أقلام فكرية
حسام الدين فياض: قيم العمل بين الخطاب الأخلاقي والممارسات الاجتماعية
في العالم العربي المعاصر.. تحليل سوسيولوجي لمقولة طه حسين
” إلى الذين لا يعملون، ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس “ (الأديب والناقد طه حسين في إهداء كتاب: مع أبي العلاء في سجنه، مؤسسة هنداوي، ط2، 2014).
” إن مراقبة الأفراد الذين لا يعملون لغيرهم وهم يعملون تولد لديهم إحساساً بالنقص، لا لأن العمل في ذاته مؤذٍ، بل لأنه يذكرهم بعجزهم وضعفهم عن بلوغ ما حققه الآخرون “ (الكاتب).
ليست مشكلة العمل في المجتمعات العربية المعاصرة كامنة في ندرته وحدها، بل في المعنى الاجتماعي الذي أفرغ منه، وفي الموقع الرمزي الذي دُفع إليه العامل داخل سلم القيم العامة. ففي سياق تتقدم فيه الامتيازات غير المستحقة، ويعلو فيه صوت اللا منجز على حساب الفاعل، تصبح مقولة عميد الأدب العربي طه حسين: " إلى الذين لا يعملون، ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس " أشبه بأداة نقدية تكشف اختلالاً بنيوياً عميقاً في العلاقة بين العمل والاعتراف الاجتماعي. إنها ليست دهشة أخلاقية بقدر ما هي مساءلة صريحة لثقافة تعاقب الإنتاج وتكافئ العطالة، وتعيد إنتاج اللا مساواة عبر آليات رمزية ناعمة تجعل من العمل فعلاً مهمشاً، ومن العامل موضوعاً للتقليل لا للتقدير. ومن هذا المنطلق، تندرج هذه المقولة ضمن أفق سوسيولوجي نقدي يسعى إلى تفكيك أنماط الوعي السائدة، وفهم كيف تحول العمل من قيمة مؤسسة للكرامة والاندماج الاجتماعي إلى عبء فاقد للمعنى في كثير من التجارب العربية الراهنة.
- قيم العمل من منظور الوعي الجمعي العربي المعاصر: تُعرف قيم العمل سوسيولوجياً بوصفها منظومة المعاني والمعايير والتمثلات الرمزية التي يطورها المجتمع حول العمل، وتحدد مكانته الأخلاقية والاجتماعية، ومعايير تقديره، وعلاقته بالاستحقاق والكرامة والاعتراف الاجتماعي. فالقيمة هنا لا تنبع من العمل كجهد مادي أو نشاط اقتصادي فحسب، بل من كونه فعلاً اجتماعياً يقاس بمدى إسهامه في الصالح العام، وبما يمنحه للفرد من هوية ومكانة وانتماء.
وفي الوعي الجمعي العربي المعاصر، تتسم قيم العمل بطابع ملتبس ومزدوج، إذ تُعلن قيمة العمل خطابياً في التعليم والدين والإعلام بوصفه فضيلة أخلاقية وضرورة اجتماعية، بينما يُفرّغ عملياً من مكانته الرمزية في الحياة اليومية. هذا الانفصال بين الخطاب والممارسة يعكس تحولاً عميقاً في بنية الوعي الاجتماعي، حيث لم يعد العمل شرطاً أساسياً للاعتراف أو للترقي الاجتماعي، بقدر ما أصبحت عوامل أخرى كالقرابة، والوساطة، والانتماء الطبقي والمذهبي، والإيديولوجي (السياسي) تلعب الدور الحاسم في تحديد الموقع الاجتماعي.
ويظهر موقف الأفراد من قيم العمل في هذا السياق متأرجحاً بين التقدير المبدئي والنفور العملي. فكثير من الأفراد، ولا سيما الشباب، لا يرفضون العمل من حيث المبدأ، بل يرفضون المعنى الاجتماعي الذي أُلصق به عمل بلا أفق، وبلا عدالة، وبلا اعتراف. ومن ثم يتحول العمل من فضاء لتحقيق الذات إلى تجربة اغتراب، حيث ينظر إليه كوسيلة اضطرارية للعيش لا كقيمة مؤسسة للكرامة أو المشاركة الاجتماعية.
كما أسهمت التحولات الاقتصادية والسياسية في ترسيخ نمط من الوعي يرى في العمل المنتج مخاطرة غير مضمونة العائد، مقابل البحث عن أشكال " أكثر أمناً " من الدخل أو المكانة، حتى وإن كانت غير منتجة. وبهذا المعنى، فإن ضعف قيم العمل في الوعي الجمعي لا يعود إلى خلل أخلاقي فردي، بل إلى بنية اجتماعية تعيد إنتاج اللا مكافأة وانعدام العدالة الرمزية.
وعليه، يمكن القول إن الوعي الجمعي العربي المعاصر يعيش أزمة في قيم العمل لا غياباً لها، أزمة تتجلى في فقدان الثقة في العلاقة بين الجهد والاستحقاق، وبين العمل والاعتراف الاجتماعي. واستعادة قيم العمل لا تمر عبر الوعظ أو الخطاب الأخلاقي، بل عبر إعادة بناء الشروط الاجتماعية والمؤسساتية التي تجعل من العمل مساراً معقولاً للاندماج، ومن العامل فاعلاً معترفاً به داخل الجماعة الاجتماعية.
ونجد في هذا السياق أن العامل لا يُقصى عبر الحرمان القانوني أو القسري، بل من خلال نزع الشرعية الرمزية عن جهده. فالسخرية من بعض المهن، أو التقليل من شأنها في الخطاب اليومي والإعلامي، أو ربطها بالفشل الاجتماعي، يشكل نمطاً من الإقصاء الناعم الذي يجعل العامل نفسه، في كثير من الأحيان، يتبنى هذه النظرة الدونية ويمارسها على ذاته. هنا يتحول العنف الرمزي إلى عنف داخلي، يُعاد إنتاجه تلقائياً دون حاجة إلى قهر خارجي.
وتتجلى خطورة هذا النمط من العنف في كونه يخلق انفصاماً حاداً بين الحاجة الموضوعية والقيمة الرمزية. فالمهن الضرورية لاستمرار الحياة الاجتماعية كالأعمال اليدوية، والخدمات الأساسية، والحرف تشكل العمود الفقري للاقتصاد الاجتماعي، لكنها في الوقت نفسه تقصى من فضاء التقدير الاجتماعي. هذا التناقض لا يعكس خللاً فردياً في الذوق أو الأخلاق، بل خللاً بنيوياً في منظومة التصنيف الاجتماعي التي تضع " الهيبة " و" المكانة " فوق المنفعة الاجتماعية الفعلية.
ومن منظور سوسيولوجيا الثقافة، يمكن فهم هذا الاحتقار الرمزي للعمل بوصفه نتاجاً لتاريخ طويل من التراتبية الطبقية والرمزية، حيث ارتبط العمل اليدوي أو الخدمي بالضرورة أو القهر، لا بالاختيار أو الكفاءة. ومع التحولات الحديثة، لم تُفكك هذه البنية، بل أعيد إنتاجها بأشكال جديدة، عبر التعليم، والإعلام، واللغة اليومية، ما جعل الوعي الجمعي يستبطن تصنيفات غير عادلة للعمل دون مساءلتها.
كما أن هذا العنف الرمزي يسهم في تعميق الاغتراب الاجتماعي، إذ يفقد العامل الشعور بأن عمله معترف به اجتماعياً، فينشأ توتر بين الوظيفة الاقتصادية للعمل ووظيفته الرمزية. وبدلاً من أن يكون العمل مصدراً للاندماج الاجتماعي وبناء الهوية، يتحول إلى مجال للإحباط والانسحاب، وهو ما ينعكس سلباً على الإنتاجية، وعلى علاقة الفرد بالمجتمع والدولة.
وعليه، فإن قراءة مقولة طه حسين في ضوء العنف الرمزي تكشف أنها لا تنتقد مجرد موقف أخلاقي تجاه العمل، بل تفضح آلية اجتماعية عميقة تنتج احتقار العمل عبر المعنى لا عبر القوة. ومن هنا، فإن تجاوز هذا الخلل لا يقتضي فقط تحسين شروط العمل المادية، بل يتطلب إعادة بناء الوعي الجمعي حول القيمة الاجتماعية للعمل، وتفكيك التصنيفات الرمزية التي تجعل من الضروري محتقراً، ومن غير المنتج محل إعجاب وامتياز.
ويمكن لنا تعميق هذه الفكرة سوسيولوجياً من خلال ربط إساءة المجتمع إلى العامل بمفهوم الاغتراب الاجتماعي بوصفه نتيجة بنيوية لاختلال علاقة الفرد بالفعل الاجتماعي ذي المعنى. فالاغتراب هنا لا يقتصر على انفصال العامل عن نتاج عمله، بل يمتد إلى انفصاله عن الدلالة الرمزية للعمل نفسه، حين يفقد هذا الأخير وظيفته بوصفه مصدراً للاعتراف والاندماج والكرامة.
وعندما لا يعترف المجتمع بقيمة العمل، يتحول الفعل المنتج إلى ممارسة بلا أفق رمزي، أي إلى جهد يستهلك اقتصادياً دون أن يقدر اجتماعياً. في هذه الحالة، لا يشعر العامل بأنه فاعل داخل الواقع الاجتماعي، بل مجرد أداة وظيفية قابلة للاستبدال. وهذا ما يجعل الاغتراب ليس تجربة نفسية فردية، بل حالة اجتماعية عامة تنتجها بنية قيمية تفرغ العمل من معناه الأخلاقي والوجودي.
وهنا تتقاطع مقولة طه حسين هنا مع سؤال فقدان المعنى في الفعل الاجتماعي، حيث لا يعود العمل وسيلة لتحقيق الذات أو لبناء الهوية، بل عبئاً ضرورياً للبقاء فقط. هذا التحول يضرب في العمق أحد الشروط الأساسية للاستقرار الاجتماعي، لأن المجتمعات لا تقوم على العمل بوصفه نشاطاً مادياً فحسب، بل على الإحساس الجمعي بأن الجهد له قيمة، وأن الفعل الفردي يجد صداه في الاعتراف الاجتماعي.
كما يمكننا فهم ضعف المبادرة الفردية بوصفه نتيجة منطقية لاختلال العلاقة بين الجهد والمكافأة الرمزية. فحين يدرك الأفراد أن الاجتهاد لا يقود إلى التقدير، وأن التميز لا يضمن الاعتراف، تتآكل الدوافع الداخلية، ويحل محلها سلوك حذر أو انسحابي، يقوم على الحد الأدنى من الامتثال بدل الإبداع والمبادرة.
وتفسر لنا هذه البنية الاغترابية ظاهرة هجرة الكفاءات العلمية، لا باعتبارها بحثاً عن دخل أفضل فقط، بل بحثاً عن فضاء اجتماعي يعيد وصل العمل بالمعنى، والجهد بالكرامة، والإنجاز بالاعتراف. فالهجرة، في هذا المعنى، هي هروب من اغتراب رمزي بقدر ما هي انتقال اقتصادي. أما انتشار اللامبالاة، فيمثل المرحلة الأكثر خطورة، حيث يتوقف الفرد عن الاستثمار الرمزي في المجتمع ذاته، بعدما فقد ثقته في عدالة منظومته القيمية.
وعليه، فإن إساءة المجتمع إلى العامل لا تنتج ظلماً آنياً فحسب، بل تراكم أزمة معنى طويلة الأمد، تهدد أسس الفعل الاجتماعي ذاته. ومن هنا، فإن استعادة قيمة العمل ليست مسألة تحسين شروطه المادية فقط، بل إعادة تأسيس أفق المعنى الذي يجعل من العمل فعلاً معترفاً به، ومن العامل ذاتاً اجتماعية مكتملة الانتماء.
خلاصة القول، تأخذ مقولة طه حسين في المجتمعات العربية المعاصرة بعدها النقدي عبر وضعها في سياق التحولات البنيوية التي مست أنماط الإنتاج، وسوق العمل، ومنظومة القيم الاجتماعية. فالمقولة لا تكتسب راهنيتها فقط لأنها تصف ظاهرة قائمة، بل لأنها تكشف منطقاً ثقافياً ما يزال فاعلاً في إعادة إنتاج الأزمة.
وبرأي تتجلى هذه الراهنية أولاً في البطالة البنيوية التي لم تعد ظاهرة ظرفية أو مرتبطة بدورات اقتصادية عابرة، بل نتيجة لاختلال عميق بين أنظمة التعليم، وبنية الاقتصاد، وآليات الإدماج الاجتماعي. ففي هذا السياق، لا يُقصى الأفراد عن العمل وحسب، بل يقصون عن المعنى الاجتماعي للعمل ذاته، حيث يصبح العاطل عن العمل ضحية مزدوجة (حرمان مادي، ونزع اعتراف رمزي).
كما يواكب ذلك تضخم القطاعات غير المنتجة التي تعيد تدوير الموارد دون خلق قيمة اجتماعية مضافة، وتمنح في المقابل مكانة رمزية مرتفعة لمن يشغلون مواقعها. هذا الوضع يعمق المفارقة التي أشار إليها طه حسين، حيث يُساء إلى من يعمل فعلاً، بينما يكافأ من لا يساهم إنتاجياً. وهنا تتحول المقولة إلى توصيف دقيق لعلاقة مختلّة بين العمل والقيمة داخل البناء الاجتماعي العربي.
وتبرز راهنية المقولة أيضاً في تراجع المكانة الاجتماعية للمعرفة والعمل المهني، حيث لم يعد التخصص أو الإتقان شرطاً للترقي الاجتماعي، بقدر ما أصبحت الشبكات الاجتماعية، والولاءات، والقدرة على التكيف مع منطق رأس المال الاجتماعي الزبائني عوامل حاسمة. هذا التحول لا يفرغ العمل من قيمته الأخلاقية فقط، بل يجرده من بعده السياسي بوصفه أساساً للمواطنة الفاعلة والمشاركة الاجتماعية.
بذلك، لم يعد الإشكال الأساسي هو نقص فرص العمل فحسب، بل تشويه المعنى الاجتماعي للعمل، أي فقدان الثقة في العلاقة بين الجهد والاستحقاق، وبين الكفاءة والاعتراف. وحين يختزل العمل إلى وظيفة بلا كرامة، أو إلى ضرورة بيولوجية للبقاء، تتآكل قدرته على إنتاج الانتماء والمعنى، ويتحول إلى عبء فردي لا مشروعاً جماعياً.
وهكذا يظل نقد طه حسين صالحاً بوصفه نقداً لبنية ثقافية عميقة، لا لظرف تاريخي عابر. فهو يفضح آلية اجتماعية تجعل من العمل فعلاً مفرغاً من قيمته الأخلاقية والسياسية، وتعيد إنتاج مجتمع يكافئ العطالة الرمزية أكثر مما يكافئ الفعل المنتج. ولذلك، فإن استعادة راهنية المقولة اليوم لا تعني استدعاء الماضي، بل مساءلة الحاضر، وفتح أفق نقدي لإعادة بناء العلاقة بين العمل، والمعنى، والاعتراف الاجتماعي في المجتمعات العربية المعاصرة.
وفي النهاية، ليست مقولة طه حسين حكماً أخلاقياً عابراً، بل تشخيصاً سوسيولوجياً مبكراً لأزمة الاعتراف في المجتمع العربي. فمجتمع يسيء إلى العامل هو مجتمع يسيء إلى ذاته، لأنه يفكك الرابط بين الجهد والقيمة، وبين المسؤولية والاستحقاق. والخروج من هذا المأزق لا يكون بتمجيد العمل خطابياً، بل بإعادة بناء الشروط الاجتماعية والرمزية التي تجعل من العمل أساساً للكرامة، ومن العامل فاعلاً مركزياً في إنتاج المعنى الاجتماعي.
***
د. حسام الدين فياض
الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا







