عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ترجمات أدبية

حنيف قريشي: انحدار الغرب

بقلم: حنيف قريشي

ترجمة: صالح الرزوق

***

رحلة قطار الأنفاق واحدة من أكثر الرحلات المتعبة التي يتحملها مايك، كان يأمل أن يفتح الباب ليدلف إلى الصالة الدافئة، ويسمع أصوات زوجته وأبنائه، ويرى القطة تهبط على السلالم ثم تتمسح به. يعمل مايك أقل من اثني عشر ساعة في اليوم، وقد مرت أساببع منذ أن عاد إلى البيت مبكرا هكذا. تعيش عاملة الخدمة في هذا البيت ومع هذه العائلة أكثر منه. فكر أن يعلن عن الأخبار لزوجته فورا، ولكن أخبرته إموجين في الصالة وبيدها كأس جن وتونك، إنها ستصعد إلى أعلى لتستحم. أخرج مايك وجبة باردة من المجمدة، وأودعها في الميكرويف. بانتظار أن تسخن، سكب لنفسه كوبا من النبيذ، ووقف بجانب النافذة الطويلة التي يرى منها الحديقة. قرر أن يبدأ القراءة ويتناول النبيذ. كانت إموجين تصر على هواية تقلل من قلقه، فقد أقلع مؤخرا عن التدخين، ولكنه أفرط بالنبيذ. كان يعتقد أنه قادر على التخلي عن بعض العادات. وبعكس أصدقائه وزملائه، كان بمقدوره السيطرة على نفسه، فهو ليس مدمنا. والآن على اعتبار أن الترتيبات المالية أصبحت خارج السيطرة، بعد صدور قرار بفصله، بدا كل شيء تقريبا- ومن ضمنه فكرة المستقبل - موضوعا مختلفا. أشعل أنوار الحديقة، نظر إلى المصطبة الجديدة حيث أقاموا في الصيف الماضي حفلة شواء، وفكر: "دفعت لأجل ذلك من وقتي، وذكائي، ومن الثقافة التي حصلت عليها بفضل الدولة". في الطرف البعيد من الحديقة يوجد كوخ للأولاد ليعزفوا فيه الموسيقا، ومجهز بتلفزيون، وطبل، ومكبرات لتوزيع الصوت. لكن توقف الأولاد عن استعماله، حتى قبل أن يبدأ بتسديد ثمنه. وخلفه يمكنك مشاهدة حمامات وغرف نوم لعائلات أخرى تشبههم كثيرا. كان موضع بيتهم في الضواحي المريحة من لندن، وهو ضيق ويتألف من خمس طوابق، وموقف سيارات على جانب الطريق، ويشرف على سهول خضراء. وكما يحب الأولاد أن يقولوا، يعيش زملاؤهم في مدرستهم في بيوت أرحب. فآباؤهم مديرو شركات أو مستشارون ماليون للاعبي كرة قدم مشهورين. لكن لدى مايك، الذي يعمل في شركة تمويل، القليل من الوقت نسبيا. ومع ذلك كان هو وإموجين يخططان بجدية تامة لمزيد من العناية بالحديقة، وكذلك بقية أنحاء البيت. وكانا يستمتعان بالعمل على ذلك معا، حتى جاءت اللحظة، في هذا القطاع المزدهر من لندن، وتوفر عدد كبير من العمال البولونيين المحترفين. يحسن معظم أصدقاء مايك وإموجين باستمرار من ممتلكاتهم. وهذا قانون طبيعي: فأنت لا تخسر النقود التي تستثمرها في بيت. وربما كان على مايك أن يكون أكثر نباهة، ويلاحظ بدء عودة البولونيين الهاربين إلى بلدهم قبل سنوات. وضع مايك صحنه على طاولة الطعام الأنيقة والبراقة، حيث يحب تناول طعام المساء، والكلام مع الأصدقاء. أما إموجين، التي لا تتعاطى حسب علمها منذ سنوات أي شيء غير عضوي، فتكون قد تناولت طعامها مع الأولاد. ويمكن مايك من مكان جلوسه رؤية الصبيين وهما يلعبان لعبة فيديو عنيفة باستعمال شاشة تلفزيون العائلة. كان طعامه طيبا فعلا: الرز ناضج، والقريدس مطاطي الملمس. كانت صحون الأولاد لا تزال ببقايا الطعام على الطاولة، وإلا لكانت الطاولة مغطاة بكتب المدرسة، وعلب الأقلام. شاهد أيضا حقيبة تدحرجت منها شبكة كرة قدم، وثلاث أوراق نقدية من فئة الـــ 20 جنيها تركتها إموجين من أجل عاملة النظافة. التقط مايك إحداها ونظر إليها عن مقربة. كيف لم ينتبه لابتسامة الموناليزا الساخرة التي تشع من وجه الملكة، بإيحاء عابث، كأنها تشفق على الجشع والزهو المتأتي من حيازة النقود؟.

كان يسعد والده أن يقول له: "يا لحظك الطيب الذي نعمت به طيلة حياتك، يا مايك" - وكان والده، الذي أتم دفع رهن البيت مؤخرا بعد تقاعده، يعتبر الديون فشلا أخلاقيا. ويقول: "عشت طفولتي في كينت. كانت هناك تسقط كل ليلة القنابل الألمانية. ولكنك لم تمر بكارثة من هذا النوع. ولم تقع جرائم قتل في العائلة. أنت أحد الذين تجنبوا مآسي القرن العشرين". إنما ليس الواحد والعشرين. كانت كلمة "أمني" تستعمل فيما بعد حقبة9/11 وترد على لسان السياسيين وعلماء النفس على الدوام. وكلما زاد تكرارها أصبح البلد يشاهد المزيد من الحراسة. وكلما ظهر رجال بسترات مشعة تحمل على ظهرها كلمة 'أمن' ، زاد شعور مايك بالخوف - ولذلك سبب مفهوم، كما تبين لاحقا. وقد تمرن مايك على إدارة قسم يضم أربعين شخصا، ثم أصبح عمله طرد الموظفين الذين يرعاهم، وفي خلال أسبوعين حزم أشياءه وطرد نفسه. نادى الصبي البالغ من العمر خمسة عشر عاما، والذي يلعب بالكومبيوتر: "احمل صحنك واغسله".

رد توم: "غسلته بالأمس".

قال مايك: "هذا صحنك".

تجاهله الولد.

قال له: "ومن فضلك أوقف تلك اللعبة. دعنا نشاهد كرة القدم أو حلقة كوميديا. أحتاج الليلة لبعض الاسترخاء".

قال الولد: "اتركني وشأني. بدأت للتو. حينما تكون هنا لا تسمح لي بأي شيء. أنت محب للسيطرة".

أجابه: "أمامك عشر دقائق ثم يجب أن تتوقف".

-"كلا. لن أفعل".

-"اذهب واهدر وقتك في غرفتك".

قال توم: "تلفزيوني معطوب. لماذا لم تصلحه كما وعدت؟. لم لا تفعل من أجلي أي شيء نافع أبدا؟".

-"قدمت لك كل ما أملك وسأفعل ذلك دائما".

-"هل أنت تمزح؟. لم تقدم لي أي شيء حتى الآن".

قفز الولد الأصغر بأربع سنوات، والذي زعم أنه أضر قدمه، نحو مايك، ووضع رأسه على كتفه. لف مايك ذراعه حول بيلي وقبله. ولكن لم يسمح الولد الأكبر لمايك أو حتى أمه بتقبيله حتى الآن. وجد مايك أن اختيار بعض زملائه لمهنة حدائقي، حتى زوال المانع، أمر ممتع. الشرط الوحيد، كما هو واضح، رأس فارغ ورغبة بتمرين العضلات. آخرون رأوا أنهم قد يضطرون للتدريس. كان مايك في الخامسة والأربعين، وبدون فكرة عما يمكن أن يفعله. وكان عليه أولا خسارة كل شيء. ربت بيلي على ظهر مايك، قائلا، ليس بدون علامة تدل على التعالي "أحيانا أحبك يا والدي. أريد دروسا بالغيتار. وأولا أريد الغيتار ومكبر الصوت مثل توم". يمكن للحياة العائلية أن تبدو فوضوية. ولكن حياتهم مرتبة على نحو رائع، مع احتساب كل ساعة منها. وكذلك الدوام في مدارس خاصة، وفيها كان ابنه، كما يذكر مايك، يتلقى حصص التنس واللغة الإسبانية والبيانو والسباحة والغناء والكاراتيه. وكانوا يترددون على السينما والمسرح ومباريات كرة القدم باستمرار. ومثل معظم أصدقائه وزملائه ديون مايك ضخمة، وتعادل تقريبا ما يكسبه في سنتين. غير أنه ينظر لها دائما - حينما يفكر بها - على أنها الشيء الوحيد المرافق له. وبنحو ما، وأحيانا في منتصف الثمانينات، لم تعد الديون مخزية، وبعد عام 1989 اتفق الجميع على أن: الرأسمالية تزدهر، ولا توجد طريقة أفضل من الحياة في ظلها، وأنت تغني وتنفق. أبعد مايك صحنه. بعد العشاء يحب أن يعتصم في غرفته ويدرس ستارفنسكي، ويستمع لمقطوعاته الواحدة بعد الأخرى، حسب ترتيب تأليفها، وهو يقرأ عن حياة الملحن. ومرة كل أسبوعين يعقد هو وأصحابه اجتماعا موسيقا، ويعزف الواحد منهم للآخر. ومؤخرا نظر نحات ضعيف من هذه العصبة مباشرة نحو مايك وأشار بتهكم إلى "طقوس النقود" وقال عن مهنته وأخلاق مكتبه إنهما "أصوليان"، لأن التعصب هو الأوفر حظا بالانتشار، والتفكير والشك معدوم. وكان لدى النحات رأي زائف ومتعال عن التخيل، الذي لا ينشط إلا في الفن. غضب مايك ولكنه لم يتمكن من التخلص من ملاحظة الرجل الملعون من رأسه، بخصوص كيف يعيش حياته. وتساءل إذا أصبح متعصبا، مثل النحات، وغير قادر على التفكير بحياة الآخرين حسب هواه. ولكنه اقتنع أن العامة تنظر إلى المصرفيين وكأنهم بلطجية، وأشرار شرسون، وهذه النظرة تعبر ببساطة عن رغبة في فصل النظام المصرفي عن بقية المجتمع، بنفس طريقة تفضيل الناس عدم التفكير بالمسالخ عندما يتناولون طعامهم. ومثل كثير من الناس يخاف مايك من طبيعة الكوارث الراهنة، ويتساءل هل هي عقاب على سنوات من المبالغة والفضول، وهي الدين الذي يتوجب دفعه بالتألم والمعاناة. ولكن كيف يجوز اعتبار عائلته مذنبة أو وضيعة، مع أن كل تطلعاتهم لا تزيد على المطالبة بتحسن مادي مطرد؟. اقترب مايك من غسالة الصحون، وضع المنظف في مكانه، وأغلق الباب، وضغط على زر البدء، ولكن أظلم عالمه. توقفت ساعة الموقد، وتحولت أرقامها البراقة إلى أربع أصفار مستديرة. وجمد الميكرويف في منتصف دورته. وتوقفت كل الأصوات، باستثناء نباح كلب في الحديقة المجاورة.

في ذلك العدم العابر لم يهتف صوت الصبي "أبي. أبي. أبي - افعل شيئا. تصرف". فتش مايك في الدرج بحثا عن مصباح يدوي، وعبر البيت وتمكن أخيرا من اتباع قوس الضوء فوق السلالم الخشبية الصاخبة وحتى القبو. ولكن زلت قدمه ذات الجوارب على السلم الزلق، وفقد موطء قدمه. للحظة توقع أنه سيسقط على ظهره وسيكسر رقبته. كم من السهل أن تسقط، وكم كان هذا يغريه - فجأة رأى أن هذا أفضل احتمال - ليموت!. قبض على الدرابزون، وثبت نفسه، والتقط أنفاسه - شم رائحة البنزين والورق المقوى - تخبط نحو أرض الإسمنت ووقف هناك تحاصره علب الطلاء، ودمى الأطفال المكسورة، ومشتريات مهملة منذ عقد كامل، وكيس من فواتير بطاقات الائتمان. هناك في نصف العتمة، ضم وأرخى قبضتيه، وتساءل إذا كان من المحتمل أنه سيثور ويجن. كان يعلم أنه سيمنع في الشركة عن رؤية من يعرف ويحب، ويتحول إلى شخص "غير مرئي". تخيل أنه سيبلغ الصحف الوطنية عن حماقة وفساد الموجودين في مكتبه، وسيخون أولئك المغفلين ضيقي العقول مثلما خانوه. وبسبب هذه الأوضاع من الفشل والعجز فكر أن يشتري علبة بترول، ويقتحم المكان، ويشعل به النار، وسيرى كيف يكون رد فعل الأوغاد. ولكن كم سيطول مقته لهم، وما هو أثر هذا المقت الطويل عليه؟. هل سيموت من السرطان؟ آمن مثل الآخرين فعليا أنه ظاهرة استثنائية، وسينجو.. في النهاية وجد القاطع الصغير الذي جعل كل شيء يعمل مجددا، جره، فانتفض كل شيء، وبدأ عالمه الفظيع بالعمل، وسمع الدمدمة والاهتزاز. بعد عودته إلى الضوء لم يقتنع أن بمقدور توم متابعة قتل الناس السود في مشهد افتراضي من العالم الثالث. لذلك صاح به: "أطفئه حالا. هذا يكفي".

-"دعني وشأني".

"من فضلك يا توم. أتوسل إليك. اذهب وأنجز وظيفتك المنزلية. العالم مكان حقير وقذر ويقوده بنات آوى والمجرمون. عليك أن تكون جاهزا، طالما يمكنك ذلك".

"اتركني وحدي. لا تكلمني ثانية أبدا".

أمسك مايك الولد وجره من كرسيه، بقميص المدرسة الأزرق. قائلا: "نفذ ما آمرك به أحيانا".

"انصرف عني. أنت عجوز شرير. أتمنى أن تموت. كنت أرغب بهذه اللعبة طيلة اليوم".

"لم أكلم والدي بهذه اللهجة أبدا".

"تقول الوالدة أنك كنت تنهره".

كان توم أطول وأقوى وأرشق من مايك. وللتسلية أحيانا يلف ذراعه حول رأس والده ويجره في أرجاء الغرفة. صاح مايك على الصبي: "أطفئه. أطفئه. أطفئه". واقتلع جهاز التحكم من يده، وألقاه على الأرض. تحرك توم من كرسيه ووخز والده، فدفعه والده من صدره إلى الخلف. تدحرج الولد وسقط على قفاه. شتم مايك ثانية وأطفأ التلفزيون.

برزت زوجته التي تتزين بالألماس والذهب حينما تكون في الغداء مع صديقاتها، ودخلت بسروال رياضي، وقميص خفيف قديم، ونظارات سميكة، وخفين أبيضين حصلت عليهما من الفندق. قالت لتوم: "هل أنت على ما يرام؟ ماذا فعل بك الآن". قال توم وهو يدلك كوعه: "أعتقد أنه كسر ذراعي".

قالت إموجين: "أبوك أحمق ومجنون".

قال مايك: "رفض أن يتوقف عن اللعب. ولم يعاملني بحب ولا احترام".

قالت: "وكيف يمكنه ذلك؟. تأخر الوقت جدا. فقد دللته وأهملته، أيها الرجل السخيف، الأحمق. والآن تتوقع أن يطيعك".

قال توم: "واقتلع زري أيضا".

قالت إموجين وهي ترمق مايك شزرا: "ومن سيخيطه ويعيده إلى مكانه؟".

كانت تعمل في مؤسسة خيرية ثلاثة أيام في الأسبوع. وبالتأكيد راتبها محدود، ولكن لديها ضمير عائلي، ويعلم مايك أنه من الضروري أن يبدو سخيا. وبعكس بعض أصدقائه، لم يكن يرغب بامرأة تعمل وتجهد نفسها كالرجل، امرأة لا تتواجد في البيت أبدا.

قال بيللي: توقف عن الجدل وأخبرني إذا ما كنا حكما سنذهب للحصول على غيتار يوم السبت".

كان مايك يتمنى لو أن بيللي لا يكبر، ويبقى في هذه المرحلة من العمر حتى الأبد. ولكن أجابه: "أعلم أنني قلت لك سنذهب".

"ولكن يجب أن أفكر بالأمر".

"كنت في فرقة عازفين. ماذا تسمى؟".

"السراويل الغريبة".

صاح توم والذي كان يكتب رسائل قصيرة بتهور: "يا له من اسم غبي لفرقة".

قال مايك: "هل اسم مجموعتك تسعة وستون. أم أنت لا تعرف ما هو".

"أعرفه. وأنت أيها الرجل المسن لم تستمع لفرقة تسعة وستين منذ سنوات. ولن تستمع ثانية".

"انتظر حتى تتزوج ولاحظ النتيجة".

قالت إموجين: "وعدت بيللي بغيتار، ومضخم صوت، ومكبر صوت، والآن عليك أن تفي بوعدك".

قال مايك: "فقط سميني رجل الوفاء بالوعود. هذا اسمي. ولكن ربما لاحظت أن هناك أزمة مالية تأخذ مفعولها".

"هاااا. اخترع أي عذر لتخذل قومك".

قال لها: "حقا-- هذا كل ما فعلته. ولكن ماذا عنك؟. ماذا تطلبين بعد ذلك؟".

قالت: "شكرا للسؤال. كنت أخبرك منذ أسابيع أنني بحاجة لحاسوب جديد".

قال: "سآتي لك بأحدث أبل ديسك توب. مع طابعة وربما أحدث نسخة آي بود. يجب أن يحصل الجميع على ما يريد حينما يريد. لم لا أكتب قائمة، كي لا أنسى طلب أحد؟".

صبت لنفسها شرابا آخر. قائلة: "على الأقل - في هذا بعض المعنى. الأمور تتحسن هنا".

شعرت أنها لم تكن تحصل "على ما تريد". وخططت للتمرن على التحليل النفسي. وهذا يحتاج على الأقل لثلاث سنوات، فوافق أن يدفع الرسوم، وأن يدعمها في فترة الدراسة. قالت له: "وبعد أن أكسب النقود، ستتحسن كل هذه العائلة". وكل ما ينفقه عليها سيكون استثمارا. ولكن عليه أن يعيد التفكير بالموضوع. وقبل هذا الانهيار، كان يأمل أن يجني ما يكفي في السنوات القليلة القادمة ليحافظ لهم على حياة آمنة. حالما نهض قالت: "غسلت الأطباق الأخرى ولكنك نسيت أن تأخذ معك هذه الصحون". جمع مايك كل الصحون، وحملها إلى المغسلة. تابعت تقول: "كما تعلم، بسبب عاداتك كان يجب أن تتزوج امرأة ذات طموح منزلي أدنى، امرأة بمعايير أدنى في كل شيء".

لم تلاحظ أنه يحب التفاصيل والترتيب كلما كبر بالعمر. ثم استعانا بمنظفة بلغارية تعمل ثلاثة أيام في الأسبوع. كانت المرأة حاملا، ولذلك تتعرق كثيرا وهي تنظف وتحمل الأشياء، وكانت تخاف من فقدان عملها وأن تحل غيرها محلها.

اعتبر ما يك وزوجته نفسيهما متساويين، ولا توجد طريقة الآن تجعل إموجين تغسل أرض المطبخ، أو تنظف دورات مياههم الأربعة أو تكنس البيت. ومنذ أن تصدعت الرأسمالية تحت ثقل تناقضاتها كما توقعت الماركسية - فلا الشيوعيون ولا المسلمون كانوا مسؤولين عن انهيارها - توجب على العائلة أن تجد بيتا أصغر، وأن تتشارك على واجبات المنزل مثل الجميع. إن لم يكن هناك رفاهية، ما هو فضل الرأسمالية إذا؟. وإن لم يكن هناك واجب أخلاقي، ولا حياة تالية، لماذا يجب أن يتبعها الناس؟.

قالت إموجين لتوم: "هيا. سنكتب وظيفتك الفرنسية في غرفتك".

قال مايك: "سأقرأ لبيللي. هل أنت جاهز أيها الصبي الصغير؟".

ما أن نظف بيللي أسنانه، وارتدى منامته، توجب عليه الاستلقاء على سريره الكبير والكلام مع رأس الولد الموجود في صدر مايك، وإلا سيهزلون ويتصارعون ويغنون أو يقرأون حتى يسقط الولد، ومايك بالعادة، في النوم. كان هذا هو الوقت الذي يستمتع به مايك من يومه أكثر من سواه. ربتت إموجين على رأس مايك قبل أن تحمل جعبة توم وكتاب اللغة الفرنسية.

قال مايك: "يا عزيزتي الأمور المقرفة موجودة في العمل".

"هل هذا شيء غير عادي؟".

"علينا أن نناقش الموضوع لاحقا".

قالت: "هل تطلب بعض الاهتمام؟".

كانت هي وتوم في طريقهما إلى أعلى، وتوم يضحك بسبب حادث مضحك جرى في المدرسة.

فقال مايك: "تجاوبي معي من فضلك يا إموجين".

قالت: "فيما بعد إن بقيت مستيقظة. أو في الغد".

"بل الليلة كما أرى".

قالت: "ربما. على كل حال حينما أكون أقل إنهاكا".

قال: "حسنا. حينما تكونين جاهزة للكلام أخبريني".

 ***

............................

* حنيف قريشي Hanif Kureishi - كاتب بريطاني من أصول باكستانية.

في نصوص اليوم