أقلام فكرية
غالب المسعودي: الفلسفة بين ممارسة الوجود وضريبة الوعي النقدي
تشريح تاريخي واجتماعي لواقع الفكر في الشرق الأوسط وتأثيرات نظام الرداءة المعاصر
ترتبط الهوية المعرفية للفلسفة بصراع تاريخي عميق حول طبيعة غايتها القصوى؛ هل هي منهج عقلاني لتوجيه الحياة والارتقاء بكينونة الإنسان، أم تدريب وجودي مستمر على مفارقة الوجود المادي واستشراف الفناء؟ في العصور الكلاسيكية اليونانية والرومانية، لم تكن الفلسفة تعني تشييد أنساق نظرية مجردة أو الانخراط في مجادلات مدرسية معزولة، بل كانت تتطلب خياراً وجودياً حاسماً، وتحولاً كلياً في نمط الحياة اليومي يحاكي التحول الروحي أو العقدي. هذا التلازم بين الفكر والسلوك فرض على المدارس القديمة تطوير ممارسات عملية حية تُعرف بالتمارين الروحية.
وقد أعاد المؤرخ والفيلسوف الفرنسي بيير هادوت إحياء هذا المنظور الوجودي للفلسفة القديمة؛ إذ يكشف مساره الحيوي وتدريبه الديني، قبل مغادرته السلك الكهنوتي عام 1950 إثر صدور المنشور البابوي "الجنس البشري"، عن اهتمام مبكر بالتصوف وتأويل النصوص اللاتينية والأفلاطونية المحدثة. قاده هذا المسار، رفقة دراساته الدقيقة حول لودفيج فيتغنشتاين وأفلوطين، إلى تطوير منهج صارم في فقه اللغة يقوم على القراءة النقدية للنصوص وترجمتها قبل الشروع في تفسيرها وإعادة بنائها معرفياً. وخلص هادوت إلى أن إفقار الفلسفة الحديثة يعود بالدرجة الأولى إلى التخلي عن هذه التمارين الروحية وتحويل الفلسفة إلى مجرد نشاط أكاديمي معزول عن نبض الحياة.
يتجلى هذا البعد الوجودي بوضوح في شخصية سقراط، الذي كان يرى الفلسفة ممارسة شفهية حية وحواراً علاجياً يهدف إلى إيقاظ الوعي الفردي والجمعي. ففي محاورة المأدبة لأفلاطون، يُمثَّل سقراط بشخصية "إيروس"؛ ابن "بوروس" و"بينيا"، وهو تمثيل معرفي بليغ يشير إلى أن الفيلسوف كائن يعي نقصه المعرفي ويسعى باستمرار لاكتساب الحكمة التي لا يمتلكها. لقد رفض سقراط تدوين أفكاره، معتبراً التعليم الشفهي الحواري الأداة الوحيدة القادرة على إحداث تحول حقيقي في كينونة المحاور، على عكس الكتابة الجامدة. وتمثلت غايته الوجودية في دفع مواطني أثينا للالتفات إلى ما هم عليه بدلاً من الالتفات إلى ما يمتلكونه من ثروة وجاه.
تأسست الفلسفة القديمة على مبدأ السعي نحو "التحرر الذاتي" والاستقلال الداخلي، وهو المبدأ المشترك لدى السقراطيين، والكلبيين، والأرسطيين، والأبيقوريين، والرواقيين. وفي هذا السياق الوجودي الشامل، تندمج مكونات الفلسفة الكلاسيكية في فعل حياتي موحد؛ فلا يعود المنطق مجرد قواعد استدلال جافة، بل ممارسة للقول الصحيح والتفكير القويم، ولا تعود الفيزياء مجرد تفسير مادي للكون، بل تأملاً لامتناهياً في الطبيعة يحرر النفس من مخاوفها الفانية، ولا تعود الأخلاق مجرد تنظير للمبادئ، بل سلوكاً عادلاً وخيراً يُعاش في كل لحظة. ويختصر القول الأبيقوري الشهير هذه الرؤية:
"كلام ذلك الفيلسوف الذي لا يشفي أي معاناة إنسانية هو كلام أجوف لا قيمة له".
ثنائية ممارسة الحياة وتدريب الموت: المنعطفات المعرفية والقطيعة الديكارتية
في خضم الصراع بين ممارسة الحياة والتفكير في النهاية، تبرز الأطروحة السقراطية الكلاسيكية القائلة بأن "التفلسف هو تعلم الموت". وتشكل محاورة "الفيدون" الأفلاطونية المرجع الوجودي الأول لهذه الأطروحة؛ حيث يقدم سقراط قبيل إعدامه مرافعة فلسفية تبدد خوف رفاقه من فنائه الوشيك. يرى سقراط أن الفيلسوف الحقيقي يقضي حياته في السعي لإنقاذ روحه من أسر الجسد؛ فالجسد بحواسه المضللة، وشهواته العشوائية، وقلقه المستمر، يشكل عائقاً معرفياً أمام الروح في سعيها لإدراك الحقائق النقية والماهيات الخالدة. وبما أن الموت هو انفصال الروح عن الجسد، فإن التفلسف يمثل محاكاة مستمرة وتدريباً يومياً على هذا الانفصال الروحي السامي.
ينطوي مبدأ "التعلم على الموت" على مفارقة معرفية عميقة تفكك معنى الفناء والوجود:
أولاً، إن التفلسف يفرض على الفرد مواجهة حقيقة "التناهي الوجودي"، حيث يصبح الإدراك العميق للفناء الشخصي والكوني هو الشرط الوحيد لامتلاك حياة أصيلة خالية من الوهم.
وثانياً، إن السعي لتجاوز خوف الموت عبر فهم ماهيته يحمل محاولة للاتحاد بالخلود؛ فبالتدرب على الموت والتسامي فوق المحسوسات، يصبح الفيلسوف قادراً على تجاوز فنائه المادي واكتساب سكينة لا تتزعزع. وتتجلى هذه الرؤية في كلمات سقراط الأخيرة:
"يا كريطون، إننا ندين بديك لأسكليبيوس"، وهي عبارة تشير رمزياً إلى أن الموت ليس فناءً أو مرضاً، بل هو شفاء للروح وبداية لولادتها الحقيقية في عالم المعقولات.
أعاد ميشيل دي مونتيني صياغة هذه الثنائية الوجودية في مقاله الشهير عام 1580: "أن تدرس الفلسفة هو أن تتعلم الموت"، حيث يربط بين التفكير المستمر في الموت واكتساب الحرية الوجودية ومقاومة العبودية؛ إذ إن الخوف من الموت هو الأداة الكبرى التي تستخدمها قوى التسلط لاستعباد البشر وإخضاعهم. ويوصي مونتيني باستحضار فكرة الموت في خضم الفرح والنشاط اليومي، لينزع عن الموت صفة الغرابة والوحشة، ويمنح الفرد هدوءاً داخلياً يجعل من ممارسة الحياة طعماً خالصاً ونقياً.
شهد الفكر الغربي قطائع تاريخية ومعرفية كبرى أدت إلى تراجع الفلسفة كطريقة عيش وتحولها إلى أداة لإنتاج الخطاب النظري. تمثلت القطيعة التاريخية الأولى في إغلاق الإمبراطور جستنيان للأكاديمية الأثينية عام 529 ميلادية، مما أنهى تدريس الفلسفة الكلاسيكية رسمياً. ومع صعود العصر المسيحي، احتُكر مفهوم "طريقة العيش" بالكامل من قبل اللاهوت الكنسي، وجرى تقليص دور الفلسفة لتصبح مجرد "خادمة للاهوت" وظيفتها توفير الأدوات اللغوية للدفاع عن العقائد. انتقلت التمارين الروحية الفلسفية القديمة لتندمج في الممارسات النسكية للمسيحية الرهبانية. ويرى هادوت أن التمارين الروحية اللاحقة لم تكن سوى محاكاة مسيحية للتمارين الفلسفية الرواقية والأفلاطونية القديمة، حيث جرى استبدال غاية السعي نحو الحكمة الوجودية بتمثل حياة التضحية بالذات.
أما القطيعة المعرفية الأكثر خطورة فقد تحققت في القرن السابع عشر مع ما يسميه ميشيل فوكو بـ "المنعطف الديكارتي" في محاضراته "تأويلية الذات" عام 1982. كشف فوكو أن الفلسفة القديمة كانت تشترط تحولاً في كينونة الفاعل المعرفي كشرط للوصول إلى الحقيقة، حيث كانت "العناية بالذات" هي الإطار الروحي والأخلاقي المسبق الذي يؤهل الفرد لمعاينة الحقيقة. قام ديكارت، ومن تبعه من الفلاسفة التجريبيين وصولاً إلى كانط، بعكس هذه الهرمية المعرفية بالكامل، مؤسساً للمبادئ الآتية:
إقرار "معرفة الذات" بديلاً عن "العناية بالذات": أصبحت المعرفة العقلانية المحضة وتطوير المنهج الفكري الصارم هما الضمان الوحيد للوصول إلى اليقين، دون حاجة إلى تحول أخلاقي في سلوك الفاعل اليومي.
مفارقة العناية بالذات في العصر الحديث: أصبح المجتمع المعاصر ينظر إلى مبدأ العناية بالذات باعتباره شكلاً من أشكال الأنانية أو الانسحاب من المسؤولية، بعد أن كان لقرون المحرك الأساسي للمنظومات الأخلاقية الأكثر التزاماً تجاه الشأن العام.
عزل الخطاب الفلسفي عن الذات الوجودية: مما أدى بالتدريج إلى اختزال الفلسفة في مجرد دراسة نقدية للمفاهيم والعلوم، وفقدان وظيفتها كأداة لتحويل نمط الكينونة البشرية.
مأساة الوعي النقدي في الشرق الأوسط وسجالات الدم التاريخية
يمثل اضطهاد الفلاسفة من قبل المؤسسات الدينية والسياسية المتحالفة عبر التاريخ حالة درامية في تاريخ الفكر الإنساني. وفي تاريخ الشرق الأوسط، كان نصل السياسة وسيف السلطان حاضراً دوماً لمواجهة أي محاولة لاستخدام الوعي النقدي في زحزحة البنى التقليدية القائمة.
مأساة أبي الوليد بن رشد الحفيد (ت. 1198م)
شكل الفيلسوف الأندلسي ابن رشد علامة فارقة في تاريخ الاضطهاد الفكري؛ فقد عاش قاضياً بالنهار وفيلسوفاً بالليل، محاولاً التوفيق بين العقل والنقل في مشروع ضخم صاغه في كتابه "فصل المقال". ووجه في كتابه "تهافت التهافت" نقداً برهانياً صارماً لكتاب الغزالي "تهافت الفلاسفة"، مفككاً حججه ومثبتاً تماسك الفلسفة. غير أن تقلب الظروف السياسية في عهد الدولة الموحدية، ورغبة الخليفة المنصور في استرضاء العامة والفقهاء لمواجهة الأخطار العسكرية، أدت إلى نكبة ابن رشد وهو في السبعين من عمره. اتهم بالزندقة والهرطقة، وحكم عليه بالنفي إلى بلدة "أليسانة"، وأُحرقت كتبه الفلسفية وسط تهليل العامة. ورغم عفو الخليفة عنه قبل وفاته بأشهر، إلا أن روحه انكسرت ومات غريباً عام 1198م، وترتب على هذه المحنة انقراض الفلسفة العقلانية في العالم الإسلامي، بينما انتقلت الرشدية لتقود النهضة الأكاديمية في الغرب الأوروبي.
شهاب الدين السهروردي المقتول (ت. 1191م)
قدم السهروردي، "شيخ الإشراق"، مذهباً توليفياً فريداً دمج فيه بين العقلانية المشائية والذوق الصوفي، مؤسساً نظرية وجودية تعتبر "النور" هو مبدأ الوجود والجوهر المحرك للأشياء. تكمن مأساة السهروردي في اقترابه من الملك الظاهر (ابن صلاح الدين الأيوبي) في حلب، حيث مارس سطوة فكرية هائلة عليه. استشعر فقهاء حلب خطورته بعد أن عجزوا عن مجاراته في المناظرات العقلية، فدبروا له مكيدة فقهية مستغلين إجابته في مناظرة عامة حول القدرة الإلهية المطلقة في خلق نبي آخر، فصاحوا بكفره وادعائه النبوة. وكاتبوا صلاح الدين الأيوبي محذرين إياه، فأرسل أمراً صريحاً يوجب قتله. حُبس السهروردي في قلعة حلب، وتعددت الروايات حول مقتله؛ فمنهم من قال إنه خُنق، أو حُز رأسه، أو مات جوعاً باختياره منفصلاً بروحه عن كدر جسده المادي ليرتحل إلى عالم الأنوار المجردة عام 1191م.
الحسين بن منصور الحلاج (ت. 922م)
يمثل الحلاج نموذجاً صارخاً لاصطدام الوعي العرفاني بالسلطة السياسية والفقاهة الرسمية. فقد جاهر بعقيدة "الحلول والاتحاد"، معتبراً أن الحقيقة لا تُنال من خلال النظر الظاهري، بل بسقوط الحجب الفاصلة بين الذات وموجدها. رأى الفقهاء في إسقاط الحلاج للوساطة الشرعية تهديداً مباشراً لسلطتهم الرمزية، فتحالف الوعاء الفقهي مع سيف الخلافة العباسية، وجرى اتهامه بالزندقة، وانتهت محاكمته بإعدامه بطريقة وحشية صلباً وتقطيعاً.
عبد الله بن المقفع (ت. 756م)
كان ابن المقفع من أوائل ضحايا التصفية الفكرية والسياسية في العصر العباسي الأول. تميز بمشروعه الريادي في نقل وترجمة التراث الفلسفي والأدبي إلى العربية، وصياغة فكر سياسي نقدي تمثل في "رسالة الصحابة" التي وجه فيها نصائح نقدية مباشرة للخليفة أبي جعفر المنصور. استغلت السلطة السياسية نزعته النقدية وتحالفت مع الفقهاء لدمغه بتهمة "الزندقة" للتخلص منه سياسياً، حيث قُتل بطريقة بشعة على يد والي البصرة بطلب من المنصور.
القصور النقدي المعاصر وعوائق التأسيس الحضاري في الشرق الأوسط
يتضح من التحليل الاجتماعي والسياسي أن الفلسفة في الواقع المعاصر تعيش حالة مغترب كامل، عاجزة عن إحداث أي أثر تغييري ملموس في البنية العامة للمجتمعات، ويرجع هذا العجز إلى تشابك بنيوي معقد تصفه الفلسفة السياسية بـ "القصور النقدي" أو "عجز البنية المعرفية" المتجذر في علاقة الفكر بالسلطة.
يتجلى هذا القصور في تراجع الفلسفة السياسية المعيارية الحاضنة للقيم والعدالة أمام زحف المناهج التجريبية التقنية والتحليلات الإحصائية السطحية. وقد أدى هذا التجريد إلى حرمان العقل من قدرته على نقد "العقل الجمعي" وتفكيك بؤر الأوهام التي تصنعها الماكينات الإعلامية، مما جعل الثقافات المحلية مسامية وقابلة للاختراق والتبعية المطلقة.
ويرتبط هذا الاستلاب الفكري بـ "الاستلاب المادي" الناتج عن اندماج المنطقة المشوه في النظام الرأسمالي العالمي كمنطقة طرفية مستهلكة للمنتج المادي والمعرفي. وتستخدم الأزمات الاقتصادية والسياسية المستمرة كأداة لتحويل التناقضات الهيكلية الكبرى إلى أزمات معيشية يومية صغيرة تلتهم جهد المواطن، وتمنعه من إدراك موقعه في عملية الإنتاج. وتدار ثروات المنطقة لتعزيز نخب الريع، مما يسحق الطبقة الوسطى ويولد بيئة معادية لظهور فكر نقدي حقيقي يسعى لتغيير علاقات الملكية أو توزيع الدخل.
في خضم هذه الشروط القاسية، تبرز أعطاب التفلسف واغتراب المتفلسفة المعاصرين عبر قطائع تعوق مأسسة الوعي:
الهجرة الرمزية والإنتاج بلا أرضية: يفر الكثير من المنتسبين للفلسفة عبر استيراد مفاهيم نظرية غربية مسبقة الصنع والتحرك داخل سياقات فكرية منقطعة الصلة بآلام مجتمعاتهم، محاكين أوهام الرفاه الغربي دون تكييف معرفي أصيل.
عزلة الدرس الفلسفي داخل المنظومة التعليمية: تعمد الأنظمة التربوية إلى ممارسة أقصى درجات المصادرة على الفكر الفلسفي لإفراغه من طاقته النقدية الصادمة، وجرى إحلال الدراسات التقليدية محل الدرس الفلسفي لإعادة إنتاج الطاعة وعزل عقول الطلاب عن منطق السؤال الحر.
تبعية الثقافة لسياسة الانفعال وغياب الحرية: تخضع الثقافة لسياسة الانفعال والتحجر، في غياب كامل لسياسة الفكر التي تمثل الاقتصاد السياسي للحرية. وكما أشار هيغل بعبارته البليغة حول بومة منيرفا التي لا تحلق إلا بعد حلول الليل، فإن الفلسفة تعبير عن اكتمال الواقع بالحرية؛ وبما أن المجتمعات تفتقر لشروط الحرية والديمقراطية، فإن الفلسفة تظل عاجزة عن الدخول في مشروع الأفق الروحي للكينونة المشتركة.
آليات تسليع المعرفة من السطحية إلى السفاهة
يصل الاغتراب الفلسفي إلى كمال تحققه المشوه في عصرنا الراهن من خلال هيمنة النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يحلله آلان دونو في أطروحته حول "نظام الرداءة"، حيث يرى أن الرداءة تحولت إلى نظام سلطوي منظم يسعى لفرض "الوسط" كمعيار وحيد ومقدس للخضوع الإنساني، وإقصاء ذوي الكفاءة والتميز الفكريين بهدف تمكين المطيعين لأجندات الشركات الكبرى.
تسليع المعرفة الأكاديمية وصعود "الخبير"
انزلقت الجامعات المعاصرة إلى الرداءة بعد أن استبدلت المثقف الملتزم بالقيم الأخلاقية بـ "الخبير والمتخصص" المستعد لبيع عقله وكتابة تقارير تخدم الجهات المانحة والممولة. وتحولت الجامعة من حقل لتنوير الوعي الإنساني وتدريب العقول النقدية إلى مؤسسة تسوق شهادات استهلاكية لتلبية حاجات السوق المتوحش.
صعود "الرويبضة" والعبور من الرداءة إلى السفاهة
ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات التلفزيونية في ترميز التافهين والجاهلين، وتحويلهم إلى نجوم وصناع رأي عام يتحدثون في أدق شؤون السياسة والدين بلا علم ولا أخلاق. ويشير التطور الانحطاطي المعاصر للمفهوم إلى العبور من طور "الرداءة" إلى طور "السفاهة"؛ وهو رعاية مقصودة وممولة للتسطيح الفج الذي يتحول في المجتمعات المأزومة والمنقسمة إلى قنبلة موقوتة تهدد الوعي البشري.
مسارات المقاومة الفكرية واستعادة الفعالية الوجودية
على الرغم من الحصار المعرفي الذي يفرضه نظام الرداءة وسجالات الموت المسلطة على العقل النقدي، يطرح تاريخ الفلسفة مسارات موازية وبديلة قادرة على استعادة الفعالية الوجودية للفلسفة كخيار حياتي ملتزم.
تتمثل إحدى هذه المحاولات في حركة "الفلسفة الشعبية" التي تسعى لاستعارة الجاذبية الجمالية للثقافة الشعبية واختزال الأفكار العميقة وتكثيفها لمخاطبة البنى الوجودية والاحتياجات الأساسية للجماهير، محاولةً كسر الاحتكار الأكاديمي والتعقيد اللغوي غير المبرر. ورغم اتهامها بالتسطيح والوقوع في فخ الاستهلاك السريع، إلا أنها تؤكد ضرورة ممارسة الجاذبية والتأثير كأدوات تواصلية لنشر الحقيقة والوعي الفعال.
وفي مسار أكثر عمقاً وراديكالية، يقدم لودفيج فيتغنشتاين نموذجاً ملهماً للفيلسوف الذي يحول المنطق واللغة إلى تمرين روحي وعلاج يومي مستمر لتطهير النفس من الأوهام اللغوية التي تسجن العقل وتسبب له الآلام الفكرية والوجودية. الفلسفة عند فيتغنشتاين ليست صرحاً ميتافيزيقياً، بل نشاطاً تطهيرياً يهدف لتغيير الطريقة التي نرى ونختبر بها لغتنا وعالمنا وكينونتنا اليومية، معيداً السكينة والاتزان للذات المعرفية من خلال التدريب على الوضوح التام.
تستدعي مواجهة نظام الرداءة في الشرق الأوسط إعادة صياغة العلاقة بين الفكر والعمل، والربط المتين بين التفكير الوجودي والممارسة الأخلاقية اليومية كما كان يفعل القدماء وأبو حيان التوحيدي الذي كان يرفض أي فصل بين الفكر والسلوك الأخلاقي. ويتعين على الفكر العربي المعاصر أن يستيقظ من اغترابه ويفكك هجرته الرمزية نحو المعاجم الغربية، ليعيد تأسيس عقلانية نقدية أصيلة وملتزمة بقضايا مجتمعاته وتاريخها. ولا يمكن للفلسفة أن تؤدي رسالتها التاريخية إلا بنزع لغة الإدارة الفارغة واستعادة المعاني الأخلاقية الحية للمفاهيم الكبرى؛ كالعدالة، والحرية، والمواطنة الفعالة، والخير العام، والتأكيد على أن التفلسف ممارسة حياتية وتدريباً على مواجهة الموت والانتصار للوجود الإنساني الحر في آن واحد.
***
غالب المسعودي







