عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

منى الصالح: ما الذي يحدث لنا حين نكتب؟

لا أتذكر متى بدأت علاقتي مع القلم، فمنذ وعيت وهو رفيق رحلتي. في المرحلة المتوسطة، أتذكر أن التعبير كان من أقرب المواد إلى قلبي، رغم ميولي العلمية التي كانت تتيه بين الأرقام، وتنغمس في قوانين الفيزياء، ولا تشعر بالوقت وهي تحلل وتستنبط. وكنت، حين تواجهني معادلة مستعصية، أظل ألاحقها ليالي وأيامًا حتى أصل إلى حل يرضيني، أو إلى تحليل مقنع لعقلية فتاة في صباها، معتدة بذكائها وشغفها للعلم.

لكنني كنت أجد في التعبير شيئًا آخر؛ كان يأخذني إلى متاهات المشاعر، فأغوص في الحدث أو الموقف حتى أستجلي ما وراءه، كباحث تأخذه الساعات في مختبره، يجرب ويكتشف المستور، أو كمبضع جراح دقيق يعرف أين يضع مشرطه حتى يصل إلى أصل الداء.

مرت الأعوام، وبقي القلم صديق مراهقتي، حافظ أسراري ومكنونات نفسي، وأسئلتي التي لم تكن تواتيها الشجاعة إلا حين أمسك به.

كنت امتلك كمية لا يستهان بها من الدفاتر التي تخلصت منها في كبري، وأنا صاحبة هوس بـ«في التخلي تجلّي». تلك التي تحتضن خواطري، والأحلام التي تعشش في مخيلتي، والقصص الكثيرة التي كنت أرجو أن أولد من بعدها روائية يُشار إليها بالبنان. ثم كبرت، ودرست القواعد والأدب  والنقد، وأصبحت بعض تلك المحاولات القديمة مثار سخريتي وحنيني في آن واحد.

أما التساؤلات، فلم أتخلص منها.

كبرت بها ومن خلالها رحلة قراءاتي، وتنقلت من كتاب إلى آخر بحثًا عن إجابة أو عن سؤال أكثر عمقًا. حينًا تشدني الكتب العقدية، وأحيانًا يأخذني السؤال إلى الفلسفة علني أجد راحتي، وتارة أرتمي بين أحضان الروايات العربية والعالمية.

وهكذا بقي القلم رفيقي الوفي، دون أن أفكر طويلًا في دوره، أو فيما كان يفعله بي طوال هذه الأعوام.

لم يكن القلم هواية أمارسها متى أشاء، ولا ترفًا فكريًا يأخذني إلى عالم الثقافة والفنون، بل كان يكبر معي، وتنضج تجربتي من خلاله.

لا أعلم ماذا يحدث لي حين أمسك القلم.

كل حرف يبدو حيًا، يتنفس أعماقي. تمتزج مادته بجروحي، وتتخلل آلامي وقفاته وحركاته، وكأن أعاصير تجتاح روحي، ثم تنكسر أمواجها المتلاطمة على شواطئه، مخلفة خدرًا لذيذًا وسكينة بحجم الكون.

قد يكون قاسيًا أحيانًا، يعري هشاشتي وضعفي اللذين أحاول مرارًا الاختباء منهما، لكنه يعيدني بعد ذلك أكثر تحررًا، وأكثر قدرة على النظر إلى ما يؤلمني دون أن أهرب منه.

ألجأ إليه حائرة، تائهة، وقد كسر الفقد ألف جدار وجدار كانت قوتي ومصدر إلهامي. وحين تبدأ الحروف في الانهمار منه، أشعر كما لو أن السماء تتخفف بالمطر من ثقل سحبها؛ ثم تصفو، فأستطيع أن أرى الحكاية بوضوح أكبر، وكأنها اكتملت فصولها.

ربما لهذا لم تعد الكتابة بالنسبة إليّ مجرد وسيلة للتعبير، بل أصبحت وسيلة للفهم، والتشافي .

وهنا تلتقي تجربتي الشخصية مع ما حاول علم النفس أن يفهمه منذ عقود.

فقد ارتبط اسم عالم النفس جيمس بينيبيكر بأبحاث واسعة حول الكتابة التعبيرية، التي تقوم على إتاحة المجال للفرد للكتابة عن تجاربه الصعبة ومشاعره وأفكاره المرتبطة بها. وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن هذا النوع من الكتابة يمكن أن يساعد في معالجة التجربة والتخفيف من بعض مظاهر الضيق النفسي، وإن كانت النتائج البحثية ليست متطابقة، وتأثير الكتابة يختلف من شخص إلى آخر. 

والفكرة الأكثر أهمية ليست أن الكتابة تمحو الألم، وإنما قد تمنحنا مسافة عنه، وتساعدنا على فهمه، وإعادة النظر في معناه.

وهذا قريب مما يحدث في بعض ممارسات العلاج المعرفي السلوكي؛ إذ تُستخدم الكتابة لمراقبة الأفكار والمشاعر والمواقف، ثم فحصها وإعادة تقييمها بدل أن تبقى تدور في الذهن وكأنها حقائق مكتملة.

حين أكتب، أستطيع أن أسأل:

ماذا حدث فعلًا؟

ماذا شعرت؟

ماذا قلت لنفسي حين حدث ذلك؟

لماذا آذاني هذا الموقف إلى هذا الحد؟

وهل ما أعتقده الآن هو الحقيقة الوحيدة الممكنة؟

حين تصبح الأفكار مكتوبة أمامنا، قد يصبح من الأسهل مراقبتها بدل الانقياد لها.

ومن هنا ظهرت تطبيقات متعددة للكتابة في المجال النفسي، من اليوميات والتسجيل الذاتي إلى الكتابة التعبيرية الموجهة، حيث لا يكتفي الإنسان بسرد ما حدث، وإنما يحاول أن يقترب من تجربته بأسئلة أكثر عمقًا:

ما الشعور الذي سيطر عليّ؟

ما الذي كنت أحتاجه في تلك اللحظة؟

ما الذي أوصلني إلى هنا؟

كيف تعاملت مع ما حدث؟

وماذا يعني لي الآن؟

وهنا تصبح الكتابة شكلًا من أشكال الاستبطان وإعادة بناء المعنى.

فبعض التجارب المؤلمة لا تؤلمنا فقط بسبب ما حدث، وإنما بسبب المعنى الذي منحناه لما حدث.

قد لا نستطيع تغيير ماحدث، لكننا نستطيع أن نغير الطريقة التي نفهم بها علاقتنا به. والكتابة تمنحنا هذه المساحة التي نعيد فيها ترتيب التجربة، واكتشاف أشياء فيها لم نكن قادرين على رؤيتها ونحن في قلبها.

وربما لهذا أشعر أنني حين أكتب لا أفرغ ما بداخلي فقط، بل أتعرف إليه.

أحيانًا أكتب وأنا أظن أنني أعرف ما يؤلمني، ثم أكتشف أن الألم كان في مكان آخر.

وأحيانًا أبدأ الكتابة بحثًا عن إجابة، فأخرج منها بسؤال جديد، لكنه سؤال أعمق وأكثر صدقًا.

لهذا كانت الكتابة وما زالت، في تجربتي، واحدة من أكثر الوسائل التي أجد فيها قدرة على الاحتمال والفهم والتخفف.

لم تعلمني الكتابة أن أنسى الألم، بل أن أجد لغة أستطيع بها أن أحمل ما حدث، دون أن أظل أسيرة له.

وربما لا يكون الشفاء أن تختفي الحكاية من داخلنا، بل أن نستطيع روايتها ذات يوم دون أن تعود لتكسرنا.

***

منى الصالح

 

في المثقف اليوم