أهمية توافر اركان القرار الإداري (الاختصاص، الشكل، السبب، المحل، والغاية) في ضمان مشروعيته وتوفر هذه الأركان حماية قانونية للأفراد وتؤكد مبدأ سيادة القانون واليقين القانوني وتحد من تعسف الإدارة.

9- مبدأ عدم رجعية القرارات الادارية.

خامساً: تطبيق المبدأ  قي قوانين الإجراءات القضائية، وتتمثل بما يأتي:

1- استقلال القضاء:  يضمن استقلال القضاء  أن يكون "اليقين القانوني" حقيقياً وليس صورياً، حيث يطبق القاضي  القانون دون الخضوع لتأثير السلطات الاخرى والافراد من ذوي النفوذ.

2- حق الدفاع ومناقشة اطراف الدعوى:

يعد حق الدفاع ركيزة أساسية لضمان "اليقين القانوني"  ويرتبط الحقان ارتباطاً وثيقاً، من خلال تمكين الخصوم من إبداء دفوعهم، واتاحة الحق بالإستعانة بمحامٍ والاطلاع على الملف مما يعزز اليقين بأن الأحكام القضائية مبنية على حقيقة راسخة.

3- علنية الجلسات: وهي ضمانة أساسية لتحقيق اليقين القانوني والقضائي تتيح للجمهور والخصوم مراقبة سير العدالة، مما يعزز الثقة في نزاهة الأحكام وتطبيق القانون، باستثناء حالات يقررها القانون لسرية الجلسات.

4- المساواة امام القضاء: يعد مبدأ المساواة أمام القضاء ومبدأ اليقين القانوني ركيزتين متكاملتين لسيادة القانون؛ حيث يضمن الأول معاملة الجميع دون تمييز، بينما يضمن الثاني وضوح القواعد القانونية وثباتها.

5- علاقة الطعن بالأحكام بمبدأ اليقين القانوني: هي علاقة "وسيلة بغاية"، حيث تهدف طرق الطعن (استئناف، تمييز) إلى تصحيح الأخطاء القضائية لتعزيز استقرار المراكز القانونية وتوقعات الأفراد العادلة. حيث يُعد الطعن ضمانة لتحقيق اليقين من خلال ضمان عدم "الا يضار الطاعن بطعنه"، ما يشجع على طلب العدالة دون خوف من الإضرار بالمركز القانوني.

6- قرينة البراءة ومبدأ اليقين القانوني: هما حجر الزاوية في المحاكمات الجنائية العادلة؛ إذ تفترض الأولى براءة المتهم (المتهم بريء حتى تثبت إدانته)، بينما يفرض الثاني على المحكمة إثبات الإدانة بأدلة قطعية لا تدع مجالاً للشك. فالعلاقة بينهما هي علاقة تكامل، حيث يظل المتهم بريئاً (قرينة) حتى يتحقق القاضي من إدانته يقينياً.

6- تسبيب الأحكام: وجوب أن تتضمن الأحكام والقرارات الأسباب القانونية والواقعية التي بنيت عليها.

7- مبدأ المواجهة بين الخصوم: يعد مبدأ المواجهة بين الخصوم وإعلام الأطراف بكافة إجراءات الدعوى ركيزة أساسية وعنصراً جوهرياً لا يتجزأ من مبدأ التقاضي القانوني (المحاكمة العادلة وحق الدفاع)، حيث يضمن علم الخصوم التام بطلبات ومستندات بعضهم البعض وإتاحة الفرصة للرد عليها، مما يحقق عدالة ونزاهة الإجراءات القضائية ويمنع المفاجأت.

8- الشرعية الإجرائية: لا يجوز اتخاذ إجراءات جنائية إلا وفقاً للقانون.

9- السرعة في التقاضي (الأجل المعقول):

إجراء المحاكمات دون تأخير غير مبرر، خاصة في حالة الموقوفين.

تاسعاً - آثار المبدأ:

اخذت اغلب الدول المتقدمة التي تعنى بسيادة القانون بمراجعة نظامها القانوني والقضائي لغرض التسهيل والتيسير على الأفراد، وقيل انه لكي يطبق مبدأ ( الجهل بالقانون ليس حجة) ان تكون القوانين والتفسيرات القضائية والإدارية متماسكة ومستقرة وان يكون من السهل على المواطنين الرجوع اليها وإدراك معناها.

1- آثار المبدآ في فرنسا: حيث يُمثل تعقيد القانون المعاصر وتضخم القوانين مصدر قلق دائم. فقد ندد مجلس الدولة الفرنسي عام 1991بتعقيد القانون نتيجةً للتكاثر غير المنضبط للنصوص، وتزايد عدم استقرار القواعد، وتراجع جودة التشريعات.

كما خصص مجلس الدولة تقريره لعام 2006 مرة أخرى لليقين القانوني وتعقيد القانون. وأعلن ان الصياغة التشريعية وحدها لا تكفي لإنتاج نصوص عالية الجودة ما لم تدعمها إرادة سياسية.

وأكد (نحن بحاجة إلى إيجاد طريقة أفضل للتوفيق بين متطلبات الابتكار والتكيف وبين الاستقرار الضروري للقانون).

2- آثار المبدأ في كندا: منذ عام 1995، تم تنفيذ إصلاح جذري لأساليب العمل الحكومي من خلال تطبيق برنامج لتحديث النشاط الحكومي، استناداً إلى تقييم دقيق لتكاليف وفوائد جميع التدخلات الحكومية، وإلى أساليب تطوير أي مشروع إصلاحي.

3- آثار المبدأ في المملكة المتحدة: حيث تتولى لجنة مشتركة بين الوزارات معنية بالإصلاح التنظيمي، برئاسة رئيس الوزراء، مسؤولية تقييم القرارات المقترحة وتوحيد صياغة التشريعات .

كما تم إنشاء هيئة استشارية مستقلة لتقديم المشورة للحكومة بشأن جميع اللوائح الجديدة استنادًا إلى مبادئ الشفافية والبساطة، وتناسب المعيار المقترح مع الاحتياجات التشريعية، واتساق التشريع الجديد مع الإطار التنظيمي العام.

4- آثار المبدأ في الولايات المتحدة الامريكية: فقد صدر قانون عام 1996 لإنشاء رقابة الكونغرس على جميع اللوائح، وصدر قانون آخر عام 1997 يلزم مكتب الإدارة والميزانية بتزويد الكونغرس بتقديرات لإجمالي التكاليف والفوائد السنوية للوائح الفيدرالية.

وترى المحكمة الدستورية الاتحادية الأمريكية أن تقييم آثار التشريعات يندرج ضمن حماية حقوق الإنسان الأساسية، وتُلزم المشرعين بتعديل قوانينهم عندما تثبت عدم دقة توقعاتهم.

5- اثار المبدأ في المانيا والدنمارك واسبانيا:

في ألمانيا بدلت جهودًا كبيرة لمراجعة التشريعات القائمة. وبالمثل، في الدنمارك، تم إلغاء العديد من مشاريع اللوائح بناءً على تحليلات التكلفة والعائد. وأخيرًا، في إسبانيا، أُدخل إصلاح جوهري على أساليب العمل الحكومي بموجب قانون سنة 1997. اوجب أن يتضمن كل مشروع قانون، بالإضافة إلى نصه وديباجته، تقريرًا عن ضرورة اللائحة وملاءمتها، ودراسة اقتصادية لتكاليف التدابير المقترحة، وتقييمًا لعملية التشاور، ورأيًا من مجلس الدولة، واستبيانًا لتقييم مشاريع اللوائح.

6- اثار المبدأ في المفوضية الأوربية (الاتحاد الأوربي)

عممت المفوضية ممارسة دراسات الأثر وإعادة إطلاق عملية تبسيط وتقنين "المكتسبات الأوروبية" في القانون وتحت تأثير السوابق القضائية للمحكمة الدستورية الألمانية، رسّخت محكمة العدل والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تدريجيًا مبادئ اليقين القانوني. فعلى سبيل المثال، أدخلت محكمة العدل في سوابقها القضائية "مبدأ التوقعات المشروعة"، الذي يهدف إلى الحد من إمكانية تعديل القواعد القانونية عند وجود التزامات من جانب السلطات المختصة، وذلك لحماية "التوقعات التي يحق عادةً لمن تُوجّه إليهم القواعد والقرارات أن يتمتعوا بإستقرار الأوضاع القائمة على أساس تلك القواعد أو القرارات، ولو لفترة معينة".

***

فارس حامد عبد الكريم

2026/2/20

...........................

The principle of legal certainty, its applications, and its impact on the reform of contemporary legal systems.

(1) تقوم غاية القانون على أساس من مبدأين أساسيين هما مبدأ أمن المجتمع واستقرار المعاملات (السكينة الاجتماعية)، ومبدأ تحقيق العــدل في المجتمع، تضاف إليهما غاية حديثة تبنتها التشريعات المتطورة هي غاية تحقيق التقدم الاجتماعي فكانت احد أعمدة النهضة في الحياة الإنسانية المعاصرة.

(2) عرفه مايزر في معجمه"محادثات" الصادر عام 1851 بأنه حالة "تحمي فيها الدولة حياة الفرد وحريته وشرفه وممتلكاته، بل وحقوقه كمواطن".

في عام (303 ه) ولد المتنبي في عائلة فقيرة جدا وخاملة جدا؛ فلم يحفل به أحد، أو يتوقع له أحد مستقبله الزاهر الذي صار عليه، وظلَّ يرفل بالنسيان والخمول، ويتجرع مرارتهما حتى ولدت فيه النقمة ثم الثورة. ويظهر خمول أسرته جليَّاً في عدم اتفاق المؤرخين والمترجمين الا على اسمه فقط (أحمد)، وقد أكَّد صحته ذكرُه إياه في شعره:

جمعتْ بين جسم (احمدَ)

والسقمِ وبينَ الجفونِ والتسهيدِ

واختلفوا في ابيه فقالوا (الحسين) و(محمد) و(عبدان) و(عيدان)، ولم يعددوا من اجداده غير جدين فقط مختلف فيهما؛ فهما (الحسن بن عبد الصمد) أو (مرة بن عبد الجبار)، فأي (أبتر هذا)!! وهو ردٌّ دامغ على من زعم انه علوي أو من اشراف العلويين. فالشريف الرضي مثلا يوصل مترجموه نسبه الى الامام الكاظم (ع) بسلسلة اجداد صحيحة لا خلاف فيها. ولم يذكر المتنبي اسم أحد أفراد اسرته في شعره عدا جدته التي رثاها بمرارة. ولم ينسَ أن يستحضر في رثائه قضية النسب والشرف وهو يرثي من لم يُنله ذلك، وكان ينتظره منه. وأشار الى وجود عائلة له عندما كان في (مصر) وفي (ايران). ولم يرثِ أباه لكونه معدما وبلا مجد.

ومثلما قلب عمر بن ابي ربيعة (معادلة الغزل) فجعل المحبوب يتغزل به وليس هو يتغزل بالمحبوب، قلب المتنبي معادلة (الفخر)؛ فالعادة أن يفخر الفاخر بآباء واجداد ذوي مجد للدلالة على كونه ماجدا، ولكن المتنبي يقول لكوني (الأمجد) فهو دليل على ان آبائي وأجدادي ذوو مجد حتما. قال:

وَلَو لَم تَكوني بِنتَ أَكرَمِ والِدٍ

لَكانَ أَباكِ الضَخمَ كَونُكِ لي أُمّا

أي (لو لم يكن أبوك أكرم والد، لكانت ولادتك لي بمنزلة أب عظيم تنسبين اليه). فاذا كان السائد (آباؤه عظام اذن هو عظيم)، ففلسفة المتنبي مقلوبها (هو عظيم اذن آباؤه عظام)!! وما دفعه الى وضع هذه النظرية الغريبة سوى أن آباءه غير عظام بل خاملون بالتمام. وقد صنعهم هو صنعا، وفرضهم فرضا، برغم التاريخ والحقيقة. ولم يكتف بأن يُبدئ العظمة به لتكون في نسله، بل يفجر العظمة تفجيرا عاصفا تجعله فيه، ومتقدمة في نسله، وراجعة الى أصله واجداده. فيمنح كلا الاتجاهين العظمة: أجداده وأبناءه. فجعل أجداده يتشرفون ويفخرون به وليس العكس هو الصحيح، في قوله:

لا بِقَومي شَرُفتُ بَل شَرُفوا بي

وَبِنَفسي فَخَرتُ لا بِجُدودي

وَبِهِم فَخرُ كُلِّ مَن نَطَقَ الضادَ

وَعَوذُ الجاني وَغوثُ الطَريدِ

إِن أَكُن مُعجَباً فَعُجبُ عَجيبٍ

لَم يَجِد فَوقَ نَفسِهِ مِن مَزيدِ

هذا قلب المعادلة؛ فأجداده هم يفخرون به وليس العكس. واجداده فخر العرب جميعا. وهو يقصد ان الذي يفخر بجدوده لا يجد شيئا شخصيا يفخر به. كما قال:

أنا ابن من بعضه يفوق أبا الباحث والنجل بعض من نَجَلهْ

وَإِنَّما يَذكُرُ الجُدودَ لَهُم

مَن نَفَروهُ وَأَنفَدوا حِيَلَهْ

نفروه أي غلبوه في الفخر، و(أنفدوا حيله) راحوا يبحثون في مجد اجدادهم لسد النقص في مجدهم الشخصي. وهي اشارة الى بحث الناس عن مطعن في حسبه ونسبه. وذكر علي بن المحسن عن أبيه قال: (سألتُ المتنبي عن نسبه فما اعترف لي به).

ومن أسباب خموله (الفقر المدقع) لأسرته، فقد كان ابوه سقَّاء يعيش على حمل الماء الى المحلة. وقد عيَّر العراقيون المتنبي بمهنة والده:

أي فضل لشاعر يطلب الفضل من الناس بكرة وعشيا

عاش حيناً يبيع في الكوفة الماء وحيناً يبيع ماء المحيا

وكان سبب عزوف المتنبي عن ذكره في شعره ورثائه، انه لم يجد باعثا على ذلك. ورثى جدته لامه وكان يسميها (أمه) لان امه ماتت فربَّته هي، وعلى عكس والده كانت معايشته لها واحتكاكه بها كبيرا مؤثرا. وكان يحبها حبا شديدا مفرطا كما يظهر من رائعته في رثائها، فقد جاء كأوار نار مستعرة من أعماقه السحيقة، ودموعه التي صبها بغزارة خلال الابيات كالوقود زادتها استعارا، ولم نشاهد للمتنبي عاطفة صادقة كما رأيناها في حبه ورثائه لجدته.

وأصل المتنبي (جعفي) وهي عشيرة يمنية ترجع الى (كهلان). ويؤكد ذلك ديوانه فغالبية ممدوحيه الاوائل قحطانيون. واعتذر لأحدهم، وقد قيل له ان المتنبي يذمك، فقال:

أبت لك ذمي (نخوةٌ يمنيةٌ)

ونفسٌ بها في مأزق أبداً ترمي

وأسرة المتنبي تتكون من أمٍّ ماتت عنه طفلا، وأبٍ مات عنه شابا، وجدة ماتت عنه كهلا، وكانت حسب المصادر (همْدانية صحيحة النسب ومن صلحاء النساء الكوفيات) وذكرت المصادر له من الاولاد ابنا واحدا هو (محسد) كان يسافر معه، وقتل معه في النعمانية. ولكن المتنبي في شعره يقدِّم صورة أوضح لأسرته وظروفها؛ فيؤكد ان له عائلة كبيرة تركها في الكوفة في أثناء طوافه بين الإمارات والدول وليس ولداً واحداً (هو محسد)، ففي شيراز، وكان ابنه معه، ذكر لعضد الدولة انتظار عائلته له في الكوفة:

وكم دون الثوية من حزين

يقول له قدومي ذا بذاكا

و(الثوية موضع في الكوفة). وقوله: (كم من حزين) يدل على عائلة كبيرة، ومحسَّد كان أكبر أبنائه، وقد استصحبه معه ليعينه على أموره في حلب، وفي رحلته المميتة إلى إيران حيث قتل معه. غير انه لم يأخذه معه إلى مصر بل فضَّل أن يعود إلى العائلة في الكوفة؛ لأنه لا يذكره في شعره ولا تذكره المصادر معه في مصر؛ والراجح انه رأى رحلته لمصر محفوفة بالمجازفات والكثير من الاستفهامات. كما ورد ذكر العائلة في شعره الذي قاله في سوريا وفي مصر؛ ففي حلب كان يستأذن الأمير لزيارة أهله في الكوفة (بشكل دوري) مما يعني ان وجود محسد معه ليس على الدوام:

إذن الأمير بأن أعود إليهم

صلة تسير بشكرها الأشعار

وفي مصر يذكر شوقه إليهم ولكنه لا يستطيع مواصلتهم لأنه ممنوع من السفر:

أحن إلى أهلي وأهوى لقاءهم

وأين من المشتاق عنقاءُ مغربُ

وهذا يدل على انه كان يفضّل إبقاءهم في الكوفة على أخذهم معه أينما ذهب، لأنه آمن لهم. كما يدل على أن المتنبي لم يجعل غاية طموحه (المال) بل (الملك) وإلا لحمل عائلته معه حيث يحل، واكتفى برفد الممدوحين وعاش حياة مستقرة مرفهة، وهذا يفسر أن شخوصه إلى حلب كان لنفس الغاية، وان سفره إلى كافور سببُه يأسُه من الملك جوار سيف الدولة فتركه؛ فهذا الذي اضطره إلى ترك أهله في الكوفة ومواصلتهم بين الحين والأخر.

المتنبي والمرأة

لابد من ذكر النساء في حياته، فقد تزوج مرة واحدة زواجا تقليديا من امرأة لم يذكرها في شعره. ورجَّح البعض انها من الشام، والصحيح انها من الكوفة لأنها بقيت في الكوفة ولم تبرحها حتى قتل المتنبي بنية العودة اليها. وقد تزوجها مبكرا وفي حياة جدته، فبقيت معها تقوم بأمرها وأمر اولادها، والمرجح انه تزوج بعمر (16) أو (17) سنة، واذا جعلنا ولادة محسد عام (320ه) أي بعمر (17) سنة للمتنبي فيكون عمر محسد عند اتصال المتنبي بسيف الدولة (17) سنة، وهي سن معقولة؛ لان المتنبي استصحبه معه. أما ما ذكر بأنه تزوج بعد عام (329ه) فهو خطأ لان عمر محسد بهذا سيكون في عام (337ه) (6 أو 7) سنوات فقط! فكيف يصحبه المتنبي معه بهذا العمر.

ووصف المتنبي بأنه (كان عزهاة لا تطَّبيه النساء = لا تستميله المرأة). وقد أخطأ محمود شاكر خطأ فاحشا حين زعم أن المتنبي أحب (خولة) أخت سيف الدولة، فالمتنبي ليس من رجال الحب كما قال:

وَغَيرُ فُؤادي لِلغَواني رَمِيَّةٌ

وَغَيرُ بَناني لِلزُجاجِ رِكابُ

تَرَكنا لِأَطرافِ القَنا كُلَّ شَهوَةٍ

فَلَيسَ لَنا إِلّا بِهِنَّ لِعابُ

يا عاذِلَ العاشِقينَ دَع فِئَةً

أَضَلَّها اللَهُ كَيفُ تُرشِدُها

بِئسَ اللَيالي سَهِرتُ مِن طَرَبي

شَوقاً إِلى مَن يَبيتُ يَرقُدُها

وسبب (اتهام) محمود شاكر المتنبي بعشق خولة، وهو في نظري ونظر المتنبي (اتهام باطل وخطأ قاتل) أنه أراد (قفشة اعلامية) وجديدا مبهرا لتسويق نفسه، فكل ادلته هراء في هراء. فعدم ذكر اسمها صراحة (أجلّ قدرك أن تسمي مؤبَّنة)  (كأنَّ فعلة لم تملأ مواكبها) سببه ان العرف العربي يأبى ذكر اسم المتوفاة، بينما يذكر اسم المتوفى، ولذا عرَّفها مكنِّيا:

يا أُختَ خَيرِ أَخٍ يا بِنتَ خَيرِ أَبٍ

كِنايَةً بِهِما عَن أَشرَفِ النَسَبِ

وكأنه قال على الطريقة العراقية في التعريف بالميتة (توفيت فلانة أخت خير أخ سيف الدولة، بنت خير أب حمدان)

وقوله:

طَوى الجَزيرَةَ حَتّى جاءَني خَبَرٌ

فَزِعتُ فيهِ بِآمالي إِلى الكَذِبِ

حَتّى إِذا لَم يَدَع لي صِدقُهُ أَمَلاً

شَرِقتُ بِالدَمعِ حَتّى كادَ يَشرَقُ بي

يَظُنُّ أَنَّ فُؤادي غَيرَ مُلتَهِبٍ

وَأَنَّ دَمعَ جُفوني غَيرُ مُنسَكِبِ

بَلى وَحُرمَةِ مَن كانَت مُراعِيَةً

لِحُرمَةِ المَجدِ وَالقُصّادِ وَالأَدَبِ

وَلا ذَكَرتُ جَميلاً مِن صَنائِعِها

الّا بَكَيتُ وَلا وُدٌّ بِلا سَبَبِ

قَد كانَ كُلُّ حِجابٍ دونَ رُؤيَتِها

فَما قَنِعتِ لَها يا أَرضُ بِالحُجُبِ

يا أَحسَنَ الصَبرِ زُر أَولى القُلوبِ بِها

وَقُل لِصاحِبِهِ يا أَنفَعَ السُحُبِ

وَأَكرَمَ الناسِ لا مُستَثنِياً أَحَداً

مِنَ الكِرامِ سِوى آبائِكَ النُجُبِ

فأقصى ما تفيد هذه الابيات التي فسرها شاكر بالحب: أنه فزع من خبر وفاتها وتمنى كذبه، فلما تأكد صدقُه بكى بكاء شديدا. وان سيف الدولة يظن انه غير حزين عليها! كيف؟ ولها حرمة رعاية الادب. وكان لها افضال عليه كلما ذكرها بكى بسبب تلك الافضال. وانها امرأة محجبة غير مبتذلة ولا تُرى الا بحجاب أتم من حجاب القبر فكيف قنعت بحجاب ايسر مما تعودت؟ ويا احسن الصبر زر اولى القلوب بحبها، وهو قلب اخيها الكريم الذي لا يقاس بكرمه الا اجدادُه الكرام. فأين الحب؟!!

فهذه الابيات رثاء تقليدي لخولة ومدح لسيف الدولة، وليس فيها عاطفة حب، ولو كانت لطغت بما لا يقبل اي شك، ولتنبه على ذلك القدماء. بل هي ابيات لا عمق عاطفيا فيها، لذا قال عنها العكبري (لا طائل تحتها). وقد لا نلوم محمود شاكر فالمتنبي عنده قدرة فائقة على الاقناع، تقول الشاعرة لميعة عباس عمارة: (والدارس لشعر المتنبي يقع في اخطاء ومطبَّات صنعها له المتنبي نفسه. كأن تجد بوحا لا يمكن أن يصدر الا عن تجربة حقيقية؛ لأنه يحمل عنف الصدق، وعمق التجربة. إذن فالمتنبي لابدَّ أن يكون كذلك. هذا استنتاج هيأه لك المتنبي نفسه فأوقعك فيه).

أما الابيات التي يعترف فيها بأنه أحب مثل (وعذلت أهل العشق حتى ذقته) فهي كغزله في مطالع القصائد التقليدية.

ولديه غزل صادق عام في البدويات غرضه اصلاحي هو توجيه نظر واهتمام الشباب الى العربيات البدويات وصرفهم عن الاجنبيات (الجواري والسراري)، فالعربيات جميلات وفصيحات بالفطرة، بينما الاجنبيات يتصنعن جمالا ويتكلفن كلاما:

مَنِ الجَآذِرُ في زِيِّ الأَعاريبِ

حُمرَ الحُلى وَالمَطايا وَالجَلابيبِ

ما أَوجُهُ الحَضَرِ المُستَحسَناتُ بِهِ

كَأَوجُهِ البَدَوِيّاتِ الرَعابيبِ

حُسنُ الحَضارَةِ مَجلوبٌ بِتَطرِيَةٍ

وَفي البَداوَةِ حُسنٌ غَيرُ مَجلوبِ

أَفدي ظِباءَ فَلاةٍ ماعَرَفنَ بِها

مَضغَ الكَلامِ وَلا صَبغَ الحَواجيبِ

وَلا بَرَزنَ مِنَ الحَمّامِ ماثِلَةً

أَوراكُهُنَّ صَقيلاتِ العَراقيبِ

واستعمل المتنبي المرأة رمزاً في ايران بقوله:

إِثلِث فَإِنّا أَيُّها الطَلَلُ

نَبكي وَتُرزِمُ تَحتَنا الإِبلُ

لَو أَنَّ فَنّاخُسرَ صَبَّحَكُم

وَبَرَزتِ وَحدَكِ عاقَهُ الغَزَلُ

وَتَفَرَّقَت عَنكُم كَتائِبُهُ

إِنَّ المِلاحَ خَوادِعٌ قُتُلُ

فهو يقول: أيتها العربية لو برزتِ وحدك لجيوش عضد الدولة لهزمتِه! فهو يريد أن يقول مكنيا ورامزاً: لو وقعت معركة بينكم وبين العرب، فالمرأة العربية وحدها تهزمكم. وعلق ابن جني على الابيات قائلا: (أنه كنى بذلك عن الهزيمة).

وباقي ذكر المرأة في شعره غزل تقليدي، فيه صنعة ومهارة كبيرة ولكن المرأة فيه (لوحة معلقة على جدار القصيدة) بلا روح.

طموحه

ولد طموح المتنبي من (نقمته)؛ وقد بدأت نقمته على حاله المزرية من وخمول ذكر. وكان يعيش في كنف ابيه (السقاء)، وبعد موت ابيه لم يكن غيره من يقوم بأعباء عيش العائلة. ويذكر المتنبي في شعره انه كان يقوم بأعمال شاقة مقابل القليل من الفائدة، وانه كان يتجشم اعباء السفر الكثير من اجل لقمة الكرامة. في قصيدة قال الواحدي انه قالها في صباه، يهذي المتنبي بشكواه من الفقر والجهد وحظه منحوس وهمته عالية:

أين فضلي إذا قنعتُ من الدَّهرِ بعيشٍ معجّل التنكيدِ

ضاق صدري وطال في طلبِ الرِزقِ قيامي وقل عنه قعودي

ابداً أقطع البلادَ ونجمي

في نحوسٍ وهمتي في سعودِ

ونقرأ له شعرا يمدح به صغراء الكوفة بهدف الحصول على المال القليل، كقوله في مدح شخص مجهول:

يا مَن لِجودِ يَدَيهِ في أَموالِهِ

نِقَمٌ تَعودُ عَلى اليَتامى أَنعُما

حَتّى يَقولَ الناسَ ماذا عاقِلاً

وَيَقولَ بَيتُ المالِ ماذا مُسلِما

إِذكارُ مِثلِكَ تَركُ إِذكاري لَهُ

إِذ لا تُريدُ لِما أُريدُ مُتَرجِما

ثم توسعت نقمته الى الثورة الشاملة على واقع الامة، والملوك الحاكمين. ورأى أن سبب التردي يعود الى ناس خانعين وملوك غير مستحقين. وقد وصف حال الناس بأنهم لا همة لهم ولا طموح. ورأى الطلل الاولى بالبكاء عليه، ليس طلل الحبيبة الراحلة، بل (الهمم الراحلة) منذ زمان جدِ بعيد، وبكاؤها ليس باستذكارها وتوديعها بل باستحضارها واعادتها:

أَحَقُّ عافٍ بدَمْعكَ الهِمَمُ

أَحْدَثُ شيءٍ عَهْداً بها القدَمُ

وعوضا عن همة الثورة عاشوا (الحالة الدونكيشوتية)، ف(دون كيشوت) كان غير قادر على المواجهة والتغيير، لذا فهو يهرب من المعارك الحقيقية الى معارك وهمية، فيهجم بلا هوادة على قطعان البقر، أو على طواحين الهواء!! وهكذا جيله فقد هاجم اثنان جرذا حقيرا وقتلاه، ثم تفاخرا بقتله وصار كل منهما يدّعي انه قتله:

لَقَد أَصبَحَ الجُرَذُ المُستَغيرُ

أَسيرَ المَنايا صَريعَ العَطَبْ

رَماهُ الكِنانِيُّ وَالعامِرِيُّ

وَتَلّاهُ لِلوَجهِ فِعلَ العَرَبْ

كِلا الرَجُلَينِ اِتَّلا قَتلَهُ

فَأَيُّكُما غَلَّ حُرَّ السَلَب

وَأَيُّكُما كانَ مِن خَلفِهِ

فَإِنَّ بِهِ عَضَّةً في الذَنَب

وتلك (سخرية هذا الغلام الثائر من همة رجلين قتلا جرذًا) كما قال الواحدي. وفي موقف آخر يصف الناس بانهم صغار النفوس ضخام الاجسام، والمعارك الطاحنة التي يقومون بها يومية، ولكنها ليست في سوح الشرف والبطولة، ولا يسقطون فتلى عن خيولهم، بل هي معارك في داخل بطونهم، واعداؤهم الاكل ينقضون عليه فلا يبقون منه بقية، فهم يموتون تخمة وليس قتلا. ومدنهم عامرة الا من الكرام:

وَدَهرٌ ناسُهُ ناسٌ صِغارٌ

وَإِن كانَت لَهُم جُثَثٌ ضِخامُ

بِأَجسامٍ يَحَرُّ القَتلُ فيها

وَما أَقرانُها إِلّا الطَعامُ

وَخَيلٍ ما يَخِرُّ لَها طَعينٌ

كَأَنَّ قَنا فَوارِسِها ثُمامُ

بِأَرضٍ ما اِشتَهَيتَ رَأَيتَ فيها

فَلَيسَ يَفوتُها إِلّا الكَرامُ

والحقيقة ان المتنبي كان لديه طموحان: الثروة والملك. وكان الغنى أهون طموحيه هذين، ولكنه سعى اليه بكل ما عنده من طاقة، انتقاما من الفقر المزمن لعائلته، ولإسعاد عائلته، وله فيه مآرب أخرى ستتبين لاحقا. فقد كان يأمل أن يُسعد عائلته ويعيّشها في بحبوحة وعيشة راضية، ويبتر الفقر المتوارث بما حباه الله من همة عالية. يؤكد ذلك قوله في رثاء جدته:

طَلَبتُ لَها حَظّاً فَفاتَت وَفاتَني

وَقَد رَضِيَتْ بي لَو رَضيتُ بِها قِسما

أي طلبتُ من أجلها نصيبا من الغنى، وبحبوحة من الرزق، ففوّت عليها موتها ذلك، كما فاتني تحقيق هذا الحلم. وكانت جدته قنوعة مكتفية بوجوده قربها عن بعده الطَّموح. فلا نال الغنى وعاد به اليها، ولا بقي قربها وعاش معها بقية حياتها.

وفي شعر صباه نقرأ بوادر طموحه ونكوى بحرائق ثورته التي ستزداد استعارا، فقد قالوا له مرة (ما أحسن هذه الوفرة = الشعر الكثيف)! فرد عليهم بأنها تحسن وهو معتقل رمحه في الحرب:

لا تَحسُنُ الوَفرَةُ حَتّى تُرى

مَنشورَةَ الضِفرَينِ يَومَ القِتالْ

عَلى فَتىً مُعتَقِلٍ صَعدَةً

يَعُلُّها مِن كُلِّ وافي السِبالْ

وله قطعة اخرى يكشف فيها عن هدفه في الثورة، وان الناس ينتظرون منه ذلك:

مُحِبّي قِيامي ما لِذَلِكُمُ النَصلِ

بَريئاً مِنَ الجَرحى سَليماً مِنَ القَتلِ

أَرى مِن فِرِندي قِطعَةً في فِرِندِهِ

وَجَودَةُ ضَربِ الهامِ في جَودَةِ الصَقلِ

أَمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ

فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وَذَرني وَإِيّاهُ وَطِرفي وَذابِلي

نَكُن واحِداً يَلقى الوَرى وَاِنظُرَن فِعلي

بداية الرحلة الى الطموح

بدأ مشوار طموحه (شاعرا) فسافر من الكوفة الى بغداد عام (321ه) وعمره (18) سنة. ولأنه لا يملك (أجرة السفر)، فقد ذهب مشيا على الأقدام الى الممدوح، ومركوبه (نعاله) وهذا يظهر فقره المدقع:

لا ناقَتي تَقبَلُ الرَديفَ وَلا

بِالسَوطِ يَومَ الرِهانِ أُجهِدُها

شِراكُها كُورُها، وَمِشفَرُها

زِمامُها، وَالشُسوعُ مِقوَدُها

أَشَدُّ عَصفِ الرِياحِ يَسبِقُهُ

تَحتِيَ مِن خَطوِها تَأَيُّدُها

فنعاله (ناقته) لا يقبل راكبا خلفه، ولا يضرب بالسوط ليسرع. كان يحاول أن يجد بابا مفتوحا على الخليفة العباسي ليختصر طريق الوصول الى المجد الشعري بقصد اعلى الممدوحين، لأنه بقي في بغداد أكثر من سنة، ولولا ذلك لما بقي فيها طويلا. . ولكنه لم يستطع الوصول الى الخليفة العباسي مخترقا أبواب الحجَّاب الصفيقة. ولعله حقد على الخلفاء العباسيين من وقتها. ففي عز مجده وشهرته وطمع الملوك والامراء بمدحه، عزف عن مدحهم. وكان هو أصلا يرى ان خراب الأمة بسبب ضعف الخلافة العباسية. وفي بغداد مدح (محمد بن عبيد الله العلوي المشطّب) الذي جاءه راكبا نعاله. وقيل ان المشطَّب كان أخاه في الرضاعة، ولعل قائل هذا كان يريد ايجاد ربط للمتنبي بالعلويين.

بعد يأسه من الوصول الى باب الخليفة لعدم شهرته ونضوج شعره بما يكفي قصد الشام، وسبب اختياره الشام يعود الى سببين:

الاول- انه سيجد ممدوحين أصغر وأقل شأنا يبتدئ بهم باعتباره شاعرا غير مشهور، ثم يتدرج صعودا الى أعلى الممدوحين، وهو ما حصل له فعلا.

الثاني- ان الشام أرضية مناسبة للثورة بكونها مستقبلاً سياسياً لم يُحسم، وخارطة دائمة التبدل، فهو مرتع لأصحاب الطموح والقوة والنفوذ؛ فتصعد أسماء على حساب أسماء أخرى ثم ما تلبث أن تظهر أسماء جديدة. ولذا فهي تربة خصبة لطموحه. فجال على الممدوحين الصغار.

مراحل طموحه

مرَّ طموح المتنبي بأربع مراحل:

الاولى، المدح وكسب المال لتمويل ثوراته الكثيرة التي لم ينجح أيٌّ منها، واشاعة الشعر الحماسي لإلهاب الناس والنهوض معه.

الثانية، البحث عن (قائد افتراضي) يقلب الامور ويعيدها الى نصابها، وكان سيف الدولة أوج هذه الفرضية.

الثالثة، طرح نفسه القائد الافتراضي، عن طريق حكم ولاية في مصر يمنحها له كافور الاخشيدي فلم يتحقق.

الرابعة، اليأس والخيبة من طموحه، والعودة الى الكوفة نافضا يديه.

المرحلة الاولى: الشعر والثورة

كان شعره الاول في الشام يتوزع على ثلاث مناطق جغرافية (الجزيرة- وشمالي الشام) و(اللاذقية) و(طرابلس) ولم يحصل على ما يتمنى من مال او ما يشجعه على الاستمرار، فقد مدح بدينار واحد فقط، وسميت قصيدته (بأبي الشموس الجانحات غواربا) (القصيدة الدينارية)، بل مدح بدراهم معدودة. فأحس بالاخفاق في أمل جمع الثروة من شعره الاول لكونه في طور النضوج، ولقوة الاصطراع بين الشعراء واحتكار القرب من الامراء. وهنا عاد المتنبي الى الخيار الثاني كما قال في صباه (إما الثراء والملك او الثورة والموت) فصار يدعو الى الثورة وصار يعبئ لها بشعر مزلزل مجلجل هو أقوى شعر قاله على الاطلاق، ويمثل صبغة او طابع شعر المتنبي الذي عرف به.

من مثل قوله:

عشْ عزيزا او مُتْ وانت كريم

بينَ طعن القنا وخفق البنودِ

فرؤوسُ الرماح أذهبُ للغيظ واشفى لغلّ صدر الحسودِ

لا كما قد حييتَ غيرَ حميدٍ

واذا مُتَّ مُتَّ غيرَ فقيدِ

فاطلبِ العزَّ في لظى وذرِ الذُلَّ ولو كانَ في جنان الخلودِ

أو قوله:

لَقَد تَصَبَّرتُ حَتّى لاتَ مُصطَبَرٍ

فَالآنَ أُقحِمُ حَتّى لاتَ مُقتَحَمِ

لَأَترُكَنَّ وُجوهَ الخَيلِ ساهِمَةً

وَالحَربُ أَقوَمُ مِن ساقٍ عَلى قَدَمِ

ميعادُ كُلِّ رَقيقِ الشَفرَتَينِ غَداً

وَمَن عَصى مِن مُلوكِ العُربِ وَالعَجَمِ

لقد كان المتنبي في هذه المرحلة متذبذبا بين الاستمرار في الشعر أو اختيار الثورة، فاختار الثورة، ودفع اليها أكثر عدم تحقيقه ما توقعه من تأثير شعري يطبق شهرته الارض. ولعل السبب استعجاله القريحة الشعرية وعدم منحها الوقت لاسماحها بالشعر العبقري المطلوب.

وثار ثورات عدة لم يُعنَ أحد يتسجيلها، وقد قرنت بتهمة مخلة بالدين والسمعة وهي (ادعاء النبوة) وكان مثل هذه التهم من وسائل العباسيين وأتباعهم في تسقيط خصومهم. والحقيقة كانت الثورية مرافقة للمتنبي في عموم سيرته ومسيرته تظهر كلما وجدت مُناخا وفرصة، لذا سجل شعره وسجل مؤرخوه حركات وثورات له كثيرة ومستمرة.

وكان المتنبي ثائرا وشاعرا مزدوجا، يقوى هذا حينا ويقوى ذاك حينا آخر، وحينا يجتمعان فيحمّل شعره الثورة وقد سمى علي شلق المتنبي ب(شاعر ألفاظه تتوهج فرسانا تأسر الزمان). وتذكر المصادر ثورة واحدة للمتنبي أو محاولة للثورة. والحقيقة ان المتنبي قام بأكثر من حركة وثورة لا يوقف على عددها، وفي طيات أخباره وشعره ثورات كثيرة تتوزع البقاع المختلفة وفترات حياته من الحداثة الى ما قبل مقتله بست سنوات فقط (في مصر عام 348ه). ومن اجل تشويهه وتسقيطه كان يرمى بادعاء النبوة مستغلين لقبه (المتنبي) بتحريفه الى (دعي النبوة). وانما لقبه الكوفيون وهو صبي بالمتنبي وهو يعني الحاذق الذي يتنبأ بالشيء فيقع فعلا (وسنشرح ذلك في عنوان لقبه).

وذكرت المصادر (ادعى انه علوي حسني) و(ادعى النبوة) واشتجروا في لغط طويل عريض دون ان يربطوا هذه المقدمات بنتيجة سجنه بشكل مقنع، ويذكرون انه سجن مرة واحدة في حمص. بينما يخبرنا شعره بأكثر من سَجنة. ولابد أن توضح حيثيات ثورته وسجنه.

كان العلويون المعارضة الاقوى للعباسيين، وقد ثار في العصر العباسي ثوار علويون كادوا أن يسقطوا الدولة العباسية مثل: محمد ذي النفس الزكية وأخيه ابراهيم، الحسين بن علي الخير، أبي السرايا وابن طباطبا العلوي، يحيى بن عمر. والثورات العلوية تقسم على قسمين: الاول يشترط وجود امام معصوم معاصر وهو المعني بشعارها (الرضا من آل محمد) (وهو المذهب الامامي) والثاني يشترط أن يكون الثائر علويا حسنيا أو حسينيا دون وجوب وجود الامام المعصوم (وهو المذهب الزيدي)، بدأه زيد بن علي وسار عليه بعده أغلب الثوار العلويين في العصر العباسي.

لهذا ادعى المتنبي (أنه علوي حسني) ليكتسب الغطاء الشرعي للثورة وفق المذهب الزيدي فيكون قائماً بنفسه في الشرعية غير محتاج للدعوة إلى (الرضا من آل محمد). بعد تلك الدعوى صار المتنبي مهيَّئا شرعا للثورة بمسمَّى (ثائر علوي). وقد ثار المتنبي بعد عام 325ه (باعتقادنا). وتذكر الروايات انّه (تبعه خلق كثير). ثار في ارض سَلَمْيَة كما يذكر ابن عساكر (فقبض عليه ابن علي الهاشمي في قرية يقال لها (كوتكين)، وجعل في عنقه ورجله من (خشب الصفصاف) فقال في ذلك:

زعم المقيم بكوتكينَ بأنّه

من آل هاشم بن عبد منافِ

فأجبته: مذ صرت من أبنائهم

صارت قيودهم من الصّفصافِ

وكتب يستعطفه ويتوسله حتى أطلقه ومما قاله:

بيديّ أيّها الأمير الأريبُ

لا لشيءٍ إلاّ لأنّي غريبُ

أو لأمٍّ لها إذا ذكرتني

دمُ قلبٍ بدمع عين يذوبُ

إن أكن قبل أن رأيتك (أخطأتُ) فإنّي على يديك أتوبُ

فهو يعترف صراحة بأنه (ثار بالفعل) فقال (أخطأتُ).

وثار في بادية السماوة كما يذكر الذهبي (فأسره لؤلؤ أمير حمص بعد أن حارب) وقد اتهمه ب(العدوان على الناس) كما يخبرنا المتنبي، ولعلها من التهم الجاهزة التي تلقى على المعارضين لتصفيتهم. فكتب المتنبي الى الامير من السجن:

دَعَوتُكَ عِندَ اِنقِطاعِ الرَجاءِ

وَالمَوتُ مِنّي كَحَبلِ الوَريدِ

تُعَجِّلُ فِيَّ وُجوبَ الحُدودِ

وَحَدّي قُبَيلَ وُجوبِ السُجودِ

وَقيلَ (عَدَوتَ عَلى العالَمينَ) بَينَ وِلادي وَبَينَ القُعودِ

فَما لَكَ تَقبَلُ زورَ الكَلامِ

وَقَدرُ الشَهادَةِ قَدرُ الشُهودِ

وَكُن فارِقاً بَينَ دَعوى (أَرَدتُ)

وَدَعوى (فَعَلتُ) بِشَأوٍ بَعيدِ

نلحظ في هذه الابيات أن المتنبي كان خائفا هذه المرة؛ فهو يتوسل توسلا مهينا وصل الى الالحاح والاستخذاء بما يفقد الكرامة، والاعتذار بما لا يقبله المنطق ويثير الضحك، فهو يقول: كيف تعاقبني وانا لا زلت صغيرا في مرحلة (قبل المشي) فانا بين الولادة والقعود توا!! وينكر انه قام بالثورة بل أراد القيام بها (دعوى أردت ودعوى فعلت)، وانه وُشي به كذبا. يفهم منه السامع أنه يقول اي شيء استسلاما ليعفى عنه ويخرج من السجن. وتذكر المصادر انه (حبس طويلا حتى كاد يتلف).

ولكثرة ثوراته وتأليباته وصرخاته الشعرية الحماسية فقد عُرف ثائرا وشعرُه ثوريا. وصارت نغمة شعره الحماسية مطربة للناس اذ وجدوا فيها التعويض عن تراجعهم وحالة الخمول والضعف والشيخوخة واليأس التي يعيشونها، وأنها تعيد فيهم الفروسية والعنفوان والمجد التي فارقوها وتدعوهم الى اعادة الماضي المجيد. وكان هذا الشعر سر خلود المتنبي واحتفاظه بشعبيته في كل العصور، وجعله الشاعر الأول تقديراً وقراءة (وكثير من الشعراء يقدّرهم الناس ولا يقرؤون لهم كجرير وابي تمام وغيرهم).

بعد خروجه من سجنه الاخير راجع خطته فتراجع عن الثورة الى جمع الثروة، ولكن هذه المرة أخلص لفنه الشعري فبلغ به قمته. وبعد خروجه من السجن اشتهر بلقب (المتنبي) بالمعنى المحرَّف (دعي النبوة).

المرحلة الثانية: البحث عن قائد

بعد سجنه الطويل في حمص قرر ترك الثورة (الى حين) والعودة القوية الى الشعر والضرب على اوتاره بكل مجامعه وهو ما كان، وما جعل شعره ينضج ويتكامل ويبلغ الاوج والقمة وقد امتلأ روحا وأخذ طابع واسلوب المتنبي المميز. وفي عام (326ه) كانت بداية مجده الشعري بمدحه الحسن بن عبيد الله بن طغج في الرملة بقصيدة مطلعها:

أَنا لائِمي إِن كُنتُ وَقتَ اللَوائِمِ

عَلِمتُ بِما بي بَينَ تِلكَ المَعالِمِ

فقد أعطي عليها (ألف دينار) (وابيضت أيامه بعدها، وصار مطلوبا من الممدوحين).

ثم سار بشعره يبحث عن ممدوحين كبار، يبحث فيهم عن القائد الشجاع ذي الرؤية الثورية التغييرية. وكان بدر بن عمار من هؤلاء الذين علق عليهم آماله، ومن ذلك قوله فيه حالما متوخيا:

أَحُلماً نَرى أَم زَماناً جَديداً

أَمِ الخَلقُ في شَخصِ حَيٍّ أُعيدا

تَجَلّى لَنا فَأَضَأنا بِهِ

كَأَنّا نُجومٌ لَقينا سُعودا

رَأَينا بِبَدرِ وَآبائِهِ

لِبَدرٍ وَلوداً وَبَدراً وَليدا

طَلَبنا رِضاهُ بِتَركِ الَّذي

رَضينا لَهُ فَتَرَكنا السُجودا

قَتَلتَ نُفوسَ العِدا بِالحَديدِ

حَتّى قَتَلتَ بِهِنَّ الحَديدا

خَلائِقُ تَهدي إِلى رَبِّها

وَآيَةُ مَجدٍ أَراها العَبيدا

فَأَنتَ وَحيدُ بَني آدَمٍ

وَلَستَ لِفَقدِ نَظيرٍ وَحيدا

انه يحلم بقائد اسطوري، يختصر الخلق كلهم به، ويستحق السجود ولكنه تخلى لايمانه بالله عن هذا الحق، وهو الفَرد الذي لم يُشفع من بني آدم، وفردانيته قائمة بنفسها ولم تتأتَّ له من موت نظير له. كان بدر بن عمار القائد المتنظر، ولكنه كان حلما، أو صورة عظيمة رسمها على لوحة رسم بليدة، انه تمدد من المتنبي الى أمله البعيد. وما لبث المتنبي أن تركه كما ترك غيره من أسماء ضجَّ بها ديون شعره.

الا ان اتصاله بسيف الدولة يُعدُّ منعطفا ونقطة تحول كبيرة على صعيد الشعر والثورة معا. كان يرى في سيف الدولة هذه المرة الحقيقة المطلقة في الانقلاب والتغيير. أمير قوي يهزم الروم هزائم متلاحقة في مدينة صغيرة (حلب)، وخليفة عباسي ضعيف يحكم صُوريا بقاع الدولة المترامية. كان يرى امكانية استحواذ سيف الدولة على بغداد وقيادة الامة، وسيف الدولة لا يرى ذلك؛ فالخليفة يملك ظلا مقدسا لدى الامة الاسلامية، فقد وقر لدى الناس ان الخلافة في (فهر قريش) حصرا، وسيف الدولة اذا قرر الاطاحة بالخلافة العباسية وكانت لديه الامكانات العسكرية فرَضا، فهم يعلم انه لا احد سيطيعه ويقاتل معه حتى جيشه في حلب. ولم يكن غائبا عنه ما كان المتنبي يفكر به. ونجد المتنبي يلمّح ويصرّح في هذه الابيات بذلك، وهي ابيات تظهر التطور الفني العظيم في شعره عند سيف الدولة والنضج العبقري العملاق الذي وصله:

لِكُلِّ اِمرِئٍ مِن دَهرِهِ ما تَعَوَّدا

وَعادَاتُ سَيفِ الدَولَةِ الطَعنُ في العِدا

وَمُستَكبِرٍ لَم يَعرِفِ اللَهَ ساعَةً

رَأى سَيفَهُ في كَفِّهِ فَتَشَهَّدا

تَظَلُّ مُلوكُ الأَرضِ خاشِعَةً لَهُ

تُفارِقُهُ هَلكى وَتَلقاهُ سُجَّدا

ذَكيٌّ تَظَنّيهِ طَليعَةُ عَينِهِ

يَرى قَلبُهُ في يَومِهِ ما تَرى غَدا

فَيا عَجَباً مِن دائِلٍ أَنتَ سَيفُهُ

أَما يَتَوَقّى شَفرَتَي ما تَقَلَّدا

وَمَن يَجعَلِ الضِرغامَ بازاً لِصَيدِهِ

تَصَيَّدَهُ الضِرغامُ فيما تَصَيَّدا

رَأَيتُكَ مَحضَ الحِلمِ في مَحضِ قُدرَةٍ

وَلَو شِئتَ كانَ الحِلمُ مِنكَ المُهَنَّدا

وَما قَتَلَ الأَحرارَ كَالعَفوِ عَنهُمُ

وَمَن لَكَ بِالحُرِّ الَّذي يَحفَظُ اليَدا

إِذا أَنتَ أَكرَمتَ الكَريمَ مَلَكتَهُ

وَإِن أَنتَ أَكرَمتَ اللَئيمَ تَمَرَّدا

فهو يُغري سيف الدولة بالخليفة العباسي من وجوه عدة، ويجعل منه المثال والقدوة والقائد القادر على تلبية احلام وطموحات الامة. ولكنه بحذقه توقف عن الحلم وصار يرى حقيقة سيف الدولة بأنه أمير صغير في بلد صغير (حلب)، وعرف ان سيف الدولة لا يبادله هذا الطموح، مما أدى الى الاختلاف معه.

واذا توقف العلماء والكتاب عند حد التفسير الصحيح للجفوة التي حصلت بين الرجلين، فان تفسيرنا المنطقي المستند الى شعره يؤكد ان السبب هو يأس المتنبي طموحا من سيف الدولة. وكانت قصيدة العتاب والضجة التي حدثت الحد الفاصل ثم الرحيل. بالعلن هدد المتنبي بالرحيل والى مصر (محددا)، وببرود تقبله سيف الدولة:

لَئِن تَرَكنَ (ضُمَيراً) عَن مَيامِنِنا

لَيَحدُثَنَّ لِمَن وَدَّعتُهُم نَدَمُ

إِذا تَرَحَّلتَ عَن قَومٍ وَقَد قَدَروا

أَن لا تُفارِقَهُم فَالراحِلونَ هُمُ

و(ضُمير) جبل يكون على يمين المسافر من حلب الى(مصر). وحين طلب السامِرّي الترخيص بقتله أعطي الترخيص. حقيقة ان سيف الدولة أراد الخلاص منه. فلماذا؟؟

جوابنا: ان هاجس الثورة لم يفارق المتنبي في حلب. ولكنه هذه المرة صار اكثر حنكة وتخطيطا، ورأى أن يحقق الثراء ويملك المال ليشتري به الاتباع فيثور ثورة منتصرة. وهو ما كان فعند سيف الدولة صار في طور الثورة بعد ان اكمل الاستعداد لها أو كاد، فجمع أو اشترى ألفا من الاتباع واستغلَّ غيبة سيف الدولة في بعض غزواته وقبل التنفيذ اتصل خبره بسيف الدولة فكر راجعاً واعجله (كما تقول المصادر). ولعل حرص سيف الدولة على ان يكون المتنبي معه في كل غزواته راجع الى أسباب احدها خوفه من تركه في مملكته فضلا عن رغبته في تسجيل ملاحمه الشعرية عيانا. ولكن عموما الرجلان اختلفا وتقاطعا، وصار (القُربَ اِزوِرارا وطَويلُ السَلامِ اِختِصارا) كما قال المتنبي، ثم صار علي المتنبي أن يرحل والسبب الاكبر انه لم يجد حلبا تعطيه أو تزيد على ما أعطته، فراسل كافور الاخشيدي وصارحه واشترط عليه أن يعطيه ولاية مقابل مدحه واتفقا على ذلك فترك المتنبي حلبا (متذرعا بمشاجرة تافهة مع ابن خالويه).

المرحلة الثالثة: طرحه نفسه القائد

بعد أن يئس المتنبي من وجود قائد بحجم مشروعه لم ييأس، بل لبس هو بزته، وتقلد رمحه الطويل وسيفه الجراز كما أسماه. ووجد أن أفضل حاضنة لمشروعه هي مصر. وترك الثورة الى طلب الدولة، كما وجدنا العلويين بعد ثوراتهم الكثيرة التي أخفقت فكروا ببناء الدول، فأسسوا دولة الادارسة في المغرب، والدول الفاطمية في المغرب ومصر. ولم يكن المتنبي بعيدا عن هذه الفكرة، وقد خاض غمارها ومشى عبر حلقاتها حتى انتهى الى ما انتهى اليه العلويون.

أراد أن يحصل أولا على (ولاية) ثم يتوسع حتى يشمل مصر وما حولها، ولا يدري اين كان منتهى مشروعه، وهذا أمر يكاد يتفق عليه دارسو المتنبي. وفي أول لقاء بكافور عرّض بفكرة الولاية، وربما اتفق معه المتنبي وشارطه ليأتيه الى مصر، وكان المتنبي مطلوبا من الملوك والامراء ليمدحهم لما في شعره من تخليد أكيد ومنزلة أفضل من أكبر مجد. قال المتنبي لكافور:

وَغَيرُ كَثيرٍ أَن يَزورَكَ راجِلٌ

فَيَرجِعَ مَلكاً لِلعِراقَيينِ والِيا

وكرر الامر على كافور في قوله:

وَفُؤادي مِنَ المُلوكِ وَإِن كانَ لِساني يُرى مِنَ الشُعَراءِ

إِذا لَم تَنُط بي ضَيعَةً أَو وِلايَةً

فَجودُكَ يَكسوني وَشُغلُكَ يَسلُبُ

كان المتنبي يظن ان كافورا (ت357ه) عبد اسود غبي، وانه يستطيع بشعره ان يحصل منه على (ولاية)، فتنازل عن بعض قدر الشعر الى قدر الملك، فكان اول تراجع فني له، الا انه أحكم القبضة ولم يسمح ان يتفلت حبل الفن الشعري من يده، فلا يزال محتاجا الى الشعر في هدفه. فلبس بزة السياسي والمخطط الانقلابي. اذ كان يرى ان مصر وكافورا فرصته الوحيدة اذا خابت خاب الى الأبد. ولكنه فوجئ بحنكة كافور ودهائه السياسي وعلم انه أساء التقدير. واذا نظرنا الى اهاجي المتنبي في كافور نرى ان المتنبي لم يجد فيه مطعنا في عقل وتدبير ودهاء، فعيره بلونه وافترى عليه افتراءت تُضحِك ولا تُصدّق.

وكان الاخشيد ملك مصر مولاه قد اشتراه ثم أعتقه ثم رقاه الى كبير القواد (لما رآه فيه من الحزم والفعل وحسن التدبير). ثم تعهد كافور ابني الاخشيد أبا القاسم ثم أبا الحسين. وفي عام 355ه استقل بحكم مصر عن الاخشيد الى ان مات عام 357ه. ولم يستطع الفاطميون احتلال مصر حتى مات كافور. وحين ألحَّ المتنبي على كافور من أجل الولاية قال له كافور علانية (لستُ أجسر على توليتك صيدا؛ لأنك على ما أنت عليه تحدّث نفسك بما تحدّث، فان وليتك صيدا فمن يطيقك).

وكان في مصر شخصية قوية يهابها ويخشاها كافور، وهو القائد (أبو شجاع فاتك الرومي) الملقب ب(الكبير) (ت 350ه). وهو رفيق كافور في الرق والحرية؛ اشتراهما الاخشيد ثم أعتقهما. وحين ترقى كافور كبيرا للقواد ثم متعهدا ابني الاخشيد، انزوى فاتك الرومي في الفيوم (أنفة من السكن قرب كافور). وكان في مصر قائد محنّك هو شبيب العقيلي (ت348ه)  والي الرملة والساحل لكافور، وكان يكره كافورا. وحين يئس المتنبي من الحصول على ولاية من كافور عادت اليه عادته الثورية، فخطط للإطاحة بكافور فشكل مع فاتك الرومي وشبيب العقيلي مثلثا انقلابيا.

انقلاب في مصر

لم أجد مصدراً تاريخياً، غير ديوان المتنبي، يتكلم عن (انقلاب) ضد كافور قاده الثلاثي: المتنبي مفكرا ثوريا، وفاتك الإخشيدي مخططا للانقلاب، وشبيب العقيلي وقائدا ميدانيا منفّذا، وذلك في عام (348ه). وهذه المرحلة اخطر مراحل تحولات المتنبي السياسية. وقد أخمد كافور بخبرته المؤامرة في مهدها، وقام بتصفية الانقلابيين مبتدئا باغتيال شبيب العقيلي. لذا لا نفاجأ إذا رأينا المتنبي لا يهنئ كافورا بالنصر بل يرثي شبيباً ويتهكم بكافور:

أتلتمس الأعداء بعد الذي رأت

قيام دليل أو وضوح بيانِ

رأت كل من ينوي لك الغدر يُبتلى

بغدر حياة أو بغدر زمانِ

برغم شبيبٍ فارق السيف كفه

وكانا على العلات يصطحبانِ

وحينما وصل الى قوله:

وقد قتل الأقرانَ حتى قتلتَه

بأضعفِ قِرنٍ في أذلِّ مكانِ

قال كافور (لا والله إلا بأشد قِرن في اعزِّ مكان) وتهكم به بقوله:

فما لك تختار القسي وإنما

عن السعد يرمى دونك الثقلانِ

لو الفلك الدوار أبغضتَ سعيه

لعوَّقه شيء عن الدورانِ

وهذه الأبيات تدل على أن شبيباً قتل بغير سلاح، وهو ما تقوله المصادر؛ اذ تذكر ان شبيبا وهو يستعد للحرب سقط عن جواده ميّتا. ويدل على أن شبيباً كان على اتصال بفاتك قول المتنبي وهو يجمعهما في حالة واحدة :

واسودَ أما القلبُ منه فضيقٌ

نخيبٌ وأما بطنه فرحيبُ

يموتُ به غيظًاً على الدهر أهلُه

كما ماتَ غيظاً فاتكٌ وشبيبُ

أما فاتك الرومي فتذكر المصادر أنه جرت المراسلات بينه وبين المتنبي كما انهما (التقيا في الصحراء وتباحثا)، ولابد أن تلك المراسلات واللقاء أو اللقاءات قد وضع في أثرها مخطط صارم للثورة، وهكذا تعود النغمات الحماسية إلى شعر المتنبي لتلهب الشعب المصري وتهيئه للمرحلة القادمة:

وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه

ولو أنّ ما في الجسم منه حرابُ

يغيِّر مني الدهرُ ما شاء غيرَه

ويبلغ أقصى العمر وهي كعابُ

تركنا لأطراف القنا كل شهوةٍ

فليس لنا إلا بهنَّ لعابُ

أَعَزُّ مَكانٍ في الدُنى سَرجُ سابِحٍ

وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ

كما أنه عمل قصيدة دعائية لفاتك فمدحه ندا لكافور ولم يمدح المتنبي وزيراً أو من هو دون ملك في مصر، وبهذا تكون هذه القصيدة ترشيحية دعائية وفيها يقول:

واجز الأمير الذي نعماه فاجئةٌ

بغير قول، ونعمى الناس أقوالُ

فهذا (تعريض بكافور) اذ يجعل عطايا كافور وعودا فقط دون تنفيذ. كما قال في موضع آخر:

أَمسَيتُ أَروَحَ مُثرٍ خازِناً وَيَداً

أَنا الغَنِيُّ وَأَموالي المَواعيدُ

وفي قصيدته بيت يقول طه حسين انه يشير إلى أن المتنبي كان مسجوناً عند كافور أو أنه تحت المراقبة الشديدة، وهو:

وان تكن محكماتُ الشكل تمنعني

ظهورَ جري فلي فيهن تصهالُ

وعن علاقة المتنبي بفاتك بسبب (المصير والهدف المشترك) يقول أبن جني: (ما رأيت أبا الطيب أشكر لأحد منه لفاتك). ويتضح ذلك الحب في مراثيه المتعددة ومقدار ما كتبه فيه؛ فأبياته في فاتك (357) بيتاً وهي تناظر تقريبا أبياته في الشيرازيات (396) بيتاً أي أعطاه أهمية عضد الدولة. ومن رثائه لفاتك الذي يشير الى ذلك الهدف قوله:

أيموت مثلُ أبي شجاعٍ فاتكٍ

ويعيش حاسده الخصيّ الأوكعُ

أما المتنبي، فبعد فشل الانقلاب وقتلِ كافور شَبيبا عام 348ه غيلة، وفاتكا الرومي عام 350ه غيلة أيضاً، أدرك ان الدور قد حان عليه وعليه الهرب من مصر. وتُظهر حركة هروبه الخارقة مدى رعب المتنبي واستيلاء الخوف الواثق عليه من مصيره المؤكَّد، وأنَّ عليه أن يسابق لحظة الصفر وليست ساعة الصفر التي تنتهي بقتله غيلة أيضا. وقد شدَّد كافور عليه المراقبة ريثما يتخلص منه. وليس صحيحا انه حبسه عن السفر خوفا من هجائه. فقد احاطة بالجواسيس، ومرة دسَّ اليه (من يستعلم ما في نفسه، ويقول له طال قيامك عند هذا الرجل) فقال المتنبي عالما بما يحاك ضده:

يَقِلُّ لَهُ القِيامُ عَلى الرُؤوسِ

وَبَذلُ المُكرَماتِ مِنَ النُفوسِ

إِذا خانَتهُ في يَومٍ ضَحوكٍ

فَكَيفَ تَكونُ في يَومٍ عَبوسِ

وقد تعجب البديعي اشد العجب من أن يكون المتنبي وصل إلى هذه الحالة من التضعضع فقَبِلَ أن يقف على رأسه لكافور وهو الذي لم يرض أن ينشد سيف الدولة قائماً! واراد المتنبي مرة الذهاب الى الرملة لتحصيل مال له، فاستأذن كافورا فلم يأذن له وقال: (لا نكلفك المسير نحن نحصله لك)، فقال المتنبي متبرما:

أَتَحلِفُ لا تُكَلِّفُني مَسيراً

إِلى بَلَدٍ أُحاوِلُ فيهِ مالا

وَأَنتَ مُكَلِّفي أَنبى مَكاناً

وَأَبعَدَ شُقَّةً وَأَشَدَّ حالا

وكان بيته مراقبا أيضا بحيث ان جيرانه كانوا عيونا عليه. فلم يكن أمامه غير الهرب. وكانت مدة بقائه في مصر خمس سنوات.

المرحلة الرابعة: العودة الى الشاعر

كانت عملية هرب المتنبي من مصر الى الكوفة من العمليات فوق الكبرى في التاريخ؛ ورحلة خرافية لم يَقدِم عليها الا الابطال الاسطوريون في الملاحم. فقد عبر ثلاث دول (مصر، سوريا، العراق). انطلق المتنبي في عيد الاضحى مستغلا انشغال الدولة بالعيد عنه، وقد جهّز ما يحتاجه من ماء ومتاع واحتياجات. ولم يسلك الطرق المعبدة المعهودة، بل سار (على الحلل والاحياء، والمفاوز المجاهيل، والمناهل الأواجن) متخطيا حرس وجواسيس كافور، وصعوبات ومخاطر كثيرة، وكان وأصحابه يركبون الجمال في رمال الصحراء، والخيول في الطرق. واستغرقت رحلته نحو اربعة اشهر من 9 ذي الحجة سنة 350ه الى ربيع الاول سنة 351ه فدخل الكوفة.

وفي طريقه الى الكوفة أنشد قصيدة رسم فيها مستقبله.

حَتّامَ نَحنُ نُساري النَجمَ في الظُلَمِ

وَما سُراهُ عَلى خُفٍّ وَلا قَدَمِ

وَلا يُحِسُّ بِأَجفانٍ يُحِسُّ بِها

فَقدَ الرُقادِ غَريبٌ باتَ لَم يَنَمِ

تُسَوِّدُ الشَمسُ مِنّا بيضَ أَوجُهِنا

وَلا تُسَوِّدُ بيضَ العُذرِ وَاللِمَمِ

ما زِلتُ أُضحِكُ إِبلي كُلَّما نَظَرَت

إِلى مَنِ اِختَضَبَت أَخفافُها بِدَمِ

حَتّى رَجَعتُ وَأَقلامي قَوائِلُ لي

المَجدُ لِلسَيفِ لَيسَ المَجدُ لِلقَلَمِ

اِكتُب بِنا أَبَداً بَعدَ الكِتابِ بِهِ

فَإِنَّما نَحنُ لِلأَسيافِ كَالخَدَمِ

أَسمَعتِني وَدَوائي ما أَشَرتِ بِهِ

فَإِن غَفِلتُ فَدائي قِلَّةُ الفَهَمِ

مَنِ اِقتَضى بِسِوى الهِندِيِّ حاجَتَهُ

أَجابَ كُلَّ سُؤالٍ عَن هَلٍ بِلَمِ

هَوِّن عَلى بَصَرٍ ما شَقَّ مَنظَرُهُ

فَإِنَّما يَقَظاتُ العَينِ كَالحُلُمِ

وَقتٌ يَضيعُ وَعُمرٌ لَيتَ مُدَّتَهُ

في غَيرِ أُمَّتِهِ مِن سالِفِ الأُمَمِ

أَتى الزَمانَ بَنوهُ في شَبيبَتِهِ

فَسَرَّهُم وَأَتَيناهُ عَلى الهَرَمِ

لقد صار يستهزئ بطموحه وما عمله بسببه، متخليا عن افكاره التي كانت غير منطقية. فعليه ان يكفَّ عن مجاراة النجم في السير؛ فهو يسير برجل وخف فيتعب حتما، والنجم يسير بلا رجل وخف فلا يتعب. وهو لسيره الطويل يغالب النوم ويعاني النعاس، والنجم لا يملك عيونا فلا يغالب النعاس. فضلا عن ان الشمس تسوّد الوجه وظاهر جسده فقط. انه بات يضحك مع ابله من رحلاته السابقة التي أدمت اخفافها؛ فلا الغرض يستحق ذلك (طموحه) ولا الذين قصدهم يستحقون ذلك. وبعد رجوعه عن طموحه بنيل الملك بالقلم (الشِّعر) أخبرته اقلامه ان المجد لا يتحقق بها بل ب(السيوف). فاكتب بها مسطّرا اولا بتحقيق طموحك، ثم اكتب بنا بعدها؛ فالسيوف تقيم الدول، والاقلام تخدم السيوف. وفي زماننا كل أمر تصنعه السيوف، وكل شيء غير السيوف يُطلب منه العون يجيبك ب(لا). واذا لم يتحقق طموحك بنيل الملك والمجد والثروة فهوّن على عينيك عدم رؤيته، ما دام كل شيء رأته العين وتملّت فيه ستفقده يوما، فيستوى عندئذٍ ما رأته مع ما حُرِمت رؤياه (وهذا تسلية لنفسه). والوقت الذي عاشه وقت ضائع، فليته عاش عمره في الزمان القديم وفي غير أمته هذه ليحظى بالسعادة؛ فقد هرم الزمان على عهدنا لذا عشنا الحزن والحرمان. لقد أعلن في هذه القصيدة تركه طموحه وطيّ صفحته الى الابد، وعليه أن يفكر بالسير في طريق آخر.

بعد نحو سنتين قضاها المتنبي في الكوفة قرر أن يذهب الى بغداد فقصدها عام 352ه. وسبب ذهابه الى بغداد الحاجة الى المال لعيش مرفّه. بتقدير أن ما حصل عليه من سيف الدولة وغيره قد أنفقته عائلته؛ بعد انقطاع خمس سنوات قضاها في مصر. وما حصل عليه في مصر تركه هاربا، وحسب المتنبي فان اكثر عطايا كافور، أو بعد أن شكَّ بأمره، كانت وعودا دون صرف:

أَمسَيتُ أَروَحَ مُثرٍ خازِناً وَيَداً

أَنا الغَنِيُّ وَأَموالي المَواعيدُ

فضلا عن انه بقي سنتين في الكوفة بعد عودته، مما يؤكد حاجته الى المال. وكذلك أراد أن يلتقي بملوك المشرق كما التقى بملوك المغرب، فعاد الى بغداد شاعرا فقط، كما قصدها في صباه شاعرا فقط.

وكان هدف المتنبي الوصول الى الخليفة العباسي (المطيع لله)، والبقاء في معيته. ولو انه وصل اليه لاكتفى به عن البويهيين. وربما أراد الانتصار على بغداد والخلافة العباسية التي لم تفتح الباب له سابقاً لعدم شهرته، وظنَّ انها ستفتح أقصى ذراعيها لاحتضانه. وكان عليه أن يجتاز (باب الخليفة) للوصول اليه، وهو (الوزير المهلبي) فيمدحه أولا. ولكن المتنبي لم يمدح الوزير المهلبي؛ اذ أبت نفسه العالية أن يمدح المجون والسخافة ممثلة بالمهلبي وحاشيته. فأغلق على نفسه باب الخليفة الى الابد. بل ان الوزير المهلبي أضرى عداء ادباء بغداد للمتنبي، فحاربوه بشتى الصور تشفيا من نجاحه وشهرته التي غطت عليهم.

بعد رحلته الفاشلة الى بغداد رجع الى الكوفة في شعبان سنة 352ه. فمكث في الكوفة سنة وخمسة أشهر توجه بعدها الى (أرِّجان) في فارس بدعوة من (ابن العميد) في المحرم سنة 354ه فوصلها في صفر من السنة نفسها. ولم يكن المتنبي راغبا في قصد ايران ومدح البويهيين؛ بدليل انه بعد يأسه من بغداد والخليفة العباسي لم يكمل مسيره الى ايران والبويهيين. وقد ذكرت المصادر انه قصد ايران (مراغما) بمعنى انه وجد في ايران متسعا له، وتحديا لأعدائه. وكان الخليفة العباسي المطيع لله ألعوبة بأيدي البويهيين، وكان من الهوان أن الحاشية تتحكم به، والا فكيف فاته أن يقدّم دعوة لزيارة أكبر شاعر معاصر له (المتنبي) وقد وجَّه له الدعوة من هم أقل منه شأنا واسما.

وقد اختار المتنبي دعوة ابن العميد على دعوة الصاحب بن عباد الذي وصفه ب(الغُليّم)؛ كون ابن العميد أشهر الكتاب في زمنه، وقد قيل (بُدئت الكتابة بعبد الحميد وخُتمت بابن العميد) فلا بأس أن يلتقي الجبلان: جبل الشعر وجبل النثر. كما ان ابن العميد كان كيّسا، ولم ينضم الى الادباء الذين عادوه وهارشوه، وان كان يحسده، واعترف انه اراد تخميله فلم يستطع، كان ذلك قبل ان يزوره في (أرِّجان)، ولكن بعد أن زاره عظَّمه وعظَّم قدره. وقد لبث المتنبي لدى ابن العميد شهرين من صفر وحتى ربيع الاخر. ولأول مرة يعيش المتنبي في كنف أديب وناقد كبير. وقد أوصل ابن العميد الى المتنبي (كان يبلغني شعرك بالشام والمغرب وما سمعت دونه، فلم يحر جواباً). ونحس في (قصيدة النيروز) حرج الشاعر أمام الناقد، وقبوله حكمه فيه، ولكن في نفسه كلام لا مجال لقوله:

هَل لِعُذري عِندَ الهُمامَ أَبي الفَضلِ قُبولٌ سَوادُ عَيني مِدادُه

أَنا مِن شِدَّةِ الحَياءِ عَليلٌ

مَكرُماتُ المُعِلِّهِ عُوّادُه

ما كَفاني تَقصيرُ ما قُلتُ فيهِ

عَن عُلاهُ حَتّى ثَناهُ اِنتِقادُه

إِنَّني أَصيَدُ البُزاةِ وَلَكِنَ أَجَلَّ النُجومِ لا أَصطادُه

رُبَّ ما لا يُعَبِّرُ اللَفظُ عَنهُ

وَالَّذي يُضمِرُ الفُؤادُ اِعتِقادُه

ما تَعَوَّدتُ أَن أَرى كَأَبي الفَضلِ وَهَذا الَّذي أَتاهُ اِعتِيادُه

إِنَّ في المَوجِ لِلغَريقِ لَعُذراً

واضِحاً أَن يَفوتَهُ تَعدادُه

ومثله قال عضد الدولة في شعر المتنبي (جيد شعره في المغرب) فأجابه المتنبي مغالطا (الشعر على قدر البقاع). وللحقيقة ان شعر المتنبي في الشام ومصر كان (الفن للثورة) وكتبه المتنبي بكل رغبة وقوة فن امتلكها، أما شعره في ايران فكان (الفن للفن) وكتبه برغبة وقوة فن أقل بكثير. ونجد المتنبي لأول مرة يبدع في وصف الطبيعة (شِعب بوان) وصفا فنيا رائعا.

ثم جاءته دعوة من عضد الدولة البويهي الى شيراز، في ربيع الاخر 354ه، فبلغها في شهر جمادى الأولى. وبعد ثلاثة اشهر قضاها عند عضد الدولة غادر شيراز في شعبان عائداً إلى العراق يريد بغداد فالكوفة، وفي الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة 354ه في طريق العودة في النعمانية قرب دير العاقول، قتل المتنبي فهوى به جبلان: جبل إنساني قلَّ نظيره، وجبل شعري لا نظير له.

***

الاستاذ الدكتور محمد تقي جون

يسود الاعتقاد لدى العديد من الناس، كما ويتمسك بعض ذوي النوايا السيئة، بفكرة مفادها ان (القانون لايحمي المغفلين)، والحال ان هده المقولة لا يمكن قبولها في ظل الشرائع اللاتينية على إطلاقها، اذ هي تستخدم في غير الاغراض التي قيلت او وضعت من اجلها أصلاً، وتتناقض بعموميتها مع فلسفة القانون والشرائع في حياة البشر في كل زمان ومكان.

مصدر المقولة:

وردت هذه المقولة مجازاً عن طريق الشرائع الانكلوسكسونية السائدة في انكلترا وعدد من الدول التي كانت تحت ولاية التاج البريطاني (1)، ومن خلال حكم قضائي صدر في الولايات المتحدة الأمريكية.(2)

ولكنها تقترب من فكرة حدود الحماية القانونية السائدة في القوانين ذات الأصل اللاتيني السائدة في فرنسا ومصر والعراق واغلب دول العالم.

ماهي فكرة او نظرية حدود الحماية القانونية؟:

هي فكرة قانونية فلسفية حسب الاصل، مفادها ان الحماية القانونية للمصالح الخاصة ليست مطلقة بل نسبية، فالحماية القانونية إنما تبدأ قانوناً من مستوى معين من سلوك مفترض للاشخاص لاتنزل دونه، ومن ثم يقع على عاتق الفرد واجب اتخاذ قدر من الحيطة والحذر في تصرفاته القولية والفعلية حتى تصبح الحماية القانونية له ممكنة، وهذه الحيطة قد تكون على شكل اجراءات او شكليات يقع على عاتق الفرد واجب اتباعها، حتى يمكن تفعيل الانظمة القانونية التي تحميه، ومن ذلك شرط التسجيل العقاري لانتقال الملكية في العقارات والرهن التأميني، وتوثيق بعض العقود مثل عقود الشركات وشرط توثيق الدين بمستند عادي او رسمي للاثبات، او إشهاد الشهود على عقد او واقعة معينة، فتكون شروط الحماية القانونية هنا هي توفر هذا السند اي دليل الإثبات المعتمد قانوناً، فأذا جاء الدائن بعد ذلك مطالبا بحقه امام القضاء، فأن القاضي يطالبه بابراز سند الملكية او الدين، فأن لم يتوفر هذا وأنكر المدين الدين فلا يقضى له بحقه، فالقاضي لايحكم على مجرد الإدعاء وانما على اساس ماتوفر من أدلة وبينات وعند عدم توفرها يلجأ القاضي الى ماتقرره نصوص القانون او المباديء القانونية العامة في هذا الصدد ومنها مبدأ ( الاصل براءة الذمة وعدم مشغوليتها بأية ديون اوالتزامات وعلى من يدعي خلاف هذا الاصل ان يقدم البينة)، ولما كان الدائن يدعي خلاف الاصل فعليه عبء اثبات مايدعيه، فأن عجز عن ذلك فالقانون لا يتمكن من حمايته لانه لم يتخذ قدرا معقولا من الحيطة اشترطها القانون لحمايته.(3)

وتعبر هذه الفكرة في مضمونها الفلسفي عن الفرق بين الحقيقة القانونية والحقيقة الواقعية الحقة، وقد تتطابق الحقيقة القانونية مع الحقيقة الواقعية وقد لاتتطابق.

والقضاء يحكم بناءا على معطيات الحقيقة القانونية لا الحقيقة الواقعية عند عدم تطابقهما، ولهذا كان للعدالة ضحايا،

ومن ذلك شهادة الزور المحرمة شرعاً وقانوناً، اذ هي تحجب الحقيقة الواقعية الحقة عن نظر القاضي فيحكم بناءا على الحقيقة القانونية التي تجسدت في شهادة الزور فهو يعتمدها مادام ليس هناك سبيل لكشف زورها وبهتانها.

وفيما عدا ذلك فأن القانون يحمي المغفلين ومظاهر الضعف الانساني من استغلال المستغلين وكيد الكائدين ونصب المحتالين.

ومن تطبيقات ذلك تبني المشرع العراقي في القانون المدني العراقي لنظرية الغلط ونظرية التغرير مع الغبن ونظرية الاستغلال، فضلا عن تبنيه لنظم قانونية متطورة لحماية القاصر والمجنون والمعتوه والسفيه وذو الغفلة ورتب اثارا قانونية عليها تجسدت في اعتبار التصرفات المشوبة بعيب من عيوب الرضا موقوفة على اجازة من تعيبت ارادته او وليه او القيم او الوصي عليه، فضلا عن تبنيه لنظرية البطلان في حالات انعدام الاهلية او محل العقد اوسببه في العقود، كما وتبنى المشرع العراقي في قانون العقوبات العقوبة على جريمة الاحتيال والتزوير وجريمة اصدار شيك بدون رصيد ....

وبغية اعطاء صور واضحة تزيل اللبس عن هذا المفهوم الفلسفي، نتناول بالبحث بعض مظاهر الحماية القانونية لمظاهر الضعف الانساني وهي نظرية الاستغلال :ـ

نظرية الاستغلال في القوانين المقارنة والقانون المدني العراقي:

نظرية الاستغلال بوجه عام نظام قانوني مؤداه توفير الحماية القانونية في حالة ان يعمد شخص الى ان يفيد من ناحية من نواحي الضعف الانساني يجدها في اخر، كحاجة ملجئة تتحكم فيه، او طيش بين يتسم به سلوكه، او هوى جامح يتحكم في مشاعره وعواطفه، او خشية تأديبية تسيطر عليه، فيجعله يبرم عقدا ينطوي عند ابرامه على غبن فاحش يتجسد في عدم التناسب بين ما أخذه وما اعطاه، فيؤدي به الى خسارة مفرطة، بحيث يمثل عقده هذا اعتداءا على قواعد الاخلاق والائتمان السائدة في المجتمع ومبدأ حسن النية.

والاستغلال مظهر من مظاهر تطور فكرة الغبن من نظرية مادية الى نظرية نفسية، فالغبن هو المظهر المادي للاستغلال.

والاستغلال كعيب يشوب الرضا، نظام قانوني حديث نسبيا ظهر في العصور الحديثة بتأثير نزعة العدالة من وجه، والرغبة الصادقة في مكافحة النوايا السيئة، اذ يحارب نظام الاستغلال من ناحية التفاوت الصارخ بين ما يأخذه المتعاقد وبين مايعطيه، ومن ناحية اخرى يحارب استغلال نواحي الضعف الانساني في المتعاقد لان ذلك لايأتلف مع شرف التعامل وحسن النية وقيم المجتمع المتحضر .

ويعتبر القانون المدني الالماني الصادر سنة 1866 النافذ في اول يناير سنة 1900 اول من تبنى الاستغلال كعيب مستقل من عيوب الرضا وهو الذي اوحى بفكرته للتشريعات التي تلته، ونظر المشرع الالماني الى الاستغلال من ناحيته الثانية فرأى فيه مخالفة لحسن الاداب من شأنها ان تدمغ التصرف بالبطلان المطلق، الا ان السائد في التشريعات الحديثة ان ينظر الى الاستغلال كعيب من عيوب الرضا لايؤدي الى البطلان وانما يتمثل بقابليته للأبطال .

وتبنى المشرع العراقي نظرية الاستغلال في المادة (125) من القانون المدني العراقي حيث نصت على انه ( إذا كان احد المتعاقدين قد استغلت حاجته او طيشه او هواه او عدم خبرته او ضعف اداركه فلحقه من تعاقده غبن فاحش جاز له في خلال سنة من وقت العقد ان يطلب رفع الغبن عنه الى الحد المعقول، فاذا كان التصرف الذي صدر منه تبرعا جاز له في هذه المدة ان ينقضه) .

وقد اقتبس المشرع العراقي احكام هذه المادة من المادة (138) من القانون المدني الالماني والمادة (21) من قانون الالتزام السويسري .

معيار الاستغلال والغبن الفاحش:ـ يعمل النظام القانوني للاستغلال على ان يفوت الفرصة

على ذوي القصد السيء ممن يتلمسون مظاهر الضعف الانساني بقصد الحصول على مكاسب غير مشروعة، والحال ان كل مظهر من مظاهر الضعف الانساني من شأنه ان يحقق الاستغلال، وفي ضوء ذلك فأن بعض التشريعات تضع قاعدة عامة في الاستغلال من شأنها ان تنطبق على اي مظهر من مظاهر الاستغلال ايا كان نوعه او طبيعته تماشيا مع خصيصة التجريد التي ينبغي ان تكون عليها القاعدة القانونية التي تسمو على التفصيلات والجزئيات .

الا ان المشرع العراقي لم يضع قاعدة عامة في الاستغلال، وانما اتبع طريقة التعداد على سبيل الحصر لمظاهر الضعف التي يحميها القانون وان توسع فيها قياسا للمشرع المصري الذي قصر محل الاستغلال على الطيش البين والهوى الجامح.

ان طريقة التعداد على سبيل الحصر هذه تجعل من وضع معيار عام محدد لقياس مظاهر الضعف الانساني امرا متعذرا ايضا، ولما كانت الحالات المذكورة هي حالات نفسية، وتمثل اعتداءا على اخلاقيات التعامل وحسن النية، فينبغي على القاضي اعمال المعيار الذاتي، ليبحث في مدى قيام احد المتعاقدين بأستغلال حاجة المتعاقد الآخر او طيشه او عدم خبرته او ضعف ادراكه، وبحث القاضي ينصب هنا على العناصر النفسية والشخصية لدى المتعاقد الذي لحقه غبن نتيجة الاستغلال، فهي عناصر داخلية لصيقة بذات المتعاقد، يقوم القاضي بأكتشافها في ضوء مقومات المعيار الذاتي المتعلق بحالات الضعف الواردة في المادة (125) من القانون المدني العراقي، ومراعيا قواعد الاخلاق السائدة في المجتمع.

وينبغي على القاضي ان يتحقق من ان الاستغلال هو الدافع الى التعاقد، بمعنى ان يكون المتعاقد الاخر هو الذي سعى الى حمل الضحية على ارتضاء العقد على نحو ما ارتضاه عليه بحيث انه ماكان ليرتضيه على هذا النحو لولاه، فلو تبين ان المتعاقد المغبون كان سيتعاقد في كل الاحوال فلايتحقق الاستغلال ولو تحقق الغبن وبوجود مظاهر الضعف بصورها المتعددة، ذلك ان المشرع العراقي لايعتبر الغبن لوحده عيبا مستقلا، كما ان وجود الضعف كصفة لصيقة بالشخص لايعني تحقق الاستغلال دائما، فكثير من الناس تبيع اموالها تحت ضغط الحاجة وكثيرا مايهب المحبين الى اعزائهم اموالا وقد لايعرف الجديد في مهنته مواقع الاسواق الاكثر مناسبة من حيث السعر والجودة، والقول بوجود الاستغلال في مثل هذه الحالات فيه تهديد لاستقرار التعامل، وانما ينبغي ان تتوافرعناصر الاستغلال وهي اختلال التعادل بين ماالتزم به المتعاقد المغبون وبين ما يأخذه في مقابل ذلك اختلالا يؤدي الى الغبن الفاحش وهذا هو العنصر الموضوعي في الاستغلال، وان يكون استغلال الضعف لدى المتعاقد هو الدافع الى التعاقد، وهذا هو العنصر النفسي في الاستغلال .

معيار الغبن الفاحش:

الغبن مشكلة اجتماعية قديمة ولم تهتدي القوانين القديمة والحديثة الى ايجاد معيار موحد ومرض لها، ذلك ان هذه المشكلة الازلية تقوم على اعتبارات اجتماعية وخلقية واقتصادية غير ثابتة وخاضعة لقانون التطور العام للمجتمع.

وقد عالج المشرع العراقي القديم الرائد(4) مشكلة الغبن من خلال اعتماده نظام تسعيرة المواد الغذائية والحاجات التي تهم عموم الناس وتثبيت اجور العمال والعربات والحيوانات في المواد (1ـ 11) من قانون اشنونا والمواد من (125 ــ ومابعدها) من قانون حموراربي، كما اعتمد قانون حمورابي مفهوم السبب الاجنبي الذي يعفي المدين من تنفيذ التزامه، فالمادة (48) منه تقرر اعفاء المزارع الذي يهلك زرعه بفعل الفيضان من تقديم حبوب الى دائنه في ذلك العام ويعفى من الفوائد الخاصة بتلك السنة، ولم تعرف البشرية مثل هذه الاحكام العادلة التي تمنع استغلال مظاهر الضعف الانساني سواء كان مصدرها حالة الشخص ذاته او كان مصدرها الطبيعة، الا بعد عهود طويلة من الظلم والعدوان الاجتماعي .

والغبن في القانون الروماني في عهده المدرسي، يسيراً كان او فاحشاً لايؤثر على صحة العقد الا اذا اقترن بالتدليس او ان العقد صدر من قاصر يقل عمره عن (25) سنة، ويبررون ذلك بالقول ان على الرجل العاقل المستقيم ان يتحمل نتائج اعماله، وفي عصر مايعرف بالامبراطورية السفلى أمكن لبائع العقار ان يطعن بعقد البيع اذا كان الثمن المتعاقد عليه اقل من نصف القيمة الحقيقية للمبيع.

الا انه بحلول العصر العلمي ( 130 ق.م ــ 284م) ظهر مايعرف بمبدأ حسن النية في العقود الذي يقتضي قيام المدين بتنفيذ التزامه بحسن نية أي من دون مكر ومن دون سوء نية ومن دون غش وان يبذل في سبيل تنفيذه عناية الرجل المعتاد.

وفي القرون الوسطى بدأ مبدأ سلطان الارادة بالتنامي الا ان رجال الكنيسة قيدوا هذا المبدأ بالعدالة ومبدأ حماية الضعيف من استغلال القوي فحددوا للسلع اثمانها وللعمل أجره، وهذا ماكانوا يسمونه بالثمن العدل وبالاجر العدل.

وفي ظل الثورة الفرنسية اطلقت حرية التعاقد وفقا لمبدأ سلطان الارادة ولم تُحرم الغبن حتى في بيع العقار بل لم تضع حدا اعلى للفائدة، وقد تأثر القانون المدني الفرنسي بما جاءت به الثورة الفرنسية فنظر الى الغبن نظرة مادية ليتحقق في حالات محدودة، فالغبن فيه لايؤثر في صحة العقود الا في حالات استثنائية نص عليها.

موقف المشرع العراقي من معيار الغبن:

اذا كان المشرع العراقي قد قال بالغبن الفاحش الا انه لم يتبن معيارا معينا لتحديده، الا في حالة خاصة هي ماذكرته المادة (1077ف2) بشأن قسمة المال الشائع، وهذا يعني انه ترك تقدير الغبن الفاحش لاجتهاد القضاء، ولما كانت مباديء الشريعة الاسلامية بمقتضى الفقرة الثانية من المادة الاولى من القانون المدني العراقي احد المصادر التي تستمد منها الاحكام بعد التشريع والعرف، فيمكن للقاضي ان يعتمد احد المعايير التي تبناها جانب من الفقه الاسلامي .

موقف الشريعة الاسلامية الغراء من معيار الغبن : بصورة عامة يقسم فقهاء الشريعة الاسلامية الغبن الى نوعين، يسير وفاحش، والغبن اليسير هو الذي لايمكن تجنبه في المعاملات ومن المتفق عليه بين الفقهاء ان هذا النوع من الغبن يتسامح فيه، ولايعطى للمتعاقد المغبون خيار الغبن .

اما الغبن الفاحش فقد اختلف الفقهاء في تحديد مقداره، وهناك معياران لتحديده:

ووفقا للمعيار الاول ينظر الى قيمة الشيء وتحدد نسبة بين هذه القيمة وبين الثمن الذي دفعه المتعاقد كحد ثابت للغبن، فأذا زاد الثمن عن هذا الحد او نقص عنه تحقق الغبن، وقد تراوحت تقديرات الفقهاء في هذا الباب بين الثلث وربع العشر .

اما المعيار الثاني الذي تبناه جانب من فقهاء الشريعة الاسلامية فانه يعرف الغبن الفاحش بانه (ما لايدخل في تقويم المقومين) فان دخل في تقويمهم فهو يسير لا فاحش.

فلو بيعت سلعة بمليون دينار وقومها بعض اهل الخبرة بمايزيد على هذا المبلغ والبعض بما ينقص عنه كان الغبن يسيرا، اما لو اتفقوا جميعا على تقويمها باقل من هذا المبلغ فأن في البيع غبن فاحش بالنسبة الى البائع، اما اذا اتفقوا جميعا على تقويمها باكثر من هذا المبلغ كان في البيع غبن فاحش بالنسبة الى المشتري.

***

فارس حامد عبد الكريم

23 / 11 / 2007

................

(1) الدول الأنجلو ساكسونية (Anglo-Saxon countries) هي مجموعة من الدول المتقدمة ذات الأصول الثقافية، اللغوية، والتاريخية المشتركة التي تعود إلى بريطانيا العظمى، وتتحدث الإنجليزية كلغة أساسية. تشمل هذه الدول بشكل رئيسي المملكة المتحدة، الولايات المتحدة، كندا، أستراليا، ونيوزيلندا، وتتميز باقتصاديات رأسمالية ونظم قانونية وسياسية متشابهة. ويعود المصطلح إلى قبائل جرمانية (الأنجل، الساكسون، واليوت) التي هاجرت من شمال ألمانيا والدنمارك إلى بريطانيا في القرن الخامس الميلادي، واستقرت هناك.

(2) - المقولة وردت في حكم القضاء الامريكي وفقاً للشريعة الانكلوسكسونية التي تعتمد على العرف والسوابق القضائية. وملخصها: هي مقولة لقاضي نطق بها كحكم قضائي في قضية من قضايا الرأي العام التي أثيرت في الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية وكان المدعى عليه في القضية نصاب قام بأكبر عملية نصب في ذلك الوقت استغل فيها ملايين الأمريكيين.

وتتلخص في ان  رجل أمريكي كان فقيرا جدا لدرجة إن حالته يرثى لها من شدة الفقر، و في أحد الأيام خطرت بباله فكرة، و لكن لم تكن فكرة عادية، بل كانت فكرة ملؤها الدهاء والمكر والتي من شأنها أن تغير حياته وتقلبها رأسا على عقب. فقد قرر أن يضع في الصحف الأمريكية إعلانا جاء فيه: “إذا أردت أن تصبح من الأثرياء، كل ما عليك هو أن ترسل دولارًا واحدًا فقط إلى صندوق البريد رقم ….. ”.

وفي اليوم التالي بدأ الملايين من الناس الذي يطمعون في أن يكونوا أثرياء بإرسال الدولارات على صندوق البريد فلن يكلفهم الأمر سوى دولارًا واحدًا وما هي إلا أيام حتى صار الرجل من الأثرياء جدًا فلديه حساب يجمع ملايين الدولارات بعد ذلك قام بالرد في نفس الصحيفة، وشرح للناس ما قام به، مؤكدا لهم أن طريقته التي أعلن عنها قد جعلته غنيا بالفعل. وبعد أن عرف الناس حقيقة الخدعة التي وقعوا ضحية لها، قاموا برفع القضايا ضده في المحاكم، ولكن لم تكن هناك حجة تدينه، لأن الرجل ووفق الإعلان قد أصبح غنيًا بالفعل، وقال القاضي الأمريكي مقولته الشهيرة: “القانون لا يحمي المغفلين”.

(3)- او يطلب توجيه اليمين الحاسمة للمدين

(4) ــ تسبق شرائع العراق القديم في ازمان تدوينها اقدم ماعرف من شرائع الحضارات الاخرى بعشرات القرون، اذ يعتبر قانون ( اور ـ نمو ) العراقي اول قانون مكتشف حتى الان في العالم قاطبة، اذ يعود تاريخ تدوينه الى فترة حكم الملك (اور ـ نمو) (2113 ـ 2095) ق.م، بينما لايتعدى تدوين القانون اليوناني القرن السادس قبل الميلاد، والقانون الروماني المعروف بقانون الالواح الاثني عشر (450)

 

هذه النظرية الواقعية تساير الغاية الاولى للقانون وهي غاية "تحقيق الاستقرار والأمن في المجتمع". وهي نظرية قد تتقدم على غاية العدل عند التعارض، بعد الموازنة بين الإيجابيات والسلبيات وإختيار القاعدة الأقل ضرراً حماية للوضع الظاهر وحسن النية، من خلال اضفاء صفة التصرف الصحيح على تصرف باطل بني بحسن نية على اعتقاد خاطئ جماعي مشترك.

تعريف النظرية: هي نظرية قانونية قضائية الأصل حيث تسمح للقاضي بتغليب الوقائع على القانون في حالات محددة. بحيث يتمكن القاضي من فرض آثار قانونية على وضع يختلف عن الواقع، ويدخل في نظام يكون فيه إضفاء الشرعية على الأعمال الباطلة ممكناً، لغرض التوازن والتفضيل بين المصالح المتضاربة، مصلحة صاحب الحق في عدم مصادرة ممتلكاته، ومصلحة الغير في تصحيح سلوكه تجاه الشخص الظاهر، وتُعطى الأولوية للمصلحة الأكثر حماية، وهي المصلحة التي التزم صاحبها بحدود القانون، وان بنيت تصرفاته على ظاهر الوقائع.

وأن أساس هذه النظرية هو القاعدة الرومانية "communis error facit jus".

هي قاعدة قانونية لاتينية تعني "الخطأ الشائع يُصبح قانونًا" أو "الخطأ العام يصنع الحق". تشير إلى أن الخطأ إذا انتشر وتبناه الناس (أو القضاء) على أنه صحيح، فقد يُعامل في حالات معينة كقاعدة قانونية ملزمة لحماية استقرار التعاملات وحسن النية.

ويشكل مفهوم الغلط الشائع الإساس لما يعرف في الفقه بنظرية الأوضاع الظاهرة (أو نظرية الظاهر)

ولهذه النظرية جذورها التطبيقية في عهود الرومان حيث عمل بها القضاء الروماني (البريتور الروماني).

وقد تبنت القوانين المدنية والتجارية وقوانين الاجراءات المدنية هذه النظرية في نصوص في القوانين المقارنة المعاصرة بعد ان طبقها القضاء واستقر على احكامها ردحاً من الزمن.

تعريف الغلط الشائع: هو الوهم الذي يستولي على المتعاقدين أو عموم الناس، فيصور لهم أمراً على غير حقيقته، حيث يظنون صحة إجراء غير صحيح، أو العكس، ويعاملونه معاملة الصحيح.

طبيعة النظرية: تتضمن قواعد إستثنائية لايجوز التوسع في تفسيرها.

مقارنات

1- لا يجوز الخلط بين هذه النظرية وقاعدة "لا يعذر أحد بجهله للقانون"، الذي لا يعتد بالدفع به امام المحاكم

فواجب هذه القاعدة في النظام القانوني هو حماية ثقة الجمهور وضمان استقرار المعاملات، وتحقيق العدالة، ومنع التملص من المسؤولية بدعوى الجهل، حيث يُعد العلم بالقانون التزامًا عاماً بمجرد صدور القانون ونشره في الجريدة الرسمية، ويعتبر علمًا مفترضًا للجميع، وإلا تعطلت فاعلية القوانين لو كان الجهل بالقانون عذراً.

بينما نظرية الغلط الشائع تحمي الأفراد والمتعاقدين حسني النية الذين تصرفوا بناء على وضع ظاهر خاطئ يعتقد جمع من الناس انه صحيح وهو في حقيقته باطل، ويقبل بالدفع بها امام القضاء.

2- الغلط في القانون: في النظرية القانونية، يجوز بطلان العقد إذا وقع غلط في القانون (مثل ورارث ذكر يبيع حصته معتقداً أنه يرث الربع بينما حصته هي النصف).

إلا ان نظرية الغلط الشائع تجعل هذا الغلط (إذا انتشر) ملزماً وكأنه قانون، لضمان استقرار المعاملات.

الحكمة من النظرية: تعكس هذه النظرية رغبةً في تخفيف صرامة القانون لحماية الأطراف الثالثة التي قد تكون ارتكبت خطأً. وهي تمنح قوة قانونية للأخطاء عند الضرورة؛ ولا ينبغي تعميم هذه القاعدة

شروط تطبيق هذه النظرية:

1- وضع ظاهر: وجود وضع ظاهر مخالف للحقيقة.

ونظرًا لإمكانية تضليل طرف ثالث بمظهر خادع، حتى دون وجود أي مخطط متعمد، سعت السوابق القضائية إلى تحديد الظروف التي تُضفي الشرعية على اعتقاد الطرف الثالث بالسلطة الظاهرية للعقد، أي الظروف التي تسمح له بالامتناع عن التحقق من صلاحيات المتعاقد الآخر معه. ومن بين هذه الظروف، وفقًا للمحاكم، منصب الوكيل المعزول وممارساته المهنية المستمر منذ زمن، دون ان يعلم المتعاقد الآخر بالعزل، أو وجود روابط أسرية بين الموكل والوكيل المزعوم.

في المقابل، تجعل بعض الظروف اعتقاد الطرف الثالث بالسلطة الظاهرية غير مبرر. فبحسب محكمة النقض الفرنسية، فإن أي وضع غير طبيعي، والذي من المفترض أن يشجع أي طرف متعاقد على توخي الحذر أو على الأقل طلب المعلومات، مما يحول دون اعتقاد الطرف الثالث المشروع بالسلطة الظاهرية.

علاوة على ذلك، تُطبق المحاكم تفسيرًا أكثر صرامة لاعتقاد الطرف الثالث المشروع عندما يكون من المهنيين ومدراء الشركات.

2- العمومية: أن يكون هذا الوضع شائعاً ويخدع الكافة (الغلط العام)، أي أن يقع فيه عدد كبير من الناس أو المتعاقدان معاً.

فهو الغلط الذي كان من الممكن أن يرتكبه أي شخص.

فلكي يُطبّق مبدأ السلطة الظاهرية، يجب أن يكون القاضي قادراً على تحديد أن الغلط كان من الممكن أن يرتكبه أي شخص في نفس الموقف.

قد يكون الغلط مشروعاً أيضاً، وفي هذه الحالة، قد يجد القاضي أنه بالنظر إلى الظروف الخاصة، كان لدى الشخص أسباب كافية للوقوع في الغلط والوقوع في فخ المظاهر.

3- خفاء الغلط: ان يكون الغلط جسيماً لا يسهل كشفه أو تجنبه.

هنا، لا مجال للتغاضي عن الغلط الناتج عن قلة الحذر واليقظة.

4- حسن النية: يجب أن يكون المتعاقد حسن النية،أي أنه يعتقد أن الشخص الذي تعامل معه هو المالك الحقيقي، وحسن النية هنا مفترض ما لم يثبت العكس.

وبالتالي، يقع على عاتق المالك الأصلي إثبات سوء نية المشتري لاسترداد العقار. علاوة على ذلك، تُقيّم النية الحسنة في تاريخ حيازة العقار (محكمة النقض المدنية الفرنسية، الدائرة الثالثة، 30 مارس 2017، رقم 15-21.790).

وهذا ما أكدته محكمة النقض الفرنسية في حكمها الصادر في 30 مارس 2017. علاوة على ذلك، في هذه القضية، طعن المدعون في تفسير المادة 544 من القانون المدني استنادًا إلى السوابق القضائية الثابتة لمحكمة النقض، والتي أقرت "بصحة بيع العقار من قبل المالك الظاهر، إذا كان المشتري حسن النية وضحية خطأ مشترك، وبالتالي يقر بفقدان ملكيته من قبل المالك الحقيقي"

ولا يجوز الاستناد إلى السلطة الظاهرية لتنفيذ عقد من قبل كاتب عدل بمساعدة زميل له، إذ يُشترط على كلا الموظفين العموميين التحقق من صلاحيات الآخر (الدائرة المدنية الأولى، 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2009، الاستئناف رقم 08-18056، وBICC رقم 720 بتاريخ 15 أبريل/نيسان 2010، وLegifrance).

5- مجهولية سند صاحب الحق الحقيقي

مما تسبب في ظهور هذا الغلط الشائع كالوارث الحقيقي او مجهولية موقفه من التعاقد كالموكل الذي عزل الوكيل، ولا يعلم المتعاقد (الطرف الثالث) بالعزل.

6- ان يكون العقد من عقود المعاوضات لا من عقود التبرعات: يجب أن يكون المشتري من المالك الظاهر قد حصل على العقار مقابل عوض قيّم.

وقد أكدت محكمة النقض الفرنسية في حكمها الصادر في 7 أكتوبر 2015، أنه "بما أن عائلة X... قد حصلت على العقار المتنازع عليه مجاناً، فإنها لا يحق لها المطالبة بصفة المالك الظاهر".

وبالتالي فإن ادعاء المالك الحقيقي بالملكية لا يسبب أي ضرر لأن الطرف الثالث حصل على الملكية مجاناً.

فمشتري العقار مجانًا لا يحق له التذرع بمبدأالملكية الظاهرية (المحكمة العليا الفرنسية، الدائرة المدنية الأولى، 7 أكتوبر/تشرين الأول 2015، رقم 14-16.946). هذا الحل منطقي: فإذا استعاد المالك الحقيقي عقاره، فإن المشتري المجاني لا يخسر سوى الإثراء الذي اعتقد أنه حصل عليه. ولهذا السبب، فإن حقوق ملكية المالك الحقيقي لها الأولوية على حقوق المشتري المجاني؛ إذ سيكون من الظلم حرمان المالك الحقيقي من حقوق ملكيته عندما لا يتكبد المشتري في نهاية المطاف أي ضرر حقيقي من خلال إعادة العقار الذي حصل عليه مجانًا الى مالكه الشرعي.

وبالتالي، فإن استيفاء هذه الشروط يسمح لأطراف ثالثة تتصرف بحسن نية بالحصول على ممتلكات تم بيعها من قبل مالك ظاهر.

أكدت محكمة النقض الفرنسية هذا في حكمها الصادر في 22 يوليو 1986 : "إن الأطراف الثالثة التي تتصرف بحسن نية تحت تأثير الخطأ المشترك لا تستمد حقها من المالك الظاهر، ولا من المالك الحقيقي، بل يتم منحها إياه بموجب القانون؛ وأن بطلان سند ملكية المالك الظاهر، حتى لو كان مسألة تتعلق بالسياسة العامة، لا يؤثر على صحة التصرف الذي وافق عليه، لأن سبب البطلان ظل وكان بالضرورة مجهولاً للجميع"

في هذا الحكم، تؤكد محكمة النقض مجدداً على شرط حسن النية من جانب الأطراف الثالثة ومبدأ الخطأ المشترك. وتشير إلى أن سند ملكية المالك الظاهر "يجب أن يكون مجهولاً للجميع بالضرورة"،

الحكم: يتم قبول التعاملات على أساس الغلط الشائع، طالما أن التصحيح سيؤدي إلى ضرر أكبر.

نطاق تطبيق النظرية: ينطبق مبدأ الملكية الظاهرية على كل من الأموال المنقولة وغير المنقولة. إلا أنه عمليًا، لا تنطبق على الأموال المنقولة اذ بموجب القانون يصبح حائز الأموال المنقولة مالكًا لها فورًا، وفقاً لقاعدة "الحيازة في المنقول سند الملكية" شريطة أن يكون الطرف الثالث حسن النية. لذا، يكفي مشتري الأموال المنقولة أن يكون حسن النية (أي أن يعتقد أنه اشتراها من مالكها الحقيقي) ليصبح مالكها المباشر.

شرعية الحكم بناءاً على الوضع الظاهر:

قال تعالى " وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون " يوسف الآية 18

فقد حكم يعقوب (ع) في قضية قتل الذئب لابنه يوسف (ع) بأنه لم يقتله مع وجود الدم على القميص استدلالاً بما ظهر من القرينة وحال القميص عملاً بالوضع الظاهر. فإن أخوة يوسف عندما جاءوا بقميصه الملطخ بالدماء إلى أبيهم يعقوب نظر إليه وتأمله فلم يجد فيه أي تمزق، فقال لهم ما عهدت الذئب حليماً يأكل يوسف ولا يمزق القميص، فدل ذلك على كذبهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله

"إنَّما أنا بَشَرٌ وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكونَ ألْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فأقْضِي علَى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فمَن قَضَيْتُ له مِن حَقِّ أخِيهِ شيئًا، فلا يَأْخُذْهُ فإنَّما أقْطَعُ له قِطْعَةً مِنَ النَّارِ."

حديث نبوي شريف صحيح يوضح منهج القضاء في الإسلام، القضاء بالظاهر وليس بعلم الغيب، لانه عليه الصلاة وآله لو حكم بعلم الغيب لأمتنع القضاء على القضاة من بعده ولأحتج عليهم الناس انهم لايعلمون الغيب فالنبي يحكم بظاهر الأمور وبما يظهر له من البينات والأقوال والإقرار او الإنكار، وليس بعلم الغيب.

أبرز تطبيقات نظرية الغلط الشائع يقوم مقام القانون:

اولاً- الوكالة الظاهرة:

يقصد بالوكالة الظاهرة وجود مظهر خارجي خاطئ صادر عن الأصيل (الموكل) يدفع الغير حسن النية إلى أن ينخدع ويبرم التصرف مع الوكيل الذي يتعامل خارج حدود وكالته ظناً من الغير حسن النية أنه ينوب عن الأصيل، ففي هذه الحالة وخروجاً عن الأصل العام -الذي يقرر عدم انصراف أثر تصرف الوكيل دون وكالة أو تجاوز حدود وكالته إلى الموكل- فينصرف أثر التصرف الذي أبرمه الوكيل الظاهر الذي تجاوز حدود وكالته إلى الأصيل على أساس الوكالة الظاهرة، لا على أساس الوكالة الحقيقة لكن على أساس الوكالة الظاهرة.

ومثال للمظهر الخارجي الخاطئ الذي قد يصدر عن الأصيل أن يرسل أحد التجار مثلاُ أحد تابعيه لتحصيل دين له أو شراء بضاعة له بثمن آجل من غيره من التجار مرة تلو أخرى ثم في أحد المرات يذهب هذا التابع دون تفويض من رئيسه لأخذ بعض الديون من التاجر الأخر أو شراء تلك البضاعة بالثمن الآجل لحساب نفسه هو دون أن يعلم ذلك متبوعه فيعطه المال ظناً منه أن متبوعه قد أرسله فينصرف أثر التصرف هنا في حق الأصيل وهو التاجر الذي أرسله.

وقد قضت محكمة النقض المصرية بأن:” الأصل وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة: أن التصرفات التي يبرمها الوكيل خارج نطاق وكالته لا تنفذ في حق الموكل ما لم يجزها هذا الأخير، وخروجاً على هذا الأصل يعتبر الوكيل الظاهر نائباً عن الموكل فينفذ في حقه التصرف الذي يبرمه متى ثبت قيام مظهر خارجي خاطئ منسوب إلى الموكل، وأن الغير الذي تعامل مع الوكيل الظاهر قد انخدع بمظهر الوكالة الخارجي دون أن يرتكب خطأ أو تقصيراً في استطلاع الحقيقة” نقض مدني ــ الطعن رقم 1171 لسنة 51 قضائية جلسة 27/12/1984

(نقض مدني ــ الطعن رقم 630 لسنة 39 قضائية جلسة 22/11/1975، قطر مصر

على الرغم من أن محكمة النقض الفرنسية، في حكم أصدرته عام ١٩٦٢ عن الجمعية العامة، أرست مبدأ إمكانية محاسبة الموكل على أساس السلطة الظاهرية، المحكمة العليا مؤخرًا بأنه يمكن محاسبة الموكل على أساس السلطة الظاهرية، حتى في غياب أي خطأ يُعزى إليه، إذا كان اعتقاد الطرف الثالث بنطاق صلاحيات الوكيل مشروعًا. ويفترض هذا المشروع أن الظروف، التي لا يخلو منها الموكل تمامًا، تُبرر عدم تحقق الطرف الثالث من الحدود الدقيقة لتلك الصلاحيات. وفقًا للسوابق القضائية، فإن الموكل ليس غريبًا عن تكوين المظهر، لا سيما عندما لا يُبلغ الطرف المتعاقد الثالث بأن الوكيل الذي كان يمثله رسميًا سابقًا أو الذي كان يتعامل معه الأخير عادةً لم يعد يمثله

وبغض النظر عن الظروف المحددة، ترى أعلى محكمة أن اعتقاد الطرف الثالث المشروع بمظهر الوكالة يجب تقييمه وقت تنفيذ الفعل. كما أقرَّت السوابق القضائية بأن وجود علاقات تعاقدية سابقة، أو ممارسات عرفية، أو ممارسات راسخة منذ زمن طويل، يُسهِّل اعتقاد الطرف الثالث بالسلطة الظاهرية.

وقت نصت المادة (948) من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 المعدل على انه:

(لا يحتج بانتهاء الوكالة على الغير الحسن النية الذي تعاقد مع الوكيل قبل علمه بانتهائها).

ثانياً- الوارث الظاهر: فلو مات شخص ولا يعرف له ابن فورثه الاقرب كأبن عمه مثلاً .. وقام ابن العم باجراء التصرفات القانونية على الاملاك التي ورثها كالبيع والايجار والمساطحة وغيرها

ثم ظهر ان للمتوفي ابن كان مختفياً، او مفقوداً، فتطبيقاً للقاعدة تعتبر حميع تصرفات ابن العم (الوارث الظاهر) من بيع وايجار وغيرها صحيحة ونافذة بحق الابن (الوارث الحقيقي) وليس له ان يبطلها

ولكن له ان يرجع على ابن العم بجميع العوائد والاموال الذي تحصل عليها من الارث بدعوى والسبب هو استقرار المعاملات في المجتمع.

فالذي اشترى وباع ورتب آثار فقد يكون قد باعها لاشخاص اخرين او رتب عليها رهون فان انتزاعها منهم بدعوى العدالة يثير المنازعات وتتأثر حقوق الناس وقد تفقد كما في الدائن الراهن للعقار الذي لم يعط الدين الا برهن العقار العائد للمدين ثم نأتي وننتزع من المدين العقار فهنا يفقد الدائن اهم ضمان وضعه لحماية نفسه حيث يُعتبر من حصل على الأصول بحسن نية ومقابل عوض قيّم مالكًا لها.

فعلى سبيل المثال، أصدرت محكمة النقض الفرنسية حكماً في 26 يناير 1897، استناداً إلى نظرية السلطة الظاهرية هذه. ونص الحكم على أنه "بمجرد ثبوت الخطأ المشترك الذي لا يمكن دحضه، فضلاً عن حسن نية الأطراف الثالثة، فإن التحويلات التي يجريها الوريث الظاهر تُعفى من أي دعوى فسخ يرفعها الوريث الحقيقي ".

بمعنى آخر، عندما يستحوذ طرف ثالث على ملكية من مالكها الأصلي، يُعتبر هذا الطرف الثالث هو المالك الجديد . وبالتالي، يصبح ادعاء المالك الأصلي مستحيلاً

من الناحية العملية، يتيح هذا أمرين

أمان وسرعة المعاملات حماية الأطراف الثالثة التي تتصرف بحسن نية، حتى لو كان هناك بعض التساهل مع مشتري الطرف الثالث حسن النية، فإن الأمر نفسه لا ينطبق على المالك الظاهر الذي يجب عليه إعادة قيمة العقار إلى المالك الأصلي .

نظراً للخطأ الذي ارتكبه الطرف الثالث بحسن نية أثناء عملية الاستحواذ، لا يمكن استرداد العقار بحالته الأصلية. وعليه، يجب على المالك الظاهر إعادة قيمة العقار إلى المالك الحقيقي، بالإضافة إلى جميع الأرباح التي حصل عليها إن كان قد تصرف بسوء نية.

يمكن الاستشهاد أيضاً بالملكية المشتركة قد يظهر أحد المالكين المشتركين للغير وكأنه يمتلك ملكية كاملة لأحد الأصول المملوكة ملكية مشتركة. في هذه الحالة، إذا باع المالك المشترك الأصل لمشترٍ حسن النية، يصبح هذا المشتري مالكاً للأصل فوراً بموجب مبدأ الملكية الظاهرية (محكمة النقض المدنية الأولى (فرنسا)، 22 يوليو 1986، رقم 84-17.004)

وقد نصت المادة (384) من القانون المدني العراقي على انه (اذا كان الوفاء لشخص غير الدائن او نائبه فلا تبرا ذمة المدين الا اذا اقر هذا الوفاء او تم الوفاء بحسن نية لشخص كان الدين له ظاهرا كالوارث الظاهر).

ثالثاً- التاجر الظاهر والشركة الظاهرة: الاعتداد بتصرفات الشخص الذي يظهر بمظهر التاجر أو الشركة في مواجهة الغير حسن النية، حتى لو كان المركز القانوني الحقيقي غير صحيح.

وكانت المادة (19) من قانون التجاري رقم 149 لسنة 1970 الملغي قد نصت على انه:(تثبت صفة التاجر لكل من احترف التجارة باسم مستعار أو كان مستترا وراء شخص آخر فضلا عن ثبوتها للشخص الظاهر.)

والغاء نص المادة لا يعني الغاء حكمها حسب القواعد العامة وحسب تقدير القضاء.

رابعاً- الموطن الظاهر (في المرافعات): صحة إجراءات التقاضي والتنفيذ التي تتم في الموطن الظاهر للخصم.

نصت المادة (44) من القانون المدني العراقي على انه (يعتبر المكان الذي يباشر فيه الشخص تجارة او حرفة موطنا له بالنسبة الى ادارة الاعمال المتعلقة بهذه التجارة او الحرفة).

المدير الفعلي/المحامي الظاهر: صحة الأعمال والإجراءات التي يقوم بها مدير الشركة الفعلي أو المحامي الذي يبدو أنه يمثل الخصم.

خامساً- المدين الظاهر: نفاذ الوفاء الذي يتم للمدين الظاهر (من يظهر كدائن) إذا كان ذلك عن حسن نية.

وقد سبق الاشارة الى نص المادة (384) من القانون المدني العراقي على انه (اذا كان الوفاء لشخص غير الدائن او نائبه فلا تبرا ذمة المدين الا اذا اقر هذا الوفاء او تم الوفاء بحسن نية لشخص كان الدين له ظاهرا كالوارث الظاهر).

سادساً- الموظف الظاهر (في القانون الإداري): نظرية الموظف الفعلي

والنظرية تعد من تطبيقات مبدأ دوام سير المرافق العامة، ولنظرية الموظف الفعلي تطبيقان

الاول: الموظف الفعلي في الظروف الطبيعية

الثاني: الموظف الفعلي في الظروف الاستثنائية

ويعرف الموظف الفعلي بأنه هو ذلك العامل الذي يتولى وظيفة عامة معينة دون سند شرعي

1- نظرية الموظف الفعلي في الظروف الطبيعية.

بان يصدر قرار بتعيينه، أو ترشحه الإدارة لوظيفة معينة وتعهد إليه بعمل ليمارسه قبل صدور قرار تعيينه خضوعا لمقتضيات المرافق العامة، أو الذي تم تعيينه بشكل معيب استنادا إلى سند غير مشروع تقرر إلغاؤه بعد فترة من توليه منصبه وحسب الأصل تعد أعماله باطلة وفقا لقواعد تنظيم الوظائف العامة.

الموظف الفعلي قد يكون قاضياً او استاذاً جامعياً .... ويستمر بعمله لسنوات عديدة بإتخاذ القرارات القضائية والقرارات الإدارية ثم يتبين فيما بعد إن تعيينه في الوظيفة كان باطلاً كأن يثبت ان شهادته العلمية كانت مزورة

2- نظرية الموظف الفعلي في الظروف الاستثنائية

وقد يستحيل على الموظفين في حالة الحرب أو الثورات القيام بأعمالهم فيتطوع فرد لا صلة له بالمرفق بأداء عمل الموظف، ولما كان الأصل لقانون العقوبات ان من ينتحل صفة الموظف العمومي يعتبر مرتكبا لجريمة معاقبا عليها إلا انه في الحالات السابقة ووفقا لمبدأ دوام سير المرفق بانتظام واضطراد فقد اخذ القضاء الفرنسي والمصري والعراقي بنظرية الموظف الفعلي.

في هذه الحالة ماهو حكم القرارات التي اتخذوها؟

تعد تصرفات الموظف الفعلي تصرفات مشروعة استنادا إلى دوام سير المرفق العام وأيد الفقه والقضاء صحة أفعال الموظف الفعلي استثناء من القواعد العامة التي تنظم الوظائف العامة في الظروف العادية والظروف الاستثنائية

فقد أقر القضاء الفرنسي والمصري والعراقي ان هذا الموظف يعد موظفاً فعلياً تمييزاً له عن الموظف الرسمي

واعتبر هذا القضاء ان جميع تصرفاته وقرارته القضائية او الإدارية والمهنية تعتبر صحيحة ومعترف بها قضاءاً وذلك حماية لمصالح ابناء المجتمع من الإنهيار المفاجيء مما قد يتسبب في ارباك المراكز القانونية وتهديد امن واستقرار المجتمع من خلال إعادة النظر في الالاف من القرارات التي اتخذها القاضي او رجل الادارة والشهادات الممنوحة للخريجين خلال السنوات الفائتة.

ومثال ذلك فقد اكتشف قبل سنوات في بعض الجامعات العربية والأفريقية ان اساتذة من البلدان العربية مارسوا التدريس لمدد تزيد عن خمس وعشرين سنة ووصلوا لمراتب ادارية عليا في الجامعات وناقشوا رسائل دكتوراه وماجستير ليتبين بعدها ان شهاداتهم مزورة!! وبعد تناول الموضوع في وسائل الإعلام احدث ذلك رعباً لدى خريجي هؤلاء الاساتذة من حملة الدكتواره والماجستير وغيرها ولكن القضاء طمأنهم بأن كل شيء على مايرام ولن تمسهم أية مسؤولية او ضرر ودعاهم الى ممارسة اعمالهم بشكل طبيعي.

ولذلك يكون للموظف الفعلي الحق في استرداد كل ما تكبده من نفقات في إدارة المرفق العام . كما ان الإجراءات والأعمال التي يباشرها بوصفه موظفا فعليا تكتسب الصفة الإدارية ويمكن الطعن فيها أمام القضاء الإداري بدعوى الإلغاء لتجاوز السلطة. وتطبق عليها أحكام الأعمال الإدارية كما لو كانت قد صدرت من موظف عام تقلد الوظيفة العامة بطريقة مشروعة وسليمة.

ولا ينقلب الموظف الفعلي إلى موظف قانوني إلا إذا عين في الوظيفة بواسطة السلطة المختصة وباتباع الإجراءات والأشكال المقررة قانونا

ويقرر القضاء الإداري تحصين القرارات الإدارية المعيبة الصادرة من موظف ليس له صلاحية كاملة ولكن يبدو كذلك، بتوفر شروطها، حماية للمتعاملين مع الإدارة.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب السابق لرئيس هيئة النزاهة الاتحادية

كتاب ثمار وفوائد تلاوة صفات بوذا أنموذجا

مقدّمة: المطّلع على كتيّب  " ثمار وفوائد تلاوة صفات بوذا" بقلم الرّاهب فرا تاماسينغبورا أتشـان Phra Dharmasinghaburachan من معبد أمبافان، المعبد البوذيّ التّأريخيّ المعنيّ بالتّأمل وممارسة الأنشطة الرّوحيّة، ويقع في محافظة سينغبوري في تايلاند، والكتاب باللّغة التّايلنديّة مع عبارات باللّغة الباليّة، وهي اللّغة الدّينيّة في البوذيّة القديمة، والّتي هاجرت مع البوذيّة من القارّة الهنديّة، وأصبحت تكتب بالحروف التّايلانديّة في تايلاند، والكتاب يقع في تسع وثمانين صفحة من الحجم الصّغير، طبعته شركة رونغ رُوانغ وِيرِيَّا فَتْثَنا للمطابع المحدودة في تايلاند، ويوزع بشكل مجانيّ في المعابد[1].

الكتاب في جملته يعطيك صورة مختصرة عن الدّعاء في البوذيّة وغاياته وطرقه ومفرداته، وهو أشبه بكتيّبات الدّعاء في معابد الأديان الإبراهيميّة، ومنها الإسلام، جاء في مقدّمته: "جعلُ تلاوة الأدعية وعبادة بوذا نهجا دائمًا في الحياة، وتأمّلا يوميّا فيها، يؤدّي إلى ثمار وافرة، ونماء في الخير، وبناءِ الفضيلة للنّفس. ويكون الرّبح الحقيقيّ هو الخير الّذي يمكن إهداؤه لأبناء الوطن، وللشّركاء في هذا العالم، لكي نعيش جميعا في حظٍّ طيّب وسعادة، كلّنا بلا استثناء. أتمنى أن تقوموا أنتم وأفراد أسركم جميعا بتلاوة الأدعية معا، في كلّ بيت، لتكون بركة في الحياة، فيتحقّق حسن الحال، وتزداد الحكمة، وتنالوا السّعادة والازدهار المتواصل في حياتكم. وأرجو منكم أن تحثّوا أبناءكم وأحفادكم جميعا على تلاوة الأدعية قبل النّوم. فإذا كنتم – أيّها الإخوة – على نيّة صادقة وإيمان راسخ، وجعل الأبناء يتلون الأدعية وفق هذا الكتاب؛ فإنّ الثّمار الّتي تُجنى من التّلاوة ستكون عظيمة"[2].

ومن فوائد الاحتفاظ بهذا الذّكر "إنّ من يحتفظ به في بيته ينال ثوابا أعظم من بناء ستوبا (برج بوذي) من الذّهب الخالص بارتفاع يوازي عالم الآلهة، ويكون محفوظا من الأخطار المختلفة، ويزدهر في رزقه ومعيشته"[3]. "فإنّ ثوابه وفضله لا يمكن وصفه أو الإحاطة به، وهو من أعظم الأعمال الصّالحة، وسيحصل صاحبه على السّعادة والبركة والازدهار في الحاضر وفي المستقبل، ممتدّا إلى أبنائه وأحفاده من بعده، بقوّة الاحترام والتّبجيل لهذه التعويذة المقدّسة"[4]. ومن "يتلوه ويتعبّد به صباحا ومساء على أنّه عبادة وتذكّر لبوذا؛ فإنّ هذا الشّخص لن يسقط في عوالم الهلاك، وحتّى مجرد الاحتفاظ به في المنزل يكفي لدفع الأخطار والمصائب المختلفة"[5].  "إنّ من تبرّع بالمال لبناء وإهداء للرّهبان والرّاهبات، أو للأقارب والأصحاب، أو يتلوه حتّى يكمل ثلاثة أيّام؛ سيحظى بحظّ وسعة رزق وازدهار، وينجو من النّحس، ويخلو من الحزن والمرض وكلّ الكوارث"[6]. ومن نوى وجلس يتأمل ويتلوه ثلاث مرّات يوميّا فلن يقع في ذنوب؛ وكلّ ما يقوم به سيُحقّق مراده. ومن يتلوه سبع مرّات يوميّا، حتّى العظام ستطفو على الماء"[7].

"والبوذيون غالب سكان تايلاند، وأغلبهم ينتسبون إلى البوذيّة التّيرفانديّة أو الثّرافادا، ويطلق عليها أيضا هينايانا وتعني العربة الصّغيرة، وهي البوذيّة الأرثدوكسيّة الّتي ترى نفسها أقرب إلى تعاليم بوذا، وتقابلها بوذيّة الماهايانا أي العربة الكبيرة، وهذه تنتشر في الهند والصّين وكوريا واليابان، ومنها انبثقت بوذيّة زن المغالية في التّقشف، بينما بوذيّة الهينايانا تنتشر بصورة أكبر في سيرلانكا وبورما وكمبوديا ولاوس بجانب تايلاند"[8]، وهذا الكتيّب يمكن تصنيفه ضمن دائرة كتب الأدعية والرّوحانيّات في البوذيّة التّيرفانديّة.

البوذيّة ووجود الآلهة:

البوذيّة لا تنكر الآلهة كما يشاع، بل تجد صورها في المعابد. والثّقافة الفيديّة[9] (الأديان الهنديّة) المنبثقة منها البوذيّة لم تتخلّ عن فكرة الآلهة، وكلمة بوذا "مشتقة من الجذر البالي "بوذا"، وتعني الفهم أو المعرفة. وهكذا، كان بوذا شخصا يفهم الحقيقة، ويجدها، ويستطيع تعليمها أو إعلانها"[10]، وفي هذا الكتاب "ليحفظني براهمـا والآلهة العظمى، وجميع الأرواح الحارسة، وليُزيلوا العوائق ... ليمنحني براهمـا والآلهة العظمى وفرةً في الرّزق"[11]، والفارق بين البراهمة والأراهنت في البوذيّة أنّ الأولى كائنات إلهيّة علويّة لم تصل إلى النّيرفانا، أي المرحلة النّهائيّة والمطلقة في التّحرّر الرّوحيّ، بينما الأراهنت بلغت مرحلة التّنوير الكامل ووصلت إلى النّيرفانا، حينها يطلق عليها "بوذا، أي المدرك للحقيقة الكاملة، فهو غير داخل في دائرة التّناسخ عكس البراهمة، وهذا ما وصل إليه سيدهارتا غوتاما في القرن الخامس أو السّادس قبل الميلاد، فكان فيديّا انعزل الحياة، وعاش في مرحلة التّأمل والتّرقي في نيبال اليوم، ليصل إلى النّيرفانا غير القابلة للتّناسخ.

بوذا – حسب النّظريّة البوذيّة (النّيرفانا) – أرقى من الآلهة، فهو "معلّم الآلهة والبشر"[12]، "هذا هو المبارك: معلم الآلهة والناس حقًا هو المبارك"[13]، "ألوذ بالمعلّم، معلّم الآلهة والبشر، أنحني برأسي للمعلّم، معلّم الآلهة والبشر، ألوذ بالبوذا، أنحني برأسي للبوذا"[14]، وفي هذا الكتاب يظهر دعوتهم للآلهة أيضا: "ليحفظني براهمـا والآلهة العظمى، وجميع الأرواح الحارسة، وليُزيلوا العوائق ... ليمنحني براهمـا[15] والآلهة العظمى وفرة في الرّزق"[16]، ويظهر تأثيرها أيضا: "من يطلب ولدا، فليُرزق ولدا، ومن يطلب مالا، فليُرزق مالا، ومن يطلب الخير والصّحة، فليحصل عليهما، وليكن محبوبا لدى الآلهة"[17]، وفي الكتاب أيضا: "اعلم أيضا أنّ ممارسة التّأمل يجب أن تتمّ في مكان مناسب في كلّ مرة، اجعل ذهنك ثابتا في صلواتك، فستشاركك الآلهة والحماية البهيّة في السّرور والبركة، لا تفعل ذلك عبثا وإلّا سيكون لذلك ضرر عليك"[18].2390 Buddha

النّيرفانا ونظريّة الإنسان الكامل:

نظريّة النّيرفانا موجودة بشكل أو بآخر في الأديان عموما ومنها الإبراهيميّة. متّى المسكين (ت: 2004م) – الأبّ الأرثذوكسيّ المصريّ – في كتابه "حبّة الحنطة" حاول تفكيك هذه المعادلة من خلال ثنائيّة الرّوح (الخير/ الأعلى) والجسد (الشّر/ الأسفل)، مع وسطيّة النّفس، "والنّفس موضوعة بين الجسد والرّوح .... فهي إمّا أن تتحد مع الجسد وتتعاطف معه ضدّ الرّوح، وإمّا أن تتحد مع الرّوح وتتعاطف معه ضدّ الجسد، وهكذا تكون النّفس إمّا جسدانيّة وإمّا روحانيّة"[19]، "والنّفس تصدر عنها العواطف، وتحوي الحياة الجسديّة"[20]، "والذّات هي النّفس"[21]، "والذّات تتحصن داخل الجسد"[22]، أمّا "الجسد بشهواته وغرائزه مخلوق أصلا على غير فساد، ومهيأ ليخضع لقانون الرّوح، وينضبط بالرّوح دون أن يفقد شيئا من شهواته وغرائزه الطّبيعيّة"[23]، لكنّه "هو الموت والفناء"[24]، ومركز الغرائز والشّهوات. وأمّا الرّوح "هي نفحة من الله، وهي الّتي تجعل الجسد حيّا"[25]، والرّوح "تستقبل التّأثيرات، وتعبّر عنها، وتتصل بالله وتحبّه"[26]، "وتستمد قوّتها وطاقتها من الرّوح القدس مباشرة"[27]. لهذا "هناك صراع بين الرّوح والجسد من جهة، وبين الرّوح والنّفس المنحازة إلى الجسد، لهذا على الرّوح أن تتحرّر من سطوة الجسد، وتتحد مع النّفس، حتّى لا يكون مداره النّفس المتحدة بالجسد، وإنّما النّفس المتحدة بالرّوح"[28]، لهذا تدور النّفس بين ثنائيّة الأبديّة والفناء، "فتتحقّق الحياة الأبديّة إذا انحازت النّفس إلى الرّوح"[29]، أمّا إذا التصقت بالفاني – أي الجسد – تفنى، وإن كانت حيّة في ظاهرها. وعليه "النّفس هي العدو الّذي يقف ضدّ خلاص الإنسان إذا ارتبطت بالجسد، فعليها أن تتحرّر بالرّوح"[30]، لكن "لا يمكن الجمع بين حريّة النّفس المتعاهدة مع الجسد، وبين حريّة الرّوح المتحدة بالرّوح القدس، فعليه أن يتحرّر من حريّة الخطيئة ليخلص بالرّوح"[31].

مرتضى مطهري (ت: 1979م) في كتابه "أنسنة الحياة في الإسلام"، يؤصّل لاتّجاهات نظريّة الإنسان الكامل في الغنوصيّة الإسلاميّة، ونظريّة الإنسان الكامل تقترب من نظريّة النّيرفانا، ويجمل مطهري أهم نظريّاتها إلى ثلاث نظريّات رئيسة: الأولى "النّظريّة العقليّة كما عند ابن سينا، ويرون العقل هو جوهر الإنسان، فالإنسان الكامل هو الإنسان الحكيم، أي الفيلسوف العاقل من خلال إدراكه لكليّات الوجود، ويدرك هيكل الوجود ليعثر على فهم أجزائه، فتكمل نفسه البشريّة عندما تنعكس صورة هيكل العالم في عقل الإنسان، فيكون عقله مضاهيّا للعالم العينيّ، وهذه الحكمة النّظريّة، وبها يرتفع إلى الحكمة العمليّة أي يهمين على غرائزه وقواه الجسمانيّة[32]. والثّانية نظريّة العشق أي العرفان والتّصوّف، ورقيّ الإنسان الكامل من خلال العشق أي الله، ويبدأ البحث عن العشق عموديّا بالصّعود إلى المعشوق، ثمّ تستقر أفقيّا، وترتبط بالرّوح لتصعد إلى الخالق، ليصبح الإنسان الكامل هو الله متحدّا معه[33]. والثّالثة نظريّة القدرة، أي القوّة، فالإنسان الكامل هو الإنسان المقتدر، وهذه مدرسة السّفسطائيين، والقوّة عندهم هي الحقّ، فعلى الإنسان الكامل بذل الجهد للحصول على القدرة والقوّة، وهذه ظهرت مؤخرا عند نيتشة بمعنى الإنسان الأعلى، وعند غيره الإنسان الأسمى[34].

فكرة التّرقي أو الإنسان الكامل فكرة قديمة وجدت مع الكونفوشيّة، فيذكر منشيوس (ت: 289ق م) - المعلّم الثّاني للفلسفة الكونفوشيّة – في كتابه "منشيوس" أنّ "قونغ من تشو [قال]: كان كل من (جاي وو) و (تسي قونغ) بارعين في البلاغة، و (ران نيو) و (مين تسي) و (يان هوي) بارعين في شرح مبادئ الأخلاق. أمّا كونفوشيوس فكان بارعا في الاثنين، ومع ذلك فقد قال إنّه ليس بارعا تماما في البلاغة. فإذا كان أمرك كذلك، أفلا يعني هذا أنّك قد بلغت مرتبة الإنسان الكامل؟. أجابه منشيوس: إنك تبالغ في الأمر. ذات مرة سأل (تسي قونغ) كونفوشيوس: هل أنت إنسان كامل أيّها المعلم؟ أجابه كونفوشيوس: لا أقدر على أن أكون إنسانا كاملا. أنا شخص لا يشبع من التّعلّم، ولا يتعب من التّعليم. فقال (تسي قونغ): إذا كنت لا تشبع من التّعلم، فهذا يعني أنّك واسع المعرفة، وإذا كنت لا تتعب من التّعليم، فهذا يدلّ على أنّك رجل فاضل. وهكذا فبجمعك لسعة المعرفة والفضيلة تغدو إنسانا كاملا أيّها المعلّم. فإذا لم يسمح كونفوشيوس لنفسه أن يُعتبر إنسانا كاملا، فمن العجب أن تدعوني أنت إنسانا كاملا. قال (قونغ صن تشو): سمعتُ أنّه في الماضي حاز كلّ من (تسي شيا) و(تسي يو) و (تسي تشانغ) على بعض خصائص الإنسان الكامل، أمّا كلّ من (ران نيو) و (من تسي) و (يان يوان) فكانوا صورة مصغرة عن الإنسان الكامل. فإلى أيّ المرتبتين أيّها المعلم تنسب نفسك؟ أجابه منشيوس: لنترك الحديث في هذا الموضوع الآن. قال (قونغ صن تشو): ماذا تقول في (بو بي)  و (إي ين)؟ أجابه منشيوس: لكلّ منهما طريق يختلف عن طريق كونفوشيوس ... كلّهم كانوا حكماء في الماضي، ولكنّي إذا خيّرت اخترت طريق كونفوشيوس. سأله (فوقع صن تشو): إذا قارنا بين هؤلاء الثّلاثة، فهل تضعهم في نفس المرتبة؟ أجابه منشيوس: "كلّا، فمنذ بداية التاريخ لم يظهر شخص آخر مثل كونفوشيوس"[35].

إنسانيّة الإنسان الكامل في الفلسفة الكونفوشيّة قائمة على المعرفة والحكمة والخلطة، وهي خلاف الهندوسيّة والبوذيّة القائمة على الانعزال والتّأمل والبتوليّة، وكما رأينا سلفا دخلت في الفلسفات والأديان الإبراهيميّة، وأصبحت مدار غنوصيّة الأديان، ويرى مصطفى هنديّ "هي المعرفة الباطنيّة الّتي تنطلق من عمق الإنسان، ولا تطلب شيئا خارجه"[36]، فالغنوصيّة "هي فعاليّة روحيّة داخليّة تقود إلى اكتشاف الحالة الإنسانيّة ... الكفيلة بتحرير الرّوح الحبيسة في إطار الجسد الماديّ، والعالم الماديّ، لتعود إلى العالم النّورانيّ الّذي صدرت عنه"[37]. وارتباط الإسكندريّة بالغنوصيّة ارتباط موغل في القدم، كان فلسفيّا كما في الغنوصيّة الأفلاطونيّة، أو دينيّا كما في اليهوديّة الآسينيّة في القرن الثّاني قبل الميلاد، الّذين تجسّدت فلسفتهم في الزّهد والرّهبنة، والاهتمام بالرّوح، فلا يأكلون لحوم الحيوانات، وتخلص  هدى عليّ كاكه يي في كتابها "الغنوصيّة" أنّ "الغنوصيين المسيحيين الإسكندرانيين اشتركوا جميعا في ضرورة التّخلّص من سلطان الأهواء، وتحرير النّفس، وقد وجدوا في اعتقادهم بالمسيحيّة إرضاء لحاجاتهم الرّوحيّة والعقليّة، وتأكيدا لانقلابهم نحو الغنوصيّة"[38].

وبما أنّ الإسكندريّة عاشت عالمين أو ثنائيتين: الغنوصيّة الفلسفيّة في صورها المختلفة الأفلاطونيّة والهرمسيّة والأبيقوريّة، والغنوصيّة اليهوديّة الآسينيّة، إلا أنّ مجيء المسيحيّة إلى الإسكندريّة مع  مار مرقس أو مرقص في القرن الأول الميلاديّ، وتعتبره الكنيسة الأرثدوكسيّة القبطيّة البطريرك الأول لهم، واستمر تقليدهم البابويّ حتّى يومنا هذا مع الأنبا تواضروس الثّاني ليكون رقم (118)، ولهذا يطلقون على أنفسهم بابا الإسكندريّة وبطريرك الكرازة المرقسيّة، والكرازة كلمة إنجيليّة بمعنى الدّعوة، والمرقسيّة نسبة إلى مار مرقس الرّسول. هذه الثّنائيّة ارتبطت بالغنوصيّة الأولى، والّتي وجدت بعض نصوصها مع مخطوطات نجع حمادي، وظهرت مع الرّمزيات الغنوصيّة المسيحيّة الإسكندرانيّة في القرن الأول الميلاديّ، رغم أنّهم هرطقوا وفق قانون الإيمان المسيحيّ عموما، أو الأرثذوكسيّ خصوصا بعد مجمع خلقيدونيّة (451م)، حيث تتشكل الكنيسة الشّرقيّة الأرثذوكسيّة القبطيّة اللّا خلقيدونيّة، والّتي ستصنف لاحقا ضمن اليعاقبة اللّا ملكيين، وارتبطت بالإسكندريّة روحيّا حتّى اليوم.

ومن أهم الرّمزيات الغنوصيّة الإسكندرانيّة في القرن الأول الميلاديّ باسيليدس، وتقوم غنوصيّته على الثّنائيّة بين الخير والشّر، وأنّ مصدر الخطيئة الهوى، وأنّ مصدره الخارج لا من الدّاخل، فعليه أن يتحرّر بحرمان النّفس من العديد من الطّيبات، فحرموا أنفسهم من الزّواج مثلا، فاقتربوا من ثنائيّة الزّرادشت، وتعذيب الذّات كما في البوذيّة[39]. ثمّ أتى بعده فالنتيونس وغنوصيّته تقوم على ثنائيّة الرّوح والجسد، وثنائيّة الإله الخالق، والإله الخيّر الطّيب وهي بذرة الرّوح، وهناك وسط بينهما، تبث ما هو إلهي روحيّ، وبين ما هو ماديّ جسميّ، ولهذا صورة المسيح الجامعة بين الرّوح والجسد[40].  كذلك أتى بعد باسيليدس الغنوصيّ مرقيون ليقترب من ثنائيّة باسيليدس، فهناك إله العبرانيين خالق العالم، وهناك إله المحبّة، وهو الإله المجهول، وهو إله المسيحيين، وهو خالق العالم الرّوحيّ[41]. هذه الغنوصيّة القائمة على الثّنائيّة من جهة، وعلى وجود إله أو حالة في الوسط هي الّتي تتشكل لاحقا مع الروحانيين المسيحيين، ومن ثمّ مع العرفانيين أو المتصوّفة المسلمين، من خلال ثنائيّة الخير والشّر، والمتمثلة في الرّوح والجسد، ووسطيّة النّفس لتلتصق بالإله الأعلى وتحلّ فيه، ويحلّ فيها، فهناك طرف وسط بين الرّوح الأعلى والجسد الأدنى، تجسّدت لاحقا مع الإيمان المسيحيّ في ثلاثيّة الأب والابن والرّوح القدسّ، وغنوصيّا في الجسد والرّوح والنّفس، وعرفانيّا في الظّاهر والباطن والحقيقة، مع ثنائيّة الحرف والرّمز أيضا. لهذا تشكّل مع الأفلاطونيين والمشائيين والهرمسيين قديما، ومن ثم مع العرفانيين المسلمين نظريّة الإنسان الكامل أو الإنسان السّماويّ، النّظريّة القائمة على الخير والشّر من خلال الرّوح والجسد كما عند الرّوحيين، وخالفهم المادّيّون، إلّا أنّ المادّيّة لم تخرج عن الثّنائيّة، كالفلسفة الأبيقوريّة القائمة على ثنائيّة اللّذة وهي الخير، والألم وهو الشّر. ونظريّة الإنسان الكامل من وائل من استخدمها من المسلمين محي الدّين ابن عربيّ (ت: 638هـ/ 1240م)، واشتهرت عند عبد الكريم الجيليّ (ت: 826هـ/  1424م).

التّثليث في البوذيّة:

غالب الفلسفات الغنوصيّة تقوم على المثنويّة من خلال الخير والشّر، والرّوح والمادّة، والمطلق والنّسبيّ، والثّابت والمتحرّك، وعلى التّثليث، ففي الفيديّة: براهما الخالق، وفيشنو الحافظ (الدّارما)، وشيفا المدمّر، وفي المسيحيّة: الاب والابن والرّوح القدس، وفي الغنوصيّة: المطلق واللّوغرس والحكمة، وفي التّرقي كما أسلفنا: الرّوح والنّفس والجسد، وعند المتصوّفة: المطلق والمراد والمريد، وفي البوذيّة: البوذا (الأرهنت المستنير الكامل)، والدّارما (التّعاليم)، والسّانغا (الرّهبان)، وهذه الثّلاثيّة المسمّاه بالجواهر الثّلاثة هي مدار الذّكر والتّوسل في البوذية[42].

فضيلة وفوائد الدّعاء والذّكر:

"إنّ تلاوة الأدعية وعبادة بوذا وجعلها ممارسة روحيّة ملازمة للحياة، وتأمّلا يوميّا فيها؛ تؤدّي إلى ثمار غزيرة، ونماء متزايد، وتُسهم في بناء الخير والفضيلة للإنسان نفسه، ويكون الرّبح الحقيقيّ هو هذا الخير الّذي يمكن تقديمه هدية لأبناء الوطن، ولشركاء الإنسانيّة في هذا العالم، كي نعيش جميعا في حظّ طيّب وسعادة، كلُّ واحدٍ منّا"[43]، ويقول الرّاهب فرا تاماسينغبورا أتشـان في شأن تلاوة مناقب بوذا: "لاحظتُ أنّ بعض النّاس يذهبون إلى العرّافين، فإذا قيل إنّ لديهم نحسا أو سوء طالع وجب عليهم "فكّ النّحس"، وقد رأيتُ أنّ ما يُسمّى بالعلامات أو الطّوالع السّيئة قد يكون له حضور في الواقع كما يذكره العرّافون. عندها وضعتُ توجيها قائما على اليقظة والوعي، فقلتُ: على المؤمن (اليوم) أن يتلو مناقب بوذا بعدد سنوات عمره، ويزيد عليها واحدا، لكي تتحسّن يقظته الذّهنيّة، وتستقيم أحواله، وقد ثبت – بقدر ما جُرّب – أنّ ذلك نافع"[44].

طريقة الدّعاء والذّكر والتّأمل:

"قبل الدّخول إلى قاعة العبادة يجب الاغتسال وتنظيف البدن وارتداء ملابس لائقة. اجلس بوقار وضبط الجسد والنّفس، وجه ذهنك بثبات نحو صورة بوذا، وتذكّر الثّالوث المقدّس، ثمّ قم بالانحناء ثلاث مرات. أسكن النّفس وتذكر فضائل الوالدين باعتبارهما أراهنت (قدّيسين) بالنسبة للابن. بعدها أشعل الشّموع للعبادة؛ أشعل الشّمعة الموجودة على يمين تمثال بوذا أولا، ثمّ الشّمعة على اليسار، ثمّ أشعل ثلاثة أعواد بخور. عند إتمام إشعال الشّموع والبخور ووضع مزوّدات العبادة؛ استحضر في ذهنك صورة البوذا كحاضر، اجلس على الرّكب وضع راحتي اليدين معا بنيّة التّعبّد. ابدِّ التّحيّة للثّالوث المقدّس، التّحيّة للبوذا ولصفات بوذا، وصفات التّعاليم، وصفات الجماعة/الرّهبان. ثمّ ابدأ ممارسة التّأمل والتّلاوة لزيادة القداسة والفعاليّة الروحيّة"[45].

يُبدأ بالتلاوة من دعاء تعظيم الجوهرة الثلاث[46]، أي البوذا والدّارما والسّانغا، يقول فيها: "بهذا القربان أُعظِّمُ البوذا، بهذا القربان أُعظِّمُ الدّارما، بهذا القربان أُعظِّمُ جماعة الرّهبان"[47]، ثمّ ينحني للجواهر الثّلاثة قائلا: "أنحني وأبجّل البوذا المبارك، الطّاهر الكامل (الأرهنت)، الّذي استنار استنارة كاملة بذاته"[48]، ثمّ يسجد.

ثمّ ينحني ثانية قائلا: "أنحني وأبجّل الدّارما، تعاليم الحقيقة الّتي أعلنها البوذا إعلانا تامّا"[49]، ثمّ يسجد.

ثمّ ينحني ثالثة قائلا: "أنحني وأبجّل السّانغا، جماعة تلاميذ البوذا الّذين ساروا في الطّريق المستقيم"[50] ثمّ يسجد.

يرتبط الذّكر بالتّأمل، "وكلما زاد ذلك [أي التّأمل]، سيظهر قوّة ذهنيّة، ويزداد الاستقرار في الحياة. اعلم أيضا أنّ ممارسة التّأمل يجب أن تتمّ في مكان مناسب في كلّ مرّة. اجعل ذهنك ثابتا في صلواتك، فستشاركك الآلهة والحماية البهيّة في السّرور والبركة. لا تفعل ذلك عبثا وإلا فسيكون لذلك ضرر عليك"[51]. "يُمارس التّأمل لتهدئة الذّهن، واكتساب الطّاقة، والحصول على فوائد في الحياة اليوميّة. تشمل الفوائد العمليّة: راحة البال، تخفيف المعاناة، الثّبات والاستقرار، وضوح المزاج، تحسين الذّاكرة، زيادة كفاءة العمل، صحة جيّدة، نوم هادئ، تحسين التّعلّم، والأهم من ذلك، تحصيل الثّواب"[52]. وطريقة الجلوس في التّأمل:  "اجلس بوضعيّة التّمدّد المتقاطع، ضع رجلك اليمنى فوق اليسرى، اجلس وظهرك مستقيم وعيونك مغلقة، ركّز انتباهك على سرّتك، راقب بطنك وهو ينتفخ وينكمش مع التّنفس"[53]، ثمّ تقنية التّنفس: "عند الشّهيق، اترك بطنك يتمدّد، قل ذهنيّا "ينتفخ"، وزامن عقلك مع حركة بطنك، لا تجعل عقلك يسبق أو يتأخر عن الحركة. عند الزّفير، اترك بطنك ينكمش، قل ذهنيّا "ينكمش"، وزامن عقلك مع الحركة"[54].  "اجعل وعيك منصبّا فقط على انتفاخ وانكماش البطن. لا تركز على الهواء عند الأنف، ولا تجبر بطنك على الحركة. اشعر بالحركة الطّبيعيّة: البطن يتحرّك للأمام عند الانتفاخ، وللخلف عند الانكماش، لا تتخيّل أنّه يتحرّك للأعلى أو للأسفل. واصل هذا التّدريب طوال الوقت المحدّد للتّأمل"[55].

وأمّا طريق التّعامل مع الأحاسيس أثناء التّأمل فيتمثل في: "عندما تظهر الأحاسيس فهي أمر مهمّ جدّا، ويجب أن تظهر مع الممارس بلا شك. يجب التّحلي بالصّبر لأنّها تُساعد على بناء فضيلة الصّبر. إذا فقد الممارس الصّبر؛ فإنّ ممارسة فيباسانا أو التّأمل العميق ستفشل"[56]، "أثناء الجلوس أو المشي التّأمليّ: إذا ظهرت الأحاسيس مثل الألم، أو الانزعاج، أو الوخز، أو الحكّة؛ توقف عن المشي، أو عن ممارسة التّنفس (انتفاخ وانكماش البطن)، ركّز وعيك على هذه الأحاسيس، ووجّه انتباهك إليها مع تحديدها كما هي: "ألم.. ألم.." "وجع.. وجع.." "تعب.. تعب.." "حكّة.. حكّة.." استمر في التّركيز على هذه الأحاسيس حتّى تزول، ثمّ عد إلى الجلوس أو المشي التّأمليّ"[57]. وعندما يتشتت الذّهن: "إذا بدأ العقل يفكّر بالمنزل، الممتلكات، أو أيّ تشويش ذهنيّ، ضع وعيك عند الجزء العلويّ من البطن (الضّلوع). ووجّه انتباهك إلى التّفكير قائلا ذهنيّا: "تفكير.. تفكير.." استمر في هذا التّركيز حتّى يتوقف الذّهن عن التّفكير، سواء كان التّفكير سعيدا، حزينا، أو غضبا"[58]. خلاصة التّأمل: "مواجهة الأحاسيس والأفكار بصبر ووعي، مع تحديدها كما هي؛ هي الطّريقة الأساسيّة لممارسة التّأمل بنجاح. الصّبر والوعي هما المفتاح لتجاوز الانزعاج العقليّ والجسديّ أثناء التّأمل. التّعامل مع المشاعر أثناء التّأمل والنّوم والأنشطة اليوميّة مثلما مع الأحاسيس الأخرى: عند الشّعور بالسّعادة؛ ركّز ذهنيّا وقل: "سعادة.. سعادة.." عند الحزن: "حزن.. حزن.." عند الغضب: "غضب.. غضب.." وهكذا مع جميع المشاعر"[59].

وممارسة التّأمل أثناء النّوم: "استلقِ ببطء وهدوء، ووجّه وعيك إلى نفسك قائلا ذهنيّا: "نوم.. نوم.." حتّى تستقرّ في وضع النّوم. ركّز وعيك على حركة الجسم أثناء الاستلقاء. بعد الاستقرار، ضع وعيك على البطن ووجّه الانتباه إلى الانتفاخ والانكماش: "ينتفخ.. ينكمش.." راقب جيّدا ما إذا كنت ستغفو أثناء الانتفاخ أم الانكماش"[60]، وأمّا ممارسة التّأمل أثناء القيام بالأنشطة المختلفة: عند المشي في أيّ مكان، دخول الحمّام، تناول الطّعام، أو القيام بأيّ عمل؛ يجب أن يكون لديك وعي دائم بكلّ حركة، أي أن تكون يقظا تماما للّحظة الحاضرة، وتراقب كلّ تصرّف وفق الواقع كما هو"[61]. خلاصة ذلك أنّ "مفتاح التّأمل النّاجح والحياة الواعية هو المراقبة المستمرة للأحاسيس، المشاعر، وحركات الجسم. سواء أثناء الجلوس، المشي، النّوم، أو الأنشطة اليوميّة. يجب الحفاظ على الوعي الكامل باللّحظة الحاليّة"[62].

كما يرتبط بأعواد البخور، ثلاثة أعواد تدلّ على: "العود الأول: فضيلة الحكمة (البِنايا)، العَود الثّاني: فضيلة الطّهارة، العَود الثّالث: فضيلة الرّحمة العظمى"[63]. كما يرتبط أيضا بالشّموع، "إشعال شمعتين: هو عبادة للدَرْس (الدّهرما) والانضباط البوذيّ (فينايَ)، الشّمعة اليمنى بالنّسبة لتمثال بوذا على يمين مَن يُشعل تمثّل شمعة الدَرْس، والشّمعة اليسرى بالنّسبة لتمثال بوذا على يسار المشتع تمثّل شمعة الانضباط (الفينايَ)"[64].

وفي الذّكر الصّفح من الجواهر الثّلاثة: "أنحني للبوذا، وكلّ ما صدر منّي من خطأ أو تقصير، فاعفُ عنّي أيّها الجليل. أنحني للدّارما، وكلّ ما صدر منّي من خطأ، فاعفُ عنّي أيّها الجليل. أنحني للسّانغا، وكلّ ما صدر منّي من خطأ، فاعفُ عني أيّها الجليل. أتّخذ البوذا ملجأ لي. أتّخذ الدّارما ملجأ لي. أتّخذ السّانغا ملجأ لي"[65].

ثمّ يجدّد الالتجاء إلى الجواهر الثّلاثة للمرة الثّانية والثّالثة: "للمرة الثّانية أتّخذ البوذا ملجأً لي. للمرة الثّانية أتّخذ الدّارما ملجأ لي. للمرة الثّانية أتّخذ السّانغا ملجأ لي. للمرة الثّالثة أتّخذ البوذا ملجأ لي. للمرة الثّالثة أتّخذ الدّارما ملجأ لي. للمرة الثّالثة أتّخذ السّانغا ملجأ لي"[66].

وهناك دعاء البركة ونصّه: "هذا وقت مبارك، مليء بالخير، وبداية حسنة، ولحظة سعيدة سامية، فليكن هذا اليوم صدقة مباركة في طريق الطّهارة والسّمو الرّوحيّ، فلتكن أفعال الجسد، وأقوال اللّسان، وأفكار العقل، كلّها مباركة وصالحة، ومن يقوم بالأعمال الصّالحة؛ ينال ثمارها الطّيبة"[67]. "فلتكن كلّ البركات حاضرة، ولتحفظني جميع القوى السّماويّة، وبقوّة جميع البوذات، فليكن لي السّلام الدّائم"[68]. ودعاء البركة والحماية ونصّه: "فلتكن كلّ البركات، ولتحفظني جميع القوى السّماويّة، وبقوة الدّارما؛ فليكن لي السّلام الدّائم"[69]. "فلتكن كلّ البركات، ولتحفظني جميع القوى السّماويّة، وبقوّة السّانغا؛ فليكن لي السّلام الدّائم"[70].

ومن الطّقوس أيضا في البداية يُقدِّم الممارس زهورا وبخورا وشموعا تكريما لـلجوهر الثّلاثيّ: البوذا والدّارما والسّانغا"[71].

ومن أنواع الأدعية دعاء إزالة العوائق ونصّه: "أتقبّل وأستقبل (الخير). لا أتشبّث ولا أتعلّق. ليحفظني براهمـا والآلهة العظمى، وجميع الأرواح الحارسة، وليُزيلوا العوائق"[72]. ودعاء الرّزق ونصّه: "ليمنحني براهمـا والآلهة العظمى وفرة في الرّزق. لتكن لي بركة عظيمة، ورزق وفير بلا انقطاع"[73]. ودعاء نجاح التّجارة، ونصّه: "ببركة بوذا، لتأتِ قلوب النّاس، ولتأتِ نيّاتهم إليّ، وليأتِ الرّزق، ولتأتِ المحبّة، في أرض البشر، رجالا ونساء، ولتتعلّق قلوبهم بي"[74]. ولديهم دعاء المحبّة والقبول العام (دعاء الميتّا العظيم)، حيث "ينبغي للإنسان أن يُنمّي المحبّة والرّحمة، بقلب واسع بلا حدود، يشمل بها جميع العالم"[75].

وهناك خاطرة ومناجاة الحبّ بين الأبناء والآباء: "أحببتك يا طفلي.. وأنت تحبّني، والآباء قد شاخوا، يوم نلتقي فيه، قلبي لا يودّ الفراق، لكنّ الحياة لا تصبر عليها الرّوح. أتوسل إليك إن شعرت بالشّفقة على هذا العجوز وقد بلغ سنّه. إن لم تحبّ، فلا بأس، لكن دعنا نوفر لك الطّعام والمأوى. حين تغضب أو تبكي من المرض؛ أراقبك وأرعاك حتّى تكبر، آملًا فقط أن أراك. سامحني إن أخطأت، قلبي صادق، مليء بالحبّ فقط. الشّجرة القريبة من الشّاطئ، لابدّ أن تسقط يوما ما، والوداع منك لن يطول، مجرد طرفة عين من الأيام. لكنّني أريد أن أرى أولادي وأحفادي، حتّى لو تكسّرت نفسي من الحزن، فلا تذكر ذلك بكلمات تؤلم القلب، فالخيال قد يجرح بلا وعي. فقط بالرّحمة والاهتمام، تخفّف عن النّفس من الهمّ، وتبعث السّعادة، لنتذكر أيام الطّفولة، من يواسينا حينها؟ حتّى لو تعبنا أجسادنا، نحتمل، كي تكبر وتصبح شامخا. فلتكن أفكارك دائما مليئة بالدّعاء والتّوفيق لنا، لكن لا تنتظر طويلا، فالشّاطئ الّذي نتركه قد يظلّ وحيدا بعدنا"[76].

التّوسل بمدح الجواهر الثّلاثة:

نظريّة التّوسل حاضرة في جميع الأديان بصور مختلفة، وفي البوذيّة نجد التّوسل حاضرا عن طريق ذكر صفات الجواهر الثّلاثة، أولها البوذا، "هكذا هو البوذا، المبارك: الطاهر الكامل (أرهنت)، المستنير استنارة تامّة بذاته، الكامل في المعرفة والسّلوك، السّائر في الخير، العارف بالعوالم، المعلّم الّذي لا يُعلى عليه، مروّض البشر، معلّم الآلهة والبشر، هو البوذا، المبارك"[77].

وثانيها التّوسل بصفات الدّارما: "الدّارما الّتي أعلنها البوذا إعلانا كاملا، يمكن إدراكها مباشرة بالتّجربة، غير مرتبطة بالزّمان، تعال وانظر بنفسك، تدعو إلى الاختبار لا إلى التّقليد الأعمى، تقود إلى الدّاخل، إلى التّزكية والتّحوّل الباطنيّ، تُدرك شخصيّا من قبل الحكماء والعارفين"[78].

وثالثها التّوسل بصفات السّانغا: "جماعة تلاميذ البوذا الّذين يسيرون سلوكا حسنا، السّائرون في الطّريق المستقيم، السّائرون في الطّريق الصّحيح المؤدّي إلى الحقيقة، السّائرون سلوكا مستقيما ونقيّا، هؤلاء هم أربعة أزواج من الأشخاص، أي ثمانية أصناف من المستنيرين، هذه هي جماعة تلاميذ البوذا، المستحقّون للتّقرب إليهم، المستحقون للضّيافة، المستحقون لتقديم الصّدقات لهم، المستحقون لرفع الأكفّ احتراما لهم، إنّهم أسمى حقل للخير والبركات في هذا العالم"[79].

ومن عبارات التّوسل بالآراهَنت: "هذا هو، أيّها المبارك: الأراهَنتُ، حقّا هو المبارك، هذا هو، أيّها المبارك المستنير حقّا بالتّنوير التّام، هذا هو، أيّها المبارك: المملوء بمعرفة وبلوغ المقامات الرّوحيّة، حقّا هو المبارك، هذا هو، أيّها المبارك: الّذي سار على الطّريق الحسن المستقيم، حقّا هو المبارك، هذا هو، أيّها المبارك: عالم بالأمكنة والأنظمة العالميّة، حقّا هو المبارك. ألوذ بالآراهَنت، أسجد وأُقدّم التّحيّة للآراهَنتِ. ألوذ بالمستنير التّام؛ أسجد وأُقدّم التّحية للمستنير. ألوذ بالممتلئ بالمعرفة وبلوغ المقامات؛ أسجد وأُقدّم التّحيّة له، ألوذ بالّذي سلك الطّريق الحسن، أسجد وأُقدّم التّحية له. ألوذ بالعالم بحقائق العالم؛ أسجد وأُقدّم التّحيّة له. هذا هو المبارك، لا يُضاهى حقّا هو المبارك. هذا هو المبارك: قائد الرّجال الصّالحين، حقّا هو المبارك. هذا هو المبارك: معلّم الآلهة والنّاس، حقّا هو المبارك. هذا هو المبارك: المستنير حقّا هو المبارك. ألوذ باللّا منازع[80]، أسجد وأُقدّم التّحيّة للّذي لا منازع له، ألوذ بقائد الرّجال الفاضلين، أسجد وأُقدّم التّحيّة لقائد الرّجال الفاضلين، ألوذ بالمعلّم، معلّم الآلهة والبشر، أنحني برأسي للمعلّم، معلّم الآلهة والبشر. ألوذ بالبوذا، أنحني برأسي للبوذا"[81].

وهناك توسل إيتِيبيسو في مدح البوذا ونصّه: هكذا هو البوذا المبارك: "الطّاهر الكامل، المستنير استنارة تامّة بذاته، الكامل في العلم والسّلوك، السّائر في الخير، العارف بالعوالم، المعلّم الّذي لا يُعلى عليه، مروّض البشر، معلّم الآلهة والبشر، هو البوذا المبارك، نشر المحبّة نحو النّفس، لِيَكن لي سعادة، لِيَكن لي خلوّ من المعاناة، لِيَكن لي خلوّ من العداوة، نشر المحبّة لنفسك، ليكن لي خلوّ من الأذى والعوائق والمخاطر، ليكن لي خلوّ من معاناة الجسد والقلب، ليكن لي سعادة في الجسد والقلب، ولأحفظ نفسي من كلّ شرّ وأذى، نشر المحبّة لجميع الكائنات، جميع الكائنات الحيّة، شركاء في المعاناة: الولادة، والشّيخوخة، والمرض، والموت، ليكونوا سعداء، وليكونوا بلا عداوة فيما بينهم.. وليكونوا بلا إيذاء ولا اعتداء، وليكونوا بلا معاناة ولا ضيق، فليكونوا سعداء جسدا وقلبا، وليحفظوا أنفسهم من كلّ شقاء وخطر[82].

هناك أيضا التّوسل بالنّصر، وهي عبارة عن مقاطع ثمانية لانتصار بوذا، من يتلوها "كلّ يوم بيقظة وانتباه؛ سيتجاوز أنواعا كثيرة من المصائب، ويبلغ التّحرّر والسّلام والسّعادة، إذا كان ذا بصيرة وحكمة"[83]. ونصّه: "مارا (شيطان الوهم)، الّذي أظهر آلاف الأذرع والأسلحة، وامتطى فيل الحرب المهيب، قاده جيش مرعب، لكن الحكيم العظيم (البوذا) هزمه بقوّة العطاء والفضائل، فليكن ببركة ذلك النّصرِ النّصرُ والخير لي. أولئك الشّياطين المتوحشون الّذين هاجموا البوذا طوال اللّيل بكلّ عنف وقسوة، هزمهم الحكيم العظيم بقوّة الصّبر وضبط النّفس، فليكن ببركة هذا الانتصار النّصرُ والخير لي. الفيل نالاغيري، الفيل الهائج المندفع كالنّار والبرق، المرعب والمدمّر، أخضعه الحكيم العظيم (البوذا) بقوّة محبّة الرّحمة (الميتّا)، فليكن ببركة هذا النّصر النّصرُ والخير لي. أنغوليمالا، القاتل الّذي كان يركض شاهرا سيفه، يقطع المسافات الطويلة طلبًا للقتل، هزمه الحكيم العظيم بقوّة حكمته وقدرته الرّوحيّة، فليكن ببركة هذا النّصر النّصرُ والخير لي. حين اتُّهم البوذا ظلمًا أمام النّاس باتّهام امرأة شريرة  (تشينتشا)، ظلّ هادئا مسالما كالقمر الصّافي، فانتصر بالحقيقة والسّكينة، فليكن ببركة هذا النّصر النّصرُ والخير لي. سَتشّاكا (المناظر المتكبّر) الّذي تخلّى عن الحقيقة، وتشبّث بجداله الأعمى، هزمه الحكيم العظيم بمصباح الحكمة المضيء، فليكن ببركة هذا النّصر النصرُ والخير لي.  الأفعى العظيمة (ناندوباناندا)، ذات القوى الهائلة، روّضها البوذا بواسطة ابنه الروحي الراهب .....، بقوّة الحكمة والقدرة الرّوحيّة، فليكن ببركة هذا النّصر النّصرُ والخير لي. براهما كان أسيرا لرأي خاطئ كمن أمسك أفعى سامّة بيده، لكنّ الحكيم العظيم شفاه بدواء الحكمة والمعرفة، فانتصر على الجهل، فليكن ببركة هذا النّصر النّصرُ والخير لي"[84].

وهناك التّوسل أيضا بدعاء النّصر المسمّى المهاكارونِكا، ونصّه: "البوذا، العظيم في الرّحمة، هو الملجأ لكلّ الكائنات، وقد أكمل كلّ الفضائل، وبلغ الاستنارة العليا، بقوّة هذه الحقيقة، فليكن لي النّصر والبركة"[85].

وهناك توسل أيضا بشجرة الاستنارة ونصّه: "كما انتصر البوذا تحت شجرة الاستنارة، فزاد فرح عشيرة السّاكيّا، كذلك فليكن لي النّصر، انتصر لي بنصرٍ مباركٍ لا يُقهَر"[86]. وتوسل ببركة يوم الاستنارة ونصّه: "حين جلس البوذا على عرش الاستنارة فوق زهرة الأرض، وتُوِّج أعظمَ جميع البوذات، فغمره الفرح العظيم"[87].

وهناك التّوسل بدعاء البركة، ونصّه: "من يطلب ولدا؛ فليُرزق ولدا، ومن يطلب مالا؛ فليُرزق مالا، ومن يطلب الخير والصّحة؛ فليحصل عليهما، وليكن محبوبا لدى الآلهة، المبارك، المستحقّ للتّبجيل، مع ياما (ملك الموت)، وڤيسوفانا (حارس الجهات)، ليكون الموت سلاما، بوذا هو الكامل المستنير، تحيّة لبوذا. البوذات الجالسون على عرش النّصر، الّذين قهروا مارا (قوى الشّر والوهم)، وأعلنوا حقائق الدّارما الأربع[88]، أولئك الأبطال العظماء الّذين يهبون الحياة. بوذات الماضي، بدءا من تانهاكارا، الثّمانية والعشرون معلّما مستنيرا. جميع الحكماء والمستنيرين يقيمون فوق رأسي، يحمونني. بوذا مستقرّ فوق رأسي، الدّارما تحرس عينيّ، السّانغا تستقرّ على صدري، مصدر كلّ الفضائل. أنورودها يحرس قلبي، وساريبوتّا عن يميني، وكوندانيا خلفي، وموغّالانا عن يساري. أناندا وراهولا يحميان أذنيّ من جهة اليمين، وكاسابّا وماهاناما يحميان أذنيّ من جهة اليسار. خلفي يشرق نور كالشّمس، يبدّد الظّلمة ويشعّ حماية، الجالس في مجده وكماله، المتلألئ، قائد الحكماء (بوذا). الرّاهب الجليل كُماراكاسّابا، صاحب العقل العظيم، والكلمة الحكيمة. هو ثابت دائما أمامي، يحرسني بفيض فضائله، بُـنّا، أنغوليمالا، أوبالي، ناندا، سيفالي، هؤلاء الرّهبان الخمسة الكبار يثبتون على جبيني كعلامة حماية، وسائر الثّمانين من كبار الرّهبان، تلاميذ بوذا المنتصرين، يحيطون بي كدرع من نور وحماية. الثّمانون من كبار الرّهبان العظام، أبناء بوذا المنتصر، المتلألئون بقوّة الفضيلة، يقفون حارسين على جميع أعضائي. جوهرة البوذا أمامي، وعن يميني سوترا المحبة (الميتّا)، ومن خلفي سوترا راية النّصر (دهجاغّا)، وعن يساري سوترا أنغوليمالا. وحولي سوترا الطّاووس (مورَ برتّا)، وسوترا آطاناطي (الحماية من الأرواح المؤذية). وفي السّماء مظلّة من الحماية، وسائر الجهات كجدران حصينة. محاط بدرع بوذا المنتصر، بسبعة أسوار من الحماية الكاملة. سواء كانت العلل ناشئة من الرّياح أو الصّفراء أو غيرها، أو من الأخطار الخارجيّة أو الدّاخلية، فلتزُل جميعها بلا استثناء، بقوّة بوذا اللّامحدودة. ما دمت أعيش في واجبي، فأنا دائمًا داخل درع البوذا المستنير. وأنا مقيم داخل درع النّصر (تشينابنجر) في هذا العالم. فليحمِني دائما جميع العظماء المستنيرين. هكذا أكون محفوظا ومحصَّنا تماما. بقوّة بوذا أُهزم كلّ الأخطار، وبقوّة الدّارما أُهزم كلّ الأعداء والعوائق، وبقوة السّانغا  أُهزم كلّ الأخطار، وبقوة الدّارما الحقّة أكون محفوظا ومحميّا، أسير وأعيش داخل درع النّصر (تشينابنجر)"[89].

إهداء ثواب الدّعاء:

في البوذيّة يوجد أيضا إهداء الدّعاء إلى الأقرب من الأبناء والوالدين إلى الأوسع إلى من في الطّبيعة والآلهة، ومنه: "ليكن هذا الفضل الّذي عملته لمصلحة والديّ، فليكن أبي وأمّي في سعادة وسلام، ليكن هذا الفضل لأقاربي جميعا، فليكن جميع أقاربي في سعادة وسلام، ليكن هذا الفضل لمعلميّ وشيوخيّ وأساتيّ، فليكن معلّمونا وشيوخنا وأساتذتنا في سعادة وسلام، ليصل هذا الفضل إلى المعلّمين والأساتذة، وليكونوا سعداء، ليكن هذا الفضل لجميع الآلهة والكائنات السّماويّة، فلتكن جميع الآلهة في سعادة وسلام، ليكن هذا الفضل لجميع الأرواح الهائمة، فلتكن جميع هذه الأرواح في سعادة وسلام، ليكن هذا الفضل لجميع أعدائي وأصحاب الدّيون الكارميّة[90]، فليكن جميعهم في سعادة وسلام، فليكن جميع أصحاب الحقوق والخصومات الكارمية  في سعادة وسلام، ليكن هذا الفضل لجميع الكائنات الحيّة، فلتكن جميع الكائنات في سعادة وسلام بلا استثناء"[91].

ودعاء سكب الماء لإهداء الفضل إلى الدّائنين الكارميّين، ونصّه: "أُهدي هذا الفضل النّاتج عن ممارستي للتّأمل والعبادة إلى جميع أصحاب الحقوق والدّيون الكارميّة المرتبطين بي، الّذين أسأتُ إليهم أو اعتديتُ عليهم في الحيوات الماضية، أو في هذه الحياة الحالية، أيّا كان العالم أو المستوى الذي يوجدون فيه، أسأل أن يصلهم هذا الفضل، وأن يتفضّلوا بالعفو عنّي، وأن يفرحوا بهذا الخير (أنومودانا)، بقدرة هذا الفضل"[92].

وهناك دعاد إهداء ثوب الكاثين/ الكاثينا، ونصّه: "لأجل ذلك، بقداسة هذا الفعل، ثوب الكاثين هذا، أهديهُ، أنا/نحن، في هذه اللّيلة المباركة، لمنفعةٍ ولراحةٍ. يا أيّها الرّهبان الأفاضل، نحن المباركون نحترم/ نُهدي ونعرض ثوب الكاثين مع مرافقيه هذا للسّنغا المقدّسة. نرجو من الرّهبان أن يتقبّلوا ثوب الكاثين ومرافقه عنّا، وبعد القبول صلّوا بالكاثين بهذا الثّوب لفائدتنا ولسعادتنا، إلى الدّوام. آمين"[93].

وهناك أيضا إهداء دعاء تقديم الصّدقة للسّانغا ونصّه: "أيها الرّهبان الأجلّاء، نحن نقدّم بكلّ احترام هذه الأطعمة مع مرافِقاتها إلى جماعة الرّهبان. نرجو من جماعة الرّهبان الكرام أن يتفضّلوا بقبول هذه الأطعمة مع مرافِقاتها منّا، ليكون ذلك سببا في منفعتنا وسعادتنا مدّة طويلة"[94]. إذا تمّ التقديم بعد أن يكون الرّهبان قد انتهوا من الأكل وقت الظهيرة، فيُستعمل هذا الدّعاء: "ليكن صدقتي الّتي قدّمتها صدقة طاهرة، سببا لزوال الشّهوات، ومؤديّة إلى السّعادة. ليكن صدقتي الّتي قدّمتها صدقة طاهرة، سببا لزوال الشّهوات، ومؤديّة إلى القوة والبركة. ليكن صدقتي الّتي قدّمتها صدقة طاهرة، سببا لزوال الشّهوات، ومؤديّة إلى نيل النّيرفانا"[95]، ثمّ بعد ذلك "يُقدّم الزّهور والبخور والشّموع وثوب الرّهبان، ولا يقدّم الوعاء الّذي يحتوي على الأطعمة أو المستهلكات؛ لأنّ تقديم الطّعام بعد وقت الظّهيرة للرّهبان يُعدّ مخالفة رهبانيّة"[96].

أوقات وأيام الدّعاء المفضّلة:

في البوذيّة "يُستحب أن يبدأ هذا الذّكر في يوم الخميس لأنّه يوم مبارك"[97]، ويوم الخميس له مكانته عند بعض الأديان، ففي اليهوديّة يستحبون صوم الاثنين والخميس حيث ترفع فيهما الأعمال، وفي الإسلام: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحبّ أن يعرض عملي وأنا صائم".

نجد حضور بعد الشّهر القمريّ في العديد من طقوس الأديان، فهو حاضر في الفيديّة (الهندوسيّة) مع ربطه بالشّمسيّ، وبعض الأعياد ترتبط بالقمر، وفي اليهوديّة مع ربطه بالشّمسيّ مبكرا، وفي المسيحيّة قبل إقرار التّقويم الشّمسيّ أو الميلاديّ، فعيد الفصح لا زال مرتبطا بالأحديّة الأولى بعد الاعتدال الرّبيعيّ، وإن كان في الأصل قمريّا، نجد هذا عند البوذيّين، فعيد عيد فيساك (ميلاد وفاة بوذا) في الثّيرفادا يكون عند اكتمال القمر، كما أنّ إهداء ثوب الكاثين[98] "يمكن الإهداء من الشهر القمري الأول (١ قمري) إلى اليوم الخامس عشر من الشهر الثاني عشر (١٢ قمري)"[99]، ويكون عادة في المعبد.

كما نجد عادة التّثليث في الأدعيّة عند البوذيّة، أو في النّفث على الماء، وهو موجود في الإسلام، فدعاء الرّزق "يُتلى ثلاث مرّات قبل النّوم، وعند الاستلقاء يُتلى ثلاث مرّات أخرى، وذلك لجلب المال والرّزق، فيُرزق الإنسان أموالا ومنافع بصورة عجيبة"[100].

ودعاء نجاح التّجارة "يُفضِّل التجّار وأصحاب المحلّات أن يتلوا هذا الذّكر ثلاث مرّات، ثمّ ثلاث مرّات أخرى، ثمّ ينفثوا في الماء ليصبح ماء مباركا، فيغسلوا به الوجه، ويرشّوا منه على البضائع، فيُبارك لهم في تجارتهم، وتُباع سلعهم جيّدا"[101].

الدّارما والزّمكانيّة:

"الدّارما الّتي أعلنها البوذا إعلانا كاملا، يمكن إدراكها مباشرة بالتّجربة، غير مرتبطة بالزّمان (صالحة في كل وقت)، تعال وانظر بنفسك، تدعو إلى الاختبار لا إلى التّقليد الأعمى، تقود إلى الدّاخل، إلى التّزكية والتّحوّل الباطنيّ، تُدرك شخصيّا من قبل الحكماء والعارفين"[102].

نظريّة الصّلاحيّة الزّمكانيّة المتعلّقة بالدّارما/الشّرائع/التّقليد/الوصايا/ الحكمة نجدها متشابهة في الأديان والفلسفات عموما، باعتبارها عابرة للزّمكانيّة. وسيظهر هذا في أبحاث قادمة.

***

بدر العبري – كاتب وباحث عُماني

.............................

[1] قمت بترجمته وقراءته باستخدام الذّكاء الاصطناعيّ، مع حضوري في المعبد، وتأملي لطقوسهم في أكثر من موقع.

[2] อานิสงส์ของการสวด: พระพุทธคุณ, พระธรรมสิงหบุราจารย์, พิมพ์ที่ บริษัท รุ่งเรืองวิริยะพัฒนาโรงพิมพ์ จำกัด, 3.

[3] نفسه؛ ص: 46.

[4] نفسه؛ ص: 46.

[5] نفسه؛ ص: 47.

[6] نفسه؛ ص: 48.

[7] نفسه؛ ص: 48.

[8]  "عيد الفطر في هات ياي"، بدر العبريّ؛ مقالة نشرت في ملحق جريدة عمان الثّقافيّ، عدد (28)، الخميس 16 شوال 1445هـ/ 25 أبريل 2024م، ص: 30 – 31.

[9] من خلال تأملي في الثّقافات الهنديّة وشرق آسيا على المسح الأولي لا توجد ديانة اسمها الهندوسيّة، والفرس لمّا تمدّدوا إلى بلاد السّند أطلقوا على منطقة سندهو أو سند على ضفاف نهر السّند اسم هندهو أو هند، ثمّ شاع الاسم، ثمّ خصّ به غير المسلمين، لهذا حدث الخلط في الأدبيات العربيّة بين الأديان هناك، كما حدث الخلط بين تنوع وتطوّر الفيدس أو الفيدا أنفسهم، وتشكّلها في لاهوتيّات وطقوس مختلفة.

[10] Guide to the Study of Theravada Buddhism, The Colombo Y.M.B.A Sri Lanka, Tharanjee Prints, Y.M.B.A Sri Lanka, 23.

[11]  อานิสงส์ของการสวด: พระพุทธคุณ, 76.

[12] نفسه؛ ص: 25.

[13] نفسه؛ ص: 53.

[14] نفسه؛ ص: 54.

[15] براهما في البوذيّة كائنات إلهيّة تعيش في عوالم عليا غير خالدة، وتعيش ضمن دورة التّناسخ، وأصل هذا فيديّ (هندوسيّ)، فهم يمايزون بين براهمان وبراهما، والأول مبدأ مطلق لانهائيّ، والثّاني إله محدود متجسّد خالق الكون ضمن ثالوث (براهما، فيشنو، شيفا).

[16] อานิสงส์ของการสวด: พระพุทธคุณ, 70.

[17] نفسه؛ ص: 39.

[18] نفسه؛ ص: 50.

[19] حبّة الحنطة، متّى المسكين؛ ط دير القدّيس أنبا مقار، وادي النّطرون – مصر، الطّبعة الحادية عشرة، 2019م، ص: 5.

[20] نفسه؛ ص: 6.

[21] نفسه؛ ص: 9. بتصرّف.

[22] نفسه؛ ص: 9. بتصرّف.

[23] نفسه؛ ص: 7.

[24] نفسه؛ ص: 6. بتصرّف.

[25] نفسه؛ ص: 6. بتصرّف بسيط.

[26] نفسه؛ ص: 6.

[27] نفسه؛ ص: 21.

[28] نفسه؛ ينظر ص: 7 – 8.

[29] نفسه؛ ص: 6. بتصرّف.

[30] نفسه؛ ص: 9. بتصرّف.

[31] نفسه؛ ص: 9.

[32] أنسنة الحياة في الإسلام، مرتضى مطهريّ، ط دار الإرشاد للطّباعة والنّشر والتّوزيع، لبنان – بيروت، الطّبعة الثّانية، 1441هـ/ 2020م، ص: 120 – 122. بتصرّف.

[33] نفسه؛ ص: 122 – 123. بتصرّف.

[34] نفسه؛ ص: 123 – 124. بتصرّف.

[35] منشيوس؛ ترجمة: فراس السّواح وشوي تشينغ قوه، ص: 83 – 87.

[36] دافيد جي روبرتسون، الغنوصيّة وتأريخ الأديان؛ ترجمة: محمّد عبد الله، ط آفاق المعرفة، السعودية/ الرّياض، الطّبعة الأولى، 1444هـ/ 2022م.

[37] نفسه.

[38] هدى عليّ كاكه يي، الغنوصيّة: قراءة في تأويلاتها الرّمزيّة ودلالاتها الفلسفيّة؛ ط دار قناديل، العراق/ بغداد، الطّبعة الأولى، 2021م، ص: 316.

[39]  يُنظر: الغنوصيّة: قراءة في تأويلاتها الرّمزيّة ودلالاتها الفلسفيّة؛ ص: 305 – 308.

[40] نفسه، ص: 308 – 313.

[41] نفسه، ص: 314 – 315.

[42] سيأتي الحديث في مباحث قادمة أثناء الحديث عن هذه الجوانب من خلال القراءات في الأديان المختلفة من خلال مصادرها وكتبها.

[43] อานิสงส์ของการสวด: พระพุทธคุณ, 4.

[44] نفسه؛ ص: 5.

[45] نفسه؛ ص: 49.

[46] نفسه؛ ص: 22.

[47] نفسه؛ ص: 23.

[48] نفسه؛ ص: 23.

[49] نفسه؛ ص: 23.

[50] نفسه؛ ص: 24.

[51] نفسه؛ ص: 50.

[52] نفسه؛ ص: 85.

[53] نفسه؛ ص: 85.

[54] نفسه؛ ص: 85.

[55] نفسه؛ ص: 85.

[56] نفسه؛ ص: 86.

[57] نفسه؛ ص: 86.

[58] نفسه؛ ص: 86.

[59] نفسه؛ ص: 86 – 87.

[60] نفسه؛ ص: 87.

[61] نفسه؛ ص: 87.

[62] نفسه؛ ص: 87.

[63] نفسه؛ ص: 50.

[64] نفسه؛ ص: 50.

[65] نفسه؛ ص: 24.

[66]  نفسه؛ ص: 25.

[67] نفسه؛ ص: 31.

[68] نفسه؛ ص: 31.

[69] نفسه؛ ص: 32.

[70] نفسه؛ ص: 32.

[71] نفسه؛ ص: 38.

[72] نفسه؛ ص: 76.

[73] نفسه؛ ص: 76.

[74] نفسه؛ ص: 78.

[75] نفسه؛ ص: 79.

[76] نفسه؛ ص: 88.

[77] نفسه؛ ص: 25.

[78] نفسه؛ ص: 26.

[79] نفسه؛ ص: 26 – 27.

[80] أي لا شبيه له.

[81] نفسه؛ ص: 51 – 54.

[82] نفسه؛ ص: 33 – 35.

[83] نفسه؛ ص: 30.

[84] نفسه؛ ص: 27 – 29.

[85] نفسه؛ ص: 30.

[86] نفسه؛ ص: 30.

[87] نفسه؛ ص: 31.

[88] أي حقيقة المعاناة، وسببها، وحقيقة زوالها، وحقيقة الطّريق المؤدّي إلى زوالها.

[89] نفسه؛ ص: 39 – 44.

[90] من عليه حقوق أو خصومات.

[91] نفسه؛ ص: 35 – 37.

[92] نفسه؛ ص: 37.

[93] نفسه؛ ص: 72.

[94] نفسه؛ ص: 74.

[95] نفسه؛ ص: 75.

[96] نفسه؛ ص: 75.

[97] نفسه؛ ص: 38.

[98] ثوب الرّهبنة، المصحوب بالذّكر.

[99] نفسه؛ ص: 71.

[100] نفسه؛ ص: 78.

[101] نفسه؛ ص: 79.

[102] نفسه؛ ص: 26.

في وظائف الخطاب الإقناعي للعامة

ظلّ الخطاب الديني عبر تاريخ الفكر الإنساني مجالا مركزيا لتفاعل قوى متعددة تتداخل فيها المعرفة بالعقيدة، والعقل بالوجدان والبرهان بالتمثيل. فالدين بوصفه خطابا موجَّها إلى الإنسان في كليته الوجودية، لا يكتفي بتقديم مضامين معرفية مجردة عن العالم والوجود والمصير، بل يصوغ هذه المضامين ضمن شبكة معقدة من الصور والرموز والتمثيلات التي تجعل المعنى قابلا للتداول داخل المجال الاجتماعي. ولهذا لم يكن الخطاب الديني في أي مرحلة من مراحله خطابا برهانيا خالصا، بل ظل دائما خطابا تتجاور فيه قوة الحجة مع قوة الصورة، ويتجاور فيه العقل مع المخيال في تشكيل الوعي الديني لدى الجماعة.

وقد تنبه الفلاسفة منذ القديم إلى هذه الطبيعة المركبة للخطاب الديني، فميّزوا بين مستويات متعددة من التعبير عن الحقيقة، بعضها يتخذ صورة المفهوم العقلي المجرد، وبعضها الآخر يتجسد في بنى رمزية وتمثيلية قادرة على مخاطبة الوجدان الجماعي. غير أن هذا التمييز بلغ في الفلسفة الإسلامية درجة عالية من الوضوح النظري مع أبي الوليد ابن رشد، الذي سعى إلى إعادة التفكير في طبيعة الخطاب الديني من داخل مشروعه الواسع لإعادة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة. فابن رشد لم يكتف بالدفاع عن مشروعية النظر العقلي داخل المجال الديني، بل حاول أيضا أن يفسر البنية الخطابية للنصوص الدينية نفسها، وأن يكشف عن الحكمة الكامنة وراء اعتمادها على التمثيل والتخييل في مخاطبة جمهور الناس.

وتبرز هنا أهمية مفهوم المخيال في التحليل الرشدي للخطاب الديني، إذ يتحول من مجرد ظاهرة نفسية مرتبطة بملكة الخيال إلى عنصر بنيوي داخل نظام البيان الديني. فالمخيال في هذا السياق يؤدي وظيفة معرفية وتربوية في آن واحد، لأنه يسمح بنقل المعاني الميتافيزيقية المجردة إلى صور حسية ورمزية تجعلها قابلة للإدراك لدى عامة الناس. فليس كل إنسان قادرا على إدراك المعقولات في صورتها البرهانية الخالصة، ولذلك كان لا بد من وسائط خطابية تمكّن المعنى من الانتقال من مستوى التجريد الفلسفي إلى مستوى الإدراك الشعبي.

إن هذا التصور يضعنا أمام رؤية فلسفية دقيقة لطبيعة التمثيل في الخطاب الديني، حيث لا يُفهم التمثيل بوصفه مجرد أسلوب بلاغي أو تقنية خطابية، بل بوصفه آلية معرفية تتصل بطبيعة الإدراك الإنساني ذاته. فالإنسان كما تشير إليه تقاليد فلسفية متعددة، لا يدرك المعنى المجرد إلا عبر صور وتمثيلات تساعده على تحويل المعقول إلى محسوس، واللامرئي إلى قابل للتصور. ويصبح التخييل هنا عنصرا أساسيا في بناء الخطاب الديني الموجَّه إلى العامة، لأنه يمنح المعاني الكبرى – مثل العدل الإلهي والجزاء الأخروي والمصير الإنساني – صورة رمزية قادرة على التأثير في المخيال الجماعي.

وانطلاقا من هذا الأفق النظري يحاول هذا المقال أن يستجلي موقع المخيال والتمثيل في الخطاب الديني عند ابن رشد، وأن يكشف عن الوظائف الإقناعية التي يؤديها التخييل في مخاطبة الجمهور داخل المجال الديني. كما يسعى إلى إبراز الأبعاد الفلسفية التي تنطوي عليها هذه الرؤية، من خلال تحليل العلاقة بين البرهان والتمثيل، وبين الحقيقة المفهومية والتجلي الرمزي للمعنى. فالتأمل في هذه المسألة لا يتيح فقط فهم جانب مهم من المشروع الفلسفي الرشدي، بل يفتح أيضا أفقا أوسع للتفكير في طبيعة الخطاب الديني نفسه، وفي الكيفية التي يتداخل بها العقل والمخيال في بناء المعنى داخل التجربة الدينية.

ليس الخطاب الديني في تاريخ الفكر الإسلامي مجرد بناء لغوي يستهدف الإخبار أو البيان، بل هو منظومة مركّبة من آليات البيان والتأثير والتوجيه، تتداخل فيها وظائف المعرفة بوظائف التربية والتدبير الاجتماعي. وقد أدرك كبار المفكرين المسلمين منذ وقت مبكر أن الخطاب الديني لا يخاطب جمهورا واحدا من حيث القدرة العقلية، ولا يخضع لمنطق برهاني صرف، بل يتوزع بين مستويات مختلفة من الإدراك، تتراوح بين البرهان العقلي الصارم والتمثيل الخطابي المؤثر. وترتب عن هذا أن حدث ونشأت في الفكر الإسلامي إشكالية عميقة تتعلق بعلاقة الحقيقة بالتمثيل، والعقل بالمخيال والبرهان بالإقناع، وهي الإشكالية التي بلغت عند ابن رشد درجة عالية من الوضوح النظري والتحليل الفلسفي.

لقد كان ابن رشد واعيا بطبيعة التعدد المعرفي داخل المجتمع الإنساني، وهو ما جعله يميز بين أنماط مختلفة من الخطاب تبعا لاختلاف الاستعدادات الذهنية للناس. فالخطاب البرهاني موجّه إلى الخاصة من أهل النظر، بينما يتوجه الخطاب الجدلي إلى المتكلمين وأهل الجدل، أما الخطاب الخطابي التمثيلي فيستهدف جمهور العامة. ويصبح المخيال الديني في هذا السياق أداة أساسية في بناء التمثيلات التي تسمح بنقل المعاني الميتافيزيقية المجردة إلى صور محسوسة قابلة للتلقي الجماعي.

إن هذا التصور لا يمكن فهمه إلا في ضوء المشروع الرشدي العام الذي سعى إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الفلسفة والشريعة وبين الحكمة والوحي، وهو المشروع الذي بلوره بوضوح في مؤلفات مثل كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال وكتاب الكشف عن مناهج الأدلة. ففي هذين العملين كما في غيرهما، يظهر ابن رشد مدافعا عن وحدة الحقيقة، معترفا في الوقت نفسه بتعدد طرائق التعبير عنها بحسب اختلاف المدارك الإنسانية.

لقد عبّر ابن رشد عن هذه الفكرة بوضوح حين قال: «إن الشريعة حق، والفلسفة حق، والحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له». غير أن هذا التوافق بين الحقيقة الدينية والحقيقة الفلسفية لا يعني وحدة الخطاب الموجّه إلى الجميع، بل يقتضي تعدد أنماط البيان. فالناس كما يقول أرسطو قبله، «ليسوا سواء في قبول البرهان»، ولذلك يحتاج الخطاب الموجّه إلى الجمهور إلى أدوات تخييلية وتمثيلية تسمح بتحويل المعاني العقلية إلى صور مؤثرة في المخيال الجماعي.

إن مفهوم المخيال هنا لا يحيل إلى مجرد الوهم أو الخيال بمعناه السلبي، بل يشير إلى ملكة معرفية لها دور أساسي في بناء التمثيلات الرمزية التي تسمح للعقل الإنساني بإدراك المعاني المجردة عبر الوسائط الحسية. وقد تنبه إلى هذه الوظيفة كثير من الفلاسفة منذ أفلاطون الذي رأى في الأسطورة وسيلة تعليمية موجهة إلى عامة الناس، حيث يقول في الجمهورية: «إن الأسطورة خطاب يوجه إلى النفوس التي لا تستطيع بلوغ المعرفة بالبرهان». ومع أن أفلاطون كان متوجسا من قوة المخيال، فإنه لم ينكر دوره التربوي في بناء الوعي الجماعي.

أما أرسطو فقد منح المخيال مكانة أكثر تحديدا داخل بنية المعرفة الإنسانية، إذ اعتبره وسيطا بين الحس والعقل، وصرح في كتاب النفس بأن «النفس لا تفكر من غير صورة». وقد استثمر الفلاسفة المسلمون هذا التصور الأرسطي ليبنوا عليه نظرياتهم في الخطاب الديني، وكان ابن رشد من أبرز من أعاد صياغة هذا المفهوم في سياق العلاقة بين الحكمة والشريعة.

إن المخيال في نظر ابن رشد ليس مجرد قدرة على إنتاج الصور، بل هو أداة معرفية ضرورية لتمثيل المعقولات في صور محسوسة تسمح للعامة بفهمها. ولذلك فإن التمثيل في الخطاب الديني ليس حيلة بلاغية فحسب، بل هو ضرورة معرفية تفرضها طبيعة التفاوت العقلي بين الناس. وقد عبّر ابن رشد عن هذه الفكرة بوضوح حين قال: «إن أكثر الناس إنما يصدقون بالأمثال لا بالبراهين».

وتتضح الوظيفة الإقناعية للتمثيل في الخطاب الديني، إذ يسمح بتحويل المعاني الفلسفية المجردة إلى صور رمزية قابلة للإدراك الجماعي. فالحديث عن الجنة والنار، وعن العرش والميزان وعن الثواب والعقاب، لا ينبغي فهمه دائما على نحو حرفي، بل ينبغي النظر إليه بوصفه تمثيلات خطابية تهدف إلى توجيه السلوك الأخلاقي لدى الجمهور.

ولا يعني هذا أن ابن رشد ينفي الحقيقة الدينية لهذه المفاهيم، بل إنه يميز بين مستويين في فهمها: مستوى ظاهري تمثيلي موجه إلى العامة، ومستوى تأويلي عقلي موجه إلى الخاصة من أهل النظر. وقد كان هذا التمييز في صلب منهجه التأويلي الذي يقوم على فكرة أن النص الديني يتضمن طبقات متعددة من المعنى، وأن فهم هذه الطبقات يختلف بحسب القدرة العقلية للقارئ.

وقد سبق الغزالي إلى الإشارة إلى هذا المعنى حين قال في إلجام العوام عن علم الكلام: «ليس كل ما يعلم يقال، ولا كل ما يقال حضر أهله». غير أن ابن رشد ذهب أبعد من ذلك حين جعل هذا التفاوت أساسا لنظرية متكاملة في الخطاب الديني، حيث يرى أن الشريعة نفسها قد خاطبت الناس بحسب مراتبهم العقلية، فاستعملت البرهان مع القادرين عليه، والجدل مع أهل الجدل، والتمثيل مع جمهور الناس.

إن هذا التصور يعكس وعيا عميقا بالطبيعة الاجتماعية للمعرفة الدينية، إذ لا يمكن لأي خطاب ديني أن يؤدي وظيفته التربوية من دون أن يستند إلى أدوات تخييلية تسمح له بالتأثير في الوجدان الجماعي. وقد أشار ابن خلدون لاحقا إلى هذا المعنى حين قال في المقدمة: «إن جمهور الناس إنما ينقادون بالأوهام والخيالات أكثر مما ينقادون بالبراهين».

ويبدو أن هذا الإدراك لطبيعة المخيال الجماعي هو ما جعل الخطاب الديني عبر التاريخ يعتمد على الصور الرمزية والقصص والأمثال. فالقرآن نفسه مليء بالتمثيلات التي تهدف إلى تقريب المعاني المجردة إلى الأذهان، كما في قوله تعالى: «مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل». وقد علّق الفخر الرازي على هذه الآية بقوله: «إن الأمثال أشد تأثيرا في النفوس من مجرد الأخبار»

وهذا ما يفسر أيضا حضور التمثيل بقوة في التراث الصوفي، حيث تتحول اللغة إلى فضاء رمزي يعبر عن تجارب روحية يصعب التعبير عنها بالمفاهيم العقلية المجردة. وقد قال ابن عربي في هذا السياق: «إن المعاني إذا تجردت عن الصور لم تدركها النفوس».

غير أن ما يميز تحليل ابن رشد للمخيال الديني هو أنه لم يتعامل معه بوصفه مجرد ظاهرة لغوية أو تربوية، بل نظر إليه بوصفه عنصرا بنيويا في نظام الخطاب الديني نفسه. فالشريعة في نظره لم تعتمد التمثيل صدفة، بل لأن طبيعة المخاطَبين تقتضي ذلك. فالإنسان العادي لا يستطيع إدراك المعاني الميتافيزيقية المجردة، ولذلك يحتاج إلى صور حسية تقربها إلى ذهنه.

ويصبح التمثيل في الخطاب الديني وسيلة لتحقيق ما يمكن تسميته بالاقتصاد المعرفي للخطاب، أي القدرة على نقل المعاني الكبرى بأدوات بسيطة يفهمها الجميع. وقد أشار إيمانويل كانط إلى فكرة قريبة من هذا المعنى حين قال: «إن المخيلة هي القدرة على تمثيل الشيء حتى في غيابه». وهذه القدرة هي التي تسمح للإنسان بتحويل الأفكار المجردة إلى صور قابلة للإدراك.

إن التقاء هذا التحليل الكانطي مع التصور الرشدي يكشف عن عمق الرؤية الفلسفية التي بلورها ابن رشد قبل قرون من تطور الفلسفة الحديثة. فهو يدرك أن العقل البشري لا يعمل في فراغ، بل يحتاج إلى وسائط تخييلية تساعده على بناء المعنى. ولذلك فإن الخطاب الديني الذي يتوجه إلى العامة لا يمكن أن يعتمد على البرهان وحده، بل يحتاج إلى التمثيل بوصفه أداة إقناعية فعالة.

وقد أدرك أرسطو هذه الحقيقة حين قال في الخطابة: «إن الخطاب الإقناعي يعتمد على إثارة المخيلة بقدر ما يعتمد على قوة الحجة». وهذا ما نجده بوضوح في الخطاب القرآني الذي يجمع بين قوة الحجة العقلية وقوة الصورة التخيلية.

ولعل من أبرز ما يميز تحليل ابن رشد لهذه المسألة هو محاولته التوفيق بين متطلبات الحقيقة الفلسفية ووظائف الخطاب الديني. فهو يرفض أن يتحول التمثيل إلى وسيلة لتضليل الناس، لكنه في الوقت نفسه يرى أنه ضرورة تربوية لا غنى عنها. ولذلك فإن الفيلسوف في نظره مطالب باحترام هذه الوظيفة الخطابية للشريعة وعدم كشف التأويلات الفلسفية أمام العامة، لأن ذلك قد يؤدي إلى اضطراب النظام المعرفي للمجتمع.

وقد عبّر عن هذا المعنى بوضوح حين قال: «من صرح بالتأويل لغير أهله فقد كفر». وليس المقصود بالكفر هنا المعنى العقدي الضيق، بل الإشارة إلى خطورة زعزعة اليقين الديني لدى العامة من خلال كشف المعاني التأويلية التي لا يستطيعون فهمها.

إن هذا الموقف يعكس إدراكا عميقا لطبيعة العلاقة بين المعرفة والسلطة الرمزية في المجتمع. فالخطاب الديني ليس مجرد خطاب معرفي، بل هو أيضا أداة لتنظيم الحياة الأخلاقية والاجتماعية. ولذلك فإن الحفاظ على توازن هذا الخطاب يتطلب احترام مستويات الإدراك المختلفة لدى الناس. وقد أشار بول ريكور إلى هذا المعنى حين تحدث عن «قوة الرمز في تشكيل الوعي الإنساني»، حيث يرى أن الرموز الدينية ليست مجرد استعارات لغوية، بل هي بنيات تخييلية تشكل أفق فهم الإنسان للعالم. وهذا التحليل يلتقي إلى حد بعيد مع الرؤية الرشدية التي ترى في التمثيل أداة ضرورية لبناء المعنى الديني لدى الجمهور.

 إن المخيال في الخطاب الديني عند ابن رشد يؤدي وظيفة مزدوجة: فهو من جهة وسيلة معرفية لتقريب المعقولات إلى الأذهان، ومن جهة أخرى أداة تربوية لتوجيه السلوك الأخلاقي لدى الجماعة. وهذا التداخل بين المعرفة والتربية هو ما يمنح الخطاب الديني قوته التأثيرية في المجتمعات البشرية. ولعل هذا ما جعل هيغل يقول إن الدين «يمثل الحقيقة المطلقة في صورة تمثيلية»، بينما تمثل الفلسفة هذه الحقيقة في صورة مفهومية. وهذا التمييز الهيغلي يكاد يعيد صياغة الفكرة الرشدية نفسها، وإن كان بلغة فلسفية حديثة. فالحقيقة واحدة في نظر ابن رشد، لكن طرق التعبير عنها متعددة. والتمثيل ليس نقيضا للحقيقة، بل هو شكل من أشكال تجليها في مستوى الإدراك الشعبي. ولذلك فإن المخيال الديني لا ينبغي النظر إليه بوصفه عائقا أمام العقل، بل بوصفه وسيطا ضروريا بين المعنى المجرد والوعي الجماعي.

إن هذا الفهم العميق لوظائف المخيال في الخطاب الديني يكشف عن البعد الاجتماعي والسياسي للفلسفة الرشدية، حيث لا يقتصر دور الفيلسوف على البحث عن الحقيقة، بل يمتد إلى التفكير في كيفية تداول هذه الحقيقة داخل المجتمع. فالخطاب الذي يصلح للخاصة قد لا يصلح للعامة، واللغة التي يفهمها الفيلسوف قد لا يفهمها الجمهور. وتتجلى عبقرية ابن رشد هنا في إدراكه أن الفلسفة لا يمكن أن تنفصل عن شروط التواصل الاجتماعي، وأن الحقيقة تحتاج إلى وسائط خطابية تسمح لها بأن تصبح جزءا من الوعي الجماعي. ويكاد يغدو المخيال الديني عند ابن رشد جزءا من نظام معرفي متكامل يربط بين العقل والرمز، وبين البرهان والتمثيل وبين الفلسفة والشريعة، في محاولة لبناء خطاب ديني قادر على الجمع بين عمق الحقيقة وقوة التأثير.

يُفضي التأمل المتعمّق في تحليل ابن رشد لوظيفة المخيال داخل بنية الخطاب الديني إلى الكشف عن بنية معرفية مركّبة يتداخل فيها المنطقي بالبلاغي، والعقلي بالتخيلي والتربوي بالاجتماعي. فالتمثيل في نظره ليس مجرد أسلوب لغوي يهدف إلى تزيين العبارة أو تجميل المعنى، بل هو نمط من أنماط نقل الحقيقة إلى مستوى الإدراك الجماعي، وهو بذلك يؤدي وظيفة إبستمولوجية بقدر ما يؤدي وظيفة تربوية. ولعل هذه الفكرة هي التي تسمح بفهم الموقع المركزي الذي يحتله التخييل داخل نظرية الخطاب عند ابن رشد، حيث يتحول المخيال إلى وسيط بين الحقيقة المجردة والعقل العمومي الذي لا يستطيع بلوغها مباشرة.

إن الإنسان كما لاحظ أرسطو في تحليله لطبيعة المعرفة الإنسانية، لا ينتقل من الحس إلى العقل انتقالا مباشرا، بل يمر عبر وسيط تخييلي يسمح بتحويل المعطيات الحسية إلى صور قابلة للتفكير. وقد صرّح في كتاب النفس بأن «الفكر لا يكون من غير صورة متخيلة»، وهو القول الذي وجد صداه بوضوح في التحليل الرشدي. فابن رشد بوصفه الشارح الأكبر لأرسطو، أدرك أن المخيلة ليست مجرد قوة نفسية ثانوية، بل هي عنصر أساسي في بنية الإدراك الإنساني، وأن العقل نفسه لا يستطيع العمل من دون وساطة الصورة التخيلية.

غير أن أهمية هذا المفهوم لا تظهر فقط في مجال نظرية المعرفة، بل تتجلى أيضا في فهم طبيعة الخطاب الديني. فالخطاب الذي يتوجه إلى جمهور الناس لا يمكن أن يعتمد على المفاهيم الفلسفية المجردة، لأن تلك المفاهيم تتطلب تدريبا عقليا لا يتوفر إلا لعدد محدود من الناس. ولذلك فإن الشريعة في تصور ابن رشد، اعتمدت على التمثيل والتخييل لأنها تخاطب جمهورا واسعا من البشر تختلف قدراتهم العقلية والمعرفية.

وقد عبّر عن هذا المعنى حين قرر أن «طرق التصديق ثلاثة: برهانية وجدلية وخطابية». فالبرهان هو طريق الفلاسفة وأهل النظر، والجدل هو طريق المتكلمين، أما الخطابة فهي الطريق الذي يتوجه إلى عامة الناس. والخطابة بطبيعتها تعتمد على الصور والتمثيلات لأنها تخاطب المخيلة قبل أن تخاطب العقل المجرد.

إن هذه الفكرة تضعنا أمام تصور دقيق لطبيعة المعرفة الدينية في بعدها الاجتماعي، إذ لا يمكن لأي دين أن يؤدي وظيفته التربوية إذا اقتصر على الخطاب البرهاني الخالص. فالجماهير لا تتحرك بالبراهين المنطقية بقدر ما تتحرك بالصور الرمزية التي تخاطب وجدانها وتستثير خيالها. وقد أشار ديفيد هيوم إلى هذه الحقيقة حين قال إن «الخيال أقوى تأثيرا في الإنسان من العقل في كثير من الأحيان». وليس المقصود بذلك التقليل من قيمة العقل، بل الإشارة إلى الطبيعة المركبة للنفس البشرية التي تستجيب للصور أكثر مما تستجيب للمجردات.

ويمكن فهم السر في كثافة الصور والتمثيلات داخل الخطاب الديني. فالحديث عن الجنة بوصفها حدائق وأنهارا، وعن النار بوصفها لهيبا وعذابا محسوسا وعن الملائكة والعرش والميزان، كلها صور رمزية تهدف إلى تقريب المعاني الميتافيزيقية إلى الإدراك الشعبي. وقد لاحظ الغزالي هذه الوظيفة حين قال إن «الأمثال تضرب للمعاني لتقريبها إلى الأفهام». غير أن ابن رشد أعاد صياغة هذه الفكرة داخل إطار فلسفي أشمل يربط بين بنية الإدراك الإنساني ووظائف الخطاب الديني.

إن التمثيل هنا لا يعني اختزال الحقيقة في صورة حسية، بل يعني ترجمتها إلى لغة يفهمها الجمهور. فالمعنى الفلسفي قد يكون واحدا، لكن التعبير عنه يتغير تبعا لاختلاف المخاطبين. وهذا ما عبّر عنه شلايرماخر حين قال إن «الفهم الحقيقي لأي خطاب يقتضي معرفة الجمهور الذي يتوجه إليه». ويبدو أن ابن رشد قد سبق إلى هذا المعنى حين أكد أن الشريعة نفسها قد تنوعت في أساليب خطابها بحسب تنوع مدارك الناس.

ويكشف هذا التحليل عن وعي عميق بالبنية التداولية للخطاب الديني، إذ لا يمكن فصل المعنى عن شروط تلقيه داخل المجتمع. فاللغة التي تصلح للفلاسفة قد لا تصلح للعامة، والبرهان الذي يقنع أهل النظر قد لا يكون ذا أثر في الجمهور. ولذلك فإن التمثيل يصبح أداة ضرورية لتحقيق التواصل المعرفي بين مستويات الإدراك المختلفة داخل المجتمع.

وقد عبّر ابن خلدون عن هذه الحقيقة بلغة اجتماعية حين قال إن «الناس في الغالب تبع للخيال والوهم أكثر مما هم تبع للبرهان». وهذا القول يوضح أن المخيال ليس مجرد ظاهرة نفسية فردية، بل هو بنية جماعية تشكل جزءا من الوعي الاجتماعي. فالصور الرمزية التي يتداولها المجتمع تتحول مع الزمن إلى جزء من بنيته الثقافية والروحية، وهي التي تمنح الخطاب الديني قدرته على التأثير والاستمرار.

ولعل هذا ما يفسر أيضا حضور الرمز بقوة في التجربة الدينية عبر التاريخ. فالدين لا يكتفي بتقديم أفكار مجردة عن الوجود والمعنى، بل يصوغ تلك الأفكار في صور وقصص وأمثال تسمح للإنسان العادي بأن يعيشها بوصفها تجربة روحية ملموسة. وقد أشار بول ريكور إلى هذه الوظيفة حين قال إن «الرمز يعطي الفكر ما يدعوه إلى التفكير»، بمعنى أن الرمز لا يلغي المعنى بل يفتحه على أفق تأويلي أوسع.

وهذا الأفق التأويلي هو ما يجعل النص الديني قابلا لطبقات متعددة من الفهم. فالعامة يدركون المعنى الظاهري للتمثيل، بينما يسعى الفلاسفة إلى استكشاف دلالاته العقلية العميقة. وقد أدرك ابن رشد هذه الطبيعة التعددية للمعنى حين أكد أن النصوص الدينية قد تحمل معاني مختلفة تبعا لاختلاف القارئ.

غير أن هذا التعدد لا يعني الفوضى التأويلية، بل يخضع في نظره لضوابط عقلية ومنهجية دقيقة. فالتأويل لا يجوز أن يُكشف للعامة لأنه قد يؤدي إلى زعزعة يقينهم الديني، لكنه في الوقت نفسه ضرورة معرفية للفلاسفة الذين يسعون إلى فهم المعنى العميق للنصوص. ولذلك كان ابن رشد شديد التحفظ في مسألة نشر التأويل الفلسفي خارج دائرة أهل النظر.

وقد قال في هذا السياق إن «الواجب على أهل البرهان ألا يصرحوا بالتأويل للجمهور». وهذا القول يعكس إدراكا عميقا لخطورة الخلط بين مستويات الخطاب المختلفة. فالمعنى الذي يمكن أن يفهمه الفيلسوف بوصفه تمثيلا قد يفهمه الجمهور بوصفه حقيقة حرفية، وإذا تم كشف البعد التأويلي أمامهم فقد يؤدي ذلك إلى اضطراب في بنية الاعتقاد الجماعي.

إن هذا الموقف لا يعني أن ابن رشد يدعو إلى نوع من النخبوية المعرفية المنغلقة، بل يعني أنه يدرك أن المعرفة لا تنتقل دائما بالأسلوب نفسه. فالحقيقة قد تكون واحدة، لكن طرق التعبير عنها تختلف تبعا لاختلاف السياق الثقافي والاجتماعي.

وقد أشار نيتشه إلى هذه الفكرة من زاوية مختلفة حين قال إن «الحقيقة تحتاج إلى أقنعة». ومع أن السياق الفلسفي الذي قال فيه نيتشه هذا القول يختلف عن السياق الرشدي، حيث إن الفكرة العامة تظل متقاربة، والحقيقة لا تظهر دائما في صورتها المجردة، بل تتجلى أحيانا في صور رمزية تسمح لها بأن تصبح جزءا من الوعي الجماعي.

إن المخيال الديني عند ابن رشد يؤدي وظيفة تأويلية مزدوجة. فهو يسمح للعامة بفهم المعنى في صورته التمثيلية، كما يسمح للفلاسفة بالانتقال من تلك الصورة إلى المعنى العقلي الكامن وراءها. وهذا الانتقال من الصورة إلى المعنى هو ما يشكل جوهر العملية التأويلية في الفكر الفلسفي.

وقد لاحظ الفارابي قبل ابن رشد أن «الشرائع تمثل المعقولات في صور محسوسة». وهو القول الذي يعكس تصورا فلسفيا عميقا لطبيعة العلاقة بين الدين والفلسفة. فالشرع لا يناقض الفلسفة، بل يعبر عن الحقيقة نفسها بلغة رمزية تناسب الجمهور.

وهذا ما جعل ابن رشد يرى أن التمثيل ليس مجرد أسلوب بلاغي، بل هو جزء من الحكمة الإلهية في مخاطبة البشر. فالخالق في نظره يعلم تفاوت قدرات الناس، ولذلك جاء الخطاب الديني متنوع الأساليب ليخاطب كل فئة بما يناسبها.

إن هذا التصور يكشف عن فهم دقيق لوظيفة الدين في المجتمع. فالدين ليس مجرد منظومة عقائدية، بل هو أيضا نظام رمزي يساهم في تنظيم الحياة الأخلاقية والاجتماعية. والتمثيلات الدينية بما تحمله من صور عن الثواب والعقاب، تشكل جزءا من الآلية التربوية التي توجه سلوك الأفراد داخل المجتمع.

وقد أشار دوركهايم في تحليله للسوسيولوجيا الدينية إلى أن «الدين نظام من الرموز التي تعبر عن القيم الجماعية». وهذا التحليل السوسيولوجي يلتقي في كثير من جوانبه مع الرؤية الرشدية التي ترى في التمثيل الديني وسيلة لتشكيل الوعي الأخلاقي لدى الجمهور.

إن المخيال هنا لا يعمل فقط على مستوى الفهم، بل يعمل أيضا على مستوى الفعل. فالصور الرمزية التي يقدمها الخطاب الديني لا تهدف إلى إشباع الفضول المعرفي، بل تهدف إلى توجيه السلوك الإنساني. فتصوير الجنة بوصفها نعيما أبديا، والنار بوصفها عقابا رهيبا، يهدف إلى ترسيخ قيم الخير والعدل داخل المجتمع. وقد لاحظ باسكال هذه الحقيقة حين قال إن «القلب له براهينه التي لا يعرفها العقل». وهذا القول يشير إلى أن الإنسان لا يتحرك دائما بدافع العقل المجرد، بل بدافع صور ومعانٍ تؤثر في وجدانه. وتتضح أهمية المخيال في الخطاب الديني، إذ يسمح بربط المعنى العقلي بالبنية الوجدانية للإنسان. فالعقل قد يدرك أن العدل قيمة أخلاقية، لكن الصورة الرمزية للجنة والنار تمنح تلك القيمة قوة تأثيرية أكبر في السلوك الإنساني. ولعل هذا ما يفسر أيضا أن الفلسفة نفسها لم تستغنِ عن التمثيل في كثير من الأحيان. فأفلاطون رغم دفاعه عن العقل لجأ إلى الأسطورة في محاوراته، كما في أسطورة الكهف التي أصبحت واحدة من أشهر الصور الفلسفية في تاريخ الفكر. وقد كان يدرك أن الصورة الرمزية قادرة على التعبير عن المعاني الفلسفية بطريقة لا تستطيعها المفاهيم المجردة. وهذا ما يجعل العلاقة بين الفلسفة والدين أكثر تعقيدا مما تبدو عليه للوهلة الأولى. فالفلسفة تسعى إلى التعبير المفهومي عن الحقيقة، بينما يعبر الدين عنها بلغة رمزية تخاطب المخيال. لكن الهدف النهائي في الحالتين يظل واحدا، الكشف عن المعنى العميق للوجود الإنساني. وقد أدرك ابن رشد هذه الوحدة العميقة بين الحكمة والشريعة حين أكد أن كليهما يسعى إلى الحقيقة نفسها، وإن اختلفت طرائق التعبير عنها. ولذلك فإن المخيال الديني لا ينبغي النظر إليه بوصفه نقيضا للعقل، بل بوصفه وسيطا يسمح للحقيقة بأن تصبح جزءا من التجربة الإنسانية اليومية.

إن هذه الرؤية تفتح أفقا جديدا لفهم العلاقة بين الدين والفلسفة في الفكر الإسلامي. فهي تكشف أن التوتر الذي نشأ أحيانا بينهما لم يكن نابعا من تعارض حقيقي بين العقل والوحي، بل من سوء فهم لوظائف الخطاب المختلفة. فإذا أدركنا أن التمثيل في الخطاب الديني موجّه إلى مستوى معين من الإدراك، وأن البرهان الفلسفي موجّه إلى مستوى آخر، فإن التعارض الظاهري بينهما يتلاشى. فالحقيقة يمكن أن يعبَّر عنها في صورة مفهومية كما يمكن أن يعبَّر عنها في صورة رمزية، وكلتا الصورتين تؤدي وظيفة معرفية مختلفة داخل المجتمع. ونتبين أن المخيال في الخطاب الديني عند ابن رشد ليس مجرد ظاهرة لغوية أو بلاغية، بل هو جزء من بنية معرفية عميقة تتداخل فيها الفلسفة بالدين والعقل بالرمز والبرهان بالتمثيل.

إن هذا الفهم العميق لوظائف المخيال يسمح بإعادة قراءة التراث الديني بعيدا عن التفسير الحرفي الضيق الذي يحجب أبعاده الرمزية والتأويلية. كما يسمح في الوقت نفسه بفهم الدور الذي يلعبه الخطاب الديني في تشكيل الوعي الجماعي.

فالمخيال الديني ليس مجرد انعكاس لواقع اجتماعي أو ثقافي، بل هو قوة رمزية قادرة على إعادة تشكيل ذلك الواقع. فالصور التي يقدمها الدين عن العالم والإنسان والمعنى تتحول مع الزمن إلى جزء من البنية العميقة للثقافة، وهي التي تمنح المجتمعات إحساسها بالهوية والاستمرارية.

إن تحليل ابن رشد للمخيال الديني يظل واحدا من أكثر التحليلات عمقا في تاريخ الفكر الإسلامي، لأنه يكشف عن البنية المعرفية التي يقوم عليها الخطاب الديني، ويبين في الوقت نفسه العلاقة المعقدة بين الحقيقة والتمثيل.

إن المخيال في هذا السياق ليس مجرد وسيلة للإقناع الخطابي، بل هو أفق رمزي يسمح للإنسان بأن يعيش الحقيقة في صورة تجربة وجودية. فالحقيقة إذا بقيت مجرد مفهوم عقلي قد تظل بعيدة عن الحياة اليومية، أما إذا تجسدت في صورة رمزية فإنها تصبح جزءا من الوعي العملي للإنسان. وهذا ما يمنح الخطاب الديني قوته التاريخية وقدرته على الاستمرار عبر العصور. فالمفاهيم الفلسفية قد تتغير بتغير المدارس الفكرية، لكن الرموز الدينية تظل قادرة على التجدد لأنها تخاطب البنية العميقة للنفس الإنسانية. وإذا كان ابن رشد قد دافع عن العقل بوصفه الطريق الأعلى لمعرفة الحقيقة، فإنه لم يغفل أبدا الدور الحيوي الذي يلعبه المخيال في نقل تلك الحقيقة إلى المجال الاجتماعي. ولذلك فإن مشروعه الفلسفي يمكن فهمه بوصفه محاولة لإقامة توازن دقيق بين مطلب الحقيقة البرهانية ومتطلبات التواصل الإنساني.

وفي ضوء هذا التوازن يتضح أن التمثيل في الخطاب الديني ليس بديلا عن الحقيقة، بل هو إحدى طرائق ظهورها داخل المجال الثقافي. فالحقيقة التي يدركها الفيلسوف في صورة مفهوم قد يدركها الجمهور في صورة رمز، لكن المعنى العميق يظل واحدا.

إن نظرية ابن رشد في المخيال الديني تمثل محاولة فريدة في تاريخ الفكر الإسلامي لفهم العلاقة بين المعرفة واللغة والمجتمع. فهي تكشف أن الخطاب الديني ليس مجرد خطاب عقائدي، بل هو نظام رمزي معقد يربط بين العقل والخيال في تشكيل الوعي الإنساني. وتفضي هذه الرؤية في خاتمتها إلى نتيجة فلسفية عميقة مفادها أن الحقيقة لا تعيش في عالم المفاهيم وحده، بل تحتاج دائما إلى لغة وصورة ورمز كي تصبح جزءا من التجربة الإنسانية. فالعقل يكتشف الحقيقة، لكن المخيال يمنحها القدرة على الحياة داخل المجتمع. وتظل الفلسفة الرشدية شاهدا على إمكانية الجمع بين صرامة العقل وثراء المخيال، وبين دقة البرهان وقوة الرمز، في بناء خطاب ديني قادر على أن يخاطب الإنسان في مختلف مستويات إدراكه، وأن يجعل الحقيقة ليست مجرد فكرة تُفهم، بل تجربة تُعاش.

***

د. حمزة مولخنيف

من المفهوم إلى التطبيق.. التأصيل المفاهيمي والمؤسساتي للقانون

103 ـ 13 في مواجهة العنف ضد النساء بالمغرب

***

الملخص بالعربية:

يُعتبر العنف ضد النساء ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد، تحمل انعكاسات جسدية ونفسية واجتماعية واقتصادية، وتشكل تهديدًا مباشرًا للحقوق الإنسانية وللتماسك الاجتماعي. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل فعالية القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء في المغرب، مع التركيز على الدور الحيوي للمصالح الأمنية، تقييم المخاطر، جمع الأدلة، والتحقيق القضائي، بالإضافة إلى التنسيق بين مختلف الفاعلين المؤسسيين والمدنيين. كما يقارن البحث بين الممارسات المغربية والمعايير الدولية، مستندًا إلى توجيهات الأمم المتحدة والخبرات المقارنة في مجال حماية النساء ضحايا العنف.

توصلت الدراسة إلى أن القانون المغربي يوفر إطارًا متقدمًا من حيث الحقوق والحماية، إلا أن فعاليته تتوقف على جودة التدخلات الأمنية والقضائية، ومستوى التدريب والتأهيل للمتدخلين، ودرجة التنسيق بين مختلف المؤسسات. كما تُظهر النتائج أن العنف ضد النساء له آثار مستدامة على الضحايا والأسر والمجتمع، مما يستدعي تطوير استراتيجيات وقائية، وتعزيز برامج التمكين النفسي والاجتماعي والاقتصادي، وإشراك المجتمع المدني في الحملات التوعوية. تعكس هذه الدراسة أن معالجة العنف ضد النساء تتطلب رؤية شمولية تجمع بين التشريع، التطبيق العملي، والبعد الثقافي، لضمان حماية الضحايا وتحقيق العدالة وتقليص استمرار الظاهرة.

الكلمات المفتاحية:

العنف ضد النساء، الحماية القانونية، التدخل الأمني، تقييم المخاطر، المغرب، التعاون المؤسسي، العدالة

Title:

Violence Against Women in Morocco: An Analytical Study of Legal, Security, and Social Interventions

Abstract:

Violence against women is a complex, multidimensional phenomenon with physical, psychological, social, and economic consequences, posing a direct threat to human rights and social cohesion. This study analyzes the effectiveness of Law No. 13-103 on combating violence against women in Morocco, focusing on the crucial role of security agencies, risk assessment, evidence collection, judicial investigation, and coordination among institutional and civil actors. The research also compares Moroccan practices with international standards, drawing on UN guidelines and comparative experiences in women’s protection.

The study finds that while Moroccan legislation provides an advanced framework for rights and protection, its effectiveness depends on the quality of security and judicial interventions, the training of personnel, and inter-institutional coordination. Findings also show that violence against women has lasting impacts on victims, families, and society, highlighting the need for preventive strategies, empowerment programs, and civil society engagement in awareness campaigns

. The study underscores that addressing violence against women requires a comprehensive approach integrating legislation, practical implementation, and cultural dimensions to ensure victim protection, achieve justice, and reduce the persistence of this phenomenon.

Keywords:

Violence against women, legal protection, security intervention, risk assessment, Morocco, institutional cooperation, justice

على سبيل التقديم

تُعَدّ العلوم الإنسانية فضاءً معرفيًا زاخرًا بالموضوعات التي لم تحظَ بعدُ بما يكفي من التفكير والبحث، على الرغم من حضورها القوي في واقعنا المعاصر(1). ومن بين هذه الموضوعات ظاهرة العنف، التي طالما وُضعت في خانة الهامش، لكنها أضحت اليوم في قلب النقاشات العلمية والحقوقية، نظرًا لما تخلفه من تداعيات خطيرة تهدد استقرار البنى الاجتماعية وتماسكها (2). إنَّ تفكيك هذه الظاهرة والحفر في جذورها، مع إخضاعها لمقاربات معرفية وقانونية متعددة، يظل ضرورة قصوى لفهم دينامياتها ورصد مسارات تحولها وتطورها، ثم تقنينها ضمن منظومة قانونية تضمن حماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية (3).

لقد عرف التاريخ البشري ظاهرة العنف منذ أقدم العصور، حيث ارتبطت بالصراع من أجل البقاء والسيطرة (4)، لكنها اليوم تكتسي طابعًا أكثر تعقيدًا، إذ تُمارس بوسائل متعددة، وتنتشر على نطاق واسع، بما يجعلها من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة (5). ومن أبرز تجليات هذه الظاهرة العنف ضد النساء، الذي لم يعد يُنظر إليه كسلوك فردي شاذ، بل باعتباره نتاجًا بنيويًا تتداخل فيه عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية وقانونية، تُعيد إنتاجه وتغذي استمراريته (6). وقد أثبتت الدراسات السوسيولوجية والنفسية أنّ العنف يرتبط بمنظومات ثقافية ذات طبيعة ذكورية تقاوم التغيير وتُكرّس الفوارق بين الجنسين (7). ومن ثم، فالتصدي له لا يمكن أن يكون فرديًا أو جزئيًا، بل هو مسعى جماعي يتطلب مقاربات شمولية متكاملة (8)

وقد عرّفته بعض الأدبيات بأنه: «سلوك عمدي موجَّه نحو هدف، قد يكون لفظيًا أو غير لفظي، يتضمن مواجهة الآخر ماديًا أو معنويًا، مصحوبًا بتعبيرات تهديدية وله أساس غريزي» (9). غير أن هذا التعريف يبقى قاصرًا عن الإحاطة بكل أبعاده في السياقات الراهنة، حيث تتجاوز الظاهرة مجرد الاعتداء الجسدي لتشمل صورًا أخرى أكثر تعقيدًا مثل العنف النفسي، والاقتصادي، والرقمي (10)، وكلها أشكال تُلحق بالضحايا أضرارًا لا تقل خطورة عن الأذى المادي المباشر.

وفي السياق المغربي، شكّل صدور القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء محطة تشريعية فارقة (11)، إذ أرسى لأول مرة تعريفًا قانونيًا شاملاً للعنف ضد المرأة، ووسّع نطاق أشكاله ليشمل العنف الجسدي والنفسي والجنسي والاقتصادي، إضافة إلى العنف الرقمي، كما نص على مجموعة من الآليات العملية للحماية والدعم، سواء عبر إحداث خلايا الاستقبال والمواكبة أو تعزيز صلاحيات الشرطة القضائية والقضاء. ورغم ما يُمثله هذا القانون من تطور نوعي في مجال حماية النساء، فإنَّ تفعيله يظل رهينًا بمدى قدرة مختلف الفاعلين المؤسساتيين والأمنيين والقضائيين ومؤسسات المجتمع المدني على التنسيق والتكامل (12)، بما يكفل استجابة ناجعة تحترم كرامة الضحايا وتحقق العدالة.

بناءً على ما سبق، يسعى هذا البحث إلى تقديم قراءة تحليلية ونقدية للقانون 13-103، وذلك من خلال:

أولا- التأصيل المفاهيمي لأنواع العنف ضد النساء وأبعاده المتشابكة.

ثانيا- استعراض مبادئ تدخل المصالح الأمنية في حماية الضحايا وضبط المعتدين.

ثالثا- شرح آليات تقييم المخاطر وتدبيرها كخطوة أساسية في منع تفاقم الأضرار.

رابعا- توضيح دور الشرطة القضائية والتحقيق وجمع الأدلة في بناء الملفات القضائية المتماسكة.

خامسا - تحليل التأثيرات المتعددة للعنف على المستوى الفردي والأسري والمجتمعي (13)

إن معالجة موضوع العنف ضد النساء لا تقتصر على العرض الوصفي للنصوص القانونية، بل تتجاوزها إلى تحليل البُنى الاجتماعية والثقافية التي تغذيه، ومناقشة حدود القانون في مواجهته، مع استحضار تجارب مقارنة دولية يمكن أن تُغني النقاش الوطني (14). ومن ثَمَّ، فإن هذه الدراسة تروم تقديم إسهام أكاديمي نقدي يزاوج بين التشريع والتحليل السوسيولوجي، قصد الإسهام في بناء رؤية شمولية أكثر فعالية لمكافحة هذه الظاهرة.

الوحدة الأولى: التأصيل المفاهيمي للعنف ضد النساء

يُعتبر التأصيل المفاهيمي للعنف ضد النساء خطوة جوهرية لفهم الظاهرة بمختلف أبعادها وتأثيراتها، حيث يتجاوز مجرد التعريف النظري إلى بناء قاعدة معرفية متينة تمكّن الباحثين والممارسين القانونيين والفاعلين الاجتماعيين من التمييز بين أشكال العنف وقياس مدى انتشاره وتطوير استراتيجيات وقائية فعّالة (15). فالعنف ضد النساء ليس مجرد اعتداء فردي أو فعل عرضي، بل سلوك اجتماعي وثقافي وقانوني يمتد تأثيره إلى المستويات النفسية والاقتصادية والجسدية والسياسية للضحية (16)، كما يعكس اختلالات بنيوية في العلاقات المجتمعية وأطر السلطة القائمة (17). ومن هذا المنطلق، يسمح التأصيل المفاهيمي بالتعرف على أشكال العنف المتعددة، سواء كانت جسدية كالضرب والاعتداء، أو نفسية مثل التهديد المستمر والتحقير، أو اقتصادية من خلال حرمان النساء من الموارد المالية، أو جنسية كالتحرش والاغتصاب، وأخيرًا العنف الرقمي الذي يتمثل في الملاحقة الإلكترونية والابتزاز ونشر المحتوى الشخصي دون رضا الضحية (18). هذا التصنيف لا يقتصر على التوصيف النظري، بل يمثل أداة عملية لتحديد نطاق التشريعات القانونية وتوجيه التدابير الأمنية والاجتماعية بما يضمن حماية شاملة للنساء وتقديم الدعم الملائم للضحايا (19).

علاوة على ذلك، يسهم التأصيل المفاهيمي في تطوير الإطار القانوني الوطني والدولي، إذ يسمح بصياغة قوانين أكثر شمولية ومرونة تستجيب للتحديات المعاصرة التي فرضتها التكنولوجيا والعولمة على العلاقات الاجتماعية (20). وفي السياق المغربي، يمثل القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء خطوة رائدة، حيث يدمج بين الحماية القانونية للضحايا وتحديد المسؤوليات والعقوبات المترتبة على المعتدين، مع مراعاة خصوصية الحالات المختلفة سواء في السياقات الأسرية، الزوجية، أو المجتمعية (21) كما يعزز هذا التأصيل قدرة الجهات الأمنية والقضائية على تنفيذ القانون بفعالية من خلال وضوح التعاريف والمصطلحات القانونية وتحديد مستويات الخطورة والإجراءات الواجب اتخاذها، مما يقلل من الثغرات القانونية التي قد يستغلها المعتدون (22)

من منظور اجتماعي، يؤدي التأصيل المفاهيمي إلى رفع مستوى التوعية والتحسيس بحقوق النساء وواجبات المجتمع تجاههن، بما يخلق ثقافة رفض العنف ويشجع على الإبلاغ المبكر عن الانتهاكات، وبالتالي تقليل آثارها النفسية والجسدية والاجتماعية (23). وعليه، يشكل التأصيل المفاهيمي للعنف ضد النساء الركيزة الأولى لأي استراتيجية وطنية أو دولية لمكافحة الظاهرة، إذ يمكّن من الجمع بين البعد النظري، القانوني والاجتماعي، ويساهم في بناء مجتمع أكثر عدالة ومساواة، يحترم حقوق المرأة ويصون كرامتها الإنسانية (24).

الوحدة الثانية: مبادئ تدخل المصالح الأمنية في التكفل بالنساء ضحايا العنف

تُعَدّ المصالح الأمنية الركيزة الأساسية في منظومة حماية النساء ضحايا العنف، إذ تتجاوز مهامها التدخل الأمني التقليدي لتشمل الوقاية والحماية والتبليغ والتكفل الشامل بالضحايا وفق معايير القانون الدولي والمحلي (25). ويُؤطر تدخل المصالح الأمنية مجموعة من المبادئ الأساسية، من أبرزها مبدأ احترام الكرامة الإنسانية للضحايا، الذي يفرض النظر إلى النساء باعتبارهن أشخاصًا كاملين الحقوق، مع مراعاة حالتهن النفسية والجسدية وضمان سرية المعلومات وعدم إصدار أحكام مسبقة عليهن (26). فقد تبين في الحالة الأولى، أن امرأة تعرضت للعنف النفسي والجسدي من زوجها استقبلت في مركز الشرطة المخصص للنساء ضمن بيئة آمنة، وتم التعامل معها وفق مبدأ عدم لوم الضحية مع احترام الخصوصية.

ويتضح أيضًا أهمية مبدأ السرعة في التدخل، إذ إن التأخر في الاستجابة يُضاعف خطورة الوضع ويزيد من تعقيد الأضرار النفسية والجسدية على الضحية. فعلى سبيل المثال، تعرضت فتاة قاصر للتحرش الجنسي في مكان عام، حيث تم نقلها فورًا إلى المستشفى لتلقي الإسعافات الطبية والنفسية، ثم تم تقديم الدعم القانوني عبر النيابة العامة، ما يعكس فاعلية التنسيق بين الجهات الأمنية والقضائية (27).

إضافة إلى ذلك، يبرز مبدأ الكفاءة والتخصص كعنصر حاسم في نجاح التدخل، إذ يقتضي تكوين العناصر الأمنية تدريبًا مستمرًا على التعامل مع الضحايا وفق المعايير الدولية والوطنية، وإنشاء وحدات متخصصة للتعامل مع قضايا العنف ضد النساء، بما يضمن حماية الضحايا وجمع الأدلة بكفاءة. وفي هذا السياق، تمكنت وحدة مختصة في الشرطة القضائية من متابعة قضية عنف اقتصادي ضد موظفة، وجمع الأدلة واستدعاء الشهود بطريقة تحفظ سلامة الضحية وتحميها من أي ضغط إضافي.

كما يعتبر مبدأ التنسيق مع باقي الفاعلين عنصرًا جوهريًا، إذ يستحيل على المصالح الأمنية تحقيق النتائج المرجوة دون شراكات متينة مع النيابة العامة، والأطباء، والأخصائيين الاجتماعيين، وهيئات المجتمع المدني، نظرًا لتعقيد قضايا العنف التي تتداخل فيها الأبعاد القانونية والطبية والنفسية والاجتماعية. ويرتبط بذلك مبدأ الحياد وعدم التمييز، الذي يضمن معاملة كل النساء ضحايا العنف على قدم المساواة بغض النظر عن العرق أو الدين أو الوضع الاجتماعي، مع الالتزام بمعايير موضوعية قائمة على الأدلة القانونية فقط.

ولا يقل أهمية عن ذلك مبدأ الحماية من العنف المتكرر، حيث تهدف المصالح الأمنية إلى متابعة الحالات بشكل منتظم للتأكد من عدم تعرض الضحية لنفس دائرة الخطر، وذلك من خلال تفعيل أوامر عدم الاقتراب والتدابير الوقائية القانونية المناسبة. كما يظل مبدأ التوعية والتحسيس محوريًا، إذ تقوم المصالح الأمنية بحملات إعلامية وميدانية لتعريف النساء بحقوقهن القانونية، وشرح إجراءات التبليغ عن العنف، مما يعزز ثقافة مجتمعية رافضة للعنف ويشجع الضحايا على الانخراط في مسار الحماية.

ويستخلص من ذلك أنّ نجاح تدخل المصالح الأمنية في التكفل بالنساء ضحايا العنف يعتمد على التزامها بجميع هذه المبادئ، ليس باعتبارها شعارات نظرية، بل كآليات عملية تُترجم إلى إجراءات ملموسة على الأرض، مع تكامل أدوار الأجهزة الأمنية والقضائية والمجتمع المدني، لضمان حماية فعالة للضحايا، وصون كرامتهن، وتحقيق العدالة.

الوحدة الثالثة: المقابلة الأولى مع المرأة ضحية العنف

تُعتبر المقابلة الأولى مع المرأة ضحية العنف خطوة حاسمة في مسار التدخل الشامل لحمايتها، إذ تمثل نقطة الانطلاق لتقييم حالتها، وتحديد احتياجاتها النفسية والقانونية والاجتماعية بشكل دقيق (28). فنجاح هذه المقابلة يعتمد على التزام المتدخلين بالنزاهة الأخلاقية والمهنية، مع احترام كامل للحقوق الإنسانية للضحية، مع إدراك أن أي هفوة في طريقة التعاطي قد تؤدي إلى تفاقم آثار العنف أو إضعاف ثقة الضحية في النظام القانوني والأمني (29). وبالإضافة إلى ذلك، تتطلب المقابلة الأولى تنسيقًا دقيقًا بين مختلف الجهات المعنية، بما في ذلك الشرطة، القضاء، المراكز الصحية، والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، لضمان حماية شاملة واستجابة متكاملة (30).

تبدأ المقابلة عادة بمرحلة التحضير، حيث يتم توفير مكان آمن وسري يحفظ كرامة الضحية ويتيح لها التعبير عن نفسها بحرية دون أي شعور بالتهديد (31). ويستحسن أن يتم الاستقبال بأسلوب ودّي واحترافي، مع إظهار التعاطف والاحترام للحقوق الفردية، ما يعزز شعور الضحية بالأمان ويشجعها على تقديم سرد كامل لتجربتها. أثناء المقابلة، يُسمح للضحية بسرد تفاصيل العنف الذي تعرضت له، مع مراعاة حالتها النفسية والجسدية، دون مقاطعة أو حكم مسبق (32)، مع توثيق كل المعلومات الأساسية، مثل نوع العنف، تكراره، هوية المعتدي، وتأثيره على الضحية وعلى أفراد الأسرة، لاسيما الأطفال.

علاوة على ذلك، تهدف المقابلة الأولى إلى تزويد الضحية بكافة المعلومات القانونية والاجتماعية المتاحة، بما يشمل الإجراءات القضائية، حقوقها في تقديم الشكاوى، إمكانية الإحالة إلى مراكز الإيواء، والرعاية الطبية والنفسية المتخصصة . ويشمل ذلك اتخاذ إجراءات حماية فورية، مثل إصدار أوامر بعدم الاقتراب من المعتدي، تأمين مكان إقامة مؤقت، أو توفير حماية أمنية إذا اقتضى الأمر (33). ومن خلال هذه الإجراءات، تكتسب الضحية شعورًا بالسيطرة على وضعها، وهو أمر أساسي في استعادة توازنها النفسي وبناء الثقة بالنظام القضائي والأمني.

وتُظهر الدراسات أن المقابلة الأولى لا تقتصر على جمع المعلومات، بل تمثل أيضًا لحظة تأسيسية للعلاقة بين الضحية والمتدخلين، حيث يمكن تقييم مدى الحاجة إلى تدخلات إضافية مثل الدعم النفسي العاجل، متابعة الحالة الطبية، أو برامج التمكين الاقتصادي. وعليه، فإن المقابلة الأولى تعد خطوة استراتيجية لبلورة خطة حماية شخصية شاملة، تأخذ في الاعتبار أبعاد العنف وتأثيراته المتعددة، وتضع الأسس لتدخلات متكاملة على المدى القصير والطويل.

الوحدة الرابعة: تقييم المخاطر وتدبيرها لحماية المرأة ضحية العنف

تُعد عمليتا تقييم المخاطر وتدبيرها من الركائز الأساسية في أي استراتيجية حماية شاملة للنساء ضحايا العنف، إذ تتيح تحديد طبيعة التهديدات التي تواجه الضحية، وقياس خطورتها، ووضع خطة تدخل دقيقة وفعّالة. فنجاح هذه المرحلة يعتمد على دقة جمع المعلومات، سرعة اتخاذ القرار، والتنسيق المتواصل بين كافة الفاعلين، بما في ذلك الشرطة، النيابة العامة، الأخصائيون النفسيون والاجتماعيون، والمراكز الصحية، لضمان حماية فورية ومستدامة للضحايا. كما أن التقييم الدقيق يتيح تحديد أولويات التدخل، سواء كانت حماية فورية أو متابعة قضائية أو تقديم دعم نفسي واجتماعي طويل الأمد (34).

تبدأ عملية تقييم المخاطر بجمع معلومات شاملة عن العنف الممارس على الضحية، بما يشمل نوعه (جسدي، نفسي، اقتصادي، جنسي، أو رقمي)، مدى تكراره، هوية المعتدي، وسلوكياته السابقة، إلى جانب الظروف البيئية والاجتماعية المحيطة بالضحية. ويُقيّم الخبراء أيضًا آثار العنف على الضحية، سواء كانت جسدية، نفسية، أو اجتماعية، كما يتم دراسة تأثيره على الأسرة، لا سيما الأطفال، لتحديد نطاق حماية أوسع يضمن استقرار البيئة الأسرية (35)

بعد تحديد مستوى المخاطر، تُشرع مرحلة تدبير المخاطر، والتي تتضمن وضع خطة حماية شخصية للضحية، تشمل: تأمين مكان آمن للإقامة، تزويد الضحية بأرقام الطوارئ وخطوط النجدة، إصدار أوامر قضائية تمنع الاقتراب أو الاتصال من المعتدي، ومراقبة تحركات الجاني إذا استدعى الأمر⁶. كما يشمل التدبير توفير الدعم النفسي والاجتماعي، مثل جلسات العلاج النفسي، الإرشاد الأسري، والخدمات الاجتماعية اللازمة للتخفيف من آثار الصدمة وتعزيز قدرة الضحية على التعافي⁷. ويضاف إلى ذلك تقديم الاستشارات القانونية للتمكين من فهم الحقوق والواجبات، فضلاً عن برامج تمكين اقتصادي للنساء اللواتي يحتجن إلى استقلال مالي، بما يعزز شعورهن بالاستقلالية ويقلل من احتمالية تعرضهن للعنف مرة أخرى (36).

تظهر الدراسات أن دمج تقييم المخاطر مع تدبيرها بشكل متكامل يزيد من فعالية الاستجابة للعنف، ويعزز قدرة الضحية على اتخاذ قرارات مدروسة حول حياتها الشخصية والاجتماعية والقانونية⁹. كما أن هذا التكامل يسمح للجهات المختصة بمراقبة التطورات بشكل مستمر، وتعديل خطط الحماية بحسب أي تغييرات في مستوى التهديد، ما يضمن حماية طويلة المدى ويحد من إعادة إنتاج دوائر العنف (37).

من ثم، تُبرز هذه الوحدة أهمية النهج الشمولي في التعامل مع العنف ضد النساء، حيث يتطلب النجاح تعاونًا وثيقًا بين مختلف الفاعلين، مراعاة دقيقة للبعد النفسي والاجتماعي، واستجابة قانونية صارمة، لضمان حماية شاملة وفعالة للضحايا، ومنع تكرار الاعتداءات.

الوحدة الخامسة: التدخل الأمني وجمع الأدلة وتوثيق الوقائع في قضايا العنف ضد النساء

يُعتبر التدخل الأمني الفوري والمتقن في مكان وقوع العنف خطوة جوهرية لحماية النساء ضحايا العنف، وصون حقوقهن القانونية، وضمان تحقيق العدالة. إذ أن أي تقصير في هذا التدخل قد يؤدي إلى فقدان الأدلة الحيوية، وإضعاف الملف القضائي أمام المحاكم، وبالتالي التأثير سلبًا على مصداقية الأجهزة الأمنية وثقة المجتمع في النظام القضائي. وقد أظهرت التجارب المقارنة بين المغرب ودول مثل السويد وكندا أنّ الجمع بين التدخل الأمني المنهجي وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا يزيد من فعالية الحماية ويقلل من احتمال تعرض النساء للعنف مرة أخرى، ويعزز الثقة بالمؤسسات الأمنية (38)

تبدأ العملية بتحديد مكان الضحية والوصول إليه فورًا، مع تقييم مستوى الخطر، وتأمين الموقع لمنع أي تدخل خارجي قد يؤثر على مسرح الجريمة. ففي الحالة الأولى، تعرضت امرأة للعنف الجسدي من زوجها، فتمت مداهمة المنزل بشكل سريع، وتأمين المكان، وضمان سلامة الضحية أثناء جمع الأدلة المادية مثل الملابس الملوثة والأسلحة المستخدمة في الاعتداء (39). كما يشمل التدخل توثيق الوقائع بصريًا لتقوية الملف القضائي أمام المحكمة، وهو إجراء معمول به في البروتوكولات الأمنية الدولية.

يتزامن مع ذلك تقديم الدعم النفسي الفوري للضحايا، وإحالتهم إلى المستشفيات أو مراكز الإيواء عند عدم إمكانية العودة إلى محيطهم، بما يضمن حماية شاملة تشمل البعد النفسي والاجتماعي. ففي الحالة الثانية، تعرضت فتاة قاصر للتحرش الجنسي في مكان عام، فتمت إحالتها مباشرة إلى المستشفى لتلقي العلاج النفسي والجسدي، مع ضمان سرية معلوماتها وخصوصيتها، ما يعكس الالتزام بمبادئ التدخل الشامل(40)

من جهة أخرى، يُحرر المحضر الأمني كوثيقة رسمية تشمل أقوال الضحية والمعتدي والشهود، والأدلة المادية والطبية، والإجراءات القانونية المتخذة، لتكون أساسًا لملف قضائي متكامل. ففي الحالة الثالثة، تمكنت وحدة مختصة في الشرطة القضائية من متابعة قضية عنف اقتصادي ضد موظفة، وجمع جميع الأدلة وإعداد المحضر القانوني المفصل، بما يعزز قدرة القضاء على إثبات الوقائع ويحد من التلاعب بالأدلة,

وبناءً على ذلك، يصبح التدخل الأمني ليس مجرد إجراء تقني، بل عملية شاملة تتطلب تكامل الخبرات الأمنية، القانونية والاجتماعية، مع الالتزام الصارم بالمبادئ الإنسانية وأخلاقيات العمل، لضمان حماية الضحايا وتحقيق العدالة الفعلية.

الوحدة السادسة: التحقيق القضائي وجمع الأدلة وتحرير المحضر في قضايا العنف ضد النساء

تُعتبر مرحلة التحقيق القضائي القلب النابض لمنظومة حماية النساء ضحايا العنف، إذ تمثل الرابط الحيوي بين التدخل الميداني وجلسات المحاكمة، وتضمن أن تكون جميع الوقائع والأدلة مسجلة بدقة قانونية عالية، بما يعزز فرص محاسبة المعتدين والحد من الإفلات من العقاب. وتوضح المقارنات بين القانون المغربي رقم 13-103 والمعايير الدولية، مثل بروتوكولات الأمم المتحدة أن التحقيق القضائي الفعال لا يقتصر على جمع الأدلة فحسب، بل يمتد إلى احترام حقوق الضحية وتأمين سلامتها النفسية والجسدية، وتوفير الخبرة القانونية اللازمة لفهم مسار القضية (41)

يبدأ التحقيق عادة بالاستماع إلى الضحية في بيئة سرية وآمنة، مع مراعاة حالتها النفسية، حيث تُسجل أقوالها بدقة باستخدام أسئلة مفتوحة لاستقصاء جميع تفاصيل الحادث، بما يشمل الزمان والمكان وطبيعة العنف وأثره النفسي والجسدي³. ويشير الخبراء إلى أن اعتماد أساليب استماع تراعي الصدمة النفسية للضحايا يقلل من إعادة الصدمة ويُعزز مصداقية الشهادات أمام القضاء، بالمقارنة بأساليب التحقيق التقليدية التي قد تضاعف آثار الصدمة.

بعد ذلك، يتم استدعاء المعتدي واستجوابه بشكل محايد، مع تسجيل جميع التفاصيل دون تحيز، بما يضمن التوازن القانوني ويعزز مصداقية الإجراءات. تُجمع الأدلة المادية والرقمية والطبية، بما في ذلك الأسلحة، الملابس، التسجيلات، التقارير الطبية والنفسية، والتحليل الرقمي للهواتف والرسائل الإلكترونية. ويُحرر المحضر القضائي كوثيقة رسمية توثق جميع مراحل التحقيق، بما يشمل أقوال الضحية والمعتدي والشهود، الأدلة، الإجراءات القانونية المتخذة، والقرارات المتعلقة بحماية الضحية، ليصبح مرجعًا أساسيًا أمام القضاء ويضمن حقوق الضحايا (42).

من منظور نقدي، لا تزال هناك تحديات على مستوى التنسيق بين الشرطة والقضاء والخدمات الاجتماعية، وهو ما أوصى به تقرير وزارة العدل المغربية 2018 لتطوير بروتوكولات متكاملة تيسر وصول الضحايا إلى العدالة². كما تشير التجارب الدولية إلى أن اعتماد برامج تدريب متخصصة للقضاة والمحامين والمحققين، تتضمن آليات للتعامل مع الصدمات النفسية وفهم أبعاد العنف النفسي والجنسي، يعزز فعالية التحقيق ويحسن نتائج المحاكمات (43).

يتضح إذن أن التحقيق القضائي الفعال هو نتاج تكامل الخبرة القانونية مع الحساسية الإنسانية، ويعتمد على تضافر جهود كل الفاعلين: الأمنيون، القضائيون، الطبيون، والاجتماعيون، لضمان حماية الضحايا، توثيق الوقائع بدقة، وتحقيق العدالة بشكل كامل ومستدام.

الوحدة السابعة: التعاون الأمني والمؤسسي في مكافحة العنف ضد النساء

يُعتبر التعاون الأمني والمؤسسي ركيزة أساسية لضمان فاعلية الاستجابة للعنف الممارس ضد النساء، إذ يربط بين جميع الفاعلين المعنيين: الشرطة القضائية والنيابة العامة والقضاء ومراكز الخدمات الاجتماعية والمجتمع المدني. ويُعد هذا التعاون آلية استراتيجية متكاملة تهدف إلى توحيد الجهود وتبادل المعلومات الحيوية وضمان حماية شاملة للضحايا، ما يعزز فعالية التدخل ويقلل من مخاطر الإفلات من العقاب (44).

على المستوى العملي، يتضمن التعاون الأمني مؤشرات دقيقة لتقييم الوضع الأمني للضحايا من قبيل تحديد مستوى الخطر ووضع خطط التدخل المناسبة، بما يشمل حماية الضحية فورًا ومراقبة الجاني وضمان جمع الأدلة بطريقة قانونية محكمة. (45) وتشير المقارنات بين النظام المغربي والدولي، لا سيما تجارب دول الاتحاد الأوروبي وكندا، إلى أن التنسيق المنهجي بين الشرطة والقضاء والخدمات الاجتماعية يضمن سرعة الاستجابة ويعزز فعالية التحقيقات، كما يقلل من التكرار المحتمل للعنف ويزيد من الثقة في المنظومة القانونية.

كما يبرز دور التعاون الأمني في العمليات الميدانية، حيث يساهم تبادل المعلومات بين المصالح الأمنية والشرطة القضائية والنيابة العامة في ضمان جمع الأدلة بكفاءة، توثيق الوقائع بشكل منهجي، ومتابعة المعتدين وفقًا للقانون، مع الحفاظ على حقوق الضحايا وحمايتهم. وفي هذا السياق، تُظهر التجارب الدولية أن بروتوكولات التنسيق الرسمية، التي تحدد أطر تبادل المعلومات ومسؤوليات كل جهة، تعزز من سرعة الاستجابة، وتقلل من الصدمات الثانوية للضحايا وتحسن جودة التحقيقات القضائية (46).

علاوة على ذلك، يمتد أثر التعاون الأمني إلى الجانب الوقائي، حيث يسهم في تصميم برامج توعية، مبادرات مجتمعية، وحملات تدريبية مشتركة تستهدف المجتمع والجهات المعنية، بهدف تفكيك البنى الثقافية المنتجة للعنف، وتعزيز ثقافة احترام حقوق النساء. وبذلك يتضح أن التعاون الأمني والمؤسسي لا يقتصر على التدخلات التقنية، بل يشكل استراتيجية شاملة لتحقيق العدالة الاجتماعية وحماية الضحايا بشكل مستدام.

الوحدة الثامنة: تداعيات العنف ضد النساء على الفرد والأسرة والمجتمع

يُعد العنف ضد النساء ظاهرة متعددة الأبعاد، تتجاوز حدود الضحية الفردية لتشمل الأسرة والمجتمع بأسره، مما يجعلها قضية بنيوية لها انعكاسات اجتماعية واقتصادية ونفسية وثقافية عميقة. فعلى المستوى الفردي، تتراوح الآثار بين الإصابات الجسدية البسيطة إلى الإصابات المزمنة والمعقدة التي قد تؤدي إلى إعاقات دائمة أو أمراض صحية مستعصية. كما يترك العنف آثارًا نفسية طويلة المدى، تشمل اضطرابات القلق والاكتئاب وانخفاض تقدير الذات وفقدان الثقة بالآخرين، ما يعيق قدرة النساء على المشاركة الفعالة في الحياة الاجتماعية ويزيد من احتمال العزلة(47)

من الناحية الاقتصادية، يحد العنف من قدرة النساء على العمل أو الاستمرار في وظائفهن بسبب التأثير النفسي والجسدي ويزيد من الأعباء المالية الناتجة عن العلاج النفسي والجسدي. فبالمقارنة مع دراسات عالمية مثل تقرير منظمة الصحة العالمية وأبحاث غارسيا مورينو وزملائه يتضح أن العنف ضد النساء يُقلل بشكل ملموس من الإنتاجية الاقتصادية للمرأة ويزيد من نسب الفقر والتهميش وهو ما ينعكس على الاقتصاد الوطني بشكل عام

وعلى مستوى الأسرة، يتسبب العنف في تفكك العلاقات الزوجية وتصاعد نسب الطلاق، كما يخلق بيئة غير آمنة للأطفال، مما يزيد من احتمالية إعادة إنتاج دوائر العنف عبر الأجيال. هذه النتائج تتوافق جزئيًا مع الدراسات التي أبرزت أن العنف الأسري لا يقتصر على تأثيره المباشر على الضحايا بل يشمل الأطفال والشركاء الآخرين، مما يعقد جهود الوقاية ويستدعي تدخلًا متعدد المستويات

أما على صعيد المجتمع، فإن انتشار العنف يُضعف التماسك الاجتماعي ويقلل من الثقة بين أفراده. كما يعزز من فرص استغلال النساء في أعمال غير مشروعة مثل الدعارة أو الاتجار بالبشر، ما يزيد من الهشاشة الاجتماعية ويحد من المشاركة المجتمعية للنساء.

ومن الناحية الثقافية، يساهم العنف في ترسيخ أنماط العلاقات القائمة على الهيمنة والسيطرة، ويجعل ممارسة العنف مقبولة جزئيًا في بعض السياقات الأسرية والاجتماعية، وهو ما يضعف القيم الأساسية مثل الاحترام والمساواة(48)

حيث نخلص أنه ومن خلال رؤية نقدية، يمكن مقارنة التجربة المغربية مع تجارب دول أخرى حيث أن بعض الدول قد نجحت في الحد من العنف الأسري من خلال تشريعات صارمة وبرامج تمكين المرأة في حين لا تزال هناك تحديات مرتبطة بالبعد الثقافي والاجتماعي في المغرب، حيث تُظهر الدراسات أن العنف النفسي والاقتصادي لا يزال غير مشمول بالشكل الكافي في برامج التوعية. كما يشير التحليل والدراسة المقارنين إلى أن فعالية القانون رقم 13-103 تعتمد بشكل كبير على تفعيل التدابير الوقائية وتأهيل الفاعلين الأمنيين والقضائيين وتحقيق التنسيق بين جميع المؤسسات المعنية (49)

واستنتاجا لما سبق، يتضح أن العنف ضد النساء ليس مجرد سلوك فردي أو حادث معزول بل هو ظاهرة معقدة تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد تشمل الأطر القانونية والتدخلات الأمنية والدعم النفسي والاجتماعي والتمكين الاقتصادي والثقافي للنساء. كما أن فهم التداعيات المختلفة للعنف يمكن أن يسهم في تصميم سياسات أكثر فاعلية، مع ضمان إشراك الرجال والمجتمع المدني في جهود الوقاية والتوعية، بما يعزز ثقافة احترام حقوق المرأة ويحد من استمرار الظاهرة (50)

على سبيل الختم

يُعد العنف ضد النساء من أخطر الظواهر الاجتماعية والقانونية التي تواجه المجتمعات المعاصرة، إذ لا يقتصر أثره على الضحية وحدها بل يمتد ليشمل الأسرة والمجتمع والاقتصاد الوطني بأسره. ومن خلال هذه الدراسة النقدية تبيّن أن القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء شكل خطوة نوعية في مسار حماية الحقوق الإنسانية للمرأة بالمغرب، لكنه يظل بحاجة إلى أجرأة أكثر فعالية لمقتضياته على أرض الواقع بما يشمل التنسيق بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين والأمنيين والقضائيين والمدنيين

وقد أظهرت نتائج هذا البحث أن الاستجابة لظاهرة العنف ضد النساء تتطلب رؤية شمولية متعددة المستويات تبدأ من تقييم المخاطر وتدبيرها لحماية النساء من التهديدات الفورية والمستقبلية، مرورًا بالتدخل الأمني الميداني لجمع الأدلة وتوثيق الوقائع ثم مرحلة التحقيق القضائي التي تثبت المسؤولية القانونية وتضمن محاسبة المعتدين. كما أبرز هذا البحث أيضا أهمية التعاون الأمني ليس فقط على المستوى الوطني بل أيضًا على المستوى الدولي خصوصًا فيما يتعلق بالجرائم المنظمة كالاتجار بالبشر لضمان حماية شاملة للضحايا وتحقيق العدالة

وأما على الصعيدين الاجتماعي والنفسي، فيتضح أن العنف يُحدث آثارًا طويلة المدى، تشمل الإصابات الجسدية المستديمة والاضطرابات النفسية وتراجع الإنتاجية الاقتصادية واضطرابات في العلاقات الأسرية. هذه التداعيات المتعددة الأبعاد تفرض ضرورة دمج برامج الوقاية والدعم النفسي والاجتماعي، مع إشراك المجتمع المدني ووسائل الإعلام لتعزيز الوعي بحقوق المرأة وكسر دائرة الصمت المحيطة بالعنف

انطلاقًا مما سبق، تقترح هذه القراءة النقدية مجموعة من التوصيات العملية والواقعية لتعزيز الحماية ومكافحة العنف ضد النساء ولعل من أهمها ما يلي

- تعزيز الإطار القانوني والتشريعي: مراجعة القوانين الوطنية باستمرار لتشمل جميع أشكال العنف بما فيها النفسي والاقتصادي والرقمي وضمان تفعيل إجراءات الحماية الفورية للضحايا

- تأهيل الفاعلين الأمنيين والقضائيين: توفير برامج تكوينية مستمرة في التعامل مع قضايا العنف ضد النساء، مع التركيز على الجوانب النفسية والاجتماعية لضمان تدخل حساس ومهني

- توسيع شبكة التعاون المؤسسي: من خلال إنشاء آليات تنسيق بين جميع المتدخلين المحليين والدوليين بما يشمل الشرطة والقضاء والمستشفيات والمراكز الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني

- برامج الوقاية والتمكين: دعم مبادرات التمكين الاقتصادي للنساء وتقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي مع إشراك الرجال والشباب في حملات التوعية لتفكيك البنى الثقافية المنتجة للعنف

- المتابعة والتقييم : تطوير آليات لرصد وتقييم فعالية السياسات والتدخلات باستخدام بيانات دقيقة ومحدثة لضمان تحسين الاستراتيجيات المتبعة في مواجهة العنف

- التوعية المجتمعية والثقافية: عن طريق تعزيز برامج التثقيف والوعي حول حقوق المرأة ونشر ثقافة احترام كرامة المرأة عبر المدارس ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني، لتقليل التقبل المجتمعي للعنف

إن مكافحة العنف ضد النساء ليست مسؤولية مؤسسة واحدة بل مهمة جماعية تتطلب إرادة سياسية واضحة وتعاونًا مؤسسيًا متينًا ومشاركة مجتمعية فعالة حيث أنه كلما تعزز التنسيق بين مختلف الأطراف وتوطدت ثقافة احترام حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين، كان بالإمكان بناء مجتمع ديمقراطي عادل يحمي كرامة جميع أفراده ويضمن حقوق الضحايا في العدالة والحماية الشاملة والكرامة الإنسانية.

***

بقلم: د. منير محقق

كاتب وناقد وباحث جامعي

.............................

لائحة المراجع والمصادر بالعربية

وزارة العدل المغربية. القانون رقم 103-13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الجريدة الرسمية، 2018.

الوزاني، يوسف. العنف ضد النساء في المغرب: مقاربة قانونية واجتماعية. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2019.

الصادقي، نزهة. العنف المبني على النوع الاجتماعي: بين التشريع والواقع. الرباط: منشورات كلية الحقوق، 2020.

الشرفي، عبد الحليم. الحماية القانونية للنساء ضحايا العنف في ضوء القانون 103-13. مجلة العدالة، العدد 15، 2021.

المجلس الوطني لحقوق الإنسان. تقرير حول العنف المبني على النوع الاجتماعي في المغرب، الرباط، 2022.

المغرب، القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، 2018، المواد 4-5.

وزارة الداخلية، المغرب، دليل عملي لحماية النساء ضحايا العنف، الرباط، 2019، الفصل 6.

الأمم المتحدة، مكتب مكافحة المخدرات والجريمة (UNODC)، التنسيق الفعال بين الشرطة والنيابة العامة والخدمات الاجتماعية في قضايا العنف ضد النساء، 2018.

القانون المغربي رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الجريدة الرسمية، 2018، المواد 4-7.

لائحة المراجع والمصادر الأجنبية

UN Women. "Global Database on Violence against Women: Morocco." United Nations, 2020.

Human Rights Watch. "Morocco: Progress and Gaps in Laws against Violence towards Women." HRW Report, 2018.

Baker, L., & Bennett, D. "Violence against Women in the MENA Region: Legal and Social Perspectives." Oxford University Press, 2017.

Khosla, R., & Smith, E. "Legal Frameworks for Women’s Protection from Violence: A Comparative Study." International Journal of Women's Rights, 2019.

World Health Organization. "Violence against Women: Key Facts and Interventions." WHO, Geneva, 2021.

Conseil National des Droits de l’Homme (CNDH). "Rapport sur la violence basée sur le genre au Maroc." Rabat, 2021.

ONU Femmes. "La violence à l’égard des femmes et des filles au Maroc: cadre législatif et défis." Nations Unies, 2019.

Belarbi, A. "Femmes, violence et droit au Maroc: Analyse du cadre juridique et institutionnel." Casablanca: Afrique Orient, 2020.

Fédération Internationale des Droits Humains (FIDH). "Les droits des femmes et la lutte contre les violences au Maroc." Paris, 2018.

Abou Malek, S. "Genre et violence au Maroc: entre normes sociales et cadre légal." Revue Maghreb-Machrek, 2022.

Durkheim, E. (1897). Suicide: A Study in Sociology. Free Press.

Heise, L., Ellsberg, M., & Gottemoeller, M. (1999). Ending Violence Against Women. Population Reports, Series L, No. 11.

Galtung, J. (1969). Violence, Peace, and Peace Research. Journal of Peace Research, 6(3), 167–191.

. (2013). Responding to Intimate Partner Violence and Sexual Violence Against Women. Geneva: World Health Organization.

Garcia-Moreno, C., et al. (2015). Global and Regional Estimates of Violence Against Women. World Health Organization.

Connell, R. W. (2005). Masculinities (2nd ed.). University of California Press.

Krug, E. G., et al. (2002). World Report on Violence and Health. Geneva: World Health Organization.

. Barling, J., & Frone, M. R. (2004). The Psychology of Workplace Violence. American Psychological Association.

. (2018). Handbook on Violence Against Women and Girls. Vienna: United Nations Office on Drugs and Crime.

. Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018..

. Ministère de l’Intérieur, Maroc. (2019). Guide pratique pour la protection des femmes victimes de violence. Rabat.

Ministère de la Justice, Maroc. (2018). Rapport sur la mise en œuvre de la loi 13-103. Rabat..

Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018, Art. 1-5.

. Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

. Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018, Art. 4.

. Garcia-Moreno, C., et al. (2015). Global and Regional Estimates of Violence Against Women. World Health Organization..

Ministère de l’Intérieur, Maroc. (2019). Guide pratique pour la protection des femmes victimes de violence. Rabat, Chapitre 5.

. Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018, Art. 2-3.

UN Women، الخطوط التوجيهية للتدخل الشرطي والتحقيقي في حالات العنف ضد النساء، نيويورك، 2020.

Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018.

الهوامش

)(1) Durkheim, E. (1897). Suicide: A Study in Sociology. Free Press

)(2) Heise, L., Ellsberg, M., & Gottemoeller, M. (1999). Ending Violence Against Women. Population Reports, Series L, No

)(3)UN Women. (2020). Global Database on Violence against Women. New York: UN.

)(4) Galtung, J. (1969). Violence, Peace, and Peace Research. Journal of Peace Research, 6(3), 167–191.

)(5)WHO. (2013). Responding to Intimate Partner Violence and Sexual Violence Against Women. Geneva: World Health Organization.

)(6) Garcia-Moreno, C., et al. (2015). Global and Regional Estimates of Violence Against Women. World Health Organization.

)(7) Connell, R. W. (2005). Masculinities (2nd ed.). University of California Press.

)(8) Krug, E. G., et al. (2002). World Report on Violence and Health. Geneva: World Health Organization.

)(9) Barling, J., & Frone, M. R. (2004). The Psychology of Workplace Violence. American Psychological Association.

)(10) UNODC. (2018). Handbook on Violence Against Women and Girls. Vienna: United Nations Office on Drugs and Crime.

)(11) Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018.

)(12) Ministère de l’Intérieur, Maroc. (2019). Guide pratique pour la protection des femmes victimes de violence. Rabat.

)(13) Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

)(14) UN Women (2020), op. cit., Global Database on Violence against Women.

)(15)Heise, L., Ellsberg, M., & Gottemoeller, M. (1999). Ending Violence Against Women: Population Reports, Series L, No. 11. Baltimore: Johns Hopkins University.

)(16)UN Women. (2020). Global Database on Violence Against Women. New York: United Nations.

)(17)UN Women. (2020). Global Database on Violence Against Women. New York: United Nations.

)(18)WHO. (2013). Responding to Intimate Partner Violence and Sexual Violence Against Women. Geneva: World Health Organization.

)(19)Ministère de la Justice, Maroc. (2018). Rapport sur la mise en œuvre de la loi 13-103. Rabat.

)(20)UNODC. (2018). Handbook on Effective Criminal Justice Responses to Violence Against Women. Vienna: United Nations Office on Drugs and Crime.

)(21)Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018, Art. 1-5.

)(22)Ministère de l’Intérieur, Maroc. (2019). Guide pratique pour la protection des femmes victimes de violence. Rabat

)(23)Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

)(24)Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

)(25)United Nations Office on Drugs and Crime (UNODC), Handbook on Effective Police Responses to Violence against Women, Vienna, 2010

(26) عبد الرحيم العطري، سوسيولوجيا العنف: مقاربة سوسيو-ثقافية، دار الأمان، الرباط، 2014

(27) وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية، التقرير الوطني حول العنف ضد النساء، الرباط، 2019.

 (28)Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018, Art. 4.

(29)UN Women. (2020). Guidelines for Police Response to Violence Against Women. New York: United Nations.

(30) Ministère de l’Intérieur, Maroc. (2019). Guide pratique pour la protection des femmes victimes de violence. Rabat.

(31) Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290

(32) Garcia-Moreno, C., et al. (2015). Global and Regional Estimates of Violence Against Women. World Health Organization.

(33)Ministère de la Justice, Maroc. (2018). Rapport sur la mise en œuvre de la loi 13-103. Rabat.

(34)Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

(35) Garcia-Moreno, C., et al. (2015). Global and Regional Estimates of Violence Against Women. World Health Organization.

(36)UN Women. (2020). Guidelines for Risk Assessment and Management in Cases of Violence Against Women. New York: United Nations.

(37) Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

(38) الأمم المتحدة، مكتب مكافحة المخدرات والجريمة (UNODC)، التنسيق الفعال بين الشرطة والنيابة العامة والخدمات الاجتماعية في قضايا العنف ضد النساء، 2018.

(39) . المغرب، القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، 2018، المواد 4-5.

(40) وزارة الداخلية، المغرب، دليل عملي لحماية النساء ضحايا العنف، الرباط، 2019، الفصل 6

(41) الخطوط التوجيهية للتدخل الشرطي والتحقيقي في حالات العنف ضد النساء، نيويورك، 2020

(42) القانون المغربي رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الجريدة الرسمية، 2018، المواد 4-7.

(43) Heise, L., Ellsberg, M., & Gottemoeller, M. Ending Violence Against Women. Population Reports, Series L, No. 11, 1999.

لقانون المغربي رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الجريدة الرسمية، 2018. (44)

وزارة الداخلية، المغرب. (2019). دليل تنسيق التدخلات لحماية النساء ضحايا العنف. الرباط (45)

UN Women، (2020). تعزيز التعاون الأمني والقضائي في قضايا العنف ضد النساء، نيويورك ، (46)

(47)Garcia-Moreno, C., Jansen, H., Ellsberg, M., Heise, L., & Watts, C. (2015). Global and Regional Estimates of Violence Against Women. Geneva: World Health Organization.

(48)Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

(49)Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

(50)UN Women. (2020). Preventing Violence Against Women: Awareness and Policy Recommendations.

أثرها وحدودها في الفكر الفلسفي والفقهي

يشكّل تاريخ الفكر في الغرب الإسلامي إحدى أكثر الحقول المعرفية تعقيدا وغنىً في التراث الفلسفي والفقهي الإسلامي، إذ تتقاطع فيه مسارات متعددة من التكوين الثقافي، مسار الفقه المالكي بوصفه النظام التشريعي الغالب، ومسار التصوف بما يحمله من أفق روحي وتأويلي، ومسار الفلسفة العقلية التي بلغت في الأندلس والمغرب ذروة من النضج النظري مع أعمال القاضي الفيلسوف ابن رشد. غير أن النظر المتأني في هذه اللحظة الفكرية يكشف أن حضور ابن رشد لم يكن مجرد حضور شخصي لفيلسوف كبير، بل كان بداية لتشكّل تيار فكري يمكن وصفه ـ على نحو من التحفظ المنهجي ـ بمدرسة رشدية في الغرب الإسلامي، مدرسة حاولت أن تعيد ترتيب العلاقة بين العقل والنص، وبين الحكمة والشريعة وبين النظر الفلسفي والاجتهاد الفقهي. ومع ذلك فإن هذا التيار لم يتطور في بيئة فكرية محايدة، بل نشأ في سياق حضاري معقد تحكمه اعتبارات دينية وسياسية ومذهبية، الأمر الذي جعل أثره يتخذ أشكالا متباينة بين الامتداد والانكماش، وبين التأثير العميق والاحتواء الفقهي.

لقد كان الغرب الإسلامي في القرون الوسطى، فضاءً فكريا تتجاور فيه تقاليد معرفية متعددة، وكان الفقه المالكي منذ القرن الثالث الهجري الإطار المرجعي الذي تنتظم داخله معظم أنماط التفكير الشرعي. وفي مثل هذا الاتجاه لم يكن للفلسفة أن تتخذ موقعها بسهولة، خصوصا بعد الجدل الذي أثارته كتابات أبي حامد الغزالي في نقد الفلاسفة، حين أعلن في كتابه الشهير تهافت الفلاسفة أن «مذهبهم في الإلهيات مشتمل على الكفر والبدعة». ومع ذلك فإن هذا النقد لم ينهِ حضور الفلسفة في المجال الإسلامي، بل دفعها إلى إعادة صياغة أدواتها ومفاهيمها، وهو ما سيجد تعبيره الأكثر نضجا في مشروع ابن رشد الذي نهض بمهمة الدفاع عن الفلسفة بوصفها شكلاً من أشكال النظر العقلي المشروع داخل الأفق الشرعي نفسه.

لقد أوجد ابن رشد في عمق مشروعه مصالحة معرفية بين الحكمة والشريعة، أو بتعبيره الشهير في كتاب فصل المقال: «إن الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة لها». وهي عبارة تكشف عن تصور إبستمولوجي عميق يرى أن الحقيقة واحدة وإن اختلفت طرق الوصول إليها. فالنص الديني يخاطب جمهور المؤمنين بلغة البيان والتمثيل، بينما يخاطب البرهان الفلسفي الخاصة من أهل النظر. إن التعارض الظاهري بين النص والعقل ليس إلا تعارضا في الفهم لا في الحقيقة ذاتها. هذه الفكرة ستصبح أحد الأسس النظرية لما يمكن تسميته بالمدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي، لأنها تفتح المجال أمام تأويل النصوص الدينية في ضوء البرهان العقلي دون أن يعني ذلك إبطالها أو تجاوزها.

غير أن مشروع ابن رشد لم يكن مجرد دفاع نظري عن الفلسفة، بل كان أيضا محاولة لإعادة بناء منهج التفكير الفقهي نفسه على أساس عقلاني أكثر صرامة. فالقاضي القرطبي لم يكن فيلسوفا منعزلا عن الحياة العلمية للمجتمع، بل كان فقيها مالكيا وقاضي قضاة، وهو ما أتاح له أن يختبر إمكانات العقل البرهاني داخل المجال التشريعي. وقد انعكس ذلك في كتابه الفقهي الكبير بداية المجتهد ونهاية المقتصد، حيث سعى إلى تحليل اختلاف الفقهاء لا بوصفه مجرد تعدد في الآراء، بل بوصفه نتيجة لاختلاف في الأصول الاستدلالية والمقدمات المنهجية. يقول في مقدمة الكتاب: «إن أكثر اختلاف العلماء إنما هو لاختلافهم في الطرق التي منها تُستنبط الأحكام». هذه العبارة تكشف عن وعي منهجي عميق بطبيعة الخلاف الفقهي، وهو وعي يكاد يوازي في دقته التحليل الفلسفي للمقدمات البرهانية.

لقد كان هذا المنهج التحليلي في دراسة الخلاف الفقهي خطوة متقدمة في تاريخ الفكر الأصولي، لأنه ينقل النقاش من مستوى عرض الأقوال إلى مستوى تحليل بنيتها المنطقية. إن أثر المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي لم يقتصر على المجال الفلسفي، بل امتد إلى مجال الفقه وأصوله، حيث أصبح التفكير في علل الأحكام ومقاصد الشريعة جزءا من النقاش العلمي. وليس من قبيل المصادفة أن يلاحظ بعض الباحثين المعاصرين أن روح التحليل المقاصدي عند فقهاء لاحقين قد وجدت في أعمال ابن رشد أحد منابعها المبكرة، حتى وإن لم يُصغِ الفيلسوف نفسه نظرية مكتملة في المقاصد.

إن النظر إلى المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي يقتضي إدراك أن هذه المدرسة لم تكن مؤسسة تعليمية بالمعنى الحرفي، بل كانت بالأحرى تيارا فكريا تشكّل حول جملة من المبادئ المنهجية. ومن أبرز هذه المبادئ الإيمان بقدرة العقل على إدراك النظام الكوني، والاعتقاد بأن البرهان المنطقي هو الطريق الأوثق إلى الحقيقة، والقول بإمكان التوفيق بين الحكمة والشريعة. وهذه المبادئ تعود في جزء كبير منها إلى التأثر العميق بالفلسفة اليونانية، وخصوصا فلسفة أرسطو، الذي كان ابن رشد يرى فيه «المعلم الأول» الذي بلغ الغاية القصوى في صناعة البرهان. وقد كتب في أحد تعليقاته الشهيرة: «إن هذا الرجل قد بلغ من الكمال في هذه الصناعة ما لم يبلغه أحد قبله ولا بعده».

غير أن استقبال الفكر الأرسطي في الغرب الإسلامي لم يكن عملية نقل بسيطة، بل كان إعادة بناء داخل سياق ثقافي جديد. فقد كان على الفيلسوف الأندلسي أن يبرهن على أن النظر العقلي لا يناقض الشريعة الإسلامية، وأن الفلسفة ليست علما دخيلا يهدد العقيدة، بل هي وسيلة لفهم نظام الخلق. ومن هنا جاء مشروعه الشهير في الرد على الغزالي بكتاب تهافت التهافت، حيث حاول أن يبيّن أن كثيرا من اعتراضات المتكلمين على الفلاسفة التي تقوم على سوء فهم للبرهان الفلسفي. حيث يقول في هذا السياق: «إن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له».

وقد أدرك عدد من المفكرين اللاحقين أهمية هذا المشروع في تاريخ الفكر الإنساني. فقد كتب إرنست رينان في دراسته الشهيرة عن ابن رشد أن هذا الفيلسوف «يمثل أسمى تعبير عن العقلانية في الحضارة الإسلامية». وعلى الرغم من أن هذا التوصيف لا يخلو من مبالغة، فإنه يعكس إدراكا واسعا للدور الذي لعبه الفكر الرشدي في الدفاع عن قيمة العقل داخل الثقافة الدينية.

لكن المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي لم تنشأ في فراغ، بل ظهرت في ظل تحولات سياسية وثقافية عميقة عرفتها الأندلس في القرن السادس الهجري. فقد كان العصر الموحدي الذي عاش فيه ابن رشد، عصرا يتسم بمحاولة الجمع بين السلطة السياسية والمشروع الفكري الإصلاحي. وقد أبدى بعض الخلفاء الموحدين اهتماما بالفلسفة والعلوم العقلية، الأمر الذي أتاح للفيلسوف الأندلسي مجالا واسعا للعمل والتأليف. ومع ذلك فإن هذا المناخ لم يكن مستقرا، إذ سرعان ما تبدلت الظروف السياسية وانقلبت موازين القوى الفكرية، فتعرضت الفلسفة لنوع من التضييق انتهى بنفي ابن رشد في أواخر حياته.

إن هذه الحادثة تكشف عن أحد الحدود التاريخية التي واجهتها المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي. فالفلسفة على الرغم من عمقها النظري لم تستطع أن تتحول إلى تيار اجتماعي واسع داخل الثقافة الإسلامية الغربية، بل بقيت محصورة في دائرة محدودة من العلماء. وقد لاحظ عبد الله العروي أن الفكر الفلسفي في المغرب والأندلس ظل غالبا «فكر نخبة»، لم يتحول إلى تقليد معرفي مستقر كما حدث في أوروبا اللاتينية.

إن أثر الرشدية لم يتوقف عند حدود الأندلس والمغرب، بل وجد طريقه إلى أوروبا عبر الترجمات اللاتينية التي انتشرت في الجامعات الوسيطة. وهناك تحولت شروح ابن رشد على أرسطو إلى مرجع أساسي للفلاسفة المدرسيين، حتى قال بعضهم إن أرسطو أصبح يُفهم في الغرب «من خلال ابن رشد». وقد بلغ تأثير هذا التيار حدّ ظهور ما عرف في التاريخ الفكري الأوروبي بـ«الرشدية اللاتينية»، وهي حركة فكرية تبنت كثيرا من أفكار فيلسوفنا الأندلسي حول العلاقة بين العقل والدين.

غير أن المفارقة التاريخية تكمن في أن الرشدية التي ازدهرت في أوروبا لم تجد الامتداد نفسه في موطنها الأصلي. فالثقافة الفقهية في الغرب الإسلامي كانت أكثر ميلاً إلى الاحتياط تجاه الفلسفة، خصوصا بعد أن ترسخت سلطة التقليد المذهبي. وقد عبّر بعض الفقهاء عن هذا الموقف بوضوح حين اعتبروا الاشتغال بالفلسفة بابا من أبواب الشبهات. إن هذا الموقف لم يكن مطلقا إذ ظل هناك علماء حاولوا الاستفادة من أدوات التحليل العقلي دون تبني المشروع الفلسفي بكامله.

إن دراسة المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي تكشف في مجملها عن جدلية معقدة بين العقل والنقل، بين الفلسفة والفقه، بين الانفتاح المعرفي والحذر العقدي. وهي جدلية لا يمكن فهمها إلا بوضعها في سياقها التاريخي والثقافي. فالفكر الإسلامي / العقل العربي كما قال محمد عابد الجابري ليس مجرد تراكم للنصوص، بل هو «نظام معرفي يتشكل داخل شروط تاريخية محددة». إن المدرسة الرشدية كانت محاولة لإعادة تشكيل هذا النظام على أساس عقلاني لكنها واجهت حدودا فرضتها البنية الثقافية السائدة.

إن الأثر العميق لهذا المشروع لا يمكن إنكاره لأنه أعاد طرح السؤال الفلسفي في قلب الثقافة الإسلامية: ما حدود العقل؟ وكيف يمكن التوفيق بين البرهان والوحي؟ وما موقع الفلسفة داخل المجتمع الديني؟ هذه الأسئلة التي أثارها ابن رشد ما تزال إلى اليوم جزءا من النقاش الفكري المعاصر، وهو ما يدل على أن المدرسة الرشدية لم تكن مجرد لحظة عابرة في تاريخ الفكر، بل كانت بداية أفق معرفي لم يستنفد إمكاناته بعد.

إذا كان حضور الفكر الرشدي في الغرب الإسلامي قد ارتبط أساسا بمحاولة إعادة الاعتبار للعقل البرهاني داخل الثقافة الدينية، فإن فهم حدود هذا الحضور يقتضي النظر في طبيعة البيئة الفكرية التي نشأ فيها هذا المشروع. ذلك أن الثقافة العلمية في المغرب والأندلس منذ القرون الأولى للإسلام، كانت محكومة بتوازن دقيق بين علوم النقل وعلوم العقل، غير أن الغلبة العملية كانت تميل غالبا إلى العلوم الشرعية، وفي مقدمتها الفقه المالكي الذي أصبح منذ القرن الثالث الهجري الإطار المعرفي الذي تنتظم داخله أنماط التفكير الديني والاجتماعي. وفي مثل هذا السياق لم يكن من السهل أن تتحول الفلسفة إلى تقليد معرفي مستقر، لأنه كان ينظر إليها غالبا بوصفها علما وافدا، يرتبط بأصول يونانية قد لا تنسجم دائما مع الحس العقدي العام للمجتمع.

غير أن ابن رشد لم يتعامل مع هذه الإشكالية من زاوية دفاعية محضة، بل حاول أن يعيد تعريف العلاقة بين الفلسفة والشريعة على نحو يجعل الفلسفة جزءا من النظام المعرفي الإسلامي نفسه. ففي كتابه فصل المقال يقرر أن النظر العقلي واجب شرعا على من توفرت فيه شروطه، لأن الشريعة نفسها تدعو إلى التأمل في الكون واستخدام العقل في فهم آيات الله. ويقول في عبارة أصبحت من أشهر العبارات في تاريخ الفكر الإسلامي: «إن الشرع دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل، وطلب معرفتها به». هذه العبارة تختزل جوهر المشروع الرشدي، إذ تجعل البرهان العقلي امتدادا للأمر الشرعي لا خروجا عليه.

وقد كان لهذا التصور أثر عميق في إعادة صياغة مفهوم التأويل داخل الفكر الإسلامي. فالتأويل عند ابن رشد ليس مجرد أداة لغوية لتفسير النصوص، بل هو عملية معرفية تقوم على التمييز بين مستويات الخطاب الديني. فهناك خطاب موجه إلى الجمهور يعتمد على التمثيل والبلاغة، وهناك خطاب خاص بأهل البرهان يعتمد على القياس العقلي الدقيق.

إن التعارض الظاهري بين النص والعقل ليس تعارضا حقيقيا، بل هو نتيجة لاختلاف طرق الفهم. وقد عبّر عن هذا المعنى بقوله: «إذا أدى البرهان إلى معنى يخالف ظاهر الشرع، وجب تأويل الظاهر بما يوافق البرهان». وهي فكرة تكشف عن جرأة فلسفية واضحة، لأنها تمنح العقل البرهاني سلطة تأويلية داخل المجال الديني.

غير أن هذا التصور لم يكن موضع قبول واسع داخل الثقافة الفقهية في الغرب الإسلامي. فقد كان كثير من العلماء يرون أن فتح باب التأويل العقلي على هذا النحو قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار العقدي للمجتمع. وهنا ظهرت اتجاهات فكرية تميل إلى الاحتياط في التعامل مع الفلسفة، معتبرة أن الاشتغال بها قد يوقع في الشبهات. وقد عبّر بعض الفقهاء عن هذا الموقف بعبارات حادة، معتبرين أن علوم الفلسفة «علوم لا ثمرة لها في الدين». ومع ذلك فإن هذا الرفض لم يكن مطلقا، إذ ظل هناك عدد من العلماء الذين حاولوا الإفادة من أدوات التحليل العقلي دون الانخراط الكامل في المشروع الفلسفي.

ومن المثير للاهتمام أن أثر المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي ظهر بوضوح أكبر في مجال المنهج الفقهي أكثر مما ظهر في مجال الفلسفة النظرية. فقد كان كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد مثالا فريدا على محاولة تطبيق المنهج التحليلي في دراسة الخلاف الفقهي. فبدل أن يكتفي بعرض أقوال المذاهب، سعى ابن رشد إلى تحليل الأسباب التي أدت إلى اختلاف الفقهاء، مبينا أن هذا الاختلاف يعود غالبا إلى تباين في فهم النصوص أو في القواعد الأصولية التي يعتمدها كل مذهب. وقد كتب في مقدمة كتابه: «إن المقصود في هذا الكتاب أن نذكر المسائل المتفق عليها والمختلف فيها، ونبيّن أسباب الاختلاف». هذا التوجه التحليلي جعل الكتاب أقرب إلى دراسة إبستمولوجية للفقه منه إلى مجرد مصنف في الفروع.

وقد لاحظ عدد من الدارسين والمهتمين بتراثه أن هذا المنهج يفتح أفقا جديدا في مسارات التفكير الفقهي، لأنه يربط الأحكام الشرعية بالبنية العقلية التي أنتجتها. فالفقيه هنا لا يكتفي بنقل الأقوال، بل يحاول فهم منطقها الداخلي. وهذا ما جعل بعض المفكرين المعاصرين يرون في ابن رشد أحد الرواد المبكرين لما يمكن تسميته بالعقلانية الفقهية. وقد أشار محمد عابد الجابري إلى أن الفكر الرشدي يمثل «اللحظة التي بلغ فيها العقل البرهاني في الثقافة العربية الإسلامية أعلى درجات نضجه».

غير أن هذه اللحظة لم تستمر طويلا في الغرب الإسلامي، لأن التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها المنطقة في القرون اللاحقة أدت إلى تغير في أولويات الثقافة العلمية. فقد أصبحت الحاجة إلى الحفاظ على وحدة المجتمع الديني أكثر إلحاحا من الانفتاح على النقاشات الفلسفية المعقدة. ومن هنا أخذت العلوم الشرعية تتجه نحو مزيد من التخصص والتقنين، بينما تراجعت الفلسفة إلى هامش الحياة العلمية.

إن الأفكار الرشدية لم تختفِ تماما من المجال الفكري الإسلامي، بل استمرت في الظهور بطرق غير مباشرة. فقد أثرت في بعض الاتجاهات الأصولية التي اهتمت بتحليل علل الأحكام ومقاصد الشريعة، كما تركت أثرا في بعض المناقشات الكلامية حول طبيعة العقل ودوره في فهم النصوص. إن الرشدية تحولت في هذا المنحى من مدرسة فلسفية واضحة المعالم إلى روح منهجية تسكن بعض أنماط التفكير العلمي.

أما في أوروبا فقد كان مسار الرشدية مختلفا تماما. فحين وصلت شروح ابن رشد على كتب أرسطو إلى الجامعات الأوروبية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، وجدت هناك بيئة فكرية مستعدة لاستقبالها. وقد أصبح اسم ابن رشد في تلك الجامعات مرادفا لشرح أرسطو، حتى إن بعض الأساتذة كانوا يشيرون إليه ببساطة باسم «المفسر». وقد كتب توما الأكويني أن ابن رشد هو «أعظم شارحي أرسطو». وعلى الرغم من أن الأكويني خالفه في عدد من القضايا الميتافيزيقية، فإن هذا التقدير يكشف عن المكانة التي احتلها الفكر الرشدي في الفلسفة المدرسية.

وقد أدى انتشار الشروح الرشدية إلى ظهور تيار فكري عرف في التاريخ الأوروبي باسم «الرشدية اللاتينية». وكان هذا التيار يميل إلى تبني بعض الأفكار الجريئة في فلسفة ابن رشد، مثل القول باستقلال العقل الفلسفي عن السلطة اللاهوتية. وقد أثار هذا الاتجاه جدلا واسعا داخل الجامعات الأوروبية، حتى إن بعض الكنائس اعتبرته تهديدا للعقيدة المسيحية. ومع ذلك فإن هذا الجدل نفسه كان علامة على الحيوية الفكرية التي أثارتها الرشدية في الغرب.

إن هذه المفارقة التاريخية – ازدهار الرشدية في أوروبا مقابل انحسارها في الغرب الإسلامي – دفعت عددا من المؤرخين إلى طرح أسئلة عميقة حول طبيعة التطور الفكري في الحضارات المختلفة. وقد حاول إرنست رينان تفسير هذه الظاهرة بالقول إن العقلانية الرشدية لم تجد في العالم الإسلامي الظروف الاجتماعية التي تسمح لها بالازدهار. غير أن هذا التفسير على الرغم من انتشاره يبقى تبسيطا مفرطا للتاريخ، لأن الفكر الإسلامي لم يكن خاليا من النزعات العقلانية، بل كان يعرف أشكالا متعددة من التفاعل بين العقل والنقل.

إن النظر الدقيق في حدود المدرسة الرشدية ينبغي أن يتجنب الأحكام التعميمية، وأن يركز بدل ذلك على فهم البنية الثقافية التي حددت مسار هذا التيار. فالفكر في الغرب الإسلامي كان يتشكل داخل شبكة معقدة من المؤسسات العلمية والدينية، وكان للفقهاء دور أساسي في توجيه الحياة الفكرية. وقد أدى هذا الدور إلى نوع من التوازن بين الانفتاح المعرفي والحفاظ على الاستقرار الديني. وفي مثل هذا التوازن كان من الطبيعي أن تبقى الفلسفة نشاطا نخبويا محدود الانتشار.

إن القيمة التاريخية للفكر الرشدي لا تكمن في حجم تأثيره الاجتماعي بقدر ما تكمن في نوعية الأسئلة التي طرحها. فقد كان ابن رشد أحد أوائل المفكرين في الحضارة الإسلامية الذين حاولوا بناء نظرية متكاملة في العلاقة بين العقل والوحي. وقد أدرك أن هذه العلاقة ليست مجرد مسألة لاهوتية، بل هي مسألة معرفية تتعلق بطبيعة الحقيقة نفسها. ولهذا كتب في إحدى عباراته العميقة: «إن الموجودات إنما تدل على الصانع من جهة ما فيها من الصنعة». وهذه العبارة تكشف عن رؤية فلسفية ترى في الكون نظاما عقلانيا يمكن للعقل البشري أن يفهمه.

وقد وجد هذا التصور صدى لدى عدد من المفكرين المعاصرين الذين رأوا في الرشدية إمكانا لإحياء العقل النقدي في الثقافة الإسلامية. ففي كتاباته حول العقل والحداثة يشير عبد الله العروي إلى فكرة قريبة جدا من هذا المعنى، حيث اعتبر أن ابن رشد يمثل «أفقا لم يكتمل في تاريخ الفكر العربي». وهذه العبارة تعكس فكرة أن المشروع الرشدي لم يستنفد إمكاناته بعد، وأن إعادة قراءته قد تفتح آفاقا جديدة للتفكير الفلسفي المعاصر.

إن المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي إذا نظرنا إليها من منظور تاريخ الفكر، تمثل لحظة فريدة التقت فيها الفلسفة بالفقه في محاولة لبناء عقلانية إسلامية متماسكة. فقد كان ابن رشد فيلسوفا وقاضيا في آن واحد، وهو ما جعله قادرا على رؤية العلاقة بين النظر العقلي والتشريع الديني من داخل التجربة العلمية نفسها. ومن هنا جاءت كتاباته مزيجا فريدا من التحليل الفلسفي والدقة الفقهية.

غير أن هذه المحاولة واجهت حدودا تاريخية وثقافية حالت دون تحولها إلى تيار واسع داخل المجتمع. فقد بقيت الفلسفة في الغرب الإسلامي وفق نشاط اتسم او اتخذ طابع المحدودية، بينما استمرت العلوم الشرعية في احتلال الموقع المركزي في الحياة العلمية. ومع ذلك فإن الأفكار التي طرحها ابن رشد ظلت حاضرة في الذاكرة الفكرية للحضارة الإسلامية حتى وإن تغيرت أشكال حضورها عبر العصور.

إن تجربة ابن رشد تكشف عن واحدة من أهم الإشكالات في تاريخ الفكر الإسلامي، إشكالية العلاقة بين العقل والنص. فقد حاول فيلسوفنا الأندلسي أن يبرهن على أن هذه العلاقة ليست علاقة صراع بل علاقة تكامل، وأن الحقيقة لا يمكن أن تكون مزدوجة، لأن مصدرها واحد. وقد لخص هذا الموقف بقوله الشهير: «إن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له».

لقد كانت هذه الفكرة في جوهرها، دعوة إلى بناء ثقافة عقلانية لا ترى في الفلسفة تهديدا للدين، بل وسيلة لفهمه على نحو أعمق. ورغم أن الظروف التاريخية لم تسمح بتحقق هذا المشروع على نطاق واسع في الغرب الإسلامي، فإن قيمته الفكرية ظلت قائمة، لأنه فتح أفقا جديدا للتفكير في العلاقة بين الحكمة والشريعة.

إن دراسة المدرسة الرشدية ليست مجرد بحث في تاريخ الفلسفة، بل هي أيضا محاولة لفهم الإمكانات الكامنة في التراث الفكري الإسلامي. فالرشدية بما تحمله من إيمان بقدرة العقل على فهم العالم، تذكّرنا بأن الحضارة الإسلامية كانت في لحظات معينة من تاريخها قادرة على إنتاج أشكال متقدمة من التفكير النقدي. وربما كان استحضار هذه اللحظات اليوم خطوة ضرورية لإعادة فتح الحوار بين العقل والإيمان، بين الفلسفة والفقه وبين الماضي والحاضر في أفق ثقافي أكثر اتساعا وعمقا.

***

د. حمزة مولخنيف

 

تعد "الحرية، بمظاهرها المختلفة، وخاصة حرية العقيدة والتعبير أحد القدرات والإمكانيات الجوهرية التي يمكن للشعوب من خلالها أن تؤكد قيمها بقوة.

فالديمقراطية والجمهورية والدستور وسيادة القانون وجميع السلطات في الدولة هي في المقام الأول أدوات في خدمة الحرية، حرية الشعب، وليست أدوات للطغيان والقهر والعدوان.

ولذلك قيل ان "مصلحة الشعب فوق الدستور والقانون".

ونظراً للمضمون الجوهري للحرية وإرتباطها ارتباطاً وثيقاً بحياة الانسان الفكرية والوجدانية

فقد تناولها الفلاسفة ورجال الأدب والقانون وعبروا عنها من وجهة نظر هذه العلوم الإنسانية، وكما يأتي:

اولاً- الحرية من وجهة نظر الفلاسفة:

يُنظر الفلاسفة ال الحرية ابتداءاً، كشرط إنساني أساسي، وقد تطورت بفضل الوعي المتنامي من حرية طبيعية (غريزية) إلى حرية مدنية منطقية منظمة بالقوانين.

ومن جانب آخر تُعتبر الحرية مفردة أخلاقية (علم الأخلاق)تتيح للفرد الوعي بأفعاله ومسؤوليته عنها، فهي تشكل تلازم وثيق بين الإرادة الحرّة والالتزام بالقيم ومقتضيات الضمير الانساني، حيث تعنيفي هذا المقام القدرة على فعل ما يجب فعله لا ما يُشتهى.

1- سقراط والحرية الأخلاقية:

عرَّف سقراط (469-399 ق. م.) الحرية بأنها "قدرة الإنسان على فعل الأفضل"، ويعني به الخير، والخير يعني الأخلاق المرتبطة بالمعرفة، التي هي المدخل الرئيس لفهم كل شيء،

حيث ربط الحرية ارتباطاً وثيقاً بالمعرفة، والفضيلة، وضبط النفس، معتبراً إياها حالة داخلية للتحرر من الجهل والشهوات وليس مجرد انفلات من القيود.

فالحرية الحقيقية عنده هي قدرة العقل على توجيه الذات أخلاقياً، وممارسة الفضيلة، و"معرفة الذات"، مما يجعله سيداً على نفسه حتى في أحلك الظروف.

فالجهل كما يرى سقراط هو الذي يقود إلى الرذيلة، والرذيلة بدورها تجعل الإنسان عبداً لأهوائه.

ومارَس سقراط حرية الرأي والتعبير من خلال منهجه الحواري (الجدل السقراطي)، داعياً إلى التحرر من التبعية العمياء والبحث عن الحقيقة عبر "معرفة الذات".

وعلى هذا النحو فإن الحرية السقراطية ليست فوضى أو انفلاتاً، بل استقلال واختيار واعٍ تحت قيود أخلاقية وعقلية.

وقد جسّد سقراط مفهومه للحرية برفضه الهروب من السجن وقبوله الموت، مؤكداً أن الرجل الصالح لا يُصاب بسوء، وأن حرية الفكر لا يمكن تكبيلها بالسلاسل.

تأثرت الفلسفات اللاحقة، وخاصة الرواقية، بنظرة سقراط إلى الحرية كحالة عقلية وأخلاقية يمكن لأي إنسان تحقيقها.

2- افلاطون والحرية العقلية

يرى أفلاطون (427 ق.م - 347 ق.م) أن الحرية الحقيقية ليست في إطلاق العنان للرغبات، بل في ضبط النفس العقلاني، حيث يعتبر الإنسان حراً عندما يحكم العقل تصرفاته ويسيطر على أهوائه.

وفي مشروعه السياسي، تربط "الجمهورية" الحرية الفردية بتحقيق العدالة والانسجام الجماعي، معتبراً أن الحرية المطلقة قد تؤدي إلى الفوضى والإستبداد.

فالحرية الأفلاطونية هي حرية واعية ومنظمة تخضع للعقل والعدالة، لا حرية الفوضى.

يقول أفلاطون: "المَلِك الحق ليس الذي يملك العبيد بل الذي يدير شؤون الأحرار"

وفي مفارقة الديمقراطية، يشير إلى احتمال أن تصوّت أغلبية ديمقراطية لصالح حاكم مستبد، ما يؤدي إلى إنهاء الديمقراطية. أما في "مفارقة الحرية"، فيشير إلى أن الحرية المطلقة ستجعل المستبد حراً في استعباد الضعفاء، ما يحدّ من الحرية.

3- ارسطو وحرية الأختيار

يعرّف المعلم الأول أرسطو (384-322 ق.م) الحرية بأنها قدرة الإنسان على اختيار أفعاله وتوجيهها بناءً على العقل والإرادة الواعية، لا الهوى.

ويربط أرسطو الحرية بالمسؤولية الأخلاقية والفضيلة، حيث يعتبر أن الحرية هي اختيار "الغاية" الصحيحة التي يدركها العقل، وليست مجرد إرادة مطلقة، وهي شرط ضروري لتحقيق السعادة الإنسانية.

وبالنسبة لأرسطو، الحرية هي "قوة المشاركة في حكم أنفسنا"، وتتحقق بشكل أفضل في إطار دولة منظمة تضع قوانين عادلة.

4- الرواقيين والحرية الداخلية:

الحرية عند الرواقيين (القرن الثالث قبل الميلاد). هي "تحرر داخلي" وليس سيطرة خارجية، حيث تعني القدرة على التحكم في الأفكار والأحكام وردود الفعل تجاه الأحداث، والعيش وفقًا للطبيعة والعقل. يعتبر الرواقيون أن الحرية الحقيقية تكمن في الاستقلال عن الانفعالات والقبول بالقدر، وأن الحكيم وحده هو الحر، مهما كانت ظروفه الجسدية أو الاجتماعية.

الرواقيون يؤمنون بأن كل شيء مقدر، ولكن الحرية تكمن في قبول هذا القدر عن طواعية وتفهم، وليس عن إجبار.

باختصار، الحرية الرواقية هي "تحرر" الشخص من عبودية الانفعالات والخوف، وليس القدرة على فعل أي شيء، مما يمنح الفرد استقراراً داخلياً لا يزعزعه الاضطراب الخارجي.

ثانياً: الحرية عند جماعة العقد الاجتماعي

نتناول بإختصار أبرز مفاهيم الحرية عند فلاسفة العقد الاجتماعي (عصر التنوير في القرن الثامن عشر)

يرى جان جاك روسو إن الحرية هي انتقال من "الحرية الطبيعية" جان جاك روسو المطلقة إلى "الحرية المدنية" المنظمة، حيث يتنازل الأفراد عن حقوقهم الفردية لصالح الإرادة العامة. هي طاعة للقوانين التي يضعها المجتمع لنفسه لضمان المصلحة العامة، مما يحول الرعايا إلى مواطنين أحرار متساوين، وليس خضوعاً لحاكم مستبد.

الحرية عند روسو تعني أن يطيع المواطن نفسه من خلال التزامه بالقانون الذي شارك في وضعه.

بينما يركز جون لوك، على أن الحرية المدنية تتطلب حماية الحقوق الطبيعية، مثل الملكية، وأن السلطة يجب أن تكون مسؤولة أمام الشعب.

ورغم توجه توماس هوبز نحو السلطة المطلقة، إلا أن العقد يهدف نظرياً إلى التنازل عن الحرية الفوضوية في "حالة الطبيعة" مقابل الأمان الذي توفره الدولة.

ثالثاً- مفكرين محدثين نختار منهم

(مونتسكيو) و(كارل ماركس):

1- مونتسكيو وروح القوانين

الحرية عند مونتسكيو (1689-1755) هي"القدرة على فعل كل ما تبيحه القوانين"، وليست الفوضى أو فعل ما يشاء الفرد.

تتأسس الحرية في كتابه (روح القوانين) على الفصل بين السلطات (التشريعية، التنفيذية، القضائية) لمنع الاستبداد، حيث "توقف السلطةُ السلطةَ" لضمان أمن وحقوق المواطنين في ظل حكومات معتدلة.

مفهوم مونتسكيو للحرية:

الحرية هي حق المواطن في القيام بكل ما تسمح به القوانين، فإذا فعل مواطن ما يمنعه القانون، فلا حرية له لأن الجميع سيتمتعون بالحق نفسه، مما يؤدي إلى الفوضى.

ويرى مونتسكيو أن الحرية السياسية لا توجد إلا في الحكومات المعتدلة، وتتحقق عند فصل السلطات الثلاث (التشريعية والقيام بالأمن والتنفيذية والقضائية) على هيئات مختلفة، لمنع الاستبداد فإذا اجتمعت السلطة التشريعية مع التنفيذية في يد شخص أو هيئة واحدة، انعدمت الحرية.

والحرية لا تتحقق إلا في ظل أمن الأفراد داخل الدولة، وذلك عبر قوانين جنائية عادلة.

ويرى ان الاستبداد أخطر أنواع الحكم بالنسبة لمونتسكيو، لأنه يدمج السلطات ويلغي الحرية، ويجب أن يكون النظام قائماً على المراقبة المتبادلة بين السلطات لمنع التعسف.

فالحرية عند مونتسكيو ليست حقاً طبيعياً مطلقاً، بل هي نتاج سياسي وقانوني يضمنه نظام دستوري متوازن يقيد الحكام ويحمي المحكومين.

2- كارل ماركس من "مملكة الضرورة" إلى "مملكةالحرية"

الحرية عند كارل ماركس ليست مفهوماً مجرداً أو حقوقاً سياسية ليبرالية، بل هي "تحرر" فعلي وعملي للإنسان من الاستلاب (الاغتراب) المادي والطبقي.

ترتبط الحرية عنده بتجاوز الضرورة والحاجة عبر السيطرة العقلانية على الإنتاج، وتتحقق في مجتمع شيوعي يتيح للأفراد تنمية طاقاتهم الخلاقة، حيث تبدأ مملكة الحرية الحقيقية خارج نطاق العمل المادي المفروض.

ويرى ماركس أن الحرية لا تنفصل عن الإنتاج. "مملكة الضرورة" هي العمل لإشباع الحاجات الطبيعية، بينما "مملكة الحرية" تبدأ حيث ينتهي العمل القسري، لتزدهر القوى الإنسانية كغاية في ذاتها.

تجاوز الاغتراب: الحرية هي تحرير الإنسان من استلاب عمله ومن سيطرة القوى الاقتصادية "العمياء" التي تحكم حياته (خاصة في الرأسمالية).

والحرية عنده ليست فكرة، بل نتاج تطور مادي وتاريخي، وتتحقق بتغيير علاقات الإنتاج والقضاء على الملكية الخاصة.

ويهدف ماركس إلى تحرر الفرد وتطوره الشامل، ولكن لا يمكن تحقيق هذه الحرية الفردية إلا من خلال "التجمع" (المجتمع الجماعي).

باختصار، الحرية عند ماركس هي السيطرة الواعية على الظروف المادية والاجتماعية لتمكين الإنسان من تحقيق ذاته بشكل حر ومبدع.

رابعاً - الحرية في الآدب:

الحرية في النتاجات الادبية مثلت انعطافة تاريخية في حياة الشعوب وغيرت وجه التاريخ كما فعلت الثورات الكبرى:

1- كازانتزاكيس والحرية

نجح الكاتب اليونانى " نيگولاس كازانتزاكيس" أن يصنع من شخصياته الروائية نماذج حية منها على سبيل المثال شخصية "زوربا اليونانى" وشخصية "الكابتن ميخايليس" فى روايته الملحمية " الحرية أو الموت"،

ويُمثّل مفهوم الحرية عند نيكوس كازنتزاكيس في رواياته وكتاباته صراعاً وجودياً ونضالاً مستمراً للتحرر من القيود المادية والمعنوية (الخوف، العادات، العقل)، حيث يعتبرها موقفاً روحياً يتجاوز مجرد الاستقلال السياسي إلى تحقيق "الكرامة الإنسانية" والعيش بصدق، حتى لو تطلب ذلك التضحية بالنفس. الحرية عنده مرادفة للحياة، و"إما أن تكون حراً أو لا تكون".

فالحرية عند هي مسؤولية وشجاعة حيث يرفض كازانتزاكيس الاستسلام للظلم، معتبراً العيش تحت نيره موتاً بطيئاً"، وأن النضال من أجل الكرامة، حتى لو قاد للموت، هو التجسيد الحقيقي للحرية.

هي تحرير الروح من قيود "العبودية" (الخوف من الموت، الرغبات)، وهو ما صوره في تجربة بلال بن رباح في رواياته، حيث الحرية تبدأ من ملكية الإنسان لروحه وضرورة للتخلص من العقل التقييدي والقلب المرتعب، ليحقق الإنسان جوهره وحريته الحقيقية والعبودية هي النقيض المطلق للحياة.

يقول كازانتزتكيس لا تنتظر الحرية من أحد؛ هي صراع شخصي مستمر ("الحبل الذي في عنقك أطول قليلاً من حبال الآخرين")، مما يعني أن الحرية النسبية تتطلب العمل الشخصي لتوسيع حبال الحرية، والرفض الدائم للقيود المفروضة، مما يجعلها رحلة داخلية ونضالاً خارجياً لا ينتهي.

2- الحرية عند گابرييل غارسيا ماركيز

الحرية عند ماركيز هي قيمة إنسانية وسياسية عليا، غالباً ما تكون أول ضحايا الحروب والصراعات، ويُنظر إليها كضرورة لتحقيق العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، متحررة من الاستعمار والهيمنة الخارجية.

ركز ماركيز على الحرية الفردية، خاصة في أعماله الأخيرة، لاستكشاف الرغبة والبحث عن الذات بعيداً عن القيود المجتمعية.

ودافع عن حق أمريكا اللاتينية في تقرير مصيرها بعيداً عن التدخلات الإمبريالية، مؤمناً بأن أفكار الكاتب وثقافته تعبر الحدود وتنتصر حتى بدون تأشيرة دخول.

استكشف ماركيز في أعماله (مثل "نلتقي في أغسطس") بحث المرأة عن حريتها الشخصية ورغباتها، مما يعكس تحرراً من القوالب الاجتماعية الجاهزة.

تتجلى الحرية في كتاباته من خلال الشخصيات التي تواجه العزلة والبحث عن المعنى، حيث تُفهم الحرية على أنها القدرة على الاختيار وتحمل عواقب الحب والعيش.

في رواياته، غالباً ما يكون الحب، خاصة في "الحب في زمن الكوليرا"، تجسيداً للحرية الشخصية والتمرد على قيود المجتمع.

كيساري ملتزم، ناصر ماركيز حركات التحرر، مؤمناً بضرورة تحرر الشعوب من الظلم والبطش.

3- ا الحرية في شعر أحمد مطر:

الحرية عند احمد مطر هي محور أساسي وقيمة مطلقة، يصورها كنبتة تنمو بدماء الأحرار ولا تستجدى من الهيئات، منتقداً بشدة غيابها تحت حكم الطغاة، ومسلطاً الضوء على معاناة الشعوب من القمع وتكميم الأفواه، بأسلوب ساخر ورمزي ومباشر، معتبراً الحرية الحقيقية تعني الكرامة والوطن.

كرس مطر شعره (وخاصة "اللافتات") لفضح دكتاتورية الحكام العرب، ووصف معاناة الناس تحت استبدادهم.

وتميز بأسلوب أدبي ساخر ولاذع لنقد الحكام، ويسخر من صمت الشعوب وقبولهم بالواقع. فهو يدافع عن حقوق الإنسان الفطرية، وحرية التعبير، منتقداً السجن، والتعذيب، والقيود على الفكر.

الوطن والحرية: يرتبط مفهوم الحرية عنده بوجود وطن آمن وكرامة للإنسان، ويصور الوطن في شعره بمتناقضات بين الأمل واليأس أمثلة من قصائده في قصيدته "دمعة على جثمان الحرية شاعرنا يصور مأساة غياب الحرية ووصفها بالمعارضة والإرهاب من قبل الحكامفي "قصتي مع الحرية"، يبحث عن الحرية في أروقة السلطة والاعلام، ليجدها مفقودة في "أذان مخفية" و"ساحات الموت".

لقد جعل أحمد مطر من شعره وسيلة لترسيخ الوعي بضرورة الحرية، معتبراً أن الكلمة الحرة هي سلاح في وجه الطغيان.

خامساً- الثورات الكبرى والحرية الدستورية:

اول إشارة رسمية واضحة لعلوية الحرية وردت في اعلان حقوق الانسان والمواطن (الفرنسي) الصادر في 26 أغسطس/آب 1789، في المادة 11، على أن

" حرية التعبير عن الأفكار والآراء من أثمن حقوق الإنسان؛ فلكل مواطن الحق في الكلام والكتابة والنشر بحرية، مع تحمله المسؤولية عن إساءة استخدام هذه الحرية في الحالات التي يحددها القانون"

ومعيار الحرية عند توماس جيفرسون، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، بأن "الحرية تكون عندما تخشى الحكومة الشعب، والطغيان عندما يخشى الشعب الحكومة".

ماهي وسائل الحرية:

لكي نكون ازاء حرية حقيقية وليست حبراً على ورق، يجب ان تتوفر الشروط التالية:

1- احترام السلطات للدستور: فالدستور يتضمن المبادئ العامة للحريات العامة

يعد احترام السلطات للدستور ركيزة أساسية في الأنظمة الديمقراطية، حيث يُعتبر الدستور الوثيقة القانونية العليا والاسمى. يلتزم الحكام والمحكومون بقواعده، مما يضمن شرعية تصرفات السلطات، ويجعل القوانين والقرارات الصادرة متوافقة مع الحقوق والحريات، مع وجود رقابة قضائية (مثل المحكمة الاتحادية) لضمان عدم خرق هذه القواعد الآمرة.

2- سمو الدستور: يقع الدستور في قمة الهرم القانوني، وأي تشريع يخالفه يُعد باطلاً.

فصل السلطات: يقضي بوجود توازن وتعاون بين السلطات الثلاث، حيث لا تتغول سلطة على أخرى.

3- الالتزام بالمشروعية: تلتزم السلطة التنفيذية بقواعد الدستور في أعمالها، وتتقيد السلطة التشريعية بعدم مخالفة الدستور في تشريعاتها.

4- حماية الحقوق والحريات العامة: يعد الدستور ميثاقاً لحماية الحقوق الأساسية، وأي مساس بها هو مساس بالنظام الدستوري.

5- سيادة القانون: يجب ان يطبق القانون على الجميع بمساواة وعدالة في ظل قوانين عادلة تحمي الفرد والمجتمع وتمنع الاستبداد.

سيادة القانون هي المبدأ الذي يخضع فيه الجميع، أفراداً ومؤسسات وحكومات، لقوانين عادلة ومطبقة بالتساوي، مما يضمن العدالة والمساءلة وحماية حقوق الإنسان. تُعد ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، والنمو الاقتصادي، والحكم الرشيد، حيث تمنع الاستبداد والفساد، وتوفر بيئة آمنة لتعايش الأفراد.

6- التعليم والوعي: نشر الوعي بالحقوق والواجبات، حتى يتمكن كل ذي حق من ممارسة حقوقه.

الوعي العام هو الركيزة الأساسية والشرط الضروري لممارسة الحرية العامة وحمايتها، فلا حرية حقيقية بدون وعي.

حيث يشكل الوعي القانوني والسياسي للمواطنين جدار الحماية الأول للحقوق، ويحول دون استبداد السلطة، مما يجعل التظاهر والاحتجاج السلمي أدوات فاعلة لتكريس الحريات في ظل مجتمع واعٍ. ولا تستعاد الحرية ولا تصان الكرامة إلا بتحرر عقل الإنسان، حيث تبدأ المأساة عند سلب الوعي واستبداله بالخوف.

فالوعي القانوني يُمكّن الأفراد من ممارسة حقوقهم (حرية التعبير، التجمع) ومعرفة حدودها بما لا يمس بحقوق الآخرين.

ويلاخط أن الرأي العام الناضج الذي ينتج عن النقاش والمعرفة، يُمارس ضغطاً إيجابياً أو سلبياً لتشكيل السياسات العامة وضمان عدم انتهاك الحريات.

نتيجة

كلما ارتفع مستوى الوعي العام، زادت قدرة المجتمع على انتزاع وحماية حرياته، والعكس صحيح، إذ يؤدي غياب الوعي إلى الخضوع وسلب الحقوق.

7- المشاركة السياسية: حق التعبير، الانتخاب، والاختيار في الحياة العامة.

تعمل الحريات السياسية والاجتماعية كآليات لتعزيز التنمية من خلال الحريات السياسية: تتيح الديمقراطية والشفافية للمواطنين المشاركة في صنع القرار، مما يضمن حكومة مسؤولة وتقلل من الكوارث والمجاعات.

ويبدو دور الديمقراطية في التنمية ظهر في دول كالهند وكوريا والبرازيل وتركيا التي نجحت في الانتقال نظام ديكتاتوري متفرد في اتخاذ القرار إلى نموذج تنموي يصنف من بين 20 أقوى اقتصاد عالمي، ويحقق نسبة نمو الأعلى في أوروبا بما يفوق 9%.

8- الاستقلال الاقتصادي: توفير فرص العمل والتملك لتقليل الاعتمادية، فالفقر عائق امام ممارسة الحرية، يؤثر الفقر بشكل جذري على الحرية عبر تقييد خيارات الأفراد، حيث يحول تركيزهم من تحقيق الذات إلى مجرد البقاء على قيد الحياة. الفقر ليس نقصاً في المال فحسب، بل هو حرمان من القدرات الأساسية (كالتعليم والصحة والسكن اللائق) والاستفادك من الفرص المتاحة ، مما يؤدي إلى استبعاد اجتماعي، وتبعية، وعجز عن اتخاذ القرارات الشخصية، ويجعل الأفراد أكثر عرضة للاستغلال والعمل القسري نتيجة لليأس الاقتصادي..

الفقر يضع الإنسان في مواقف ضعف ويجبره على اتخاذ قرارات تحت الضغط، مما يقلل من استقلاليته وقدرته على اتخاذ قرارات مستقلة.

حيث يُعتبر الفقر جوهر انعدام الحرية الاقتصادية، حيث يمنع الأفراد من تملك الموارد وتطوير مهاراتهم، ويُكرّس دورة من الحرمان.

الحرية الاقتصادية (الأسواق الحرة) تتيح للأفراد العمل والاستثمار، مما يعزز الابتكار ويزيد الدخل.

9- التنمية البشرية: تُعد الحرية والتنمية البشرية وجهين لعملة واحدة، حيث تمثل الحرية الغاية النهائية والوسيلة الأساسية لتحقيق التنمية، وفقاً لرؤية أمارتيا سين (التنمية كحرية) فالتنمية البشرية هي عملية توسيع خيارات الأفراد وقدراتهم، مما يتطلب بيئة حرة تضمن الحقوق السياسية، والفرص الاقتصادية، والضمانات الاجتماعية، والشفافية. غياب الحرية يكبّح النمو، بينما يعزز توفرها الابتكار والعدالة الاجتماعية.

الهدف النهائي للتنمية ليس فقط زيادة الدخل القومي، بل توسيع نطاق الخيارات والقدرات البشرية الحقيقية (القدرة على العيش طويلاً، التعليم، المشاركة).

وتساهم حرية الفكر والتعبير في اقتصاد المعرفة، وزيادة الإبداع والابتكار مما يعزز الرأسمال المعرفي.

سادساً- مضمون الحقوق والحريات الفردية في المواثيق الدولية والدساتير الوطنية، وتضم ما يلي:

اولاً- الحريات الشخصية: وهي اساس لكل الحريات وتضم :

1- حق الأمن: هو حق أساسي من حقوق الإنسان، يضمن للأفراد العيش دون خوف من التهديد أو الاعتقال التعسفي، وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحق في الحياة والحرية. يعد الأمن أساساً لاستقرار المجتمعات، وازدهارها، وحماية كرامة الإنسان، ويشمل الحماية الجسدية والنفسية، وتوفير بيئة قانونية مستقرة.

2- حرمة المسكن: حرمة المسكن هي حق دستوري وقانوني أصيل يضمن أمان وخصوصية الأفراد داخل منازلهم، ويحظر دخولها أو تفتيشها أو مراقبتها دون رضا صاحبها أو بغير إذن قضائي. يُعد المسكن ملاذاً آمناً للاستقرار النفسي والعائلي، وتعتبر أي جريمة انتهاك له، خاصة ليلاً، جناية تستوجب عقوبات مشددة، وفقاً لقوانين العقوبات، مثل المادة 428 من قانون العقوبات العراقي.

3- حرية التنقل:حرية التنقل هي حق أساسي يكفله القانون الدولي والدساتير الوطنية، ويشمل تنقل الفرد بحرية داخل بلده، واختيار مكان إقامته، وحقه في مغادرة أي بلد أو العودة إليه. يُعد هذا الحق جزءاً من الحريات الشخصية ولا يجوز تقييده إلا بضوابط قانونية مشروعة لحماية الأمن أو النظام العام.

4- سرية المراسلات: ومعنى ذلكً عدم جواز انتهاك حق الفرد في ملكية الخطابات المتضمنة مراسلاته مع غيره من الأفراد، والاطلاع على هذه المراسلات أو مصادرها.

ثانياً- الحريات الفكرية وتتضمن ما يلي .

1- حرية المعتقد والدين: هي حق إنساني أساسي ومطلق يكفل لكل فرد اعتناق، تغيير، أو ترك أي دين أو معتقد يختاره بحرية، سواء بمفرده أو جماعة، علنًا أو سرًا، دون تدخل أو إكراه. يشمل هذا الحق حرية العبادة، التعليم، والممارسة، وهو محمي دولياً (المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان).

2- حرية التعليم وتعني حق كل فرد في التعلم، وفي اختيار العلم الذي يريد تعلمه، كذلك حريته في نشر فكره وعلمه للناس وفقاً للطريقة التي يراها مناسبة له.

3- حرية الصحافة: هي حق أساسي يكفل للصحفيين ووسائل الإعلام نشر المعلومات والآراء بحرية دون رقابة حكومية أو تدخل سياسي/اقتصادي، مع مراعاة القواتين وادنظام العام والآداب العامة. وتعد ركيزة أساسية للديمقراطية، وتضمن الشفافية والمساءلة. تُحيي الأمم المتحدة واليونسكو هذا الحق عالمياً في اليوم العالمي لحرية الصحافة في (3 آيار) من كل عام.

4- حرية المسرح والسينما والإذاعة والتلفاز.

تُعد حرية المسرح والسينما والتلفزيون جزءاً لا يتجزأ من حرية الرأي والتعبير، وهي أدوات حيوية للتغيير الاجتماعي والمقاومة الثقافية، تهدف لإيصال أصوات الشعوب وتسليط الضوء على قضاياهم. تواجه هذه الفنون تحديات تتعلق بحدود الرقابة، وتأثير التطور التكنولوجي، والموازنة بين الإبداع والقيود الاجتماعية.

وقد أشار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى ذلك فبين في المادة . أنه

" لكل إنسان الحق في حرية الرأي والتعبير عنه بما يتضمنه ذلك من حرية اعتناق الآراء بمأمن من التدخل ، وحرية التماس المعلومات والأفكار، وإذاعتها بمختلف الوسائل، دون تقيد بحدود الدولة.

ثالثاً- حريات التجمع وتضم هذه الحريات ما يلي:

1- حرية الاجتماع والتجمع: هي حق أساسي من حقوق الإنسان، يضمن للأفراد الالتقاء سلمياً في الأماكن العامة أو الخاصة للتعبير عن آرائهم، الدفاع عن مصالحهم، أو الاحتجاج. يعد هذا الحق ركيزة ديمقراطية ومصاناً في المواثيق الدولية، ويشمل التجمعات، المظاهرات، والاعتصامات، وغالباً ما يكون مرتبطاً بحرية الرأي والتعبير.

2- حرية تكوين الجمعيات والنقابات: والاتحادات والإنضمام إليها. وتعني حق الأفراد في تكوين وتشكيل جمعيات منظمة والإنضمام إليها أو الانسحاب منها في أي وقت شاء ، وعدم جواز إجبار الفرد على الانضمام إلى جمعية معينة أو الانسحاب منها دون رغبته وإرادته.

رابعاً- الحقوق والحريات السياسية. وتضم هذه الحقوق والحريات ما يلي:

1- حق الانتخاب: هو حق دستوري أساسي للمواطنين المؤهلين للمشاركة في التصويت والترشح، يُعد ركيزة جوهرية في النظم الديمقراطية لإدارة الشؤون العامة.

2- حق الترشح للانتخابات التشريعية.

3- حق إبداء الرأي في الاستفتاء.

4- الحق في تكوين الأحزاب السياسية والانضمام إليها.

5- حق الفرد في مخاطبة السلطات العامة:

وهو حق سياسي أساسي ووسيلة قانونية تتيح للأفراد (فردياً أو جماعياً) تقديم الشكاوى، التظلمات، أو المقترحات للسلطتين التنفيذية والتشريعية. يهدف هذا الحق إلى حماية الحريات، تعزيز الشفافية الإدارية، والمشاركة في الشؤون العامة. يُمارس عبر العرائض لرفع الظلم أو تحسين أداء المرافق العامة.

6- الحق في تولي الوظائف العامة في الدولة:

هو حق دستوري وسياسي مكفول للمواطنين على أساس المساواة وتكافؤ الفرص، دون تمييز بسبب الجنس، الدين، العرق، أو الرأي السياسي. يهدف هذا الحق إلى تحقيق العدالة والموضوعية، ويُشترط لشغله شروط قانونية محددة مثل الجنسية، حسن السيرة، الكفاءة، المؤهلات المطلوبة، واللياقة الصحية.

خامساً- الحقوق والحريات الاقتصادية:

وتتضمن هذه الحقوق والحريات ما يلي :

1- حرية التملك: هي حق أساسي يكفله القانون والدستور للأفراد، ويمنحهم القدرة على امتلاك الأصول (العقارات والمنقولات) واستعمالها والتصرف بها، مثل البيع أو الإيجار، ضمن ضوابط المصلحة العامة والنظام القانوني. يُعد هذا الحق ضمانة للمواطنة، ويشمل حق تملك الجنسين، وتملك الأجانب ضمن قيود محددة.

2- حرية إنشاء المشروعات الخاصة.

3- حرية المنافسة: هي مبدأ اقتصادي وقانوني يضمن للأشخاص (الطبيعية والمعنوية) حق الدخول إلى السوق وممارسة النشاط التجاري أو الاقتصادي بحرية، واستخدام كافة الوسائل المشروعة لاستقطاب الزبائن، بما يحقق الفعالية الاقتصادية، ويحمي المستهلك من الممارسات الاحتكارية، ويضمن جودة أفضل وأسعاراً عادلة للمنتجات.

4- حرية التبادل التجاري(التجارة الحرة): هي سياسة اقتصادية دولية تهدف إلى تعزيز تبادل السلع والخدمات بين الدول عبر تخفيف أو إلغاء القيود الحكومية، مثل الرسوم الجمركية، الحصص الاستيرادية، والحواجز الإجرائية..

5- حرية التجارة والصناعة والعمل داخليا وخارجيا.

6- حرية تحديد الأثمان مع مراعاة العدالة.

سادساً- الحقوق الاجتماعية وتشمل هذه الحقوق ما يلي:

1- حق العمل. ومقاده أن تكفل الدولة للفرد العمل الذي يناسب مؤهلاته العلمية وقدراته وخبراته، وبما يضمن له دخلا كريما له ولأسرته.

وقد أشار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادتين منه على أن لكل إنسان الحق في العمل وحرية اختياره، وأن يكون العمل في ظروف ملائمة،

2- حق الفرد في الحماية من البطالة.

3- حرية العمال في تكوين النقابات العمالية والانضمام إليها، وحقهم في الإضراب كوسيلة ضغط للاستجابة لمطالبهم لتحسين ظروف العمل ورفع الأجور.

4- حق الرعاية الاجتماعية والصحية: هي ضمانات حكومية توفر دعماً مالياً وخدمات للمواطنين الأشد هشاشة، كبار السن، العاجزين، والأيتام لضمان حياة كريمة، ووضع نظم رعاية ذوي العاهات وتأهيلهم فكريا ومهنيا وهي مستندة إلى مبادئ العدالة الاجتماعية.

5- حق التنمية التعليمية والذهنية: هو حق أساسي من حقوق الإنسان، يكفل للجميع، دون تمييز، الوصول إلى تعليم جيد ومنصف ومجاني (خاصة الابتدائي) لتطوير الشخصية والقدرات العقلية والجسدية لأقصى درجة. يهدف هذا الحق إلى تحقيق التنمية المستدامة، وتمكين الأفراد، وتعزيز التفكير الإبداعي والنقدي مدى الحياة. ، وتكافؤ الفرص التعليمية للجميع ، وتوفير المنح الدراسية، وتشجيع التأليف والنشر والابتكار وإقامة المعارض العامة. ويختلف الحق في التعليم عن حرية التعليم التي تدخل ضمن الحريات الفردية الشخصية التقليدية. فحق التعليم يعني التزام الدولة بأن تعلم المواطنين. في حين إن حرية التعليم تعني إعطاء الفرد كامل الحرية في اختيار معلمه ونوع التعليم الذي يرغب فيه، وحرية نقل ما تعلمه للآخرين.

*نطاق الحرية:

يقول ويليام شكسبير

"حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين"

يقول الشاعر احمد مطر مخاطباً الأجيال على لسانه معلمه الدي قضى في زنزانة الطغيان

"قد أنسوكم كل التاريخ وكل القيم العُلوية، أسفي أن تخرج أجيال لا تفهم معنى الحرية، لا تملك سيفًا أو قلمًا، ولا تحمل فكرًا وهوية"

***

فارس حامد عبد الكريم

2026/2/12

 

مقدمة في نظرية الحق المكتسب:

تحمي نظرية الحق المكتسب، الحق في الحياة الآمنة المستقرة لأبناء المجتمع، من أن يتعرض لها رجال السلطة العامة او الإدارة بالتغيير او التعديل بعد أن تم الحق واستقر لهم قانوناً او فعلياً، وبنوا حياتهم ومستقبل عائلاتهم على اساسه، مما يعرض المراكز القانونية للإنهيار المفاجئ الذي يسبب ارباكاً إجتماعياً وإقتصادياً لأفراد المجتمع وعوائلهم ويهدم جهودهم الذي بذلت ربماً عمراً من الزمن لكسب هذا الحق، ليواجهوا قراراً او تشريعاً يسلبهم هذا الحق فجأة. وقد تولدت عبر تاريخ البشرية ولازالت اعداد لا تحصى من المظالم من جراء سلب الحق المكتسب، في ظل حكم الطغيان وعدم الإنصاف والجهل والأنانية.

ولهذا السبب ولاعتبارات العدالة والمنطق وحماية لاستقرار المعاملات والمطالبات الشعبية، فان من اهم المبادئ التي ارستها الثورات الكبرى في التاريخ هو حماية الحقوق المكتسبة والمراكز القانونية الناشئة عنها من خلال أقرار مبدأ اساسي ثوري هو عدم رجعية القوانين على الماضي، وخاصة تلك القوانين التي تؤثر على الوضع المالي والإقتصادي للمواطن كحق الملكية سواء كسب قانوناً او بالحيازة التامة وان استندت في نشأتها ابتداءاً الى التعدي مادام قد مر عليها زمن طويل دون ان يطالب بها صاحب الحق الأصلي فيها، وكذلك الحقوق التقاعدية (المعاش التقاعدي) حيث يعد من ابرز الحقوق المكتسبة التي لايجوز المس بها بعد اقرارها، وعلى ذلك نصت قوانين التقاعد المقارنة حول العالم.

وقد وصف اعلان حقوق الانسان والمواطن الفرنسي (لعام 1789) حقوق الملكية والحرية والأمن ومقاومة الظلم بأنها حقوق "طبيعية، وثابتة، ولا يجوز انتزاعها"

الفرع الأول: مفهوم الحق المكتسب

يعد توفير الحماية اللازمة لحقوق الأشخاص في المجتمع، سواء كانوا اشخاصاً طبيعين أم معنويينن من اولويات غالبية النظم القانونية، ويتقدم هذه الحقوق حق الملكية بما له من دور تاريخي في حياة البشر، فهي تبين بوضوح تام شروط اكتسابها والحماية التي يتمتع بها اصحابها. خاصة وان هذه الحقوق اصبحت منذ عشرينيات القرن الماضي ومازالت من من الحقوق التي تدخل في نطاق حقوق الانسان وذلك طبقاً لمفهوم حق الملكية في قوانين كل دولة، بحيث لا تخلو نصوص أية اتفاقية دولية لحقوق الانسان من الاشارة إلى هذا الحق.

وهذه الحماية مفادها، ضمان استقرار الحقوق واستمرارها حتى لا يختل القانون نفسه ويفقد بذلك المعنى والهدف المتوخى منه.

ان دوام الحقوق واستقراراها هو الذي قاد إلى قاعدة لا يكاد يخلو منها نظام قانوني ألا وهي قاعدة عدم رجعية القانون على الماضي، وحسب هذه القاعدة، لا يمكن لقاعدة قانونية جديدة ان تمحو بصفة تلقائية ما تم انتاجه من حقوق في اطار قاعدة قانونية سابقة.

وقد اعتبر الفقيه (Charles de VISSHER) ضمان استمرار الحقوق من أولويات النظام القانوني أياً كان.

وعليه ليس للمشرع ثمة سلطة، كقاعدة عامة، لإعادة النظر في الحق الذي تم اكتسابه وفقاً لشروط مشروعيته المنصوص عليها قانوناً.

وان فعل ذلك يكون قد مس بمتانة العلاقات الاجتماعية، لما فيه من اهدار للثقة بالقانون واليقين القانوني وتهديم لتصرفات الاشخاص التي تمت صحيحة، فلا يطمئنوا إلى تصرفاتهم، ولا إلى ما اكتسبوه من حقوق.

وتحمى الحقوق المكتسبة من قبل القضاء العادي او الإداري، بل ان القضاء ذاته اعتبر ان من اهم واجبات القاضي اثناء تفسيره وتطبيقه للقانون مراعاة الحقوق المكتسبة، وحمايتها عند اصداره للأحكام والقرارات القضائية، وهذا ما يدرك اثناء مراجعة الالاف من اقضية المحاكم المدنية والإدارية والتجارية والدولية.

الفرع الثاني: تعريف الحق المكتسب

اختلف الفقهاء بشأن تعريف الحق المكتسب، وهذا الاختلاف هو نتيجة طبيعية لاختلاف وتنوع المدارس والنظريات القانونية بشأن اساس الحق ذاته، وعلى هذا النحو فان النظرة إلى الحق المكتسب تختلف باختلاف الرؤية النظرية الموضوعية او الشخصية لمفهوم الحق ابتداءاً، فضلاً عن اختلاف التعريف باختلاف فرع القانون ومنها يتعلق بالحقوق المكتسبة في اطار القانون العام كالقانون الدولي والقانون الإداري و ومنها يتعلق بالحقوق المكتسبة في اطار القانون الخاص، مما ينعكس بالضرورة على تعريف الحق المكتسب ذاته.

وأورد الفقه عدة تعريفات للحق المكتسب، وعلى هذا النحو عرفه (الحق المكتسب) انصار الإتجاه الشخصي للحق، بأنه الحق الذي دخل ذمة الشخص نهائياً بحيث لا يمكن نقضه أو نزعه منه إلا برضاه.

بينما ذهب فريق آخر إلى تعريفه، بأنه: الحق الذي يملك صاحبه المطالبة به والدفاع عنه أمام القضاء.

بينما عرفه انصار الإتجاه الموضوعي للحق بانه: الحق الذي يقوم على سند قانوني.

وقد عرفه (Merlin) بأنه: الحق الذي يدخل ذمة الشخص بشكل نهائي بحيث لا يمكن نزعه منه إلا برضاه.

كما عرف بأنه الحق الذي لا يجوز للقاضي أن يمسه بسوء أويسبله صاحبه بحجة تطبيق قانون مستجد.

وبما ان الفقيه العميد دكي انكر فكرة الحق من اساسها، كما سيتبين لنا لاحقاً، فانه بالنتيجة لا يتطرق لموضوع الحق المكتسب ويحل محلهما فكرة المراكز القانونية. اما الفقيه الفرنسي الكبير روبييه فذهب في كتابه عن تنازع القوانين في الزمان إلى تبني فكرة المراكز القانونية بطريقة مختلفة عما تبناه العميد دكي، فأعتبر ان المراكز القانونية التي تكونت وتمت في ظل قانوني ملغي فان القانون الجديد لا يمسها بالتعديل أو التغيير، تأكيداً لفكرة الحقوق المكتسبة.

اما تعريف الحق المكتسب في اطار القانون المدني فسنوردها في اطار البحث في مفهوم الحق المكتسب وأساسه.

الفرع الثالث: محل الحق المكتسب وشروطه

يختلف محل الحق المكتسب باختلاف فرع القانون الذي ينظمه.

وفي نطاق القانون الخاص، فان محل الحق المكتسب يتحدد بالحقوق المالية أو حقوق الذمة وهي على ثلاثة انواع الحقوق الشخصية والحقوق العينية والحقوق الذهنية.

وهذه جميعها تقوم بالنقود وتنتقل من صاحبها إلى غيره بموجب تصرف قانوني ويمكن ان تكتسب أو تسقط بالتقادم.

وان كنا قد اوردنا تعريفات عامة للحق المكتسب فاننا نضيف عليها تعريفات اخرى توضح محل الحقوق المكتسبة في القانون المدني، ففي نطاق القانون المدني فقد عرفه "O'Connell" (الحقوق المكتسبة تتمثل في الحقوق العينية أو الشخصية التي استقرت وأصبحت ثابتة ومكتسبة بطريقة صحيحة طبقاً للقانون الوطني والتي لها قيمة نقدية يمكن حسابها).

وعرفه شارل روسو بانه (الحقوق المكتسبة هي حقوق الملكية من مادية ومعنوية المنتقلة حسب الاصول إلى الاشخاص الطبيعيين أو المعنويين والقابلة إلى التحويل إلى تقديرات مالية، أي الحقوق الشخصية القائمة على اساس تعاقدي والحقوق العينية).

الشروط الواجب توفرها في الحقوق المكتسبة:

لا يمكن التمسك بقاعدة احترام الحقوق المكتسبة إلا إذا توفرت في الحق نفسه بالإضافة إلى كونه حقاً قابلاً للتقويم المالي، الشروط التالية:

1. ان يكون اكتساب الحق قد تم فعليا، ومن ثم لا حق مكتسب على مجرد أمل.

2. ان يكون هذا الحق قد اكتسب إكتساباً صحيحاً وفقاً للقانون، سواء كان اكتسابه بصورة مشروعة ابتداءاً، أو كان الاستيلاء عليه تم ابتداءاً بصورة غير مشروعة، كما في كسب الملكية بالتقادم .

3. ان يكون الحق مالياً او قابلاً للتقويم بالمال، أي ذو طبيعة مالية كما هو مفهومها في اطار القانون الخاص.

وهي الحقوق التي يمكن تقدير محلها بنقود (نقد أو عقار أو منقول) وتدخل ضمن الذمة المالية للشخص. تشمل بشكل رئيسي الحقوق العينية (مثل الملكية)، والحقوق الشخصية (الدائنية)، والحقوق الفكرية أو الذهنية (حقوق المؤلف) والراتب او المعاش التقاعدي، والحسابات المصرفية، السندات، الأوراق التجارية، والأسهم في الشركات. وتعتبر جميعاً جزءاً إيجابياً في ذمة الإنسان المالية. حيث تعطي صاحبها مصلحة مادية قابلة للتداول والتقييم.

الفرع الرابع: اساس الحق المكتسب

هناك عدة أسس يستند إليها في تقرير فكرة الحق المكتسب، هي:

أولاً: المنطق القانوني:

إن العمل بالمنطق القانوني بما عبر عنه الفقه القانوني بحسن النية التشريعية يجعل من إنشاء الحق بمقتضى القانون الصادر عن الهيئة التشريعية لدولة معينة يستتبع فرضاً الاعتراف له (الحق) بنوع من الاستمرارية والاستقرار الزمني حتى تكتمل فاعليته، باعتباره اصبح من الحقوق التي تقع عليها صفة الاكتساب.

فالقاعدة القانونية ما هي إلا خطاب موجه إلى الافراد يتضمن أمراً أو تكليفاً بسلوك معين، والامر أو التكليف لا يتصور منطقاً أو عقلاً توجيهه إلى ما فات من الزمن وإنما إلى ما هو آت، ففي رجوع القاعدة القانونية على الماضي خروج عن المدى الزمني لسريانها الذي يبدأ من يوم نفاذها واعتداء على اختصاص القاعدة القانونية القديمة التي تمتد بحكمها حتى يوم نفاذ القاعدة الجديدة.

ثانياُ: مبدأ العدالة: مبادئ العدالة تقضي بعدم حرمان الشخص من حق اكتسبه في الزمان الماضي.

ثالثاً: مبادئ الاخلاق والفضيلة التي تحمي حق الحياة الامنة من التقلبات السياسية

ويرى أرسطو في إطار نظريته عن القانون الطبيعي، أن الإنسان وهو يعيش في مجتمع سياسي فإنه يتخلى عن حريّته المطلقة في أن يفعل ما يريد، وتكون تصرفاته خاضعة لمبادئ الفضيلة والعدل و خضوعه للقانون الوضعي أيضاً، ومن جانب آخر فان المشرع يخضع لمبادئ الفضيلة أيضاً فلا ينبغي عليه إلا أن يشرع القوانين التي تتفق معها، وعلى هذا النحو من خضوع الفرد والدولة لإرادة الفضيلة تتحقق السعادة. والمقصود بالفضيلة عند أرسطو المبادئ والحقوق التي تدور حول العدل والمساواة والتي يدركها العقل السليم. ويرى ارسطو أن في خضوع القانون الوضعي للقانون الطبيعي. ومبادئ الفضيلة أعظم ضمان لتحقيق مبدأ الأمن القانوني.

رابعاً: مبدأ استقرار المراكز القانونية: يقضي هذا المبدأبضرورة عدم بقاء المراكز القانونية مهددة إلى ما لا نهاية، ففي انسحاب القاعدة القانونية على الماضي، إخلال بالاستقرار الواجب للمعاملات وإهدار للثقة الواجبة في القانون. فغالباً ما تترتب للأفراد حقوق ومراكز وآثار قانونية في ظل القواعد القانونية النافذة في وقتها، ومن ثم لا ينبغي أن يكون تعديل هذه القواعد أو الغاؤها بقواعد جديدة فرصة للمساس بهذه الحقوق والمراكز أو للانتقاص من تلك الآثار التي ترتبت صحيحة في ظل القواعد القانونية القديمة.

خامساً : الدساتير والقوانين وأحكام القضاء:

لا يكاد يخلو دستور في العصر الحديث ومنذ الثورة الفرنسية من النص على فكرة الحقوق المكتسبة من خلال النص على عدم جواز رجعية القانون على الماضي، وهذا ما نصت عليه الدساتير العراقية المتعاقبة.

وعلى هذا ذهب القضاء الدستوري المصري بأحكامه المتعددة إلى أن الأثر الرجعي للقوانين إذا امتد إلى إلغاء الحقوق المكتسبة فإن هذا الأثر يتحول إلى أداة لإهدار قوة القوانين السابقة، فقد جاء حكم للمحكمة الدستورية في مصر ما نصه: (حيث أن الحكم الموضوعي الذي تضمنه هذا النص هو إنهاء خدمة الأساتذةالمتفرغين الذين جاوزوا سن السبعين وقت العمل بالقانون 82 لسنة 2000 بعد أن كان قد اكتمل مركزهم القانوني كأساتذة متفرغين قبل العمل به. وحيث أن النعي على هذا الحكم الموضوعي بمخالفته للدستور هو نعى صحيح، ذلك أن هذا الحكم قد وقع في حالة المخالفة الدستورية من وجهين متساندين، الأول: هو أن النطاق الذي يمكن أن يرتد إليه الأثر الرجعى للقانون، هو ذلك الذي يعدل فيه التشريع من مراكز قانونية لم تتكامل حلقاتها، وبالتالي لم تبلغ غايتها النهائية متمثلة في حقوق تم اكتسابها وصار يحتج بها تسانداً إلى أحكام قانونية كانت نافذة، إذ في هذا النطاق يبقى المركز القانوني قابلاً للتدخل التشريعي، تدخلاً قد يزيد أو يزيل من آمال يبنى عليها صاحب المركز توقعاته، فإذا تقرر الأثر الرجعى في غير هذا النطاق، وامتد إلى إلغاء حقوق تم اكتسابها فعلاً وصارت لصيقة بأصحابها، وفقاً لأحكام قانونية كفلت حمايتها والاحتجاج بها في مواجهة الكافة، كأثر لنفاذ هذه الأحكام، فإن الأثر الرجعى للقانون يكون بذلك قد تحول إلى أداة لإهدار قوة القوانين السابقة ومكانتها من الاحترام الذي يجب كفالته طوال الفترة التي كانت نافذة فيها وهو الأمر الذي يتصادم مع أحكام المادتين ) 64 و65 (من الدستور اللتان تنصان على أن "سيادة القانون أساس الحكم في الدولة " وأن تخضع الدولة للقانون).

الفرع الخامس: مصادر الحق المكتسب

هناك مصادر متعددة للحق المكتسب منها، القوانين الملغاة التي ترتب حقوقاً مكتسبة، والقوانين النافذة التي تخلق مراكز قانونية يتطلب الأمن والاستقرار الاجتماعي المحافظة عليها، كما أن الأنظمة والتعليمات الصادرة من السلطة التنفيذية ترتب في كثير من الأحيان حقوقاً مكتسبة، فمن الثابت في فقه القانون الإداري وأحكام القضاء الإداري أن القرارات الإدارية المعيبة التي ترتب حقوقاً مكتسبة تتحصن ضد الإلغاء بانقضاء المدة المحددة للطعن بالقرار، باستثناء القرارات المعدومة فضلاً عن القرارات الادارية المشروعة التي ترتب حقوقاً مكتسبة.

ومن جانب آخر ان فان القضاء وهو بصدد تطبيق القانون وتفسيره على الحالات الواقعية التي تعرض امامه، فانه يستخلص من القواعد الدستورية والقانونية والعرف والمبادئ القانونية العامة وقواعد العدالة ومبادئ القانون الطبيعي تطبيقات متعددة لفكرة الحقوق المكتسبة.

وفي ضوء ما تقدم ذهبت المحكمة الدستورية العليا في مصر إلى أنه: (من المقرر أن أحكام القوانين لا تجري إلا على ما يقع من تاريخ نفاذها، ولا تنعطف آثارها على ما وقع قبلها - في غير المواد الجنائية - ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، ويقُصد بالقانون - على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة - القانون بمعناه الموضوعي، محدداً على ضوء النصوص التشريعية التي تتولد عنها مراكز قانونية عامة مجردة، سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التي تقرها السلطة التشريعية، أم تضمنتها التشريعات الفرعية التي تصدرها السلطة التنفيذية عملا بالتفويض المقرر لها لتقرير القواعد التفصيلية اللازمة لتنفيذ القوانين بما ليس فيه تعديل أو تعطيل لها أو إعفاء من تنفيذها. وتسري القاعدة القانونية اعتباراً من تاريخ العمل بها على الوقائع التي تتم في ظلها وحتى إلغائها، فإذا حلت محل القاعدة القديمة قاعدة قانونية أخرى، فإن القاعدة الجديدة تسري من الوقت المحدد لنفاذها، ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها، وبذلك يتحدد النطاق الزمني لكل من القاعدتين، وتظل المراكز القانونية التي اكتمل تكوينها وترتبت آثارها في ظل القانون القديم، خاضعة لحكمه وحده).

وجاء في حكم آخر للقضاء الإداري من انه: (إذا تحقق بناء على القرار مــــراكز قانونية فردية تستلزم صالح العمل واستقرار انتظام العاملين وحســن ســير المرافق العامة التي تتولاها الإدارة أن تستقر تلك المراكز القانونية وتتحصن مـــا دامت قد فاتت علـى الادارة فرصة تصحيحها خلال مده الطعن القضائي).

وفي مجال احترام الحقوق المكتسبة قضت محكمة العدل العليا في فلسطين بأنه: (لا يجوز إلغاء القرار الإداري

الفردي السليم متى أنشأ حقا مكتسبا لفرد من الأفراد). وفي مجال عدم رجعية القرارات الإدارية قضت بأنه: (القرارات الإدارية ليس لها أثر رجعي، وجزاء رجعية القرار الإداري هو بطلانه فيما يختص برجعيته).

واخذت محكمة القضاء الإداري في العراق بنظرية الحق المكتسب، فقد اعتبرت أن ملكية العقار الموروث تنتقل لحظة الموت، والوارث يعد مكتسباً لحق الملكية لحظة الوفاة، ولا يجوز المساس بمااكتسبه من حق.

وتتلخص وقائع القضية في قيام المدعى عليه مدير التسجيل العقاري بتقدير قيمة العقار الموروث في يوم الكشف وذلكلاستيفاء رسم الإرث، أقام الوارث الدعوى لدى محكمة القضاءالإداري طالباً الغاء قرار مدير التسجيل العقاري، فأصدرت المحكمة قرارها بقولها (إن ملكية العقار الموروث تنتقل لحظة موتالمورث إلى الوارث فيكون قد اكتسب هذا الحق لحظة الوفاة، وما التسجيل في دائرة التسجيل العقاري إلا لغرض تمكينه من التصرف بما جاءه إرثاً من العقارات، وما دام الأمر كذلك فلا يجوزاستيفاء رسم عن نقل ملكية العقار الموروث من اسم المورث إلى اسم الوارث في سجل التسجيل العقاري إلا بقدر قيمة العقار الموروث لحظة انتقال الملكية بالوفاة .... ))

وقد طبق مجلس شورى الدولة في العراق قاعدة الحق المكتسب الناجم عن تحصين القرار الإداري بعد مضي المدة المحددة للطعن والبالغة ستون يوماً، وتتلخص وقائع القضية في أن المدعي يشغل وظيفة في إحدى الدرجات الخاصة، وقد أحيل على التقاعد بتأريخ 7/6/2004 وبعد ذلك التأريخ قامت الأمانة العامة لمجلس الوزراء بالغاء أمر إحالته على التقاعد وتعيينه بوظيفة مستشار في إحدى الوزارات وبعد مضي أكثر من تسعة أشهر على مباشرته في وظيفته قامت الوزارة بإلغاء تعيين المدعي وإحالته على التقاعد بأثر رجعي، هذا الأمر يعني حرمان المدعي من التمتع بالامتيازات التي قررها القانون بالنسبة للمتقاعدين من أصحاب الدرجات الخاصة بحسب الأمر (9) لسنة 2005 حيث إنالقرار الإداري الصادر من الوزارة صدر بأثر رجعي ويجعل إحالتهعلى التقاعد بتأريخ سابق للأمر 9 لسنة 2005 ومس بحق اكتسبه الشخص وأصبح لديه مركز قانوني ثابت.

كما واخذت هيئة انضباط موظفي اقليم كوردستان بمبدأ الحق المكتسب كما في وقائع الدعوى التالية:

(المميز/ المدعى عليه/ رئيس مجلس وزراء اقليم كوردستان اضافة لوظيفته- وكيله المحامي ت، ح، ص المميز عليها/ ب، ج، م . الادعاء: ادعت المدعية لدى هيئة انضباط موظفي الاقليم بأنها عيُنت بعنوان معلمة في مدرسة (...) الابتدائية على ملاك مديرية التربية لمنطقة (...) في وزارة التربية في الإقليم بموجب أمر رئاسة مجلس الوزراء في إقليم كوردستان المرقم (...).. وبتاريخ 8-5-2011 أصدر المدعى عليه قراره (...) والمتضمن إلغاء جميع أوامر تعيين الموظفين بعد تاريخ 1-1-2011 وبتنفيذ القرار المذكور لم يصرف للمدعية راتبها منذ ذلك الحين ولحد الآن، علما أنها لم تنفك من وظيفتها ومستمرة في الخدمة....

القرار: .... لدى عطف النظر على القرار المميز تبين أنه صحيح وموافق للقانون حيث ثبت أن المميز عليها (المدعية تعينت بقرار إداري مشروع وسليم من الناحية القانونية واكتسبت به حقا ومركزا قانونياً مما يتعين على الإدارة احترامها عن طريق عدم المساس به سواء بالسحب أو الالغاء، وحيث أن البند/3 من القرار الإداري المرقم (...) في 8-5-2011 الصادر عن المميز إضافة لوظيفته والمتضمن إلغاء أمر تعيين جميع الموظفين المعينين بعدد تاريخ 1-1-2011 يمثل إخلالا بالمراكز القانونية، دون سند من القانون وحيث أن ضوابط تعيين الموظفين في دوائر الاقليم والواردة في قرار مجلس الوزراء رقم (...) في 17-3-2011 لا يسري بأثر رجعي، حيث استقر قضاء هذه الهيئة على عدم رجعية القرارات الإدارية وأن الأصل في نفاذها يقترن بتأريخ صدورها بحيث تسري على المستقبل ولا تسري بأثر رجعي على الوقائع السابق على تاريخ صدورها وذلك حفاظا على الحقوق المكتسبة للأفراد والمراكز الوظيفية لهم واستقراراً للمعاملات في المجتمع وحيث أن القرار المميز التزم وجهة النظر القانونية أعلاه ويكون قد التزم صحيح القانون عليه قرر تصديقه ورد الاعتراضات التمييزية وتحميل المميز رسم التمييز وصدر القرار بالاتفاق في 21-12-2011).

الفرع السادس: العلاقة بين المركز القانوني والحق المكتسب

ان المبدأ العام الذي يجمع بين مفهومي المركز القانوني والحق المكتسب، هو مبدأ عدم رجعية القانون على الماضي، فالقاعدةالعامة أن القوانين لا تسري بأثر رجعي فلا تطبق على الوقائع السابقة أو الأحداث التي حصلت قبل نفاذه الا ما أستثني بنص خاص في القانون، وإن القانون الجديد يسري بأثر مباشر على الوقائع التي تكاملت أو نشأت في ظله، والغاية هي حماية المراكز القانونية والحقوق المكتسبة التي نشأت في ظل قانون سابق.

وحتى تتحقق القاعدة، يجب أن يتوفر شرطان:

1. أن يكون ثمة مركز قانوني شخصي قد تكاملت عناصره في ظل وضع قانوني معين، فلا يمكن المساس به إذا ما تغيرت الأوضاع القانونية بعد ذلك، وتلك مسألة يبحثها القضاء في كل حالة على حدة.

2. ان يتضمن القانون الجديد آثاراً تمس تلك المراكز الشخصية القانونية التي تكونت ورتبت اثارها في ظل القانون القديم.

وقاعدة عدم رجعية القوانين على الماضي ما وجدت إلا لحماية الحقوق المكتسبة وهي من القواعد المسلم بها في دساتير وقوانين الدول المختلفة والقضاء، ومنه قضاء مجلس الدولة الفرنسي، ومجلس الدولة المصري.

ونصت الدساتير على هذا الأصل ومنها دستور العراق النافذ لسنة 2005 حيث جاء في المادة 19/9 منه (ليس للقوانين أثر رجعي مالم ينص على خلاف ذلك.)

وجاء في حكم محكمة القاهرة الاقتصادية الدائرة الاستثنائية تأكيداً لقاعدة قانونية مهمة، حيث ورد فيه على انه: (المراكز القانونية المستقرة فى ظل القوانين الملغاة يحظر المساس بها).

وجاء في قرار لمحكمة النقض المصرية، ما نصه: (المقرر فى قضاء محكمة النقض، أن الأصل أن القانون يسرى بأثر فورى مباشر على المراكز القانونية التى تتكون بعد نفاذه، سواء فى نشأتها أو فى انتاجها آثارها أو فى انقضائها، وهو لا يسرى على الماضى فالمراكز القانونية التى نشأت واكتملت فور تحقق سببها قبل نفاذ القانون الجديد تخضع للقانون القديم الذى حصلت فى ظله، أما المراكز القانونية التى تنشأ وتكتمل خلال فترة تمتد فى الزمان، فإن القانون يحكم العناصر والآثار التى تتحقق فى ظله، ولئن كانت المراكز القانونية الاتفاقية تظل خاضعة للقانون القديم الذى تم العقد فى ظله باعتبار أنه تعبير عن إرادة ذوى الشأن فى نشوئها أو فى آثارها، أو فى انقضائهاـ إلا أن هذا مشروط بألا يكون القانون الجديد قد أخضع المراكز القانونية سالفة البيان لقواعد آمرة، فحينئذ يطبق القانون الجديد فورا على ما لم يكن قد اكتمل من هذه المراكز) .

في ضوء ما تقدم يتضح الارتباط الواضح بين فكرة احترام الحقوق المكتسبة وقاعدة عدم سريان القانون على الماضي، فما وجدت هذه القاعدة إلا للمحافظة على المراكز القانونية واحترام الحقوق المكتسبة.

الفرع السابع: الحق المكتسب في الشريعة الإسلامية

يعرف الحق المكتسب في ظل الفقه الإسلامي بأنه مصلحة مالية أو عينية أو أدبية، تدخل في ذمة الشخص أو ملكه نهائياً بسند شرعي صحيح (كالعقد، الإرث) او فعلي (كالحيازة)، بحيث يحرم نزعها منه أو التعدي عليها إلا برضاه، ويستحق حمايتها قضائياً. ومن ثم تم نفي الآثر الرجعي للأحكام،

قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) الإسراء (15)

الفرع الثامن: الحقوق المكتسبة في القانون الإنجليزي:

اشتقت احكام نظرية الحق المكتسب في النظام القانوني الإنكليزي من احكام القضاء بناءاً على قاعدة (العدالة تسيل من ضمير الملك). والتي تُعرف غالبًا في الفقه الانكليزي بالحقوق الثابتة أو المستحقة.

ويعرف الحق المكتسب في ظل هذا الفقه:

بأنه مبدأ قانوني ينص على أنه بمجرد ثبوت حق ما أو "اكتسابه"، لا يمكن تقليصه أو إلغاؤه بموجب تشريع لاحق. وهذا يعني أن القوانين الجديدة لا يمكنها عمومًا أن تقلل بأثر رجعي من الحماية أو المزايا التي يتمتع بها الأفراد أو الكيانات بالفعل بموجب القانون.

باختصار، تحمي هذه النظرية الأفراد والمنظمات من تطبيق القوانين بأثر رجعي، مما قد يؤثر سلبًا على حقوقهم التي اكتسبوها بالفعل بشكل مشروع بموجب أطر قانونية سابقة. وهي تضمن قدرًا من الاستقرار والشفافية في القانون، وتمنع القواعد الجديدة من تقويض الحقوق القائمة بشكل غير عادل.

هي حقوق قانونية - كالملكية العقارات والمنقولات، والحقوق التعاقدية بما في ذلك واستحقاقات التقاعد المستحقة. في مجال العمل، قد يشمل ذلك شروط العمل المُحددة. التي لها قيمة مالية، تضمن هذه الحقوق الاستقرار والعدالة والأمان وتحمي الأفراد العاملين والمستثمرين وغيرهم من أصحاب المصلحة، من التغييرات القانونية بأثر رجعي. من خلال الاعتراف بالحقوق المكتسبة وحمايتها، تضمن القوانين والاتفاقيات قدرة الأفراد والشركات على الاعتماد على حقوقهم القانونية، مما يُسهّل التخطيط للمستقبل.

بالنسبة للشركات، يعد فهم مفهوم الحقوق المكتسبة أمراً بالغ الأهمية عند اتخاذ القرارات المتعلقة بالتوظيف أو العقود أو أي موقف ينطوي على نقل أو تغيير الحقوق،، مثل خطط معاشات التقاعد أو تعويضات نهاية الخدمة، والتي لا يمكن سحبها منه حتى لو تغير المالك، وذلك لتجنب النزاعات أو الانتهاكات القانونية.

تنبع الحماية من مبدأ أنه بمجرد إرساء حق قانوني، لا يجوز تقليصه تعسفًا بموجب تشريع جديد.

الأدلة المطلوبة: لا يكفي مجرد تكرار المنفعة بمرور الوقت؛ بل يجب إثبات نية منح الحق بشكل دائم.

امثله من الفقه الإنكليزي

المثال الاول: استحقاقات التقاعد للموظفين العموميين

تخيل موظفًا حكوميًا عمل لمدة 25 عامًا في نظام تقاعد يضمن حساب استحقاقاته التقاعدية وفقًا لمعادلة محددة بناءً على سنوات خدمته وراتبه. بعد انقضاء هذه السنوات الخمس والعشرين، يُصدر المجلس التشريعي للولاية قانونًا جديدًا يُخفّض بشكل كبير حساب المعاش التقاعدي لجميع الموظفين، بمن فيهم أولئك الذين سبق لهم الحصول على استحقاقات عن خدمتهم السابقة.

من المرجح أن يحمي مبدأ الحقوق المكتسبة حق الموظف في احتساب استحقاقاته التقاعدية عن تلك السنوات الخمس والعشرين وفقًا للصيغة الأصلية الأكثر فائدة. يُعتبر حقه في تلك الاستحقاقات تحديدًا، كونه مكتسبًا من خلال خدمته بموجب القانون القديم، حقًا مكتسبًا ولا يمكن تخفيضه بأثر رجعي بموجب التشريع الجديد. قد ينطبق القانون الجديد على الخدمة المستقبلية، ولكنه لا ينطبق على الاستحقاقات المكتسبة بالفعل.

المثال الثاني: حقوق تطوير العقارات لنفترض أن مطورًا عقاريًا حصل على جميع التصاريح اللازمة وبدأ في بناء مجمع سكني جديد، ملتزمًا تمامًا بلوائح تقسيم المناطق وقوانين البناء السارية وقت إصدار التصاريح. في منتصف عملية البناء، أصدر مجلس المدينة قانونًا جديدًا يقلل بشكل كبير من الحد الأقصى المسموح به للارتفاع والكثافة في تلك المنطقة تحديدًا، مما يجعل المشروع الجاري مخالفًا للقواعد الجديدة.

بموجب مبدأ الحقوق المكتسبة، يُحفظ حق المطور في إكمال المشروع وفقًا للتراخيص الأصلية الممنوحة له.

وبمجرد إصدار التراخيص وبدء أعمال البناء الفعلية استنادًا إلى القوانين السارية، يُكتسب الحق في البناء وفقًا لتلك الموافقات الأصلية. ولا يجوز للتغييرات الجديدة في قوانين تقسيم المناطق أن تُبطل بأثر رجعي مشروعًا كان قيد التنفيذ بشكل قانوني، أو أن تُجبر المطور على إجراء تعديلات جوهرية عليه.

المثال الثالث: الترخيص المهني

لنفترض أن شخصًا ما أكمل بنجاح جميع المتطلبات التعليمية، واجتاز الامتحانات اللازمة، وحصل على ترخيص لممارسة مهنة مخطط مالي معتمد (CFP) في ولايته. بعد عام من بدء ممارسته للمهنة، سنّت الهيئة التشريعية للولاية قانونًا جديدًا يُلزم جميع المخططين الماليين المعتمدين الحاليين بإكمال برنامج تدريب عملي إضافي ومكثف بعد الحصول على الترخيص في غضون ستة أشهر للحفاظ على اعتمادهم، وهو شرط لم يكن موجودًا عند حصولهم على الترخيص لأول مرة.

يرى مبدأ الحقوق المكتسبة أن حقّ حامل شهادة التخطيط المالي المعتمد (CFP) في ممارسة المهنة، بعد استيفائه جميع الشروط وحصوله على الترخيص بموجب القوانين السارية آنذاك، هو حقٌّ مكتسب. ولا يجوز للقانون الجديد أن يفرض بأثر رجعي شروطًا جديدة مرهقة تُبطل فعليًا أو تُغيّر بشكلٍ جوهري شروط شهادته المهنية المكتسبة مسبقًا، إلا إذا كان هناك هاجسٌ مُلحٌّ بالسلامة العامة يُبرّر مثل هذا الإجراء الحاسم.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

رحلة بين الفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس لفهم البناء الاجتماعي للمعرفة

الملخص: يعد التمثل مفهوماً محورياً لفهم كيفية إدراك الأفراد للعالم الاجتماعي والثقافي، وكيفية تشكّل المعرفة داخل الجماعات. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم رؤية شاملة لمفهوم التمثل من خلال مقاربات متعددة: الفلسفية عند شوبنهاور، الاجتماعية عند دوركايم ومفكري علم الاجتماع المعاصرين مثل جوردن مارشال، فريديريك لوربون، وجون ماري سيكا، وعلم النفس الاجتماعي والمعرفي عند سيلامي، موسكوفيتش، وجون بيجي.

تركز الدراسة على التمثلات الفردية والجماعية وميكانيزمات اشتغالها، بما في ذلك الأحكام المسبقة والأجوبة الاجتماعية، مع إبراز التفاعلات والتعارضات بين التمثلات الفردية والجماعية كما وصفها دوركايم ضمن مفهوم الوعي الجمعي مقابل الوعي الفردي.

تشير النتائج إلى أن فهم التمثل الجمعي والفردي يمثل أداة أساسية لتحليل السلوك الاجتماعي، تفسير الظواهر الثقافية، وفهم ديناميات التواصل والمعرفة داخل المجتمع.

الكلمات المفتاحية: التمثل، التمثل الجمعي، التمثل الفردي، الوعي الجمعي، الوعي الفردي، دوركايم، موسكوفيتش، علم النفس الاجتماعي، علم النفس المعرفي، الأحكام المسبقة، البناء الاجتماعي للمعرفة.

Abstract:

Representation is a central concept for understanding how individuals perceive the social and cultural world, and how knowledge is formed within communities. This study provides a comprehensive perspective on representation through multiple approaches: the philosophical view of Schopenhauer, the sociological perspective of Durkheim and contemporary sociologists such as Gordon Marshall, Frédéric Le Play, and Jean-Marie Sicard, and the social and cognitive psychology perspectives of S. Sélimi, Moscovici, and Jean Piaget.

The research emphasizes individual and collective representations and their operational mechanisms, including prejudices and social responses, highlighting the interactions and conflicts between individual and collective representations as described by Durkheim in the concept of collective versus individual consciousness.

The findings indicate that understanding both collective and individual representations is essential for analyzing social behavior, interpreting cultural phenomena, and comprehending the dynamics of communication and knowledge construction in society.

Keywords: representation, collective representation, individual representation, collective consciousness, individual consciousness, Durkheim, Moscovici, social psychology, cognitive psychology, prejudices, social knowledge construction.

على سبيل التقديم

يشكل مفهوم التمثل أداة أساسية لفهم كيفية إدراك الإنسان للواقع الاجتماعي والثقافي، وكيفية تشكّل المعرفة داخل المجتمعات. إذ يمثّل هذا المفهوم حلقة وصل بين الفلسفة، علم الاجتماع، وعلم النفس، حيث تتقاطع رؤى متعددة لتفسير ظاهرة الإدراك الجماعي والفردي.

تنطلق هذه الدراسة من النظرية الفلسفية عند شوبنهاور، الذي رأى في التمثل وسيلة لفهم الإنسان لذاته والعالم المحيط به، ثم تنتقل إلى المقاربات الاجتماعية التي تناولت التمثلات الفردية والجماعية وخصوصًا مفهوم الوعي الجمعي مقابل الوعي الفردي عند دوركايم، مع إشارات إلى آراء علماء الاجتماع المعاصرين مثل جوردن مارشال، فريديريك لوربون، وجون ماري سيكا.

كما يتطرق البحث إلى المقاربات النفسية والاجتماعية، حيث تستعرض الدراسة رؤى سيلامي وموسكوفيتش في علم النفس الاجتماعي، بالإضافة إلى تحليل جون بيجي في علم النفس المعرفي لفهم كيفية تكوّن التمثلات.

تهدف الدراسة إلى كشف العلاقات المعقدة بين التمثلات الفردية والجماعية، وإبراز أثرها في البناء الاجتماعي للمعرفة، مما يمكّن من فهم أعمق للآليات النفسية والاجتماعية والثقافية التي تشكّل سلوك الأفراد والجماعات.

مفهوم التمثل

عرف مفهوم التمثل في العديد من الدراسات، قبل أن يدخل حقل علم النفس وحقل علم النفس الاجتماعي، لهذا نجده يتبلور حسب النظريات التي تعمل على توضيح معالمه والاستفادة مما يقدمه في فهم السلوك البشري والتنبؤ به، ويرجح أغلب الباحثين والدارسين أن مفهوم " التمثل " ظهر لأول مرة في كتاب الفيلسوف آرثر شوبنهاور " العالم إرادة وتمثلا" سنة 1818، حيث يرى شوبنهاور: "العالم هو تمثل، أي أنه يكون قائما هناك بالنسبة لشيء آخر، أعني بالنسبة لذلك الذي يتمثله، وهو الشخص نفسه)... (ولذلك فإن العالم بوصفه تمثلا- وهو الجانب الذي نتأمله بمفــرده هاهنا- يتألف من نصفين جوهريين ضروريين ومتلازمين، والنصف الأول هو الموضوع the object، وهو ما يكون خاضعا لصورتي المكان والزمان اللذين تنشأ من خلالهما الكثرة، أما الصنف الآخر وهو الذات فلا يقع في إطار المكان والزمان؛ لأنه يكون كلا مجملا ولا يتجزأ في كل موجود يقوم بفعل التمثل"(1).

فانطلاقا من هذا التعريف الذي قدمه شوبنهاور، نستنتج على أن التمثل هو نتاج خفي لنشاط الإرادة، رغم أن بعض الباحثين يرون بأن هذا الطرح، فيه شيء من المبالغة وذلك لوجود فلاسفة ومفكرين سبقوا شوبنهاور في دراسته، وبتجاوزنا المستوى الزمني لظهور مصطلح "التمثل" إلى المستوى اللغوي نجد أن معناه في القرآن الكريم، حيث يقول الله عز وجل في كتابه العزيز: ﴿فأرسلنا إليها روحنا، فتمثل لها بشرا سويا﴾(2)، فالتمثل من هذه الوجهة، مبني على الشبه، من خلال بناء صورة مطابقة للموضوع الأصلي، بالإضافة إلى التأكيد على أهمية الفعل أو السلوك الخارجي في خلق التمثل، لأنه هو من يخلق فعل التمثل، والفرد يكون فقط مجرد وعاء أو مستقبل للتمثل.

في اللغة العربية: يشتق مفهوم التمثل من فعل مثل فنقول مثل تمثيلا الشيء لفلان أي صوره له بالكتابة ونحوها، كأنه ينظـر إليه، وتمثيل الشيء، شبيه به، وجعله مثله. والتمثلات مفرده تمثل، وهي التصور السابق، أو المعلومات الأولية عن موضوع أو قضية. ونقول «تمثّل أو تصوّر الشيء: توهّم صورته وتخيّله واستحضره في ذهنه؛ وتصور له الشيء: صارت له عنده تمثّل مشخص أو صورة وشكل(3).

نجد في لسان العرب لابن منظور التعريف التالي: "التمثُّل من مثَّل، يمثل، مثولا، ومثَّل التماثيل أي صورها، ومثّل الشيء بالشيء أي شبه به وتصوره حتى كأنه ينظر إليه وامتثله أي تصوره"(4)، أما في قاموس le petit robert، فالتمثلreprésentation عملية وضع واستحضار شيء ما أمام الأعين أو العقل؛ وهو جعل موضوع غائب أو مفهوم ما، محسوساً بفضل صورة، شكل، رمز، دلالة ما(5).

في قاموس اللغة الفرنسية: نجد التعريف التالي: التمثل هو "فعل وضع أمام الأعين أو أمام فكر شخص (6)، التمثل هو "عمل أو فعل إرجاع الموضوع مدركا، سواء كان مفهوما أو موضوعا غائبا، بواسطة صورة، أو وجه، أو دليل"(7).

أما في الموسوعة العالمية Hachette فقد حدد التمثل كفعل: " تمثل شيء ما عبر صورة أو علامة أو رمز" وهو يأخذ ثلاثة معاني على الأقل:

1 ـ معنى مجازي فنقول تمثل مثالي للتاريخ.

2 ـ الصورة الممنوحة للوعي عبر الصورة والذاكرة.

3 ـ فعل تمثيل مشهد مسرحي.

4 ـ هذه الصباغة تمثيل للعاصفة " (8)

نستنتج من هذه التعاريف أن التمثل هو فعل فكري، أو نشاط عقلي نقوم به لإرجاع الشيء مدركا من خلال تمثل صورة لهذا الشيء الغائب؛ التمثل هو عملية بناء عقلي كما أنه عملية تركيب يقوم بها الفكر من أجل تصور الشيء ذهنيا. إلا أنّ مفهوم التمثل حسب دلالته اللغوية سواء في اللغة العربية أو الفرنسية لم يأخذ معنى واضحا ودقيقا يمكننا بالفعل من فهم معانيه الجوهرية في أبعدها المختلفة، خصوصا تلك التي اكتسبها هذا المفهوم في علم الإجتماع. أو علم النفس الاجتماعي أو علم النفس المعرفي. ومن هنا يجب أن نعرض أهم المعاني الجوهرية، لهذا المفهوم. كما وردت في هذه العلوم المعاصرة. ففي الواقع، نجد تنوعا واختلافا في الدراسات التي اهتمت بمفهوم التمثل؛ فالتمثل ليس محللا دوما بنفس الطريقة من طرف كل الباحثين كما أشار إلى ذلك كلود فلامون C. Flamen، إذ يقول: "يستعمل مصطلح التمثل في العديد من قطاعات العلوم الإنسانية بمعان مختلفة، وغالبا ما تكون مبهمة"(9).

المفهوم الفلسفي للتمثل

يرجع الفضل في استعمال مفهوم التمثل لأول مرة في منظور المعرفة وكما سبق وأن أشرنا إلى ذلك إلى الفيلسوف شوبنهاور A. Schopenhauer يقول: بيير مانوني P. Mannoni "إن التمثلات بالنسبة إلى الفيلسوف شوبنهاور هي تسقط وتكشف في السيرورات العقلية كمنتج العمل السري للإرادة"(10)؛ وبعبارة أخرى وحسب بيير مانوني، فهو يرى على أن الفيلسوف شوبنهاور لم يتخطَّ النظرة الفلسفية المحضة في تعريف مفهوم التمثل.

وأما من وجهة نظر كل من "تهنس" و"لمبرور" Lempreur. A Et. Thines G فقد عرفا مفهوم التمثل بمنظور فلسفي آخر، إذ بالنسبة لهما أنّ "التمثل يتضمن دلالة مزدوجة لكل ما ينوب عن الشيء، وما يأخذ مكانه في الفهم، وما يستوعب من مضمونه ومعناه، سواء كان نسخة، أو مدلولا أو رمزا لتمثل يتميز عن الانطباع، باعتباره نتيجة عمل يقوم فيه الفكر بجمع وتنظيم ما هو مقدم له(11). إلى جانب هذا المفهوم الفلسفي، يقدم هذان الفيلسوفان مفهوما نفسيا للتمثل، وفيه يركزان على محتوى التمثل من جهة، وعلى مسار بناء التمثل من جهة أخرى. وفي هذا الصدد يعرفان التمثل على النحو الآتي " التمثل الاجتماعي هو عملية البناء الاجتماعي للواقع الذي يؤثر في نفس الوقت على المحفزات والاستجابات لهذه المحفزات، فهو إذن سيرورة معرفية تتظاهر كحقيقة محسوسة "(12). وهكذا يمكننا أن نستنتج بأن عملية التمثل هي إعادة بناء الصورة للشيء المتمثل، حسب نظرتنا الخاصة لهذا الشيء، وحسب قيمة وأهمية هذا الشيء بالنسبة إلينا.

مقاربة علم الاجتماع

احتل مفهوم التمثل مكانة بارزة في علم النفس الاجتماعي، حيث يعد أحد مفاتيح الأنشطة العقلية التي يستعين بها الفرد من أجل الاستجابة لمختلف الأوضاع التي يعيشها، وقد ظهرت فكرة التمثلات في البداية كمفهوم سوسيولوجي سواء كانت مجموع المعلومات أو علم خاص، حيث بدأت أكثر من قرن (1898-1895)مع عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم Durkheim Emile، فلكي تصبح وتغدو السوسيولوجيا علما قائما بذاته على غرار بقية العلوم الأخرى المتقدمة حسب دوركايم، كان عليها أن تحدد موضوعها الخاص بها، وتعطي تعريفا قبليا لموضوعها الذي ينبغي أن يكون متميزا عن بقية موضوعات العلوم الأخرى، وتأسيسا على هذا التصور الابستمولوجي سيميز دوركايم في التمثلات بين تمثلات فردية وتمثلات جماعية، وسيترتب عن هذا التمييز ضرورة تحديد طبيعة العلاقة القائمة بين السوسيولوجيا من جهة وعلم النفس من جهة ثانية، وسيفضي تحليل دوركايم لطبيعة هذه العلاقة حيث "احتفاظ السوسيولوجيا بعلاقة وطيدة بعلم النفس، الشيء الذي سيتعذر معه عدم الفصل بين هذين التخصصين".

وهكذا فإن تحليل التمثلات بوصفها مكونة للحياة الاجتماعية، سيقود دوركايم إلى بناء الظاهرة الاجتماعية باعتبارها هي التي ستشكل الموضوع المركزي للسوسيولوجيا حيثُ أنّ الجماعات الاجتماعية أو المجتمع هما أساس الدراسات الاجتماعية والتي كانت حسب إميل دوركايم منظمة وتحدد بفضل نظام أو روح وهي الوعي الجمعي الذي يشكل دعامة للجماعة والذي يضمن ديمومتها. بحيث يمكن القول أن هذا الوعي الجماعي ذو طبيعة روحية، لكنها أيضا أساسية، تعطي للفرد طريقة التفكير والتصرف، وتصبح مادية داخل المؤسسات الاجتماعية، بفضل وسائل كالقوانين الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، كما في الرؤية الدينية عبر المعتقدات أو الطقوس الجماعية والحكايات الشعبية الشفهية والمكتوبة وأشكال الفلكلور والأهازيج وأشكال الفرجة والفرح الجماعية والاجتماعية في المناسبات الدينية أو الوطنية. فمن هذا المنطلق وعلى هذا الأساس ميز" إميل دوركايم" بين ما هو فردي وما هو جماعي على مستوى التمثلات. حيثُ سيصنف التمثلات السابقة الذكر إلى تمثلات فردية وتمثلات جماعية:

التمثلات الفردية:

يرى دوركايم أن التمثلات الفردية لها كموضوع الوعي الخاص بأعضاء المجموعة الجماعية وفي إطار تفنيد أطروحة بعض علماء النفس النافية لوجود حياة نفسية خاصة بالإنسان يرى دوركايم أن التمثلات الفردية مستقلة عن خلايا دماغ خاص، ودليله على ذلك، أنها تظهر من جديد على سطح الوعي بعد غيابها لبعض الوقت، وإذا كان من الممكن إعادة إنتاج ظاهرة التذكر من جديد فإن معنى ذلك أن التمثلات طيلة غيابها عن وعي الفرد تتمتع بوجود مستقل عن الخلايا الدماغية حيث لا يمكن موضعتها.

هكذا يؤكد دوركايم أنّه لا يمكن فهم التمثلات الفردية دون الأوضاع والمواقف والميول والثقافة التي يستنبطها الأفراد والتي تحكم رؤيتهم إلى العالم وإلى أذواقهم، كما تحكم أنماط تفكيرهم وأسلوب عيشهم والمعايير التي يعتمدونها في تصنيف مجالات الحياة بحسب الأولويات، لذلك فإن تمثلات الأفراد حسب "دوركايم": "تختلف باختلاف القيم الثقافية التي اكتسبوها من المجتمع وباختلاف استعداداتهم العقلية والوجدانية والجسدية (13).

ومنه فالتمثلات تبعا لهذا الفهم، هي تصورات اجتماعية تتأسس في شكل قيم ومعايير للسلوك والتذوق والقول، بل يمكن اعتبارها تيارات رمزية تسيطر داخل مجتمع معين، وتنظم ضمنها آفاق رؤيتها ووعيها بشرط وجودها، يقول إميل دوركايم: "التمثلات هي ذلك التدفق الدائم من صورة الحياة، بحيث تدفع بعضها البعض كتدفق مجرى نهر دائم الجريان، ولا تبقى على حالها، إنها تتغير بتغير الحياة الإجتماعية، وإذا كانت التمثلات شخصية، فالمفاهيم لا شخصية ومن خلالها تتمكن العقول من التواصل"(14).

التمثلات الجماعية:

ينتقل دوركايم بعد تحديده للتمثلات الفردية إلى تعريف التمثلات الجماعية على الشكل الآتي: إذا كانت التمثلات الفردية خارج عن خلايا دماغ خاص فإن نفس الشيء يمكن أن يقال عن التمثلات الجماعية الخارج عن أدمغة كل أعضاء جماعة اجتماعية معينة أو محددة، بحيث تشكل التمثلات الفردية ولا يمكنها بالتالي إلا أن تكون قابلة للمقارنة بصيغة ما مع هذه الأخيرة، ويمكن الوصول إلى خلاصة مفادها أن الظواهر الاجتماعية التي يتعين تحديدها وذلك بهدف أن يكون للسوسيولوجيا موضوعا خاصا بها هي أولى. وهكذا يؤكد أن التمثلات الجماعية أكثر حضورا وأصدق دلالة من التمثلات الفردية، ويبدو هذا منطقيا بالنظر إلى أن الاتجاهات السوسيولوجية تمثيل إلى الجماعة، وإقصاء للفرد باعتباره جزء منها ويتأتى بها. فالوعي الجماعي يتجاوز الوعي الفردي ويتحكم فيه ويوجهه، وفي هذا السياق يقول: إميل دوركايم: "إن الوعي الجماعي يحرض التمثلات الجماعية التي تختلف حسب موضوعاتها: اقتصادي، سياسي، أخلاقي، ديني...وحسب طبيعتها مادية أو مثالية وهي أشكال عقلية واجتماعية التي تجمع عناصر كثيرة أسطورية، أو نظرة حول المكان أو الوقت (تقاليد، علم موحد، آراء، أساطير، حكايات شعبية...) ولها علاقة مع الممارسات اليومية والسلوكيات الفردية والجماعية ونتيجة لهذه الأسباب تشكل التمثلات الجماعية القاعدة الأساسية للأحكام الإنسانية"(15).

هكذا يخلص دوركايم إلى ما مفاده أنّ التمثلات الجماعية لها سلطة الإكراه التي بمقتضاها تفرض الظواهر الاجتماعية ذاتها على الفرد، بحيث تتخذ هذه التمثلات الجماعية كموضوع لها الوعي الجمعي والملاحظ أن دوركايم ركز بشكل كبير على ممارسة الظواهر الاجتماعية للإكراه على الأفراد وميزها عن الظواهر العضوية والنفسية . يقول دوركايم في هذا الصدد ما يلي: "إن الظواهر الاجتماعية المكونة من التمثلات الجماعية مميزة ليس فقط عن الظواهر العضوية، ولكن مميزة كذلك عن الظواهر النفسية التي ليس لها وجود إلا في وبواسطة الوعي الفردي"(16)، وقد شدد دوركايم على أن الظواهر الاجتماعية توجد في الوعي الجمعي الذي شكل العمود الفقري للسوسيولوجيا الدوركايمية، الذي بدونه كانت ستنهار وحدة النسق ومن ثم يختلف الوعي الجمعي عن الوعي الفردي...إن هذا التأكيد على أن التمثلات التي تنبني على أسس الجماعة وترتبط بالوعي العام الذي يسود المجتمع هي في منأى عن التغيير ومستمرة ودائمة عبر الأجيال. هكذا نرى أن دوركايم قد ركز على قوة وقهر المجتمع وذلك أنه لتفسير أي ظاهرة يجب الرجوع إلى المجتمع، أي هناك تغييب للفرد، وبالتالي المجتمع هو القيم والعادات والتقاليد والدين ...وهي التي تكون التمثلات الاجتماعية، وهي ظواهر جمعية ومستقلة عن الأفراد.

وتبعا لذلك يرى دوركايم أن الناس، بمن فيهم علماء الإجتماع، وغيرهم من العلماء، لا يمكنهم فهم عالمهم، إلا من خلال استخدام المفاهيم التي تسمح لهم باستيعاب وتنظيم التجارب والخبرات الفوضوية التي تتلقاها حواسهم، فقبل أن يتسنى لهم الإقدام على فعل ما، يتحتم عليهم تصور هذا الفعل بشكل من الأشكال ومحاولة توقع تبعاته، والتصورات الجمعية هي المفاهيم المشتركة اجتماعيا التي يستطيع الناس من خلالها التفاعل مع العالم الطبيعي وغيرهـــم من الناس الذين يقابلونهم، وعليه فالواقع إنما هو واقع تشكله الظروف المجتمعية، وفي التفاعلية الرمزية، تم صوغ هذه الفكرة نفسها فيما يتعلق بتوظيف الرموز والمعاني لبناء معنى الموقف، وقد تم تبني هذه النقطة في أعمال جان بودريارد الذي يفضل مصطلح" الصورة الزائفة" وذلك لتوكيد وجهة نظره في ضرورة اعتبار التصورات الجمعية انعكاسات فكرية مباشرة عن واقع خارجي مستقل، أي أنه يجب رؤيتها دائما باعتبارها مشكلات للواقع"(17).

أمّا بالنسبة لعالم الاجتماع الفرنسي" بيير بورديو" فإن كل التمثلات التي تكونت لذا الأفراد عن وضعهم هي الكيفية التي يمثلون بها ذلك الواقع الذي يتولد عن منظومة الإدراك والتقدير هذه الوضعية التي تحددها مكانة الفرد في النظم الاجتماعية، وتتولد كذلك عن التمثلات التي تكون لذا الآخرين عن هذه الوضعية لذلك فالاختلافات الموجودة في الواقع العيني توجد أيضا في أذهان الفاعلين، وتتحول تلك الاختلافات إلى فوائد يجنيها الأفراد والفاعلين بسبب عدم تكافؤ في امتلاك رؤوس الأموال المادية منها والرمزية، أي امتيازات معترف بها في التمثلات التي تكون لدى الفاعلين، وتكتسب تلك الامتيازات مشروعيتها من خلال الاعتراف بها، يقول بورديو في هذا الصدد:" إن التمثل الذي يكون لدى الأفراد عن وضعهم في الفضاء الاجتماعي يتولد عن منظومة من رسوم الإدراك والتقدير التي تتولد بدورها عن وضعية معينة تحددها المكانة في توزيع الخيرات والرأسمال الرمزي، والتي تدخل في اعتبارها التمثلات التي تكون لدى الآخرين عن هذه الوضعية والتي يحدد تجمعها الرأسمال وكذا المكانة في التوزيع وقد وجدت تعبيرها الرمزي في أسلوب العيش"(18).

وما ينبغي التأكيد عليه بالنسبة "لبيير بورديو "وهو أن تمثلات الأفراد عن الكيفية التي يمثلون بها ذلك الوضع، كلها تنتج عما يسميه بمنظومة الإدراك والتقدير، كما أن لهذه التمثلات دور كبير في إضفاء المشروعية على الفوارق الاجتماعية والطبقية، وتختلف تمثلات الفاعلين باختلاف شرط الوجود الاجتماعي، أما عالم الاجتماع البريطاني جون سكوت فيعرّف"التمثلات على أنّها الظواهر الفكرية المشتركة التي ينظم من خلالها الناس حياتهم، وتشكل مكونات جوهرية من أي ثقافة، وقد طرح هذا المصطلح لأول مرة دوركايم للإشارة إلى واحدة من الأنواع الرئيسية لـ "الحقائق الاجتماعية" التي يعنى بها علم الإجتماع: وهي المعتقدات والأفكار والقيم والرموز والتوقعات التي تشكل طرق التفكير والشعور التي تتسم بالعمومية والديمومة ضمن مجتمع ما أو مجموعة اجتماعية ما والتي تتشاركها باعتبارها خصيصة جماعية لها"(19).

ويعرّفها جيل فيريول إذ يقول في هذا الصدد ما يلي: من الممكن أن نعتبر التمثلات واقعا فريدا من نوعه يدل على رسوخ بنية الوعي الجماعي وطابعه الاستعلائي، أو آلة تصنيف الأشخاص والتصرفات، أو هيئة وسيطة بين الإيديولوجيات والممارسات، أو شكلا خاصا لفكر رمزي له قواعد تشكيل وانتشار خاصة به، وبغض النظر عن وجهة النظر المتبناة، تعرف بعض الإنتاجات بالمحتوى عندما يتعلق الأمر مثلا بالمعلومات أو الآراء، وترتبط بالفرد أو المجموعات، وتقع عند الحد المشترك للمادة والشخص، وللصورة والدلالة وتمنح بذلك نماذج وأطرا تحليلية قادرة على إفهامنا تكوين الحس المشترك بشكل أفضل، وهذا عبر عدد من العمليات ولا سيما الاحتجاز الانتقائي والتعميم المبنين أو الإجراءات منها المتصلة بالوضعنة والتشخيص(20).

وحسب تعريف عالم الاجتماع جوردن مارشال يشير مصطلح التمثلات إلى: "الطريقة التي تعمل بها الصورة والنصوص على إعادة بناء المصادر الأصلية التي تمثلها، وليس مجرد عكسها فحسب، وهكذا فإن رسمها لشجرة أو صورة لها أو وصفا مكتوبا لها لا يمكن أن يكون شجرة حقيقية، وإنما كل ذلك إعادة بناء الشيء الذي بدأ الشخص القائم بالتصوير أنه كذلك، فلو أن ذلك التصور كان شجرة فعلا، لما أمكن أن يكون صورة، أو رسما أو نصا مكتوبا.والتمثل أو التصور مفهوم مهم في السيمولوجيا " علم العلامات" وفي علم اللغة…ويدل على طريقة إعادة بناء وصياغة المعنى، إذ أنّ التصور يعمل باستمرار على تأكيد الأفكار النمطية عن هوية النوع، كما نلاحظ أن كل الصور التي تقدمها وسائل الاتصال في الإعلانات أو في الأفلام السينمائية إنما تقدمها دائما باعتبارها " شريحة من الواقع"، ومحاولة فهم تلك الصور، والتوصل إلى فهم معين لها، وكيف تقوم بصياغة المعنى.. حيث تميل الصور خاصة إلى تصنيف أفكار معقدة في معان ظاهرة البساطة، على النحو الذي ينفى عنها التناقض والغموض، ومن ثم تصبح التصورات كالأساطير التي يقبلها الناس برغم ذلك كشيء حقيقي"(21).

كما يعرّفها عالم الاجتماع فريدريك لوبرونFrédéric lebaron  فيعرفها كما يلي: "تعني التمثلات الاجتماعية أولا وقبل كل شيء تلك الصورة الذهنية لظاهرة ما، ويتم دراستها بشكل خاص من قبل علم النفس الاجتماعي"(22).

ويرى الباحث وعالم الاجتماع جون ماري سيكا Jean Marie Seca:"أن التمثلات الاجتماعية هي منتوج ونظام لنشاط عقلي بفضله الشخص أو الجماعة تعيد بناء الواقع الذي تواجهه وتستند له رموزا خاصة، كما يعتبره نسقا لترجمة الواقع الذي يحكم العلاقات مع الأفراد ومحيطهم(23)، في حين يشير مفهوم التمثل عند دونيس جودلات:"معرفة الحس المشترك والتي تعمل فيه المضامين والمحتويات على إبراز عملية التطور العمومي والوظيفي، ذو الصبغة الاجتماعيـة وبشكل عام يشير هذا المفهوم إلى شكل الفكر الاجتماعي، فالتمثلات الاجتماعية هي أنماط التفكير الموجه بشكل فعلي نحو التواصل والفهم والضبط والسيطرة على المحيط الاجتماعي المادي والمثالي، وبما أنها كذلك، فهي تمثل سلوكيات خاصة عل مستوى تنظيم المحتويات والعمليات العقلية والمنطقية، كما أن التنميط الاجتماعي للمحتويات وسيرورة التمثلات ترتبط بالظروف والسياقات الذي أنتج هذه التمثلات وأشكال التواصل الذي تروج من خلاله، والوظائف التي تشغلها في تحقيق التعامل مع العالم والآخرين (24).

إن دراسة التمثلات بحسب هذه التصورات تمنحنا معلومات حول تلك العلاقة بين الأفراد والجماعة التي ينتمون إليها، فهي بهذا تعطي معنى لموضوع التمثل وتؤدي إل ردود فعل متشابهة بين أفراد المجتمع الواحد، بحيث يكونون معنى مشتركا ومتقاسما بينهم، ولذلك فغايتها هي توجيه السلوك والاتصالات بين أفراد المجتمع الواحد، ثم تنظيم المحيط والتحكم فيه، على اعتبار أنها تساهم في تأسيس نظرة موحدة لواقع الجماعات الاجتماعية أو ثقافة معينة، فالتمثلات والمعارف الخاصة، فلا نقول عن تمثل أنه اجتماعي، إلا في الحالة التي يكون فيها تقاسما بين أفراد المجتمع، وكان يسمح بفهم مشترك ويظهر أثناء التفاعلات الاجتماعية، وبذلك يصبح للتمثلات وظيفة خلق الانسجام والتناغم داخل الجماعة عبر الأثر الذي تخلفه في فهم وضعيات بذاتها وتكوين إجابات حولها، بحيث تمنح للحالات المعيشة، السلوك البديهي، وهي تتكون من خلال التفاعلات التي تحدث بين أفراد المجتمع في مدة زمنية معينة، وتساهم في التنشئة الاجتماعية.

إن التمثلات بهذا المعنى توجه سلوكياتنا ونظرتنا إلى العالم. إنها أشكال المعرفة المتداولة داخل المجتمع وهي تأخذ الخصائص التالية:

1 ـ تكون كتقاسم بين أفراد الجماعة وهي تتشكل انطلاقا من التجارب المعيشية، والمعارف الملقنة.

2 ـ غايتها التنظيم والسيطرة على المحيط وتوجه التواصل والتصرفات التي تحدث بداخله.

3 ـ تساهم في إحداث تناغم اجتماعي، عبر أحداث وتكوين واقع مشترك داخل الجماعة الواحدة  .

4 ـ تقبل التغيير لكنه لا يحدث إلا عندما نتجه رأسا نحو عناصر النواة المركزية للتمثل.

وهنا ينبغي أن نطرح مجموعة من التساؤلات وهي كالتالي:

كيف تتكون التمثلات؟

وما نواتها المركزية؟

وما الميكانيزمات التي تحكمها؟

أ ـ تكون التمثلات الاجتماعية: لكل فرد آليات وميكنزمات تسمح له بتكوين تمثلاته الخاصة، وهي ذات طبيعة معرفية: إنها طرق لتنظيم المعلومات الصادرة عن العالم الاجتماعي الذي هاجر إليه الفرد. بحيث يبدو من المستحيل أن نمنحه كل المعلومات الضرورية حتى يضبط ويفهم وأن يتصرف أمام حالة معطاة، ولذلك فهو مضطر لانتقاء تلك المعلومات التي تبدو له ذات راهنية وتمكنه من إعطاء الدلالة المتناسبة التي تتلاءم وهذه الحالة أو تلك.

ب ـ بنيـة التمثل

1 ـ النواة المركزية: النواة المركزية لتمثل اجتماعي معين هي مجموع التمثلات المتضمنة فيها

والمكونة من عنصر أو مجموعة عناصر تدل على التمثل وهي عناصر أقل كثرة بشكل عام للنواة المركزية، وهي تمثل مجموع المعارف الأكثر مقاومة للتغيير.

2 ـ العناصر المحيطة: العناصر المحيطة هي أقل تركيزا في التمثل الاجتماعي وهي تنتظم من حول العناصر النواتية، بحيث تلعب دورا أساسيا في إعطاء الدلالة للواقع وختمه بطابعها، كما تسمح بتصدير معنى ما إلى وضعية ما أيضا بطريقة سريعة كما يمكن أن تقبل بمعارف تناقض التمثلات المختومة وهو ما يعني أنها قادرة على التطور من دون إحداث تغيير كبير في التمثل (25).

ج: ميكانيزمات التمثلات الاجتماعية

1 ـ تكوين الانطباعات: الانطباع هو صورة عامة منسجمة عن صورة مكونة من مجموعة من المعارف أقل أو أكثر تنافرا أو تباينا، بحيث إن الفرد يستسلم لتأطير بعض المعارف التي تتعلق بوضعية معيشة تفرض نفسها عليه، واختياره لهذه الانطباعات يخضع لميكانزمين اثنين خاصين وهما:

- تأثير أولي: يرتبط بمدى أثر المعارف الأولى التي تلقيناها بالمقارنة مع المعارف الموالية.

- تأثير جوهري: لبعض المعارف ذات القيمة وهي طباع، يطلق عليها اسم الخطوط الجوهرية.

2 ـ الأحكام المسبقة والأجوبة الاجتماعية: Stéréotype

الحكم المسبق: هو تقويم يمارسه الفرد بناءا على اعتبارات ذاتية، وخاصة ومؤسسة بشكل قبلي،

فالأحكام الجاهزة هي رأي جاهز، يتم قبولها دون تفكير مسبق ويتم ترديدها دون تمحيص أو تحقق مسبق، ولذلك فهي تعمل عل رسم الواقع بشكل معين، أي العمل على تقطيعه إلى فئات محددة وهي أيضا تصورات عقلية مكتسبة، لا تتلاءم بالضرورة مع وقائع ذات طابع موضوعي.

3 ـ كيفية اشتغال الأحكام المسبقة والجاهزة: إن الأحكام المسبقة هي بمثابة تمثلات اقتصادية يسهل انتقالها، جاهزة، تعمل على تبسيط الواقع، حيث تعمل على توجيه الفهم، لبعض الوضعيات لتفادي التحليل المعمق والمكلف من حيث الوقت والجهد، وهي تعمل على تحقيق الاندمـاج وضمان العضوية داخل الجماعة، بالنظر إلى أنها مشتركة، ومتبناة بين أكبر عدد من أفراد المجتمع، ولذلك فهي تيسر عملية التمييز داخل مجموعة منسجمة. يظهر تحجر الأحكام الجاهزة بشكل واضح عندما نأخذ بعين الاعتبار أثرها على الإدراك وذكريات الذوات، بحيث تم إجراء بحث في الولايات المتحدة حول صورة الإنسان الأبيض والإنسان الأسود لدى مجموعة من الأفراد، حيث أخذ الأبيض شفرة حلاقة بيده، ليطلب من العينة وصف ما شاهدوه، إذ عملوا على مباشرة عل ربط شفرة حلاقة بالإنسان الأسود تبعا لما ترسخ في أذهانهم من أحكام جاهزة حيث يعتبرون الإنسان الأسود الأمريكي كائن عنيف.

أن تكون الأحكام الجاهزة تخضع لأربع تطورات معرفية

الأول: ما فوق التعميم La Surgénéralidation والتي تقتضي تعميم الصفة المميزة لدى فرد معين على بقية الأفراد الآخرين.

الثاني: الانحرافات السلبية المرتبطة أساسا بالميل العميق إلى اختيار وتفضيل الخطوط السلبية لفرد أو مجموعة معينة.

الثالث: الأحكام الجاهزة ترتبط بالميل الداخلي نحو الأخذ بالخطوط العريضة للفرد أو الجماعة.

الرابع: الربط المغلوط الذي يتأسس على الميل الداخلي يجد له انسجاما في مختلف الخطوط العريضة لمجموعة اجتماعية معطاة (26).

إن ما يمكن ملاحظته من خلال الطرح السوسيولوجي لمفهوم التمثل هو اعتباره غير قابل للتغيير بالنظر إلى أنه يرتبط بالوعي الجماعي لشريحة اجتماعية عريضة، الأمر الذي يجعل منه متعاليا على شعور الفرد وخارج إرادته، ببسط سيطرته عليه، والتحكم فيه، حيث لا يمنحه إمكانية تجاوزه، مادام يلتزم بالالتزام والقهر وهو كذلك، لأنه نتيجة تفاعلات وعلاقات تنشأ بين أفراد المجتمع، ولأنه يضمن تماسك المجتمع ويحافظ على بنيته واستمراريته، فالتمثل يقوي الروابط الاجتماعية السائدة، الأمر الذي يجعل هذا التصور أحادي الجانب من حيث أنه يلغي المكون السيكولوجي للفرد وردوده في إحداث التمثل مما يضع أمامنا إمكانية الانفتاح على مقاربات أخرى، خاصة مقاربة علم النفس الاجتماعي.

مقاربة علم النفس الاجتماعي

جاء في قاموس علم النفس لنوربير سيلامي ما يلي:

"التمثل الذي يرجع إلى الكلمة اللاتينية "Representare" أي "إحضار الشيء" لا يقصد به إحضار صورة لحقيقة الشيء، بل هو بناء يقوم به نشاطنا العقلي"(27)، ويرجع السبق في توظيف مفهوم التمثل الاجتماعي إلى عالم النفس الاجتماعي سيرج موسكو فيتشيSerge Moscovici الذي اقترحه لأول مرة في كتابه son image et son public سنة 1961 في دراسته للتحليل النفسي،

حيث شكل مفهوم التمثل في هذه الفترة مجال اهتمام واسع ليلقى رواجا بعد ذلك، في مجال الأبحاث النفسية الاجتماعية خاصة مع الباحثين هرليش وداوز وبيري كليمان، وفي العلوم الإنسانية بصفة عامة وفيه يقول موسكوفيسي: "عهدنا عهد التمثلات الاجتماعية بامتياز"(28).

وقد حاول "Moscovici" مقاربة المفهوم من خلال حديثه على أن التمثلات الاجتماعية وضعت قنطرة عبور بين ما هو اجتماعي إلى ما هو فردي، ومما هو فردي إلى ما هو اجتماعي، ولتحقيق ذلك تم القيام بعمليتين هما: إضافة أشياء وحذف أشياء، نظرا لكون الإنسان العادي هدفه هو الحفاظ على توازنه واستقراره المعرفي والنفسي، وذلك بالتركيز على أشياء معينة. حيثُ يعتبر أنه "يمكن مقارنة التمثلات الاجتماعية بنظريات المعرفة المشتركة والعلوم الشعبية المنتشرة داخل مجتمع معين" فالتمثلات بهذا المعنى يتم بناؤها في إطار الممارسات اليومية، يتم تقاسمها بين أعضاء مجموعة معينة (29).

ويعود الفضل لموسكو فيتشي في إعطاء الوضوح العلمي اللازم لمفهوم التمثل الاجتماعي، كما وصف الطريقة الملائمة لمقاربته بشكل سيكو سوسيولوجي فمن جهة، أعاد التساؤل حول مفهوم التمثل الاجتماعي، ثم أبان عن أهميته في العديد من مجالات الحياة الاجتماعية من جهة ثانية.

فقد أبرز كيف أن التمثل يعمل على تحويل المعرفة العلمية إلى معرفة مشتركة بين عدد من الأفراد وبشكل متبادل أيضا، يقول: "التمثل نسق من القيم والمفاهيم والسلوكيات المرتبطة بسمات ومواضيع يحدد معالمها الوسط الاجتماعي. وهي لا تسمح فقط بتحقيق استقرار حياة الأفراد والجماعات ولكنها تشكل فوق كل هذا وذاك أداة لتوجيه إدراك المواقف وصياغة الأجوبة عل التساؤلات المطروحة.

ويتشكل التمثل تحت تأثير عاملين رئيسيين وهما:

التواضع والموضعة: (L’objectivité)

يمثل النواة المركزية للتمثل فمن خلاله تتم عملية بناء الموضوع، في شكل جديد، وتتكون بدورها من ثلاثة مراحل وهي:

- البناء الانتقائي Sélection constructive

فمن خلال هذه العملية يتبنى الفرد الرموز والمعايير والقيم الملائمة لتمثلاته السابقة حول موضوع ما. فعملية الانتقاء هذه تهدف إلى خلق تلائم وتوافق ما بين مكونات ومضامين تمثلات الأفراد وبين أشكال وصيغ بنائها من طرف الفرد.

- الخطاطة البنائية  Schématisation constructurale

حين يقوم الفرد خلال هذه العملية بتجزيء أو تشجير معطيات التمثل حسب خبراته لتستجيب للقواعد المعرفية والسلوكية القائمة، أي لتمثلاته السابقة والتي يشترك فيها مع بقية أفراد المجتمع، مما يعطي التمثلات سهولة استدعائها أثناء التواجد في وضعية معينة قد كون الفرد حولها مسبقا.

- التطبيع naturalisation

وهي تعمل على تحديد المفاهيم المجردة للنشاط العقلي وتجسيد الأفكار من خلال منحها صورة معينة حيث يعمل الفرد من خلال تأكيد مسايرة معاييره للقيم السائدة داخل المجتمع.

- الترسيخ L’encrage

وهو يعمل على تأمين التوجه الاجتماعي للتمثل مع القيم المعرفية الخاصة التي يتطلع إليها في الجماعة المرجعية، فالترسيخ بهذا المعنى، يمكن اعتباره مرادفا لاستقرار التمثل وفق المعايير الاجتماعية السائدة، فيصبح حقيقة مرجعية يستند إليها الفرد في كل أفعاله ومواقفه وسلوكياته السيكوسوسيولوجية (30).

تأسيسا على ما سبق فإن المقاربة السيكوسوسيولوجية قد عملت على تقديم التمثل وتفسيره باعتباره عملية بنائية تخضع للتجديد، وليس مجرد استدماج مكانيكي من قبل الأفراد، كما زاوجت بين "البعد النفسي للفرد" و"البعد الاجتماعي للجماعة" فكان ذلك بمثابة الانطلاقة نحو فهم جديد للتمثل في بعده المعرفي خاصة مع علم النفس المعرفي.

مقاربة علم النفس المعرفي

اشتغل جون بياجي بدوره على مفهوم التمثل والأحكام الأخلاقية عند الطفل، خاصة فيما يتعلق بتكوين السيرورات النفسية المتدخلة في معالجة معطيات الواقع مثل سيرورة الترتيب والتفييء والتفسير، فمن خلال التمثل نستطيع حسب فهم مشكل الحفاظ على الكميات لدى الطفل مثلا، وهو لم يهتم التمثلات العقلية عند الطفل إلا من حيث أنها تساهم وتتماشى مع تكوين شبكة للفهم المنطقي للعالم بالنسبة إليه والتي تنمو بشكل متدرج وبشكل مرحلي تبعا للنمو العقلي للطفل.

إن دور التمثلات الاجتماعية السائدة داخل مجتمع ما في ظهور الأحكام الأخلاقية عند الطفل، جعلت بياجي منذ سنة 1932 يعمل على فهم تحولات أفكار الأطفال التي يكونوها خلال مراحل نموهم حول مفاهيم أخلاقية كالانضباط والاحترام التبادل والتعاون والواجب .. فالأطفال سيدمجون هذه المفاهيم ويضعون تمثلا لها من خلال التنشئة الاجتماعية التي يخضعون لها داخل مؤسسة الأسرة والمدرسة وهم مجبرون على التصرف وفق هذه التمثلات الاجتماعية ليحققوا اندماجهم داخل الجماعة(31)، أما في سنة 1946 فقد انهمك بياجي على فهم تكوين الرموز لدى الطفل من خلال نموه العقلي، حيث يظهر التمثل كسيرورة للتقليد واستعمال الصور العقلية، فلعب الأطفال مثلا، يسمح للطفل بالمرور إلى الوضعية الحقيقية في الواقع وعلى تحضير ذاته للسلوك المفترض مستقبلا.

إن تكوين المعرفة بهذا المعنى، هو بمثابة سيرورة نمو وتطور متواصلة، لا يمكن معرفة بدايتها الأولى أو نهايتها، لأن كل معرفة جديدة هي وليدة معرفة سابقة في بنائها على مفاهيم وتصورات وخبرات وتجارب معينة. ومهما كانت طبيعة هذه المعارف فإنها تتشكل داخل إطار أو "بنية ذهنية" تسمى التمثلات حيث تقوم هذه الأخيرة بعدة وظائف منها رصد المعطيات المعرفية وانتقاء المعلومات وتحويلها وإعادة بنائها، مما يجعل منها نشاطا معرفيا إبداعيا (32).

على سبيل الختم

خلصت هذه الدراسة إلى أن التمثل يشكل حجر الزاوية لفهم كيفية إدراك الأفراد للعالم الاجتماعي والثقافي، ولفهم ديناميات المعرفة داخل الجماعات. أظهرت الدراسة أن التمثلات الفردية والجماعية تتفاعل أحيانًا بشكل متكامل وأحيانًا بشكل متعارض، وهو ما يوضح التعقيد الداخلي للسلوك الاجتماعي.

كما أبرزت الدراسة أهمية المفكرين والفلاسفة مثل شوبنهاور ودوركايم، وعلماء الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي والمعرفي، في تقديم أدوات تحليلية دقيقة لفهم التمثل.

إن دراسة بنية التمثل وآلياته، بما في ذلك الأحكام المسبقة والأجوبة الاجتماعية، توفر فهماً علمياً متكاملاً لكيفية اشتغال المعرفة داخل المجتمع، وتؤكد أن التمثلات تشكل أساسًا لفهم الظواهر الثقافية والاجتماعية، كما تعزز من القدرة على التفسير الأكاديمي للسلوك الاجتماعي وآليات التواصل الجماعي.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث جامعي مغربي

..........................

لائحة المراجع والمصادر

المراجع والمصادر باللغة العربية

- القرآن الكريم.

- ابن سيدة: المحكم والمحيط العظم في اللغة، ت.د. عائشة عبد الرحمان بنت الشاطئ، ط 2، ج3.

- بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة بن عبد العالي، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية 1990.

- جون سكوت، علم الاجتماع، المفاهيم الأساسية، طبعة الأولى بيروت 2009.

- جيل فيريول، معجم مصطلحات علم الاجتماع، طبعة الأولى، 2011.

- جوردن مارشال، موسوعة علم الاجتماع، مراجعة وتقديم محمد الجوهري. طبعة الأولى 2000.

- مجلة مواقف للبحوث والدراسات في المجتمع والتاريخ.

- حليمة كريم 2007 ص .120، المرجع: التمثلات وعلاقتها بالعملية التعليمية، مجلة علوم التربية، دورية مغربية نصف سنوية، أكتوبر 2007، العدد 35.

- مجمع اللغة العربية، معجم علم النفس والتربية، الجزء الأول، الهيأة العامة لشئون المطابع الأميرية،1984.

- ريجيس دوبري، مفهوم الصورة عند ريجيس دوبري.

- شاكر عبد الحميد، عصر الصورة.

- فرانسوا مورو: البلاغة مدخل لدراسة الصور البيانية، ترجمة: محمد الولي وعائشة جرير، إفريقيا الشرق-الدار البيضاء، 2003م.

- شرف الدين مجدولين: الصورة والنوع والمتخيل الثقافي قراءة في نموذجين نقديين، مجلة نزوى، العدد.36، أكتوبر2003.

- صلاح عبد الفتاح الخالدي، نظرية التصوير الفني عند السيد قطب، الفنون المطبعية، الجزائر،

1988.

- عمر عتيق، ثقافة الصورة دراسات أسلوبية، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى،2010.

- شاكر عبد الحميد، عصر الصورة.

- علي بن محمد الشريف الجرجاني، كتاب التعريفات، مكتبة لبنان، طبعة جديدة، بيروت، 1985.

- إيناسيورامونه، ترجمة نبيل الدبس، الصورة وطغيان الاتصال، دمشق، 2009.

- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة المدني بالقاهرة، ودار المدني بجدة، الطبعة الثالثة، 1992 م.

- كامل حسن البصير، بناء الصورة الفنية في البيان العربي.

- عبير عليوة إبراهيم، الصورة الفنية في شعر حسان بن ثابت، رسالة ماجستير مخطوطة بكلية الآداب، جامعة الزقازيق،1990م.

- الولي محمد، الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1،

1990.

- عبد القادر القط، الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر، دار النهضة العربية، ط2، 1981.

- ابن كثير، تفسير القرآن الكريم، (4/ 106. (

- القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص. 328.

- الجاحظ، عمرو بن بحر، كتاب الحيوان، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، ج3.

- د. كامل البصير، بناء الصورة الفنية في البيان العربي.

- د. إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب.

- الراغب أحمد، وظيفة الصورة في القران الكريم، ص 21, عن: قدامة بن جعفر، نقد الشعر.

- الدكتور محمد إبراهيم عبد العزيز شادي، الصورة بين القدماء والمعاصرين.

- العسكري ابو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل، كتاب الصناعتين، تحقيق علي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركائه، 1952م.

- الدكتور محمد محمد أبو موسى، البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري.

- الراغب احمد، وظيفة الصورة في القران الكريم، ص.30، عن ابن الاثير، المثل السائر.

- حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب الخوجة – بيروت – دار الغرب الاسلامية، ط. 2، 1981.

- محمد بوزاوي، معجم مصطلحات الأدب، الدار الوطنية للكتاب، الجزائر، د ط، 2009.

- أحمد جمعة أحمد نايل، التحليل الأدبي أسسه وتطبيقاته التربوية، دار الوفاء، الإسكندرية، ط1،

ص.206.

- جابر عصفور، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، دار الثقافة للطباعة والنشر، مصر،

ط3، 1992.

- مصطفى ناصف، الصورة الأدبية، مكتبة مصر، القاهرة، ط. 1، 1998م.

- عز الدين إسماعيل، التفسير النفسي للأدب، مكتبة غريب، القاهرة، ط4، د.ت.

- أبو أديب كمال، جدلية الخفاء والتجلي، دار العلم للملايين، بيروت، طبعة 3، ص. 20.

- اليافي نعيم، الصورة في القصيدة العربية المعاصرة، القاهرة، ص. 2.

- ماجدة حمود، مقاربات تطبيقية في الأدب المقارن، تحاد كتاب العرب، سوريا، ط. 1، 2011م.

- أهمية الصورة في العملية التعليمية التعلمية – الحوار المتمدن العدد 2826 – المحور: الفلسفة،

علم النفس، وعلم الاجتماع.

- أحمد فرشوخ، الطفولة والخطاب.

- الدكتور أحمد أوزي، الطفل والمجتمع.

- مصطفى الورياغلي، الصورة الروائية.

- كيليطو، الأدب والغرابة.

- د. محمد مفتاح تحليل الخطاب الشعري إستراتيجية التناص، دار السنوبر ط1 1985.

- جوزيف كورتيس، مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية، ترجمة: د. جمال حضري، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف.

- كورتيس، مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية، ص 208، ترجمة د. جمال حضري، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، السنة 2007.

- غريماس، تقديم لكتاب جوزيف كورتيس مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية.

- المراجع والمصادر بغير العربية

– Larbi Layachi: Yesterday and Today (الأمس واليوم).

- Black Sparrow Press, Santa Barbara. CA. 1985: The Jealous Lover.

Tambouctou Books. CA. 1985.

- Le petit robert.

– Flament. C. 447: 1989.

– P. Mannoni, 1989.

– G. Thines, et, A. Lempreur, 1975.

– Thines et Lempreur, 1975.

– E.durkeheim: " forme élémentaire de la vie religieuse" puf. Paris 1968.

– Baudrillard, Jean. Simulacra and Simulations. The Precession of Simulacra.

– La sociologie de A à Z. Frédéric lebaron. paris.2009.p 103.

– Jodolet, D. 1984.

– Langenfeld 2005.

– N. Sillamy ,1980.

– Moscovici, " son image et son publique" édition puf, 1961.

– Yves Alpe, 2005.

– Ferdinand de Saussure, Cours de linguistique générale dans Bougnoux, D.

Sciences de l’information,

- Larousse, Paris, 1993, p. 12.

- Gremas, sémiotique structurale.6

- G. Courtes, Introduction à la sémiotique narrative et discursive.

- Analyse sémiotique du texte, p.15, Groupe d entre vernes.

الهوامش

(1) ـ آرثر شوبنهاور، العالم إرادة وتمثلا.ط.1. القاهرة، المركز القومي للترجمة 2006. ص 58.(

(2) ـ سورة مريم، الآية17.

(3) ـ المنجد في اللغة والإعلام، 1975، ص.440.

(4) ـ ابن منظور، 2000: 436.

(5) - Le petit robert 1, 1984, p1676.

(6) - Le petit robert 1, 1979, p1679.

(7) - Le petit robert 1, 1979, p1679.

(8) – Dictionnaire couleursTextes et images.993P1266

(9) – Flament. C. 447: 1989.

(10) – P. Mannoni, 1989: 35.

(11) – G. Thines, et, A. Lempreur, 1975:837.

(12) – Thines et Lempreur, 1975, p.837.

(13) – E.durkeheim: " forme élémentaire de la vie religieuse" puf. Paris 1968 page 65.

(14) ـ نفس المرجع صفحة 66.

(15) ـ دوركايم،1988، ص85.

(16) ـ دوركايم،1988، ص85.

(17) – Baudrillard, Jean. Simulacra and Simulations. The Precession of Simulacra.

(18) ـ بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة بن عبد العالي، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية 1990.

(19) ـ جون سكوت، علم الاجتماع، المفاهيم الأساسية، طبعة الأولى بيروت 2009 ص. 203-122.

(20) ـ جيل فيريول، معجم مصطلحات علم الاجتماع، طبعة الأولى، 2011، ص. 153.

(21) ـ جوردن مارشال، موسوعة علم الاجتماع، مراجعة وتقديم محمد الجوهري. طبعة الأولى 2000 ص 411.

(22) – La sociologie de A à Z. Frédéric lebaron. paris.2009.p 103.

(23) ـ مجلة مواقف للبحوث والدراسات في المجتمع والتاريخ، ص 194

(24) – Jodolet, D. 1984, p. 357 et 378.

(25) – Langenfeld 2005, p168.169.

(26) – Langenfeld 2005, p168.169.

(27) – N. Sillamy ,1980, p. 1029.

(28) – Moscovici, " son image et son publique" édition puf, 1961, page. 73.

(29) – Yves Alpe, 2005, p.220-221.

(30) – Monnouni: 2010 Mai, P.47-48

(31) – Monnouni 2010 Mai p.47.

(32) ـ حليمة كريم 2007 ص .120، المرجع: التمثلات وعلاقتها بالعملية التعليمية، مجلة علوم التربية، دورية مغربية نصف سنوية، أكتوبر 2007، العدد 35، ص.120.

 

سيمياء التأويل والسرد ونظريات الإنتاج الدلالي

ملخص البحث: تتناول هذه الدراسة الخامسة ضمن المشروع البحثي الشامل مفهوم التأويل كأداة فلسفية وسيميائية مركزية لفهم الخطاب السردي والحكاية والأدب العجائبي. وتعتمد الدراسة على ما تم التوصل إليه في الدراسات السابقة ضمن المشروع، من تحليل الخطاب السردي وفق المنهج الشكلاني إلى التحليل البنيوي، مرورًا بسيمياء البنية وصولًا إلى سيمياء الأهواء، لتقدم رؤية متكاملة تُظهر التجاور بين التحليل الغربي للمفكرين البارزين مثل أمبرتو إيكو ورولان بارت وميشيل فوكو وجوليا كريستيفا وفولفغانغ إيزر، ومن ثم المقاربات العربية التي صاغها محمد مفتاح ونصر حامد أبو زيد وطه عبد الرحمن.

وتؤكد الدراسة على تعددية المعاني والمرجعية الثقافية والبعد الرمزي والفلسفي للتأويل، كما تُبرز العلاقة الحية بين النص والقارئ والسياق الاجتماعي والثقافي، ما يجعل التأويل أداة محورية في التحليل المتقدم للخطاب السردي والأدب العجائبي، ويُثري فهم البنية الدلالية للنصوص ضمن الإطار الثقافي والفلسفي.

الكلمات المفتاحية: التأويل، الخطاب السردي، السرد، الحكاية، الأدب العجائبي، التحليل السيميائي، الدراسات العربية والغربية

Academic Abstract

The fifth study within this comprehensive research project examines interpretation (hermeneutics) as a central philosophical and semiotic tool for understanding narrative discourse, storytelling, and fantastic literature. The study builds upon the findings of previous research within the project, ranging from formalistic approaches to structuralist analysis, passing through the semiotics of structure and culminating in the semiotics of passions, offering an integrated perspective that juxtaposes the Western analyses of prominent thinkers such as Umberto Eco, Roland Barthes, Michel Foucault, Julia Kristeva, and Wolfgang Iser, with Arabic interpretations by Mohamed Meftah, Nasr Hamid Abu Zayd, and Taha Abderrahman.

The study emphasizes the multiplicity of meanings, cultural reference, and the symbolic and philosophical dimensions of interpretation, highlighting the dynamic relationship between the text, the reader, and the socio-cultural context. Hence, interpretation is positioned as a pivotal tool in the advanced academic analysis of narrative discourse and fantastic literature, enriching the understanding of the semantic structure of texts within their cultural and philosophical framework.

Keywords: interpretation, narrative discourse, storytelling, tale, fantastic literature, semiotic analysis, Arabic and Western studies

على سبيل التقديم

تعتبر هذه الدراسة امتدادًا طبيعيًا لمشروع بحثي شامل تناول تطور تحليل الخطاب السردي من مختلف المقاربات النظرية، حيث بدأت الرحلة بالدراسة الأولى المعنونة ب- "الاتجاه الشكلاني في تحليل الخطاب السردي – فلاديمير بروب نموذجًا"، والتي ركزت على الأسس الشكلانية للخطاب والحكاية السردية، مستعرضة بنيتها الداخلية وعناصرها الثابتة والمتكررة.

تلتها الدراسة الثانية بعنوان "الاتجاه البنيوي في تحليل السرد - من القواعد التحويلية عند تودوروف إلى المفارقات السردية والزمنية عند جيرار جنيت"، والتي وسعت الأفق التحليلي إلى دراسة الزمن السردي والمفارقات والبنى التحويلية، مع التركيز على التفاعلات الداخلية للنصوص.

أما الدراسة الثالثة، الموسومة "من البنية إلى المعنى: الدلالة البنيوية وآفاق التحليل السيميائي - مشروع غريماس ومدرسة باريس نموذجًا"، فقدمت خطوة متقدمة في فهم المعنى من خلال تحليل الدلالة البنيوية وتوظيف السيمياء في كشف الرموز والبنيات الثقافية للنصوص.

ثم جاءت الدراسة الرابعة "سيمياء الأهواء: من الاستهواء إلى الجسد السردي - قراءة لمشروع غريماس وفونتني"، والتي سلطت الضوء على أبعاد التأويل الجسدي والنفسي في السرد، وكيفية تحليل الأهواء والرغبات الإنسانية كجزء من البنية السيميائية للنص، مما أتاح فهمًا أعمق للعلاقات بين القارئ والنص والثقافة.

وتأتي هذه الدراسة الحالية، بعنوان " الدلالة التأويلية والخطاب السردي: سيمياء التأويل والسرد ونظريات الإنتاج الدلالي"، استكمالًا لهذا المشروع البحثي المتسلسل، لترسخ فكرة أن تحليل الخطاب السردي لا يقتصر على البنية وحدها، بل يمتد إلى التأويل والفهم الرمزي، مستفيدًا من تجارب كبار المفكرين الغربيين مثل أمبرتو إيكو ورولان بارت وميشيل فوكو وجوليا كريستيفا وفولفغانغ إيزر وبول ريكور وإرنيست كاسيرير، ومن المفكرين العرب مثل محمد مفتاح ونصر حامد أبو زيد وطه عبد الرحمن.

ويهدف هذا المشروع البحثي، من خلال هذه الدراسة الحالية والخامسة ضمن سلسلة الدراسات السابقة إلى استكشاف التأويل كأداة فلسفية وسيميائية لفهم الخطاب السردي والحكاية والأدب العجائبي، وربطه بالذاكرة الثقافية الجماعية وإمكانات القارئ في استكشاف الرموز والمعاني العميقة.

تعريف الخطاب

تنتمي العبارات المشتقة من جذر (خ ط ب) إلى حقول دلالية مختلفة، بحيث يمكن اعتبار الخطاب نظام القول أو الفعل العقلي، أي القائم على الحجة والدليل، وفي قوله تعالى:﴿لا يملكون منه خطابا﴾ (1)، وهذا يقتضي أن الخطاب نظام القول المؤثر والمقنع لكل الأطراف.

ففي معجم مقاييس اللغة لابن فارس'' الكلام المتبادل بين اثنين، يقال: خاطبه يخاطبه خطابا، والخطبة من جنس الخطاب ولا فرق، وفي النكاح: الطلب أن يزوج وقال تعالى "لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النكاح " والخطبة: الكلام المخطوب به، والخطب، الأمر يقع ، وإنما سمي بذلك لما يقع فيه من التخاطب والمراجعة''(2).وفي أساس البلاغة للزمخشري: نجد "خطب فلان، أحسن الخطاب، والخطاب هو المواجهة بالكلام، وأختطب القوم فلانا: إذا توجهوا إليه بخطاب يحثونه فيه على تزوج صاحبتهم وتقول له: أنت الأخطب، البين الخطبة'' (3).

وفي العين للخليل: "الخطاب هو مراجعة الكلام، والخطبة مصدر الخطيب، وكان الرجل في الجاهلية إذا أراد الخطبة قام في النادي فقال: خطب، ومن أراده قال: نكح، والخطب: المرأة وهو الزوج والخطبة إن شئت في النكاح وإن شئت في الموعظة''(4). وفي الكشاف ''نجد أن الخطاب ''في أصل اللغة توجيه الكلام نحو الغير للإفهام ثم نقل إلى الكلام الموجه نحو الغير للإفهام وقد يعبر عنه بما يقع به التخاطب''(5).

جاء في أساس البلاغة للزمخشري ''خطب فلان: أحسن الخطاب، والخطاب هو المواجهة بالكلام، واختطب القوم فلانا: إذا توجهوا إليه بخطاب يحثونه فيه على تزوج صاحباتهم. وتقول له: أنت

الأخطب: البين الخطبة''(6).

وعموما الخطاب اسم مصدر مشتق من خاطب، وهو يدل على ما ينجزه المخاطب المتمثل في

توجيه الكلام إلى الغير، وقد يتقاطع الخطاب في معناه مع مصطلحين آخرين هما: الكلام باعتباره مرادفا للمخاطبة، وقد سبق لابن منظور أن ميز بينهما من خلال معنى التبادل والمشاركة حين قارن بين المصطلحين إذ يقول 'والخطاب والمخاطبة مراجعة الكلام وقد خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابا وهما يتخاطبان (7) وهو تعريف يجعل الخطاب أعم وأشمل من معنى المخاطبة، إذ أن هذه الأخيرة لا تمث-----ل

سوى نوع مخصوص من ذاك.

إن لفظ الخطاب يتردد كثيرا بالاقتران بوصف الآخر مثل: الخطاب الثقافي، الخطاب السياسي، الخطاب التاريخي، الخطاب الاجتماعي، الخطاب الصوفي.

ولذلك ورد الخطاب بتعريفات متنوعة بهذه الميادين العديدة بوصفه فعلا، يجمع بين القول والعمل، فهذا من سماته الأصلية، وليس في هذا تشتت بقدر ما فيه من غنى وسعة في التصنيف، وقد ورد لفظ الخطاب عند العرب قديما، كما ورد عند الغربيين.

الخطاب عند العرب

ورد لفظ الخطاب في الثقافة العربية في عدة مواضع، إذ ورد في القرآن الكريم بصيغ متعددة منها: صيغة الفعل في قوله تعالى: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾(8)، وفي قوله تعالى عن داوود عليه السلام ﴿وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾(9).

ولقد عد الرازي صفة فصل الخطاب من الصفات التي أعطاها الله تعالى لداوود معتبرا إياها من علامات حصول قدرة الإدراك والشعور، والتي يمتاز بها الإنسان على أجسام العالم الأخرى من الجمادات والنباتات وجملة الحيوانات.

وقد ورد اسم المفعول (المخاطَب) عند النحاة للدلالة على طرف الخطاب الآخر، أي الذي يوجه المرسل كلامه إليه، وقد وردت كثير من الاشتقاقات في مادة "خ ط ب" ومن بين الأدلة على ذلك إيراد النحاة العرب لاسم الفاعل (مخاطِب) ولاسم المفعول (مخاطَب)، بوصفهما طرفي الخطاب"(10). ويعرفه الآمدي بأنه "اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيئ لفهمه " أما الجويني فيرى:

"بأن الكلام والخطاب والتكلم والتخاطب والنطق واحد في حقيقة اللغة وهو ما به يصير الحي متكلما"(11).

الخطاب عند الغربيين

تعددت مصطلحات الخطاب وتنوعت بتنوع الدراسات واختلافها، وعموما يطلق مصطلح الخطاب على أحد هذين المفهومين: الأول أنه ذلك الملفوظ الموجه إلى الغير، بإفهامه قصدا معينا، والثاني الشكل اللغوي الذي يتجاوز الجملة.

والخطاب حسب بنفنيست Benveniste هو كل تلفظ يفترض متحدثا ومستمعا، تكون للطرف الأول نية التأثير في الطرف الثاني بشكل من الأشكال (12).

ومن ثمة يميز بنفنيست Benveniste بين نظامين للتلفظ هما: الخطاب والحكاية التاريخية، ذلك أن الخطاب لا يقتصر في كونه وحدة لسانية مفرغة، بل يتشابك مع الثقافة والمجتمع، ''فالخطاب قوامه جملة الخطابات الشفوية المتنوعة ذات المستويات العديدة، وجملة الكتابات التي تنقل خطابات شفوية شأن المراسلات والمذكرات والأعمال التعليمية، حيث يختلف عن الحكاية التاريخية في مستويين اثنين هما: الزمن وصيغ الضمائر"(13).

أما فوكو فقد أخذ يحدد مفهوم الخطاب على أساس أنه لا يمكن فصل مفهوم الخطاب عن مفهوم اللغة، وعن ذلك التمييز القائم بين لغة جدلية ولغة غير جدلية؛ حيث تمتاز اللغة غير الجدلية أو غير الخطابية في منظور فوكو، بالاختراق والتجاوز والتعدي وبالطابع الوجودي، بينما اللغة الجدلية أو الخطابية أو الخطاب بصورة دقيقة يمتاز بتلك الخصائص التي بها يختلف عن مفهوم اللغة، وإن كانت اللغة تلتقي مع الخطاب في مرجع الطابع الوجودي.

ويقول فوكو نطلق مصطلح الخطاب على مجموع الملفوظات التي تنتمي إلى تشكيلة خطابية واحدة (14)، ويقصد بالتشكيلة الخطابية المنظومة المنطوقية العامة التي تحكم مجموع الإنجازات اللفظية(15).

مفهوم السرد لغة واصطلاحا

السرد لغة: تقدمة شيء إلى شيء، تأتي به متسقا بعضه إثر بعض متتابعاً، وقيل سرد الحديث ونحوه، يسرده سرد إذا تابعه، وكان جيد السياق له(16). ومن المجاز نجوم سرد أي متتابعة، وتسرَّد الدر: تتابع في النظام، وماش مسرد يتابع خطاه في مشيه (17).

أما اصطلاحا: فالسرد خطاب غير منجز، وله تعريفات شتّى، تتمركز في كونها طريقة تروي بها القصة، وسنعتمد في هذا النطاق على تعريف "جيرار جنيت" للسرد، بحيث عرّفه من خلال تمييزه القصّة، أي مجموع الأحداث المروية "من الحكاية" أي الخطاب الشفهي أو المكتوب الذي يرويها "ومن السرد"، أي الفعل الواقعي أو الخيالي الذي ينتج هذا الخطاب، وقد رأى "الشكلانيون" أن السرد وسيلة توصيل القصة إلى المستمع أو القارئ، بقيام وسيط بين الشخصيات والمتلقي الذي هو الراوي (18).

مفهوم الحكاية

إن مصطلح الحكاية يتضمن كل الإجراءات السردية القائمة على بنيات حدثية وشخصيات أي عوامل تنجز هذه الأحداث في سياق زمني ومكاني اعتمادا على علاقات متفاعلة ومتناقضة والتي يقوم بها عنصر الحكي، هذا الأخير الذي يؤطِّره وجود سارد يختار التموضع وفق وجهة نظر معينة.

أما إذا انتقلنا إلى مفهوم الحكاية لدى الغرب فنجد نموذجا في هذا السياق، وهو الفيلسوف الألماني "هيجل"، الذي اعتبر الحكاية في الفلسفة أداة منحطة لعرض الفكر مؤكدا أنه حتى عندما يلجأ الفلاسفة إلى سرد الحكايات، فإن الفكرة هي التي تأتيهم في البداية، أمّا الصور فتأتي فيما بعد، وهذا يعني أن الحكاية غير قائمة بذاتها، بل هي بمثابة الحرص الطارئ على الجوهر (19).

مثلت اجتهادات "الشكلانيين الروس" حول النظرية الأدبية وأعمال "فلاديمير بروب" حول الحكاية العجيبة وكذلك السرديات وسيميوطيقا الحكي ونظريات لسانيات النص وتحليل الخطاب ومرورا باجتهادات الأنتروبولوجيين (ستروس) وعلماء الأديان (ميرسيا) الإنسياب في الاشتغال بالسرد الذي حظي بمكانة متميزة سواء تجلى من خلال الخطاب اليومي أو الصحفي أو التاريخي أو الأسطوري أو الأدبي...، وقد ساهمت أهم هذه الإنجازات في ظهور علوم عديدة تعنى بالسرد أي صارت علوم سردية خاصة منذ أواسط هذا القرن لها قضاياها ومناهجها الخاصة سواء بالسرد الحديث المتمثل في الرواية - القصة... أو السرد القديم الذي يمثل الحكايات العجيبة – الأساطير – القصص الديني...

وفي هذا النطاق نجد "جيرار جنيت" يضيق مجال السرديات بحصر موضوعها من خلال صيغة، السرد (الخطاب)، أما المشتغلون بالحكي والبنيات الحكائية فيوسعون مجال اهتمامهم بانطلاقهم من المحتوى(20)، ويحيل مصطلح "السرد" إلى الكيفية التي يتم بها بناء النص الأدبي وهو يختلف عن "القصة" التي تمثل المادة الأولية الخام كما يختلف عن "النص" الذي يمثل الشكل النهائي والواقع المادي الناجم عن امتزاج "القصة" "بالسرد"، فالقصة القصيرة منظومة أدبية يطلعنا فيها الكاتب (المبدع) على ما يتضمنه عالمه التخيلي من وقائع وشخصيات تبدو لنا مألوفة تارة وغريبة تارة أخرى، وعملية نقل هذا العالم الخيالي إلى القارئ إنما يقوم به السارد "الراوي" إذ بفضله يعرض الكاتب مادته العملية القصصية بالكيفية التي يشاء أن يستخدمها وعليه يكون الراوي هو الشخصية التي تمثل "الأنا الثانية للكاتب " غير أن الفرق بين الإثنين يتمحور في أن الأخير منشئ النص ومانعه "فهو الذي اختار الأحداث والشخصيات والبدايات والنهايات كما اختار الراوي، لكنه لا يظهر ظهورا مباشر في النص القصصي" فهو لا يسترسل في سرد حكايته بنفسه، بل يحول هذا النمط إلى الشخصية الخيالية.

فالكاتب مثلما يكون مؤلفا للمادة القصصية فهو "ينسج أيضا صورة مسقطة عن ذاته"، يلجأ بتجسد هذه الرؤية في شخصية الراوي الذي يلزمها بأداء دورها الوظيفي، المتمثل في الكشف عن عالم قصته الإبداعية، فلا تتوقف وظيفة الراوي فقط عند حدود نقل مروي، بما فيه ذلك من أحداث ووقائع فحسب، بل قد يكون فاعلا في تلك الأحداث أو ربما يتدخل في سياقها السردي ببعض التعليقات، ويتخذ الراوي وضعيتين: فإما يكون داخل الحكي، أو أن يكون موجودا خارج الحكي، وعلى هذا النحو فإن العلاقة التي تربط الراوي بأحداث القصة وشخصياتها تتضمنها علاقة أخرى، تربطه والأحداث بركن آخر هو "المروى له" "ذلك أن عملية التلقي يحددها حجم المعلومات التي يقدمها الراوي للقارئ والكيفية التي يقدم بها هذه المعلومات"؛ ومن تم كانت السردية هي "العلوم التي تبحث عن تشكيل نظرية لعلاقات النص السردية (الحكي والقصة)، إنها لم تهتم بالنص السردي مفردا أو بالقصة".

ويدل الخطاب السردي على النص المقرر من حقيقته المادية، ومن حيث هو نص مكتوب بلغة معينة تستغرق قراءته زمنا معلوما كما يخضع إلى ترتيب زمني معين، وإلى فضاء الانتظام والتمظهر، وعليه فإن مجال السرد أضحى يشمل شتى الخطابات الأدبية وغيرها، مروية كانت أم مقروءة، يقول بارت "يمكن أن يؤدى الحكي بواسطة اللغة المستعملة، شفاهية كانت أو مكتوبة...إنه حاضر في الأسطورة والخرافة والملحمة والتاريخ...".

ومنه تتشكل البنية السردية للمؤلف القصصي بتفاعل الأركان الثلاثة الراوي، والمروي له، باعتبار الراوي صلة وصل بين الطرفين الآخرين، فهو المكلف بإدارة أحداث القصة، وتقديم شخصياتها للقارئ إلا أنه قد يتيح الفرصة لشخصية من الشخصيات بممارسة العملية السردية، بل قد يكون هو نفسه إحدى هذه الشخصيات فيؤدي بذلك دورين في الان ذاته، دور الراوي ودور الشخصية القصصية الرئيسية.

لكن يظل السؤال يطرح نفسه: أين يوجد السرد؟

فللإجابة عن هذا السؤال سوف ندرج في هدا الصدد رأيين متناقضين على النحو الآتي:

الأول: يعتبر أن السرد يرتبط بخطابات معينة مثل ما هو الشيء في الكتابات الروائية والقصصية وأنه يدرس اعتمادا على العلوم السردية أو السرديات.

الثاني: يعتبر أن السرد لا يوجد في خطاب بعينه بل إنه يوجد في كل الخطابات، وقد كان "رولان بارت" سباقا لذلك حيث يعتبر أن السرد موجود في الأسطورة والملحمة والحكاية والتاريخ...فهو يتمظهر في أشكال متعددة ومتنوعة لأنه بنية لا يمكن ضبطها أو حصرها، ومعنى ذلك أنه لا يوجد شعب من دون سرد فهو كوني ويرتبط بثقافة معينة.

ويكشف "جيرار جينت" على كون الحكاية خطاب سردي، حيث يعدها جوهر السرد باعتبارها ثابتة وأساسية، فالسرد يقوم على حكاية خيالية أو واقعية أعيد إنتاجها بطابع خيالي أو واقعي في نموذج لفظي يندرج تحت أنواع أدبية، وقد صنّف "جيرار جينيت" دلالة كلمة حكاية في ثلاثة اتجاهات:

أ - إنها الخطاب الشفوي أو المكتوب الذي يضطلع برواية حدث أو سلسلة من الأحداث.

ب - تشير إلى سلسلة الأحداث الحقيقية أو التخيلية، بغض النظر على الوسيط اللساني.

ج - إنها تدل على حدث، إلا أنه ليس حدثا يروى؛ بل هو الحدث الذي يقوم على أن شخصا ما يروي شيئا، إنه فعل السرد متناول بوصفه غاية (21).

فالحكاية بمعناها الأخير تدل على الخطاب المنطوق به من الجهة التركيبية والدلالية، فهي تطلعنا على الأحداث التي ترويها عن طريق السرد الذي أنتجها، من خلال وسيط، هو الخطاب الذي يحمل علامات أو قرائن تدل على أسبقية العمل المروي على العمل السردي (22)، مما يجعل الحكاية لاحقة بالسرد، فالحكاية في تحققها الأول الشفهي أو حتى المكتوب تنتظم لتشكيل الأحداث، ويفرَّق فيها بين مستويين اثنين:

الأول: أنها متوالية من الأحداث المروية بما تتضمنه من استرجاع واستباق وحذف، واصطلح الشكلانيون الروس على هذا المستوى ب-: "المبنى".

أما الثاني: "الاحتمال" المنطقي لنظام الأحداث واصطلحوا عليه ب- "المتن"، فالمبنى يحيل على الانتظام الخطابي للأحداث في سياق البنية السردية. أما المتن فيحيل على المادة الخام التي تنظم جوهر الأحداث في سياقها التاريخي (23).

وفي السياق نفسه نجد " ت--وماشفسكي " يميز بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي فجعل الأول: مقترن بالحكاية والوقائع والأحداث كما يفترض وقوعها في الواقع، وجعل الثاني: هو التجلي الكتابي لعناصر المتن الحكائي، مما يجعله منتجا لغوياً صرفا ويمكنه ألا يكون لغويا فقط.

نستنتج من خلال رأي "ت--وماشفسكي" إذا أنه قد بيّن عن اختلاف بين المستويين؛ فالمتن الحكائي يخضع لمبدأ السببية والتعلق بينما المبنى الحكائي يتأسس لعالم متخيل حيث زمن الخطاب.

ويشير "تودوروف" إلى أن الحكاية تتكون من مجموعة من الأفعال القابلة للسرد من قبل مجموعة مختلفة ومتعددة من الرّواة، ومن ثم فهي غير ثابتة المعالم من حيث الأداء؛ إذْ إن كل راو يقدمها بحسب رؤيته الخاصة، ويتساءل "رولان بارت" عن وجود بنية الحكاية، وينتهي إلى أنها موجودة في المحكيات، ولكن ليس في كل المحكيات (24).

أمّا فيما يخص مستوى الحكاية فنجد وفق منظور" كلود ليفي شتراوس" أنه يعتمد فيه على تحديد بنية الحكاية، من خلال دراسته للأنساق الثقافية والبنية الاجتماعية، حيث يرى أن الأشكال الثقافية المحكومة بعلاقات التشابه في البُنى تفضي إلى نظام من المفاهيم والدلالات والتي تفسر حقيقة المجتمعات البشرية، أي فكرة ارتباط السرد بالحياة الاجتماعية وتعبيره عن مظاهر الواقع المادي والاجتماعي وارتباطه بأشكال ثقافية أخرى، والاهتداء إلى بناه السطحية والعميقة في إقامة عملية التواصل (25).

مفهوم السردية

يعرف الدكتور رشيد بن مالك السردية بقوله: "يطلق مصطلح السردية على تلك الخاصية التي تخص نموذجا من الخطابات ومن خلالها نميز بين الخطابات السردية والخطابات غير السردية" وقد لاحظ إميل بنفنيست استخدام هذا الطرح للتمييز بين الحكاية التاريخية والخطاب في معناه الضيق، معتمدا في ذلك على مقياس مقولة المتكلم، حيث يميز استخدام الغائب الحكاية والمتكلم الأنا الخطاب، ومفهوم الخطاب حسب بنفنيست هو كل تلفظ يتصور متكلما ومتلقيا، تكون فيه نية الأول التأثير على الثاني بطريقة ما، أما الحكاية (القصة) فهي ما جرى فعل الطرح الموضوعي التاريخي. فإذا كان الخطاب هو الكيفية التي يقدم بها السارد الأحداث، فإن تحليل الحكاية هو تحليل للمضمون، أما تحليل الخطاب فهو تحليل للشكل أي كيفية الأداء.

وقد أظهرت السرديات في مقاربتها المختلفة وجود تنظيمات مجردة وعميقة تحتوي على معنى ضمني منظم لإنتاج هذا النموذج من الخطابات. وعملت السردية بالتدريج كقاعدة لتنظيم كل خطاب سردي وغير سردي باعتباره يمثل امكانيتين إما أن يكون الخطاب تسلسلا منطقيا بسيطا للجمل وبالتالي فإن المعنى لا يكون إلا نتيجة لاطراد يتجاوز إطار اللسانيات والسيميائيات. وإما أن يكون الخطاب دالا وفعلا لغويا واعيا ومحتويا على تنظيمه الخاص.

ويعني السرد فعل الحكي المنتج للمحكي، او إذا شئنا التعميم، مصوغ الوضع الخيالي الذي يندرج فيه والذي ينتجه السارد.

مفهوم الأدب العجائبي

تعتبر الحكاية العجيبة بمثابة نوع سردي شعبي ، لا يكتمل إلا بتوافر مجموعة من الشروط التكوينية الأساسية ، إذ تهيمن عليها الظواهر الخارقة من سحر وجن وأفعال خارجة عن المنطق والمعقولية، ولا يخضع إلى سلطة المكان والزمان دون التركيز على المغزى الوعظي والأخلاقي المباشر، فهي تقدم عوالمها العجائبية كما لو كانت أمرا طبيعيا، كما يعد الأدب العجائبي فضاء حافلا بالمغامرات الخارقة والعجائب المبهرة التي تحمل القارئ إلى عوالم مثيرة، يمتزج فيها الواقع بالخيال والحلم بالوهم والحقيقة بالسحر، والتي تدفعه اٍلي تصور ما هو أبعد من الواقع وأغرب من الخيال، ليجد نفسه في عالم يلتقي فيه العجيب بالغريب، والملاحظ أن هناك عدة مصطلحات تستخدم كمرادف لمفهوم العجائبي من قبيل العجيب والغرائبي والخارق والخرافي، ولتحديد مصطلح العجائبي وضبطه ، رأينا أنه من الضروري أن نقف عند مفهومي العجيب والغريب، معتمدين في ذلك على تصور تزفيتان تود وروف من خلال كتابه "مدخل إلى الأدب العجائبي" الصادر سنة 1970، الذي كان يحاول من خلاله موقعة الأدب العجائبي بين الأجناس الأدبية (26)، والذي يرى على أن مفهوم العجائبي لا يعرف اٍلا من خلال مفهومي العجيب merveilleux والغريب étrange.

مفهوم العجيب في المعاجم العربية

إن مفهوم "العجب معناه اٍنكار ما يرد عليك لقلة اٍعتياده " (27).

والعجيب في هذا الطرح يعكس غموضا يستند على نقيض المألوف الذي تحدثه العادة، فقلة الاٍعتياد تخلق حالا من الالتباس والغموض القائمين على التردد والحيرة المولدين للدهشة. وقريب من هذا المفهوم ما يقوله "الزجاج:" أصل العجب في اللغة أن الاٍنسان اٍذا رأى ما ينكره قال عجبت من كذا...) (28). وتعريف الزجاج يشير اٍلي موقف المتلقي لهذه العجائب والذي يعبر عن اٍنكاره للشيء الخارج عن حدود الحقيقة والاعتيادي والمألوف، وكل ما هو متعارف عليه. ويذهب "اٍبن الأعرابي" في نفس السياق فيعرف العجب بأنه النظر اٍلى شيء غير مألوف ولا معتاد ويستشهد بقوله تعالي: "واٍن تعجب فعجب قولهم" وحسب هذا التعريف فاٍن خروج العجب عن المألوف يضع الاٍنسان وجها لوجه أمام المجهول. ويرى الرماني" أن من شأن الناس أن يتعجبوا مما لا يعرف سببه (29) فمصدر العجب يأتي من اٍحساس الاٍنسان أن ما يحدث له الان لم يحدث له من قبل، ولا بد من الاٍشارة الي أن هذا الاٍعتقاد يفترض وجود تصورات عن العالم قد تكون خفية أو غيبية، ولكنها تؤثر في طريقة اٍدراكه لما يحيط به.

وزعم "الخليل" أن بين" العجيب" و"العجاب " فرقا فأما العجيب والعجب متله فالأمر يتعجب منه وأما العجاب فالذي يتجاوز حد العجيب والاٍستعجاب شدة التعجب والتعاجيب، العجائب لا واحد لها من لفظها، ويقال رجل يعجب بالكسر أي ذو أعاجيب وهي جمع أعجوبة (30).

واستكمالا للمعني اللغوي لكلمة العجب لابد من ذكر العلاقة بين هذه الكلمة والاٍستحسان يقال أعجبني هذا الشيء وأعجبت به، وهو شيء معجب اٍذا كان حسنا جدا.

وهكذا نجد أن مفهوم العجيب بالنسبة لأغلبية المعاجم العربية قد حصر في نطاق الاٍنفعالات النفسية للإنسان، فالعجب يتحدد انطلاقا من معرفة السبب، ولهذا قيل اٍذا عرف السبب بطل العجب. وأما بالنسبة للمعاجم غير العربية، فسنتطرق إلى هذا المفهوم من خلال بعض القواميس الأجنبية مكتفين في ذلك بثلاثة نماذج.

مفهوم العجيب في المعاجم الغربية

ورد في قاموس Le petit Larousse، أن " العجيب هو الذي يبعد عن ساحة المألوف والعادي للأشياء، والذي يظهر فوق الطبيعي"؛ أما بالنسبة لقاموس "le petit Robert، "فهو عالم ما فوق طبيعي" (31)؛ في حين نجد في القاموس الموسوعي أن "العجيب هو كل ما يبعد عن ساحة المألوف للأشياء... فالعجيب في هذه القواميس الأجنبية يكمن في الاشياء فوق الطبيعية والتي يصعب اٍيجاد تفسير لها في العالم المألوف اٍذا فهو كل شيء خارق للعادة والطبيعة.

مفهوم الغريب

"الغريب" في اللغة: الغامض من الكلام وأغرب الرجل، جاء بشيء غريب وأغرب له، وأغرب به صنع به قبيحا. وأغرب الرجل اٍن اٍشتد وجعه من مرض أو غيره واٍستغرب في الضحك واٍستغرب منه أكثر منه. (32). والغريب كما أورده القزويني كل أمر عجيب قليل الوقوع مفارق للعادات المعهودة، والمشاهدات المألوفة، وذلك اٍما بتأثير نفوس قوية أو أمور فلكية وكل ذلك بقدرة الله تعالي واٍرادته. (33) والغريب يكشف سيرورات مخالفة لمجريات الحياة المألوفة، وهو يعرض مقابلة بين ما هو غريب ومألوف، والشيء الغريب يأتي من منطقة خارج منطقة الألفة"

ومن هنا يتضح لنا أن كلا المفهومين يعبران عن حالة من التعجب والغرابة اٍزاء موقف أو حادثة يصعب اٍيجاد سبب لها في اٍطار ما هو واقعي ومألوف.

العجائبي عند تود وروف

يعتبر كتاب تود وروف Introduction à la littérature fantastique مدخل إلى الأدب العجائبي, المطبوع سنة 1970 من أبرز الأثار النقدية المنظرة لموضوع العجائبية ,والمحددة لأطره وضوابطه وجميع تفرعاته النظرية والتطبيقية, لكن وقبل تحديد هذا المفهوم ومحاولة ضبطه، لابد من الوقوف عند أصل الكلمة ,حيث نجد في قاموس اللغة الفرنسية أن كلمة العجائبية fantastique تعود الي المفردة اللاتينيةphantations المأخوذة بدورها عن الكلمة الاٍغريقية phantastikos والتي

تخص المخيلة وتعني في القرن السادس عشر كل ما هو شارد الذهن، خارق، ثم خيالي، وكذلك نجد أن العجائبية هي كل ما يقع خارج الواقع، ويتجاوز حدود المألوف، فالعجائبية في مفهومها العام تعني كسر حدود المنطق, وخرق الواقع وتحطيم الحواجز العقلية والمنطقية والاٍنتقال من منطقة الوعي اٍلا منطقة اللاوعي. وبالتالي فهي محاولة للتملص من الواقع ومعانقة كل ما يقع خارج حدوده والاٍبحار في الخيال واللاوعي، وقد نمت بوادر هذا الجنس في القرون الوسطى.

ويحدد تودوروف ثلاثة وضائف أساسية هي:

- الوظيفة التداولية: إذ إن فوق الطبيعي يثير مشاعر الخوف والرعب التي تبت في العقول القلق والتردد.

- الوظيفة الدلالية: حيث يتخذ الفوق الطبيعي تجليه الخاص.- الوظيفة التركيبية: تتجلى في قدرتها على تنظيم الحبكة وتطويرها من خلال عناصر الغرابة.

ومن أهم الأسباب التي تدفع المبدعين اٍلى استثمار العجائبي في نصوصهم التأليفية هو أن الخارق يشكل وسيلة ناجعة في تناول الأشياء الواقعية والتي لا يمكن تناولها بواقعيتها بل بوصفها كأشياء خارجة عن كل ما هو مألوف، لأن الخارق يسمح بتجاوز الحدود المغلقة واٍختراق الرقابة الذاتية وكل الطابوهات المحرمة، فيصبح العجائبي بذلك وسيلة لخوض الصراع ضد الرقابة بمختلف أشكالها سواء أكانت ذاتية أم اٍجتماعية.

مفهوم التأويل

المفهوم اللغوي للتأويل بين الهيرمينوطيقا والفهم

يحتل مفهوم التأويل موقعًا إشكاليًا في الحقل الفلسفي والسيميائي، إذ تتجاور معه مصطلحات أخرى مثل الفهم والشرح والتفكير والترجمة. غير أن هذا التجاور لم يكن دائمًا وديًا؛ بل كثيرًا ما صاحبه نوع من التداخل والالتباس، بل وحتى التناقض. ويرجع ذلك إلى الحمولة الدلالية التي يمنحها كل فيلسوف لهذه المصطلحات، وإلى إشكالات الترجمة التي تؤدي أحيانًا إلى إفقادها وضوحها، خصوصًا عند انتقالها من اليونانية أو الألمانية إلى اللغات الحديثة.

أما مصطلح الهيرمينوطيقا، فقد أثار نقاشًا واسعًا في الفكر العربي المعاصر. فهناك من يعترض على نقله كما هو بدعوى صعوبة نطقه أو غربته عن الذائقة اللغوية العربية، وهناك من يرى أنّ الاحتفاظ بصيغته الأصلية أقرب إلى روحه الدلالية. ويرجع أصل الكلمة إلى الفعل اليوناني hermeneuein (يفسّر)، ومنها اشتقت كلمة hermeneia (التأويل-التفسير). كما ارتبطت بالإله هرمس، وسيط الآلهة والمكلف بترجمة رسائلها إلى البشر. وبذلك حملت الهيرمينوطيقا منذ بداياتها معنى الوساطة بين الغامض والواضح، وبين ما هو خارج الفهم وما يمكن إدراكه.

في العصر الكلاسيكي، ارتبط التأويل بالجهود الرامية إلى شرح الملاحم الهوميرية، بعد أن أصبحت لغتها عصية على الفهم المباشر. وفي القرن الثاني الميلادي، كما يشير أومبرتو إيكو، سادت النزعة الهرمسية في سياق التعدد الثقافي للإمبراطورية الرومانية، مما أضفى على التأويل بعدًا أنطولوجيًا وثقافيًا يتجاوز مجرد الفهم اللغوي (34).

مع العصر الحديث، تبلور التأويل في إطار النقاشات الدينية حول قراءة النصوص المقدسة. فالإصلاح الديني حرر القراءة من سلطة الكنيسة، وفتح الباب أمام قضايا هيرمينوطيقية كبرى مثل تثبيت النصوص الإنجيلية، وبناء العقائد على خلفية فلسفية إغريقية. وقد سيطر في البداية الاتجاه السيكولوجي الذي ظهر مع شلايرماخر ودلتاي، حيث عُومل النص بوصفه مرآة لمقاصد المؤلف وتجربته الذاتية. غير أن هانز غيورغ غادامير أحدث تحولًا نوعيًا عندما دعا إلى فصل النص عن ذهنية المؤلف وروح عصره، مركّزًا على عملية الفهم ذاتها بوصفها حدثًا تاريخيًا يتجدد باستمرار (35) .

أما بول ريكور فقد أقام جسرا بين الهرمسية ذات النزعة الدينية واللسانيات والفينومينولوجيا من جهة، والسيميائيات الحديثة من جهة أخرى. وقد رأى أنّ التأويل ليس مجرد تفسير لغوي، بل هو اشتغال الفهم على الرموز لفك عتمة الوجود. لذلك ميّز بين التفسير الذي يعيد المعنى الظاهر إلى أصله الباطني، والتأويل الذي يتجاوز ذلك نحو الإمساك بالكائن ذاته عبر وساطة الرموز والعلامات. وهكذا يصبح التأويل وساطة وجودية تمكّن الذات من فهم ذاتها عبر النصوص التي تنتجها.

التأويل كمهوم فلسفي وسيميائي

يمثل التأويل أحد الركائز الأساسية لفهم النصوص الأدبية والسردية، فهو العملية التي تكشف عن البنية العميقة للمعنى، متجاوزًا الحرفية الظاهرية للملفوظات النصية. فالتأويل لا يقتصر على مجرد تفسير النص وفق معناه المباشر، بل يتعداه إلى تأويل رمزي وثقافي وفلسفي يربط بين النص والقارئ والسياق الاجتماعي والثقافي الذي أنتج النص نفسه. وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار التأويل أداة لفهم التجربة الإنسانية بأبعادها الرمزية والفكرية، كما يتيح إدراك الدور الإبداعي للغة في تشكيل العالم الرمزي للإنسان.

وقد تطور مفهوم التأويل عبر الفكر الغربي والعربي، حيث تناول كبار المفكرين الغربيين أمثال أمبرتو إيكو ورولان بارت وميشيل فوكو وجوليا كريستيفا وفولفغانغ إيزر وبول ريكور وإرنيست كاسيرير وغيرهم هذا المفهوم من زوايا متعددة، مؤكدين على أنه ليس مجرد نشاط معرفي أو لغوي، بل ممارسة فلسفية وثقافية، تجمع بين التحليل السيميائي وقراءة الخطاب، وفهم البنية الرمزية للنصوص. كما تطور التأويل في الدراسات العربية على يد مفكرين عرب مثل محمد مفتاح وطه عبد الرحمن وغيرهم الذين أضفوا بعدًا معرفيًا وقيميا مرتبطًا بالثقافة العربية والذاكرة الجماعية.

فالتأويل إذن يمثل من هذه الزاوية، جسرًا بين النص والقارئ والثقافة والوجود الإنساني، ويعتبر أداة مركزية في تحليل الخطاب السردي والحكاية والأدب العجائبي، إذ يسمح بفهم المعنى الرمزي والوظائف العميقة للنصوص، ويكشف عن قدرة الإنسان على التعامل مع الرموز واستكشاف المعاني الممكنة في سياقها الثقافي والفلسفي.

أولا- التأويل عند كبار المفكرين الغربيين:

يمكن فهم التأويل عند المفكرين الغربيين كإطار شامل يجمع بين اللغة، النص، الثقافة، والسلطة.

أ- أمبرتو إيكو: تعددية المعنى والنص المنظم

يرى أمبرتو إيكو أن التأويل نشاط يتيح تعددية المعاني، لكنه نشاط مقيد بالقوانين الداخلية للنص، بحيث يحافظ على التماسك السردي والدلالي، ويمنع الانزلاق نحو التأويل الفوضوي. فالتأويل عند إيكو ليس حرية مطلقة للقارئ، بل هو نشاط منظم يسمح بالتحرك ضمن فضاء النص وتوظيف المعجم والموسوعة الثقافية لفهم أبعاد المعنى العميق. ففي تحليل رواية اسم الوردة، استخدم إيكو التأويل المنظم لكشف المعاني المتعددة ضمن النص، مع الالتزام بالقوانين الداخلية للنص. وقد أتاح هذا التحليل للقراء فهم الطبقات الرمزية والدلالية للنص دون الانزلاق نحو عشوائية المعنى، مستفيدًا من الموسوعة الثقافية والسياق التاريخي للرواية(36)

ب - ميشيل فوكو: التأويل والسلطة والمعرفة

أما ميشيل فوكو، فقد ربط التأويل بمفهوم السلطة والمعرفة، حيث أن المعنى النصي يتشكل ضمن إطار السلطة الثقافية والاجتماعية، أي أن التأويل ليس نشاطًا محايدًا، بل ممارسة معرفية وسياسية تعكس السياقات السوسيو ثقافية. ففي دراسة Madness and Civilization، يوضح فوكو أن المعنى النصي والسردي يتشكل ضمن إطار السلطة الثقافية والاجتماعية. فالتحليل التأويلي هنا

يكشف كيف يمكن للخطاب الأدبي والطبي والتاريخي أن يعكس علاقات القوة والمعرفة في المجتمع(37)

ج. جوليا كريستيفا: التناص وعلاقات النصوص

من جانبها، ركزت جوليا كريستيفا على مبدأ التناص، معتبرة أن كل نص هو شبكة نصوص، والتأويل يتم عبر كشف العلاقات التفاعلية بين النصوص المختلفة، مما يوسع أفق القراءة من النص المفرد إلى فضاء النصوص الأخرى، ويكشف عن الإمكانيات السيميائية الضمنية للنص.

وتبين قراءة الحكايات الشعبية الأوروبية أن كل نص هو شبكة من النصوص الأخرى، والتأويل يتم عبر كشف العلاقات التفاعلية بين النصوص المختلفة، ما يسمح بفهم أبعاد السرد العجائبي وإمكانياته الرمزية والثقافية(38)

رولان بارت وموت المؤلف

بينما أشار رولان بارت إلى أن النص مساحة متعددة الأصوات، وأن التأويل يتيح تفكيك البنية السيميائية للنصوص وكشف تعددية المعنى، مستفيدًا من مفهوم موت المؤلف، الذي ينقل سلطة إنتاج المعنى من المؤلف إلى القارئ، مما يجعل النص مجالًا ديناميكيًا للتأويل المستمر.

إن رولان بارث عندما يرى أن القراءة والنقد هي لعبة المرايا اللامتناهية ، فذلك لأن الأثر آلمقروء يوحي بقراء ات متعددة (39) كما أن النص مجال منهجي لا يعرف النهايات ولا تحده التقسيمات ، ولا يخضع لسلطة التسلسلات الهرمية، فهو استشارة مفتوحة على عدد لا نهائي من المعاني والدلالات والتأويلات ، لأنه بناء بلا إطار ، يتميز بالحرية والفاعلية المستمرة. ويطوي على تعددية المعنى الذي لا يمكن أن تقتنصه شبكة التفسيرات لأن له طبيعة انفجارية ، كما أنه يتفاعل مع غيره من النصوص وينتهي إلى مجال تناصي ولكنه يطيح في تفس الوقت بخرافة الأصول والمصادر ، ولا يعترف بمفهوم الأبوة لأن مفهوم التناص يقضي عليه.

د- فولفغانغ إيزر: التلقي وملء الفراغات

وقدم فولفغانغ إيزر مفهوم نظرية التلقي، معتبرًا التأويل عملية يقوم بها القارئ لملء الفراغات (Gaps)التي يتركها النص، فالمعنى لا يتحقق إلا من خلال التفاعل بين النص والقارئ، ما يجعل التأويل نشاطًا تفاعليًا وديناميكيًا.

اعتبر إيزر التأويل عملية يقوم بها القارئ لملء الفراغات (gaps) التي يتركها النص، فالمعنى لا يتحقق إلا من خلال التفاعل بين النص والقارئ، ما يجعل التأويل نشاطًا تفاعليًا وديناميكيًا(40)

هـ - بول ريكور وإرنيست كاسيرير: السرد والرمز

ويكمل بول ريكور هذه الرؤية، حيث يرى أن التأويل عملية لإعادة بناء المعنى الإنساني من خلال السرد والرمز واللغة، ما يسمح بفهم التجربة الثقافية والوجودية للإنسان. بينما يؤكد إرنيست كاسيرير أن الإنسان حيوان رامز وأن التأويل أداة لفهم العالم الرمزي الذي يخلقه الإنسان، سواء في الفن أو الأسطورة أو الدين، وأن هذا العالم الرمزي هو المفتاح لفهم التجربة الإنسانية. (41)

ثانيا- التأويل في الدراسات العربية:

في السياق العربي، تبنى المفكرون نهجًا متوازيًا، لكنه ملتزم بالسياقات الثقافية واللغوية العربية.

أ- محمد مفتاح: التأويل والنص العربي

اعتمد محمد مفتاح على التأويل كآلية لتفجير طاقات النصوص وربطها بالثقافة المحلية والذاكرة الجماعية، مما يسمح بتعدد القراءات واكتشاف البنية العميقة للنصوص الشعبية وتتيح توظيفها في السياق المعرفي والثقافي. (42)

ب- نصر حامد أبو زيد: البعد العقلاني والتاريخي

ركز أبو زيد على التأويل كأداة عقلية وثقافية لفهم النصوص، خصوصًا الدينية، متجاوزًا المقاربة الحرفية، معتبرًا أن التأويل يتيح إعادة إنتاج المعنى ضمن أفق تاريخي ومعرفي متجدد(43)

ج- طه عبد الرحمن: التأويل الفلسفي والقيمي

منح طه عبد الرحمن التأويل بعدًا فلسفيًا وأخلاقيًا، معتبرًا أن التأويل عملية تعكس العلاقة بين الإنسان والقيم الإنسانية، فهو ليس مجرد نشاط معرفي، بل ممارسة قيمية وثقافية لفهم العالم والنصوص(44)

ثالثا- الخصائص المشتركة لمفهوم التأويل

تعددية المعاني: التأويل يتيح استخراج أكثر من معنى من النص الواحد، دون دون الوقوع في القراءات المغرضة والتأويلات الاعتباطية

المرجعية الثقافية: المعنى يتشكل من التفاعل بين النص وسياق القارئ الثقافي والمعرفي.

الوظيفة الرمزية: التأويل يكشف البنية الرمزية للنصوص ويتيح فهم دلالاتها العميقة.

البعد الفلسفي: التأويل يجمع بين اللغة والنص والوجود الإنساني، ما يتيح رؤية النص كفضاء ثقافي وفلسفي متكامل.

استنتاج

يتضح من هذا العرض أن التأويل يشكل ركيزة أساسية لفهم الخطاب السردي والحكاية والأدب العجائبي. فهو ليس مجرد نشاط لغوي أو معرفي، بل ممارسة ثقافية وفلسفية وسيميائية، تجمع بين النص والقارئ والثقافة، وتسمح بفهم الرموز وإعادة بناء المعنى واستكشاف العمق الإنساني للنصوص. كما أن التأويل يمثل جسرًا بين التراث الغربي والعربي، إذ يستفيد من التجارب الفكرية لكبار المفكرين الغربيين ويستثمر المعرفة والثقافة العربية لإثراء فهم النصوص وتحليلها سيميائيًا وتأويليا.

يمكن القول إن الحالات التطبيقية التي تناولناها عند كل من إيكو وفوكو وكريستيفا ومفتاح وطه عبد الرحمن تؤكد أن التأويل ليس نشاطًا انفراديًا أو عشوائيًا، بل ممارسة منظمة وثقافية وفلسفية، ترتكز على فهم البنية الرمزية للنصوص وعلاقتها بالثقافة والسياق التاريخي، وتكشف عن قدرة الإنسان على الإبداع في قراءة العالم والنصوص، وهو ما يعزز أهمية التأويل كأداة حيوية في الدراسات السردية والأدب العجائبي والتحليل المتقدم للخطاب.

الدلالة التأويلية والخطاب السردي

الدلالة التأويلية وتحليل الخطاب السردي

الدلالة التأويلية إطار نظري واسع لا يتنكر للاجتهادات السابقة. لأنه عمل على تطويرها اعتمادا على آلية تركيبية تستحضر التأويل الذي غيب في الدراسات الأخرى. لكن كيف تتم عملية تأويل النص السردي دون السقوط في القراءة المغرضة؟

وصفت بعض القراءات السابقة بالقراءات الإسقاطية، وهي تهمة وجهت للمنهجين الاجتماعي والنفسي. لكن نظريات أخرى وصفت بالتفكيكية (التأويل المفرط) لأن أصحابها اعتمدوا تأويلات مفرطة تجعل القارئ موجها للمعنى وفق ما يريد. هكذا في مقابل البنيوية التي تعاملت مع الخطاب السردي باعتباره كيانا مغلقا؛ وجعلت دراسته وصفية؛ وفي مقابل الدلالة البنيوية التي بحثت في شكل المعنى أكثر مما بحثت في المعنى ذاته. نجد الدلالة التأويلية التي ستعتبر الخطاب السردي ملتقى لخطابات متعددة، تتداخل فيها التجربة الذاتية باللغة (المعجم) بالسياقات الثقافية وغير الثقافية (الموسوعة). فكلما ابتعدنا عن حالات التعيين والوصف وكل ما يدور في فلك المعاني الظاهرة، إلى نظام الفكر والثقافة والرمز كلما اقتربنا من حقائق الوجود الإنساني. فعبر الأشكال الرمزية تستطيع الذات الإنسانية الإمساك بكل الممكنات في أبعادها الواقعية أو المتخيلة، "ولأن الفكر الإنساني فكر رمزي فله القدرة على إجراء تمييز بين الواقعي والممكن"(45)، وبذلك يكون التأويل "تجاوزا للنفعي في الحياة في اتجاه إنتاج ممارسات لا تدرك إلا من خلال استحضار الأشكال الرمزية والثقافية"(46).

وبذلك يكون التأويل "تجاوزا للنفعي في الحياة في اتجاه إنتاج ممارسات لا تدرك إلا من خلال استحضار الأشكال الرمزية والثقافية"(47)، وبذلك يمكن القول إن السيميائيات في أبعادها الثقافية، يمكن أن ينظر إليها بوصفها عملية التحرر التدريجي للذات الإنسانية، " واللغة والأسطورة والدين والفن والعلم هي اللحظات المختلفة لهذه العملية. وفي كل لحظة من هذه اللحظات يكتشف الإنسان سلطة جديدة ويبرهن عليها، إنها سلطة بناء عالمه الخاص"(48). على حد تعبير إرنيست كاسيرير.

لقد كان أمبرتو إيكو صاحب فكرة مؤداها أن السيميائيات شكل من أشكال التحليل الاجتماعي، إذ تلعب دورا في تغيير المجتمع، وهي فكرة شرحها شرحا ولفيا في كتابه: "النظرية السيميائية". ففي مقدمة الكتاب يبادر بشرح مقصده بقوله: "هدفنا في هذا الكتاب أن نستكشف الإمكانيات النظرية وكذلك الوظيفة الاجتماعية لمقاربة موحدة تتصدى لكل ظاهرة من ظواهر الدلالة و/أو التواصل"(49).

وقريبا من نهاية الكتاب يقول: "إن السيميائيات أيضا تعد شكلا من أشكال النقد الاجتماعي ومن ثم فهي واحدة من أشكال الممارسات الاجتماعية المتعددة"(50). وبعبارة أخرى، تعد السيميائيات ضربا من فهم الثقافة بعد أن أصبحت بفضل إمكانياتها التحليلية، منهجا نقديا كاشفا، وأن الثقافة كلها يجب أن ندرسها بوصفها ظاهرة تواصلية تقوم على أنساق دلالية هدفها إنتاج المعنى.

سيقود السيميائي الإيطالي أمبرتو إيكو والفرنسي راسيي هذا الاتجاه حيث قدموا الشروط الأساسية لإنجاز قراءة دلالية تأويلية للخطابات عموما وللخطاب السردي خصوصا. إذ حددوا شروط التأويل وقيدوه بقوانين ومواضعات تحضر فيها اللغة إلى جانب المكونات الأخرى.

فكيف يتحقق ذلك؟ وما المفاهيم الأساسية التي تسمح بقراءة دلالية تأويلية للنص؟

- المفهوم الأول: المتن الحكائي والمحور النصي: يقول أمبرتو إيكو "إن المتن الحكائي هو خطاطة السرد الأساسية، ومنطلق الأفعال، وتركيب الشخصيات ومسار الأحداث حسب ترتيبها الزمني. ويمكن للمتن الحكائي ألا يكون متتالية من الأفعال الإنسانية وأن يتناول سلسلة من الأحداث المتعلقة بأشياء جامدة أو بأفكار".

لنلاحظ أن مفاهيم البنيوية، ومفاهيم الدلالة البنيوية حاضرة في هذه القولة مما يعني أن الدلالة التأويلية لم تخلق القطيعة المطلقة مع الاتجاهات السابقة لكنها استثمرتها بطريقة أخرى.

- المفهوم الثاني: المبنى الحكائي: "إنه الحكاية كما هي مروية، وكما تظهر على مستوى السطح بتفاوتاتها الزمنية ورتباتها إلى الأمام وإلى الخلف".

لنلاحظ حضور المفاهيم الشكلانية والبنيوية؛ لكن ما الذي أضافته الدلالة التأويلية ولماذا سميت تأويلية؟ وكيف نقلت التأويل من مجال الإسقاط الذاتي إلى التأويل المقنن أو التأويل المحلي كما أسمته؟

لفهم ذلك نبرز الكيفية التي تشتغل بها هذه المدرسة أثناء تعاملها مع الخطاب الحكائي.

- المرحلة الأولى في هذا التعامل تنطلق من التأويل المبني على المعنى الحرفي؛ أي على الملفوظات السردية ذاتها. وهو ما يمكن تسميته البنية السطحية للخطاب الحكائي، وهنا يوظف "المعجم" . بمعنى أن التفسير في هذه الحالة يكون مقترنا بالمعنى المباشر للملفوظ اللغوي. فإذا قلنا (أبو موسى) فإننا سنتحدث عن مقوماته المعجمية "رجل". التي تعني رجلا مع ما لكلمة رجل من مقومات.

- المرحلة الثانية: تأويلية لكن هذا التأويل ينبغي أن يكون موجها بالمحور النصي للحكاية، أي إن الانتقال من المعنى الحرفي إلى المعنى المؤول ينبغي أن يكون من داخل الحكاية ذاتها. فعندما نقول "جارات أبي موسى" فإننا قد نحدد المحور النصي في الكرامة أي التي تظهر بزوال غمة الجفاف.

هذا المحور النصي الذي يكاد يماثل مفهوم البنية العامة للسرد هو الذي يوجه التأويل؛ معنى ذلك أن القارئ ليس حرا بشكل مطلق في أن يؤول كما يحلو له، لذلك يقيد تأويله بشروط هي:

شرط التقيد بالمحور النصي، أي التقيد بالمعنى العام الذي تقدمه الحكاية.

الاشتغال بالمعجم في مرحلة أولى أي الاشتغال بالدلالات المباشرة أو لنقل الحرفية.

ج- الاشتغال بالموسوعة فما المقصود بها؟

"  الذاكرة الجماعية المتضمنة لمجموع المعطيات الثقافية المنتشرة في سياق سوسيوثقافي، فكلمة البدر مثلا تأخذ في الموسوعة العربية دلالات قد تختلف عما يمكن أن نجده في سياقات ثقافية أخرى. هكذا تكون الموسوعة آلية إجرائية تخرج الدلالة من معناها السطحي إلى معناها العميق، لكن مشكلا آخر يبرز وهو: يقود مفهوم الموسوعة إلى الوصول إلى دلالات لامتناهية يسميها أصحاب هذا الاتجاه "السيرورات التأويلية"؛ وبما أن التأويل ينبغي أن يصل إلى دلالة محددة. فإن مفاهيم أخرى تبرز لحل الإشكال وهي:

المؤولة: "كل علامة أو سلسلة علامات مختلفة تتولد عن العلامة الأولى والتي يمكن أن تولد بدورها علامة أخرى"؛ مثلا، إذا أخذنا علامة رواية فإن مؤولاتها قد تكون "إبداع"؛ "أدب" ويمكن لإبداع أن تؤول إلى حكي أو تجمل أو تشكيل، ويمكن لتشكيل أن تؤول إلى علامات أخرى. معنى ذلك أننا نسير في اتجاه تأويلات لانهائية لكن من الضروري أن نصل إلى مؤولة نهائية وهذه المؤولة هي التي يقف عندها التأويل.

مثلا: إذا أخذنا رواية "جارات أبي موسى" فإن المؤول النهائي قد تكون الكرامات الصوفية، وانطلاقا من هذه المؤولة نستطيع قراءة الحكاية. وسيمكن ذلك من استحضار الموسوعة التي ستسمح باستحضار المعطيات التداولية التي تعني السياق الخارجي.

إن الإنسان لا يعيش في عالم مادي خالص، بل في عالم رمزي. واللغة والأسطورة والفن والدين هي عناصر من هذا العالم. " فالعالم العملي للإنسان ليس عالم وقائع وأحداث خام حيث يعيش وفق رغباته وحاجاته المباشرة، بل إنه يعيش أهواءه وأحلامه، وسط الانفعالات الخيالية، إنه يعيشها في الأمل والرهبة والأوهام والحقائق"(51) .هذا الكون الرمزي هو ما يجعل الإنسان يبتعد عن المواجهة المباشرة للعالم المادي، حيث يتعذر إدراكه إلا عبر وساطة الرموز. ومادامت عمليات الإدراك لا تتم بطريقة مباشرة، وإنما بأشكال تأويلية ورمزية، فإن التأويل سوف يستند إلى سنن ثقافية مشتركة تم إنتاجها انطلاقا من أشكال رمزية تختزنها الذاكرة الجماعية بوصفها " تسنينا، وتكثيفا لمجموعة من الممارسات الإنسانية الدالة"(52).

إن الدلالة الرمزية إذن هي دلالة مركبة، بحيث لا ندرك منها سوى الدلالة الثانوية عن طريق الدلالة الحرفية أو الدلالة الأولية؛ لذلك تكون الدلالة الثانوية الوسيلة الوحيدة للاقتراب من المعنى المتعدد. إن الرمز من هذه الزاوية يظهر قصدية مزدوجة؛ قصدية حرفية يتم بموجبها تحديد معنى العلامة كما هو متعارف عليه في أبعاده المباشرة، ولكن انطلاقا من هذه القصدية الأولى يمكن التطلع إلى قصدية ثانوية؛ " وهكذا ففي مقابل العلاقات التقنية، الشفافة كليا، والتي لا تقول إلا ما ترغب في قوله، فإن العلامات الرمزية تكون كثيفة، هذه الكثافة هي التي تشكل العمق الذاتي للرمز"(53).

فالرمز هو الذي يسهم في تحريك المعنى الأول ويجعلنا ننخرط في صلب المعنى الكامن. وهو يقوم على بنية دلالية محددة، هي بنية التعابير ذات المعنى المزدوج على حد تعبير بول ريكور.

فكلما ابتعدنا عن حالات التعيين والوصف وكل ما يدور في فلك المعاني الظاهرة، إلى نظام الفكر والثقافة والرمز كلما اقتربنا أكثر من جوهر الوجود الإنساني. فعبر الأشكال الرمزية تستطيع الذات الإنسانية الإمساك بكل الممكنات في أبعادها الواقعية أو المتخيلة؛ "ولأن الفكر الإنساني فكر رمزي، فله القدرة على إجراء تمييز بين الواقعي والممكن"(54).

بناء على ذلك، فحاجة الإنسان إلى السيميائيات والتأويل السيميائي عامة، "تبقى ضرورية بوصف السيميائيات فعالية دلالية ونشاطا معرفيا وفلسفيا لفهم الحياة واستعادة لمناطق أكثر غورا داخل الذات الإنسانية" (55).

والتأويل السيميائي للنص ينشأ أصلا من:

المؤلف إذا ما تم إليه بوصفه أصلا للمعنى النصي، وبحسب نزوعه الإبداعي.

النص بحسب أدواته (مجازات ورموز وأساطير وأقنعة...) أي النص إذا ما تم النظر إليه بوصفه بناء رمزيا.

المتلقي ومرجعياته الثقافية سواء كانت فنية أو جمالية أو إيديولوجية وممارسته التأويلية إذا ما تم النظر إليه كطرف حاضر في بناء المعنى النصي.

وهي تغدو مسألة شاملة حينما يتعلق الأمر بنظرة فلسفية، تجعل التأويل مسألة، يمكن من خلالها تحديد علاقة الكائن بكينونته (56).

التأويل بين بيرس ودريدا

ركز جاك دريدا في أعماله على دراسة السلطة التي تمنح شرعية لمحاولات ضبط حدود السيميوزيس، أي اللعب اللامتناهي للعلامات، والانحراف المستمر في التأويل (57)، مع التركيز على ما يمكن تسميته بالنموذج اللولبي للتأويل. ومن هذا المنطلق، يرى دريدا أن كل محاولة للتأويل تنطوي على مفارقة جوهرية: فهي تسعى لتحديد معنى، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن لامحدودية الإحالات بين العلامات.

على الجانب الآخر، ذهب تشارلز ساندرز بيرس إلى تطوير نظرية يُطلق عليها تفكيك المدلول، حيث يسعى المدلول في لحظة ما لوضع حد نهائي للإحالة من علامة إلى أخرى، متجسدًا في نوع من التمركز الذاتي وميتافيزيقا الحضور. (58) ومع ذلك، يرى بيرس أن لامحدودية الإحالة ليست ثغرة، بل هي مؤشر على وجود نسق متكامل من العلامات. فالعلامة نفسها، بما هي شيء يحدد شيئًا آخر، تفتح المجال لإطلاق الدلالة، لكنها بنفس الوقت تجعل توقفها أمرًا مستحيلًا.

ويتمثل جوهر هذه النظرية في أنّ المثال أو الشيء الممثل (methol) يمتلك خاصية مزدوجة: فهو في الوقت ذاته ذاته وشيء آخر، مما يجعله بنية للإحالة قادرة على الانفصال عن نفسها، وفي نفس الوقت لا وجود له في ذاته، أي أنه قريب من ذاته المطلقة دون أن يكونها فعليًا. ومن ثم، فإن العلامات لا تتحقق إلا عبر وجود المعنى، إذ أنّ الفعل التأويلي يخلق دائرة متجددة من العلامات والمؤولات التي تعيد إحالة المعنى بلا نهاية. (59)

تتلاقى أفكار بيرس مع تطلعات دريدا التأويلية المتقدمة نسبيًا، حيث يرى الأخير أن لا شيء خارج النص، مما يعزز مفهوم السيميوزيس اللامتناهية. فالعلامة، حسب بيرس، تشير إلى موضوع ما، بينما يقوم المؤول بإحالة هذا الموضوع بدوره، وهكذا تتسلسل المؤولات بلا نهاية، لتصبح العلامة في حالة مستمرة من التأويل والتجاوز، بما يتفق مع نموذج التأويل اللولبي.

وفي هذا السياق، أقر دريدا بوجود معايير نقدية للتحقق من صحة تأويل النص، إذ أن كل أعماله تذكّر القارئ بأهمية أدوات النقد التقليدي كضابط للتأويل، لكنها في الوقت نفسه لا تحد من الانفتاح على قراءة جديدة. فهذه الأدوات تعمل كوسيلة وقائية تمنع الانحراف، لكنها لا تشكل عائقًا أمام الإبداع التأويلي، مما يعكس التوتر الدائم بين القيود النقدية والانفتاح على لامحدودية المعنى.

إيكو ونظرية الإنتاج الدلالي

تستند نظرية الإنتاج الدلالي عند أومبرتو إيكو إلى نقد الثلاثية البيرسية: الأيقونة والمؤشروالرمز، مع تركيز خاص على نقد الاستعمال الشائع للأيقونات، وذلك بهدف الوصول إلى صياغة دقيقة للدلالة وفق قواعد نظرية محددة وضعها الباحث لوي يالمسليف (60) ويُستثمر هذا النموذج في توجيه تنميط ضروب الإنتاج والتأويل، بما يتيح تحليل السلاسل التعبيرية للعلامات والعلاقات الدلالية بينها.

تتحقق الوظيفة الدلالية عندما يظهر المثير على صعيد التعبير، ويكون الاستجابة المتوقعة متحققة على صعيد المحتوى. ويشير إيكو إلى أنّ استعمال الخطاب للمثيرات المبرمجة يهدف غالبًا إلى استمالة المخاطب، كما أنّ وضع هذه المثيرات بين النسخة والاختراع، واقترابها من الحيل والصنعة السيميائية، يضعها عند عتبة سيميائية متشابكة (61). وعلى الرغم من إمكانية تحليل السلاسل التعبيرية إلى وحدات مميزة، يبقى المحتوى المقابل غالبًا خطابيًا يصعب اختزاله في علامات محددة.

يرى إيكو أن مادة المحتوى والوظيفة السيميائية تشكلان نسبة متفقًا عليها عرفيًا بين عنصر التعبير وصورة المحتوى، مما يجعل الكون السيميائي مؤلفًا من الوظائف السيميائية وليس مجرد دلائل منفصلة. ومن ثم، يصبح التأويل أداة أساسية، إذ يتيح استنطاق كل دليل ضمن دائرة تدلالية كاملة، لا يقتصر على الاستبدال بين الدلائل بل يشمل إمكانية توسيع الفهم عبر استنفاد العلاقات التأويلية بين العناصر المختلفة (62)

وتسعى ضروب الإنتاج، كما يصفها إيكو، إلى تحديد أنماط الجهات الإنتاجية للدلائل، حيث لا تحيل مقولات مثل النسخة والإظهار إلى دلائل خاصة بحد ذاتها، بل إلى سيرورات تكوينية تُظهر الظواهر التأويلية في أنساق متعددة، سواء أكانت لسانية أو غير لسانية. وبذلك تصبح هذه المقولات مستقلة وسيميائية، محددة لظواهر إنتاج المعنى داخل النصوص والممارسات الثقافية المختلفة، ومؤهلة للتحليل التأويلي الدقيق.

المفاهيم الإجرائية لسيمياء التأويل

الموسوعة والمعجم

يُعَدّ مفهوما الموسوعة والمعجم من الركائز المركزية في نظرية التأويل عند أمبرتو إيكو، إذ يمثلان نموذجين متقابلين في مقاربة العلاقة بين اللغة والمعرفة. فإذا كان المعجم ينحصر في كونه جهازًا دلاليًا يحصر المعنى في بعده اللغوي الصرف، فإن الموسوعة تتجاوز هذا الحصر لتُدرج المعرفة بالعالم، بما تحمله من سياقات اجتماعية وثقافية وتاريخية، ضمن سيرورة إنتاج المعنى. ومن هنا، يغدو التأويل فعلًا يتجاوز حدود البنية اللغوية إلى فضاء أوسع يستدعي المخزون الجماعي من المعارف والتجارب.

يرى إيكو أن المعجم، رغم طابعه التحليلي، عاجز عن التمييز الصارم بين ما هو لساني صرف وبين ما هو معرفي وثقافي. فالسمات الدلالية التي ينهض عليها المعجم ينبغي أن تكون أولية وغير قابلة للتجزئة، أي بمثابة كليات دلالية يدركها القارئ عن طريق الحدس أو التسليم. لكن هذا التصور يظل محدودًا أمام طبيعة التواصل الإنساني المعقّد، وهو ما دفع إيكو إلى إعادة النظر في مفهوم "الشفرة" التقليدي، الذي طالما اختُزل في مقابلة ميكانيكية بين علامة وأخرى، ليطرح بديلًا أكثر ثراءً يتمثل في مفهوم الموسوعة.

الموسوعة عند إيكو ليست مجرد مخزون معلوماتي، بل ذاكرة جماعية تختزن مجموع التمثلات والمعارف التي تراكمت داخل ثقافة معينة. لذلك فإن عملية التأويل، في جوهرها، ليست سوى استدعاء انتقائي لهذه الموسوعة في ضوء السياق النصي. إن القارئ، في لحظة تلقيه، لا يواجه النص فارغ الذهن، بل يستند إلى شبكة من القراءات السابقة والخبرات المعرفية التي تؤطّر فهمه للنصوص الجديدة. وهنا يلتقي إيكو مع تصورات باحثين آخرين مثل بول وبروان في مفهوم المعرفة الخلفية (Background Knowledge)، وكذا مع إيزر في تصوره ل- السجل الضمني الذي يفترضه النص ويُفعّله القارئ خلال الفعل التأويلي (63).

ولتقريب الفكرة، يقدّم إيكو مثال "القطار": حين يسمع الفرد هذه الكلمة، قد يستحضر تجربة شخصية كالسفر مع جدته، غير أن ذلك لا يدخل في التعريف الموسوعي. أما ما يدخل فهو المعطيات المتفق عليها ثقافيًا: أن القطار وسيلة نقل للأشخاص والبضائع، أنه يسير على عجلات، اخترع في القرن التاسع عشر، وأن بداياته ارتبطت بالطاقة البخارية. هذه المعرفة الموسوعية، على سعتها، لا يستحضر منها القارئ إلا ما يفرضه سياق النص الذي يرد فيه ذكر القطار.

النص الأدبي، وفقًا لهذا التصور، ليس سوى توسيع لجزء من الموسوعة، يفعّل القارئ إمكانياته التأويلية لاستكشافه. وقد استعان إيكو في ترسيخ هذا النموذج بمفاهيم من علوم معرفية حديثة مثل الذكاء الاصطناعي وعلم النفس الإدراكي، نظرًا لتقاطعها مع آليات اشتغال الموسوعة باعتبارها جهازًا ديناميًا مفتوحًا على التطور المستمر (64)

إن ما يميز تصور إيكو هو إدراكه للطابع التفاعلي للمفاهيم: فالمعجم والموسوعة والشفرة والمعرفة الخلفية ليست كيانات متمايزة تمامًا، بل مصطلحات تتقاطع وتتداخل، وقد تُستعمل أحيانًا بشكل تبادلي. ومع تراكم البحوث في مجال السيميائيات، تضاءلت الفوارق بينها لتغدو تسميات متعددة لمسعى واحد: الكشف عن الكيفية التي يُنتَج بها المعنى داخل النصوص، في تفاعل دائم بين اللغة والثقافة والتاريخ.

المقصدية كآلية سيميائية وتأويلية

تُعَدّ المقصدية إحدى الركائز المركزية في التمييز بين لغة الإنسان وأنماط التواصل الأخرى، إذ يرى معظم الباحثين أن ما يمنح اللغة الإنسانية خصوصيتها هو كونها فعلًا قصديًا يتأسس على إرادة التواصل وإنتاج الدلالة. غير أنّ هذا المفهوم لم يُتناول بالمعنى ذاته لدى الجميع؛ فقد اختصر رولان بارت المقصدية فيما يرد صراحة أو ضمنًا داخل النص، بينما نظر إليها غريماس باعتبارها نزوعًا سابقًا يوجّه عملية التلفظ. أما فلاسفة أفعال الكلام مثل أوستن وسيرل وغرايس، فقد تعاملوا معها بوصفها آلية ميكانيكية موجهة تحكمها قواعد التداولية، تربط الملفوظ بالفعل الذي ينجزه داخل سياق محدّد(65)

وليس القصد حكرًا على المتكلم وحده، بل يمتد ليشمل المخاطَب أيضًا، إذ يمكن أن تلتقي قصدية المرسل مع قصدية المتلقي في درجات من التوافق أو التباين، كما بينت ذلك نظرية التلقي. ومن هنا تنبع إشكالية المقصدية في بعدها الفلسفي والمنهجي: فهي ليست دائمًا معطىً ظاهرًا في النص، بل تُفترض كقوة كامنة خلفه، الأمر الذي دفع العديد من الباحثين إلى إخراجها من حقل علم النفس لتصير موضوعًا لسانياً وسيميائياً.

على هذا الأساس، تُفهم المقصدية باعتبارها نزوعًا ذاتيًا نحو موضوعٍ ذي قيمة. فهي الأصل الذي يقوم عليه كل فعل أو تفاعل، والشرط الضروري لقيام أي سيرورة سيميائية. إذ لا تصل الذات إلى موضوعها إلا عبر حركة ما، قد تكون يسيرة أو عسيرة، وتنطوي على صراع أو مقاومة. وفي كل الحالات، يتحقق هذا الفعل القَصدي في فضاء زماني ومكاني محدَّد، ويتجسد من خلال العلامات اللغوية والرمزية.

وقد حافظت المقصدية على حضورها في معظم الدراسات النقدية والاجتماعية والفلسفية، حتى داخل الأطر البنيوية والسيميائية الصارمة. لكن التحولات التأويلية المعاصرة دفعت إلى إعادة النظر فيها، ليس فقط كخاصية للمتكلم، بل أيضًا كمكوّن من مكوّنات النص نفسه، يتصل بآفاقه التداولية والإيحائية. ومن ثَمّ لم يعد سؤال القصدية سؤالًا بسيطًا حول "ما يريد المؤلف قوله"، بل صار سؤالًا معقّدًا حول كيفية انبثاق الدلالة من خلال التفاعل بين النص، والمتكلم، والمتلقي(66).

إن المقصدية، بوصفها ممارسة ذهنية، تقتضي اختيار الأشكال التعبيرية التي يتيحها قيد الجنس الأدبي نفسه، بحيث تتحول هذه الأشكال إلى مواد دلالية. وبذلك يغدو النص الأدبي في الآن ذاته تطويرًا للجنس الذي ينتمي إليه، وإسهامًا في إبراز إمكاناته الكامنة. ومن هنا تأتي أهمية اعتماد رؤية إنتاجية للنصوص، لأن الرؤية التلقائية - رغم اعتمادها على آليات إنتاجية - ظلت تواجه عدة إشكالات، أهمها أن التلقي نفسه مشروط بسياقات المتلقي، وأن أي إدراك تلقائي هو تأويل شخصي، محدود واختزالي بطبيعته.

على النقيض من ذلك، فإن سؤال الإنتاج الأدبي يسعى إلى مقاربة النصوص من خلال ما تحمله من أدلة قصدية ذهنية، أي بوصفها تمثيلات للواقع عبر وسيط تخييلي. ولا يتحقق هذا الفهم إلا باستحضار النصوص على نحو مماثل لما فعله أرسطو وهو يؤسس للشعرية، حين اعتبر أن العمل الأدبي يُدرك من خلال آليات إنتاجه وتمثّله للعالم. ومن هنا يصبح لزامًا النظر إلى المقصدية ليس فقط كآلية لسانية، بل كأفق تأويلي يكشف عن تداخل الأبعاد: النفسية، النصية، والسيميائية في آن واحد.

وعليه، فإن المقصدية في الخطاب الأدبي ليست مجرّد نية مسبقة أو آلية تداولية، بل هي بنية دينامية تنظم العلاقة بين الذات والعالم عبر النص، وتوجّه التأويل في ضوء تفاعل متغير بين المؤلف والنص والمتلقي. وهذا ما يمنحها موقعًا حيويًا داخل السيميائيات التأويلية، باعتبارها الضامن الأساسي لفاعلية العلامة في إنتاج المعنى وإعادة إنتاجه باستمرار.

العوالم الممكنة: من الميتافيزيقا إلى التحليل السيميائي

تُعَدّ نظرية العوالم الممكنة إحدى الإسهامات الكبرى التي أعادت تجديد التفكير الفلسفي واللساني المعاصر. ف- ياكو هينتيكا يُعتبر من أبرز الفلاسفة الذين قاموا بإعادة صياغة هذا المفهوم في إطار تحليلي جديد، حيث نقل الفرضية من فضاء الميتافيزيقا، كما صاغها ليبنتز، إلى مجال معرفي إبستيمولوجي ملموس(67). وإذا كان ليبنتز قد ربط فكرة العالم الممكن بالمطلق الإلهي، فإن هينتيكا أعاد إنزالها إلى مستوى التداول البشري، جاعلاً منها أداةً لدراسة العلاقة التي يقيمها الإنسان مع الواقع عبر اللغة، بعد أن ظلت لقرون طويلة محصورة في دائرة التأمل الميتافيزيقي.

لقد برهنت هذه النظرية على جدواها في معالجة إشكالات فلسفية ومنطقية متعددة، سواء مع هينتيكا نفسه أو مع تلامذته مثل كريبكه، الذي أسهم في تطوير البعد الدلالي للنظرية في سياق المنطق المودي. غير أن قيمتها الكبرى ظهرت حين تم نقلها، عبر أعمال أومبرتو إيكو وتيون فان ديك، إلى مجال السيميائيات وتحليل الخطاب. ففي هذا الإطار لم تعد "العوالم الممكنة" مجرد فرضيات منطقية، بل أضحت آليات منهجية لفهم كيفية تشكل العوالم السردية، وكيفية تفاعلها مع العوالم المرجعية للقارئ. وهكذا صار بإمكان الباحث أن يقارن بين بنيات مختلفة، ويستكشف إمكانات التناقض أو الاتساق بين عالم وآخر، بل وأن يقدم هذه العلاقات في صيغ جداول دقيقة ترصد المكونات والخصائص.

إن الانتقال من التصورات المرجعية الصارمة إلى أفق العوالم الممكنة شكّل ثورة حقيقية، لأنه تجاوز النزعة الاسمية(Nominalism) التي مثلها فلاسفة مثل كوَين، والتي حصرت الوجود في ما هو مُعطى للتجربة الحسية. على العكس من ذلك، فإن العوالم الممكنة تتيح للخطاب الأدبي والسردي أن ينتج دلالات حتى حين لا تكون قابلة للتحقق في الواقع المعيش. ذلك أن القارئ، وفق هذا التصور، لا يظل متلقياً سلبياً، بل يمارس فعلاً تأويلياً عبر التوقع، والتخمين، والمشاركة في بناء الدلالة(68).

وقد صاغ إيكو تعريفاً دقيقاً للعالم الممكن، باعتباره مجموعة من القضايا تُبنى وفق مبدأ الثنائية (إما "ب" أو "لا ب")، وتضم أفراداً مزودين بخصائص محددة. وبما أن بعض هذه الخصائص تُترجم إلى أفعال، فإن العالم الممكن يُنظر إليه كذلك بوصفه مجرى من الأحداث، أي فضاءً ديناميكياً لا يكتفي بكونه كياناً ثابتاً، بل يظل مفتوحاً على الاحتمال والتوقع. من هنا فإن السرد لا يُقرأ فقط بوصفه تمثيلاً لواقعٍ ما، بل باعتباره شبكة من الإمكانات التي يتعين على القارئ أن يشارك في تفعيلها وتأويلها.

ملاحظات واستنتاجات

الدلالة التأويلية إطار نظري يختلف عن النظريات السابقة. فإذا كانت الاتجاهات النفسية والاجتماعية قد ركزت على المضامين والمحتويات، وإذا كانت القراءة البنيوية قد ركزت على المعطيات اللغوية، وإذا كانت الدلالة البنيوية قد ركزت على شكل المعنى، فإن الدلالة التأويلية استثمرت كل ذلك. لكنها تصرفت في سعة البحث عن المعنى، إذ تنطلق من الوصف أولا، بمعنى أن المعطيات الداخلية للنص هي التي توجه التأويل، في مقابل الدراسات النفسانية والاجتماعية التي كانت تنطلق من خارج النص لتسقط الأحكام عليه. هكذا تصبح الحكاية مؤولة انطلاقا من معطياتها الداخلية. ليأتي استحضار المعطي الخارجي بهدف تأكيد صحة التأويل. من هنا نفهم وظيفة التأويل.

على سبيل الختام

تؤكد هذه الدراسة أن النص السردي ليس مجرد سرد متتابع للأحداث، بل هو فضاء تأويلي متعدد الأبعاد، يتيح للباحث الغوص في بنية العلامات الرمزية والثقافية وفهم آليات إنتاج المعنى داخل النصوص الأدبية. فقد أظهرت مقاربات كبار المفكرين مثل أمبرتو إيكو ورولان بارت وبول ريكور وإرنيست كاسيرير أن التأويل ليس مجرد ممارسة شخصية أو عابرة، بل هو إجراء منهجي يربط بين النص والسياق الثقافي والفكري ووعي المتلقي، بما يجعل النص وسيلة فعالة لاستكشاف الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للفعل السردي.

لقد ساهمت الدراسة في توسيع مفهوم التأويل ليشمل الأدوات السيميائية والإجرائية، بدءًا من الموسوعة والمعجم اللذين يوفران مخزونا معرفيا تمكن القارئ من استحضار الخبرات والتصورات الثقافية أثناء عملية التأويل، مرورًا بمفهوم المقصدية الذي يبرز دور قصد المتكلم والمخاطب في توجيه المعنى، وصولًا إلى العوالم الممكنة التي تتيح استكشاف الإمكانات السردية، وتفعيل قدرة القارئ على توقع الاحتمالات المختلفة داخل النص وتحليل التناقضات أو التوافق بين العوالم المرجعية والعوالم السردية.

كما بينت الدراسة أن التأويل السيميائي يعتمد على تفاعل ديناميكي بين النص والمؤلف والمتلقي، حيث تشكل الذاكرة الجماعية والمعرفة الخلفية للمتلقي حجر الزاوية في إنتاج المعنى. هذا التفاعل لا يقتصر على استدعاء المعلومات السابقة، بل يشمل أيضًا إعادة إنتاج المعنى وفق شروط النص وأفق توقعاته، وهو ما يجعل العملية التأويلية مستمرة ومتجددة.

علاوة على ذلك، بينت الدراسة أن الأدب العجائبي يمثل أداة مركزية لفهم وظيفة النص في نقل التجربة الإنسانية، ولفتح آفاق للتخييل والاستكشاف، إذ يكشف عن مستويات غير مرئية من الدلالة، ويتيح للقارئ والمحلل التفاعل مع نصوص تتجاوز الواقع الحسي إلى فضاءات إمكاناتها المتعددة.

وأخيرًا، فإن دمج هذه المفاهيم) الموسوعة والمعجم والمقصدية والعوالم الممكنة (وآليات التأويل ضمن إطار سيميائي وتأويلي متكامل يجعل الدراسة نموذجًا حديثًا لتطبيق الدلالة التأويلية على الخطاب السردي. فهي توضح أن النصوص الأدبية ليست مجرد منتجات ثقافية، بل أجهزة معرفية وتأويلية قادرة على كشف طبقات الرمزية والثقافة، وإظهار العلاقة الحيوية بين النص والثقافة والإنسان، بما يوفر للباحثين أفقًا تأويليا غنيا ومتعدد المستويات لكل نص سردي يتم دراسته.

***

بقلم: د. منير محقق

وناقد وباحث جامعي مغربي

..............................

الهوامش

(1) - سورة النبأ، الآية 37.

(2) - ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، دار إحياء التراث العربي الطبعة الأولى 2001، ص: 304، مادة خطب.

(3) - عبد الواسع الحميري، الخطاب والنص، دار مجد المؤسسة الجامعية للجراسات والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، ط1، (2008)، ص12.

(4) - عبد الواسع الحميري، الخطاب والنص المفهوم-العلاقة -السلطة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 2008، ص: 13

(5) - محمد علي بن علي التهانوي كشاف اصطلاحات الفنون، دار قهرمان للنشر والتوزيع، إستانبول، 1984، ج1 ص: 403

(6) - الزمخشري، أساس البلاغة، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، 1992، ص: 168/ 167

(7) - ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بيروت العرب الجزء 1، ص: 1149.

(8) - سورة الفرقان، الآية: 63.

(9) - سورة ص، الآية: 20.

(10) - عبد الهادي بن ظافر الشهيري، استراتيجية الخطاب، دار الكتاب الجديدة المتحدة، ط1، (2004)، ص36

(11) - نفس المرجع نفس الصفحة.

(12) - محمد البارد، إنشائية الخطاب في الرواية العربية الحديثة، مركز النشر الجامعي، تونس، 2004 ص: 1.

(13) - المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

(14) - دومينيك مانغونو، المصطلحات المفاتيح لتحليل الخطاب، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، (2008)، ص40

(15) - عبد الواسع الحميري، الخطاب والنص، دار مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، ط1، (2008)، ص1043

(16) - ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بيروت، مادة(سرد)

(17) - الزمخشري، أساس البلاغة، دار الكتب المصرية، الجزء الأول، 1922، مادة (سرد)

(18) - ميساء سليمان الإبراهيم، البنية السردية في كتاب الامتناع والمؤانسة، ط. 2011 ص11 ! 13.

(19) - الكرمل" مجلة الاتحاد العام للكاتب والصحافيين الفلسطينيين 1993. محور، التاريخ والحكاية ل-مصطفى كاك ص 91.

(20) - قال الراوي: البنيات الحكائية في السيرة الشعبية ل- سعيد يقطين ص 13، 16/ ط I، 1997 الناشر: المركز الثقافي العربي.

(21) - جنيت، جيرار، خطاب الحكاية، تر: عبد الجليل الأزدي ومحمد معتصم الأزدي، المجلس الأعلى للثقافة ط2، 1997، ص 37.

(22) - جنيت، جيرار، خطاب الحكاية، ص40

(23) - ميساء سليمان الابراهيم، البنية السردية في كتاب الإمتاع والمؤانسة، ط. 2011 ص18. 20

(24) - نفس المرجع.نفس الصفحة.

(25) - نفس المرجع ص32 – 33.

(26) - فائزة عليلو، الأنماط الحكائية العربية، قراءة في نماذج من "ألف ليلة وليلة" و"كليلة ودمنة"، الطبعة الأولى، 2016، ص.51

(27) – اٍبن منظور، لسان العرب: جمال الدين محمد بن مكرم –دار الصادر بيروت –المجلد الاول ط6-1997ص580.

(28) – المصدر السابق: ابن منظور

) - مصدر نفسه: اٍبن منضور، ص580(29)(

(30) - ابن فارس، أبي الحسين احمد بن زكرياء (مقاييس اللغة) حققه علي بشري، اتحاد كتاب العرب ، دمشق ج4 2002، ص243،244.

)(31)( -le petit Robert .Nouvelle edition.paris1987.p1186

) - لسان العرب، أبو فضل جمال الدين بن منضور، دار الصادر، بيروت، ط 1- مج.10، ص38(32)(

) -حسين علام، العجائبي في الادب من منظور شعرية السرد ، منشورات الاختلاف ط1,2010م.(33)(

(34)Eco, U. (1992). Interpretation and Overinterpretation. Cambridge University Press

(35)Gadamer, H.-G. (1975). Truth and Method. Continuum.

)(36)( - Eco, Umberto. The Name of the Rose. London: Harcourt, 1983, pp. 112-145.

)(37)( - Foucault, Michel. Madness and Civilization: A History of Insanity in the Age of Reason. London: Routledge, 1965, pp. 57-89.

)(38)( - Kristeva, Julia. Desire in Language: A Semiotic Approach to Literature and Art. New York: Columbia University Press, 1980, pp. 122-158.

)(39)( - Roland Barthes, Le degré zéro de l’écriture

)(40)( - Kristeva, Julia. Desire in Language: A Semiotic Approach to Literature and Art. New York: Columbia University Press, 1980, pp. 122-158.

)(41)( - Ricoeur, Paul. The Conflict of Interpretations: Essays in Hermeneutics. Evanston: Northwestern University Press, 1974, pp. 275-302.

(42) - مفتاح، محمد. النص والحكاية: دراسات في التأويل الأدبي العربي. الرباط: المركز الثقافي العربي، 2009، ص. 88-115.

(43) - أبو زيد، نصر حامد. مفهوم النص وتجاوز الحرفية. القاهرة: دار الشروق، 2002، ص. 45-78.

(44) - عبد الرحمن، طه. اللغة والفكر: دراسات في التأويل الفلسفي والأدبي. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2012، ص. 145-178.

)(45)( - Nicole ( Evreat_Desmedt ): Le Processus Interprétatif ; Introduction à la sémiotique ;. de C.S ; Mardaga Editeur, 1990 ; p.105

(46) ) - عبد الله بريمي، السيميائيات الثقافية والضرورة التأويلية، في الحاجة إلى التأويل، منشورات مختبر التأويلات والدراسات النصية واللسانية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان، ص.278.

(47) ) - نفس المرجع، نفس الصفحة.

-Ernest Cassirer. Essai sur l’homme. Paris Minuit, 1975, p.317.(48) )

-ECO, Umberto. A Theory of Semiotics, Indiana: Indiana University Press, 1975. P.3.(49) )

-Ibid, p.298. (50) )

-Ernest Cassirer. Essai sur l’homme. Paris Minuit, 1975, p.p.44/43 (51) )

(52) ) - عبد الله بريمي، السيميائيات الثقافية والضرورة التأويلية، في الحاجة إلى التأويل، منشورات مختبر التأويلات والدراسات النصية واللسانية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان، ص.279.

-Paul, Ricœur. Le Conflit des interprétations ; Ed ; Seuil ; ¨Paris ; 1969 Coll L’ordre. Philosophique ; (53) ) PP:285/286

-Nicole (Evereat_Desmedt): Le Processus Interprétatif ; Introduction à la sémiotique. De C.S. Peirce ; Ed ; Mardaga Editeur, 1990 ; P: 105 (54) )

(55) ) - عبد الله بريمي، السيميائيات الثقافية والضرورة التأويلية، في الحاجة إلى التأويل، منشورات مختبر التأويلات والدراسات النصية واللسانية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان، ص.280.

(56) ) - فريد ( الزاهي): النص والجسد والتأويل، أفريقيا الشرق 2003 ، ص: 99/100.

(57) Peirce, C. S. (1931–1958). Collected Papers of Charles Sanders Peirce. Harvard University Press.

(58) Derrida, J. (1967). Of Grammatology. Johns Hopkins University Press.

.

(59) Eco, U. (1992). Interpretation and Overinterpretation. Cambridge University Press.

(60) Umberto Eco, A Theory of Semiotics, Bloomington: Indiana University Press, 1976, pp. 45–48.

(61) Gadamer, H.-G. (1975). Truth and Method. Continuum, pp. 65–70.

(62) Ricoeur, P. (1986). Hermeneutics and the Human Sciences. Cambridge University Press, pp. 15–20.

(63) Wolfgang Iser, The Act of Reading: A Theory of Aesthetic Response, Johns Hopkins University Press, 1978, p. 35.

(64) Umberto Eco, Semiotics and the Philosophy of Language, Indiana University Press, 1984, p. 68.

(65) John R. Searle, Intentionality: An Essay in the Philosophy of Mind, Cambridge University Press, 1983, p. 7.

(66) Hans-Georg Gadamer, Truth and Method, Continuum, 2004, p. 259.

(67) Gottlob Frege & Jaakko Hintikka, Possible Worlds: An Approach to the Theory of Modality, Springer, 1969, p. 42.

(68) Umberto Eco, The Role of the Reader: Explorations in the Semiotics of Texts, Indiana University Press, 1979, p. 65.

في المثقف اليوم